روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

مُساهمة  pretty dede في الإثنين يوليو 08, 2019 10:20 pm

مساء الخيرات

إن شاء الله اليوم هكمل معكن مشوار سلسلتنا

(لؤلؤة في محارة مشروخة)

النوفيلا الثانية (سمرا)

بعد ما انتهت قصتنا مع أثير الضحى لمنى لطيفي

أتمنى تستمتعوا معايا ونكون ضيوف خفيفة ومش نكديين مع إني أشك

أولا بحب أشكر ديلو على التصاميم وفريق تصميم روائع على تصميم الاقتباسات للنوفيلا Dalal DN

بشكر رندوش وحنين المتحملين هبلي حاليا Randa Adel Hanin Ahmed

وطبعا بشكر ضحاوي اللي بتدبسني كل مرة في نوفيلا جديدة متشكرة يا كبيرة Duha Hammad

ولا ننسى حبايب قلبي أدمونات روائع اللي مدلعيني في الاعلانات

وكمان مترجمتي الخاصة حاليا وسن بهجة حياة

أقدم لكن النوفيلا الثانية بعنوان ( ســــمــــــرا) وربنا يستر




***روابط الفصول***

خاطرة النوفيلا
المقدمة
الفصل الأول
الفصل الثاني









_________________
اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Fb_img13
pretty dede
pretty dede
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 306
شكرًا : 891
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
العمر : 28

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty رد: اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

مُساهمة  pretty dede في الإثنين يوليو 08, 2019 10:24 pm


خاطرة النوفيلا

أنا ابنة الليل وهو والدي.. أنا طارقة الأبواب ابحث عمن يأويني
أنا لؤلؤة بمحارة داخل أعماق المحيط.. يلفني الظلام من كل اتجاه..
تتصدع محارتي من شدة الحمل؛ ولكنها تبقى صامدة تحميني وتحمي قلبي؛
مهما بلغت الصعاب سأظل لؤلؤة تلمع في جوف البحار..
محارتي تحملي فمهما بلغ الشرخ, يبقى الصمود حياة..

_________________
اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Fb_img13
pretty dede
pretty dede
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 306
شكرًا : 891
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
العمر : 28

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty رد: اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

مُساهمة  pretty dede في الإثنين يوليو 08, 2019 10:26 pm


"المقدمة"


جلست أمام شاشة الحاسوب تنظر إلى الاتصال المرئي أمامها,

بعد تفكير طويل في الأمر وافقت على التحدث معها, في البداية استمعت إلى حديثها بتركيز شديد دون حديث, بل كلمات مقتضبة ترد عليها..

"وداد الوعد" إعلامية لها صيت واسع في كتابة قضايا المجتمع الشائكة,

كيف وصلت إليها, وعلمت بمكانها!..

لا تدري.. ولا تهتم, فقط لولا توسط راشد ابن عم زوجها وطمأنته لها؛ لم تكن لتقدم على هذه الخطوة..

ابتسامة ساخرة اعتلت ثغرها وهي تتذكر حديثها عن رغبتها في وضع قصتها في كتابها

(لؤلؤة في محارة مشروخة)

ليست قصتها فحسب؛ بل قصص مختلفة لغيرها, ربما اختلفت قصصهم وطريقة عيشهم؛

إلا أن النقطة المشتركة بينهم هي السجن..

أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بروية, تنظر خلال الشاشة فترى محدثتها تنظر إليها بترقب,

ممسكة بيدها مفكرة, وقلم لتدون ما ستقوله,

رُغم أن هذه المُحادثة ستُحفظ لديها..

ابتسمت ابتسامة خفيفة, تبلل شفتيها بطرف لسانها قبل أن تبدأ بالحديث..

حسنًا.. لا أدري من أين أبدأ!..

فلست من أصحاب الكلمات المنمقة, أو العقليات المثقفة أصحاب الكلمات العميقة المرسومة بدقة..

ربما لم أتعلم بمدارس عليا, أو احصل على شهادات؛ تخولني لأكون فردًا ذو مكانة ثقافية،

فقد تعلمت بأكبر مدرسة يمكن أن يتعلم فيها الإنسان؛ ألا وهي مدرسة الحياة..

الشارع بمعنى أدق، هو بداية قصتي؛ بل بداية مولدي..

ربما قصتي قد تنال منكم التعاطف الأسى، الشفقة،

قد تثير غضب البعض لبضع أيام وبعدها سينتهي الأمر كما بدأ،

فهذا هو الحال دائمًا، زوبعة وبعدها تهدأ حتى تنتهي،

على كل حال سأروي قصتي لكِ "سيدة وداد"،

ربما لم نلتقي وجهًا لوجه في عالمنا الحقيقي لعدم تواجدي بالبلاد، ولكن لقيانا بهذا العالم الالكتروني هو قدر، قدر قد أستطيع فيه التنفيس عما أشعر به،

فيجد البعض فيه قصة ربما تكون مكررة، وستتكرر على مر الزمان،

فقصتي وحياتي تعج بها الشوارع والأزقة،

فنحن من يطلقون علينا "أبناء الشوارع" أو "المشردون"

لن أطيل عليكم المقدمات, ولن أخبركم ببعض الحكم المملة، فقط سأقص عليكم قصتي..

قصة بدأت من قبل مولدي، لنقل قبلها بأكثر من عامين أقصى تقدير..

بتلك الليلة التي التقى فيها والد من أصبح قدري بوالدته، لتبدأ الحكاية..

بذلك الملهى الليلي حيث كانت ترقص كغيرها من الفتيات المنتشرات بالمكان،

كما يطلق عليهم " رقاصة درجة تالتة"

ترقص بالملاهي الليلية، بعض الأفراح، وبعد أن تنتهي تعود لمنزلها،

ليس منزل بمعنى الكلمة؛ إنما هو مكان أشبه بمستودع كبير يحوي العديد من الأفراد، وليسوا أي أفراد..

" في قانون الغاب البقاء للأقوى، وهو قانون الشارع أيضًا، ولكل مكان قانون وسيد.."

وسيد المكان هو "ناصف" أو "المعلم" كما ينادونه، زعيم المكان، من يتحكم بالقطيع، يوزع المهام،

ولا يستطيع أحد الاتيان بحركة إلا بأمر منه؛

وإلا نال ما لا يُحمد عقباه..

***************

_________________
اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Fb_img13
pretty dede
pretty dede
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 306
شكرًا : 891
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
العمر : 28

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty رد: اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

مُساهمة  pretty dede في الإثنين يوليو 08, 2019 10:27 pm

الفصل الأول


بقاعة استقبال الأهالي للزيارة المساجين بالسجن كانا يجلسان بركن منزوٍ إلى حد ما, نظراتها إليه كان بها من الشوق واللهفة,

ما يُعبر عن حبها للجالس أمامها بأريحية لا تتناسب مع الوضع,

يمج من لفافة تبغ رديئة, مع ملامح وجهه المتجهمة بتفكير, عيناه شاردتان بالفراغ أمامه, يستمع إلى محدثته بعدم اهتمام, فهي تثرثر دون توقف منذ أن وصلت,

هو قد اكتفى من المعلومات, فقد حصل على ما يريد,

معرفة أحوال رجاله, وكيف يسير الأمر بغيابه,

أمسك اللفافة بين إصبعيه, يزفر دخانها سريعًا,

هاتفًا بخشونة حادة:" بس رغي.."

توقفت بغتة من أمره, تعقد حاجبيها بامتعاض دون تعليق,

فيمط شفتيه للجانب بحنق, يرمقها بنظرات خاطفة,

قبل أن يلتفت حوله, يراقب المتواجدين حوله, والضوضاء المنتشرة بسبب باقي الزائرين من أهالي السجناء,

ما بين بكاء وشوق, لهفة وتبرم, تأفف من المكان الذي

لا يُناسب البعض, إلا أنه قد فُرض عليهم,

وهو لا يكترث, فالمكان لا يختلف كثيرًا عما اعتاد عليه,

فقط ما يزعجه من الأمر هو أن يستولي أحدهم على مكانته التي وصل إليها, أن يُنصب أحد صبيته نفسه مكانه, فيكون المعلم,

ويُصبح هو في طي النسيان حين يخرج, لكن مع وجودها, ونقلها للأخبار, مع بعض رجاله وصبيانه المُخلصين له, يشعر ببعض الراحة..

التفت ينظر إليها مجددًا, يسألها باقتضاب:" بت يا شوشو.. أخبار الراجل إياه إيه؟.."

عبست بعدم فهم لسؤاله؛

فعاد يوضح:" بتاع الخليج.."

هزت رأسها متفهمة, تمط شفتيها المطليتين بأحمر فاقع رديء الصنع,

مع باقي زينة وجهها التي لا تُناسب المكان, وكأنها ذاهبة لزفاف شعبي, تفوقت فيه على نفسها بتلطيخ وجهها بمساحيق التجميل لتبدو أكثر جمالاً في نظرها,

لا يمكن إنكار جمالها, عيناها الخضراوين, بشرتها البيضاء,

إلا أنها لا تعترف بالجمال الطبيعي, فتشوهه بما يقلل منه, لا يبرزه..

ترد عليه بنبرة ممتعضة وكأنها تستنكر ما يحدث:" ده راجل مهفوف في نافوخه يا خويا.. الراجل الشايب العايب عايز يتجوزني.."

ارتفع حاجبه من حديثها, يتطلع إليها بصمت, وهي تُضيف بغيظ:" قال إيه مش قادر على بُعدي وعايزني معاه, ويا حلاوة لو جبتله الواد اللي نفسه فيه.. هينغنغني بالفلوس.."

تراجع بظهره قليلاً يتمطى, مع تمريره لأصابعه على جانب رأسه الحليق والمُزينة بعلامة مميزة من "مديه" إثر أحد الشجارات,

يسألها بتعجب:" ومالك زعلانة كده ليه!.. وإيه يعني!.."

عقدت حاجبيها الرفيعين, تنظر إليه بدهشة, مرددة:" زعلانة!.. طبعا زعلانة, اتجوزه إزاي؟.. وإنتَ؟.."

عاد يأخذ أنفاسًا من لفافة تبغه, قبل أن يلقيها بعد أن انتهت,

قائلاً ببساطة:" أنا لسه قدامي كام سنة على ما أطلع من هنا.. والحالة مقشفرة أوي يا شوشو.."

ارتفع أحد حاجبيها مع ازدياد انعقادهما, تسأله بترقب:" قصدك إيه؟.. خليك دوغري.."

مط شفتيه للجانب زافرًا بحنق, يجيبها بصبر:" قصدي تقلبي رزقك معاه ياختي.. اطلعي منه بقرشين.."

اتسعت عيناها بذهول, هاتفة بفاه مفغر:" اتجوزه يا ناصف!.. إنتَ واعي للي بتقوله؟.."

_أيوه واعي.. اتجوزيه..

انتفضت من مجلسها بحركة عنيفة, تتخصر صادحة بنبرة سوقية:" ناعم يا خويا.. أتجوزه؟.. وإنتَ.. شكلك كده عايز تخلع مني يا ناصف.. بس لاااااا.. ده أنا......"

نبرتها العالية جذبت إليهما الأنظار, مما دفعه أن يهدر فيها بشراسة آمرًا:" شوقية.. اتعدلي بدل مانتِ عارفة.. اترزعي.."

جزت على أسنانها بقوة, تجلس رُغمًا عنها, تهز ساقها بعصبية, مع زمها لشفتيها كابحة لسانها السليط من الانطلاق,

وناصف يقول بعبوس:" هبلك ده تبطليه شوية.. هتفضلي حمارة كده على طول.. الكهنة الخليجي ده هنقلب منه قرشين, ولما أخرج هترجعيلي.."

أشاحت بوجهها لا يُعجبها حديثه, فمال مقتربًا منها قليلاً,

يغمزها قائلاً بخفوت عابث:" يا بت يا شوشو ده إنتِ الحتة الشمال.. ولولا إني عارف إنك بتحبيني, ومش هتسبيني مكنتش قولتلك كده.."

لم تجبه بأي كلمة, فعاد يقول بمهادنة ناعمة, مناقضة لخشونة ملامحه ليؤثر عليها:" يا بت أنا مش عايزك تتمرمطي وأنا بالسجن, ولا تفضلي رقاصة درجة تالتة في الأفراح والكباريهات.. الراجل ده هيعيشك مرتاحة, وينولنا من الحب جانب, ولا مش واثقة بناصف حبيبك.."

ابتلعت ريقها بصعوبة, ويده تربت على ساقها بإيحاء جعل اشتياقها له يزداد, فثقلت أنفاسها,

تهمس بخدر:" كلمتك سيف يا ناصف.. بس أنا عايزة أستناك.. إنتَ عارف أنا بحبك قد إيه.."

التوت شفتيه بابتسامة جانبية, يغمزها, هامسًا بمكر:" وأنا مقدرش استغنى يا بت.. بس لحد ما ارجع تكوني اتريشتِ شوية.."

أخذت نفسًا عميقًا تزفره بعدم رضا, لكن عقلها يُفكر بحديثه,

أما هو فزفر بنفاذ صبر, وتلك الحمقاء تريد أن تُضيع مثل تلك الفرصة الذهبية, فعاد يقول بمهادنة:" اسمعي الكلام.. أنا عمري قولت حاجة مكنتش في مصلحتك.."

_الزيارة انتهت..

وتلك كانت جملة انتهاء اللقاء التي انطلقت من أحد العساكر المتواجدين بالمكان للمراقبة,

نهضا من مجلسهما, وهي تنظر إليه بلهفة, وهو بترقب, رافعًا إصبعه قرب رأسه يحركه بحركة دائرية, مُكررًا:" قلبي الموضوع في راسك.. وبلاش هبل.. المصلحة دي هتعم ع الكل.."

هزت رأسها موافقة, قبل أن تقول سريعًا:" حاضر.. هتوحشني يا ناصف.."

اقترب منها, قائلاً بخفوت:" وإنتِ كمان يا شوشو.. يلا هستنى الزيارة الجايه تقوليلي أخبار حلوة.."

لمعت عيناها الخضراوين بعشق, تومئ موافقة بطاعة, مدلهة بحبه, قائلة:" اللي تشوفه يا حبيبي.."

ومع وصول العسكري, يدفعه بخشونة:" يلا ياخويا الزيارة خلصت.."

فيتحرك معه بامتعاض, هاتفًا:" ما بالراحة يا حـاصول, بنقول كلمتين ع الواقف.."

فيرمقه العسكري بنظرة مزدرئة, قائلاً وهو يدفعه مرةً أخرى:" خلصنا.. اتحرك.."

تحرك معه بضيق, وشوقية تهتف من خلفه:" مش هتأخر عليك يا ناصف.. ومتقلقش اللي قولت عليه هعمله.."

فيمنحها نظرة راضية باستحسان من فوق كتفه, ثم يتحرك حتى يختفي عن أنظارها, فتزفر بحرارة ملتاعة, تتحرك اتجاه باب الخروج,

مهمهمة:" هتوحشني يا سيد الرجالة.."

****************

في الملهى الليلي يعلو صوت مطرب بصوت نشاز, لا يهتم أحد بأمره أو يستمع إليه, فقط دوره يُصدر صوت بكلمات معظمها غير مفهوم,

يدور حول راقصة ببذلة رقص سوداء قطعتين, تحتضن جسدها البض, تتراقص على نغمات الأغنية الشعبية ذات الموسيقى الشرقية, بابتسامة متسعة,

تتمايل بإغواء وسط بعض العيون المراقبة لها بشهوة واضحة, يحملون بأيديهم كؤوس شفافة بسائل أصفر اللون مُغيب للعقل..

والبعض الآخر لاهٍ فيمن بجواره من فتيات ترتدي من الملابس ما يُظهر من المفاتن, ما يجعل الناظر إليها يسيل لعابه..

وبأحد الطاولات كانت تجلس واضعة ساق على الأخرى, فيرتفع فستانها القصير مُظهرًا ساقيها البيضاوين الممتلئين بسخاء, مُشيحة بوجهها للجانب,

ناظرة بطرف عينها الناعسة بدلال مدروس, للجالس بجوارها, تتدلل عليه فترميه بنظرة, تهديه لمسة, وبعدها تتمنع عليه, جاعلة إياه يشتعل شوقًا إليها..

ابتلع ريقه بصعوبة, يُعيد حديثه إليها بنبرة ثقيلة راغبة:"وش قلتِ يا شوشو .. أنا أبيك.."

زفرت بصوت مسموع, زامة شفتيها المكتنزتين المطليتين بلون أحمر زاد من اكتنازهما,

تخبره بتأفف زائف:" إنتِ مش بتتعب من الكلام في الموضوع ده!.."

فيميل عليها مقتربًا أكثر, قائلاً بهيام:" لو تريحين قلبي وتوافقي.."

تراجعت بجسدها المغناج للخلف قليلاً, فتتحرك معها مفاتنها الظاهرة من فتحة فستانها منخفض الصدر, تبتسم ابتسامة ملتوية ماكرة, قائلة بغرور:" ليا شروطي.."

اتسعت عيناه بقوة, يهز رأسه موافقًا, قائلاً بلهفة:" كل طلباتك تتنفذ.."

كتمت ابتسامتها المنتصرة باقتدار, تلتفت بجسدها إليه, تخبره بخفوت متدلل:" عايزة شقة باسمي.. وكمان فلوس تضمن إنك مش هتاخد اللي عايزه وترميني.."

رقت نظراته المدلهة بها, يتنهد بهيام, قائلاً:" ما راح أسوي .. بس وافقي وبتصيرين ملكة .. إذا جبتي لي ولد .. اخلي العالم لك ملكك، بيدك.."

صمت قليلاً وقد لمعت عيناه بأمنيته الغالية, يُكمل بشرود:" سيكون العالم بين يديكِ.."

نظرت إليه بدهشة حقيقية, شاعرة بالغرابة من حديثه وخاصةً عن الطفل,

مترجمة حيرتها بسؤالها:" طب ما تتجوز غيري ومن بلدك.. اشمعنه أنا!.."

ابتسم بهدوء وقد ارتخت ملامحه, يجيبها ببساطة:" تحسبين إني ما سويت؟.. تزوجت كم مرة.. لكن رزقت بالبنات بس.."

تنهد بتثاقل, يُريح ظهره للخلف, مستطردًا بقلة حيلة:" أحبهن.. بس أبي الولد عشان يشيل اسمي, ويساندني إذا كبرت وصار الشعر أبيض.."

اسندت ذراعها على الطاولة, مرتكزة بكوعها, تضع يدها المضمومة أسفل وجنتها تنظر إليه,

وهو يسترسل بحديثه شاردًا أمامه بالمكان:" أخوي متزوج وله ثلاث عيال .. العود اسمه راشد, الصدق إني اغليه كأنه ولدي.. بس لما اشوف بناتي أحس بالحسرة لإنهن بدون سند الأخو.."

عاد ينظر إليها بابتسامة صافية, مُكملاً بلطف:" أبي أجرب حظي معك.. أنا أبيك وشاريك, وأبي ولد منك.."

هزت رأسها بتفهم غير مبالية, تخبره بفتور:" وماله.. بس الشقة عقدها يكون بإيدي قبل ما أمضي قسيمة الجواز.."

_ابشري..

***************

في الزيارة التالية كانت تنتظره بقاعة الزيارات, وحين دلف للقاعة جابت عيناه المكان يبحث عنها فعبس حين لم يجدها,

لكن اتسعت عيناه بذهول حين رآها تلوح له بيدها من بعيد,

اقترب بخطوات متكاسلة وعلى ثغره ابتسامة غير مصدقة,

فمن أمامه تختلف عن شوقية خاصته وإن كانت لا تزال هي بوجهها المصبوغ بمساحيق التجميل, علكتها التي تلوكها بفمها, إلا أن ملابسها تغيرت تمامًا فبعد أن كانت ترتدي عباءة سوداء مفتوحة يظهر من أسفلها ملابسها العادية,

الآن ترتدي ملابس محتشمة إلى حد ما يظهر عليها الثراء,

حين وقف أمامها ولا تزال ابتسامته على وجهه, يهز رأسه للجانب قليلاً, يهتف بإعجاب:" اش اش اش.. إيه ده كله يا شوشو.. شكل البليه لعبت معاكِ يا بت.."

نظرت إليه بنظرات عاشقة كالمعتاد, تبتسم بنعومة, قائلة باعتذار ملهوف:" وحشتني يا ناصف.. غبت عنك أنا عارفة.."

جلس على الأريكة الخشبية المتآكلة, نظراته تجري عليها من أعلى رأسها لأخمص قدميها, غير مبالي بكلماتها,

يسألها بفضول:" إيه العز ده كله؟.."

جلست بجواره تتنهد بضيق, تلتصق به تتنفس رائحته المُعبقة بالسجائر وكأنها أفخر العطور, تجيبه بامتعاض:" عملت اللي قولتلي عليه واتجوزته.."

ارتفع حاجباه يفغر فاهه بانشداه, قبل أن يهز رأسه باستحسان, مربتًا على ساقها, قائلاً برضا:" جدعة.. شفتِ كان عندي حق إزاي.. يا بت ده أنا معرفتكيش في النضافة.."

زمت شفتيها للجانب بحنق, تغمغم بنزق:" خلاص يا خويا.. محسسني إني كنت معفنة قبل كده.."

ضحك بصوت عالٍ, يضربها بكفه بخشونة, قائلاً بلا مبالاة:" مش القصد ياختي.. بس العز باين عليكِ.. شكله متكيف منك ع الآخر.."

زفرت بقوة وقد تجهمت ملامحها, قائلة بضيق:" متكيف ياخويا.. ولازقلي.. كنت بشوفه مرة كل شهرين.. دلوقتشي بشوفه كل شهر.. تقولش الراجل خايف لاهرب!.."

اتسعت ابتسامته مظهرة أسنانه الصفراء, ماسحًا عليها بطرف لسانه, يشاكسها بوقاحة:" ليه حق يا بت.. ده إنتِ شوشو.."

غامزًا إياها بطريقة موحية, يُذكرها بلياليهما سويًا,

دفع ابتسامة عابثة لترتسم على شفتيها, قائلة بحرارة:" وهو حد زيك يا ناصف.. كلهم ما يسووش جمبك حاجة.."

ابتسم بتصنع لزج, يعود لتفحصها فيسترعي انتباهه تلك الأساور الذهبية المزينة لرسغها,

فيضحك بهزء متهكمًا بسخرية:" وكمان دهب.. دي زهزهت معكِ يا بنت الحفيانين.."

تجهمت ملامح وجهها بانزعاج من سبه لها, مهمهمة بكلمات غير مفهومة, لمزاحه الثقيل,

إلا أنه عاد يسألها بجدية علت تقاسيم وجهه:" إلا قوليلي بتشوفي حد تبعنا؟.."

زفرت بخفوت, تجيبه بتلقائية:" أنا سبت الشغل في الكباريه علشان حمدان شرط عليا بكده, بس من وقت للتاني بتجيلي البت مُهجة وبتقولي على الأخبار.."

ارتفع حاجبه ينظر إليها بترقب, يهز رأسه يحثها على الحديث, فتُكمل:" البوليس شادد حيله اليومين دول أوي.. خصوصي بسبب موضوع خطف العيال.."

صمت شاردًا يرفع يده يحك بها ذقنه بتفكير, يقول وكأنه يُحدث نفسه:" لحد دلوقتِ مفيش أي أمارة.. ومحدش وصل السجن قريب يقول النظام.."

ثم عاد ينظر إليها, يأمرها بجدية:" لما تقابلي البت مُهجة تاني ابقي قوليلها المعلم بيقولكم هدوا اللعب لحد ما اللبش يخلص.."

هزت رأسها موافقة بخنوع, تُحاول الحديث, لكنه نهض من مكانه بملامح جامدة مُخيفة, يود الذهاب لأحدهم, يُخبرها بفتور:" اتيسري إنتِ دلوقتِ ومتنسيش اللي قولتلك عليه.."

نهضت من مكانها بخيبة, تقول بخفوت:" ماشي.."

تحرك من أمامها دون وادع, فعادت تنادي عليه بلهفة:" ناصف.."

التفت بوجهه ينظر إليها من فوق كتفه بضيق, لكنها أكملت سريعًا:" أنا سيبالك قرشين كده فـ الأمانات لحد الزيارة الجاية.."

هز رأسه بلا اهتمام, وعاد يُكمل طريقه بعيدًا عنها, وهي تراقب انصرافه بكتفين متهدلين..

*************

بشقتها تجلس بأريحية على الأريكة, تثني إحدى ساقيها أسفل منها, والأخرى تؤرجحها ببطء, واضعة يدها على بطنها المنتفخة,

تدندن مع الموسيقى المنطلقة من الراديو المُجاور لها, وابتسامة مُغوية مرتسمة على شفتيها,

وبجوارها يجلس زوجها, ينظر إليها بابتسامة ناعمة, يراقبها وهي تأكل بعض حبات العنب من الطبق الموضوع على ساقها,

والتي أعدته لها الخادمة التي أحضرها لها كي تخدمها بعد أن ثقُل حملها,

عيناه تتركزان على بطنها بعينين حانيتين, يترقب بشوق قدوم الصغير ولم يتبقى سوى القليل..

التفتت تنظر إليه تراه شارد, فتسأله:" مالك يا حمدان؟.."

رفع نظراته إليها, دون أن يفقد ابتسامته, يجيبها:" سلامتك.."

ارتفع حاجبها بعدم تصديق, فعاد يُكمل بنبرة حالمة:" متحمس لجيته.. مدري كيف باصبر على باقي الأيام!.."

قلبت عيناها بملل, تلوي شفتيها بامتعاض, قائلة بضجر:" خلاص هانت.. أنا أصلاً جبت آخري وحاسة نفسي هفرقع.."

ضحك بخفوت, يهز رأسه بخفة, قائلاً بمرح:" جيبي الولد وراح ترجعين مثل قبل.."

ثم غمزها بعينه, يُكمل بتلاعب:" أنا أشوفك حلوة بكل حالاتك.."

هزت رأسها مع نظراتها الساخطة, تسأله بفتور:" يا خوفي بعد ما أولد وتطلع بت يتغير ده كل.."

أخذ نفسًا عميقًا يبتسم بوجهها بسماحة, قائلاً بنفس راضية:" هذا قدري .. بس بحبها وأعاملها باللي يرضي الله .. انا مو شخص يترك عياله حتى لو كانن بنات .. لإن إكرامهن واجب علي.."

شعرت بغضب داخلي مع حقد دفين من حديثه, فشتان بينه وبين معاملته لبناته,

وبين معاملة والدها القاسية والذي ما إن اشتد عودها حتى ألقاها بالشارع بتحريض من زوجة والدها,

وقد اكتفى منها ومن حِملها, مكتفيًا بباقي أطفاله وأنها تقاسمهم طعامهم الذي بالكاد يكفيهم, لتتلطم بكل مكان, ولولا جمالها الواضح, وتعرفها على ناصف وإيواؤه لها لم تكن لتنجو..

زمت شفتيها بقوة, وقد أظلمت عيناها, تنهض من مكانها ببطء بسبب ثقل حملها,

تخبره بنبرة قاتمة:" لما نشوف يابو البنات.."

*****************

بالمشفى تجلس شبه مستلقية على الفراش ذو الشرشف الأبيض, يقف بجوارها حمدان بعينين متسعتين تنظران للصغير بين ذراعيه بفرح, وابتسامة مشرقة,

حامدًا الله على عطيته, وأنه أنعم عليه بالولد بعد سنوات, مُكبرًا بأذنه, داعيًا الله أن يجعله خير الذرية, سندًا له, ولشقيقاته..

بجهد أبعد نظراته عن وجه الصغير, ينظر لشوقية بامتنان, يقترب منها بتأني, قائلاً بتأثر:" مبروك يا غالية .. حققتي لي حلمي.."

رفعت رأسها تنظر إليه بوجه مُرهق من الولادة, ترى ملامحه المُشرقة, وكأنه قد صغر سنوات وسنوات, يكاد يتقافز من السعادة..

مال إليها بحذر, يضع الصغير بين ذراعيها, قائلاً بلهفة طفل يود أن يُري العالم أجمل هدية:" سمي بالله.. وشوفي.."

تلقفته منه, ما إن نظرت إليه حين وضعه بأحضانها, ترى بشرته البيضاء, ملامحه التي تكاد تشابهها كثيرًا, وحين فتح عينيه وجدتهما خضراوين كعينيها,

حتى هتفت سريعًا دون تفكير:" هسميه ناصف.."

عقد حمدان حاجبيه بتعجب, قبل أن يردد الاسم بشفتيه, ثم ابتسم موافقًا:" ناصف.. كما تريدين يا غالية.. للي تبينه يا غالية.. ربي يجعله ذخر لنا.."

مال إليهما يقبل الصغير على جبينه برقة, ثم يقبل جبينها, قبل أن يعتدل, قائلاً:" بروح أبشر أهلي.."

هزت رأسها بلا مبالاة, عيناها مسلطتان على الصغير, ترد عليه بلا مبالاة:" ماشي.."

أسرع بخطواته يكاد يُهرول, حتى يتصل بعائلته يبشرها بقدوم صغيره..

وفي الهاتف حين رد عليه شقيقه, هتف مُهللاً:" الله رزقني بالولد يا أخوي .. الله رزقني بناصف.."

ابتسم شقيقه بهدوء, سعيدًا لفرحة أخيه, يهنئه:" مبروك يا أخوي.. الله ينبته نبات حسن.. يتربى بعزك إن شاء الله.."

ضحك بسعادة, قبل أن يأمره بلطف:" عطيني أم مريم اعلمها.."

هز شقيقه رأيه موافقًا وكأنه يراه, ثم نادى على زوجة أخيه, يُعطيها سماعة الهاتف, فتتلقفها بلهفة:" أبو مريم.."

وصلتها أنفاسه اللاهثة, يُصحح لها:" أبو ناصف.. لقد جاء ناصف.."

رمشت بعينيها تبتلع غصة مسننة استحكمت بحلقها, قبل أن تبتسم بوهن, قائلة:" مبروك يا أبو ناصف.. مبروك.."

ثم أردفت بهدوء وكأنها تُذكره:" بتجيبهم سوا صح؟.."

أومئ مؤكدًا:" أي نعم.. بجبيهم معي.."

******************

انتهى الفصل الأول قراءة ممتعة

_________________
اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Fb_img13
pretty dede
pretty dede
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 306
شكرًا : 891
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
العمر : 28

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty رد: اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

مُساهمة  pretty dede في الإثنين يوليو 15, 2019 3:37 am


الفصل الثاني

بعد عودتها من المشفى بأيام أخبرها بحمدان بأنه سيسافر إلى بلاده, لم تُعقب فهي لا تهتم؛

إلا أن ما جعلها تتفاجأ, بل وتتسع عيناها منه هو رغبته في اصطحابها معه هو والصغير, مُعللاً حديثه بأنه يريد أن يظل الصغير معه, ويتربى بين أفراد عائلته..

ذلك القرار لم يكن ببالها أبدًا, هي لم تتخيل أو تُفكر أنها قد تُسافر بمكان آخر حتى ولو أنجبت, خوف داهمها لم تعرف سببه, جعلها تعتدل في جلستها حيث كانت تجلس باسترخاء على الأريكة بعد أن أرضعت الصغير, وحمله والده كعادته؛

وكأنه لا يزال لا يُصدق أنه معه بالفعل..

متسائلة بتوجس:" حمدان.. إيه اللي خلاك عايز تاخدني معاك؟.. مانتا بتروح وتيجي!.."

رفع وجهه ينظر إليها بابتسامة هادئة, إصبع يده يقبض عليه كف الصغير وهو نائم,

يجيبها:" هذا كان قراري من الأول.. كنت احتريك بس حتى تولدين.."

راقبت وجهه بتفحص مرتاب, وعقلها يُحاول التفكير, تعقد حاجبيها بتركيز, قائلة:" مكنش كلامنا قبل كده.. أنا معيزاش أسافر.."

رمش بعينيه يعقد حاجبيه بدوره بتعجب, يسألها بحيرة:" ليه؟.. وش إلي عندك هنا ؟.. قلتي لي قبل انك ما عندك أهل؟.."

تجهم وجهها مع اشتعال غضب بداخلها كالعادة حين تتذكر عائلتها,

فهدرت بحدة غير مُبررة بالنسبة إليه:" إنتَ بتعاييرني إني مليش أهل يا حمدان ولا إيه؟.."

ثم انتفضت تضع إحدى يديها على وسطها متخصرة, وبيدها الأخرى تشيح بها بحركة عصبية,

تُكمل بانفعال:" دلوقت هتطلع القطط الفطسانة فيا؟.. ما كنت قبل كده زي العسل على قلبك.. ولا بعد ما جبت الواد خلاص بقيت كخة!.."

ارتفع حاجباه بدهشة من حديثها وغضبها, يهز رأسه مستفهمًا:" اهدي وش فيك ؟.. ما اقصد الي تقولينه .. قصدي ان جلستك هنا ما لها سنع.."

جزت على أسنانها تزفر باشتعال ترمقه بنظرات قاتمة, تخبره بحدة:" ليا ولا مليش.. معيزاش أسافر.. مش شايفة داعي لسفري.. روح وتعالى زي ما بتعمل.."

تنهد بتثاقل, يمط شفتيه بيأس منها, يقول بنبرة متريثة:" يا غالية .. عندي اشغال كثيرة هناك.. وهذي الفترة ما اقدر اجي على هواي.."

ثم نقل بصره للصغير يبتسم إلى وجهه النائم بحب,

مُضيفًا بحنان:" ما اقدر اترك ناصف ولا يوم واحد.."

علا صدرها وهبط بانفعال, تستعر عيناها الخضراوين بغل, تسأله بترقب مشتعل:" وده كان هيبقى كلامك لو كان جه بت؟.. كنت هتاخدنا معاك برضو؟.."

لا يفهم حقًا سبب ثورتها وحديثها عن هذا الأمر كل مرة, فهو يُعاملها معاملة حسنة, ولم يُشعرها بأي نقص أو ما يدفعها للغضب..

لكنه عاد يُخبرها بصبر:" قلت لك قبل اني ما راح اترككم حتى لو جبتي بنت.."

ثم استطرد مُحاولاً توضيح الأمر علها تهدأ وتطمئن:" كل بناتي من زوجاتي الثانيات ساكنات ببيتي.. اعاملهن ازين معاملة واكرمهن .. مزنة تعاملهن مثل بناتها.."

ارتفع حاجبها بدهشة دون أن يفقد وجهها تجهمه, مرددة:" مزنة!.."

فيستطرد موضحًا:" مزنة أم مريم.."

مالت بجسدها قليلاً مع ميل رأسها للجانب تتفحص وجهه,

تسأله بفضول:" وهي مزنة دي مش مراتك الأولانية؟.. قابلة بده كله؟.."

ثم صمتت لوهلة, وبعدها أكملت بنبرة متشككة:" وبعدين اش عرفك إنها هتقبل بينا.. مش يمكن عشان كانوا بنات قبلت بيهم.. لكن ده واد هيكون مختلف.."

قرب الصغير إلى صدره قليلاً يهدهده برقة حين شعر بتململه, ثم أجابها:" لا.. هي بعد تبي جيتكم عشان يسكن ناصف مع خواته وبين أهله.."

لا تُصدق, حقًا لا تُصدق كلمة من حديثه, كيف لامرأة أن تقبل كل زيجات زوجها راضية, بل وتتقبل أولاده من غيرها,

هناك شيء مريب بالأمر يُشعرها بعدم الراحة, غير أنها لا تُريد الرحيل والابتعاد عن ناصف, فهو وإن بقي له بضع سنوات بالسجن لكنه سيخرج بلا ريب, وهي تود انتظاره,

هزت رأسها رافضة, تقول:" مش هسافر يا حمدان.. أنا هفضل هنا.."

اكفهر وجهه بضيق من قرارها, لكنه لن يستطيع أن ينفذ مطلبها هذه المرة, فأخيه وعائلته تريده أن يُحضر ابنه لبلاده,

فرفع وجهه ينظر إليها بجدية, قائلاً بحزم:" ما يصير شوقية.. بنسافر.. ناصف بيتربى عند أهله.. مع خواته.. كنت ابيه يكون سند لهن وهذا الي بربيه عليه.."

اشتعلت عيناها, تحدجه بشراسة, هادرة بجنون:" يعني عايز تقطعني عن بلدي.. عايزني أكون بينكم هناك تتكاتروا عليا.. لااااااااااا.. ده أنا......."

وضع الصغير على الأريكة بحذر ثم نهض من مكانه, يتحرك اتجاهها, فتحفزت تنظر إليه بقلق, حتى وقف يواجهها,

أخذ نفسًا عميقًا يزفره بروية يكتم غضبه من حديثها, يلتمس صبره المعهود, وربما يشعر بخوفها,

فقال مُهادنًا:" متى ما بغيتي تنزلين لبلدك روحي.. ما راح احرمك من بلدك شوشو.."

زمت شفتيها بقوة صامتة, تشيح وجهها عنه برفض متشككة,

فعاد يخبرها ملاطفًا:" أوعدك وأنا ما اخلف وعودي .. مع إني ما أدري وش الفايدة من الروحة بدون سبب, لكن راح تنزلين كل سنة مثل ما تبين.."

عقدت ذراعيها أمام صدرها, دون أن تنظر إليه, قائلة بتعنت:" مش مصدقاك يا حمدان.."

مد يديه يضعهما على ذراعيها يقربها إليه, يضمها لصدره,

قائلاً بوعد:" راح أسوي.. أدري ان الغربة صعبة بس هناك عندنا بنصير أهلك.."

أراح رأسها على صدره, يمسد خصلات شعرها المصبوغة بلون أشقر مستفز, وهي تحارب رغبتها في الرفض وجعله يأخذ ابنه ويرحل لتبقى هي,

لكن نظرة منها لناصف الصغير النائم هناك؛

جعل لسانها ينطق دون شعور:" ماشي.. بس هنزل مصر كل سنة.."

ابتسم برضا, يقربها منه أكثر, يُقبل رأسها بحنان, قائلاً بخفوت:" لك اللي تبين.."

***************

لم تستطع أن تذهب لزيارة ناصف بسبب إجراءات السفر التي قامت بها, بل وانشغالها مع الصغير,

لكن حين أتت إليها مُهجة أخبرتها أنها ستُسافر, ولتُخبر ناصف أنها ستعود كل فترة مُعطيةً إياها مبلغ من المال كي توصله إليه في محبسه..

ومع وصولها لمنزل عائلة حمدان اتسعت عيناها بانبهار مما تراه لأول مرة, منزل ضخم بفخامة لم ترى مثلها من قبل, كل ما به يدل على رغد عيش أهله..

لكن ما فاجأها حقًا ذلك الاستقبال الذي وجدته من زوجة حمدان وشقيقات ناصف, التففن حولها ينظرن إليها بتفحص, يبتسمن وكأنهن يرين شيء جديد, مع الإشادة بجمالها الواضح..

ونظراتهم الملهوفة للصغير الذي تحمله بين ذراعيها, يتصارعن عليه كي يحملنه,

إلا أن ما أوقفهن كان صوت "مزنة" حين وبختهن على ما يفعلنه, مرحبة بشوقية بهدوء أثار بها التوجس,

بعد أن سلمت على زوجها بعينين عاشقتين تكاد تكون مفضوحة النظرات..

اصطحبت مزنة شوقية, والطفل إلى غرفتها التي أعدتها لها بنفسها,

قائلة بهدوء:" ارتاحي.. وراح اوريك المكان بعد شوي.."

نظرت إليها شوقية بدهشة متشككة, تضع الصغير على الفراش, ثم تنظر حولها بتفحص, قائلة بحذر:" إنتِ اللي جهزتيلي الأوضة؟.."

ابتسمت بوجهها, تجيبها بتلقائية:" ايه.. أنا.. ليه؟.. ما عجبتك؟.."

ارتفع حاجبها, تتفحصها بدقة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها, مغمغمة لنفسها بريبة:" إنتِ اللي مش مريحاني يا وليه.."

لكنها قالت بصلف:" مش بطالة.."

هزت رأسها بإيماءة, تهم بالخروج حين وجدت ابنتها مريم تهرول للداخل, هاتفة بفرح:" أبي اشوف الصغير واجلس معه.."

نظرت إليها شوقية بحاجبين مرفوعين وهي ترى مريم البالغة من العمر إحدى عشر عامًا تقترب من الصغير على الفراش,

دون انتظار ردها, تتأمله بعينين متسعتين بانبهار, تتلمس وجنته برقة, مبتسمة ابتسامة تقارب البلاهة..

فتجد والدتها تنهرها بحزم:" مريم.. هم تعبانين من السفر.. ولازم تستأذنين قبل ما تدخلين.."

التفتت إلى والدتها بحاجبين معقودين بأسى, قائلة بخفوت معتذر:" كنت أبي بس أشوفه.."

فتحدجها والدتها بنظرة مُحذرة, قائلة:" خوذي الإذن من أمه.."

رفعت نظراتها لشوقية تسألها بعينين متوسلتين بلهفة:" أقدر أجلس معه خالة؟.. أو آخذه حتى ترتاحين لو حابة؟.."

حقًا هذا المكان عجيب بكل من فيه, إلا أن شوقية مطت شفتيها بلا مبالاة, قائلة بتهكم ساخر:" وماله يا روح خالتك.. خديه.."

فتكاد تقفز مهللة, قبل أن تنحني, تحمل ناصف بحذر وكأنه قطعة خزف قابلة للكسر, تتحرك به بسعادة, ومزنة تتابعها بتنهيدة, قبل أن تلتفت لشوقية,

تخبرها بحرج:" البنات متحمسات لشوفة الصغير.."

هزت رأسها بعدم اهتمام تعود لتفحص الغرفة, لكنها التفتت حين سمعت صوت إحداهن, وهي تقول بنبرة ممطوطة:" جت أم الولد.."

نظرت كلاً من "مزنة" وشوقية يطالعن تلك الواقفة على الباب تستند على إطاره تنظر إليهم باستعلاء واضح..

فالتفتت مزنة إلى شوقية تخبرها:" هذي أم راشد هند.. زوجة أخو حمدان.."

هزت شوقية رأسها تتفحص هند بنظرات متمهلة, إن كانت تشعر بالريبة من مزنة, فهي لا ترتاح لتلك الهند من أي اتجاه..

حين تحركت الأخيرة تدلف للغرفة بخطوات متهادية, تمط شفتيها للجانب مع نظراتها الناعسة,

تقول بتقييم:" حلوة.."

ثم وجهت حديثها للأخرى تُكمل بسخرية:" مزنة.. الظاهر النظام هنا بيتغير.."

اكفهر وجه مزنة تشيح بنظرها عن هند تحوقل ملتمسة الصبر,

وهند تزيد وكأنها تضع القواعد مُحذرة:" لكن كل وحدة هنا لازم تعرف قدرها .. وتعرف من هي ام راشد.. وأكيد حمدان قال لك عن البيت واللي فيه.."

قالت جملتها الأخيرة بتفاخر,

جعل لسان شوقية السليط ينطلق بلا تردد:" اه قالي.. بس اللي أعرفه كلنا ولاد تسعة يا حبيبتي.. إلا إذا كنتِ إنتِ بنت سبعة وأنا خُلقي ضيق مش بيسيع.. روحي يا أم راشد.. راشد بينادم يا حبيبتي تغيريله.."

اتسعت عينا هند بذهول من حديث شوقية ومعاملتها لها بالند, فاحمر وجهها بغضب, تفغر فاها كي تعنفها,

إلا أن شوقية أضافت موجهة حديثها لمزنة:" إلا قوليلي يا أم مريم مش دي أوضتي ياختي.."

رمشت مزنة بعينيها تهز رأسها موافقة تتنحنح مُجيبة إياها:" أي نعم!.."

فتتنهد بطريقة مبالغ فيها, لاوية شفتيها, تقول بامتعاض مع ضربها بكفها لظاهر كفها الآخر تضعهما على صدرها:" أمال شايفاها زي السويقة ناس داخلة وطالعة بلا استئذان ليه؟.."

اشتعل وجه هند بالغيظ تكاد تنفجر, في حين فهمت مزنة الحديث فكتمت ضحكتها بصعوبة,

مطرقة بوجهها للأسفل قليلاً, فيبدو أن ضرتها الجديدة ليست بالهينة, وستقف لهند ندًا بند..

وما جعلها تعض على شفتها بقوة كي تقاوم نوبة ضحكها,

قول شوقية بدهشة مصطنعة:" الله إنتِ لسه واقفة يا أم راشد؟.. ده أنا فكرتك مشيتِ مش بقولك راشد بينده عليكِ.. لا مؤاخذة ياختي عايزة أريح.."

بنظرات حارقة حدجتها هند قبل أن تتحرك لخارج الغرفة بخطوات ساخطة تدق الرض بكعب حذائها..

فالتفتت شوقية لمزنة, تهتف بحنق:" وليه عايزة الحرق بصحيح.. مالها عاملة زي القرموط بتتلوى عايزة ساطور يحش رقبتها!.."

عقدت مزنة حاجبيها تُحاول فهم حديثها, ولكن لم تستطع, فقالت بلطف:" أم راشد عصبية شوي.."

فتشيح بيدها بسخط, قائلة بنزق:" على نفسها مش عليا.. شكلي هجبها تحت مني أوريها تتعدل معايا إزاي.."

ابتسمت مزنة وشماتة غريبة تتكون بداخلها اتجاه هند, التي لم تكن تدع فرصة إلا وأسمعتها من لسانها السليط ما يوجعها,

تنحنحت مرةً أخرى, تتحرك مُهمة بالخروج, قائلة برقة:" ارتاحي شوي شوقية .. ولا تشيلي هم الصغير .. أنا بهتم فيه.."

ثم خرجت مُغلقة الباب خلفها,

تاركة شوقية تتحرك بعصبية تاركة لسانها ينطلق بشتائم لسلفتها المدعوة سمر.. مع توعدها لها..

متمتمة مثل:" شكله كده هيبقى مركبة السلايف غارت, والضراير سارت.."

****************

وكالعادة بالمنزل يكاد يحترق بسبب شجار هند مع شوقية التي لا تدع لها كلمة, بل تزيدها فتجعلها تقف عاجزة عن الرد, بل تكاد تصاب بجلطة دماغية من كثرة الغضب, هي أم راشد كما تلقب نفسها, من لها اليد العُليا بالمنزل, لا يستطيع أحدهم أن يرفع رأسه أمامها, حتى مزنة لم تكن لتفعل, تأتي تلك المرأة كي تقلب الموازين..

وحين تشتكي لزوجها باكية بتظلم لا يرد عليها كعادته, يُخبرها أنه لن يتدخل بين النساء, بل يعاتبها لأنها عليها أن تراعي أن سلفتها غريبة ببلادهم, وعليهم أن يعاملوها بطريقة حسنة..

فتستشيط غضبًا أكثر, ومع رؤيتها للمعاملة الجيدة بينها وبين مزنة التي لم تفلح في قلبها عليها, بل تشعر وكأن مزنة كانت تنتظر شوقية ليكونا تحالف ضدها..

تلك الضعيفة التي لا رأي لها بشيء بالمنزل, تتجاهلها كعادتها ولا ترد, لكنها تلمح الشماتة في نظراتها حين ترد عليها شوقية,

معاملتها للصغير بكل ذلك الحب وكأنه صغيرها هي..

ذلك الصغير ناصف الذي دمر مخططاتها وحتى مكانتها..

هي أم الأولاد بالمنزل, من يحمل أولادها اسم العائلة, الآن وجدت من ينافسها..

بعد شجار حامي الوطيس جلست ببهو المنزل تضع ساق فوق الأخرى تهزها بحركة عصبية, تحدج سلفتيها بنظرات قاتمة كارهة,

وشوقية التي أصرت على الجلوس بنفس المكان بتحدي مُرغمة مزنة على الجلوس معها, بل وتميل عليها تتحدث وتضحك بصوت عالٍ, ترمق هند بين الفينة والأخرى بنظرات مستفزة,

قبل أن توجه حديثها لمزنة, قائلة بصوت عالٍ نسبيًا:" والله يا أم مريم الواحد النهاردة كان مضايق.. بس ارتحت أوي لما عرفت كل واحد مقامه.."

كتمت مزنة ابتسامتها, مسبلة أهدابها قليلاً, ترد عليها:" ما كان فيه داعي لهذا كله.."

رمقت هند بنظرة مشمئزة, قبل أن تقول بترفع نزق:" فيه ناس كده لازم تسُكيها على دماغها علشان تعرف مقامها.. وإلا هتفتكر نفسها ست الناس.. وهي أصلاً كُوناس.."

جزت هند على أسنانها وهي تراها تقصدها بالحديث, لتنتفض واقفة, هاتفة بحدة:" وين مريم؟.. ابيها دحين.."

فغرت مزنة فاها لتجيبها, لكن سبقتها شوقية قائلة:" مع ناصف في الجونينة يا أم راشد.."

مشددة على لقبها والذي تقوله باستخفاف مستهزئة,

فتكور هند قبضيها بغل, تكاد تحطم أسنانها, ثم تتحرك من المكان سريعًا شاتمة شوقية بسرها..

تراجعت شوقية للخلف بأريحية تستند على الكرسي, قائلة بلا مبالاة:" يلا في داهية.."

أما بالحديقة كانت مريم تجلس مع شقيقها الذي يقفز ويلعب حولها مع باقي شقيقاته الصغيرات, وأبناء عمه,

وهي تراقبه مع متابعتها لدروسها, لم تنتبه لراشد الذي جلس معها على الطاولة إلا حين تنحنح ليلفت انتباهها,

رفعت نظراتها إليه مُجفلة مع احمرار غزا وجنتيها, مطرقة برأسها مرةً أخرى, متمتمة باسمه بخفر:" راشد!.."

ابتسم عيناه تلمعان ببريق غريب, يسألها بخفوت:" وش أخبارك مريم؟.."

عضت على شفتها السفلى برقة, تهمس إليه:" الحمد الله.."

أشرقت ملامحه بشدة, وذلك حاله كلما شاهد مريم ابنة عمه, والتي يهفو قلبه إليها, يترقب الفرص للجلوس معها والحديث ولو ببعض الكلمات,

واليوم هي جالسة أمامه, فيتراقص قلبه لمرآها, فغر فاهه ليتحدث, لكن قدوم ناصف ذو السبع أعوام قاطعه, وهو يقول لاهثًا" مريم.. أبي التواليت.."

نقلت نظراتها بينه وبين راشد الجالس بأسى, وهي من ودت البقاء ولو قليلاً, إلا أنها استأذنت منه على مضض, تُمسك بيد شقيقها, تتحرك معه للداخل..

وهو يتحرك بسرعة معها, يُخبرها بسعادة:" بكره هنسافر مصر.. ما تبي تجي معانا؟.."

ضحكت كعادتها من حديث شقيقها الذي يُحاول تقليد لهجتهم ولكن يغلب لهجته المصرية, فترد عليه بمرح:" ما يصير ناصف.. إنت تروح مع أمك, وتجي بعدها.."

هز رأسه بحزن لرغبته في ذهابها معه, لكنه تناسى ذلك حين شاهد والدته فركض إليها يسألها بسعادة:" ماما هنسافر بكرة؟.."

زفرت بحنق من تكرار أسئلته, تجيبه بنفاذ صبر:" بكرة يا ناصف.. وبلاش خوته.. روح غير هدومك يلا.."

ثم وجهت حديثها لمريم:" مريم.. غيريله ووكليه.."

هزت مريم رأسها موافقة, تتحرك مع الصغير, وشوقية تعود لحديثها مع مزنة..

****************

العودة للوطن, ربما كلمة تعني الكثير للعديد من الأشخاص, من يتغربون لأجل لُقمة العيش, فيعدون الأيام بشوق للعودة إلى عائلاتهم,

لكن هي مر أربع سنوات منذ آخر مرة زارت بها مصر, على غير ما اتفقت به مع حمدان, لكن هذه المرة عادت, عادت بتصميم, عادت بصغيرها دون حمدان..

فقد اشتاقت لمن يهفو إليه قلبها رُغم مرور السنوات..

تتقصى أخباره كلما أتيحت لها الفرصة..

وقد علمت أنه قد خرج من السجن منذ عامين, فعادت بلهفة..

عادت لشقتها تُلقي حقائبها بعدم اهتمام, ثم جذبته من يده ورحلت لمكان تحفظه عن ظهر قلب..

حين وصلت للحارة تطلعت إليها بعينين نهمتين, تتحرك بين سكانها الذين ينظرون إليها بفضول مستغرب ولذلك الطفل بيدها, المكان تغير بعض الشيء, لكنه يبقى كما عهدته بضوضائه, ومعالمه..

عادت تتحرك بخطوات ثابتة وأعين تتابعها بترقب, منها من يعرفها, أو لا يتعرف عليها بسبب ملابسها..

اقترب أحدهم منها, ينظر إليها بتدقيق, يسألها بنبرة خشنة:" خير يا ست.. عايزة حاجة؟.."

أجفلت تنظر إليه بحاجب مرتفع, ولم تُعلق, فعاد يسألها وقد ظن أنها غريبة عن المكان:" ليكِ حد هنا؟.. ب....."

لكنها قاطعته بحنق وهي تراه يسألها وعيناه تلتهماها:" وإنتَ مال أهلك عايزة مين.. ابعد عن سكتي.."

ارتفع حاجب الرجل بدهشة من حديثها, ثم قطب يزجرها بحنق:" الله.. وليه الدخلة دي؟.. حبينا نعمل الواجب.. بس شكلك كده....."

اشتعلت عيناها بغضب, تلوح بيدها الحرة, تحذره:" بلا شكل بلا فصل.. ابعد يابا وخليني أعدي.."

ثم رفعت رأسها تخبره بقوة:" أنا جاية للمعلم ناصف.."

تجمد وجه الشاب بلا تعبير, يرمقها من جديد بملامح حذرة, يسألها بجدية:" وعايزة المعلم في إيه؟.."

هزت ساقها بعصبية من تطفله, تكاد تقذفه بحقيبتها,

وناصف الصغير يراقب ما حوله بخوف من علو الصوت, وغرابة ما حوله, فيشدد من قبضته على يده والدته, ويده الأخرى تتمسك بعباءتها, يهتف بخوف على وشك البكاء:" مامي.."

إلا أنها لم تعيره اهتمام, تصدح لمن أمامها بنبرتها العالية:" ما قولتلك ملكش دعوة, وسع من سكتي.."

وهمت بالتحرك, لكن الرجل وقف بطريقها بصرامة, ينظر إليها بنظرات قاتمة, يسألها مجددًا وقد اعتلت ملامحه الإجرام:" بقولك إيه شكلك مش عاجبني.. هو أي حد ييجي ويقول عايز يقابل المعلم وخلاص.. إنتِ مين يا بت؟.."

فغرت فاها شاهقة باستنكار, ترفع يدها قرب جبينها بحركة معهودة في تلك الأماكن, تعنفه:" بت لما تبتك يا عرة الرجالة.. مبقاش إلا أنتَ كمان تت......"

اتسعت عيناه بطريقة مرعبة, يقترب منها يكاد يلامسها, قائلاً بغضب:" شكلك كده حرمة عايزة رباية.."

مع تعالي أصواتهم تجمع البعض, ليروا ماذا يحدث, وتحفز الموالين للرجل, وتقدم أحدهم ليرى تلك المرأة التي تصدح بلا خوف بوجه رفيقه, لوهلة لم يعرفها, لكنه دقق بملامحها,

ومع صوتها تعرف عليها, فهتف بدهشة:" شوقية!.."

انتبهت لمن تعرف عليها, تنظر إليها بعينين مشتعلتين, قبل أن تقول بعصبية:" سعد.. تعالى شوف ال..... ده عايز إيه.."

مع سبها للرجل تقدم إليها يكاد ينقض عليها إلا أن سعد منعه, يزجرها بحنق:" بلاش طولة لسانك يا شوقية.. ده من رجالة المعلم.. تعالي معايا.."

ثم التفت لرفيقه الغاضب, قائلاً:" لا مؤاخذة يا سيد.. شوقية متعرفكش.."

بنظرات مشتعلة حدج شوقية, يتوعدها بغيظ, في حين رمته بنظرة مزدرئة, تتحرك مع سعد, الذي اصطحبها وصغيرها..

حين وصلا إلى المستودع نظرت إليه تتفحصه, تنتظر سعد الذي ذهب لإخبار المعلم ناصف..

وما هي إلا دقائق حتى ظهر أمامها ينظر إليها بدهشة,

وهي توقف قلبها عن النبض, تلتهم ملامحه بعشق..

وصوته المستغرب:" شوقية!.."

ابتسمت باتساع, تهتف بلهفة:" إزيك يا ناصف.."

قطب يتفحصها بحيرة, ومتعجبًا لوجودها, ثم لفت انتباهه ذلك الصغير الملتصق بها ينظر حوله برعب,

فسألها:" رجعتِ إمتى؟.. ومين ده!.."

مُشيرًا للصغير بيدها,

فابتسمت بنعومة, تجيبه:" ده ناصف ابني.. سمعت إنك خرجت من السجن وأول ما رجعت جيت على طول.."

ارتفع حاجبه ينظر لسميه بتفحص, يبتسم بسخرية,

ثم عاد إليها, يقترب منها قائلاً:" أصيلة يا بت.. بس هتسافري إمتى!.."

عيناها العاشقتين لا تشبعان من النظر إليه, ودقاتها متسارعة بشدة, حتى أنها تكاد تلهث, قائلة بتلقائية:" مش ناوية أرجع تاني.. هقعد هنا.."

وذلك كان قرارها الذي اتخذته على الفور حين رأته, ولن تتحرك من هنا,

تراجع رأس ناصف للخلف, ثم سألها:" طب وجوزك.. وابنك ده؟.."

لكنها لم تكترث وهي تقول مُغيبة:" براحته هقعد هنا ومعايا الواد.."

_وهيرضى!..

هزت كتفها بلا مبالاة, وقد طار عقلها وهي من انتظرت سبع سنوات كي تعود إليه, قائلة:" مانا هقعد هنا.. ومهيعرفش ليا طريق.."

دُهش من حديثها بحق, فتلك الحمقاء تريد البقاء هنا.. تاركة زوجها, وذلك العز الظاهر عليها, لكنه يعرفها حق المعرفة, ومن نظراتها علم أنها لن تتراجع, وهو لا يكترث,

لكنه عاد يسألها:" طب والواد ده؟.. هترجعيه إزاي؟.."

لوهلة تجمدت بمكانها, تطرق برأسها ناظرة للصغير بتفكير, هل تُلقيه لوالده, وتبقى هي وتعود لناصف..

لكن هناك شيء قبض على قلبها جعلها تبتلع ريقها بصعوبة, تعيد أنظارها لناصف المترقب, قائلة بجدية:" لا هيقعد معايا.."

_ومين هيصرف عليه ياختي؟..

_هبيع الشقة بتاعتي وهقعد هنا.. وحمدان ميعرفش المكان..

هز رأسه بيأس يرمقها بتعجب, ثم قال بسخرية:" ناس ملهاش في العز.. طول عمرك وش فقر يا بنت الحفيانين.."

ابتسم يهز كتفه بلا مبالاة, وهو يُضيف:" براحتك ياختي.."

اتسعت ابتسامتها حتى ظهرت أسنانها, تتقافز دقاتها سعادة, تترك يد ناصف الصغير تدفعه اتجاه المعلم, قائلة:" سلم ع المعلم يا ولا.."

إلا أن الصغير دمعت عيناه برعب, يتراجع متمسكًا بها, يقول بصوت مختنق:" مامي.. عايز بابي بليز.."

تعالت ضحكات المعلم وهو ينظر للصغير, قائلاً بتسلية:" إيه ده يا بت؟.. الواد بيرطن انجليزي.."

لكن قاطع حديثه خروج أحد الرجال من غرفة مجاورة, ينظر للمعلم بحنق, قائلاً بامتعاض:" جرى إيه يا معلم هو أنا هفضل مستنيك كده.. عندي شغل.."

التفت إليه المعلم يخبره:" لا مؤاخذه يا بيه.. انشغلت عنك.."

رمقه بنظرة ساخطة, ثم رمق من معه بنظرات مشمئزة ليقع نظره على ناصف الصغير, يتفحصه بتدقيق, قبل أن يقول بمواره:" تبعك ده!.."

فهم المعلم مغزى حديثه, فضحك قائلاً:" لا لا.. الواد ده مش من إياهم.. ده تبعنا.."

ارتفع حاجبه بنظرة مستهجنة, يقول بتشكك:" النضافة دي من عندكم!.."

زم المعلم شفتيه بحنق, يرد عليه بخشونة:" قولنا يخصنا يا بيه.. ابن قريبتي الواقفة دي.. اديني إسبوع والطلبية هتكون جاهزة.."

بجمود نظر الرجل إليه, قبل أن يرفع رأسه بأنفة, قائلاً باستعلاء:" يا ريت اللي طلبناه.. استنضف.."

ثم تحرك من المكان, والمعلم يرمقه بغيظ, يسبه:" راجل ابن....."

عاد لشوقية التي تتابع الحديث, يبتسم إليها بعبث, قائلاً:" نورتي يا شوشو.. تعالي.."

ثم نظر للصغير بيدها بتفكير, وبعدها..

_سمرا..

نداؤه الهادر باسمها صدح بالمكان, ليجد أمامه بعد ثوانٍ معدودة طفلة تماثله بالعمر أو أقل قليلاً, خمرية البشرة, مشعثة الشعر, بملابس رثة,

أشار بيده إلى ناصف الصغير, قائلاً بجدية:" خدي الواد ده معاكِ.."

عقدت الصغيرة حاجبيها بحيرة, تنظر إلى الصغير بعينين سوداوين واسعتين بفضول, جعلته يشعر بالقشعريرة, ويندس أكثر بوالدته,

ثم رفعت رأسها تسأل المعلم:" هعمل بيه إيه؟.."

فأجابها بنبرته الآمرة:" معاكِ زي غيره.. في عهدتك.. وحسك عينك تغفلي عنه.."

مطت سمرا شفتيها الصغيرتين للجانب بامتعاض, ثم نظرت لناصف الصغير بضيق, قبل أن تأمره بسخط:" تعالى.."

لكنه تشبث بوالدته بقوة, يبكي متوسلاً:" مامي.."

إلا أن شوقية, دفعته اتجاه سمرا, تزجره بحنق:" روح يا ناصف متبقاش زنان.."

ليجد سمرا قد أمسكت بيده, تقبض عليها بقوة, وعيناها تتفحصانه بفضول, ثم تجره خلفها, قائلة وكأنها تطمئنه وهو يبكي:" متخافش.. تعالى.."

جسده يختض بخوف, ينظر لظهر والدته التي تركته متحركة خلف المعلم كما نادته, وهو يبكي مناديًا:" ماما.."

إلا أن سمرا سحبته بقوة, قائلة:" تعالى متبقاش ابن أمك.. مش هاكلك.."

*************

انتهى الفصل الثاني

_________________
اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Fb_img13
pretty dede
pretty dede
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 306
شكرًا : 891
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
العمر : 28

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty رد: اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي

مُساهمة  Drmtokhi في الخميس أغسطس 08, 2019 4:07 pm

جميله جدا جدا ياصابرين لقد هرمت من  اجل اضافه الرد دى ههههه

Drmtokhi
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty اراك بعين قلبى

مُساهمة  Drmtokhi في الخميس أغسطس 08, 2019 5:35 pm

جميله جدا جدا بالتوفيق

Drmtokhi
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الثانية: سمرا_ديدي بريتي Empty اراك بعين قلبى

مُساهمة  Drmtokhi في الخميس أغسطس 08, 2019 5:37 pm

جميله جدا جدا بالتوفيق

Drmtokhi
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى