روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

وكأنه الموت

اذهب الى الأسفل

وكأنه الموت Empty وكأنه الموت

مُساهمة  samia abdelfatah في الأربعاء يناير 29, 2020 8:34 pm

تنويه
الرواية بأكملها ليست سوى خيال محض.. عالم الكارما ليس له وجود مطلقًا وإن تشابهت الأحداث مع قناعات البعض الذين يؤمنون بهذه الأشياء فأنا غير مسؤولة بالمرة
***
إلى الذين يظنون أن هناك مكان في الكون يخلو من الشر.. أهدي إليكم هذه الرواية
***
المقدمة
قد يضعنا القدر في مكانٍ لم نكن نتخيله يومًا ويضطرنا للتعامل مع مواقف لا تليق بنا ولكننا سنتعامل مع هذه الظروف لا محالة
فلا تتهرب من مسؤولياتك تجاه العالم لتحظى ببال رائق
***

الساعة الثانية بعد منتصف الليل..

في أحد الأحياء متوسطة الحال  في شارع جانبي لا يمر به الكثير، خاصة في هذا الوقت، كان هناك جسد مسجي على الأرض تحيط به الدماء من كل جانب بعد أن ألقى بنفسه من شرفة غرفة في تلك الشقة الملعونة، والتي يمتلكها رجل أصوله هندية يحمل الجنسية المصرية منذ اكثر من عشرين عام..
بعض الحقائق لعنة تودي بحياة من يعرفها للجحيم.. ربما لم يكن يريد معرفتها أساسًا ولكنه القدر.. لا مفر
***
أخبرونا دوماً أن الجزاء من جنس العمل، فالمخطئ يحمل ذنوبه على عاتقيه طوال حياته ويعاقب عليها في دنياه وحتى بعد مماته ..والشخص الجيد أيضاً تتم مكافئته فيعيش حياة جيدة وينعم بالجنة في النهاية ..ولكن ماذا إن أختلت تلك القوانين؟ ..ماذا إن كان ذلك الجيد يتجرع القهر في دنياه ويعيش على الهامش لا يبالي به أحد ..إذن يجب أن يعوضه ربه بأي شئ أليس كذلك؟ فهذا هو العدل الإلهي، ولذلك كان ذلك الرجل الأن يدخل من باب إحدى الشركات الكبرى غير مصدق إنهم وافقوا ليعمل لديهم.
في طريقه داخل الشركة للمقابلة كان يردد بعقله ساخرًا "حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب" تلك الحكمة الغير عادلة والتي تمتص سنوات شبابنا على وعد بأن نفعل ما نحبه يومًا ما.. على الأقل هو وجد ما يفعله الأن وسيفكر فيما بعد إن كان سيحبه أم لا.. ليس لديه خيارات على أي حال.
تخطى المقابلة بسهولة وكأن أحدهم قد وصى عليه.. هل شهادته العادية كافية لهم؟.. هل تعتبر الدورات التدريبية التي حضرها شفيعة له؟.. أم ربما مظهره العادي جدًا؟!!.. لا يدري لمَ وافقوا ولكنه لم يهتم بالباقي.. هو الأن شاب وجد عمل مناسب أخيرًا وكفى.. العقبة الوحيدة التي وجدها إنه سينتقل للعمل في أحد فروعهم بمدينة أخرى وهو لا يريد ترك والدته وأخيه بمفردهما..
خرج من الشركة والتفكير يعصف برأسه ..هل يجب أن يوافق ويحصل على الوظيفة التي ستوفر له حياة كريمة بالمرتب الأكثر من كافي أم يرفض ليبقى مع عائلته ؟؟
قرر في النهاية أن يستخير الله وهو من يهديه للطريق الصحيح.
***
دخل منزله راسماً على وجهه ابتسامة بشوش ليجد والدته جالسة في زاوية من الصالة المتواضعة وبيدها كتاب تقرأ منه بصوت خافت فتنحنح لينبهها
-مرحباً بني ..ماذا فعلت بالمقابلة؟ هل قبلوا أن تعمل لديهم؟
سألت والدته مباشرة بعد أن أغلقت الكتاب ليقترب هو ويجلس بجانبها قائلاً بهم به بعض الحيرة
-نعم وافقوا وبنفس اليوم ..في العادة يتم الرد بعد أيام
أنفرجت أسارير والدته بسعادة وهي تدعو له أن يوفقه الله، ولكنها سرعان ما سألته بحنان
-لماذا تبدو مهموم هكذا؟ ألا تريد تلك الوظيفة؟
عم الصمت للحظات، فهو لا يريد أن يُحزن والدته ويقتل فرحتها على الفور ولكنه لم يجد مخرج من الأمر لذلك قال بتردد
-الوظيفة بمدينة اخرى أمي ..بالجانب الاخر من البلد
-حسناً لا بأس ..يبدو أن ليس لك نصيب بها لا تحزن
قالتها والدته بجدية لتلتقي عيناه بعينيها لحظة ..بنظرة واحدة لولدها أدركت ما الذي يفكر به فنهرته بصرامة غير قابلة للجدل
-أنت لن تتركنا، أتفهم؟ لن تبتعد عني أبداً.
نهض من مكانه ليجلس أمامها ويأخذ يديها ليقبلها بدفء ثم قال بصراحة
-أمي هذه الوظيفة ستوفر لنا حياة كريمة كما إنهم سيوفرون لي مكان للسكن، أي أنني لن أضطر لدفع أي إيجار
ظهر الرفض على ملامح والدته بوضوح ليسرع هو مقنعاً إياها
-كما أن الأمر سيكون لمدة ستة أشهر فقط وإن أثبت جدارتي سأعود للعمل بالفرع الموجود هنا
تنهدت والدته بحيرة وبعد تفكير وجدت أن الحياة حقاً أصبحت صعبة للغاية بالمرتب القليل الذي يأخذه من وظيفته الحالية ولابد من تحسين أوضاعه
-حسناً بني ..ليس لدي مانع ولكن أخبر شقيقك أولاً فأنت تعلم مدى ارتباطه بك
قالتها بحزن ليدخل شقيقه في تلك اللحظة من باب المنزل قائلاً بصخب
-أمااااه أنا جائع
نظر (أمجد) لأخيه ذو العشرون عاماً وهو يضحك رغماً عنه
-أمير أنسى الطعام الأن واجلس ..أريد أخبارك بشئ
رفع (أمير) حاجبه قائلاً بريبة وهو يجلس
-لست مطمئن ..ماذا هناك؟
شرح له (أمجد) الأمر ليجد من شقيقه الأصغر التفهم الكامل وهو يخبره ألا يحمل هم وسيعتني هو بوالدته إلى أن يعود ..ربت (أمجد) على كتف شقيقه قائلاً بحنان
-أنا أثق بك أخي وأعدك بالعودة سريعا
وضرب القدر بعصاه السحرية ليتغير مصير (أمجد) للأبد
***
في خلال أيام كان (أمجد) يغادر منزل عائلته منطلقاً للمدينة الأخرى بعد أن أخذ الإذن بالعمل وأستفسر من الشركة عن كل شئ  
وصل بسيارة الأجرة إلى العنوان الذي أعطته له الشركة ليترجل من السيارة ويتجه لبواب البناية يسأله عن الشقة
-لا إله إلا الله ..ما الذي أجبرك على تلك الشقة،؟!.. ألم تجد غيرها؟
سأل البواب بضيق ونظراته  تتفحص (أمجد) بدقة وكأنه يرى كائن وحيد الخلية
-هل هناك مشكلة؟
سأله بتوجس ليرد الرجل بصوت منخفض وكأنه يخبره بسر حربي
-أربع حالات انتحار
-ماذا تقصد؟
سأل (أمجد) بنفس النبرة المنخفضة وهو يحاول أن يجاري الرجل في أسراره الخطيرة
-على مدار ثلاثة أشهر أنتحر أربع شباب كالورد، والأخير كان منذ أسبوعين ..ألقى بنفسه من شباك الغرفة ..أقسم لك يا أستاذ هذه الشقة ملعونة وصاحبها رجل مريب ..دوماً يصر ألا يفتح أحد غرفته المغلقة بالأعلى ويسمح باستخدام باقي الشقة إلا تلك الغرفة ..الشاب الذي أنتحر ألقى بنفسه من شباك تلك الغرفة
توجس (أمجد) رغماً عنه ولكنه أستعاذ بالله من الشيطان وأخذ مفتاح الشقة من الرجل قبل أن يذهب ليأخذ حقائبه من سيارة الأجرة ثم دخل البناية وهو يستغفر ربه طالباً منه التوفيق..
في الأعلى ما إن خطى للشقة حتى وجد مالكها خلفه ..رجل ملابسه توضح جنسيته بسهولة مما أدهش (أمجد) وهو يراه يتحدث العربية بطلاقة ولكن نظرات الرجل له لم تريحه على الأطلاق
-أستاذ أمجد.. لقد تعاقدت معي الشركة التي تعمل بها ..لا داعي للقلق بشأن أي شيء
قالها الرجل بصوت له هيبة ولكنة غريبة تعود لأصوله الهندية فأومأ (أمجد) بتفهم وأنتظر مغادرة الرجل بصبر ولكن الرجل لم يغادر قبل أن يقول جملة جعلته يفكر بها طوال الليل
-لا داعي لتدخل لمن بالغرفة، هم سيخرجون إليك أو ربما يسحبونك للداخل
***
مرت الأيام كالجحيم عليه وهو يشعر بالوحدة لأول مرة في حياته بعيداً عن عائلته.. لطالما كان يعيش من دون أصدقاء، ولكن عائلته هونت عليه الأمر خاصة مع ظروفه الخاصة حين كان صغير.. لم يكن طفل طبيعي مطلقًا وكان يحدث معه أشياء غريبة لفتت انظار الجميع حتى ظنه البعض مدرك لما يحدث في المستقبل..
والأن لا يعلم لمَ عاودته هواجسه عن طفولته..
هناك شيئان لم يستطع تجاهلهما طوال الأسبوعين الماضيين منذ أنتقل لهذه المدينة ..الأول هو الروح الغريبة الموجودة في الشقة التي يسكن بها وخاصة تلك الغرفة التي لم يتجرأ على دخولها ..هو لا يؤمن بتلك الخزعبلات ولكن الغرفة حقاً مريبة بتلك النقوش الموجودة على بابها وجدرانها من الخراج ..نقوش لم يفهم منها أي شيء ولم يهتم بالبحث عنها حتى ..يتخيل في بعض الليالي أن هناك صوت منخفض للغاية يناديه من الداخل ..صوت به ما يشبه الرجاء وكأنها روح تُعذب ..ولكنه يستغفر ربه ويستعيذ به من شيطان ليس له أي ذنب فيما يحدث..
أما الأمر الأخر هو تلك الفتاة الجالسة على المكتب المجاور لمكتبه الأن ..فتاة تنافس الشمس في بهائها بوجهها القمري الغارق في ليل شعرها الأسود وعينيها السوداء التي تلتمع حين تتحدث ..كان صعب عليه للغاية أن يغض بصره عنها وهي بكل هذا الحسن كما انها لا تساعده أبداً وهي تتقرب منه بطريقة مفضوحة تريد معرفة كل شيء عنه قائلة انها تريد تكوين صداقة مع زميلها المجاور لها بالعمل ليس أكثر ..وكم أراد هو تلك الصداقة في وحدته وكم رغب أن يتحدث معها ويخبرها بكل شيء ..ولكنه لم يفعل هذا بل وضع حاجز من الحدود بينهما مدركاً بداخله إنه لا يصلح للارتباط ..ظروفه لا تسمح له بهذا وعائلته أولى بكل اهتمامه
غبي!.. أليس كذلك؟
رغماً عنه رفع رأسه لينظر إليها فوجد نظراتها مصوبة نحوه ..لم يجفل ولم يبعد نظرته بل ابتسم بهدوء قائلاً
-مرحباً إلهام كيف حالك اليوم؟
ردت له أبتسامته بواحدة غامضة وهي تقول بنبرة خاصة
-بخير ..وأنت كيف كانت ليلتك بالأمس؟
ضم ما بين حاجبيه باستغراب قبل أن يرد
-الحمدلله كانت جيدة ..لماذا؟
لم ترد بل أكتفت بهز كتفيها بلامعنى وعادت لعملها بينما هو دقق بما قالته للحظات قبل أن يشيح بصره عنها وهو يفكر أن ليلته كانت أسوأ ما مر به ..لقد تملكه الرعب وهو يستمع لتلك الأصوات المتعالية من الغرفة  وبشكل أكثر وضوحاً
***
إذا أردتِ الايقاع برجل يعجبك ما عليكِ سوى أن تكوني غامضة فتجعلينه يفكر بحديثك أكثر من مرة راغباً بمعرفة قصدك ،مرحة فلا يمل معك وتجعلينه يرغب دوماً برؤيتك بعد يوم شاق لتخففي عنه ،وجذابة الحديث فيرغب برؤية عقلك قبل رغبته برؤيتك من دون ثياب وهذا ما كانت (إلهام) تفعله بالضبط مما جعل (أمجد) يرغب برؤيتها كل ثانية وهي كانت تلاحظ هذا وتبتسم بداخلها مدركة أن خطتها ستسير بشكل جيد.. ولكن فاتها شيء مهم، أن الوقت كالسيف وعجلة الزمن لن تنتظر أن تنهي خطتها
***
في مكانٍ داخل الكون لا يعرفه أحد..
نبضات قلبه سريعة ..العرق يتصبب منه بالرغم من شعوره بالبرد في أطرافه ..وبالرغم من ذلك لم يتوقف لحظة عن الركض ..ألتفت خلفه ليرى إن كان أحدهم مازال يتبعه، ولكنه لم يجد أحد فتوقف يلهث ومستوى الإدرينالين ينخفض تدريجيًا، ولكن بلحظة واحدة تغير كل شئ وهو يتلقى طعنة بخنجر عليه مادة غريبة لونها أخضر من الخلف ليسقط صريعاً ناظراً لقاتله بذهول فقد كان أخر شخص يتوقعه.. أرتفعت الروح وبقى الجسد وكأنه وصل لنقطة وهمية بين عالمين يفصلهما خيط رفيع لا يدركه إلا المسحورين .. لم يكن الأمر مؤلم فقط بل وكأنه الموت!
***
نهض (أمجد) مفزوعاً من نومه وهو يتحسس ظهره من الخلف شاعراً بالألم فيه ليجد مادة لزجة على يده ..نظر لتلك المادة بذهول ليجدها خضراء اللون كما رآها في حلمه فجف حلقه من الرعب
وبعد لحظات شعر بأن روحه تسبقه بمللي متر.. شعر بمزيد من الرعب وود لو يمسك بروحه التي لا يراها غيره ولكن يده لم ترتفع.. لقد بقى جسده هامدًا على الفراش رغم تحركه
***
خرج من غرفته مهرولاً مقسماً ألا يبقى في هذا المنزل للحظة واحدة بعد فقد أدرك الأن أن كل ما يحدث ليس طبيعي ..ليس طبيعي أن يشعر بالألم لمجرد طعنة في حلمه ..ولنفترض أن هذا يحدث وسيمرر الأمر ..كيف سيمرر وجود تلك المادة على ملابسه ..سيكذب عيناه ويقول إنها خدعة ..وماذا عن رائحتها النفاذة ..تباً للحلم لا يهم ..لمَ يرى كل ليلة أحلام غريبة ونقوش كتلك الموجودة على باب الغرفة؟
توقف على باب البناية وهو يفكر في كل تلك الأشياء العجيبة ..ليتذكر فجأة تلك القصص التي أخبره بها حارس البناية عن هؤلاء الذين انتحروا ..ماذا رأى ذلك الشاب في تلك الغرفة ليدفعه للأنتحار؟
نظر للبواب الجالس بهدوء أمام البناية دون أن يصرع رأسه بالحديث ككل مرة فحمد ربه إنه غير مهتم به الأن رغم إنه أستغرب لامبالاته
خف الرعب قليلاً ليحل بدلاً منه الرغبة بمعرفة ما يحدث ..هل تدركون الفضول الذي قتل القطة! هو نفسه ما دفع (أمجد) ليلتفت عائداً للشقة مرة أخرى
***
وقف أمام الشقة متردداً بالدخول وهو يفكر ألف مرة قبل أن يأخذ تلك الخطوة.. لقد كان الباب مفتوحًا رغم إنه تركه مغلق.. هل فتحه من قبل أساسًا حين خرج؟
تنفس بعمق داعياً ربه أن يلهمه الثبات ثم خطى للداخل هازمًا كل مخاوفه
أتجه بخطواته هدفه الغرفة وهو يراقب النقوش عليها ..توقف يدقق النظر قليلاً لتظهر الدهشة على ملامحه وهو يستوعب أن النقوش الموجودة على الباب تغيرت ..ليس هذا ما أدهشه بل فكرة إنه يستطع فهم تلك النقوش الأن هي ما جعلته يفكر في الهرب ولتحترق رغبته في المعرفة
إنها مواعيد لشيئًا ما..
لحظة! لماذا لا يشعر بدقات قلبه؟ أليس من المفترض أن تتسارع نبضاته الأن ؟
تباً بمَ يفكر؟ عليه فقط دخول تلك الغرفة ليخفف من شكوكه فهو لا يؤمن بأي شيء خارج عن المألوف من الأساس ..بالطبع يعرف أن هناك جن وسحر وكل تلك الأمور ولكنه يعلم أيضاً أن هذه الأشياء لن يعرفها أي أحد خاصة إن كان شخص ليس له اهمية مثله
هذه الأفكار أعطته دفعة شجاعة وجعلته يخطو للغرفة مغمض العينين ولم يحتاج لفتح الانوار فهي مضاءة على الدوام
شعر بتغير في حالة جسده ومادة تتطاير عليه لا يعلم من ألقاها
فتح عينيه ببطء ليجد أمامه حائط مليء بالنقوش الملونة بشكل يخطف الابصار ..ولصدمته أيضاً أستطاع قراءة بعضها
-لقد تأخرت كثيراً حتى أخذت هذه الخطوة
ألتفت مجفلاً ليرى ثلاثة جالسين ..ثلاثة ليس من المفترض أن يكونوا معاً بأي طريقة ولكنه لم ينتبه لهذا وشيء أكثر فزعاً يسرق أنتباهه الكامل ..جثته الملقية بجانب الغرفة هي ما جعلته يجزع
-ما الذي يحدث هنا؟
سأل بشحوب لينهض صاحب الشقة قائلاً باحترام
-كنا ننتظرك سيدي
-ما الذي تفعلينه هنا انتِ الأخرى وما علاقتك بهما؟
لم ترد بل وقفت بهدوء مع الرجل الاخر الذي تذكره (أمجد) على الفور ..لقد كان مسؤول الموارد البشرية الذي أجرى معه مقابلة العمل
-أهدئ وستفهم كل شيء الأن
قالها الرجل بنبرة غير واضحة أو هو من لم يدركها تماماً وهو يعاود النظر لذلك الجسد الملقي ..ماذا تفعل إن رأيت جثتك أمام عينيك؟! ..ستفقد الوعي بالتأكيد وهو أراد هذا بشدة ولكنه لم يستطع
-هل هذا أنا؟
سأل بصوتٍ مرتعش مشيراً لجسده فردت الفتاة ببساطة
-نعم هذا أنت، ولكن لا تقلق، سندفن الجثة قبل أن نذهب
-يا إلهي ..أنا أحلم الأن بالتأكيد ولكنه كابوس مرعب ..أريد الاستيقاظ ..أنا متأكد إنه حلم فأنا حتى لا أشعر بجسدي
قالها باقتناع لترد هي بهدوء بارد
-هذا ليس حلم يا أمجد.. عليك أن تدرك هذا فليس لدينا أي وقت..وبالطبع لن تشعر بجسدك لأنك في صورة أخرى الأن
-نعم فأنا أحلم ..حمداً لله
قالها ضاحكاً براحة ولكن نظراتهم إليه جعلته يتوتر سائلاً بشك
-هذا ليس حلم؟
-قلنا لك إنه ليس كذلك
قالتها بغيظ ليصرخ هو بذهول
-إذن فليشرح لي أحدكم ماذا يحدث بحق الله
-سيدي سأشرح لك كل شيء فيما بعد ولكن علينا الانتقال الأن
قالها الرجل الخاص بالشركة التي يعمل بها بهدوء ليسأل (أمجد) بتشتت
-ننتقل إلى أين؟
ما إن سأل هذا حتى وجد صاحب الشقة يذهب للحائط المليء بالنقوش ثم أخرج حجر غريب اللون والشكل  من جيبه ليحركه بطريقة معينة على بعض النقوش بترتيب منظم
أهتز الحائط فجأة بشكل جعل الأرض ترتج تحت أقدامهم  قبل أن يظهر حفرة وهمية على الأرض دخل بها رجل الشركة و(إلهام) ثم سحبا أمجد المذهول معهما وهما يقولان له بسرعة
-انت لست انسان الأن ..ليس لك جسد بل إنك مجرد روح فلا تقلق لن تشعر بشيء.. هناك مادة عليك تجعلنا نراك بشكل واضح وسنستطيع مساعدتك
قبل أن يسأل (أمجد) عما يقصدا وجد نفسه أمام ممر طويل به الكثير من الصخور المدببة الحادة التي تحمل نفس النقوش
-هذا حلم ..لقد تأكدت الأن إنه حلم
قالها بيقين لترد (إلهام) بهدوء
-ستجد صعوبة في تقبل الأمر ولكن عليك تقبله سريعاً فأنت ملك هذا العالم وشعب الكارما ينتظرك
-أي عالم وأي شعب؟!
سأل بغباء شديد لتنظر له (إلهام) بقلة حيلة.. ماذا ستفعل بهذا الرجل؟
كانا يتحدثان وهما يتنقلا بين الصخور بخفة أستغربها ليطلق صيحة مصدومة فجأة وهو يرى جزء من العالم الذي تتحدث عنه ..أرض رملية واسعة ذرات رملها سوداء يحيطها جبال سوداء من جانبين ويفصل بينهما بحيرة خضراء اللون تعكس لون السماء التي كانت خضراء أيضًا
أنقبض قلبه رغمًا عنه من هذه الأجواء ولكن بداخله كان مصرًا على إنه سيستيقظ في لحظة ما من هذا الكابوس
-أليست هذه الإضاءة مضرة للعين؟
سأل بغباء لتنظر له (إلهام) قائلة بسخرية
-سترى العجب هنا ولكن عليك اولاً إزاحة تلك النظرة البلهاء من على وجهك وإدراك أنك لا تحلم
-سيدتي مهرة لا تنسي إنه سيصبح ملك ارض الكارما بعد قليل فانتبهي لكلامك قليلاً
قالها الرجل المرافق لهما بصرامة فلم تعلق هي ليسأل (أمجد) بصدمة
-أي ملك وأي أرض ؟! ..ثم ألم يكن أسمك إلهام ؟ لماذا يناديكِ مهرة ؟!
-سيدي سأشرح لك الأمر بالكامل فيما بعد ..علينا التوجه للقصر الأن حتى تتلامس روحك مع جسدك هناك وتخبرنا بما حدث ومن الذي تجرأ وقتلك
قالها الرجل بعجلة وهما يسيران على الأرض السوداء بصعوبة عداه هو الذي كان لا يلمسها تقريبا.. لم يستطع البقاء صامتًا وعاد ليسأل على الفور
-ما قصة جسدي؟.. هل أنا روح حقاً الأن؟ ..إما إنني أهلوس او احلم ..لا يوجد تفسير ثالث
-مولاي عليك الاستفاقة سريعاً من هذا الوهم حتى لا تنهار المملكة، لقد أخبرناك إنك لا تحلم
قالها الرجل بصوت عالٍ رغماً عنه ..فهو بالرغم من ولائه للملك إلا إنه لا يتخيل أن تلك النسخة الغير مدركه لشيء من روحه ستحتل جسد الاعظم في المملكة ..لو يعلم فقط من تجرأ على قتله لجعله عبرة للجميع ..لقد أخفى أمر موته تماماً إلى أن يأتي ب(أمجد) وبعدها يخبر الجميع عن موت الملك واستنساخ روحه لجسد من على أرض البشر ولأول مرة ..ألتمس ل(أمجد) العذر وهو يتذكر أن ليس جميع البشر يؤمنون بالكارما ثم قرر أن يخبره ببعض الأمور إلى أن يصلا للقصر
-هل سمعت عن الكارما من قبل؟
نفى (أمجد) معرفته بتوتر ليهز الرجل رأسه بتفهم قبل أن يبدأ بشرح الأمر له
-عالم الكارما هو من يحتجز أرواح البشر بعد موتهم في أرضكم إلى أن يولد شخص جديد ليأخذ تلك الروح
صمت الرجل قليلاً قبل أن يكمل بنبرة أكثر راحة وقد جاء الجزء الذي يفضله في عالمه
-الفكرة من عالمنا هو اعطاء المرء فرصة أخرى ليكفر عن ذنوبه
-ماذا تقصد لا أفهم؟!
سأل (أمجد) وقد بدأ يهدأ قليلاً رغم عدم تقبله للأمر حتى يستطع التصرف فردت (مهرة) تلك المرة
-بني آدم خطائين ..يرتكبون الكثير من الذنوب والجرائم ولذلك يعطيهم الله فرصة أخرى في حياة أخرى ..أي أن أي شخص تعرفه الأن كان موجود قبل مئات السنين وتظل الروح تنتسخ كل حياة
-هل تقصدين ان قبل ثلاثون عام مثلاً كانت روحي في جسد أخر وانا الأن أكفر عن ذنوبه؟
سأل باستهزاء ليرد الرجل ببساطة
-لا أنت لا ينطبق عليك هذا
-لماذا؟
سأل باستغراب لترد (مهرة) هامسة وكأنها تخبره بمعلومة خطيرة
-روح الملوك لا يتم نسخها ..لم تكن ستولد إن لم يمت الملك بالأمس
-ماذا تقصدين بكلمة الأمس؟
سأل بأستغراب ليجيبه الرجل بنفاذ صبر
-ألن تكف عن أسئلتك؟
‍رفع (أمجد) حاجبه قائلاً باستخفاف
-أعذرني، فأنا لست معتاد على الاستيقاظ في عالم اخر
-حسناً سأكمل لك ..الأن نحن نعيش في مملكة الأرواح الجيدة التي امتلكها أشخاص لم يخطئوا كثيراً من قبل وهذه  أرقى ممالك الكارما ونسمى المملكة العليا ..هيئتنا كالبشر لأنها افضل هيئة خلقها الله ..هناك مملكتان أيضاً ولكن ليسا تحت حكمك ..المملكة الوسطى وهي اكبر الممالك لأن من بها أخطأ ولكن ليس لدرجة كبيرة فلم يستطع الالتحاق بالمملكة العليا ولم يتدنى للمملكة الدنيا  ..يعيش بشكل ليس كريم ولا حقير ..بمعنى انه وسط لفظاً وفعلاً
صمت الرجل قليلا وقد وصلا لمكان واسع مليء بالحيوانات ولا يوجد به أي هيئة إنسانية على الأطلاق مما جعل (أمجد) يسأل بأستغراب
-هل دخلنا حظيرة؟
-لا هذه هي المملكة الدنيا ..كل من بها قام بالكثير من الذنوب في حياته السابقة فتحولت روحه إلى شيء أقل شأناً من الأنسان وسيبعث مرة أخرى هكذا
قالها الرجل لتعتلي ملامح (أمجد) الصدمة وهو يتسائل مشيراً للحيوانات
-هل تقصد أن كل هؤلاء كانوا بشر
-نعم كانوا هكذا وكان من الممكن أن تكون مثلهما لولا إنك ستصبح الملك
قالتها (مهرة) ليكمل الرجل له
-ولكننا نعرف أنك شخص صالح وبالتأكيد كنت ستلتحق بالمملكة العليا
-نحن البشر لا نعرف أي شيء عن هذا الأمر
قالها بشرود ليرد الرجل ضاحكاً
-لم يعد أحد من الموت ليخبركم بما حدث وبالتأكيد الشخص الذي تنتسخ الروح إليه لا يتذكر أي شيء عن هذا
-هل تقصد إنني لن أتذكر ما حدث معي هنا حين أعود؟
-تعود إلى أين؟
سألت (مهرة) بدهشة ليرد ببديهية
-أعود إلى عالمي
-هل تظن انك هنا في مهمة مؤقتة؟! أنت لن تعود لعالمك مرة أخرى؟
قالها الرجل بصرامة ليضحك (أمجد) قائلاً بسخرية
-مزحة جيدة
لم يرد أحد عليه مما جعل ابتسامته تبهت وهو يعاود السؤال بتوجس
-أنت لا تمزح؟
لم يتلقى أي رد مرة أخرى ليبدأ الصراخ بالاعتراض ولكنهما نظرا له كما ينظر الناس لشخص مجنون قبل أن تقول (مهرة) محاولة تهدئته
-أمجد الأمر أكبر من مجرد أعتراض ..نحن تكملة عالمكم ..ماذا سيحدث لدورة الحياة إن انهار عالمنا
-وكيف كنتم تعيشون من دوني ..أكملوا على هذا الأساس
قالها بعصبية وهو لا يتخيل حياته بعيداً عن عائلته ليرد الرجل بصراخ
-كنا نعيش وبيننا ملك يمسك زمام الأمور ..طوال مراقبتي لك عرفت إنك شخص يتحمل مسؤولياته ..لماذا تتبرأ منها الأن؟
ألتفت (أمجد) محاولاً أخذ قرار سريع ..يبدو أن ليس له مفر من هنا ..هل سيرى عائلته مرة أخرى؟ أم سيبقى مع هؤلاء الذين لا يستطع تصنيفهم
-أمجد.. الوقت هنا يمر أسرع مما تتوقع ..ستموت عائلتك وتأتي لهنا خلال بضع ساعات.. الزمن هنا غير زمنكم
قالتها (مهرة) لينظر لها بعدم فهم لتكمل هي بوضوح أكبر
-ألم نخبرك أن الملك مات بالأمس ..أمس هذا يساوي أكثر من خمسون عام لديكم وأنت ولدت بالنسبة إلينا منذ بضع ساعات فقط ومر الأن ما يقرب من عشرة أيام في هذه الدقائق التي انتقلنا فيها ..أي أن عائلتك ستأتي إلى هنا خلال بضع ساعات أخرى وليس أيام حتى ..والدتك ستأتي أسرع بالتأكيد ولكنك لن تتعامل معها على هذا الأساس فبعد خمسة أيام ستنتسخ روحها مرة أخرى وتغادر هذا العالم ولن تعرفك
كانت كل تعابير الصدمة مرتسمة على وجه (أمجد) إن كان ذلك الظل الموجود لجسده يسمى وجه من الأساس  وهو يحاول أستيعاب كم المعلومات التي يسمعها
-هناك شيء غريب لم أفهمه ولم يحدث من قبل
قالها الرجل باستغراب ليسأل (أمجد) بسخرية مريرة
-هل هناك أغرب من هذا؟
-نعم شقيقك ..إنه نائب ملك المملكة الوسطى ويعتبر صديق لك ..كيف ولِدَ دون أن يمت هنا؟ ..هو من الأشخاص الغير ممكن موتهم
بُهت (أمجد) للحظات قبل أن يسأله ببطء
-هل يمكن أن أعرف من قتل الملك؟
-نحن نحاول معرفة هذا ..لم يرى أحد الجريمة ولكن حين نعلم من هو سيموت ولن تنتسخ روحه أبداً
قالها الرجل بحقد حسرةً على صديقه وملكه ولم يعطي (أمجد) فرصة الرد وهو يكمل طريقه قائلاً
-لقد تأخرنا بما يكفي ..يجب أن نكون في المملكة الأن لذلك لن نأخذ الجولة التي رغبت بها سننتقل عبر حلقة الذكريات
-هذا خطر يا أرهف
قالتها (مهرة) بقلق وهي تخاطب الرجل الذي عرف (أمجد) أسمه أخيراً ليرد (أرهف) عليها بثقة
-لا تقلقي أرقم ينتظرنا وسندخل القصر بأمان
قبل أن يسأل (أمجد) عن معنى الانتقال بالحلقة وقبل أن تعترض (مهرة) كان (أرهف) يضرب على الأرض بحجر مثل ذلك الذي ضرب به الرجل الهندي على الحائط لتبتلعهم حفرة عميقة  ألقت بهم داخل مكان جعل (نادر) يفغر فاه من الدهشة
-أهلاً بك في قصرك سيدي ..أنت الأن في المملكة العليا
المملكة العليا! يليق بها الأسم وهي بكل هذا البهاء ..هذا ما ادركه (أمجد) فيما بعد
كانوا يقفوا في ممر يصل لحديقة القصر وكان هذا الممر الواسع محاط بتلال صغيرة من الجوانب تغطيها الخضرة بالكامل حتى ظن (أمجد) لوهلة أنها كومة من العشب وليست تلال
مشوا قليلاً ليدرك (أمجد) أن ما رأه قليل بجانب ما يراه الأن ..أراضٍ واسعة مليئة بالورود بشكل منسق مبهر وبألوان زاهية ما بين الأحمر والبنفسج والأبيض والوردي
-ألا يوجد رائحة لتلك الورود؟
سأل بأستغراب لترد (مهرة) ببديهية
-بالطبع يوجد ولكنك لن تستطع شمها لأنك مجرد روح الأن ..ستحتل روحك جسد الملك بعد قليل ويمكنك القيام بكل عملياتك الحيوية
-هل أجسادكم مثل البشر ..أليس الجميع أرواح هنا؟
سأل (نادر) وهو يشعر أنه لم يعد يفهم أي شيء ليرد عليه (أرهف) بصبر
-بلى ..الجميع هنا أرواح ولكن كما أخبرتك الملوك ومن حولهم حالة خاصة ..لذلك نحن أقرب للبشر ولكننا لا نشعر بالجوع أو العطش أو أي غريزة بشرية عامةً ..ولكننا نملك كل المشاعر الأخرى
-لقد قلت الملوك ..كيف يتم أنجاب الأطفال طالما ليس هناك غريزة تدفعكم للزواج؟
-لا يوجد أطفال أو شيء من هذا ..ولكن لديك زوجة ..ومن حولك أقصد بها جميع الملوك وزوجاتهم فقط ..لا يوجد حتى أخوة أو والدين
-وعلى أي أساس يتم اختيار الملك إذن إن لم يكن والده ملك؟
سأل (أمجد) بدهشة ليرد (أرهف) ببساطة
-الملك يكون من أحدى الأرواح العادية الموجودة في الكارما وحين ينتقل إلى هنا ندرك إنه الملك القادم وذلك بأتخاذه هيئة الملوك التي تشعر وتتأثر كالبشر ..لم يكن هناك سوى ثلاث ملوك للكارما في هذه المملكة ..أحدهم مات نتيجة رحلة غير محسوبة منه لعالمكم والأخر قُتل ولم نستطع نسخ روحه لأنه قُتل في عالمكم أيضاً وأنت الثالث
-وماذا عن زوجة الملك..كيف تكون؟
سأل (أمجد) بفضول وهو يدرك إنه ربما يُصدم بزوجة تنتظره لترد (مهرة) تلك المرة بشرود به مسحة حزن
-زوجة الملك هي التي أحبها في كل حيواته السابقة وبكل روح تتجدد وهو في عالم البشر وحين يأتي لهنا ويدركوا إنه الملك ينتظروا مجيئها هي الأخرى وتكن الملكة تلقائياً ويبقى الحب بينهما إلى الأبد
-ولكن ماذا إن كنت أحببت أنا مثلاً في عالمي قبل أن أنتقل إلى هنا؟ ..هل كانت الملكة ستتغير؟
سأل بسخرية وهو يرى أن هناك الكثير من الأمور غير المنطقية في هذا العالم لتسأل (مهرة) بتوجس وهي تتوقف قليلاً
-وهل أحببت من قبل؟ ستكون هذه كارثة غير طبيعية وصدقني لا ينقصنا المزيد
توقف عن السير ونظر لها قليلاً ..قبل أن يتهور ويقول بصراحة
-نعم لقد أحببتك من النظرة الأولى حين تقابلنا ..ما الحل الأن؟
أبتسم (أرهف) قائلاً بتنهيدة أرتياح
-هذا جيد ..لا بأس يمكنك ان تحبها كما تشاء لأنها زوجتك
لو كان لديه قلب الأن لكانت دقاته صمت الأذان من كثرة الخفقان ..هل هي حقاً زوجته؟ ..هذا أسعد خبر سمعه منذ أن دخل هذا الجنون
راقبها وهي تسير أمامه منخفضة الرأس ليقترب من (أرهف) هامساً له
-لماذا تبدو حزينة هكذا ..ألا تريدني ان أكون زوجها؟
-الأمر ليس بإرادتها على أي حال، ولكنها لا تستطع تقبل فقدان الملك أديم حتى الأن
-أديم؟!
سأل (أمجد) بأستغراب ليرد (أرهف) وهو يحثه على أكمال السير
-نعم الملك يدعى أديم وهذا أسمك منذ الأن فتذكره ..ها قد وصلنا
توقف (نادر) ناظراً حوله وهو يسأل بأستغراب
-أين وصلنا؟
راقب (نادر) اقتراب  (مهرة) من شلال موجود بالمكان ينبض بالروعة قبل أن تمد يدها داخل الماء لتختفي فجأة
-تباً.. ماذا يحدث هنا؟
سأل بأرهاق من كل ما يحدث ليرد (أرهف) بسرعة
-هذا الشلال متصل بغرفتك في القصر عن طريق ممر بنهايته باب مخفي بحائط الغرفة ولا يعلم هذا الأمر غير ثلاث ..أنا ومولاتي مهرة وأحد الخدم المخلصين لك جداً
-هيا لنلحق بمولاتك مهرة إذن
قالها (أمجد) بحماس مفاجئ ليبتسم (أرهف) ويدخلا معاً للشلال ليجد نفسه في ممر حجري صغير ومظلم ولكنهما لم يحتاجا للأضاءة لأن (مهرة) كانت تقف على باب الممر المفتوح ليأتي النور من داخل الغرفة
ما إن خطوا لداخل الغرفة حتى وجدوا الخادم ينتظرهم بتوتر
-هل كل شيء على مايرام يا أرقم؟
-نعم سيدي لم يأت أحد للغرفة أبداً وقد ظنا أن مولاي ومولاتي في نزهة بالخارج
قالها وهو ينظر للظل المتحرك أمامه والعائد ل(أمجد) بتوجس لترد (مهرة) بتعب
-حسناً يا أرقم يمكنك الانصراف ..شكراً لمساعدتك جداً
-أنا بخدمتكم مولاتي في أي وقت
قالها الشاب بأدب وهو ينصرف ليبقى ثلاثتهم بالغرفة
-ماذا سيحدث الأن إذن؟
سأل (أمجد) ليرد (أرهف) وهو يسير بالغرفة
-ستحتل روحك جسد الملك الأن ..هيا بنا حتى لا نتأخر أكثر من هذا ويتأثر الجسد
تبعه (أمجد) و(مهرة) ليتوقفوا أمام سرير كبير يرقد عليه جسد الملك محاط بهالة من الوقار فازداد رعبه مما يراه.. إنه نسخة منه ..أخرج (أرهف) ذلك الحجر الذي من الواضح أنه مهم وقبل أن يقم بأي خطوة أخرى تحدثت (مهرة) بأختناق
-هل يمكنك الانتظار قليلاً
-نعم لا بأس... سأبقى بالخارج إلى أن تأذني لي بالدخول
أومأت بهدوء ليخرج (أرهف) ويبقى (أمجد) واقفاً لا يدري ماذا يجب أن يفعل
جلست (مهرة) على السرير بجانب جسد زوجها لتتلمسه برفق  ودمعة تنحدر من عينيها رغماً عنها قبل أن تقبل جبهته قبلة عميقة وكأنها تودعه للمرة الأخيرة وكأن ذلك الواقف ينظر لها بدهشة.. ألن يُحيي هذا الجسد الأن ويبقى معها؟
-ألن تحبيني؟
سألها بصوت أجش لترفع رأسها ناظرة إليه بدهشة وكأنها أدركت وجوده للتو ولكنها لم ترد بل نهضت لتنادي على (أرهف) فأتى على الفور وأخرج الحجر ليلامس به جسد الملك راسماً بعض الرموز ليشعر (أمجد) فجأة بألم حارق في جسده
لو رأى علماء الأرض هيئة الروح وأن لها ظل ويمكنها التحدث بل ويمكنها أن تحيي جسد مرة أخرى لاعتزلوا العلم
***
في شرفة واسعة تطل على سماء أختلط الأزرق بها بالوردي ..تحديداً وقت الشروق ..وقفت مهرة بثوب أبيض شاحب من قماش الكتان يحدد معالم جسدها وبكمين طرفهما طويلان للغاية لامسا الأرض وقد غطت شعرها بقلنسوة الرداء ناظرة للسماء بشرود وحنين لوقفة مماثلة كان يشاركها فيها هذه المراقبة
كم كانت تسعد حين يخبرها أنها أروع من السماء وأجمل من الورود الموجودة أمامهما وأنها أدفئ من أشعة الشمس وألطف من ماء الشلال ..يا الله كم عشقا بعضهما البعض وكم تخطا مشاكل لا تعد ولا تحصى في المملكة معاً وبقلب واحد ينبض بالحب كل يوم أكثر مما قبله
أنسابت دموعها رغماً عنها وهي تتذكر (أرهف) حين أتى يحمل جسده هو و(أرقم) معاً بعد أن فقد روحه ..تذكرت فجعتها وألمها الذي جعلها تنهار باكية بعد إدراكها للأمر ..ولكن لم يكن هناك وقت ..كان يجب أن تنقذ روحه الأخرى ليحيا زوجها من جديد ولذلك أصرت على (أرهف) أن تخرج معه من المملكة وتذهب لأرض البشر حتى تساعده ..حين رأت (أمجد) هناك يتنفس ويتحرك كانت هذه بمثابة معجزة لها ..ولكن للأسف لم يحتل قلبها ولا تظن أنه سيفعل وزوجها مازال هناك يحمي قلبها مغلقاً أياه بحصون تحتاج لروح أكثر قوة منه وأكثر عشقاً لها منه
تعالى صوت بكائها وهي تجلس على الأرض الرخامية للشرفة لتعوض كل البكاء الذي لم تبكيه على زوجها ..لتخرج كل الألم الذي لم يكن له وقت ولتنعي قلبها على فقيده متمنية له الثبات والسكينة
samia abdelfatah
samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 71
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

وكأنه الموت Empty وكأنه الموت

مُساهمة  samia abdelfatah في الأربعاء يناير 29, 2020 8:37 pm

الفصل الثاني
تقلب على سريره وهو يحاول أن يستفيق من نومته ..لقد كان يحلم حلم غريب أرهقه طوال الليل ولكنه أستمتع بوجود (إلهام) في هذا الحلم ..ألا يمكن أن يتزوجها ببساطة وينعم بوجودها الدائم معه؟!
نهض وهو يتثائب ليتسمر مكانه فجأة وهو يرى ما حوله ..غرفة واسعة تتخطى مساحتها منزله بكثير وبها الكثير من الستائر وسجاد وثير أبتلع قدمه بنعومة ..تحرك بذهول في الغرفة ليتوقف أمام مرآة بطول جسده موضوعة على الأرض ومملوءة بالنقوش الزاهية التي تعكس الضوء لتبدو وكأنها تُخرج أشعة من داخلها ..تجاهل روعة المرآة وهو يصدم بهيئته ..لحية نامية وعيون تحاوطها الهالات السوداء وشفاه جافة بينما ملابسه كانت حكاية أخرى ..منامة من الحرير أو ربما من نوع أخر لا يعرفه ..جزئها العلوي يصل لركبتيه وأسفلها بنطال واسع ..لقد ذكرته تلك الثياب بملوك العصر القديم ..ملوك!!! يا إلهي ..سينتحر الأن إن كان ما يفكر به صحيح
-صباح الخير أديم ..لقد طالت غفوتك
ألتفت بفزع ليتسمر وهو يراها أمامه ..(إلهام) كما لم يراها من قبل وقد زاد حسنها أضعاف بفستانها الكتاني الواسع وشعرها المرفوع بأناقة تليق بها بينما عينيها قصة أخرى وقد حددتهما بالكحل الأسود ليظهر لونهما الرائع بوضوح والذي اكتشف إنه لم يكن أسود
-هل أنتِ حقيقية؟
قالها وهو يقترب منها بذهول لتثبت هي قدميها بصعوبة حتى لا تهرب طالبة النجاة من أحد محاولة أقناع نفسها إنه زوجها الأن بنفس الهيئة ونفس الروح والصفات ..إنه الرجل الذي أحبته في كل الأزمنة والعوالم
-كل شيء حقيقي الأن أديم ..حمداً لله على عودتك سالم لي
قالتها وهي تقترب أكثر لتضمه إليها بينما هو تيبس جسده ولم يبدي أي ردة فعل قبل أن يسأل بصوت مبحوح
-إذن لم يكن حلم
فهمت ما يقصده لذلك أبتعدت وهي تبتسم له ابتسامة خلابة قائلة بنبرة ساحرة
-ستكون سعيد هنا ..أعدك إنني سأبذل اقصى ما عندي لأصلح الأمر
نبرتها الهادئة وعيناها الواثقة جعلت السكينة تحتل قلبه ليومأ لها بالموافقة على شيء لا يعرفه
-يمكنك تبديل ملابسك الأن وسأخذك بجولة في القصر لأخبرك بكل شيء
نظر حوله وهو يتسائل بشرود عما يفعله في هذا المكان ..أين حياته المملة البائسة الأن ليطالبها بمسامحته على كرهه لها في فترة ما
-هذا الممر سيدخلك على غرفة الثياب
قالتها بهدوء مشيرة إلى ركن في الغرفة لينظر لملابسه قائلاً
-أتمنى ألا أجد كل الملابس مثل ما أرتديه الأن
-لا الأخرى اكثر أناقة لا تقلق
قالتها ضاحكة قبل أن تكمل
-ولكن بالطبع ليست مثل ملابسكم الغريبة ..ستعتاد على الأمر
-ملابسنا الغريبة؟ ألا تري فستانك كيف يبدو؟ وكأنك قادمة من عصور ما قبل التاريخ
قالها ساخراً لتسأل هي بفضول
-ما هذا العصور؟! وماذا تعني؟
-حسناً لنعقد أتفاق ..ستخبريني أنتِ بكل شيء عن عالمكم وأنا سأخبرك بالكثير عن عالمنا
-حسناً موافقة
قالتها ببهجة وهي تشعر بالألفة معه ..إنه يتحدث مثل (أديم) تماماً ولديه نفس البحة في الصوت أيضاً ونفس النظرات ..حين أحتضنته ظنت لوهلة إنه زوجها وهذه الفكرة أشعرتها بالكثير من الارتياح ..فإن كان قلبها لن يتقبل الأمر فليتقبله عقلها على الأقل وجسدها
-أريد الاستحمام بشدة الأن ..هل يوجد حمام خاص هنا؟
قالها ببساطة لترفع هي حاجبها قائلة بتوجس
-لقد رأيت الحمامات في عالمكم وأدركت حاجتكم للاستحمام ولكنك لا تحتاج هذا هنا فجسدك لا يفرز أي شيء يدعو لهذا وسيبقى نظيف دوماً ورائحتك ستبقى رائعة على الدوام ..أظنك لن تتحمل ملامسة الماء لجسدك
-ألا تتحممون ؟!! هذا غريب ..ولكن بالتأكيد هناك حمام أليس كذلك ؟
سأل بغباء لترد هي ببديهية
-لا.. لماذا سيكون هناك حمام ونحن لا نستخدمه؟
-كيف لا تستخدمونه ؟ أين تقضون حاجتكم إذن؟
أعاد نفس الأسئلة الغبية بالنسبة لها لتتنهد هي قائلة بصبر
-نحن لا نحتاج لهذا أيضاً.. جسدنا ليس كما تظن، نحن لا نأكل ولا نشرب، لذلك لا نحتاج لاستخدام الحمام من اجل هذا أيضاً
-ولكني الأن بحاجة لقضاء حاجتي كما إنني أشعر بالعطش الشديد
-ماذا ؟!!!
سألت بصدمة قبل أن تبتعد عنه مهرولة للخارج لتعود بعد لحظات مع (أرهف) الذي يبقى في أقرب الغرف لغرفة الملك ليبتسم بسعادة ما إن رأى الملك واقف بالغرفة بشكل طبيعي وكأنه لم يرحل مطلقًا
-حمداً لله على سلامتك يا صديقي
-أرهف أسمعني جيداً ..هناك مصيبة
قالتها (مهرة) بقلق ليتجمد (أرهف) وهو يتخيل كل شيء سيء من الممكن أن يحدث الأن قبل أن يسأل بشحوب
-ماذا حدث؟
-أظنه أكتسب صفات الممالك الثلاث ..أخبرتك ألا ننتقل في الحلقة حتى لا تتأثر الروح ولكنك أصررت بغباء
صرخت به (مهرة) ليهدأها (أمجد) قائلاً بلا فهم
-إهدأي قليلاً لنفهم المشكلة ..ماذا حدث لكل هذا؟
-إنه عطش يا أرهف بل ويحتاج لقضاء حاجته
قالتها وهي على وشك الاختناق لتتسع عين (أرهف) بذهول وهو ينظر للملك قائلاً بصدمة
-مولاي!.. أخبرني أن هذا ليس حقيقي أرجوك
-أنا لا أجد أي مشكلة في هذا ..ليشرح لي أحدكما ما الأمر
قالها بدهشة لترد عليه (مهرة) بقلق
-أديم أسمعني ..المملكة العليا شعبها أرقى من أن يحتاج لأي شيء ..نحن لا يمكننا الشعور بالجوع أو العطش
-وهل يشعر الممالك الأخرى بذلك؟
سأل بدهشة ليرد (أرهف) بتوتر نادماً على تسببه بهذا
-نعم المملكة الوسطى تفعل هذا ولكن المملكة الدنيا حاجتهم أكثر ..أتمنى ألا تكن أخذت منهم أي شيء
-شيء مثل ماذا؟
سألت (مهرة) محاولة ألا تفكر أن الشخص الذي ستبقى معه لديه أي صفة غير كريمة ليرد (أرهف) بنبرة ذات مغزى
-هناك حاجات جسدية أخرى لدى المملكة الدنيا
-يا إلهي هذا لن يحدث بالتأكيد ..أظنه لم يتأثر بهذا ..أليس كذلك أديم؟
لم يرد (أمجد) عليها لتصرخ به
-أديم أخبرني
نظر لها مشدوهاً من صراخها الذي لا يرى له أي داعي قبل أن يتنحنح قائلاً
-أسف لست معتاد على أسمي الجديد ..لا أفهم ما تقصدانه لذلك لا أستطع الإجابة
سارت (مهرة) بأتجاه الشرفة تجر ثوبها خلفها وروحها مصدومة وهي تترجى ربها ألا تحدث أي مصيبة أخرى بينما أخذ (أرهف) ذراع (أمجد) ليبتعدا عن (مهرة) بقدر الامكان قبل أن يسأله بنبرة خافتة
-هل تشعر أنك يمكنك القيام بأي علاقة جنسية؟ هل تجد تلك الفكرة مقبولة لديك؟ اقصد هل يتقبلها جسدك؟
رفع (نادر) حاجبه وهو يهز كتفيه بمعنى لا أدري قبل أن يقول بسخرية
-صدقني لا يمكنني التحدث معك عن شيء كهذا
-الأمر ليس موجود في عالمنا من الأساس لذلك لا داعي للأحراج يمكنك أخباري
قالها (أرهف) ببساطة ليسأل (أمجد) راغباً بمعرفة الأمر
-وبما إنه شيء لا يُخجل وليس موجود في عالمكم لماذا تتحدث بهذا الخفوت إذن وكأنك لا تريد أن تسمعك إلهام ..أقصد مهرة
-لأنها لن تتقبل هذا الأمر كونها وكما تعرف زوجتك ..أي أنها من المفترض أن تشاركك هذا الفعل المنافي لتكوينها وفطرتها..إنها بالكاد تتقبل فكرة أنك أصبحت هنا بدلاً من أديم.
جميع الرجال يدركون إن كانوا راغبون بالعلاقات أم لا ..حتى وإن كان الموقف لا يستدعي هذه الرغبة ..حتى وإن كانوا في غيبوبة يمكنهم معرفة هذا ..و(أمجد) كان يعرف هذا ويدرك إنه متأثر ب(إلهام) حد الهلاك كما كان في عالمه ..مدرك إنه لم يرغب بشيء حين أسيقظ أكثر من تقبيلها ليتأكد أنها حقيقية ولكنه لن يخبر أحد بهذا ..إن كانت تلك الصفة دنيئة بالنسبة للمملكة العليا فعليه ألا يتأثر بها إذن كما إنه لن يحتمل أن تنفر منه (إلهام) لأي سبب
-لا تقلق يا أرهف.. أنا لم أتأثر بالمملكة الدنيا
قالها وهو يربت على كتف أرهف برفق ليبتسم (أرهف) قائلاً
-تصرفاتك كالملك تماماً ..إذن الروح تحمل نفس الصفات دوماً ..الغريب هو أن تكوين أجسادنا لا تسمح بهذه الصفات التي اكتسبتها ..هل يعقل أن جسدك تغير وأنت نائم؟
سأله (أرهف) بتفكير ليرد (أمجد) ساخراً
-لا أستبعد أي شيء في هذا العالم
-هذا هراء.. بالتأكيد لا تحمل روحه صفات أديم
قالتها (مهرة) بعنف بعد أن دخلت إليهما فجأة لينظر لها (أمجد) طويلاً محاولاً معرفة ما يدور داخل عقلها ولكنه لم يصل لشيء لذلك غير الحديث قائلاً
-ولكن تبقى حاجتي للطعام والشراب وقضاء الحاجة موجودة ..ماذا سنفعل بهذا؟
-لا تقلق لن نترك الملك جائع بالتأكيد.. سنحل الأمر
قالها (أرهف) بجدية بها بعد السخرية لتقل (مهرة) بسرعة
-أرهف لا يجب أن يعلم أحد ما حدث ..هل أخبرتهم عن موت الملك؟
-نعم لقد أصبحت الممالك الثلاث على علم بهذا الأن ولكنهم تقبلوا الامر حين علموا بعودة الروح
قالها (أرهف) ببساطة لتتنهد (مهرة) قائلة بتشتت
-حسناً لم أكن أريد هذا ولكن لا بأس ..فقط لا تخبر أحد بأن أديم أصبح مختلط الأصول حتى لا يستغلوا الفرصة ويبدلوه بملك أخر ..أنت تعلم إنهم يسعوا لذلك منذ فترة طويلة خاصة المملكة الوسطى، ولا أستبعد إنهم هم من دبروا قتله.. ولأن ليس هناك روح جديدة أتت بهيئة الملوك فأظن سيكون الملك أحد من الكارما
-لا تقلقي سيدتي سأحل الأمر ..سأرسل أرقم الأن للمملكة الوسطى ليأتي ببعض الطعام ..هل يمكنك تناول الماء الموجود هنا أم أجلب ماء أيضاً؟
وجه (أرهف) سؤاله الأخير ل(أمجد) الذي هز كتفيه قائلاً
-لا أعلم ..هل الطعام هنا مناسب أساساً أم إنني سأجد أشياء غريبة
-جسدك يرغب بطعام المملكة الوسطى وليس طعام عالمك لذلك لا تقلق ..كما أن الماء هنا أظنه يناسبك، لأن من يأتي من المملكة الوسطى يستطع شربه
قالتها (مهرة) بحماس لتجعله يبعد أي تفكير سلبي عنه فهي بحاجة لمعاونته حتى يتخطوا الأمر قبل أن تكمل برقة
-سأخبر وصيفتي أن تجلب لك الماء إلى أن يأتيك أرقم بالطعام
-حسناً وبالتأكيد أريد حمام أيضاً ..كيف ستحلون الأمر؟
سأل بضيق من كل هذه العقد ..وكأنه ينقصه مصائب!
-سيكون جاهز خلال لحظات هل يمكنك الانتظار؟
سأل (أرهف) وهو يتذكر ذلك الوقت الذي قضاه في عالم البشر وكيف إنهم لا يستطيعوا التحكم بالأمر لمدة طويلة مثل المملكة الوسطى
-يمكنني الانتظار ولكن ماذا تقصد بلحظات ..هل سيهبط علينا الحمام من السماء؟
سأله بسخرية ليرد (أرهف) بملل
-هل تظن الأمر يأخذ وقت؟.. كل شيء هنا أسرع من عالمكم بكثير لذلك لا تندهش من شيء
-حسناً ..أريد أن يكون به حوض استحمام أيضاً
-أين تظن نفسك هنا؟.. يا إلهي أنت لا تدرك كم المشاكل التي تسببت بها حتى الأن!
قالتها (مهرة) بغيظ ليصرخ هو بها وقد طفح الكيل
-أي مصائب؟ ..أنتما من أحضرتماني إلي هنا ..لقد كنت سعيد في عالمي إلى أن أتيتما لتقلبا حياتي رأساً على عقب ..انا الضحية هنا إن كنتِ لا تعلمين هذا، لذلك عليكِ تقبل الأمر ..تباً لكل ما يحدث
بهتت (مهرة) من صراخه المفاجئ وقبل ان ترد عليه وجدته يبتعد بعنف متجهاً نحو الممر الذي أشارت إليه على إنه سيُدخله للملابس، لتسمعه بعد لحظة يلعن حظه البائس الذي سيجلعه يرتدي تلك الثياب فتأففت بملل وغيظ ليبتسم (أرهف) قائلاً بحنان لطالما كان يعاملها به فقد كانت تربطه بالملك علاقة قوية للغاية ولأنها زوجته فقد كانت تلك العلاقة تشملها ايضاً
-هل يمكننا التحدث في الخارج قليلاً؟
-حسناً لا مانع لدي
قالتها وهي تتجه للشرفة بهدوء ليدخل هو خلفها وما إن استقرا على سور الشرفة البارد حتى بدأ حديثه على الفور
-لماذا تعامليه بتلك العدائية؟.. إنه أديم ..بكل حالاته هو أديم بنفس الصفات ونفس المشاعر
-ليس هو ..أحاول تقبل الأمر ولكنه ليس أديم
قالتها باختناق ليرد هو بصرامة
-بلى.. إنه هو ..ألا تعرفي أن الروح تبقى كما هي مهما تغير الجسد فما بالك إن كان نفس الجسد أيضاً
نظرت له بغير اقتناع رغم معرفتها كل ما يقوله ثم قالت بتذمر
-أديم لم يكن غبي أبداً، ولكن أمجد يسأل أسئلة لا منطقية
-صدقيني نحن نمثل له انعدام المنطق
قالها ضاحكاً لتكمل هي بتحدي
-أديم كانت صفاته نبيلة، ولكن أمجد يحتاج للطعام والكثير من الأشياء الاخرى
رفع (أرهف) حاجبه مفكراً بإجابة تقنعها ولكنه لم يجد مخرج لهذا الأمر ليتنهد في النهاية قائلاً جملته الأخيرة
-رغم كل شيء سيبقى أديم العاشق لكِ وملك الكارما العليا
غادر تاركاً أياها تفكر بشرود قبل أن يقاطعها صوت وصيفتها وهي تدخل قائلة باحترام
-صباح الخير مولاتي.. هل تحتاجين لأي شيء؟
أجفلت قليلاً من دخولها المفاجئ قبل أن ترد عليها متذكرة ما يحتاجه (أديم)
-صباح الخير تالدة ..من الجيد أنكِ أتيتِ أريد منكِ أحضار دورق من الماء العذب
-لماذا؟
سألت (تالدة) بدهشة لترد (مهرة) بصرامة
-أفعلي ما أخبرتك به دون الكثير من الأسئلة التي ليس لها داعي ..هيا أنصرفي
انصرفت وصيفتها بعد أن اعتذرت لتتنهد (مهرة) بملل منها ..فبالرغم من أن (تالدة) خادمة مطيعة ورائعة وأمينة إلا أنها فضولية بشكل مستفز
-أين أرهف؟
قالها (أمجد) الذي دخل عليها فالتفتت إليه قائلة
-لقد ذهب لينفذ مطال..بك
توقفت الكلمات في حلقها وهي تتأمله مشدوهة ..يا إلهي هل يعقل أن تكن رؤية شخص ما مؤلمة إلى هذا الحد ..أليس هناك أنثى غيرها بالمملكة لتعاني ..هي (مهرة) ملكة الكارما وزوجة ملكها لماذا تشعر بكل هذا البؤس ؟!
راقبت خطواته الواثقة نحوها فأقسمت بداخلها أنه (أديم) وصدقت الأمر في لحظة يأس أو ربما تعب.. لم يعد لديها القدرة على تحمل تناقض مشاعرها لذلك فلتنحني للقدر وترضى بالأمر الواقع..
-تلك الثياب جعلتك هو بكل ما يمكن أن يكونه أديم
قالتها بحشرجة وهي تقترب منه قليلاً مكملة حديثها
-مرحباً بك بيننا عزيزي
أقترب هو منها أكثر ليمحي تلك المسافة بينهما ثم أمسك يديها قائلاً بجدية
-مهرة أنتِ لستِ مضطرة أن تتعاملي معي ..يمكنني تقبل الأمر لا بأس ..أريدك سعيدة ليس إلا ..ثم إنني أحببت إلهام وليس مهرة وقد فقدتها لذلك أنتِ شخص أخر بالنسبة لي
شعرت بشيء بغيض داخلها إثر جملته الأخيرة فتعالى صوتها رغماً عنها قائلة
-هل تمزح ؟! أنا وإلهام نفس الشخص ..لا يمكنك ألا تحبني أديم ..هذا يقتلني
رفع حاجبه قائلاً بدهشة
-وأنا أيضاً أديم في كل شيء كما قلتِ، ولكنك لا تحبيني
شحب وجهها وهي تفكر بسرعة رهيبة مدركة الأمر ..إنها تحبه ..ما هذا الغباء؟ هي لم تفقد أي شيء من (أديم) ..لديها الروح والجسد ..ما الناقص إذن؟
على الفور عرفت الفرق بين (أديم) و(أمجد) ..الفرق هي الذكريات ..لو عرف كل ذكرياتها مع (أديم) ستشعر إنه زوجها بالكامل
-هل يمكنك الاستغناء عن ذكرياتك؟
سألت بلهفة ليضم حاجبيه بعدم فهم قائلاً
-كيف؟
-لا اعلم ..بالتأكيد هناك طريقة تجعلك تملك ذاكرة أديم أيضاً
-ولكني لا أريد هذا
قالها ببساطة لتسأل هي بصدمة
-كيف لا تريد هذا؟.. ألا تريد تذكر كل لحظاتنا معاً ؟ ألا تريد أن تستعيد حياتك الأصلية؟
نظر لها باستغراب مما تقوله ولكنها لم تهتم ..هي تريد (أديم) حقاً ومن كل الجوانب ولا يهمها أي شيء أخر
-حسناً أديم كما تريد
قاطعهما دخول (تالدة) وبيدها إبريق من الماء لتتسمر نظراتها الفضولية على (أمجد) قبل ان تبتسم قائلة بخفوت
-حمداً لله على سلامتك سيدي ..لقد صُدمنا حين علمنا بما حدث
-شكراً لكِ
رد بهدوء لتعطي الفتاة الابريق ل(مهرة) قائلة بمزيد من الفضول
-ألن تخبريني بحاجتك إليه؟
-تالدة غادري الأن عزيزتي وأهتمي بما يخصك فقط ..حسناً؟
قالتها (مهرة) بابتسامة صفراء لتغادر الفتاة حزينة لعدم معرفتها بالأمر
-لماذا لا ينحني لكِ الخدم هنا ..أم أن هذا يحدث في الأفلام فقط؟
سأل بسخرية لتجيبه بدهشة
-لن أسألك ما هي الأفلام لأنني عرفتها حين كنت في عالمك ..ولكن لابد أن أسألك لماذا سينحني لنا الخدم؟ نحن لا ننحني إلا للعظيم
-من هو العظيم؟
سأل بغباء لترد هي ببديهية
-ومن سيكون غيره! ..ربي وربك ..خالق الكون وميسر الامور ..من يقدر على انهاء عالمنا وعالمك ببساطة
-هل تعبدون الله؟
سأل بدهشة لتتسع عيناها قليلاً قبل أن تنفجر ضاحكة مما جعله يرفع حاجبه باحثاً عن سبب مقنع لضحكها هذا
-لماذا تضحكين؟
سأل مبتسماً لتسيطر هي على ضحكاتها بصعوبة مما جعلها تسعل أكثر من مرة قبل أن تقول بسخرية
-أضحك لأن هذا أعجب سؤال سمعته منذ زمن طويل ..هل ظننت للحظة أن هناك من لا يعبد بالله؟
-نعم هناك من لا يؤمن بالله في عالمي وهم أكثر مما تتخيلي
قالها ببساطة لتندهش هي قليلاً ولكنها تذكرت أن البشر الذين كرمهم الله وجعلهم أرقى المخلوقات وجعلهم خلفائه في الأرض ربما يخرجون عن طاعته
-أشرب القليل من الماء، ولنجلس حتى أخبرك عن هذا الامر
قالتها وهي تمد يدها له بالأبريق ليأخذه هو بعد أن شكرها ويشرب منه القليل حتى يستسيغ الطعم وحين وجده جيد شرب منه الكثير
لم يكن يرى تلك التي تراقبه متخفية وعينيها متسعة بدهشة لرؤيته يشرب قبل أن تبتسم ابتسامة خبيثة متمنية أن تخبر سيدها بالأمر في أسرع وقت ..لقد كانت شخص تثق به (مهرة) كثيراً ولكن على ما يبدو إنها لا تستحق تلك الثقة
***
خطوات سريعة غاضبة لشخص -إن نظرت في عينيه سترى بوضوح الإجرام والرغبة بقتل أي شخص- كانت تضرب أرض القصر الملكي في المملكة الوسطى
-سيد باقر
قالها العراف بدهشة وهو يرى دخول (باقر) المفاجئ عليه ولكن دهشته لم تطول و (باقر) يهجم عليه ليمسكه من عنقه صارخاً بقسوة
-خطتك البائسة لم تنجح ..لقد أنتقلت الروح لأديم مرة أخرى وستكون المملكة قوية دوماً كما كانت
-سيدي هذا الأمر ليس بيدي ..يبدو أن الروح التي نسختها عنك لم تستطع القيام بالمهمة ..هناك جانب جيد داخلك يمنع الأمر
قالها العراف ببرود ليزداد جنون (باقر) وهو يهزه بعنف معاوداً الصراخ
-لقد أكدت لي أن الامر سينجح ..لقد ضحيت بجزء من روحي لأجل هذا ..لقد أصبحت أضعف جسدياً لأحصل على قوة السلطة
أبعد العراف يد (باقر) عنه وهو يكمل بهدوء جليدي
-كل هذا بسبب طمعك ..لم يجبرك أحد على نسخ روح لعالم اخر ..كما لم يجبرك أحد على قتل أعظم ملك في الكارما ..تحمل نتيجة أفعالك ..أنا لستُ سوى شخص ساعدك لتحقيق رغبتك
نظر له (باقر) قليلاً بكره قبل أن يغادر الغرفة قائلاً لأحد حراسه
-سنذهب للمملكة العليا ..استعدوا
-حسناً سيدي
رد الحارس بطاعة وهو يراقب (باقر) يبتعد بخطوات ثابتة لا تدل على الثورة بداخله قبل أن يدعو لنفسه بالصبر على هذا السيد النزق دوماً
***
-حسناً أديم ..لقد تساءلت هل نعبد جميعاً الله أم لا ..نحن أكثر من يعرف الله ..لا ننتظر شيء إلا يوم الحشر حتى نلقاه فليس من الذكاء ألا نعبده وقد خلق كل هذا
قالتها (مهرة) بنبرة عاشقة لخالقها ليبتسم (أمجد) قائلاً بحب
-أنتِ رائعة مهرة ..ستكون أيامي أفضل لأنكِ معي
-شكراً لك
قالتها بابتسامة حقيقية فتأمل هو تلك الابتسامة سعيداً إنها له
قاطع حديثهما دخول (أرهف) متنحنح لينبههما
-لقد انتهينا من بناء الحمام ..يمكنك استخدامه الأن
-أنا منبهر حقاً بهذه السرعة
قالها ضاحكاً قبل أن ينهض قائلاً بمزاح
-لنسرع إذن قبل أن افقد السيطرة على الوضع
-سأذهب أنا للتحدث مع من في القصر لتجتمع بهم على الفور ..لكن أرجوك تصرف بشكل جيد حتى لا تنهار المملكة
قالتها (مهرة) برجاء ليضرب كف بكف قائلا بغيظ
-لا إله إلا الله ..أنا لا أطلب منكِ شيء سوى القليل من الثقة ..فقط القليل
-أنا اثق بك بالطبع أديم ..فقط أخبرك بهذا للتأكيد
قالتها بسرعة حتى لا يفهمها بشكل خاطئ ليلقي عليها هو نظرة أخيرة قبل أن يبتعد مع (أرهف)
***
-بلماء لا تكذبي ..لقد رأيتك وأنتِ تتنصتي على مولاي ومولاتي ..هل تليق تلك الافعال بكِ؟ أنتِ من المملكة العليا ..لماذا تفعلي هذا؟
سألت (تالدة) صديقتها بهمس شرس لترد (بلماء) ببرود
-لو علمتي ما الذي رأيته هناك لشكرتني على هذا
على الرغم من فضول (تالدة) المعروفة به إلا أنها لم ترغب حقاً أن تعرف أي شيء من (بلماء) بهذا الشكل لذلك رفعت أصبعها قائلة بتحذير
-لو رأيتك تفعلي أي شيء مثل هذا مجدداً لن أتردد وسأخبر مولاتي على الفور ..هل سمعتِ؟
-بمَ ستخبريني تالدة؟
سألت (مهرة) التي خرجت لبهو القصر بأناقة لتتسع عين (بلماء) بذعر وهي تنظر ل(تالدة) تترجاها بعينيها ألا تخبرها بشيء ولكن (تالدة) لم ترغب بأن تتستر على الأمر واستعدت لتخبر (مهرة) بكل شيء ليقاطعها دخول أحدى الوصيفات وهي تقول بسرعة
-مولاتي ..السيد باقر في القصر ويريد رؤية مولاي أديم على الفور
رفعت (مهرة) حاجبها بأستغراب قائلة
-ما الذي جاء به الأن؟ لابد إنه هنا من أجل الاطمئنان على الملك بعد ما حدث ..حسناً.. قدمي له الضيافة إلى أن أخبر الملك
غادرت الخادمة بعد أن أومأت بالإيجاب لتتحرك (مهرة) على عجل بينما توجه كلماتها لوصيفتيها قائلة بصرامة
-لم ينتهي الأمر وستخبرونني بما حدث فيما بعد
ما إن أبتعدت (مهرة) حتى تحركت (بلماء) بسرعة قائلة بتوتر
-هناك شيء يجب أن أفعله على الفور ..لا تنتظريني
تنهدت (تالدة) بقلة حيلة وهي تراقب انسحاب صديقتها المتهورة وهي تفكر أن هذه ليست المرة الاولى التي تخطئ بها
ولكنها انتبهت خلال لحظات مما سمعته..(باقر) في القصر؟
***
عادت (مهرة) للجناح الملكي حتى تخبر (أديم) وما إن دخلت حتى هتفت
-أديم ..الملك باقر هنا عليك مقابلته على الفور
توقفت مكانها وهي تراقب ما يفعله هو و(أرهف) قبل أن تسأل بدهشة
-ماذا تفعلان ؟
ألتفتا لها ليتوتر (أرهف) ناظراً ل(أديم) يخبره بنظراته أن يجد تبرير فرد بهدوء
-لا أحب النوم بجوار أحد لذلك طلبت سريران منفصلان
رفعت حاجبها بعدم فهم قبل أن تسأل بأستغراب
-لماذا لا تحب النوم بجوار أحد؟!.. أديم يحب هذا
تنحنح قليلاً قائلاً بمنطقية
-أظن هناك بعد الاختلافات بيننا ..هل يمكننا الا نتناقش في هذا؟
-حسناً لا بأس ..هل أنت جاهز لمقابلة باقر؟ ..إنه هنا
سألته وهي تحاول تجنب التفكير بأمر انفصاله في النوم عنها ليرد (أرهف) بدلًا منه
-لا أعلم لما يحشر أنفه بكل شيء ..أليس من المفترض أن يأتي الملك؟
-نائب الملك شخص مهم أيضاً أرهف ..أنت مثلاً لك الكثير من الصلاحيات كونك نائب أديم
قالتها (مهرة) بجدية ليسأل (أرهف) بضيق
-هل تقارني باقر بي؟
-بالطبع لا يا أرهف، ولكن أخبرك أنه مهم وعلينا الاهتمام به
قالتها بهدوء وقور ليسأل (أديم) بتردد
-هل يعرف هذا الرجل ما حدث ؟ أقصد هل أتعامل معه على إني أديم أم الملك الجديد؟
-الكل أصبح يعرف الأن مولاي ..وأنت والملك نفس الشخص لذلك لا تقلق وتصرف كما تريد ..فقط لا تعطيه الامان فأنا لا أرتاح لهذا الرجل أبداً
قالها (أرهف) قبل أن يكمل بسرعة متذكراً
-هناك شيء أخر ..باقر يشبه أخيك كثيراً لا أعرف كيف يمكن هذا ولكن أظن أن الشبه جسدي فقط لأن روح باقر لا تنتسخ ..أخبرك بهذا حتى لا تتفاجئ
شحب لون (أديم) وهو يتذكر حلمه الغريب فأبتلع ريقه بصعوبة قبل أن يسأل بتوجس
-هل يمكنك أن تشرح لي شكل المكان الذي قتل فيه الملك أو حتى تأخذني لذلك المكان؟
-هل هذا وقته؟ ..أخبرك أن الرجل ينتظرك وأنت تريد معرفة تفاصيل ليس لها أي داعي!!
قالتها (مهرة) بغيظ أدهش (أرهف) وجعل (أديم) يناظرها ببرود قبل أن يرفع أصبعه قائلاً بلهجة قاطعة
-لا أريدك أن تتحدثي بهذه النبرة معي مجدداً ..إن لم تحبيني لا بأس ولكن أياكِ وتخطي الحدود معي فإن كان أديم صبور ومتفهم عليكِ معرفة إنني لست كذلك أبداً
أخفضت (مهرة) رأسها وهي تقول بندم
-أسفة لن أكرر هذا مرة أخرى ..لم أكن أتحدث هكذا مع أديم
-لا بأس ..هيا بنا أرهف
ألقى جملته الأخيرة وهو يتحرك ليتبعه (أرهف) كاتماً ابتسامته بشق الأنفس وما إن ابتعدا عن (مهرة) سأله (أديم) بسخرية
-تبدو على وشك الاختناق وانت تكتم ضحكتك ..ماذا حدث ؟
-تذكرت أديم ليس إلا
قالها ضاحكاً قبل أن يكمل بحنين لصديق يستعيده الأن
-هو أيضاً لم يكن صبور ولا متفهم ..حتى نظراته وعصبيته تشبهك كثيراً ..أنا حقاً سعيد بهذا
-أتركنا من أديم الأن ..لا أريد أن تعرف مهرة أي شيء عما أخبرتك به
قالها بجدية ليرد (أرهف) بوضوح
-أنت لا تعلم أن الملكة روحها مرتبطة بالملك ..أظنها ستكتسب كل تلك الصفات مع الوقت
-تباً.. ستختنق إن عرفت الأمر
قالها بضيق قبل أن يضيف
-لا تخبرها فقط وسنترك ما سيحدث للزمن
-حسناً لا بأس
***
جالس على المقعد الأنيق الموجود ببهو القصر منتظراً قدوم الملك وهو يلعن حظه البائس ليجده قادماً إليه أخيراً وبجانبه أكثر الرجال استفزازاً له فنهض ليستقبل الملك باحترام لا يشعر به
-مرحباً باقر ..شرفت المملكة بحضورك
قالها (أرهف) بسخرية ليبتسم (باقر) متجاهلاً أياه قبل أن يوجه كلامه للملك قائلاً بحزن مصطنع
-لقد علمت بما حدث معك مولاي ..المملكة كلها ارتعبت خوفاً عليك من الفناء
كان (أديم) يسيطر على انفعالاته بصعوبة وهو يرى شقيقه أمامه ..شقيقه الذي قتله بدم بارد
***
حمد ربه ألف مرة حين أنتهت تلك المقابلة على خير ونهض عائداً لغرفته ليجد (مهرة) هناك تدور في الغرفة بتوتر وكأنها تفكر في مصيبة
-ماذا بكِ؟
سألها فجأة لتنتبه إليه مجفلة قبل أن تسأله على الفور
-ماذا حدث ؟
-في أي شيء؟
سأل باستغراب لتتنهد هي بيأس من بطء الفهم
-ماذا فعلت مع باقر؟ ..هذا الرجل أشعر أن خبث المملكة الوسطى كله أجتمع به وربما يفعل أي شيء سيء
-هذا ما قاله أرهف قبل قليل ولكنك لم تأيديه
قالها باستغراب لترد هي ببديهية
-أتظن أن أرهف سيمرر الامر إن اخبرته بعدم ارتياحي ل باقر ..أقسم إنه لن يسمح له بدخول المملكة العليا مجدداً
-هل تثقي ب أرهف؟!.. أي هل يمكنني أنا الوثوق به ولأي درجة يمكنني هذا؟
سأل بتردد خائفاً ان يكشف (أرهف) سره لترد (مهرة) بثقة
-لدرجة أن تجعله ملكاً بدلاً منك ..لو وافقت على استعادة ذاكرتك ستفهم الامر ..أرهف بالنسبة لك أكثر من مجرد نائب ..إنه رفيق روحك
-حسناً لقد شعرت بالارتياح نحوه على أي حال
قالها ثم تحرك مبتعداً عنها لتمسك هي بذراعه قائلة بندم
-أديم ..انا حقاً لم أكن أريد الصراخ عليك ..انا اشعر بالتوتر فقط من كل ما يحدث
نظر لها للحظات يتأمل ملامحها النادمة ونظرات عينيها التي لم يفهمها ولا يظن انه سيفعل يوماً
-حسناً
قالها ببساطة قبل ان يتحرك باعداً يدها الممسكة بذراعه بلامبالاة أحزنتها فصرخت والدموع تنساب من عينيها رغماً عنها
-ما ذنبي في كل ما يحدث ..هل انا السبب في قتلك؟ ..هل انا من اخذتك من عالمك لأحبسك هنا ..الأمر ليس بيدي ..انا عاشقة لزوجي ..عاشقة لكل همسة منه وكل كلمة كان يخبرني بها ..أي إنني أجد صعوبة في تقبل الأمر اكثر منك
- لم يمر سوى ثوانٍ على اعتذارك وها أنتِ تعاودين الصراخ مرة أخرى
قالها بأسف مصطنع قبل أن يغادر تاركاً الغرفة لها لتقف هي مبهوتة تتساءل هل هذا فقط ما لفت نظره في حديثها؟
***
سار في رواق القصر لا يدري أين يذهب ليجد (أرهف) يسير في أتجاه أخر فناداه بسرعة
-أرهف أنقذني
توقف (أرهف) ليسأله بدهشة
-ماذا تفعل بالخارج في هذا الوقت ؟
-تباً لوقتكم ..لو كنا بعالمي الأن لكنا مازلنا ظهراً ..هل من المفترض أن أنام مثلا؟
-نعم لقد تأخرت على ميعاد نومك حتى
قالها (أرهف) ببديهية ليزفر (أديم) قائلاً بضيق
-حسناً لا أرغب في النوم الأن..ماذا يجب أن أفعل في هذه الحالة؟
-تعال لنتحدث قليلاً
سار معه ليخرجا من القصر إلى الحديقة التي سلبت لبه في الصباح ثم جلس ببساطة في مجلس الملك بعد ان اخبره (أرهف) أن يفعل وكأنه معتاد على ذلك
-أخبرني أكثر عن عالمكم ..وأخبرني عن الملك وعن كل شيء حتى لا أبدو كالأبله هنا
قالها بامتعاض وهو يرفع أحدى حاجبيه فابتسم (أرهف) لأن الملك كان ينظر هكذا وبدأ الحديث قائلاً
-الأمر هنا أبسط من عالمكم بكثير ..لقد قمت بأكثر من رحلة لهناك حتى أحل بعض الامور العالقة مع الارواح ووجدت أنكم غارقون في حياة مليئة بالخبث والجشع والحقد ..عالم تفوح من قلوب الكائنات به رائحة العفن
قبل أن يكمل (أرهف) قاطعه ليقول بسخرية
-لقد أخبرتني أن الملك قُتل ..أي ان هنا أيضاً أشياء سيئة
-صدقني لا أعلم حتى الأن من سيستفيد من موتك ولكن كن واثقاً أن عالمنا آمن تماماً وانا بنفسي سأحرص على ألا يصيبك أي مكروه
أنهى (أرهف) كلامه بثقة ليبتسم (أديم) بمجاملة فهو حتى الأن غير قادر على تفهم الوضع بالكامل
-هناك شيء يحيرني غير أمر قتلك ..كيف يمكن لباقر أن يكون في عالمين
سأل (أرهف) بأستغراب حقيقي ليتنحنح (أديم) متجنباً الحديث في هذا الامر مؤقتاً
-ماذا عن ذلك الرجل الهندي مالك الشقة؟ ..لماذا لم يأتي معنا ؟
-ولماذا سيفعل؟ ..هو ليس من عالمنا بل من عالمكم؟
-ماذا ؟ ..وكيف صدق هذا الجنون؟
سأل بدهشة ليرد (أرهف) ببديهية
-لأنه ليس جنون ..عالم الكارما حقيقي تماماً كما ترى ..أظن أنك جاهل بهذه الأمور ليس إلا ..لكن ذلك الرجل يؤمن بالكارما هو وكل من يعرفهم وهو معنا منذ فترة طويلة في عالمكم ويعرف كل شيء
-حسناً لن اندهش مرة اخرى ..يكفي ما حدث لي حتى الأن كي أعرف أن كل شيء غير منطقي في حياتي لم يكن إلا جهل
قالها ساخراً قبل أن يفكر للحظات ويعود ليسأل بشك
-وماذا عن الاشخاص الذين انتحروا في تلك الشقة ..ماذا رأوا حتى ينتحروا؟
-لم ينتحر احد ..نحن من قتلناهم
samia abdelfatah
samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 71
شكرًا : 644
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى