روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الأربعاء يونيو 26, 2019 12:22 am

بسم الله الرحمن الرحيم
يشرفني افتتح سلسلة لؤلؤة في محارة مشروخة لنخبة من الكاتبات المميزات.
اول قصة بقلم .. منى لطيفي نصر الدين
 


            :  أثير  الضحى

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين VWx3WY9

التمهيد



دفعت الباب بخفة دون أن تتحرك خطوة نحوها، تتأمل الفوضى على سطح الطاولة حيث تحب أن تقضي جل أوقاتها من عملها على أريكتها المفضلة تاركة باقي مساحة مكتبها الواسعة لمجرد واجهة فخمة تليق بأغلب ضيوفها.
رفعت أنظارها قليلا من على كومة الملفات إلى وجه المعنية، صديقتها قبل أن تكون رئيستها في العمل، تفكر أنها ما دامت قد قررت أمرا ما فلن يثنيها عنه أحد مهما فعل، حتى التهديدات، ولقد تلقت منها الكثير عبر مشوار حياتها المهنية لكن لن تكون هي الإعلامية وداد الوعد لو استسلمت لأي عقبة كما تحب أن تدعوها في سبيل تحقيق ما تسعى إليه، وكم يضنيها التفكير في ذلك لأن هدفها هذه المرة قد يشمل تهديدا حقيقيا على حياتها.
(هل ستظلين عندك كثيرا؟... لابأس عندي!  لكن القهوة بين يديك ستبرد ...ولا أكره عندي من...)
ثم رفعت عينيها من على مذكرتها الخاصة تكمل ببسمة ذات معنى.
(قهوة باردة....)
تقدمت نحوها تتنهد بيأس من سلوكها لتستطرد الأخرى بينما تنحي كومة من الأوراق جانبا تفرغ لها مساحة لتضع لها فنجانها والمذكرة لا تفارق كفها الآخر.
(لماذا كل هذا التشاؤم؟ ... ألم ننتهي من الأمر؟)
مسدت المرأة من نفس عمرها على بدلتها العملية المكونة من تنورة طويلة وسترة بلون رمادي على رأسها طرحة سوداء كلون ما يظهر من الكنزة تحت السترة، لتقول بوجوم بينما تجاورها على أريكتها المفضلة.
(لماذا لا تخافين على نفسك كما أفعل أنا وكل من يحبك؟ ...)
جعدت وداد شفتيها بتهكم ترد بينما ترفع فنجانها لترتشف منه بتلذذ.
(وماذا سيحدث اكثر مما حدث بالفعل؟.... أم هل نسيت ما أتلقاه من تهديد مع كل عمل جديد أجهز له ؟... الموت واحد يا صديقتي والرب واحد...أجلي ليس بيد أحد سوى خالقي فلا تقلقي...
ثم استطردت تقول
كل ما فعلته طيلة هذه السنوات، أساسه وسببه و نتيجته لي لوداد، لأجلها لأصل لما كنت أصبو إليه دائما، المكانة و الشهرة مثلي مثل أي إعلامي آخر..
لكن هل قمت يوما بعمل يكون أساسه اصلاح او تغيير ؟؟
عمل يكون دافعه أناس تعرضوا للأذى و نتيجته أن أصلح  و لو قليلا؟؟أو أن يكون الهدف منه كجرس إنذار ينبه الغير أن هناك خطر أنت غافل عنه فإحذروا؟؟..
لو إستطعت أن أفعلها لأرضيت وداد الإنسانة بداخلي كما أرضيت الإعلامية وداد.
هزت المرأة رأسها بيأس واجم ثم طرفت بعينيها نحو المذكرة، تسألها بفضول..
(هل انتهيت من اللائحة؟)
أبعدت وداد فنجانها عن فمها قليلا، ترد بحماس دب في أوصالها فتتقد مقلتيها بلمعة خاصة، شرسة.
(بلى... اللائحة اكتملت ... وقررت أيضا عنوان الكتاب...)
قطبت مساعدتها ترنو المذكرة مجددا بنظرات متفحصة لتلمح الملاحظة أسفل الصفحة المفتوحة، تقول بريبة.
(ستسمين الكتاب بنفس اسم المجموعة التي أنشأتها على الشبكة العنكبوتية لتستدرجي أهدافك؟...)
أومأت بإيجاب بينما ترتشف من القهوة، فاستطردت مساعدتها بنفس الحيرة.
(لكن... ألم تخبريني بأن المجموعة لم تستدرج جميع أهدافك  أولهن من وضعتِ اسمها على رأس القائمة؟....)
دون أن تستغني عن فنجانها، أطلقت وداد  ضحكة مستمتعة وهي تجيب بمرح.
(لا تذكريني بأول أهدافي ... فهي كارهة للتكنولوجيا وسيصدمك نوع الهاتف لديها.... كما أنني اضطررت لمقابلة زوجها قبلها ولولا موافقته ما استطعت الذهاب إليها لأجرب حظي معها....)

صمتت صديقتها تزم شفتيها بعدم رضى فربتت وداد على ركبتها بلطف تكمل ببسمة مشجعة.
(هيا ! لا تكوني كئيبة... سيكون كل شيء بخير... فلن أذكر أسماءا... وسيكون كل شيء مموها... فتبقى على شكل  قصص للعبرة... وعلى العموم انا اخترت نفس اسم المجموعة للكتاب... لأنه معبر ويليق بهن وما مررن به من مصائب...)
قاطعتها مدافعة عن رأيها تقول بوجل.
(تعلمين أن هناك من يفهم بالإشارة... ولائحتك مكونة من اسماء تناولها الإعلام وخاض في سيرة اغلبهن... فلا تعولي على تمويهك أنا أحذرك...)
ثم قلبت شفتيها بامتعاض تكمل..
(ثم لماذا كلمة مشروخة بدل من مكسورة.... لا أفهم؟)
أومأت وداد ترد بتشدق.
(الشرخ غير الكسر... فلا واحدة منهن كسرت رغم ما حدث لهن من أهوال... لكنه جرح يندمل مع مرور الزمن حتى لو ترك ندبة تكون حاضرة بذكراها غائبة بآلامها...)...
(فهمت.... لكنني لازلت على رأي...)
ردت صديقتها مصرة على رأيها، فعبست وداد ترميها بنظرات مؤنبة من خلف فنجان قهوتها.
تنهدت صديقتها مستسلمة فلا شيء تفعله او تقوله سيغير من قرارها ولو على جثتها وهي أعلم بعناد صديقتها، لتطرح سؤالا تغير به الموضوع.
(عنوان الكتاب معلوم ... هل فكرت في اسم للقصة الأولى؟ )
عضت شفتها حماسا اتقد من جديد ووضعت فنجانها ترد بلهفة وسعادة كمن حصل على أمنية حياته.
(بما أنها الضحى ... وهو الأثير... فإن  العنوان واضح وجاهز.... )
رمقتها تبتسم بتأثر لحماسها، فاستطردت وداد بحزم ويقين.
(*أثير الضحى* ... أول قصة في كتاب ... *لؤلؤة في محارة مشروخة*....)



الفصول باذن الله

المقدمة

الفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع

الفصل الخامس

الفصل الأخير

الخاتمة

منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الأربعاء يونيو 26, 2019 1:36 am

المقدمة



تراقب الرياح وهي  تعصف بكل ما ألقي مهملا عبر اسفلت الشوارع، حتى بعض من بني البشر، تلمحهم يهرولون مندفعين بفعل قوتها، ينشدون التخلص من جبروتها، أغلبهم لا يحبها ويلعن ألف مرة كلما ثارت بأمواجها تعصف بنواياهم وتحدث فوضى هي فقط من تراها عاصفة ترتيب أو تنظيف.
رمشت بجفنيها الناعسين منذ أن أضحت النظرة تحتهما جامدة تومض ببقايا نضارة كانت يوما ما مضى، قبل أن تفقد شغفها وتتعلم الدرس بأقسى الطرق، لتتحول نظراتها داخل القرصين بلون البن المحروق إلى جمود يكاد يرعب  قلب من تحط بهما عليه.....سوى في حضرته!
تتتبع ذلك الكيس البلاستيكي المتقاذف به في الهواء وسنفونية عصف الرياح تتخلل مسامعها مستمتعة به على عكس أغلب غيرها من بني موطنها، فتطفئ المذياع ونيس وحدتها الاختيارية، لتقف أمام النافذة الأمامية لمحل الأزهار خاصتها، تراقب نفس المشهد المتكرر على الأقل مرتين في الشهر، حين تثور الرياح مستنكرة على سكان الأرض معاصيهم، تود لو تنسفهم نفسا جزاء لجرأتهم واستهانتهم بجلالة قدر خالقهم، لولا رحمته عز وجل، من خلقها وخلقهم لسويت بهم الأرض في رجفة عين.
أسدلت أهدابها في لحظة خشوع متيحه لأذنيها مزيدا من التركيز، حبها لصوت الرياح ليس اختياريا بل هو حنين قلب وبقايا ذكرى عصفت هي الأخرى بها رياح الأقدار فتلاشت أحداثه كما تضمحل الألوان على لوحتها وتبهت كلما توالت الأيام لتنقضي.
رفعت كوب القهوة بين كفيها تقربه من فتحتي أنفها فتشعر بدفئ قشعريرة يتسلل عبر أوردتها، رفيق وحدة آخر وأنيسٌ طُبع في الخيال، ذكرى أخرى تبقت كلونٍ أبى إلا أن يتشبث ويعلق بصفحة اللوحة العتيقة.
انفتح باب المحل فتخللت رنات الأجراس المعلقة أعلاها سكون سهوها المحلق مع صفير الرياح، التفتت وكوب القهوة رهين قبضتيها بينما طرف تنورة فستانها يسابق أطراف صاحبته، لتجد أمامها امرأة تقفل الباب من خلفها بسرعة الفار من الأهوال.
**كارهة أخرى للرياح** ومضة عبرت خيال بالها وهي تقف جامدة مكانها، متفحصة في انتظار المرأة التي نظرت نحوها فتجسدت بسمة محرجة غير فاقدة للثقة على شفتيها الشاحبتين بفعل برودة الجو على ما يبدو.
كانت الغريبة طويلة القامة، غريبة الملبس، غرابة لا تكمن في سروالها الفضفاض البني ولا في كنزتها السوداء المخفية تحت معطفها بنفس لون السروال، أو حتى ذلك الحذاء الرياضي الأبيض المخالف لكل ألوان ملبسها، لكنها الطرحة فوق رأسها ليست بنفس النمط الذي ألفته بل ذلك الذي يخص سكان الصحراء في الجنوب، قطعة ثوب طويلة تلف رأسها بطريقة دائرية لينسدل طرفيه على جانبي عنقها فتلفهما حوله.
إن كانت المرأة الغريبة تنتظر رد فعل منها فهي ستنتظر كثيرا...
)السلام عليكم ورحمة الله)
بادرت الغريبة بنفس البسمة الحرجة، بينما هي جامدة مكانها كتمثال منحوت بتعبير هادئ لا ينم سوى عن... لا شيء، فقط رموشها تتحرك بتمهل، كما منحها مؤشر للحياة منحها هيئة مهيبة ومخيفة بعض الشيء كونها لا تبدي أي نية للتحرك فقط نظرات تسلطها على من أمامها بتمهل ناعس مخيف.
(أنا الدكتورة وداد الوعد ..... أنا...)
نطقت الغريبة  مرة أخرى وهي تقترب منها بينما احدى يديها تمسد بها على حزام حقيبة ظهرها الرمادية، والثانية تمدها نحوها لتصافحها بها.
نظرت إلى كفها الممدودة لثواني مرت على الأخرى كدقائق محرجة قبل أن تقرر أخيرا ترك الفنجان رهن قبضتها اليسرى لتصافحها باليمنى ترد بنبرة هادئة متمهلة تناسب تماما هيئتها المهيبة.
(أعرف من تكونين... لكن ....)
علقت حروفها وهي تسحب يدها بروية تعيدها إلى مكانها حيث تطوق كأس القهوة بإحكام، عينيها تابته على خاصة المرأة بتفحص مريب لا تنكره الأخيرة كما لا تنكر قشعريرة سرت عبر أوردتها وهي تسمع بقية حديثها الهادئ ببرود مغيظ.
(ما لا أفهمه ... ماذا تفعلين هنا؟... في متجري المتواضع؟)
رغما عنها فرت وداد بعينيها تتلفت حولها، مدعية تفحص المكان بينما ترد بلباقة تعلمتها حتى اتقنتها ببراعة طوال سنوات حياتها التي تعدت الاربعين بسنتين وفي مجال عملها الذي لا يرحم.
(سر نجاحه وجماله في تواضعه ... لا استطيع إنكار حميميته رغم صغره ...)
تجاوزت الغريبة مفاجئتها بتلك البسمة الخفيفة على جانب ثغر من تقف أمامها بكل ذلك الثبات، مجددا كأنها تمثال شامخ لا يتزعزع، لتنتفخ أوداجها زهوا وتزيد ثقة بنفسها والأمل ينتشر عبر أحشائها في قضاء ما جاءت إليه.
(هناك من قال ذلك قبلك ....)
نطقت بنبرة حتى أقل تمهلا وهي تطرق برأسها لتنظر إلى القهوة بين قبضتيها، فلم تلمح تهدل كتفا من أعلنت عن اسمها وداد، فهي لم تكن سر البسمة التي منحت التمثال مؤشر حياة أخرجها من جمود الصقيع، بل ذكرى خاصة لها مكانة هامة على ما يبدو حتى انتشلتها في تلك اللحظة نحو سحرها فتركت لها تمثال شمع ساهم.
(عفوا ... أنت تعرفين من أكون!!)
لم تجد بّدا من أن تعيدها إلى الحاضر فلا جدوى من براعتها في عملها إن لم تحافظ على اهتمام مخاطبتها التي رفعت مقلتيها ببرودتهما وجمودهما إليها فتعود بها إلى إحساس الهيبة وبعض من الخوف لم تشعر به من قبل، حتى وهي تواجه تهديدات بإنهاء حياتها كلما تجرأت على دق أبواب الفساد.
(بلى أعرفك.... كانت بدايتك  صحفية من الدرجة الثانية تترصدين أخبار وفضائح الفنانين و المشهورين... ثم بدى أن ذلك الطريق لم يناسب طموحك فتحولتِ إلى برامج أكثر جدية ... أهمهم البرنامج الواقعي قضايا مستورة... وهو سبب شهرتك الحقيقي...)
كانت تتحدث بنبرتها المتمهلة وعينيها الناعستين مثبتتان على خاصة الغريبة بشكل راكد ومتفحص بطريقة مريبة، جعلتها هي وداد الملقبة بعيني الصقر جراء براعتها في ترصد الأخبار والاتيان بها من بين الدهاليز المخفية، تبتسم بسمة مرتعشة مع كلمات رسمية مختارة.
(لابد وأنك كنت مهتمة بي ... لذا تعرفين عن مسيرتي المهنية الكثير...)
لا زالت عينيها عليها وشفتيها مزمومتين بخفة بينما الكأس جامد بين كفيها في مكانه، لكنها لن تكون وداد الصحفية المحنكة إن لم تخرج من تلك المعركة فائزة مثل ما سبقها من معارك حربها الدائمة مع التحديات والعقبات في حياتها.
لو فقط ترمش بجفنيها أكثر من ذلك!! نطق لسان حال وداد وهي تشعر بصدرها يطالبها بأنفاسه، فضغطت عليه أكثر مصرة على الفوز وعدم ازاحة عينيها عن ذلك التحدي المظلم من مقلتيها الأكثر ظلمة، وبكل بساطة محبِطة أسدلت جفنيها إلى قهوتها تسأل بنبرة مشابهة لكيانها الغريب والمهيب بريبته.
(هل تعلمين لماذا تسمى قهوة... حتى لو كانت بضع نقاط منها ما يضاف لكأس مليء باللبن المغلي؟)
أصابها الإجفال بالبلادة اللحظية لكنها سرعان ما استجمعت أفكارها وردت بدهاء أو هذا ما ظنته.
(لأنها قوية المذاق والرائحة... فقط قطرات منها تؤثر في بياض وخفة اللبن ...فتطغى عليا وتستحق اخذهما لاسمها...)
كانت قد عادت إليها بعينيها الراكدة ووداد تفسر بكل فخر وثقة حتى انتهت، فساد الصمت لدقيقة كاملة لا يُسمع فيها سوى صفير الرياح قبل أن تقرر الرد بنبرتها الهادئة الباردة.
(مممم.... غريب ...مع أنها ليست مذكر ... ففي اللغة إذا وجد ذكر واحد مع جيش من النساء تصرفت أفعالهم بصيغة الجمع المذكر... حتى لو كان هذا الذكر صغير ...واللبن هنا مذكر... غريب حقا!... لا بأس ... هناك ما هو أغرب في هذه الحياة..... على الأقل القهوة مذاقها لذيذ مع اللبن ... حتى إن طغى على اللبن الأبيض وسلب منه هويته وحتى اسمه لمجرد بضع قطرات منَّ بها عليه...)
لن تعلم أبدا ما يدور في خلد تلك المرأة حتى وهي تميل برأسها بينما مقلتيها الغامقتين وسط بياض راكد كأنه الموت بعينه، ترمقانها بنفس الترصد وهي تستطرد.
(لم تخبريني بعد .... لماذا أنت هنا؟)
هزت وداد رأسها بخفة تطرد عنها تلك الحالة التي تلبستها ولم تكن تعلم أن ما سيواجهها مختلف عن النبذ او الرفض الذي جهزت له نفسها جيدا وهي تحضر لمشروعها الجديد بكل تركيز وبكل ما تعلمته وتشربته مع مرارة تحديات عملها، لتقول بحذر...
(سأخبرك باختصار... أنا أجهز لتأليف كتاب يجمع قصص لمجموعة من النساء نال منهن السجن سواء كن مظلومات أو ظالمات لا يهمني .... بل ما يهمني هي قصصهن من وجهة نظرهن كي يتعلم القارئ منهن...)
ضمت وداد شفتها السفلى تنتظر من قطعة الحجر أمامها التحرك أو حتى تعبير يشق برودة ملامحها، لكنها انتظرت كثيرا حتى شعرت بالإحراج يتسلل إلى خلاياها مجددا، لتستأنف الحديث بثقة بدأت بالتراجع لأول مرة، فهذا الركود يصعب عليها التعامل معه عكس الرفض أو حتى العنف، لديها من الطرق الكثير لتواجهه به، لكن!
(أتمنى أن تساعديني فقضيتي ذات هدف نبيل ...)
(ولماذا تظنين أن قصص بضع مسجونات ستساعد أحدا ما؟)
سألت ببساطتها المحبطة ووداد تجاهد لتواكب سباقها المتقلب الحارق ولا يبدو على هدفها أي أثر للمراوغة أو التعب.
(كل مشكلة في هذه الحياة هي تجربة فيها موعظة للغير...)
مازالت على جمودها ونظراتها الناعسة الراكدة الموجة لملامح وداد التي استدركت واليأس قد شق طريقه إلى حماسها.
(لن أزعجك... أي سؤال ترفضينه سأتجاوزه...)
حتى وهي تبلل شفتيها تفعلها بتمهل وكأن كل الوقت ملك لها تتعمد استغلاله، كانت تلك أفكار وداد حين قرر التمثال النطق أخيرا كما تحركت لتضع الكأس على قطعة خشبية دائرية  فوق الحاجز الرخامي حيث تصطف مزهريات تحوي أنواع ورود مختلفة الأنواع والألوان.
(حسنا .... لقد اقتنعت ...قد تجدين في قصتي فعلا بعض الموعظة...)
ترددت وداد قبل أن تخبرها بتصميم دون أن تتجرأ على الخطو نحوها خطوة واحدة.
(سعيدة جدا بموافقتك ... لكنني أحب أن أكون واضحة منذ البداية... )
استرسلت وداد بينما صاحبة المكان تنشغل عنها بترتيب بعض الورود في مزهريات إضافية.
(أتمنى الحصول على قصتك منذ البداية.. حتى...)
تلكأت قليلا ثم أكملت بحذر.
(حتى يومنا هذا....بل حتى هذه اللحظة...)
لمحت تجمد جسدها وتوقفها عما كانت تقوم به، فأدخلت نفسا كبيرا قبل ان تكمل بنبرة فيها رجاء.
(أظن أن قصتك لم تنتهي بعد .... أليس كذلك؟)
ظلت على جمودها ولم تستدر، حتى نفذ صبر وداد فتقدمت نحوها إلى أن تسمرت في نصف المساحة نحو التي قالت بجمود وبنبرة تغير الركود فيها إلى برودة.
(ابقي على وضوحك دكتورة .... وتحدثي بصراحة....)
عضت وداد شفتها السفلى بتفكير ثم اعتدلت ترفع رأسها تجيب بتصميم...
(أريد قصة حياتك قبل دخولك السجن .... وحين قضاء عقوبتك... وبعد خروجك من السجن .... أريد كل ما جمعك ب.....!)
تلكأت  مجددا ثم خطت نحوها تستدرك وهي تتمنى رؤية وجهها عند ذكرها للاسم.
(خاتمة العلامي ..... حرم عبد السلام الأجاويد .... و والدة أثير الأجاويد .... زوجك يا سيدة ضحى الشعباوي...)


منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الإثنين يوليو 01, 2019 4:37 am


اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_1276hd57y0
الفصل الأول

كانت تعلم أنها تقف على مفترق طرق، إما الموافقة فتحصل على كل ما أملت به أو الخسارة فتعود أدراجها بأول خيبة ستكون افتتاحا مخزيا لمشروع حياتها.
(سيدة ضحى!.. من فضلك فكري جيدا بكل ما ستُفيدين به غيرك...بما ستمنحينه من تجربة وفائدة للنساء كي لا يقعن في نفس الأخطاء..!)
حاولت مجددا هي التي كانت واثقة من جدارتها بمناصبها التي ارتقت سلمهم درجة درجة، حتى تربعت على قمة عرش مجدها.
طال صمت ضحى وظهرها إليها بوقفتها الجامدة، رأسها مطرق على صندوق الأزهار فلا تحصل وداد على إشارة واحدة تمنحها ومضة صغيرة عن ردة فعلها.
نفذ صبرها وتهاوت آمالها وقد بدأ عقلها بالفعل في بحثه العملي بين شخصيات أخرى محتملة دونتها على شكل لائحة في مذكرتها الشخصية، لن تُحبط من أول محاولة فاشلة، هذا طريقها وتلك سبيلها، تحاول وتعيد المحاولة لتصنع من فشلها تجربة توصلها الى قمة النجاح في النهاية.
(حسنا سيدتي أعتذر عن ازعاجك ... كنت أود فعلا لو احصل على قصتك ... لكن لا بأس ..أتفهم أسبابك ... إلى اللقاء..)
استدارت تهم بالمغادرة رغم الرياح العاصفة خارجا، لكن ثقل الخسارة بعد قمم الفلاح مرات ومرات يسبب الحزن ويدفع بالدمع حتى لو تجاهلت ذلك وتناسته كما دأبت في سالف عهدها.
(انتظري!)
تسمرت قدماها على بعد خطوات من الباب حيث يقبع وعاءين ضخمين من الخزف، على جانبي المدخل، يحتضنان نبتتي الصبار من النوع الدائري الضخم كدلالة أخرى على طقس المدينة الجاف القريب من الطقس الصحراوي، إلا أن أرضها احتفظت بقليل من الخصوبة لتجود بها على ساكنيها ببعض من الخضرة تُروِّح عنهم بها عناء تقلب مناخها وزيارات رياحها الموسمية.  
استدارت بتلهف واضح لتجدها هي الأخرى قد أدارت جسدها نحوها لتولي الحاجز الرخامي ظهرها، بينهما مسافة صغيرة فارغة.
على يسارها هي ويمين الأخرى تقبع أريكة جلدية، بنية، متوسطة الحجم يجاورها كرسي من نفس الخامة، أمامهما طاولة فضية ذات زخرفة عربية تقليدية، منخفضة قرب النافذة الوحيدة للمحل، هو بالفعل محل بسيط ودافئ بحميميته، ألوان الجدران الكريمية و بعض اللوحات الفنية لبنايات أثرية اشتهرت بها تلك المدينة، يطلق عليها "القصبات التاريخية" معلقة على الجدران بأناقة اجتمعت مع البساطة فمنحت المكان طلة مبهرة.
نظرت إليها باستفسار حائر ولأول مرة منذ دخولها تتأمل لباسها المكون من طرحة وفستان طويل أسودين على أطرافهما خياطة بلون بني فاتح، يُطَوق خصرها حزام متمغط من نفس نسيج الفستان، عليه سترة بلون بني فاتح، كل ما فيها يشبه محلها، متأنقة ببساطة منحتها طلة مبهرة.
(عفوا!!)
تحدثت وداد مستفسرة فتقدمت ضحى بتمهل إلى أن وقفت أمامها تحدق فيها بعينيها للحظات طالت حتى ارتجف قلب وداد توترا، لترحمها أخيرا وهي تقول بنبرتها الهادئة الفاقدة لأي شعلة من حماس أو حتى حياة.
(انت بكل صبرك....فاقدته يا دكتورة!)
من المفترض أن تغضب الآن أو أن تشعر بالحنق من برودة هذه المرأة أمامها إلا أن نور هدفها الذي سيسطع يوما ما في المستقبل حين تنجح في مساعيها، يمنحها سكينة غريبة كمخدر يلوذ بها إلى مزيد من الصبر، فما تريده وتسعى اليه يستحق منها صقيعا مماثلا للجليد المتمثل في امرأة شابة تجاوزت منتصف العشرينات بسنتين، لكن كل كيانها يظهر أكثر من ذلك بأعوام كثيرة ...
( ومخطئة في أمر آخر....)
أضافت ضحى بشيء من الوجوم فارتسمت نظرة متسائلة على ملامح وداد، وأعدّت نفسها للمزيد من الانتظار حتى تحصل على كلمات مفسرة…
(منذ أن عدت إلى هنا ....وقصتي فعلا كانت قد انتهت ...)
أخذت وداد شهيقا خافتا طويلا ثم تنهدت بزفيره لترد بهدوء.
(لا أنكر حيرتي حول موضوع عودتك ... وكيف اقنعت السيد أثير بذلك...لابد وأنه يحبك بحق... رغم كل ما حدث...ولازال يحدث...)
كلماتها الختامية فرت من بين شفتيها بحذر رغم لهفة الفضول فيها، فهزت الأخرى كتفيها ببساطة ترد بطريقتها المتمهلة.
(إنه فعلا يحبني... لكن لا علاقة لذلك بأمر عودتي... لقد كان أمرا محتوما... هنا ولدت وهنا كبرت .... وهنا تعلمت درسي الأول والأخير... وما كانت رحلتي إلى المدينة الكبرى سوى لغاية... حين انقضت كان من الطبيعي أن أعود....)
تحمست جميع أطراف وداد فترجمت ذلك الى تأهب لالتقاط كل همسة وحركة أو حتى نفس بأي طريقة يفر من صدر محدثتها، وبين حروف كلماتها.
(وما كنت أبدا لأعود لو لم تكن قصتي قد انتهت بالفعل.... )
ابتسمت وداد ولمعة مقلتيها تشع بالفضول الحارق، تتلبسها حالة الصقر وهو يطارد فريسته على بعد أميال من المسافة بين السماء والأرض.
(إذن انت موافقة؟...أحضرت معي عقدا ينص على عدم ذكر الأسماء سوى بأول حرف فقط ... وإن شئت أختار اسماء وهمية... أو ألقاب...)
لاحقت نظرات وداد المترقبة كف ضحى وهي تمسد بها توب فستانها على أعلى فخدها بحركات بطيئة توحي بسهوها قبل أن تعود لتنظر إليها مجيبة بجمود.
(أعلم أنك ...أذكى من أن تشتري عداوة زوجي... لكن من أين سنبدأ؟....فمفهوم البداية مختلف من معنى لآخر... )
هدأت بسمة وداد المتحمسة وتقدمت نحوها خطوة واحدة ترد عليها بذكاء.
(البنود واضحة خذي وقتك لتقرئيها بتمعن.... وحتى توقعي  كل ما ستقولينه لن أستطيع التصرف به .. كما سبق وأشرتِ أنا اذكى من أن أشتري عداوة الأجاويد... وليس هدفي أي مشاكل صدقيني!...  أريد ما تختارينه أنت.... احكي كما تشائين ولا يهمك شيء.. أنا سأرتب القصة.. فقط أخرجي ما في أحشائك ....)
كفها في مكانها تمسد بطريقتها التي تشبه جميع حركاتها وهي ترمقها بتلك النظرة المهيبة، بركودها وكأنها خالية من سمات الحياة، لتقرر العودة إلى مكانها قرب النافذة حيث وجدتها حين دخلت المحل قبل ساعة بالضبط، لكنها اختارت الجلوس على الكرسي المنفرد وسرعان ما رحلت مقلتيها الى ما خلف بلور النافذة.
تضاعف الضياع عبر موجات سائل القهوة الغامق داخل عينيها تتمازج بموجات الرياح عبر الأزقة، تعصف بكل ما تجده في طريقها فيتطاير مثل الخرق البالية ليبدو بلا قيمة، بلا عنوان، بلا معالم.
(هل تعلمين ما هو أكثر شيء افتقدته بعيدا عن هنا؟...)
لم يبدو عليها انتظار ردٍّ ووداد قد تفهمت ذلك، فاقتربت بحرص وجلست بهدوء تدعو الله أن تستمر الرياح في معاركها فلا يقاطع جلستهما متطفل.
وضعت نسخ العقد على الطاولة وسحبت جهاز تسجيل صغير، قامت بتشغيله ثم التقطت مفكرتها من جيب سترتها لتبدأ تأملها المتفحص لمن سرحت تُحدث الرياح ولا كأن هناك من يشاركها المكان ولا الزمان.
(الرياح!.... صوتها في قمة هيجانها بالنسبة لقلبي  كأنشودة ابتهال ناعمة...هادئة ... مريحة للنفس... مبهجة للروح ... كيف لا وهي البداية؟... بداية طفولة سعيدة... براءة اقتسمتها مع عائلتي جيراني ..صديقاتي...اسمعي!)
رفعت كفها تشير بها في الهواء ورأسها يميل إلى جانبه ببطيء وروية وكأنها تعيش الذكرى مرة أخرى بل تعيشها كما هي أول مرة.
(اسمعي الضحكات تتعالى عبر الطرقات ... فتيات عائدات من المدارس .. على الدراجات الهوائية .. يقاومن قوة الرياح ويتحدينها حتى يبلغ منهن التعب ما يفوق طاقتهن ....فيستسلمن وينزلن على الأرض ...بعد أن قررن جرها ما تبقى من المسافة .. البسمة على ثغورهن تواجه التراب المثار عن جحوره دون مبالاة ولا اهتمام... وكل ما يهمهن حل واجب مدرسي ومساعدة أمهاتهن في توضيب منازلهن.... وبين المدرسة والمنزل تنزلق بعض الأحاديث بخجل وشقاوة عن الحب والرومانسية ... )
أعادت كفها فوق حجرها، لتكمل ووجهها لا يفارق وجهة النافذة نحو الرياح وكأنها تحكي لها اشتياقها وعشقها.
(ما أحلاها من أيام! وما أمرُّه من وهم يعيشه الأطفال بسذاجة تخطو بهم نحو اعتاب النضوج.... فيبنون أسوار قواعدهم بما يتلقونه من حولهم...)
نظرت إليها فجأة، فشهقت وداد بخفة مجفلة من كم القسوة التي احتلت لأول مرة قسمات وجهها الجامدة بينما تسترسل بنبرة مشبعة بالمرارة.
(وكل ما يتلقونه زيف! ...خداع!...أخطاء! ... إعلام يبرر كل تجاوز وذنب بالحب ... ومدرسة كل تركيزها على الواجهة والمظاهر بينما الستارة تخفي خلفها مصائب.... وأسرة....)
تهدلا كتفاها وعادت ترخي ظهرها على الكرسي تكمل بجمود عادت إليه كما عادت إلى تأمل الرياح.
(أسرة تخشى الحوار رغم الاحتواء.... هل هو الخوف؟... أو الإحراج؟... أو حتى الجهل؟... أم كلهم مجتمعين ..فتكون النتيجة فرض قوانين فقدت صلتها بالشرع وبقيت بزي العيب والعرف... وتاهت النفوس بين كل ذلك ... لكنه ليس بتبرير ولا حجج... وخير دليل أنا... دفعت الثمن غاليا بعد أن تساهلت وقلدت... وبررت كل معصية بالحب... رأيت ذلك في الأفلام... والمسلسلات ...وحتى الروايات ولم يحدث للناس فيها  ما حدث معي...)
توجهت إليها مرة أخرى بنظراتها الخاوية من أي أثر للحياة.
(أتدرين لما؟؟)
مجددا لم تنتظر الرد بينما تجيب نفسها بتمهل جامد.
(لأن أولئك كانوا زيفا ..تأليفا...انعكاسا لتفكير كاتب مستهتر أو مستهدِف ... واجهة مخادعة... كذب! ...وأنا!!!.. كنت الواقع... الواقع المر... كنت ضحيتهم ...ضحية كل شريط ومسرحية ومسلسل وايضا رواية بررت المعصية بالحب والمشاعر الجياشة... فقلدت وكان أول درس دفعت ثمنه غاليا... فكنت ضحية نفسي قبل كل شيء آخر...)
لاذت بالصمت بعد أن التفتت إلى النافذة وبدا لوداد أنها ضاعت بين سراديب ذكرياتها فنطقت بحذر تعيدها إلى وعيها.
(زوجك الأول سبب دخولك السجن؟)
يا الله!!  كم هي نظراتها مخيفة بكل ذلك الجمود بين أهدابٍ ناعسة وكأنه اليأس بعينه!!.. تعبير دار في خلد وداد بينما ضحى ترمقها بخواء تبعه عودة إلى النافذة بتجاهل غريب.
تفقدت وداد ساعتها وعلمت ان الباقي من زمانها في ذلك اليوم العاصف ليس بالكثير ففكرت ثم حزمت أمرها تسألها في اتجاه اخر.
(كيف كان لقاءك بالسيد أثير؟)
حسنا هذا جيد! فكرت وداد وشعور بالراحة عاد ليكتنفها من تلك البسمة التي ظهرت على جانب شفتيها الزهريتين بتمهل يليق بها، فكان ردها ساهما لحقت به نظراتها إلى عالم الذكريات.
(لقاء مدبر ... لكن مقدر بنكهة صُدفة ... )
قطبت وداد مستغربة من كلماتها لكن ضحى كانت قد راحت بالفعل محلقة بين سحب الماضي القريب قبل البعيد، فتارة تنطق بما تلتقطه وداد فتدونه بلهفة وتارة تلتزم الصمت بينما تراقب مشاهد حياتها بعين مشاهد لا يمت لما يُعرض عليه بصلة، فكان أول ما فرت إليه ذكرياتها ذلك اليوم الذي قررت فيه أخيرا اتخاذ أول الخطوات نحو حق كان يجب أن يُرد الى أصحابه حتى لو كانوا ظالمين لأنفسهم.
اليوم الأخير من شهرٍ أتمته في مدينة غريبة زارتها في حياتها مرة أو مرتين، شهر رتبت فيه أمورها في بيت عمها حيث استقرت بعد أن طلبت من اهلها أن تسافر إليهم لحاجة في نفسها لم تخبرهم عنها فساندوها هم بحجة النسيان، حقا!
وكأنها ستنسى ما حدث معها!
وكأنها ستنسى خمس سنوات في السجن!
دخلته في العشرين من عمرها بنفس مكسورة وقلب مقهور وجسد تعرّف على الألم بكل أنواعه، لتخرج منه في الخامسة والعشرين بنفس تبلدت مشاعرها ونظرات خاوية، قلب مفطور وآمال لم تعد لها علاقة بالدنيا الفانية.
لا زالت ذكرى صباح ذلك اليوم حين شاركت زوجة عمها تحضير الفطور كالعادة يسكن خيالها، امرأة متفهمة، واعية حنونة، لطالما أحبتها ضحى منذ أول يوم جلبها عمها بعد أن تزوج بها وهي ابنة مدينة أخرى فتقربت منها وتقاسمت معها أسرار العمر الفتي والاحلام الساذجة، رغم بعدها وسكنها في المدينة الكبرى إلا أن ذلك لم يمنعهما من صداقة صادقة جمعتهما وإن كان فارق السن بينهما تعدى الأربع سنوات.
ولعل برودة شخصيتها المستحدثة بعد صدمات تلقها قلبها كوصلات كهربائية مميتة مما أدى إلى انطوائها بعيدا عن حياتها السابقة بكل ما يتبعها من علاقات، من بينها علاقتها بزوجة عمها، ما جعلها تتخذ قرار المكوث في بيتها ومحاولة ابداء تجاوب لتقربها منها وإن كان تجاوب مشوه كشخصيتها المشوهة، فأين هي الآن من تلك الضحى الضاحكة المنطلقة والمليئة بالتفاؤل؟!... لم يتبقى منها سوى ذكرى باهتة باردة.
لن تنكر أن غايتها في ذلك اليوم تعدت مجرد محاولة استجابة لتقرب  زوجة عمها منها، الى أول خطوة على طريق هدفها حين طلبت منها أن تساعدها في خَبز نوع حلو معين لتحمله إلى صديقة لها وعدتها بعمل في مجمع تجاري مشهور بضخامته كبائعة في محل ورود.
كم كانت السعادة بادية على وجه المرأة الطيبة وحماسها في تحضير الحلو وتجهيزه في علبة هدايا فاخرة ثم عرضها عليها بأن توصلها بنفسها إلى مكان المجمع التجاري، ذلك المكان حيث بدأت أيام جديدة كليا عن كل ما عاشته من قبل، فكان لقاء مقدرا مقصودا لكن بنكهة صدفة بكل ما حمله معه من مفاجآت.
نزلت من سيارة زوجة عمها بعد أن ودعتها بكلمات مقتضبة فرحت بها الأخيرة كتجاوب تفاءلت به كبداية لعودتها إلى شخصيتها الأولى، فأسرت في نفسها شعور شفقة نحوها" مسكينة المرأة الطيبة، لا تعلم أنها الى ما كانت عليه في الماضي لن تعود، فكيف يعود المفقود وقد كرهه الفاقد؟!"
تسمرت أمام بناية ضخمة طولا وعرضا فشعرت بقشعريرة سرت بتمهل عبر أوردتها، بين يديها علبة بيضاء بحواف ذهبية، ترتدي تنورة سوداء فضفاضة وقميص زهري قصير عليه سترة سوداء من نفس خامة نسيج التنورة وحذاء رياضي بسيط بلون زهري وطرحة طويلة الطرفين سوداء على حافة طرفيها ورود زهرية صغيرة.
عبأت صدرها بأنفاس مرتعشة وعينيها الناعستين لا تستوعبان كم الضخامة أمامها بكل صخبه وازدحامه، لكنها حزمت أمرها وعدّلت حقيبة ظهرها ذات الحزام المنفرد، ثم مشت بإصرار خبى ما إن لاح لها المصعد المعلوم بينما الوقت لا تملك منه الكثير، ساعة معلومة ودقائق معلومة بل وحتى الثواني، إن تأخرت عنها فرت منها الفرصة ووجب عليها الانتظار مجددا، لكن ألم تنتظر بما فيه الكفاية وحان الوقت؟!  لقد حان الوقت فعلا!
كلمات بنبرة واهنة نهشها المرض وغص بها الندم  حيث لا فائدة منه ترجى، تتردد داخل عقلها تؤنب ضميرها وتستنفر مواطن عاطفة جفت آبارها فلم ييأس من حفرها مرة بعد مرة، في انتظار الغيث وفي انتظار الحياة!
(عديني يا ضحى! عديني بأن تحققي لي رغبتي! عديني يا ابنتي!  )
(أعدك! )
كلمة نطقتها بحرقة كانت أول شعور حقيقي تفاعلت به أحشائها بعد أن فقدت جميع كيانها ومقدرتها على الإحساس.
(عديني يا ضحى عديني! )
عادت الكلمات لترن بجرس إنذارها فتقدمت نحو المصعد بتصميم تجدد داخلها، ستفي بوعدها، ستفي بوعدها! ودخلت المصعد ودخل هو من خلفها واقفل بابه عليهما!
انزوت في ركن المصعد ولحسن حظها كانت غرفته واسعة كلها مرايا مما ساعد في إضاءة المكان. رفعت العلبة بين يديها وظلت ترمق الأرض دون أن ترفع عينيها تهمس لنفسها بتحدي صامت.
(لنرى مدى معرفتك به ؟... واحد... اثنان ...ثلاثة...)
(عفوا!! )
رفعت رأسها ما إن سمعت نبرته، وكأن روحا أخرى تلبستها أو ربما  روح الأخرى  من لحقت بها لتتأكد من وفائها بوعدها الذي انتزعته منها انتزاعا، فماذا يكون التفسير لما يحدث معها سوى ذلك؟ حين نظرت إليه مباشرة في عينيه، لم تتفقد باقي الملامح، فقط مقلتيه حيث وجدت ظلا لها لمن أنجبته وفقدته، نفس اللون المظلم، نفس الشكل الواسع، نفس الرموش الكثة السوداء، بلى! الآن علمت السر! لقد وجدت شيئا مألوفا تتعلق به فينسيها خوفها وترددها وييسر عليها الوفاء بوعدها.
كان من الغريب فعلا أن يتنازل ويحدثها، فهو ذلك الرجل ذو الواجهة الجامدة من أولئك الذين يبقون بين طيات صفحات المجلات والجرائد، مظهر جذاب وواجهة لامعة، أناقة براقة، ولن تقول وسامة، فمع جسد عادي حتى والكثير من المال تُشترى الوسامة بل وتُصنع كأي منتوج آخر.
باختصار، هو مثال حي للشخصيات اللاتي كانت تقرأ عنها في الروايات وشتان ما بينه وبين الآخر الذي ظنت به نفس الشيء، لكنها هي الآن ليست نفس الشخص، فقد أسقط جدار السذاجة وكشفت ستارة الكواليس عن كل ما خفي، والأنوار التي تعمي البصيرة قد انطفأت جميعها وكل شيء أضحى أمامها كليلة حالكة السواد.
لمحت بعض التوتر في عينيه رغم القوة المشعة فيهما، عززه تبات جسده في مواجهتها لتنزل قليلا بعينيها تمشط بهما بدلته السوداء حتى قميصه وربطة عنقه كلها سواد لامع كحذائه، لقد كان فعلا رمزا للثراء ويا ويل من يعميه البريق حتى يحترق حرقا دون دراية!
لم تنطق ببنت شفة وهي تنتظر ما تعلمه سابقا، تقف بنفس الثبات، وقد هدأت دقات قلبها كدليل وحيد سابق عن توترها، لتزيد قناعتها بأن تلك التجربة فعلا ستفيدها كما قالت الطبيبة النفسية أثناء فترة حبسها، حين اخبرتها أنها في حاجة لمغامرة تجبرها على اشتعال مشاعرها لا يهم نوعها، غضب، سخط، خوف، سعادة، شيء ما يكسر جدار البلادة التي سكنتها كرد فعل او مقاومة لما عاشته لسنتين كاملتين في الجحيم. لكنها طبعا لم تعني هذا النوع من المغامرة!
(اعتذر منك آنستي ...لا تعتبريها قلة ذوق مني...هل هذا حلو العسل؟)
نظرت إلى العلبة ثم عادت نحوه تطلق سراح بسمة خشيت أن تخونها في تلك اللحظة، فقد نسيت أمرها تماما منذ سنوات طويلة، لكنها خرجت وإن كانت باردة بعض الشيء، لا بأس! ستتعود.
(أجل سيدي.... هل تريد منها؟؟... تفضل!)
كانت تفتح العلبة وهو يبتسم لها بالمقابل بسمة لو كانت نفسها الحالمية السالفة لطعن قلبها بسهم قاتل في هواه.
(صدقيني آنستي ... لا أفعل هذا عادة... لكن هذا الحلو بالتحديد نقطة ضعفي .... خصوصا إذا تم غَمْرُه بعسل النحل لا عسل السكر...وهذا قليل من يفعله الآن... يمكنني دفع ثمنه !...)
رفعت نحوه العلبة المفتوحة، تجيبه بنبرتها المتمهلة الهادئة وكأن العالم كله ملك لها بزمانه ومساحته.
(لا بأس سيدي... إنه فعلا مغمور بعسل النحل... تفضل...)
مد يده ليسحب واحدة بملامحه الرزينة تجسيدا لحماسةٍ طفولية تُقسم يقينا أنها خانته وطفت عاليا في لحظة سهو سرقها من الزمن.
(رجاء! دعيني ادفع ثمنها... لابد وأنها غالية... بما أنها غُمِرت بعسل النحل... لو تسمحين من فضلك ....ما اسم المحل حيث اشتريته؟...)
اختفت البسمة من على ثغرها وقد انتهت قوتها على الادعاء، تجيب بنبرتها وملامحها الراكدة.
(لم أشتريها يا سيدي... إنها من صنع يدي ... يمكنك أخذها كلها... سأخبز غيرها...)
دفعت بالعلبة قرب  صدره، فأمسك بها محرجا، حرجا لا يعلم متى آخر عهده به، ولقد اعترف لها بذلك لاحقا، معها عاش مشاعر كان قد نسيها في خضم طواحين الحياة، ولم تخبره بأنها مثله تماما.
(لا... هذا كثير ...اعتذر منك آنستي....)
الاعتذار أمر آخر لم يكن من ضمن تصرفاته اليومية، لكنه موقف غريب بالفعل.
(لا داعي للاعتذار... فلتهنأ به... )
ثم نظرت نحو الشاشة حيث تومض أرقام الطوابق تستدرك بوجوم لم تدّعيه.
(أوشكنا على الوصول إلى الطابق الأخير...وأنا غايتي الثالث...)
أطرقت برأسها تفكر، فأتتها نبرته الرخيمة وكأنه استعاد واجهته التي انزلقت منه لوهلة بسبب المفاجأة والغرابة.
(تعملين في المحلات ؟... أم أنها زيارة فقط؟...)
لم تنظر إليه حين ردت عليه، بل توجهت بأنظارها الخاوية نحو باب المصعد.
(كلاهما على ما أظن ...)
(عفوا!!)
سأل بحذر فاستدركت بعد لحظة صمت.
(أنوي زيارة امرأة.... دبرت لي أمر العمل في محل جوار محلها ...)
لم تنظر نحوه ولم تشعر برغبة في ذلك، كل اهتمامها منصب على رعشة قلبها من الخوف.
إنها تسترجع قلبها، مادام يرتعش خوفا فهي تسترجعه.
وكأن فرار مقلتيها منه استفزه، لأنه وقف حائلا بين طرف باب المصعد ودفّته كي لا ينغلق يقول بنبرة شابها بعض الترفع.
(هذا يعني أنك لم تعملي بعد ؟...)
أخذت نفسا بتمهل ثم أومأت وهي لا تزال ترمق حذائه بعد ان احتل وجهة أنظارها، فتنحنح يرمي كلماته الرسمية قبل اختفائه.
(شكرا لك على الحلو ... وأتمنى لك حظا جيدا...)
أطلقت زفيرا طويلا، وأرخت ظهرها على المرآة خلفها تهمس لنفسها بمهادنة...
(لا بأس يا ضحى... أنت فتحت الباب... دعيه يأتي إليك  ... سيفعل!... هي قالت ذلك ... سيفعل!... ومع قليل من الحظ سيأتي الآخر...)
لم تستطع دفع القسوة من على وجهها حين ذُكر المعني، فعادت كل مراكز أحاسيسها الى تبلدها وراح كل ما حققته من تقدم في داخلها أدراج الرياح مع مجرد ذكرى عابرة للآخر.

مرت أيام على بداية عملها في محل الورود، لم تكن تعلم أنها ستعمل يوما وفي مجال بيع الورود تحديدا، هي التي ما إن انهت مرحلتها الثانوية وافقت على الزواج ممن سلمت له قلبها كما سمحت له بالدخول الى حياتها، ترى نفسها في أدوار شاهدتها في الإعلام وقرأت عنها في الروايات، فما الضير من لمسة يديه أو قبلة من شفتيه على كفيها أو حتى وجنتيها، ليتحقق الحلم الضائع وترتفع الآمال وفي الحقيقة ما هي إلى خطوات نحو الفخ القاتل.
تجاهلت نصائح أهلها بالتريث، وأخبرها والدها بالحرف "يا ابنتي أكملي تعليمك حتى بعد الزواج... أستطيع فرض ذلك عليه!" لكن لا مصغي ولا عاقل! بينما القلب يدق أوهام الحب والرومانسية، وحدث ما أرادته وكانت له! وماذا كانت النتيجة؟ لا شيء سوى تذوق كلما تمنته وظنته حلو بعسل النحل كالذي بقيت بضع آثار لرائحته على كفيها، لتواجه حائط الواقع الصلب فتكتشف أن مذاقه ليس سوى حنظل مر وبأشواك جارحة.
السجن! نتيجة لم تكن تتوقعها ولا في أكثر خيالاتها اشتعالا بنار الجحيم، لكنه وبكل ظلمته هو الآخر كان وبشكل لا يصدق أرحم من جحيمها مع من كانت على ذمته، فلو لم يكن السجن مهربا لها، لكان الموت لا محالة!
نفضت رأسها من تلك الأفكار بينما تعود بذاكرتها إلى أول لقاء به في المصعد، حيث خرجت وعينيها في بحث عن المكان المحدد، تفكر في كون تعلمها حرفة الورود كنسمة وسط صحراء قاحلة، ما جعلها تنطق بذلك الوعد الذي طوقت به معلمتها عنقها به.
وقفت أمام واجهة المحل، حيث تعمل من ادعت أمام عائلتها وأسرة عمها أنها صديقتها، بينما هي عنوان آخر أرسلتها إليه تلك المغبونة.
(ستدبر لك عملا في محل ورود جوار محلها... لا تسألي! فقط اذهبي إليها! )
رنّت كلماتها في رأسها وتبلدت مشاعرها الساكنة في أحشائها، رحمة بكيانها كلما تذكرت أيام حبستها خلف الأسوار العالية، والقضبان الحديدية.
أخذت نفسا آخر تخلع به ثوب التعب والإهمال، رغبتها في رج ركود حياتها تزيد وتتضاعف، وأمنية صغيرة بالانتقام تدور وتلف مستفزة خلايا شهواتها فتعود لتستنكر بجفاء، ليست هي من تنتقم! لأنها لو قررت ذلك ستكون هي، ضحى، أول عنوان تقصده في ثأرها لنفسها.
لكن لا ضير من تخليص حق فيمن لا يكف عن الأذية! كانت تلك آخر ومضات خيالها قبل أن تتقدم خطوات داخل محل الديكورات التقليدية، فكان لها ما جاءت اليه وصدقت المغبونة في وعدها، وها هي توظب باقة ورد أنيقة مكونة من ورد جوري أحمر وأصفر، أكثر الورود طلبا من الناس وكيف تلومهم! فهو ذو واجهة جذابة ورائحة عطرة.
(شكرا لك سيدتي....)
أومأت دون رد ولا حتى بسمة تتكلف عناء ادعائها بينما تمسك بالورقة المالية، لتراقب انصراف الزبون قبل أن تعود إلى ما كانت تفعله حين فراغ المحل.
ترتيب الورود وإزالة الشوك عن سيقانها، كم يسعدها ذلك بطريقة غريبة وكأن تلك السيقان نفوس بشرية تخلصها من شر هواها، فتستغرق في ما تفعله بنظرة منتشيه وعضة على الشفة السفلى بغيظ يعصر قلبها حتى أنها مرات عدة تتنهد من حلقها تعبا من حركاتها العنيفة وكأنها تعدو أميالا لا تنتهي أو تتسلق جبلا شاهقة.  
تلفتت حولها تتفقد مساحة المحل الصغيرة نوعا ما، زاوية بطاولة خشبية مزخرفة عليها بضع مزهريات من الفخار الصيني، خلفه مقعد أمام الجارور تحت الطاولة، والباقي مساحة فارغة سوى من بضع أصص مرتبة بأناقة تحمل نبتات لأشجار صغيرة رائعة المنظر.
تنهدت وهي تنهي ترتيب ورود الياسمين ثم قامت تقف خلف زجاج باب المدخل، تشعر بروحها عادت إلى سجنها وهي تتأمل الرائح والغادي من الناس بعضهم يتأمل واجهة محلها بفضول عابر، والبعض يمر متجاهلا، بينما هي تتعدى وجودهم بنظراتها المتأملة، تشتاق إلى طقس مدينتها الجاف عبر المساحات الواسعة الخالية من البنايات والزحام، إلى صوت الرياح تحوم من حولها بذكريات سعيدة، حتى كأس القهوة في المدينة الكبرى الصاخبة فقد مذاقه الشهي بنسمة الأعشاب النافعة.
تفقدت ساعة يدها لتعلم أن موعد مغادرتها قد حان فالتفتت تمارس طقوسها قبل المغادرة، منتظرة من يستلم منها نوبة العمل الليلية التي تبدأ من الساعة الخامسة مساءا إلى منتصف الليل، بينما هي تتولى فتح المحل من الساعة التاسعة صباحا.
كانت قد غادرت بالفعل حين أجفلتها نبرة جمدت الدماء في عروقها، كما جمدت قدميها مكانهما، وهسيس أنفاسه تضرب جانب أذنها من فوق طرحتها بينما يقف صاحب الأنفاس خلف جسدها مستغلا الزحام في ذلك الوقت أمام محل للمعجنات الساخنة، قريبا من محل الورود حيث تعمل، تقتني منه كل يوم قبل عودتها بعضا من مخبوزتاهم اللذيذة لصغار عمها.
(مرحبا جميلتي !.... اشتقت إليك... ألم تفعلِ أنتِ؟!)
استغربت من نفسها كيف لم تتوتر ولم تتلبسها تلك الحالة من الذعر كما كان يحدث معها في أول السنتين اللتين قضتهما في بيته، وكل ما يغمرها الآن برودة عبرت أوردتها وجمدت كامل مراكز استشعاراتها فاتخذت قرارا لا تعلم إن كان غبيا أم فقط من فعل الصدمة، لكن اي صدمة! فقد توقعت ترصده لها، ألم يعدها بالحرف أنها ستدفع ثمن ما فعلت به غاليا، ولن يدعها تهنأ بحياتها مادام هو حي يتنفس! إذن تلك لم تكن صدمة، انما تبلد مشاعر تفننت في إتقانه إلى أن أصبح شقا منها، محتلا لكل جهازها العصبي، ....وبكل بساطة تجاهلته وتقدمت الخطوة التي خلت أمامها نحو غايتها.
تعالى هسيس أنفاسه كدليل على غضبه الناري، ولم يزدها ذلك سوى نشوة تسللت بمشقة تحارب لتكسر جليد عروقها العصبية بدفئ يضيع منها آسفا كلما توغلت أكثر وأعمق...
حان دورها واقتنت ما أرادته بروية وتمهل تفهَّمه صاحب المحل الذي تبدو عليه الألفة نحوها كزبونة يومية، ثم استدارت دون نظرة واحدة نحوه.
لمحت المصعد يلوح لها نازلا من الدور الأخير، ومع علمها بالتوقيت لاح شبح بسمة على جانب ثغرها وهي تخطو إلى المصعد بتصميم سهم يسرع نحو هدفه بوحشية.
كل يوم كانت تستقل المصعد في نفس الوقت وبنفس الواجهة الباردة المتجاهلة وكم ودت حقا أن يأتي ذلك بنتيجته المرجوة.
انفتح باب المصعد فاندفعت مع امرأة أخرى تنضمان إلى من كانوا داخلا ولحسن حظها كانوا قلة لم يتجاوزوا الأربعة، فاحتلت مكانها وهي تتجاهل من في الزاوية كما تجاهلت من دخل خلفها.
وقفت تطرق برأسها والكيس رهين قبضة كفها اليمنى، بينما الأخرى تشد بها حول حزام حقيبة ظهرها، وساد الصمت حتى انفتح باب المصعد مرتين دون أن تتحرك من مكانها إلى أن بلغ آخر وجهاته، فخطت سابقة تخرج إلى الطابق تحت الأرض المخصص لركن السيارات ثم توجهت بصمت نحو المخرج، لكن وقبل ان تبلغ نصف المسافة أمسك بذراعها، حركةٌ انتظرتها وهي تمر جوار ركن منزوي عمن توجهوا الى سياراتهم.
(أنا أكلمك يا غبية! )
أسدلت جفنيها تتنفس من فتحتي أنفها، إنها تغامر بحياتها، فهي أكثر من يعرف ذلك الشخص وما يستطيع فعله! سافل ومنافق من الدرجة الأولى، وحقير سادي، لكن مع النساء فقط! فهو مجرد جبان لم يجد للآن من يلقنه درسا ليتعلم قيمة قدر نفسه المريضة، حتى بعد ما فعلته هي وما سببته له من أذى، لم يتعلم! وكان فقط دافعا ليتخذ ضد أهلها إجراء قانوني للحماية  من انتقامهم بما فعله بها.
(أترك يدي! )
نطقت من بين فكيها المطبقين، فرفع وجهها بعنف آلم عنقها يهدر ببشاعة حين تتوضح من خلف قناع النفاق الذي يحتفظ به على وجهه دائما يتحول إلى وحش قميء فلا تشفع له ملامحه التي يعتبرها كثير من الناس كانت هي يوما ما من بينهم، وسيمة وجذابة.
(أنظري إلي! هل نسيت القواعد ام أن السجن أنساك؟!)
ترفض فتح مقلتيها، وتضغط عليهما معتصرة جفنيها، ليس من ألم ذراعها أو عنقها إنما من ألم كرهها ومقتها لذلك الانسان بل الشيطان في عباءة انسان، أو فعلا الإنسان تحت عباءة الشيطان، ترفض كابوسا سيصاحب نومها وصحوها مجددا.
في تلك اللحظة بالذات انطلق لسان حالها مستنجدا ** لا!! أين ما وعدت به تلك الروح في البرزخ! لن تسامحها إن لم تصْدُق! قد يكون من تعرفه حق اليقين قد تغير، فجميع البشر يتغيرون، تدهسهم الحياة بين عجلاتها المسرعة فيستسلمون لها، فلماذا لن يفعل هو؟! **
(لقد سمعتها .. قالت أتركها! )
شهقت! حقا فعلت وهي تسمع نبرته الرخيمة الواثقة وهي الآن تشع قوة وشراسة دون أن ترحل عن مساحة الهدوء.
لكن الآخر كان من الغباء ما ظن به أنه يمسك زمام أمورها.
حين يستبد الكبر بالنفس تسقط عن صاحبها الحكمة فيتخبط في ظلام فقدان البصيرة.
(أعتذر منك أيها السيد.... لابد أنك أسأت فهمنا .. إنها زوجتي وفقط نسوي أمورا بيننا..)
سحبت ذراعها من قبضته التي خفت من شدتها، وعادت الى الخلف خطوة تبتعد عنه بينما تمسك بعنقها قائلة بجمود بارد مع طريقة نطقها المتمهلة الخالية من الحياة..
(لم أعد زوجتك منذ أربع سنوات .... )
رفعت أخيرا وجهها لتنظر في صميم مقلتيه الرماديتين الماكرتين حتى في جمالهما، تُكمل وهي تنتشي برؤية حقده من خروجها وتفلتها من تحت سطوة تسلطه.
(وأخبرك يا من كنت لي يوما زوجا.... جحيم السجن كان أهون بكثير من جحيم معاشرتك... وأنا مستعدة للعودة إليه مجددا فقط كي لا ألمح طيفك.. لكن ...)
لم تنظر نحو الآخر ولم تمنحه لفتة واحدة حتى بطرف مقلتيها، فحسب ما حفظته عن ظهر قلب، بما أنه تعرّف عليها وتدخل في ما حدث لينقذها، فهو يعرف كل شيء عنها سالفا.
علت نبرتها أوضح وهي تتعمق بنظراتها في الرماد المحترق بحقده في مقلتي طليقها، تكمل بتوعد أرجف قلبه بحق حتى ظهرت الرعشة على عضلة خذه وإجفال نظراته اللحظي.
(هذه المرة جريمتي ستكون عن سابق إصرار وترصد... وليس رد فعل تلقائي ... ودفاعا عن النفس...)
التفت إلى الآخر يخبره بسخرية أخفى به إجفاله من موقفها القوي، بينما يدس كفيه في جيبي سرواله الجينز.
(إنها تهددني بالقتل ... وأنت شاهد أليس كذلك؟)
بلعت ريقها وسحبت مقلتيها نحو الأرض مجددا تهم بالمغادرة حين رد عليه الآخر الذي لم تلتفت اليه إلى الآن.
(كنتُ شاهدا على تهجمك عليها وأنت لا تمت لها بصلة... هذا ما سأحرص على ذكره  يا سيد... ليس من عادتي إعادة كلامي .. فمن الأفضل لك أن تغادر ....وحالا ! )
وهنا لم تردع مقلتيها وهما تفران نحوه، واقفا بتحفز واضح بجسده الطويل المحتل لبدلة سوداء لامعة، لم يظهر عليها أثر يوم عمل شاق، من خلفه يقف رجل آخر في نفس طوله وحجمه تقريبا إلا أن بدلته أبسط بعض الشيء يراقب الوضع بعين لا تهدأ في محجرها.
بادلها نظرتها الناعسة بأخرى ثابتة، هادئة في عمق قوتها وهو يستدرك مشيرا لها نحو سيارته.
(تفضلي سيدة ضحى لأقوم بإيصالك الى بيت عمك ...)
لم تتفاجأ لكنها ظلت مكانها لينفث الآخر سما على شكل حروف مطعمة بحقد، بينما يوزع عليهما نظراته الساخرة باحتقار.
(حسنا لقد فهمت ...هل أوقعتِ بضحية أخرى بهذه السرعة؟)
ثم تأمل بدلة الآخر بإعجاب مستهين وهو يكمل في تهكمه.
(كيف فعلتِها ؟... ما الذي يجعل رجلا مثله يندفع بحمية دفاعا عن فتاة بائسة لها سوابق ؟)
ثم ابتسم بقسوة وحقد وهو يكمل ناظرا إلى الآخر.
(لا تغتر يا سيد... وانصحك بالتراجع فلا شيء لديها لتقدمه لك...)
سحب كفيه من جيبي بنطاله ليلوح بهما باستهانة وحقارة.
(لقد حرصتُ على ذلك ...).



منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الإثنين يوليو 01, 2019 4:44 am

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_1276ii4uy0

الفصل الثاني

(لقد حرصتُ على ذلك ...).
عينيها على عيني الآخر المظلمة، لا تحيد بهما من عليه، لم تلتقط أي حرف لما ينطق به طليقها، لتجفل على حديثه بنبرة ظهر عليها التهديد جديا وجليا بعد أن سحب نظراته من على مقلتيها الراكدتين في تعبيرهما.
(ارحل يا سيد!!...الآن!!... تفضلي سيدة ضحى!!)
تنفست بخفوت وحركت قدميها نحوه، تتجاوز الآخر حين همس لها بتهديد حاقد.
(لنا لقاء آخر...قريب!).
تجاهلته مجددا تهمس لنفسها بأنها ستنتظر فعلا عودته، فلا خلاص من الورم دون وجع الاستئصال. توقفت قرب الآخر دون ان ترفع إليه انظارها فلمحت ذراعه تنبسط إشارة نحو السيارة.
استقلتها بينما برودة أوردتها تدفع عنها قشعريرة همت بتلبسها كأثر لدفيء السيارة مع العطر الرجولي الغالي الثمن، تبلد مشاعرها عاد وبقوة كمُضاض لرصاص الذكريات القاتلة.
(من فضلك انزلني عند أقرب محطة ل *tramway  * *قطارات وسط المدن* ...)
نطقت بعد برهة من انطلاق السيارة متجاهلة ذلك الكيان القابع جوارها بكل هالته التي لو كانت هي نفسها قبل سنوات، تحديدا قبل اغتيال كل أحلامها وحالميتها الساذجة،  لخرّت فاقدة للوعي تأثرا به.
لاح شبح بسمة بائسة على جانب ثغرها، واختفت مباشرة حين أجابها بنبرة شعرت بها قريبة جدا.
(يمكنني إيصالك إلى الحي الذي تسكنين فيه .... )
أدارت وجهها نحوه لتنظر في عمق ظلمتيه حيث تجد ألفةً تمدها بالإقدام على ما خططت له شبيهة تلك الظلمة الحالكة، حتى أنها لم تستجمع بعد باقي ملامح وجهه لتقارنها بما شاهدته من صور له، تذكر أنها ملامح صلبة، جامدة، بوسامة مقتناه وهذا يعني لو كان وُلد بين أناس فقراء يعانون الأمرين ليكسبوا قوت يومهم لاختفت وسامته بين عرق الجبين وغبار العمل الشاق.
(عند عمي ... وهذه ايضا معلومة تعرفها ... من أين تعرفني يا سيد أثير؟...)
تحدثت بروية وهدوء بينما عيناها الناعستان تمنحانه نظرات متفحصة، حصلتا على مأربهما حين تحركت مقلتيه عن تباثهما لوهلة وجيزة قبل أن يبتسم تلك البسمة الجذابة وهو يرد بنبرته الفخمة برزانتها.
(وها أنت أيضا تعرفين من أكون!).
لم تستجب لبسمته وهو الجاهل بفقدانها لتلك الرفاهية، تجيبه بنفس طريقتها الفاقدة للحياة.
(لست أنا من يحتل صفحات الأعمال في المجلات والجرائد و الشبكة العنكبوتية يا سيد أثير... وحتما لا أملك بنايات ضخمة كالذي أعمل في جزء صغير منه لا تتعدى مساحته ...مساحة جحر فأر في قصر مهيب... فلا تسخر مني يا سيد ... وأخبرني لماذا تعلم أين أسكن واسمي أيضأ!)..
بلع ريقه، ليس توترا فهو أبعد ما يكون عنه في تلك اللحظة، نظراته واثقة، محياه جامد لا يعبر عن مشاعر محددة.
(ألم يخطر ببالك أنني أعلم عن كل من يعمل في احدى البنايات الضخمة التي أملكها ؟! ...)
صاحبت كلماته بسمة تهكم أنيقة، وهي ترنو نحوه بتفحص جعله يكمل بجدية.
(أستطيع مساعدتك بما أنك تعرفين عني كل شيء.... فأنت بالتأكيد تعرفين أين يمكن لنفوذي أن يصل! ...).
رمشت ببطي ويا لغرابة الأمر، طفت بسمة لا عنوان لها إن كان على أرض الامتنان أو أرض السخرية، فقط على أرض ثغرها الزهري الناطق بهدوء مستفز.
(سيد أثير الأجاويد ....كل ما تملكه خارج حساباتي ...ولا يهمني في شيء...توقف هنا من فضلك!).
استدار السائق نحو مديره، فأشار له ليتوقف، ثم استدركت قبل أن تترجل بعد أن فُتح الباب أمامها من طرف مرافقه.
(شكرا لك ... لما فعلته هناك ولتوصيلي... السلام عليكم ورحمة الله)
كانت غمغمته برد التحية آخر ما سمعته وهي تبتعد نحو الحي السكني حيث يقبع بيت عمها، تهمس لنفسها وهي تتذكر إجفال ظلمته العميقة في مقلتيه لبرهة طارت بحكم سيطرته القوية على انفعالاته.
(أنت من يهمني يا سيد أثير ...أنت فقط مفتاح كل الأبواب...لا يهم ما تملكه ....لا يهم ...)..
الحاضر...
(زوجك الأول كان ساديا يا سيدة ضحى؟)..
انتُشلت من ذكرياتها لتنظر إلى الجالسة أمامها والمتفحصة لها بعين مراقبة، ثم زفرت بهدوء ترد بجمود.
(كان سؤالا مألوفا في الماضي ...طوال شهور المحاكمة ... كنت أعيد نفس الجواب...واعيده...حتى شعرت كمن يخدش جرحه كل مرة فتسيل دمائه ...دون أن يتنعم بفترة يلتئم فيها... أظن أنك تعلمين الجواب كما تعلمين كل ما يخصني معروضا خلال وسائل الإعلام... وبين ملفات القضايا الجنائية... ).
تبسمت وداد بتحفظ وهي تطالبها بود.
(أريد أن أسمع منك أنت ... )
أدارت رأسها نحو النافذة لتلاحظ ان الرياح قد بدأت فعلا بالانجلاء، ثم قالت بانهزام تملكها مقتحما تبلد مشاعرها كما يفعل جهازها العصبي مؤخرا وكأنه بدأ يتعافى من علته ببطيء وتروي.
(بلى ...كان ساديا منحط... من النوع المنافق بجدارة... بقشرة لامعة جذابة وبسمة وسيمة....حتى اثناء ممارسته الشاذة لا يتخلى عن غزله ووسائله البارعة في استدراج فريسة إلى فخها المميت... وكأنه بذلك ينفي بشاعة ما يقوم به ...العذاب المادي يمارسه على  أماكن حساسة... اما العذاب المعنوي والذي كان يمارسه طوال اليوم ...فهو إخضاع نفسي له وتذليلها .. كان يناديني بعبدته ...وانا علي مناداته بسيدي .. يعاملني كحيوان أليف ...)
عادت ترمقها بقسوة شعت من خلال ركود مقلتيها الواسعتين، وهي تكمل بجمود.
(كما أخبرك وبشكل حرفي .... كنت كلبه أو هره الأليف ... كما يحب ويختار حتى أنه كان يلبسني طوقا حديديا ...)
ثم صمتت وكأن الذكرى قد غشتها بغمامة بؤس ثقيلة لم تستطع دفعها بالتبلد كعادتها.
احترمت الأخرى صمتها وانتظرتها بصبر رغم وشوك موعد مغادرتها، لتعود الى الحديث بعد دقائق.
(سأخبرك بما لم أخبر به أحدا من قبل ... وبقي كسوط يجلد أحشائي ...)
احتبست أنفاس وداد بحماس وتأجج لهيب الفضول النهم للمعرفة، فحركت جهاز التسجيل قليلا وكأن بذلك سيلتقط المعلومات بشكل أوضح.
(حين تعرفت عليه كنت طالبة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية... كنت وصديقاتي نستغل ساعة شاغرة من ساعات الدوام المسائي ليوم الجمعة... فنمضيها تسكعا قرب سور الثانوية حيث يقبع أمامها في الجانب الآخر من الشارع ... فندقا تم تشيده هناك تحديدا بسبب محطة للسيارات الأجرة والحافلات قبالة الثانوية من الجهة الأخرى .... كان هو موظف مهم في إدارة ذلك الفندق... في أول لقائي به حين اقتحم اجتماعنا منا فتياتٌ وفتيان من نفس فصلي... بدأ حديثه بفكاهة مستغلا معرفته بأحد زملائي ...حتى انسجم معه الجميع أو لأقول بشكل أدق انسجموا مع نفاقه الاجتماعي... حرص على أن يصل إلى جانبي ليُسِر لي ببضع كلمات غزل أذابت عظامي ... ودكت حصوني الضعيفة  لجهازي العصبي ...ومن هناك كانت البداية لتتكرر اقتحاماته اجتماعاتنا ...وأخبرني أنه دائما ما كان يراني من نافذة مكتبه المطلة على الشارع ...وإعجابه بي ما دفعه الى الانضمام إلينا ليتعرف علي... كنت أصده خجلا ليس إلا... فبمجرد أن يبتعد عني أذوب تأثرا وأطير فرحا لأنني أخيرا سأكون بطلة قصتي... وبطلة مسلسلي ..  وسأعيش قصة حبي ... مع وسيم تحسدنني عليه صديقاتي.... وفي إحدى تلك اللقاءات تهربت منه خجلا أنشغل عنه وعن الباقي بهاتفي.. فسحبت صفحة تركتها في الانتظار على الشاشة تخص برنامج القراءة ... لأنني كنت بدأت  قراءة رواية غربية مترجمة... كان محتواه قد أثار فضولي سابقا من خلال روايات عربية ألّفها كتاب وكاتبات عرب ... يطرحون فيها قصص عن السادية ...و كانت هناك مفردات كثيرة استعملت مثل السيد والعبد ....وأشكال لعلاقات حميمة خاصة وشاذة ....معروضة بطريقة جذابة ورومانسية... ومن سذاجتي تنفست بشاعرية وأنا أقرأ المشاهد الحميمية والتي تعدت الرومانسية إلى الإباحية في معظمها  ...وقد رأيت نفسي في دور تلك الشخصيات بعين خيال خفي حتى لو لزمني الحياء من خيالاتي ... كان قد اقترب مني ولم أنتبه إليه منغمسة وسط أحداث الرواية الغربية ... حتى أجفلني بنبرة قريبة من أذني... أنفاسه شعرتُ بها دافئة قرب عنقي في ذلك اليوم من الشتاء البارد.... يسألني إن كنت أحب ذلك النمط من الروايات... انا طبعا خجلت حينها وابتسمت محمرة الخدين ... وحين نظرت إليه تلقيت منه نظرة غريبة لا زلت أذكرها محفورة داخل عقلي ... لم أفهمها حينها بسبب سذاجتي وحمقي ... وأيضا جملته التي قلبت كياني  بمعنى أسأت فهمه ...وفرحت به أيما فرح... لأعيش بعد زواجي منه أتعرف على معناها الحقيقي واتجرع سمومها قطرة، قطرة ....**أنتِ من ابحث عنها يا جميلتي ولن افلتك من بين يدي حتى لو اضررت لأعض عليك بنواجذي**....).
نهضت من مكانها مرة واحدة تضم خصرها وكأنها تحمي نفسها من مجهول، فقامت وداد هي الأخرى بينما تسمع تتمة بوحها الموجع.
(كل ما قرأته في تلك الروايات عن السادية وانحرافاته عشته على الواقع ... ومصاحبا للكثير من الغزل وكلمات الحب ... لكنه أبدا لم يكن ممتعا كما قرأت عن شخصيات تلك القصص  ... كيف يتقبل انسان كلمات حب وسط موقف يعيش فيه الذل والألم؟ ...كيف لشخص أن يبادل حب شخص آخر قمة شعوره بالسعادة يكمن في إذلال وإتعاسه؟...  كيف يشعر بأثر تلك الكلمات بينما كل ما يشغل باله حرقة ألم يضرب جسده كموجات كهربائية من خلال الأماكن الحساسة؟ ... ربااااه!!).
شهقت وعادت للخلف خطوة واسعة، لتنحني قليلا نحو الأمام ممسكة خصرها بقوة، تهمس بألم كان كالبرق سطع مرة واحدة يشق هو الآخر سد التبلد المنيع.
(أشعر بالغثيان!...).
تقدمت وداد نحوها وربتت على ظهرها تعتذر بأسى.
(اعتذر منك سيدتي ... هل أصحبك الى الحمام؟)
رفعت كفها تسألها منحها لحظة، فلاذت بالصمت حتى تنفست جيدا ثم اعتدلت تستدرك بوجه قرمزي اللون وبعينين غامتا وسط سراب مهلك.
(لقد وافقت على طلبك... فلا تعتذري.. بعد كل شيء قد يحدث ما أخبرتني به الطبيبة النفسية... وأنجح في استعادة جهازي العصبي من التبلد كليا ... إذا أخرجت كل ما عشته خارج جوفي....)
أومأت وداد ثم ابتعدت عنها حين شعرت بها تعود إلى رشدها، وخطت عائدة إلى الطاولة حيث بدأت بالتقاط أشياءها، وهي تقول بلطف.
(يكفي لليوم .... سأعود حين تتصلين بي ... هذه بطاقتي عليها رقمي الخاص ... وهذه نسخ  العقد ...).
هزت ضحى رأسها بتفهم، وعينيها على الأوراق فوق الطاولة المنخفضة.
(اعتني بنفسك ...إلى اللقاء!)
(سيدة وداد؟!).
توقفت مكانها قرب الباب واستدارت لها مبتسمة بلطف تخفي به ما يجيش في صدرها من شفقة نحوها وغل نحو الشاذ الحقير،  ترد بود.
(نعم عزيزتي!).
بلعت ريقها ثم أرسلت إليها تلك النظرة المتمهلة في عبروها على وجهها، لتتحدث بعد برهة برجاء عميق.
(أنا لا أحمل أحدا مسؤولية ما حدث لي... لقد تجاوزت تلك المرحلة ول لله الحمد .... تعلمت كيف أواجه مشاكلي بنفسي متوكلة على خالقي ومتجلدة باستعانتي به ... لكن رجاء قدمي نداء صحوة للكتاب ... والمترجمين...والاعلامين عامة ... الناس فعلا تتأثر بهم وبما يقدمونه لهم ... الشباب والصغار ...تكوين شخصياتهم وبناء قناعاتهم كل ذلك يتحملون مسؤوليته ... والله سيحاسبهم على كل إنسان اتخذ من أحدهم قدوة .... وقلده ظنا منه أنه الصواب...وأعلميهم أن هناك من دمر حياته تأثرا بأدبهم الذي لا تعنيه الموعظة ...).
بللت وداد شفتيها وقد علت نظرة ذعر لحظية عينيها، فهي تعتبر اعلامية مثلهم ولم يسبق أن فكرت يوما في ما إذا كانت السبب في دمار حياة شخص ما، أو دخوله السجن، تماما كالتي تقف أمامها الآن والتي جاءت طمعا بها كي تحقق شهرة جديدة ونجاحا آخر تضمه لأمجادها.
هزت رأسها بتأكيد وهي تجيبها بتصميم وجل.
(سأفعل سيدة ضحى ....بإذن الله سأفعل...).
عادت قرب نافذتها تستند برأسها على بلوره ترمق تحركات البشر العائدة إلى احتلال الشوارع بعد تراجع الرياح، ولم تكن قد عادت من  أعماق محيط ذكرياتها المخزية، فذاتها لا ينفك يلومها على غبائها في تجاهل الإشارات كلما حانت له فرصة، إشارات كانت واضحة وضوح الشمس لو كانت فقط وازنت بين عقلها المُغيب وقلبها الغبي.
تماما كذلك اليوم بعد أن تمت خطبتها أخيرا، ونجاحها في معركتها التي نفخت بها أوداجها فخرا لكسبها بإقناع والديها بزواجها.
☆الماضي☆
استندت على واجهة الخزانة الزجاجية لمحل المصوغات، وبسمة سعادة  ساذجة تحتل شفتيها رغم احساس الغرابة المصاحب لتلك السعادة، غرابة تخص بعض تصرفات خطيبها الواقف بالقرب منها، يمنع نفسه عن الالتصاق بها جبرا واحتراما لوالدته ووالدتها.
(سأدعوك للغداء أمام والدتك... وإن رفضت ...وافقي أنت أمامي واتركي علي الباقي....)..
همس بجانب أذنها مدعيا  تفقد المصوغات قبالتهما، فرمقته بخجل تبتسم وهي ترد  بخفوت مطيع.
(حسنا!!).
لمعت مقلتيه بمكر عشقته قبل أن تتعرف على حقيقته المقيتة، لتحمر وهي تستعيد لمساته  وغزله قبل أن يتقدم إليها، والذي أصبح يتمادى بها الى قبلات مسروقة يسلب بها انفاسها اللاهثة بعد خطبتهما كلما انزوى بها بعيدا عن أعين الناس.
(خذي هذا سيكون جميلا عليك...).
نظرت إلى ما يشير إليه، فلمحت خاتما على شكل قبة وضعت على سطح منبسط دائري مزخرف، فضحكت وهي تخبره بتلقائية.
(لا!!... أنت تمزح .. لا أحب الحلي الضخمة.. بالكاد اتحمل شيئا خفيفا ... فبشرتي لا تتحمل المعادن .. حتى النفيس منها...)
استدار نحوها بكليته وكأنها نطقت بحروف محرمة، يخبرها بغموض بينما يمنحها نظرات أرعدت قلبها بما تحمله من وعود مبهمة.
(سأعلمك كيف تتحملين لا تقلقي! ... بشرتك ستحب ما أختاره لها من حلي  ...وتتعود عليه ... ومن سيسمها بوشم ملكيته سواي؟...فأنت كلك بما تملكينه أصبحت لي.. ملكي أنا...).
وكما العادة فسرت ارتعاش قلبها بالحب وهي تتذكر تلك الكلمات جيدا قرأتها قبلا بين سطور الروايات وقصص العشق والغرام ..*يسمها بملكيته....انت ملكي... انتِ لي* وكم غبطت نفسها على حظها بحبيب قفز لها من بين سطور الحكايات الرومانسية.
(ارتدي هذان ولا تزيليهما أبدا.... ستعتادين عليهما ...).
أجفلت على نبرته العابثة، في نفس اللحظة التي شعرت ببرودة المعدن على رسغيها، وقبل ان تنظر إلى الحلية التي ألبسها إياها كانت تلتفت الى والدته التي تزغرد بفرح، جوارها والدتها الناظرة الى الحلي ببعض الاعجاب، فعادت إلى رسغيها المثقلين بحمل شعرت به في صدرها قبل عظامها، لتلمح سوارين سميكين من النوع الثابت، يشعان باللون الذهبي الجذاب، يلمع استجابة للون بشرتها القريب منه درجة.
رفعت يديها واحساس الرفض ينبعث مع انقباض صدرها، لتخبره مستنكرة بضعف أقرب للدلال.
(انهما ثقيلين جدا ...).
ضحك بمرح والتف حولها حتى وجد فرصته، متأكدا من انشغال الباقي عنهما ليهمس لها في نفس اللحظة التي قرصها في منطقة حساسة لكن برفق يتعمده معها كخطوات دفع نحو الفخ.
(سوف تعتادين ...سترين ... وستطالبين بأطواق حقيقية... وليس مجرد زينة...)..
تجاهلت القرصة وقد استحال وجهها إلى حمرة قانية، ترمقه بحيرة وعدم فهم، فأمسك بالسوارين من فوق رسغها يستدرك بمكر خبيث.
(هذان أول طوق ألفه حولك قطتي الوديعة....).
بللت شفتيها ومزيدا من الحيرة تلف كيانها، قبل أن تعود لشاطئ التجاهل كأمان تعززه همساته المخدرة بعد كل وخزة شك تدق أبواب غفلة عقلها.
(أنت جميلة جدا.. وأنا أعشقك حبيبتي...)
☆الحاضر☆
شعرت باهتزاز هاتفها، منتشلا إياها من سهو حسرتها، فمدت كفها واستلته من جيب صغير مخفي بين ثنايا فستانها لتضعه على أذنها وهي تعلم سالفا هوية المتصل.
(إلى الآن لم أحبب فكرة عودتك الى الجنوب ضحى....)
لمحات دفئ ومضت بأمل بداية خير على قسمات وجهها التي لانت والبسمة الناعسة تستريح على ثغرها  بطريقة مخالفة للنظرة التي سكنت مقلتيها بقسوة حتى ظنت أنها أبدية لن تزول سوى بحرب شعواء.
(وإلى الآن لم أتعود على أن الأخبار تصلك بسرعة فائقة ...)
ردت بتمهل، فرنت ضحكته الرزينة عبر الأثير تتغلغل الى أعماق خلاياها العصبية لتتكسر هناك قطعا من جبال الجليد، تذوب بفعل حرارة أشواقه الواصلة إليها وإن كانت تفصلهما أميالا كثيرة.
(تعودي إذن... وبالمناسبة...خذي حذرك ...هناك أمور لا تقال ...حتى بيننا وبين أنفسنا ضحى...).
تنهدت وهي تلمس بلور النافذة بجبينها مرة تلوى مرة وعينيها سارحة نحو جريدة تلاطمت بها الرياح حتى أضحت ورقة بالية وإن لم تنمحي الأخبار من عليها، ولن تفعل حتى لو احترقت الورقة ستبقى الأخبار في الاذهان إلى ان يشاء الله.
(لا أظن أن هناك شيء مستورا بعد .... ما لم تكتب عنه الجرائد ..انتشر على الشبكة العنكبوتية ....حيث تُغتال حرياتٍ بفعل ممارسة حرياتٍ أخرى...)
(تفاجئني عباراتك دائما ....لكن لا بأس من الحذر.. مع أنني تأكدت من نواياها وصيغة العقد جيدة...).
استدارت عن النافذة وهوت على الأريكة ترد بنبرتها المتمهلة الهادئة.
(لهذا تماما لم يهمني أمر نيتها ...ولم التفت إلى العقد ... كنت متأكدة أنه قد مر من تحت يديك سالفا... بل أنا على يقين بأنها لم تصل الي حتى حصلت على الضوء الأخضر منك...).
ضحك مجددا وهو يجيبها بغرور يتصنعه فيؤثر على مزيد من الجبال المتجمدة في أحشائها.
(بكل  تاكيد)


تنهدت بعمق فهمس بهدوء جاد.
(كيف كان الأمر؟).
أرخت رأسها على مسند المقعد، تتأمل بقع الضوء العصرية في زوايا السقف، بينما تجيب بعد لحظة صمت تعوّد عليها فتعلم منها صبرا لم يكن فاقده قبل أن يلتقي بها.
(لم يعد بتلك الصعوبة... نصيحتك أتت بثمارها... وكل من يسعى نحو هدف يصيبه بإذن الله ....).
فرض الصمت نفسه بينهما مجددا، قبل أن تستدرك هي متسائلة.
(هل وصلتك  أخبار جديدة؟).
كان دوره ليتنهد بوجوم كاشفا الستر عن حزنه ليتسلل إليها عبر نبرة صوته الرخيمة.
(لا أريد يا ضحى...تعرفين ذلك... لذا سؤالك هو هل قررت البحث؟... وجوابي هو لا ... ولن أفعل.. لأنني إذا فعلت سيكون علي اختيار الواجب ... وأنا الآن لا أريد سوى الهدوء.... الهدوء فقط....)
رفعت كفها لتضغط على مقلتيها من فوق جفنيها، ليستدرك متجاهلا الموضوع برمته.
(كيف حال والديك؟).
عادت الى تلك الملامح المنذرة بانبساط وشيك لم تتجرأ بعد على السماح له باكتساح موطنه كاملا، وهي ترد بينما ترفع كفها وتميل برأسها نحو النافذة دون ان تتنازل عن مسند كرسيها المريح.
(يسألان عنك كل يوم ... ويرغبان برؤيتك كما يلومانني على تركك وحيدا... ولقد اخبرتني أمي بالحرف متنازلة عن خجلها المعتاد أو أيا كان سبب عدم تخطيها حدودا معينة مع أولادها...* البعد عن العين يولد البعد عن القلب*.... لقد تفاجأت حقا! )
ضحك مجددا وكانت ضحكاته تلك اللحظة صاخبة في صدقها، تلمع بالسرور المرح، حتى ومضت أنوار البسمة مستبشرة على ضفاف ثغرها الزهري، تكمل بحبور.
(وقالت أيضا ... أنها لم يحدث أن فارقت والدي بعد زواجهما قط... لذا يا سيد أثير أسرع في المجيئ لزيارة أهلي قبل أن يفقدوا ما كنتَ سببا فيه من سرور أصاب قلوبهم المكلومة بسببي...)
كانت البسمة مع أي بوادر بشرى قد غادر قسمات ملامحها الواجمة فجأة، حين رد عليها بنبرة جدية حازمة تقبض على قلبها بإحكام يُخضعها له من غير حول منها ولا قوة.
(لا تقسي على نفسك ضحى.... أنا بالفعل قادم بإذن الله... وسأستقر هناك معكم ... فقط علي تسوية بعض الأمور هنا ..كي يسهل علي المتابعة من اي مكان أكون فيه.... ثم هناك المشروع الجديد في الجنوب فعلا يحتاج مني تركيزا كبيرا ... سأهاتف عمي بعد قليل وأخبره بموافقتي ورضاي  بشكل غير مباشر على مكوثك جوارهم... كي تهدأ نفوسهم... فبعد كل شيء لا زلتُ أخشى نظرتهم نحوي أن لا تتجاوز... رجلا ثريا لاهيا... )
اعتدلت في مقعدها وهي تلتقط سؤاله، مطالبته، بينما تجاهد خيالها الذي أسدل عليها ستارة الذكرى لتجيبه بنبرة مذبذبة بين السهو والوعي.
(لماذا تخشى ذلك؟... هل التقيت بعمي؟... هل أخبرك بشيء ما ؟)
تحرك رأسها بتمهل والهاتف بين أذنها وكفها بينما تمسد جبينها بكفها الحرة تؤجل ضغط الغوص في الذكريات مرة أخرى.
(قمت بزيارته اليوم صباحا في مكتبه... كالعادة كان مضيافا... لكن لم يمنعه ذلك عن بعض الوصايا داخل إطار مهذب... وأنا أعذره... لكنني لست قلقا ..بما أن صاحبة الشأن وافقت علي وتزوجت بي.... أليس كذلك ضحى؟)
بللت شفتيها بصمت وتلك اللحظة التي تحتل مساحتها دوما كتمهل في ردودها وقراراتها، تمتص منه هو قوة صبره، وكأن ذلك التمهل جدار حماية بنته بصبر يحميها من طيش تسرعها السابق.
(لا بأس! ...عمي يخشى علي... بل العائلة كلها تفعل... لكن الأيام ستثبت لهم أنك ... مختلف...)...
كانت تلك ال... وقفة بين أنك ومختلف ما خفف من وطأة قلقه، فضحى التي يحفظها كخطوط كفه لن تتوانى في إخباره عن حقيقته، وكونها تجاوزت شعورها السالف نحوه الى كلمة مختلف، تؤكد اختلاف شعورها نحوه بموافقتها على الزواج منه.
(حسنا! أنت محقة... لا بأس!... سأنهي المكالمة الآن... اعتني بنفسك جيدا...).
هزت رأسها مغمغة ببضع كلمات قبل أن تخفض يدها لتتأمل الهاتف الذي رفضت التنازل عنه حتى بعد أن قدم لها هاتفا حديثا، فاستسلمت لغمامة الذكرى تغزوا خيالها.
ترى نفسها جالسة في شرفة منزل عمها قبل أقل من سنتين وبعد شهر من ذلك اليوم الذي ظهر فيها طليقها ودافع عنها ابن الأجاويد، شهرا مر راكدا بأحداثه كركود النظرات في مقلتيها وهي تتأمل دنو القرص الذهبي من خيط الأفق البعيد بينما حمرة حزنها للوداع الأبدي لذلك اليوم، تزيد من شعورها بالكئابة من فشل خطة علقت عليها أمالا واهية.
(ضحى ....دودو!)
لقبٌ بنبرة محببة إلى قلبها ما أجفلها حينها من سهوها المبهور بجمال لوحة من صنع البديع عز وجل، التفتت جانبا لتلمح الصغيرة ذات العشر سنوات، مليحة القسمات البريئة، ترمقها ببسمة ودودة وهي تخبرها بينما تبسط يدها نحوها بهاتف بسيط.
(سمعت الرنة الخاصة بالرسائل فأحضرته لك ...)
تلقفته من يدها وهي تحاول تطويع شفتيها في شكل بسمة أرادت بحق أن تترجم ما يحمله قلبها من محبة عميقة لأسرة عمها، بل لأفراد عائلتها جميعهم، فلا أحدا منهم يكن لها غير المعزة، وخير دليل على ذلك مساندتهم لها في أشد أوقاتها محنة، ولو لا استغلال الماكر لثغرات القانون لكان تلقى عقابا من رجال عائلتها قد يفقد على إثره حياته وليس فقط ما سببته له من عاهة مستديمة.
(شكرا لك يا جميلة ...)
ركضت الصغيرة مصدرة ضحكات شقية مرحة، فظلت على تأملها لمكان اختفائها للحظات قبل أن تعي مجددا من سهوها على رنة الرسائل. تذكرت استغرابها من ذلك، فلا أحد يراسلها أو بالمعنى الأصح هي لا تراسل أحدا.
كانت حياة ودعتها بكل ما فيها حتى وإن كان مجرد تطبيقات في هاتف ذكي يحمل من الحسنات كما المساوئ، لتكتفي بهاتف بسيط لولا حاجة أهلها للتواصل معها من خلاله لكانت استغنت عنه أيضا، فما ظنته يوما مستحيلا، اكتشفت أنه من أسهل ما يمكن لها فعله، ألم تعش خمس سنوات معزولة عن العالم وعن الهواتف وقبلها سنتين في سجن آخر ألعن وأمر!
ضغطت على الأزرار متوقعة رسالات تكررت بفعل خطأ ما من شركة الاتصالات، لكن ظهور الأرقام الغريبة أمامها مشكلة عنوان هاتف بعت لها برسائل فعليه أيقظ جميع حواسها لتقرأ بها أول رسالة علمت صاحبها فورا.
(لماذا لستِ مشتركة في أي تطبيق حديث؟).
كانت كلمات مباشرة، واثقة، استفسار مطالب من شخص يعرف عنها كل شيء.
فتحت الرسالة التالية.
(قد اتفهم عدم نشاطك في اي موقع تواصل اجتماعي ...لكن حتى الواتساب؟!).
تجمدت على جلستها المنحنية نحو الأمام قليلا، بينما تتأمل الكلمات على الشاشة التي لا تتعدى الأربع سنتمترات، ثم انتقلت إلى الرسالة التالية.
( هل يلزمك هاتف حديث؟)
رفعت عينيها نحو المساحة الواسعة نسبيا على شكل مستطيل ممتد على طوله، لتكتشف أن الظلام قد حل فعلا والنباتات المنتشرة عبر الزوايا سواء على الأرض أو المعلقة بحاجز الشرفة الحديدي توقفت عن محاكات أنوار الشمس الغائبة بلمعانها المتلألئ.
رفعت رجليها لتضمهما إلى صدرها بعد أن نزعت عنهما الخف البيتي الأسود كمنامتها المحتشمة، المكونة من سروال فضفاض وقميص يكاد يلامس ركبتيها المساندة لخد وجهها، بينما السهو والمقارنة لا يرحمان عقلها فيغرقانها دائما في حفرة الصخب والفوضى.
علت رنة أخرى تعلن عن وصول رسالة جديدة، فكان أول قرار اتخذته هو تغير نمط الهاتف إلى الصامت، ثم سحبت الرسالة لتقرأها.
(سأظل أراسلك حتى تردي... أو قد أجرب حظي وأهاتفك ...)
كيف وقعت في فخٍّ كلمات كهذه في الماضي؟  
رسائل مشابهة من الآخر في تطبيق الواتساب، حاصرها بجبروت مكر رجولته فاستسلمت له بضعف سذاجة أنوثتها.
غازلها، ناورها، أقنعها وهي ادعت التمنع، تظاهرت بالذكاء، و.... وقعت في الفخ.
اهتز الهاتف في قبضة كفها ودون أن تتفقد المتصل، وضعته على أذنها ترد بنبرة غادرتها الحياة بدفئها.
(من معي؟)
(لا تخبريني أنك اوقفت حتى تطبيق الرسائل العادية؟)
ساق لها الأثير نبرته بمزيج من ادعاء المرح والقليل من الاستغراب.
(لا لم أوقفه ... قرأت الرسائل ...)
ردت عليه بشكل مباشر فتحولت نبرته الى استنكار مرح مزعوم.
(ولم تردي؟... أليس هذا قلة تهذيب منك؟)
نظرت الى الكرسي القريب منها، فأبعدت الطاولة قليلا عن مرماها كي تبسط قدميها قبالتها مسندة اياهما عليه.
(أنتظر ردك ....)..
استدرك بهدوء فطالبته بجمود..
(ماذا تريد سيد أثير؟).
صمت مجددا وفعلت مثله.
تعلم أنها تربكه، أثير الأجاويد بكل ما يأتي مع الاسم من عواصف تربكه!
ليس لأنها مختلفة عن الفتيات أو حتى النساء الطبيعيات والمعذورات في إعجابهن السري هناك في نقطة عميقة نحو الرجل الثري ذو طلة البهية والشخصية الجذابة، لكنها كمن يعيد المقطع من بدايته ونفسها قد عافت ما يُعرض فيه ولو اختلف عن سابقه.
(هل طليقك لازال يطاردك ؟).
استدرك بجدية لتمنحه ردا مقتضبا جامد.
)لا!!).
صمتت مجددا تنتظر ليستدرك بعد وهلة سكون أخرى.
)هناك حفل سيقام في بيت العائلة .... وأريد سؤالك إن كان المحل الذي تعملين فيه سيؤمن ما يحتاجونه من ورود؟....).
كادت بسمة ساخرة أن تتشكل على ثغرها وهي تجيب بشكل مباشر، دون أن تغير وضعية جلوسها، مقلتيها سارحتين نحو إضاءة الشارع الزاهية.  
)أطلب من منظم الحفلات الذي اتفقت معه  ... ليتصل بالمحل ويحجز طلبيته ... وإن شاء الله يستطيعون تأمنيها ....).
شعرت بزفرته هذه المرة قبل أن يخبرها باقتضاب أقرب للأمر قبل ان ينهي المكالمة.
)غدا سأحضر للمحل باكرا لأنني وعدت بالاهتمام بأمر الورود بنفسي... إلى اللقاء...).
نظرت نحو الهاتف مميلة رأسها تعود لفوضى أفكارها حين أجفلتها نبرة زوجة عمها الرقيقة.
)دودو... ألا تشعرين بالبرد؟).
اعتدلت في جلستها ترد بنبرة يجاهد الدفئ ليتخللها فهي موجهة لأكثر الناس تفهما لها.
(بالعكس... الجو جميل...).
أومأت زوجة عمها بتفهم لتستطرد رغبة في فتح حوار كما الماضي لا تيأس من إعادتها إليه حتى تستعيد صديقتها القديمة.
(كنت تتحدثين في الهاتف؟).
نظرت ضحى  حيث وضعته على الطاولة، فضحكت زوجة عمها وهي تتابع بمرح.
(يا إلهي يا ضحى!...كلما رأيت ذلك الهاتف انتابتني نوبة الضحك... حتى الصغار يعتبرونه ضربا من الجنون وآلة غير صالحة للاستعمال الآدمي...).
أرخت ظهرها على مسند المقعد وهي تجيبها بنبرتها البطيئة الوتيرة.
(حين كانت وظيفة الهاتف تقتصر على إرسال وتلقي المكالمات ... كان هذا الجهاز يكفي وأكثر... لكن غاية الصغار من الهواتف تعدت مجرد مكالمات عادية كي يكتفوا بهذا النوع ...)
ابتسمت المرأة ذات الملامح السمحة وهي تهز رأسها بتفهم تكمل عنها.
(هذا الجيل ذو متطلبات صعبة.... حفظهم الله وهداهم ... لكنني لا زلت عند رأي... دعينا نقتني لك هاتفا حديثا.... لتتسلي به في المحل على الأقل... )
أمالت رأسها على الجانب ترد بوجوم.
(وماذا استفدت منه سابقا كي أحصده منه الآن؟... لا تشغلي بالك... يكفي الحاسوب الذي أهديتماه لي أنت وعمي ... ).
اقتربت زوجة عمها منها بكرسيها تحدثها بنبرة مشجعة، هكذا هي لا تكل ولا تمل.
(لا تستسلمي يا دودو... لطالما كنت قوية ...تقنعين من حولك بما تريدينه دائما... )
(وبما نفعتني تلك القوة يا وفاء؟) ..
سألتها بانكسار تجعدت به قسماتها فمدت كفها تشد عليها مؤنبة.
(أفادتك بأن منحتك تجربة تواجهين بها مصاعب الحياة... لقد نضجت يا ضحى... قد يكون ذلك حدث بأصعب الطرق... لكن ما اكتشفتِه سابقا طريقا للهلاك... استغليه الآن كي تسيري على طريق الفلاح ...ان كان ذلك الذي لن اذكر اسمه... قد دمر سبع سنوات من عمرك... فلا تمنحيه نشوة تدمير ما تبقى... أنت لا زلت صغيرة والحياة أمامك بإذن الله ... عيشي واتخذي قرارات صائبة هذه المرة ...).
راقبتها كيف بلعت ريقها بتمهل، والنظرة الراكدة في مقلتيها تصيب قلب الناظرة اليها برجفة حزن وأسى على فتاة أخطأت الاختيار فكان خطأ مدمرا، لكنها لم تيأس وهي تضيف ببسمة ذات دفئ وحنو صادقين.
(ماذا لو اعتذرت غدا عن العمل....لنرافق شقيقتي زهرة في زيارة لمركز التجميل ... نقوم بجلسات تنظيف للبشرة ونسترخي... لقد مضى وقت طويل لم افعل شيئا مماثلا... لا ترفضي هيا!)
غامتا مقلتا ضحى في تفكير لحظي قبل أن ترد بغموض.
(وأنا موافقة... لكن بعد تسوية امر مهم في المحل... يمكنك مرافقتي.. ثم نذهب من هناك مباشرة..).
أومأت وفاء بحماس وهي تربت على كفها بينما هي قد غاصت في فوضى افكارها من جديد.
لم تنم كعادتها بعد الفجر وحضّرت وجبة الفطور بعد ان أنهت وردها من القرآن الكريم. دخلت عليها وفاء تبتسم بلطف بينما تربت على ظهري  صغيرتيها، تتقدمانها داخل المطبخ.
)صباح الخير يا طباختنا الماهرة... أشكرك حبيبتي أرحتني من هم الفطور هذا لأتفرغ لتحضيرهما ...).
وكعادتها تبحث عن بسمة دافئة تقابلها بها دون جدوى، فترد عليها بنفس النبرة المتمهلة الهادئة.
)لم افعل شيئا مهما... أين سليم؟... عمي غادر قبل قليل...).
احتلت أحد الكراسي الملتفة حول طاولة المطبخ، لتبدأ بملئ فنجاني الفتاتين باللبن مع ملعقة كبيرة من مسحوق الكاكاو المحلى، تجيب.
)لدى سليم اليوم دوام مسائي ... فتركته لينعم بساعات إضافية من النوم ... )
أومأت بتفهم ثم جلست تضم فنجان قهوتها الممزوجة بلبن، ترمي زوجة عمها بنظرات من يريد طرح سؤال متردد.
)ماذا هناك يا دودو؟).
مسحت ضحى شفتيها وكلمات لا تغادر ذاكرتها كوصايا حفرت في الصخر تدفعها لاستكمال خطتها دون تراجع أو تخاذل.
)هناك أمر ما ... هو ما يشغلني لهذا طلبت منك مرافقتي الى المحل...).
قطبت زوجة عمها بقلق ولاح الاهتمام على صفحة مقلتيها بلون العسل، فاسترسلت ضحى بقلب شعرت به يمنحها رجفات كما بعثت بالرعب عبر أوردتها صاحبه الأمل في كسر جمود أعصابها الباردة.
)سأخبرك في السيارة بعد أن نوصل الفتاتين لمدرستهما...).
وكذلك كان بينما تلمح تصلب ملامح زوجة عمها واستنفار جميع مواطن الدفاع في أحشائها، كأم على وشك الانقضاض على من تساوره نفسه ليقترب من صغارها.
)اسمعيني ضحى!! ...)
نطقت بجدية وهي تركن السيارة في الطابق الأرضي للبناية الضخمة..
)لا تخافي من أي شيء).
كانت زوجة عمها قد أطفأت المحرك، والتفتت نحوها تكمل بحزم، بينما الأسى يسير بسائل دافئ يشق سبيله وسط قلبها هي نحو المرأة الطيبة، فيعتصره بضربة ألم من تحريفها للحقائق، لكن الهدف يستحق وهي لم تكذب فقط تستبق الأحداث.
)إن كان رجلا لاهيا سأوقفه عند حده ... حتى لو اضطررت لإخبار عمك... وإن كان جديا... حينها لا أريدك أن تتسرعي في نبذه... فليس كل الرجال سواء... وهاهم رجال عائلتك خير دليل ... هيا بنا!)..
دقات قلبها ترتفع وتعلوا مع كل خطوة تلتهمها أقدامهما نحو المحل، فلم تمر نصف ساعة كاملة حتى وقف بهيئته المهيمنة وهيبته، يلقي السلام بنبرته الرزينة الفخمة.
ما إن لمحت مقلتيه المظلمتين حتى استكان قلبها مجددا، وكل خلية فيها تسترجع شبيهتيها بألفة غرست جذورها عميقا، لتعود إلى تبلدها وجمود حركاتها التلقائية.
)السلام عليكم ورحمة الله...).
استدارت زوجة عمها المولية ظهرها للمدخل، لتتجمد مكانها مجفلة تتفقده بنظرات مشككة، قبل أن ترمقها بتساؤل مزدوج بين إذا كان من عنته بكلامها! وإذا كان من عرفته عبر الاعلام!
تقدم بخطوات واثقة والبدلة السوداء اللامعة تلف جسده بأناقة مفرطة، يسبقه عطره الفواح.
)كيف حالك سيدة ضحى!).
نقلته قدميه نحوها ليتسمر أمامها على بعد خطوة واحدة، دون أن يلتفت إلى الأخرى المفغرة لشفتيها على أثر صدمة لحظية.
)بخير الحمد الله ...).
ردت بجمود والنظرات الراكدة وسط قتامة اللون البني في مقلتيها الواسعتين يربكه رغما عنه فيجاهد نفسه على إظهار ثباته، لقد أخبرها لاحقا بذلك وفي أشد اللحظات حميمة بينهما.
)جئت من أجل الورود...).
رفعت رأسها بخفة وسحبت الجهاز اللوحي الخاص بالمحل من فوق الطاولة الوحيدة في تلك المساحة التي ازدادت ضيقا باقتحامه لها، تتساءل بغرابة، هل يعقل أن سحر هيبته قد امتد ليشمل زوجة عمها الحكيمة والرزينة؟!  
بل هل أخطأت في تقدير الأمور بعد ان اختارتها بيدقا مهما في رقعة المعركة؟!
)ما هو طلبك سيدي؟...).
ضم شفتيه وشد عليهما بينما ظلمتيه مركزة على تقاسيم وجهها بتفحص ثابت، لينطق بعد لحظات تأكد له فيها عدم تأثرها بكل تفحصه لها.
)اختاري أنت... فقط سأخبرك بالعدد.. واختاري أنت النوع...).
نزعت مقلتيها من على صفحة اللوحة الرقمية لتحط بهما على ظلمتيه تطالبه ببرود.
)في العادة ... صاحب المناسبة من يختار يا ..سيد أثير.... ماذا إن لم يوافق ذوقه اختياري!).
دس كفيه دخل سرواله رافعا جانبي ستره، يرد عليها بتسلية تألقت عبر سواد نظراته.
)لا بأس ... فصاحبة المناسبة كلفتني وتركت لي أمر الورود... فقط اختاري أنت  ولا تقلقي....).
هزت كتفيها بإهمال كما ردت عليه بعد ان عادت الى الجهاز تدون عليه المعلومات.
)لست قلقة... أنت من عليك القلق فأنت من سيدفع ويواجه ... ما رأيك بالزنبق الأبيض مع زهرات البنفسج؟).
تجاوز حيرته من قصدها، موليا اهتمامه لشاشة اللوحة التي أدارتها نحو نظراته ذات الظلمة العميقة، تستدرك مفسرة بعملية.
)الزنبق الأبيض دلالة على السلام الروحي والنقاء ... أقترح عليك توزيعه على الزوايا في المساحة المخصصة للمناسبة ...بينما الفايولت أو البنفسج وسط موائد الطعام  ...فهو يرمز للولاء والتواضع والإخلاص...)...
لم تنكر تفاجئها بضحكته وهو يهز رأسه قبل أن يرفع كفه متنازلا عن جحره الدافئ ليمسح على لحيته السوداء المشذبه بعناية ناسبت شكل وجهه بدقنه المربعة، ليجيبها بعد أن اختفت ضحكته فجأة كما ظهرت..
)لا... لا أظن أنها مناسبة... أنت محقة.. ذوقك غير مناسب بالمرة... دعيني أخبرك شيئا .. أريد ورودا تدل على الترف والقوة.... وأيضا ..على الخيانة والأنانية... مع لمحة غدر... ما رأيك؟.. هل أجد عندك زهورا تحمل بين وريقاتها كل تلك البشاعة؟)...
لمحت بطرف عينيها تحرك زوجة عمها نحوهما* يبدو أنها قد تخطت صدمتها أخيرا* سخر منها عقلها فتجاهلته وهي تعيد اللوحة نحو وجهها لتبحث فيها عن صور أخرى، لتجيبه بنفس كيانها البارد بينما تعيد الشاشة إليه متجاهلة القسوة الطاغية على كلماته الأخيرة....
)القوة والترف عليك بورود الأور كيدا الغامقة... أما الحقد وباقي البشاعة... أقترح عليك الزهور المعدلة لتنمو سوداء اللون... )..
تأمل الصور قليلا ثم رمقها قائلا بنبرة خلت من أي معنى محدد.
)هل ستكون جميلة في الحفل؟)
هزت كتفيها مجددا تخبره بصدق.
)جميع الورود جميلة مهما كان لونها أو معناها يا سيد أثير... لكن..)
أعادت اللوحة جوار صدرها وهي تستطرد بينما ترفع إليه ركود نظاراتها..
)كل يراها حسب دواخله ... فيكره أنواعا منها ويحب أخرى...).
هز رأسه بتفهم وقد أعاد كلا كفيه داخل جحريهما لتسأله بجدية.
)إذن ما هو طلبك سيدي؟...).
تنفس بعمق ثم قال بتصميم غامض.
)أريدها  سوداء... بين الأور كيدا الغامقة... وأي وردة معدلة ...أريدها غدا في العنوان  **...**)...
دونت ما يمليه عليها ثم مدت له الجهاز وقلمه الخاص وهي تطلب منه.
) وقع من فضلك!...).
استلمه منها وعينيه لا تفارق ملامح وجهها الجامدة، ليضع امضاءه بخفة من اعتاد الأمر.
انتظرته بصبر إلى أن بسط ذراعه نحوها بالجهاز فلما همت بالتقاطه، أدار كفه نحو كفها ليلمس طرفه بحركة أظهرها عفوية، بينما هي أدركت نيته فاسودت ملامحها رغما عنها لتتدخل زوجة عمها الملاحظة لكل ما حدث بينهما تقول بنبرة متأهبة.
)ضحى لم تعرفينا بعد!...)...
التفت مجفلا وكأنه توا اكتشف وجودها يرمقها بتفحص حذر.
(هذا السيد أثير الأجاويد  ....أظنه غني عن التعريف ... وهو هنا لطلب الورود .. يبدو أن المحل الصغير لفت انتباهه أو ربما هو فقط قريب وسيفي بالغرض ... على اي حال... سيد أثير هذه زوجة عمي ... وفاء ...)...
أخذ نفسا عميقا وهو يرميها بنظرة محيرة قبل أن يعود إلى زوجة عمها يهديها بسمة واثقة بينما يحدثها برزانته الجذابة.
(تشرفت بمعرفتك يا سيدة وفاء .... وأجل لقد اخترت هذا المحل لأنه الأقرب إلى مقر عملي ...).
تحولت نظرات السيدة وفاء الحذرة إلى نظرات محذرة، فاعتدل ممددا ظهره باستقامة ليظهر طوله الفاره، بعدها تحدث برسمية وانصرف.
(أرسلي الفاتورة إلى العنوان الذي دونته أسفل التوقيع .... اتمنى ان تصل الورود في الوقت المحدد.... إلى اللقاء...).
انصرف بهيبة كما دخل، فأسرعت زوجة عمها في أثره بعد أن أجفلتها بهتافها الخافت.
(سأعود بعد قليل ....).


منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الإثنين يوليو 01, 2019 4:50 am

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_1276oijo50
الفصل الثالث



انشغلت بإتمام ما عليها إلى حين عودتها وشبح بسمة ظفر تلوح على جانب ثغرها بتردد، قلبها لا يستطيع إنكار خوفه من براعة من وضعت الخطة بثقة مدروسة.
(هل أكملت أشغالك يا دودو؟)...
هزت رأسها لزوجة عمها وهي تعيد هاتف المحل مكانه بعد أن بلغت صاحبه بالطلبية التي يبدو أنها سلبت لبه، فأخبرها بحضوره بنفسه ليتابع تفاصيل العملية وإيصال الطلبية إلى العنوان في الوقت المحدد ومن شدة فرحه بالزبون المهم وافق على منحها اليوم عطلة بكل سهولة وفرح مشيدا بقدمها الجالب للخير على حسب قوله.
(اجل ...أمهليني حتى أغلق المحل ...ماذا أخبرته يا وفاء؟).
سألتها وهي تقفل الباب ذو البلور السميك، ثم تمشت جوارها دون أن توصد الباب الحديدي كما أمرها مديرها القادم بعد لحظات، فردت عليها زوجة عمها بهزة كتف رافقتها  بكلمات حازمة.
(أخبرته أنني أفهم الشاب أمثاله جيدا ... وأنكِ لست من النوع الذي سيرضخ للمال مقابل لهوه... وأخبرته عما عانيته من زوجك السابق ...فإما يكون صادقا فيدخل البيت من بابه ...أو يصرف أنظاره المتكبرة عنك وينساك ...).
التفتت  ضحى نحوها حين استقرت مكانها جوار مقعد السائق حيث استلمت وفاء المقود، تستفسر منها بملامح تكاد تتنازل عن جمودها.
(وبما رد عليك يا ترى؟)...
أصدرت وفاء ضحكة ماكرة وهي تتحرك بالسيارة بعد أن عدلت من طرحتها البنية الواسعة المغطية للنصف العلوي بأكمله فوق المعطف التركي القصة ذو التنورة الواسعة، ترد بمرح.
(احمر وجهه من الإحراج... لا أظنه قد تلقى تهديدا من قبل ...خصوصا من امرأة... وتركته قبل أن يجد فرصة للرد علي...).
بللت شفتيها وهي تعود ببصرها إلى الطريق، بينما أفكارها قد غاصت نحو الأعماق حيث تقبع ذكريات حُفرت عميقا داخلها فاستحال محوها إلا بمشيئة الرحمن.
استندت على نافذة السيارة ومشهد مشابه قبل أربعة سنوات تحديدا، داخل بناية شُيدت لتعزل ساكنيها عن غيرهم يراود خيالها، مكانا حمل بكل بؤسه وكئابة أوجاعه بعضا من الراحة اللحظية قبل أن تتذكر التهديدات الداخلية بين تلك الجدران، نفوس تجبرت فوجدت لها نفوسا أضعف كي تمارس عليها تسلطها وكأن فساد أحشائهن التي أدخلتهن الى ذلك المكان الموحش لم ترتدع، بل تضاعفت في ظل سجن حرمهن من الحرية، نعمة فقدنها على حين غفلة من توالي أيام أعمارهن الضائعة.
كانت تستند على نافذة مماثلة وشتان ما بينهما، هذه نافذة تطل على طريق بينها وبينه قرار، اختياره سهل، فتفتح الباب إليه بكل حرية إن شاءت وشاء خالقها من قبلها، بينما تلك كانت تطل على الباحة المتوسطة لبنايات السجن المحكمة الإغلاق، ترنو بنظراتها الساهمة نحو المسجونات منهن من تحرك أقدامهن تحت أشعة الشمس الدافئة بينما أخريات اخترن الاجتماع  في مواقع متفرقة يتبادلن الحديث بين شاكية وكاذبة وساخطة.
تذكرت كيف تحجرت الدموع على ضفاف مقلتيها رافضة بقوة أن تذرفها، ومقررة بصرامة مواجهة نتائج اختياراتها، فلم يكن السجن حقا أكبر همها، لولا فقط تركها التهديد الداخلي تماما كالتي تشعر بها الآن تقف خلفها تهتف فيها آمرة بقسوة.
(ايتها الأميرة... ماذا تنتظرين ؟... الأَسِرّة لم تُوظب بعد... أم أن الغرف ستنظف نفسها بنفسها؟؟...)...
استدارت إليها دون أن تنظر نحوها، ثم استأنفت وظيفتها الغير رسمية والتي تدار من خلف الحارسات أو بمعرفتهن حتى لا يهم، فغالبا ما تكون تلك الأنظمة الجائرة الغير رسمية مساعدة خفية للسيطرة على جموح المسجونات، ومن تكون هي كي تقاوم تجبر العنيفات منهن، وهي تحديدا لا تستطيع دفع ثمن آخر سوى استغلال قدراتها في التنظيف والخدمة، لكن تلك المرأة لا تريحها وعينيها الماكرتين لا تنفكان تذكرانها بمن سببت له عاهة مستديمة في لحظة ضعف أو ربما قوة حين قررت أن *كفى للذل، كفى للألم، كفى للشذوذ*.
(إن مللت من التنظيف فقط أخبريني وسأعفيك منه... فأنت أميرة لا يليق بك ذلك ...).
كذلك تجاهلتها كما تدربت على التبلد والجمود فكان واجهة تصد بها كل تهديد.
(أنتِ؟!  ...ماذا تفعلين هنا؟).
تجمدت يداها على الملاءة وأدارت رأسها نحو مدخل الغرفة، حيث تقف امرأة ملامح وجهها بتجاعيده لا تمنح الناظر إليها عمرها الحقيقي، لكن سمات جمال كان ورحل، تاركا خلفه بعضا من آثاره، تومض بضعف من بين  أخاديد الزمن المحفورة على بشرة وجهها.
ولم يكن ذلك ما لفت أنظارها الراكدة فقط، لكن ملامح الأخرى المضطربة بشكل غريب وكما لم تراها من قبل، تلك التي حاصرتها بعد دخولها السجن هاربة من عذاب أسوء إلى عذاب من نوع آخر.
(سيدة فضيلة! ... متى عدتِ؟!).
سألت الأخرى بقلق، فتقدمت السيدة برفقة امرأة ثالثة تسندها بينما تحمل عنها حقيبة سوداء، حتى توقفت أمام سرير من بين الاثنين المحتلين للغرفة، تجيب بحزم رغم الرعشة التي تخللت النبرة الأنثوية إلا أنها لم تؤثر في صرامة نظراتها المظلمة بتهديد واضح.
(بلى!.. لقد عدت ولم أمت.... المشفى أمر بعودتي وبتمام شفائي ... الحمد لله ... اخرجي من غرفتي أريد أن أنام وأرتاح!...).
مسحت الأخرى على طرف أنفها ترمقها بتوجس، ثم رمت ضحى بنظرات لمحت فيها الأخيرة بعضا من التحسر والحقد، فاستدارت تنوي المغادرة قبل أن تتجمد حين انطلقت نفس النبرة المرتعشة الصارمة من جوف جسد نحيف استلقى على السرير بتعب.
(اسمعي!!.... أنت تعلمين أنني لست فضيلة... ولا أحب ذلك الاسم لأنه ليس اسمي....كما لا أريد لمح ظلك قرب غرفتي ...أو قرب من تشاركني الغرفة... ).
(لكن !!)...
(غادري!!).
قاطعتها بأمر لا جدال فيه، فلملمت المرأة الساخطة أطراف سترة لباسها المكون من سروال وقميص الى نصف فخديها، تضرب الأرض بقدميها وهي تغادر الغرفة، بينما ضحى تتذكر تساؤلها  الذي طرأ على بالها اول يوم لها في السجن، حين اكتشفت أن لا لباس موحد كما ظنت من خلال الدراما لتلوم غباءها فتلك الدراما لم تكن تخص  بلدها.
(هل ستقفين عندك كثيرا؟).
أجفلت من سهوها ونظرت إلى المرأة التي غطت نفسها بملاءة سميكة، لتكتشف أنهما أصبحتا لحالهما.
(صمودك نال اعجابي يا فتاة... قليلات من صمدن في وجه تلك الحقيرة...).
هزت رأسها بخفة وجلست على سريرها تفرك كفيها ببعضهما، فتابعت الأخرى حديثها الغامض، نظراتها المظلمة لا تحيد عن تفحصها وكأنها تبحث عن أمر ما في نفسها وكم أخاف ذلك ضحى التي تعلمت أن لا أحد يمنح دون أن يضمن مقابلا في ذلك المكان الموحش.
(وكذلك شجاعتك ودفاعك عن نفسك ضد زوجك النذل...).
ارتعد قلبها وجعا وهي ترفع رأسها نحوها باندهاش فابتسمت المرأة بتشفي لا يخص ضحى، تستطرد بغل.
(يستحق ما فعلته به... ولو كنت مكانك لقتلته ...).
فغرت ضحى شفتيها بصدمة، حين أصدرت المرأة ضحكة لا محل للمرح بين أمواج صداها، ثم استرسلت بقسوة لم تناسب ملامحها المتجعدة.
(لقد فعلتها قبلك ... لكن للأسف لم أفلح حتى في جرحه....وها أنا محبوسة ومدفونة حية ...محرومة حتى من هويتي واسمي .... بينما هو يتمتع بالحياة هناك بعيدا عن بؤسي وعذابي...).
غمرها البرود والتبلد قد تمكن من جهازها العصبي كليا بينما تتأمل المرأة بحجابها المحكم اللف حول رأسها والمكون من طرحتين سوداوين كلون عباءتها، لون مقلتيها الواسعتين وسط بياضٍ تكدر بحمرة الوهن والعياء.
(لا تقلقي... لقد عدت وبعون الله لن اسمح لأحد بأن يمسك بسوء هنا... فقط حاولي تجنب الانفراد في الحمامات ... سأعرفك على نساء أثق فيهن... لتكوني برفقتهن في أي مكان لا أكون فيه.... سأنام الآن قليلا... ونتحدث لاحقا...ينتظرنا الكثير من الحديث لو فقط ربي أذن لي وأمهلني...).
رمشت ضحى بجفنيها على مهل، جسدها لا يحرك ساكنا، متحجرا في مكانه، وكم بدلت من جهد كي تحرك لسانها، مطالبة بالشيء الوحيد الذي جال في بالها وسط دهشتها.
(قلتِ أن اسمك ليس كما دعتك به تلك المرأة... فما هو اسمك إذن؟)...
انتظرت حتى ظنت أن النوم سحبها إلى عالم أحلامه، ولن تجد لسؤالها ردا، لكن النبرة المرتعشة تخللت سمعها بكلمتين يتيمتين.
(خاتمة.... العلامي...)...
☆ الحاضر☆

)هل كانت تلك بداية تعارفكما؟)...
عادت ضحى من رحلة ماضيها لتنظر إلى وداد بلباسها المختلف كليا عن أول مرة زارتها فيها، فلم تتمكن من نزع مقلتيها الناعستين من على سلسلتها الغريبة بأحجار مختلفة الشكل واللون تحط بدلال على صدرها بشكل دائري ملتصق بقماش القميص ذو اللون الأخضر الداكن، والمشابه للون طرحتها العادية الشكل، بينما التنورة الممتد طولها إلى حدود اسفل الركبة بقليل أفتح بدرجة كلون الحذاء ذو الرقبة العالية، لا تعلم لما ذكرها ذلك اللون بالجنود!
)بلى... كان أول لقاء بيننا.... وقامت بمساعدتي وحمايتي مرات كثيرة رغم كل ما حدث لي داخل السجن لم اتأذى كثيرا ...بفضل الله ثم هي...)
رفعت إليها وداد مقلتين ضيقتين تركيزا، تطرح سؤالها التالي بلطف.
)ما فعلته كان ردا لجميلها عليك؟).
تنفست ضحى بعمق وأرخت ظهرها على مسند المقعد المنفرد جوار النافذة، وبينما تمد كفيها لتمسد بهما على ثوب الفستان الأسود السادة، على شاكلة أغلب فساتينها الواسعة التنورة بالحزام المتمغط، عليها سترة بلون أغمق بقليل، ترد بتنهيدة حائرة.
)في الحقيقة... لن أنكر أن مساعدتها كانت في مصلحتي أكثر من حقٍّ أعدته لها... مع أنني لم أفهم كيف سيسعدها الأمر وهي!!...)
ثم نظرت نحوها تكمل بوجوم.
)في دار الحق.... كيف ستسعد بكل ما حدث؟.. لا اعلم؟).
اعتدلت وداد في جلستها تحكي بقناعة من تجربتها الحياتية.
)بل مهم جدا ... ألم يسامحها ابنها؟.... ربما لو كانت حية لما تمكن من مسامحتها ...فهي بعد كل شيء رحمها الله وغفر لها.. كانت مذنبة أيضا...).
هزت ضحى كتفيها بخفة، ترد بنبرة متمهلة عادية.
)ربما!).
أومأت وداد، ثم ابتسمت متذكرة ما سمعته قبل قليل والتقطت هاتفها تمسح عليه لتديره نحو ضحى تسألها بمكر مرح.
)هذه هي الحفلة أليس كذلك؟).
نظرت ضحى نحو الشاشة ثم رمقت وداد بملامح غادرتها الجدية بينما المرح يقاتل كي يرفرف برايته العابثة ..
)بلى... أليست الورود السوداء دليل على ذلك؟).
ضحكت وداد بينما تجيب بلمعة ذكاء ومضت عبر مقلتيها الماكرتين عادة.
)لم انسى أبدا شعوري وأنا أحضر تلك الحفلة... كانت أول ملاحظاتي خيار الورود الغير معتاد...).
أبدت ضحى تعبيرا على جانب فمها الذي جعدته وهي تُميل رأسها على الجانب بتمهل، تجيب.
)لم تكوني الوحيدة على أي حال.. فلقد أثار ذلك فضول البعض اكثر من سخطهم...وكأنها سهم إشارة واضحة نحو المحل... ونحو الفتاة العاملة في المحل...).
انتبهت وداد لحديث ضحى التي غامت مقلتيها نحو الماضي القريب مجددا تحاول رسم ما تحكيه عن مشهد وقوف شابة بهيئة لم يسبق لها أن لمحتها سوى في المسلسلات ومجلات الموضا حين ابتليت بفتنة انبهار تحول بعدها إلى سخرية مريرة على سذاجتها اللامحدودة محتلا كيانها بكل جبروت، فكانت كمن يعيش ذلك اليوم الغريب وكأنه حقيقة واضحة لا تشوبه شائبة.
☆الماضي☆
)تفضلي ... هل من خدمة!).
نطقت ضحى بعد أن رفعت رأسها من على الأزهار التي كانت تخلصها من شوكها، لتلمح شابة تكبرها بالقليل مع أن هيئتها تدل على صغرها، كثيرة هي المواقف التي تفاجئها بمدى نضجها واحساسها بحقيقة الأمور من مجرد النظر.  
لم يبدو على الفتاة أي نية للشراء، هذا أمر آخر استنتجته ضحى وهي تراقب تفقدها للمساحة الصغيرة، وكل مرة تعود فيها إلى ملامحها لتتفحصها تجد نظراتها الراكدة في انتظارها فلا تقوى على مجابهة شعور الإحراج.
)عفوا .... هل تريدين نوع أزهار معينة؟).
حاولت مجددا بنبرة عادية متمهلة، دون أن تتعب نفسها في التحرك من مكانها خلف الطاولة الوحيدة في المحل، فكان لزاما على الفتاة أن تقترب منها لتقف قبالتها تجيب بنبرة تعمدت توجيهها بكبر لكن رغما عنها تخللها تشنج أو رعشة.
)هل حقا أثير حصل على الورود السوداء من هنا؟).
حينها فقط علمت أن سهم الإشارة قد أرشد نحوها أخيرا، وردت بجمود وهي تمرر بصرها بتمهل لم تتعمد الاستفزاز به على ملبس الفتاة الأنيق وقليل القطع.
(إذا كنت تقصدين الأزهار السوداء... ف... أجل... حصل عليها من هنا...).
لم تعلم أن مراقبة حنجرة الفتاة الناصع البياض وهي تتحرك بتوتر لتبلع ريقها سيجعلها تستمتع حقا بخطوات مهمتها، فاعتدلت بظهرها في مقعدها لتكمل متابعة حركات الفتاة بين رفعها لكفها الأيسر لتمسد به ذراعها الأيمن العاري والقابض على حقيبة يد غريبة الشكل بحزام على شكل أسوار ذهبية، وتقديم قدمها اليمنى قليلا إلى الأمام وكأنه دعامة لجسدها النحيل داخل سروال أبيض ملاصق لساقيها النحيلين عليه كنزة زرقاء شاحبة بدون أكمام تحمل صورة مكبرة لشفاه مكتنزة حمراء.
عادت بمقلتيها الراكدتين إلى عيني الأخرى المتفحصة، فلم تكن في حاجة الى دعوة للحديث في موقفها الغريب ذاك.
الكف الممسد للذراع البيضاء العارية ذات الساعة الماسية الأنيقة قد انتقلت لتحط فوق خصلاتها الحريرية بلون أحمر غامق، وبطول لم يتجاوز كتفيها العاريين.
(أنا.... أقصد... أتساءل فقط ...كيف اكتشف أثير هذا المحل ؟...).
صمتت حين رفعت ضحى رأسها قليلا كعلامة يتيمة عن غرابة ما تتفوه به، لتسترسل بعد لحظة بينما تحرك القدم اليسرى هذه المرة  بخفة الى الأمام كي تكون دعامة لجسدها المتوتر.
(حسنا! نحن نتعامل مع منظم حفلات معين... وهو من يتولى أمر كل شيء.... لكن هذه المرة!).
صمتت مجددا وضحى لا ترحم ارتباكها تحاصرها بنظراتها التي لا تملك من أمر ركودها حيلة.
(آنسة!... هل نالت الورود اعجابك وتريدين بعضا منها ؟).
كان سؤالا مباشرا، فبحثت الفتاة في ملامح ضحى عن! لا تعلم ماذا تحديدا! ويبدو أنها لم تجده على أي حال!  حين تنهدت باستسلام ظاهر على تهدل كتفيها النحيلين بخفة وما إن همت بفتح فمها حتى انتفضت بخفة أيضا والنبرة الرزينة في صرامتها تنطلق من خلفها بكل ما حملته من تحكم وحزم.
(رُميساء!).
هل هذا يستدعي وقوفها أخيرا؟ أم التجاهل أفضل؟ ففي النهاية ما يحدث أمامها لا يخصها، نوعا...ما!
انشغل تفكير ضحى بينما أنظارها لا تحيد عن الجسد المهيب الذي تقدم محتلا المساحة الضائقة به دوما، قبالة الأخرى المنكمشة على نفسها، تضم الحقيبة اليدوية الصغيرة إلى صدرها، ترمقه بتردد والكثير من القلوب الحمراء التي طفت من غير حول منها ولا قوة.
*ساذجة أخرى *
(عفوا؟!).
لأول مرة يلمح أنه أجفل الركود في مقلتيها الواسعتين فتجاهل غضبه نحو الأخرى، بينما يدير جسده نحوها كليا يعيد سؤاله بحيرة غلفها بجدية.
(قلتِ شيئا لم أسمعه جيدا؟!)
أحسنت إخفاء دهشتها فلم تكن على دراية بنطق ما فكرت به حقا! لذا كل ما فعلته أن أشارت إلى الورود التي كانت منهمكة في إزالة أشواكهم قبل تطرف بنظرة خاطفة نحو العاشقة الجامدة مكانها.
(نزع الشوك عن الورد.... أمر يحتاج إلى التركيز... )
انتشرت البرودة في الأجواء ولا أحد منهم قد استوعب المعنى مما نطقت به، حتى هي!
لكنه عبس بعد برهة وقد ظن أنه تعبير عن انزعاجها من وجودهما، لذا اشار نحو المراقبة بصمت وهو ينطق ببرود.
(اعتذر إن ازعجتك ...فأنا...).
ثم نظر نحو الفتاة يكمل بنظرات ظاهرها الهدوء وباطنها تهديدا أرعد الأطراف النحيلة.
(لا أعلم حقا ما الذي أحضرها إلى هنا؟... فمكتبي في قمة هذه البناية وهي تعلم ذلك جيدا! ...أليس كذلك رُميساء؟!).
بللت المرتعشة شفتيها وكفها في رحلته بين أنحاء جسدها وقد حط على محطة خلف عنقها تمسده، محافظة على صمتها المرتبك، فقررت ضحى التدخل قائلة باستمتاع غريب عليها.
(لقد جاءت من أجل الورود السوداء....فيبدو أن اختيارك كان في محله ونال اعجاب ضيوفك ...).
قطب جبينه العريض وخصلة من شعره الداكن المسرح نحو الخلف قد قررت الفرار من الجماعة والتدلي عليه، فجسد لوحة لوسامة برية جذابة.
**مسكينة ...لا حظ أمامها!**
غمغمت دون وعي مجددا فهتف مستفسرا بنفاذ صبر.
(ها؟!).
نظرت إليه رافعة حاجبيها بتمهل، تجيب مرة أخرى بما وجده لسانها من تبرير.
(أنت تخيفها !... وفي الحقيقة لا أعلم ما هي المشكلة في أن يأتي احد ما لاقتناء زهور من هنا؟.... أولم تفعل انت؟).
كان دوره هو ليمسح على شفتيه بسرعة تلاه ببلع لريقه، ثم هز رأسه وهو يدس كفيه في جيبي سرواله الأنيق اللامع، يوجه حديثه للفتاة التي استحالت الى تمثال حجري من الصدمة.
(هل حقا تريدين ورودا من هنا؟!)
كانت نبرته تشع سخرية، بينما يكمل وهو يشير برأسه نحو ضحى.
(اخبريها بالرموز وهي ستخبرك بالورود المناسبة....)..
ثم استرسل بنفس الهدوء المستفز لأعصاب الفتاة المتشنجة رغم إخفاء ذلك بوقفتها الجامدة.
(لنرى إن كانت هناك ورود ترمز الى... مممممم! كل ما سبق واخترته مع ضعف الشخصية! والحمق بلمحة من جنون العظمة! ...)
شهقت رُميساء بصدمة ممزوجة بخزي، بينما هو يتجاهلها كليا، مستديرا نحو التي ظن انه سيجفلها لكن عبث، فاستدرك بتهكم  سمح له بالظهور على جانب ثغره على شكل بسمة قاسية.
(كما ترين هي أيضا تريد ورودا سوداء....).
حلت لحظة صمت مربكة للجميع حتى تحركت ضحى من مكانها متوجهة نحو الزاوية حيث رُصت مجموعة من الورود في باقات مختلفة، سحبت وردة ما، همت بالاستدارة لكنها عادت لتتفقد الورود مجددا وسحبت أخرى.
ظلت مقلهم مثبتة على حركاتها المتمهلة وكأنها تملك الزمن بأكمله، فستانها البسيط ذو التنورة الواسعة يهفهف من حولها برزانة كصاحبته، حتى توقفت أمام الفتاة الضاغطة على شفتيها بقوة، على ضفاف مقلتيها المحددتين بقلم أرجواني تتلألأ الدموع المتحجرة.
جاهدت ضحى لترسم بسمة ود على شفتيها لكن الفشل كان لها بالمرصاد، فبسطت كفها بالوردة الأولى "توليب من النوع الأصفر" وهي تخبرها بروية وهدوء.
(لا مزيد من الورود السوداء.... خذي هذه تليق بك أكثر... وهذه أيضا..).
مدت كفها الأخرى بالوردة الثانية، "الأقحوان بلون أرجواني"، ثم أشارت بهزة من رأسها نحو عيني مخاطبتها تستطرد!
(أنظري ! ...لون الأقحوان يناسب لون زينة عينيك.... خذيهما! هما هدية من المحل... من يدري؟ قد يأتي شخص آخر بتوصية منك...).
ظلت الفتاة على جمودها وهي ترمي الوردتان بين أصابع ضحى بنظرات باردة قبل ان يرجف جفنيها على أثر أمره الغير قابل للنقاش..
(اقبلي الهدية !... واسبقيني نحو مكتبي!).
بلعت ريقها مجددا ثم نظرت نحو ضحى بتردد قبل أن تمد كفين مرتعشتين تلتقط بهما الوردتين ببعض من الحدة، تنفست بصخب ثم رفعت رأسها بكبرياء اهتزت له خصلاتها الحريرية لتضرب قدميها الأرض بحذائها الرياضي ذو العلامة التجارية المشهورة بثمنها الباهض.
أنزلت ضحى ذراعيها إلى جانبيها تشيعها بنظرات خلت من أي معنى محدد، لتستدير حين سمعت سؤاله الذي لم تغادره السخرية بعد!
(وإلى ماذا ترمز تلك الوردتين يا سيدة ضحى!).
تركت ظلمتيه الساخرتين لتمرر نظراتها على بدلته الأنيقة ثم خطت نحو مقعدها حيث تقبع الورود في انتظارها لتكمل تنظيفها من الشوك.
لم تتحدث حتى جلست مكانها تقول بهدوء وهو لا يمل من انتظارها وبطريقة ما أصبح يجد راحة ممتعة في لحظات صمتها الحكيمة.
(التوليب الأصفر رمز للحب الميؤوس منه..... بينما الأقحوان رمز للبدايات الجديدة....).
نجحت مرة أخرى في إجفاله، حتى أنه اعتدل في وقفته وحك دقنه بكفه بينما الأخرى لوح بها في الهواء، يجيب بنبرة باردة متجاهلة.
(هل أنت متأكدة من أنك لا تريدين ثمنها؟... فأنت عاملة هنا ...).
هزت كتفيها ترد دون ان تنظر إليه.
(أستطيع تحمل كلفة هذه... اما غيرها فتأكد أنني سأقوم بإرسال الفاتورة.. إلى القمة حيث يقبع مكتبك سيد أثير....).
ضيق مقلتيه بحيرة افلحت في إشعال فتيلها، لكنه لم يعدم الحكمة وهو يجيبها مهادنا.
(لن يكون هناك غيرها ... لا تقلقي....)..
صمتت حتى هم بالمغادرة فنطقت بنبرة بعيدة، جمدت قدميه على عتبة المحل.
(لست قلقة... ففي النهاية أنت من سيدفع الثمن...).
عاد إليها يتفقدها وهي تزيل الشوك من على سيقان الورود، لينطق بريبة يطالبها!
(عفوا؟!).
نظرت إليه وكأنها مستغربة من عودته ثم فكرت قليلا قبل ان تحرك لسانها الثقيل.
(لماذا سأقلق! ...وأنت من سيدفع ثمن الورود؟).
لم يقنعه ردها، والحيرة تنتشر في احشائه كالنار في الهشيم، لكنه ألقى التحية واستدار مغادرا يجر أذيال هيبته وكبريائه المراق جوار أشواك الورود.



غادرت المحل يومها بروح استعادت حماس الانتظار مجددا، بيد أن خوفا
داخليا لا ينفك يذكرها بذلك الذي لا تريد لمح ظله الثقيل في حياتها، لكن الواقع كثيرا ما يختلف عن التمني، وهو لها بالمرصاد لا محالة.
ذلك اليوم بالذات محفور داخل أحشائها بماء المرارة وهي تنزل من قطار المدينة الكهربائي، تتذكر جيدا كيف هفت عليها نسمة من روح البهجة يلفها جهل المصدر، فنظرت نحو مجمع تجاري خاص بالملابس غير بعيد عن الحي الذي يقبع فيه بيت عمها ودون تفكير وجدال عقيم مع روحها الزاهدة، حملتها خطاها إليه برغبة في مجرد التجول قليلا، ومن يدري! قد تقتني فستانا أو سترة كما لم تفعل منذ مدة طويلة.
تناست كل شيء وهي تحوم حول الأروقة حيث علقت ملابس النساء بترتيب جذاب وملفت، ومنه انتقلت الى قسم الفتيات الصغيرات، وبين فستان وآخر، وبين قطعة وأخرى، ملأتها البهجة بتخيل قدي بنتي عمها الصغيرتين داخل تلك القطع الجميلة حتى تشكلت فعلا بسمة نادرة فقدتها قبل سنوات على شفتيها وقبل حتى أن تخطو على حاجز العشرين من عمرها.
بسمة غفل عنها تبلد جهازها العصبي، ولم يدري عنها عقلها الحريص دوما سوى حين أُخِذ على حين غرة وهي تُسحب بحدة وسرعة لم تمهلها لتكمل شهقتها داخل احدى غرف تغيير الملابس.
جحظت مقلتيها والركود فيهما يتحول الى ذعر خالص تجسد داخل البؤبؤيين الدائريين بلون بني غامق، مظلم طفى بمشاهد من الماضي البعيد والذي أصبح قريبا جدا كأنفاسه الساخنة والتي رغم ما تحمله من عطر فواح لم يشعرها سوى بغثيان ودوخة سحبت خيالها نحو أوضاع شبيهة، سكنت هناك في نقطة عميقة جدا داخل أحشاءها حتى ظنت أنها تخلصت منها بعد كل سنوت البعد عنه لكنها أبدا لم تنسى!
(لمن تقتنين فساتين الصغيرات؟.... ها؟).
همس بنبرته الأبغض إلى قلبها، بينما ذراعيه يثبتانها مع الجدار الحديدي للغرفة الضيقة، عينيها تلتقطان ظهر جسده الكاتم على أنفاسها في المرآة المقابلة لها، المشاهد القديمة تختلط بالواقع فتتأرجح بين صور عدة عن جسدها لا يستره إلا خجلها وحياءها الذي تفنن في اغتياله بممارسته الشاذة وكل حين وآخر يهمس بنفس النبرة يظنها مغوية وما هي سوى فحيح ينتشر بسمه القاتل عبر أوردتها.
الآن **تعيشين حياتك كأنك لم تفعلي شيئا؟**
في الماضي**أنت لي ... ولن تتحرري مني أبدا**
الآن **هل نسيت كل ما كان بيننا؟**
في الماضي**أنتِ أمتي وأنا سيدك اعقلي هذا وضعيه في عقلك الغبي يا جميلتي**
الآن **يجب أن أذكرك بما جمعنا كي تكفي عن حمقك وتعودين لي**
الماضي**اشعري بمتعتي يا قطتي... تعذبي من أجلي... واستمتعي بالألم ...**
الآن **لن تجدي من يعاملك كما تستحقين غيري يا قطتي**
الماضي**أنت قطتي ...ملكي أنا.. وحيواني الأليف...هيا اركعي على قوائمك وتذللي لسيدك ... هيا!!**
الآن **ما رأيك بقليل من الألم يا حلوتي؟... ها! ألم تشتاقي له؟**
الماضي**الألم ممتع.. الألم لذيذ... وأنا اعلم أنك تحبين الشعور بالألم ...وتحبين حين أكون أنا من يشعرك بالألم...تلذذي بالألم كي أتمتع أنا بتعذيبك**
الآن ** ألم تشتاقي لسيدك؟... فلا أحد سيعاملك كما تستحقين غيري يا حلوتي... لن تذللي لغيري ولن يعاملك كعبدة غيري...**
وفي لحظة واحدة بينما يمسك بقمة منطقة حساسة في جسدها بين أصابعه يضغط عليه بكل ما حمله من غل شاذ، انطلق أنينها موقظا جميع مواطن عذابها الراقدة منذ سنين حتى ظنتها نست وولت، اختلط أنين ماضيها بحاضرها فظنت أن الماضي عاد ليصبح واقعها مجددا ولا فكاك لها منه هذه المرة.
☆الحاضر☆
)أعتذر عن مقاطعتك سيدة ضحى...)
رفعت رأسها بحدة وألم الذكرى يضيق عليها أنفاسها ويحرمها من الهواء، لكن وداد تجاهلت حالتها كي تدفعها أكثر إلى البوح وربما بعدها ستفلح في النسيان.
)ذكرتِ مرات عدة سادية طليقك معك ... لكن أود طرح أسئلة مهمة ستساعد القراء في الاستعلام عن الأمر أكثر...فهل تسمحين لي؟).
تناولت ضحى كأس الماء من على سطح المائدة وتجرعته كله على مهل، ثم أعادته مكانه جوار قنينة الماء، لتنظر إليها يعد برهة تومئ بخفة.
ابتسمت وداد بحزن وهي تسألها بعد أن رسمت خطا تحت جملة ما مكتوبة على صفحة من صفحات مذكرتها الشخصية.
)متى علمت بحقيقته ؟... هل كان معك شاذا في تصرفاته منذ أول يوم تزوجت به ؟....).
تنفست بعمق وهي تمسد على جبينها بتعب وغم، كيف تنسى ذلك اليوم!
كيف تنسى يوما تحطمت فيه آمالها وتكسرت الصورة المثالية بإطارها الذهبي اللامع؟
كانت أول أيامها في بيتهما الجديد بعد أن عادوا من رحلة مع أهل زوجها الى مدينة ساحلية لقضاء ما أصبح موضة  بين الفتيات تحت مسمى شهر العسل، أمر آخر جلبه اقتحام اعلام بلدان أخرى وسطهم.
ولأن  أسرة زوجها يملكون بيتا على البحر، اشتروه خصيصا لقضاء العطل هناك، رافقاهم  في رحلة استجمام لكنه حرص على أخذها في جولات سياحية لوحدهما طوال الأيام  ثم يعودان في آخرها ليقضيا الليالي برفقة أهله.
أسبوعا بطعم العسل فعلا، وإحساس بلمس النجوم يغمرها، بكل تلك المراعاة التي قدمها لها في أول أيام زواجهما.
الليلة الأولى كانت حلما بالنسبة لها، تعامل معها بحساسية وكأنها قطعة زجاج ستنكسر، أحاطها بالحنان وأذاقها أنواع من اللذة لم تكن تعلم بوجودها من قبل، وكانت تلك السكرة المخدرة لحس الحذر لديها نحو حركات غريبة تفرض نفسها بينهما بين الفينة والأخرى، فيدّعي التجاهل أو يخبرها بأن له ميولا خاصة، لا يظفر بأحاسيس جميلة مثل التي يقدمها لها  الا بها، وحين تهم بسؤاله كان يجيبها بغموض* لا تقلقي سأعلمك كل شيء لكن حتى نعود الى بيتنا*… فكانت تستجيب له بكل سذاجة ببسمة خجلة، وقلبها ينبض بحماس وما ظنته يوما حبا هوى بها في قعر الجحيم.
☆الماضي☆
)أخيرا لحالنا جميلتي اشتقت اليك جدا....).
ضمها من الخلف يهمس لها قرب أذنها، لتنظر إلى انعكاسهما  على مرآة منضدة الزينة في غرفة نومهما، تسأله بخجل شع بلمعته المختلطة بالسعادة في عينيها.
)هل رحل الجميع؟).
قبل جانب خدها وهو يرد بنفس الهمس المغوي.
)بلى ...أخيرا .. أستفرد بك لحالنا ...).
أسدلت جفنيها بخفر وهي تربت على كفيه المطوقين لها قبل أن يناديها.
)جميلتي؟).
رمقته بتساؤل، لتشع مقلتيه مكرا وهو يخبرها.
)اخبرتك قبلا أن هناك أمورا أحبها وتسعدني ... سأعلمك إياها فتفعليها كما أفعل معك لتسعدي ... وأعدك بمزيد من الليالي الوردية ...لكن إذا نجحت أنت أيضا في إسعادي...)..
التفتت إليه بنصف وجهها تسأله بحيرة ورغبة صادقة في تعلم ما يحبه، لتوفي بوعدها في بدل كل ما تستطيعه كي تسعده وتنجح علاقتهما الزوجية.
)بلى أذكر... وأنا مستعدة لفعل كل شيء في سبيل إسعادك...).
أدارها نحوه يرمقها بنظرات زائغة فضحت تأجج رغبته وحماسه الذي اشتعل فورا يطالبها بلهفة.
)هل أنت متأكدة؟).
أومأت بخفة وخديها الذهبيين يشتعلان بحمرة قاتمة، فرفع وجهها نحوه يقول بعبث شع في وسط رماد مقلتيه.
)لنجرب أول شيء أحبه ...)..
انتظرته، فوشوش لها في اذنها حتى تجمدت ملامحها لترمقه بحذر وعدم فهم..
)م... ماذا؟.. أقصد .... لماذا؟).
انفعلت أنفاسه كما لم يحدث معه أثناء كل ما سبق من لقاءاتهما الحميمية، بينما يسحبها نحو الأرض من مناطق حساسة مجبرا إياها على الخنوع، وهو يهمس بنبرة زائغة مجنونة، تلهّت عنها بسبب قوة الألم  الذي نغز جسدها بالتزامن مع إحساس الصدمة بما طلبه منها، فأنّت بألم ووجع.
)لأنني أحب ذلك... إن أردت إسعادي فقط تذللي ..وتألمي من أجلي... أصرخي ألما قطتي...).
وكانت تلك اللحظة التي انقلبت فيها حياتها الى سعير من الألم والعذاب.

☆الحاضر☆
)طلب منك تقليد الهررة في توددها لأصحابها؟).
رمقتها بخزي وأومأت بخجل، فهزت وداد رأسها بتفهم وملامحها رغم قناع الموضوعية الذي تضعه طوال الوقت كإثبات على مهنيتها، أضحت جامدة بوجوم.
)للأسف هناك من يعاني من اضطراب سلوكي... فيستمتع بممارسات غير طبيعية... شاذة عن الفطرة التي خلقنا الله عليها ... وهناك من يسبغ عليها طابعا انسانيا أو رومنسيا كالغزل الذي يمطرك به ... كي ينكر علته النفسية ...وبدل أن يعترف بعلته ويبحث عن علاج... يتجاهله بتبرير أنها مجرد ميول خاصة.... أما المعاشرة الطبيعية التي عاملك بها أول أسبوع... فقد كانت حافزا للأسف ليستغله في مساوماته معك ... أذاقك العلاقة الحميمية الطبيعية ... ليساومك بها مقابل ممارساته ...وتعذيبه لك ...).
رمتها ضحى بنظرة ميتة، وهي ترخي جسدها على المقعد بانهزام شعرت به يعود بها إلى قعر الظلام.
)لم أستجب لمساوماته أبدا... مع أول ألم متعمد منه  شعرت به... كرهته وكرهت الحياة معه ...ولم أستطع تحمل لماسته حتى في إطار علاقة طبيعية.... رفضت منذ أول ليلة ما حاول اقناعي به انه مجرد رغبات خاصة به... وأنها لن تؤثر على حياتنا .... لكنني لم أستطع التحمل ... لا الألم..  ولا الذل... ولشدة نفاقه أمام الناس ... بل حتى أمامي كان يتلون بألف لون كمصاب بانفصام... حتى أوشكت أنا على فقدان عقلي.. ولم أستطع اخبار أحد... وكيف أخبرهم وانا تزوجته رغما عنهم.. ولأنني غبية قررت تحمل مسؤولية قراراتي... وبدأت ابني جدارا من التبلد أحمي به نفسي من الدمار... دون أن أعلم أنني فعلا كنت أذوي... لم يلتمس أحدا اضطراب شخصيته سواي....حتى والديه واخوته ...ولم يكن لدي إثبات على ما يرغمني عليه... فلقد كان حريصا لعينا... وحتى أطواقه الحديدية لم اعلم يوما أين يخفيها بحرص بعد ان يفرغ مني....).
تأثرت وداد بشدة من نبرة ضحى التي تهدجت، فمسحت على شفتيها تقفز بها إلى فترة زمنية أخرى.
)حسنا! .... كيف تخلصت منه يوم هجم عليك في المتجر؟).
تنهدت وهي تنسحب الى ذكرى أخرى مقيتة، ظنت فيها للحظة أنها هالكة لا محالة، لكن القدر كان له رأي آخر حين شعرت بالثقل ينزاح من فوقها والألم يختفي من على جسدها تاركا بعض أمواج من آثاره تومض عبر بشرتها الحساسة.
أغمضت عينيها مرات لتفصل خيالها الغارق في ماضيه عن واقعها لكن هيهات، جهازها العصبي وبواطن نفسها خانتها فلم تستطع التنفس جيدا والدنيا تزداد قتامة حولها من غير حول منها ولا قوة، ضمت نفسها وحانت منها نظرة نحو ظل طويل ينحني نحوها تلاشى أمامها كما تلاشى كل الوجود من حولها في ذلك المتجر الكبير، مستسلمة  للهوة المظلمة والمريحة لكيانها المرهق.
☆الماضي☆
(سيدتي! ... سيدتي!)..
بلعت ريقها عبر حلقها الجاف وفتحت مقلتيها بثقل، تشعر برأسها ضخما غير قادرة على تحريكه..
(خذي أنفاسا عميقة سيدتي... تنفسي جيدا ... دماغك ينقصه الأكسجين... اجل...جيد ... تنفسي جيدا...).
حاولت التركيز على طاعة الأمر بالنبرة الرسمية، مزيحة كل ما قد يحول بينها وبين استرجاع وعيها كاملا، فالذعر لا زال متمكنا بقلبها يضخم من تصورات خيالها لما حدث لها أو قد يحدث.
فتحت عينيها أخيرا على وسعهما لتجد وجها بشوشا ذو ملامح مألوفة تزينه بسمة أنثوية هادئة، فحركتهما على باقي جسدها المكسو بالبالطو أبيض.
تنفست براحة وهي تعي المكان الذي هي فيه، مشفى أو عيادة ليست متأكدة، همت بالتحرك فرفعت المرأة كفها تطالبها بلطف!
(اهدئي ...لا تتسرعي في التحرك...تحركي بروية...)..
(م.. أين أنا؟).
نطقت بتعب وهي تمسك رأسها بينما مقلتيها تضيقان استجابة لألمه، جلست بروية بمساعدة من الدكتورة ذات العطر الهادئ المحبب، تجيبها برقة.
(أنت في عيادتي... جلبك  أثير بعد أن أغمي عليك على إثر اعتداء...).
بللت شفتيها والخوف ينتشر عبر أوردتها متذكرة هجوم طليقها عليها والأخرى تسترسل باستنكار واضح!
(لا أعلم كيف سولت له نفسه أن يحاول الاعتداء على امرأة في مكان عام؟... ممتلئ بالناس! .... مجرم حقير اتمنى أن يقوموا بسجنه ...).
فغرت شفتيها بعدم فهم وهي تمسك برأسها تشد عليه بقوة، فأكملت الطبيبة وهي تشير إليه..
(أعلم أن رأسك يؤلمك ... أصبت بانخفاض في ضغطك بشكل مفاجئ على اثر نوبة الهلع ... ومع حبسك لأنفاسك ... أغمي عليك...).
اتسعت بسمة الطبيبة البشوشة وضحى تحاول جاهدة متابعة كلماتها السريعة وتذكر أين سبق ورأت ملامحها المألوفة حتى تلك البسمة المجعدة لزاويتي ثغرها.
(حقنتك بمهدئ سيساعدك على الاسترخاء ...لا تقلقي.. بعد قليل ستكونين بخير ان شاء الله).
أومأت بتفهم وهي تعتدل في جلوسها فوق سرير الكشف، ثم تأملت الغرفة ليتأكد احساسها بأنها فعلا في عيادة وليست مشفى، فالمكتب يقبع بعيدا عنها بمترين تقريبا، بينما هناك جهاز الفحص بالصدى الصوتي يقبع قرب السرير الذي تجلس فوقه.
نظرت نحو المرأة الأربعينية المنحنية على سطح المكتب منهمكة في كتابة شيء ما، ولسانها لا يهدأ عن الحديث بنفس البسمة اللطيفة.
(أثير ينتظر خارجا ... يريد التقرير حالا ...كي لا يطلقوا سراح ذلك المجرم... كما أنه هاتف عائلتك ... وهم في طريقهم إلى هنا... ).
تنبهت ضحى لحديثها فازدادت دقات قلبها خوفا وترقبا، أطلقت الطبيبة ضحكة مرحة وهي تكمل!
(يود لو أبالغ  في التقرير بشأن اصابتك ... لكنني أبدا لا أشفق على ذلك المجرم ... من سوء حظه أنه وقع في طريق أثير الأجاويد... سيدمره دون أدنى شفقة... ).
لا زالت ضحى غارقة في صدمتها والأخرى توقع أسفل الورقة ثم  تضع عليه ختمها، لتستدير نحوها مقتربة  بقامتها المتوسطة، تكمل ثرثرتها المرحة، بعد أن سحبت طرف طرحتها أعلى رأسها نحو الأمام قليلا!
(سأخبرك سرا ... أثير لديه حساسية من المعتدين على النساء .... سواء بالضرب أو الاغتصاب ...).
ثم مالت أقرب من وجهها لتهمس و كأنها تفضي لها بسر، فأقسمت ضحى أن وجه تلك المرأة ليس بغريب على ذاكرتها.
(اكتشفت أنه يمول جمعيات تخص النساء المعنفات... لا تخبري أحدا كي لا يغضب مني....).
ثم أطلقت ضحكة أخرى قبل أن تبتعد نحو الباب، تفتحه لمن ينتظر خلفه.
(تفضل أثير لقد استفاقت.... وأكملت التقرير...).
توغل داخل الغرفة بخطوات واثقة حتى توقف أمامها يرمقها بتفحص، دون أن ينطق بحرف، ملامحه جامدة وحاجبيه السوداوان مقطبان بشدة جعلت الظلمة في مقلتيه تتوسع وتطغى على بياضهما.
لأول مرة تلمح تجعد قميصه من تحت سترته المفتوحة بإهمال وقد اختفت ربطة العنق، صوبت نظراتها التعبة نحو ظلمتيه بعد أن مشطت هيئته الغريبة عنه تسأل بعدم تصديق!
(أنت من؟!).
لم يجبها مركزا على بقعة ما في.... تتبعت نظراته لتكتشف أن طرحتها قد أزيحت عن جانب عنقها والثوب فوق كتفها الأيسر إلى عنقها تمزق لتكشف عن أثار لأصابع قبضت على المكان بعنف.
شعرت به يزفر من فتحتي أنفه والغضب يشع بحمرته وصلابته عبر قسمات وجهه، فأسرعت في تغطية بشرتها بطرف الطرحة الطويلة.
(لكن ...كيف؟)..
نطقت مجددا وهي تلملم أطراف فستانها بينما تضم إليها قدميها، لكنه أصر على صمته وكأنه إن سمح لنفسه بالتحدث سيفعل أكثر من ذلك.
(أنا أيضا أريد أن أعرف مثلك ....كيف؟).
تدخلت النبرة المرحة كصاحبتها البشوشة، وهي تحط بكفها على كتف أثير مما استرعى استغراب ضحى قبل ان تتسع مقلتيها فجأة ومجددا بذكرى عادت بها داخل أسوار السجن.
■■حين تتعرفين على أختي الدكتورة كنزة ... تأكدي أنك قد قطعت نصف الطريق....■■
عادت من دهاليز الماضي المظلمة على زفرته الحانقة، يرد بنبرة جامدة دون أن يكلف نفسه عناء التحرك من مكانه.
(أخبرتك من قبل كنزة! ....كنت هناك بالصدفة...).
ضحكت كنزة وهي ترفع كفها لتستند على كتفه  بكوعها، تومئ بتفهم مزعوم، بينما تسأله مجددا بمكر.
(وماذا سيحل بالمجرم ؟).
حينها التفت إليها يرد بجدية أرعدت قلب ضحى فأوشكت على فقدان وعيها مجددا.
(سيتعفن في السجن.... محاولة اعتداء في مكان عام... والشهود كثر ...غير جهاز التصوير المصوب على الرواق حيث أبواب غرف تغيير الملابس.... لن يخرج من السجن قبل وقت طويل...).
أمسكت برأسها مجددا تهوي إلى الخلف بينما نبرة مشابهة تسحبها نحو دهاليز الماضي مرة أخرى.
■■لن يخلصك من ذلك الحقير الذي يهددك حتى داخل السجن سواه .... أثير ... ابني... سيكون ذلك وعدي في الاتفاق ..... أحميك هنا ...وأخلصك من التهديد على حياتك خارجا .... وأنت سيكون عليك الوفاء بوعدك ... لن تتراجعي حين تتخلصين مما يهدد حياتك ... عديني ضحى! عديني!■■
■■عديني!!■■


منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الإثنين يوليو 01, 2019 4:55 am

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_1276nssik0اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_1276flb8m0

الفصل الرابع



■■لن يخلصك من ذلك الحقير الذي يهددك حتى داخل السجن سواه .... أثير ... ابني... سيكون ذلك وعدي في الاتفاق ..... أحميك هنا ...وأخلصك من التهديد على حياتك خارجا .... وأنت سيكون عليك الوفاء بوعدك ... لن تتراجعي حين تتخلصين مما يهدد حياتك ... عديني ضحى! عديني!■■
■■عديني!!■■

**الفصل الرابع **

أسرعت كنزة إلى ضحى لتمسك بظهرها، ترمقها بقلق، ثم أدارت رأسها الى الخلف تنهره ببعض من الحنق.
(أنت تخيفها أثير... حقا! ...كف عن عبوسك المخيف!...).
مسح على وجهه يقترب منهما، قائلا بجدية خفف من حدتها قليلا.
(لا وقت لدينا ... يجب أن نتصرف بسرعة... الشرطة على وصول ... وأهلها أيضا... هلا جلبت لها بعض الماء يا كنزة؟).
جعدت جبينها بريبة ترمقه بحيرة، فرفع حاجبه بإشارة ما فهمتها وتنفست باستسلام تقول وهي تبتعد.
(حسنا! ...).
ما إن خرجت حتى نظر إليها وهي تمسد على جبينها بإحدى كفيها بينما تسند جسدها بالأخرى ليسألها بلطف فاجأها.
(هل أنت بخير؟... كيف تشعرين؟).
بلعت ريقها والنبضات المتخبطة تصرخ طلبا للرحمة من توالي المشاعر العنيفة عليها، لترد بنبرة مرتعشة.
(ال...حمد... ل.. الله...).
هز رأسه ثم نظر إليها بتلك النظرات المتفحصة في مقلتيها يخبرها بحزم.
(اتصل محاميي بعمك وأخبره أن زوجك السابق حاول الاعتداء عليك... وأنقذك منه أحد الرجال الحاضرين بالصدفة في المحل... كما أن هناك شهودا آخرين في المكان حضروا انقاذ الرجل لك ...ومع التاريخ الذي يجمعك به ... سيكون هناك وضع آخر للقضية ... حيث ستتهمينه بمحاولة قتلك...).
قاطعته بخوف.
(لكنه لم يريد قتلي بل...).
هتف بنبرة خافتة مهددة، خرجت من بين فكيه المطبقين غضبا.
(أن يعيدك إلى ذمته... ويمارس عليك كل شذوذه وحقارته!...).
احمرت خجلا منكمشة على نفسها خزيا، وطوقت جسدها بضعف ألم بها فزفر للمرة الثالثة سخطا من نفسه ووضع كفه قربها على السرير كأنه يذكر نفسه بمن يكون ومن تكون فيحافظ على حدوده، يخبرها بحدة أقل.
(أوليس ذلك ألعن من القتل؟... فكري جيدا ... لديك شهود حضروا ما فعله بك ...واتهامك له بمحاولة قتلك يوازي ما يريد فعله بك... فما انتهى به زواجكما المرة السابقة خير دليل على ذلك....).
حافظت على صمتها المخزي ودون شعور منه سأل ساخرا بدفعٍ من استفزازٍ تسلل الى صدره.
(أم أنك تريدين العودة إليه فعلا؟).
(لا!).
انطلقت منها فارة من أعمق نقطة في أحشائها مصاحبة لقوة ومضت بها ملامحها بشراسة نالت إعجابه، فابتسم وهو يستقيم بظهره قائلا بإعجاب.
(جيد .... تذكري هذه القوة وأنت تتهمينه بما فعله بك ... دعيه يتذوق حياة السجون... وتتمكني أنت من عيش حياتك بسلام ....).
تعلقت مقلتيها بنظراته المظلمة يكمل بجدية عاد إليها بينما يتفقد شاشة هاتفه.
(سأكون خارج الصورة... والمحامي اتصلت به احدى النساء الحاضرة في الواقعة لأنه مشهور بتولي قضايا الاعتداءات  ... هذا ما يظنه عمك.... على أي حال هو يعمل فعلا مع جمعيات تخص النساء المعنفات...ومن بين الشهود مساعدي الذي كان معي  حين بلغنا من كلفته بمراقبتك منذ هجوم ذلك الحقير عليك أول مرة ... وهو من ساعدني في الامساك به كي اتمكن من حملك إلى هنا....).
غزى الاحمرار شحوب  وجنتيها من غير حول منها، فاستدار يهم بالمغادرة لكنه توقف قرب الباب يلتفت إليها  مناديا.
(سيدة ضحى....).
كانت قد أطرقت برأسها الذي انحسرت عنه آلامه لا فوضى أفكاره، حين سمعت اسمها من بين شفتيه، فلبت نداءه بلهفة لم تتحكم بها.
(ذلك الحقير سينسى اسمك... سواء سُجن أو أُطلِق سراحه ...).
شهقت بصمت حتى جرح الهواء حنجرتها بينما مقلتيها المتسعتان تأبيان التخلي عن تشبثهما بالثقة المشعة بقوة من ظلمتيه وهو يؤكد استجابة لتأملها المستغيث بصمت.
(تأكدي من ذلك ...).
هم بالمغادرة مجددا لكنه تراجع حين همست بأمل.
(إن شاء الله ...).
نظر نحوها من فوق كتفه للحظات بغموض ثم غادر بعد أن رددها بحزم وتصميم.
(ان شاء الله..).
....
☆الحاضر☆
)وماذا حدث بعد ذلك؟).
رمشت ضحى ترمق وداد المتفحصة لملامحها بترقب، فردت عليها بقسوة عبرت عبر صفحة وجهها الجامد بسرعة خاطفة.
)حضر عمي وزوجته ... وعناصر من الشرطة... سلمتهم الطبيبة التقرير ثم ذهبت برفقة الشرطة وعمي إلى مقرهم ... وكل شيء حدث سريعا ... قرروا حبسه على ذمة التحقيق..  بعد أن قدمت إفادتي... وكذلك فعل الشهود ... أخبرنا المحامي قبل مغادرتنا أن زوجي السابق ورط نفسه ومحال أن يخرج منها بخير... وكان محقا فالقضية طالت كما العهد بالقضايا في محاكمنا ولم يصدر القاضي حكما حتى مضى نصف عام تقريبا ...وحُوكم بنفس الخمس سنوات التي حوكمت بها من قبل…(.
ابتسمت وداد تقول ببعض من الفكاهة.
)إذن صدق السيد أثير في وعده ... وزوجك السابق نسي اسمك بحق..... وكل ذلك وهو بعيد عن الصورة تماما  أمام أهلك والشرطة...).
أومأت ضحى بتفهم دون أن تستجيب للطرفة حتى ببسمة، فصورته في سيارته الزرقاء الغامقة في الجهة المقابلة من الشارع حيث يقبع المركز لم تفارق خيالها،  فاستدركت وداد تسأل بفضول.
)وكانت تلك المرة الأولى التي تعرفتِ فيها على شقيقية السيدة خاتمة؟).
تركت ضحى الصورة ترحل عن خيالها لتجيب الجالسة أمامها باعتدال يليق بأناقتها قائلة بتهكم واجم.
)بلى... وكانت الباب الذي فُتح لي بمصراعيه أمام باقي أفراد عائلته ...فكان لزاما علي الوفاء بوعدي ...).
سرحت ضحى بخيالها مستجيبة لنداء مقيت من الماضي قشعر له بدنها.

☆الماضي☆
(لوحدك يا أميرة؟).
انتفض بدنها واستقامت بعد أن كانت منحنية تفرك بلاط رواق الحمامات بمكنسة ذات حواف حادة، لترمق العينين الماكرتين والبسمة البشعة على شفتين تميلان للسواد بفعل الدخان، ترمقها بنظرات جعلت قلبها يضخ الدماء بقوة عبر جسدها المرتعش هلعا.
(أين حراسة سيادتك اليوم؟.... هل غفلت أعينهن عليك ؟... ).
استدركت بخفوت ماكر وهي تحوم حولها بتمهل، ثم مالت نحو أذنها تكمل فحيح همسها.
(انه يوم حظي لابد...هل تعلمين أنني احلم بك كل يوم  وكيف سأقضي معك وقتا ممتعا...).
شدت ضحى على رأس المكنسة تقاوم بوادر غثيان بينما الأخرى تلمس أعلى كتفيها مسترسلة في همسها المغيض.
(فكما أخبرني  ... أنت ماهرة في الاستمتاع بالألم ...).
جحظت مقلتاها صدمة وجمّد التبلد مشاعرها تلقائيا كما عودت نفسها أثناء زواجها، تحديدا أثناء إخضاعها لساديته سواء في معاشرة  حميمية شاذة حيث تكون هي دميته المتلقية لعنفه المتعمد، ليتلذذ بأنين الوجع الصادر منها والمصاحب لتشنج أطرافها ألما، أو مشاهد أخرى حتى أكثر خزيا وأكثر عذابا حين يعاملها كحيوان أليف وبشكل حرفي.
(على فكرة ... هو يبلغك سلاما حارا...ويخبرك أنه ينتظرك... وبعد خروجك من هنا ستعودين إليه لتبدلي مجهودا مضاعفا في استرضائه مقابل صفحه عنك ...).
أصدرت ضحكة كشفت عن أسنان يعلوها الاصفرار، تقترب منها أكثر فينحسر شعور الغثيان في جوف ضحى وينشر التبلد صقيعه عبر أوردتها، يجمدها في مكانها كمنحوتة أثرية فاقدة للحياة.
(لقد سمعت عن ما فعلتِه به ... يقولون أنه لن ينجب أبدا ... أشفق عليك يا أميرة ... كيف سترضينه كي يصفح عنك ... ).
ضمت شفتيها بلهو وهي تقف قبالة وجهها الجامد كالأموات ثم أكملت بمكر شعت به عينيها.
(أوصاني كي أذكرك بكل ما علمك إياه من قواعد ... كي لا تنسيه أبدا ... وحين تخرجين من هنا... تكونين على استعداد لما ينتظرك معه....).
لا شيء، لا حركة ولا حرف، شملتها بنظارتها الفجة من رأسها المغطى بطرحة رمادية مرورا بردائها العادي والمكون من سروال وقميص طويل إلى الركبتين، وصولا إلى قدميها داخل صندل مفتوح من خامة المطاط.
(بماذا نبدأ يا ترى؟... هل أترك لك الخيار لتخبريني بما كان يبدأ به؟.... أم أفعل أنا ؟).
لم يبدو عليها أي نية لإبداء رد فعل، فتجرأت الأخرى تمد كفيها نحو وجهة ظاهرة، صاحبتها كلمات وقحة، فجة.
(ماذا لو بدأنها بهذا الصدر.. ال**.... ما رأيك؟).
(هيييه!! أنت!!).
انتفضت المرأة بذعر طرد أي مكر واستمتاع كانت تشعر به قبل قليل لتُسقط ذراعيها اللذان أوشكا على الوصول لبغيتهما، الى جانبيها تجيب  بتوتر.
(كنت اقترح عليها المساعدة... لا أحد يساعدها هنا...).
اقتربت خاتمة تجر قدميها بتمهل رافعة رأسها بكبرياء تخفي به المرض الذي استفحل بجسدها، حتى تجاوزت ضحى الغارقة في سكونها الغريب، لتوجه كلامها للأخرى بتهديد مباشر وصريح.
(لآخر مرة سأحذرك يا حرباء... ابتعدي عن كل ما يخصني.... وإلا...).
تلكأت تبتسم بتشفي قاس بينما الأخرى تبلع ريقها بخوف، ثم أكملت باشمئزاز.
(كلمة واحدة لمن أمسكها عليك منذ مدة ...  وسيجدون جثتك هناك...).
أشارت نحو البلاعات وهي تستطرد بحقد وقرف.
(كما تستحقين... مجرد جرذ مقزز مثير للغثيان ...).
(أ ن... نا ...لم أفعل شيئا سيدة خاتمة... أنا ...).
تأتأت بارتباك وهي تفرك كفيها، فقاطعتها خاتمة بإشارة من يدها، لتهرول كفأر يفر بنفسه دون تردد.
استدارت إلى التمثال المتحجر مكانه تتفحصها بإشفاق، حينها تذكرت نفسها وهي تواجه ما لا تستطيعه بنفس التبلد، لكن ذنوبها كانت أكبر وأعظم من تلك الفتاة البريئة أمامها، حتى تدحرجت بها نحو مستنقعات غادرة، حين قررت هجرها ابتلعتها مرة واحدة.
لوحت بكفها أمام عينيها الراكدتين تناديها بلطف.
(ضحى.... ضحى!).
لكن لا مجيب، جمود قابلته خاتمة بتفكير قبل أن ترفع كفها لتهوي بها فوق وجنة ضحى التي انتفضت شاهقة وكأنها تستيقظ من غيبوبة.
أمسكت بها حين انحنت تتنفس بعنف تهمس بحنو.
(اعتذر منك يا ابنتي ... لكن كان لابد لك من صفعة توقظك من سلبيتك واستسلامك لها... أين قوتك التي واجهتِ بها الحقير طليقك ؟... كان يجب أن تضربيها بعصى المكنسة أو حتى لطمة على وجهها الكريه...).
ربتت على ظهرها بحنو حتى هدأت ثم تناولت منها المكنسة تضعها جانبا لتسحبها نحو غرفتهما تهمس لها بحزم.
(هناك حديث مهم آن أوانه.... تعالي معي... ).
....
☆الحاضر☆
(الاتفاق هو ما جمع بينكما؟).
رفعت ضحى رأسها مجفلة من سهوها بخيال ماضيها ثم حركت رأسها إلى الجانب قليلا تجيبها.
(بلى... رأت في نسخة منها بشكل ما ...مع أنها أصرت بأنني لا أشبهها وأن ذنوبها أثقل وأبشع.... لكنني ظللت أخبرها بأن التائب توبة حقة كمن لا ذنب له ....وأن تحسن الظن بالله ... وكان ردها دائما يحيرني إلا انني أخيرا فهمته قبل مدة... ).
صمتت لتلمح الفضول بلمعته يومض عبر مقلتي وداد، فاستدركت تكمل بهدوء.
(كان ردها ... ان توبتها ناقصة ... لأن هناك حقوقا يجب أن ترد لأصحابها... كما هناك جرائم يجب أن تنكشف .... ومادام ذلك لم يتحقق كيف ستكون توبتها نصوحة وكاملة؟...).
ثم هزت كتفيها تسترسل.
(أقنعتني بأننا نحتاج لبعضنا ... أنا...تخلصني من التهديد خارج وداخل السجن.... فأهلي لا يستطيعون فعل شيء بسبب الالتزام القانوني بعدم التعرض له ... ولن يستطيعوا حمايتي طوال الوقت .. لكُل حياته يعيشها ويكفي ما سببت لهم من فضائح ... وهي تحتاج لبيدق أخير على رقعة حرب صنعتها بحرص ودهاء اخذت منهما سنوات طوال ومجهودا جبارا...فكرتُ جيدا ... ووافقت ... ).
هزت وداد رأسها ثم سالتها وهي تدون  ملاحظتها الشخصية، بينما جهاز التسجيل الصغير يقبع فوق المائدة المنخفضة بينهما.
(وبما بدأتما ؟).
رمشت ضحى بطريقتها المميزة على مهل كما تنفست، ثم أشارت للضيافة قرب المسجل تقول بملامح تخلت قليلا عن حدة برودتها.
(حلو العسل.... ألم ينل اعجابك دكتورة وداد ؟).
قطبت وداد تنظر نحو الحلو لتتذكر أول ما أخبرته عنه، فابتسمت ترد عليها بمرح.
(طبعا نال إعجابي... إنه حلو تقليدي قديم... للأسف القليلون فقط من يعرفون صنعه بطريقة جيدة.... والقليلون أيضا من يغمرونه بعسل النحل بدل المُصَنع ...).
ضغطت ضحى على شفتيها كدليل على موافقتها ثم ردت بنبرة رقت نغمتها تحت تأثير ما استحضرته  من مشهد مضى.
(كان أول شيء تعلمته منها .... وكان الطُّعم الذي علِمَت أنه سيكون رابطا لا ينقطع بحنين بينها وبين ابنها ... هو والورود...).
لم تعر ضحى بالا لمظهر الحيرة على ملامح وداد وهي تحلق مجددا بين سحب الماضي تحملها الى ذلك اللقاء بعد يومين من حادثة الاعتداء، حين رفضت التغيب عن عملها وعادت إلى المحل تنهمك في إزالة الشوك عن الورود، وطبق جميل عليه غطائه من نفس لونه يقبع جوارها على الطاولة، يحفظ ما بداخله من حلو أصرت على تحضريه كهروب من التفكير فيما حدث لها، لتوافقها زوجة عمها وتساعدها أيضا في صنعه.
☆الماضي☆
)حسنا! هذا يغفر لك ....).
تلك النبرة تعبث فعلا بدقات قلبها على نحو لا علاقة له بالرعب أو الخوف، كان ذلك ما يجول في عقل ضحى وهي ترفع عينيها لمن وقف أمامها يشرف عليها من علو، نظراته على طبق الحلو.
رمشت بحيرة لما فاتها من معنى كلماته، فسحب الكرسي ليضعه قبالتها، فتح أزرا سترته وأعاد طرفيها إلى الخلف ليجلس بأناقة تضيف إلى هيئته المزيد من الهيبة، ثم استدرك بنبرة أسبغها بالمرح.
)هل هذه طريقتك للاعتذار؟ ... لأنها لو كانت كذلك ... فأنا موافق ...وموافق جدا ...).
ضمت ضحى شفتيها وتركت السكين من يديها تسأله بحيرة صادقة.
)عفوا ... اعتذار؟!).
ارتفعا حاجبيه وانبسط ثغره في بسمة غير مصدقة وهو يجيبها بتهكم.
)ألا تريدين الاعتذار أيضا؟).
قطبت بحيرة فالتهى  بتفحص ملامحها ليعترف لنفسه أن تلك الفتاة شغلت حيزا من تفكيره بدأ صغيرا ليتوسع مع كل لقاء جمع بينهما، قسمات وجهها عادية لكن نقية، صافية غير متكلفة، حقيقة، حقيقية جدا!
متى آخر مرة لمح فيها فتاة دون أصباغ في محيطه؟ لا يعلم ولا يتذكر، ولا يقصد بالأصباغ فقط زينة الوجه، الأمر يتجاوز ذلك إلى أقنعة مطلية غير مرئية لكن محسوسة، محسوسة للغاية.
لطالما أخبرها بذلك لاحقا وهو يتحسس ملامحها بوله غريب، فيترك ذلك اثرا بالغا في نفسها يهبط على آلامها القديمة كالبلسم الشافي.
)أنت لا تعلمين حقا! ... حسنا! لماذا لم تردي على اتصالاتي؟).
عبس فجأة يوبخها فهمست بارتباك تلاه دهشة.
)اتصالاتك؟... ه ..هاتفي؟!.... اووو!).
مسدت على جبينها انزعاجا فكان دوره ليقطب جبينه ريبة يستفسر.
)ما به هاتفك؟).
نظرت إليه بينما يرفع الغطاء عن الطبق ليتناول قطعة من الحلو بلهفة شعت من ظلمتيه رغم الحيرة التي تملكته نحوها ومع هيئته الأنيقة وهيبته الخاصة أضحى المشهد حقا غريب.
)لا أذكر أين هو؟... لقد نسيته تماما... أظنه وقع مني أثناء!! ...).
بترت كلماتها وملامحها تتحول إلى تعابير الوجوم، ليخبرها مغيرا مزاجها بينما يتلذذ بحلاوة ما يلوكه بين فكيه.
)جيد أنه ضاع منك ... دعيه يرقد بسلام أينما حل ! ... المسكين انتهت صلاحيته قبل سنوات ... لا أظن بأن هناك من يستخدم ذلك النوع قبل مدة طويلة.... حتى لو من باب اللهو...).
تناول قطعة أخرى مبتسما بانشراح وهي تراقبه برأفة تسللت عبر الصقيع داخل أحشائها لتطفو رغما عنها، فتخيل الرجل أمامها كطفل صغير متشبث بقدم أمه يعشق كل ما تعشقه ويقلد كل ما تقوم به يثير فيها شجن غريب، رؤيته الآن وتذكر كل ما قصته عليها والدته، والدته! تمتمت بالكلمة على لسانها دون صوت، فتتساءل كيف سيكون رد فعله حين يعلم أن من أنجبته وربته حتى غادر البلاد من أجل دراسته لم تمت في الوقت الذي أخبروه به ولا بالطريقة التي يظنها؟
هل سيثور؟ هل سيفرح أم سيحزن؟ هل سيثأر لها؟ أم أن ما سيحدث مجرد تجدد لآلام الفقد؟ وأوجاع الحزن!
(هييييه! أين ذهبت؟.... لا تقلقي سأقتني لك هاتفا مشابها...).
رمقته بتحذير فدس آخر ما تبقى بين أصابعه داخل فمه معتذرا.
(بالله عليك! ...ثمنه أقل من قيمة المواد التي حضرت بيها هذا الحلو الذي بالمناسبة سآخذ معي ما تبقى منه ...).
ضحك بحرج غريب عليه وهو يسحب منديلا ورقيا يمسح به أصابعه وهو يكمل بمزاج قد راق بالفعل.
(لك ان تضحكي كما تشائين ... لكن هذا بالذات نقطة ضعف أفقد أمامها كل حكمتي وهيبتي... لذا لا أحد يعلم عن عشقي له سوى انت بالصدفة... وأبي  وخالتي...وأ....).
بتر حديثه بشكل أظهره عفويا، وكم ودت سؤاله عنها لكنها لا تستطيع خوفا على خططها، لتخبره بدلا من ذلك.
(أغلب أبناء بلدنا يعشقونه ... فلا تقلق سرك بأمان...أنا أيضا أحبه... لكنني اكتشفت أنني أحب الورود أكثر... ).
أومأ باسما بمكر مرح عاد الى ملامحه فناسبت الشقاوة وجهه مظهرا اياه بعمره الحقيقي، يحدثها بتهكم.
(تحبين اختيار الورود حسب رغبات من يقتنيها؟...فتضحكين عليهم بمسألة الرموز كي يعودوا إليك دوما....اعترف أنها خطة تسويقية مربحة...ما كان مجال دراستك مجددا؟).
اغتمت فجأة بعد أن تابعت مرحه بملامح عادية تميل إلى الانشراح، وردت بحزن جعله يلعن خطأه في سره.
(لم أكمل بعد شهادة الثانوية... وأنت تعلم ذلك... تعلمت ما يخص الورود أثناء قضاء مدة عقوبتي في السجن... من حسن حظي أن الله بعت لي شريكة غرفة جيدة... قامت بحمايتي من شر زوجي الذي طالني حتى في السجن... وعلمتني أمورا كثيرة من بينها سر وصفة حلو العسل...).
بلل شفتيه وهو يقول بحذر، واضعا راحتي كفيه على رأس ركبتيه.
(يمكنك العودة إلى الدراسة اذا شئت... دخول الجامعة في أغلب  التخصصات ليس بتلك الصعوبة ...).
هزت رأسها ولم تتحدث بينما تعود لتنظيف الورود من الشوك، فراقبها لوهلة قبل أن يسألها بجدية..
(ماذا تعني تلك الورود التي تنظفينها الآن؟).
نظرت إليه ثم عادت إلى ما تفعله وهي ترد بلامبالاة..
)لا يهمك على اي حال فلماذا تريد معرفة ذلك؟).
حافظ على صمته وقد أوشك على  إطلاق سراح بسمة مرحة حين تابعت  دون أن ترفع رأسها إليه والى تغير ملامحه الى الدهشة ثم الصدمة.
)تهكم كما تشاء لكن دعني اخبرك شيئا... تستطيع التعبير عن نفسك من خلال الورود .... تختارها بعناية وتقوم بتنسيقها فتكون رسالة مباشرة ت...).
)تحت رداء الجمال....).
أكمل عنها فرفعت رأسها بحدة وقلبها ينبض بجنون، هل أخطأت؟
كيف استرسلت بما حفظته منها دون حذر ؟
فهي كانت مثله ساخرة على تعلق المرأة الكبيرة بالورود،  لتكون تلك أول جملة جعلتها تحفظها عن ظهر قلبها الذي استوعب أخيرا!
لم تعلم أي فوضى أثارت في صدره بعد أن أكمل معها بقية الكلمات بتلقائية نبضت بها خلايا الخافق بين حنايا صدره، لم يعلم انه لازالت أحشائه تحفظ ذكراها، ذكرى كلماتها، لقد ظن أنه نسي!
لكنه اكتشف انه تناسى! يا الله! كيف ذلك! لقد محى اي أثر لها في حياته! اذا كان ذلك حقا، فماذا يفعل الآن وهو يجلس أمام طبق الحلوى كطفل صغير، يكاد يقفز فرحا بوجبة ستمنحه لحظات دلال ممن أنجبته وظل ملتصقا بها حتى أضحت رائحتها إدمان له! رائحة الأمان، رائحة الحنان! رائحة ...الغدر! .... آآآه!
تنحنح يمسح على دقنه وهو يستقيم واقفا، وهي صامتة بترقب التقطه على انه استفسار، فتحدث ببرود شعرت به.
)يبدو أنك بخير بعد ما حدث ... لقد جئت لأطمئن عليك... شكرا من أجل الضيافة ... اعتني بنفسك ... ولا تقلقي بشأن ذلك المجرم ... امحي اي ذكرى له من خيالك ....عن اذنك...).
هم بالمغادرة فتحدثت أخيرا رغم حلقها الذي جف.
)الذكريات لا تمحى يا سيد أثير....).
استدار نحوها بجسده يرمقها بحيرة وبعض من الانزعاج، فاستدركت بسهو مس ضياع كيانه هو الآخر.
)نتناسى ... ونظنها في مكان بعيد  ... وعند أي لحظة تخصها تقفز من العدم .. كأنها حقيقة نعيشها من جديد .... لا تنسى الحلو خذه معك ...لدي منه في المنزل ..).
تأمل الطبق للحظات ثم عاد يرمقها بغموض تلاه قسوة شعت بظلمة قوية عبر مقلتيه الثاقبتين، يجيبها بجمود.
)لا .... لقد انتهيت منه ... شكرا لك على اي حال... إلى اللقاء..).
غادر بخطوات صارمة وهي تشيعه بنظرات ظاهرها اليأس وعمقها الأمل يحفر بضراوة ليلوح  براياته في الوقت المناسب، تهمس بخفوت.
)لا زلتِ على حق ... النكران بداية الطريق ... الله المستعان يا خاتمة ... الله المستعان...).
ما إن أطرقت برأسها تتنهد بحزن حتى عادت ترفعه لمن دخلت عليها المحل تتفحصها بكبر وتسلط، جسد رشيق رغم سنوات عمره المتجاوزة للخمسين بكثير، فستان أسود باهض الثمن وعطر أغلى يسبقها بأمتار، شعر فضي قصير مصفف بعناية، زينة متقنة تخفي ما نقشته السنون من تجاعيد ودقن مرفوعة بتعال لا يملكه سواها.... ومن غيرها؟

الصديقة اللدودة، القريبة البعيدة، الوفية الخائنة، إنها زليخة بكري ...صديقة خاتمة سابقا، بل طوال ماضيهما الغابر... اما حاليا فهي ...زوجة والد أثير... السيدة حرم عبد السلام الأجاويد.
)هل من خدمة سيدتي؟).
تجاهلت همسات أفكارها تعاند حكمتها التي تعرفت عليها بشكل مباشر ورجاءها ضائع بين صدق توقعها وتكذيبه.
إلا أن وقوف المرأة بذلك التكبر والصلف أمامها تتلمس على النظارات الشمسية أعلى رأسها، لتجيبها بأنف رفيع يليق بصفاتها، صدّق على حسن توقعها.
)بلى... أو لست هنا خادمة؟).
رمشت ضحى ثم اعتدلت بظهرها دون أن تقوم من مكانها قائلة بهدوء.
(بلى...أعمل هنا سيدتي .... وأنا في خدمتك ....ما هو طلبك؟...).
ضحكت بأنفة باردة ناسبت السخرية المشعة من مقلتيها بلون أسود لكن باهت وليس ذلك الداكن كخاصة صديقتها، ثم قالت بترفع!
)لا .... أظن بأن طلبي في استطاعة واحدة مثلك تحمل كلفته ...).
حل الصمت قليلا فحسبته نقطة لصالحها لكنها ارتبكت وأجادت إخفاء ارتباكها حين نطقت ضحى بكل هدوء مع هزة كتف مستخفة.
)طلبك لن يكلف سواك سيدتي..... وإن كان هنا تفضلي اختاريه ...أو إذا شئت أساعدك...).
اختفت البسمة الساخرة من على وجهها وهي تخبرها بجدية مقيتة.
(وكيف ستكون مساعدتك هذه؟... ورودا أخرى سوداء؟).
تظاهرت ضحى بدهشة الاكتشاف ثم جعدت دقنها ترد بتمهل.
)أوووه! ...ذلك كان خيار السيد أثير وليس أنا... هو أخبرني بالرموز ...وأنا أخبرته بما يناسب تلك الرموز....يمكنك فعل ذلك أيضا...).
زفرت السيدة أنفاسا ساخطة بينما تتخصر بيد ناعمة واحدة، والأخرى ممسكة بحقيبة بنية فاتحة، وما لبثت أن ادعت التفكير لتقول بتهكم واضح.
)ما رأيك بورود تعبر عن امرأة محتالة ساقطة.... تبيع نفسها من أجل المال ؟).
لحظة صمت أخرى والسيدة ليست متأكدة بالفعل من غنيمتها لتقول ضحى بعدها بنفس البرود المحبط.
)وردة الياسمين الهندي **وردة الفتنة** ... ستفي بالغرض ...لكنها لا تناسبك سيدتي....).
جذت على أسنانها اللؤلؤ البيضاء وهي تنحني قليلا نحوها بينما القسوة تغلف ملامحها، ترد عليها بهمس حاد.
)طبعا لا تليق بي ... بل هي لك يا .... وردة الفتنة...).
توقعت المرأة هجوما من اي نوع اخيرا لكن لصدمتها التي لم تفلح في إخفائها تلك المرة، هزت ضحى أمامها كتفيها بخفة مرة أخرى تقول ببرود.
)المشكلة الحقيقية هنا ... أنها باهضه الثمن ...).
تحولت صدمتها إلى بسمة خبيثة وهي تقول باستحسان ممزوج باشمئزاز.
)تعجبينني الآن أكثر من ادعاء الفضيلة... كم ثمنك ؟... ما هو السعر الذي سيبعدك عن أثير؟... ).
أشارت إليها بسبابتها ذات الأظفور المصبوغ بأحمر لامع، تستطرد بنبرة شابتها ضحكات باردة متهكمة.
)أنا متأكدة من أنه سيرميك بعد ان يمل من جسدك ... كما فعل مع اللاتي من قبلك... ولو لم يكن توقيتك سيئا ما اهتممت وتركته يلهو كعادته... لكن من حظك السيء أن التوقيت غير مناسب أبدا...).
ملامح ضحى في جمود بارد فحاجز التبلد قد ارتفع كمضاد للرصاص منذ أول إهانة، عينيها بركودهما ترمقان المرأة  بصمت وهي تعتدل بجسدها الرشيق على حذاء بكعب عالي جعلها تتساءل كيف تقف عليه بكل ذلك التوازن!
فتحت الحقيبة وسحبت ورقة ما ثم وضعتها أمام ضحى جانب الورود، تستطرد بترفع مغلف بهدوء زائف.
)ذلك المبلغ كاف جدا ... لم تكوني لتحصدي أكثر منه مع أثير على أي حال... فهو يسترخص كل فتاة تبيع نفسها من أجل المال ... تتخلى عن شرفها وشرف أهلها كي تخوض معه علاقة في الخفاء... مقابل جوده وسخائه ... سرعان ما يرميها خلف ظهره دون درهم زائد على ما يحدده هو... وهو قليل جدا أمام ما أضعه أمامك الآن ...).
ضغطت على شفتيها بطريقة أنثوية وعدلت من هندامها المرتب فتحدثت ضحى تجيبها بهدوء غامض.
)كم من زهرة تنوين إهدائي إياها سيدتي؟).
قطبت زليخة بخفة وقد اصابتها الحيرة للحظة قبل أن تجيب برد ماكر.
)عدد ما يجلبه لك ذلك الرقم في الشيك ... ).
ثم تلكأت وهي تزم شفتيها بأحمر شفاه وردي باهت، قبل أن تكمل ساخرة.
)تمتعي بورود الفتنة بعيدا عن عائلتي ... ولا تجعليني أثير الفتنة بينك وبين أثير....ليقتلك بدل أن يرميك خلفه ....).
غادرت والحذاء بنفس لون الحقيبة يصدر صوتا على البلاط الرخامي، يبتعد رويدا رويدا حتى اختفى بينما عطر السيدة يغرق المكان مؤكدا حضورها قبل قليل، تتهمها بالرخص، وترميها بالفحش، ثم تحدد لها ثمنا فوق كل ذلك.
تنفست بعمق لترخي ستار التبلد عن أعصابها ثم استقامت واقفة لتلمح الرجل ظِلَّ سيده وحارسه الشخصي يقف على عتبة الباب يتفقدها باهتمام، فأشارت له.
استجاب لها فورا يقول برسمية وعينيه الحذرتين طوال الوقت تفران منها نحو المكان حولها.
)السيد مشغول في اجتماع مهم ....ولم استطع الوصول إليه.... هل..  أقصد هل أنت بخير سيدتي؟).
انشغلت ضحى بتدوين شيء ما على ظرف أبيض، بعد أن دست داخله ملاحظة قصيرة برفقة ورقة الشيك الحامل لمبلغٍ ذو أصفار كثيرة لم تهتم بعدها، تجيبه بتمهل.
)ولماذا لا أكون؟.... هناك من أهداني زهورا باهضه الثمن قبل قليل..).
مدت له الضرف، فأمسك به وهو يتفحصها بحيرة بينما هي تكمل بلطف جاهدت لترفقه ببسمة على شكل تمدد يكاد يلمح على شفتيها..
)هذه الأمانة تخص عائلة السيد أثير.... احرص على أن يتسلمها شخصيا...).
أومأ بتفهم وهم بالمغادرة فأوقفته متسائلة بجمود جعله يتسمر مكانه.
)هل تتفقد جميع نساءه حين يكون مشغولا يا سيد... أمجد؟).
ارتبك الشاب الأصغر من سيده ببضع سنوات قليلة، وهو يسحب طرفي سترته التي مهما كانت خامتها جيدة لن تصل لجودة خامة ثياب سيده.
فهزت رأسها تشير له بيدها..
)يمكنك المغادرة سيد أمجد ...).
هرول مسرعا بينما هي تعود إلى لملمة الورود مع أشياءها فوقت مغادرتها قد حان، لكن هناك في جوفها غُصة هبطت عليها بخيبة شبيهة  بأول ما شعرت به حين اكتشفت حقيقة زوجها السابق... وكان اخر ما نطق به لسان حالها، وهي تلمح الفتى الذي وصل في موعده ليستلم الدوام المسائي.
)لم تخبريني أن ابنك زير نساء يا خاتمة!!....).

☆الحاضر☆
)كيف لا تعلمين؟... أخباره رغم حرصه كانت تصل عن طريق إشاعات متداولة بين صفحات الشبكة العنكبوتية ...).
قاطعتها وداد تتساءل بحيرة، فردت ضحى وهي تصب اللبن المغلي في الكأس.
)أنت قلتها بنفسك... إشاعات...وأنا تعلمت بالطريقة الصعبة بأن ليس كل ما نسمعه أو حتى نراه ... هو الحقيقة ...).
هزت وداد رأسها ثم طالبتها بفضول حارق أخفته خلف رشفة من القهوة السوداء المنسمه بأعشاب خاصة وبدون سكر.
)وماذا كان رد فعل السيد أثير؟).
خُيل لوداد أنها لمحت شبح بسمة على طرف ثغر ضحى المطرقة على كأس اللبن الأبيض والذي يتصاعد منه بخار حار، بينما هي تضيف بضع قطرات من القهوة  لتغرق مقلتيها الساهمتين، مع الدوائر السوداء التي راحت تبهت كلما امتزجت ببياض الحليب فتروح بذكراها إلى نفس اللوحة الفنية الإلهية في مساء ذلك اليوم  وهي تجالس عائلة عمها تشاركهم الحديث، وإن لم تسترجع قدرتها على الضحك بعد، لكنها تعودت على الاندماج مع أحاديثهم المسلية وكأنها لم تُهَن كرامتها قبل ساعات ولم تمرغ سمعتها وعفتها في الوحل.
☆الماضي☆
كانت تتأمل نفس مشهد تمازج بياض الحليب بقطرات القهوة حين علا رنين هاتف البيت، فأسرعت الصغيرة أميرة لترد ببسمة حلوة، ظنت أنهم ربما أهلها من يهاتفونها بعد أن أخبرهم عمها أن هاتفها ضاع منها، متجاهلا تفاصيل أخرى قد تنهكهم بالهم دون جدوى.
)إنه لك دودو...).
نطقت الصغيرة تبتسم بحلاوة، فقامت والكأس بيدها وتحركت زوجة عمها توضب المائدة وتجمع المواعين.
التقطت السماعة منتظرة صوت والدتها أو والدها كما العادة لتجفل حقا من نبرته الجافة وهي تهز سماعة الهاتف.
)هل اشتريت هاتفا نقالا؟).
ظللهما الصمت ولا يُسمع سوى صوت جهاز التلفاز والجميع قد تفرقوا كل إلى  أشغاله، فلم يبقى سوى الصغيرة التي عادت لمتابعة الرسوم المتحركة.
)هل اشتريت الهاتف اللعين!؟).
أعاد سؤاله بغضب جارف، لتنطق باقتضاب جامد.
(لا!)
كان ردها خافتا رغم جموده، فنطق بنبرة آمرة.
)إذن اخرجي حالا ...أريد التحدث إليك!....).
)لا!).
نطقت بحزم مرة أخرى، فتعالى صخب زفيره عبر الأثير، لتفسر له بصدق.
)لا أستطيع الخروج دون إخبار أهلي عن وجهتي… ولن أكذب عليهم.....وبالطبع لن يقبل أحد خروجي لمقابلة رجل غريب دون تفسير مقنع... ).
أخذت رشفة من الكأس وطوقته جيدا ليحرق راحة كفها، فتتذكر كل آلامها كسد منيع لما بدأت تكتشف أنه يتسلل إلى أحشائها بريبة.
)حسنا! لماذا لم تشتري هاتفا؟).
تحدث بنبرة أقل حدة فهزت كتفيها وكأنه يراها ولم ترد.
تنهد مستطردا.
)أليس هناك هاتف نقال تستطيعين استعارته! ... اعطني رقمه وسأتصل بك ...).
فكرت لبرهة فأتته همسته الأجشه.
)من فضلك!).
بلعت ريقها والتفتت ترمق هاتف زوجة عمها ثم ردت بهدوء.
)سجل الرقم ...لكن احذر فهذا لزوجة عمي وسأطلب منها أن تعيرني إياه ... ولا تتصل عليه مجددا.. وسأبتاع هاتفا جديدا...).
دون الرقم ولم تضع سماعة هاتف البيت حتى انطلق رنين هاتف وفاء، فزفرت بقلة حيلة لتتحدث في نفس اللحظة التي عبرت فيها المعنية عتبة الغرفة تظن المكالمة لها.
(هلا أعرتني هاتفك من فضلك؟... السيد أثير يريد التحدث معي وأنا أعطيته رقمك...).
ابتسمت لها بمكر فتهدلا كتفاها حرجا ويأسا، فمنذ أن قصت عليها حقيقة ما حدث في حادث هجوم طليقها عليها وقد تغيرت نظرتها السابقة كليا عنه، وبدأت بإلقاء عبارات مزاح عن الفارس المغوار وشهامته.
(تفضلي... ردي عليه قبل أن يخرج من الهاتف ...).
أمسكت به ضحى وخطت نحو غرفتها.
(لماذا كل هذا التأخير؟).
صدح صوته بقوة فأبعدت الهاتف قليلا عن أذنها وهي تضم قسمات وجهها امتعاضا، ثم اعادته ترد ببرود.
(ماذا تريد؟).
تنفس بصخب مجددا ثم رد عليها بحزم.
(اخرجي إلى الشرفة!).
قطبت بحيرة وهي تستدير تلقائيا نحو الشرفة وكأس القهوة لا يزال رهين كفها.
(لماذا؟).
(انظري إلى الشارع على يمينك بالجهة المقابلة...)
تطلعت من بين قضبان الشرفة المزخرفة لتلمحه مسندا صدره على سيارته السوداء والهاتف على اذنه، بينما مساعده في مقعده خلف المقود.
(ماذا أخبرتكِ به؟).
تسلل همسه داخل أذنيها فعبرت رعشة لحظية من خلال عروق دمائها، وردت بعد لحظة سكونها المعتادة.
(ألم تقرأ الملاحظة؟).
تحرك فضيقت عينيها بتركيز لتكتشف أنه يسحب شيئا ما توقعت ماهيته.
رغم بعده إلا أن الصورة كانت واضحة تحت عمود الإنارة.
رفع رأسه من على تلك الورقة لينظر نحوها وكأنها ليست بعيدة، وكأنه ينفذ عبر ركود مقلتيها ليهزه من قاعه الساكن فيرجه رجا.
(أعتذِر لي من عائلتك ... لكنني لن أقبل هدية باهظة الثمن ... وعلى أي حال انا لا أحب *الياسمين الهندي*...وردة الفتنة....قوة رائحتها تسبب لي الحساسية و.....الدوخة! ).
سماع كلماتها بنبرته الرزينة ذات البحة الرجولية ضاعف من إحساس القشعريرة الذي غطى بشرة جسدها.
(ماذا يجب أن افهمه من هذا؟).
سألها بهدوء زائف، فردت بتماسك متجاهلة كل ما يثير من صراعات داخل نفسها.
(وهل الكلمات بتلك الصعوبة في الفهم ؟).
(ما المقابل ؟).
سأل باقتضاب فشعت قسوة نبعت من صلب ركود بنيتيها بينما تجيب ببرود.
(إبعاد الساقطة عن ابنهم قبل أن يخرجها هو بطريقته بعد أن ينتهي منها ويرميها خلف ظهره بثمن أبخس مما في الشيك.... ).
انقطعت أنفاسه وهي تتلكأ لحظة وجيزة جدا لتكمل بقسوة مدفوعة من صميم صدرها الذي تخلى عن تبلده كليا في تلك اللحظة.
(كما هي عادته مع نسائه ...).
ابتعدت عن الحاجز وهي تضم الكأس إلى صدرها قبل أن تنهار على ركبتيها وعينيها جاحظتان في الفراغ، الصراع محتدم بين ما يعتريها من خيبة وألم ووجع، وبين رفضها لكل ذلك، ما الذي يحدث معها؟
لقد كانت واضحة مع نفسها!
الوفاء بوعد ثم الانسحاب لتعيش حياتها بهدوء!
لماذا إذن كل هذا الحنق والخطة في مسارها الصحيح!
لقد سجلت للتو هدفا سيدفع بالخطة خطوات ضخمة نحو المرمى، اذن لماذا كل هذا الحزن؟ حتى انها لم تشعر هكذا حين اكتشفت حقيقة زوجها السابق، من ظنت أنها أحبته ومنحته قلبها، بل واجهته بالغضب ثم التمرد ثم الاستسلام التام للتبلد كمفر من مشاعر الذل والقرف والاستهجان، فلماذا تشعر  وكأن القمر هبط من عليائه  بكل نوره وتكسر أمامها إلى آلاف الأحجار المظلمة؟
أين يكمن الخلل؟
(الو .. الو .... ردي علي ... الو!!).
شهقت بحدة ليهتف هو بحدة أقوى.
(لا تبكي!).
تجمدت بصدمة وقلبها يكاد يقفز من صدرها على اثر دقاته النافرة، حركت رأسها بتمهل مرتعش، حتى نظرت إلى الكأس بجحوظ مقلتيها، وضعته بروية على الأرض بيد ترتعد، بينما كفها الأخرى جامدة حول الهاتف على أذنها، لترفع الأولى الى وجهها تتفقد سبب صدمتها، تتيقن إن كانت تلك فعلا دموع، ماء مالح جفت ينابيعه قبل سنوات حتى اقتنعت انها فقدت القدرة على البكاء.... إنها تبكي حقا! يا الله ! إنها دموع حقيقية تجري على وجنتيها!
(تحدثي الي .... من فضلك ... كفي عن البكاء...).
(أ ....نا ... أنا ... أ...بكي...).
(اهدئي من فضلك... اهدئي ...).
بات انفعاله واضحا بين نغمات نبرته، لتحدثه بسهو مصدوم.
(أنت لا تفهم .... أنا أبكي ... هناك دموع حقيقية ... ماء مالح يجري فعلا على وجهي... ماذا يحدث لي؟).
بدا لها كأنه ارتبك لكن رجلا بمثل نباهته لم يكن ليفوته المعنى، مما جعله يتساءل هل تعاني من نكسة ما! أم أنه انهيار متأخر!
(اهدئي لنتحدث ... ).
حاول مجددا لكن وفاء كانت قد دخلت عليها الشرفة مهرولة بعد أن بلغتها احدى ابنتيها عن بكاءها المخيف.
(يا إلهي ضحى! ما بك حبيبتي !.... اهدئي!).
هوت جوارها تضم جسدها المرتعش غير مصدقة لحالتها، وما إن تذكرت الهاتف حتى سحبتها من بين كفها وأذنها حيث تجمد كقطعة جليد.
(الو .. سيد أثير!).
هتفت وفاء بغضب قبل أن تكمل باستنكار.
(ماذا أخبرتها؟... لم يسبق لي أن رأيتها في مثل هذه الحالة.. ماذا فعلت بها؟).
وصلها صوته مترددا كما لم يكن من قبل وهو يجيبها.
(أنا أعتذر سيدتي... لكن لا أعلم ماذا بها؟).
(حسنا الى اللقاء سيد أثير....).
اقفلت الهاتف وألقت به، لتطوق الجسد الجامد بقوة، تهمس لها بآيات بينات حتى هدأت واستكانت بين ذراعيها ورأسها على صدر زوجة عمها باستسلام مريب.
(ماذا حدث دودو؟... ما بك حبيبتي؟).
لم تجد سوى الصمت ردا للحظات طوال قبل أن تهمس بتقطع.
(القمر... بعيد....منير... جميل كالحلم... لكنه... قريب... مجرد حفر.. وظلمة.... لقد انكسر شيء ما هنا!).
أحنت وفاء رأسها لتنظر اين تقصد، فوجدتها تضع يدها على صدرها تتنهد بتعب وهي تعيد كلماتها بهمس مجروح يحمل بقايا شهقات مؤلمة.
(هنا يؤلمني..  يؤلمني جدا ...جدا...).

منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الإثنين يوليو 01, 2019 9:30 pm

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_1277re2xn0

الفصل الخامس

بعد لحظات...
استقامت وفاء بجذعها بعد أن تأكدت من تغطية ضحى المستلقية على سريرها متقوقعة على  نفسها، تغمض عينيها وكأنها نائمة.
همت بمغادرة الغرفة وهي تفكر بقلق من انهيارها المفاجئ ذاك، لكنها تنهدت بقلة حيلة ووضعت هاتفها  الذي لم يهدأ عن الاهتزاز طوال الوقت بنفس الرقم على المنضدة الصغيرة المجاورة للسرير.
وانسحبت تغلق الباب من خلفها عسى أن تمر الأزمة بسلام ولها أن تختار بنفسها هل ترد عليه أم لا!
أُغلِق الباب وفتحت مقلتيها تحط بهما على الهاتف بشاشته الوامضة باستمرار فوق المنضدة القريبة منها، ظلت على تكومها البائس على نفسها ومع كل شعاع نور يعلو الشاشة تتشكل أفكار من العدم فتبدأ رحلتها مباشرة نحو القلب.
*أنت منهارة يا ضحى... منهارة !! ...لأن تمثال الرجل المثالي الذي شيّدْتِه في داخلك لأثير على أساس حديث والدته عنه ...وقع وتكسر إلى أحجار صغيرة .... لم تشعري به وهو يتسرب كدواء تشرّبه كيانك في وقت كنت فيه مشتتة ...ضائعة ...مريضة في فترة نقاهة ...كانت سيرته الطيبة على لسان والدته الهواء النقي الذي تنفتسه وسط جو خانقٍ مُلوث...كان العقار السحري الذي أخذت منه قطرة قطرة.... حتى بات أثير كما لقبته  وفاء ...الفارس المغوار ... عكس كل ما مثله لك ذلك الحقير من عذاب في حياتك ... كان يجب أن تعلمي ذلك حين وجدتِ في نفسك العليلة...تقبلا وتفهما... بل وفرحة دفينة واستجابة خفية لِلقَب الفارس المغوار... أفيقي يا ضحى! ... أن تخطئي مرة لا عليك!
لكن أن تخطئي نفس الخطأ مرتين... عيب عليك! ...**
انسحب كفها يلتقط الهاتف الذي لا يكل ولا يستسلم، ثم وضعته على أذنها بعد أن فتحته، واكتفت بالصمت كما فعل هو الآخر، ظلا على حالهما لدقائق حتى قرر النطق بهمس تخللته نغمة غريبة أشعرتها بعظيم ما سيبوح به على نفسه.
(أنا لست ... أقصد... لا أدري كيف أقولها ... لست كما قلتِ... أقصد قالت ... لست كما قالت تلك المرأة....).
(تلك المرأة تكون من عائلتك ...).
*ماذا تفعلين يا ضحى؟... هل فقدت عقلك؟... عن ماذا تبحثين؟!* لازال عقلها يزجرها حين سمعت جوابه الغاضب.
(أجل... إنها زوجة أبي ... لكنها لا تعلم عني شيئا... أنا... يا إلهي لا اعلم حتى لما أخبرك بهذا؟).
(أنت محق ... لست مضطرا لتبرير حياتك لي... ).
*حسنا لقد بدأت في تمالك نفسك* شعرت حقا بالرضى حين اختفى صدى أنفاسه حتى ظنت أنه رحمها أخيرا وابتعد، لكن أمل حكمتها خاب بينما جنون في عمق أحشائها يهتز برقصة الظفر.
(ما الذي أحزنك؟.... لماذا نزلت دموعك؟).
*لأنني حمقاء لا أتعلم من تجاربي بل من مصائبي ...ولأنني ظننتك ملاكا نزل من السماء... لأنني...!* تجاهلت لسان حالها لتحرك لسان ثغرها بكلمات يملأها الفراغ.
(ربما لأن أحدهم نعتني بالساقطة... ).
فرت الحروف من بين شفتيها وهي على وضعها لا تتحرك، مقلتيها ترنوان نحو فراع الظلمة من حولها.
(لا تحزني.... فهي دوما بذلك الصلف ...).
*هل كانت تلك النبرة... نبرة خيبة؟*... مر ببالها خاطر فسألته دون أن تجد في نفسها دافعا لتلجمها.
(ما الذي يحدث في عائلتكم وفي هذا الوقت بالضبط؟).
(ماذا تقصدين؟).
سأل بريبة فردت بجمود.
(زوجة أبيك أخبرتني بأن توقيتي سيء ...ولولا ذلك  لتركت الامور تأخذ مجراها المعتاد ...بأن تلهو بي حتى تمل وترميني خلف ظهرك....)
(أنا لا ألهو بأحد!).
همس بفحيح استشعرت صقيعه، فأغمضت مقلتيها على دموع ساخنة سالت دون توقف وكأنها تبكي سنواتها الماضية.
(لا يهم ....من فضلك أريد النوم ...).
(لا! ... أنت ستنصتين إلي ولن تقفلي ذلك الهاتف اللعين..).
بلعت ريقها مع مرارة دموعها، تسأل بحشرجة لم تستطع بلعها هي الأخرى.
(لماذا؟!).
تعالت أنفاسه مجددا، وكأنه يخوض معارك خاصة تكاد تزهق روحه الأبية.
(اسمعي... انسي ما قالته لك ... هي لا تعلم شيئا ...هم لا يعلمون أي شيء عني ....وأنت ... أنت لست كما قالت ... فكفي عن البكاء ....).
مسحت شفتيها ودموعها تأبى عن التوقف، لا تعلم ما بها حقا لكنها فقدت اللجام وأفلتته من يديها.
(هل تسمعينني ؟... ض... ضحى....).
(بلى .....).
همسة نطقتها كزفير ناعم، استجاب له بتنهيدة عميقة شقت سبيلا منبسطا عبر أحشائه.
(من فضلك ...أنا تعبة... أريد النوم ..).
صمت للحظات يتبادلان فيها هسيس انفاسهما حتى نطق بوجوم واضح.
(حسنا ...تصبحين على خير....).
همت بغلق الهاتف لكنه عاد ينادي اسمها بنبرة أجشه، هامسة، ثابتة.
(ضحى!....).
نبض قلبها بقوة، فشهقت كرد دون وعي.
(لا تفكري كثيرا.... ونامي جيدا ...وكفي عن البكاء.....).
بللت شفتيها وبلعت لعابا ترطب به حلقها الجاف مرتين ثم همست قبل ان تدوس على زر الإغلاق.
(إن شاء الله.... ).
أعادت الهاتف إلى مكانه ثم سحبت طرف الغطاء حتى فوق رأسها.
كل ما يدور في عقلها همساته لها بعدم البكاء وباسمها، لكن عقلها أبدا لم يكن غائبا يرسل إشارات تحذيرية أن ذلك الرجل مهما كان خارج حسبة حكمة عقلها، فهو إن كان سابقا بثرائه خيارا غير محبذ، فهو الآن بثرائه و صيته خارج نطاق الخيارات مطلقا وكم آلم ذلك قلبها الذي على ما يبدو اختار أن يستيقظ من سباته أخيرا وفي توقيت سيء، سيء جدا ربما بعد كل شيء تلك المرأة محقة وتوقيتها سيء... قلبها الغبي!!
قلبها الغبي عذبها وهي تمشي خطواتها المدروسة، أسبوع كامل لم تتجاوز فيه عتبة بيت عمها،
تختبئ؟ ربما!
خائفة؟ جدا!
مترددة! أبدا!
ما تفعله هو الصواب سواء في ما يخص الخطة، أو ما يخص قلبها الغبي.
أجفلها رنين الجرس من عمق صخب أفكارها، تركت السكين على سطح طاولة المطبخ حيث كانت تقطع مكونات السلطة، بينما زوجة عمها قد غادرت لتأتي بصغيرتيها من المدرسة، سحبت شالها تلفه على راسها كيفما اتفق، وفتحت الباب.
تسارعت نبضات قلبها بحياة مستحدثة أصبح يعيشها مجددا، وهي تنظر الى المرأة الباسمة ببشاشة ذكرتها بأخرى أكبر سنا وأكثر تعبا.
(إذن... هل ستظلين مصدومة  هكذا كثيرا؟؟).
كانت تود لو تخبرها بأنها ليست مصدومة، فلقد كانت في انتظار شيء ما، لم تعلم ما هو تحديدا، لكنها فقط مدهوشة أن يكون ما تنتظره زيارة الدكتورة كنزة.
تحدثت بالتزامن مع إشارتها لها لتدخل.
)اعذري قلة تهذيبي .... لكنني تفاجأت...).
ضحكت ببشاشة كالعادة واستدارت نحوها بنصف التفاتة وهي تزيل حذائها لتطأ السجاد المحلي الصنع، تجيب بمرح ماكر.
)كان ذلك الحل الوحيد... بدل أن يفقد أثير آخر ما تبقى من ذرات عقله ..ويأتي بنفسه ..).
آه من قلبها الغبي! ارتعش مكانه مع ذكر اسمه، فتجاهلته، تجاورها على الأرائك المنتشرة عبر الغرفة، مطالبة بملامح مغلقة.
(ولماذا!).
رمقتها بنفس النظرة المرحة الماكرة وهي تجيب.
(لا اعلم! ربما لأنك أغلقت على نفسك في بيت أهلك... وتغيبت عن عملك وليس لديك هاتف....هل هناك من ليس لديه هاتف الآن؟).
ردت ضحى بجمود غلفت به تأثرها.
( ولماذا يهمه غيابي عن عملي؟ لا افهمه حقا؟.... سأحضر لك الشاي..) أمسكت بيدها واعادتها الى مكانها، تخبرها بلطف..
(لا داعي ضحى...أتيت  لأتحدث معك....).
 ثم رمقتها بعين معاتبة وهي تستدرك.
(اثير اخبرني عن زيارة زليخة...).
رمقتها بنظره ذات معنى، وهي تقاطعها بجمود.
( يبدو انه يخبرك عن كل شيء....)
ابتسمت ببعض من الحزن وهي ترد.
(بلى...هو ابن اختي... لا أكبره بالكثير  ...لذلك علاقتنا أقرب الى الصداقة....).
أومأت ضحى بصمت، فربتت على ركبتها وهي تكمل بلطف.
(لا تحزني من زليخة ... للأسف هذه هي شخصيتها ... قاسية متكبرة ... وتصرفها ذاك متوقع خصوصا في هذه المرحلة....).
لفتت انتباهها بكلماتها الغامضة، فبادرتها حين صمتت وكأنها تفكر في شيء ما.
(أخبرتني نفس الشيء ولم أفهم... إذا كانت بالفعل تخشى على ابن زوجها.... فلماذا تسمح له بتلك العلاقات المشبوهة؟... ).
وجمت كنزة فجأة، لتجيبها بجمود جعل ملامحها أقرب شبها  بشقيقتها.
(أولا أثير لم يدخل في علاقات مشبوهة من قبل..... أعترف أنني كنت معارضة طريقته مع النساء في حياته... لكنها في النهاية  ليست حراما أو مشبوهة... أعرفهن واحدة واحدة... كان يحسن اختيارهن لما يريده ... زواج من دون توقعات فقط  ليحصن نفسه من الحرام... فيتفقان منذ البداية لا ذرية ولا استقرار ...بموافقتهن .... وكنت احضر دائما عند عقد القِران  .... لم يكن هناك خداع ولا سرية ولا أي شيء... بل يتفق مع من اختارها على عدم الافصاح لوسائل الاعلام.... لكن المقربين منا يعلمون بكل شيء... ).
تلكأت تبلع ريقها ثم استطردت بأسى.
(ابن اختي عانى في صغره ...وفي مرحلة فتوته ... تلك المعاناة أفقدته الثقة بأمور كثيرة... من بينها الثقة في منظومة الزواج... ولولا صحبتي له منذ الصغر... وما علمته من ديننا لكانت تلك الزيجات مجرد علاقات زنا ... لا قدر الله ... فها أنت قابلت زوجة والده... ولك أن تتخيلي كيف هو والده!....وبالمناسبة!..).
تذكرت ضحى فورا خاتمة وهي تصف زوجها بكلمات تبعت بالقشعريرة عبر أوردتها، ففرت من ذلك وهي تولي اهتمامها لبقية حوار كنزة.
(والد أثير إنسان بارد... لا يهمه سوى المصالح... لا مكان في قلبه للمشاعر.. هذا إن كان لديه قلب من الأساس.. وهو من كان ينهي اي زيجة لأثير إن شعر أنها تطول اكثر من المعتاد... فهو لطالما طلب منه أن يمتع نفسه بعيدا عن الزواج وما يجره عليه من أموال ومسؤوليات..).
تكومت ملامحها بانزعاج وهي ترمقها بامتعاض يخص حديثها.
)أراهن على أن أثير كان  يتزوج فقط كي يتمعن في إغاظة والده...).
زمت شفتيها لتكمل بعدها.
(على أي حال ... ما علمته من أثير.. أن والده يضغط على زليخة وابنتها ليتزوج الأخيرة... ).
ضيقت ضحى مقلتيها الواسعتين بخفة بينما تتحقق من أمر ما.
(رميساء؟).
علا ثغر كنزة بسمة مريرة وهي تجيبها.
(بلى... تلك التي سبقت والدتها بزيارتك ... لا تسيئي فهمي...).
لوحت بكفيها الصغيرين وهي تكمل بحنق لم يناسب ملامحها البشوشة..
(لا أحكم على الفتاة... فلولا تأثير والدتها لاختلف الأمر.. لكن المسكينة الآن مجرد نسخة مشوهة عن والدتها... وحقا هي وأثير لا يليقان ببعضهما... فهي تتوهم حبه بسبب والدتها ... بينما الأخيرة تخطط مع زوجها للمرحلة المقبلة ...).
لم تغادر الحيرة معالم ضحى فاسترسلت مفسرة.
(والد أثير سيرشح نفسه للانتخابات هذه السنة... ما فهمته من ابن اختي.. انهم وعدوه بالوزارة إذا نجح في الانتخابات ...ولأن أثير ألقى بالحقيقة في وجهه كالعادة دون مواربة... وواجهه بفاسده وعدم صلاحيته للمنصب ... أصبح كل همه تضييق الخناق على ابنه... سواء في عمله او حياته الشخصية... فيضمن عدم الإضرار بحملته الانتخابية...).
هزت ضحى رأسها بتفهم، فهي أعلم بما يستطيع ذلك الرجل فعله وكان الوحش الوحيد المخيف لها في تلك المعركة بأكملها.
(لكنني لا زلت لا أفهم ... ما دخلي أنا بكل ما يحدث مع عائلكم؟).
نطقت ضحى وقلبها ينبض بقوة لشيء ما تنتظره وتخشاه  بنفس الحجم..
(ألا تعلمين حقا؟).
سألتها ببسمة معاتبة، لكن ضحى ظلت على ملامحها المغلقة تنتظر.
(أحيانا أثير حين يقص علي أحداث أيامه ... لا يدرك مشاعره أين تتجه؟... وكثيرا ما كنت له مرآته المعاكسة لحقيقته ....).
ثم أطلقت ضحكة مشاكسة أعادتها إلى أول لقاء بينهما في عيادتها.
(منذ أن وقعت عيني المتسائلة على عيني أثير حول الورود السوداء ... علمت أن هناك شيئا ما مختلف... لمعة طفت على صفحة ظلمة مقلتيه... لمحة من شقوة ومرح افتقدتهما على قسمات وجهه... وأظن ذلك ما لاحظته رميساء هي الأخرى حتى خصتك بزيارتها لتتأكد من غريمتها... )..
(غريمتها؟)... رددت ضحى بعبوس غريب على ملامحها، وكون علاقاته شرعية لم يحسن من ذلك الكسر الذي هوى بداخلها عمق الكئابة.
أومأت كنزة تقول بنبرة حانية.
(أثير لا يلتفت سوى لما يثير اهتمامه... وكونه تدخل بنفسه في التحضيرات للمناسبة العائلية.... واقتنى بنفسه الورود ومن مكان لا يليق بمنظم الحفلات المعتاد للعائلة ... هذا بحد ذاته يضع نقاط تعجب كثيرة... دون ذكر  سواد الورود...).
ضحكت مجددا بمرح ثم استدركت من بين ضحكاتها.
(يا الهي كان يجب عليك رؤيه ردود الافعال .....وملامح من يبصرها مع أول دخوله .... لقد كانت تلك أول حفلة استمتعت بها حقا... وكما أثار تساؤلي ..أثار تساؤل باقي أفراد العائلة ... ولأنهم يعلمون بجميع خطوات أثير فلقد علموا بمراقبته لك... وبإنقاذه لك وبما فعله بطليقك...).
ثم حركت رأسها مؤكدة على ما تقوله.
( وكما علمت حينها... ولاحظت ما يعتري ابن اختي هم ايضا لاحظوا ...لذلك كان من الطبيعي أن يبحثوا حولك.... ولقد فعلوا وهم يعلمون عنك كل شيء ....لكن الغريب في الامر أن أثير غير مكترث ولا يهمه إن علموا عنك... أو كأنه يريدهم أن يتعرفوا على وجودك... امر واحد انا متأكدة  منه... انك مهمة لدى ابن اختي .... ولولا أنني لا أريد التسرع في الحكم لجزمت....  بانه يكن لك بعض المشاعر وخصوصا بعد جنونه اثناء اختبائك في بيت اهلك.... لقد اوشك فعليا على ان يأتي الى بيتكم... هل تتصورين ذلك؟... كيف كان سيبرر ذلك لأهلك؟  فاضطررت أن أواجهه .. وسالته اذا كان يكن لك مشاعر خاصة؟ ).
تغيرت ملامحها الى حيرة وعدم تصديق بينما تسترسل.
(تشنج ....ورأيت  في عينيه حيرته.... وجدال جدا عنيف عصف بثباته.... حتى اشتدت العتمة في ظلمة مقلتيه الطبيعية ... ابن اختي واقع في حيره عقيمه مؤلمة بسببك ....ولهذا اخبرته انني سوف اتي لزيارتك أولا كي يتراجع عن جنونه.... وثانيا  لنتحدث سويا... بصراحه انا خائفة عليك... وعلى أثير...).
سكتت تستجمع أنفاسها ولم تدري عن الأخرى التي قطعت خاصتها بما تخبرها به فلم تستطع إخفاء التردد في نبرتها..
(أتفهم خوفك على اثير... لكن لماذا تخافين علي؟).
هزت كنزة رأسها برفض، وهي ترفع كفيها ترتب بهما حواف حجابها الذهبي المناسب للون بشرتها الأسمر الفاتح، تفسر بصدق.
(حتى خوفي على أثير لا تفهمينه .... بعد كل ما حكى لي عنك... فهمت أنه يرى فيك اختي خاتمة رحمها الله ...).
أجفلت ضحى وارتبكت تشعر بنفسها مفضوحة، بينما الأخرى غافلة عن حقيقة ما يلوح لها من ارتباك وتوتر أرجعته لخجلها وخوفها.
(بلى يا ضحى... هو ينكر ذلك... ولكن أنا التقطت الإشارات منذ بداية ما أخبرني به....ما حدث بينك وبين زوجك من تعنيف وظلم... حبك لصنع حلوى العسل... وحتى عملك في مجال الورود... أنت صورة طبق الأصل من والدته... وهذا يخيفني في عدة اتجاهات ...).
رفعت أصابعها تعد عليها وضحى ترمقها بملامح جامدة، عكس قلبها الموشك على القفز من صدرها توترا.
(أولا أخشى عليه من فتح باب انتقام من والده ...كان قد أقفله بعد عذاب أليم... وتانيا أخشى عليه منك... إن كان هروبك منه لأسبوع فقط كلفه أعصابه المعروفة بالثبات... فما بالك إذا كنت غير مستعدة لمواجهة عقده وعدم فهمه لنفسه ومشاعره؟ ... وأنت نفسك تحتاجين لعلاج واحتواء بعد كل ما حدث معك.... هل فهمتني يا ضحى؟).
اخذت نفسا عميقا دون أن تحيد بعينيها عن وجه الأخرى المحتقن بجديته، ثم سألتها بضياع .
(ولماذا تخشين علي؟).
انزعجت كنزة من تجاهلها لسؤالها المبطن عن ما تكنه لابن اختها من مشاعر، علها تريح قلبها المشغول دائما عنه، لكنها ردت عليها بجدية فهي حقا تخشى عليها من بطش من لا يرحم.
(أخشى عليك من والد أثير....).
نطقت ضحى وقلبها مستمر في ارتعاشه خوفا إلى جانب أحاسيسها الأخرى.
(استغربت حقا عدم حضوره ليهدد هو الاخر....).
اصدرت ضحكة ساخرة مريرة وهي تجيبها بوجوم.
(عبد السلام الاجاويد يأتي إليك؟... لا يا عزيزتي... عبد السلام حين يقرر أن يقابلك ... سيحضرك ويلقي بك تحت رجليه...).
تذكرت فورا نفس الجملة من بين شفتي شقيقتها، والأخرى تكمل بإشفاق بعد أن لمحت توسعا طفيفا من مقلتيها إجفالا من كلماتها القاسية.
(قد لا تصدقي قولي... لكنه فعلا لا يرحم وإن قرر انك عقبة في طريقه... سيتخلص منك دون رحمة... لا أنكر بأن أثير ند له... ويستطيع حمايتك ... لكن والده أشد خبثا... ويتخذ طرقا ملتوية لتحقيق أهدافه... وهذا يثير الفزع في قلبي ...نحوكما معا...).
سادت لحظات صمت بينهما وكلتاهما تناظر الأخرى بتمحيص وتفكير، الى أن قاطعتها ضحى تستفسر بحيرة.
(بما أن زوجة اخيك عرضت شرائي بالمال ...فلقد قرروا بالفعل أنني عقبة.. إذن ما الذي يؤخر السيد عبد السلام الأجاويد هذا عن إيذائي؟).
مرت لمحة من القسوة عبر ملامح كنزة قبل أن تعود لتأملها بقلق وهي تجيب.
(لأنه طوال الفترة الماضية كان في الخارج... ولقد عاد اليوم...).
فُتِح باب الشقة لتنطلق معه صيحات الصغيرتين، فاستدارتا نحوهن، حيث دخلت من خلفهن والدتهما التي ابتسمت ببعض من الدهشة ما إن لمحت الضيفة وتذكرتها.
قامت كنزة تكمل حديثها بهمس لضحى وهما تسيران نحو وفاء.
(عودي لعملك غذا ...أو اشتري هاتفا .... إلا ستجدينني فوق رأسك كلما قرر الآخر ان صبره قد نفذ...).
وقفت أمام وفاء تحدثها ببشاشة عادت إليها بتلقائية وهي ترمق الصغيرتين الباسمتين برقة.
(مرحبا بك سيدة وفاء... أظنك تذكرتني ...).
قبلت وجنتيها برسمية تتبادلانها النساء كمصافحة ودية، وهي تجيبها بلطف.
(طبعا اذكرك... وأنت مرحب بك في منزلنا....).
ضحكت تتحدث بمجاملة.
(جئت لأرى من أصبحت صديقتي ولم تكثرت يوما بزيارتي...حتى أنها ليس لديها هاتف ...هل هناك من ليس لديه هاتف في هذا الوقت؟).
بادلتها وفاء الضحك وهي ترد عليها بمودة بينما تسحب علبة ما من حقيبتها.
(انت محقة .... لهذا اشتريت لها واحدا كالذي ضاع منها ... فهذه الفتاة محبة للأنتيكات على ما يبدو....).
غردت كنزة بضحكة رنانة حتى دمعا طرفي مقلتيها، وهي تشير إلى الهاتف من النوع الجيل الأول، حتى أن البسمة زحفت بظلها على ثغر ضحى.
(محبة للأنتيكة فعلا.... هل أحضرت لها رقما ...أعطنيه من فضلك...).
أومأت وفاء وهي تحاول التوقف عن الضحك، بينما تسحب البطاقة وتريها لكنزة التي سجلته وهي تبتسم براحة وظفر انتشر عبر صفحة وجهها الضاحك.
(إلى أين انت ذاهبة؟ ... من فضلك ابقي لتتغدي معنا ...).
كانت تلك وفاء تطلب منها بلطف، لكنها أبت، تنحني لترتدي حذاءها وهي تجيب.
(شكرا لك ... لكن هناك من ينتظرني على ناصية الشارع... ولقد تأخرت بالفعل... مع السلامة... ).
رمقت ضحى بنظرة ذات معنى ثم غادرت، فاستدارت وفاء تسألها بمكر مرح.
(من ينتظرها على ناصية الشارع بالتحديد؟).
بللت ضحى شفتيها وفرت منها نحو الحمام وهي تجيب بأي كان.
(لا اعلم ... سآخذ حماما... لا تنتظروني على الغداء...).
ضمت وفاء شفتيها تشيعها بنظرات حائرة لا تخلوا من المرح، ثم نظرت إلى الهاتف لتقرر فعل ما تتجنبه الأخرى.
أدخلت الشريحة وتأكدت من أنه يعمل، ثم وضعته على منضدة زينة مرتفعة تتوسط الرواق المؤدي للحمام المشترك، وانسحبت وهي تبتسم داعية لها بالسعادة.
فتحت باب الحمام بتمهل وتسللت نحو غرفتها شاكرة الله على موقعها البعيد عن غرفة الجلوس والمطبخ، وفي طريقها لمحت الهاتف فتجمدت قدماها لبرهة قبل أن تخطفه بخفة وتكمل خطواتها الصامتة.
أقفلت الباب وتسحبت لتندس تحت الغطاء على سريرها، تكومت مكانها مطوقة جسدها المرتعش بذراعيها بينما كلمات خاتمة ترن في رأسها كجرس إنذار آن أوانه.
**لا تجبُني ضحى!... عند اللحظة المناسبة كوني قوية.... من أجلي ومن أجلك.. لا تظني للحظة أنك وحيدة... هناك الله أولا وأخيرا... لن يتركنا لأننا على حق... ثم هناك من سيكون مساندا لك ... وأثير لا تستخفي به بنيتي... هو مفتاح انهيار الظلم... لا تجبُني ضحى! لا تجبُني!).
ازداد تكومها تحت الشرشف ترتعد وكل الأفكار تنهال على رأسها دون رحمة، ماذا سيحدث!
لقد حان الوقت!
قرر انها عقبة!
وعمل تحقيقا بالتأكيد وقرر انها ليست فقط عقبة! بل وتهديدا أيضا! لابد أنه قرر ذلك! لابد وأنه علم بكل شيء وآن الأوان!
بلعت ريقها وضمت شفتيها تمنعهما من رعشتهما، وشيء ما في ذلك الوضع يذكرها بماضيها، الخوف والرعب يحرقان أعصابها.
أين التبلد؟ لقد كان جدارا منيعا، مضادا لكل تهديد! كل شيء بسببه، أثير الأجاويد جردها من تبلدها وبرودها وتركها ضعيفة ترتعد من الخوف، والقصة قد أوشكت على الانتهاء.
هي مدينة لها بذلك، ألم توفي هي بجانبها من الوعد؟ الآن حان دورها لتفي بوعدها، تدين لها بذلك!
أهتز بدنها حين انطلقت نغمة الهاتف واتسعت مقلتاها ترمقه وكأنه سيخرج لسان حية يلدغها به.
مدت يدها من تحت الشرشف الملتفة فيه من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها تمسك بالهاتف، ترنوه بنظرات ساهمة حتى  انقطعت انغامه لتنطلق مجددا، فتقرر الرد أخيرا.
(ضحى! .... ضحى!...)...
نطقها مرة بلهفة وأخرى بعتاب ثم صمت ينصت لهسيس أنفاسها، كيف يتبادل المرء مع غيره حوارا من خلال أنفاس متلاحقة؟ كيف تتواصل القلوب فيما بينها بصمت؟
(كيف حالك؟).
همس بنبرة لم تخلو من العتب، لكنها لم ترد ترمق الفراغ المحيط بها أسفل الغطاء بضياع.
)ضحى!).
همس مجددا فاحتدت أنفاسها قبل أن ترد بخفوت بالكاد التقطه من بين لهاثها.
)أنا...خائفة....).
تعالت أنفاسه بدورها ليرد بنبرة قوية من بين فكيه الذين تتخيل لحظتها شدة إطباقه عليهما.
(إذن صدق حدسي.... أنت تختبئين مثل أرنب مذعور... كنت اعلم ذلك... لم تفعلي نفس الشيء حين كان ذلك الحقير في أثرك... ليعيدك إلى جحيم حقارته ... فما الذي تغير الآن؟).
(أنت!).
لم تعي ما نطق به لسانها حتى اندفع صوت شهقته المجفلة عبر نفق اذنها السمعي، لتجحظا عينيها تلقائيا، فيطالبها هو بتردد غريب عليه..
)أ... أنا؟!).
بللت شفتيها ثم ضغطت عليهما تلعن غباءها وخوفها اللذان سيفضحان كل ما تخفيه من عواصف دمرت جميع حصونها وتركتها بلا حيلة ولا حكمة.
)م... ماذا بي أنا؟).
سأل مجددا وهي صامتة لا تستجيب له فحاول يحثها.
)ضحى! .. تحدثي ... أريد أن أفهم.. من حقي أن أفهم...)..
أسدلت جفناها تعصترهما على دموع يبدو أنها جفت بسبب صدمة اللحظة، ثم همست بخفوت.
)انا لا أعلم.... أنا حائرة... تائهة... وأنت لست بأفضل مني..  لا تعلم ما تريده؟... وحتى أنك لستَ كما ظننتك!).
ألقت بالهاتف بعد أن أجفلها الذهول بما صرحت به وهو يهتف بانفعال من خلال الأثير.
)ماذا تقصدين؟... كيف لست كما تظنين؟).
انقطعت أنفاسها فقبضت على صدرها ترمق الهاتف جوارها برعب، بينما صوت هتافه يصل إليها مطالبا بجزم ولهفة.
)لقد صدقت تلك الأفعى... ألم تخبرك كنزة بكل شيء؟ ... ك... كيف؟... ماذا كنت تظنين بي؟... ضحى ؟... تحدثي .... تحدثي!).
استغربت تفويته لمعنى حديثها، فأطلقت سراح زفير جَرح مسلك فراره نحو الحرية، لتقرر إنهاء المكالمة فحالة ضعفها لا تساعدها إطلاقا وستدمر كلما خططوا له منذ سنوات حتى قبل أن تكون هي البيدق الأخير على رقعة المعركة.
)اسمعني! ...).
نطقت بخفوت فسكن سوى من أنفاسه اللاهثة، استطردت بنفس الهمس المتوسل.
)سأداوم غدا بإذن الله ....).
حال بينهما الصمت مجددا، ليزفر باستسلام وكأنه تفهم وضعها، أو أنه بكل بساطة سيترك كل شيء للقائهما وجها لوجه كما يريد فعلا.
(حسنا لا بأس! ... سأعرج على المحل... لكن إن لم أجدك هناك... فلا تلومي سوى نفسك.....).
همس بتهديد صريح وقطع الخط مباشرة، نظرت إلى الهاتف للحظات وجيزة قبل أن تلقي به تحت مخدتها، تغمض عينيها قسرا وتنكمش على نفسها أكثر تستمد الدفئ بعد شعورها الوهمي بالبرد خوفا من مجهول تعلم أنه يقترب منها.... يقترب جدا.
.......
☆الحاضر☆
(سيدة ضحى!)...
لم يبدو لوداد أنها تمكنت من لفت انتباهها، فأطبقت على شفتيها برفق تتأملها للحظات، لقد مر أسبوعان على لقاءاتهما، أنصتت أكثر مما تحدثت لأنها أعلم بأن الإنسان حين يعبر عن نفسه دون مقاطعة أو تدخلات يفضي بأكثر ما يحرق جوفه وصدره.
ابتسمت وداد وهي تمعن النظر في سهوها بينما كفيها تنظفان الورد بمهارة آلية، على الأقل هذه الفتاة أمامها تعلمت من كربتها ووجدت طريقا للاستقرار، ولكم تتمنى المثيل لمن اختارتهن بعناية لتتواصل مع كل منهن بالدور وهي مهمة صعبة، إن لم تصل إلى مستوى الاستحالة مع بعضهن.
)سيدة ضحى!).
نادتها مجددا حين تفقدت ساعتها لتعلم أن الوقت يكاد ينفذ منها، وقد حان وقت الرحيل من زهرة إلى أخرى والاستعداد لمواجهة تحد آخر.
أجفلت ضحى من سهوها ترمقها بضياع لحظي قبل أن تترك ما في يديها لتنهض من مكانها خلف المنضدة الرخامية، نظفت كفيها وخطت نحوها لتجلس في المقعد الفردي، تقول بنبرة تخلت عن الركود ولحقت بها مقلتيها التان تحركتا بوجل.
)ما حدث بعدها كان مخيفا.... صادما... مفاجئا .. وسريعا...).
هزت رأسها بتأكيد وهي تستدرك بينما تزيل عنها السترة السوداء ذات الخطوط الكريمية اللون، لتبقى فقط بفستانها بلون الكريما.
)كنت أعلم بأن هناك خطر قريب ...وأن المهمة قد أوشكت على الانتهاء ...لكن ذلك كان أقرب مما توقعت...).
لم ترخي جسدها كما تفعل دائما حين كانت تحكي بموازاة مع خيالها الراحل إلى ما عاشته في الماضي، بل بقيت متأهبة، واعية لكل كلمة تنطق بها.

☆الماضي☆
كان صباحا مشرقا، شمس صافية ورياح هادئة، طقس مثالي للمشي نحو المحطة التالية بعيدا عن الحي، هكذا فكرت وهي تغادر البناية نحو عملها، تستغل أطول مدة للمشي كي تفكر وتصفي ذهنها.
لكنها أبدا لم تكن متوقعة لما حدث على مقربة من المحطة وتحديدا عند ناصية أحد الشوارع الفرعية، حين امسكت بها كماشتين موجعتين أطبقتا على ذراعيها ولم تستطع حتى رفع رأسها حيث شعرت بسطح قماش يحتك بفتحتي أنفها لتتسلل رائحة نفاذة قوية جعلت أطرافها تسترخي بطريقة مخيفة مستسلمة لهوة مظلمة.
هناك لحظات تمر على الانسان مستحيل عليه نسيانها مهما مر عليه من وقت، ومهما تقلب في أقدار مفرحة، تظل تلك اللحظة بكل ما تحمله من رعب وخوف تعود عليه بومضات تنشر القشعريرة عبر بشرة جسده لتختفي مع تلاشي تلك الرعشات فيتجاهلها عمدا، مدعيا قوته على تخطي العقبات.
فراغ مظلم ووقت مستقطع من وعيها استيقظت منه فجأة على إثر ماء بارد استشعرته على  بشرة وجهها، فتصارع مقلتيها ثقل جفنيها باستماته، مقاومة وجعا يكاد يفتك برأسها وكان ذلك الوجع أول ما شعرت به قبل أن يئن باقي جسدها بآلامه المتفرقة على طول أطرافها المقيدة إلى كرسي حديدي.
)افتحي عينيك يا فتاة!... ليس لدي اليوم بطوله لأضيعه على حشرة مثلك...).
بلعت ريقها الجاف وهي تفتح عينيها على وسعهما ليكون أول من لمحت أمامها رجلا تعرفت عليه رأسا، وكيف لا تفعل وهو النسخة من ابنه ببدلته الأنيقة السوداء، طوله الملحوظ ووقفته الفخمة لا يفرق عنه سوى في شكل عينيه الضيقتين ذواتا النظرة الماكرة الحادة.
رفرفت برموشها بعد أن نزعتهما من عليه نحو ما حولها، جدران بطلاء أساس أبيض تدل على حداثة البناء ولا شيء آخر، توقفت على النافذة الكبيرة المحتلة لنصف الحائط المقابل لها والسماء بزرقتها تبلغها بعلو الطابق المحجوزة فيه.  
)هل انتهيت من فضولك؟... إذا فعلت أنظري إلى!).
عادت إليه ترمقه بخوف لم تستطع إخفاء، فمن أمامها أسوء الرجال وأحقرهم، البعبع في حكايات خاتمة، صورة أكثر قذارة من زوجها السابق، مصدر الشر والمسؤول عن كل ما حدث ولازال يحدث.
ارتعشت أوصالها وهو يقترب منها بتمهل ليميل نحوها قليلا بجسده، عينيه السوداوين الضيقتين تحاصران خاصتها، يستدرك بنبرة مستحقرة ساخرة.
)إذن... هل ستتحدثين أم أنك ستلعبين دور ضحية صدفة القدر علي أنا أيضا؟....).
تجمدت ملامح ضحى والشحوب قد كسى بشرة وجهها كليا، وهو يضيف بنفس التهكم السمج.
)فتاة الورود ... وحلوى العسل .... زوجة معنفة!...).
أمال رأسه قليلا ينظر إليها بتسلية ماكرة، وهو يسترسل.
)طُعم مناسب ... لرجل مثل أثير بكل دهائه وحنكته يسقط فيه راضيا... دون أن يعلم أن فتاة احلامه السرية ... ما هي إلا محتالة صغيرة...دربتها أمه وأرسلتها لتوقع به ... لكن!).
ضيق مقلتيه فأوشكتا على الاختفاء خلف الجفون المجعدة، وهو يستقيم بظهره، مكتفا ذراعيه يسألها باستحقار.
)هل يا ترى هي حقا دربتك ؟... أم انك استغللت صحبتها لتستعلمي عن حياتنا لتقتحميها بغباء فنستقبلك برحابة صدر يا.... حشرة!).
حافظت ضحى على صمتها وعقلها يفر منها الى منطقتها الآمنة، تستدعيها بكل ما أوتيت من ذرة خيال وذكرى لتبنيه كسور دفاع متين ضد رعبها من ذلك الرجل أمامها.
**لا تقلقي ولا تستسلمي .. لست وحدك ...بعد الله ... هناك من سيكون لك سندا ... فقط لا تستسلمي... **
)أنا أكلمك.... ومن الأفضل لك أن تبدئي بالتحدث....).
استجمعت بقايا أشلاء قوتها وأجلت حنجرتها الملتصقة بحلقها لتجيب بنبرة أقرب للحشرجة دون أن تحيد بنظراتها الراكدة من عليه.
)أنا لا أعلم عن ما تتحدث؟.... و... من أنت؟).
ابتسم في وجهها بقسوة ثم وفي لحظة خاطفة.
)آآآآآه!).
أنّت بخفوت وكفه تطبع شكلها بوجع على وجنتها ليتحدث بعدها بنفس الهدوء الساخر وكأنه لم يتحرك من مكانه بسرعة ليصفعها بكل قسوة.
)الجواب خطأ.... لنعيد الكرة مجددا... ونرى ... دعيني أنشط ذاكرتك قليلا...).
مال نحوها أقرب من وجهها ليهمس بفحيح مقيت.
)أنت سجنت في مدينة ****... في نفس السنوات الأخيرة  التي قضتها  خاتمة هناك.... وكنتما شريكتي غرفة واحدة.... ها! هل تذكرتِ الآن؟).
ومضت مقلتيه بحقد، فتحدثت ضحى بما حفظته عن ظهر قلب، وجدار التبلد يعلو من رماد انهياره مع أول ألم شعرت به من صفعته.
)شريكتي في الغرفة... اسمها فضيلة رحمها الله ... هي من علمتني كل ما يخص الورود .... علمتني حرفة اعتمد عليها بعد خروجي من السجن... ما علاقتك بها؟... ولماذا تسألني عنها؟؟).
**طرااااخ**
صفعة أخرى حطت على خدها جعلت رأسها يرتد الى الجانب المعاكس، فيعلو الجدار أكثر وقلبها يشتد عوده أكثر، فتزيد ثقتها بما تفعله.
اقترب من وجهها مجددا يخبرها بغيظ غلفه ببسمة شهوانية مقززة.
)لقد بدأت استمتع ... وصفعك أثار حماستي...  أنكري بعد وسيتحول لقاءنا هذا إلى شيء أكثر متعة... شيء يذكرك بزوجك السابق... المسكين ألقيت به في السجن دون رحمة كما سببت له بعاهة في منطقته الحساسة ولماذا؟... لأن حشرة مثلك لم تتفهم حاجات رجلها الخاصة... لكن لا بأس... سأعلمك أنا ما فشل فيه هو... وهكذا أضرب عصافير كثيرة بحجرة صغيرة لعينة واحدة!)..
تصاعد الغثيان عبر جوفها على إثر أنفاسه الساخنة والمختلطة بعطره ذو الرائحة النفاذة، لكنها لم تتزحزح عن صلابتها تنتظر الفرج وهي ترد باستفزاز كما تمنت أن تفعل مع زوجها السابق بدل اكتفائها بالصمت المتبلد.
)السيدة فضيلة حكت لي عن رجل أحبته بل عشقته ...وقدمت من اجله التضحية بعد التضحية.... حتى أنها سايرت شذوذه... وحاولت تفهم حاجات رجلها الخاصة... ).
نطقت آخر حديثها بسخرية جامدة أجفلته فارتد إلى الخلف مستقيما بظهره يرمقها بترقب وراه خلف قناع الجمود.
)أخبرتني عن شركة أسستها برفقته.... وبرفقة صديقتها وزوجها... شلة رباعية قوية الصلة ...صداقة عُقدت على باطل....أخبرتني عن عمليات استيراد البضائع المنتهية الصلاحية... وتغيير تاريخها قبل بيعها... حتى أنها أطلعتني عن قيمة الرشاوي التي اشتروا بها ذمة موظفين أصحاب مناصب مهمة وعن اسم كل واحد منهم... وللأسف بعضهم لازال يشغل منصبه بكل صلافة... حكت وحكت لي حتى جف حلقها المتآكل كما جميع أطراف بدنها... نهشه الحرام الذي قبلته على نفسها وغدت به لحمها ...).
أطبقت على شفتيها للحظة ثم استدركت بتعب، والخدر قد تفشى عبر جسدها من قسوة قيودها.
)أخبرتني كيف استيقظ ضميرها من سباته المؤقت.. حين أوشكت على فقدان ابنها من حمى خطيرة كادت تؤدي بحياته ... ابنها الوحيد ... وكل حياتها ....من جعل لبؤس عيشها معنى ...ولصبرها على قذارة زوجها الذي أحبته قيمة... أقسمت لربها أن تتوب إن منحها فرصة ... وأنقذ صغيرها من الموت... وكان شفائه رسالتها من خالقها كي توفي بقسمها ... وما زاد وأكد على قرارها... الصفقة التي كان زوجها يجهز لها لأدوية فاسدة... وما أسعدها أكثر أنها لم تكن الوحيدة التي رفضت ذلك... بل زوج صديقتها أيضا... يبدو أن ضميره هو ايضا استيقظ ... فلم يستطع أذية المرضى ... فكيف يزيدون على مرضهم وآلامهم أوجاعا أخرى؟ ... ).
لمحت حنجرته تتحرك لتعلم أنه غاص في ذكرياته المخجلة رغم جمود ملامحه القاسية.
عبّرت بتصميم وقسوة، قلبها ينبض بقوة بينما أنفها يتخلله عطر مختلف عن خاصة هذا الذي يقف أمامها كتمثال حجري، عطر عوّد صدرها على الانشراح والخضوع له قسرا فأكملت ببسمة انتصار لم يفقه الآخر معناها ولا مصدرها.
)تناقشت مع زوج صديقتها واتفقا  ...ونجحا في اقناع صديقتها... أو هذا ما ظناه قبل أن تغدر بهما ... وتبلغ زوجها  ليقلب عليهم الطاولة .... لتجد نفسها متهمة في قضية شرف ... مع زوج صديقتها الذي تمكن من الهروب... لتسجن هي... ولم يكتفي بذلك ... بل حرص على تمديد مدة سجنها بنفوذه الطاغي .... بتلفيق تهم جديدة داخل السجن كلما أوشكت مدة سجنها على النفاذ... لتقضي ما تبقى من حياتها في السجن وتلفظ فيه آخر أنفاسها دون أن تودع حتى ابنها الوحيد....).
صمتت ضحى تلهث بأنفاسها، شعرت به يتحرك من مكانه ليقترب فرفعت إليه رأسها، هالها ما لمحته من حقد في عينيه وهو يخبرها بتهديد خطير وصريح.
)إذن تلك الخائنة القذرة... قد أرسلتك لتنقمي مني أنا... أليس كذلك؟... ).
هز رأسه مؤكدا على تهديده الذي قابلته هي بصمت وجل..
)لكنها غبية ..ولم تتعلم شيئا من الماضي... وأنت ستلحقين بها حالا...).
عاد لتضييق عينيه من بسمتها الساخرة فرفع كفه بنية صفعها مجددا وهو يهتف بغل أفقده أعصابه...
)على ماذا تبتسمين أيتها ال..... ماذا؟).
صاح بصدمة وهو يستدير نحو من امسك بذراعه يمنعها عن غايتها، لتتسع مقلتيه الضيقتين بذهول يستفسر.
)أنت؟... كيف ؟؟... ماذا تفعل هنا؟.... وكيف علمت؟).
تشكلت بسمة باردة متهكمة على جانب ثغره وهو يجيبه .
)لطالما أخبرتك ... بأن لا تستهن بي يا .... والدي...).
نفض عنه ذراعي ابنه بعنف وهو يدير نحوه بقية جسده، ليهتف في وجهه بغضب.
)بل أنت من يستهين بنفسك... حين تمنح الحشرات فرصة لتحوم حولك كحاوية نفايات قذرة.... مثل هذه تماما! ..).
عض شفته السفلى دون أن يلتفت إلى من يشير إليها والده، ثم تنفس بعمق بينما يقبض على كفيه بشدة، يرد عليه من بين فكيه المطبقين.
)أقسم لك بأنني ألجم نفسي عن قتلك حالا بكل ما أوتيت من ذرة صبر... لقد سمعت كل شيء ... ووضحت الصورة أخيرا بكل قطعها المفقودة... ولديك نصف ساعة لتغادر فيها الوطن... لأن كل ما بحوزتي من أوراق إدانتك في طريقها إلى مكتب وكيل الملك.... ).
اهتاجت أعصابه وانقض على طرفي سترة ابنه العلوية يصيح بهستيريا.
)هل فقدت عقلك؟.... تبيع والدك من أجل ماذا؟... من أجل بضع ساقطات لا يصلحن سوى لتفريغ الشهوة والغضب؟!...).
لم يكلف نفسه عناء تخليص سترته من بين  قبضتيه، يهز كتفيه بكل برود والكلمات تنسل من بين شفتيه بسلاسة تناقض ما يشتعل في جوفه من نيران.
)أنت تضيع وقتك... والحقيقة لن تتغير وان كنت تعرفني جيدا... ستفر هاربا الآن نحو المطار مباشرة... ولا تنسى زوجتك الحقيرة لأنني لن أرحمها....).
بلل شفتيه وعينيه تدوران في جحريهما بزيغ، نفض عنه يديه وهو يدفعه متجاوزا إياه، يصرخ بينما يهرول مغادرا.
)ستدفع الثمن أثير... لن أنسى فعلتك هذه أبدا... ستدفعون الثمن جميعكم..).
أطرقت برأسها غير مصدقة لما حدث، وكأنما روح الفقيدة تحوم حولها، كل ما خططت له حدث بالحرف، صدقت ربها في توبتها ودعائها وصدقها الله مجيبا دعاءها.
تنفست برتابة، الزفير أطول من الشهيق لتهدأ دقات قلبها المتوثبة بجنون، شعرت به يلمس يديها فانتفضت ترفع رأسها بعينيها الواسعتين صدمة لتجد وجهه قريبا منها يهمس بثبات.
(اهدئي!... سأفك وثاقك...).
رمشت بهدوء ولهاثها في تصاعد كلما تلامسا أطرافهما، مسدت رسغيها دون ان تتحرك من مقعدها قبل أن ترفع يديها إلى وجهها تمسح عليهما، فتعدل أطراف طرحتها المبللة بصمت بينما هو جامد مكانه يرمقها بحيرة شعرت بها.
إنه يشك بها، لقد آن أوان اختيارها هي الأخرى، لم تكن تعلم أن تلك اللحظة سحتين بتلك السرعة!
هي حقا حائرة! انتظر! لا! ليست حائرة! هي تعلم ما يجب عليها  فعله، لكن شِق منها لا يريد ذلك! القلب اللعين مجددا سيتحكم في الأمور فيفسدها!
لا! لن تسمح له! مستحيل، ليس هذه المرة! لن تقدر على الصمود، ستهلك إن تركت اللجام لقلبها دون حكمة العقل، تماما كالمرة السابقة!
(إذن... هل لديك ما تخبرينني به؟.....).
تحدث بهدوء مترقب، تعرف تمام المعرفة أنه مثلها لا يريد سماع الحقيقة، كما تعلم أنه سيرضى بكذبها ويتغاضى عنه لغرض في نفسه، فقط لا تبوح به هي، حتى وإن شعر بوهم الكذب سيمثل دور تصديقها.
كانت لتفعل ذلك لو فقط كانت غبية بما يكفي ولم تتعلم درسها جيدا، لكنها ضحى الشعباوي، من نحتت الصخر كي تتعلم، من واجهت أكبر مخاوفها بفضل خالقها، حين عاهدته بأن تسير على طريقه ما استطاعت ثم سألته العون، وتوكلت عليه، وما عند الله لا يبتغيه العبد بالمعصية.
عبأت صدرها بالهواء وزرعت مقلتيها بصلابتهما المشتعلة عكس الركود الذي ألفه داخل الظلمة في مقلتيه هو فاهتزتا  توقعا لما ستنطق به وكل ما يدور في رأسها كلمات خاتمة، الخاتمة لعلاقتهما وهي على فراش الموت تلفظ أنفاسها الأخيرة، كلمات استغربتها حينها وما سيكون دورها في ما ستفعله لكن تلك المرأة كانت محقة بكل ما وضعته في الحسبان.
**أثير لا يغفر الكذب ... لا يغفر الخداع... سيكون أمامك طريقين ... اما نكران معرفتك باسم خاتمة العلامي والبقاء ... أو الاعتراف به والرحيل... لا تنسي بنيتي... فكري جيدا ... احسمي قرارك ... إما البقاء مع ذكرى فضيلة... إما الرحيل مع حقيقة خاتمة.... أثير لا يغفر الخداع... أثير لا يغفر الكذب...**
لم تستطع الوقوف وهي تحرك لسانها بثقة وتصميم.
(حين دخلت السجن... شاركت غرفتي مع سيدة مريضة... اعتنت بي وحمتني بفضل الله ... وعلمتني حرفة الورود... ثم اخبرتني عن قصتها... ).
كان يحبس أنفاسه فعليا، وصدره يتوقف عن حركاته الرتيبة، سترته اختفت ولم يبقى سوى قميص بزرين علويين مفتوحين بينما رابطة العنق مرخية بعبث عكس وقفته المتحفزة وهو يقبض كفيه على كلا جانبيه.
يجيبها بنظرات ذات معان كثيرة، لوم، خيبة، رجاء، أمل، و...خسارة.  
(لقد سمعت ذلك قبل قليل... وتعرفين ماذا أنتظره... ).

منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين Empty رد: اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين

مُساهمة  منى لطيفي نصرالدين في الأحد يوليو 07, 2019 4:55 am

اللؤلؤة الأولى : أثير الضحى - منى لطيفي نصرالدين P_12823l7eu0


الفصل الاخير

هزت رأسها مجعدة دقنها تجيبه بثقة...
(بما أنك سمعت كل شيء... فأنت تعلم بأنها لم تحب أحدا كما أحبت ولدها ...ولم تقترف ذنب الخيانة كما أوهموه ... وأيضا لم تمت في الوقت الذي يظنه... بل عاشت سنين طويلة تتجرع عقابها الذي تقبلته برحابة صدر كتكفير عن ذنوبها ... حتى عدم رؤية ابنها وسخطه عليها وهو يظنها خائنة ميتة ...اعتبرته من ضمن العقاب .... وظلت تدعو له في كل صلاة... مع كل استغفار وطلب للعفو.... ولم يكن رجاءها سوى مسامحة منه هو لوحده... بعد أن تقوم بآخر ما عليها فعله في رد المظالم ... وفضح الظالم..... ).
هالتها ملامح وجهه الجامدة، والاحمرار يزحف على بشرته السمراء، فكيه مطبقين بشدة بينما النظرة تحتد من مقلتيه المظلمتين.
رفعت وجهها بأنفة وقالت بقوة اكتسبتها من احساسها بصحة قرارها رغم اهتزاز قلبها بلوعة فراق وشيك.
(لقد كنتُ آخر بيدق أضافته على رقعة حربها.... وعدتني وأوفت بوعدها... ووعدتها وأوفيت بوعدي والحمد لله ... ).
ثم بسطت ذراعيها نحوه تكمل ببسمة باردة.
(كان وعدها أنت لتخلصني من زوجي السابق... وكان وعدي أنت لأعيدك إليها... وها أنت أصبحت تعلم كل شيء يا سيد أثير الأجاويد.... عن والدتك السيدة خاتمة العلامي .. رحمها الله ...).
ارتد رأسه قليلا نحو الخلف، لكنه حافظ على تباثه بقوة هائلة، الظلام ينتشر بقسوته مهيمنا على بياض محيطه وسط عينيه.
تنفست بأسف اعترى قلبها فجأة، وماذا تنتظر من قلبها الغبي؟
ثم استجمعت نفسها بعد أن هجرت نظرات عينيه، بل سائر ملامح وجهه، لتستقيم على قدميها التان خانتاها ما إن وقفت، ليقفز اليها بغته يمسكها من مرفقيها.
رفعت رأسها لتنظر إليه بوجل مدهوش، فوجدته يتطلع إليها بحيرة أصابت قلبها البائس في مقتل.
(لماذا؟).
كلمة يتيمة فرت من بين نواجده، لتحرك قدميها قليلا قبل أن تعتمد عليهما رغم ارتعاشهما فتبتعد عنه مسافة آمنة.
(أثير لا يغفر الكذب... أثير لا يغفر الخداع..... والدتك أخبرتني.. وخيرتني ... إما أن أنكر اسمها انا الأخرى فأظل معك... أو أعترف بهويتها أول شخص وعندها سيكون الثمن الرحيل.... وأنا لن أقبل بالظلم... ولن أنكر هويتها.... كما فعل غيري... لقد كانت السيدة خاتمة العلامي... والدتك... دربتني وأرسلتني إليك...).
مسح على وجهه وذراعه الأخرى يتخصر بها، ثم نظر إليها يطالبها بذهول لم يغادره.
(ل... لماذا... لم تنكري؟.... لقد علمت الحقيقية... حتى لو أنكرت بمعرفة هويتها الحقيقية... واكتفيت بمعرفتك بها باسم فضيلة... كنت سأصدقك... و ... و... لماذا؟).
نحب قلبها بمرارة يلومها ويعاتبها بعنف، لكنها تماسكت وحكمتها تدفع بها نحو الأمام، لتمنحه بسمة حقيقية نادرة فاجأته وأدهشته حقا، وهي  تخبره بصدق..
(إن كذبت عليك أنت ..  كيف أكذب على نفسي؟... وكيف أكذب على ربي ؟... نزعتُ السلطة من قلبي هذه المرة ...ومنحتها لعقلي... أنا لن أشارك والدك في شيء حتى في نزع الهوية من  المرأة التي قدمت لي العون... و لو لم تفعل... لم أكن لأتصرف بأنانية... لقد تعلمت بالطريقة الصعبة.... الصعبة جدا.... أن لا طريق للنجاة سوى الصدق... الصدق وفقط..).
طغى الحزن على قسمات وجهها ومسدت على نسيج فستانها  المجعد، تستدرك قبل أن تستدير.
(هذا آخر لقاء بيننا يا سيد أثير.... أتمنى لو لم تدعه يهرب... لكنني أؤمن بعدالة الله ... وإن فررنا من الكون أجمع..  لن نفر من الله... الوداع...).
استدارت تهم بالرحيل لكنه أبدا لم يكن على وشك إطلاق سراحها بعد خصوصا مع جملتها التي نطقت بها سهوا ولم تدري ما فعلت به، لقد تجاهلت قلبها وأحكمت عقلها وهذا يعني له شيء واحد، رغم ما يشعر به من تخبط وغضب شديد يضغط على اعصابه إلا أن شيء ما في أعماق أحشائه انتفض يرقص بفرح.
(هل تعلمين لماذا كنت سأقابلك اليوم في المحل؟).
تجمدت خطواتها، إنه حقا لا يساعد بنبرته الضائعة تلك.
(لقد فكرت جيدا... وحلّلت مشاعري مع نفسي ... ومع كنزة... فاكتشفت أنني أريد...).
بتر كلماته بتردد وحيرة لعينة، وهي كانت قد اكتفت من عتاب قلبها الغبي، وعادت نحوه بخطوات متعثرة تهتف بغضب  اشتعل من العدم ليثور في وجهه..
(ماذا تريد؟... ها؟.... ماذا؟).
هزت راسها سلبا ورفعت كفيها تلوح بهما باندفاع لم يعهده فيها، فتسمر مكانه مصعوقا.
(تريد الزواح مني؟.... لتضمني الى قائمة نسائك؟... الى متى؟... ها؟... كم ستقضي معي حتى تقرر أنك اكتفيت؟... شهر!  شهران؟... نصف سنة؟... سنتين؟... كم؟... بالله عليك أخبرني كم؟...)
شهقت بحدة وتلاحقت انفاسها فرفع ذراعيه يشير لها لتهدأ، بينما مقلتيه لا تنفكان عن الاتساع وفمه مفغرا بصدمة، لكنها لا تصمت أبدا غاضبة من نفسها ومنه ومن كل شيء..
(وماذا ستكون شروطك؟... لا أولاد... لا توقعات... فقط زواج متعة... إلى أن تشبع وتقرر أنك مللت... وتريد التغيير... الوداع يا ضحى! ... ها أنا ذا أسهل عليك الأمر من الآن بل وأمنحك العذر الكافي....)..
اقتربت منه ترمقه بحدة تستطرد بقوة.
(أنا خدعتك يا أثير... أنا لعبت عليك دور مُحبة الورود... وحلوى العسل... ومثلت دور الضحية المعَنفة ... فأوقعتك في الفخ بكل سهولة...
لذا من المنطقي جدا أن تودعني حالا!.. ).
حل الصمت بينهما يتبادلان النظرات واللهاث، إلى أن نطق بإدراك مستغرب، ذكائه ودهائه يمتزجان بحيرته وصدمته وذهوله، ليجد نفسه غارقا وسط عاصفة جمدت ردود أفعاله الطبيعية..
(لقد اخترت الرحيل... أنت ترفضينني.... كزوج ...كحبيب!...).
زفرت تغمض مقلتيها بأسى وقلبها الغبي الخائن يقف جواره ويلوح لها بكل سماجة أنه لن يساندها في معركتها وعليها الاكتفاء بعقلها اللعين كحليف..
(بلى ..).
عادت ترفع رأسها مؤكدة على كل حرف بتعب شديد أوشك على أن يتكالب على ما تبقى من سلامة أعصابها.
(بلى ... انا أرفضك... أرفض كل ما أنت عليه... ثرائك .... تصرفاتك.... عقدك! ... يكفيني ما عشته سيد أثير... لم أعد اغتر لا بالوسامة ولا بالمال....أريد زوجا  طبيعيا... زوجا عاديا... صدقني لا انتظر منه لا الأمان ولا العيلة... لأن كل ذلك من الله ...هو مصدر الامان ومصدر الرزق ...سيحيطني بهما بوجود رجل أو عدم وجوده إن شاء سبحانه  ... وما أريده من الزوج!... الاحترام....السكن ..المودة .... الرحمة... زوج يعاملني كإنسانة... بالله عليك هل هذا صعب لهذه الدرجة؟).
تخصرت مُلاحِقة أنفاسها الثائرة، تطرق برأسها والوهن يضعف بدنها، لقد استنزِفت كليا.
(إذن.. لقد انتهينا هنا!..).
نطق بنبرة ساهمة، فأومأت دون ان تنظر إليه ترد بوجوم.
(بلى.... انتهينا... ).
لمحت حذائه اللامع يتحرك متجاوزا إياها لتنتفض على صوت صياحه مناديا على مساعده.
(هشام!).
ظهر الرجل في رمشة عين يرمقهما بإشفاق وجل، فاكتشفت انه لابد سمع حوارهما المخزي، ولم تكن حقا في حاجة لاحمرارٍ يطغى على وجهها القرمزي بالفعل.
(خذها إلى بيت عمها!... لا تفارقها حتى تدخل البيت... ).
أومأ بطاعة وأشار لها باحترام، فنظرت نحو هشام لبرهة قبل أن تتقدم بخطوات ثقيلة.
رحلت دون أن تمنحه نظرة أخيرة، وقلبها يكاد يقفز من مكانه راحلا إلى صاحبه، ومع أول خطوة خارج البناية شعرت بالشمس قد انطفأت ووهج حرارتها يزيد من لهيب بشرة وجنتيها، الشمس بكل وهجها الذهبي المشتعل قد انطفأت مع رحيلها من حياته، أثير الأجاويد شمس حياتها قد غربت وانتهى الأمر.

كان الصمت قاتلا ببرودته في سيارة الدفع الرباعية السوداء، هي ومساعد أثير الذي تولى القيادة بنفسه وأفكارها الثائرة بين دقات قلبها الموجعة.
تذكرت شيئا ما فسالته بتردد وهي تمسد مكان الصفعتين.
(كيف علمتم بمكاني؟.... والده لم يكن ليفوته امر مراقبتكم لي!).
رماها بنظرة مهتمة انعكست لها من المرآة الأمامية، ثم قال وهو يعود بأنظاره نحو الأمام.
(أنت محقة... لقد فقدنا أثرك قبل أن تختفي بدقائق ... ).
تلكأ قليلا ثم أكمل بما يشبه الاستفسار أكثر منه إخبارا.
(أرسل الينا مصدرا مجهولا.... مقطعا مصور لك وأنت محمولة بين ذراعي رجل يدخل بك بناية معروفة لنا ..... ومن خلفه والد السيد أثير... نفس المجهول الذي أرسل له اليوم ملفا ضخما يحوي وثائق لصفقات مشبوهة تخص أعمال السيد عبد السلام؟!)..
أطرقت برأسها تفر من نظرته التي سرقها نحوها تستفسر منها، لتجيبه بوجوم.
(لا أعلم من هو؟... قالت لي أن هناك من سيساندك بعد الله ... لكن لم تخبرني من؟... وهو من كان يرعاها ويمدها بالمال أثناء قترة سجنها...).
رفعت رأسها لتلمحه يقطب بحيرة، تستدرك برجاء وهما على مدخل الحي حيث تقطن.
(اعتني به من فضلك .... كن له صحبة صالحة وتعلما مما حدث للسلف... الدنيا لا تدوم لأحد ... ).
كان قد أوقف السيارة وهمت بالنزول حين نطق بتردد وشى بمدى حرجه ...
(السيد أثير... رجل صالح ... هو بشر ويخطئ بسبب الظروف...لكنه صالح...ثقي بي)..
هزت رأسها بلا معنى ونزلت بينما تفكر في طريقها نحو البناية أنه لا جدوى في ما تظن به بعد الآن.

☆الحاضر☆
(لولا زواجك من السيد أثير.. لعاتبتك لاستسلامك ... ).
قاطعت وداد استرسالها في قص حكاية الماضي بعتابها اللطيف، فأطبقت على شفتيها للحظة قبل أن تجيبها بحكمة.
(كان يجب أن يواجه كلا منا عقده لحاله بعيدا عن الآخر ... وإن كان مقدر لنا الاقتران ببعضنا... سنجد الطريق إلى بعضنا ... كما سبق وحدث بالفعل...).
ابتسمت لها بتفهم ثم سألت في نفس اللحظة التي اندفع فيها باب المحل، ليظهر من خلفه بهيبته وبدلته الأنيقة..
(وماذا حدث بعد ذلك؟......)..
همت بالوقوف استقبالا له وقد أشرقت ملامحها بالسرور والمفاجأة، لكنه أشار لها أن تلتزم بمقعدها بينما يسير نحوها قائلا برسمية عكس بسمته الخاصة نحو زوجته.
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....).
اعتدلت وداد في جلستها، وابتسمت هي الأخرى بلباقة ترد السلام بخفوت، مراقبة إياه كيف انحنى على رأس زوجته يمنحه قبلة حانية قبل أن يُسنِد نصف جسده السفلي بحافة مقعدها بينما يحتفظ بكفها بين يديه.
(من فضلكما اعتبراني غير موجود ...).
كانت لا تزال ترمقه بهيام شع من مقلتيها اللامعتين بلون بني تفتحت درجاته ببهجة حضوره جوارها، تعبر له بحب تلقائي هامس.
(ذلك مستحيل!).
لتوها تكتشف وداد تأثير أثير على زوجته صاحبة النظرات الراكدة، وكيف تتسع البسمة لتملأ قسمات محياها، فيختفي الألم بكل ذكرياته الأليمة، ولم يكن هو بأقل منها إشراقا ونظراته المظلمة نحوها تلمع بسواد خاص، يكاد يلتهمها بتأمله المصاحب لبسمته المغوية، فتدخلت بحديث مرح.
(حمممم.. سيدة ضحى ... تعلمين أن هذه آخر جلسة لي معك... فغدا بإذن الله يجب أن ألحق برحلتي نحو هدف آخر.... فهلا اخبرتني بالتتمة ... لكي ترتاحي مني وتتفرغين لزوجك...).
انتابها الذهول من الحمرة القانية الزاحفة على سطح بشرة ضحى الذهبية، وهو لا يرحمها بنظراته الماكرة، لكنها تحدثت على اي حال تجيب.
(ذلك اليوم حين عدت للبيت .... حاولت إخفاء أثر الصفعتين على وجهي... ).
شد على كفها وقد فهم قصدها، لتختفي البسمة فجأة من على ملامحه التي قست ويلتفت نحو النافذة يدعي التجاهل بينما جسده يتحفز.
(نجحت في ذلك  والحمد لله ....لم ينتبه أحدا... ثم صبرت يومان...و اخبرتهم أنني سأعود لمدينتي... طبعا استنكروا ورفضوا وحاولوا اثنائي عن قراري ... لكنني كنت قد قررت وانتهى الأمر...).
صمتت قليلا تتذكر زيارة كنزة، وانهيارها أمامها وأمام زوجة عمها، لتقول ببعض الحزن...
(وكانت زيارة كنزة آخر قشة ... دفعت بي للهروب فعليا...).
استدار إليها يرمقها بحنو واشفاق يخص خالته التي انهارت حين أخبرها بالحقيقة وكأنها تعيش فقدان أختها الوحيدة مجددا، بينما هي تكمل ناظرة نحو وداد التي لمحت لمعان دموع التأثر على ضفاف مقلتيها الواسعتين..
(كانت تتشبث بي وكأن مصاحبتي لشقيقتها في آخر سنوات عمرها.... منحني شق منها ... سألتني عن الكثير... وطالبتني بكل ما حدث أثناء فترة سجني معها... أعترف أن قلبي تقطع وجعا من أجلها لكنني ..كنت فاقدة للحيلة ... منحتها وقتا بصبر واخبرتها بكل شيء أمام زوجة عمي التي صعقت بما اكتشفته ....وكان ذلك في مصلحتي كي توافق على عودتي لبيت أهلي ....).
تلكأت وقد دمعت عينيها تأثرا تكمل بوجوم.
(تخيلي أنها مُنعت من زيارة شقيقتها في السجن... لم تصدق ما لفقوه لها من تهمة الخيانة.... وكلفت محامي عائلتهم ليتولى القضية ... لكنه لم يستطع فعل شيء ... فعلمت ان غضب عبد السلام سيطال كل من يقف في وجهه.... لكنها لم تستسلم وطرقت أبواب المسؤولين... مع أن اغلبهم كانوا  يتجاهلونها ما ان يستعلموا عن نوع التهمة ... إلى أن بُلّغت بخبر وفاتها ... قصدت حينها زوج شقيقتها لتفرغ فيه قهرها وتطالبه برؤية شقيقتها قبل الدفن آخر مرة... لكنه رفض بشدة وبلغها انه منح إذنا للجهات المكلفة بدفنها بعد موتها فورا.... وأن كل ما تفعله مجرد ضياع وقت ومجهود من أجل لا شيء.... نحبت عنده في مكتبه وتوسلته ليمنحها عنوان المقبرة حيث دفونها ... وفعل ذلك... طوال السنوات الماضية كانت تزور قبرا مزيفا... لا حول ولا قوة الا بالله... ذلك الرجل لا رحمة في قلبه....).
هزت وداد رأسها بتفهم واجم، ثم سألت لتغير الموضوع بعد أن لمحت مدى قساوة ملامح أثير..
(وكيف اجتمعتما؟).
التفتت نحوه لتجد ظلمتيه في انتظارها تشعان حبا ورأفة، ليبتسم بحبور يجيب.
(سأجيب أنا عن هذا السؤال لو سمحت...).
أومأت له مبتسمة، فبسط ذراعيه مدعيا الاستسلام.
(لم أستطع الصبر أقل من شهر... وجدت نفسي أحجز في الطائرة نحو مدينتها رأسا .....).
أطلق سراح عينيها ليستدير نحو وداد يعترف بنبرته الواثقة يتخللها بعض المرح.
(كانا أسبوعان كالجحيم... أمر من أمام المحل ... وأنا أتلفت باحثا عن شيء ما أستشعر فقده... حتى اكتشف أن من أبحث عنها قد رحلت عن المدينة كلها... ليعود رجائي خائبا...ولحظاتي كلها تمر في وجوم وكدر.... حين قررت استعمال تحكمي في نفسي لأنسى.... كياني كله واجهني بالرفض... وكم صدمتني نفسي حين أكدت لي أنها لم ترحل لحالها... بل أخذت قلبي وحكمتي معها...).
ضحكت وداد بخفوت حرج مستغربة من نفسها ذلك الخجل الذي ظنت أنها تخلصت منه بين أروقة الإقدام والمفروض عليها بسبب عملها،
لتسأله بحيرة.
(لكنها خدعتك ...وكذبت عيك ...).
منحت ضحى نظرة اعتذار قابلتها الأخرى ببسمة مترقبة لما سيقوله.
(في الحقيقة حين فكرت جيدا.... وجدت أنها لم تكذب... ).
قطبت وداد بحيرة اكثر، فحرك أحد كفيه مفسرا، بينما الأخرى تطبق على كفها فوق اعلى ركبة قدمه التي يستند بها على طرف مقعدها.
(المرة الوحيدة التي سألتها عن والدتي.... ردت علي بصدق ... ولم تكذب.... أما كل ما حدث قبل ذلك ... لم يكن استدراجا انما تبليغا بحقيقة لم أكن لأتقبلها لو جاءتني لتخبرني بها مباشرة.... لقد كانت والدتي رحمها الله كما عهدتها .. ذكية ذات فطنة ... خططت لتذكرني بكل ما عشته في طفولتي معها ..  سواء الحلو كحلو العسل ... والورود ... أو السيء كالعنف .... كل ذلك فعلته من خلال ضحى لتوقظ ذكرياتي ... وبعدها سأكون مستعدا لسماع الحقيقة ... وحين احتجت الحقيقة حصلت عليها... إذن فهي لم تخدع ولم تكذب ... ثم هي رفضتني ... فلما ستكذب علي أو تخدعني ... لو كانت لديها أي نية غير سوية؟....).
ثم اطلق ضحكة ماكرة وهو يسحب كفها اكثر نحوه مستدركا.
(لقد رفضتني مرتين ... هل تصدقين ذلك؟.... ).
رفعت وداد حاجبها الأيمن بتعجب مزعوم مرح... تسأله..
(وماذا فعلت؟)..
رمقها بطرف عينيها وهو يجيب بحنق مفتعل، بينما ذاكرته تعود الى ذلك اليوم الذي لن يمحى أبدا من ذاكرته إلا إذا شاء خالقه.

☆الماضي☆

اندفع مغادرا من الفندق بعد أن أعلمه الرجل الذي كلفه بمراقبة تحركاتها المعدومة، بأنها أخيرا خرجت.
وذلك ما أثار حنقه منها، فهو قد اتم الأسبوع في مدينتها وتعطلت مشاغله وهي تعتكف في بيت أهلها مغلقة الهاتف اللعين.
لطالما فكر وراجع نفسه بعد نهاية كل يوم وهو على فراشه يراقب السقف، متسائلا ماذا يفعله في مدينة غريبة عليه ومن أجل ماذا؟ فتعود عليه أنفاسه بملايين الردود، تشكل سطورا تحت جملة واحدة ، يريدها في حياته، يحبها!
كلما رنت تلك الكلمة بغرابة بين جنبات صدره، تفاعلت معها دقات قلبه التي تتسارع مستجيبة لحماسه تجاهها، شيء ما يجذبه إليها، ويجعلها تملأ فراغا كبيرا في أحشائه، فلا يعود قادرا على التخلي عنها.
لكم سعد بخروجها ذلك اليوم، ولحسن حظه لحالها، ولولا ذلك اللقاء ما اكتشف لماذا هي تحديدا!
تمهل حين اقترب منها بين الحشود داخل أحد زقاق السوق الشعبي لتلك المدينة، لتستدير فجأة وكأنها تبحث عن أحد ما فتتسارع دقات قلبه يشعر بها تبحث عنه، أو هذا ما خيل له حتى تأكد منه حين وجدته مقلتيها لتشع بظفر تلاه تفحص مشتاق قبل ان تخبو بوجوم تختزل المسافة القصيرة بينهما تسأله بعبوس.
(ماذا تفعل هنا؟)..
لم يستطع النطق واكتفى بتفقد ملامح وجهها باحثا عن المتغير فيها، قدها فقد بضعا من وزنه، وأسفل عينيها تسوده بعض القتامة وقد ظهر له جليا لأنها لا تضع زينة كما العادة.
(كف عن التحديق بي .. الناس حولنا ومنهم من يعرفني..  ماذا تفعل هنا بحق الله ؟).
بلل شفتيه ورمش بجفنيه ينفض عنه شوقه المفاجئ له، لا زال يتفاجأ من نفسه وما يشعر به نحوها.
(يجب أن نتحدث....).
همت بالرفض فقاطعها آمرا يستعيد سلطة هيبته.
(هنا أو في مكان آخر.... اختاري ...).
زفرت باستسلام وأشارت له ليتبعها، فأطاعها بصمت، يمشي خلفها كالمسير لا يملك من أمره شيئا، يتتبع قدها الضئيل تحت جلبابها المحلي، لأول مرة يراها بجلباب محلي على شكل قصة فستان لكن بتطريزات وخياطة محلية وبنفس ألوانها القاتمة المفضلة، الأسود والبني، كل ألوانها المفضلة قاتمة لكنها تناسبها جدا.
توقف أمام محل ضيق على شاكلة الباقي في السوق، وراقبها كيف ضمت فتاة من نفس عمرها ثم وشوشتها بشيء ما توقع ما هو حين رمقته الفتاة بنظرات متفحصة فضولية قبل ان تبتسم بمكر مرح، وهي تسحب حقيبة من تحت الحاجز الخشبي الصغير والمرتفع، تقول بنبرة خجلة لكن مرتفعة نوعا ما..
(اعتني بالمحل في غيابي... سأعود بعد نصف ساعة بإذن الله...).
تجاوزاته وهي تحيه بإيماءة صغيرة قبل ان تختفي بين الناس، فاستقام بظهره ودخل المحل الصغير حيث أسندت ذراعيها المتشابكين فوق الحاجز ترمقه بترقب.
(لقد سمعتها.... أمامك نصف ساعة ..).
أومأ بلا معنى واقترب نحوها لكنها أشارت له بكفها تحذره ..
(لا تقترب كثيرا.... ولا تنسى أين نحن؟ .... حافظ على المسافة حتى يظنك من يراك زبونا... أنا هنا.... مطلقة صاحبة سوابق ... ومن السهل جدا اتهامي بالفواحش....).
انقبض قلبه بألم وللأسف هي محقة، وما أسهل على الألسنة أن تطلق سراح مجونها دون تفكير أو حكمة، لذا التزم بمكانه ونزع السترة ليفتح أول زر، شاكرا ربه  قرار عدم ارتداء ربطة عنق، فالجو على عكس مدينته الساحلية الرطب، جاف وحار.
(لماذا تغلقين هاتفك؟... لقد هاتفتك مرات عدة... ثم لما لم تخرجي من بيت أهلك منذ أسبوع؟... لقد بدأ اليأس يتمكن مني....).
اتسعت مقلتاها تهتف بعدم تصديق.
(أنت هنا منذ أسبوع؟).
هز رأيه مجيبا بامتعاض.
(بلى...  وكنت سأقابل والدك كحل أخير... مع أنني لم أرد اتخاذ تلك الخطوة دون موافقتك ...).
فغرت شفتيها دهشة قبل ان تعبس متسائلة.
(تقابل ابي؟... لماذا؟).
مط شفتيه بانزعاج وهو يرد.
(ولماذا سأقابله ؟...لأطلبك منه طبعا ....).
ما إن استوعبت حتى عقدت حاجبيها تقول بغضب عاد ليتمكن منها، ألا يكفيها الأرق الذي أصابها بسببه والحزن الذي سكن احشاءها كما لم يفعل من قبل ؟ وهو لا يسهل عليها أمر نسيانه أبدا!..
(ألم نتحدث في هذا الموضوع من قبل؟.... أنا أرفض الزواج منك.... لماذا تصعب الأمور على كلينا؟).
انتقل اليه الغضب بعد كل ما مر به تقابله بالرفض مجددا، وتضرب كبرياءه في مقتل مجددا ولا يزال يرغب بها كالأحمق..
(كفي عن حماقتك ودعينا نتفاهم.... فكما يبدو على هيئتك المزرية أنك لست بأفضل مني... كلانا يحترق في بعده عن الآخر..).
رفعت رأسها تقول بأنفة غير مناسبة لما نطقت به.
(أنا حالتي دائما مزرية... وليس بسببك...)..
ابتسم رغما عنه فزحف الاحمرار على بشرة خدودها الذهبية، يقول بصدق خرج منه كوله محب.
(لكنك لم تكوني هناك ... كنت دائما مشرقة... غامضة أعترف... لكن مشرقة... فما الذي تغير حتى نقص وزنك؟... وتلك الهالات تحت عينيك؟...).
زمت شفتيها برفض لتنطق بنزق منطلق بينما تلوح بكفيها كما لم تفعل في السنوات الأخيرة وتحديدا منذ أن تزوجت..
(اذا كانت هيئتي مزرية إلى تلك الدرجة ...فلماذا تريد الزواج بي؟...).
(لأنني أحبك...).
قاطعها بهدوء وهو يحتضنها بنظراته المهتمة بكل خلجة تصدر منها، وللحظة اصابها الخرس قبل أن تحاول التحدث مرات عدة لتنجح في القول بارتباك..
(الحب ليس كافيا...).
تخصر بتحفز والسترة عالقة بين جانب خصره الأيسر وذراعه، يسألها بصلابة.
(وماذا تريدين بعد؟.... الاحترام؟... تعلمين أنني آخر رجل قد يتسبب في أذيتك ...).
ثم تلكأ ليعود قائلا بعبوس غاضب.
(المال؟... اعتذر منك لن أتخلى عن ما بينته بيدي هاتين بعد فضل الله.... فما لا تعرفينه ... أنني قد تبرأت من والدي وخرجت من كنفه  منذ أن اشتد عودي.... أتممت دراستي العليا في الخارج بمنحة فزت بها بمجهودي... ولم أقبل بعدها بدرهم واحد منه..... اعترف أنني اكلت مالا لم أكن اعلم أنه حرام... فلقد كنت صغيرا... وحين كبرت كان كره والدي قد كبر معي بسب ما كان يفعله بأمي رغم تمثيلها أمام الناس بان كل شيء بخير ... وكان ذلك ما دفعني لأجتهد وأحصل على منحة دراسية كي لا احتاج لماله ليس لأنه حرام فأنا لم أكن اعلم بل بسبب عنفه وتعذيبه لأمي... وكنت اقبل بالقليل من الأخيرة لأنها شريكة في مشروعهما ... وكنت اعتبره عرق شقائها هي .... وبعدما ...)
ضغط على شفتيه بألم وخزي لمع في وسط قتامة بؤبؤيه ليستطرد بوجوم.
(بعد أن بلغني بما لفقوه لها... صدقت الأمر حينها.... لأن من يتعرض لما تتعرض له على يد والدي... قد يدفع بها مع ضعفها ووساوس الشيطان الى طريق الفحش... لذا عملت إلى جانب دراستي وتبرأت من كلاهما... نسيت كل شيء بتعلق بالعائلة الا كنزة التي كانت تفرض نفسها علي... رغم محاولاتي للابتعاد عنها هي أيضا.... لكنها صبرت وتحملت فظاظتي حتى أقنعتني أننا عائلة وسند لبعضنا ....وحين تخرجت لم أكن أنوي العودة... لكنها كنزة مجددا علمت كيف تستدرجني باقتراحها بتسلم ميراث والدتي من والدها... جدي محمد العلامي رحمه الله ... وأن أستثمر لها أيضا حصتها لأن لا علم لها في مجال التجارة ... وإن كنتِ لا تعرفين محمد العلامي فاسألي عنه ...فربما ما تبقى من جيناته الصالحة داخل دماء والدتي ما أيقظ ضميرها من غفوة الجشع والضلال.... ما أملكه حلال ومن  الحلال يا ضحى ...وإن أردتِ الاطلاع على الوثائق من أول استلامي للميراث إلى الآن لا مانع لدي.... وتلك البناية حيث عملتِ كانت الإرث مع مبلغ من المال كبر ونمى بفضل الله..... )
عادت تسند نفسها بمرفقي ذراعيها على الحاجز تمسد حبينها بحيرة، ليسترسل بسيل عباراته الجادة لإقناعها..
(لا أريد زواجا للمتعة كما سبق وقلتِ... بل أريدك سكنا لي يا ضحى...)..
رمقته بصدمة لا يكف عن إدهاشها بحديثه النابض بالصدق.
(أريد الاستقرار معك... وبناء أسرة... إنجاب أبناء نربيهما بمساعدة بعضنا.... أنا أيضا أريد حياة عادية... زواجا عاديا .. أو بالأحرى زواجا طبيعيا... كالذي بين والديك... وبين عمك وزوجته.. واغلب عائلتك ...و كنزة أيضا على فكرة... أتفهم رغبتك في حياة شبيهة بحياتهم... فذلك النوع من العلاقات هي الناجحة... لأنها مبنية على الصدق والاحترام...فتولد الدفئ والرحمة بين الزوجين.... أرغب بذلك أكثر منك يا ضحى... فهلا منحته لي!... ).
بللت شفتيها وبلعت ريقها لتفر منه بعينيها، يخيفها ما تشعر به نحوه، إنه حتى اقوى من الزيف الذي شعرت به نحو زوجها السابق، وإن صدقت شكوكها اللعينة وخدعها هو الاخر ستكون نهايتها، لن تقوى على النهوض مجددا.
(ضحى!).
ناداها بلطف يحثها حين طال صمتها، فردت وهي ترفع رأسها اليه.
(هل زرت قبر أمك؟).
ارتد رأسه للخلف صدمة، وسقطا ذراعيه إلى جانبيه فهوت السترة على الأرض، نظرت ضحى الى السترة بسهو فتمالك نفسه وانحنى يلتقطها مجيبا بجمود.
(لا... ليس بعد....)...فقالت بحزن.
(لقد طلبت حينها من والدي أن يطلب تولي دفنها في مقبرة حينا... لم أرد أن تدفن في اي مقبرة كمجهولة... ولقد صلى عليها أهل حيي ... واكرموها بالدفن وجنازة لائقة...).
لهثت أنفاسه وهو يعبر بنفس الجمود.
(أعلم ... شكرا لك ... ولأهلك... وسأذهب لزيارتها اليوم..).
حل الصمت بينهما مربكا، فتهدلا كتفاه خيبة، لم يفلح في اقناعها رغم كل شيء، فطلب منها أخيرا.
(هل تريدين مرافقتي؟).
أومأت سلبا تجيبه بحزن.
(زيارة النساء للقبور مكروهة... دعائي الصادق لها دوما أنفع لها على أي حال...).
تنهد وهو يهز رأسه موافقا، نظر نحوها وكأنه ينتظر منها حديثا آخر، ثم استدار يهم بالمغادرة يحمل بين جنبات صدره كئابة الهيبة قبل أن يتجمد مكانه حين نطقت بتوتر مرتبك.
(بعد أن تزورها... إن كنت لا زلت على رغبتك ... أنت تعلم عنوان منزل أهلي...).
استدار مجفلا يتفقد ملامحها الجدية، يستفسر بنفاذ صبر.
(حقا!).
ابتسمت بحزن وهي ترد.
(لابد أن تزورها أولا...ليس قبل ذلك...).
تمعن في النظر نحوها للحظات ثم غادر بصمت.

☆الحاضر☆
(وتركني مع قلبي الذي لعن غبائي بتفويت فرصة مذهلة ...بدل أن أسحبه سحبا إلى والدي ليطلبني منه  دفعت به بعيدا مجددا....).
عقبت بامتعاض مضحك بعد أن صمت، فاستدار نحوها يخبرها بتقدير وإعجاب.
(كان ذلك حكمة وفطنة منك... فكلما أبعدتني لأحلق بعيدا عنك... وجدت كل مسالكي تفضي نحوك ...فيتأكد لي يقين ما اريده حقا..).
ثم التفت الى وداد يكمل سرد ماضيه..
(ذهبت لزيارة قبر والدتي....تملكني بعض الغضب ... تحول إلى تأنيب عابس... تلاه نحيب معاتب... ثم بكاء لطلب المغفرة... ووعد بأن أكون لها الولد الصالح ...وهناك اكتشفت أنها الخيط الخفي بيني وبين ضحى... الصلة التي عليها نمت مشاعري الحقيقية تجاهها... فزاد يقيني من قراري ... وغادرت المقبرة بتصميم نحو منزل عائلتها....)..
لازالت وقفته أمام قبر والدته واضحة الصورة أمام شاشة خياله، قبر عادي كباقي القبور في تلك البقعة، لا تكاد ترتفع عن الأرض بسنتمترات قليلة، لا يميزها سوى تلك الحجارة التي تدس عند موضع الرأس كي يتبين للزائر وجهتها.

☆الماضي☆
مرت عليه نصف ساعة كاملة، وهو واقف على قدمين متجمدتين كمقلتيه التابتين على سطح القبر يتأمل التراب حيث توارى جسد امرأة كانت في يوم ما مضى، أقرب انسان إلى قلبه، حتى أقرب من نفسه هو، امرأة كان يرى الحياة من خلال عينيها، يبكي حين تبكي ويضحك لصدى ضحكاتها، امرأة جسدت الحياة بكل معانيها في تكوين شخصيته وبناء كيانه فكانت اول عشقه وأول وجه للحب تعلمه مع نعومة أظافره، وأول كره شعر به أيضا كان من أجلها ضد والده.
كره والده طوال سنوات حياته منذ أن استوعب أنه سبب دموعها وآلامها، فكان هدفه الوحيد أن يصبح رجلا يعتمد عليه كي يقف في وجه أبيه فيأخذها ويرحلان بعيدا عنه.
وكم كان قرار سفره للدراسة صعبا، البعد عنها أكثر ما كان يحرق قلبه، فيطفئه بماء الصبر من أجل هدفه، لكنه لم يحسب حساب الضربة التي قسمت ظهره، دمرت أحلامه وهدمت بنيان كيانه من أساسه.
لم يصدق في الوهلة الأولى لكن الصور التي أرسلها والده، أثارت غثيانه وأثارت كامل أوجاعه فآثر الفرار، فر إلى الدراسة وأغرق نفسه فيها، ولم يكد يستوعب صدمته الأولى حتى بلغوه بوفاتها. اضطربت أفكاره حينها بين فجاعة فقدانها وصدمة تهمتها ولكونه لازال فتيا غرا فضل الغوص اكثر فأكثر في الدراسة وبعد الدراسة العمل، حتى تحولت الأوجاع إلى لامبالاة وتجاهل تدرب عليها جيدا.
(لماذا يا أمي؟.... لماذا اخترت ذلك الرجل؟... ولماذا بقيت معه بعد ما عرفته على حقيقته ؟... لماذا فضلت البقاء وتحمل ضربه وإذلاله لك ؟... ألم اكن كافيا لتقرري الرحيل من أجلي؟.. لو فعلتِ ذلك لما حدث أي شيء مما حدث.. وقد تكونين الآن حية... و... ).
*حقا أصبحت نفسه تفاجئه جدا* تراجع هامسا بأسى وهو يمسح بضع دمعات تدحرجت على وجنتيه قهرا.
يوم خطف ضحى استنفرت جميع خلايا صدره، وأصيب بالجزع والغضب كما لم يفعل من قبل.
بحث عن والده وهو متيقن أنه السبب في اختفاءها فاختلط عليه ماضيه بحاضره وللحظة يقسم أن باطنه قدم له صورة ضحى على شكل والدته، فاشتد غضبه وثارت ثائرته مقررا قتل والده إن فقط أذاها ولولا مفاجأة ملف الوثائق الذي وصله قبل المقطع المصور لكان فتك بوالده فعلا، لكن الصدمة كانت شديدة حين انتهت بمعرفته بما حدث لوالدته وهو بعيدا عنها يلومها ويتهمها معهم حتى لو كان بعيدا، لكنه بهروبه وعدم الهرع لمساعدتها دليلا دامغا على تصديقه لما لفقوه لها.
(سامحيني أمي.... أتوسل اليك... لقد كنت فتيا .. صغيرا فاقدا للحكمة... ضحى اخبرتني أنك تطلبين مني مسامحتك... لكنني هنا اليوم اطلب منك السماح والغفران ... مهما كانت جرائمك كان يجدر بي الوقوف معك حتى وأنت تحاكمين... حتى وأنت تتلقين عقابك....ذلك حقك علي..  سامحيني يا أمي...سامحيني..)..
هوى على  ركبتيه فوق الأرض يطلق عنان دموعه، لم يعد يملك طاقة لمقاومتها ولا لتحمل قناع الكبرياء اللعين، بقي على وضعه لحظات إلى أن شعر بالتعب فرفع كفه يمسح وجهه قائلا بحزن.
(أعدك أن أقضي ما تبقى من عمري عملك أنتِ الصالح.... حتى العروس التي اخترتها لي ....).
ابتسم من بين دموعه يكمل بشجن.
(بحثت لي عن عروس كما وعدتني في صغري ...و ارسلتها لي بعد مغادرتك للحياة...)..
مسح دموعه مجددا، ليستطرد بصدق وتصميم...
(سأتزوج بها أمي.. سأعتبرها أمانتك عندي ... أحافظ عليها... وأبني معها أسرتي... ولن أنساك أبدا ما حييت.... بإذن الله... إلى أن ألحق بك... ).


منى لطيفي نصرالدين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 37
شكرًا : 601
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى