روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

نوفيلا قلبي كان القربان

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في الأحد فبراير 09, 2020 10:44 am

#لؤلؤة_في_محارة_مشروخة
#نوفيلا_قلبي_كان_القربان
#المقدمة

عزيزتي القارئة

لا تتسرعي بالحكم إلى أن تصلي لآخر سطر في الحكاية
العبرة ليست في البدايات
وإنما نجدها دائما في النهايات
لذلك لاتستعجلوا في حكمكم على أبطالنا
فلا يجب ان نصدر حكما قبل أن نستمع لافادة الجميع

…..

تفاجأت وداد بالاتصال الذي ورد إليها منذ قليل ولازالت بعض العبارات التي تداولتها مع المتصلة تتردد في عقلها
تحركت بخطوات مدروسة نحو نافذة مكتبها تنظر لمغيب الشمس خلف الغيوم
السماء تنذر بعاصفة مطرية خلال الليل وكم كانت راغبة بالعودة إلى المنزل والبقاء أمام مدفأة الصالة الحجرية تنعم بالدفء وبكوب شاي ساخن ينسيها برد الشتاء
ولكن ذلك الاتصال الغى كل ماخططت له وهي تفكر بتلك السيدة التي كلمتها منذ قليل بصوت واثق وقوي
صوت يحمل نبرة من السيطرة جعل وداد تتساءل ماعلاقة تلك المرأة بقصص الكتاب التي تود نشرها
ابعدت كفها عن زجاج النافذة وعادت لمقعدها خلف مكتبها الصغير تنظر للورقة التي دونت عليها رقم الهاتف واسم السيدة
( زينة الحاوي أي ريح حملتك إلى اليوم وقد ارسلت تقريبا معظم قصصي ليتم جمعها في الكتاب )
عاد الفضول الصحفي يناوش عقل وداد فأمسكت سماعة الهاتف تطلب أرقاما محددة ثم بدأت تنقر بالقلم على سطح المكتب وهي تنتظر إجابة الطرف الآخر
حين أتاها الرد قالت وعيناها مازالتا تراقبان الأرقام التي دونتها منذ قليل واحرف الاسم المدون اسفلها
_ سيد راجي اعتذر لاتصالي بك في هذا الوقت … اود ان توقف ارسال القصص الى المطبعة لعدة أيام فقط …. أجل يبدو أن هناك قصة جديدة ستضاف الى قائمة القصص … اشكرك من كل قلبي … حسنا الى اللقاء
اغلقت الهاتف وابتسمت وهي تتناول مفاتيحها وهاتفها والورقة التي دونت بها رقم هاتف السيدة زينة متجهة نحو منزلها فغدا لديها يوم حافل بالتأكيد
….
في اليوم التالي
أوقفت وداد السيارة أمام المتجر الصغير الذي لطالما مرت من جانبه خلال ذهابها وايابها لعملها
لطالما لفتت نظرها الاشياء اليدوية الصنع التي تعرضها واجهة هذا المحل من شالات وملابس صوفية تظهر مدى اتقان اصحابها لهذا العمل
ابتسمت وهي تقرأ الاسم الصغير المدون في زاوية اللوحة المعلقة فوق واجهة المحل (زينة الحاوي )
حين علمت أن السيدة تعمل بمكان قريب للجريدة التي تعمل هي بها صدمت لقد ظنت انها ربما تضطر للسفر بعيدا لاجل هذه القصة لكن لم يخطر ببالها ابدا ان تكون بهذا القرب منها
دلفت للمحل وعينيها تتجولان في المكان تبحث عن ضالتها
استقبلتها فتاة في بداية العشرينات تقريبا بابتسامة ودودة وهي تقول
_ بما أستطيع مساعدتك سيدتي
بادلتها وداد الابتسامة وقد خمنت انها ليست ضالتها المنشودة وهي تقول
_ أود مقابلة السيدة زينة
اومأت الفتاة برأسها ثم غادرت نحو غرفة جانبية بينما بقيت وداد تنظر للقطع المعروضة باعجاب
لم تمض لحظات حتى خرجت الفتاة وخلفها ظهرت سيدة ربما تجاوزت الأربعين بسنوات بملامح أقل مايقال عنها جذابة وجميلة عينين زرقاوين واثقتين قويتين رغم اختفائها خلف نظارة طبية ووجه تشعر بان القوة والثقة تنضح منه تلف رأسها بوشاح رمادي اللون يزيد وجهها جمالا
اقتربت السيدة بخطوات متأنية واثقة تمد يدها بالسلام
_ اهلا بك سيدة وداد
ردت وداد التحية وهي تصافح مضيفتها
_ اهلا بك سيدة زينة
ابتسمت السيدة ثم قالت وهي تشير لنفس الباب الجانبي الذي خرجت منه
_ يمكن أن نتحدث بغرفة مكتبي فهذا سيعطينا حرية أكبر
تبعتها وداد وفي داخلها اسئلة كثيرة تدور .. استقرت على المقعد في المكتب المفروش بعناية مما يوحي بذوق صاحبته الكبير
تناولت فنجان قهوتها من يد مضيفتها والتي استقرت قبالتها تبدأ الحديث
_ أعلم أنك استغربت اتصالي البارحة
وضعت وداد فنجان القهوة من يدها وهي تقول
_ حسنا .. لقد استغربت اجل واستغربت اصرارك على مقابلتي اليوم
أزاحت زينة نظارتها الطبية عن عينيها لتستقر فوق صدرها كونها معقودة خلف عنقها بشريط اسود يماثل لون اطار النظارة ثم نظرت بعيني وداد نظرة اخبرت وداد ان خلف هذه المرأة قصة لاتقل ابدا عن قصص الفتيات التي قابلتهن او تحدثت إليهن قبلا واللاتي جمعت قصصهن في كتابها
_ حسنا ياسيدة وداد .. لقد حدثتني احدى صديقاتي عنك ..فتاة تقابلنا انا وهي صدفة ولكن بعدها باتت من المقربات لي حماسها جعلها تخبرني عنك وعن كتابك الذي تؤلفينه
كتاب يضم العديد من القصص لفتيات كان السجن مايجمع بين قصصهم وكيف حملتهم دروب الحياة بعد خروجهن منه
هل كان السجن عقابا ام ملاذا
هل استقامت لهن الحياة ام بقيت تذيقهن الويل
كل هذا سوف يعرفه من يقرأ كتابك
رغم ان بطلة حكايتي لم تمض في السجن فترة طويلة
ولكن السجن ولو ليوم واحد لم يكن ضمن الاحتمالات التي فكرت بها وهي تمضي في طريقها نحو المجهول
لم تتخيل أن تقاسي من رطوبة جدرانه او عذاب السجانين
لذلك لم يكن نهاية تتوقعها ابدا
نظرت لها وداد تحاول ان تستنبط ماتريده هذه السيدة منها تتفرس في عينيها وتعابير وجهها لاترى اي نظرة ندم او رهبة او خوف
عينيها لا تشبهان اي عينين سبق ورأتهما في رحلة تجوالها خلف قصص كتابها
أفاقت من تساؤلاتها على صوت زينة الواثق مجددا ثقة تجعلها تتساءل مالذي تريده منها
_ لدي قصة … لنقل انها مختلفة عن كل ما صادفته … قصة كان الموت رفيق الدرب فيها ولكن من حسن الاقدار ان وهبت صاحبتها فرصة جديدة للحياة
قالت وداد متساءلة وهي التي لم يسبق ان اتت اليها بطلة بنفسها لتحكي بل هي من بحثت خلفهن جميعا ولم تترك محاولة لم تقم بها لإقناعهن برواية قصصهن
_ هل تودين ان اكتب قصتك ياسيدة زينة
ابتسمت زينة وهي تتراجع للخلف مسندة ظهرها للمقعد قائلة بثقة
_بدل بحثك خلف القصة أتت القصة اليك .. لقد آثرت في داخلي مشاعر كثيرة وانا استمع من أماني عنك
نظرت لها وداد بصدمة
_تقصدين الطبيبة اماني( شخصية الطبيبة في نوفيلا بخافقي ألوذ عن جواك للكاتبة ام شيماء )
هزت زينة رأسها بتأكيد وهي تقول
_قابلتها صدفة ثم بعدها أصبحنا صديقتين رغم لقاءاتنا القليلة لكن حديثنا شبه يومي على الهاتف ولانها تحبك كثيرا حكت لي عنك وعن القصص التي جمعتها دون أن تتطرق لأي تفاصيل حتى لاتفسد متعتي بقراءة الكتاب كما قالت
و حديثها دفعني لان اطلب لقاءك

هل تنكر وداد أن فضولها الآن بأوجه تريد ان تعلم القصة وراء السيدة زينة وهل كانت ايضا نزيلة سجن في الماضي شعت عيناها بالعزيمة وهي تقول
_ حسنا انا موافقة ياسيدة زينة سأجهز العقد الذي يضمن لك سرية الأسماء وعدم ذكر أي تلميح يخصك في القصة التي سأنشرها
قاطعتها زينة قائلة بغموض مما دفع وداد للنظر اليها باستغراب
_ لااحتاج اي عقد .. فقط التزمي بشروطي التي سأقولها لحمايتك انت وليس لحمايتي انا ياسيدة وداد
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في الثلاثاء فبراير 11, 2020 12:24 pm


#الفصل_الاول

الخاطرة اهداء من الجميلة هند Hend Fayed على لسان شخصية زينة الحاوي

(( أوَ تعجبين مِن قصتي، تظنين أنها مُقلِقة؟
حسنًا، يحق لكِ الخوف والاحتياط والحذر مني.. رغم أني لست الظلام.
أوَ تعلمين مَن أنا حقًا؟
أنا الناصحة الأمينة ومِن قبل كنت الرهان،
أنا بطلة الحكاية ومِن قبل فاتني الأوان،
أنا ذات يوم كنت مجرد ظل واليوم أنا البرهان.
وإن تسأليني النُصح يومًا فاسمعي..
لا تثقي أبدًا يا سيدتي في لطفِ امرئ أو رِفق الزمان،
فكلاهما يوم الحصادِ يتحولان إلى شيطان.
لا تقولي بأن كل جميل يُعبر عن الحبِ فما أدراكِ ألا يكون في خموده كالبركان،
ولا تظني الخير في أحدٍ حتى تأمني جانبه فما أدراكِ ألا تكون خلف واجهة الإنسان حيوان؟
وانسي أن الأمل قريب فهو في الحقيقة وعِر كما صعود الجبال والوصول بأمان إلى الشُّطآن.))

………….
نظرت وداد نحو زينة بصدمة وهي تسمع قولها … هل تظن انها ستخيفها بمثل هذا الحديث وهذا الغموض … قالت وداد بعملية مطلقة محاولة عدم التأثر بهذه السيدة او كلامها

_ املي علي شروطك اذن ياسيدة زينة

قامت زينة عن مقعدها تتحرك نحو نافذة صغيرة تطل على حديقة خلف المتجر عينيها مثبتتان على القضبان الحديدية التي تفصل النافذة عن الحديقة منعا لدخول متسلل ما تتحدث وكأن صوتها قادم من البعيد :
_ اول شروطي ان تجعلي القصة ممكنة الحدوث في كل بلد
قالت وداد :
_لم افهم
أكملت زينة :
_ انت لن تقولي انك قابلتني او سمعتي القصة مني او جلستي معي ...هي فقط قصة سمعتها مرة من زائرة غريبة، وودت ان تكون من ضمن قصص كتابك … حاولي انت تجعلي الغموض يلف قصتك حول من قامت برواية الحكاية

للحظة شعرت وداد بالخطر وهي تسمع هذيان هذه المرأة ولكن زينة عادت تنظر لها نظرات مطمئنة تخبرها
_ قصتي مختلفة ولكن يحفها الخطر ان كشفت ياسيدة وداد ورغم المخاطرة رغبت ان تضيفيها لقصصك .. وانا اطلب منك هذا الامر لحمايتك كما اخبرتك… اجعلي القصة عامة لاخاصة تمثل فتاة مثلي في كل بلد تعرض بلدها للتمزق .. فبطلة حكايتي عانت الكثير ولاتحتاج لاي معاناة اضافية وكذلك انت بغنى عن أي مشكلات قد تصيبك إن علموا أنك على صلة مع صاحبة الحكاية أو من يعرفها
_من اي بلد انت .. لكنتك تقول انك من هنا ولست غريبة عن هذه البلاد
لم تستطع وداد كبح لسانها عن السؤال فأجابت زينة بغموض اكبر
_انا من كل مكان … وكما اخبرتك بعض القصص لاتحتاج لمعرفة المكان ولابد انه سبق وطلب منك هذا الامر أعني كتمان لقاءك بصاحبة الحكاية أو من نقلتها لك .. يحق لبطلة الحكاية خاصتي ان تحظى بالامان الذي دفعت ثمنه الكثير ،بل دعيني أخبرك أن هذا شرطي الوحيد ، لأن خطورة الأمر ستتطالك انت قبل بطلة الحكاية
طرقات على الباب نبهت وداد لمرور الوقت فاقتربت منها زينة قائلة
_ ان وافقت على شرطي هذا فانا بانتظارك اليوم مساء .. في منزلي
….
في المساء كانت وداد جالسة في صالة صغيرة مرفقة بالمنزل الصغير الذي اتت اليه تنظر حولها بانبهار لقطع التحف الموضوعة بأناقة تماثل أناقة مكتب السيدة زينة
ان هذه السيدة لابد ودرست كل ماله علاقة بالتحف والديكور فلمساتها الرقيقة والواثقة تراها وداد في كل مكان منذ لحظة دخولها هذا المنزل ترافقها زينة نحو الصالة
استأذنت زينة منها لتعد القهوة لهما ثم عادت بعد دقائق
قالت وهي تضع صينية القهوة على الطاولة وعينيها تراقبان وداد :
_هل أعجبتك اللوحات؟
نظرت لها وداد بابتسامة قائلة
_ انها لوحات دمشقية كما حال التحف وهذه المقاعد .. هل انت من دمشق
نظرت لها زينة بابتسامة لكن عينيها لم تظهر اي مشاعر كما توقعت وداد ان ترى إن هذه السيدة تستطيع إخفاء مشاعرها تماماً بواجهة غريبة
أجابتها زينة بصوت خرج عادياً :
_ والدة زوجي من هناك وهي من أتت ببعض الأشياء بعد زفافها وأنا تكفلت بإحضار الباقي فزوجي مولع بكل مايخص والدته وبلدها أما أنا فكما اخبرتك انتمي لكل مكان
اخذت وداد فنجان القهوة وجلست على المقعد المصنوع من الخشب المزين بالصدف الابيض والمنجد بقماش المخمل الاحمر
لطالما شاهدت مثله في بعض البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن روعة هذه الحرفة اليدوية او من خلال متابعتها للمسلسلات الشامية القديمة
كانت زينة تراقب نظرات وداد المعجبة وهل يستطيع احد الا يعجب بهذه الحرف ودقة يد صانعيها
تحفة تحكي إبداع الايادي التي أنجزتها
قالت وداد وهي تخرج من حقيبتها ورقة قدمتها للسيدة زينة قائلة
_ انه عقد يضمن عدم ذكر اي تفاصيل تخص هويتك وهو ما تم إبرامه بيني وبين الفتيات اللواتي استمعت لقصصهن
اخذت زينة الورقة تقرأها ثم خطت توقيعها عليها واعادتها لوداد قائلة
_ رغم أنني أخبرتك أنه لا ضرورة لذلك
هزت وداد رأسها بتفهم ثم اخرجت بضعة أوراق ومسجلا صغيرا وضعته على الطاولة
_ انا مستعدة لسماعك سيدة زينة
….

_ميرال هل بامكانك ان تستلمي مناوبتي غدا
فقد قررت حماتي المصون ان خطبة ابنتها آخر العنقود يجب أن تتم غدا وستقيم حفلا لها ولا استطيع التهرب من هذه المناسبة
ابتسمت ميرال لمنظر صديقتها سلمى وهي تنظر لها بعينين وديعتين جعلتا ميرال تهز رأسها بأجل فما كان من سلمى الا ان اقتربت تحتضنها هامسة
_ انت أروع صديقة على الاطلاق وسأرد الدين لك حين يعود زوجك من سفره
ابتسامة عاشقة طغت على نظرات ميرال وهي تتذكر زوجها الذي سافر منذ فترة لمتابعة بعض الأعمال في محافظة بعيدة
نداء الطوارئ جعلهما تتحفزان وهما تتوجهان لقسم العمليات حيث تمارس كل منهما عملها كطبيبة جراحة في المشفى الكبير داخل العاصمة
كانت ميرال تتحرك بعملية بحتة تستمع للممرضة التي تخبرها بمعلومات عن المريضة التي أصيبت لتوها بشظية صاروخية نتيجة وجودها في حديقة الجامعة حيث سقطت عدة قذائف هناك مما أدى لاصابة العديد من الطلبة الذين تزامن وجودهم هناك مع سقوط القذائف
رغم مرور حالات كثيرة عليها يوميا بسبب كثرة القذائف التي تتساقط ولكنها تشعر بالاسى لكل حالة تتولى اجراء العمليات لها
انتهت من غسل يديها بالمعقم الخاص ثم اتجهت نحو سرير العمليات حيث ترقد فتاة في ريعان شبابها ربما لم تتجاوز العشرين بعد هذا ماخمنته ميرال وهي تلقي نظرة سريعة لوجه الفتاة قبل أن تشرع بعملها بمهنية بحتة يداها خبيرتان بفتح الجسد مكان الاصابة البحث عن الشظية ثم إخراجها ورميها في وعاء مخصص لها
تستمع لطبيب التخدير وهو يعطيها المؤشرات الحيوية للمريضة وقربها طبيب مساعد استعد للبدء بخياطة الجرح بينما يدي الممرضة تعملان على مسح الجسد دوما بمادة معقمة باردة
انتهت العملية ومعها ثلاث عمليات قامت بهن تباعا دون دقيقة راحة
خرجت من غرفة العمليات منهكة تطمئن من حضر من أقرباء المرضى للاطمئنان عليهم
حمدت الله بسرها أنها لم تضطر لابلاغهم باخبار مفجعة كما حصل معها في اليوم السابق حين وصلت ضحيتين نتيجة تفجير بعبوة ناسفة ولكن للاسف وصلتا مفارقتين للحياة
ليس أصعب على الطبيب من نقل مثل هكذا خبر رغم تكراره تقريبا كل يوم الا ان ميرال تشعر بنفس الألم والحزن وهي تراقب انهيارات الاهل وصراخهم بسبب الفقد

دخلت الى غرفتها تبدل ملابسها تنوي المغادرة نحو المنزل علها تنال قسطا من الراحة قبل أن تعود لنفس الروتين غدا
رنين هاتفها جعلها تمسكه متلهفة وهي تناظر الاسم بلهفة اكبر فتحت الهاتف تستمع لصوته بعينين مغمضتين
صوته الذي جاءها عبر الآثير جعلها تستشعر وجوده قربها يديه تحيطان بخصرها بحميمية وشفتاه قرب اذنها تهمسان لها
_ اشتقت لك
تشربت الحروف بدقات قلب مفعمة بالحب ثم حاولت تصنع الحزم وهي تجيب دون ان تفتح عيناها
_من يشتاق لايغيب مدة اسبوعين دون أي اتصال
ضحكاته العابثة وصلتها وهو يقول
_ عندما أصل ساسمح لك بعقابي كما تريدين
همست بلهفة فتاة عاشقة وليس كامرأة متزوجة منذ اربعة عشر عاما
_هل انت قادم حقاً؟
عاد لضحكه قائلا
_ ساعات وأصل باذن الله
قطع الاتصال قبل ان تجيبه صرخت متلهفة
_لجين .. لجين هل تسمعني
صوت انقطاع الاتصال لم يقنعها ان الاتصال انتهى دموع غشت عينيها لاول مرة منذ رحل تستشعر خطرا قادما يحيط به هو
نظرت للهاتف تناظر الشاشة التي تحمل صورة وجهه همست بخفوت
_أرجو أن تصل بالسلامة .. سانتظرك بكل شوقي وحبي لك
وضعت الهاتف في حقيبتها تمسد على صدرها بكف يدها فذلك الشعور السيء لايفارقها
نفضت ذلك عن ذهنها تصبر نفسها بان سوء الأوضاع وكثرة ما ترى من حالات بشكل يومي في هذا المستشفى هو مايجعل هذا الاحساس يتولد لديها
اخذت اغراضها وخرجت من المستشفى قاصدة لمنزلها تحاول رسم الجدية على ملامحها فهي من تعودت ألا يراها احد ضعيفة
اي أحد عداه هو
تخطت البوابة تهاتف صديقتها سلافة والتي مازالت ضمن اجازة اخذتها لمدة يومين
ضحكة ندت عنها وهي تقول
_ باتت الاجازة لمدة يومين رفاهية لايحصل عليها احد في هذه الايام سلافة خانم
اجابتها سلافة بنعاس
_ لاتخبريني ان اجازتي انتهت بهذه السرعة
ضحكت ميرال وهي تضع حقيبتها واغراضها على المقعد المجاور لمقعد السائق ثم تستقل السيارة جالسة خلف المقود تدير سيارتها ومازالت سماعات الهاتف معلقة بأذنها
_مازال امامك حتى مساء الغد
تنهدت سلافة بتعب فهذا يعني أن إجازتها يوم ونصف فقط فقالت ميرال مكملة بابتسامة
_ غدا اريدك ان تتولي المناوبة مكان سلمى هل بإمكانك فعلها …
_ومابها سلمى الآن … لم أنا الوحيدة التي ابتليت بكما بعد تخرجنا
قالتها سلافة تدعي العذاب اجابتها ميرال وعيناها ترصدان سيارة غريبة تتبعها من اللحظة التي انطلقت بها خارج كراج المستشفى
_ بل انت محظوظة بوجودنا يا سلافة .. فكيف كنت ستقضين ايامك دوني انا وسلمى ها أخبريني
قالت سلافة بخيبة
_اجل محظوظة. .. ثم اخبريني مابها سلمى هذه المرة
اجابتها ميرال وعيناها تنتقلان مابين متابعتها للطريق أمامها وما بين تلك السيارة التي تتعقبها منذ خروجها من المستشفى
_حماتها المصون تريد إقامة خطوبة لابنتها اخر العنقود وتعرفين اذا لم تكن سلمى موجودة ستقيم الدنيا ولن تقعدها مهما حصل
أوقفت ميرال السيارة على جانب الطريق امام مطعم اعتادت أن تأخذ منه وجباتها المسائية فيبدو أن حديثها مع سلافة سيطول ثم إنها تريد التأكد من تلك السيارة
هتفت سلافة بنزق
_ هل حماتها مجنونة كيف تريد اقامة حفل خطوبة والوضع في البلد بهذا السوء ثم سلمى الن تكف عن سلبيتها تلك لا اصدق انها طبيبة جراحة ابدا
لا أفهم ما الذي ورطها بذلك الزواج
عينا ميرال وحواسها كانت على المرآة الامامية تراقب السيارة التي توقفت خلفها على بعد عدة امتار
هل هم يراقبونها أم أنه يهيأ لها حاولت أن تتحلى بالشجاعة وهي تلمح السيارة تغادر من امام سيارتها فتنهدت براحة تزيح ذلك الخوف عنها او تدعي زواله هل يمكن ألا تخاف وكل يوم تسمع عن عمليات اختطاف واغتيال
صوت سلافة الحانق وهي تخاطبها جعلها تعود لتركيزها بعض الشئ تقول بصوت خفيض
_ ان الناس تريد ان تفرح كذلك يا سلافة … فمهما كان الحزن كبيرا نحاول ان نبحث عن فرصة واحدة لنعيش لحظة سعادة مسروقة من الزمن ...فلا تلومي الناس لمحاولتهم التمسك بتلك السعادة
قالت سلافة بقلة حيلة
_ حسنا لا بأس وانت هل هناك مايشغلك كذلك
ضحكت وهي تقول بشاعرية
_ لجين قادم بعد ساعات
ضحكت سلافة تجيبها
_ وطبعا العاشقة ميرال لن تستطيع الا ان تكون بانتظاره
ضحكت بمرح وهي تستمع لكلام صديقتها ويدها تلتقط حقيبتها لتخرج قطع النقود بقصد النزول وإحضار الفطائر
_بالتأكيد لن استطيع الا ان اكون بانتظاره
تنهيدة حالمة وصلتها من سلافة وهي تقول بمزاح
_ متى يأتيني ذلك الفارس والذي سأتركك انت وسلمى تقيمان لأشهر في المستشفى بينما انا انعم بالسعادة معه
أجابتها ميرال
_وافقي على إقتراح سلمى وتزوجي شقيق زوجها
قالت سلافة بغضب
_ وأبتلي مثلما بليت هي
لم تنتبه ميرال لجملة سلافة وهي تراقب ذلك الشخص الذي خرج من المطعم نحو سيارة تعرفها جيدا يركب السيارة بجوار سائقها لتنطلق بهم مسرعة … انه شخص لن تخطأه أبدا … ولكن ماذا يفعل هنا وهو مسافر لعدة أيام كما اخبرها
توسعت عيناها بصدمة كلا لابد أن هذا وهم من صنع خيالها فهو لايمكن ان يكذب عليها قالت محاولة انهاء الاتصال بسرعة
_سلافة علي ان اغلق الان … لاتتخلي عن سلمى مهما حدث .. تذكري عهدنا اننا شقيقات لاخر العمر
سلافة على الطرف الآخر قفزت برعب من سريرها وبرأسها تدور آلاف السيناريوهات عن الخطر المحدق بميرال ومثيلاتها من الأطباء عمليات خطف واغتيال تطال كل يوم النخبة منهم وميرال الافضل في مجالها في المستشفى الذي تعمل به فهل هناك من يود اغتيالها
_ميرال .. ميرال هل انت بخير
اتاها صوت ميرال وقد استعادت بعض هدوءها
_ انا بخير ماذا بك
سقطت سلافة على السرير تلهث قائلة
_لقد اخفتني ظننتها وصيتك الاخيرة يافتاة
_ كل يوم نحن نكتب وصيتنا ياسلافة ام تراك نسيتي مايحدث خارجا كل ساعة .. ساغلق الان فانا وصلت للمنزل
كان هذا صوت ميرال التي أنهت الحديث بعدها متوجهة نحو منزلها وقد غادرت سعادتها بقدوم زوجها ليحل محله الخوف .. خوف كانت تشعر به منذ مدة لكنها كذبت نفسها مرات ومرات
………

انتهت من حمامها ونظرت للهاتف باستجداء للمرة المئة
لم يرن منذ وصولها رغم إرسالها للعديد من الرسائل
تنهدت بتعب تجلس بارتباك على الكرسي في الصالة تفكر وتفكر
نظراتها رانت الى مجموعة من الصور وضعتها بإتقان فوق رف المدفأة الرخامي
اول صورة لها ولزوجها لجين يوم زفافهما منذ سنوات
يضمها اليه بمشاكسة وهي تنظر للكاميرا بضحكة صافية افتقدتها منذ بدء الحرب
كم رسمت من الأحلام رفقة لجين
البعض تحقق والبعض اصبح طي النسيان من الصعب تحقيقه
الصورة التالية لها وله منذ عام بمناسبة عيد زواجهما لازالت نظراته تحمل ذات العشق لها
تلك اللمعة التي تخبرها أن الحب لا يخبو مع الأيام بل تزداد شعلته توهجا في قلوب المحبين
أما الصورة الثالثة لها ولصديقتيها سلافة وسلمى صورة تجمعهم في الجامعة واخرى التقطت منذ عامين بعد ولادة سلمى لابنتها لطالما كانت وصديقتيها الثلاثي المرح
صداقة ابتدأت في مقاعد الدراسة في الجامعة ولم تزدها الأيام إلا متانة وقوة
آخر صورة كانت لها مع شقيقها غياث تحتضنه بلهفة أم وسعادة اخت
نهضت من مقعدها نحو مكان الصور امسكت الصورة الاخيرة بيدها تمرر اصابعها على زجاجها تتلمس وجه شقيقها الضاحك
تستعيد ذكرياتها معه منذ ولادته وهي التي تكبره بتسع سنوات
كانت وحيدة والديها ليأتي هو بعد تسع سنوات انتظار
كانت مثل امه بل أكثر اقرب اليه من امهما ووالدهما
ولأن الله لم يرزقها باولاد بعد زواجها بقي هو بمكانة ابنها الذي لم تنجبه
وساهم لجين بتعزيز تلك المكانة حين اتخذه كولد له ايضا
اغدقت عليه الكثير من حبها وحنانها
نظرت لملامحه في الصورة تتذكر تاريخ التقاط الصورة بمناسبة تخرجه برتبة امتياز من الكلية التي يدرس بها ليبدأ بعدها مشواره لنيل شهادة الدكتوراه
سافر وبعد سفره بدأت تشعر بتغيره ..
عودته اثبتت لها تغيره فهو لم يعد الشاب الباحث خلف العلم والقيم بل بات كغيره لاهثا خلف جمع المال والمناصب
لكن مازالت حتى هذه اللحظة تنكر في قلبها انه تغير تحاول ألا تصدق ماتراه منه بل تكتفي بما يخبرها به قلبها كأم
تؤكد ان غياث مازال ذلك الفتى الضاحك للحياة والممتلك للكثير الكثير من الحب
اهتزاز الهاتف ابلغها بوصول رسالة أعادت الصورة بسرعة ولكنها سقطت أرضاً ليتحطم الإطار الزجاجي لشظايا كثيرة جعلها تشهق وهي تمد يدها بلهفة لتخرج الصورة قبل ان تتمزق فكان نصيب يدها جرح صغير
قطرات من الدم الأحمر تناثرت فوق صورتهما عيناها اهتزتا بغير استقرار وهي تراقب تلك البقعة التي خلفتها قطرة الدم
امسكت الصورة تضعها على طاولة قريبة بعد أن نفضت عنها قطع الزجاج
ثم اتجهت نحو المطبخ بخطوات ساهمة تحضر أدوات التنظيف لازالة بقايا الزجاج
عقلها يعمل بآلية يفكر و يدور بدوامات الفكر
أنهت إزالة الزجاج ثم عادت لمكانها تضع ضمادا لاصقا توقف نزيف الجرح بعد ان عقمته
اخذت الهاتف بيد مرتجفة تقرأ الرسالة التي أرسلت لها من رقم غريب
_ لا اعلم متى سأصل لأن الطرقات مقطوعة والوصول بات صعبا ..هاتفي نفذ شحنه
حاولت الاتصال بالرقم الذي وصلت منه الرسالة دون فائدة
تسرب القلق إليها وهي تتصور الكثير من الأشياء المرعبة التي يمكن أن تحصل
عادت تتاكد ان بريدها لا يحتوي إلا على هذه الرسالة إذا فغياث لم يجبها بعد
وضعت الهاتف جانبا وهي تفكر متى ستزول هذه الغمة ويعود كل شيء لسابق عهده
تعود هي ولجين لقضاء صباحهما معا مع فنجان قهوة صباحي يعبق برائحة الياسمين ثم يتوجهان لعملهما ويعودا مساء لقضاء امسياتهما معا
كيف لا يشعر الإنسان بقيمة تلك الأشياء البسيطة التي تجري في روتين يومه العادي الا حين يفتقدها
كيف تصبح هذه الأشياء من أكثر الأمور التي يتمنى عودتها حين يفقدها
صدقت امها يوما حين اخبرتها
عيشي كل لحظة سعادة .. عيشي كل التفاصيل الصغيرة فهذه التفاصيل يوما ستكون كل حياتك
وهاهي الآن تتمنى أن تعود تلك التفاصيل الصغيرة لحياتها
يغمرها حنين غريب وهي تتذكر سيرها العادي في شوارع مدينتها القديمة ويدها بيد لجين
رائحة الدرب الذي يسيران به
ممزوجة برائحة حبات الفول المسلوق الذي يبتاعه لها من البائع الجالس خلف عربته الصغيرة
برائحة متاجر الفطائر المحشوة والتي تعشقها
رائحة الحنين
حنين يؤلم قلبها بنغزه
ألا ليت زمانها توقف عند تلك الأيام
ولم تسر الحياة بها الى هذا الزمان

في اليوم التالي أنهت عملها هي وسلافة واتجهتا نحو مطعم قريب لتناول العشاء قبل العودة للعمل
فهذه الأيام بات تواجدهما بالمستشفى شبه دائم اتخذت كل منهما مقعدا ثم طلبتا وجبة لهما قالت سلافة ضاحكة وهي تمسك الهاتف بطفولية تلتقط صورة لها ولميرال
_سارسلها لسلمى … انها الان تدور بين ضيوف والدة زوجها
نهرتها ميرال بابتسامة قائلة
_ توقفي عن افعالك هذه لااصدق انك تتصرفين كطفلة
لم تهتم سلافة وهي تلتقط صورة اخرى لتضحك وهي تقرأ رد سلمى فاقتربت بمقعدها من ميرال تريها ما ارسلته سلمى مما جعل ميرال تنفجر بالضحك كذلك وهي تناظر صورة سلمى الباكية بتصنع وكلماتها التي ترافق الصورة
_( سأتركهم واهرب اليكما )
اتت الوجبة فتصنعت الاثنتان الهدوء والصمت ريثما يضع النادل الصحون
ما إن ذهب حتى هجمت سلافة على طبق المعكرونة المفضل لديها قائلة
_ ان المعكرونة الوحيدة التي تهدر هيبتي كطبيبة لا أستطيع مقاومتها ابداً
اشارت لها ميرال باجل وهي تتناول طعامها كذلك وعيناها تراقب الشوارع الهادئة في هذه اللحظات
هدوء لايدوم طويلا في هذه الايام لذلك يحاول الجميع الاستمتاع به قدر المستطاع
يعيشون يومهم بشكل طبيعي متناسين ما يحدث كل يوم يخرجون لمدارسهم وأعمالهم لزيارة أقاربهم
كل شيء يسير بشكل طبيعي تكاد في لحظات الهدوء هذه تقسم أن لا حربا تمر من هنا كل ساعة
_مابك منذ أتينا هنا وانت تسافرين بافكارك بعيداً
قالت سلافة وهي تنظر لها باستغراب فاجابتها ميرال وهي تحرك قطع المعكرونة امامها في الصحن بشرود :
_ لا أعلم يا سلافة .. أحس أنني بت متعبة جدا من كل مايجري .. أرغب بأن أستيقظ صباحا لاجد كل ماجرى مجرد كابوس عشته .. أستيقظ لاسمع صوت ضحكات الاطفال في الحديقة أمام منزلي .. استمع لأصوات الناس وهي تغادر لأعمالها صباحا ،استمتع بحديثي كل صباح مع لجين ، ولكني اشعر ان هذا الكابوس طال أمده طويلا
قالت سلافة بتفهم لما تمر به ميرال وهي التي لاتقل حالا عنها بكرهها لكل ماجرى ويجري
_ سينتهي ذلك قريبا بإذن الله .. فقط علينا ان نتحلى بالأمل والايمان بأن الخير قادم لامحالة
وأن النور سيشرق مهما طال أمد الظلام
هزت ميرال برأسها بتأكيد لما تقوله سلافة فأكملت سلافة كلامها
_ كل ما هنالك اننا حقا بحاجة لاجازة تبعدنا قليلا عن جو المستشفى ..عن كل ما نعايشه من مآسي هناك ..
قالت ميرال بحزن
_ أتمنى ذلك فعلا ولكن عمل لجين لايسمح له بأخذ إجازة طويلة
حاولت سلافة اخراج ميرال من ذلك الحزن الغريب عليها فقالت بشقاوة
_ اها اذن هذا هو الأمر
نظرت لها ميرال باستغراب فأكملت
_ قولي انك لاتريدين الا ان تكوني انت وزوجك حبيب قلبك اما انت ياسلافة المسكينة فلا عطلة ولا اجازة
ضحكت ميرال وهي تضربها بخفة على كف يدها قائلة
_ انت لاتُصدقين فعلا
تصنعت سلافة الحزن ووضعت يدها على خدها تندي حالها قائلة
_ تعيسة انت ياسلافة لايوجد من تتمنين عطلة معه
ابتسمت سلافة وهي ترى ميرال تضحك حتى دمعت عيناها فهذا ماتريده ان تشاهد ميرال دائما مبتسمة وسعيدة فسعادة صديقتيها تعني سعادتها هي
…..
لم يستطع لجين القدوم بعد وغياث لايرد على اتصالاتها والقلق يزداد بداخلها لقد تركت سلافة بالمستشفى وعادت لتنعم بقسط من الراحة في المنزل طالما لايوجد اي عمليات مستعجلة
البارحة لم تنم من كثرة التفكير ومحاولتها لربط الكثير من الأحداث التي جرت ببعضها
تدور أفكارها بدوامات شتى دون أن تجد سبيلا للراحة
صوت انفجار قريب جعلها تقفز خوفا من مكانها
اقتربت بحذر من النافذة المطلة على الشارع تزيح الستارة تحاول تخمين مكان الانفجار
لابد انه يبعد بعض الشئ عن منزلها هذا ماخمنته وهي لا تلاحظ أي حركة غير طبيعية في الشارع قرب منزلها
غريبة هذه الحياة فعلا موت هناك وحياة هنا
والحياة مستمرة لايوقفها شئ
عادت نحو مقعدها تمسك الهاتف ترسل رسالة جديدة على هاتفها ليأتيها الرد بعد لحظات
_سأكون بعد ساعة عندك
أطفأت شاشة الهاتف و اعادت الهاتف لمكانه
ثم عادت تراقب شاشة التلفاز وعيناها تقرأ الخبر العاجل الذي كتب بالخط الأحمر والذي يقوله مذيع النشرة تزامنا مع قراءتها
( تفجير ارهابي يطال مطعما في المنطقة …. من العاصمة ذهب ضحيته عشرون شخصا
التفجير تسبب بموت…. وهو شخصية غنية عن التعريف والاشاعات تقول أن المقصود كذلك هو رجل الاعمال غياث العالم الذي لحسن حظه تعرض لحادث سير بسيط قبل وصوله للمكان مما أنجاه من هذا التفجير )
…..
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في الجمعة فبراير 14, 2020 6:20 am


#الفصل_الثاني
الخاطرة اهداء من الجميلة هند
أنا الروح التي طافت كل البُلدان،
أنا صاحبة الأحزان والأشجان.
أنا القلب الذي تمزق ألف مرة،
وأبى الرضوخ والاستسلام.
أنا مِن هنا ورُبما مِن هناك،
أنا ذكرى باقية أبدًا في وجدان.
أنا تاريخ الغموض والأسرار،
ومشاعري لم تكن يومًا واضحة كعاشقٍ ولهان.
أنا الشيء وأنا الضدّ وأنا خارطة هذا الزمان.
أنا مَن تنتمي للعالم أجمع ومِثلها لا ينتمي له إنسان
…………..

اطفأت وداد المسجل الصغير وهي تراقب ملامح زينة بعد ان قصت عليها بداية الحكاية
لن تسألها شيئا الان فأهم ما تعلمته من مهنتها هو الصبر .. الصبر اولا واخيرا
ملامح زينة كانت جامدة باردة وكأنها تقرأ قصة من كتاب ولا تقرأ حكاية انسانة انقذت ارواح الكثيرين من خلال عملها بمهنة عظيمة كمهنة الطب
قالت زينة وهي تنهض نحو الخارج
_نحن بحاجة لاستراحة قصيرة
راقبتها وداد وهي تغادر ثم عادت انظارها تتنقل على اللوحات المعلقة مالفت نظرها هو الصمت المخيم في هذا المنزل انه هادئ لكن المميز فيه هو تلك الرائحة التي تعبق به
انها رائحة الياسمين
سحبت نفسا عميقا مستمتعة بتلك الرائحة المميزة رغم انها
تستشعر غرابة هذه المرأة وغرابة قصتها التي بدأت بها لكن هناك نوع من الطمأنينة يسري بداخلها تجاهها
ليتها سألت فتاة الورود التي قابلتها قبلا عن رمز زهرة الياسمين ومايعنيه هذا النوع من الزهور
صوت خطوات زينة جعلها تنظر نحو باب الصالة فلمحتها قادمة تحمل طبقا
اقتربت زينة منها تضع الطبق امامها وهي تقول بابتسامة
بينما تمد لها يدها بطبق صغير من حلوى الارز بالحليب
قالت زينة حين همت وداد بالاعتراض رغم تغلغل رائحة جوز الهند والفستق الحلبي المنثورة فوق الطبق الى أنفها
_انه طبق الحلوى المفضل لدينا أمل أن يعجبك … نحتاج لاستراحة محارب كما تقولون أنتم الصحفيون .. فلا بأس من استراحة بسيطة تتناولين فيها حلوانا المميزة
…..
رنين جرس المنزل أعادها من الهوة العميقة التي سقطت بها بعد مشاهدتها لتلك المناظر المؤلمة على شاشة التلفاز
(هل ماتفكر به صحيح … لقد رأت مساعده اليوم ايضا وهي عائدة للمنزل رأته في مكان قريب من المطعم وهي لايمكن أن تخطئه وقد شاهدته مرات عديدة مع شقيقها
ولكن كيف هذا هل يعقل ان ماهربت من تصديقه ماهو إلا حقيقة مؤلمة ستزلزل واقعها
ولكن الخبر قال محاولة اغتيال لشقيقها و الاغتيال طال شخصية أخرى … شقيقها تعرض لحادث بسيط لولاه كان من الممكن أن يكون ضحية ذلك التفجير
أي الأمرين تصدق .. أيهما)
قامت بخطوات منهكة متعبة نحو باب المنزل تفتحه بعد أن وضعت اسدال الصلاة على رأسها
رفعت انظارها المتعبة لذلك الواقف قبالتها ثم رغما عنها انهارت مغيبة عن الوعي
بعد بعض الوقت شعرت برائحة نفاذة تخترق جهازها التنفسي فتعيد الإدراك لعقلها شيئا فشيئا
فتحت عينيها بوهن لترى نظرات شقيقها معلقة بها بلهفة يسألها ان كانت بخير
هزت رأسها بأجل تحاول ان تعتدل بجلستها ساعدها وهو يشعر بيديها الباردتين كأن لا دم يسير في أوردتها
جلس قبالتها يسألها
_ مازلت تهملين طعامك كالعادة … أخبرتك أن تأخذي إجازة من عملك الذي ترهقين نفسك به
وضعت قدميها على الأرض تنظر لوجهه تبحث عن خطأ خطأ واحد فقط لكن دون جدوى
عيناها ترتحلان باستكشاف لملامحه استكشاف أم لطفلها بعد غياب في مكان موحش
يلاحظ هو نظراتها فيتنهد بكره لذلك الدور الذي تلعبه دائما في حياته وزاد الأمر عن حده بعد وفاة والديهما منذ سنوات تنسى دائما أنه بات رجلا وليس طفلا صغيرا يدور بمدارها
قال ببرود جم:
_ هل انتهيت من تفقد وجهي وجسدي .. انا بخير لم يصلني اي اذى … انت من تحتاج لأن نتفقد سلامتها ولست أنا
قالت بكلمات تشعر بها تخرج من أعماق روحها المتألمة
_ انا بخير … لكن أنت قالوا أنك تعرضت لحادث
أشار بيديه لنفسه قائلا
_أنا بخير لقد كان اصطدام سيارة بسيط
اشارت نحو التلفاز الذي مازال يعرض صورا من ذلك التفجير الذي حدث
_ لقد قاموا بزرع عبوة ناسفة في المطعم .. انه مطعمي المفضل اتذكر .. قالوا انك كنت المقصود لكن الاغتيال طال شخصية اخرى مهمة ..
نظر نحو الشاشة وكأنه لايرى ماتعرضه امسك جهاز التحكم يطفأ الجهاز وهو يقول
_هذه القنوات ستصيبك بالجنون يوما .. توقفي عن متابعتها ألا يكفيك ماتشاهدينه في عملك
نظرت له بصدمة تقسم انه لم يتأثر ولو قيد انملة .. نظراته لازالت باردة غريبة عنها .. ألا يشعر بالقلق … بالخوف … والرهبة
كيف يستطيع أن يكون بهذا البرود
حاولت الاستيعاب يتردد بداخلها أكثر من حديث دار بينها وبين لجين عن خوفه عليه من هالة البرود التي تحيط به
من ابتعاده عن جو العائلة وغرقه في عمله التجاري من أفكار تجره للمكان الخطأ كما يحدث مع الكثيرين ممن هم في سنه في مستوى ذكائه وعبقريته
وخاصة بعد سفره للخارج ليكمل الدكتوراه ثم عودته فجأة يخبرها انه سيكمل حلمه ها هنا
يومها ثارت وهي تراه يهدم حلمه باخذ الدكتوراه من أكبر جامعة في الخارج لكنه لم يهتم
ابتعد عنها وباتت لا تراه الا بشق الانفس متعللا بحجج كثيرة واهية
عمل كثير وتجارة لاتعلم عنها شيئا .. عاد مع مبلغ مالي ضمن له فتح مكتب تجاري في العاصمة وحوله التف العديد ممن يسميهم أصدقاء وشركاء
يخبرها بافكار جديدة بات يؤمن بها .. يضرب بعرض الحائط كل ما آمن به يرى عملها في المستشفى دون فائدة تذكر وبأن عليها أن تغادر وتنجو بنفسها قبل ان يبتلعها السيل القادم رغم انه ظاهريا وأمام الجميع يفتخر بها وبما تقوم به
ازدواجية غريبة تراها بتصرفاته
تحمد الله انه لم يسلك طريقا سلكه الكثيرون غيره بعقول مغيبة خلف مدعي الدين ممن يغسلون عقول الشباب بما يختلقونه عن دين الاسلام والاسلام براء مما يدعون إليه من عنف وقتل وترهيب
ولكن هل عدم انتمائه لهم يعني انه اقل خطرا منهم
وخاصة بعد أن علمت بعض الأمور عن عمله
لقد حذرته من الطريق الذي يسلكه طلبت منه الابتعاد عن كل مايجرفه لهذا الطريق لكن دون فائدة
السواد التف حول القيم والمبادئ التي تربى عليها كما تلتف الشرنقة حول دودة القز
لكن للاسف الدودة تتحول لفراشة أما شرنقته هو فتسحب منه الحياة تسحب ادميته تاركة إياه مجرد مسخ بغيض يلهث خلف الوهم لا أكثر
راقب نظراتها الحادة وهي تراقبه يستطيع أن يقرأ كل مايجول بافكارها الان
قام من مكانه يضع يديه بجيبي سرواله يتحدث ببرود مديرا ظهره لها
_ أكثر من خمسين رسالة تخبريني فيها بضرورة القدوم اليك والان تجلسين صامتة دون أي كلمة .. ان اردتي الصمت فأنا راحل
نظرت لخطواته المبتعدة نحو باب الشقة اوقفته وهي تسأله بهدوء غريب
_ كيف تورطت بهذا
أشارت بسبابتها نحو شاشة التلفاز المطفأ دون أن تتحرك فيها أي ملامح
نظر نحوها وقد فهم ما تعنيه لذلك عاد ادراجه يجلس قبالتها يدرس بحرفية أفكاره التي ستجعله يقنعها بما يريد
هي رغم حبها له يعلم أنها ليست ممن تتحكم عواطفهم بهم ولكنه سيحاول معها بكل الطرق
_ هل تظنين حقا أنني متورط بهذا .. ألم تري أنني كنت مقصودا كذلك أم أن غضبك أعماك عن الحقيقة
قالها بسخرية وهو يشير بسبابته كما فعلت هي للشاشة المطفأة
بذات الهدوء اجابت
_ لقد رأيتك البارحة خارجا من المطعم كنت بالصدفة مارة من هناك ...ورأيت اليوم مساعدك كذلك
ضحك وهي يراقب ملامحها قائلا
_ هل تهذي الان يا ميرال .. هل لانك رأيتني قرب المطعم تتهميني بمثل هذا الأمر.. مساعدي كان يحجز لي طاولة هناك ...ميرال انا كنت مقصودا بالامر وهم استهدفوا هذا المطعم لاني اتردد عليه فكيف يخطر ببالك هذا الخاطر
صرخت بغضب
_ومنذ متى انت تتردد على هذا المكان بالتحديد
قال بهدوء منافي لغضبها
_ منذ متى لاشأن لك وليس لأنك رأيتني تتهميني بمثل هذا الأمر .. ثم انظري للأمر من جهة اخرى لو كنت أنا من فعلها هل تظنين انني كنت سأكشف نفسي بهذه السهولة
يتلاعب بها وهي تعلم ذلك قلبها يخبرها أنها كان من الممكن ان تفقده وعقلها يخبرها انه متورط بطريقة ما بالامر اخبرته بهمس غاضب
_ انا احاول ان افهم يا غياث شخصية مهمة كتلك التي اغتيلت مالذي يجعلها تذهب لهذا المكان ما الذي يجعلك انت تتردد على المكان نفسه بل وينتشر خبر انك المقصود وللصدفة تنجو
عاد يضحك وهو يقول مقللا من أهمية ماتقول
_ كان يجب ان تعملي محققة لاطبيبة ياشقيقتي .. لاأصدق يذاع خبر نجاتي من الموت وأنت تحققين معي كأنني المجرم
لم تهتم لضحكه وهو تقول
_ لاني لن اكذب حدثي ياغياث ...انا اعرف انك انتقلت للضفة الأخرى ... ضفة ستغرق كل من عليها بوحل الاثام والجرائم رغم تظاهرك أمام الجميع بالعكس لكنك لاتستطيع التظاهر أمامي أنا
أنا من تحفظك وتعرفك أكثر مما تعرف نفسك ولكن كان لدي ذرة امل واحدة ان تكون بعيدا عن قتل الأبرياء بهذه الوحشية ذرة أمل واحدة أنك.ستعود لرشدك وتعلم أن ماتقوم به خاطئ
ابتسم ونظراتها ازدادت صدمة وهي تراه يبتسم لها بملامح مرتاحة بطريقة غريبة
_ مادمتي تتحدثين بهذا الوضوح سأفعل معك المثل ياميرال .. أخبريني أي ابرياء تقصدين .. هل تسمين هؤلاء أبرياء ..بنظرك أنت ربما هم كذلك لكن بنظر الآخرين ليسوا سوى أرقام يتم تداولها على شاشات التلفزة او صفحات الجرائد أو على شواهد القبور
اجابته مستنكرة لمنطقه الغريب
_ مجرد أرقام ياغياث .. إنهم أناس من لحم ودم لديهم عائلات .. لديهم حياة يعيشونها … لديهم اطفال بانتظارهم …لديهم أحلامهم وأمانيهم لديهم كل شيء .. مهما كان الاختلاف بينك وبينهم فهم ارواح خلقها الله فمن انت لتقول انها مجرد ارقام
عاد يحاول أن يستخدم الهدوء في حديثه
_ انا لا يهمني من هم .. ولا أهتم بأي مصير يلاقونه هل فهمتي
عادت تهمس بغضب تشد شعرها
_ هل تسمع نفسك .. هل انت نفسه اخي غياث الشاب الملتزم الهادئ .. انت لم تكن تفوت فرضا واحدا كنت المثل الأعلى للكثيرين بأخلاقك مالذي حدث لك اخبرني
نظر لها بشرٍ تجلى على ملامحه
_ لم يحدث شئ .. مازلت كما أنا مع فرق بسيط انني احاول ان اكون مفيدا لبناء الحلم الذي اريد ..
_بقتل الابرياء ياغياث بقتلهم
هتفت بها بحرقة فعاد يحدثها بذات القسوة
_ اقتل كل من تسول له نفسه ان يقف بطريقي هل فهمت ..
انتبه للذعر الذي ارتسم على ملامحها كلا ليس هذا مايريد هو يريدها قوية بجانبه لاخانعة ضعيفة
عاد يجلس مكانه يحادثها
_ الا ترين مايحدث حولك ياميرال … ان الفوضى التي حدثت ستدمر كل شئ والذكي فقط من يستغلها لصالحه
وضعت يديها على وجهها تهمس
_ اي ذكاء هذا
ابعد يديها عن وجهها ينظر في عمق عينيها قائلا
_ ميرال ارمي تلك المبادئ بعيدا .. انظري لما وصل اليه الحال هل تصدقين ان الامور ستعود كما كانت .. اسمحي لي ان اخبرك انك واهمة لاشئ ابدا سيعود كما كان .. كل طرف يستغل الأمر لصالحه يزيد مكاسبه ونحن كذلك يجب ان نستغل مايجري ونزيد مكاسبنا
ابعدت يديه عن وجهها تتمسك بآخر ذرة للتعقل موجودة لديها
_ اي هذيان هذا … اي هذيان
ابتعد مجددا عنها قائلا
_ اسمعيني كل مايحدث حولنا علينا ان نستغله .. حتى هذا الخبر الذي نشر سوف استغله لآخر لحظة لصالحي لاني ان لم افعل سيأتي غيري ويفعل ذلك
… لاجدوى من المقاومة .. لولم تكوني شقيقتي لاصدر أمر بقتلك منذ أشهر…لكنهم يعلمون انني حاليا استفيد من وجودك على قيد الحياة وهذا مايجعلهم بعيدين عن قتلك
تناظره بتشويش وكأنها ليست هي وكأنه ليس هو أكمل يشرح لها
_ لقد علمت ان الطريق الذي اخترته هو الطريق الصحيح .. هؤلاء الذين تظنينهم ابرياء ماهم الا حجر عثرة في طريق ما نريده وما يريده الآخرون
يتشدقون طوال الوقت بالتعايش السلمي وانه لايوجد مايفرقهم .. ولكن من اجل حفنات من المال يبيعون كل شئ هل فهمتي …
انظري وافهمي مايحدث .. المال هو مايحرك كل شئ ولاجل المال تقوم كل هذه الحروب
ودائما في سبيل بناء عالم جديد سيتم دهس الضعفاء وسيكون هناك تضحيات بالكثيرين وعليك ان تختاري أين تكونين انت و مع من
هل تكونين مع من يُردم التراب فوق جثثهم ام مع من يمتلكون القرار بأيديهم
نظرت له هامسة عيونها تهتز بانشداه لاتصدق كل ماتسمعه منه
_ هل تصدق ماتقول
نظر لها بشراسة يهمس
_ كوني عاقلة واتخذي جانبي … وانسي كل ماكان سابقا … لانك شقيقتي التي أحب أخبرك بهذا أريدك معي وبجانبي ...حتى زوجك لجين سيكون السبب في دوامة الخوف التي تعيشينها والتي ستزداد لاحقا وانت تعلمين هذا .. لذلك كوني معي أنا ودعي كل شيء آخر
اجابته دون ان ترفع أنظارها إليه
_ لجين لاشأن له بهذا الان
ضحك مجددا ثم عاد يناظرها قائلا
_ له كل الشأن... هو من يسمم افكارك ضدي وانا اعلم هذا جيدا.. اعلم ما يفعله ويقوم به يا ميرال … وكان عليه ان يكون اكثر حذرا فلا احد يعلم ماينتظره حين يعود
توقف قلبها لدقيقة عن الخفقان ورعب قوي يجتاح روحها فيرديها صريعة وسط صحراء قاحلة تضربها الرمال فتسلخ لحمها عن عظمها دون رحمة او هوادة
_ اصابته قبل شهرين تذكرينها بالطبع .. اي مهام توكل لطبيب جراح يعمل بمنظمة دولية فيختفي معها لايام او اسابيع اخبريني
_غياث
همست بها باستنجاد تريده أن ينفي مايصوره عقلها من احداث قادمة لكنه لايرحمها فيكمل قائلا
_ لقد أنكر سبب اصابته
قالت محاولة خلق العذر له
_ لقد كان حادثا كالذي نشاهده كل يوم فكيف تربط بينه وبين ماتفكر به تجاهه
نظر لها بعمق قائلا
_لست غبيا يا ميرال .. تعرفين من انا جيدا .. وتعرفين انك الان تكذبين
شهقت بصدمة من وصفه لها تضع يدها على فمها وعقلها بدأ يستعيد توازنه رغم كم الضغط الهائل الذي يمارسه غياث عليها تستمع له يكمل
_ انت نفسك من ترجيته ليخبرك كيف اصيب…
هتفت وهي تحلل الجملة التي قالها برأسها دون أن تعطيه فرصة للانتباه
_ لقد ترجيته لاني كنت مثلك بظني به لكنه انكر الامر
ضحك.غياث وخيل اليها ان ماانكرته طوال عام منصرم تجسد امامها الان انه ليس شقيقها بالتأكيد انه نسخة مشوهة عنه
_وهل نكران الأمر يعني أنه لا يقوم به يا ميرال
عقلها يدور بدائرة التحليل تفكر تفكر تحجب افكارها عنه بان نكست رأسها للاسفل تهمس
_ لم كان كل هذا …لأجل ماذا … دمرت القيم كلها لأجل ماذا ...لأجل التغيير .. التغيير لايكون بقتل الابرياء وخطف النساء وتدمير المنازل ..التغيير لايكون بأن تقول كلمة الله اكبر مع ذبحك لانسان برئ أو رميك لقذائف الهاون فوق التجمعات السكانية .. التغيير لايكون بان تستغل مايحدث لتزيد مكاسبك … التغيير لايحدث حين تؤذي وتقتل وتخطف.. لايكون بان تتاجر بدم الابرياء وقوتهم .. لايكون بان تتشدق على شاشات التلفزة وفي كل محفل تحضره انك مع الابرياء تساعدهم وتنصرهم وانت في الخفاء لاتنصر سوى نفسك ومصالحك
كل ما تسوغه من مبررات لا يجعل لك الحق بان تقتل ياغياث
صوتها بدا بعيدا لكنها استمرت بالحديث
_لقد عايشت لسنوات ما حدث وارى الحال الذي وصلنا اليه
اناس بسطاء طالبوا بتغيير فتم استغلال ماطلبوه ليتم قلب البلاد سافلها عاليها …
مدن مهجورة مدمرة .. اثار سرقت ونهبت تدمير حضاري ممنهج يجعلك تدرك ان خلف مايحدث ليسوا نفس الناس البسطاء الذين نحن منهم بل هي شبكة كبيرة تحاول طمس اي انتماء لنا بهذه الأرض
سمموا افكاركم انتم الشباب وغذوا عقولكم بالسواد ليصبح قتل الأبرياء واستغلال حاجتهم شيئا عاديا ياغياث
_هل انتهيتي من إلقاء محاضرتك
رفعت انظارها الفارغة من اي تعبير إليه تسمعه يكمل بهدوء ببرود يشبه ذلك الصقيع الساكن داخل مقلتيه
_ سمعت هذا الكلام منك عشرات المرات لذلك أرجو ألا تعيدي تكراره .. لقد بات سماعي لمثل هذه المحاضرات منك يثير غثياني... انا من اخترت ولن تستطيعين ثنيي عما أفعله .. او اخبرك بامر
تعلقت نظراتها به تنتظر ان يدلي بما في جعبته ولم يتأخر عليها كثيرا
_ اخبري زوجك باكتشافك العظيم وانني السبب بما حدث للمطعم واطمئني هو من سيوصلني لحبل المشنقة بيديه
كان يعلم بداخله ما يفعل بها وهو يرى دموعها تتحرر لاول مرة من عقالها تهز رأسها نفيا قائلة
_ لن يحدث هذا … لن اسمح لاحد بأذيتك … سأجد حلا آخر
قامت كالمغيبة من مكانها تنظر حولها قائلة
_ سأجد حلا
صرخ بها بغصب
_حلا لماذا.. هل تظنينني احدى مرضاك انتظر قيامك بعمل جراحي تخلصيني به من ألمي … أنت من بحاجة للإنقاذ يا ميرال ولست أنا …أنت التي مازلت تعيشين بوهم الحياة الفاضلة وأن ختام الحكاية سعادة وأفراح
توقفت خطواتها تنهار على الارض جاثية تشعر بالدنيا تدور وتدور حولها ووحده هو من يمتلك مفتاح إيقاف الدوران هذا لكنه يبخل عليها بالراحة
نظرت له وهو يغادر مجلسه متجها نحو النافذة الكبيرة يزيح الستارة قليلا يراقب شيئا ما في الخارج ثم يعود ليقف قربها قائلاّ
_لقد تم اختيارك لمهمة محددة ياميرال.. وعليك الاختيار اما ان تكوني بصفي او لا… لاتحاولي طلب المساعدة من لجين فخطأ واحد منك قد يكون ثمنه حياته …. او حياتي انا لذلك فكري جيدا … ليس الجميع يمتلكون حرية الاختيار لكن انت الان تفعلين … لقد كشفت لك اوراقي كلها دون تردد فإما أن تكوني معي او لا .. لك أنت حرية الاختيار
وتركها وغادر مغلقا الباب خلفه بهدوء وكانه لم يخلف خلفه اعصاراً هائجا يحمل من الضياع الكثير

نظرت لها وداد برهبة وهي تستمع لها كان وجه زينة محملا بالاسى الذي لم تستطع اخفاءه أبدا هذه المرة
قالت وداد بهدوء
_اتعلمين .. ان ماحدث مع شقيق ميرال يحدث مع الكثيرين من أبناء هذا الوطن
يتم سحبهم نحو قاع الضلال رغم اختلاف السبل التي يسلكونها
من خلال لقائي مع العديد من الفتيات علمت عن قصص كثيرة حدثت مع شبان بعمر الورود
البعض يتم استغلال جهلهم وانعدام خبرتهم في الحياة كما حدث مع شقيق فتاة روت لي قصتها شقيق كان بسن صغيرة والفقر هاجمهم من كل صوب فسلك دربهم ظنا منه انه هو طريق الصواب او كما حدث مع زوج إحداهن حين تفاجأت به منضما لتنظيم إرهابي
وبالمقابل نرى شبانا علماء يرفضون أي مساومة مقابل خيانة بلادهم حتى لو كانت حياتهم هي الثمن كما حدث كذلك مع عالم رفض أن يتنازل لمطالبهم فقتلوه بدم بارد
نظرت لها زينة بأسى قائلة
_ كما قلت بعض الشباب يكون الشخص جاهلا … لكن شقيق ميرال كان متعلما بل وعلى درجة كبيرة من العلم كما اخبرتك .. ربما في فترة دراسته الجامعية كان يحمل أفكارا تعبر عن رفضه وسخطه لبعض مايجري حوله لكنه كان كالكثيرين ممن يحملون فورة الشباب وعنفوانها .. لكن كل شيء تغير عندما سافر للخارج لإكمال دراسته كان في بداية الخامسة والعشرين من عمره مندفعا سعيدا بأنه سيحقق حلمه … لكنه لم يطل الغياب عام واحد فقط وعاد شخصا آخر
لم يكن منضما لأي تنظيم وبالعكس كان بعيدا كل البعد عن ذلك لكنه كان أكثر خطورة بكثير من هؤلاء فهو عاد ومعه المال ليبدأ أولى خطواته في طريق مواز لطريق تلك الجماعات لكن بشكل مغاير تماما
بشكل يجعلك تصفقين له حماسا … تدمع عيناك من فرط حماسه ووطنيته
لكن خلف ذلك الحماس ثعبان سام يبث سمومه في الجسد لينهيه هل فهمتني
هزت وداد رأسها بتفهم وقد علمت تماما ماتعنيه زينة بكلامها وهي ترى امثال غياث في كل مكان يستغلون مناصبهم يتسلقون فوق أكتاف البسطاء ودماءهم ليصلوا لمبتغاهم دون ذرة رحمة واحدة عادت وداد تنظر نحوها بتساؤل
_ اين كانت ميرال مما يحدث معه في بداية عودته
نظرت لها زينة بحنان تجيب
_ لقد حاولت ان تكون معه وبقربه لكنه كان دائم التهرب منها متعللا بعمله الكثير وهي كذلك بعدها سحبتها موجة الحياة بسبب الاحداث الدامية التي كانت تشهدها العاصمة وعملها كطبيبة جعل ساعات العمل لديها تتواصل لأيام في بعض الأحيان
زاد ابتعاده عنها في فترة كانت بامس الحاجة اليه.. زوجها يغيب لفترات طويلة وهي مستنفذة بسبب مايجري
فقدت جيرانا كانوا لها أكثر من اهل برحيلهم خارج البلاد ابتعادا عما يجري وبحثا عن أمان مفقود
اصدقاء عايشت مآسي عائلاتهم بفقدهم نتيجة اختطاف او تفجير
شوارع الفتها وبيوتا أودعت فيها أحلامها وجدتها بين ليلة وضحاها مدمرة تحوم فيها فقط أشباح الموت
وصدمتها باتهام لجين له بالتعامل معهم دون دليل لديه لاثبات الامر فقط ظن وهي لن تتهم شقيقها لمجرد ظن برأس زوجها وخصوصا وهي ترى نجاح شقيقها كرجل أعمال مبتدئ
لكنها لاحقا وحدها من علمت بالصدفة وهي بمنزله بزيارة له أي طريق اختار ثارت وحاولت بالرفق تارة وبالقوة تارة اخرى ولكن للاسف كان قلبه مغلفا بحديد
رأته يتلون كالحرباء مستغلا كل مايحدث حوله ليحقق كل ما يريد أو ما يريده من هم خلفه
لكن باسوء ظنونها لم تظن انه يقدم على القتل
من كان مسالما وديعا يتحول لذئب مستدمي لاتريحه الا رؤية الدماء
همست وداد بانفعال
_اي بلاء اسود هذا الذي حل عليها
نظرت لها زينة بعيون تقسم وداد انها دامعة لكن حتى الدموع تهاب هذه المرأة فلا تخرج من مآقيها بسهولة
ابتسمت زينة وهي تقول
_ بعض البلاءات تكون امتحانا لنا .. هل نخرج منه أم يُبقي ارواحنا سجينة سواده
نظرت وداد لها تحاول أن تفهم عن ميرال اكثر
_ هل أخبرت ميرال زوجها بما حدث ؟
…..
ساعات مضت وهي جالسة مكانها في الصالة لم تتحرك قيد انملة
تدور هواجسها في رأسها تفتت اي ذرة للمقاومة لديها
سمعت صوت القفل يدور ورائحة الأمان اقتربت تغمرها فابتسمت بألم غير قادرة على رفع رأسها ولو قليلا
اقترب لجين منها بلهفة وهو يلاحظ سكونها لقد اعتاد ان يراها بانتظاره بلهفة و ليس بتلك الحال
رجف قلبه بخوف وهو يناديها فلا تجيب احتواها بين ذراعيه يهمس لها بقلق
_ مهجة القلب ماذا بك ؟
رفعت عينيها المتعبة إليه هامسة
_ كم اشتقت اليك
دوى قلبه بصدره بعنف وهو يراها تغيب عن الوعي بين يديه حملها نحو غرفتهم يرقدها على السرير يتلمس نبضها ثم حرارتها دون أن يتوقف عن الهمس باسمها
بضع قطرات من العطر جعلتها تستعيد وعيها قليلا لكن شحوب وجهها ازداد
همست له مجددا
_اريد ان انام يالجين …
لم ينتظر وهو يراها تنسحب نحو اغماءة اخرى كطبيب خبير اتصل بالصيدلية القريبة من المنزل والتي يعلم أنها لا تغلق ابوابها ليلا يطلب من الصيدلي ان يرسل له بعض المحاليل والادوية
وحين أحضر مساعد الصيدلي ما أراد صرفه وعاد إليها يعلق لها المحاليل المساعدة وبعد انتهاءه
عاد لمكانه جالسا قربها يمسك بيدها ينتظر افاقتها
يدها اختفت بين كفي يده يقبل اناملها كل ثانية وأخرى بتضرع لله ان تكون بخير
رغم الإرهاق البادي على وجهه نتيجة لبقائه على طريق السفر لساعات منتظرا تمكنه من الوصول لمنزله الا انه لم يستطع الا ان يبقى مراقبا لها
ميرال ليست زوجة فحسب .. ميرال روحه التي يحيا بها .. سعادته التي ينالها بابتسامة منها …
ابعد بعض الخصلات يتأمل وجهها المتعب وبقي على تلك الحال ساعات طوال حتى بدأت تستعيد وعيها
اقترب بلهفة يحتضن وجنتها بكف يده يسألها ان كانت بخير فهمست له بصوت متعب
_انا بخير
امسك.يدها يقبلها قائلا
_لقد كدت أموت قلقا عليك.. لم لم تخبريني انك متعبة ّ
ابتسمت بوهن تجيبه
_ بات التعب أمرا عاديا لدي … انزع هذه الابرة من يدي
قالت جملتها وهي تنظر للابرة المغروسة في ظهر كفها لكن لجين امسك كفها قائلا
_ سافعل ان قبلتي تناول بعض الطعام معي
نظرت حولها هامسة
_ كم الساعة الآن …
ضحك لجين وهو ينهض عن الكرسي مغادرا نحو المطبخ قائلا
_لقد نمت لوقت طويل وانا الأمير الوسيم اراقب الاميرة النائمة طوال الوقت انتظر ان تطلب مني قبلة لاوقظها
غمز لها بعبث قبل أن يغيب عن ناظريها كما جعل قلقه يغيب بعيدا فلا يريد ان يزيد وضعها سوءا اما هي اغمضت عينيها تبعد اي افكار عنها تبتسم لوجوده قربها
ستؤجل أي أفكار الآن و ستنعم فقط بوجوده هنا جوارها
….
في اليوم التالي كانت تجلس في الصالة رفقة زوجها
قال لها لجين وهو يراقب تناولها لمشروب الكاكاو المفضل لديها
_ لقد هاتفتك سلافة منذ قليل
نظرت له وهي تمسك الكوب بين كفيها تتجاهل ذكره لصديقتها تجيبه بهدوء مبالغ فيه
_ اود ان آخذ اجازة من العمل طوال فترة وجودك هنا
نظر لها بقلق انها تبدو غريبة وهناك شئ يشغل بالها ولكنها لم تفصح عن أي شئ له
اجابها وهو يراقب عينيها محاولا استكشاف ما يجري معها
_ ما الامر ياميرال انت لست بخير
بعصبية مفرطة لم يفهم لها سببا أجابته
_ ليس بي اي شئ ..الا استحق اجازة اقضيها برفقتك
قام من مقعده وجلس على طرف الأريكة يضمها لصدره قائلا
_ بل لك كل الحق ..
همست باعتذار
_ اعذرني لتوتري ولكن .. ربما بسبب ما يحيط غياث من خطر الم تشاهد الخبر صباحا .. لقد قالوا أنه كان مقصودا بالأمر .. بت أخاف عليكما كثيرا يالجين
يفهم خوفها على شقيقها رغم عدم قبوله لما يقوم به غياث لكن لن يستطيع إنكار رابطة الدم التي تجمعه بميرال فتجعل الاخيرة محقة في قلقها وخوفها عليه قال بهدوء
_ الحمدلله انه بخير .. رغم انني لاافهم مالذي جعل تلك الشخصية تتجه لذلك المكان كما لاافهم كيف يكون غياث المقصود وهو بالعادة لايتردد على ذلك المطعم ..
انتفضت من مكانها غاضبة مبتعدة عنه متوجهة نحو غرفتها فهي ان صدقت ظنونها فعليها أن تكون حذرة في كل خطوة ستصدر منها من الان وصاعدا
لن تستطيع التصرف بحرية كما تريد بل يجب لكل كلمة او فعل ان يكون مدروسا لتصل الى ماتريد
تبعها لجين نحو غرفتهما وجدها تزيح اغطية السرير بعصبية تستعد للاستلقاء عليه امسك يديها يوقفها عما تفعله ثم ادارها إليه يضع كف يده على وجنتها هامسا
_ لم كل هذا الغضب الآن
قالت وهي تنظر لعينيه بجمود
_ لان خلف كلامك اتهام لشقيقي يالجين .. لقد كاد يموت وانت كل مايهمك سبب تردده لذلك المكان
علم ان ميرال الان تحت وطأة ضغط كبير لذلك احتوى وجهها بين كفيه قائلا
_ لم اتهمه وافهم كل ماتمرين به انه بخير ياميرال
اغمضت عينيها بتعب فاكمل قائلا
_لا تؤلمي قلبي واخبريني ما الذي يحدث معك …
غصة استحكمت قلبها وهي تنظر لعينيه اللاتي تحملان القلق الكبير
اقتربت تضمه بقوة وخوف تدفن رأسها في صدره تقبل مكان النبض هامسة
_ خذني اليك الآن لجين فانا احتاجك كثيرا
خوف اعتراه وهو يسمع همسها انها ليست بحالتها الطبيعية ولا تعي أنها تزيد حيرته بهمسها ذاك
هل هذه زوجته ميرال … لقد نامت البارحة فورا بعد تناولهم للطعام واليوم منذ الصباح وهو. يراقبها وهي ساهمة تفكر .. ابعدها عنه قليلا يلاحظ ذلك التوسل في عينيها
هل هي بخطر … هل هناك ما يهددها
_ميرال هل ضايقك احدهم .. هل
وضعت يدها على فمه تسكته تشير له بالنفي
_ كل الامر انني اشتاق لك كثيرا هذه الايام … اخاف عليك كثيرا يالجين
وعانقته مجددا فحملها نحو السرير يرقدها عليه ثم استلقى قربها يزيح خصلات شعرها خلف اذنها ينظر لعينيها هامسا
_ اخبريني مالامر
لكنها لم تجبه وإنما اعادت طلبها فاقترب منها يعطيها الأمان الذي تحتاج
بعد بعض الوقت كانت نائمة ويدها ملتفة حول خصره بقوة وكانها تخاف فقدانه
بينما هو يناظر السقف بشرود
هناك أمر خاطئ يجري معها …انها قريبة بجسدها متباعدة بافكارها .. ميرال التي تشاركه كل فكرة وكل همسة يراها الآن مختلفة مبتعدة
انها حتى لم تسأله عن عمله كعادتها .. لم تهتم بمعرفة اي تفاصيل عن غيابه بل على العكس اليوم حين كانا جالسين بالصالة وأراد محادثتها اسكته وهي تخبره ان رأسها يؤلمها وليست مستعدة للاستماع
لم تخبره عن تفاصيل يومها بغيابه .. لم تهتم بمكالمة سلافة
ماجمعهما منذ قليل لم يكن عاطفة وحبا كما اعتاد بل كان شيئا غريبا من قبلها وتلبية لطلبها من قبله
خلال سنوات زواجهما كلها لم يمرا بمثل هذا الامر
اغمض عينيه للحظة ثم فتحهما مكملا حواره مع نفسه
مابك يالجين لم هذا التشتت وعدم الفهم منك
هل لشقيقها علاقة بالأمر …
توحشت عيناه وهو يتذكره لطالما أخبر ميرال ان افكاره ستقوده لطريق خاطئ. ولكنها كانت تدافع عنه كأم تثق ثقة عمياء بصغيرها
الان يراه متخفيا عمله في شركة خاصة للتجارة يعلم عن لقاءاته السرية لكنه لم يستطع حتى الآن امساك دليل واحد عليه
يقسم انه منتمي لتلك الجماعات وأنه يوافق على كل مايحصل من تدمير وقتل
وان خبر البارحة ليس كما صوره الاعلام بل ان هناك لغزا خلفه
غياث ذكي ذكي جدا اكثر مما تصور .. ويستطيع اخفاء اي دليل ضده ولا يريد أن يواجهه قبل أن يكون الدليل بين يديه
ولكن هل يلوم ميرال لقلقها أو خوفها على شقيقها مهما حصل فهو شقيقها الذي ربته ولن يستطيع ان ينكر حبها الكبير لشقيقها وخوفها عليه وخاصة بعد خبر محاولة اغتياله
عاد ينظر لها وهي تهمهم شيئا في نومها
همس بعقل مشغول وهو يقبل جبينها فتعود الراحة لتسكن ملامحها
_كيف يمكن لملاك مثلك ان يكون شقيقا لشيطان مثله

كانت وداد تستمع وهي تشعر بالاسى لحال ميرال قالت زينة
_ غياث فعلا كان ذكيا لدرجة لايمكن لك ان تصدقيها. الجميع يظنه منشغلا بعمله .. شركة صغيرة كأي شركة أخرى
نجاحات في سوق المال .. اعمال خيرية توازي عمله جعلته محط الأنظار في فترة قصيرة .. واجهة مهمة لكن خلف ذلك يقبع السواد
قالت وداد باستغراب
_ مادام واثقا من افكاره لم كان يخفيها هكذا
ضحكت زينة وهي تقول بعدها بجدية
_ ليضرب ضربته بكل هدوء ودون اي قلق …
لاحظت ان وداد مازالت مستغربة فقالت
_ ساوضح لك .. البعض يعلن موقفه من اي امر علانية والبعض يتخذ من الاعمال الخيرية غطاء له وما أكثرهم هؤلاء ترين الكل يهتف باسمهم و بوطنيتهم لكن كل مايقومون به ماهو الا واجهة لامعة تخفي خلفها قذاراتهم واستغلالهم لكل ما يجري لاجل مصالحهم فقط
لايهمهم ان استمرت الحروب سنوات فهذه الحرب خلقت لهم الفوضى التي يطلبون لتسيير مصالحهم دون ادنى مقاومة
وهناك الصنف الثالث الذي يظهر لك انه ضمن اللون الرمادي لا تستطيعين معرفة مع اي الاطراف هو ليستطيع ان يقوم بما لا يقدر القيام به لو انه اعلن لاي هذه الأطراف هو ينحاز
غياث كان مجموعة من هذا الأصناف معا … مصالحه هي الأهم. ولايهم مايحدث حوله طالما أن مصالحه تسير دون أي معوقات
يشبه الطرف الأسود بفكرة أن كل من حوله يستحق الموت لمجرد أنهم لا يوافقونه الرأي ولا يجيدون استغلال كل حدث لصالحهم
يشبه الطرف الأبيض بأن يكون له الواجهة البيضاء اللامعة ولكن واجهته البيضاء تختلف عن غيرها فهي تخفي خلفها كل القبح والسواد يتاجر بكل مايمكن لعقولنا ان تتخيله وكل ذلك دون ان تتلطخ يديه باي سواد
ويشبه الطرف الرمادي بان يخفي ميوله الحقيقية
هزت وداد رأسها بتفهم وهي تجمع اوراقها استعدادا للمغادرة ثم نظرت في وجه مضيفتها قائلة
_اشكر لك حسن ضيافتك سيدة زينة وغدا إن لم يكن لديك مانع ستجديني منذ الصباح اتصل بك لنكمل حديثنا
صافحتها زينة مودعة وهي تؤكد لها أنها على استعداد للقائها في أي وقت
...
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في السبت فبراير 15, 2020 9:50 pm


#الفصل_الثالث
الخاطرة اهداء من الجميلة Hend Fayed
لأيّ جانبٍ أميل،
ولأيّ طريقٍ أتخذ منه السبيل.. أنا حيرى،
ويشغل قلبي فكرٌ غير ما يغزو عقلي وقد قاربت أنّ.. أفقد الوَعي،
يا شاغلٌ حلمي كلما غفوت وتاركٌ أثركَ المؤلم في صميمي حد الوجع ما لي على حَملِ وجعكَ مهما حاولت فكيف بربكَ سأفي الوعدَ،
أنا مَن دافعت عنكَ حتى النهاية ومَن خذلتها مرارًا بلا معنى،
إن كان يرضيكَ شقائي فالويل لي حتمًا لأني رفضت بغباءٍ البُعدَ،
يا سالكٌ درب الضياعِ مهلًا عليّ لقد أذبلت في طريقكَ الوردَ،
يا مَن ترى حُرقتي ولوعة فؤادي أما تعود إليّ فلترحمني مِن تفكيرٍ يُراوِدني ويَرِدُني كما يَرِدُ الوفدَ،
يا مَن هجرت ومَن رفضت ومَن قتلت الحنين وبدلته كرهًا إياكَ أن تلومني إن أخترتُ الرحيل ومضيتُ في طريقي وتركتكَ مِن خلفي خائب المسعى.

........

لمسات حانية على وجهها جعلتها تفتح عينيها مبتسمة لتجد وجهه قريبا منها يبتسم ذات الابتسامة الدافئة عيناه تحتضن تفاصيلها بعشق لم يخبو منذ زواجهما فتغمض عينيها خجلا
_ هل اخبرتك هذا الصباح انني احبك اكثر من اي صباح آخر
همس بها بروية ففتحت عينيها الزرقاوين ترد له الهمس بدلال
_ كلا لم تفعل
اقترب منها بمكر يقبل وجنتها قائلا
_اذا دعيني أفعل
_ لجين
قالتها بخجل مازال كذلك يرافقها
فضحك وهو يضمها اليه يخبرها بأكثر الطرق التي يحب كم يحبها

_ تفضلي
اعطاها فنجان القهوة واخذ فنجانه يجلس قربها على الاريكة الموضوعة في الشرفة والتي تشبه ارجوحة كبيرة انتقتها ميرال لتكون رفيقة خلوتهما في شرفة منزلها المطلة على حديقة صغيرة
رغم أن منزلها يقع بالطابق الرابع الا ان لجين جعل هذه الشرفة حديقة صغيرة تحوي كل أنواع الورود التي تحبها هي
اختار كل نبتة خصيصا لها وجعل هذه الشرفة مكانهما الخاص بعيدا عن كل العيون المتطفلة
صوت فيروز كان يصل بانسياب ممتع لمسامعهما
(انا لحبيبي وحبيبي الي
ياعصفورة بيضا لابقا تسألي
لايعتب حدا
ولايزعل حدا
انا لحبيبي وحبيبي الي)
اغمضت عينيها تستمتع بتلك النسمات المنعشة و برائحة القهوة و بوجوده بقربها تسند رأسها لصدره
اصابع كفه تتخلل خصل شعرها الشقراء وكانه يقوم بتسريحه
يستنشق عبير شعرها بعشق
لم يخبرها انه لم ينم وهو يراقبها … يتأملها .. ويخاف عليها من قلق سكن مقلتيها …
سألته شقيقته مرة لم لايتزوج ثانية طالما ان ميرال لاتنجب
فأجابها مصرحا بعشقه
( وهل يستطيع قلبي ان ينبض وهي بعيدة عني .. ان كان لحياتي معنى فلأنها هي حياتي … انا مكتف بها ولااريد من الحياة احدا سواها )
وهو لم يكذب بهذا الخصوص لقد اكتفى بها امرأته وحبيبته وكل الصفات اختصرتها هي بشخصها
احتضنها لصدره اكثر مكملا دندنته مع الاغنية وهو يقبل خصلات شعرها
انا لحبيبي وحبيبي الي
ابتعدت عنه تنظر لعينيه بعشق كبير وعيناه تغزلان لها الف حكاية
كم يود ان يبقيها بين ذراعيه للابد لاتبتعد عنه قيد أنملة
مرر راحة يده على وجهها فاغمضت عينيها تتنعم بوجوده ،اعاد ضمها لصدره وذلك الهاجس القلق بداخله يزداد ، قال ويده عادت لتسريح خصلات شعرها :
_ مارأيك لو رافقتني هذه المرة في جولتي المعتادة
فتحت عينيها تبتسم بسعادة وهي تتذكر ماقاما به هي ولجين بعد صلاة الفجر هذا الصباح
لقد جمعا جزءا من مدخراتهما لهذا الشهر ثم وزعاها في ظروف مغلقة ،في كل ظرف مبلغ معين ،ولجين كما العادة يذهب الى الاحياء الفقيرة ويقوم هو ومختار الحي او شيخ المسجد بإيصالها لكل محتاج دون أن يعرف لجين عن هويته فقط شيخ المسجد من يعرفه .
قالت بهمس :
_ اود ذلك كثيرا
وعادت تدفن رأسها بصدره أكثر وابتسامة جزلى على شفتيها
بينما يعود صوت لجين يدندن كلمات أغنيتها المفضلة
….
كانت سلافة تستعد لمغادرة المستشفى حين صدح هاتفها بالرنين اجابت على المتصل
_ اهلا لجين
اتاها صوته القلق
_ سلافة كيف حالك .. هل يمكن ان اطلب منك ان تقومي بزيارة ميرال كل يوم ..
اجابته بقلقمشابه لقلقه وهي التي لاحظت حالة صديقتها الغريبة :
_ مالذي حدث هل هي بخير ؟
تنهد بألم وقلقه عليها يزداد كل لحظة وهو يلاحظ شرودها ورفضها الخروج من المنزل خمسة أيام من إجازته أمضياها داخل جدران المنزل لم تفلح كل محاولاته لإخراجها ولو لفترة قليلة تعتكف اما في غرفة النوم أو على الشرفة فقطالمرة الوحيدة التي قبلت فيها الخروج كانت لمرافقته في زيارته لحي قريب ويومها شعر أن ميرال عادت لطبيعتها عاد من بحر أفكاره محدثاً سلافة ومعبرا عن قلقه:
_ جسديا هي بخير .. لكنني قلق عليها انها تخفي شيئا عني و لم تبح لي …لأول مرة لاتخبرني بما يجول بخاطرها فقط تقول انها تحتاج للراحة … لقد انتهت اجازتي وعلي الالتحاق بعملي وهذه المرة لااعلم كم اغيب
قاطعته سلافة بحزم قائلة
_ توقف عن هذا التشاؤم لن تغيب طويلا انا متاكدة .. أما بالنسبة لميرال فانت تعلم تماما أنني لن اتركها بمفردها وانا وسلمى سوف نخرجها من جو الكآبة هذا ..
_ اهتمي بها
همس برجاء فأجابته محاولة أن تبعده عن ذلك القلق الذي يعصف به
_ هيا يالجين كل مافي الامر ان زوجتك تعود لعيش جو المراهقة من جديد وتفرض دلالها عليك .. انت تعلم كم تحبك وتشتاق لك في غيابك
لم تؤثر به كلماتها المخففة فقال
_ امل ان ماتقولينه هو الحقيقة .. سلافة لن اوصيك بها .. ليس لها سواكما انت وسلمى
قاطعته بغضب هذه المرة
_لجين توقف عن هذا الكلام مابك .. اذهب لعملك وانت مطمئن ولا تخف عليها
اغلق الهاتف بعد أن ودعها فنظرت هي للهاتف متسائلة
_مالذي حدث لك ياميرال

اغلق هاتفه ووضعه على الطاولة ثم عاد للداخل نحو المطبخ حيث تركها تحضر له وجبة ليتناولها قبل سفره
كانت قد أنهت وضع الاطباق على الطاولة فاقترب منها مبتسما وهو يضع يديه على خصرها قائلا وهو يغمض عينيه يتنشق عبق خصلاتها المبللة
_ كم احب رائحتك
ضحكت بخجل وهي تضم نفسها لصدره شهقت وهي تشعر به يرفعها من خصرها ليجلسها قبالته على الطاولة الرخامية
_ لجين
وضع سبابته على شفتيها قائلا
_ دعيني فقط انظر اليك …
تعلقت عيناها بعينيه بهمس عاشق صامت .. مهما شكرت الله لن توفيه حقه لمنحها رجلا مثل لجين
اقترب يقبل وجنتها قائلا بهمس خافت يلامس شغاف قلبها
_ اتعلمين ان قلبي لم يعد كافيا لاستيعاب ذلك الحب الذي اكنه لك بل احتاج قلبا اخر بجانبه وربما لن يكفي كذلك
لم تستطع النطق وهو يأخذها معه في لجة من المشاعر متناسيا وجودهما في المطبخ
رنين هاتفه جعله يبتعد عنها على مضض ينظر لوجهها المحمر خجلا ولعينيها المغمضتين وشفتيها المرتجفتين
صدى انفاسها يخبره بأنها لاتقل عنه حبا وعشقا
قال بأسف وهو يعيد ترتيب خصلاتها
_ علي ان اغادر الان .. عديني انك ستهتمين بنفسك أكثر
حاولت أن تكون متماسكة وهي تجيبه
_ انت الذي عليه ان يعدني بذلك يالجين .. أنا أطالبك أن تعود إلي سالما
ضمها إليه هامسا
_ أعدك أنني سأحاول
…..
جلست ميرال في الصالة تشاهد التلفاز تتابع بعض المحطات وماتعرضه من اخبار عن بلدها وكأنها في قلب الحدث
لقد سافر لجين بالامس ومازالت تحبس نفسها داخل المنزل
رنين هاتفها جعلها تخفض الصوت وتنظر للشاشة لتجدها صديقتها سلافة فتحت الهاتف تجيبها فوصلها صوت سلافة الغاضب
_اسبوع كامل تنأين بنفسك بعيدا عنا .. هل يمكن ان اعرف السبب؟
استمعت بملل ثم أجابت ببرود
_ احتاج للراحة هل هذا ممنوع الان ؟
اتاها صوت سلافة القلق
_ماذا بك .. هل أنت بخير
أجابتها ميرال بغضب
_ كل ماهنالك انني اريد ان آخذ إجازة .. هل يعد هذا إثما يا سلافة؟
قلق سلافة تحول لاستغراب وهي تجيبها
_في هذه الظروف .. انت تعلمين نقص الكوادر الذي نعاني منه ..ثم ان مدير المشفى دائم السؤال عنك وانا لم يعد لدي حجة لاقولها .. أنت لست على طبيعتك ياميرال !
بكل قسوة اجابت ميرال :
_اخبريه اني استقلت من العمل ولم اعد اريد ان اكمل
وأغلقت الهاتف في وجه صديقتها وعادت تتابع الشاشة وكأنها ليست هي من كان تمضي أياما في العمل دون ان تشعر بالتعب وكل همها إنقاذ حياة الناس وكأن من حادثتها بتلك النبرة منذ قليل ليست سلافة صديقة عمرها وشقيقتها الروحية

لم تمض نصف ساعة حتى كان جرس المنزل يرن علمت ان سلافة وصلت إليها نهضت ببطء لتفتح الباب لها فوجدت صديقتيها معا سلافة وسلمى
ابعدتها سلافة عن طريقها تدخل نحو الصالة تهدر بعنف
_ رغم خطر الطريق في هذا اليوم المشؤوم اتينا لنعلم أي جنون تلبسك .. لجين كان لديه الحق بأن يقلق عليك بذلك الشكل
توحشت نظرات ميرال وهي تنظر لسلافة قائلة
_وهل اشتكى سيادته لك ايضا .. وما الذي أخبرك به حول الجنون الذي تلبسني
توقفت سلافة بصدمة شفتاها تهتزان بتوتر وهي تناظر وجه ميرال الغاضب فيما قالت سلمى محاولة السيطرة على الوضع تنقل نظراتها بين الاثنتين
_ ميرال ماذا بك ؟
لم تجب وانما بقيت على صمتها تناظر سلافة التي قالت بشبه اعتذار :
_ اعتقد اننا اصدقاء منذ مدة طويلة ولطالما كان لجين بمثابة شقيقي سالم
لم تهتم ميرال بكلامها وإنما استدارت عنها مما جعل سلافة مصدومة فتراجعت نحو باب الشقة وقبل ان تخرج وجهت حديثها لسلمى قائلة
_سأنتظرك في الاسفل
خطت خارج الشقة ثم بكل هدوء اغلقت الباب خلفها توقفت للحظة واحدة تسند نفسها على الباب ثم تحركت تنزل السلالم نحو مدخل البناية لتنتظر سلمى
تقسم ان الحقد الذي رأته في عيني ميرال لم تره قبلا في حياتها لكن لا ميرال لايمكن ان تكون هكذا
..لا هي لن تصدق نظراتها المتهمة لابد ان ميرال متعبة جدا لذلك ستعود إليها وتطمئن
ميرال صديقتها منذ اعوام كثيرة ولم تفترقا يوما لذلك مارأته في عينيها ماهو الا وهم من صنع خيالها هي
ضربت رأسها وهي تقول لنفسها
(يبدو ان بقاءك طوال هذا الاسبوع في العمل اثر على عقلك هيا اصعدي واطمئني على صديقتك .. تذكري انها شقيقتك الروحية وتذكري ان لجين بدا خائفا عليها جدا )
وعادت تصعد الدرج بحال غير ذلك الذي نزلت به منذ قليل
اما في الاعلى فقالت سلمى باستغراب بعد أن خرجت سلافة
_ميرال هل جننتي .. منذ اسبوع وانت غريبة فعلا .. نحن صديقاتك ومن حقنا ان نعرف مابك
نظرت لها ميرال قائلة
_ مابي… اشعر بالضياع ياسلمى …
وضعت يدها على راسها تدور حول نفسها دورة كاملة ثم أكملت
_بت ضائعة .. لااعرف مالذي يحصل ومتى سينتهي هذا الخراب ..
اشارت نحو التلفاز قائلة
_انظري لما يتم نشره انظري للخراب الذي حولنا اسمعي اصوات القذائف التي تهطل مطرا علينا .. الا يصيبك هذا بالجنون
قالت سلمى باسى
_لكن هذا حالنا منذ أشهر وكنت الوحيدة المتفائلة بأن ذلك سينتهي بسرعة واننا سنشهد نهاية الحرب فما الجديد الآن ؟
صرخت ميرال
_ الجديد اني بت لااعرف اي الاطراف هو الصادق .. ايهم الظالم وايهم المظلوم ..
توسعت عيني سلمى بصدمة وهي تقول
_بعد كل هذه المدة شعرت بهذا الضياع .. ان معظم الناس قد فهموا اللعبة التي حيكت ضد البلاد وانت الان من تشعر بالضياع وعدم معرفة الصحيح من الخطأ
جلست ميرال على الكرسي دون ان تدعو صديقتها للجلوس تقول وعينيها تناظران الفراغ
_ اجل انا الان بت لاافهم شيئا .. طوال هذا الاسبوع وانا افكر اين انا من كل هذا ؟
جلست سلمى قبالتها قائلة
_ وهل وجدت اين انت ؟
نظرت لها ميرال هامسة بتشتت
_ اجل .. لااعلم ..
بتوجس ورهبة سألت سلمى
_ واين انت الان ؟
قال ميرال بعزيمة استحضرتها فورا وهي ترفع راسها نحو سلمى وعينيها لاتحيدان عن عيني صديقتها
_ انا حاليا اشعر باني لم اعد اقتنع بكل ما آمنت به هل فهمتني ياسلمى .. كل تلك المبادئ والقيم التي تغنيت بها اشعر بها وهما وسرابا …
أشعر أن هناك خطئا ما لكن لم أعد قادرة على تحديده … لذلك قررت الابتعاد قليلا عن كل شئ علني أستطيع أن أفهم.
قالت سلمى بخفوت وهي غير مصدقة لما تقوله صديقتها
_وهل أخبرت لجين بذلك؟
انتفضت ميرال غاضبة وهي تقول :
_وأين هو من كل مايحدث معي أراه مرة او مرتين في الشهر ثم يختفي دون أن أعلم له مكانا …. لذلك كما ابتعد هو عني انا قررت ان ابتعد عنه.. كنت مستعدة ان اتوسله ليبقى معي لكن لم افعل أتعلمين لما ياسلمى ؟ لانني متاكدة انه لن يبقى بقربي لذلك سابتعد عن الجميع وعنه أولهم ويمكنه اللجوء لسلافة إذا رغب بالشكوى
_ميرال
همستها سلمى بعدم تصديق لكن ميرال لم تهتم وإنما ابتعدت نحو غرفتها قائلة
_اني متعبة ان وددت يمكنك البقاء البيت بيتك
وذهبت دون ان تترك اي مجال لسلمى للرد
بذهول خطت سلمى نحو باب الشقة تفتحه لتجد سلافة واقفة والدموع تغرق وجهها ويبدو انها سمعت كل الحديث
احتضنتها سلمى تهمس
_ اهدأي .. انها ليست بوعيها .. انها .. انها
لم تعلم ماذا تقول ثم انخرطت بالبكاء مثل صديقتها قبل أن تخطوا مبتعدتان عن منزل صديقتهما

قالت وداد بصبر تحاول التحلي به قدر المستطاع رغم البركان الثائر بداخلها
_لاافهم سبب انقلابها هذا .. هل يعقل ان كلام شقيقها اثر بها لهذه الدرجة .. هل يعقل ان تلغي كل ماامنت به بعد لقاءها بشقيقها
قالت زينة وهي تعيد وضع الوشاح الصوفي حول كتفيها محاولة تجنب النسمات الباردة
_ انقلابها لحظتها كان ناتجا عن دمار مابنته طوال سنوات من قيم ومبادئ
دمار ناتج عن مجتمع تهدم في أشهر أمام عينيها ترى انقلاب الأمور وضياع الحقوق .. انقلابها كان ناتجا عن رؤية من زرعت بقلبه المحبة واعتبرته ابنا لها وليس مجرد شقيق ينسف كل مافعلته ويسير في الطريق المظلم
لقد دمر ماامنت به وهي ترى ان الحب والتربية التي قدمتهما له لم يكونا كافيين ليكون إنسانا يحمل الرحمة في قلبه
قالت وداد محاولة ان تصل لمعلومات اكثر
_ زوجها كيف ابتعد وتركها وهي بهذا الحال ربما لو بقي بجانبها لفترة اطول …. ثم هل عمله كما قصد غياث ام انه يتوهم فقط
قالت زينة
_ في ظروف الحرب لايمكنك ان تلومي شخصا لنسيانه عائلته واندفاعه نحو عمله وخدمة بلده خصوصا ان عمل لجين في منظمة دولية يستدعي منه التفرغ الكامل لهذا العمل
لجين لم ينساها ولكن هناك المهم وهناك الأهم
عمله يتطلب ان يتغيب عن منزله لايام قد تطول وقد تقصر
غياث كان ذكيا يعلم كيف يستغل كل شئ وبأي مكان ولذلك كانت شكوكه نوعا ما صحيحة

يوم آخر مر على غياب زوجها دون أن تعلم عنه شيئا هل وصل بخير
هل هناك أي خطر يحيط به وخاصة أن الأوضاع من سيئ لأسوء
شاشات التلفزة لا تعرض سوى المؤتمرات واللقاءات حول الأوضاع وكيفية حلها
وكأنهم فعلا يبحثون عن حلول وليس فقط يقيمون هذه المؤتمرات لتمرير الصفقات التي يرغبون من تحت الطاولة
مستغلين كل مايجري لزيادة ثرواتهم وتحقيق مطامعهم التي لاتنتهي ابدا
فمن بلد الى بلد يتحركون يدمرون ويقتلون كوباء اسود لايحمل سوى الموت والدمار الذي لا قيامة من بعده
ومابين محطة واخرى كانت تقلب تحاول الا تقلق الا تهتم
ليفاجئها رنين الجرس بعد منتصف الليل
تساءلت بخوف من عساه يأتيها في هذا الوقت
لا يمكن أن تكون سلافة او سلمى فكلتاهما كانتا اخبرتاها قبل ان تأتيا
وزوجها لايعقل ان يعود بهذه السرعة وان فعل فهو يملك مفتاحا إذن من عساه يكون
بخطوات خائفة توجهت نحو الباب تسأل بخوف
_من
فأتاها صوت شقيقها
_انا غياث افتحي
بيدين مرتجفتين فتحت الباب ليخطو شقيقها مسرعا مغلقا الباب خلفه يستند على الباب و هيئته توحي انه كان يهرب من شئ ما
اقتربت منه بلهفة تسأله
_هل انت بخير .. مالذي يحدث .. هل يلاحقك أحدهم
بخطوات متعبة توجه نحو الاريكة يجلس عليها ثم يجيبها مبتسما
_ لقد فقدوا اثري لاتقلقي
جلست قربه عيناها تمسحان وجهه تطمئن انه بخير قائلة
_ من هم ؟
دون أن يجيبها أمسك هاتفه يجري اتصالا وحين اتاه الرد قال آمرا
( خالد اريد ان اعرف كل شئ عن هويتهم .. أنا بخير أجل لاتقلق )
واغلق الهاتف و نظر لها بعيون ماكرة يجيب سؤالها
_لاأعلم كنت عائدا من عملي فتبعتني سيارة غريبة لذلك تولى خالد تضليلهم بينما اتجهت انا الى هنا
بخوف شديد احتضنته تهمس له بضياع
_يا إلهي من يريد أذيتك … أخبرتك أن تبتعد أن تسافر لكنك ترفض ..
يعلم أنه سيصل معها لما يريد تماما .. شقيقته يحفظها عن ظهر قلب ويعلم كيف يمكنه ان يؤثر عليها
قال مجيباً :
_ لايمكنني أن أسافر الآن واترك كل أعمالي معلقة هنا
ثم امسك هاتفه يناظره بعد ان وصلته رسالة ثم عاد ينظر لها قائلا
_ ولو اخبرتك ان زوجك من يلاحقني ماذا تفعلين
فتحت فمها لتجيب وعيناها تناظرانه بضياع ثم ابتعدت عنه تدور في الصالة كانثى حيوان مجروح يقتلون ابنها أمام عينيها
أكمل هو لعبته والضغط على أعصابها :
_ اعلم انه يشك بي وأنا موقن انه ابلغك بشكوكه .. لقد علمت أنه طلب مراقبتي .. ويبدو ان من ينفذون أوامره يودون القضاء علي
عاد تنظر له هامسة بترجي أن يتوقف عما يفعله بأعصابها :
_ إن لجين ليس سوى طبيبا كيف يكن له اتباع وأعوان كلامك يكاد يصيبني بالجنون ياغياث
قال محاولا ان يزيد ذلك الضياع الذي تتحدث عنه
_ إنه ليس كما يصور لك وأنت تعلمين أن عمله يساعده على التواصل مع الكثيرين ممن يريدون تدميري
عادت تقول بأمل
_ إن كان كذلك سأطلب منه ان يتركك وشأنك .. هو لن يرفض لي اي طلب …
بضياع وكمن تهذي اقتربت منه تحتضنه ودموعها تجري بسباق
_ فقط قل لي كيف يمكن لي ان احميك من الخطر وسافعل .. فقط لاتبتعد عني …
اصطنع الاسى والتعب وهو يقول مبعدا إياها عنه
_اني الان متعب واود النوم يا اختاه
بعد دقائق كان مستلقيا في الصالة متدثرا بغطاء سميك بينما هي جالسة قربه لاتفعل شيئا سوى التفكير
نظرت له وجدته غارقا بنومه فاقتربت تغطيه جيدا تهمس امام وجهه
_سأفعل اي شئ لحمايتك … أي شيء
ثم غادرت غافلة عن عينيه الماكرة التي نظرت لها تراقب مغادرتها
….
_يا إلهي
همست وداد وهي تتخيل مقصد ميرال نظرت لزينة هامسة
_ لقد استطاع أن يسيطر عليها فعلا
قالت زينة وهي تعقد يديها فوق قدميها وعينيها مسلطتان على الأوراق التي وضعتها وداد على الطاولة تستعين بها بالكتابة
_ حبها له كان اقوى من اي شئ وطغى على عقلها كاملا .. ثم هي حالها حال الكثيرين نازعتها رياح الفوضى فجعلتها غير قادرة على التمييز
هتفت وداد بغضب لم تستطع السيطرة عليه قائلة
_ اي تمييز هذا .. هل هي مراهقة صغيرة ام طفلة أنها امرأة قاربت على الأربعين فكيف لا تستطيع ان تميز بين صح او خطأ
ابتسمت زينة لمرأى وداد الغاضب فانتبهت وداد لما تفعله فقالت وهي تستعيد هدوءها
_اعذري انفعالي .. لكن الأمر يفوق الوصف
فقالت زينة بغموض
_ لقد كان يستغل تشتتها وضياعها وخوفها عليه … يغزل لها الحكايا عمن يحاول قتله والتخلص منه …
هي كانت تظن أنها قادرة على إنقاذه مما هو فيه
لم تبلغه انها تعلم بمعظم مايقوم به في الخفاء ولكن كان لديها حقا امل انها تستطيع انقاذه والانتقام ممن اوصله لكل هذا الاجرام
ولكنها لم تكن تعلم انه يتلاعب بها يريدها دمية بيده يستغلها كيفما يريد
قال وداد بتساؤل
_كيف
أجباتها زينة بابتسامة غامضة
_لاتستعجلي كثيرا فللحكاية تتمة

استيقظت صباحا لتجد ان شقيقها قد غادر حاولت الاتصال به مرارا وتكرارا دون فائدة
ارتدت ملابسها ثم اتجهت لمكان عملها
لقد هاتفت المدير ليلا تخبره بانها كانت بحاجة لاجازة فقط
ركنت سيارتها وهي تعلم أن لا سلافة ولا سلمى هنا فقد اتصلت باحدى الممرضات تستعلم منها عن أمور المستشفى لتخبرها بطريقة غير مباشرة انهما غادرتا لمنزلهما ليلا
قامت بجولة صباحية على مرضاها تعتذر بابتسامة عن غيابها المفاجئ
اتجهت لقسم الطوارئ بعد ان تم إبلاغها بوجود حالة تخصها
دخلت القسم فوجدته شبه خالي أشار لها الطبيب المقيم
_ يريد سلافة ولكني اخبرته انك صديقتها
نظرت نحو الشاب الجالس على سرير الفحص ثم قالت للطبيب المغادر
_ شكرا لك سأتصل بسلافة انا
وظلت مكانها حتى تاكدت من مغادرته مغلقا الباب خلفه ثم اقتربت من الشاب قائلة
_ هل يمكن ان تخبرني بما يؤلمك
ابتسم الشاب وهو يفهم ماترمي اليه ثم اجابها وهو يعطيها مغلفا دسته مسرعة في جيب معطفها
_ لا يؤلمني شئ فقط اتيت وكلي ظن أن سلافة لاتزال هنا …
اشار لها باشارة فهمتها ثم غادر تاركا اياها واقفة مكانها تنظر بأثره بشرود
…..
عادت قبيل المساء لمنزلها منهكة القوى بعد أن عرجت على المتجر لتجلب بعض الاغراض
وضعت الأغراض التي ابتاعتها في المطبخ ثم عادت ادراجها للصالة تحاول الاتصال بغياث لكن كما حال هاتفه طوال اليوم مشغول او خارج الخدمة
عادت تطلب رقم زوجها ولم يكن حظها أفضل رمت الهاتف بغضب على الاريكة تصرخ
_وهل كنت لتساعدني يالجين ..
خاطر مر على بالها ماذا لو كان ألقي القبض على شقيقها ماذا لو حصل له مكروه ماذا لو تم تعذيبه
دون تفكير كانت تمسك مفاتيح سيارتها تضع وشاحها على رأسها مجددا ثم تخرج مسرعة
تنزل الدرجات بغضب لتستقل سيارتها متجهة نحو منزل شقيقها
لاتعلم كيف استطاعت القيادة تقطع الشوارع نحو منزله
تسيطر عليها ذكريات قديمة عنه وهو مراهق يحدثها عن احلامه وامنياته
عن صديقته في المعهد الموسيقي والتي احبها كمراهق يخطو اولى خطواته نحو الشباب
ابتلعت غصة مريرة وهي تركن السيارة على جانب الطريق ثم نزلت نحو مدخل البناية التي تقع فيها شقة شقيقها
استعملت المصعد وحين دلفت منه وجدت الحارسين الذين اعتادت وجودهما أمام منزل شقيقها سألتهم عن مكانه ولكنهما اخبراها انه غير متواجد حاليا
عادت ادراجها والقلق يفتك بها اين يمكن ان يكون
صوت سقوط قذيفة قريبة وصوت سيارات الإسعاف الذي انطلق بعد لحظات جعلها تغادر المكان مسرعة استقلت سيارتها وقادتها تراقب هروب الناس مبتعدين عن مكان سقوط القذيفة خوفا من سقوط غيرها
عدلت طريقها متجهة نحو مكان سقوط القذيفة فواجبها كطبيبة حتم عليها ان تسرع لمعالجة المصابين
اندفعت بين الجموع تخبرهم انها طبيبة
تساعد باجراء الاسعافات الاولية للمصابين الذين لاتستدعي حالتهم النقل للمستشفى
حين انتهت عادت تستقل سيارتها بتعب نحو
الطريق العام الخالي تقريبا وقد بدأ الليل يرخي باسداله والحركة باتت خفيفة
رن هاتفها باسم شقيقها فركنت السيارة على جانب الطريق تجيبه بلهفة
_ هل أنت بخير
اجابها بأجل ثم طلب منها أن تتجه لمنزل آخر يمتلكه في حي قريب
اتجهت من فورها لتصل إلى العنوان المطلوب
كانت بناية في حي سكني قريب ركنت سيارتها وهي تشعر بالراحة لوجود حركة للناس في هذا الحي
تنظر حولها لطبيعة الحياة
هناك حيث كانت منذ قليل شوارع خالية يحوم الموت فيها وهنا ترى الناس يتجولون بشكل عادي وكان لاشئ يحدث
خطت نحو البيت المطلوب وكالعادة وجدت اثنين من الأشخاص الذين وظفهم شقيقها لمرافقته في كل مكان
ويبدو أنهم كانوا على علم بوصولها فسمحوا لها بالدخول
دخلت المنزل لتجد شقيقها بانتظارها كانت خطواتها متوجسة من ان يكون برفقة أحد ما لكنها تنهدت بارتياح وهي ترى الشقة خالية من أي شخص آخر
جلست بعد ان طلب منها الجلوس فتساءلت بلهفة
_لم أنت هنا
قال وهو يجلس قبالتها بتعب
_ اخذ احتياطاتي فربما كان المنزل مراقب
تساءلت بخوف
_ ولم يفعلون ذلك … هل اكتشفوا اي امر يخصك … من هم وماذا يريدون
امسكها من مرفقها يوقفها عن الكلام فنظرت له بعيون متوجسة فقال بصرامة
_ لاتطرحي الكثير من الاسئلة … سيتوقفون عن متابعتي قريبا .. يجب ان اكون حذرا فقط .. أما من هم وماذا يريدون لا شأن لك بالامر
قالت بتوتر وضياع
_هل حقا ماقلته عن ان لجين من اخبرهم بأمرك و ارسلهم ليلقو القبض عليك ..
قال وهو يضع كفيه على ركبتيه محنيا ظهره للأمام
_ ليس لجين ومن خلفه يريدون موتي الكثيرون باتوا يظنون اني اشكل خطرا عليهم .. حتى من اعمل معهم باتوا يخافون وجودي
لم تفهم ماقال والحيرة تلبستها تنظر له تستجدي شرحا يداها رجفتا بخوف اما هو فاستقام واقفا مبتعدا عنها عدة خطوات مفكرا ثم عاد ينظر إليها
_ يعلمون أن شقيقتي زوجة شخص مهم يمتلك وثائقا يريدونها وبشدة ..
انتفضت تمسك كفه قائلة
_ اي شخص مهم هذا ان لجين ليس سوى طبيبا ،كم مرة عليّ أن أعيدها ، ما الذي يمكن ان يشكله من أهمية لهم اخبرني .. اشرح لي اكاد اجن
دون أن يهتم بالتفسير قال مكملا ضغطه على اعصابها
_لقد تمت مساومتي بك ياميرال اتفهمين والا فحياتي ستكون الثمن
صرخت تناظره بخوف لايكاد يفارقها بحضرته :
_ كيف ذلك … ما شأني أنا ؟
أكمل بصوت ماكر يتسلل به لخلايا عقلها :
_ انت شقيقتي نقطة ضعفي لذلك يمكن باي لحظة ان تكوني سببا قويا لكسري
هزت رأسها نافية والدموع قد غلبتها
_كلا لن يحدث .. أنا سأبحث عن طريقة اخرجك بها من هنا .. سوف أسافر إلى أي بلد واختفي
ضحك وهو يراقب جنونها وهذيانها غير مهتم لتلك الحال الاي أوصلها إليها ثم أكمل قائلا ً:
_هل تظنينه أمرا سهلا … أخبرتك كوني معي وسأكون بخير .. ساعديني للحصول على ما أريد .. الوثائق التي بحوزة زوجك يجب ان احصل عليها
توقف عقلها عن العمل وهي تقول
_ اي وثائق هذه التي يملكها لجين .. أقسم لك في المنزل لا يوجد أي وثائق مهمة يمتلكها
قال مؤكدا ما كانت تشك به قبلا
_اعلم انه لايملك اي وثائق في المنزل ..
هتفت بقلة صبر تحاول أن تفهم مايريده
_اذا كيف ستحضر لهم هذه الوثائق وما مدى أهميتها اخبرني ؟
قال مضللا لها أكثر
_لااعلم كل أهميتها ولكن الحصول عليها أمر مهم ...ساعديني في هذا الأمر
_انا كيف يمكن ان اساعدك
قالتها بعجز وهي تنظر إليه والتعب قد أخذ منها كل طاقتها فأجابها
_ عليك معرفة المكان الذي يكون به فالمعلومات تؤكد ان زوجك سيسلم الوثائق قريبا ونحن يجب أن نحصل عليها قبلا ..
اومأت له بأجل دون أي تفكير ثم سألت بأمل :
_ وهل هذا سيبعد الخطر عنك ؟
أجابها قائلا وقد تسلل الارتياح الى قلبه فهاهو قد شارف على الوصول لهدفه :
_اجل سيبعده
اقتربت منه وعينيها تلمعان بإصرار غريب
_ان حصلت عليها عدني انك ستسافر وتغادر هذه البلاد للابد.. عدني أنك ستنجو بنفسك
امسك كفيها يقبلهما
_ اعدك …
عادت تنظر له وهي تقول بخوف حقيقي لم تستطع اخفاءه
_لجين هل سيكون بخطر ؟
اخذ نفسا عميقا ثم قال بهدوء :
_ ميرال انت امام مفترق طرق خطير عليك الاختيار .. لاجلك و لاجلك فقط سأحاول الا يصيب لجين اي خطر .. تعاونك معنا يعني ان يكون بأمان
قالت بتشتت ظهر واضحا في نظراتها إليه
_ لم افهم
عاد يكمل
_ ستفهمين قريبا … ساخبرك بكل شئ قريبا
والان سأطلب من خالد ان يقلك للمنزل فالوقت تأخر
قالت وهي تتجه نحو باب الشقة فقد استنفذت كل طاقتها وعليها أن تعود لمنزلها لترتاح
_ سيارتي معي
عاد يخبرها محاولا أن يشعرها بقلقه عليها من التحرك ليلاً:
_وان يكن سأطلب منه ان يتبعك هذا اضمن لسلامتك
قبل ان تفتح باب الشقة وتغادر عادت تنظر اليه وهي تقول ونظراتها تحمل من الغموض الكثير :
_ انا مستعدة لفعل اي شئ لانقاذك و لحمايتك والابتعاد بك عن هنا .. ان كان هو زوجي فأنت شقيقي وولدي الذي ربيته ياغياث ..
ابتسم وهو يسألها سؤالا محددا لم يستطع منع نفسه عن إلقاءه عليها :
_ حتى وان طلبت منك قتله !
هل كان يتوقع رفضها او رؤية نظرة خوف في عينيها اذا توقعه خاطئ فهي حين سمعت سؤاله انكست رأسها للحظات ثم رفعت وجهها اليه بملامح قاسية غريبة وهي تقول :
_ حين يكون الخيار واجبا سأختارك أنت .. سأختار انقاذك أنت كن واثقا من هذا ..حتى وان كان الثمن قلبي
ثم غادرت تاركة إياه في صدمة لحظية مما تفوهت به ثم عاد يبتسم فهو حقق ما أراد وميرال ستصبح له داعما ونصيرا
……
كل الشكر للجميلة سنين سنين عالخاطرة الجميلة
اريدك وطن
اريدك اوطاننا التي تموت
فكل طفل وطن
وكل شيخ وطن
وكل امراة وكل رجل وطن
وكل شاب حلم وطن
اريدك وطن
تمسح دموع من مؤاقيها
اريدك وطن
تاوي اليك الافئدة لا تنفيها
تصون دماء"لا تجريها
اريدك علمي اريدك ديني
اريدك نبراس نور لا دروب ظلام
اريدك بك الانسان للانسان
لا ان تجعل قلبك هو القربان
اريدك وطن اضاهي بك كل الاوطان
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في الثلاثاء فبراير 18, 2020 4:43 pm


#الفصل_الرابع
بعد خروجها من منزل شقيقها اتجهت نحو المنزل بشرود
تقود سيارتها وعقلها مشغول بالتفكير بكل مايحدث حولها حتى اقتربت من مطعم للوجبات السريعة توقفت وقد شعرت بالجوع وهي التي لم تتناول طعاما طوال اليوم
ركنت سيارتها جانبا ونزلت منها بتمهل وبطرف عينها لمحت توقف سيارة خالد خلف سيارتها لكنه لم يهبط منها
راقبت جموع الناس أمام قسم الطلبات
رغم كل مايحدث فالحياة تكمل مسيرتها ولا شيء يتوقف ابدا
الناس مازالت تتابع حياتها بشكل طبيعي
رغم مايسكن العيون من قلق الا ان الحياة تدفعهم لان يحيوها بشكل طبيعي
اعطت صبي المطعم طلبها ليتم تجهيز ماتريد فتأخذه معها للمنزل، انشغلت بعض الوقت بمراقبة المنتظرين مثلها أمام شباك التسليم، ثم مالبثت أن اقتربت تسأل بخجل ان كانت تستطيع استعمال الحمام.
غابت بضع دقائق ثم خرجت نحو سيارتها بعد ان اخذت طلبها وسارت مجددا نحو المنزل
وسيارة خالد تتبعها من مسافة قريبة ، حتى هبطت من سيارتها ودخلت بوابة البناية السكنية التي تقطنها
حين وصلت وضعت الطعام بإعياء على الطاولة الرخامية في المطبخ ثم اتجهت نحو غرفتها علها تستطيع النوم ولو قليلا وقبل ان تخلع معطفها اطمأنت تتلمس ذلك الشئ الصغير الذي تخفيه بجيبة سرية داخل معطفها
اغمضت عينيها تستدعي راحة لكن للأسف فمن أين يمكن أن تأتي الراحة بعد كل ما تواجهه
لو كانت في المستشفى لكانت انشغلت عن كل هذا لكان الوقت يمر بوتيرة أسرع مما يفعل وهي تعيش محبوسة مابين هذه الجدران
دمعت تسللت من بين جفنيها وهي تعي خطورة ماهي مقدمة عليه ولكن لقد قررت وانتهى الأمر
…..
لأن وداد صحفية متمرسة تعلمت ان تنصت لآخر لحظة، تنظر بعيون مفكرة للسيدة زينة تحاول أن تستشف من خلال تعابير وجهها اي مشاعر
ولكن للأسف السيدة زينة مثل الكثيرات اللواتي قابلتهن في رحلتها حول قصص كتابها هذا
تعابير وجهها تخفي الكثير تجعلها غير قادرة على التنبؤ بما جرى
قالت وداد محاولة ضبط إنفعالاتها :
_اذا فقد قررت مساعدة شقيقها ورمي كل مبادئها تحت قدميها .
نظرت لها زينة تتنهد بتعب فمهما كان الأمر فإن سرد مثل هذه الأحداث يماثل صعوبتها قالت بصوت بعيد :
_ لقد قررت ما رأته هو الاصح في ذلك الوقت
قالت وداد بغضب لم تستطع اخفاءه:
_ هل حقا صدقت انها سوف تنقذه بوقوفها بجانبه؟
لااصدق ان طبيبة مثلها يمكن ان تصدق كاذبا مثله .
بغموض تحدثت زينة
_ ان كانت صدقت ام لا مايهم هو ماحدث بعدها
….
كانت قد عادت منذ اسبوع وعادت الأمور لطبيعتها مع صديقتيها
تشغل نفسها بالعمل والعمل
قالت سلافة وهي تراها عائدة نحو غرفتها بخطوات متعبة :
_ أين كنت لقد بحثت عنك كثيرا
قال ميرال بتعب وهي تدلف للغرفة ومن خلفها سلافة تغلق الباب بهدوء :
_ كنت في غرفة أحد مرضاي
نظرت لها سلافة وهي تراها تستلقي على سرير صغير وضع في غرفتها لتنال قسطا من الراحة في حال بقائها ليلا
( اي مريض هذا وانت تختفين فجأة ثم تعودين للظهور فجأة .. اقسم ان هناك مايشغلك ولا اعلم ما كنهه يا ميرال )فكرت سلافة
_ هل ستحدثين نفسك طويلا ؟
قالتها ميرال دون ان تفتح عيناها فأجابتها سلافة بهدوء:
_ كلا لقد انتهيت من الحديث مع نفسي .. نامي قليلا وانا سأجلس قربك أتابع بعض الأخبار على صفحات التواصل الاجتماعي
لم تجبها ميرال فظنت سلافة انها نامت لذلك جلست على مقعد قريب تتصفح هاتفها
بينما ميرال غرقت بافكارها
لم تلتقي بعد تلك المرة بشقيقها فقد اخبرها انه منشغل بعمل جديد
لتفاجأ به موضع حديث شاشات التلفزة كرجل أعمال ناجح كافح واجتهد رغم سنه الصغير ليصل الى ماوصل اليه
راقبت الشاشة التي تعرض مسيرة شقيقها الصغيرة والحافلة يخبرها انه مراقب لكن بنفس الوقت أعماله تبدو مزدهرة
إنه يغرقها بدوامات من التضليل
ما الخطر الذي يمكن أن يكون محدقا به وهو ناجح بهذا الشكل
لقد اخبرتها سلافة بفخر البارحة
_ عليكي ان تكوني فخورة بغياث فانا ارى انه نجح في وقت قصير بل ويعمل جاهدا لافتتاح مراكز لمساعدة المتضررين مما يجري وربما قريبا سيسلمونه منصباً مهماً .
لم تجبها حينها لانها لم تستطع الاجابة ببساطة كما حالها وهي تراقب المذيعة التي تفتخر كافتخار سلافة بشقيقها
ضحكت بسخرية مما تسمع ويحدث
(لو انكم تعلمون فقط ما الذي يوجد خلف هذه الابتسامة التي يظهرها لكم … لو أنكم فقط تعلمون ماهي خلفية تلك المشاريع التي يقوم بها .. فعلا انت عبقري أكثر مما تصورت ياغياث، اكثر بكثير ياأخي )
قطعت سيل أفكارها وهي تميل للجانب فيصبح ظهرها مواجهاً لسلافة الاي لم تتوقف عن مراقبتها بحزن لحالها الذي لاتفهمه
اما ميرال فعادت تحدث نفسها وعيناها مازالتا مغمضمتين ،عليها أن ترتب كل خطواتها القادمة فالقادم صعب وهي تحتاج لأن تخطط له جيدا
….
جلست هي وصديقاتها في اليوم التالي في منزل سلافة لقد اقترحت سلمى ان يجتمعن معا في يوم عطلتهن فوافقن
حضرت ميرال الفطائر المحشوة بالجبن واللحم وقطع البيتزا الصغيرة بينما انتهت سلمى من تحضير قالب حلوى شهي
وسلافة الفاشلة بالطبخ تسلمت مهمة غسيل الاطباق خلفهن والاهتمام بابنة سلمى الصغيرة
جلسن معا امام شاشة التلفاز يتابعن فلما أجنبيا رومانسيا كعادتهن
كن يناظرن الشاشة باعجاب للبطل الوسيم وهو يتحدث مع حبيبته
تنهدت ميرال وسلمى وهن يشاهدن قبلته الطويلة للبطلة
فضربتهما سلافة بالوسادة الصغيرة قائلة
_انكما متزوجتان فماذا ابقيتما لي انا العازبة ها اخبراني توقفا عن هذه النظرات يا الهي لا اصدق انكما شارفتما على الأربعين عاما و مازلتما مراهقتين تتفجر عينيكما قلوبا عند رؤيتكما لمشهد رومانسي
نظرت لها ميرال بغضب وهي تقول
_ مادخل السن بمشاعرنا ياسلافة انا مازلت صغيرة بمشاعري ياعزيزتي
وراقصت لها عينيها تغيظها فضربتها سلافة مجددا قائلة
_ صغيرة قال .. اذن هيا يا صغيرة هذه الافلام لاتناسبك بل تناسبني انا وانت سيدة سلمى توقفي عن التهام البطل بعينيك
تنهدت سلمى بحزن دون ان تزيح عينيها عن الشاشة قائلة
_ماذا لو كان زوجي يحبني بهذا الشكل الكبير اخبراني ..
ثم اكملت بغصة
_ ان كانت ميرال صغيرة بمشاعرها فانا عجوز دميمة بمشاعري التي ماتت بفضل رجل لايعرف عن الزواج سوى علاقة الفراش ومشاركة المال اما غير ذلك فلا يعلم شيئا
نظرتا لها بأسى وهن يعلمن طباع زوجها الغريبة رجل تزوجها لأنها طبيبة فقط اي بمنظوره مصدر دخل كبير له
لايهتم باي شيء سوى ماتجنيه من اموال
مسحت سلمى دمعة نزلت على خدها وهي تقول متصنعة الغضب
_ هل اعجبك مافعلته انسة سلافة ضيعتي علينا المشاهد الرومانسية .. تزوجي ودعينا نرتاح منك
قالت سلافة بضحك محاولة ان تبعد الحزن عن سلمى
_ ومن أين أحضر العريس .. هل أنزل الى الشارع وأنادي (أريد عريسا للبيع )
ضحكت ميرال بصخب ورافقتها سلمى الضحك وهي تقول
_ العريس لدي لكنك ترفضين
ضربت سلافة على صدرها قائلة بتمثيل
_ اتريدين ان تزوجيني لشقيق زوجك فتأتي حماتك الحيزبون وتتحكم بي لا والله لن اقبل
بيأس قالت سلمى
_ للمرة المليون أخبرك أن جلال مختلف عن زوجي إنه يذكرني بزوج ميرال دائما .. ربما وفاة زوجته وتربيته لطفلين صغيرين لوحده إلى ان كبرا وسلكا طريق الحياة بمفردهما جعلتاه مختلفا عن زوجي انا نفسي احيانا لااصدق انه شقيق زوجي الوحيد واكاد اجزم انهم وجدوا زوجي امام منزلهم ليلا
بدت سلافة كمن تفكر بكلام سلمى لذلك اكملت سلمى قائلة بألم
_ المشكلة ليست بوالدة زوجي ولا بعائلته ان عائلته كأي عائلة أخرى .. لكن المشكلة به هو بانانيته بعدم اهتمامه .. او اخبرك المشكلة بي انا بسلبيتي .. المشكلة انني انا من الغيت شخصيتي بحضوره
ثم استقامت واقفة مبتعدة عن مرمى نظراتهما المشفقة قائلة
_سأحضر قالب الحلوى لاتناوله
تركتهما واتجهت للمطبخ تحضر القالب لكنها ما إن دخلت وابتعدت عن مجال رؤيتهم ، حتى استندت على الرف الرخامي بكفيها تأخذ شهيقا طويلا لتمنع دموعها من الانهمار وهي تتذكر مشاجرتها مع زوجها البارحة، وهو يطلب منها ترك عملها الذي تقوم بمعظمه مجانا ،والتفرغ لعيادتها ولعمل جديد في مستشفى خاص تم افتتاحه قريبا من منزلها
انه يرى ان العمل الذي لايجلب مالاً لا فائدة منه .. لايهتم بما تخبره به عن قدسية عملها ، عن إنقاذها لأرواح الناس ، عن سعادتها حين تتلقى دعوة بالخير من ذويهم ، حين تشاهد نظرات الأمل والسعادة في مآقيهم .
كيف كانت غافلة عن طمعه بعملها عن حبه للمال عن استعداده لرمي كل المبادئ والقيم جانباً لأجل المال
ليته كان مثل لجين زوج ميرال
همست بالاستغفار تلوم نفسها لتسلل ذلك الشعور الخبيث إليها ،لايمكن أن تحسد صديقتها على زوجها والعلاقة المميزة التي تجمعهما منذ سنوات
_سلمى
كانت تلك ميرال من تقف ورائها تضع كفها على كتفها في دعم غير منطوق
فما كان من سلمى إلا أن رمت نفسها في أحضانها تبكي بألم
ربتت ميرال على ظهرها بحنو تهمس لها
_ استغفري الله يا سلمى واهدأي ياعزيزتي
انضمت سلافة اليهما تضمهما معا قائلة بأسف :
_ اعتذر لم أقصد أن أجعلك تحزني …إنني عازبة غبية ياسلمى فانظري ما أنت فاعلة بي … زوجيني لشقيق زوجك انتقاما من غبائي هذا ..
ضحكت سلمى وميرال وسلمى تقول من بين دموعها :
_سافعل وسأجعله يغلق فمك للابد
ابتعدت سلافة عنهما مدعية الحزن وهي تقترب من قالب الحلوى تحمله بين يديها قائلة :
_ تعال ياحبيبي ليس لي سواك الان … فانت من ستحرك مشاعري ولا احد غيرك
وتركتهما مغادرة نحو الصالة هامسة بصوت مسموع لهما لتغيظهما :
_ الفلم القادم سيكون فيلما عربياً بالأبيض والأسود إن رغبتما متابعته معي … تعال ياحبيبي تعال
اكملت حديثها مع قالب الحلوى وهي تغادر بينما انفجرت الاثنتان ضاحكتان من تصرفها واتجهتا للصالة خلفها
قالت ميرال وهي تحمل اشرطة الفيديو تختار فلما لمتابعته
_ في الصيف القادم سنحاول ان نسافر الى الساحل مارأيكن ، مضت سنتين منذ آخر مرة سافرنا بها معا للساحل اود ان استرجع تلك الذكريات معكن
غمزتها سلافة بمكر قائلة :
_ معنا ام مع لجين .. لاتدعيني اذكرك بما فعلته بنا في آخر رحلة لنا ، تركتنا انا وهذه المسكينة وذهبت بقية العطلة رفقة زوجك في رحلة خاصة فهيا اخرجي من هذه الابواب يا ميرال
هذه المرة كان دور ميرال لضربها بالوسادة وهي تقول حانقة :
_ لقد فاجأني يومها بأنه حصل علىإاجازة ، فهل كنت تريدين مني ان اخبره ،عفوا لجين انا مع صديقتيّ فلتمض اجازتك بمفردك .
قاطع ضحكهم صوت بكاء ابنة سلمى التي قامت من فورها لترى مابها
قالت ميرال ما إن غادرت سلمى
_ سلافة لم لاتفكرين جديا بعرض جلال … أعلم أنك لاتهتمين بكل تلك الاقاويل حول الزواج وضرورته للفتاة وانا اؤيدك بهذا الأمر ولكن كشقيقة لك اخبرك ان الحياة قصيرة جدا فلم لانعيشها بسعادة مع شخص نتبادل واياه الحب
تنهدت سلافة قائلة بهيام
_ اتظنين أنني لاأود أن يكون لي عائلة ولكن كنت ومازلت انتظر حبا يقتلع قلبي من مكانه فيجعلني اترك كل شئ خلفي واجري نحوه صارخة تعال الي تعال
بغضب قالت ميرال من بين أسنانها
_ انا اكلمك بجدية ياسلافة
نظرت لها سلافة بابتسامة قائلة
_ حسنا حسنا سأفكر بذلك المدعو جلال وعرضه اعدك بهذا ولكن ان لم يحرك قلبي فلا تلوميني على ماسأفعله به
وانفجرت ضاحكة لترافقها ميرال الضحك
…..
في الصباح وبعد ان ودعتهن وعادت لمنزلها تلقت
اتصالا من سلمى التي فارقتها منذ ساعتين فقط تخبرها بانها تود منها مرافقتها لارسال حوالة مالية لاهلها المقيمين في مدينة أخرى
جهزت نفسها ثم غادرت المنزل متجهة لمنزل سلمى امسكت هاتفها تطلبها وماهي الا دقائق حتى كانت سلمى تجلس قربها على المقعد
قالت ميرال بغضب وسيارتها عالقة في الزحام
_ الم يكن بامكانك الانتظار أياما اضافية .. انظري ان الوضع غير مطمئن ابدا للخروج نحو المنطقة التي يوجد بها مكتب التحويل
كانت سلمى تشعر بانقباضة غريبة في صدرها لكنها حاولت ابعاد هذه الاحساس وهي تقول
_ لايوجد فرق بين اليوم وغدا فكل يوم يكون أسوأ من اليوم الذي قبله يا ميرال .. ثم ان شقيقتي بحاجة ماسة للمال ولن استطيع ان اتأخر في ارسال المبلغ المالي لها
لم تجبها ميرال وهي تعلم ماتحمله سلمى بداخلها من مسؤولية تجاه شقيقاتها بعد وفاة والدتها
تحرك طابور السيارات فتحركت ميرال بسيارتها تحاول ان تصل باسرع مايمكن
توقفت السيارة أمام مركز التحويل فنزلت سلمى وبقيت ميرال تنتظرها في السيارة تقلب محطات الراديو لكن كل محطة كانت تسابق الاخرى في نقل مايحدث من كوارث
اطفأت الراديو بغضب وهي تشعر باختناق مفاجئ غريب هزت رأسها بعنف تبعد هذا الاحساس
امسكت هاتفها تحاول الاتصال بلجين لكن كالعادة لامجيب
لقد حدثها منذ يومين يخبرها بعودته قريبا وبعدها فقدت الاتصال معه مجددا
عادت سلمى فتحركتا مبتعدتين عائدتين للمنزل
كانت ميرال تقود بصمت فيما سلمى تتحدث مع شقيقتها تخبرها بارسالها للمال وتفاصيل اخرى حاولت ميرال عدم الانصات لها
حين انتهت قالت سلمى بأسى
_ لم ينظر الجميع للطبيب على أنه تاجر يملك تحت فراشه بنكا متنقلا أخبريني
فهمت ميرال ماترمي اليه فاجابتها
_ لان النسبة الأكبر من الأطباء اتخذت المهنة كتجارة وكمهنة مدرة للمال وليس مهنة إنسانية تسمو بصاحبها نحو الاعلى وانا وانت نشاهد امثالهم يوميا لذلك لا تستغربي الامر
اومأت سلمى برأسها ثم عادت تراقب الطريق
ثم مالبثت أن طلبت منها ان تتوقف امام متجر لملابس الاطفال في شارع يحتوي الكثير من المحال التجارية الضخمة
_ توقفي هنا أود شراء هدية لابنتي ..
قالت ميرال وهي تبحث بعينيها عن مكان تركن به سيارتها
_ انتظري حتى اجد مكانا لاركن السيارة ..
قالت سلمى بلهفة وهي تهبط من السيارة
_ كلا سوف أسبقك انظري ذلك المتجر (اشارت بيدها لمتجر معين لملابس الاطفال ) سأسبقك وانت اركني السيارة واتبعيني
غادرت سلمى وتحركت هي نحو منطقة وجدتها ملائمة لركن السيارة تبعد قليلا عن المتجر
ركنت السيارة وهبطت منها تنظر حولها لهذا الشارع واكتظاظه بالناس في هذا الوقت من الصباح
لقد اقترب موسم الأعياد والناس رغم كل مآسي الحرب تحاول ان تجد يوما للسعادة وللمحبة
ابتسمت تنظر بوجوه الاشخاص تراقب تعابيرهم الممزوجة بالالم والامل
دعوات تحملها القلوب بان تعود البلد آمنة كما كانت قبل هذا الطوفان الذي دمر كل شئ في طريقه من حجر وبشر
تنهدت بغصة غريبة ترفع أنظارها نحو المتجر الذي قصدته سلمى

لحظة واحدة

لحظة واحدة لكنها تفصل مابين الحياة والموت

لحظة واحدة تجعل الحياة تنتهي دون اي اشعار مسبق
لحظة واحدة كانت كافية ليحدث ماحدث

خطت خطوة واحدة فقط نحو المتجر الذي تركت فيه سلمى
لتشعر بتوقف الزمان
بانسحاب الهواء من رئتيها
لتتوقف كل الصور

لحظة واحدة وحدث ذلك الانفجار
صوت اصم اذنيها ورماها أرضا تصرخ باعلى صوتها تشعر بدوي غريب في أذنيها والم في كل أنحاء جسدها
أصوات الطنين اختلطت بأصوات الصرخات حولها
هل هذه هي النهاية اغمضت عينيها تحاول الاستسلام
ولكن صوت الصراخ والاقدام التي تجري بخوف جعلها تحاول ان تستوي بجلستها
استطاعت أن تعين نفسها على الجلوس ثم حاولت ان تقف لكن قدماها خانتاها وعينيها تنظر باتساع وذهول حولها
مهما كان ما شاهدته على شاشات التلفزة لما يحدث لحظات الانفجار ومايليها
مهما كان ماسمعته اثناء انقاذها لضحايا التفجيرات لا يماثل نقطة واحدة مما تعايشه في هذه اللحظات
الناس تجري بعشوائية حولها، النيران في كل مكان ودخان اسود عبق بالأجواء
واجهات المحلات قد تهشمت كليا واندلعت النيران في بعض المتاجر اناس يجرون من حولها يمنة ويسرى لكنها لاتسمع صراخهم
لاتعي مايفعله الاخرون من محاولات لانقاذ من يستطيعون انقاذهم
عيناها كانتا فقط تناظران الأشلاء التي تناثرت فوق اسفلت الطريق

بكل ماتملك من قهر

بكل ماتملك من ألم فتت قلبها ومزق روحها

صرخت باسمها
_سلمى اااااااااااااا
كررت النداء حتى بح صوتها و عيناها تذرفان الدموع بكثافة
همست بخفوت معذب
_سلمى
زحفت على ركبتيها تشعر بكل خطوة تخطوها ان الطريق نحو ذلك الجسد الذي عرفته تزيد من مسافة البعد
شفتاها ترتجفان غير قادرة على النطق قطع زجاج هشمت ركبتيها وكفي يدها لكنها لم تهتم
كل مايهم هو ذلك الجسد الراقد بلا حراك
اقتربت تمد يدها تتلمس صدر صديقتها عيناها تنظران بزيغ لذلك الوجه الذي سالت بعض الدماء منه
همست بصوت يكاد لايخرج من فمها الذي جف حتى كادت شفتاها تتشققان
_سلمى اجيبيني
لكن لامجيب كفاها كانتا تتحركان على الجسد المسجى تحاول إيجاد نبض واحد يشعرها بوجود الحياة وصوتها يحاول ايجاد طريق له فيخرج مختنقاً متألماً :
_سلمى حبيبتي أجيبي … سلمى هيا انهضي سنشتري حالا ملابس الصغيرة معا … سلمى سلافة لن تسامحني ان حصل لك مكروه … سلمى ارجوكي
يدين حاولتا إبعادها رفعت أنظارها نحو ذلك الشخص الذي لم يكن سوى مسعف من منظمة الهلال الأحمر الذين توافدوا للمكان بمجرد حصول الانفجار
_سيدتي ارجوكي علينا نقلها للمستشفى
أشارت بكفيها الداميين نحو صديقتها قائلة
_انظر انها لاتجيبني .. اخبرها ان تجيبني ارجوك … لم لم تنتظرني في المتجر... لم خرجت منه
ثم عادت تلامس وجهها بكفين مرتعشين
_سلمى اجيبي ..انهضي كفاكي مزاحا ، هل بت تتقمصين دور سلافة وتفزعين قلبي بمزاحك
امسكها المسعف يبعدها رغما عنها عن جسد سلمى لم تعلم لم استسلمت لأوامره وابتعدت عن صديقتها راقبتهم وهم يضعونها في سيارة الاسعاف فركضت نحوها تصعد السيارة معهم تلتزم بصمت مطبق امرها به المسعف
من خلف الزجاج الخلفي للسيارة نظرت للخارج تراقب تدافع الناس
البعض تلطخت ملابسهم بالدماء ولكن إصاباتهم الخفيفة مكنتهم من الابتعاد نحو تجمع المسعفين الذين يقدمون الاسعافات لهم
اما البعض الآخر فقد تم حملهم فوق نقالات ليتم اخذهم للمستشفيات
تكاد تجزم ان صراخهم يصم أذنيها
وهناك على الارض مازالت بعض الجثث التي غطيت بالاقمشة بانتظار نقلها هي كذلك
عادت تنظر نحو المسعف داخل السيارة تراقب تحركه حول جسد صديقتها
نظراتها فارغة تائهة
نسيت انها طبيبة .. انها تستطيع المساعدة
كل شئ حول مهنتها نسيته
بخوف رفعت أنظارها نحو ذلك الوجه الذي كان ضاحكاً قبل لحظات
تعلقت عيناها به وغصة قوية باتت تتضخم داخل صدرها تمنع عنها التنفس
تلك العيون المغمضة … ذلك الفم الصامت
هل هما حقا لسلمى
مابين وجهها
ويدي المسعف اللتان تحاولان انعاش عضلة القلب
زاغت نظراتها
تسارعت وتيرة تنفسها
ارادت ان تغمض عيناها عل تلك الهوة تسحبها
ولكن وجود مسعف آخر أنقذها
وهو يضع لها قناع الاكسجين يساعدها على التنفس
…...
بعد بعض الوقت كانت سلافة تعبر الممر نحو صديقتها ميرال
وجدتها منهارة ارضا تدفن وجهها بين ركبتيها ملابسها مغطاة بالاتربة والهباب
تباطأت خطواتها وهي تقترب منها
لقد هاتفها المسعف بعد ان نقلته ميرال رقم هاتفها دون وعي منها فأتت على وجه السرعة
_ميرال
رفعت ميرال أنظارها نحو سلافة كان وجهها مخيفا لاتستطيع تبيان ملامحه من الهباب الذي يغطيه وشعرها قد ظهر قسم منه من تحت غطاء رأسها بعشوائية زادت مظهرها رعبا
_سلمى لاتجيبني
قالتها ميرال بهمس قاتل لم تستطع سلافة معه الكلام أكملت ميرال وهي تنظر لكفي يدها الذين لم تغسلهما بعد من أثر الدماء
_ كنا سنشتري ملابس الصغيرة فسبقتني للمتجر … لقد اخبرتها ان تستيقظ ان تتوقف عن مزاحها .. هددتها انك لن تسامحيني إن حدث لها مكروه لكنها لم تجبني … لم تجبني يا سلافة
سقطت سلافة قربها على ركبتيها عيناها اغرورقت بالدموع
ارادت ان تضمها اليها لتخفف عنها صدمتها والتي لاتقل عن تلك التي تختنق بأنفاسها
لكن انظارها تعلقت بالممرضة الخارجة من غرفة جانبية ، وقفت مسرعة و تخطت ميرال متجهة إليها تسألها دون وعي
_ صديقتي هل هي بخير … سلمى اسمها سلمى
نظرت الممرضة لها ثم لميرال التي تراقبهما فأجابت الممرضة مشيرة لها
_ التي كانت السيدة برفقتها
اومأت سلافة بأجل فطغى الأسف على ملامح الممرضة وهي تقول
_ البقاء لله
….
((الخاطرة بقلم مبدعتنا الغالية هند
مضيتِ في طريقكِ وحدكِ دون الرجوع إليّ!
كيف بالله عليكِ هان وجعي عليكِ؟
سلكتِ درب النهاية وختمتِ قصيدتنا ببيت! بالله ما كنتُ كاتبته ولا في خيالي أبدًا اخترته إليكِ.
يا مَن سموكِ توأم الروح كيف استطعتِ المُضي قدمًا دوني،
كيف أتخذتِ مِن الفراق خلوة لكِ مسبقًا ولم تنتظري أن يأتِ دوري،
كيف انتهجتِ دربًا لستُ فيه وحكمتِ عليّ بالعيش في الظلام فخبت نوري.
كيف نسيتِ وعدنا؛ أوَ لم نتفق أن نمضي مًعا،
نبقى مًعا، ويشيب العمر ونحن في طور الصِّبا أيضًا معًا؟
ما ظل في مِن بعدِ هجركِ إلا ما رأته العين فحسبته مِن بعيدٍ هيكلًا.))
……….
_يا إلهي
هتفت بها وداد تضع يديها على فمها وكأن المشهد حدث أمامها عيناها امتلأت بالدموع تنظر نحو زينة التي كانت تبدو وكأنها تعيش اللحظة نفسها التي عاشتها ميرال
قالت زينة بشهيق حاد
_ لقد فارقت الحياة يومها وتركت خلفها أحبابا فقدوا مع رحيلها جزءا من حياتهم
انتبهت وداد ان شهيقها بدأ يعلوا وكأنها تنازع الحياة فانتفضت من مكانها تصرخ
_سيدة زينة .. سيدتي هل انت بخير .. تنفسي ببطئ ..
فتح الباب فجأة ودخل رجل لم تتعرفه وداد بداية
جرى بلهفة نحو زينة يمسك وجهها بين كفيه
_حبيبتي انتبهي إلى... تنفسي ببطء
انتحت وداد جانبا وهي تراقبه يحضر جهاز طبيا ا للارذاذ يضع لها قناع الاوكسجين يمسك القناع بيد بينما يده الثانية تحتضن يدها يهمس لها بصوت مسموع
_ ستكونين بخير .. تنفسي ببطء فقط… لأجلي ستكونين بخير …
عينا زينة رغم غرقهما بالدموع الا انهما كانتا معلقتين بعينيه وكأنهما حبل نجاتها الوحيد
لحظات وهدأ تنفسها ووداد لاتزال على وقفتها تراقب السيدة وزوجها
اقتربت تساعده حين لمحته يحاول ان يساعدها على الاستلقاء على الاريكة فرفعت قدمي السيدة بعد ان خلصتها من حذائها
ثم ناولته وسادة صغيرة فوضعها تحت رأس زينة ويديه تمسدان شعرها بحنان حتى استغرقت بالنوم
حينها ابتعد عنها واقفا وهو يخاطب وداد
_ الحمدلله . إنها بخير ، عذرا لجعلك تمرين بهكذا موقف
قالت وداد وعيناها معلقتين بوجه زينة الذي استعاد بعضا من هدوءه :
_ المهم انها بخير
ثم عادت تقول بأسف وهي تنظر إليه
_ لم أكن أعرف أن الامر سيأخذ هذا المنحى .. لقد كنا نتحدث عن
قاطعها قائلا
_ عن موت سلمى.. اخبرتها ان لاتتطرق معك لهذا الامر فانا اعلم مايصيبها حين تتحدث عن وفاة سلمى ..
ثم اكمل مبتسما
_لكنها عنيدة لا تنفذ الا مايحلو لها
قالت وداد بقلق حقيقي لم تستطع اخفاءه :
_هل ستكون بخير ؟
اجابها وعيناه تناظران زينة بعشق :
_ لا تقلقي سيدتي ستكون بخير واسف لوضعك بمثل هذا الموقف مرة أخرى.
أشارت وداد برأسها بنفي وهي تقول
_ بل أنا آسفة لما حدث لم اكن اعلم ان الحديث سيقودنا لمثل هذه الذكرى .. والآن اعذرني يجب ان اغادر وساتصل لاطمئن عليها
ثم أخذت حقيبتها خارجة من الصالة الجانبية نحو ردهة المنزل وزوج السيدة زينة يرافقها
تفاجأت بصوت صغير يتحدث
_ أبي … اين هي أمي
تحولت أنظار زينة لتلك الصغيرة التي خرجت من غرفة جانبية بيدها اقلام تلوين
اقترب منها الرجل قائلا وهو يحملها بين ذراعيه :
_ ماما متعبة ،وتحتاج لأن تنام قليلا وانت عودي لتكملي تلوين لوحتك الجميلة هيا .
انزلها ارضا لتتركه وتعود ادراجها راكضة مختفية عن انظار وداد التي تفاجآت بوجود هذه الصغيرة
بإحراج ابعدت نظراتها عن مكان اختفاء الصغيرة وهي تهمهم بتحية المساء وتسرع خطواتها بالمغادرة .
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في السبت فبراير 22, 2020 7:50 pm


#الفصل_الخامس
الخاطرة اهداء من الجميلة والداعمة لي في كل فصل بطيب كلامها سنين سنين سنين

وتقول لي ان انسى
وتريدني ان انسى وكأنني لم اكن يوما
وكأني مررت بحياتك كعابر سبيل طرق الباب ورحل عندما لم يجد مجيب
أأنسى المكان
كغيمة حطت مزنها على سفح جبل فتلاشت كأنها لم تحط
او كأني غريب وجد مرميا على قارعة الطريق دفن وورى الثرى وأصبح في ذمة النسيان
اتريدني ان انسى
وانا التي اضعت الدرب لا صديق يدري همي ولا الحبيب
أأنسى  وطنا روى ياسمينه من دماء اولاده فهجره الجميع لاحضان أكثر أمانا ولم يلتفتوا اليه ثانية
أأنسى كعاشق باع جدائل حبيبته للعدو لينجو من قبضتهم ويلوذ بعد ذلك بالفرار
وتريدني أن أنسى لا والف لا لن أنسى
………..

وضعت وداد سماعة الهاتف جانبا بعد حديثها مع زينة التي اتصلت بها تعتذر عن الرعب الذي سببته لها وتخبرها انها بانتظارها مساء لاستكمال الحديث
تساءلت وداد وهي تنظر لتلك الأوراق التي وضعتها على الطاولة أمامها وكل مجموعة منها تحمل قصة فتاة من الفتيات اللواتي سبق وقابلتهن
فتيات تحدثوا عن ماض أليم عشن به ومرارة فقد الم بالبعض منهن ومايجمعهم كان زنزانة حملت قصصهن وآلامهن لينتفضوا بعدها بحثا عن أمل
همست وداد وهي تنظر للأوراق
_وانت يازينة ما الذي تحمله قصتك وما علاقتك بميرال ..
ثم اقتربت من الاوراق تتلمس بعضها وهي تفكر
( زينة لم يسبق لها دخول السجن وليس لها أي اقارب في هذه المدينة بل هي حسب مافهمت ليس لها اي أقرباء هذا ما أبلغني به قريبي اللواء الذي طلبت منه معلومات عن زينة وهو لم يتردد بتوفيرها لي وخاصة أنه سبق وعلم عن الكتاب الذي أجمعه
ولكن زينة مختلفة عن باقي الفتيات اللواتي قابلتهن ماض نظيف تماما فلم اتصلت بي ولم اختارت ان تروي بنفسها الحكاية
اين صاحبة القصة الحقيقية
لم زينة من تصر على ابلاغي الحكاية بعكس كل من قابلت قبلها وما صلة قرابتها بميرال )
رنين الهاتف انقذها من التفكير العقيم اجابت على الهاتف بعملية ثم عادت لاستكمال عملها على الحاسب المحمول علها تستطيع أن تركز افكارها  اكثر
ولكن رغما عنها عادت أفكارها نحو ميرال
(ماعلاقتها بكتابي .. هل يعقل أن تكون قد دخلت   السجن .. ولذلك تصر زينة أن تروي لي حكايتها
هل أتصل بأماني و أسألها عنها )
هزت رأسها نفيا
(كلا لن أفعل .. فأنا بذلك أعلن نفاذ صبري من انتظاري لانتهاء زينة من سرد حكايتها
سأنتظر حتى أعرف منها هي كل ما أود معرفته )
…...
مساء كانت جالسة قبالة زينة والتي بدت أكثر حيوية من ذي قبل
هذه المرة استقبلتها في صالة اخرى مختلفة تماما عن تلك التراثية فهذه الصالة عصرية اكثر بحائط زجاجي يطل على الحديقة المنظمة بإتقان والتي تمكنت من رؤية جمالها من خلال الأضواء الموزعة بنسق رائع ليضفي على جمال الحديقة جمالاً
قالت زينة وهي تنظر لوداد بابتسامة حنونة:
_ اسفة لما سببته من قلق لك … ولكن نوبة الربو هاجمتني فجأة
بادلتها وداد الابتسامة وهي تقول :
_ لابأس المهم انك بخير والحمدلله أن زوجك كان موجوداً
انتبهت وداد لذلك البريق الذي سكن مقلتي زينة وهي تهمس بالحمد بدت كمراهقة عاشقة وليس كامرأة تخطت الأربعين بسنوات  
قالت زينة
_ اعلم ان الكثير من التساؤلات بدأت تهاجمك لكن اطلب منك الصبر الكثير … فالقادم صعب وربما سيثير غضبك ولكن ارجو منك سماعي للنهاية
بود حقيقي لهذه المرأة قالت وداد
_ لابأس انا املك من الصبر الكثير

كان اسوء اسبوع يمر على ميرال لولا المهدئات لما استطاعت أن تنام ابدا
كلما أغمضت عينيها تعود صورة سلمى وقد فارقت الحياة إلى مخيلتها لتضرب عقلها بقسوة
تذكرها بالواقع المرير الذي يقاسي منه الجميع

كانت مستلقية على سريرها في وضع الجنين تضم بين يديها قطعة ملابس ممزقة
لقد عايشت الكثير من خلال عملها كطبيبة جراحة في المستشفى
انقذت حياة الكثيرين وإن خرجوا للحياة بعدها مبتوري الاطراف او فاقدي حاسة ما
كما لم تستطع إنقاذ حياة الكثيرين ممن شوهت الانفجارات والقذائف أجسادهم
لكن أن تعيش هي تلك اللحظة أن تعيش مرارة ذلك الفقد كان اكثر شئ صعوبة عايشته
دمعة حارة سقطت من عينها  تحفر دربها على وجنتها المتعبة
انتبهت لخطوات لجين المقتربة فأغمضت عينيها تهرب من أي حديث قد يبدأه معها
شعرت بتحركه حول السرير يغير ملابسه ثم باستلقاءه خلفها على السرير
منذ وصوله بنفس يوم وفاة سلمى لم يتركها ولم يدعها تغب عن عينيه الا حين كانت تبقى في المكان المخصص لعزاء السيدات
فتحت عينيها تنظر لظلام الذي غرقت فيه الغرفة قبل ان تشعر بذراعيه تحيطان بجسدها يضمها اليه هامسا بكلمة وحيدة
_ أحبك
استكانت بين ذراعيه  وهي تغمض عينيها بأمان لاتجده سوى هنا وهي تسمع همسه المطمئن لها
_كل شئ سيكون بخير
لم تجبه محاولة أن تغفو ولو إغفاءة قصيرة  علّ النوم يرحم عقلها من كثرة التفكير
……..
في اليوم التالي استيقظ لجين فلم يجدها بقربه هب واقفاً خارجاً للصالة باحثاً عنها لكنه لم يجدها
تلفت حوله وقد شعر بنخز في قلبه و إحساس بقرب حدوث شيء سيء يتعاظم بداخله
تناءى لسمعه صوت حركة في المطبخ فمسح على وجهه مستغفراً، ثم اتجه اليه ليجدها واقفة أمام الموقد تقلي البيض بالطريقة التي يحب وعلى الطاولة وضعت بعض الصحون التي تحتوي على الزيتون والجبن والمربى والطماطم والخيار
دون ان تلتفت إليه ألقت تحية الصباح فاقترب منها يحتضنها من الخلف يضع رأسه على كتفها يراقب ماتفعل وهو يحمد الله بسره انها بخير
همس لها وهو يقبل عنقها قبلة رقيقة
_ كم اعشق رائحتك
اسندت ظهرها لصدره بعد ان اطفأت نار الموقد تهمس له بنفس النبرة
_ انا اعشقك كلك
ادارها له يناظر وجهها المتعب وهو يقول بينما يده تعيد خصلات شعرها خلف أذنها :
_ الان كيف استطيع تناول الطعام وأنا أشعر بتخمة من فيض المشاعر الذي يسري بداخلي لك
لم ترد على كلامه وانما بقيت على حالها تناظر وجهه فقط وكأنها تختزن تفاصيله كلها
امسك يدها يجلسها على المقعد ثم قرب كرسيه منها  يجلس عليه يمسك قطعة الخبز بيده يضع بها قطعة جبن بيضاء ثم يدنيها من فمها همست باعتراض :
_ لجين استطيع تناول طعامي لوحدي
اشار لها برأسه بنفي قائلا بصوته العذب :
_ سأطعمك بنفسي هيا افتحي فمك
وفعلا نفذ ماقاله يطعمها كطفلة صغيرة رافضاً اي محاولة منها للاعتراض
يتحدث معها عن كل شيء يحاول أن يجعلها تشاركه بحديثه علها تبتعد عن تلك الأفكار السوداء التي يكاد يحزم أنها الآن تتصارع داخل عقلها فتردي أعصابها ضعيفة منهارة
وهي حاولت أن تذعن لما يريد تتحدث و لكن  بعقل مغيب رغماً عنها  
….
اضطر لجين لتركها والسفر  ، لم يتم قبول طلبه بتمديد  إجازته ، رغم عدم رغبتها بابتعاده لكنها اخبرته ان لايقلق عليها فهي ستعود كذلك لعملها
ولكنها كانت كاذبة فهي كانت بأمّس الحاجة لوجوده وبقاءه بقربها .
حتى سلافة عادت لعملها وعادت عجلة الحياة تدور من حولها
الا هي لم تستطع تخطي ماجرى
هل هي ضعيفة لهذا الحد
شهر مر منذ وفاة سلمى وهي لم تستطع أن تعود لحياتها وكأن شيئاً لم يحدث
تعلم أن سلافة متألمة مثلها ولكنها أكثر قوة منها دخلت للمنزل بخطوات متعبة بعد عودتها من عملها الذي عادت لممارسته منذ يومين فقط
هاهي الآن تعود لوحدتها وعزلتها بعيداّ عن الجميع
داخل جدران منزلها
بإنهاك جلست على الأريكة تحاول أن تنال قسطاً من الراحة فقد أنهكت نفسها بالعمل اليوم لتبتعد عن التفكير بعدم وجود سلمى رفقتهما هي وسلافة في المستشفى
رنين الجرس أخرجها من شرودها فاستقامت واقفة تخطو بخطوات متعبة نحو الباب لفتحه
كان غياث الذي احتضنها ماإن رآها قائلا :
_ هل أنت بخير
أجابته بصوت منخفض أنها بخير ثم دعته للدخول
جلس قبالتها قائلا
_ لم تبدين شاحبة هكذا .. لست ميرال التي أعرفها
نظرت له نظرات فارغة من أي معنى، ولم تجبه فهي لاتود أن تدخل معه في أي جدال
أكمل كلامه  قائلا وقد استشعر حالتها المتردية :
_ مارأيك أن نخرج معاً الى أي مكان ،تبتعدين عن عزلتك هذه
وقبل أن يكمل كلامه قاطعه رنين هاتفه فاتخذتها حجة لتبتعد عنه للحظات ، استقامت واقفة وهي تقول :
_سأعد القهوة ريثما تنهي حديثك على الهاتف
ناظرها حتى غابت خلف باب المطبخ ثم أجاب المتصل بصوت يكاد يكون مسموعاً
أنهى حديثه وانتظر عودتها وعيناه تمشطان الصالة التي يجلس بها
ثم رانت منه نظرة نحو الصور التي تضعها ميرال على الرّف الرخامي للمدفأة
مازالت نفس الصور تحتل المكان، مازال كل شيء في هذا المنزل كما هو منذ خمسة عشر عاماً لم يتغير ،قلب عينيه بملل من هذه الرتابة التي تحياها شقيقته
نظر نحو الباب المؤدي للمطبخ ،بعد أن سمع حفيف خطواتها على الأرض، قدمت له ميرال  فنجان القهوة ثم جلست قبالته قائلة دون أي مقدمات:
_ أريد أن أسافر
نظر لها بصدمة فأكملت بصوت تخنقه الدموع
_ لم أعد بقادرة على البقاء هنا  أحتاج للابتعاد بعض الوقت ،فتدبر لي أمر السفر
قال لها محاولاً أن يستوعب مايحدث لها :
_ حسنا سأرى مايمكنني فعله بشأن هذا الأمر، لكن قبلاً أريد مساعدتك فيما أخبرتك به سابقا ،لقد وصلتني معلومات أكيدة أن وثائقا مهمة تحتوي أسماء ومعلومات خطيرة سيتم إيصالها لاحدى الشخصيات عن طريق زوجك لجين
قالت بهدوء غريب :
_ لم تريد مساعدتي أنا ،لست غبية وأعلم أنه يمكن لمن هم خلفك قتله بكل سهولة والحصول على مايريدون دون الحاجة لمساعدتي أنا
ابتسم بمكر وعيناه تخبرانها بإعجابه بذكائها الذي لايستطيع إنكاره أيٌّ كان، ثم قال محاولاً شرح مايريد:
_معك حق ،لكن لسنا نعلم الزمان أو المكان الذي سيتم تسليم الوثائق به ،كما أن قتله سيفتح الكثير من التساؤلات حولنا ،وأنا لاأرغب بأي مشاكل في هذه الفترة ،وخاصة مع احتمال تسلمي لمنصب حساس قريباً
لاح شبح ابتسامة ساخرة على وجهها ثم مالبثت أن قالت:
_سأساعدك ،ولكن ابق بعيداً عنه ،ثم تدبر أمر سفري .
أشار لها بالايجاب ثم اعتذر منها مغادراً بخطوات ظافرة .
بعد مغادرته اتجهت نحو  الشرفة تجلس على أرجوحتها المفضلة ، تمسك ألبوم الصور بين يديها
ألبوماً مخصصاً لشقيقها غياث
تتأمل كل صورة تمر عليها عيناها
هذه صورة له بعد ولادته كانت تحمله بخوف وحب ووالدهما من التقط لهما هذه الصورة حينها موصياً اياها به
صورة أخرى في أول يوم مدرسي له حينها رافقته لمدرسته التي تبعد بعض الشئ عن مدرستها ،وكم بكت حين تركت يده، تراقبه يتجه نحو صفه ، وهي التي لم تبك حين تركت يد أمها مغادرة نحو صفها

وهذه بعد وفاة والديهما بحادث السيارة حينها رافقته هي ولجين  برحلة قصيرة خارج البلاد في محاولة منهما للتخفيف عنه مآساة فراقه لوالديه وكأنها لم تفقدهما هي كذلك، كل اهتمامها كان منصبا عليه هو ،رغم حاجتها القصوى للاهتمام وهي تتلقى في نفس الفترة صدمة عدم قدرتها على الإنجاب
انشغلت بغياث وابتعدت عن لجين حينها  ،لكنه رفض التخلي عنها ، اتهمها بأنها لاتحبه ، بأنها ضعيفة تستسلم عند أول مطب يوجهانه في حياتهما

يومها صرخت تخبره ببكاء أنها لن تكون أماً فليبحث عن من تزين حياته بأطفال من صلبه، لكنه ازداد تمسكًا بها يخبرها بكل فرصة أنها هي من يريد وستكون هي طفلته ولن يتخلى عنها مهما حصل
ليصبح بعدها مثلها داعماً لغياث بكل خطواته يعامله كإبن له تماماً

قلبت صفحة الألبوم تكمل رحلة الذكريات مع الصور
استوقفتها  صورة لغياث بحفل تخرجه
يومها دعاهم لجين للاحتفال في أحد المطاعم الشهيرة رقص مع غياث سعيدا به
كانت كل من سلافة وشقيقها متواجدين كذلك سلمى وزوجها ، وبعض من الاصدقاء الاخرين
دمعت عيناها وهي تتذكر ذلك اليوم وغياث يخبرها عن أحلامه و عما يود تحقيقه
لم تتصور أنه في سبيل تحقيق أحلامه سيدوس كل شيء بدربه
الكل يهنئها للنجاحات التي يحققها وهي تعلم ما خلف الواجهة اللامعة من عمليات مدروسة
أغلقت البوم الصور بقوة وكأنها تهرب من تلك الذكريات ، سامحة لدموعها بالانهمار علها تخفف عنها وطأة مايحدث من صراع بداخلها
إنها تحتاج للقوة ، لتمر أيامها القادمة وتنتهي محنتها
…..
في يوم الجمعة التالي لزيارة غياث لها  تناولت الفطور مع لجين قبل أن يغادر نحو المسجد القريب لأداء صلاة الجمعة ،
ارتدى ملابسه بينما هي تستعد لأداء فرضها وقراءة ماتيسر لها من آيات قرآنية تريح بها قلبها
نظرت نحو لجين  وهو يأخذ المال من الخزانة ويضعه في جيب سترته
قال بابتسامة وهو يعود للنظر إليها يراقبها وهي تخرج سجادة صلاتها من مكانها لتفرشها على الأرض
_ لقد قررت أن أطلب من  شيخ المسجد شراء براد للماء ، ليشرب منه عابري السبيل في المنطقة القريبة من المسجد ،ويكون صدقة جارية عن روح صديقتك سلمى ، مارأيك ؟
نظرت نحوه وقد اغرورقت عيناها بالدموع ،يود دفع صدقة جارية عن صديقتها ،غير مكتفٍ  بكل المساعدات  التي يقدمها بالخفاء للكثير من الناس،  
كما يقدم هو وهي لقاء العديد من العمليات الجراحية التي لا يملك أصحابها المال لإجرائها ،
تعلم أن لجين يقدم الكثير والكثير للمحتاجين دون ان يخبرها بالأمر فهو دائما ما يقول
(تصدق  ولا تدع يدك اليسرى تعلم ماقدمته يدك اليمنى )
لذلك تعلم أنه لا يدخر جهداً لمساعدة الاخرين،
اشاحت بنظرها بعيداً عنه وهي تسمع همسه القلق باسمها  وقد شاهد دموعها التي ملأت عيناها
قالت بخفوت :
_افعل ماتراه مناسباّ ،والآن غادر حتى لاتفوتك الصلاة
القى التحية عليها ثم غادر،أما هي فارتدت أسدال صلاتها ،ثم شرعت بمناجاة ربها ليخفف عنها وطأة الألم القادم ،وييسر أمرها الذي عزمته
….
بعد عدة ساعات ،عاد لجين للمنزل وقد أحضر بعض الحاجيات الضرورية للمنزل ، كانت ميرال قد أخبرته برسالة على الهاتف أنها في زيارة لجارتهم في الطابق الذي يعلو منزلهم ،تطمئن على ابنتها الصغيرة .
وضع الحاجيات في مكانها ،ثم شرع باعداد الصحون لسكب الطعام الذي سبق وجهزته ميرال
لم يكد ينتهي حتى أحس بصوت باب الشقة يفتح
ناداها قائلا :
_أنا في المطبخ ،بدلي ملابسك وتعالي لنتناول الغداء
أتاه صوتها الهادئ بشكل مؤلم لقلبه فهو لم يعتد ميرال بهذا الشكل المنهزم :
_ قادمة

جلست في حافة السرير تفك الوشاح عن رأسها ،ثم أخرجت هاتفها من جيبها تناظر شاشته المطفأة ثم مالبثت أن ضغطت زر التشغيل ،ترسل رسالة واحدة فقط لشقيقها تقول فيها
(_ سيكون كل شئ كما تريد وكما ترغب )

واغلقت الهاتف ورمته بجانبها تفكر بصعوبة ما هي مقدمة عليه
ولكن هل هو اصعب مما عايشته خلال هذه السنوات هل هو أصعب من رؤيتها لسلمى جثة هامدة بين يديها
هل هو اصعب من دموع امهات فقدن اولادهن في ريعان الشباب
هل هو اصعب من رؤية بلدها يتفتت والالم يمزق اوصاله تمزيقا
لقد زارتها سلمى في المنام فأعطتها دافعا أكبر لتنجز مهمتها التي اختارت أن تقوم بها
ولجين بحديثه البارحة عقب عودته من سفره  وهو يظنها نائمة سهل المهمة عليها اكثر،رغم عدم معرفتها الكاملة لنوع المهمة التي كلف او سيكلف بها لجين
سمعته يخبر محدثه بخفوت
( بعد غد ،حسنا كما تريد ،كلا لن أتراجع عن قراري ،انه واجبي الذي يدفعني أن اضحي بحياتي في سبيله …  )
غداً سيكون الحد الفاصل لها مابين الحياة والموت مجدداً
….
في اليوم التالي تهيأت لاستقبال صديقتها سلافة والتي اتصلت تخبرها أنها في طريقها إليها ،رغم تقابلهما في المستشفى خلال مناوبات عملهما إلا أن حديثهما بات قليلا ً
استقبلت سلافة وجلستا معا في الصالة
قالت سلافة وعيناها لم تجفا من أثر الدموع التي يبدو أنها كانت رفيقة طريقها لمنزل صديقتها
_ اسفة لقدومي هكذا، ولكنني كنت  بحاجة لرؤيتك
ربتت ميرال على ساقها قائلة
_ ومتى كان بيننا موعد رسمي .. نحن شقيقات ياسلافة ،وهذا منزل شقيقتك تأتين إليه في أي وقت ترغبين به .
قالت سلافة وهي تخرج منديلا تمسح به دموعها
_ لقد شعرت فجأة بوحدة غريبة ، طلبت من سالم ان يأخذ إجازة ونسافر لعمتي لمدة يومين ، لكنه رفض،  اخبرني ان لديه مهمة خطيرة ولن يستطيع السفر معي
ثم أكملت وعيناها عادتا لذرف المزيد من الدموع
_لقد  اردت الذهاب لرؤية الصغيرة إبنة سلمى ،لقد اشتقت إليها كثيراً،  لكني حين وصلت الى منزل جديها،  تراجعت وعدت أدراجي ، فبأي صفة سأذهب للاطمئنان عليها ، أخبريني
اغرورقت عينا ميرال بالدموع وهي تنظر لسلافة .. تعلم عن تعلق سلافة بابنة سلمى،بل تعلقهما معاً بتلك الصغيرة، قالت محاولة عدم الانهيار :
_ بصفتنا صديقات والدتها رحمها الله .
وكم كان صعب عليها قول تلك الجملة ،استغفرت ربها معترفة بداخلها بذنبها من رفض لقضاء الله وقدره ،ثم أكملت حديثها قائلة :
_ لا اظن ان جدة الصغيرة ستمنعنا من رؤيتها يا سلافة،فخلاف ماكنا نعتقد، المرأة كانت تحب سلمى كثيرا وطلبت منا ان نزورها دائما لاننا نذكرها بها
اومأت سلافة بأجل ثم قالت وقد أعطاها حديثها مع ميرال بعض العزيمة :
_حسنا اليوم سأذهب  لرؤيتها ، وأنت متى ستخرجين من هذه القوقعة التي حبست نفسك بداخلها ،حتى في المستشفى اذا قررت الذهاب للعمل  فإنك  تعتزلين كل شيء وتبقين في غرفتك لوحدك ، ألا تظنين أن وقت عودتك إلينا قد حان ..أنا أفتقد وجودك كثيرا
قالت ميرال بصوت متعب وحزين
_ لست مستعدة بعد ..لاتنظري لي هكذا ياسلافة .. أعلم أنني أبدو ضعيفة بهذا الشكل ، ولكن ليس باليد حيلة ،ماحدث كان صعبا والقادم سيكون أكثر صعوبة
بخوف قالت سلافة وهي تمسك يد ميرال  بين كفيها
_ مابك هل هناك ماتخفيه عني ؟
ربتت ميرال على كفي صديقتها قائلة وقد لامت نفسها لتسببها بالذعر لها :
_ أنا بخير لكن ربما تأثير ماحدث يحعل نظرتي سوداء بهذا الشكل لكن عديني أنك ستكونين أقوى مني مهما حدث
قالت سلافة وعينيها تناظران صديقتها بخوف لم تعد بقادرة على إخفاءه :
_ ميرال
قالت ميرال وهي تشد على كفي سلافة بابتسامة ارادت منها بث بعض الطمأنينة في قلب صديقتها :
_ سلافة إن عرض جلال الزواج عليك فاقبلي
نظرت لها سلافة باستغراب هامسة
_ جلال مادخله الآن
أكملت ميرال عازمة أن تقنع سلافة بما تريد :
_ لا تقاطعيني  .. لطالما أخبرتني سلمى أن الرجل راغب بك، وأنه مختلف بطباعه عن زوجها ، لطالما أخبرتني أنها متأكدة أنك ستكونين سعيدة معه إن تزوجته
قالت سلافة بضياع ظهر جليا على نظراتها :
_ لا أفهم مناسبة هذا الحديث الآن يا ميرال
أجابتها ميرال
_ لأجل إبنة سلمى .. لاتستغربي ما أطلبه منك ، منذ أيام وأنا أفكر بحال تلك الصغيرة ومصيرها بعد وفاة أمها ، جدتها كبيرة بالسن ولن تستطيع العناية بها ، و والدها تعرفين أنه لم يكن يحمل أي مشاعر لسلمى ،لذلك لن استغرب إن تزوج مرة ثانية تاركاً الصغيرة لجدتها أو لزوجته المستقبلية ، لذلك أطلب منك إن عرض عليك جلال الزواج وافقي لأجل الصغيرة ،خذيها أنت وربيها ،اجعليها ابنتك وكوني تعويضا لها عن والدتها
قالت سلافة وقد اتسعت عيناها بعدم تصديق لحديث صديقتها :
_ ميرال هل تعين ما تطلبينه مني ؟
اغرورقت عيني ميرال بالدموع هامسة وقد نكست رأسها بخزي من أنانيتها فيما تطلبه من سلافة
_ لا أتخيل أنها ما عادت موجودة .. أريد لصغيرتها أن تحيا بسعادة، ليتهم يعطوني إياها ، لكني أعلم أنهم  لن يفعلوا ،سامحيني لم طلبته ياسلافة ، لكن..
قاطعتها سلافة وهي تضمها إليها قائلة
_ توقفي عن لوم نفسك .. توقفي عن تحميلها مالا تطيقه .. سنكون جميعنا بخير بإذن الله ، ولن نتخلى عن الصغيرة مهما حدث
هزت ميرال رأسها بموافقة وهي تمسح دموعها ،
استقامت سلافة قائلة وهي تأخذ حقيبة يدها :
_ يجب أن أذهب الآن
امسكتها ميرال من يدها تعيدها لمكانها على المقعد قائلة بتوسل
_ ابقي وتناولي الغداء معنا .. سيعود لجين قريبا
_لكن
حاولت سلافة الاعتذار لكن ميرال أصرت بطريقة غريبة  ،جعل سلافة غير قادرة على رفض طلبها
طوال فترة وجود سلافة كانت ميرال تراقبها بطريقة غامضة ،هذا ما شعر به لجين وهو يناظر زوجته بينما يتناولون طعام الغداء ،  كانت وكأنها تخاف فقدانها ،وكأنها تراها للمرة الاخيرة
أعاد السبب لفقدانها سلمى ،ولكن انهيارها بالبكاء بعد مغادرة سلافة جعله يدرك أن زوجته يمكن أن تتعرض باي لحظة لانهيار عصبي شديد وهذا ما زاد خوفه عليها
يجب أن يجد حلا لم تمر به يجب أن يخرجها من هذه الدوامة التي حبست نفسها بداخلها
ضمها له وهو يقرأ بعض الايات القرآنية لتهدأ وفعلا بقي كذلك حتى نامت فأغمض عينيه وهو يهمس
_ صبرا جميلا والله المستعان
ثم استغرق بالنوم بجانبها ،
بعد بضع لحظات وحين تأكدت من استغراقه بالنوم فتحت عيناها ثم استدارت نحوه ، تراقب ملامحه تمد يدها أمام وجهه دون أن تلامسه وكأنها ترسم تفاصيله كلها
كعادتها الجديدة كل يوم بعد استغراقه بالنوم ،تمضي ليلها بمراقبته ، ودموع صامتة تمر على وجنتيها في مواساة داخلية لها  
…….
العاشرة ليلا من ذات  اليوم

كان لجين قد انتهى من استقبال ضيفه الذي زاره لمدة عشر دقائق فقط
لقد طلبت ميرال من لجين ان يستقبله بالغرفة الجانبية والتي لا يدخلها أحد
فاستغرب طلبها لكنه رضخ لها وهو يرى حالتها الغريبة بعد استيقاظه من قيلولة الظهيرة ،
آثر ان ينفذ لها ماطلبت وهو يلاحظ  اصفرار وجهها ونظراتها التائهة
كانت في غرفتها حين سمعت صوت لجين المودع له فخرجت نحوه  بكل هدوء
وجدته عائدا نحو الصالة  ويده في جيبه ، تعلم أنه يقبض بقوة على مابداخلها
ابتسم مستغربا وهو يراها قد ارتدت ملابس الخروج وحقيبة يدها موضوعة بقربها على طرف الاريكة
اقترب منها دون أن تفارق البسمة وجهه ،غير منتبه ليدها التي تخبأها خلف ظهرها ولا لنظرات عيناها الغريبة ،قائلاً:
_ حبيبتي …  هل تودين ان نخرج قليلا ..
توسعت عيناها بحقد وهي تناظره
فتوقف مكانه مذهولاً ،على بعد إنشات قليلة منها ، وهو يسمع صوتها الذي يشبه الفحيح ونظراتها القاسية التي يقسم انه لم يراها قبلا :
_ لم أرسلت من يراقب اخي .. لم تلاحقه من مكان لمكان… هل بت تغار من نجاحه الذي وصل اليه فسولت لك نفسك أن تثير تلك الاتهامات حوله .

صدمة احتلت ملامحه وهو يراقب وجهها كيف تحولت ملامحها للشر المطلق ،همس باسمها غير مصدق لما تتفوه به
_ميرال
بغضب صرخت بوجهه بغضب :
_ لاتتلفظ باسمي ابدا … لقد علمت ما تحيكه للايقاع بشقيقي كيف امكنك ذلك فقط أخبرني… طوال الوقت تتشدق انه كابن لك ولكن ما إن رأيته يحقق مكانة عالية حتى بدأت تكيل الاتهامات ضده، بدأت بزرع سمومك بداخلي ضده ثم انتقلت لإلحاق الضرر  به
اغمض عينيه مستغفراً ، الان قد فهم ما يحصل يبدو أن شقيقها قد استغل غيابه بشكل جيد ،والحالة المتأزمة التي تمر بها،   وزرع بعقلها كل تلك الأفكار والاتهامات ،حاول التحلي بالهدوء قد المستطاع ، فلن يزيد الأمر سوءاً بغضبه وهو أكثر من يشعر بذلك الألم الذي تعايشه هي ،وذلك التشتت والضياع ،قال محاولاً مهادنتها
_ميرال عزيزتي
حاول مد يديه ليضمها ،ولكنها  انتفضت مبتعدة وكأن مساّ أصابها هادرة
_ لاتحاول لمسي
توسعت عيناه بصدمة عاجزاّ عن الرد ،يحاول أن يقرأ ملامحها ،أن يعلم مايجول بعقلها ،لكن فقط نظرات غاضبة واتهامات تكيلها له فقط
_انت أكثر جبنا من أن تعترف بأنك تحاول الايقاع به

رغما ً عنه لم يستطع إلا أن يجيبها وهو يكز اسنانه غضبا
_ مادمت تعلمين انني احاول الايقاع به كما تدعين يازوجتي العزيزة ،  فلا بد انك تعلمين كذلك بما يقوم به شقيقك من أفعال مريبة خلف تلك الواجهة التي تتغنين بها …  تعلمين ما الجرائم التي ارتكبها والتي سوف يرتكبها ان لم يوضع له حد ، لست غبياّ ياميرال حتى لااعرف اي شيطان سكن جسد شقيقك فجعله وحشا متعطشا للاذى والقتل
همست بغضب مماثل لغضبه
_ لا دليل لديك .. كلها تهيؤات رسمها عقلك المريض ..
ارتعشت شفتاه من هول صدمته ،وعيناه خبت بريقهما بألم كبير ، لم يكن من السهل وصف حاله، هل هذه زوجته وحبيبته ميرال .. هل هذه من تثق به .هل هذه من ينبض قلبه لأجلها . ترميه بهكذا اتهامات، هل أعماها حبها لغياث عن رؤية حقيقته القذرة  
قال ينفي بعقله كل ماسمعه منها من كلام يكسر القلب، مربتاً على قلبه يخبره أن هذه مهما حدث هي حبيبته ميرال
_ لا أصدق ما تقولين …  مالذي جرى لك …هل تعين ما ترميني به يا ميرال
قالت بذات النبرة التي تخاطبه بها وسعير غضبها لم يهدأ :
_ فقط اريد ان افهم كيف استطعت ان توهم نفسك بأنه مجرم  وقاتل ،ولا تكتفي بذلك بل تخطط للنيل منه وتدميره
أجابها بنبرة متألمة وغاضبة في ذات الوقت  
_ أخطط لتدميره والنيل منه أي هذيان هذا ،إن شقيقك يتلاعب على جميع الاطراف المهم أين تكمن مصلحته فقط،لايهتم بأي شيء آخر  ، تقولين أن كل ماأقوله تهيؤات ،أخبريني أنت ياميرال  هل تظنين مايقوم به من جرائم هو أوهام و تهيؤات … هل نجاح شركته المنقطع النظير خلال فترة بسيطة تهيؤات… هل تصدره لكل الأعمال الخيرية فجأة تهيؤات … هل وجود أولئك الأشخاص حوله تهيؤات ، هل قتله للابرياء تهيؤات ،  هل موت سلمى كان تهيؤاً  ايضا
ختم كلامه بالصراخ ولكن هي لم تهتز وكأنها قدت من حجر اقتربت منه حتى باتت ملاصقة له ملامح وجهها جامدة تماما همست في وجهه دون ان تحيد بعينيها القاسية عن عينيه
_ لا دليل لديك .وآنت تعلم ذلك جيدا
ألم عميق ضرب  صدره وهو يناظرها بينما ترمي بكلماتها السامة تلك
أغمض عينيه مرغماً كي لا ترتسم صورتها في تلك اللحظة في مخيلته  ثم عاد لفتحهما  قائلا بمداراة لوضعها وماتمر به :
_ يبدو أنك متعبة جدا مارأيك أن تستريحي ثم

قاطعته بصراخها الحاد :
_ لاتعاملني وكأنني مجنونة .. ابتعد عني لاتقترب وابتعد عن أخي كذلك إنه ليس مجرم وان كان هناك مجرم حقيقي فهو أنت … أنت من تغار منه وترغب بتدميره لكنني سأدمرك قبل أن تفعل
لم يكد يجيبها نافياً تهمها التي قذفته بها تباعاً ،حتى شعر بجسده يصاب بالشلل إثر اقترابها منه ويدها تمتد لعنقه ،شاعراً بتلك الحقنة التي غرست في عنقه حاول أن يتلفظ باسمها لكنه لم يستطع عيناها توسعتا بشكل مخيف
ثانية واثنتان وسقط جسده أمامها
وكأن من قتلته ليس زوجها … وكأنه ليس حبيبا تغنت بحبه لأعوام
كأنه ليس روحا قتلتها بكل برود دون ان تخاف عقابا
بذات البرود اقتربت من جسده تفتش في جيب سترته تأخذ ذلك القرص الصغير غير مهتمة بالنظر لوجهه حتى
 تخطت جسده نحو المدفأة ترميها ارضا فتبدأ النيران بالاشتعال لتخرج من باب الشقة ناسية إغلاقه ورائها بشكل كامل .
لم يحتج الأمر منها الا اقل من دقيقة لتنفيذ ما أرادت
هبطت السلالم بخطوات سريعة لكن خفيفة بنفس الوقت كي لا ينتبه لها أحد
وجدت السيارة بانتظارها في الاسفل صعدتها بعد أن عرفت هوية السائق ثم غادرت
وجهها خال من أي تعبير فقط قسوة غريبة جديدة احتلت تلك الملامح
لا يبدو عليها  أي تأثر بما ارتكبته يداها
لايتحرك فيها اي شيء سوى  ابهام  يدها اليمنى والذي يقوم بالنقر تباعا على عقد أصابع يدها المتبقية وكأنها تقوم بالعد بصمت
….
_ماذا… قتلته
صرخت بها وداد بعنف وهي تنتفض من مكانها تنظر لوجه السيدة زينة الذي لم يتأثر مثلها ابدا ناظرتها بغضب من برودها هذا ،قائلة بغضب لم تستطع لجمه :
_ سيدة زينة .. هل حقا تعلمين عن أي شئ يتحدث كتابي ..أم أنك توهميني بمعرفتك لهدفه
انه يتحدث عن نساء مظلومات دخلن السجن ظلما او بتهم بسيطة ارتكبوها نتيجة ظروف قاسية مررن بها او خلل نفسي كانوا يعانون منه
اما صديقتك او قريبتك او ايا كان مايجمعك بها قتلت زوجها مع سبق الاصرار والترصد … دون أن يكون لها أي دافع حتى لتفعل ما فعلت
قالت زينة بهدوء مناقض تماماً لغضب وداد
_ وهل انتهت الحكاية لتحكمي ياسيدة وداد… كتابك انا اخبرتك اني اعرف عنه من الطبيبة أماني فهل كانت ستخبرني عنك وعن كتابك  لو لم تكن حكايتي التي أرويها لك تستحق ان تنشر في كتابك …. وحتى لو فرضنا أنها لا تستحق النشر مع باقي  قصصك، فاعتقد ان الحكاية تستحق ان تسمعيها للنهاية … لايجب علينا ان نحكم ما لم يدل المتهم بشهادته كاملة .. سواء كانت ميرال قاتلة أم لا فالحكاية لم تنته عند قتل لجين بل أعتقد أن الحكاية الحقيقية بدأت منذ تلك اللحظة
نظرت لها وداد بتحفز ثم استعادت السيطرة على مشاعرها وهي تعود للجلوس قبالتها تفكر بغرابة هذه المرأة وبرودها الذي يكاد يصيبها بالجنون
مسحت على وجهها بتعب قائلة :
_ حسنا سيدة زينة .. لديك الحق في ماقلته .. اسفة لانفعالي ولكن لا أفهم كيف يمكن لشخص مثل ميرال ،وصفته بأنه محب وطيب ويعطي بلاحدود ان يقدم على القتل .. كيف استطاع شقيقها غسل دماغها بهذا الشكل .. لا أظن أن لجين كان يستحق منها ما فعلته به
نظرت زينة لكف يدها تتلمس بأصابع يدها خاتم الزواج الذي ترتديه وهي تقول بشرود
_ احيانا تدفعنا الظروف لخوض تجربة لم نظن حتى في احلامنا اننا سنخوضها .. نجد أنفسنا داخل لعبة خطرة نحتاج لأن نتعلم أصولها بسرعة لان خطئا واحدا فيها ، يعني النهاية لنا ولمن حولنا
ميرال كانت مثل البقية تبحث عن الحياة تحلم بأيام سعيدة لكنها ودون سابق انذار وجدت نفسها طرفا في لعبة خطرة
لعبة وضعت فيها رغما عنه،ا حالها حال الكثيرين لذلك كان عليها ان تسعى جاهدة لتفعل الصواب الذي ارتأته في ذلك الوقت، ليس مهما كيف استطاع شقيقها أن يؤثر على افكارها ومعتقداتها فهذا ماستعرفينه في تتمة الحكاية .. المهم هو هل كان مافعلته سيحقق ماأرادته أم لا .
رغم فقدانها لصبرها الا ان وداد قررت ان تستمع للنهاية ولها حديث قريب مع صديقتها اماني حول زينة هذه
…..
الخاطرة على لسان ميرال اهداء من الغالية والي دائما تزين فصولي بخواطرها  هند Hend Fayed

سامحني؛ لأني أمام القرارِ الكبيرِ جُبِنت.. غَفلت ولم أختَرك،
امنحني ألفًا أو ما يزيد مِن الأعذارِ فإني هُزِمت.. خَسِرت ولم أُخبِرك،
اغفر لي ذنبي العظيم.. إثمي الكبير وخطيئتي التي فعلت،
داوي جراحي ولا تُذكرني بسفكي لدمكَ فقد استسلمت،
دعني أشرح لكَ حقيقة اختياري وسبب المرارِ الذي قد أُذِقت،
دعني أُمَني نفسي بقربِ اللقاءِ وإلا هَلِكت،
دعني أُطفئ ناري في بكائي أو نواحي ما عاد يفرق وإن سَكَت.
نعم أخطأت وأعلم أني مِن الجنة طُرِدت،
نعم هو اختياري ولكني رَجِعت،
نعم هو سبب الهلاكِ وسبب العذابِ وكل الشقاء وقد تَعِبت.
قدمت لأجله القرابين فرفضها جميعًا واختارك أنتَ،
أرادك أنتَ،
فأخذك وأحرق قلبي أنا فما قُتِلَ غيره وما هَلَكَ غيره وما رُمِيّ بكلِ السهامِ إلاه قلبي،
وطالما كنت أنتَ الملاذ.. أنتَ الخلاص ومنكَ وإليكَ دومًا ينتهي الكلام فاغفر لقلبي المقتول فإني وربي قد نَدِمت.
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في الأحد فبراير 23, 2020 2:04 am


#الفصل_السادس

أركان الحياة أربعة
أركان كلنا نعرفها نسمع عنها
سبق ومر ذكرها أمامنا
ألا وهي :
ماء .. هواء.. تراب … نار
لكن الكثير لا يعلم أن هناك ركن خامس
هو الأهم
ركن لا تستقيم الحياة إلا به
ركن إن لم يكن موجودا فهذا يعني تهدم هذه الحياة وانعدامها
يعني تحولنا لحيوانات تحركها الغريزة فقط لاغير
هذا الركن الذي بات للأسف معدوما في كثير من الأحيان
و هو (( الاخلاق ))
….
رغم الخوف الذي كانت تعيشه والقلق من أن يحدث خطأ ما .. خطأ صغير يمكن أن يدمر ما قامت به و ضحت لأجله
إلا أنها حافظت على وجهها الخالي من أي مشاعر لدرجة أن الناظر إليها يظنها جثة بلا أي حياة
عيناها جامدتان تحدقان في الفراغ أمامها وفمها مزموم وكأنها تخشى إن فتحته أن تفقد حياتها
تجلس في المقعد الخلفي للسيارة وخلف مقود السيارة يجلس خالد يقود سيارته نحو منزل شقيقها
لم يحدثها او يوجه أي نظرة إليها
فقط امتثل لأمر غياث بأن ينتظرها أمام باب البناية التي تحوي منزلها
لايعلم مالذي حدث معها في شقتها في الأعلى ولكن ملامح وجهها توحي بقيامها بمصيبة
رنين هاتفه أجفل تلك الجالسة في المقعد الخلفي بطريقة لم تخفى عليه أبداً
أجاب غياث بكلمات مقتضبة وعيناه تراقبان ملامح وجهها من خلال المرآة الأمامية
رغم قسوة ملامح وجهها إلا أن عيناها تحملان خوفاً كبيراً
قال وقد اتخذ بالسيارة طريقاً جانبياً شبه خالٍ :
_سنتجه لمنزل غياث الجديد ،فهو قد أمرني بأخذك إلى هناك ،يلزمنا بعض الوقت حتى نصل
لم تجبه وإنما استمرت بصمتها المطبق ،فعاد يراقب الطريق
أوصلها لمنزل شقيقها الموجود في منطقة نائية بعد أن مروا على نقاط تفتيش كثيرة .
نزلت من السيارة تسير خلف خالد وقد ازداد الليل ظلمة مما جعل هناك صعوبة بتبيان ملامح المنطقة التي يوجد بها هذا المنزل
مع اقترابها من باب شقة غياث بدأ الخوف يهاجمها بقسوة
الخوف من رد فعل غياث .. الخوف من حدوث خطأ يقلب موازين امورها
يداها بدأتا بالارتعاش بشكل كبير
عقلها لايكاد يستوعب كل الأمور التي حصلت في يوم واحد فقط
لاتصدق حتى اللحظة كل ماجرى
دخلت المنزل خلف خالد لتجد غياث بانتظارها هناك كانت عيناه محمرتان من الغضب ولكن رؤية ملامحها جعله يحاول التحكم برد فعله وهو يقترب منها يمسك رسغيها بكفيه صارخا
_ لم فعلت ذلك … لم تسرعت بتصرفاتك .. من طلب منك فعل مافعلته أخبريني .. لقد دمرت كل ماخططت له ،أي مصيبة أوقعتنا بها الآن
كان خالد يناظرهما بعدم فهم فهو حتى هذه اللحظة لم يعلم مالذي حدث قبل أخذه لها من أمام منزلها
أغمضت عينيها بألم ودموعها تنطلق متحررة غير مهتمة بألم مرفقيها نتيجة ضغط غياث بكفيه عليهما ،همست من بين دموعها بصوت مختنق وقد بدأت قواها بالانهيار :
_ لأجلك … فعلت ذلك لأجلك
نفضها عنه مما جعلها تسقط أرضاً ،فقدماها لم تعودا قادرتين على حملها
ابتعد خطوة عنها ، يمسح وجهه بكفيه،وقد اسودت ملامحه من شدة غضبه
اما هي كانت تنظر له خائفة
تقسم أن شعورها بتلك اللحظات كان يمزق روحها
أنصال حادة تخترق صدرها ،فتزيد من عظيم ألمها

قال غياث محاولاً السيطرة على غضبه فلا يقوم بفعل يندم عليه لاحقاً
_ طلبت منك استغلاله .. موته كان سيأتي لامحالة، ولكن ليس بهذا التوقيت ،سألتني قبلاً وأخبرتك أنني لا أريد موته، ولكنك تصرفت دون أن تحسبي أي حساب لفعلتك
نظر لها خالد بصدمة لحظية سرعان ماذهبت في حال سبيلها ليحل بدلاً عنها السخرية ،فكيف يستغرب أن تكون شقيقة غياث مجرمة مثله وهو الشاهد على أكثر جرائمه بشاعة
راقب ملامح وجهها التي فقدت اللون وقد بدأ لهاثها يعلو وكأنها تنازع الحياة ،ليسمع صوتها المتعب موجهة حديثها لغياث ويبدو أنها نسيت وجوده هو رفقتهما :
_ انقاذك كان أهم عندي من أي شئ ،لأجلك أنت فقط خاطرت بكل شيء
صرخ بها هادرا بعنف شديد :
_ انقاذي من ماذا، أخبريني،لقد كانت تصرفك غبياّ غبياً جداّ وسوف تتسببين لي بمصيبة كبرى
ثم وجه غضبه لخالد قائلا بصراخ هاتفاً:
_ وأنت ، أين كنت حين قامت بفعلتها الرعناء ، طلبت منك ان تذهب لتحضرها والقرص الذي لديها ،فكيف لم تردعها عن قتله
قالت خالد ببرود وهو ينظر لها ومازالت على حالها على الأرضية الباردة للصالة :
_ وهل كنت اعلم انها ستقتله ، انت لم تطلب مني أن أدخل لمنزلهما ،الاتفاق بينها وبيننا كان أن تعطينا القرص لا أن تقتله
رنين هاتف خالد جعل الكل يصمت
ميرال تنظر بخوف ليده التي تخرج الهاتف ليجيب الاتصال
بينما غياث ينفخ بقلة صبر يريد أن يعلم ما الجديد وقد عرف من خلال حديث خالد أن المتصل أحد رجالهم الذين كان قد كلفهم بمراقبة منزل ميرال
انهى خالد المكالمة ثم وجه كلامه لغياث قائلا
_ يبدو أن الأمر لم ينته عند قتله ،لقد حدث حريق في منزلهما
ثم نظر نحو ميرال باشمئزاز غريب قطع تلك النظرات رنين هاتف غياث فأسرع للأجابة وهو يشير لهما أن يلتزما الصمت
ضمت جسدها بذراعيها وهي تشعر بالبرد يزحف اليه ببطء رغم دفء المحيط
كلام غياث عن زوجها جعلها تنظر له بخوف فابتعد عنها باخلاً عليها بمعلومة تريح قلبها
انهى حديثه والذي يبدو أنه كان مع شخصية مهمة ثم عاد إليهما ينظر لخالد قائلا بابتسامة خبيثة :
_ إن كانت قد قتلته ،فلا ضرر من استغلال الأمر لصالحنا هيا بنا
ثم نظر نحوها قائلا برفق غريب جعل عيناها تتسعان بصدمة ،وهو يمد يديه إليها فيساعدها على الجلوس على أريكة قربها :
_ استريحي الآن و دعيني افكر بحل لإخراجك من هذه الورطة التي أوقعت نفسك بها
هزت رأسها بموافقة ثم نكست رأسها، تغمض عيناها ،مبتعدة عن نظراتهما المراقبة لها
لم يكن هذا ما يشغل بالها
ان تخرج من هذه الورطة هو آخر ما تفكر به
ثم فجأة وكأنها فطنت لشيء ،مدت يدها المرتجفة الى جيبها تخرج قرصاً ليزرياً قائلة
_ لقد أخذت هذا منه .. هل هذا ما اردته
لم يدعها تكمل وهو يأخذ القرص منها متوجها لغرفة جانبية تاركا اياها تنظر بإثره نظرات غريبة ،وخالد تبعه بسرعة
اما هي تحاملت على نفسها و استقامت واقفة تبحث بعينيها عن غرفة تستريح بها
تحتاج أن تخلو بنفسها قليلاً
سارت بخطوات بطيئة نحو الغرفة التي وجدتها والتي يبدو أن لا أحد سبق واستعملها، رمت حقيبتها على السرير ثم اتجهت للحمام الملحق بالغرفة تغلق الباب خلفها بهدوء ،غابت دقيقتين ثم عادت نحو السرير تجلس عليه كتمثال حجري
سمعت صوت الباب يغلق فعلمت أنهما غادرا وتركاها وحيدة هنا
عدة ساعات مرت وهي على جلستها تلك لم تتحرك قيد أنملة
خواء غريب يزداد قتامة داخل جنبات قلبها
يتركها صريعة لأفكار وهلوسات تزيد من اضطرابها
لولا صدرها الذي يصعد ويهبط بفعل تنفسها الصعب لخيل للناظر لها أنها جثة هامدة ّ
على هذا الحال بقيت حتى غلبها التعب
حين استيقظت كان الهدوء مازال مسيطرا على المكان ،انسحبت من السرير بتعب وقد تيبس جسدها بفعل استلقائها غير المريح
نظرت من النافذة فوجدت الشمس تتوسط كبد السماء تراجعت بصمت مفكرة هل نامت كل هذا الوقت
استمعت لصوت شقيقها يتحدث مع أحدهم فأعادت ترتيب غطاء رأسها ، ثم خرجت نحو الصالة لتجده يتحدث مع خالد الذي استأذن مغادراً بمجرد قدومها نظرت لوجه شقيقها فوجدته بشوشاً سعيداً بعكس ماكان البارحة
ناداها حينما شاهدها واقفة على باب الغرفة
_ تعالي لنأكل فأنت منذ البارحة لم تأكلي شيئا
جلست على الكرسي قبالته تراقب حركة يديه وهو يخرج الطعام من الأكياس قالت بهدوء
_ هل تظن ان الشرطة ستشك بي بأنني القاتلة
توقف عما يفعله ونظر اليها ثم انفجر بالضحك وهو يقول
_ لن يشكوا أبدا … بل كوني سعيدة فالبعض يظن أنك قد مُت ايضاً…
همست بتوتر قائلة
_ كيف ذلك؟
قال وهو يضع لقمة بفمه دون أن يعير ملامحها التي فقدت لونها اعتباراً:
_ رغم غضبي مما فعلته لكن لا يمكنني تركك تواجهين ما حدث لوحدك ،البارحة كنت قد كلفت شخصا بمراقبة المكان بعد مغادرتك أنت وخالد ، فقد ظننت ان اتصالك كان لاعطائنا القرص فقط فأردت التأكد أن لا أحد غيرنا يحاول الوصول إليه .
كانت نظراتها معلقة به تريد منه الإكمال لتعلم ماذا حدث بعد رحيلها ولم يطل انتظارها وهو يكمل
_ لقد شب الحريق وابتلعت النيران جزءاً من المنزل قبل أن تتمكن سيارة الإطفاء من الوصول للمكان
غصة قوية استحكمت قلبها وهي تتخيل منزلها محروقاً
كل ذكرياتها فيه قد حرقت
اركان تمتلك فيها ذكريات كثيرة احترقت ولم تترك النيران منها شيئا
ولكنه لم يسمح لها بالغرق في نعيها لمنزلها بل أكمل كلامه
_ لقد ابلغني ذلك الشخص ان سيارة الاسعاف قامت بنقل جثتين من المكان
توسعت عيناها بصدمة وهي تقول بتلعثم
_ جث.. جثتين .. انا لم اقتل سوى لجين فلمن الجثة الاخرى
انتفضت واقفة تحاول ان تفهم لكنه قطع عليها حبل افكارها وهو يقول:
_ السيدة التي طلبت منها ان تحضر لمساعدتك في ذلك اليوم
نظرت له هامسة
_ يا إلهي.
وضعت يديها على وجهها بخوف قائلة بصوت متقطع :
_ لقد اتصلت بها عصراً ، لأنني ارغب منها مساعدتي في تنظيف المنزل لكنني نسيت أمرها
قال مؤكدا كلامها
_ أخبرني الرجل المكلف بمراقبة المكان انها دخلت بوابة البناية عقب مغادرتك فورا ويبدو أنها حاولت مساعدة لجين فاحترقت معه، ويبدو أنهم ظنوها انت، و بذلك لن ندخل بمتاهات إثبات براءتك وانت شقيقة غياث العالم
ارتجفت شفتاها بتوتر شديد ثم بدأت تدور حول نفسها كاللبوة الجريحة تقضم اظافرها بأسنانها بتوتر شديد ، ثم تعود للتوقف والنظر إليه وكأن مساً قد أصابها :
_ كيف .. كيف ذلك ؟ ماذا لو أجروا تحليلا للجثة سوف يعلمون أنها ليست أنا، ثم كيف تريد مني أن أفرح وهم يظنون انني مت ،إن هذا يعني أنني بلا هوية الآن .. كيف سنتمكن من الخروج خارج البلاد … ثم ماذا لو حاول من هم خلفك قتلي ها اخبرني …
اشار لها بيده للكرسي الموضوع قبالته والذي كانت تشغله منذ قليل قائلاً بهدوء مناقض للتوتر الذي يحتل تصرفاتها
_ اجلسي واهداي لنتحدث فإن توترك هذا لن يفيدنا باي شئ هل فهمت
جلست كما طلب منها وعيناها تراقبان ملامح وجهه تحاول أن تستشف اي شئ يريح قلبها يخبرها ان ما تحاول فعله يستحق
تحدث قائلا
_ لن يحدث .. لن يتم تحليل الجثة فانا رتبت ان تدفن الجثة على أنها أنت .. فخبر موتك وموت زوجك لم يكن بهذا السوء بل على العكس كان أمراً جيدا بالنسبة لي
همست باستغراب
_ كيف ذلك
قال وهو يشبك يديه أمامه على الطاولة ناظرا لها
_ أنا قد فقدت شقيقتي وزوجها ، وقبلها تعرضت لمحاولة اغتيال ،اذا هذا يعني صحة ما اقوله عن محاولات للتخلص مني من قبل بعض الشخصيات وهذا سيساعدني في توجيه ضربتي إليهم ، وكذلك ستبتعد أصابع الاتهام عنا حين يعلمون باختفاء القرص ومايحويه من معلومات
نظرت له هامسة بإنشداه:
_ تستغل الامر لصالحك بهذه البساطة .. وهل سيدعك من تتعامل معهم تهنأ بعد أن تسلمهم المعلومات التي حصلت عليها
قال بنبرة تقطر ارتياحاً غريبا عليها
_ إن الوثائق التي سلمتها لنا لم تكن هي ما نبحث عنه
صدمة تلو الاخرى يوجهها لها ، ارتجف كفيها وتفصد جبينها عرقا وهي تستمع له يكمل كلامه
_ ولكنها كانت بأهمية ما نبحث عنه انها لموقع مهم سيتم تدميره بعد ان نضع خطة محكمة لتنفيذ الأمر ثم بعده سنحاول الوصول لتلك الوثائق مجددا
انتفضت مجددا صارخة
_ أي خطط وأي استفادة تعني ؟
امسك كفها بقسوة لتصمت بعد أن وقف مقابلا لها وهو يقول بصوت غاضب
_ هل تظنين ان ماقمت به سيمر مرور الكرام لو اكتشف وجودك على قيد الحياة .. انت قررت أن تكوني بجانبي لذلك كفي عن هذا النواح
نفضت يده بقسوة مشابهة لقسوته وهي تقول بإصرار :
_ لن افعل شيئا آخر .. انت وانا سنرحل عن هنا ونغادر دون عودة هل فهمت
ضحك غياث ملأ صوته وهو يستمع لها ثم صمت يحارب نفاذ صبرها ودون أي كلمة ابتعد عنها يلملم اشياءه ثم غادر المنزل لتجلس هي منهارة تبكي بصمت
هل فشلت .. كيف تستطيع ان تعلم … لم عليها أن تخوض كل هذا بمفردها .. أي ذنب اقترفته لتعايش هذا الألم والتشتت
تشعر أنها من أدخلت نفسها داخل الدوامة الكبيرة
فتدور بها الدنيا وتدور وتدور
ولا سبيل للتخلص من هذا الدوران
ولا سبيل للخروج منها
….
يومان أخران مرا عليها وهي حبيسة المنزل، تكاد تجن لاتعرف شيئا عما يحدث بالخارج ،تشعر بنفسها انها أتت بقدميها لهذا السجن ولن تستطيع الفكاك ابدا
كان المساء قد حل ، دخل غياث متلهفا وهو يقول لها
_ استعدي سنغادر لمنزلي الآخر
توقفت قبالته عينيها فقدتا بريقهما من كثرة السهر وهالات سوداء أحاطت بهما ،اجابته بصوت فقد الحياة
_ هل ستنقلني من منزل لآخر طوال الوقت
جلس بهدوء على الاريكة، هدوء يستفزها بشكل خطير لكن لن تكون ميرال ان سمحت له باستفزازها ،جلست قبالته بذات البرود تستمع له
_ لن اكرر لك كلامي السابق .. لن استطيع الا اخفائك الآن حتى نجد حلا
هزت رأسها بموافقة ، ثم رافقته مغادرة لمنزله الآخر ، لم تعلم أي طريق اتبع ولا كيف تمكن من استخراج هوية مزورة لها أعطاها لها حين خرجت من المنزل
تصنعت النعاس ،وهي تراه جالسا في الصالة ينهي بعض الأعمال ،فاستأذنت مغادرة لغرفتها
مرت ساعات وهي مستيقظة تستمع لأي حركة له في الخارج حتى غلبها النوم
بعد بعض الوقت سمعت رنين هاتفه فأجفلت خائفة (يبدو أنه غياث نائم)
هذا مافكرت به وهي تقترب على رؤوس اصابعها من الباب تستمع لصوته ،كلا ليس نائما بل يبدو انه كان يتأكد من نومها فقد سمعت خطواته المبتعدة عن باب غرفتها
يصلها صوته هامسا لكنها استطاعت أن تستمع لما يقوله
_ ستكون مهمة كبيرة وأنا مستعد لها .. ستكون ضربة قاضية لهم … حسنا انتظرك مساء الغد
عادت مسرعة نحو سريرها تتدثر بأغطيته مدعية النوم مجددا
وعقلها يخطط لما ستفعله لاحقاً
….
في اليوم التالي وبينما يتناولان الإفطار، اخبرته ميرال بمرضها ، وطلبت منه ان يحضر لها حبوبا مهدئة علها تنام لساعات أطول وترتاح
لبى طلبها مسرعا وعند المساء اعطاها الحبة التي ابتلعتها عن طيب خاطر ولم تمر ربع ساعة حتى كانت قد استسلمت للنوم
تأكد من نومها ثم اتجه لمكتبه يتجهز لاستقبال ضيفه
لقد ارهق كثيرا خلال هذين اليومين جراء ماحدث يحاول ان ينهي كل التزاماته خارجا
وبذات الوقت يراقبها يخاف من استيقاظ مفاجئ لضميرها
فرغم حالة الجمود التي تكتنفها إلا أنه يظن انها ستنهار في أي لحظة
لقد أخبره خالد ألا يثق بها ،لكنه يعلم أنها تحبه لدرجة عمياء ،وأنها مستعدة لفعل أي شيء لأجله
أليس قتلها للجين دليلاً على تمسكها به هو ،رغم عدم استيعابه للأمر بداية لكنه لا ينكر أن ميرال فاجأته بتصرفها ذاك
ولكن الأمر جاء لصالحه ،رغم إرهاقه من كل ماجرى
امام الناس في خارج المنزل يدعي حزنا لموتها وموت زوجها ،يوجه الاتهامات لأعدائه بأنهم من كانوا خلف قتلها وقتل زوجها ليكسروه هو ّ
لم يخبرها انه يقضي معظم يومه في صالة العزاء حيث يتوافد الكثيرون لتعزيته ومساندته في محنته
لم يخبرها أنه كان سعيدا وهو يأمر بدفن الصندوقين اللذين لم يفتحا ولم يهتم لفتحهما أبداً ، وكم تمنى لو رماهما في قعر البحر ليتخلص منهما للأبد
توقف عن الظهور الإعلامي مدعيا حزنه على شقيقته وزوجها ، يخطط في الخفاء لضربته القادمة ضربة سترجح الكفة لصالحه
ثم بعدها يسافران الى الخارج بعيدا عن هنا ،وستكون هي نقطة قوة له ولن تكون أبداً مصدر لضعفه
وصول ضيفه الغامض جعله يعود من أفكاره التي يخطط من خلالها لكل ما هو قادم
استقبله وجلسا معا يتحدثان في غرفة المكتب حديث استمر لساعتين متواصلتين ثم غادرا بعدها معا تاركة ميرال غارقة بنومها حتى الصباح

في الصباح كانت قد استحمت وبدلت ملابسها بملابس اشتراها لها ثم جلست في المطبخ تحتسي القهوة بهدوء غريب
تتلمس هاتفها المحمول الذي ابتاعه لها شقيقها حين وصولها لهذا المنزل للتواصل معها في حال الضرورة ،فهاتفها قام خالد بالتخلص منه فور صعودها السيارة
أعادت تشغيل الهاتف بعد ان كان مطفئا لخلو بطاريته من الشحن
ثم جلبت السماعة ووضعتها بمكانها وثبتت طرفيها في أذنيها وادارت زر التشغيل تستمع بإنصات وعيناها مغمضتان بهدوء

ادارت جهاز التلفاز الموجود في المنزل تقلب بين محطات الاخبار حتى وصلت لمبتغاها
كانت الاخبار تظهر تفجيرات حدثت في منطقة قرب الحدود
انه نفس الموقع الذي حصل عليه غياث من خلال القرص المدمج الذي اعطته اياه
رغم ان غياث استفاد من الأمر لصالحه لكنه يعلم ان لجين كان سيتسلم وثائق تدينه وتدين المجموعة التي يعمل معها ووثائق اخرى تتعلق بشخصيات هامة
سألته قبل بعض الوقت بينما يتناولان وجبة الغداء
_كيف يمكن للجين ان يمتلك هذه الوثائق ،ولم هو بالذات
أجابها ونبرة صوته تحمل كرهاً غريبا لم تستطع هي فهم سببه
_ إن عمل لجين مع منظمة الهلال الاحمر ومقابلته لشخصيات مهمة جعله مطلعا على الكثير من الحقائق ، أمانته وإخلاصه جعله محط ثقة للكثيرين ،يخبرونه بالكثير من الأسرار وهم على يقين أنه سيحافظ عليها ولن يستغلها أبداً لصالح إضرار الناس ، لذلك وقع الاختيار عليه ليتسلم تلك الوثائق ويقوم بإيصالها بأمان للجهة المراد إيصالها لها

عادت تنظر للشاشة مفكرة
(غياث افسد الامر وعلم مايحدث من خلال العيون المترصدة التي يزرعها في كل مكان
ربما سن غياث بالنسبة للكثيرين صغير لكنه يمتلك دهاء عشرين رجلا مجتمعين معا
تراه يخطط ويحضر وكل ذلك بالخفاء دون أي دليل يثبت إدانته بل بالعكس لو خرجت الآن الى الجميع وصرحت بما تعلمه عنه لاتهمها الجميع بالجنون وبالخيانة
عن ماذا يمكن ان تخبرهم عن أي جرائم ستتحدث
تجارة بالأسلحة حيث يتم إرسالها إلى المناطق الساخنة لابقاء الاوضاع متفجرة وبهذا تزيد مكاسبهم دون اهتمام للخراب الذي تخلفه تلك الأسلحة على طرفي النزاع
تجارة بالاعضاء البشرية تتم عبر عمليات خطف منظمة وبذلك تزداد أرصدتهم بالبنوك فهؤلاء بنظرهم ليسوا الا اعداد زائدة وجب التخلص منها والاستفادة من بقاياها .. لايهم كم العائلات التي فجعت ولا الكوارث التي حلت وتحل بها ما يهم كم نستطيع الاستفادة من هذا الوضع
كل مايهم لأي مدى نستطيع أن نكون سريعين باقتناص الفرص والخروج من هذه الفوضى بأعلى المكاسب )
نظرت للمرآة الموضوعة على الحائط،امامها تراقب ذلك الخيال المنعكس عليها
همست بخفوت
( اي اخطبوط هو شقيقك ياميرال .. وكيف امتدت كل هذه الاذرع منه دون ان تشعري بذلك … أنه يلتف في كل مكان يسلب الحياة … اين كنتي من كل هذا ياميرال )
اطفأت التلفاز وعادت لغرفتها تدعو الله ان ينتهي هذا الكابوس بسرعة
تحتاج لشئ يشغلها عن هذا التفكير الذي يكاد يقودها للجنون
رتبت اغراضها للمرة التي لاتعلم عددها ثم عادت ترتب فراشها وكأنها بذلك تجعل الوقت يمر مسرعا
،وماإن حان موعد الصلاة حتى شرعت بأداء فرضها داعية الى الله أن يساعدها بتحمل القادم

اتاها صوته المنادي لها فخرجت من باب غرفتها نحو الصالة ، وجدته جالسا يناظر هاتفه
جلست قبالته قائلة
_ تبدو متعبا مالامر ؟
وضع هاتفه أمامه على الطاولة قائلا
_ لدي عملية قادمة وتحتاج لكل تركيزي … وعدتك انها ستكون اخر عملية لي لذلك احتاج مساعدتك فيها
نظرت له بتوجس قائلة
_ انا .. كيف يمكنني مساعدتك
طلب منها صنع كوبين من الشاي ليتحدثا وفعلت كما أراد اخذ الكوب منها وراقبها وهي تجلس أمامه على المقعد تمسك بين كفيها كوب الشاي الساخن
قال بعد أن ارتشف من كوب الشاي رشفة سريعة
_ ان ما أنا مقدم عليه سيزيد مكاسبنا بشكل كبير ومعظم المكاسب سيتم تحويلها الى بنك أوروبي وبعدها سنتمكن من السفر .. أليس هذا ما تريدينه أن أسافر
قالت تحاول الاستفهام أكثر
_ هل يجب عليك ان تقوم بها ألا نملك ما يكفي من المال لنسافر ونعيش بسلام
هز رأسه نفيا يتلاعب بمشاعرها كعادته الدائمة
_ لا أملك الكثير الذي تتخيلينه أنت
اتظنين أن لاشركاء لدي وأن كل ما أقوم به أقوم به لوحدي
كلا يا ميرال منذ أول يوم خطوت به في هذا الطريق، يوجد من يساندني ويدعمني ولكن ليس دون مقابل على العكس مقابل كل خطوة كان يجب أن أدفع ثمنا يطلب مني ولم أتوانى مرة واحدة عن ذلك ،كما هناك بعض الأمور العالقة أحتاج لأن أنهيها قبل مغادرتنا
عادت تسأله مجدداً وعيناها في عينيه :
_ وهل وجدت هذا الطريق يستحق فعلا
دون أن يحيد بأنظاره عنها أجابها :
_ عندما بدأ كل شئ ،وقفت أراقب ما يحدث ، ما يمكن للفوضى أن تصنعه، وحينها علمت أنني يجب أن استغل كل لحظة تمر وكل حدث يمضي لأكون ما أنا عليه الآن ،الشعارات الرنانة والعواطف المشتعلة لن تفيدنا في شيء، لن تحمينا من غدر قد يصيبنا أو من تربص أعداء بنا يشحذون كل اسلحتهم لتدميرنا دون أن يرف لهم جفن
ماحدث لم يكن نتاج عام أو عامين من التخطيط بل هو نتاج أعوام من الدراسة من التخطيط ومن التدمير ، لذلك كشخص شاهد وعايش كل مايحدث قررت أن أخرج منتصرا من وجهة نظري أنا
شركة في دولة اجنبية ، مال في أرصدة البنوك واسم كبير سيبقى معروفاً للأبد
هزت رأسها بتفهم وهي تقول بأسى لم تستطع اخفاءه
_ كنت اتمنى فقط لو لم يكن كل كذلك على حساب قتل الأبرياء.
صرخته جعلتها تنتفض بفزع
_ لم أكن سبباً بقتل الأبرياء كم مرة علي أن أقولها لك ، لست أنا بل ظروفهم هي السبب، الحرب التي تفرض علينا أن نتاجر بهم وإلا سوف يتم المتاجرة بنا هي السبب
لم تجبه وانما ظلت عيناها معلقتين به وهو يمسح وجهه بكفيه ثم يعود لمحادثتها :
_ لن أبرر لك أي تصرف قمت أو سأقوم به يا ميرال ، فأنت تعلمين انك بنفسك خطوت معي بذات الدرب ، لذلك سأخبرك مجدداً في الحرب كل شئ مباح .. مباح هل أكررها لك حتى تفهميها ، اسمعيني الآن جيداً ، غداً سيتم إقامة حفل في إحدى الفيلات العائدة لشخصية بارزة وأنت ستكونين برفقتي
قالت بتردد :
_ كيف سأتمكن من ذلك ياغياث ، ماذا لو عرفني أحدهم ، ثم ماضرورة حضوري أنا
نظر لها وهو يقول
_ لن يتعرف عليك أحد لاتقلقي وما مدى اهمية حضورك ، إنه مهم جداً ، ولا استطيع إخبارك بتفاصيل أكثر ...أخبريني بما تحتاجينه لاأجلبه لك غداً
صدح هاتفه بالرنين فأشار لها منهياً الحديث فاستقامت مغادرة من أمامه ولكن أذنيها التقطت انتظاره لخالد في آخر الليل
وكعادتها بعد تناولهما العشاء ، اخذت الدواء المنوم واتجهت لغرفتها لتنام ، تاركة إياه في انتظار خالد
…..
قالت وداد وهي تحاول ان تفهم عن ميرال أكثر عن الحال الذي أصبحت فيه :
_ كيف استسلمت بهذا الشكل … لا اصدق انها طبيبة جراحة … ثم أين اصدقائها من كل ماجرى
ضحكت زينة وهي تقول
_ أرى أن فضولك لم يعد يستطيع الانتظار يا وداد ، لكل سؤال جواب سنعرفه لاحقا ولكن لو أخبرتك الآن بالأجوبة ، لن يكون هناك أي جمال للحكاية
شبكت وداد يديها فوق حجرها وهي تقول بإقرار :
_ اعذريني لكن حقاً أنا لم أعد أفهم كيف كانت تفكر ، كيف فعلت مافعلت ، كيف استسلمت لحبسها الاختياري من قبل شقيقها، حتى لو كانت تحبه بذلك الشكل ، شخصية مثل ميرال كانت لتعترض وتقف بمواجهته ، إلا لو فرضنا أنها منذ البداية كانت مقتنعة بما حدث ويحدث .
قالت زينة وهي تقف متجهة نحو الحائط الزجاجي تراقب من خلفه الحديقة ، وقد خيم المساء، فأضاءت الأنوار المعلقة أرضها بمنظر أضاف على جمال الحديقة الكثير :
_ هي نفسها لم تكن تعلم ما يحدث معها ، في كل مرة تظن أنها وسط كابوس ستستيقظ منه لتجد نفسها بين ذراعي لجين يهدهدها ويطمئنها أن كل شئ بخير … ربما ميرال كانت قد ناهزت الأربعين عاماً الا أنها مع لجين كانت مراهقة صغيرة … بل شابة صغيرة ترى في وجوده كل الأمان الذي تحتاج لذلك كانت تنتظر استيقاظها كل يوم لتراه لكن للأسف أمنياتها لم تتحقق ففي كل يوم كان الكابوس يؤكد وجوده لها أان ظلامه امتد بشكل مخيف وليس هناك أمل بنور قادم
….
سارعت ميرال لإغلاق الهاتف وإزالة السماعات من أذنيها وهي تسمع صوت سيارته قادمة
خرجت من غرفتها لإستقباله ، فنظر لها وهو يقول
_ سيأتي لك خالد بكل ماتحتاجينه للحفل
اومأت له ايجاباً وهي تراقب دخول خالد بعده يحمل أكياساً بين يديه أعطاها لها ونظرات غريبة تستوطن عنيه مما جعل جسدها يرتجف خوفاً ، تخافه وتخاف تلك النظرات التي تستوطن ملامحه، تشعر به أشد خطراً من شقيقها ،تابعت خطواته وهو يتبع شقيقها الى المكتب الموجود على يمين الصالة
تراجعت نحو غرفتها تضع الأكياس على السرير ثم أمسكت هاتفها ، وقامت بمسح ماعليه و اعادت وضع الهاتف مكانه ثم خرجت نحو المطبخ تعد القهوة
من باب المطبخ شاهدت خروج خالد يحمل حقيبة سوداء مغلقة
تراجعت كي لايراها أحد وهي تستمع لشقيقها يخبره
_ تأكد من كل شئ ياخالد .. وكن على استعداد للرحيل في أي وقت أخبرك به بذلك، هل فهمت ؟
سمعت صوت الباب يغلق فعلمت أن خالد غادر ومعه الحقيبة الاي سبق وشاهدت غياث يضع فيها الكثير من المستندات والأوراق
تساءلت ( لم أعطاها لخالد ، تعلم أن خالد هو الرجل الذي يثق به شقيقها ثقة عمياء ، لقد عرفها عليه قبلا أنه أحد أصدقائه ، ثم علمت فيما بعد أنه ذراعه اليمين، ولكن لم أعطاه الحقيبة ، وما الذي يعنيه؟ هل حقا سيغادران معا كما وعدها أم أنه يحضر لأمر آخر؟)
تشعر أنها تعيش أحداث مسلسل درامي لا تستطيع توقع الحدث القادم فيه
بعد ساعات كانت تغادر المنزل رفقته لحضور حفل وصفه لها أنه سيكون خاصاً مقتصراً على شخصيات مهمة ، ولأنها تجيد اللغة الألمانية سيخبر الجميع أنها صديقة ألمانية كانت تدرس مع شقيقته مستغلاً ملامحها الغربية .
هل تنكر ذلك الخوف المتصاعد بداخلها ، هل تنكر أنها توقن أنها تخطو نحو مجهول لاتعلم عنه شيئاً ، هل تنكر أن قلبها يكاد يتوقف وهي تتضع خيالات للساعات القادمة ،ومدى نجاح مهمتها
قالت له بخوف ظهر جلياً على ملامحها التي تغيرت كثيراً ،بفعل الارهاق والتوتر والضغط الذي كانت تئن طوال الفترة المنصرمة تحت وطأته :
_ ماذا لو تعرفوا علي ؟
كان عينيه تراقبان الطريق ، وخلفه سيارة المرافقة الخاصة به يقودها خالد ومعه رجال آخرون
قال لها منتظراً ردة فعلها ولم تخيب ظنه حين سمعت جملته النكراء:
_ لن يتعرفوا إليك دون غطاء الرأس
_ ماذااا ؟
صرخت بها ثم عادت تنظر له بغضب هامسة من بين أسنانها :
_ هل تعي ماتطلبه مني ؟ أنا لن أفعل ذلك ؟ هل سمعت ؟
ببرود أجابها وكأن رفضها من عدمه لايؤثر عليه بشيء :
_ إذاً جدي طريقة تبرر ارتدائك لغطاء الرأس
نظرت له غير مصدقة لما يطلبه منها ثم عادت تنظر أمامها بشرود تراقب الطريق الخالي الذي تقطعه سيارتهما
حين وصلا الى المكان المنشود والذي كان عبارة عن فيلا فخمة في منطقة متطرفة من المدينة
قالت هامسة وعيناها تراقبان المدخل المرصوف الذي تقطعه السيارة :
_ واجهتك البيضاء الحساسة التي تتغنى بها توجب علي إتخاذ هذا الدور المتدين ،لذلك أنا أرتدي غطاء الرأس لأتجنب أي خطأ ممكن أن يتعرف به أي أحد على شخصيتي الحقيقية إن أنا نزعته لذا لن استطيع الظهور للعلن دونه.. حجة مقنعة أليس كذلك و ستجعلك تستحوذ على اعجابهم.،فأنت غياث الذي يهتم بكل التفاصيل

ابتسم دون ان يجيبها رغم شعوره بلمحة السخرية في صوتها ،ولكن سرعة البديهة التي طالما امتلكتها تجعله دوماً ينظر لها بفخر ، قال قبل أن تترجل من السيارة منبهاً لها :
_ اريدك أن تنتبهي لكل حرف ، سأعرفك على أحدهم ، إنه لايجيد لجانب لغته الأصلية سوى الألمانية ، لذلك أريدك أن تكوني صلة الوصل بيني وبينه ، فالحديث الذي سيجمعني به لا أريد لأحد غيري أن يعرفه
ارادت الحديث لكنه منعها بإشارة من يده قائلاً :
_ لا تكثري من طرح الأسئلة فقط نفذي ما اطلبه منك ،وصدقيني ستكون آخر عملية نقوم بها هاهنا .

ترجلت من السيارة نحو الداخل يعرفها على الموجودين
كان الحفل هادئاً يحوي العديد من الشخصيات التي تعرفها وسبق وشاهدتها على محطات التلفزة او شخصيات لم تعرفها او تراها قبلا
عرفها بهم وبقيت بقربه وقرب محدثه الذي يبدو شخصية مهمة لم تعرفها قبلا
كانت تستمع لكل مايقال وتسجل في عقلها كل همسة
بعد قليل لاحظت انسحاب شقيقها والشخص الذي برفقته ومجموعة اخرى
اخبرها انهم سيعقدون اجتماعا في احدى الغرف الجانبية ، ثم بعدها سيكون هناك اجتماع بينه وبين ذلك الشخص وستكون هي فقط الموجودة
من خلال الهمسات التي سمعتها علمت ان هناك صفقات كبيرة ستعقد اليوم لكن ما هي لم تعلم
مضى الوقت بطيئا وهي تنتظر الاشارة التي يجب أن تظهر لتعلم ماهي الخطوة التالية
وقفت جانبا تراقب الوجوه المبتسمة بتصنع مبالغ فيه
خرج شقيقها بعد قليل مبتسماً يحادث أحدهم ثم نقل أنظاره اليها فوجدها واقفة تبتسم بإرتباك له
اقترب منها ، لكن وجهه تلون بالغضب فجأة وعيناه تنظران خلفها ، بقلب خائف نظرت خلفها لتجد فتاة شابة تتعلق أنظارها بشقيقها بشكل جعلها تدرك ان هذه الفتاة عاشقة وخائفة
أمل تسرب لقلبها
كشعاع ضوء خافت في ليل حالك الدجى ، أمل يخبرها أن العشق يجعل الإنسان أكثر رحمة ، العشق يجعله يتراجع عن خطواته المؤدية للموت

تخطاها ليمسك الفتاة من رسغها مبتعداً بها عن المحيط ، وبثورة غضبه التي حاول قدر إمكانه إبقاءها بداخله ريثما يختلي بالفتاة ، لم ينتبه ان ميرال تبعتهما
أدخل الفتاة غرفة جانبية مغلقاً الباب بقوة ، يبدو أنه يعرف ردهات وغرف هذه الفيلا جيداً هذا ماخطر ببال ميرال وهي تقف خلف الباب تحاول سماع حديثهما
_ مالذي تفعلينه هنا
بصوت باكٍ أجابت الفتاة
_ أرجوك .. لن أكرر الخطأ مرة اخرى، لكن الصغيرة ماذنبها ، سأفعل كل ماتريده لكن دعني احتفظ بها .

نفض يدها المتمسك بذراعه بقسوه ثم هجم عليها يمسك ذقنها بكفه حتى كاد يهشمه قائلا بشرً ليس غريباً عليه :
_ الخطأ لن يتكرر ، أتعلمين لماذا ياحلوتي؟ لأني لن اسمح لك بذلك . قمت بخيانتي وانت تعلمين ثمن خيانتي جيدا
رماها أرضا فتأوهت بقوة ثم عادت تقول من وسط شهقاتها وقد لطخت الدموع وجهها الهزيل المتعب :
_ غياث لقد أحببتك بحق ، أردت شيئا يربطني بك لم أكن اخطط لايذائك اقسم لك
لم يجبها وإنما بقيت نظراته المتوحشة تراقبها فأكملت قائلة
_ لقد كان الأمر مفاجئاً لي كما هو لك ،أقسم لك

ضحك وهو يعاود النظر إليها بطريقة أرسلت القشعريرة على طول عمودها الفقري فابتلعت ريقها خوفاً مما يمكن أن يفعله بها غياث العالم
قال بلهجة تنقط حقداً
_ لقد ساعدك عمك أليس كذلك ؟ هو من أخفاك حتى موعد ولادتك ، ليأتي ويحاول إقناعي بإظهارك للعلن زوجة لي ، وتقولين أن الأمر كان مفاجئا لك ، عامةً عمك لم يعد بقادر على مساعدتك بعد الآن يا جميلتي
واشار إليها بكفي يده أنه لم يعد له وجود وهو يكمل حديثه :
_ لقد انتهى ببساطة هكذا
وحرك سبابه يده أمام عنقه بإشارة منه بأن عمها قد قتل، ثم أشار نحوها بسبابته مكملاّ بحقد غير مهتم بإنتفاضة جسدها الخائفة :
_ وانت سيتم بيعك مع من يتم بيعهن بالمزاد … تعلمين كيف يتم الأمر جيداً، أليس كذلك ؟
فعمك كان من أكثر الراعين لمثل هذه الفعاليات وأنت لطالما كنت شاهدة عليها
امسكت قدمه تحاول التوسل له لكنه أبعدها بعنف قائلا بفحيح يماثل فحيح الأفاعي :
_ علمت أنك ستحضرين هذا الحفل ، كان فخاً ووقعت به ونهايتك قد خطت لك
أمسك هاتفه يطلب حضور أحد مرافقيه صاماً أذنيه عن توسلاتها الباكية بالرحمة ،ولم يتأخر مرافقه بالقدوم ، أخبره غياث مشيراً للفتاة المرمية أرضا
_ خذها ودعهم يضمونها للقائمة التي سيتم ترحيلها بعد قليل ، نفذ بسرعة
وخرج غير منتبه لتلك التي تقف بمكان قريب مختبأة تراقب الفتاة التي خرج بها المرافق حاملاً إياها بين ذراعيه بعد أن فقدت وعيها
حين اختفى عن انظارها خرجت من مخبأها تسير بقدمين واهنتين نحو القاعة كي لا يلاحظ غيابها
لم تصدق ماسمعته
جريمة جديدة تضاف الى قائمة جرائمه
جريمة يندى لها الجبين
يتاجر بالفتيات ويقوم ببيعهن
نفضت رأسها بعنف غير مصدقة لذلك
هل يعقل ماسمعته ، أية مصائب أخرى يمكن أن تظهر لها أيضاً
لاحظت الحركة التي زادت بالقاعة ودخول أحدهم يخبرهم أن الشرطة قد أحاطت المكان
لغط واضطراب حصل والبعض يحاول ان يفهم مايجري
حاولت السيطرة على أعصابها والإشارة قد وصلتها
اقتربت من غياث الذي يبحث بعينيه عن خالد قائلة
_ غياث مالذي يجري
قال وهو يحاول الإتصال بهاتف خالد
_ يبدو أن الشرطة تطوق المكان
قالت بمهادنة وهي تمسك ساعده
_ غياث أين ستذهب .. سلم نفسك سيساعدك ذلك كثيراً
امسكها غياث من يدها طالبا منها الصمت وكأنه لم يصل لعقله أي كلمة مما تلفطت بها ، جرها نحو الخارج متجهة لسيارة سوداء ، مستغلاً الفوضى التي حدثت ، يأمر خالد الذي ظهر من العدم تجهيز مهرب من مخرج الفيلا الخلفي ، يبدو أنه كان يتوقع حدوث مصيبة فجهز سيارة غير سيارته للهرب ، صرخ موجهاّ حديثه لخالد :
_ خالد كيف وصلوا هنا ؟اخبرني من أبلغهم بمكان هذه الفيلا ؟
قال خالد وعينيه تمشطان المكان بمحاولة لحماية غياث وحماية نفسه
_ هناك خائن
تلفظه بتلك الجملة جعل ميرال ترتجف رعباّ ،وهي تتذكر نظراته المتشككة نحوها دائما ً
صوت الرصاص شغلهما عن وجهها الذي فقد لونه اثر سماعها لتصريح خالد .. عاد غياث يسحبها من يدها مسرعاً
حاولت التنصل من بين يديه لكنها فشلت فعادت تتوسله :
_ غياث اسمعني ارجوك … لن نستطيع الهرب منهم .. تسليمنا لأنفسنا سيساعدنا أكثر
صرخ بها هادراً
_ اصمتي وإلا قتلتك
رماها بالمقعد غير مهتم بصراخها و صعد السيارة مسرعاّ يقودها عبر الممر الذي يعرفه قائلاّ لخالد عبر الهاتف:
_ حاول أن لا تبقي أي أثر .. أجل ياخالد أعطي أوامرك لرجالنا بقتل الجميع ولا تبقي أحداً منهم

في اللحظة التي قررت بها ميرال ان تهجم عليه لإيقاف السيارة ومنعه من الهرب ، سمعت ذلك الصوت في المقعد الخلفي
_ ما هذا؟
همست بها وهي تنظر للخلف ، مما جعل غياث ينظر بإتجاه نظراتها ، ليشتم بقبح وهو يلاحظ ما تحتويه تلك السلة الصغيرة
_ توقف ياغياث
ترجته ويدها تحاول الوصول للسلة ، لكن غياث لم يفعل وإنما زاد السرعة ، يحمد الله أنه يعرف هذا الطريق جيداً يهمس من بين أسنانه بغضب :
_ الحقيرة كيف جلبتها معها للحفل ، كيف وضعتها بالسيارة دون أن ينتبه خالد الغبي لها ،بل كيف علمت أنني سأستقل هذه السيارة

عينا ميرال كانتا معلقتين بتلك السلة وماتحتويه ولم يعد يهمها كل ما يجري حولها
لتفاجأ بوقوف السيارة المفاجئ مما جعل الصغيرة تطلق صراخها
نزل غياث غير مهتم يتفقد إطار السيارة ، لاحظت السلاح الموضوع في درج السيارة الأمامي ، دون تردد امسكته بيدها وهي تلاحظ نظرات غياث نحو المقعد الخلفي
أسرعت تغادر السيارة ،تفتح الباب الخلفي تأخذ الصغيرة بين ذراعيها
قال غياث بأمر :
_ دعيها ياميرال
أشارت بنفي وهي تحتضنها قائلة
_ ستقتلها كما فعلت بوالدتها
تفاجأ بكلامها ، ولكن رنين هاتفه جعله يغمض عينيه يجيب خالد
_ اجل خالد
علا صراخه قائلاً
_ كيف ذلك ؟ اختفي ياخالد الآن ، وحين أصل لمكان آمن سأبلغك
ضربات قلبها كانت تصم أذنيها وهي تستمع لحديثه وهي تشاهد عينيه اللتين غامتا بحقد استطاعت تمييزه رغم قلة الاضاءة في المكان
قالت تحاول ان تفهم ماجرى
_ ماذا .. ماذا هنالك ؟
قال وهو ينظر لها بطريقة جعلت قدماها ترتجفان خوفا فزادت ضم الصغيرة لها علها تستمد من وجودها بعض القوة لمواجهة لقادم :
_ لا أعلم كيف علموا بما يجري ؟ كيف علموا بما كان يحضر له ؟ هناك خائن أخبرهم بالمكان وبكل مايجري رغم توخينا للحذر
حاولت أن تقنعه قائلة عله يريح قلبها ويستمع لصوت العقل هذه المرة
_ أخبرتك أن لامفر ، سلم نفسك وسيتم تخفيف الحكم عنك
صرخ بها هادرا
_ توقفيييييي… لا أريد أن أسمع لك صوتاً … أي تخفيف هذا ، هل تظنين انك تقرأين قصة ماقبل النوم أيتها الحمقاء ، ما ينتظرنا هو حبل المشنقة ولا شئ غيره
قالت تحاول أن تجد حلاً مقنعاً له :
_ كلا إن ساعدتهم بإلقاء القبض على تلك العصبة ، إن أدليت بكل ما تعرفه ، سيقومون بتخفيف الحكم ، سيتفهمون أنك كنت مجبراً للسير خلفهم في ذلك الطريق
لم يستمع لها وهو يمسك هاتفا آخر غير الذي يستخدمه عادة يجري اتصالاً مع شخص آخر غير خالد :
_ أريد سيارة بسرعة ، سأرسل لك الإحداثيات

ثم أغلق الهاتف بعد أن أرسل الإحداثيات وأعاد الهاتف لمكانه في سترته ، ثم نظر لها والصغيرة التي تحملها قائلا
_ دعيها هنا وهيا بنا
قالت ميرال بتصميم
_ لن اتحرك من هنا ، ولن أتركها كذلك ، أنا لن أذهب معك لأي مكان
قال وقد نفذ صبره منها :
_ ألم تكوني لتقتلي نفسك لأجل سفري خارج البلاد رفقتك ، هاقد أتت الفرصة إليك ، فما الذي استجد الآن ؟
أشارت بهز رأسها بنفي ودموعها قد أفلتت من عقالها :
_ كنت لأموت لأجل إنقاذك ، كنت لأموت لأجل أن أجعلك تتراجع عما تفعله ، ولكنك زدت اصراراً بغيك ،زدت غرقاّ في الظلام ، لذلك لن اسافر معك ، أنا أرضي هنا ولدت هنا وسأموت هنا .
للحظة لم يفهم ماقالت ، ولكن كلا إنه يفهم همس قائلا بهسيس :
_ هل كنت تخدعيني طوال هذا الوقت، ياإلهي كيف استطعت فعل ذلك؟ كيف لم أنتبه للأمر ؟كيف خدعت بهذه البساطة ؟
هتفت تحاول إفهامه ما أرادت فعله لأجله :
_ لم أخدعك ، حبي لك ما دفعني لفعل مافعلته ، أردت انقاذك من الهاوية التي ترمي نفسك بها .

استوحشت نظراته وهو يسمعها تبرر له مما جعله يسحب سلاحه يرفعه في وجهها قائلاً بغضب :
_ لطالما عرفت ان المشاعر ضعف، وأنا بسبب هذه المشاعر وثقت بك ، شقيقتك التي تحبك ياغياث لن تقوم بخيانتك مهما جرى
عادت تهتف بقهر الأيام التي عاشتها معذبة بسببه
_ لم اخنك … كنت أحاول إنقاذك فقط ، احاول تدمير من تسبب بوصولك لهذا الطريق ،من يستغلك
ضرب الارض بقدمه صارخا
_ غبية … رغم انك تكبرينني بأعوام إلا أنك غبية ، ساذجة بتفكيرك وانت تظنين أنك تنقذيني .. بينما في الواقع انت قدمتني لقمة سائغة لهم ياشقيقتي ، خطئي الوحيد ياميرال ، خطئي أنني وثقت بك وأنا الذي لم أثق بأي شخص سواك وأنت ببساطة قمت بخيانتي وبيعي لأعدائي
هزت رأسها تنفي التهمة عنها تهمس بضياع :
_ كلا لم أفعل … أردتك أن تعود لطريق الصواب .. أردتك أن تشعر بأهمية وطنك، ان تعلم معنى التضحية لأجله ولأجل من تحب ، أردتك أن تكون مثل البقية مستعدا للذود عنه بدمك، أن تستغل المنصب الذي منح لك لمساعدة الناس ودعمهم ،أن تكون بجانبهم .
اتعلم الليالي التي أمضيتها أبكي وأنا ابحث عن سبب يجعلك تفعل ما فعلت .. يجعلك تكون بهذه القسوة والانانية ..
اتعلم كم تعذبت وانا اقنع نفسي انني استطيع استعادتك .. ستعود غياث الشاب المندفع للحياة والمحب للجميع
_ دعي الطفلة أرضا
أمرها دون أن يهتم لسماع بقية كلامها وقد اسودت ملامحه بشر مطلق ، صوت الرصاصة التي استقرت قربها أرضا جعلتها تصرخ بذعر ،فعاد يأمرها قائلاً
_ قلت لك دعيها وإلا قتلتك وإياها
صوت بكاء الطفلة عاد يعلو ، نظرت ميرال نحوها ثم عادت تنظر له تشير بنفي
لكنه وجه سلاحه نحوها قائلا
_ لقد كنت سبب دماري ياميرال ، كل مبرراتك واسبابك لاتهمني ، وطنك هذا الذي تحبينه سأدفنك به قبل ان اغادر ، وأعدك أن كل من شارك معك بالأمر سأجعله يدفع الثمن أضعافا مضاعفة ، كل ما أرادوه من مداهمتهم للحفل هو بحوزتي ، اتظنين انني بهذا الغباء لأترك لهم الوليمة الدسمة ،غداً فقط سيعلمون ان كل بحثهم خلفي كان بلا فائدة ..
همست له بترجي :
_ غياث
نظر نحوها ثم قال
_ اتعلمين أمرا لن اقتلك ،بل سأجعلك تموتين كل يوم صدقيني ،سيكون الموت رحمة لك ياميرال
خطا بعيدا عنها يأخذ من السيارة حقيبة سوداء ثم أخرج هاتفه يجري إتصالا
_ أين تلك السيارة اللعينة … ما الذي تعنيه أن المنطقة محاصرة .. حسنا سأحاول الخروج وابلغك بمكاني مجددا .. اجل الوثائق بأمان وسيتم تسليمها حسب الاتفاق
استدار نحو شقيقته التي مازالت على جلستها تضم الصغيرة التي انهكت من البكاء فتحول بكاءها لشهقات متعبة
قالت ميرال تنظر نحوه برجاء
_ إنها فرصتك الاخيرة ياغياث .. عد لرشدك
لم ينصت لها وإنما سار مبتعدا عنها يحاول استخدام هاتفه في معرفة الطريق عادت تخاطبه بصوت أعلى
_سمعتك تخبرها أنك تبيع الفتيات ، أنك ستبيعها معهن ، سمعت حديثك مع خالد عن تجارة الأعضاء في ذلك المستشفى ، سمعت وسمعت الكثير ، لم فعلت ذلك ياغياث ما الداعي لكل ما تقوم به .. إن صفقوا لك اليوم لما تقدمه لهم ستكون ضحيتهم غداً
هدر بها معنفاً وقد استدار نحوها
_ كيف فعلت أنت هذا بي ، لآخر لحظة كانت يدي بيدك لتكوني معي في كل ماهو قادم من الايام لكنك بكل غباء ضربت يدي بعيدا عنك ولم تكتفي بل سلمتني لألد اعدائي ببساطة
عادت تقول غير مهتمة بغضبه بسلاحه الذي عاد يوجهه نحوها
_ عد لرشدك ياغياث .. سلم الأوراق التي بحوزتك … كن أخي غياث لهذه المرة فقط ، إن من تنوي مساعدتهم سيغدرون بك في أقرب فرصة تسنح لهم ...لا احد يثق بخائن لوطنه ياغياث
ضحك بصخب قائلا
_ تريدين أن أكون شقيقك ، فلم نسيتي أنت ذلك وغدرت بي بهذا الشكل
صوت قريب جعله يلتفت بعيدا عنها نحو الصوت وقد ظنها السيارة التي اتت لتقله
ولكنه لم يكد يخطو مبتعدا حتى فوجئ بذلك الشئ الذي اخترق جسده مما جعل الهاتف والحقيبة يسقطان من يده استدار نحوها بعينين متألمتين وجسده لم يعد يقوى على الوقوف فخر راكعاً على قدميه
كانت تنظر نحوه بثبات يديها تمسكان بالمسدس
دموعها تغطي وجهها وصدى أنفاسها يعلو كما وجيب قلبها
قالت بألم
_ طلبت منك ان تعود لرشدك لكنك رفضك .. ابلغتك أنني كنت مستعدة للتضحية بحياتي لأجلك لكنك لم تسمتع لي .. لا أحد يثق بخائن لوطنه ياغياث وانت خائن ياشقيقي
رصاصة أخرى انطلقت من المسدس لتستقر بصدره فيرتمي جسده أرضا وقد فارق الحياة
للحظات بقيت على وضعها لا تصدق ما ارتكبته يداها بحق الاخوة
بحقه هو
الآن اصبحت مثله قاتلة
لاتختلف عنه بشئ
نظرت للصغيرة التي وضعتها جانباً حملتها وضمتها إليها هامسة
_ ما الذي فعلته عمتك يا صغيرة ما الذي فعلته
سيارة اقتربت منهم هبط منها ثلاثة رجال ثم تبعهم آخرون بسيارة اخرى
فكما يبدو ان صوت الرصاصات دلهم للمكان
كانوا يشهرون أسلحتهم بإتجاهها بينما هي في عالم آخر تهمس للصغيرة وكأنها تهدهدها
_ ما الذي فعلته عمتك ياصغيرة
….
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نوفيلا قلبي كان القربان  Empty رد: نوفيلا قلبي كان القربان

مُساهمة  فاتن منصور في الثلاثاء فبراير 25, 2020 7:11 am


#الفصل_السابع
منتوري يامنتوري يامنتوري
جيتك وقلبي بأيدي أوفي نذوري
جيتك يا جرحي النازف
قلبي بارود
لو شوفك تضحك مرة
ان شاء الله ماعود
لزرعلك دربك زنبق خليط ورود
تغنيلك طير وعلي ياعصفوري
ياخبر الجاي عنك عصف بهالروح
والملح الساكن دمعي صحا الجروح
مافيي ابقا محلي ولا فيي روح
ولا فيي ضمك ضمة شم عطوري
……..
انتفضت وداد وهي تراقب يدي زينة المرتجفتين مشتتة بمشاعرها تجاه ميرال ومافعلته
وخائفة من أن يصيب زينة مكروه كما حصل سابقاً
وجهها كان شاحباً و عيناها بدتا وكأنهما تناظر خيالاً بعيداً
وكأن زوجها شعر بحالتها تلك ، ناداها من خارج الغرفة دون أن يقتحم خلوتهما
_ زينة أن حياة تود لقاء ضيفتك ، فهل تسمحين لها
كلمات سحرية لابد التي تلفظ بها زوجها وهي تراقب زينة قد تغيرت ملامحها تماماً عادت الابتسامة تزين وجهها وعيناها برقتا بالسعادة وهي تهمس لوداد بخجل :
_ إن صغيرتي فضولية تجاهك وطلبت مني اكثر من مرة لقاءك
قالت وداد محاولة نسيان ما كان من حديث قبل لحظات لتعطي مساحة لزينة لاستعادة قوتها وإكمال الحكاية :
_ احب كذلك التعرف عليها
استقامت زينة من مكانها منادية
_ تعالي ياحياة اعلم انك تقفين قرب الباب
نظرت وداد نحو الباب الذي دخلت منه الصغيرة بخطوات خجولة لكنها سرعان ما تحولت راكضة وهي تشاهد نظرات أمها المحبة
استقبلتها زينة في أحضانها تقبلها بحب ثم عادت تحدثها
_ لقد وافقت السيدة وداد على لقاءك
قالت حياة وكأنها تدلي بسر خطير
_ هل اخبرتها انني احببت عملها واريدها ان تجري مقابلة صحفية معي
ضحكت وداد لبراءة الصغيرة فبررت زينة كلام الصغيرة قائلة
_ احدثها عنك كل يوم منذ قدمت لمنزلنا أول مرة ،إنها فضولية تجاه الآخرين واجتماعية بشكل كبير
وحين علمت عن عملك طلبت مني ان اخبرك برغبتها تلك
قالت وداد وهي تمد يدها للصغيرة
_ تعالي و سوف أجري معك أعظم مقابلة صحفية
…….

كم مضى عليها في هذه الزنزانة الانفرادية لاتعلم .. مازالت على حالها تضم ركبتيها لصدرها تهز جسدها برتابة نحو الأمام والخلف وعيناها شاخصتان بالفراغ
لم يحقق معها أي شخص حتى الآن … لاتعلم من احتجزها ولماذا .. لقد أخذوا منها الصغيرة بالقوة ثم رموها بسيارة غريبة ، فقدت الوعي بعدها نتيجة انخفاض ضغطها ، لتجد نفسها حين استيقاظها في هذه الزنزانة
عقلها فارغ … تشعر بنفسها وكأنها شبح لاينبض بالحياة
لا تكاد تشعر بجسدها حتى
وكأنها قابعة وسط الفراغ
لاتجد فيه أي متكأ تستند عليه
فتأخذ فيه نفساً واحداً تستريح به
شعور بالخواء فقط
وكم هو مؤلم من شعور
صوت القفل الحديدي لم يصل لمسامعها ولا صوت من يخاطبها
تم سحب جسدها بالقوة .. أصوات متداخلة تمر عليها لكنها على حالها لاتجيب ، يتحرك جسدها بذات الرتابة
صفعة واثنتان وثلاث
جعلتا جسدها يفقد قدرته على التحمل لتسقط أرضا غائبة عن الوعي مجدداً
لكن غيابها لم يدم طويلاً ودلو من الماء يعيد الوعي لها رغماً عنها
هذه المرة استطاعت تبيان ملامح ذلك الجبل الواقف أمامها رأسها عند قدميه
انخفض بجذعه نحوها يمسك شعرها من فوق الوشاح يشده بقسوة قائلا
_ لن ينقذك مني أي شئ حتى الموت نفسه … ستعترفين بكل الجرائم التي كنتم تقومون بها وتعترفين بكل ما خططتم للقيام به
نظرت له بتيه لاتفهم ما الذي يقوله ، ابتعد عنها أمراً السجانة بإعادتها لزنزانتها
وقفت رغما عنها تسير مع السجانة التي دفعتها لترتمي أرضا داخل الزنزانة التي لا تحوي فراشاً حتى ، حاولت الحديث لكن صوتها خانها
عادت تجلس مكانها تسند رأسها الى الحائط وقد بدأت تعي أين هي وما الذي حدث قبل أن تفقد وعيها
…..
(ميرال لقد اشتقت لك كثيرا ..كان صوت لجين يصلها واضحاً وهي تراقب جسده المبتعد وسط الظلام .... صرخت تناديه .. لجين لاتبتعد عني أرجوك .. لجين لا تبتعد )
استيقظت من كابوسها تلهث بعنف ، تنظر حولها لتجد نفسها مازالت في ذات الزنزانة
ضوء الشمس المتسلل عبر نافذة موجودة قرب السقف أبلغها أن ضوء النهار قد سطع بالخارج
كم مر من الأيام لاتعلم
لم يقابلها المحقق بعد تلك المرة
فقط يحضرون لها ما تسد به رمقها من طعام وشراب
ولولا مخافتها من الله بأنها قتلت نفسها جوعاً
لما تناولت أي طعام أو شراب لعدم رغبتها به

نظرت والدموع تغشي عينيها لخاتم الزواج في يدها
تلمسته بحزن تتذكر زوجها
وكأن عقلها منفصل عن الحاضر
وكأنها في زمن آخر
وفي مكان آخر
ذكريات قديمة اندفعت في أروقة عقلها
(( همست بإنكسار أصاب قلبها وروحها :
_ لجين لقد قمت بالفحوصات عند زميلة لي .. لقد ابلغتني أن .. أن رحمي به مشكلة ، وأنني لن استطيع الإنجاب … لجين
ضمها لجين إليه يخفي دموعه عنها ، يضمها بقوة لصدره سامحاً لها بالبكاء ، دموعها بللت قميصه يشعر بنيران تكوي قلبه ، بسبب ماتشعر به هي من ألم ربت على ظهرها هامساّ :
_ لم فعلت ذلك .. ماكان عليك خوض تلك التجربة المريرة لوحدك ياميرال ..ماكان عليك خوضها من الأساس .. لم لم تخبريني بالأمر
رفع رأسها الغارق بالدموع إليه ، يهمس بعيون صادقة
_ انت منحة الله لي في هذه الحياة ، وانا اكتفيت بما وهبني إياه الله ، لذلك إنس هذا الأمر نهائيا هل فهمت .
قالت محاولة الاعتراض
_لكن من حقك أن يكون لديك طفل
عاد يمسح دموعها بإبهامه ، يهمس أمام وجهها
_ انت طفلتي وحبيبتي وكل شئ بالنسبة لي لذلك لااريد احدا سواك
اجل اكتفى بها سنوات لم يحاول أن يزعجها بكلمة واحدة بخصوص موضوع الإنجاب ، بل عاشا حياتهما بكل سعادة
في كل مناسبة يتجه بها لدار الأيتام محملاً بالهدايا يخبرها أن بإمكانها أن تعتبر كل هؤلاء الأطفال أطفالها
فلتحاول ان تكون معهم في كل فرصة تسنح لها تقدم الحب والحنان الذي يحتاجونه وبذلك تكسب أجراً عظيما ))ً
عادت من ذكرياتها على صوت قفل الزنزانة يفتح لتطل من خلفه سجانتها التي رمقتها بكره قائلة
_ هيا
استقامت ميرال واقفة بصمت تسير أمامها رغم الألم المنتشر في جسدها ،ورغم تعبها الناتج عن عدم تناولها للطعام و الذي يجعل سيرها عملية صعبة للغاية
كم أرادت أن تسألها عن الفترة التي مضت منذ دخولها لهذا السجن، لكنها تراجعت في آخر لحظة
كان المحقق بانتظارها في مكتبه
ذات النظرات
ذات القسوة
وذات الكره
دفعتها السجانة للداخل ثم اغلقت الباب خلفها قال المحقق بصوت قاس أمراً إياها :
_ اجلسي
فعلت ما أمرها به فرما لها ألبوم صور قائلا
_ أريدك أن تتعرفي على كل شخص في هذا الألبوم
لابد أن صديقك عرفك على بعضهم قبلاً
لم تفهم كلامه وما الذي يعنيه لكن صراخه اجفلها وهو يأمرها ان تنظر للصور
مع كل صورة كانت تهز رأسها بنفي حتى انتبهت لصورة الفتاة التي شاهدتها بالحفل قالت هامسة
_ لقد رأيتها في تلك الحفلة .. لكن للحظات فقط واختفت بعدها
قال بغضب
_ لقد وجدوها مقتولة مع مجموعة من الفتيات اللواتي كان يخطط لبيعهن تلك الليلة .. اتعلمين ما نوع الحفلات التي يتم بيعهن بها
هل تنكر انها تعرف .. لطالما سمعت عن هذه الحفلات والأشياء التي تحدث بها
لقد سمعت غياث وهو يأمر بإضافتها للقائمة
لكن كل ذلك يصلها ضبابياً ، مشوشاً، فلا تستطيع التمييز
حين طال صمتها هدر بها غاضباً
_ هل أكل القط لسانك ..
همست ببكاء حقيقي ،فالتشتت جعل قدرتها على الإجابة شبه معدومة :
_ لا أعلم شيئاّ ،صدقني لا أعلم شيئاً.. أرجوك دعني احدث سالم هو سيخبرك بكل شئ
قال بغضب وهو يقوم عن مقعده متوجهاّ نحوها
_ من سالم هذا ؟ اتظنين نفسك في الفندق لتطلبي أن تقومي باتصالاتك
ارتد وجهها للخلف إثر صفعة قوية تلقتها منه تحمل غضباّ قويا ً
أحست بسواد يعمي أنظارها بينما تسمع صراخه وهو ينادي السجانة ، فظنت انها ارتاحت منه وستعود لزنزانتها ، لكن أمره جاء مخالفاً لتوقعاتها
بعد مضي وقت طويل تم رميها في الزنزانة وقد نالت من الضرب الكثير … لقد تم تعذيبها لتعترف بأسماء الاشخاص الذين تمكنوا من الفرار لكن بما تعترف وهي لاتعرف أحدا
بقيت مكانها لم تستطع ان تحرك جسدها حتى فأغمضت عينيها تغرق نفسها بالأحلام والذكريات علها تستطيع المقاومة أكثر ،ريثما يحضر هو لمساعدتها
……

_ سالم انا ميرال اود لقاءك لأمر ضروري … لا أنا لا أذهب إلى المستشفى هذه الايام … هناك أمر ضروري . اسمعني يوجد متجر يدعى …. قرب منزلي، التقيك به بعد نصف ساعة ، حسنا الى اللقاء
اغلقت الهاتف تعيد السماعة لمكانها وهي ترى عودة الرجل الذي أذن لها باستعمال الهاتف ، انقدته أجرة المكالمة وثمن المشتريات القليلة التي أخذتها ثم غادرت نحو المتجر الواقع على بعد مئة متر من هذا
كان بحجم اكبر وصالات كثيرة للبيع وضعت اغراضها عند الرجل قرب البوابة ثم دخلت تستكمل شراء حاجياتها لم تنتظر كثيرا وهي تشاهد سالم قادما نحوها
وقفت معه في ركن منزو نسبيا تخبره باختصار عن مخاوفها
_ اظن انهم يراقبونني .. ربما يقومون بإيذاء لجين في أي لحظة
قال سالم بخبرة ضابط تحقيق عمل لسنوات طويلة في مجال كشف الجرائم وملابساتها وخاصة الجرائم التي تتعلق بالأمن الوطني
_ أولا دعيني أفهم منك من تقصدين ،ثانيا عليك التحلي بالهدوء
قالت بخوف لم تستطع ابداّ إنكار وجوده
_ هناك سيارة تراقبني .. أظن غياث متورطاّ بالأمر ،لا أفهم كيف تم توريطه ،لا أفهم شيئاّ
قال بهدوء يناسب شخصيته وعمله
_ أولاً اهدأي ياسيدة ميرال ،توترك هذا لن يفيدنا بأي شئ ، أنا سأحاول معرفة من يراقبك ،وما علاقة غياث بالأمر وسأخبرك بكل ما اتوصل اليه .. أهم شئ الا يعلم احد بتواصلك معي ولا حتى سلافة نفسها
اومأت له بالإيجاب ،ثم راقبته وهو يغادر تاركاً إياها غارقة في حيرتها وأوهامها أكثر
بعد عدة أيام ، طرقت امرأة الباب عليها تطلب منها ان تعطي صغيرها حقنة ، مخبرة إياها أنها جارتها التي تقيم في الطابق العلوي ، وقد انتقلت حديثا للشقة
اتجهت معها للمنزل لتفاجأ بوجود سالم هناك
بعد أن ألقت التحية عليه جلست قبالته تنظر له وللسيدة بإستفهام فقال لها مجيباً تساؤلاتها غير المنطوقة :
_ إن هذه الشقة لهند
وأشار نحو السيدة ثم أكمل :
_ إنها مساعدتي ، وقد استأجرنا الشقة خصيصاً لها لتكون قريبة منك، في حال احتجت لأي مساعدة
قالت وقد زاد كلامه استغرابها
_ لم أفهم ،فيما قد احتاجها
قال سالم شارحا ً
_ للضرورة فقط ياسيدة ميرال ، ثم أنا اردت مقابلتك هنا لان من الخطر لقاؤك في أي مكان آخر، فقد تأكدت انك مراقبة على مدار الوقت
نظرت له بخوف فقال محاولا طمأنتها
_ لاتقلقي إن كانت شكوكنا بمكانها فإن الذي يراقبك هو شقيقك غياث
نظرت له بتساؤل وقد عادت ظنونها حول شقيقها تتأكد أكثر
_ لم يفعل ذلك ؟ ما الفائدة التي سيجنيها من مراقبتي، ثم هو في آخر لقاء لي به وجه اتهامات قاسية ومرعبة نحو لجين
قال محاولا ربط الخيوط ببعضها
_ يبدو أنه تم ايهام غياث بان لجين يمتلك وثائق مهمة مما جعل غياث يركز كل مجهوداته على الإيقاع بلجين تاركا المجال لمن يمتلك الوثائق الحقيقية بالتحرك بحرية أكبر هل فهمت
قالت بنبرة غاضبة :
_أي متاهة هذه التي يرموننا بها ، كخيوط متشابكة من الصوف لاتعلم لها بداية من نهاية
تنهد سالم وهو يوافقها رأيها :
_ لديك كل الحق ، إنها لعبة الحياة في هذا الزمن ، كل مجموعة تخطط ضد الأخرى ،بل داخل المجموعة نفسها تجدي من يحيك المؤامرات ضد الأخر طامعاّ بنفوذ أكبر ،بمكاسب أكثر ، ووراء كل مجموعة أفراد آخرون يحركونهم مثل بيادق الشطرنج ، وهم ينفذون دون أدنى تفكير ،وغياث فرد من هذه المجموعات ياسيدتي
أخذت تفكر بصوت مسموع:
_ لقد وضع كاميرا مراقبة أو أداة تسجيل في المنزل،لا أعلم بالضبط ، لقد علم عن أحاديث دارت بيني وبين لجين فقط ،لكني لااعلم اين ابحث عنها ..
قال سالم بهدوء وقد استشعر كمية الخطر المحيطة بميرال وزوجها وهو الذي علم من خلال بحثه في الأيام الماضية و بمساعدة رئيسه بالعمل التساؤلات التي تدور حول غياث وأن هناك شكوكا بتورطه في الكثير من الأعمال المضرة والمخربة رغم عدم وجود أي دليل
وفي ظل تلقيه دعماً من اشخاص يتسلمون مناصب مرموقة يظل أمر اكتشاف أعماله الخطرة مستحيلا

لذلك قرر سالم مساعدة ميرال ومحاولة كشف مخططات غياث.الدنيئة لكن في داخله يقبع تساؤل
(هل ستوافق ميرال على مساعدته )
وهو الذي يعلم تعلقها بشقيقها ، لذلك وجه لها الحديث دون مواربة :
_ سيدة ميرال اتمنى ان تكوني معنا وتساعدينا في كشف خيوط هذه المؤامرة والكشف على هذه العصبة
نظرت نحوه غير قادرة على الإجابة فهو يطلب منها أن تسلمه شقيقها ، أن تقدمه لهم بكل سهولة
فهم أين اتجهت أفكارها فقال
_ أعلم أين قادتك أفكارك ، لكن فكري جيداً بالخطر الكامن وراء بقاءهم أحرار، إنهم كالسم داخل العسل ، يظهرون أنهم طيبون خيرون تهمهم مصالح الناس ، يفرطون بتقديم الدعم لهم،
ولكن بالخفاء يتحولون لوحوش كاسرة يقتلون يدمرون دون اي حساب، يخطفون ويتاجرون بالأعضاء ، يتاجرون بأي شيء يمكنك تخيله
همست بعدم تصديق
_ غياث لايمكن أن يكون منهم .. لابد أنهم يستغلونه بطريقة ما ،لم يكن يوماً من محبي الأذية ، صدقني
نظر لها بأسى فمن الطبيعي ألا تصدق مايفعله شقيقها ولكن عليه أن يقنعها بمساعدته ،لذلك قال بهدوء :
_ اسمعيني جيدا ياسيدة ميرال، أنا أعلم أن الأمر صعب عليك، لكن أعدك أن أحاول مساعدة شقيقك لو ثبت عدم تورطه ، إن هذه العصبة خطرة وأنت ستؤدي خدمة كبيرة لكل من تضرر بسببهم في حال ساعدتنا بإلقاء القبض عليهم
نظرت له بعيون حزينة، وتكاد تكون كسيرة، قائلة
_ غياث لايمكن أن يكون مؤذياً كما تتصور يا سالم ، أنت لا تعلم كيف كان منذ سنوات ، أنت
صمتت ولم تكمل حديثها ، ألم غريب انتشر بصدرها فمدت كف يدها تمسد عليه، وصور متلاحقة لغياث تتدافع في مخيلتها ،كيف كان وكيف أصبح
أعطاها سالم وهند المساحة الكافية للصمت ، فكلاهما أحس بذلك الشعور الذي يساورها
رفعت نظرها لسالم بعد بعض الوقت ،وقد تغيرت نظراتها للتصميم والقوة، قائلة :
_ إن كل ماتقوله ،وكل مايقوله لجين صحيح حول غياث ، فأنا سأنقذه من هذا الوحل الذي جرف نفسه إليه ، سأساعدك يا سالم لأساعده هو على العودة
ثم عادت نظراتها تتحول للخوف وصوتها أظهر الصراع الفظيع الذي تعيشه داخلها :
_ لكن لجين ، لقد قال أنه يشك به ، فما الذي علي فعله ، أخاف أن يسبقني بخطوة فيؤذيه، إنه يؤمن أن لجين يشكل خطراً كبيراً عليه.
استقام سالم واقفاً وهو يقول مظهراً الحقائق كما هي :
_ لقد بات لجين في خطر حقيقي ، الآن كل الشكوك باتت حوله ،ويجب أن نجد طريقة لحمايته
صمت مفكراً بعض الشئ ثم أخرج من جيبه هاتفاً صغيراً قدمه لها وهو يقول :
_ كي نضمن عدم معرفته بخطتنا ، هذا الهاتف أبقيه معك وتواصلي معي من خلاله ، اطلعيني بكل جديد وسوف نتصرف وفقاً لما يجري .
….
كانت وداد تستمع بإنشداه لمحدثتها .. تستمع بإنصات لكل كلمة تقولها
بينما زينة كانت تسرد لها ماحدث وهي تعتصر بين يديها طرف شالها الصوفي الذي تضعه فوق كتفيها درءاً للبرد
عيناها مثبتتان على اصيص من الزهور البيضاء

لقد أصرت اليوم أن تجلسا معا في الحديقة مستغلة الشمس التي ظهرت بعد عدة أيام ماطرة
الحديقة التي زرعها زوجها واهتم بها ، تشعر بالسعادة هنا بشكل كبير
تشعر براحة غريبة تتسرب عبر مسامات جسدها
حانت منها نظرة إلى الحائط الزجاجي الذي يفصل الصالة عن الحديقة
فلمحت طيفه واقفاّ هناك ينظر لها ثم يحدثها بإشارة من يده نحو قلبه ثم نحوها
ابتسمت فلمحت وداد ابتسامتها ومن نظرة عينيها التي باتت تميزها علمت أنها تناظر زوجها
اسبلت عيناها بإحراج وابتسامة تزين ثغرها تشعر حين تلمح نظرات زينة أنها أمام فتاة تزوجت حديثاً ممن تحب
ما أجمل هذا الحب الذي يجمع بينهما
أتاها صوت زينة الخجل :
_ كلما أراد أن يشعرني بدعمه يعطيني إشارة من يده بأنني اسكن قلبه، فيعود قلبي لينبض ذلك النبض الذي أصابه في أول لقاء لنا
اومأت وداد بتفهم وهي تخبرها
_ الحب والدعم هم أكثر ما يحتاجه المرء بعد مروره بأزمة ما … الكثيرات ممن التقيتهم كان الحب اكبر داعم لهن ليكملن حياتهن … ليقررن ان الحياة تستحق أن يعشنها بسعادة … الكثيرات كان دعم الأهل لهن دافعا لنفض غبار الأيام التي قضينها بالسجن والسير نحو غد مشرق مميز
قالت زينة بتأكيد :
_ أجل الحب والدعم والأمان والإحتواء هو ما يجعلنا نقاوم كل الظلام في طريقنا نحو النور
…….
ضربت ميرال رأسها بالحائط عدة مرات وهي تصرخ بألم
_ للمرة المئة أخبرك أنا لست شريكة لهم … لا أعلم شيئا عما كان يحدث هناك ، اقسمت لك مئة مرة أني لا أعلم ما الذي كان يخطط له
بنظرات قاسية كان يحدجها .. كيف يثق بما تقوله وهو وجدها هاربة مع أكثر رجل خطورة .. كيف يثق بها وهو وجدها قد قتلته بدم بارد .. الهوية التي بحوزتها اتضح أنها مزورة

تهذي بأن اسمها ميرال ، لكن حين طلب معلومات سرية عن الإسم تبين أن حاملة الإسم قد توفت رفقة زوجها من فترة
إنها كاذبة مخادعة …
إنها مثل غياث العالم خائنة والخائن يجب معاقبته
هل ينسى ألمه حين اختطفت شقيقته ووجدوها مقتولة وقد تم إزالة أعضائها
هل ينسى صرخات الامهات اللاتي فقدن فلذات اكبادهن ويصدق هذيان هذه المرأة
هل ينسى وينسى كل ماتسببت به هذه العصبة
انتفض بعنف نحو الباب يطلب من السجانة إعادتها للزنزانة الافرادية قبل أن يجهز عليها من فرط غضبه
لو كان الامر بيده لكان قتلها فوراً، لكن يجب قبلها أن يجعلها تنطق بكل ماتعرفه وتخفيه
سحبتها السجانة وهي لاتقوى على الحراك
لقد ظنت أن سالم سيجدها لكن لابد أن هناك خطأ حتى تركت هنا
تتعرض لكل هذه الإهانة وهذا التعذيب
عند وصولها للباب قالت بكلمات بالكاد تخرج من فمها
_ ارجوك يا سيدي ، سالم الشاهري ،اتصل به ، إنه يعرف كل الحكاية
قبل أن تكمل سحبتها السجانة خارجاّ بعنف ، بينما هو قطب حاجبيه بتساؤل
_سالم الشاهري من أين تعرفه …
يذكر أن سالم اتصل به يطلب معلومات عن اي امرأة تم إلقاء القبض عليها بعد العملية الاخيرة لكن لم يعلم لم أنكر وجودها و رفض اطلاعه عنها
أراد أن يحقق معها بنفسه
ان يذيقها ويلات العذاب كرمى لعيون ذاقت بسببهم الكثير
أعطى أوامر صارمة أن يتم إخفاء وجودها هنا
لايعلم إن علم سالم بوجودها محتجزة هنا كيف سيبرر له اخفاءه لها …
نفى برأسه قائلا بصوت خفيض
_ لابد انها كاذبة … لكن أنا أكثر من يعرف سالم لن يرحمها إن إستخدمت اسمه لتنجو بنفسها
تردد وهو يمسك هاتفه يبحث عن اسم سالم
لو كانت صادقة سيخبره أنه تلقى أوامر بسرية هذه المهمة وعدم إعطاء أي معلومات عنها
ولو كانت كاذبة سيعلم كيف ينتقم منها
….
كانت ممددة على الارض الباردة جسدها يئن ألما
حاولت أن تغير وضعية تمددها لكنها أصدرت تأوها عالياً بفعل الألم الذي تضج به أطرافها
اغمضت عيناها تناجي الله ان يزيل هذه الغمة عنها ويساعدها لتصمد حتى يجدها سالم ويخرجها من هذا السجن
عادت الذكريات تهاجمها ، فاستسلمت لها علّها تنسى ألمها ، وهذا المكان البارد الذي رميت به
….
عادت من لقاءها مع غياث وعقلها يكاد ينفجر من كثرة تزاحم الأفكار
لا يفهم انها ستسعى لتبعده عن هذه الأعمال التي يقوم بها ، ستحاول أن تعيد له رشده وتبعده عن هذه الجرائم التي يرتكبها
لكن هل ستسطيع
أحيانا تشعر بأنها تحارب طواحين الهواء بعيدان من خشب
عرجت على مطعم للوجبات السريعة ثم تعللت بدخول الحمام لتتمكن من الإتصال بسالم تطلب لقاءه
وفعلا بذات اليوم ابلغته بكل ماحصل في لقاءها مع غياث و خوفها الكبير مما طلبه منها
انه يريدها جاسوسة في منزل زوجها ، يريد منها أن تساعده لأخذ الوثائق
تخاف منه صدقاً باتت تخاف منه
طلب منها سالم ان تتحلى بالصبر وأن تكون أكثر قوة فالقادم هو أكثر صعوبة

في اليوم التالي التقته في المستشفى أعطاها ذلك الظرف وغادر دون أي شرح ،فقط طلب منها أن تطلع على مابداخله ، وحين عادت لمنزلها تفقدته
وثائق تدين شقيقها
تثبت لها أي مجرم هو
لابد أن سالم خاف منها تراجعاً عن موقفها فقرر أن يعطيها إثباتات على تورط شقيقها
(مادامت هذه الوثائق بحوزتهم، لما يتركونه حرا طليقا ، لم لا يودعونه السجن )
أسئلة طرحتها عليه حين التقته في منزل زميلته
قال سالم ناظراً لزميلته التي كانت تناظر ميرال بشفقة من الوضع الذي وجدت نفسها به ثم لها
_ كما يوجد أشخاص يريدون اثبات التهمة عليه يوجد أشخاص أكثر يحاولون ابعاد التهمة عنه لأنهم طرف معه ،أنا ادرك كل ما تعاني منه من تشتت وضياع ياسيدة ميرال،. ولكن ارجوكي ان تتفهمي اهمية ما انتي مقدمة عليه .. انت سوف تساعدينا بشكل كبير لنصل لكل الاسماء التي يتعامل معها غياث وجودك معه سيجعله أكثر راحة بالتعامل معك وستسطيعين ابلاغنا بكل ما نود معرفته
اومأت له بأجل بعقل مغيب ثم غادرت نحو منزلها
تمر أيامها بروتين غريب حتى أتتها فاجعة موت سلمى
_ سلمى … سلمى
همست بها وهي تئن تحت تأثير الحمى التي أصابتها أثناء اغفائتها …
ليتم نقلها بعدها الى مستشفى السجن، جراء إصابتها بهذه الحمى الشديدة والتي جعلتها تفقد الوعي وتدخل بغيبوبة
….
تشعر أنها داخل كابوس ستستيقظ منه على لمسات لجين الحانية على صوته المرتل للآيات القرآنية قرب رأسها لتهدأ وتنسى الكابوس المرير
لكن موت سلمى كان حقيقة .. حقيقة بشعة كسرت قلبها
جعلها تتلبس حالة غريبة من الجمود وعدم الاهتمام بأي شئ
جعل هوة الفراغ بروحها تزداد حتى كادت تصيبها بالجنون
وجود لجين كان مهماّ لها ليجعل المصاب أقل وطأة عليها
لكنه اضطر للسفر
كم ودت أن تخبره بحاجتها لوجوده الدائم ،كم ودت أن تترجاه ليبقى ،ولكنها كبحت كل ما تمنت بداخلها

حين جاء شقيقها لزيارتها بعد موت سلمى بحجة الاطمئنان عليها ، شعرت أن غياث القديم قد عاد ، ولكن لاتعلم إن كان لحسن حظ لجين ام لسوء حظها أن سمعت تلك المكالمة التي وردته وهي تعد القهوة لهما
حديثه عن صفقة كبيرة ستتم قريبا .. عن قرب تخلصه من كابوسه
هو يقصد زوجها هي متأكدة من الأمر
حديثه هذا أعادها من من نعيها لصديقتها نحو حقيقة تحمل طعم الحنظل المر
وهو الخطر المتمثل بشقيقها والخطر الذي سيصيب زوجها بسببه
بل سيصيب الكثيرين من الابرياء
حديثه جعلها تعود لواقعها المرير بأن غياث لن يعود كما كان مهما حاولت
وخطره يزداد يوماّ بعد يوم
هل تظن ان غياث سيترك لجين حياّ إن سلمته الوثائق التي يريد ، كلا لن يفعل وإنما سيتخلص منه وربما منها رفقته
هل تظن انها ان ترجته ألا يؤذي الأبرياء سينصت لها، كلا انه لن يفعل بل سيزيد في غيه وحقده

…..

أيامها تمر وهي تخطط لكل ما يجب عليها القيام به
عاد لجين وعاد الخطر يحيط به بشكل أكبر
في قلبها تتمزق خوفا عليه وتظهر له عدم اهتمامها به وبوجوده
وهو رغم معاملتها تلك يتفهم حالتها
يعطيها العذر
ممزقة هي ترغب بأن تمد يدها اليه ترجوه أن يحتضنها أن يأخذها بعيدا عن كل هذا
لكنها تعود لتبقي يدها رغما عنها جوار جسدها تمنعها من لمسه

قبل يوم من بداية مهمتها

اتصلت بسالم تطلب رؤيته لأمر ضروري ، لجين خارج المنزل وهي يجب أن تجهز لكل شئ قبل عودته
اخبرت سالم وهي تدور في الصالة تفرك يديها بتوتر ، توتر نابع من خوفها من القادم والذي لا يبشر بخير أبدا ً
_ سيأتي شخص مهم لرؤية لجين .. لقد سمعته يتحدث معه .. لابد أن غياث يعلم بالأمر، لقد أخبرته أنني سأساعده ، لكني أخاف منه غدراً
نظرت نحو سالم بتوسل فقال لها بتفكير
_ اظن انه سيعلم بالامر .. سنحاول ان نحميكما لا تقلقي
هزت رأسها بنفي وهي تقول
_ لن أستطيع أن أجعله يؤذي لجين ، أنا لاأثق بأحد ، قد يبيع أي أحد ضميره بحفنة نقود، فيتم قتل لجين
ارتمت على المقعد هامسة وعيناها تتحركان بقلق
_ لم أنم وأنا أفكر بطريقة لحماية لجين منه وممن هم خلفه .. مهما حدث لن يتركوه وشأنه
وضعت رأسها بين كفيها كأنها تعصره توقف تلك الدوامة التي تدور به
لترفعه فجأة ناظرة لسالم بعيون تحمل العزم والإصرار قائلة
_ لقد وجدت الحل لكن عليك مساعدتي لن استطيع فعلها بمفردي
نظر لها محاولا فهم ما تريده، لتكمل هي كلامها
_ لجين يجب أن يموت اليوم ويختفي نهائيا

صعق سالم من جملتها تلك منتفضا من مكانه بغضب هل ماسمعه منها صحيح ام انها تهذي
لكن نظرتها تؤكد له أنها لا تمزح ابدا وانما هي جادة بكل كلمة قالتها

اصوات متداخلة تحاول اعادتها من تلك الهوة العميقة التي تقبع بداخلها
تشعر بذكرياتها تدور حولها كصور متلاحقة
لكن صوته القريب الهامس لها بآيات قرآنية كان دائم الترديد لها حين تكون مريضة كانت تصلها فتمسح على روحها لتهدأها
همست تحاول أن تترك مكانها المظلم متجهة لمصدر الصوت
_ لجين
لكن عبثا عادت الذكريات تهاجمها بضراوة أكبر تسحبها مجددا نحوها
…..
قال سالم محاولا ان يفهم منها مالذي تعنيه
_سيدة ميرال ماهذا الذي تقولينه .. اراك متلهفة لحمايته ثم تقولين انه يجب ان يموت … لا اصدق ما اسمعه منك
دون أن يرف لها جفن اجابت على حيرته قائلة
_ لأجل حمايته يجب ان يموت
عاد يجلس ناظرا لها بسخرية وهو يقول
_ هل نحن بصدد حل لغز هنا ياسيدة ميرال يبدو انك متعبة ولا تعرفين خطورة ما تقولينه
لم تهتم للسخرية البادية في صوته وانما اكملت قائلة
_ ارجوك اسمعني فانا لن استطيع القيام بالامر دون مساعدتك
اتسعت عيناه بصدمة وهو يستمع لما تقول
_ انا سأوهم غياث ان لجين مات بذلك اضمن انه لن يسبقني بخطوة ويقتله ليتخلص منه ، ويجعلني هذا معه في نفس المكان فأنا بعد قتلي للجين يجب أن أهرب إليه
اغمض عينيه محاولا ان يفهم كلامها مشيرا لها وهو يهمس
_ اعيدي ماتقولينه ياسيدتي
أعادت ماقالت مكملة مخططها
_ الرجل سيحضر غداً ، وغياث يعلم أنني سأحضر الوثائق له، ماذا لو كان يخدعني وقتل لجين ، لذلك سوف أوهمه أن لجين مات .. طوال الليل افكر بهذا الامر ولم أجد سواها طريقة
قال وهو ينظر لكفي يده المتشابكين يحاول أن يرسم خطة لتحقيق ماتريده .. إنها محقة بشأن مخاوفها لكن كيف سيقنعون غياث بان لجين مات
قال جملته الاخيرة بصوت مسموع فأجابت على تساؤله
_أريد حقنة خاصة توقف عمل القلب لخمس دقائق فقط بعدها يجب ان يتم اجراء تنشيط لعمل القلب بسرعة وإلا فقدنا الشخص ، انت ستحضر الحقنة وسأعطيك إشارة لحظة حقني للجين، وبعدها يجب ان يكون هناك مسعف حاضر لإجراء اللازم له
مسح سالم بكفيه على وجهه الذي تصبب عرقا من مجرد تخيل ما يمكن أن يحدث لو تأخروا بإسعاف الرجل
قال محاولاً ان يفهم اكثر
_ ماذا لو أخطأنا.. ماذا لو تأخرنا … لايجب ان نخاطر هذه المخاطرة ابدا
قالت هامسة بخوف أكبر من الذي يشعر به هو
_ ماذا لو كان غياث متواجدا وتحقق من موته .. كان بإمكاني اعطائه حقنة مخدرة لكن تحسباً يجب أن اجعلهم يطمئنون انه مات فعلا ، أنت يجب أن تكون موجودا بعد خروجي لتحمله وتغادر به .. لكن التسجيلات التي تتم كيف سنوقفها قبل دخولك
همس لها مذهولا من جرأتها ومن قدرتها على التخطيط
_ هذا سهل يوجد اجهزة كثيرة تشوش عملها ساستعين بها
وقفت على قدميها قائلة
_ اذن اتفقنا …
اوقفها قائلا
_ كل الشكوك ستدور حولك .. يجب ان تكوني بعيدة عن اي تهمة توجه ضدك
نظرت له بتشوش فهي لم تفكر بنفسها أبدا بينما كانت تخطط للأمر
قال لها وقد فهم مايجول داخل رأسها من أفكار :
_إان كان لجين سيموت بنظر الجميع فيجب أن تموتي معه أمام الجميع عدا غياث
ناظرته بعدم فهم فنظر نحو مساعدته ثم نحوها قائلا بتركيز :
_ غياث يراقبك وسيراقب كل تحركاتك، لكن مساعدتي لايعرفها ستدخل على أنها إمرأة قدمت لمساعدتك بالتنظيف ، لكن لسوء حظها احترقت ايضا عند محاولتها مساعدة زوجك
_ حريق
قالتها بعقل غائب فاكمل هو
_ أجل .. اسمعيني يا سيدتي أعلم أن الامر صعب لكن الأمر يستحق هذه التضحية منك ، الحريق سوف يلهيهم عن أي أمر آخر يخص لجين
دون ان تناقشه استقامت واقفة متجهة نحو الباب وهي تقول:
_ بعد ساعة ارسل المطلوب مع مساعدتك وكن جاهزاً عند مساء الغد بعربة الإسعاف
وخرجت دون ان تضيف كلمة أخرى تاركة إياه ينظر لها بابتسامة فخر

همست وداد بعدم تصديق
_ ماذا .. إذن هي لم ترتكب جرماً بحقه .. لم تستسلم لوساوس شقيقها … يا إلهي حتى انا ظلمتها بهذا الأمر … كيف استطاعت ان تكون بهذه القوة ، لتخاطر مثل هذه المخاطرة ، وتقدم على هكذا خطوة .. اي قلب امتلكت لتضحي بمنزلها بذكرياتها وتتركها للنيران لتلتهمها
قالت زينة وهي ترى تغير ملامح وداد للصدمة بعد ان اخبرتها بخطة ميرال
_ أحيانا على الشخص ان يكون سريعا بقراراته وبخطوته التالية التي يجب ان يقوم بها ليضمن ان مساعيه لن تبوء بالفشل
خطأ غياث انه نسي ان ميرال تفوقه ذكاء وان عقلها يحمل من الدهاء اضعاف مايحمل عقله
لقد كانت صادقة أنها ستضحي بكل شئ لإنقاذ
من تحب وهي ضحت بوجودها قرب لجين لتنقذ كلاهما
وجود لجين كان يعني الحياة لها لذلك إقدامها على تلك الخطوة كان يعني ابعاد لجين عنها واخفاءه لحين نجاح مايريده سالم
لكن سالم لم يخبرها انه بعد ان اطلع مرؤوسه عن خطتها قاموا بتعديلات بسيطة تساهم بضمان وجود ميرال رفقة غياث دون خطر يحيط بها
قالت وداد وقد زاد حماسها لمعرفة ماحدث
_ كيف كان ذلك
اجابتها زينة
_لقد تم التواصل مع الشخص القادم لمقابلة لجين وتم اعطاءه قرصا مدمجا يحوي موقعا كان غياث يسعى لمعرفته مع فارق بسيط أن هذا الموقع تم اخلاءه ولن يشكل تدميره أي ضرر ، وكذلك تم تحضير سيارة إسعاف لإنقاذ لجين واخرى لنقل الجثتين اللتين سيقال انهما لميرال ولجين
قالت وداد مستفهمة
_ كيف استطاعا ان يضمنا ان غياث او مساعده لن يكشفا الامر .. فهما ماكران ذكيان
قالت زينة
_ كل ذلك تم استدراكه فكثرة الناس حول مكان الحدث بعد حدوثه ، احدثت بلبلة وشائعات عديدة لكن كلها اجمعت ان الجثتين للسيد لجين وزوجته
خالد كان رفقة ميرال ويبدو ان من ارسلوه للمراقبة اكتفى بالمراقبة من بعيد واكتفى بما سمعه من تجمع الناس، تم تسليم التوابيت لغياث دون فتحها وتم دفنها فارغة دون ان يدرك غياث مايحدث
قالت وداد
_ لقد كانت خطة خطيرة لكنها محكمة الجوانب ولجين اين اختفى بعدها
اجابتها زينة وهي تلمس خاتمها الذي يزين يدها
_ احتاج لعدة ايام لاستعادة نشاطه وتم ابلاغه انه سيبقى محتجزا لحين زوال الخطر، لا يمكن أن تتخيلي رد فعله على ماحدث ، من جهة لومه لها لمخاطرتها بنفسها بهذا الشكل ،من جهة أخرى غضبه من سالم لتوريطها بهذا الأمر ، غضب لعدم اطلاعه على هذه الخطة
جن جنونه وقام بضرب سالم واتهمه بانه سيكون السبب بأي مكروه يصيبها ،ولكن حينها ألجمه سالم بجوابه
_ لقد اختارت ان تضحي عن طيب خاطر فلا تجعل تضحيتها تذهب هباء ياسيد لجين … انت رجل تؤمن بالله وتعلم انه لن يصيبها الا ماكتب الله لها فكن على ثقة ان الله لن يضيع تضحيتها هباء فقط ادعو لها ان تنجح في هذه المهمة وتعود سالمة اليك
اغرورقت عينا وداد بالدموع وهي تسمع كلام زينة مالذي فعلته بها هذه الحكاية
مسحت دمعتها بطرف اصبعها ثم أعادت وضع نظارتها الطبية هامسة
_ لقد كان أمرا صعبا على شخص مثل لجين ان يتحمله وخاصة وهو يعرف الخطر الذي يحيط بها
اجابتها زينة وشبح ابتسامة يرتسم على شفتيها
_ رغم ذلك ايمانه القوي جعله يشعر بانها ستعود له قريبا
….
تمت الخطة بنجاح واخبرها سالم عبر الهاتف الصغير ان لجين بخير وبذلك تستطيع أن تمضي بخطتها بنجاح
انتقلت بعدها لمنزل غياث وقطنت معه
لكن بقي لديها مشكلة واحدة ،كيف يمكن لها أن تعرف ما يحاك من مؤامرات ، لابد أنه سيأخذ حذره منها ، تذكرت فيلما شاهدته مرة ففطنت للطريقة التي يمكن ان تساعدها لمعرفة مايجري
تسجيل عبر الهاتف ، تضعه في غرفة مكتبه فيقوم بتسجيل كل الاحاديث لها ،وغياث ستجعله يطمئن من ناحيتها حين يعطيها الحبوب المنومة بنفسه
وحين علمت بأن شقيقها سيستقبل أحد الأفراد الذين يتعامل معهم
لجأت لتلك الطريقة ، شغلت هاتفها بعد ان ازالت منه البطاقة التي احضرها غياث
ووضعته في وضعية التسجيل ثم تركته بمكان مخفي في مكتب غياث وخلدت للنوم
وفي صباح اليوم التالي كانت تستمع لما تم تسجيله وأعادت الكرة مرة اخرى وفي كل مرة احتاجت
ان تعلم ما يجري داخل جدران مكتبه
لتكتشف حينها جوانب أكثر ظلاما حول شقيقها
لتعلم أن ما آمنت بقدرتها على القيام به لإنقاذه ما هو الا سراب
لقد تلوثت يديه بدم الابرياء لدرجة صار من المستحيل ان ينال غفرانا لما ارتكبته يديه من جرائم ولما يود أن يرتكبه كذلك
لكن هل تستطيع الهرب بعيدا عنه … هل تستطيع انقاذ ما بقي منه
….
كانت عينا زينة مغرورقتان بالدموع وهي تتحدث عن تلك المرحلة
أكملت قائلة
_ ربما أن تسمعي عن الامر اسهل من ان تعايشيه
سمعت اتهامات لجين … سمعت ما أخبرها به سالم .. لكن أن تعايش ما يفعله شقيقها ان تستمع لمخططاته كان شيئا يصعب عليها تحمله
لقد نسف كل امل لديها بأن يعود لجادة الصواب بان يحاول ان ينال الغفران ويعود
كانت وداد تناظرها بطريقة غريبة
نظراتها مزيج ما بين الحزن والفخر حاولت الا تقاطع استراسلها بالكلام رغم رغبتها بأن توقفها عند هذا الحد على أن يكملن الحديث بيوم آخر
…..
فاتن منصور
فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 53
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/08/2018
العمر : 35

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى