روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

بيع أنثى ( كاملة )

صفحة 3 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3

اذهب الى الأسفل

رد: بيع أنثى ( كاملة )

مُساهمة  حورية حسين في الأربعاء أكتوبر 03, 2018 8:39 pm


المشهدين 26 و 27

السعادة .. كلمة نتداولها كثيييرا جدا ولكن .. كل شخص فينا لديه تعريف يخصه لها .. فبعضنا يعتبر السعادة امر مستحيل .. والبعض يعتبره شيء بسيط بامكاننا تحقيقه كل يوم .. بعضنا يرى نفسه سعيدا والبعض يصنف نفسه على انه تعيس .. هناك اخرون يعتبرون ان السعادة وهم .. خيال ابتدعناه لنتمكن من تجرع مرارة الواقع الاليم .. وهناك من يعتبر السعادة غاية يسعى لتحقيقها ... ورد .. لم تبحث يوما عن السعادة .. كما لم تحاول تعريفها .. كانت تخاف من هذا المصطلح وتكتفي بذلك الشعور الطفيف من الراحة الذي كان ينتابها بين الفنية والاخرى .. لم تعتقد ان هناك يوم في حياتها تستطيع تصنيفه على انه سعيد .. حتى كان ذلك اليوم .. اليوم الذي طلبته بطمع من قاسم فمنحها اياه بسخاء .. بعد ان عاشت ليلة لا تنسى بين ذراعيه .. اختتمها بجوابه على سؤالها .. ( مالذي حدث في ذلك اليوم )
بنبرة سارة متهدجة وبعينين حملا لجة من المشاعر اجابها (لو سألتني مئة مرة هذا السؤال لاجبتك مئة مرة بجواب مختلف لاني ببساطة .. لااعلم مالذي حدث .. لقد رايت والدك صدفة عندما كنت اقضي فترة عقوبة بقسم مخالف للتحقيق .. تعرفت عليه فلقد رايته اثناء التحقيق في جريمة فادي .. علمت انه واقع في ورطة فتقدمت بلا ارادة منه لاتولى الامر .. لا اعلم لما تجرأت وسألته عنك ان كنت بخير .. وهنا تفاجأت بالتماعة عيناه وكأنه حصل على كنز .. و .. عرضك علي بحجة انه يرى اني منجذب اليك طالما سألته عنك وتذكرتك وتذكرته .. عندها فار الدم بعروقي وانا ارى الى اين وصلت .. للحظة اردت قتله وقتلك لاني كنت اعتقد انك مشتركة معه .. وهذا زاد غضبي بسبب شعوري السابق بنقائك .. ذلك التشوش الذي اصابني .. الصراع بين عقلي الذي يقتنع بالادلة وقلبي المؤمن ببراءتك .. كل هذا جعلني افقد سيطرتي لاجد نفسي وقد وافقت على عرض والدك .. وعندما صاح عقلي بالاعتراض اصمته بالعديد من الحجج التي اكتشفت زيفها كلما مضى زواجنا الى الامام )
كانت صامتة تستمع له بهدوء مخافة قطع افكاره واعترافاته خاصة وقد كان شاردا اثناء كلامه .. بحذر سألته ( اي حجج )
مط شفتيه مجيبا ( اني اتزوجك لاني يجب ان اتزوج .. او اتزوجك كي اقهر هيام .. او اتزوجك لاتفاخر امام الجميع بان هناك من وافقت علي رغم قبحي .. او اتزوجك لانك في نظري تستحقين الشفقة . او او او .. صدقيني .. حضرت عريضة طويلة من الاسباب والحجج ولكن ... اهملت ذكر السبب الاساسي فيها )
بتهدج خافت سألته بهمس ( اي سبب )
تلاحقت انفاسه للحظة وانكمش جسده وقد تصاعد نبض قلبه .. علمت انه يقوم ليتحدث معها بصراحة .. بوضوح .. ليخبرها عن مشاعره .. للمرة الاولى .. فلم تستعجل او تضغط عليه .. فقط قبلت برقة متناهية موضع راسها على صدره .. وهنا نظر اليها بشفافية .. ورات في عيناه ما تمنت في كل يوم .. رات نفسها .. وبصوته الاجش اجابها ( لانك مرآتي .. انت الجانب المضيء وانا المظلم .. انت من اظهر امامك كقاسم )
لوهلة غرقت في معاني كلماته وتاهت دون ان تفهم جوابه .. ثم .. راته يقلبها لتكون اسفله ويده تتلمس ملامحها بشغف عاشق لا يرتوي .. وبهمس ذابت خشونته برقته ( لديك اصدق ملامح رايتها في حياتي )
وعندما فتحت فمها لتجيب كان قد اغرقها بقبلاته المتفجرة بلجة عواطفه التائقة الى حبها .. لم تعلم كيف انتهت الليلة ولكنها استيقظت على مشاكساته .. وبمشاغبة طالبها ان يستحما سويا .. وعندما غافلته وهربت الى الحمام لحقها وادركها قبل اقفالها للباب .. لتعيش معه تجربة من نوع اخر .. تجربة فتحت الاف من الاحاسيس اكتسحتها .. بالماء غسلها ببطء كما اغتسل معها ورغم انها لم تكن مرتها الاولى فلقد ساعدها سابقا ولكن لمساته اختلفت هذه المرة .. كانت لمسات شخص يود ان يحفظ كل لمحة فيها وكل تفصيلة وينحتها في مخيلته .. دغدغ عنقها فضحكت حتى شرقت بالماء .. سألته وهي تسعل ( ولكن اود ان افهم .. بما انك قادر على شراء صنبور استحمام لما تعتمد الطريقة القديمة بالدلو )
في البدء صمت كعادته .. ثم اجابها بنبرة حملت حنان واشتياق ( لان هذه طريقة امي .. وهذا منزل امي .. عندما استيقظت بعد موتها شعرت اني بحاجة للتواصل مع روحها .. اردت ان اعيش مثلها .. ان اتذكر كل شيء كانت تفعله وافعله ايضا .. اردت ان اتقشف واتذكر ايام شقائنا سويا .. اردت ان اتبع نهجها بالحياة باخذ اقل القليل مما يكفيها وبذل الباقي لاي شخص يحتاجها )
وصمت قليلا وعيناه تتوهان بذكريات التمعت في قعرهما .. سمعت زفرته المشتاقة وهو يتابع بنبرة متهدجة بين الضحك والحزن ( اتعلمين ما كانت تقوله على الاستحمام بهذه الطريقة عندما عرضت عليها تركيب صنبور استحمام .. كانت توبخني بحدة مشيرة الى الدلو بحماس وهي تقول ..)
وصمت مرة اخرى لوهلة قبل عودته للكلام بلهجة تمثيلية مشابهة لاسلوب والدته ( هذا اوفر للماء فانت تستغل كل قطرة بسكبها في المكان الذي تريده كما انك تفرك كل جسدك بيديك في نفس اللحظة ولا تعتمد على قوة دفع الماء من الصنبور .. ثم .. الا تشعر بالمتعة اكثر وانت تقوم بهذه الطريقة ) .. وعندها كنت اضحك مستسلما لمنطقها .. )
كان قد انهى سكب الماء مع نهاية كلامه فوقفت ورد والتفتت اليه لتضمه بلهفة حنونة وهي تجيبه ( كانت عظيمة .. وانت معك حق باتباع كل خطواتها فهي تستحق ان تكون قدوة )
ثم اضافت بمشاكسة لتمتص التوتر الذي شنج جسده ( كان يجب ان تخبرها بان هذه الطريقة بها عيب مهول .. فنحن نتعرض فيها للبرد وهكذا نخسر ما وفرناه كثمن للدواء .. الا ان كانت لديك طريقة للتدفئة )
كانت تتكلم ببراءة رغم تعمدها الايحاء .. للحظة عقد حاجبيه بعدم فهم ثم .. ابتسم بشكل مائل وحاجباه يرتفعان ( طريقة .. للتدفئة .. اتعلمين .. يبدو ان تفكيرك منحرف وبشدة )
تظاهرت بالصدمة وهي تحاول نزع نفسها من بين ذراعيه اللتان اشتدتا حولها ( انا .. قصدت ان نركب سخان للماء .. انت من تسيء التفكير )
وضربته على صدره بطفولة جعلته يضحك .. ابتسمت بدورها ويدها تستقر على كتفه وقد تلمست موضع احد الندوب .. بلا ارادة اخذ اصبعها يمر على ندوب صدره ببطء وعيناها تشردان .. شعرت ايضا بتشنجه فسألته بخفوت ( هل آلمتك )
اجابها بسؤال ( هل هي بشعة )
وكجواب كانت تود منحه اياه بصدق تام ويدها لاتزال تتجول على صدره ( ظاهريا .. اجل .. ولكنها بشعة لانها تذكرني باني كدت افقدك قبل مقابلتي لك .. و .. انا ... انا لا اتخيل.. حياتي كيف كانت ... ستكون من دونك .. ولكنها ايضا .. تشعرني بالامتنان .. لانها دليل تعافيك )
وانحنت بتلقائية لتقبل احدها فهتف بهمس مخنوق ( لا .. تفعلي )
ولكنها تحدته واتمت تقبيلها لندوبه فتأوه عميقا ويداه تحيطانها بقوة وهو يهمس بحشرجة ( مالذي تفعلينه بي .. ارحميني .. فانا لا اتركك الا لاعود واشتاق بجنون اكبر .. انا .. انا )
وقطع مكالمته وشفاهه تتم كلماته بالفعل .

هدوء ساد حجرة قاسم وهي تنظر الى انعكاس صورتها في المراة .. قد لا تبدو مختلفة لاي شخص ولكنها لاحظت ما قد لا يلاحظه غيرها .. شعلة العشق التي الهبت عينيها فزادتهما اتساعا وعمقا .. تورد وجنتيها النابع من فوران مشاعرها .. اكتناز شفاهها المبتسمة بسبب قبلات قاسم الجائعة .. كانت صورة كاملة لامرأة عاشقة .. لامرأة سعيدة .. لامرأة مكتفية .. فهل هي حقا هكذا .. قطع تفكيرها دخول قاسم وهو يسالها ( هل انتهيت .. هيا كي نجد الوقت الكافي للتجول )
التفتت نحوه بلهفة وتنورتها الطويلة تتراقص على قدها ( الى اين سنذهب )
ابتسم بغموض مجيبا وعيناه تراقبان ملابسها باستحسان ( بما انك تركت امر الاختيار لي فساجعلها مفاجأة لك )
رفعت اكتافها بحماس ( وانا سعيدة جدا لاكتشاف هذه المفاجأة ولكن عندي رجاء كبير .. اود ان نذهب بعد ذلك الى مكان ترى انه يمثل كلانا .. مكان يشبه علاقتنا .. مكان كلما ذهبت اليه تذكرتني بسرعة .. هل هذا ممكن )
اجابها وهو يتقدم نحوها ويده تمسك بكفها بحنان لم يعكس نظرة الحزن التي استوطنت عيناه وقد اهتزت حدقتاه مع كلامها ( اجل .. سنذهب .. حيث تريدين )
قضمت شفاهها لتمنع دموعها الحمقاء من الهطول وهي تتبعه .. لقد اقسمت لنفسها ان تعيش يومها بسعادة تامة .. وقد كانت تدرك انه بدوره يحاول القيام بذلك .. كان كلاهما كمن يرسم الدور الذي يحب ان يراه شريكه به بعد ذلك .. يرسم الهدف الذي سيسعى لتحقيقه في نفسه بعد فراقهما .. كمن يحدد المكافأة؛ قبل خوض سباق عذابهما الطويل .. بعيد عن بعضهما .. جسور من الفهم احستها تمتد بينهما وقاسم يتعمد ان يتواصل معها بوضوح .. ارادت استغلال رغبته لتعرف كل شيء عن ذلك الرجل الذي تعشقه وتغرق بغموضه فالتفتت اليه وكلاهما يجلسان بسيارة العمل الخاصة بقاسم ( اذن لقد اخذت السيارة اليوم .. هذا جيد .. ما رايك ان نلعب لعبة وانت تسوق .. سيسال كل واحد منا الاخر اول سؤال يخطر على ذهنه .. فاما ان يجيبه الاخر بصراحة او لينتظر العقاب مختارا تجاهل الاجابة)
قضم قاسم على طرف شفاهه بتوتر لحظي ملتزم صمته لدقيقة قبل ان يلتفت عليها قائلا ( حسنا .. ولكن لتكن اسئلتك بسيطة يا ورد ان اردت حقا مني الاجابة )
اومأت براسها موافقة ( حسنا سأبدأ .. ما اكثر لون تحبه )
تنحنح بشكل فوري وهو يجيب ( الاسود .. والان انت .. اعتقد ان لونك المفضل هو الازرق)
ابتسمت متسائلة بمشاكسة ( هل هذا سؤال ام جواب .. اجل احب الازرق لانه يرمز للون السماء والبحر والان دورك .. هل كنت متفوقا في الجامعة )
حرك كتفيه ( اجل .. كنت من اوائل دفعة كلية الشرطة .. وانت .. هل تحبين الدراسة )
ابتسمت بخجل ( كنت احب الذهاب للمدرسة لاخرج من المنزل ولكني كنت فاشلة في الدروس ودوما ما كنت اعاقب .. انت الاول وانا الاخيرة .. يالحظي )
لم يستطع منع ضحكته التي زادت حنقها فسألته ( ما اكثر شيء كنت فاشل به )
كان سؤالها عفويا الا ان انقلاب ملامحه المفاجئ آلمها .. انتظرت جوابه ولكن صمته استمر وقد تركزت عيناه على الطريق .. شعرت بالالم لما سببته له دون ان تفهم ما حدث ولكنها ارادت اصلاح خطئها فقالت ( حسنا لنتجاهل هذا السؤال وسيكون عقابك هو ان تشتري لي غداء على حسابك )
نظرت نحوه وهي تتكلم ففاجأها بحركة راسه الرافضة وهو يجيبها ببطء .( كنت فاشل دوما في الحفاظ على من احب .. فدوما ما اتسبب بايلامهم فيتركوني )
كلامه الذي يقطر ندما ووجعا جعلها ترفع يده وتقبلها بكل عشقها وهي تهمس ( في بعض الاحيان .. يجب ان نترك من نحبهم ليقررو بانفسهم .. فان عادو الينا فسيكونون من نصيبنا .. اما ان لم يعودو .. فهذا يعني انهم ليسو قدرنا )
تفاجأت بالتفافه عليها وبسؤاله المتلهف ( و .. هل انت قدري )
فاجأها سؤاله فارتبكت لوهلة جعلت عيناه يظلمان وهما تعودان بخيبة لتتركزا على الطريق .. تنهدت وضمت بجراة يده على صدرها في موضع قلبها ( وهل هذا قلب امراة عاشقة )
جوابها فاجأه فعاد للالتفات نحوها وعيناه تحملان مشاعر شتى ( ومن تامر لك .. )
قضمت شفاهها وعمق شعلتي عيناه يخترقها ( مجرد شخص .. عرفته يوما .. ظننته حبا .. ولكن .. هذا القلب لم ينبض له... نبض لغيره )
كانت السيارة قد توقفت على قارعة الطريق في تلك اللحظة فعاد انتباه قاسم اليها ليحتويها بنظراته بالكامل مما اشعرها بانها عرضة لغزوه الذي يكشف ضعفها وغرامها وتعلقها و .. قرار فراقها النهائي ( وهل ترينني اهل لهذا النبض )
ابتسمت بحزن متسائلة ( وهل انا اهل لاهتمامك هذا )
اجاب بسرعة ( اجل .. انت .. )
ولكن صوته خفت وعيناها تتحديانه ان يتابع .. سألته ببطء متالم ( ما دليلك .. من انا لك )
تلاحقت انفاسه ( انت .. لقد اخبرتك .. انت مرآتي التي تعكسني )
التمعت عيناها بدموعها الحبيسة ( افلا تنكسر المرآة يوما ؟ .. افلا تفقد حاجتك لها عندما تعود ابيضا .. اذن من هي المرأة بحياتك .. اهي هيام )
عقد حاجباه بضعف متاوه ( انها .. اجل لقد كانت تمثل لي كل ما اردته في النساء يوما .. حتى .. رايتك .. وصعقت بما تمثلينه لي بدورك ).
رفعت اكتافها مناجية ( اذن هي خيالك وانا واقعك.. ترى ما هي اكثر لحظة ندمت عليها .. اهي لحظة رؤيتك لي )
رمش بعينيه وتأوهه يرتفع .. ( لقد اضعتني باسئلتك التي تفهمين جوابها بشكل خاطئ .. ان كانت هيام خيال فهي من لم اعد اريدها كحلم .. وان كنت انت كواقع فانا اريد ان اعيش هذا الواقع رغم الالم .. واجل .. ندمت .. في العديد من المرات ندمت .. ولكن ما ذكرته لم يكن احد تلك المرات )
سألته ببطء ( اذن لما تعاملني بقسوة .. وما الذي ندمت عليه ولم تستطع تغيره رغم ذلك او الاعتذار عنه )
تلاحقت انفاسه بسرعة والسكون يحيط بهما .. سكون جعلها تندم على انفجارها ومع ذلك كانت تشعر بالجنون الذي يستوطنها لتستقي كل ما يخفيه قاسم عنها ( اعاملك بقسوة .. لانك بضعفك كنت تكشفين اعتى نقاط قوتي وتهزينها .. لاني معك اكتشفت جانبا مخيفا في نفسي فلم اعد اثق بقراراتي .. لاني ارى ظلامي ونوري .. صراعي وسكينتي .. وحشيتي ونذالتي كلما رايتك وتعاملت معك وجرحتك .. )
وانتفض ويده تجذبها لتعتدل بجلستها وقد ضغطها باتجاهه مما تسبب بانغراس ذراع السرعة في خاصرتها ومع ذلك لم تهتم للالم وهي تغرق بذلك العنف الذي احرق وجه قاسم ( اتعلمين اني ندمت بقوة على لحظة تسببت فيها بالالم لشخص هو الروح لي .. ومع ذلك لم استطع ان اعتذر له عنها .. لان اعتذاري سيكون اعترافا ضمنيا بخطئي واذا اعترفت بخطئي فسيكون مطلوبا مني ان اصحح هذا الخطأ .. والان .. قد تأخرت كثيرا على تصحيح هذا الخطأ .. )
كان يتكلم باندفاع لاهث .. كمن يتخلص من حمل ثقيل يرزخ اسفله .. تسارع لهاثه وهو يتابع ( الاجتماع بهذا الشخص لاعتذر اصبح صعبا .. فسيكون هذا كمن يتوسل اليه ان يبقى بعد ان اتخذ قرار الرحيل .. انا اناني .. ولكني .. معه .. لم ارد ان افرض انانيتي بهذا الشكل عليه فلقد المته كثيرا )
كلامه الغامض اخافها وبنفس القدر حيرها .. ترى .. هل هي المعنية بكلامه .. هل هو نادم على قسوته معها .. بهمس سألته ( لماذا ..هل انت خائف ان تسامحك )
ابتسم بحزن وهو يتركها ويعود ليستند على ظهر مقعد السيارة وقد اغلق عيناه مجيبا بالم هازئ ( اجل خائف من مسامحتها التي لا استحقها والتي اثق انها ستمنحني اياها.. )
كانت مرعوبة ومتألمة وتعلم انها تمشي بطريق سيجرحها هي في النهاية ( لماذا انت واثق من مسامحتها ؟)
عاد الصمت مرة اخرى وثقل الجواب يكتم على صدرها .. ببطء سمعت حروفه ( لانها .. تحبني .. وقد منحتني اصلا المسامحة حتى دون اعتذاري )
كلامه زاد شكها .. كنصل تغرسه بقلبها بعمق بطيء .. متأوهة بألم اكبر وروحها تناجيه .. لماذا لم اكن انا من تطالبها بفرصة ثانية .. منذ متى لم تكن انانيا معي .. اهذا يعني انها هي .. ام انها شخص اخر .. متى سأحل لغزك يا قاسم .. وبتهدج حاولت التحكم به ( ما أصعب الاعتذار لمن نحب .. اليس كذلك .. فعندها سنضطر ان نواجه انفسنا مما كنا نهرب منه .. ان نواجه خيار اننا كنا سبب بتعاسة هؤلاء اللذين نعشقهم )
صمته جعلها تدرك انها وصلت لمداها ونسيت الهدف من هذا اليوم .. تنحنحنت محاولة جلو صوتها وهي تعيد صياغة سؤالها بلهجة اكثر مرحا تخفي بها روحها التي تئن بعشقه ( لقد نسينا انفسنا .. هيا لنكمل خطتنا )
والتفتت وقد نوت ان تترجل من السيارة الا ان يد قاسم سبقتها وهي تمسك بمعصمها وصوته القاصف يسالها ( وهل كنت سبب تعاسة شخص..هل ندمت بدورك )
التفتت نحوه قائلة ( ساجيبك .. ولكن ليس الان .. ساجيبك بعد ان اعيش يومي السعيد )
في قرارة نفسها علمت انها لن تستطيع ان تخبره في هذه اللحظة وكلاهما يبحث عن ذكرى جميلة .. رأت المقاومة في عيناه لوهلة قبل ان تلين ملامحه ويكتنفها الغموض وهو يجيب ( اجل .. لما لا .. هيا .. دعينا ندخل الى المكان الاول الذي اخترته لك )
لم تكن قد انتبهت على مكان وقوفهم فالتفتت سريعا لتلاحظ للوهلة الاولى اسم المكان .. شهقت بذهول قائلة ( حديقة الحيوان ..صدقا غريبة )
موجة سعادة اضاءت حزنها في تلك اللحظة وابتسامة حمقاء ترتسم على شفاهها وهي تترجل بلهفة .. سمعت صوت قاسم يصدح ضاحكا ( اجل .. كنت واثقا انك ستتمنين رؤيتها فلديك عادة غريبة بالتطريز غالبا ما كانت تطريزاتك تمثل اشكال ارانب او غزلان او طيور .. لذا .. اعتقدت ان الطبيعة شيء يثير فضولك )
التفتت اليه ضاحكة وقد قررت ان تعود لمرحها بشكل مؤقت وهي تشير اليه بطرف اصبعها غامزة ( لك واحدة .. يبدو ان هناك شخصا يجيد قراءة الاحياء كما الاموات .. الا لو اعتبرنا انك تفهم بالتطريز اكثر )
وضحكت على لمحات ذهوله ثم انطلقت امامه كطفلة دخلت دنيا العجائب ... وبلهفة اخذت تتنقل بين الحيوانات .. كائنات تراها للمرة الاولى .. كانت تصفق بسعادة للقرد وتشهق بذهول على طول الزرافة وتنظر باستغراب على ضخامة الفيل وتشعر بالفخر من مشية الاسد الملكية .. لم تتوقع ان يندمج معها قاسم الا انه شاركها حماسها في النهاية كما انه اشبعها بعباراته الساخرة بلطف منها ومن ردة فعلها على كل حيوان .. مر وقتها سريعا جدا حتى حل الغذاء فدعاها الى مطعم الحديقة حيث تناولو بعض شطائر اللحم .. وهناك .. لاحظت للمرة الاولى نظرات من حولها لقاسم .. كما انتبهت انه لم يخفي وجهه كما اعتاد .. سمعت صوت ضحكات هازئة خلفها فالتفتت لترى مجموعة من الفتيان والفتيات يتغامزون بطريقة منفرة باتجاه قاسم .. اسلوبهم المهمل اثار غضبها فالتفتت الى قاسم الذي كان ينظر حوله بلامبالاة تمثيلية ادركتها من كفيه المقبوضتين بقوة .. وقفت ببطء فالتفت لها متسائلا لتجيبه ( سأذهب الى الحمام )
وتحركت سريعا دون ان تنسى ان تمسك بيدها مشروبها الغازي الاحمر اللون الذي لم تنهيه بعد .. وعندما اقتربت من طاولة الفتية لاحظت نظراتهم الوقحة فتعمدت التعرقل بجانبهم وهي تستند على طاولتهم في نفس اللحظة التي وضعت شرابها بعفوية عليها وبطريقة جعلت من بجانبها يقف فجاة ظنا ان الشراب سيسقط عليه .. شهقت معتذرة بتمثيل وقد انحنت متظاهرة بربط حذائها وهي تثرثر ( اووه اعذروني .. انا خرقاء بالكامل .. هذا الحذاء سيسبب مصيبة و .. اااه )
كانت قد وقفت بشكل فجائي وقد تظاهرت بالاصطدام بالطاولة مما سبب ارتجاجها بقوة سكبت كل الشراب الذي على الطاولة على ثياب الفتية الذين تعالى صراخهم وشهقاتهم والفوضى تعم المكان وورد تتعمد اظهار اعتذارها وبدموع كاذبة اخذت تتمتم ( لقد لمسني ذلك الحقير وانا منحنية اعدل حذائي )
تهمة اخذ ينفيها الشاب الاقرب منها وقد انتشرت الفوضى واخذ الناس ينظرون باشمئزاز على الفتى ومن معه وورد تزيد من بكائها التمثيلي .. وبلحظة كان قاسم بجانبها يعتذر من المتجمهرين وقد جاء مدير المطعم الذي اخذ يعتذر منها وقد طلب من الفتية المغادرة الفورية رغم اعتراضاتهم الحانقة .. وعندما اراد قاسم المغادرة اصر المدير عليه ليتناولو الطعام الا ان قاسم اصر بدوره على المغادرة ويده تعتصر كف ورد بطريقة استشعرت غضبه العميق فيها .. كانت قد استنتجت سبب غضبه ومع ذلك لم تندم على تصرفها واستعدت للدفاع عن نفسها امامه وهو يجرها بعصبية خلفه حتى ركبو في السيارة التي قادها بعنف سريع صارخا بها عندما ارادت التحدث ( لا تتكلمي..الان.. يبدو انه لا فائدة من المواجهة ..انتظري ريثما نصل الى المكان الذي طلبته .. المكان الذي يمثلنا )
واضاف الجملة الاخيرة بسخرية مخيفة..كانت تعلم انه قد فسر تصرفها بطريقة خاطئة..تذكرت ما قاله مرة عن كونه لن يحتمل ان يرى تشوهه بعينيها ..فهمت لما خرج اليوم بطبيعته فيبدو انه اراد ان يتذكر هذا اليوم كقاسم بكل ملامحه .. تصرفها الذي كان له مبرر عندها شعرت بتهوره في تلك اللحظة ومع ذلك لن تضعف امامه .. على الاقل ليس الان اثناء المواجهة..عند تلك الفكرة توقفت السيارة وترجل قاسم سريعا منها .. ترجلت بدورها لترى البحر ممتد امامها وهو شبه فارغ من البشر بسبب برودة الجو وصوته يعلو حاملا اتهامه في نبراته ( دوما..دوما ما كان البحر موضع نقاشاتنا وكلامنا..لذا بدا لي انه خير من يمثلنا ) وصمت لوهلة قبل التفاته نحوها قائلا بهدوء يخفي رياح غضبه الجنونية ( ماهذا الاستعراض ..ترى..هل اصبحتي تخجلين من كونك تخرجين معي .. الم يعجبك ان يسخرو مني .. ولكنهم لم يفعلو شيئا جديد ..فانا معتاد على ذلك .. يبدو ان اظهارك تقبلك لي مجرد تمثيل ت )
قاطعته بحزم كبير ( كلا يا قاسم .. لم افعل ذلك لاجلي او لاجلك .. بل ليفهم هؤلاء التافهين درسهم بالحياة .. اتذكر لحظة ان انحنيت لالتقط المنديل .. عندها استغليت الفوضى لاهمس في اذن احدى الفتيات ( الجزاء من جنس العمل .. فاحسنو التصرف كي لا تقعو بورطة ) .. )
صفق قاسم باستهزاء وصوته يعلو بين ذرات الرياح التي اخذت تصفعهم بقوة باردة ( احسنتي والله .. ولم تجدي سوى هذه الفرصة لتقومي بهذا الدرس وتقدمي هذه النصيحة .. ورررد .. اتظنيني طفلا لتضحكي علي فيبدو انك تخجلين من كون المشوه يقف بجانبك )
زفرت ورد انفاسها بتعب مجيبة ( صدقني قاسم .. لقد اخبرتك سابقا ان مظهرك اصبح جزء من روحي ولكن .. يبدوانك انت من لا تتقبل الامر لذا .. لم .. لم لم تقم بعملية تجميلية لموضع التشوه في وجهك .. انا واثقة ان بامكان الاطباء ان .. )
قاطعها وقد اغشيت عيناه بقناع حديدي ( اذن انت جيدة بما يكفي لتطلبي مني ان اقوم بالعملية التجميلية لاجل نفسي وليس لانك اصبحتي تشعرين بنقصي عندما تقارنينني بغيري من .. )
قاطعته بدورها بصرخة اثقلت بالغضب وقد نفذ صبرها منه ( كفى ... كفى .. ارجوك كف عن وضع نفسك ووضعي بكفة المقارنة مع الغير .. كلما اردت النسيان تعود لتذكر ازواجي وبقية الرجال .. هل اظهرت لك يوما اشمئزازي من مظهرك .. هل لاحظت في اي وقت اني اتذكر الرجال الاخرين وانا معك .. لماذا تقوم بهذا ..لماذا .. الست انت من قلت لي ان المظهر الخارجي غير مهم .. لماذا تتصرف هكذا معي)
ارتفع صوته بدوره ويده تلوح بالهواء بجنون ( لا تصرخي وكفي عن التمثيل .. كفي عن اظهاري بهذا السوء .. هل نسيت نفسك ونسيت من انت .. )
لوهلة واحدة فقط سكن كل شيء حولها .. كلماته التي اخذت ترن في ذرات الهواء وقد عم الهدوء كمن يسبق عاصفة عاتية انبأت بعظم ما ستحتويه من كلمات .. كلمات علت بنبرة اتهامية منها ( انت .. انت .. مالذي تريده مني .. فقط اخبرني .. لماذا تعاملني هكذا .. لماذا انا .. لماذا تكرررهني )
صرخت بالكلمة الاخيرة بعنف رج قلبها قبل ان يرتج صدى الصوت في الاجواء .. عيناها اللتان استوقدتا بالنار الذي تجمر من طول عذابها ناجيتاه لتعرفا سبب تعامله هكذا معها .. خفت صوتها بشكل فجائي ونبرة مغايرة تخالطه وهي تخاطبه بتوسل ( فقط ارح قلبي .. فقط اخبرني .. لقد رأيتك كيف تعامل الجميع في كل مكان .. رغم كل كلامهم .. رغم كل استهزائهم الا انك كنت راقيا معهم .. ولكن .. انا .. انا )
اخترقت كلماتها صرخته التي كسرت حاجز الصمت الذي غلف نفسه به ( انت ماذا ... انت ماذا .. لماذا فقط تقارنين نفسك معهم وانت ... انت ... انت كل شيء .. دوما ما سالتيني ولم اجبك .. حاولت ان ارحمك من هول المعرفة .. ولكن .. حسنا .. اتودين معرفة لماذا انت ... لأنك هنا ... هناااا )
وضرب بقبضة يده على صدره في موضع قلبه وهو يتابع بخفوت تدريجي يائس ( اجل .. انت بداخل هذا القلب الذي اسودت اركانه فما عاد يضخ سوى الكره والألم في جسدي وروحي .. وانت .. تتوسطين هذا السواد ... بنورك ... ذلك النور الذي اتشربه بنهم ليتحول الى فيضان من الظلام يرتد اليك .. اتعتقدين اني سعيد بما افعله معك ... كلا ... كلااااا )
واقترب منها بلمحة وهو يمسك ذراعيها بقسوة وقد ابتدأ بهزها بقوة ( انا اود ان اعيش بشكل طبيعي .. اود ان اشعر بتلك السعادة التي كانت من نصيبي يوما .. اود لو اتمكن من احتواء المك والتسامح مع ماضيك .. اود واود واود .. ولكني .. لم انجح .. لم انجح .. )
وصمت فجأة وعيناه تنظران اليها بطريقة غريبة لمع فيها الحزن المختلط بتيار عنيف بعث حمم حارقة في اوردتها من ذلك التملك الجبار .. وبشعور تسلل عميقا اليها كما تسللت يداه لتحيطا وجنتيها وانفاسه تلفح وجهها وقد اقترب منها حتى كادت ان تلمس شفاهه ثغرها .. ليقول بصوت بح من عظم ما يحمله من احاسيس ( انت الان تمثلين لي تلك الشعرة التي اتمسك بها كي لا اسقط في هاوية جحيمي ... عشقك الذي استوطنني غدا لي كزاد اقتات عليه كي احمي روحي من العطب .. ذلك الحب الذي منحتيني اياه ... غرامك الذي اشعل كياني .. انوثتك التي تغلغلت الى مسامي ... انت لعنتي .. وانت شفائي .. )
وعاد لصمته وعيناه تفيضان بجنون مشاعره .. جنون اسرها بعنفه .. عادت همسته لتعلو ( اتذكرين عندما قلت لي باني يجب ان اتعلم منك المسامحة التي تستمدين منها قوتك .. اجل .. اردت التخلص من حقدي .. اردت ان اشرب من نفس نبعك بكافة تفاصيله .. لذا اصبحت احاول معاملة الجميع بشكل جيد ومسامحتهم بدل اظهار برودي وغضبي منهم .. اعلم اني فشلت كثيرا ولكني كلما رايتك اعود لاحاول هذا .. انت يا ورد لا تعلمين ما تفعلينه بي لذا تساليني دوما عما اريده منك مع ان جوابي واضح .. للتو عندما سالتك عمن تسببت بتعاسته كنت اعلم بالاجابة )
همست بتخاذل ويديها تستندان على صدره ( وما هي )
ابتسم بحزن مرير مجيبا ( انها انت نفسك من تسببت بتعاسة نفسك )
شهقت ويدها تكتم فمها وقد سالت دموعها كمن يقر بذنبه .. حرك راسه باستسلام وابتعد عنها ملتفتا على البحر متاوها ( ااه يا ورد .. ااه .. انت بالتاكيد اتعست نفسك عندما قبلتي بي .. قبلت ببركان الكره المجنون)
كلماته صعقتها وبلا ارادة وجدت نفسها تضمه من الخلف وراسها يستند على ظهره وقد استقرت يداها على صدره متاوهة بدورها ( كلااا يا قاسم ليس هكذا .. تعاستي ليست بسببك .. انما بسبب شعوري بسلبيتي التي اوصلتني للضعف لولاك لما نبذته ولبقيت في الوحل .. هذا ما ادركته عندما ذهبت الى بلدتك .. عندما رايت كيف تستسلم الفتاة لقدرها الظالم وليس لها ذنب سوى كونها انثى .. مقايضات وبيع وشراء هي صفقة تكون طرف فيها دون ارادتها بحجة انها فتاة .. وانا كنت هكذا .. كنت كمن ينتظر عصا الساحر ليبدل احواله دون ان يتحرك .. هذا ما لا اوده الان .. لانه بسبب سلبيتي اصبتك واصبت نفسي بالتعاسة .. ولذا .. لذا اردت تغير علاقتنا كي لا اندم في المستقبل لذا .. انت بدورك تعلم ما هذا اليوم .. اليس كذلك .. انت تعلم قراري الذي اود اخبارك به)
تلاحقت انفاسه وهو يلتفت اليها ببطء وعيناه تموجان بما يجيش به صدره وقد ارتسم سؤاله على ثغره ( وما هو اليوم يا ورد .. اود سماع جوابك بنفسي كي اتاكد .. ما هو قرارك )
نظرت اليه وروحها تهيم عشقا به .. رفعت كفيها لتضم وجهه وقد غابت عما حولها ( بل انت تدرك جيدا الامر .. كما انك تحاول التماسك امامي ومجاراتي لانك تعلم انه لا يوجد امامنا حل اخر .. اجل .. نحن الان مجروحين .. كلانا يحاول الشفاء من اجل الاخر ولكن هذا يجعلنا نجرح بعضنا بصورة متكررة وباتهامات لا تخرج سوى كحجج واهية .. ما فعلته اليوم وامس معي يؤكد هذا .. انت كنت تريني نفسك الحقيقية التي ستحاول ان تكونها عندما نعود لبعضنا .. تحاول ان تترك ذلك الاثر الذي سيجعلني اتمسك بك فيما بعد .. تحاول ان ترسم هدفا تسعى لتحقيقه كي تتمكن من الوصول الي .. ان تكون ذلك الرجل الذي نام معي البارحة .. ذلك الرجل الذي اطعم الحيوانات ببساطة لان هذا يسعدني .. وانا .. انا ايضا حاولت ان اريك ورد التي ستستقبلك بسعادة .. ورد التي ستشفي ضعفها وسلبيتها واعتمادها المخزي عليك .. والان .. كذبني واخبرني انك تستطيع العيش بدوني وان فراقي لا يهمك .. كذبني واخبرني بانك لا تود عودتي لك .. كذبني وبرر لي تصرفاتك وتعمدك جرحي في كل مرة .. كذبني واخبرني بانك انت من لن تعود لي )
شعرت بتقافز نبضاته وبارتعاشه الجنوني بين يديها اللتان كانتا تتموضعان على صدره في تلك اللحظة ..وبجنون زادت ضمه دون ان تعلم ان كانت تحمي نفسها ام تحميه من عصف الرياح التي تسللت الى اجسادهم .. اخرج انفاسه المرتجفة ومعها خرجت كلماته الضعيفة ( ورد .. انا خائف .. اجل .. انا خائف منك .. خائف من ذلك الكائن الذي تتسببين بظهوره .. خائف ان افترسك بانيابي المظلمة فاقتلك دون ان انتبه لذلك .. اقتل ورد العاشقة للحياة بذلك الوحش المتعطش لك .. معك ذقت اهوال خوف فقدك في كل دقيقة وانا لا اود ان اذوق السعادة كي لا اعتادها عندما تتركيني .. لم اعد اؤمن بالحب منذ زمن ولكن .. معك ترجيت ودعيت ان يكون سبب لاحتمالك لي فترة اطول قبل ان تقررين الفراق )
بدورها تلاحقت انفاسها وعيناها تتوسلانه ( لماذا ظننت اني سافارقك .. لماذا تعاملت معي على اني سافعل هذا )
اجابها ببطء ويداه ترتفعان لتضمان وجنتيها مزيلا بطرف ابهاميه دموعها ( لاني كنت واثقا من هذا وقد حدث كما ترين .. ورد .. انت كالعصفور المجروح ..العصفور الذي بعد ان نعالجه يصبح عاشق للتحليق .. دوما ما كنت تنظرين الى السماء في اشد ازمات حزنك لتتغير ملامحك الى السعادة الحبيسة .. ورد .. انا فقط من ارى جرحك الذي عالجتيه .. والان .. انا اقيدك .. وانت تعلمين هذا .. انا معك باني اردت ان اترك لنفسي ولك بعض الامل باني قادر على ان اتغير .. قادر على ان اكون ذلك الرجل الذي تريدينه .. سالتني دوما مالذي اريده منك ولماذا اعاملك غير الجميع ولكني دوما ما تهربت من الاجابة .. اتعلمين لماذا .. لان جوابي سيكون اصدارا لحكم فراقنا فما ان تسمعيه حتى يتوجب علي مغادرتك يا ورد .. والان .. يبدو ان اوان الجواب قد ازف )
انقباض مخيف اصابها وشعور بانه يودعها جعلها تتراجع عن اي تفكير كانت تنتويه وقد رفعت يديها لتغلق فمه راجية ( كلا .. لم اعد اريد ان اعرف شيئا .. بل لم اعد اود ان تتغير .. انا حمقاء .. انا انانية .. كيف لم اقدر كل ما قمت به لي .. كيف تسمي نفسك قيدا وانا .. انا .. ياللهي يا قاسم .. ارجوك لا تجيب )
اضافت جملتها الاخيرة بانهيار وقاسم يرفع يدها عن فمه ببطء .. وهو يسندها عليه بحنان هائل فاض حتى اكتسحها .. اجابها وعيناه تدمعان ( لاني .. احبك ... لاني اعشقك .. معك عرفت الغرام .. عرفت الهيام .. انت من وصلت الى قاسم الحقيقي فهدمت حصونه وتملكت عرشه .. الجميع كان مجرد زائرين يطوفون عند حدود قلاع قلبي دون ان يتركو اي اثر .. حتى هيام .. كرامتي قد جرحت اكثر من حبي لذا كان تعاملي معها سهلا .. ولكنك غير الجميع .. فانت رايت عيوبي يا ورد ومع ذلك احببتيني وصبرتي علي .. تقبلت تشوهي قبل وسامتي حتى وانا احاول ان اثبت لنفسي العكس كي لا ازداد تعلقا بك فلا اتمكن من تركك .. اتعلمين متى يعلم المرء انه وجد نصفه الاخر .. عندما يصبح هذا النصف كنفسه .. عندما يعترف باسوء شيء به ومع ذلك يبقى ويجد العذر لتصرفه .. عندما يتقبلك حبيبك كما انت فلا يحاول تغييرك .. اجل .. اعلم جيدا انك قمت بتصرفك امام اؤلئك الفتية معرضة نفسك للاحراج لانك علمت اني متضايق .. اعلم انك دوما ما تضحين لاجلي .. واعلم انك في كل مرة تودين تركي وكرهي يعود حبك ليمنعك من هذا ..و اجل يا ورد انا واثق انك تودين ان نفترق قليلا كي لا يتحول حبك الى كره بسبب ظلمي الزائد لك .. لانك انسانة .. وبالطبع لن تحتملي دوما سوادي .. لقد اخبرتك باني اود لو اتغير .. اود لو اكف عن ظلمك .. الا اني لا انجح .. حتى ليوم واحد اردته كذكرى جميلة افسدت كل شيء )
كلماته كانت دوما ما تتمنى ورد ان تسمعها منه الا انها الان وبعد ان سمعتها بهذه الطريقة تمنت لو انها لم تسمعها .. ذلك الحب الذي احاطها بنظرته لها وقد اسقط واخيرا كل اقنعته عنها اوقف انفاسها وارعبها بجنون .. على حافة الهاوية تمشي دون منقذ .. هذا تحديدا كان شعورها في تلك اللحظة .. قاسم سيتركها .. اجل سيتركها .. عادت شهقات بكائها ترتفع بجنون وهي تضم راسها على صدره دون خجل وقد نسيت المكان اللذان يقفان به .. وبهمسات لحوحة اخذت تردد ( لا تتركني .. ليس بعد اعترافك هذا )
شعرت بتشنجه في البدء ولكنه عاد ليضمها ببطء وزفرة طويلة مع اهة الم تخرج من شفاهه وهو يتمتم ( يالهي ما اتعسني .. حتى وانا احقق لك طلبك .. حتى وانا امنحك ما كان يجب علي منحك اياه منذ زمن .. حتى وانا اعترف بحبي لك .. لازلت اسبب حزنك .. لازلت مصدر دمعك والمك .. لازلت اضغط عليك كي تعتبري تضحيتك واجبا عليك .. وردددد ... حبيبتي )
كلمة سحرية اوقفت دموعها وروحها تهفو عاليا جدا .. ببطء رفعت راسها كالمسحورة وعيناها تتشبثان به لتتاكد من انه قالها .. شعرت بيده تعود الى وجنتها وتزيل دموعها ( اليوم زفافك .. انسيت .. اليوم ساعترف لك وللعالم اجمع انك حبيبتي .. لذا .. ارجوك .. لننسى كل شيء ودعيني اعيش شعور فخري بكونك زوجتي امام الجميع )
بحماقة رددت بلا وعي ( ولكنك تحتقرني .. لقد قلت في تلك المرة انني )
ولم تكمل واصبعه يرتفع الى فمها ليغلقه محركا راسه بالرفض ( اجل .. فعلت .. وهذه هي اللحظة التي اخبرتك عنها .. اللحظة التي ندمت عليها .. اللحظة التي اذيت روحي باذيتك .. عندما تنكرت لك كالاحمق .. عندما رايت منظرك وانت شبه مغتصبة .. يومها .. اردت ان اضحض المي وجنوني وافجر غضبي فلم اجد سواك لهذا .. كنت نذلا حقيرا وانا اتخلى عنك يا ورد .. وبعدها لم اعتذر لاني كنت واثقا اني اذا اعتذرت فهذا يعني ان اكف عن ظلمك .. وبما اني جبان فلم اجد بعد الطريقة لهذا .. والان .. انا اود بطمع ان افتخر بكِ .. من حقك الرفض طبعا ولكن .. يبدو انني ساجبرك ايضا .. كما اعتدت ان افعل .. ساجبرك ان تظهري امام زملائي اي انسان جيد انا .. واي انسانة سعيدة انت .. ارايت .. ارايت كم انا ظال )
قاطعته صارخة بالم ( لست ظالم ..كف عن محاولةاظهار سوادك لي كي تجبرني على التحليق بعيدا عنك كما تقول .. اتعلم .. اجل انت ظالم .. بل انت اكبر اناني .. ومع ذلك .. ساظهر سعادتي للجميع .. وساظهر كم انا محظوظة بك .. ليس لاجلك .. ولكن لاكيد هيام التي تود الرجوع لك وتعتقد انك ستعود لها بعد ان تتركني .. ارايت كم انا انسانة عادية تغار وتقارن وتذنب)
انهت كلامها بجنون غاضب وقد تشوشت كل احاسيسها فلم تعد تفهم نفسها ولا تفهم ما تريده منه .. نظر اليها بذهول للحظة قبل انفجاره بالضحك بطريقة اثارت جنونها اكثر فاخذت تضربه على صدره وهي تصرخ ( لا تضحك .. انت غبي .. انت وحش .. انت نذل .. انت عديم الاحساس .. انت .. انت حبيبي )
وانهارت بين ذراعيه فضمها اليه متمتما ( وانت مجنونة .. يا حبيبتي المجنونة ... والان .. هيا يا عروسي.. ساخذك الان وانت هكذا .. بهذه الدموع .. كي تثبتي للجميع .. كم .. احبك .. وكم.. انت سعيدة )
ترددت هذه الكلمات طويلا في مخيلتها وهي تقف امامه وجسده قد غطته الدماء وقد تسجى امامها .. كلمات تضافرت مع اخرى كتبها في ورقة كانت تقبض عليها بيدها وكان روحها معلقة بها .. ( اعذريني يا ورد .. لقد هربت مرة اخرى من بين ذراعيك .. ولكن .. هذه المرة لاني خائف من ان افارقك وانفذ وعدي .. بعد ليلة امس .. بعد اعلان زواجنا امام الجميع .. تلك الذكريات التي اردت الاستعانة بها لتفارقيني .. زادتني عشقا لك .. جعلتني ارغب ان اتمسك بك بقوة اكبر .. حتى ان كنت اظلمك .. ما فعلتيه جعلني انانيا بقوة .. لذا .. لا اريدك ان تفارقيني .. اتعلمين وانتي نائمة بالامس بين يدي مالذي فكرت به .. فكرت ان انجب طفلا منك .. طفلا اتمنى ان يكون به علاجي .. كان هذا حلم غريب اردته في هذه الليلة التي عشتها بحبي .. ترى .. هل ستذكريني وتمتنعين عن فراقي .. ساتركك لاسبوع
كي تفكري جيدا .. اسبوع ساقضيه في مهمة مستعجلة مفاجئة على الحدود .. هناك خلية ارهابية طلبونا لنحقق معهم .. اتمنى .. ان يتغير كل شيء .. في النهاية .. واعدك .. ان قررت البقاء ان احاول الا نفترق )
تلك الكلمات التي وجدتها بجانبها قبل اربعة ايام .. كلمات غيرت كل تفكيرها .. تمتمت بخفوت مبحوح ويدها المرتعشة تمسك يده المرتخية .. ( هل تعتقد اني سانسى ذلك اليوم .. او تلك الليلة .. هل حقا بعد هذا تظن اني سافارقك .. بعد ان .. بعد ان اكتشفت اني حامل .. لقد وعدتني ان لا تتركني .. لمرة واحدة .. ارجوك الا تخذلني .. ارجوك ان تعود مرة اخرى لي وتخرج سالما من هذا .. ارجوك .. انا قد ندمت على قراري .. ندمت على رغبة فراقك .. فقط .. سامحني لتعوود .. فقط ... )
( سيدتي .. يجب ان نأخذه الان .. كل ثانية قد تعني الحياة له .. فقط ادعي الله )
ابتعدت ببطء بعد سماعها صوت تلك المراة التي ترتدي روبها الاخضر الخاص بالعمليات .. عيناها لازالت تناجيانه وقد تجمدت الدموع فيهما ويدها ارتفعت لتودعه على امل لقائه .. اما الاخرى فاستقرت على بطنها .. لتعود بذهنها مرة اخرى لذلك اليوم .. وتلك الليلة .

حورية حسين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 41
نقاط : 45
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بيع أنثى ( كاملة )

مُساهمة  حورية حسين في الأربعاء أكتوبر 03, 2018 8:43 pm

الخاتمة

الحياة .. درس طويل نعيشه .. بخيره .. وبشره .. من بين ايامها تبزع امامنا بمنعطفاتها الحادة .. تلك المحطات التي نجتازها و بكياننا المكلوم من الصدمات .. ثم .. نأخذ نفس عميق .. نرتب اولوياتنا .. ننظر لما اصابنا فنقيمه.. ونخرج بخلاصة تجاربنا .. قد تكون تلك الايام او المحطات .. ماهي الا مفترقات طرق .. والتي عندها تتحول حياتنا حسب اختياراتنا .. او قد تكون رسالة انذار من الله .. لنقدر النعم التي نملكها فنحافظ عليها .. رسالة تكون بظاهرها كابتلاء .. ولكن باطنها ما هو الا خير خالص لنا .. فما اشتدت ظلمة الليل الا ليبزغ الفجر .. وما غلب العسر يسرين قد وعدنا بهما من خالقنا ( فإن مع العسر يسرا .. إن مع العسر يسرا ).. وعند نهاية كل نفق يظهر ذلك الضوء .. وتلك الحياة التي تنتظرنا لنجتاز السواد .. رحمة نبحث عنها في طيات المحن .. فتتجلى لتغسل قلوبنا .. بنظر ورد .. كان يوم زفافها الذي تعرفت فيه على قاسم هو اولى محطات انعطافها نحو التغير .. اما اليوم الاخر فهو اليوم الذي اعلنها فيه قاسم زوجة له امام الجميع .. لقد كان ذلك اليوم الذي فهمت فيه كل كلامها عنه بشكل عملي .. اليوم الذي ادركت جيدا من هو قاسم معها ومن هو مع غيرها .. رأت كيف ينصب ألف حاجز حول نفسه امام الجميع الا عيناها .. التي ما ان تلتحم بعيناه حتى تخر كل الحواجز كالهباء لينظر لها كقاسم .. فقط قاسم ..حبيبها.. بعثراته .. ومميزاته .. بغضبه .. قبل فرحه .. بروحه .. قبل جسده .
في ذلك اليوم .. أخذها الى محل للملابس حيث عرض عليها الثوب الذي اختاره لها .. كعروس .. بلونه السكري .. وبتفصيلته البسيطة التي تنساب برشاقة عليها .. وبرقة تتمايل تنورته الطويلة الواسعة الاطراف مع كل حركة .. وأكمام كاملة بتطريز لامع بسيط جدا مع حجاب أغمق بلونه من لون الثوب .. بدت فيه كأمرأة كاملة .. او كملاك يرفل بسعادة داخلية تطغى منعكسة على الخارج .. بنظراته لها شعرت بفخره بها .. وبيده التي احتجز كفها بها تقدم امام جميع زملائه والابتسامة تزين ثغره لتزيد حمرة حياء وجنتيها .. لم تستوعب كل من عرفها بهم لانها كانت مأخوذة به هو وهو يقدمها لهم .. ( زوجتي ورد ... زوجتي ورد ... ورد .. ورد ... وردة حياتي .. ورد )
كم أحبت اسمها من شفتيه وقد عزف كسمفونية عشق فخورة يعلنها امامهم .. عيناه اللتان لم تفارقاها بالكامل حتى وهو لا ينظر اليها بشكل مباشر .. جعلها تترأس الطاولة بجانبه .. اشركها في الحديث الدائر بينه وبين زملائه .. عمد الامساك بكفها من فترة لأخرى كي يزيد من شجاعتها على المواجهة .. بروحه عكس تقبله الكامل لها لتعكس بدورها غرامها الذي ظهر جليا عليها .. عشق بدا امام الجميع بعفوية صادقة لدرجة تعليق زملائه عليه بسخرية لطيفة و ظهور غيرة هيام الحارقة منها .. بلا أي مجهود فازت .. مقارنة يبدو ان الجميع كان يقوم بها سابقا وقد ظنو ان الفائزة هي هيام ليتفاجؤو بان النصر كان حليفا لورد .. بكل سلاسة .. وبلا تصنع او مبالغة .. بصدق احساس ظهر مع كل التفافة وهمسة اندمج كلاهما فنسا الجميع .. وهناك .. سمعت السؤال المسموم الذي انطلق من شفاه هيام ( قاسم .. متى تزوجتم .. عندما قدمتها لنا في المرة السابقة لم تخبرنا من هي .. ياترى متى احببتها .. هل بعد ذلك احببتها )
اضافتها الاخيرة لهيام كانت ساخرة .. وبثقة رسمت ابتسامة ظنت انها قوية تحدت بها قاسم .. بلهفة أعادت هي انظارها اليه وقد انقبض كفيها على قدميها بتوتر .. و بهدوء واثق شعرت بيد قاسم على كفها التي امسكها ورفعها مقبلا اياها برقة وهو يجيب بثقة ( هل سمعتي يا هيام عن ذلك القول الذي يقوله البعض في العشق بانه لا يعلم متى سقط فيه ولكنه يشعر انه منغرس في روحه منذ مولده .. هذا انا صراحة .. قصة زواجي معقدة قليلا .. تعقيدا نحن فقط من يحق لنا معرفته لذا لم نعلنها عندما حدثت .. ولكن .. سفينتنا رست اخيرا على بر الامان .. وهذا هو المهم )
كان جوابه كصفعة اعلنت كل قصته معها .. جواب لم تهتم بعده بشيء سواه لانه ببساطة منحها الشعور بالامان الذي بحثت عنه طوال حياتها .. الشعور بالانتماء لشخص يمثل لك روحه وتمثل له كيانه ... هيام .. لم تعد في الحسبان بعد ذلك .. فالمعادلة كانت باختصار هي ورد وقاسم وقصة عشق وحب وانتماء وعذاب .. فقط ورد وقاسم بلا اي طرف ثالث .. ذلك الادراك جعلها تسافر الى عوالم وردية كان بطلها قاسم الذي ارادت ان تمنحه كل شيء تملكه حتى انفاسها .. وقد فعلت .. ليلة قضتها بين ذراعيه تبثه عشقا لم تتخيل انها قد تحمله لشخص سواه .. كنبع غرام تفجر له وحده لينهل منه حتى الارتواء .. لم تتخيل يوما ان يكون التحام شخصين بهذه الروعة .. بهذه الخصوصية .. وبهذه الكلية .. وهذا التملك والاحتواء .. لم ترغب ان تنتهي تلك الليلة بل ارادت ان تخلدها وتوقف الزمن عندها لتتكرر وتتكرر وتتكرر .. ولكنها انتهت .. كما ابتدأت انتهت .. وكما انتهت سطرت في سجل ذكريات اخذت تسترجعها مرارا وتكرارا كزاد تتعلم منه قيمة ما تملك .
أجل .. هي ورد نفسها .. وأجل هذا هو قلبها العاشق .. وهذه هي روحها المناضلة .. وهذا هو ابنها الحبيب ذو الاربع سنوات .. ثمرة حياة ارادتها فكابرت وجاهدت حتى حصلت عليها .. ( أمي .. هل سنظل هنا نقف طويلا )
ارتسمت ابتسامتها على شفاهها وهي تنحني عليه لتبعثر شعره الاسود قائلة ( يووه يا سيد فارس .. انت حقا كوالدك عديم الصبر .. الم نتفق انه عندما ترى ماما تقف امام البحر ان تتركها للحظات مع نفسها )
تغضن جبين فارس بطفولة متذكرة ( ولكني تركتك .. وانت اطلت الشرود .. وانا مستعجل )
حركت راسها بيأس تمثيلي ( الان مستعجل .. اين من لم يظهر حماسه البارحة وينام مبكرا ليذهب معي .. ام تحب ان اذكرك ايها السيد المشاغب )
مط فارس شفاهه بحزن ( لست مشاغبا ماما .. كنت فقط اود ان اكمل اللعب لذا قلت لك اني لا اود الذهاب )
رفعت ورد حاجبيها بادراك تمثيلي مربتة على كتفه ( اذن يبدو ان هناك احد كاذب يحتاج الى العقاب )
ضرب فارس قدمه بتمرد ( لست كاذبا امي .. اتعلمين .. ساشكوك له فهو دوما ينصرني عليك .. والان هيا بنا )
شهقت ورد وقد خرجت حروفها بين عتابها وضحكها ( انت يا ولد .. تأدب .. من سيشكو من ولمن .. دعنا نرى ما سيقوله عندما اخبره انك لم تكن تود المجيء )
ظهر الخوف جليا على قسمات فارس وهو يجيبها بنبرة مهزوزة ( هذا خداع ماما .. انت لن تخبريه .. اليس كذلك )
رفعت ورد كتفيها بتحدي ( لنرى .. هل سأخبره او لا .. وهذا يعتمد على سلوكك ايها السيد الصغير .. فلقد اخطأت للتو عدة اخطاء.. اليس كذلك )
أخفض فارس عيناه بخجل متمتم بصوت طفولي ( انا ..اعتذر .. لن اكررها مرة ثانية )
اومأت ورد براسها متظاهرة بالتفكير وهي تشير الى السيارة ( حسنا .. سافكر باعتذارك ونحن في الطريق .. وسارى ان كنت اهلا لاسامحك ان وعدتني الا تكررها )
لوح فارس بيديه بحماس وهو يركض باتجاه السيارة صارخا ( اعدك ... اعدك ماما ... هيا لنذهب اليه .. انا مشتاق له )
تبعته بدورها وقلبها يفقد دقة من دقاته وهي تتمتم بعشق ( وانا اشتقت له .. كثيييرا جدا )
كانت تعلم ان حروفها لا تصف حجم شوقها .. ومع ذلك مجرد شعورها بقرب لقائه حفز كل خلاياها التائقة له .. بلهفة قادت السيارة وهي تغني بطفولة مع ابنها لتجتاز الطريق الطويلة نسبيا كي تصل اليه .. ساعة كاملة تقضيها كي تقف السيارة امام ذلك المبنى الضخم .. مبنى غريب بعض الشيء لا ينبئ بمحتواه ابدا .. ترجلت والشوق يحركها ويملأها وقدماها تكاد ان تطير لتصل اليه .. وهناك .. بعد ان اجتازت البوبات .. رأته يقف امام باب مكتبه وهو يستمع لاحدهم بهدوء مركز وقد عقد حاجبيه .. ابتسمت لمنظره لانه لم يتغير رغم كل شيء .. لازالت تراه كالمحقق كونان حتى بعد ان غير مهنته من التحقيق الى الارشاد .. هناك .. حيث يقومون بتجربة يتمنون ان تنجح كي يقللون من نسبة المجرمين في المجتمع .. انه مختبر علاج سلوكي .. حيث استهدفو فئة من الاطفال المسجونين في الاحداث وقامو باستجلابهم الى هذا المكان ليعملو على دراسة مشاكلهم وبناء شخصياتهم وتبني مواهبهم وعلاج مشاكلهم النفسية ليصبحو اعضاء فاعلين في المجتمع ..وقاسم كان من ضمن من وقع عليه الاختيار ليقيم الاطفال ودرجة خطورة جرائمهم ومشكلتهم الاساسية بالتعاون مع فريق اطباء نفسي ومعالجين سلوكين .. كان مشروع رائع بكل المقايس .. مشروع وجد قاسم فيه نفسه في كل طفل يقوم بعلاجه وتنمية مواهبه والتحكم والقضاء على جانبه المظلم.. صرخ فارس بحماس منادي ( بابا ) فالتفت قاسم اليه بدهشة تعلو وجهه تحولت بعدها الى فرحة غامرة وهو يتقدم من ابنه بعرجته الخفيفة وينحني على الارض ليتلقفه بعناق مشتاق اغرق وجهه فيه بالقبل .. تقدمت بدورها بخطواتها البطيئة فالتقت عيناها المشاكسة بعيني قاسم المشتاقتين بلوعة وعتاب .. راته يرفع حاجبه بتحدي مقابل وهو يقول ضاحكا لابنه ( اوووه فارس باشا .. ما اروع هذه المفاجئة .. كيف اخفيت عني البارحة هذا ولم تخبرني )
رفع فارس كتفيه بطفولة ( ماما قالت ان هذا سر )
وقف قاسم ببطء ويده لا تزال تربت على رأس ابنه ( مفاجأة مذهلة .. ترى ما سببها )
قضمت شفتيها باثارة وقد صبغت على صوتها لمحة دلال ( الشوق .. اليس سبب كافي .. ابنك .. اشتاق .. والح على الذهاب )
كانت تشدد على احرفها باشارة لمعنى يخالف ما تنطقه .. تمرد فارس قائلا ( انا لم الح يا والدي .. حتى اني لم اشأ ان اتي و ... اووبس )
اغلق فارس فمه بكفه وقد انتبه انه افشى سره .. ضحكت ورد على مظهر قاسم الذي عقد حاجبيه متسائلا ( لم تلح .. ايها المشاغب .. الم تشتق لي )
تلعثم فارس ونظر الى امه باستنجاد جعلها تتقدم منه لتضرب كتف قاسم بلطف ويدها الاخرى تجذب ابنها الى حضنها ( هيا قاسم .. ارحم الصغير .. ان لم تعجبك زيارتنا ولم تشتق لنا نعود .. لا بأس )
انهت كلامها وابتسامة خبيثة ترتسم على ثغرها وقد رأت انتفاضة قاسم الفورية وجذبه لفارس مرة اخرى الى احضانه وهو يهتف ( هل تظنون ان دخول الحمام مثل خروجه .. لقد جئتما الان .. لذا لن تخرجا الا معي والان تعالي الى المكتب لاريك شوقي فعلا لا قولا )
نظرته وايحاءه جعلا وجنتيها تشتعلان وقد تعمد ان يهمس الكلمة الاخيرة بجانب اذنها كي لا يسمعها احد غيرهما فاحرقت انفاسه روحها العاشقة .. باستسلام سمحت له ان يقودها وعند باب مكتبه راته ينادي على احدهم قائلا ( أحمد .. خذ فارس الى حجرة الالعاب قليلا وابقى بجانبه )
تقافز فارس بفرح وتبع أحمد دون ان يلتفت عليهما .. وهنا شعرت بيد قاسم تجذبها الى المكتب وتدخلها فيه وببطء سمعت اغلاق الباب بالمفتاح وتلاها اسدال الستائر حتى يعزل الحجرة .. قضمت شفاهها باثارة وقد رأت تبدل نظرة قاسم لتصبح عميقة متأججة وهو يسالها ( اذن .. لم نشتق .. اليس كذلك .. مَن البارحة اتصل بك واخذ يسرد عليك الحلم الذي راه وتركه ينتفض بشوق مجنون كان سيستسلم له ويترك المكان ليعود اليك ...ها .. من الذي يكاد يقضي كل ليلة وهو يتغزل بك .. من ... اووه لما اتكلم وانا بامكاني ان افعل )
تراجعت بسرعة ضاحكة وهي تهتف ( قاسم .. اهدئ .. انا )
ولم تكمل كلمتها التي انقطعت بقبلة متفجرة من قاسم طالت وتعمقت بجنون غير مسيطر به .. ابتعد عنها لاهثا وهو يتأوه بتذمر ( اللعنة ورد .. ما كان يجب ان تظهري امامي هنا .. كيف ساتحمل حتى نصل الى المنزل .. اسبوعين كاملين .. ياللهي اسبوعين لم ارك فيهما .. والان يجب ان اكتفي بهذا )
ضربته ورد على كتفه بغيظ وهي تشهق بخجل ( قاسم .. اخجل من نفسك .. مالذي فعلته للتو .. ياللهي .. الجميع سيعلمون ما كنا نفعله .. انت .. انت )
عاد ليقبلها ويده تعبث بحجابها لترفعه عن جيدها الذي استقبل نهمه مسببا تأوهها ورجاءها الخافت ( حبيبي .. ياللهي قاسم كفى .. يا مجنون )
تمتم بتقطع ( هل انا من طلبت منك المجيء .. كان يجب ان تحذري وتدركي حجم اشتياقي من الحلم الذي رويته لك .. ولكنك مشاغبة لئيمة .. تعمدت هذا .. لذا .. لتنالي عقابك )
اخذت تحاول دفعه عنها ما بين ضحكاتها وتأوهاتها ورجاءها ان يتركها حتى نفذ طلبها اخيرا بعد ان تركها بفوضى كبيرة اخفت على اثرها وجهها شاهقة بحنق اكبر ( انت مجنوووون .. مالذي فعلته ها .. مالذي سيقوله عنا زملاءك في الخارج .. انت رئيسهم يا رجل .. ستهتز هيبتك )
عقد قاسم حاجبيه مجيبا ( لن يهتز شيء .. ثم لا تبالغي .. لن يظهر عليك شيء .. فانا تركت علاماتي باماكن مخفية )
وغمزها بوقاحة جعلتها تضرب كف بالاخرى بذهول مرددة ( مجنون .. والله مجنون )
بطفولة ذكرتها بفارس مط شفتيه مشيرا الى باب حجرته ( مجنون وقد ابتليت بي .. وليس امامك اي مخرج .. هيا .. عدلي من مظهرك لنغادر .. فانا لن اضمن نفسي بعد ذلك واصبر اكثر .. لقد حذرتك )
حركت راسها وتنهدت ما بين ضحكها وغيظها وهي تتوجه الى الحمام .. وهناك .. رات نفسها .. ورد التي واخيرا وصلت الى استقرارها وامانها .. هذا الاستقرار الذي تمثل بكلمة واحدة .. قاسم .. بلا وعي عادت ذاكرتها الى ذلك اليوم الذي استيقظ فيه من غيبوبته بعد شهر من اصابته ونجاته .. عندها .. امسك بيدها ونظر اليها كما لم تنسى في يوم ابدا .. نظرة خاصة بها هي .. نظرة من وجد ضالته اخيرا وهو يقول لها بهمس متعب ( عندما ظننت اني ميت لا محالة .. رأيت وجهك انت .. فعلمت انك الوحيدة التي اذنبت بحقها وظلمتها كثيرا .. واني لو لقيت الله بذنبك لما تحملت الامر .. لذا قاومت .. ولذا .. اشكر الله مئة مرة لانه اعادني واعطاني فرصتي الثانية كي اعوضك .. فرصة لن اتنازل عنها ابدا كي احصل على مسامحتك واستحقها .. لذا .. اعينيني على ذلك .. اعينيني على ان انصفك من نفسي واعوضك )
وكان هذا وعده الذي حاول الالتزام به طوال الوقت .. اجل .. لازال لديه جانبه الاسود الذي يخافه .. كما لازال لدي هذا الجانب المظلم .. انها افكارنا السوداء التي تغزونا من فترة لأخرى تاركة ايانا متشائمين .. ولكن .. كلانا تعلم كيف يسيطر على هذا الجانب ويقلبه الى مصلحته .. كيف يستمد القوة للحياة والتفاءل من عمق الالم والحقد .. كيف يرى الرحمة في نيران الابتلاء .. وهكذا .. قاومنا .. هكذا جاهدنا سويا لنصلح من انفسنا وقد وعدنا بعضنا ان ندفن الماضي منذ ذلك اليوم .. اليوم الذي مات فيه قاسم الوحش ليولد قاسم الانسان مرة اخرى .. قاسم الذي تعرفت عليه ببطء وتعرف علي باستمتاع .. تشاركنا العديد من التجارب .. علاجه .. حملي .. ولادتي .. طفولة فارس التي عاش من خلالها قاسم طفولته هو الاخر .. اجل فقاسم لم يكن سوى طفل مدلل اخر اعتنيت به .. رغم رجولته وكماله الا ان ما حدث جعله يتعلق بي بهوس .. ابتسمت وانا اتذكر ذلك اليوم الذي عاد به من عمله بعد اسبوعين غياب وهي مدة دوامه ليرتاح اسبوعا ثم يعود لاسبوعين .. يومها دخل المنزل فوجده ظلاما .. لم يجد احدا كما لم يعلم اين ذهبت تحديدا وقد كان اخبرني بمقدمه .. عندها اتصل بي ولما وجد الهاتف مغلق خرج كالمجنون يبحث عني ويسأل الجيران ان كانو قد رأوني .. وعندما عدت بعد ساعتين وانا احمل فارس الذي كان قد شج رأسه فاضطررت ان اخرج به سريعا الى المشفى وقد نسيت هاتفي بالمنزل .. يومها كاد قاسم ان ينهار عندما رأني .. تشبثه بي ورعبه علينا جعلاني ادرك كم نعني له كل شيء في حياته وتذكرت كلامه عن فشله في الحفاظ على من يحب لادرك حجم شعوره بالخوف من فقداننا .. بالطبع يومها وبخني بقسوة شديدة وخاصمني ليومين حتى وهو مقتنع اني لم اخطئ ولكنه كان محتاج لمن يوجه غضبه وقلقه عليه وانا ارتضيت ان امثل هذا الدور لاني اعلم انه يجب ان يخرج كل شيء من روحه كي لا تعود وتظلم مرة اخرى .. كما اني وثقت من عظم صلحه لي وعدم مقدرته على الابتعاد عني طويلا .. وبالفعل .. لم يتمكن من ذلك ورضخ لي مفرغا اشواقه العاشقة لي .
صوت طرقات نافذة الصبر انتشلها من لجة ذكرياتها فنفضت راسها ضاحكة وتأكدت من مظهرها بعد ان عدلت ثيابها وحجابها وغسلت وجهها لتخفيف احمراره كما حمدت الله ان شفتيها بطبيعتهم مكتنزتين .. خرجت مع الطرقة التانية هاتفة بحنق ضاحك ( هيا .. نعم .. مالذي تريده .. الا تسمح لي حتى بدقيقة انفراد )
عبس قاسم مجيبا بحدة وهو يشير الى فارس ( كلا لن اسمح .. خاصة بعد ان علمت بان ميار هانم قد خرجت مع فارس الى الحديقة )
مطت ورد شفتيها باستغراب متسائلة ( وما المشكلة في خروج ميار مع فارس الى الحديقة ليلهوا )
ازداد عبوس قاسم وحدته ( المشكلة بوالد ميار .. الاستاذ تامر .. الن ننتهي منه ومن زياراته )
لم تستطع امساك ضحكتها وهي تضرب كفا بالاخرى ( بصراحة .. اعلن استسلامي لك .. الازلت تغار منه يا رجل .. الرجل تزوج .. وجاء اليك يطلب ان نكون اصدقاء .. وانت وافقت .. هل ستكرر دوما نفس القصة كلما خرجنا سويا .. اذن لما وافقت على صحبته )
زفر قاسم انفاسه بنفاذ صبر ( كنت مضطرا فلقد بدا لطيفا واردت ان اجعلك تلاحظين اني اصبحت اكثر تحضرا وتقبلا لماضيك .. ولكن .. معنى موافقتي لا تعني ابدا ان يأتي وانا في العمل .. بل يجب ان اكون موجودا فهذه وقاحة ان يقابلك وانا غائب )
نظرت ورد اليه بتحدي مجيبة ( معك حق لذا هو بالفعل لم يقابلني فلقد جاءت الفتاة مع امها وهو فقط اوصلهم الى الحديقة وغادر بعدها .. ولو انك فهمت كامل المعلومات من جاسوسك لعلمت هذا قبل ان تتهمني ظلما )
اشار قاسم الى فارس مغمغما ( هو ليس جاسوس .. انا فقط اساله كيف قضى وقته )
تقافز فارس لاهيا وهو يكرر دون فهم ( ماما .. لست جاسوس .. لست جاسوسا .. بابا مالذي تعنيه كلمة جاسوس )
لم تتمكن ورد من الاستمرار باظهار ملامح غضبها فابتسمت بعد ان رات قاسم يرتكز قليلا مريحا قدمه التي اصيبت في ذلك اليوم ولم تشفى بالكامل ( انه الشخص الذي يسمع كل شيء وينقله للاخر .. يعني مثل اختك التي في بطن امك والتي تقف دوما بيننا فلا تجعلني استفرد كما اريد بامك )
اضاف جملته الاخيرة بتحدي ضاحك موحي صدم ورد التي ولولت ضاحكة ( الرجل فقد عقله .. فارس .. هيا لنغادر يا ابني قبل ان يفضحنا والدك اكثر من هذا )
رأت نظرته المحذرة وهو يقول ( ووورد .. انا من سيفضح .. حقا .. هيا .. امامي الى المنزل .. هيا.. وهناك ساريكي الفضيحة الحقيقية ) كتمت ضحكتها بابتسامتها الشقية .. لم تتخيل قاسم يوما من النوع الذي من الممكن ان يغار من ابناءه ولكنه حقا يفعل وان كان بمزاح .. فهو يتذمر دوما من اهتمامها بفارس المبالغ به بحجة انه يفارقها اسبوعين لذا فالاسبوع الذي يعوده يجب ان يكون له الاولوية فيه .. كما انه يجن عندما يصر فارس على النوم بينهما حتى انه في احد المرات غضب عليها وخرج لينام في الحجرة الاخرى عندما راها توافق فارس وتاخذه بحضنها لينام معهم .. يومها لحقته هناك واخذت تتحايل عليه وتدلله وهو يضاعف رفضه كي تزيد في تدليله .. ولما غضبت وقامت لتتركه جذبها ليغرقها باحضانه متمتما ( هل حقا ظننتي انني ساقبل ان تنامي بعيدا عني .. استحالة )
ومع ذلك كان مثالا للاب المحب والمضحي لابنه .. فلم يقصر يوما باي شيء يطلبه وسعى الى ان يعوضه في الاسبوع الاجازة فترة غيابه في الاسبوعين التالين فكان يلعب معه وينزهه ويتكلم معه ويأخذه ليصليا في المسجد سويا كما كان يعبر له عن حبه وفخره الدائم به .. وعندما علم بحملها الثاني وبان الجنين فتاة سجد لله شكرا اعلن سعادته الجمة بها دون ان ينسى طبعا ان يستغلها ليشاكسها هي بدغدغتها وتقبيل بطنها بحجة انه يقبل ابنته .
وصلا الى المنزل وقد قضو الطريق وكل من قاسم وفارس يشاكسان بعضهما ويشاكسانها كما اخذت ورد نصيبها من التوبيخ لانها غامرت بنفسها وقادت السيارة رغم صعوبة الطريق ووعورته في بعض المناطق وقد تقبلت خوف قاسم بجلد تحسد عليه وليس امامها سواه فمهما حاولت تغيره يبقى عصبيا في كل ما يتعلق بامانهما وحمايتهما ..وهناك كما وفي كل مرة .. وبعد عودته الى منزله بعد الغياب .. كان يتعمد ان ينظر حوله ثم تبحث عيناه عن عيناها لتلتحم بهما بنفس تلك النظرة .. تلك النظرة التي رأتها اول مرة بعدما خرج من المشفى ودخل البيت معها.. نظرة يخبرها فيها بانها ملاكه الذي انقذه من جحيم المه وبثت بجدران منزله الحياة كما اعادت روحه الحقيقية التي ربته عليها امه التي كانت مستعدة ان تضحي وتمنحه الشمس ان استطاعت .. وهي كانت ترد عليه بنفس النظرة .. نظرة الامتنان العاشقة والاعتراف بانه اليد التي نشلتنها من سلبيتها واستسلامها وظلمها لنفسها لتصل في النهاية الى ورد الحقيقية الصامدة التي اينما غرست اثمرت واينعت جمالا وعبقا تفوح رائحته بالاركان حياة .. كلاهما واخيرا ابتدأ يتأقلما على كونهما زوجين طبيعيين .. تقريبا .. فمهما حاول الانسان النسيان الكامل .. لا بد ان يظل متذكرا لبعض الامور .. امور يحفظها كي لا يقع في الخطئ مرة اخرى .. وهي .. لم تندم على اي شيء تعرضت له لانه لولا ما حدث لما انتهت الان كزوجة لقاسم وام لفارس وهمسة .. همسة ذلك الاسم الذي اختاراه سويا لما يحمل بين طياته من رقة وفخر ارادا فيه اعلان عشقهما ودعمهما لابنتهما .. ابنة وعد كليهما الا يعرضاها لاي ظلم او جور او صفقات من البيع والشراء .. ( وررررد .. اين ذهبتي .. ما بك شاردة )
ضحكت ورد قائلة ( بجمالك يا سيد قاسم )
ارتفعت يد قاسم بتلقائية الى جانب وجهه حيث الندب الذي ساعد مرور الزمن ونمو لحيته على الاخفاء على جزء كبير منه متمتما بغيظ ( بالطبع جميل .. هل لديك مانع )
اشارت ورد الى صدرها بضحك ( انا .. لدي مانع .. اصلا انا لي كل الفخر ان ينظر السيد قاسم الي ويختارني من بين كل بنات الدنيا )
حرك قاسم راسه موافقا بمشاكسة ( بالطبع .. والان .. ما رايك بما انني اخترتك ان تكافئيني في الحجرة .. اعتقد ان فارس يمكنه اللعب لوحده او يمكنه مشاهدة التلفاز اليس كذلك يا حبيبي )
تقافز فارس بنشاط وقاسم يجذبه ليشغل له التلفاز . راقبته ورد براحة ضاحكة وقلبها يخفق بجنونه المعتاد .. رغم انه لازال يتحسس من ندبه الا انه اصبح اكثر انفتاحا وسخرية منه بل واصبح يأخذ الامر بشكل تدريجي فلم يعد ذلك يضايقه ولم يعد يشعره بتشوهه .. وانعكاس ذلك على تصرفاته وثقته جعل الناس ايضا يتقبلونه سريعا حتى وان اظهرو بعض الانكماش في البدئ .. رأته يعود مسرعا وهو يشير اليها لتلحقه الى الحجرة قائلا بلهفة ( هيا هيا .. لنستغل كل دقيقة .. هيا يا ورد .. انا حقا اود تجربة ذلك الحلم معك )
علت ضحكتها هاتفة ( انت مجننننون .. هل كل الحياة عندك هذا فقط )
وافقها بطفولة ( أجل .. هذه هي الحياة عندي .. وانا انسان اناني واحب استغلال فرصي وانتي فرصتي ).
شهقت بصدمة ( ياللهي المفترض ان اكف عن الدهشة من اجاباتك الوقحة والجلفة ولكنك دوما ما تنجح في اثارة ذهولي بتخطيك للمعتاد )
رفع كتفيه بضحك لا مبالي ( ليعينك الله يا ورد .. هذا انا .. ولن اتغير .. يعني لا تحاولي ابدا انتظار سماع تغزلي بك فانا احب الافعال .. هيا كفاك لهوا )
ضربت جبهتها باستسلام الا انها ما كادت ان تتحرك حتى علا صوت هاتفها فاشارت الى قاسم بتحدي ضاحك ( يبدو انك ستنتظر اكثر فهذه الجمعية ..)
واجابت سريعا قبل استيعابه للصدمة .. نظر اليها بغضب حانق ثم التفت وهو يتذمر الى الحجرة وطرق الباب مقفلا اياه بقوة اعلن فيها عن غضبه منها .
تنهدت ورد بدورها بتعب ضاحك فيبدو ان طفلها الكبير يعشق التدلل كثيرا .. انهت الاتصال وذهبت على اطراف اقدامها باتجاه الحجرة كي لا ينتبه فارس عليها .. وما ان دخلت حتى وجدته مستلقيا على السرير وقد اولاها ظهره متظاهرا بالنوم .. رفعت حاجبيها لوهلة كانت تود لو تعانده ولكنها اشفقت عليه فما يعانيه في عمله يجعله قليل الصبر في بعض الايام بعد ان ينهي مخزون صبره مع الاطفال المسجونين .. تنحنحت عله يلتفت اليها وبالفعل التفت وجلس بهدوء ناظرا اليها بتساؤل فقالت على مهل ( يبدو ان هناك بعض المشاكل في مشروع البناء الخيري .. لذا يطلبون قدومي .. ان امكن طبعا .. ولكن .. امامنا بعض الوقت .. يمكنني ان اتاخر )
حرك رأسه بالرفض مجيبا بهدوء دوما ما تكرهه وتخافه فهي تحب انفعاله وطفولته الجديدة ( كلا .. فالعمل عمل .. سابقى مع فارس اما انتي فيمكنك الذهاب .. هل تودين مني مرافقتك )
حركت رأسها رافضة وقد اصابتها بعض خيبة الامل ( كلا .. ساكون سعيدة بعنايتك بفارس .. وانا .. سأحاول الا اتاخر )
ولكنها اخلفت وعدها وتأخرت بالفعل .. دون قصد منها فالمشاكل في تلك المنطقة لا تنتهي .. ومع ذلك كانت تقاوم لانجاح المشروع .. بسبب قاسم نفسه .. فلقد تعمدت القيام بمشروع بناء خيري في نفس مكان منزل والدته القديم .. ورغم كل الصعوبات الا انها تأقلمت ونجحت بصعوبة وتخطت المشاكل وان كان الامر قد اخذ وقتا طويلا من الزمن .. ولكنها لم تيأس .. فأن توفر مسكنا للفتيات المقطوعات او المظلومات او الارامل او المطلقات ممن ليس لهن معيل يستحق منها كل مجهود بذلته .. انهت اخر امر طلب منها وتحركت سريعا كي تصل وقد استبد بها الشوق كثيرا .. الا انها ما ان دخلت المنزل حتى قابلها الهدوء الكامل وقد ساد المكان الظلام .. عقدت حاجبيها ونظرت حولها فرأت بعض العاب فارس المتناثرة هنا وهناك مع بعض الكؤوس المتناثرة لفناجين قهوة وشاي واكواب عصير .. تنهدت بيأس واخذت تجمعها لتدخلها المطبخ الذي رأت فيه اثار اعداد طعام العشاء فتنهدت بتعب متمتمة ( هما يستمتعان وانا ليس ورائي سوى التنظيف والعمل .. اووف )
نفضت رأسهاتاركة كل شيء باهمال ناجم عن التعب وتوجهت الى حجرة نومها لتجد الاثنين وقد غرقا في النوم في احضان بعضهما .. استندت على جانب الباب واخذت انظارها تتنقل عليهما وقد وضعت يدها على بطنها متمتمة ( بعد كل الشوق الذي قال عنه سبقني بالنوم .. يبدو انه يجيد التمثيل .. حسنا .. لنرى سيد فارس وانسة همسة ما سيفعله ابوكما عندما يراني نائمة )
كانت تحادث نفسها بتمتمات غير مفهومة وقد اختلط غيظها بضحكها وخيبتها مع شوقها .. عادت للتنهد وقد استسلمت بدورها وتوجهت الى دولابها لتخرج ملابسها وتذهب الى الحمام لتستحم .. وهناك .. ما ان رأت الدلو بجانب صنبور الاستحمام حتى تذكرت كلام قاسم عن والدته فضحكت .. ضحكة انقطعت مع صوت قاسم المشاكس ويداه تتسللان حولها ( لا تنكري بانك تشعرين بالانجذاب للاستحمام بهما .. اليس كذلك .. ما رأيك )
ضحكت بخفوت مجيبة ( لقد اعتقدت انك نمت .. كيف استيقظت )
مرغ انفه بعنقها قائلا ( لم انم .. فقط شحنت طاقتي )
تاوهت بتعب مازح ( كلااا لا تقل هذا .. انا متعبة )
ضحك بدوره وابتعد قليلا ( هل حقا تودين مني العودة للنوم )
اجابته ( كلا .. ولكن بشرط .. ان تساعدني بتنظيف البيت .. ارجوك قاسم )
تظاهر بالخوف والتراجع ( كلاا الا هذا .، ساعود للنوم )
تظاهرت بدورها بالغضب ( انا طوال اليوم اعمل وانا واقفة على قدمي وانت لم تأتي حتى وتعرض علي المساعدة ثم تقول لي الان بانك لن تساعدني )
رفع اكتافه مشاكسا ( هذه ضريبة كونك انثى وزوجة وام وناجحة في عملك )
حملقت به بدهشة ( حقا .. اذن هذه هي الضريبة .. لم اكن اعلم .. )
عاد ليحتضنها ضاحكا قاضيا على مقاومتها التمثيلية ( بل ضريبة كونك حقا ورد .. ورد الاستثنائية التي تنجح في اصعب الامور .. ورد التي اصبحت قدوة للعديد من الفتيات بروح كفاحها وصبرها)
(استكانت بين ذراعيه وقد اسندت رأسها على صدره متسائلة ( احقا يا قاسم .. احقا تراني هكذا .. احقا تثق بي لهذه الدرجة )
ضمها بقوة اكبر مجيبا اياها بحزم حنون ( بل اراك اعظم من هذا .. اجل يا ورد .. فانت آمنت انك قادرة على التغير وبالفعل تغيرت .. وآمنت انك تستطيعين تغيري وبالفعل نجحت .. ثم نقلت ايمانك لكل فتاة ظلمت بحياتها لتنتفض وتبحث عن حقها.. وها انت تنجحين ايضا في هذا .. طوال الوقت رأيت نفسك جميلة حتى وانت في اصعب الظروف فانعكس ذلك على روحك ليبزغ جمالها ويظهر على الجميع .. ورد .. انت بنجاحك انتصرت على كل لحظة ظلم تعرضت لها .. وعلى كل دمعة بكيتها .. وهذا وحده يجعلني افخر بك .، واثق بك .. بل واسلمك نفسي وروحي ومنزلي واطفالي وكلي ثقة انك ستنجحين ايضا بجعلهم اقوياء بالحق .. قادرين على النجاح .. صابرين ومكافحين .. والان .. الن نكتفي من الكلام ونبدأ بتنفيذ الحلم )
ضحكت ورد بسعادة وهي تجيبه ( ايها المنافق .. بلى سننتهي من الكلام .. ولكن .. يكفي ان تعرف فقط انه لولا وقوفك خلفي لما استطعت ان افعل شيئا .. لذا .. احبك )
لم يكن جواب قاسم بالحروف انما اظهر حبه لها بكل طريقة ممكنة عبر من خلالها عن عشقه لها وعشقه لما حولت له حياته بدخولها فيها.
وهكذا .. تكون قصة قاسم وورد .. قصة لا تحكي عن المثالية .. او عن الحب .. او عن الرومانسية .. انما هي مشاهد احببت ان اوضح فيها كيف يستطيع المرء ان ينجح حتى لو كان اسوء شخص .. فقط .. بتوفيق من الله ثم بعزيمته .. و بارادته .. وبدعم الاشخاص اللذين يحبونه .
انتهى بحمد الله

حورية حسين
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 41
نقاط : 45
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بيع أنثى ( كاملة )

مُساهمة  Zezo ali في الأربعاء أكتوبر 17, 2018 2:38 am

رواية رائعة جدا جذبني مشهد فيها فبحثت عنها وقرأتها مكتملة


Zezo ali
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 1
نقاط : 1
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بيع أنثى ( كاملة )

مُساهمة  عبير سعد ام احمد في الثلاثاء أكتوبر 30, 2018 7:21 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبير سعد ام احمد
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 1
نقاط : 1
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 30/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 3 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى