روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الخميس نوفمبر 01, 2018 8:02 am



الفصل العاشر
(ندمت وعدت لأتحمل مسؤولية ما فعلت، لن أدعكِ
وأرحل)
كلمات دقت ناقوس الخطر في رأس عليّ وهو يستذكرها. اضطرب وغاص قلبه خشية أن يكون عدي قرر الرجوع لإتمام زواجه بسارة. صحيح أنها لن تقبل بعدي لكن عندها ستلغى خطوبته الوهمية لسارة ويحل عدي محله فيها. تلك الخطوبة التي مثلت أملا له في التقرب منها.
- أنا من يقول لك اذهب هذه المرة.
رمقه عدي مسغربا فأضاف:
- كلام سارة صحيح. ستتعقد الأمور بظهورك، ونحن
بالكاد استطعنا تهدئة الوضع بيننا وبين والعم
عبد الحميد.
رمقهما عدي مستغربا فقالت سارة بحزم:
- اذهب الآن كي أعود وعليّ الى المنزل قبل أن تسوء حاله أكثر!
أسرع بالمغادرة وهو يقول: - سأتصل بك لأفهم ما حدث.
تحرك السائق بطلب من عدي ليخرج من المزرعة بينما أخذت سارة ذراع عليّ كي تسنده وهما يسرعان الخطى نحو المنزل. اختلت النبضات في صدره وهي تلمس ذراعه بذلك الحرص وترمقه بتلك النظرات القلقة.
حين دخلا المنزل، أسرع صالح وعبير نحوهما وهما يسألان بقلق: - ما بك، عليّ؟
- يحتاج دواء السكر.
قالت سارة وهما يتجهان نحو الأريكة فأخذ صالح ذراع عليّ بينما أسرعت عبير لتخرج العلبة من حقيبتها وأسرعت بتول بإحضار الماء.
تجمع الكل حول عليّ والقلق بادٍ على وجوههم وهم مستغربون من المعلومة التي عرفوها للتو عن إصابته بالسكر.
تحسن عليّ بعد أخذ الدواء بقليل فقالت له سناء:
- هل أصبحت أفضل الآن؟
أجاب مبتسما وهو ينقل نظراته بينها وبين عبد الحميد: - أفضل بكثير. أنا ممتن لتلك الوعكة التي جعلتني أشعر بمحبتكم لي وخوفكم علي.
تنهد عبد الحميد ليقول بعدها:
- ما غضبنا عليك لتك الدرجة إلا لمكانتك الكبيرة في قلوبنا.
قال عليّ بسرور: - سلمت قلوبكم يا عمي.
قالت سناء مستغربة:
- لم نلاحظ أنك مصاب بالسكري.
أجاب عليّ موضحا: - لأن نظامي الغذائي ليس قاسيًا بسبب عدم ارتفاع السكر لدي بمستويات عالية إلا نادرا.
- لكن كيف عرفت بمرضه يا سارة؟
التفتت سارة نحو خالها الذي طرح السؤال لتلتفت بعدها نحو عليّ وهما يستذكران تلك اللحظات القاسية حين توعك، والآخرى الجميلة حين شعرت باهتمامه الكبير بها وشعر بخوفها عليه. ذلك
الاهتمام الذي كان في الحقيقة حبًا تغابت عن
فهمه.
أجابت خالها وهي تبعد نظراتها عن عليّ الذي ابتسم وهو يرى حمرة الخجل التي اشتاق لها على خديها:
- توعك مرة بوجودي فعرفت.
سألته عبير: - هل تناولت شيئا جعل السكر يرتفع لديك؟
قال مراوغًا دون إعطائها جوابا:
- يرتفع السكر أحيانا دون سبب.
رمقه والدها بريبة فالسكر لديه لم يرتفع مسبقا دون سبب. وعلى الأغلب كان يرتفع لديه حين ينفعل أو يغضب وكانت أغلب المرات بسبب العمل.
رنّ هاتف عليّ فأسرع برفض المكالمة وهو يقرأ
اسم عدي ثم كتب له رسالة نصية ليطمئنه عنه فلا
بد أنه قلق عليه.
لم يكن من المناسب إخبار عدي بما حدث على الهاتف، لذا قرر عليّ الذهاب إلى الفندق الذي يقيم فيه عدي.
سألته سارة حين رأته متجها الى مدخل المزرعة بينما كانت تتمشى قرب الساقية:
- هل ستخرج؟ لقد تحسنت لتوك.
استغل الموقف وقال: - يجب أن أذهب لأرى عدي الآن حتى لو كنت أشعر بالتعب. يجب أن أفهم منه سبب عودته، وأعرف ما حدث له. يبدو أنه تعرض لحادث ما.
قالت وهي تقترب نحوه:
- سأستأذن خالي وأمي كي أوصلك. سأخبرهما
أنك تحتاج الذهاب الى السوق. (قطبت جبينها لتقول مستدركة) لكنهما لن يصدقا، فما الشيء المستعجل الذي سيجعلك تذهب الى السوق وأنت متعب؟
فكر ليقول: - سأخبرهم أنني أحتاج شراء شرائح تحليل نسبة السكر كي أجري التحليل بسرعة.
- فلندخل لإخبارهم إذن.
...........
تولت سارة القيادة وجلس عليّ قربها مسندا رأسه الى الكرسي، مدعيا بعض التعب. كان الاثنان يفكران بسبب عودة عدي وما ينوي فعله ليصلح خطأه وما يمكن أن يحدث لو علم أحد بقدومه.
اكتآب داهمها وهي تفكر باحتمال إلغاء خطوبتها
الوهمية المؤقتة لعليّ، جعلها تطلق زفيرا مضطربا
ليسألها عليّ وقد ضاق ذرعا بالصمت:
- أما زال في نفسك.. شيء نحو عدي؟
اختلت سرعة السيارة حين أربكها سؤاله لتعود وتسيطر على القيادة دون أن تعطيه جوابًا فأعاد عليها السؤال وقلبه يخفق قلقًا ليعرف إن كان ظن والديه صحيحا بأنها تميل إليه وأن حب عدي كان وهما في حياتها:
- كل ذلك الألم والغضب، هل كان لأجل جرحه كرامتك أم لأنك خسرته؟
لم تجب من جديد لتزيد مخاوفه من كونها ما تزال تفكر بعدي، ويلتزم الصمت هو الآخر حتى وصلا الى الفندق.
- سأنتظرك في السيارة.
قالتها دون النظر لوجهه فنزل مسرعا دون كلمة.
استقبله عدي بسؤال قلق:
- كيف أصبحت؟ وكيف جئت وأنت متعب هكذا؟
دخل عليّ الغرفة وهو يقول: - أوصلتني سارة. وأنت، ماذا حدث لك؟
- انقلبت بي السيارة لكنني لم أصب إلا بكسر في يدي وبعض الرضوض.
ربت عليّ على كتفه وهو يحمد الله على سلامته ثم سأله بامتعاض: - لماذا عدت بعد هروبك المخزي؟
- أخبرتك أنني شعرت بالندم وجئت لأكفر عن خطئي.
سأله عليّ وقد ضاق ذرعا: - بأي طريقة؟
- بمواجهة الجميع. بفعل أي شيء يطلبونه مني هم
أو سارة. لكن أخبرني، ما الذي حدث في غيابي؟
أمسك عليّ صدغيه مغمضا عينيه وقد زاد توتره ثم
بدأ بسرد ما حدث لعدي بشكل مختصر كي لا يطيل انتظار سارة ويعود إليها.
أطلق عدي ضحكة قوية أزعجت عليّ فرمقه بحدة.
- لهذا صعقت حال رؤيتي. خفت أن يلغي ظهوري تلك الخطبة المزيفة.
أشاح عليّ بوجهه فسأله عدي بحزن:
- كيف تظن أنني سأقبل بخطبتها حتى لو بشكل مؤقت وأنا أعرف مدى حبك لها؟ وسارة، هل كانت لتقبل بذلك بعدما فعلته بها؟ بالتأكيد كانت سترفضني.
شرح عليّ مخاوفه: - خشيت أن يضغطوا عليها بسبب
مرض أمها كما حدث أمس ووافقت على خطبتنا لهذا السبب.
رفع عدي حاجبيه متسائلا بمكر:
- هل وافقت لأجل ذلك فقط؟ لا أظن.
سأله عليّ بلهفة: - ماذا تعني؟ هل تظن مثل والداي أنها..
ترك جملته معلقة ليؤكد عدي:
- بالطبع أيها الأبله! قلقت أنت من قدومي كي لا تُفسخ خطوبتكما وتخسر فرصتك معها لكن لماذا توترت هي وطالبتني بالمغادرة؟ لا بد أنها فعلت ذلك لنفس الشيء. لأنها تريد تلك الخطوبة مثلك لكنها تنكر لأجل كرامتها وغضبها منك. أنا متأكد أن مشاعرها نحوك اتضحت أكثر بعدما
أخبرتها بحبك لها ليلة رحيلي.
حدق به عليّ بدهشة فقال عدي بابتسامة:
- نعم، أخبرتها ليلة رحيلي أنك تحبها. إنها تحبك أيضا يا عليّ لكنكما خجلتما من مشاعركما بسبب الوضع الغريب الذي وضعنا فيه والدي.
ظل عليّ ينظر إليه وقلبه يرتجف فرحا واضطرابا فقال بحماس:
- تلك الماكرة تحبك لكنها تريد معاقبتك على خداعك لها (ضرب كتفه) اذهب واحصل عليها يا رجل!
نهض عليّ وعانق عدي حتى تأوه الأخير فاعتذر منه عليّ وهو يربت على يده المكسورة فقال:
- سأبقى مختفيا هنا حتى تتم خطوبتك وسارة
فنعود ووالدينا سويا الى ميلانو.
جلس عليّ قرب سارة وهو يفكر بامتعاض “ كل تلك الأيام وأنت تعاقبينني مخفية مشاعرك، وفوقها تسألينني عن سبب موافقتي على حل الشيخ عدنان وكأنك لا تعلمين! أم أنك تريدين مني اعترافا؟ وأنا كالأبله كنت أخشى إخبارك”
خفق قلبه وهو ينظر إليها وقد بدأت بقيادة السيارة.
- ماذا قال لك عدي؟
سألته لتأخذه من أفكاره فأخبرها أنه عاد نادما ويريد مواجهة الجميع وفعل كل ما يرضيها.
تنحت عن الطريق وأوقفت السيارة ثم راحت تزفر بغضب وهي تمسك المقود بيدين متشنجتين لتقول بعدها:
- ليرحل كما رحل تلك المرة ويدعني وشأني. صحوة ضميره هذه لا تعنيني. لا أريد رؤيته من جديد.
قال عليّ مؤكدا:
- اهدئي يا سارة فلن يظهر أمام أحد. لن يرحل لأنه يريد الرحيل معي ووالداي بعد حفل خطوبتنا.
خفقات أسرعت سعادة واضطرابا في قلبيهما لتلك الكلمة، واحمرت وجنتاها لتزيده شوقا لها.
هربت من نظراته باستئناف القيادة ولم تنبس ببنت شفة طوال طريق العودة الى المزرعة.
...............
وصلت زينب وأشقاؤها وزوجاتهم الى المزرعة في اليوم التالي لحضور حفل الخطوبة الذي سيقام في الغد.
عجّ المنزل والمزرعة بالحركة وصخب الأطفال
وركضهم هنا وهناك.
ومع انشغال الكل بالتحضير للحفل، لم تستطع زينب الانتظار فأخذت سارة الى غرفتها وأجلستها على السرير وهي تقول:
- لن اقتنع بمكالمة هاتفية أخبرتني فيها بما حدث على عجل. هيا أخبريني بالتفاصيل الآن.
رمقتها سارة باستغراب:
- أي تفاصيل يا زينب؟ لا يوجد سوى ما أخبرتك به. لنعد الى العمل فما زال أمامنا الكثير.
نهضت لتهرب من نظرات زينب المتفحصة لكن زينب جذبت يدها لتجلسها ثانية وهي تقول:
- أنا زينب يا فتاة! لن تستطيعي إخفاء شيء عني. أم
ظننت أنني لم ألاحظ اضطرابك واحمرار وجهك
كلما رأيت عليّ؟ ما الذي يحدث؟
ردّت سارة بحنق مصطنع: - وكيف لا أخجل كلما رأيته؟ الوضع كله مخجل أساسا. تلك الخطوبة المزيفة وأسبابها، وكل شيء.
رفعت زينب حاجبيها وهي تتسائل:
- أتراه سبب توترك وانزعاجك كونها خطوبة مزيفة ومؤقتة؟
هتفت سارة وهي تنهض: - كفاك سخفا يا زينب!
قابلتها زينب وأمسكت ذراعها لتقول بتحدِ:
- انظري في عيني وقولي أنك لا تحبين عليّ!
رفّ جفناها فقالت زينب باستغراب:
- لما الإنكار إذن يا فتاة؟ هو يحبك أيضا وها قد صار
خطيبك حتى لو كانت مجرد خطوبة مزيفة.
وبيدك جعلها حقيقية لو تخليت عن عنادك.
هزت سارة رأسها وجلست لتقول:
- لا أعرف يا زينب. منذ قابلته وأنا لا أعرف نفسي أو ما أريد. في البداية كنت أراه صديقا مقربا وقد شعرت بتفاهم غريب بيننا من أول يوم. وحتى بعد مجيء عدي، كنت أتعامل مع عليّ بعفوية. كنت معه سارة دون قيود أو تحفظ. وجاء برود عدي معي ليزيدني
ابتعادا عنه واقترابا من عليّ.
تساءلت زينب بابتسامة: - وكيف لك ألا تفعلي مع كل اهتمام عليّ بك وحرصه عليك؟ لقد لاحظت ذلك لكنني لم أتصور أنه يحبك إلا كابنة عم وزوجة مستقبلية لشقيقه.
أومأت سارة موافقة.
- وهكذا ظننت حتى أخبرني عدي بحب عليّ لي فتكشفت كثير من الأمور أمامي. وحتى مشاعري صارت أوضح بالنسبة لي لكنني كنت أنكر لأنني كنت غاضبة منه.
شجعتها زينب: - اتبعي قلبك واتركي أي شيء آخر.
...............
هيزات الحفل عدا خاتمي الخطوبة والمصوغات التي من المفترض أن يقدمها عليّ لسارة في الحفل كما تجري العادة.
همست عبير لسناء: - اريد قول شيء لن أستطيع كتمانه اكثر. لم أرحب بخطوبة عدي لسارة سابقا لأني كنت اعرف أن عواقب تلك المأساة المسماة خطبة لن تنتهي على خير. أما الآن، ولأنني شعرت
بالتفاهم الكبير بين علي وسارة فأنا أرجو أن تدوم هذه الخطوبة وتكتمل بالزواج. أنا لم أعترض على ارتباط ولدي بسارة سابقا بل على الطريقة.
أومأت سناء وهي تقول:
- أنا أفهمك يا عبير. وأرجو مثلك لو يتم زواجهما، فلن اجد رجلا لابنتي افضل من عليّ.
قالت عبير بسرور: - أريد ان نقوم بكل طقوس هذه الخطوبة كما لو أنها حقيقية فعسى أن تتغير الأمور وتنقلب الى حقيقة لا خدعة.
قالت سناء مؤيدة: - إذن لنذهب نحن وهما الى الصائغ ونقوم بكل شيء كما يجب.
وفعلا ذهب الأربعة الى محل الصائغ بعد ساعتين.
جلست عبير وسناء دون التدخل في شيء فتقدم
عليّ من الصائغ واشار لسارة فوقفت قربه.
اختارت خاتما وهي تتظاهر بعدم المبالاة بينما كانت في الحقيقة تشعر بسعادة لم تشعر بها حين اختارت خاتم خطوبتها وعدي، فشتان بين الاثنين. كان عدي يجلس حينها بعيدا بينما وقف عليّ قربها واقترح عليها خاتمين وشاركها في الاختيار وكأن خطوبتهما حقيقية.
طأطأت رأسها وقد عاودتها غصة الحزن وهي تفكر بأنها خطوبة مؤقتة. سألها عليّ هامسا:
- ما بك؟ ألم يعجبك الخاتم؟ غيريه إذا أردت.
كيف يكون معها كتلة من الاهتمام والمراعاة طوال الوقت، حتى وهي غاضبة منه وتعامله بحفظ؟
نظرت إليه وهي تقول: - بل يعجبني. ذوقك جميل.
قالت سناء وهي جالسة في مكانها:
- اختاري خاتما لعليّ.
نظرت سارة للخواتم الرجالية واختارت خاتما بتصميم بسيط وعملي وهي تفكر أنه يلائم شخصية عليّ وذوقه. ابتسم وقال وهو يقيسه:
- يتناسب مع ذوقي. سلمت.
...............
اتجهت سارة نحو (سيف) الطفل المدلل لابن خالها الأصغر (فريد)لتأخذه من والدته التي ضاقت ذرعا بعناده.
- ما بك يا حبيبي؟ لما تعاند ماما؟
تعلق سيف كعادته بعنق سارة حالما مدت ذراعيها
نحوه لتحمله فهو يحبها كثيرا ربما أكثر من عمته
زينب.
- أريد ركوب الحصان وماما لا تقبل.
ضمته سارة بقوة وهي تقول:
- الحصان كبير عليك جدا. سآخذك لتركب مهري الصغير، اتفقنا؟
أومأ الصغير إيجابا وهو مسرور فقال عبد الحميد مبتسما: - لا أحد يستطيع إقناع هذا المشاغب سوى سارة.
كان عليّ يراقبها بعينين تشعان شوقا وهي تكلم الصغير بحنو بينما كان فريد والد سيف يراقبه ووالديه بامتعاض وهو يفكر بما فعلوه وعدي بسارة، ابنة عمته الغالية التي تربت معه كشقيقة صغرى ويحبها كزينب.
لم يكن أحدا من أولاد خالها راضيا عن منع والدهم
عبد الحميد لهم من التدخل فيما حدث لسارة لكن احترامهم لوالدهم أجبرهم على طاعته.
نهض فريد تاركا الجلسة التي لم ترق له، وتبعه أخواه الآخران ليصعدا الى الغرفة التي يقيمون فيها بينما خرج عليّ مسرعا ليسبق سارة الى الإسطبل.
ما به صار متهورا منذ عرف أنها تعلم بحبه لها؟ صار يحدق بها كلما وقعت عيناه عليها ويخترع الحجج ليكون قربها.
اقتربت من الإسطبل لتراه واقفا قرب أحد الجياد، يداعب رقبته وبيده الأخرى يمسك اللجام.
سأله الصغير سيف: - هل تريد أنت أيضا ركوب الحصان؟
قال عليّ مبتسما: - كلا لكنني سأسير قربك وأنت تركب هذا المهر المشاكس. احذر منه فهو شرس وكثيرا ما يحب إسقاط الناس.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر بمكر صوب سارة فخفق قلبها وهي تذكر أول لقاء لهما عند الساقية حين أوقعها المهر في الماء. أشاحت بوجهها وهي تبتسم بينما قال سيف بحماس:
- هيا لأركب المهر يا سارة!
انحنى عليّ ورفع سيف ليجلسه على ظهر المهر ثم سار الى اليسار بينما كانت سارة الى اليمين، وعيناه تأبى الإشاحة عن وجهها.
فكرت سارة وهي تتجنب النظر لعليّ بالسر وراء الجرأة التي طرأت على تصرفاته معها منذ أمس.
كان سيف ممسكا بعنق المهر ويصيح بحماس فقالت سارة: - اهدأ ولا تشد شعر عنقه.
فأكمل عليّ مازحا: - فقد يسقطك في الساقية!
رمقته سارة باحتجاج رافعة حاجبيها مع أن الابتسامة كانت على وجهها.
تقدمت والدة سيف لتأخذه فقد حان موعد نومه. اعترض الصغير لكن سارة وعدته بأنها ستجعله يركب المهر غدا صباحا حالما يستيقظ.
رمقها عليّ بمكر بعدما ابتعد سيف ووالدته وهو يقول: - لا تعطي الطفل وعدًا لن تنفذيه، فغدا ستكونين مشغولة بخطوبتنا.
سارت لتبتعد وقد اضطربت فقال حانقا وهو يقف
أمامها ليمنعها من الذهاب:
- كفى يا سارة! الى متى ستهربين مني وتعاقبينني؟
قالت دون النظر لوجهه: - ولماذا أهرب منك؟
بدأ يتقدم نحوها فراحت تتراجع وهو يقول بمكر:
- لأنك تخشين الاعتراف بأنك تحبينني كما أحبك.
نهاية الفصل العاشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الخميس نوفمبر 01, 2018 8:08 am



الفصل الحادي عشر
بدأ عليّ يتقدم نحو سارة فراحت تتراجع وهو يقول بمكر: - لأنك تخشين الاعتراف بأنك تحبينني كما أحبك.
توقفت فأضاف هامسا بشوق وعيناه تحدقان بعينيها:
- لأول مرة أحب وأتمنى امرأة بكل جوارحي وكل نبضة في قلبي. لأول مرة أشعر بالغضب والحسد نحو عدي كلما رأيت نظرة حب في عينيك نحوه. لأول مرة أتصرف بطيش فأحدق بك كلما وقعت عيناي عليك حتى بوجود أمك وخالك. وكم تمنيت لو كنت أكثر طيشا لأفعل ما لا يصح!
كانت تنكّس رأسها وهي تتنفس بصعوبة وتشعر بقلبها يتخبط في صدرها. غزت حرارة وحمرة
الخجل وجهها وهي تفكر بمعنى أن يكون أكثر طيشا فيفعل ما لا يصح.
“ أيمكن أن يتهور ويعانقني الآن؟ “
فزعت وهربت فتبعها لكنه توقف حين لمح والدتها التي خرجت لتتفقدها بعدما لاحظت غياب عليّ فتوقعت أن يكونا معا.
.............
صباح يوم الخطوبة، استغل صالح وعبير انشغال الجميع كي يذهبا الى عدي حيث يقيم. لم تطق عبير صبرا حتى حلّ الصباح فقد أخبرهما عليّ ليلة أمس بقدومه.
غضب صالح في البداية من عدي لكن عليّ أخبره عن التغير الذي حدث له والذي شعر به من خلال كلامه، وبأنه نادم فعلا على ترك سارة تواجه الأمر وحدها. بعدها أخبرهما عن الحادث الذي تعرض له عدي كي لا يتفاجآ عند رؤية ذراعه بالجبيرة.
لم يستطع صالح سوى احتضان ولده حال رؤيته كما فعلت عبير وهما يحمدان الله على سلامته.
قبل يديهما وهو يرجوهما أن يسامحاه فقال صالح وهو يربت على كتفه:
- لست وحدك المخطئ يا ولدي فلولا إجباري لك على زيجة لا تريدها لما كنت تصرفت هكذا.
قال عدي بسرور وهو يشعر بمسامحة والده له:
- أعدك أنني سأتغير يا أبي وأبدأ حياة جديدة.
قال صالح وهو يرمقه شزرا:
- وماذا عن تلك الإيطالية؟
قال عدي متأثرا:
- تركتها يا أبي. لقد اكتشفت أنني لا أستطيع التخلي عن قيمي وعاداتي التي نشأت عليها. لم يستطع كلانا التخلي عمّا تربى ونشأ عليه.
قال صالح بسرور دون أن يهتم بسماع أسباب انفصاله عن صوفيا والتي توقعها كما توقعتها عبير:
- المهم أنك عرفت أخطاءك وستصلحها.
قالت عبير وهي تضم عدي: - هداك الله يا ولدي.
قال صالح: - فلتعد الى ميلانو يا ولدي فلا داعي لبقائك هنا.
أومأ عدي إيجابا وهو يقول:
- إذا أردت فسأذهب الى الشركة لأتابع العمل ريثما تعودان أنت وعليّ.
ابتسم صالح وهو يقول معاتبا:
- منذ سنوات وأنا أريد وليس الآن. عموما، عد الى ميلانو وسنلحق بك سريعا إن شاء الله.
.................
طبول ومزامير تعزف ألحان فرح وصوت مغن يشدو بأغنية جميلة.. عروس تسير متهادية بين النساء وزغاريدهن.. حبيب يقرع قلبه شوقا وهو يرى حبيبته تخرج من باب المنزل الى المزرعة حيث اجتمع الرجال والنساء من أقاربهما.
نهض عليّ حال سماعه الزغاريد فأطلق بعض الرجال
ضحكات ولمزات عن شوقه لعروسه. ابتسم لهم ثم سار نحوها حالما خرجت من الباب.
أخذ كفها فرفعت رأسها نحوه وعادت ذكرى حديثهما
الليلة الماضية إليها حالما تلاقت عيناهما. سارا معا حتى مكانهما الذي تحيطه سلال مليئة بزهور المزرعة.
لم يخامر الشك أحدًا من الموجودين في صدق الخطوبة فقد كانت السعادة تشع من عيني عليّ ونظراته نحو سارة تعكس حبه لها. أما هي فلم يستغرب أحد خفض رأسها باستمرار وهروبها من نظرات الجميع فالكل من أقاربها يعرف مدى خجلها وهدوئها في التجمعات -ما عدا اجتماعها بمن ترتاح لهم-
فحينها تنقلب الى فتاة أخرى، مرحة.
صدحت أنغام أغنية للدبكة وبدأ الشبان والفتيات بتشكيل حلقة الدبكة. نهض عليّ ومد يده لسارة فرمقته بامتعاض علامة عدم الموافقة فانحنى
نحوها ليقول: - تعرفين العادات هنا. يجب أن نرقص مع الجميع على أنغام الدبكة.
وكأن كل ما يهمه هو العادات وليس الاقتراب منها وإمساك يدها!
نهضت وهي تقول: - فستاني ليس واسعا جدا ولن أستطيع التحرك بحرية.
همس وهو ينظر في عينيها: - لا تخشي السقوط وأنت قربي.
وصلا الى حلقة الدبكة فافسحوا لهما المجال لينضما إليهم فصارت زينب الى يمين سارة وعليّ الى يسارها. لفّ علي ساعده على ساعدها فتلاصق كتفاهما وشبك أصابعه مع أصابعها وهو ينظر الى أهدابها المسبلة التي أخفت بها اضطرابها من قربه ولمسته
التي أودع فيها شوقه.
بدآ بالتحرك بتناغم مع الراقصين في الدبكة وقد سهلت طريقة إمساك عليّ بسارة عليها الحركة دون الخوف من التعثر والسقوط.
بعد قليل، انفصل عليّ عن الحلقة مع اثنين من الرجال ليؤدوا حركات منفردة وسط دائرة الدبكة.
ضربت زينب كتف سارة وهي تقول بمكر:
- كفيّ عن التحديق به! أين ذهب خجلك يا بنت؟
وكأنه لم يعش سنوات في إيطاليا! ما زال يتقن كل حركات الدبكة ويؤديها بشكل متقن بجسده الرشيق، ما جعل سارة تحدق به وهي مأخوذة بوسامته وابتسامته التي لم تفارق وجهه وعينيه.
أيعقل أنها أحبته لهذا الحد مع وجود تلك العقبات
وذلك الوضع الغريب، ومع تعلقها الشديد بعدي سابقا؟
عادت لترمقه خلسة، خشية من لسان زينب الذي لن يرحمها من السخرية فتلاقت نظراتها بنظراته لتشيح بوجهها وهي مضطربة حتى كادت تتعثر فأسرع بالعودة نحوها وشبك ذراعيهما وأصابعهما من جديد.
انتهت الدبكة وعادا الى مكانهما وسط تصفيق الحاضرين لتقترب منهما عبير حاملة الخواتم.
خفظت بصرها وهي تتذكر يوم ألبسها عدي الخاتم. كم كانت نظرات عليّ حزينة ذلك اليوم! وكم كانت غبية لتعجز عن فهما أو تتعامى عنها!
تذكر عليّ هو الآخر غيرته وألم قلبه وهو يرى خاتم
شقيقه في إصبع من يحب. أسبل أهدابه هو الآخر
وحمد الله على ما آلت إليه الأمور.
أمسك كف سارة ووضع الخاتم فيه وهو يبتسم جازما أن حمرة الخجل باديه على وجهها حتى مع المكياج.
وضعت سارة الخاتم في إصبعه بيد غير ثابته فحبس
إبهامها بالضغط عليه بإصبعيه، الوسطى والبنصر.
نظرت إليه رافعة حاجبيها وهي تخشى أن يلاحظ أحد حركته فابتسم بمكر وأطلق إبهامها.
اقترب ليلبسها القلادة فأسدل جفنيه وهو يستنشق عطرها الذي اشتراه لها مع الفستان الذي اختارته بنفسها. وكانت هي الأخرى مأخوذة بقربه ولمساته غير المتعمدة وهو يلبسها القلادة والسوار.
تقدم عدنان ومعه (منذر) شيخ الجامع الكبير في البلدة، وأعز أصدقاء عبد الله والد سارة.
قدم عدنان لهما التهاني وهو يشعر بالارتياح لرؤية السعادة على وجهيهما ثم تقدم الشيخ منذر وقال بسرور وهو يصافح عليّ:
- مبارك يا ولدي. مبارك لك يا ابنة الغالي.
قالت سارة بخجل: - سلمت يا عمي.
- كأنني بك بالأمس كنت تلعبين مع بناتي، وها أنت اليوم عروس. فليسعدكما الله.
قال عليّ: - سلمت يا شيخ.
ربت منذر على كتف عليّ وهو يقول:
- أود لو أقدم شيئا خاصا لابنتي سارة. أرجو أن أعقد قرانكما بنفسي ليكتمل سرور اليوم. وبعد ذلك
تعقدا قرانكما رسميا في المحكمة متى شئتما.
تبادل عليّ وسارة نظرات المفاجأة فقال عدنان:
- فلنجلس الآن يا شيخ ثم يخبراك ردّهما بعد تشاورهما مع الأهل.
لكن منذر قال: - خير البر عاجله. وما دام الجميع حاضرًا فلما لا أعقد قرانهما؟ عاجلا أم آجلا سيعقدان قرانهما ثم يتزوجان.
قال عدنان وهو يأخذ يد منذر: - فلنجلس ريثما يخبرا أهلهما.
تباينت مشاعر عليّ بين السرور والقلق من ردة فعل سارة فهو يعرف كم يزعجها أن توضع أمام الأمر الواقع. أما سارة فقد أصيبت بالقلق والارتباك.
ذهبا الى الطاولة التي تجلس إليها عائلتهما وقال عليّ: - تعالوا الى داخل المنزل لو سمحتم.
رمقهما الجميع بقلق. هل تشاجرا وسيقومان
بفضيحة أمام الناس؟ لكن لماذا؟ لقد كانت الأمور تسير على خير وقد لاحظ الجميع السعادة على وجهيهما. حتى أولاد خال سارة، شعروا ببعض الارتياح حين أحسوا برضاها عن الخطوبة.
ساروا خلف عليّ وسارة بشكل متلاحق لا يلفت نظر الحاضرين ثم تبعتهم زينب وهي ترى توترهم وكذلك فعلت بتول بعدما أوكلت مهمة الاهتمام بالحضور لزوجات أولادها.
قال عليّ حالما دخلوا المنزل:
- الشيخ منذر يريد عقد قراني وسارة بنفسه والآن، بما أن الأقارب مجتمعون.
تساءل صالح بقلق: - بماذا سنبرر له رفضنا؟
سألتهم عبير مع أنها سرت بما حدث:
- ولماذا أصر على عقد القران؟ إنه حفل للخطوبة.
أجابتها بتول: - هذا الأمر صار منتشرا في البلدة. أن يعقد شيخ القران للخطيبين في حفل الخطوبة، حتى صار تقريبا طقسا من طقوسها.
أضافت سناء وهي تشعر بالسرور لاقتراح منذر:
- وحتى في المدينة، صار كثير من الناس يفعلون الأمر نفسه.
نظر الجميع نحو سارة بما أنها صاحبة الشأن وقال عبد الحميد: - لن يجبرك أحد على شيء يا ابنتي. يمكن أن نخترع أي حجة نقولها للشيخ منذر كي لا يعقد قرانكما.
تعلقت عينا عليّ بها. أيمكن أن ترفضه بعدما اعترف لها بحبه وبأنه يشعر بحبها له؟ هل ستستمر في لعبة
الانتقام لكرامتها؟
رفعت رأسها أخيرا ونظرت لعبد الحميد لتقول:
- أنا موافقة يا خالي.
رمقها عليّ وقد قفزت الابتسامة الى وجهه كما وجهي والديه وسناء وزينب.
وكيف ترفض؟ لقد رفضت الخطوبة لأنها ظنتها إهانة ثانية لكرامتها قبل أن تعرف أن عليّ قال لعدنان أنه يريدها لذاتها وليس لحل المشكلة. لكنها رغم ذلك أخبرته كاذبة أنها قبلت الخطوبة إنقاذا لسمعتها ولأجل والدتها، لأنها أرادت معاقبته على خداعه لها. أما الآن وقد أخبرها صراحة أنه يحبها فكيف لها أن ترفض. وهل يمكن أن ترتبط بغيره هو؟ الرجل الوحيد الذي أحبته؟
سألها عبد الحميد مستغربا:
- إنه عقد قران شرعي يا ابنتي حتى وإن لم يتم في المحكمة، وليس خطوبة ليكون مجرد كذبة مؤقتة. إن وافقت على عقد القران الآن فأنت توافقين على الزواج بعليّ.
خفق قلبيهما لتلك الكلمة فقالت سارة بصوت مضطرب: - أعرف يا خالي، وأنا موافقة.
لم تستطع البقاء أكثر فهربت لتعود مسرعة الى مكانها في الحفل. على الأقل هناك لن يستطيع أحد إحراجها بالأسئلة.
أسرع عليّ وزينب خلفها فقالت زينب وهي تجذب يدها لتوقفها:
- انتظري! يجب أن تعودي لمكانك بشكل عادي لا يلفت الأنظار (همست) وليس وكأن الوحوش تجري خلفك. مع أني أرى خلفنا وحشا يتحرق لالتهامك من فرط شوقه وفرحه.
زجرتها سارة هامسة بحدة ورافعة حاجبيها بحنق:
- زينب!
فضحكت زينب ثم قالت لعليّ وهي تدرك خجل سارة من الدخول معه: - اسبقنا أنت.
أومأ وهو بالكاد يسيطر على ابتسامته التي تأبى مفارقة ملامحه لفرط سعادته. وحالما عاد لمكان الحفل، ذهب الى منذر وعدنان ليقول بحماس:
- نحن مستعدان لعقد القران حالما تأتي العروس.
ربت عدنان على يده وهو مسرور بهذا التغير
الكبير الذي حدث خلال ثلاثة أيام فقط.
جلس عبد الحميد قرب أولاده ليخبرهم بما حدث فعكست وجوههم الاستغراب وقال الأكبر:
- ألم تكن سارة رافضة حتى الخطوبة لولا خوفها على عمتي سناء؟ ما الذي استجد لتوافق على عقد القران والزواج؟
رفع عبد الحميد حاجبيه وهو يقول:
- يبدو أن أختكم ارتاحت له وارتضته زوجا. لذا فلا نملك إلا أن نسأل الله لها السعادة والتوفيق.
قال فريد بنظرة حانية:
- ونحن لا يهمنا غير سعادتها وراحتها يا أبي. وما غضبنا على العم صالح وعائلته إلا لأنهم آذوها.
قال عبد الحميد:
- قدر الله وما شاء فعل يا ولدي. وعليّ لا يعيبه شيء.
دخلت سارة محاطة بالنساء وقد وضعت على رأسها شالا أبيضا طويلا استعدادا لعقد القران.
خفق قلب عليّ وهو يتأمل حوريته التي تضاهي حمرة خجلها لون فستانها، تتهادى على مهل لتتمايل دقات قلبه مع إيقاع مشيتها.
نهض الشيخ منذر وأخذ مكبر الصوت من المغني ليعلن للحضور:
- دوما ما شعرت أن سارة إحدى بناتي، لذا طلبت منها أن أعقد قرانها على ابن عمها الآن لتكتمل الفرحة، بما أن الكل حاضر.
تعالت الزغاريد ومباركات الحضور فتقدم منذر
وجلس قرب عليّ وتقدم عبد الحميد بصفته وليّا
للعروس فأشارت له سارة.
- خيرا يا ابنتي؟
- أريد أن يكون فريد شاهدًا على العقد يا خالي.
أومأ عبد الحميد مبتسما وأشار لفريد بأن يتقدم ففعل وجلس قرب سارة ليطبع قبلة على جبينها.
جلس عبد الحميد قرب الشيخ منذر واقترب الشيخ عدنان ليكون الشاهد الآخر على عقد القران.
وضع عليّ يده في يد عبد الحميد وحين بدآ بترديد صيغة عقد القران، شعرت سارة بقشعريرة وارتجاف يسريان في جسدها والدموع تتجمع في عينيها. أما سناء فلم تستطع حبس دموعها وهي تشعر بأن ابنتها ارتبطت بمن يستحقها.
قال منذر وهو ينهض: - زواج مبارك إن شاء الله.
بعد تلقي التهاني من الأهل وأغلب المدعوين،
عادت سارة الى مكانها قرب عليّ وقلبها يخفق سرورا
وترقبا لما سيقول.
- مبارك لي الحورية التي صارت تخصني من بين كل الرجال.
أوحى له هبوط وعلو صدرها بمدى تأثير تلك الكلمات التي همسها في أذنها عليها فهمس لتذوب أكثر: - أحبك كما لم أتصور أني سأحب يوما.
................
غادر أولاد عبد الحميد وزينب المزرعة بعد انتهاء الحفل ثم دخل الجميع غرفهم وناموا بعد ذلك اليوم الحافل وقد تمكن منهم التعب إلا سارة وعليّ.
لم يظن أحدهما أن خطوبتهما المزيفة المؤقتة
ستنقلب الى عقد قران واتفاق على الزواج.
لم تستطع سارة النوم فخرجت من غرفتها ونزلت الى الطابق السفلي. تناولت قدحا من الماء ثم خرجت بهدوء كي لا توقظ أحدا.
رنّ هاتف سارة بإشعار وصول رسالة ففتحته وقلبها ينبؤها أن عليّا المرسل.
(لما لست في سريرك حتى هذه الساعة؟)
قطبت جبينها وحالما استوعبت معنى كلماته، تلفتت حولها باحثة عنه لتراه قادما نحوها حيث كانت جالسة على إحدى المساطب قرب الاسطبل.
نهضت من فورها وهي تسأله بدهشة:
- كيف عرفت اني هنا؟
رفع حاجبيه وسألها بمكر: - ومن قال أني خرجت
خلفك؟
ارتبكت وخفضت رأسها فقال مبتسما وهو يقترب منها:
- بالطبع خرجت خلفك. لم أستطع النوم أيضا لذا سمعتك حين خرجت من غرفتك فتبعتك. فلنتمشى قليلا.
سارا مسافة حتى توقف وقال:
- كنت أخشى أن ترفضي عقد القران. غاص قلبي قلقا لكنه انتفض حين نطقت بالموافقة.
هربت من النظر إليه فأضاف ممتعضا:
- لكن.. أما كنت قادرة على قول كلمات أخرى تثلج صدري غير أنك موافقة؟ ألا أستحقها بعد ذلك العقاب القاسي؟
رمقته بنظرة خاطفة وقالت بارتباك:
- أردت ذلك لكنني لم أستطع بوجود الجميع.
تلفّت قاطبا جبينه وقال وهو يفتح ذراعيه متسائلا:
- لا أرى أحدا من أولئك الجميع هنا. إذن يمكنك قول كل ما في قلبك. ماذا أردت أن تقولي لخالك غير أنك موافقة؟
اضطربت ابتسامتها وهربت من عينيه فاقترب أكثر وهمس وهو يلامس ذقنها ليرفع وجهها:
- لا تهربي من النظر في عيني.
توترت أنفاسها من قربه ولمسته فقالت بصوت خافت
متقطع: - أردت أن أقول.. أنني لن أجد مثلك. فأنت ابن عمي و..
صمتت فزفر بنفاذ صبر لتشعر بأنفاسه على وجهها.
- و.. أريد ما بعد تلك الواو! لاحظي أنني الآن زوجك شرعا فدعي عنك خجلك الذي أعشق.
رمقته وشفتاها تأبى الكلام فقال متوعدا وقد بدت
في عينيه الساحرتين نظرة مكر:
- يبدو أن اللين لن ينفع معك.
وقبل أن تستوعب معنى كلماته، كان قد ضمها إليه بقوة وشوق..
لحظات ضاع فيها أحساسهما بأي شيء سواهما لكن صوتا قويا شق ذلك الهدوء جعلها تنتفض بين يديه وتبتعد عنه..
نهاية الفصل الحادي عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  سمــّـــو الأمــيــر في الأحد ديسمبر 02, 2018 7:48 pm

أإسـ عٍ ـد الله أإأوٍقـآتَكُـم بكُـل خَ ـيرٍ
دآإئمـاَ تَـبهَـرٍوٍنآآ بَمَ ـوٍآضيعكـ أإلتي
تَفُـوٍح مِنهآ عَ ـطرٍ أإلآبدآع 
وٍأإلـتَمـيُزٍ لك الشكر من كل قلبي

سِمٌــــــوَ الُامٌيَـــــــــــرَ ...


avatar
سمــّـــو الأمــيــر
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 15
نقاط : 23
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 02/12/2018
العمر : 27
الموقع : سِــوريا .... ديرالزور

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 6:49 am

@سمــّـــو الأمــيــر كتب:أإسـ عٍ ـد الله أإأوٍقـآتَكُـم بكُـل خَ ـيرٍ
دآإئمـاَ تَـبهَـرٍوٍنآآ بَمَ ـوٍآضيعكـ أإلتي
تَفُـوٍح مِنهآ عَ ـطرٍ أإلآبدآع 
وٍأإلـتَمـيُزٍ لك الشكر من كل قلبي

سِمٌــــــوَ الُامٌيَـــــــــــرَ ...




سلمت. يسعدني أنها أعجبتك

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 6:58 am





الفصل الثاني عشر

رمقته وشفتاها تأبى الكلام فقال متوعدا وبدت في عينيه الساحرتين نظرة مكر: - يبدو أن اللين لن ينفع معك.
وقبل أن تستوعب معنى كلماته، كان قد ضمها إليه بقوة وشوق.. لحظات ضاع فيها إحساسهما بأي شيء سواهما لكن صوتا قويا شق ذلك الهدوء جعلها تنتفض بين يديه وتبتعد عنه.
نظر ممتعضا نحو الاسطبل حيث أصدر أحد الجياد صهيلا قويا بينما فرت سارة هاربة فابتسم وهو يمرر يده في شعره ويهمس: - أعشقك أيتها الفَزِعَة خجلا.
............
في الصباح التالي، استيقظ عليّ وسارة في وقت متأخر على غير العادة. ظن الجميع أنهما متعبان ولم يعلموا أنهما لم يناما أمس إلا قبيل الفجر. وكيف لهما أن يناما بعد
تلك اللحظات الرائعة؟  
نزل عليّ الى الصالة وجلس قرب والده بعدما ألقى التحية. همس صالح مبتسما بمكر:
- يبدو أن الفرحة سرقت النوم من عينيك فسهرت. لذا استيقظت الآن. لقد قاربت الساعة الحادية عشر.
تساءل عليّ بسرور:
- ألا يستحق ما حدث أن يسلب النوم من عيني؟
قال صالح بارتياح: - بلى والله! كانت سعادتي لا توصف وأنا أراك عريسا رائعا، تعقد قرانك على ابنة أخي الغالي. حماكما الله وبارك فيكما.
كانت عينا عليّ تبحثان عن سارة فجاءه الجواب حين نادتها سناء: - سارة! أعدي الفطور لعليّ أيضا. اذهب يا ولدي لتأكل مع سارة فهي لم تفطر بعد مثلك.
لم يكد يسمع دعوة سناء حتى لبّاها في الحال وذهب
الى المطبخ فرمقتها بتول باستغراب رافعة حاجبيها وهي تهمس لها: - أين ذهب خوفك على ابنتك؟ كنت تفزعين لو انفردت وعدي.
أوضحت سناء: - الأمر مختلف الآن. لقد عقدا قرانهما. كما أن عليّ شاب عاقل ومتزن.
لم تعلم سناء أن عليّ فقد اتزانه منذ شعر بحب ابنتها له، فكيف وقد صارت ملكه؟
كانت سارة تعد كوبي الشاي وقد بدت آثار النعاس على وجهها فاقترب وفي عينيه نظرات شغف، وفي عينيها نظرات خجل بعد عناقهما أمس.
- متى سأستيقظ كل يوم على هذا الوجه الفاتن وهاتين العينين اللتين يزيدهما النعاس سحرا؟
علت انفاسها ارتباكًا فأخذ يدها ليقبلها ثم همس:
- إن كنت ستحمرين خجلا من كل لمسة أو كلمة أو
نظرة مني فلن تستعيدي لون وجهك الأصلي قبل
فترة طويلة لأنني لم أعد أطيق التعقل أكثر.
ابتعدت هاربة وهي تقول:
- سأطفئ النار تحت المقلاة وإلا احترق الطعام.
تمتم ممتعضا لتبتسم خلسة: - أنا من احترق ولا يزال!
كم مرة كادت تختنق بالطعام بسبب لمسة مفاجئة منه ليدها أو همسة قرب أذنها بصوته الساحر! والأخيرة كانت قبلة رسمها على غمازتها اليسرى.
فكرت وهي تحصر مدى نظراتها في صحنها كي لا تنظر إليه “ لقد فقد رشده واتزانه حقا! “
ذهب عليّ لحجز رحلة عودته ووالديه الى ميلانو. كان هناك رحلة في اليوم التالي لكنه حجز في الرحلة المغادرة بعد ثلاثة أيام مساءً كي يبقى مع سارة أياما أخرى.
.............
نزل عدي من الطائرة التي حطت في ميلانو في وقت
متأخر من الليل واتجه الى صالة استقبال المسافرين.
لمح صوفيا وهي تعانق امرأة مسنة فتوقف وعيناه متسمرتان عليها وعقله يعيده الى ذكرياته معها. استدارت وهي تحدث المرأة فرأته ليرف جفناها كما قلبها. تقدمت وهي تنظر الى الجبيرة على ذراعه بقلق فتقدم هو الآخر نحوها بخطى مترددة. سألته بقلق: - آمو..
كادت تنطق كلمة حبيبي (آموري) التي اعتادت مناداته بها لكنها استدركت لتقول: - ماذا حدث لك، عدي؟
 قال وهو ينظر في عينيها اللتين غزاهما لمعان دموع خفيف: - تعرضت لحادث سير فكسرت يدي.
- سلمت من كل مكروه.
رسم ابتسامة على وجهه تخالف توتره وقال:
- هل تلك السيدة هي والدتك؟ إنها تشبهك كثيرا.
أومأت إيجابا: - نعم. وقد جئت أستقبلها في المطار.
لم يرد الاستمرار أكثر في الحديث فودعها وانصرف
وعادت هي الى والدتها.
دخل المنزل الهادئ الذي عمّ الظلام أرجاءه إلا من انعكاس خافت للأضواء في الخارج. اكتفى بفتح المصباح الخافت في الصالة وسحب حقيبته بهدوء على السلم كي يصعد الى غرفته في الطابق العلوي لكنه تعثر على إحدى درجات السلم ليتدحرج عليه هو وحقيبته.
نهضت مسؤولة الخدم من سريرها فزعة وقد استيقظت على الضجة التي أحدثها سقوط عديّ.
-  سنيور عدي! ماذا حدث لك؟
تأوه عدي وهو يشعر بألم شديد في ذراعه المكسورة
وجبهته التي خدشت ونزفت قليلا. قال لمدبرة المنزل وهو يحاول النهوض بصعوبة:
- (لوسيلا) خذيني حالا الى المستشفى الذي كنت فيه حين تعرضت للحادث . يجب أن يروا ذراعي لأني أظن أنها كسرت من جديد.
أومأت لوسيلا وأسرعت بارتداء معطفها فوق ثيابها المنزلية.
حين وصلا الى قسم الطوارئ في المستشفى، أسرع الممرض بأخذ عدي الى قسم الأشعة وأجرى له هناك الفحص اللازم. سأله وهو يساعده على ارتداء قميصه:
- من الطبيب الذي عمل لك الجبيرة، سنيور؟
تأوه وهو يضغط بخفة على ذراعه وأجاب:
- الدكتورة شجن.
- من الأفضل أن تراك بنفسها إذن.
تساءل عدي بانفعال مع أن لمعانًا غزا عينيه وهو يتذكر تلك الطبيبة الفاتنة حزينة العينين:
- وهل سأنتظرها حتى تأتي صباح الغد؟ الألم لا يحتمل! ألا يوجد طبيب مناوب في هذا المستشفى؟
أسرع مختص الأشعة بإيضاح كلامه:
- لا أقصد هذا سنيور! لحسن حظك أن الليلة موعد
مناوبتها، وستصل بعد حوالي ربع ساعة. سنجري لك
بعض الفحوصات اللازمة ريثما تصل الدكتورة.
حال وصول شجن قرب غرفتها، تبعتها إحدى الممرضات لتقول: - هناك حالة طارئة، والمريض ينتظر وصولك منذ ربع ساعة يا دكتورة.
- سآتي حالا. هل أخذتم له الأشعة؟
- نعم. وبعض الفحوصات اللازمة.
قالت شجن وهي تسرع بدخول غرفتها لارتداء زيها:
- أدخليه الى غرفة الفحص.
قطبت شجن جبينها حين رأت عدي جالسا على سرير الفحص وملامحه تدل على ما يعاني من ألم.
- مرحبا. ألم أضع لك الجبيرة قبل تقريبا؟ ماذا حدث لذراعك ثانية؟  
أجاب وهو يغمض عينيه وقد هاجمه شعور قوي بالألم بينما كانت تنظر في صورة الأشعة التي أخذت لذراعه:
- سقطت عن السلم ووقعت على ذراعي.
- لقد كسرت ذراعك من جديد في نفس المكان لأن الكسر لم يلتئم بعد بشكل كامل.
سألها منزعجا: - هل ستعيدين تجبيرها؟
أومأت ثم أصدرت التعليمات للممرضة بتجهيز أدوات التجبير. أمسكت رسغ عدي وأعلى ذراعه وهي تقول وقد اهتز ثبات نظراتها كحالها في كل مرة تعلم أن المريض سيتألم: - يجب أن تتحمل لأنها ستؤلمك.
قامت بتحريك ذراعه لتكون العظام بالوضع الصحيح
فصاح متألما فرفعت رأسها لتلتقي نظراتها المرتبكة بنظراته التي عكست دهشته من ارتجاف حدقتيها.
سألها بقلق: - هل أنت واثقة أنك من قمت بتجبير ذراعي المرة الماضية؟
أومأت مستغربة سؤاله فأضاف مازحا ليخفف من شعوره
بالألم ويستفزها ليعرف سرّ ارتباكها وارتجاف نظراتها
قلقا: - تبدين كمبتدئة خائفة تقوم بهذا لأول مرة.
هل أنت طبيبة تحت التمرين؟
حدجته بامتعاض وقالت وهي تبدأ عملها:
- تخرجت منذ ثلاث سنوات لذا اطمئن.
تحرك قليلا فنهرته بحزم: - لا تتحرك! يجب أن يبقى العظم في وضعه الصحيح وإلا التأم بشكل خاطئ.
عادت لتصحيح وضع ذراعه فصرخ متألما للمرة الثانية فعاد وجهها للشحوب ونظراتها للاضطراب.
لم يجعل الألم روح المرح تغادره فسألها:
- ما دمت تمارسين عملك منذ ثلاث سنوات، فلماذا ارتجفت بركتي العسل في عينيك إذن حين صرخت؟
اكتسى وجهها بلون الخجل واتسعت عيناها ليبدو الغضب فيهما ثم خفضت بصرها نحو ذراعه محاولة التركيز في عملها بينما كان عدي يبتسم متذكرا سارة.
“ لم أظن أن هناك فتاة هنا تحمر خجلا كابنة عمي “
بالفعل كانت تلك حمرة الخجل على وجهها وليس
الغضب. فقد فاجأتها كلماته وجعلت الشعور بالخجل يصبغ وجنتيها. وليس مثل عدي وخبرته بالنساء يخطئ أمرا كهذا.
أنهت شجن عملها بصعوبة بعدما أزعجها عدي بغزله الوقح فخرجت مسرعة وهي توصي الممرضة:
- قومي بعمل أشعة جديدة لذراعه بعد التجبير وحددي
له موعدا لرفع الجبيرة بعد أربعة وعشرين يوما.
أضافت بالعربية وهي تحدجه بنظرة حادة:
- فعظامه كعقله، تحتاج وقتا أطول من المعتاد لتشفى.
نهض مسرعا وهو يحرص على عدم تحريك يده المصابة  وناداها: - دكتورة شجن!
توقفت والتفتت نحوه ونظراتها تعكس الانزعاج.
- اعذري جرأتي. أنا أعيش في إيطاليا منذ صباي وذلك أثر علي. وكما تعلمين، لا يستطيع الإيطالي رؤية الجمال دون التغزل فيه. لكنني لم أقصد الإساءة.
رمقته بنظرة ساخرة وهي تقول:
- وكما أعرف أيضا، فأنت عراقي ولست إيطاليا.
سارت خطوتين فعاد يحدثها: - أنت طبيبة ويجب ألا تدعي الغضب يتغلب على ضميرك المهني.
قطبت جبينها مستفهمة فأوضح وشبح ابتسامة على شفتيه وفي عينيه: - لا يجب أن تنتقمي مني لأني تغزلت بعينيك بإبقائك الجبيرة مدة أطول من اللازم على ذراعي. قد يؤثر ذلك علي وتحملين الشعور بالذنب طوال حياتك.
رمقته بحنق وهزت رأسها بيأس وهي تغادر قبل أن تفقد أعصابها. كانت الممرضة ولوسيلا ترمقانهما باستغراب وهما تراقبان ردود أفعالهما أثناء حوارهما الذي لم تفهما منه شيئا بما أنهما تحدثا باللغة العربية.
سأل عدي الممرضة: - سنيوريتا، لماذا برأيك تضطرب طبيبة ماهرة أثناء أداء عملها؟
ابتسمت الممرضة وهي تجيب: - الدكتورة شجن من
أرق الطبيبات هنا. لا تتحمل رؤية مريض يتألم. لا بد أنها اضطربت حين صرخت متألما.
“ أي تناقض تحمل تلك الفاتنة، عسلية العينين؟ حازمة جدا وفي الوقت ذاته رقيقة جدا لرجة أن تهتز عيناها عند سماعها صرخة مريضها “
..............
بعد الإفطار، بدأ الجميع بالاستعداد لمغادرة المزرعة.
كم أحبها عليّ وسارة وقضيا فيها أجمل أيام الطفولة والصبا! وكم زاد حبهما لها بعدما شهدت أجمل أيام حبهما وعقد قرانهما! تنهدت سارة وهي تضع الكراسي واحدا فوق الآخر وفكرت بمغادرة عليّ البلاد. وكأنها نادته حين فكرت به فقد خرج من المنزل واقترب ليقول وهو يمسك يديها الممسكتين بالكرسي: - فلأساعدك.
خفضت رأسها والابتسامة تملأ وجهها لتقول:
- كيف ستساعدني وأنت تكبل يديّ؟
تنهد بحرقة وهمس مقربا رأسه من رأسها:
- لو كان بيدي لكبلتك بالكامل!
رفعا الكرسي ليضعاه فوق البقية ثم أمسكت طرفي الطاولة وقالت وهي تراه ملاصقا لها لم يتحرك:
- لن نستطيع حمل الطاولة دون أن تبتعد الى الجانب المقابل.
زفر بانزعاج وقال وهو يبتعد ليمسك الطاولة من الطرف الآخر ويسير مع سارة الى المطبخ:
- لا تذكريني بالابتعاد! لا أعرف كيف سأصبر حين أبتعد عنك.
أدخلا الطاولة الى المطبخ حيث فتركتها سارة وابتعدت لتقف أمام الشباك وهي تشعر بالنار في صدرها وبدموعها تحرق عينيها. اقترب منها مسرعا ليأخذ وجهها بين يديه ويهمس وهو يمسح دموعها بإبهاميه:
- لا توجعي قلبي أكثر بدموعك. مع أنها تفصح عما
ترتعب شفتاك من قوله. أتعلمين أنك إلى الآن لم تقوليها!
اقترب كثيرا فابتعدت عنه وهي تقول: - سيرانا أحدهم!
أمسك ذراعيها وتحرك ليحركها معه ثم ألصقها بالحائط خلف الباب وقال بمكر وهو يركز نظره على شفتيها:
- هكذا لن يرانا أحد. أريد سماعها قبل سفري.
ارتجفت وهي تهرب بنظراتها فهمس مهددا:
- سألجأ للعنف ثانية إن لم تتكلمي!
 اضطربت أنفاسها وهي تتذكر عناقهما ليلة أمس فاقترب وهمس: - آخر تحذير لك. إن لم تتكلمي فيعني ذلك أنك تتوقين لمعانقتي الآن.
ألا تتوق لذلك؟ كيف لا وهو الذي احتل قلبها وعقلها؟
لكن خجلها اختار أن تتكلم كي لا يعتبره تصريحا
عن رغبتها فهمست أخيرا: - أحبك.  
اتسعت ابتسامته وهو يسمعها ثم همس بمكر:
- لم أكن لأبتعد أو أتخلى عن العنف سواء قلتها أم لا.
رمقته بدهشة فضمها وقد فقد صبره ليبتعد حين دخلت عبير المطبخ واستدارت خارجة بسرعة، متظاهرة بعدم رؤيتهما. همست سارة بخجل وامتعاض:
- ماذا سأفعل؟ كيف سأواجه والتدك بعدما رأتنا هكذا؟ ثم هربت بعدها من المطبخ خشية دخول والدتها في المرة القادمة.
عادت سارة مع أهلها الى بيتهم في مركز بغداد وذهب عليّ مع والديه الى أحد الفنادق. موقف مشابه لما حصل حين هرب عدي لكن شتان بين الأمس واليوم!
استأذن عليّ والدة سارة كي يخرج معها الى العشاء في أحد المطاعم فوافقت على ألا يتأخرا في العودة.
كان المطعم في حديقة مفتوحة ومنسقة بشكل جميل. جلسا الى طاولة منزوية صغيرة.
- سارة، متى ستكونين مستعدة كي أعود وأهلي لنُتمّ
زواجنا؟
- لا أعرف. فلننتظر ما سيتفق عليه عمي مع والدتي.
تأملها بشوق وهو يقول: - كم أرجو لو استطعت الزواج بك غدا وأخذك معي الى إيطاليا!
ابتسمت وقلبها يترقب ذلك اليوم.
.............
حانت لحظة الوداع التي لا يحبها أحد.. وداع على وعد بالعودة بعد شهرين كما طلبت سناء ليتم بعدها عقد قران عليّ وسارة رسميا في المحكمة ثم تسافر الى إيطاليا.
خرجا الى حديقة المنزل فقال عليّ وهو يفك عقدة الشال الصغير الذي تلفه سارة على عنقها: - اريده ذكرى منك.
همست بصوت مرتجف وهي تقاوم دموعها:
- سأشتاق إليك كثيرا.  
لامس خدها ووضع الوشاح الصغير في جيبه بعدما استنشق رائحتها فيه ثم عانقها بقوة قبل أن يخرج الجميع.
............
كم تغيرت حياة عدي منذ بدأ العمل مع والده وعليّ في الشركة ومنذ قرر التغيير بعد تلك الحادثة. تعرف الى أناس جدد، رجال أعمال ودبلوماسيين من مختلف البلدان العربية منها والأوربية.
استعد لحضور الحفل الذي دعي أليه وأفراد عائلته، بدعوة من مكتب تابع للسفارة العراقية. كم مرة دعي لحفل كهذا لكنه كان يرفض الذهاب! كان يميل الى الاختلاط بالإيطاليين ولا يرغب بالتعرف الى أبناء بلده أو البلدان العربية الأخرى.
دخل صالح مع عبير وخلفهما ولديهما الى القاعة، وراحت عيناه تبحثان عن معارفه. أما عديّ فكان يستطلع المكان. سار خلف والديه وشقيقه بخطى متمهلة كنظراته المستكشفة للمكان حتى لمحها فتوقفت عيناه عن التحرك كما قدميه..

نهاية الفصل الثاني عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:02 am




الفصل الثالث عشر

دخل صالح مع عبير وخلفهما ولديهما الى القاعة، وراحت عيناه تبحثان عن معارفه. أما عديّ فكان يستطلع المكان. سار خلف والديه وشقيقه بخطى متمهلة كنظراته المستكشفة للمكان حتى لمحها فتوقفت عيناه عن التحرك كما قدميه.
لأول وهلة ظن أنه مخطئ وقد رأى أخرى تشبهها لكنه تيقن من صحة ظنه حين رأى عينيها المميزتين بلونهما العسلي الصافي، المشرقتين بحزن أخاذ يجذبه ويستفزه لمعرفة سببه. فقد كانت مختلفة بتلك الزينة المميزة على وجهها وطريقة وضعها الكحل التي أبرزت جمال ولون عينيها أكثر. أما فستانها الأسود فكان ساحرا ببساطته وأناقته.
- أترون تلك الفتاة ذات الفستان الأسود التي تجلس
قرب المرأة ذات الطقم السماوي؟ تبع الجميع نظراته ليروا شجن ثم عادوا إليه بنظرات مستفهمة فأوضح:
- إنها الطبيبة التي عالجتني. لما لا أعرفكم عليها؟
قالت عبير: - فكرة جيدة.
ولم يعترض صالح فساروا جميعا حيث تجلس شجن.
حدقت به شجن مستغربة حين رأته يقترب منها مع عائلته لتنهض حين ألقت عبير السلام عليها. تولى عدي تقديم الجميع لشجن: - والدي ووالدتي وشقيقي التوأم عليّ.
أومات شجن وهي تقول للمرأة التي نهضت لمصافحة عبير:
- السيد عدي، أحد مرضاي.
تبادل الجميع التحية وقالت المرأة:
- أنا (هدى) خالة شجن. تشرفت بمعرفتكم.
قال صالح: - لنا الشرف يا سيدتي.
اتسعت عينا شجن امتعاضا وهي تسمع خالتها تقول:
- تفضلوا بالجلوس معنا إن لم يكن لديكم مانع فلم
يحضر بعد أي من معارفنا.
قالت عبير بابتسامة: - يسرني ذلك.
جلسوا فوجهت عبير السؤال لشجن مشيرة لذراع عدي:
- متى يمكنه رفع الجبيرة يا ابنتي؟ ينقبض قلبي كلما رأيتها وأتذكر الحادث الذي تعرض له.
تبادل عدي وشجن النظرات وقد تذكر كلاهما ما قالته عن احتياجه مدة اطول للشفاء فابتسم وأشاحت نظراتها.
قالت هدى وهي ترمق شجن بنظرة دافئة:
- كان الله في عونك. صحيح أني لست أمّا لكنني ربيت شجن وأعرف كم هو صعب شعور الأم حين يتعرض أبناؤها لمكروه.
قالت شجن لتمنع خالتها من الاسترسال في الكلام:
- يمكنه رفع الجبيرة بعد أسبوع يا سيدتي.
قالت عبير بابتسامة ودودة: - نادني خالتي فأنا لا أحب الرسميات خاصة مع من أرتاح لهم من النظرة الأولى.
قالت هدى بعفوية ودون تكلف: - وانا ارتحت لك.
نهض صالح وأشار لولديه بالنهوض ثم قال لهدى وشجن:
- سنترك لكن حرية الحديث. تشرفت بمعرفتكما.
- لنا الشرف يا سيدي.
نظرة أخيرة ألقاها عدي على شجن قبل أن يغادر فأبعدت وجهها وهي تتساءل بحيرة عن سبب تقديمه إياها لأسرته.
تحدثت عبير وهدى في عدة مواضيع وانسجمت الاثنتان بشكل أقلق شجن وأراح عدي الذي كان يراقبهما كل حين فيرى ابتسامة والدته الصافية التي تبدو على وجهها حين تكون مرتاحة للحديث مع أحد.
قبل أن تنهض شجن لتتحدث الى إحدى زميلاتها ممن دعين
للحفل، همست في إذن هدى:
- لا تسترسلي في الحديث وتخوضي في خصوصياتنا فنحن بالكاد تعرفنا الى المرأة.
قطبت هدى حاجبيها وهي تهمس بحنق:
- هل أنا طفلة لتعلميني ما يجب؟
قبّلتها شجن وهي ترى انزعاجها وقالت:
- بل أنت طيبة جدا يا هدهد، لذا تطلقين العنان لنفسك ولسانك حين تشعرين بالراحة مع أحد.
قالت هدى بابتسامة: - لقد دخلت المرأة قلبي بالفعل.
ابتسامة مجاملة رسمتها شجن على وجهها لعبير وهي ترفع نفسها لتستقيم ثم تركتهما.
وقف عليّ قرب شقيقه وهو يقول باستغراب:
- لم ترفع عينيك عن طبيبتك. ما القصة؟ هل نسيت
صوفيا بهذه السهولة لتقع في غرام أخرى؟ أم أنك عدت لعهدك القديم؟ تبدو الفتاة محترمة فلا..
قاطعه عدي: - على رسلك! هل حللت تصرفاتي ونيتي لأنني نظرت إليها عدة مرات؟
رمقه عليّ رافعا حاجبيه بسخرية فاعترف عدي:
- حسنا، لم أرفع نظري عنها كما قلت. لكن ليس في
نيتي تجاهها أي سوء يا عليّ.
- ما نيتك إذن؟
أجاب عدي محتارا: - حقا لا أعرف. كل ما أعرفه أنها تجذبني بشكل غريب. أتعلم، إنها تذكرني بسارة.
وخزة غزت قلب عليّ وهو يتذكر أن حبيبته كانت يوما مخطوبة لأخيه بينما أكمل عدي:
- أعني أنها الأخرى تحمر خجلا. وتلك صفة غريبة على طبيبة تخالط الكثير من الناس.
قال عليّ مذكرا إياه:- الصفة التي تسميها سذاجة.
أومأ عدي مقرًا:
- طوال الوقت كنت أخدع نفسي بأني لا أحمل تقاليدنا داخلي حتى رأيت صوفيا بين ذراعي صديقها فاكتشفت أنني مخطئ. غلت دمائي وثارت غيرتي مع أني أدرك أنه صديقها وليس شيئا آخر. عندها عرفت أنني لا يمكن أن أرتبط سوى بفتاة عراقية أو عربية، لها نفس تقاليدنا.
سأله عليّ وهو مسرور بتغير أفكاره التي كان ضدها مع أنها لم تؤثر على قوة علاقتهما: - وهل استطعت نسيان صوفيا؟
- لم يكن الأمر سهلا لكنني أفلحت فيه. ربما كانت صوفيا محقة حين قالت بأني اخترتها بدلا من فتاة عربية كي أحصل على ما أريد منها والذي لن أحصل عليه مع حبيبة عربية.
- أي أنه لم يكن حبا حقيقيا.
رفع عدي كتفيه بحيرة ثم عاد بنظراته نحو شجن التي كانت تحدث زملائها بأمر مهم وقد بدا ذلك من تقطيب حاجبيها وضمها لشفتيها.
بعدما تعرف عدي على الكثير من الشخصيات المهمة في عالم الأعمال من معارف والده وشقيقه، انتهز فرصة ابتعاد شجن عن زملائها لتنفرد بنفسها متجهة صوب الشرفة فاتجه نحوها سريعا.
- أما زلت غاضبة مني؟
قالها وقد صار خلفها قبل أن تخرج الى الشرفة فحانت منها التفاتتة صغيرة وقالت لتقلل من شأن الأمر: - لماذا؟
همس بمكر:
- أعني الكلام الذي قلته لك يوم أعدت تجبير ذراعي.
استأنفت السير وهي تقول بلا مبالاة: - نسيت الأمر أساسًا.
ابتسم بمكر وسار خلفها فاستدارت لتواجهه وهي تقول بملامح بدا عليها الانزعاج:
- أيمكن أن أنفرد بنفسي إن لم يكن هناك ما تقوله؟
رفع كتفيه وهو يقول: - الشرفة واسعة ويمكنك
الوقوف بعيدا عني في المكان الذي ترغبين.
سارت بعيدا عنه وهي مغتاظة من تصرفه. تزعجها نظراته اللحوحة ووقاحة كلماته في بعض الأحيان. من الجيد أنه لم يسمعها كلمة غزل اليوم كما حدث في لقائهما الأول وذلك اليوم حين عالجت يده للمرة الثانية. بل إن
نظراته تغازلها كلما التقت نظراتهما، خلال الأيام التي قضاها في المستشفى وما بعدها. ليست الجميلة الوحيدة حوله بالتأكيد فلماذا يلح في إبداء إعجابه بها؟
ظل عدي يتأمل شجن من بعيد وعلى وجهه ابتسامة حتى استدارت لتدخل القاعة فتلاقت نظراتهما. خفضت بصرها وسارت نحو المدخل ليتبعها بنظراته وكأن فيها سحرا يأسره.
...............
فتح عليّ حاسوبه وأجرى اتصالا صوريًا بسارة عبر أحد
برامج الاتصال. كانت تنتظر مكالمته بفارغ الصبر فأسرعت بالإجابة.
- تأخرت في الاتصال على غير عادتك. اشتقت إليك، عليّ.
قال بابتسامة وهو يتأمل وجهها عبر الشاشة:
- وأنا أكثر يا قلب عليّ. كنت في حفل في مقر السفارة.
أخبرتك عنه أمس.
- صحيح. لقد نسيت.
قال بمكر: - بسبب شوقك لي.
اتسعت ابتسامتها فقال وهو يلامس غمازتيها على الشاشة:
- ما زلت أود شراء غمازتيك. إن كنت تذكرين عرضي القديم.
ابتسمت وهي تقول: - كيف أنساه؟ لكن ماذا ستفعل بغمازتي إن كنت قد صرت بأكملي ملكك؟
تنهد مغمضا عينيه بشوق ليفتحهما فتبدو نظرات
العشق في عينيه: - ما أجملها من كلمة! متى ينقضي الشهران وتصبحين ملكي بالفعل؟
خفضت بصرها وهي تقول: - مرّ منهما عشرون يوما.
تأملها بشغف وقال:
- أمي تقوم بالتحضيرات هنا لزفافنا بكل حماس. اتفقت مع مكتب ديكور لترتيب الجناح الذي يضم غرفتي في الطابق العلوي ليكون خاصا بنا. واتفقت مع منظم حفلات ليبدأ بترتيب ما يلزم لحفل زفافنا.
كانت سارة تستمع إليه بسرور ثم قالت:
- لقد أرسلت لي خالتي عبير عدة نماذج لفستان الزفاف كي أختار ما يعجبني. سأرسل لك الصور على هاتفك كي تختار معي واحدا.
- ستبدين رائعة بكل ما ترتدين يا فاتنتي.
...............
على مائدة الإفطار، تأخر عدي في تناول فطوره متعمدا.
وحين نهض عليّ ووالده عن المائدة، سأل والدته بشكل حاول معه ألا يثير شك والدته: - تبدو خالة الدكتورة شجن اجتماعية وتندمج مع الناس بسرعة. ويبدو أنك ارتحت لها فقد رأيتكما تتحدثان بانسجام وراحة.
رمقته بابتسامة وهي تفكر بمكر “ ما دمت تلعب لعبة الغموض وعدم البوح فحسنا “ ثم قالت باقتضاب:
- بالفعل. لقد ارتاحت إحدانا للأخرى.
حكّ خده كعادته حين يريد الدخول في حديث صعب:
- والدكتورة شجن، كيف وجدتها؟ لقد شعرت بأنها منطوية وليست مثل خالتها.
رفعت عبير كتفيها دون اهتمام وأجابت:
- أنت أدرى فقد رأيتها عدة مرات في المستشفى. أما أنا فلم أرها إلا أمس.
“ عبير حين تقرر عدم البوح بشيء! لا بد أنها لاحظت
اهتمامي بشجن وتفعل هذا متعمدة “
- سألت لأنك جالستها وتبادلتما الأحاديث. أما أنا فلم
أحدثها كثيرا.
قالها بابتسامة ونهض ليهرب من نظرات والدته المتفحصة له وهو يتحدث بينما قالت بلهجة عادية:
- لكنك نظرت إليها كثيرا.
التفت وعاد مسرعا للجلوس قبالتها وهو يقول:
- وما دمت لاحظت فلماذا تصعبين الأمر عليّ ولا تنطقين؟
سألته عبير بنظرة حازمة:
- ماذا تريد من الفتاة يا عدي؟ تبدو طيبة ومهذبة ولا مجال للتلاعب معها. وقد لاحظت أنها تتجنبك. ما الخطأ الذي اقترفته في المرات التي التقيتما فيها؟
تنهد ليقول:
- ما أشبهك بابنك وهو ينصب لي تحقيقا بالأمس! كل ما أعرفه يا أمي أنني منجذب لها. وبالتأكيد نيتي خالية من السوء نحوها فأنا لا أتلاعب بمن تحترم نفسها. لم أفعلها سابقا ولن افعلها الآن.
عادت لسؤاله: - هل الأمر جاد أم أنه انجذاب عارض؟ لا ترضى لبنات الناس ما لا ترضاه لشقيقاتك يا عدي.
أحاط وجهه بكفيه وهو يقول بنفاذ صبر:
- أقسم يا أمي أنني لا أضمر أي سوء لها. لكنني ما أزال
حائرا في مشاعري. لا أستطيع تسميتها. كل ما أعرفه
أن لها تأثيرا كبيرا علي.
رمقته بنظرة جانبية وابتسامة رضا على شفتيها وهي تقول:
- لقد دخلت الفتاة وخالتها قلبي. فليرضى الله عنك يا ولدي وينير قلبك وفكرك لتعرف ما تريد.
قبّل يد والدته وهو ينهض ليلتحق بوالده وعليّ في الشركة وقال: - لا حرمني الله من دعائك.
عند وصوله الى الباب، قالت عبير بلهجة عادية وليس كأنها تنطق بما كان يتحرق لسماعه:
- توفيت والدتها وهي صغيرة وتزوج والدها فربتها هدى.
ليست مرتبطة بأحد، تصغرك بسنتين. تعمل هدى
ضمن جمعية تطوعية لمساعدة الفقراء، وشجن تعالج
الكثير منهم مجانا فتذهب كل أحد الى حيّ من الأحياء
الفقيرة لعلاج الناس هناك.
حدق بوالدته غير مصدق لكم المعلومات التي حصلت عليها خلال الساعة التي قضتها مع هدى. ابتسم وهو
يعود أدراجه ليقبل والدته تلك القبلات القوية الكثيرة حتى هتفت وهي تضحك: - كفى يا ولد!
- أحبك يا أمي! كيف عرفت كل هذا من لقاء واحد؟
- الفضل لخالتها هدى. لم تزل تغدق علي بتلك المعلومات.
بدأ عدي بجمع باقي المعلومات عن شجن بطرقه الخاصة ليعرف كل صغيرة وكبيرة عنها، عبر مواقع التواصل وعن طريق العاملين في المستشفى إما باستدراجهم في الحديث أو برشوتهم. وآخر ما فعله بعد ذلك هو تخصيص مراقب
يتبع تحركاتها ليحميها من المخاطر فقد عرف أن بعض
الأحياء التي تزورها غير أمينة في المساء.
.............
دخل عدي المستشفى ليرفع الجبيرة عن ذراعه وقلبه يخفق ترقبا للقاء شجن. أخذته الممرضة الى إحدى الغرف وقالت وهي تجهز الأدوات: - سنيور، سأرفع لك الجبيرة ونأخذ صورة أشعة للكسر بعدها.
سألها وهو يبعد ذراعه: - أين الدكتورة شجن؟
- ليست هنا. لا تقلق فقد قمت بهذا العمل عدة مرات ولا حاجة لترفع لك الدكتورة الجبيرة بنفسها.
أصر عدي وهو يقول بابتسامة مهذبة:
- لا أقصد التقليل من خبرتك لكنني متشكك في
هذه الأمور. سأنتظر الدكتورة حتى تأتي.
رفعت الممرضة كتفيها وهي تقول:
- كما تريد، سنيور. لكنك ستضطر للعودة غدا
فالدكتورة لن تأتي اليوم. لقد أنهت عملها وخرجت.
أومأ إيجابا وهو ينهض عن سرير الفحص ثم شكر الممرضة وخرج. قاد السيارة حتى منزلها الذي عرف عنوانه من الرجل الذي يراقبها. لم يكن يعلم ما الذي أراده من وقوفه أمام منزلها.
“ كم أزداد تهوري وتصرفاتي غير العقلانية منذ عرفتها! لم تفعل بي فتاة ما فعلته عسلية العينين تلك.
جعلتني أدور خلفها لأعرف كل شيء عنها ثم أوظف لها حارسا شخصيا يراقبها من بعيد خشية أن تتعرض لأذى وهي تقوم بأعمالها النبيلة لمداواة الفقراء. أيكون السبب وراء ذلك صدها لي؟ كلا! فقد تعرضت سابقا للصد من فتيات إيطاليات وفتاة عربية لكنني لم أشعر بتلك الرغبة الملحة في التقرب منهن وكسب ودّهن كما يحدث معي الآن. بل بالعكس، وضعت كرامتي فوق كل شيء وانسحبت. لماذا لا أقوى الآن على الانسحاب مع أني أرى صدها لي؟ “
وجاء اليوم التالي فعاد عدي الى المستشفى واتجه مباشرة الى غرفة الفحص حيث عسلية العينين. انتظر دوره ثم دخل الغرفة لتنظر إليه بتلك العينين الحزينتين دوما.
- صباح الخير.
قالها مبتسما فردت وهي تأخذ ورقة تكتب فيها:
- صباح الخير. سأرسل الممرضة معك الى غرفة العلاج
كي ترفع لك الجبيرة.
وقبل أن تقرع الجرس قال بسرعة رافعا يده:
- لا تفعلي! لقد جئت أمس وأرادت الممرضة إزالته لكنني رفضت. أريد أن ترفعي لي الجبس بنفسك.
قطبت جبينها وهي ترمقه بعدم رضا فقال كاذبا ليبرر لها:
- أنا متشكك فيما يخص صحتي، وأريد أن ترفعي الجبيرة بنفسك لأكون مطمئنا.
رمقته وفي عينيها امتعاض يقول أنها كشفت كذبه ثم قالت: - ليس عملا صعبا لا تستطيع الممرضة القيام به. لكن بما أنك مصر، عليك أن تنتظر حتى أنهي فحص كل مرضاي.
- بالطبع سأنتظر.
قالها وقد عرف أنها تعمدت جعله ينتظر بينما كان من المفروض أن ترفع له الجبيرة الآن حسب دوره.
أخيرا وبعد انتظار ساعة ونصف تقريبا، نادته الممرضة
وهي تحمل بعض الأدوات ليدخل غرفة شجن.
قال مبتسما وهو يجلس على سرير الفحص والمكر في صوته ينبئها أنه يشير الى تعمدها جعله ينتظر:
- كان الله في عونك يا دكتورة. أنت تتعبين كثيرا فمرضاك كثر.
سألته بلهجة بريئة تناقض مكر نظراتها وابتسامتها
الصغيرة: - هل تعبت من الانتظار؟
تمنت لو أنها لم تسأله حين همس وفي عينيه نظرات شوق:
- لا أتعب من الانتظار ما دمت أريد شيئا من كل قلبي.
تنحنحت وبدأت عملها بمساعدة الممرضة فابتسم وهو يرى خجلها واضطرابها.
- والدتي ترسل لك ولخالتك تحياتها. لقد أحبتكما من أول لقاء وذلك نادرا ما يحدث. فوالدتي تعرف جيدا كيف تنتقي أفضل الناس ليكونوا أصدقاء لها.
- سلمت. انقل لها تحياتي.
قالتها بشكل مقتضب وهي تنهي عملها بينما راقب خصلات شعرها التي تدلت على جانبي وجهها. كم تاقت يده لإزاحتها ثم ملامسة شعرها!
انتبه من شروده حين قالت له: - معافى.
قال وهو ينظر الى ذراعه الخالي من الجبيرة: - سلمت.
أخذته الممرضة لعمل صورة أشعة ليده ثم عادا بها
لتراها شجن. قالت بحرفية وهي تنظر الى صورة الأشعة:
- الحمد لله. العظم ملتئم تماما وبشكل صحيح.
قال عدي مبتسما وعيناه تتألقان:
- الفضل لمهارتك وتثبيتك العظام بالشكل الصحيح قبل تجبيرها. سلمت يداك.
هربت بنظراتها وهو يشير لذلك اليوم الذي غازلها فيه بإطلاق تسمية بركتي العسل على عينيها.
قالت بابتسامة مجاملة: - أبعدك الله عن الحوادث. لا نريد رؤيتك هنا مجددا.
نظر في عينيها وهو يقول بلهفة:
- أستقبل الحادث برحابة صدر إن كان سيجعلني أراك.
حدقت به بحنق فغادر قبل أن تتكمن من الرد عليه.
زفرت بغضب وهي تلوم نفسها “ لماذا لا أستطيع الرد على وقاحته؟ لماذا يُربط لساني ولا أنطق؟ كل ما أفعله هو
إرسال نظرات الغضب والدهشة نحوه “
............
بينما كان آل صالح مجتمعون على مائدة الغداء ظهر الأحد، قالت عبير: - لقد دعوت هدى وشجن طبيبة عدي على العشاء ليلة غد.
حدق بها عدي وقد لمعت عيناه سرورا بينما سألها صالح:
- يبدو أنك أحببتهما وقررت توطيد العلاقة معها.
- بالفعل. لقد دخلتا قلبي.
نظرة خاطفة وجهها صالح نحو ولديه ليرى حوار النظرات الدائر بينهما فيقول بعدها:
- احرصي على قلبك ممن يسكنه يا أم الولدين.
جلس عليّ مستمتعا بالنظر الى عدي وهو يجول بنظره في
دولاب ثيابه. كان متحيرا فيما يرتدي وأي ساعة يضع في يده وأي عطر يختار. لم يعد عليّ قادرا على الصمت أكثر فأطلق ضحكة عالية ليرمقه عدي بنظرة حنق فقال:
- جاء اليوم الذي أراك فيه تائها بسبب امرأة!
زفر عدي بحنق وقال: - إما أن تساعدني أو تلتزم الصمت. (جذبه ليقف) والأفضل أن تخرج وتتركني.
ضحك عليّ وهو يغادر ليعود ويطل برأسه من باب الغرفة ويقول: - لم يبق سوى ربع ساعة على وصولهما فأسرع.
حين رنّ جرس الباب، أسرع عدي بالنزول وهو يشعر بتسارع نبضه. كان واقفا في الصالة مترقبا حين خرجت والدته من غرفة الضيوف لتهمس له: - لم تأت مع خالتها.
قطب جبينه وتبخرت ابتسامته وهو يشعر بوخز في قلبه..

نهاية الفصل الثالث عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:06 am




الفصل الرابع عشر

حين رنّ جرس الباب، أسرع عدي بالنزول وهو يشعر بتسارع نبضه. كان واقفا في الصالة مترقبا حين خرجت والدته من غرفة الضيوف لتهمس له: - لم تأت مع خالتها.
قطب جبينه وتبخرت ابتسامته وهو يشعر بوخز في قلبه. ألهذه الدرجة تنزعج منه ولا تطيقه؟
أومأ برأسه وصعد الى غرفته وهو يشعر بخيبة أمل لم يجد لها مبررا فهو يعرف أنها لا ترحب بأي تقارب بينهما. لكنه لم يستطع إلا الشعور بخيبة الأمل والحسرة.
طرقت مدبرة المنزل لوسيلا الباب على عدي وهي تقول:
- سنيور، تطلب سنيورة عبير نزولك لتناول العشاء.
- هتف دون أن يتحرك من مكانه:
- لا أريد تناول الطعام. معدتي تؤلمني.
خرجت عبير وضيفتها هدى الى صالة تناول الطعام
بعدما أعدت مدبرة المنزل المائدة فتقدم صالح منهما وخلفه عليّ. ألقيا التحية ورحبا بها ثم سألها صالح وهو يترأس المائدة: - لما لم تأت الدكتورة؟
أجابت هدى وهي تشعر بالحنق على شجن لأنها وضعتها بموقف محرج بعدم حضورها:
- لقد طرأ لها عمل في المستشفى ولم تستطع الاعتذار عنه. وقد أرسلت لكم اعتذارها.
قالت عبير بابتسامة: - لا بأس. الأيام قادمة ولا بد أن نلتقي بها في فرصة أخرى.
سألتها هدى: - وأنا لا أرى عدي معكم.
- إن معدته تؤلمه وهو يعتذر عن تناول العشاء.
- سلم من كل مكروه.
قالتها هدى وهي تشعر أن في الأمر سر. رفض شجن الحضور
دون سبب مقنع وانزعاجها من التعرف الى عائلة عدي يوم الحفل، كلها أشياء تدل على إخفاء شجن شيئا عنها.
دخل عليّ غرفة شقيقه ليجده على السرير وبيده لفافة تبغ. جلس قربه وهو يقول:
- غضبك شديد بما أنك أوقدت لفافة تبغ. كل هذا لأنها لم تأت؟ قالت خالتها أن عملا طرأ لها في المستشفى.
نفث عدي الدخان وقال بنظرة يأس:
- لا أظن أن الأمر سينفع يا أخي. إنها ترفض أي تقارب أو صلة بيننا، وعملها الطارئ بالتأكيد كذبة كي لا تأتي. لن أهدر كرامتي أكثر. سأنسى الأمر كله.
رمقه عليّ بحزن وهو يفكر “ كنت استطعت نسيان سارة حين كانت خطيبتك“
نهض عدي وأطفأ لفافة التبغ وهو يقول:
- لنخرج الى أي مكان. أشعر بالاختناق.
ربت عليّ على ذراعه وذهب ليستعد. وحين نزلا الى
الطابق الأرضي، صادفا والدتهما وهي تودع هدى على الباب.
ألقى عدي التحية: - مرحبا سيدتي.
قالت هدى مرحبة بابتسامة : - أهلا. لا أحب كلمة سيدتي تلك، تشعرني بعدم الألفة. لكن احذر أن تناديني بخالتي!
قال عدي مبتسما وهو يستغرب القرابة بين الاثنتين، فتلك متحفظة وهذه تطلق العنان لنفسها:
- كيف أفعلها وأنت تبدين بهذا الجمال والإشراق؟
ابتسمت برضا وهي تتساءل عن سر انزعاج شجن منه مع أنه لطيف ومهذب.
- أعتذر لأني لم أستطع الانضمام إليكم على العشاء.
- لا تهتم. كيف أصبحت معدتك؟
- بخير. سلمت.
قالت عبير وهي تنظر في ساعة يدها: - أعتذر لأني أخرتك عن المغادرة لكن حديثك لا يمل.
- وأنا أيضا نسيت نفسي ونحن نتحدث. لا بد أن تردي لي الزيارة في أقرب وقت.
ابتسمت عبير وهي تعانقها مودعة: - بالتأكيد.  
..............
دخلت هدى المنزل لتجد شجن في الصالة تتابع أحد البرامج الطبية. ألقت التحية وجلست فقالت شجن:
- تأخرت هناك. أردت الاتصال بك لكنني توقعت أن الحديث أنساك الوقت.
أومأت هدى وهي تقول بنظرات مباشرة لعيني شجن:
- بالفعل. عبير امرأة مميزة وقد انسجمت معها بسرعة. كلهم اناس اجتماعيون، خاصة عدي. إنه رجل ذو تهذيب وذوق في الكلام.
توترت شجن وأعادت النظر الى التلفاز دون أن تعلق فسألتها هدى: - لماذا انفعلت ما إن أتيت على ذكر عدي؟
رفعت شجن كتفيها بلا اهتمام كعادتها حين يكون
الأمر بالنسبة لها مهما في الحقيقة:
- ولماذا سأنفعل؟ وما صلتي به أساسًا؟ هو مجرد مريض لدي.
قالت هدى بانزعاج:
- لا تستهيني بقوة ملاحظتي وتخدعيني يا بنت!
قطبت شجن جبينها وتساءلت بلهجة مزاح:
- ما بك يا هدهد؟ أي خداع هذا؟
فقالت هدى بجدية وحزم: - دعك من الهدهد وباقي الطيور، وأخبريني بما يجري. ليس الوضع عاديا بينك وبين عدي. حين التقينا في الحفل كنت منزعجة من تعرفنا بعائلته ووجهت نظرات عدم الرضا نحوه أكثر من مرة. واليوم، رفضت الذهاب معي إلى منزل عائلته دون سبب مقنع وجعلتني أكذب وأخبرهم أنك في المستشفى. ما الأمر؟
تنهدت شجن وقالت وهي تستدير نحو خالتها:
- الأمر أنه وقح. كلما التقينا أسمعني كلمات سمجة أو لمّح لي بإعجابه. لهذا لا أريد توطيد العلاقة بيننا بأي شكل.
هزت هدى رأسها وهي تقول بانزعاج:
- نفس الموقف يتكرر للمرة العاشرة ربما!
قالت شجن بانفعال: - وسيظل يتكرر.
- الى متى؟ الى أن تجدي نفسك وحيدة في الخمسين أو الستين من عمرك ولا أحد يهتم بك؟ هل تريدين أن تكرري خطئي؟
هتفت هدى وقد دمعت عيناها وعادت الذكريات تؤلم رأسها وقلبها فقالت شجن بانفعال هي الأخرى ودموعها تأبى النزول: - ولأنني لا أريد أن أعيش ما حدث لك ولوالدتي فلن أتزوج. ولن أحب ولن أسمح لرجل بالاقتراب مني.
قالت هدى وهي تمسح دموعها:
- ليس كل الرجال مثل طليقي ووالدك.
- بل كلهم متشابهون! يبيعوننا في أي لحظة ويمحوننا من حياتهم. أخبريني أنت عن عدد الأزواج الذين آذوا نساءهم بمختلف الأشكال. كم امرأة في جلسات الدعم
النفسي التي تقيمونها في الجمعية أوذيت بسبب رجل؟
قالتها شجن بانفعال ثم نهضت لتنهي النقاش الذي ينتهي كل مرة ببكائهما وإحداهما تضم الأخرى.
لا تريد البكاء اليوم على كتف خالتها فيكفي ما تشعر به من ضعف تجاه ذلك العدي الذي يلقي على مسامعها ما يريد دون أن ينال عقابه منها. دخلت غرفتها لتبدأ المشي ثم الهرولة على جهاز السير الرياضي وتفرغ طاقة غضبها علها ترتاح قليلا وتستطيع النوم.
.................
مرت الأيام صعبة على عدي وهو يحاول تجنب التفكير بشجن وأفرغ كل طاقته في العمل علّ ذلك يساعده على النسيان. ومع أنه قرر نسيانها إلا أنه أبقى الحارس في مهمته لمراقبتها وحمايتها لو تعرضت لخطر ما.
أما عليّ فكان وقته موزع بين العمل الذي رفع الكثير منه عن كاهله بعدما عمل عدي معه في الشركة بجد وبين الإشراف على بعض ترتيبات زفافه الذي لم يبق عليه سوى أسبوعين.
جلست عبير وهدى في إحدى المقاهي بعدما أنهتا جولتهما التي استمرت طوال ساعات الصباح، بين استلام دعوات زفاف عليّ وسارة وبين مقابلة منظم الحفلات لمناقشة الترتيبات النهائية للحفل وتأجيل بعضها حتى تأتي سارة فتقرر بعض الأمور بنفسها وحسب ذوقها. وآخر محطة كانت عند محل أزياء فساتين الزفاف كي تتأكد عبير من أن العمل جار على إنهاء فستان سارة.
- أشكرك، هدى. لقد أتعبتك معي اليوم.
ربتت هدى على يدها وهي تقول: - ما هذا الكلام؟ أنت صديقتي، وعليّ يستحق أن نتعب لأجل زفافه.
قالت عبير بابتسامة دافئة: - مع أننا التقينا منذ شهر إلا أني شعرت خلاله أنك صديقتي بحق. لقد تعرفت على نساء كثر، إلا أني لم أشعر أنهن صديقات. كنت دوما أحس بحاجز بيننا لا يمكن أن نتعداه لنصبح أكثر من معارف أو جيران. لكن معك الأمر مختلف.
- وأنا أكن لك نفس المشاعر يا عبير.
تشجعت عبير لتتطرق الى علاقة عدي وشجن:
- بصراحة، كنت أرجو لو نوطد علاقتنا بشكل أقوى من خلال الأولاد لكن يبدو أن الأمر صعب مع تحفظ شجن. لا أعرف لماذا تتخذ هذا الموقف من عدي.
تنهدت هدى ثم قالت بحزن:
- ليس الأمر متعلق بعدي شخصيًا بل بأي رجل.
سألتها عبير بفضول واستغراب: - أوضحي يا هدى!
ارتشفت هدى القليل من الماء قبل أن تبدأ سرد أحداث وذكريات تؤلمها:
- توفيت والدة شجن وهي في الثامنة. وبعد شهرين تقريبا، تزوج والدها. كان شرط زوجته الجديدة أن تكون شجن خارج حياتها لذا تخلى عنها وتركها عندنا أنا وأمي لنربيها. ولك أن تتخيلي تأثير ذلك عليها، خاصة أنها حساسة جدا.
قالت عبير متأثرة: - شيء مؤلم أن تشعر بأن أقرب الناس إليها بعد أمها قد تخلى عنها وبعد وفاة والدتها بوقت قصير.
أضافت هدى بعد زفير طويل:
- بعدها بسنة تقريبا، طلقني زوجي وتلك كانت الصدمة الثانية في حياة شجن. لم يكن زواجنا عاديا ولا قصة حبنا التي دامت سبع سنوات. لقد فعلنا الكثير وتحملنا الكثير كي نقنع أهلنا أخيرا بعد تلك السنوات
بالموافقة على زواجنا.  
سألتها عبير بدهشة وهي تشعر بألمها:
- لماذا انفصلتما إذن بعد كل ذلك الحب؟
أجابت وهي تمسح دمعة كادت تسقط من عينيها:
- الأطفال. لقد حاولنا الإنجاب بكل الطرق لكنني كنت عقيمة وحالتي ميؤوس منها. أصرت والدته أن يطلقني ويتزوج أخرى وافتعلت الكثير من المشاكل حتى رضخ لها أخيرا وطلقني. بهذه السهولة تركني، وكأن ذلك الحب والتمسك بي ومواجهة الجميع لأجلي تبخر. ومع هذا بقيت رافضة الزواج بعده ممن تقدموا لي. كانوا مطلقين وأحدهم كان أرملا ولديهم أولاد، فلم يشكل عقمي لديهم فرقا.
سألتها عبير وهي تكتم دموعها: - هل رفضت لأجله؟
أقرت هدى: - كنت حمقاء! لم يغادر حبه قلبي ولم أستطع تخيل نفسي لرجل غيره. بقيت أرفض الخاطبين حتى تقدم بي العمر فما عاد ينفع الندم.
قالت عبير مستنتجة ما حدث:
- وذلك سبب لشجن خوفا من غدر الرجال ونفورها منهم.
أومأت هدى: - إنها لا تسمح لأي رجل بالاقتراب منها. لهذا صدّت عدي حالما لمح لها بإعجابه بها.
قالت عبير بحزن: - الأمر أكبر من الإعجاب يا هدى.
لم أره متأثر بفتاة ومنشغل بها كشجن. ليتنا نستطيع التقريب بينهما بل يجب علينا ذلك!
قالت بابتسامة: - فلتسافروا وتعودوا سالمين مع سارة ثم نرى ما يمكننا فعله.
................
هبطت الطائرة التي تقل عليّ ووالديه على أرض بغداد
ليهبط معها قلب عليّ لهفة للقاء حبيبته التي كانت
تنتظره بشوق لا يقل عن شوقه ولهفته.
كانت سارة تنظر في الساعة كل حين بانتظار اتصال عليّ ليخبرها أنه وصل لكنه لم يتصل فقلقت لكن قرع الجرس جعلها تهب واقفة وتنظر من باب الصالة خلف خالها الذي خرج لفتح الباب. رأته فخفق قلبها واتسعت ابتسامتها ثم وقفت أمام الباب واستقبلتهم بابتسامة حالما دخلوا. عانقت عبير وعمها وعانقته بنظراتها وهما يتبادلان السلام.
كم اشتاق أحدهما للآخر، وكم كان صعبا إخفاء ذلك الشوق أمام الجميع!
قضى عليّ وسارة ومعهما سناء وعبير صباح اليوم التالي في أحدى الدوائر لإنهاء المعاملات التي تسبق عقد القران. بعدها تجولوا في الأسواق لشراء ما يلزم لحفل عقد القران البسيط الذي سيقام هنا قبل سفر سارة وسناء الى إيطاليا مع عائلة صالح حيث سيقام حفل الزفاف الكبير في ميلانو.
وفي اليوم الذي تلاه، ذهب عليّ وسارة مع والدتيهما وصالح الى المحكمة وعقدا قرانهما رسميا.
همس عليّ لسارة وهما خارجان من المحكمة:
- هل سيبقى الوضع هكذا؟ لم أستطع الى الآن محادثتك على انفراد. ما أروع أيامنا في المزرعة! كنا نستطيع الهرب والتخفي عن عيون الجميع. أما الآن فلا أستطيع الانفراد بك لدقائق حتى!
ابتسمت وقلبها يخفق حنينا لتلك الأيام الجميلة ثم همست: - من الصعب الإفلات من رقابة سناء في منزل غير واسع كمنزل خالي.
همس بشوق: - لكن حصارها لن يفلح في منزلنا.
رمقته وفي عينيها لمعان سرور لكلمة (منزلنا). أخيرا سيجمعهما منزل واحد! ابتسم وهو يفتح لها باب سيارة الأجرة التي توقفت قربهما وقد فهم معاني نظراتها.
بعدما حصلت سارة أخيرا على تأشيرة الدخول الى إيطاليا، تحدد موعد سفرها الى بعد يومين. يومان فقط يفصلانها عن بدء حياة جديدة في بلد غريب وبعيدا عن عائلتها. تلك الفكرة زرعت غصة في قلبها. كيف ستفارق والدتها؟ خالها وعائلته، وحياتها هنا؟  
تنهدت ومسحت دموعها لتحاول النوم لكنها لم تستطع فاتصلت بعليّ المقيم في غرفة في الطابق الأرضي.
- ألم تنامي بعد؟ غدًا يوم حافل. بما تفكر حبيبتي؟
تحدثت ليفضح صوتها بكاءها:
- أشعر بألم لفراق أمي وعائلتي بعد يومين فقط.
همس وهو يتفهم حزنها: - وأين سأذهب أنا؟ سأكون لك الصديق والعائلة والزوج والحبيب. سأحاول قدر إمكاني التخفيف عنك. لدي طرق ستعجبك.
همس كلماته الأخيرة بمكر وشغف فابتسمت وهي
تمسح دموعها وقالت وهي تشعر بحرارة وجهها:
- كفّ عن هذا الكلام!
تنهد بلوعة وقال معاتبا بمكر:
- أتريدين حرماني حتى من الكلام؟ ما أشقاك يا عليّ!
صوت ضحكتها الخافتة جعله يشعر بالراحة فسألها:
- التقطي لنفسك صورة. أريد رؤية غمازتيك.
أنهت المكالمة لتلتقط له الصورة التي طلبها وقد زادت من ابتسامتها لتبدو غمازتيها أعمق كما يحبهما. أرسلت الصورة فوصلتها بعد لحظات رسالة منه.
( لا أريد أن تستبدلي هاتين الغمازتين بالدموع. قد أسمح لك بهذا في حالة واحدة، حين تكوني بين ذراعي فأستطيع التخفيف عنك. نامي وفكري فقط بحفل الغد ودعي حزن الفراق الآن. تصبحين على خير).  
تنهدت وهي تنظر في الشاشة ثم كتبت له:
(تصبح على خير، حبيبي)
كان الحفل بسيطا، ضمّ الأصدقاء والجيران. وبعد الحفل، اجتمع الجميع في صالة المنزل. حين همّ أولاد عبد الحميد بالمغادرة، أحاطوا سارة لتبدأ موجة من الدموع انطلقت من عيون النساء. وحتى أولاد خالها، دمعت عيونهم وبالكاد استطاعوا السيطرة على انفعالهم وهم يودعونها متمنين لها حياة سعيدة. عانقوا عليّ وهم يوصونه بمن كانت شقيقة أخرى لهم فقال وعلى وجهه ابتسامة طفيفة:
- إنها ابنة عمي وزوجتي. مكانها في العين وعلى الرأس.
وبإذن الله سأحضرها لزيارتكم باستمرار.
قبّلوا رأس سارة وخرجوا مسرعين ليأتي الدور على زوجاتهم لوداعها. أما زينب فنامت تلك الليلة قرب سارة في نفس الغرفة التي جمعتهما لسنوات.
دوما ما توجع لحظات الوداع قلوبنا وتعتصرها بألم يصعب معه أخذ الأنفاس. وكذلك كانت لحظات وداع سارة لخالها وبتول وزينب.
.................
كان عليّ يقود سارة الى مقعدها في الطائرة حيث جلس الاثنان قرب بعضهما. وحين أقلعت الطائرة شدّ على يدها وهو يلمح الخوف في عينيها فقد كانت تلك رحلتها الأولى بالطائرة، وهي المرة الأولى التي تغادر فيها العراق أيضا.
حين وصلوا، كانت الساعة قد قاربت الثانية عشر مساءً. ومع أن منزل آل صالح يكون غارقا في
السكون حينها حيث ينام الجميع، إلا أنهم تلك الليلة كانوا مستيقظين ومجتمعين بانتظار وصول العروس.
كان عدي في غرفته وقد منع عنه القلق القدرة على الجلوس فظل يذرع الغرفة مجيئًا ورواحًا وهو يفكر
بلقائه بسارة ووالدتها. كيف يواجههما؟ وبالذات سناء التي لم يلتق بها منذ هرب. كم يكره نفسه كلما تذكر ما فعله مع سارة منذ أطاع والده خوفا من إقصائه وحرمانه من النقود وطمعا في الحصول على تمويل شركته! هل ستقبل سناء أعذاره وتتفهم ندمه؟ وهل ستقبل سارة العيش معه تحت سقف واحد؟ أم أنه سيكون سببا في انفصال عليّ عن العائلة في سكنه؟
رن جرس الباب مرتين ليأخذه من أفكاره فنزل متوجسا متمهل الخطى.

نهاية الفصل الرابع عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:12 am




الفصل الخامس عشر

كم يكره عدي نفسه كلما تذكر ما فعله مع سارة منذ أطاع والده خوفا من إقصائه وحرمانه من النقود وطمعا في الحصول على تمويل شركته! هل ستقبل سناء أعذاره وتتفهم ندمه؟ وهل ستتقبل سارة العيش معه تحت سقف واحد؟ أم أنه سيكون سببا في انفصال عليّ عن العائلة في سكنه؟
رن جرس الباب مرتين ليأخذه من أفكاره فنزل متوجسا متمهل الخطى. حالما لمح سناء، نكس رأسه وتمتم التحية فشعرت بغصة وهي تتذكر الأيام الصعبة التي عاشوها بعد اعترافه لسارة بكل شيء ثم رحيله.
رفع رأسه لينظر إليها بدهشة حين ردت له السلام وقد توقع أنها ستسمعه ما يؤلمه أو ترفض التحدث إليه على الأقل.
تشجع ليقترب ثم يأخذ يدها ليقول:
- سامحيني يا خالتي. لقد سببت لكم الأذى وتسببت بمرضك. أعرف أن ما فعلته لا يغتفر لكن..
قاطعته سناء:
- لست المخطئ الأول أو الوحيد. لن أقول أنني نسيت ما فعلت لكن ندمك وارتباط سارة بعليّ الذي لم يكن ليحدث لولا رحيلك يجعلني أتقبلك. فعليّ أنسب لها منك، بل هو الأفضل. ولم أكن لأتمنى زوجا غيره لها.
عانقها عدي وهو يشعر براحة فقال صالح لعليّ مبتسما:
- ما أكبر حظك مع والدة زوجتك!
ابتسم عليّ وهو يقول: - فليحفظها الله لنا.
قالت عبير: - نحن متعبون جدا. هل جهزت لوسيلا الغرف؟
أجاب عدي بابتسامة: - نعم. وهي مستيقظة وكلها حماس لرؤية العروس.
نادى عدي لوسيلا لتأتي مسرعة ومعها الخادمة. ألقتا التحية ورحبتا بسارة وسناء بالإيطالية فتولى عليّ الترجمة ثم طلب من لوسيلا إرشاد سناء وسارة الى غرفتيهما. أسرع عليّ بسحب حقيبتي سارة ليوصلها الى غرفتها بينما قادت لوسيلا سناء وهي تسحب لها الحقيبة الى غرفتها التي تقع في نفس الممر، تفصلهما غرفة صالح وعبير.
همس عليّ وهو يفتح الغرفة ليدخل الحقيبتين:
- ألم أقل لك أن حصار خالتي لن ينفع هنا!
ابتسمت سارة وكتمت ضحكتها وهي تقول:
- انظر وراءك لتتيقن من خطأ اعتقادك.
التفت ليجد سناء تتقدم نحوهما وخلفها لوسيلا، تجر حقيبتها فلوى شفتيه وهو يهمس: - هذا وهي تحبني. ماذا كانت لتفعل بي لو كانت لا تتقبلني؟
- إنه خوفها علي، ولا فرق إن كانت تحبك أم لا.
وصلت سناء قربهما لتقول لسارة وقد سكن الحزن عينيها
وصوتها: - لا أريد الابتعاد عنك خلال الأيام الأخيرة
التي سأقضيها معك.
قبّلتها سارة على خدها فدخلت سناء الغرفة ليهمس عليّ بمرح مشيرا الى خده وقد أثرت به كلمات سناء:
- وأين قبلتي أنا؟
رمقته رافعة حاجبيها بدهشة ثم نظرت داخل الغرفة الى والدتها لتتأكد أنها بعيدة بمسافة كافية بحيث لم تسمعه.
- ما بك عليّ؟ اصبر حتى زفافنا. لم يبق سوى ستة أيام.
همس بشوق ومكر: - وهل أستطيع؟
نظرات سريعة حوله ليتأكد من خلو المكان، تلتها قبلة سريعة على خدها. كتمت شهقتها وهي مندهشة من جرأته ثم قالت بسرعة قبل أن تغلق الباب: - تصبح على خير.
..............
في الصباح التالي وقبل تناول الفطور، قالت عبير:
- ليلة أمس وصلنا متعبين فلم تري الجناح الذي
ستسكنين فيه مع عليّ يا سارة.
نظرة لا إرادية حانت من سارة لعليّ الذي ابتسم.
قالت عبير وهي تنهض: - هيا لترياه.
نهضت سناء وسارة وتبعهن عليّ الى الطابق العلوي حيث جناحه. كانت نظرات سارة تعكس الإعجاب والسرور وهي واقفة في الصالة.
- إنها في الحقيقة أجمل من الصور التي أرسلتها لي يا عليّ.
قالت عبير وهي تفتح باب المطبخ:
- تعالي لتري المطبخ يا سناء.
حالما دخلتا المطبخ، جذب عليّ يد سارة متجها بها الى غرفة نومه التي ستصبح غرفتهما بعد أيام فقط. ارتجف قلبها وهي تفكر بانتقالها الى هذه الغرفة بعد أيام لتشارك عليّ فيها. زاد اضطرابها حين اقترب ليضمها ويهمس من خلفها: - تذيبني نظراتك المشعة سعادة.
قالت بارتجاف وهي تضع يديها على يديه المحيطة
بخصرها: - وهل هناك سعادة أكبر من أن تجمعنا هذه الغرفة بعد أيام؟
كلماتها المرتجفة جعلته يهيم في أفكار نارية فهمس بشوق بعدما استنشق العطر الذي أهداه لها على شعرها:
- وهل تظنين أنني سأكتفي بهذه الغرفة؟
شعّ وجهها خجلا وأفلتت منها شهقة جعلته يضمها أكثر حتى سمعا والدتيهما تتناقشان حول شيء ما وهما تقتربان لينهيا ذلك العناق الذي أذاب كليهما.
أول مكان أرادت عبير الذهاب إليه بعد عودتها الى ميلانو هو منزل هدى وشجن. ولتوقع تلك العنيدة في فخ التقرب من عائلتها، أبلغت سارة وسناء وهم يتناولون الفطور صباح اليوم التالي بأن تستعدا كي تذهبا معها مساءً.
- أريدكما أن تتعرفا على سيدتين من بلدنا. صديقتي هدى وابنة أختها شجن. ستحتاجين لرفقة فتاة ظريفة مثلها يا سارة، خاصة في الأيام الأولى لوجودك هنا.
أنهى عدي فطوره على عجل حين أتى ذكر شجن وهو يفكر ساخرا بوصف والدته لها بالظريفة. فأين الظرافة من تلك الصارمة التي سلبته قلبه بحزن عينيها؟
شعر بشوق يخز قلبه لرؤيتها فانطلق مسرعا الى الشركة ليغرق نفسه في العمل مع أن ذلك لم يجد نفعا كي ينساها.
نهض عليّ هو الآخر عن المائدة وأشار لسارة برأسه ففعلت
مثله بعد قليل. اقتربت منه وهي تراه واقفا بانتظارها في الصالة وقد حمل حقيبة حاسوبه، مستعدا للذهاب الى العمل فقال وهو يأخذ يدها: - الطبيبة شجن التي ستتعرفين إليها مساءً، ليست مجرد صديقة للعائلة.
قطبت سارة جبينها مستفهمة فأوضح:
- وقع عدي في غرامها لكنها تتجنبه وترفض أي صلة به.
لوت سارة شفتيها وكتمت ما ودّت قوله فابتسم عليّ وسألها:
- في عينيك كلام لم تبوحي به.
تنهدت لتقول بعدها: - بصراحة، شقيقك يستحق هذا.
رفع حاجبيه دهشة فقالت بتأكيد:
- نعم، يستحق امرأة قوية تؤدبه.
لامس خدها فاضطرب نبضها بينما قال: - أعرف أن قلبك طيب فلماذا لم تستطيعي مسامحة عدي حتى الآن؟
هزت سارة رأسها نفيا وهي تنظر في عينيه وتقول:
- أنا لا أتحامل عليه مع أنه خدعني، فليس ذنبه أنه أجبر
على الارتباط بي. وحتى عمي سامحته على ما فعل.
لكنني أقول الحقيقة. يحتاج عدي لامرأة قوية تغيره.
قال عليّ بحماس: - وقد تغير بالفعل منذ أخطأ في حقك. وتغير أكثر بعدما أحب شجن.
تخصّرت وهي تسأله بمكر:
- ولماذا تخبرني بذلك؟ ما المطلوب مني؟
خطف قبلة على خدها فشهقت وتلفتت حولها لترى إن كان هناك أحد بينما قال بابتسامة عريضة:
- المطلوب أن تتقربي منها وتجعليها تأتي الى هنا بحجة رفقتك أو مساعدتك في التحضير لحفل زفافنا. أترك التفاصيل لمكرك النسائي وذكائك.
رفعت حاجبيها معترضة وهي تقول:
- وكأنك قليل مكر! هذا يخيفني ويغير نظرتي عنك.
أطلق ضحكة قصيرة ليقول بعدها:
- هذا المكر أكسبني إياه عالم التجارة والأعمال. أما
معك فأكون مبتدئًا في الحياة، يحتاج وجودك قربه كل لحظة.
انتظرت أن يقترب أكثر حين لمحت لمعان الشوق والمكر في عينيه لكنه ابتعد ليخيب أملها وتتساءل عن السبب حتى سمعت خطوات تقترب منهما. التفتت لترى والدتها بينما همس عليّ وقد طفح كيله من تلك المراقبة الدائمة:
- جاءت لتتأكد أن كنت افترستك أم لا. وكأنني
لست زوجك!
حدقت به سارة محذرة ثم همست تشاكسه:
- ليس قبل خمسة أيام.
زفر بانزعاج وابتعد وهو يتمتم بكلمات الوداع فذهبت سارة مع سناء الى غرفتهما كي تستعدا للذهاب مع عبير لإتمام ما ينقص من تحضيرات الزفاف.
...............
حزن كبير يسكن قلب تلك المرأة. هذا ما حدثت به
سارة نفسها وهي تنظر في عيني شجن حين جلست قربها.
لم تكن ظريفة كما وصفتها عبير بل خالتها هي التي اتصفت بخفة الدم والمرح. لكنها ودودة وهادئة.
قالت سارة تنفيذا لرغبة عليّ في التقريب بين شجن وعدي: - أعرف أن وقت الطبيبة دائما ما يكون ضيقا، لكن أرجو أن ترافقيني بقدر ما يسمح به وقتك في الأيام القادمة كي أنهي تحضيرات حفل زفافي.
قالت هدى بمكر قبل أن تجيب شجن:
- انظرن كيف لمعت عيناها حين ذكرت زفافها!
احمرت سارة خجلا بينما أكملت هدى متبرعة بالرد نيابة عن شجن:
- بالطبع سترافقك! أنت في بلد غريب وليس لديك صديقة أو قريبة بعمرك، وبالطبع تفتقدين الرفقة.
ابتسمت شجن وهي تقول لسارة مؤيدة كلام خالتها
الذي لم تكن راضية عنه في نفسها:
- سأحاول التواجد معك بقدر ما يسمح به وقتي.
اقترحت عبير بعدما تبادلت نظرة مع هدى:
- لتأتي معنا إذن في الغد، لتكوني معنا حين تقيس سارة فستان زفافها. ستحتاج رأيك.
فكرت بالاعتراض فأضافت عبير لتسد عليها الطريق:
- محل الأزياء يبقى مفتوحا حتى وقت متأخر، ويمكننا
الذهاب في الوقت الذي يناسبك ولا يتعارض مع
عملك في المستشفى.
ابتسمت لتقول باستسلام كمن تمت محاصرته من كل
صوب: - هل نذهب في الخامسة مساءً إذن؟ تبدأ مناوبتي
غدا في الثامنة مساءً.
أكدت عبير: - مناسب تماما. سأحجز موعدا الآن مع المصممة لتكون متواجدة، فقد تكون لسارة بعض الملاحظات على الفستان.
حين غادرت ضيفاتهما بعد حديث مطول ترأسته هدى وهي تحدث سارة عن ميلانو وبعض الأماكن الجميلة في
أيطاليا، زفرت شجن وهي تواجه خالتها لتقول بعدها وهي تكتف ذراعيها:
- كفي عن مخططاتك يا خالتي فنيّتك مكشوفة. لماذا تجيبين عني وتخبريهم أني على استعداد لحضور تجهيزات حفل الزفاف؟ وهل أنا ممن تهتم بتلك الترهات؟
نظرت إليها هدى باستغراب وهي تقول مدعية البراءة:
- الفتاة غريبة ووحيدة هنا، أليس من الواجب أن نقف الى جانبها ونساعدها؟
تساءلت شجن وهي تشير بيديها والغيض يخنقها:
- أي واجب هذا؟ وما علاقتي أنا بمجاملتك لصديقتك؟ لا تقحميني في شيء آخر يخص هذا الأمر.
قالت هدى بحزم: - الفتاة ضيفتنا، وقد طلبت بنفسها أن ترافقيها فمن العيب أن ترفضي. أم أنك نسيتِ الأصول؟
زفرت شجن بانزعاج ثم ذهبت الى غرفتها.
..................
تطلعت سارة الى نفسها بانبهار وهي تسمع كلمات المديح ممن حولها من النساء. عانقتها سناء وهي تسمي الله وتصلي على النبي الكريم بينما قالت عبير بمكر:
- لو أرسل صورتك الآن لعليّ لأتى على الفور!
ابتسمت سارة واحمر وجهها وقد راودتها تخيلات عن ردة فعل عليّ حين يراها بالفستان.
تلاقت نظرات شجن بنظرات هدى لتقرأ في عينيها الحزن والألم الى جانب لمعان دموع خفيفة فأشاحت بوجهها ودمعت عيناها هي الأخرى.
تعرف أن خالتها ترجو من كل قلبها أن تعيش معها نفس
الموقف الذي رأته الآن بين سناء وسارة فهي ابنتها التي لم
تنجبها لكن ليس بيدها فهي تصاب بالخوف والغضب معا
حين تفكر أن تعيش سنوات مع رجل ثم تفاجأ بغدره لها.
نهضت شجن لتقترب من سارة كي تهرب من أفكارها ثم قالت بابتسامة: - الفستان رائع عليك. مبارك.
قالت سارة وهي تضمها: - العقبى لك.
ارتجفت أجفان شجن وعاد الحزن ليسكن عينيها فابتعدت لتقول: - يجب أن أذهب الآن كي أصل الى المستشفى في الموعد.
قالت عبير بابتسامة بينما كانت شجن تحمل حقيبتها:
- يجب أن تأتي مع هدى بعد يومين. سنرتب غرفة سارة
وعليّ. لن يكون الأمر مسليا لو فعلنا هذا أنا وسناء وحدنا.
أيدتها سارة: - تعالي أرجوك. أنت الوحيدة التي أعرفها هنا. وكم ارجو ان نصبح مقربتين.
قالت شجن دون وعد صريح أو رفض: - إن سمح وقتي.
.................
تفنّنت عبير في إثارة فضول عليّ وتشويقه وهي تحدثه عن جمال سارة بالفستان فقال مازحا وهو يتخيل سارة بفستانها الأبيض: - ألا نستطيع إقامة حفل الزفاف غدا يا أمي؟
أطلقت عبير ضحكة عالية جعلت صالح يتساءل وهو يقترب منهما بينما كانا جالسين ليلا في صالة:
- ما الذي جعلك تطلقين تلك الضحكة التي أعشق؟
كفت عن الضحك لتقول:
- يتمنى ولدك إقامة زفافه غدا بعدما أخبرته عن جمال سارة بالفستان. ماذا كنت لتفعل لو رأيتها به إذن؟
قال مازحا: - كنت أخذتها لشهر العسل وتركت لكم
حفل الزفاف.
تساءلت عبير مازحة: - وهل كانت سناء لتسمح لك؟
تنهد عليّ وقال بامتعاض: - لا تذكريني يا أمي! تخاف
عليها مني وتراقبنا طوال الوقت، وكأنني لست زوجها!
رفعت عبير حاجبيها وهي تقول لصالح:
- ابنة أخيك سلبت لبّ ولدك وأفقدته وقاره.
قال صالح وهو يجلس قرب عليّ:
- دعك من أمك! ما له وللوقار في هذا السن يا امراة؟ أم أنك ستغارين من زوجة ابنك؟
نظرت نحو عليّ بحنان ولامست خده وهي تقول:
- وهل يمكن أن أغار ممن جلبت السعادة لقلب ولدي؟
قال صالح بنظرة حب: - حفظك الله لنا يا أمه.
فابتسمت وهي تشيح بوجهها بعدما غمزها صالح خلسة عن عليّ الذي قال: - هل أخلي لكما المكان أيها العاشقان؟
ضربته عبير على ذراعه وهي تقول بابتسامة: - تأدب!
مع كل مشاحنات عبير وصالح وتعنته في كثير من الأحيان، إلا أن المحبة لم تغادر قلبيهما نحو بعضهما
منذ ارتبطا قبل سنوات طوال.
...................
كانت شجن تجادل خالتها وهي في قمة الحنق حين طلبت
منها أن تأتي معها الى منزل عبير لتحضر ترتيب غرفة
سارة وعليّ. وهو طقس يقام في العراق حيث تذهب العروس وأمها وأخواتها الى منزل العريس قبل يومين أو ثلاث من موعد الزفاف لترتب ملابسها وأغراضها الخاصة في غرفتها الجديدة. وتقوم النساء وبوضع الفرش المزينة البيضاء على سرير العروسين. ويرافق ذلك الزغاريد ونثر الحلوى على السرير احتفالا بالزفاف القريب.
- لن أذهب يا خالتي! أخبرتك أنني ن أشارك في أي شيء ثانية.
قالت هدى بانزعاج: - الفتاة ارتاحت لك وأرادتك صديقة
تقف معها في أهم أيام حياتها. ما علاقتها هي بانزعاجك من عدي؟ ومن قال أنك ستريه هناك أساسًا إن ذهبنا؟
سنتجه مباشرة الى جناح العروسين ونشاركهما الطقوس والفرح ثم نعود. أم أنك صرت تكرهين حتى الفرح؟
قالت شجن بانزعاج وهي تضع كوب قهوتها بقوة على
الطاولة ليحدث صوتا عاليا: - أكره التواجد في نفس المكان معه. هذا ما في الأمر لذا لا تقنعيني بالذهاب.
رفعت هدى حاجبيها متسائلة بتحدٍّ لتستفزها:
- أم أنك تخشين مقابلته؟
قطبت شجن جبينها ونهضت لتقول:
- من أين جاءك هذا التصور الغريب؟
قالت هدى بإصرار وهي تنهض عن مائدة الفطور وتواجهها:
- من هروبك من عيني الآن. من مبالغتك برد فعلك على تصرفات عدي. من اهتزازا حدقتي عينيك حين تتحدثين عنه أو يأتي ذكره.
نفت شجن بانفعال: - أنت تتخيلين اشياء لا وجود لها.
تخصرت هدى وهي تقول بإصرار: - اثبتي لي خطئي إذن وتعالي معي اليوم، ولا تهربي من مواجهته.
تبادلت وخالتها نظرات التحدي قبل أن تقول بحنق:
- فقط كي اثبت لك جموح أفكارك بعيدا عن الواقع، سأذهب.
أومات هدى وقالت بلا حماس بينما قلبها يرقص فرحا.
- سنكون هناك في الخامسة مساءً.
أوقفت شجن سيارتها في الممر الذي يقسم حديقة منزل آل صالح الواسعة الى نصفين ثم نزلت من السيارة بخطى متثاقلة بينما تقدمت خالتها نحو باب المنزل الرئيسي وهي تحمل علبة الحلوى التي ستنثر على سرير العروسين.
صوت السيارة التي توقفت خلفها مباشرة جعلها تلتفت لتتلاقى نظراتها بنظرات عدي.
خفق قلبه شوقا لكنه كبح مشاعره وأشاح بوجهه
عنها بحجة إغلاق السقف المتحرك لسيارته المكشوفة.
شغلت نفسها هي الأخرى بإخراج الهدية البسيطة التي
أحضرتها لسارة ثم أقفلت أبواب السيارة. وحين انتهت،
كان عدي قد سبقها الى هدى.
- مرحبا. ألم يخرج أحد لاستقبالك حتى الآن؟
ردت هدى بابتسامة: - بالكاد قرعت الجرس.
فتحت لوسيلا الباب بينما تقدمت شجن نحوهم فقاوم عديّ كي لا يلتفت إليها ويحدق بها ليطفئ بعضًا من شوقه لها.
قال لهدى وهو ما يزال وافقا مكانه ولم يدخل:
- كنت أود الجلوس معك لكن اعذريني فقد تذكرت عملا مهمًا.
أومأت هدى وهي مستغربة فقد وصل لتوه الى المنزل فما ذلك العمل الذي تذكره حال رؤيته لهما؟
غضبت شجن من نفسها وهي تشعر بضيق حين غادر دون أن يسلم عليها حتى، واكتفى بإيماءة من رأسه ليحييها بها.
رمقتها هدى لتجدها واقفة في مكانها وقد بدت في عينيها تلك النظرة التي تسكنهما كلما شعرت بالخيبة.
- هيا لندخل.
قالتها هدى فأومأت شجن وهي مرتبكة ودخلت مسرعة.
أضفى وجود هدى بروحها المرحة البهجة على طقوس ترتيب الغرفة فحالما دخلت مع باقي النساء الى جناح عليّ وسارة، راحت تطلق الزغاريد ثم شغلت بعض أغاني الأعراس من التراث العراقي بينما كانت سارة ترتتب ثيابها في الدولاب بمساعدة شجن ولوسيلا التي كانت مستمتعة بتلك الأجواء التي تراها لأول مرة.
بدأت وهدى وعبير الرقص على أنغام تلك الأغاني. أما سناء فخرجت من الغرفة خلسة لتطلق العنان لدموعها. فها هي ابنتها ستفارقها بعد أيام. انتبهت سارة لغياب والدتها والتفتت مستفهمة نحو عبير فقالت لها هدى:
- دعيها، حبيبتي. لا بد أن رؤيتها لهذه الطقوس
تذكرها بقرب فراقكما. لتبكي وتخرج ما في قلبها.
أومأت سارة فقالت هدى وهي تعاود الرقص وتجذب يدي
سارة وشجن: - فتيات هذه الأيام! من الشابات، نحن أم أنتما؟ لقد رقصنا أكثر منكما.
ضحكت سارة وبدأت ترقص ففعلت شجن مثلها لكن بحركات خجولة توضح عدم معرفتها بقواعد الرقص بعكس سارة التي كانت ترقص بشكل هادئ لكن جميل.
لم تقبل عبير وسارة الأعذار التي قدمتها هدى وشجن كي تغادرا المنزل قبل موعد العشاء فاضطرتا للمكوث وقبول الدعوة.
تفاجأ عدي حين دخل الصالة بوجود شجن وهدى فقد ظن أنهما غادرتا منذ ساعة أو أكثر. لم تستطع عيناه إلا الالتفات نحو شجن وهو يلقي التحية على الجميع حيث كانوا يجلسون الى مائدة العشاء.
رمقته خلسة وهو يتقدم ليشاركهم العشاء وفي نفسها حيرة من تجنبه إياها بعكس ما يفعل كلما التقيا،
ولسوء حظه وفطنتها لم ينتبه لتلك النظرات. لكن سرعان ما نهرت نفسها لتحصر نظراتها في صحنها.

نهاية الفصل الخامس عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:19 am




الفصل السادس عشر

رمقته شجن خلسة وهو يتقدم ليشاركهم العشاء وفي نفسها حيرة من تجنبه إياها بعكس ما يفعل كلما التقيا، ولسوء حظ عدي وفطنتها لم ينتبه لتلك النظرات. لكن سرعان ما نهرت نفسها لتحصر نظراتها في صحنها.
على تلك المائدة العامرة بما لذّ وطاب، طافت نظرات شوق وشغف بين عليّ وسارة وأخريات حائرات من قبل شجن وجامدات يخفين الحزن من قبل عدي. وأخريات مراقبات لشجن وعدي من قبل عبير وهدى.
وأخريات يقيمن كل ما يجري من قبل صالح. فما حدث سابقا مع عليّ وسارة، جعله أكثر حرصا وخبرة في تحليل تصرفات ونظرات عائلته كي لا يغفل مرة أخرى عما يجري حوله. أما سناء فكانت لاهية عنهم بإخفاء حزنها رغم
سعادتها الكبيرة بزواج ابنتها.
قالت عبير لهدى وشجن لتقطع الصمت:
- سنقيم غدا حفل حناء لسارة، مقتصرا علينا وعلى بعض صديقاتي. لا بد أن تحضرا.
تلاقت نظراتها بنظرات عدي وهي تلتفت الى عبير فأشاح ببصره بعيدا لتعاودها تلك الوخزة فتقول وهي تشعر بانزعاج: - لدي عمل كثير غدا يا خالتي.
لكن عبير قالت بحزم: - لا أريد أعذارا يا شجن. تدبري أمرك يا عزيزتي فحضورك مهم، وإلا قضت سارة الحفل مع العجائز أمثالنا أنا وخالتك.
قالت هدى بنظرة مستنكرة: - تحدثي عن نفسك!
ابتسم عدي وهو يقول: - ما زلت وأمي في قمة الشباب.
قالت هدى بابتسامة: - سلمت يا حبيبي.
شعرت شجن بخيبة غريبة وهي تتأكد أنه يتعمد تجاهلها هي بالذات وليس الأمر أنه منزعج أو متعكر المزاج مثلا. فها هو يتصرف مع خالتها والبقية كعادته بعكس
تصرفاته معها. إنه يتجنب حتى النظر إليها!
“ ذلك أفضل. فلأكف عن التحامق وتفسير تصرفاته ونظراته. ليتجنبني وليفعل ما يشاء. ما شأني أنا؟ أليس هذا ما أريده عادة؟ أن يبتعد عني الرجال؟ ”
خطفها من توبيخها لنفسها صوت سارة وهي تقول:
- شجن، سأحزن إن لم تأت غدا.
ولتثبت لنفسها أن تجنبه إياها لا يهمها ولم يؤثر عليها، قالت بابتسامة:
- وهل أستطيع عدم الحضور فأغضبك وخالتي عبير؟
كانت حروفها وهي تتحدث تنعش روحه وتتلاعب بنبضاته فيثقل عليه تجنبها وعدم النظر إليها، لذا نهض لينهي هذا الصراع بين كرامته وعواطفه.
- اسمحوا لي. لقد شبعت ولدي عمل يجب أن أنهيه.
سأله صالح وكأنه لا يعلم أن العمل حجة لهروبه من
مجالسة شجن: - أي عمل يا ولدي؟
تلكأ لحظات كشفت كذبه فقد فاجأه سؤال والده ليقول بعدها: - صفقتنا مع الشركة الإسبانية. يجب أن أدرسها جيدًا الليلة. عن إذنكم.
..........
دخلت عبير غرفة عدي فوجدته مستلقيا على سريره. نهض ليجلس مفسحا لها المجال لتجلس قربه فجلست وسألته مستغربة: - لماذا تجنبت شجن هكذا؟ حتى أنك لم تسلم عليها خصيصا حين رأيتها عصرا ووقت العشاء أيضا.
- لا بد أن هدى من أخبرتك. لم أظن أنها انتبهت. لقد سلمت عليها لكن بإيماءة مني فقط. لا أريد فرض نفسي عليها ما دامت لا تتقبلني.
هزت عبير رأسها وهي تقول: - رفضها لك لا يتعلق بك أنت شخصيا. إنها ترفض الرجال عموما بسبب عدم ثقتها بهم.
قطب جبينه مستغربا كلام والدته فأوضحت:
- لم أرد إخبارك بالأمر في البداية لأني شعرت أنك
ستستطيع كسب ودها. أما وقد قررت التخلي عن المحاولة فيجب أن أخبرك.
شعر عدي بغصة في صدره وهو يتخيل ما عانته شجن في صغرها وإحساسها المؤلم بالنبذ بعدما تخلى عنها والدها. كيف لا تفقد الثقة بالرجال بل وتكرههم بعد كل ما عانته؟
سألته عبير وهي ترى تأثره بما سمع:
- ماذا ستفعل الآن؟ هل ستنساها أم ستعاود المحاولة معها؟ خاصة وأنني وهدى لاحظنا أن تجاهلك لها أزعجها.
سألها عدي بلهفة: - حقا؟
أكدت مبتسمة: - لو لم تكن مختلفا بالنسبة لها عن البقية لما تأثرت بتجاهلك لها.
لمعت عيناه وهو يفكر بحضورها غدا وقال:
- هل لي فرصة برؤيتها غدا أم أن الحفل محرم على الرجال؟
أومأت عبير وهي تقول: - يمكنك الدخول مع عليّ ليلا بعد ذهاب النساء، عداها وهدى طبعا فسأحرص على بقائهما.
قبّل عدي يدها وقال بسرو: - سلمت يا أروع أم!
ربتت عبير على يده وهي تدعو له بالسعادة.
..............
كانت سارة في غرفتها المشتركة مع والدتها في الطابق الأرضي، تتزين لحفل الحناء بمساعدة عبير فطرق عدي الباب وهو يقول: - هل يمكن أن أكلم زوجة أخي قبل أن أخرج وهو من المنزل؟
استغرب الجميع طلبه فقد كان يتجنب التحدث مع سارة مباشرة طيلة الأيام الماضية. كانت سارة قد انتهت تقريبا فخرجت عبير وسناء ليدخل عدي. اقترب وقال وهو يهرب من النظر إليها مباشرة:
- لم أجرؤ على التحدث معك قبلا. لكن يجب أن أفعل
اليوم. أريد البوح بما في صدري قبل أن تتزوجي وعليّ غدا.
مشاعر غريبة انتابت سارة وهي ترى اضطرابه وحرجه. أين هو من غير المبالي ذاك الذي خدعها حفاظا على مصلحته؟ لقد تغير بالفعل كما قال عليّ.
رفع راسه ليقول:
- مهما عشنا من فرح فنحن لا ننسى أوجاعنا ولا نغفر للناس الذين آذونا (حاول أن يبتسم) ومع أن هروبي سهل ارتباطك بعليّ إلا أنني آذيتك كثيرا. طعنت كرامتك وأنوثتك وأنت تشعرين بمن انتظرته يرفضك.
بدأت الدموع تتجمع في عينيها فأشاحت بوجهها ليقول:
- حين رأيت الرابط القوي بينك وبين عليّ، فرحت كثيرا. ليس لأجلكما حينها بل لأن ذلك سيسهل علي الخلاص. كنت أنانيا حينها وكل ما يهمني هو نفسي. أما الآن، فأنا بالفعل سعيد بزواجكما. لقد خلقتما لبعضكما ويستحق كل منكما الآخر.
منعت دموعها من السقوط ولم تعلق فأضاف:
- يشرفني كونك ابنة عمي وزوجة أخي وأرجو أن تقبليني أخًا لك.
استدارت نحوه لتقول أخيرا:
- حين يهدينا القدر أكثر مما كنا نتوقع، يتضاءل بمرور الوقت أهمية وحجم ما مرّ بنا من ألم وخيبة. وقد أهداني القدر عليّ. رجل لم أحلم به أو أتصور وجود مثله يوما. رجل كان يداوي خيباتي ولو على حساب نفسه، من أول يوم وقبل حتى أن يتعلق بي. أبعد هذا سيكون لما سببته لي أهمية؟
مع أن كلماتها دلت على ما عانته سابقا بسببه وما تحمله نحوه حتى الآن من الحنق، إلا أنها أشعرته بالارتياح. فعلى الأقل عرف أن آلامها تتضاءل وستتلاشى يوما.
تنهدت لتقول بعدها وهي تنظر إليه:
- حين أفكر بأني ما كنت لأرتبط بعليّ لولا هروبك،
أحمد الله عليه.
ابتسم وهو يستغرب وضعه وشقيقه معها، وتلك التقلبات التي حدثت في علاقاتهم. سألها أخيرا: - هل أطمع في مسامحتك وتقبلك لي كأخ؟
أومأت وهي تقول: - كلنا نخطئ. والمهم أنك تغيرت وتعلمت من أخطائك.
قال بسرور: - تعلمت الكثير وتغيرت حياتي كثيرا بسبب أخطائي معك.
................
دخلت سارة غرفة الضيوف حيث النساء المدعوات، ترافقها شجن التي رجت أن تكون صديقة لها لأنها ارتاحت لها كثيرا وليس للتقريب بينها وبين عدي وحسب.
تعالت الزغاريد فجلست سارة في مكانها وقربها صينية الحناء المزينة -حسب التقاليد- بالورود وسبع صحون صغيرة فيها أنواع من الأطعمة البيضاء إضافة لمرآة
وصحن الحناء التي اشترتها عبير خصيصا لهذا اليوم من بغداد قبل عودتها لميلانو.
تساءلت النساء الإيطاليات الثلاث اللاتي دعتهن عبير للحفل عن تلك المواد فشرحت لهم عبير عن عادات حفل الحناء في العراق.
قالت عبير لسارة بابتسامة وهي ترى الفضول في نظراتها حين استمعت لحديثهن: - يجب أن يعلمك عليّ الإيطالية بسرعة. وسنساعدك جميعا على تعلمها.
سألتها هدى: - ألم تتعلمي من الإيطالية أي كلمة؟
كتمت ابتسامة حالمة أرادت الظهور على شفتيها وهي تتذكر كلمات الغزل التي كان عليّ يهمس لها بها حين يتحدثان عبر الإنترنت أو وجها لوجه والتي حفظتها جيدا.
- لقد حفظت كلمات قليلة.
أومأت هدى وهي تقول بمكر: - لا داعي لسؤالك عنها فقد أفصحت نظراتك عن مضمونها!
احمر وجهها خجلا فقالت شجن: - دعيها يا هدهد!
وضعت عبير الحناء في يد سارة وتعالت الزغاريد فرمقتها سناء بابتسامة والدموع في عينيها وهي تخاطب في نفسها زوجها الحبيب الذي أبت ان تتزوج بعده “ ها هي ابنتك يا غالي وقد غدت عروس رائعة. وها أنا أنهي رسالتي معها بعدما سلمتها لزوج رائع يستحقها وسيسعدها إن شاء الله “
قالت شجن وهي تحمل حقيبتها:
- ألا نذهب يا هدهد، فقد تأخر الوقت؟
قالت عبير معترضة: - ليس قبل أن يأتي العريس وأضع له الحناء. سيصل قريبا فقد اتصلت به منذ مدة.
“ تراه سيدخل مع شقيقه أم أنه لن يعود للمنزل معه أساسا؟ “ سؤال قفز الى ذهن شجن لتزفر غاضبة من نفسها فتستدير نحو سارة وتجذب يدها لتشغل نفسها بالتأكد إن كانت الحناء تركت اللون المطلوب على يدها أم لا.
- هل ستغسلينها الآن؟
نظرت سارة بابتسامة الى اسم عليّ الذي يزين كفها، متجانسا مع الزخرفة التي اختارتها ثم قالت:
- أظن أنها اكتسبت اللون المطلوب. هيا فلنغسلها.
نهضت هدى وقالت: - وأنا أيضا سأغسلها.
همست هدى بمكر وهي تسير الى جانب شجن:
- يقال في معتقداتنا أن الفتاة التي تضع من صحن حناء العروس تتزوج بعدها.
التفتت شجن نحوها لترمقها بنظرة حانقة فابتسمت هدى وسبقتهما الى الحمام المرفق بغرفة الضيوف.
دخل عليّ بعدما استأذن فرمقته سارة بابتسامة متسعة ونظرات لامعة. تأملها بفستانها الجميل الذي بالكاد غطي ركبتيها وكشف عن ذراعيها بالكامل مع فتحة صدر واسعة. همس بعدما مال نحوها:
- هل تنوين إصابتي بالجنون؟ كيف سأتحمل حتى الغد؟
احمر وجهها وهي تجول بنظرها في وجوه النساء حولهما
ثم قالت بمكر لتشاكسه: - ما هو إلا يوم واحد، فاصبر.
تنهد ليهمس بشوق: - اللهم صبرا!
قالت عبير وهي تجلس قرب سارة من الجهة الثانية:
- نادِ عدي كي أضع له الحناء أيضا ليكون فأل خير له. عسى أن يتزوج بعدك.
حانت نظرة مكر من هدى لابنة أختها مذكرة إياها بما قالته لها عن الحناء فرمقتها بحنق وكأنها تسألها “ لماذا ترمقينني هكذا؟ “
ذهب عليّ لينادي عدي فوضعت سارة شالا على كتفيها.
دخل عدي مع عليّ فخفضت شجن نظراتها مخفية ارتجاف أجفانها بينما ألقى هو التحية وجلس قرب عليّ.
وضعت عبير الحناء على باطن خنصري ولديها الأيسرين
وهي تدعو لعليّ بالسعادة ولعدي باللحاق بشقيقه والزواج بعده فحانت من عدي نظرة نحو شجن لكنها لم تلاحظها فقد كانت تشيح بنظراتها عنه.
بعد قليل، استأذنت هدى وشجن كي تذهبا فقالت عبير وهي تنظر الى ساعة الحائط:
- لقد تأخر الوقت. فليتبعكما عدي بسيارته حتى تصلا الى منزلكما. بعض الشوارع لا تكون آمنة ليلا.
رحبت هدى بالفكرة بينما نهضت شجن لتودع الجميع وتسبق هدى وعدي الى سيارتها. حاولت شجن التركيز على القيادة وهي تتطلع كل حين في المرآة الى سيارة عدي خلفها. وبالطبع كانت هدى تراقب انفعالاتها بسرور.
وصلوا أخيرا فأشارت هدى لعدي وهي تنزل من السيارة فرد لها التحية وانطلق بسيارته.
...............
تهادت سارة بفستانها الأبيض وهي تتأبط ذراع عليّ ليدخلا
القاعة الفخمة ويسيرا نحو أريكتهما.
كانت نبضاتها مضطربة خجلا وسرورًا ونبضاته شوقا
وترقبا لهذه الليلة التي حلم بها كثيرا بعدما ظنها
ضربا من المستحيل.
نظر عدي نحو شجن التي كانت جالسة مع خالتها وسناء الى طاولة قريبة من منصة العروسين لتقفز دقات قلبه.
“ الى متى ستصديني بسبب مخاوفك يا عسلية العينين؟ “
تقدم صالح وعبير ليجلسا على نفس الطاولة بعدما كانا منشغلين باستقبال المدعوين فتبعهما عدي. جلس ليكون مقابلا لشجن التي اضطربت نظراتها وحاولت تجنب النظر إليه مباشرة فأشاح هو الآخر بوجهه.
صدحت الموسيقى بأغنية عربية جميلة بينما تقدم النادل بعربة قالب الحلوى. أخذت سارة قطعة صغيرة جدا من الكعكة وخالية من الكريما كي لا يترفع السكر لدى عليّ ثم تأملته بحب وهي تقربها من فمه، وتذكر الاثنان يوم تناول الحلوى وجازف بارتفاع السكر لديه كي يواسيها. اتسعت ابتسامته ثم أمسك يدها وتناول قطعة الكعكة من الشوكة وعيناه لا تفارقان عينيها.
بعدها تقدم عليّ ويد سارة في يده الى منتصف القاعة ليبدآ الرقص على أنغام أغنية إيطالية هادئة. بدأ المغني ينشد كلماتها فراح عليّ يترجم لها كلماتها الى العربية وعيناه تتأملانها بشوق ولهفة كما عينيها.
كانت شجن تتأملهما وقد بدا على وجهها تعبير من يرغب بشيء ويراه صعب التحقيق. وكانت غافلة عن الاثنين اللذين حدقا بها وهما يتساءلان إن كانت حقا بدأت
تفكر بالزواج بشكل مختلف. لكن لماذا الآن تحديدا؟
نفس السؤال طرحته شجن على نفسها حين انتبهت الى تحديقها بعليّ وسارة فأشاحت بوجهها عنهما..
لماذا الآن تحديدا؟ دوما ما اعتبرت تلك الطقوس مجرد وهم يخدع المرأة حتى تفيق على واقع مرير بسبب رجل غادر، وانزعجت منها وكرهت المشاركة فيها. فلماذا الآن تجد في نفسها قبولا لها؟ حتى أنها تصورت نفسها للحظة في فستان العرس وهي تنظر الى سارة بفستانها الأبيض.
هل السبب هو معرفتها بالحب الذي يربط بين سارة وعليّ؟ ومتى كانت تؤمن بالحب أصلا؟
نظرت الى عليّ الذي كانت نظراته تشع شوقا لسارة وهي تتساءل بقلق “ أيمكن أن يؤذي سارة أو يكسر قلبها في يوم ما؟ ولما لا؟ فهو رجل كغيره من الرجال “
لكن عقلها وعلى غير العادة لم يكن مقتنعا بكلماتها.
ثم قادتها نظراتها نحو صالح وعبير فلاحظت نظرات الحب في عينيهما نحو بعضهما لينظرا بعدها نحو عليّ وسارة والسعادة واضحة في عينيهما. ما بالها اليوم، لا تقع عيناها إلا على الأزواج الذين يتبادلون نظرات الحب؟
شارك بعض المدعوين العروسين في الرقص على أنغام
تلك الأغنية فتقدم شاب إيطالي من شجن ليقول
بابتسامة: - مساء الخير، سنيورينا.
ردّت شجن التحية ونظراتها تتساءل عما يريد فسألها:
- هل ترافقيني الى حلبة الرقص؟
حالما لمحه عدي، أسرع ليصل قربهما في عدة خطوات ويجيبه بدلا عن شجن: - كلا!
اعتذر الشاب وهو يرى طريقة وقوف عدي قرب شجن ونظراته التي تفصح بأنها حبيبته:
- أعتذر، سنيور. لم أعلم أنها معك.
- لست معه!
قالتها شجن بحدة وهي ترمق عدي بحنق قبل أن تضيف:
- لكنني لا أراقص أحدا.
ابتعد الشاب مستغربا من الاثنين ليعرض الرقص على فتاة أخرى فالتفتت شجن ثانية نحو عدي والحنق في عينيها فتساءل بمكر رافعا حاجبيه:
- ماذا؟ وهل أخبرته أنك معي؟ هو من فهم ذلك.
رمقته وهي محتارة بين تجاهله لها في المرتين الماضيتين وبين اهتمامه الآن. زمت شفتيها ثم سألته :
- لماذا تدخلت أساسا؟ ما شأنك إن دعاني للرقص؟
همس وهو يقترب منها أكثر: - شأني أني أحبك.
حدقت به بدهشة وارتجفت حدقتاها وهي تحلل ما سمعته للتو محاولة تصديقه. أحقا قالها هذا المجنون؟
همس قبل أن يبتعد بكل بساطة ويتركها تتخبط:
- اشتقت لبركتي العسل.
- ماذا قال شقيقك المتهور للفتاة حتى اضطربت وهربت من القاعة؟
ابتسم عليّ وهو يجيب سارة: - وهل يمكن أن يتوقع أحدا ما يفعله عدي حين يكون عاشقا؟
رمقته رافعة حاجبيها وهي تقول: - وكأن تصرفاتك سهلة التوقع! منذ تقررت خطوبتنا وأنت تفاجئني بأشياء وأقوال لم تخطر على بالي.
..............
حين خرجت شجن من القاعة متجهة الى حديقة الفندق من أقرب مخرج اليها، تبعها عدي مسرعا حتى أدركها
بعدما جلست على إحدى المقاعد.
كانت نظراتها زائغة، تنم عن مدى تشوش تفكيرها فقد قلبتها تلك الكلمة رأسا على عقب. لم تكن المرة الأولى التي تسمعها من رجل لكنها لم تربك نبضاتها وتفكيرها كما حدث لها حين قالها عدي.

نهاية الفصل السادس عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:26 am




الفصل السابع عشر

كانت نظرات شجن زائغة، تنم عن مدى تشوش تفكيرها
فقد قلبتها تلك الكلمة رأسا على عقب. لم تكن المرة الأولى التي تسمعها من رجل لكنها لم تربك نبضاتها وتفكيرها كما حدث لها حين قالها عدي.
أراد الاقتراب منها لكنه فضل تركها حتى تهدأ فقد تغضب إن كلمها الآن وتترك الحفل كله وتغادر، لذا عاد الى القاعة.
حين دخلت القاعة، وجدت الكثير من الرجال والنساء قد شكلوا حلقة كبيرة للدبكة، يتوسطها عليّ وسارة ويترأسها عدي. وحين همّت بالابتعاد لتتحاشى الاصطدام بالراقصين وتعود الى مكانها، أشارت لها سارة التي وصلت قربها وهي تسير ضمن حلقة الدبكة بالانضمام اليهم لكنها أومأت بالنفي.
أصرت سارة ولم تتقبل رفضها فتركت يد المرأة التي قربها لتمد يدها لشجن التي شعرت بالإحراج ولم تستطع الرفض فاقتربت وأمسكت يد سارة والمرأة الأخرى لتنضم الى حلقة الدبكة.
اتسعت ابتسامة عدي وهو يراها تؤدي الحركات بهدوء وعلى وجهها ابتسامة لسارة، وزاد حماسه في الرقص فراح يؤدي حركات منفردة بإتقان ليشير الى عليّ كي ينفصل عن الحلقة هو الآخر ويقابله.
صفق المدعوون ونظر الإيطاليون بانبهار لتك الحركات التي لم يروها من قبل. أما الفتاتين المتجاورتين في الدبكة فحدقت كل منهما بمن يربك نبضاتها وكأنه الرجل الوحيد في الحفل. لكن شجن أشاحت بوجهها حالما التفت عدي نحوها فجأة لتتلاقى نظراتهما.
دعت الله ألا يكون قد لاحظ تحديقها به ثم عنفت نفسها
“ تبا لي! لما كنت أحدق به هكذا، وكأنني أول مرة
أشاهد رجلا يؤدي الدبكة؟ “
انتهت الأغنية ليصفق الجميع بحماس ويتعانق عليّ وعدي والأول يقول: - ارحم نفسك فقد أهلكتها بكثرة الرقص.
ضحك عدي ليقول وهو يربت على ظهر شقيقه:
- أريد تعويض عدم حضوري خطبتك. فليسعدك الله يا أخي الغالي.
عاد عليّ لمعانقته وهو يقول: - ويكتب لك السعادة مع تلك العنيدة يا حبيبي.
- آمين!
هتف عدي بلهفة وعيناه تراقبان شجن التي كانت تتجادل مع هدى في أمر ما، وما ذلك الأمر سوى رغبتها بالانصراف مبكرا ومعارضة هدى لذلك.
- ما بك؟ ما الذي حدث؟ قبل قليل خرجت من القاعة لفترة طويلة والآن تودين الانصراف قبل انتهاء الحفل.
- تعبت! أريد المغادرة.
قالتها شجن وقد وشى غضبها لخالتها بأن الأمر أكبر من مجرد تعب فقالت وهي تحدق في عينيها اللتين هربتا بعيدا ككل مرة لا تقول فيها الحقيقة:
- لا تكذبي علي يا ابنة عمري فأنت لا تجيدين ذلك. ما الذي حصل لتنقلبي هكذا؟ هل لعدي صلة بالأمر؟
تساءلت بانزعاج: - وما دخل ذلك الوقح؟
رفعت هدى حاجبيها وهي تقول ساخرة:
- ما دمت نعتته بالوقح فله دخل بالأمر إذن.
تساءلت شجن متظاهرة بالاستغراب:
- ومتى لم أصفه بالوقح؟ دوما ما أسميه هكذا.
رمقتها هدى بمكر وهي تقول: - لكنك كنت تحدقين بذلك الوقح وهو يؤدي الدبكة.
اتسعت عينا شجن وفتحت فمها لتنفي متسائلة “ أنا؟ “
لكن هدى سبقتها بالقول: - لا تقولي بدهشة، أنا؟ نعم
أنت! كنت واقفة على مقربة كافية منك لأرى
نظراتك نحوه.
ضربت شجن الطاولة بيدها وهي تقول غاضبة:
- كلمة أخرى عن هذا الأمر وسأترك الحفل وأغادر، فلا تثيري جنوني يا خالتي!
أشارت هدى بيدها فوق فهما علامة إغلاق السحاب وهي بالكاد تكتم ضحكتها كي لا تستفز شجن أكثر.
تنفست شجن بصعوبة فنهضت لتخرج من القاعة وهي تغلي غيضا من نفسها قبل خالتها. ولتزداد الأمور سوءا، اصطدم ساعدها بحافة إحدى الطاولات فآلمها.
رآها عدي فأسرع خلفها حتى سارت نحو الحمام فأوقفها.
- ما بك، شجن؟
قالها بقلق فزجرته وقد وصل جنونها لآخره لتهتف غير
مبالية بمن حولهما: - لا شأن لك بي يا سبب المصائب! دعني وشأني وابحث عن أخرى غيري.
شعر بالحنق فتساءل بحدة: - وهل أريدك مجرد تسلية
لأبحث عن أخرى؟ أخبرتك أنني أحبك ولا أريد غيرك.
- وأنا لا أريدك! لماذا لا تفهم هذا؟
اقترب وهو يقول لتتراجع هي وفي عينيها غضب ودهشة من جرأته: - ما أفهمه أنك تنكرين مشاعرك نحوي واهتمامك بي.
اتسعت عيناها غضبا لتتسع ابتسامته وتسرع نبضاته.
- يبدو أنك مجنون! تعاني هلاوس وتتخيل أشياء لا توجد إلا في عقلك المريض.
حاصرها قبل أن تبتعد وهو يجبرها على إسناد ظهرها الى الحائط وهو يتساءل بمكر:
- هل انزعاجك من تجاهلي هلاوس؟ هل نظراتك نحوي خفية هلاوس؟ هل تحديقك بي ونحن في حلقة الدبكة هلاوس؟ هل ارتجاف بركتي العسل في عينيك حين تنظرين إليّ هلاوس؟ لما كل هذا الاضطراب بوجودي لو لم أكن أعني لك شيئا؟ لا تكذبي على نفسك
وعلي فأنت أنقى من أن تجيدي الكذب.
عجز لسانها عن الرد عليه ولو بكلمة، فماذا تقول وقد رأى نظراتها إليه وتيقن من ارتباكها بحضوره وتأثيره عليها؟
أعلمه صعود وهبوط صدرها بأنفاس مضطربة وهروب عينيها من عينيه بأنها اللحظة المناسبة ليضيف بصوت ونظرات عكست عاطفته نحوها:
- لماذا تصرين على الهروب وتعذيب كلينا؟ امنحيني فرصة لأقترب منك فتعرفيني أكثر.
ابتعدت مسرعة قبل أن تتساقط دموعها أمامه فتنهد بانزعاج وتمتم: - ستتعبينني يا حزينة العينين.
...........
شهر العسل كان فعليا أول إجازة طويلة يأخذها عليّ من العمل ومتاعبه وهمومه. كانت سارة تتوق لرؤية المناطق الجميلة والأثرية في إيطاليا وكان عليّ يتوق لزيارتها معها. سافرا الى مدينة فينيسيا أو البندقية واستمتعا بسحرها ثم اتجها بعدها الى روما حيث يختلط سحر الماضي بحداثة الحاضر. تلفتت سارة حولها مدققة النظر في الساحة حيث كانت وعليّ واقفين أمام نافورة الأمنيات.
- أشعر أنني دخلت أحد عوالم الحكايات الخيالية. ما أروع المكان هنا!
همس وهو يزيح خصلة من شعرها عن وجهها:
- وجودك فيه زاده روعة وجمالا.
تأملت عينيه الواسعتين الداكنتين وهي تقول:
- أحبك يا أروع ما في حياتي، وأحمد الله الذي جعلني
من نصيبك كلما نظرت إليك.
همس قرب اذنها: - لا تقولي مثل تلك الكلمات ثانية إلا ونحن وحدنا، حتى أرد عليها كما يجب.
أطلقت ضحكة جعلت غمازتيها تغوصان واستأنفت السير وهي تتطلع الى كل ما حولها فسار قربها وهو يشبك أصابعهما معا.
...............
بينما كان عدي جالسا في أحد المطاعم مع صديق له، اتصل الحارس به الذي كلفه بحماية شجن. ردّ فأتاه صوت الرجل مضطربا:
- سنيور، لقد أوقفت الدكتورة سيارتها عند مدخل حي (...) فاتصلت لأعرف منك ما أفعل. ها هي تهم بالدخول الى الحي.
نهض عدي وحمل مفتاح سيارته حالما سمع اسم الحي الذي يشتهر بكثرة اللصوص فيه وقال بقلق:
- اذهب خلفها وسآتي بأسرع ما يمكن.
أنهى المكالمة واعتذر من صديقه وهو يهم بالمغادرة
فسأله الأخير: - ماذا يحدث؟
هتف عدي وقد ابتعد: - لا وقت لدي للشرح.
اتصل عدي بالحارس أثناء الطريق الذي يستغرق نصف ساعة تقريبا في السرعة العادية وليس سرعته الجنونية ليعرف منه ما حدث فأخبره أن شجن دخلت أحدى البنايات فدخل خلفها دون أن تشعر بأنه يتبعها. وما زالت في الداخل وهو يقف قرب الباب بانتظار خروجها. وحالما دخل الحي، اتصل بالحارس الذي أجابه بصوت خافت كي لا تسمعه شجن: - خرجت لتوها من الشقة وسأنزل خلفها.
قال عدي وهو يحث الخطى: - لا تدعها تغب عن عينيك. في أي بناية أنتما؟
أعطاه الحارس رقم البناية فراح يبحث عنها حتى سمع
صوت صرخة فهوى قلبه وركض نحو مصدرها ليرى شجن مقيدة من قبل أحد اللصوص والسكين موضوعة على عنقها، ولص آخر يتشاجر مع الحارس الذي هبّ مدافعا عنها.
نظر الى شجن التي ارتسم الخوف على وجهها حتى استحال بلون الليمون فأسرع ليلتف من خلف اللص.
استطاع الحارس ضرب اللص وطرحه أرضا فهدده اللص الآخر: - لا تقترب مني وإلا أجريت السكين على عنقها
الجميل. هيا أخرج ما في حقيبتها ومحفظتك ثم ابتعد.
أوما الحارس وهو يتحرك بهدوء محاولا المراوغة لتخليص شجن: - حسنا لكن لا تؤذها.
وصل عدي خلف اللص فأشار للحارس بأن يستمر بمشاغلته ثم انقض عليه من الخلف وأخذ السكين منه.
نهض اللص الأخر عن الأرض وأراد ضرب الحارس لكن
الحارس ضربه بأخمص مسدسه ضربة أفقدته وعيه.
لم يرد الحارس أو عدي أطلاق النار فيتجمع اللصوص الآخرين، وعندها لن يستطيعوا النجاة منهم.
صاح عدي بالحارس وهو يركز النظر على اللص الذي أخرج سكينا أخرى ليهدد عدي بها: - أخرجها حالا!
أسرع الحارس نحو شجن التي تجمدت مكانها وقادها خارج الحي بسرعة بينما بقي عدي يتشاجر مع اللص. تفاداه لأكثر من مرة لكن اللص استطاع أن يجرح كتفه الأيسر فرفسه عدي ليسقط ثم انقض عليه وضربه بقطعة
خشبية فأفقده وعيه.
كانت شجن ترتجف وهي ترقب مدخل الحي وقلبها يخفق خوفا على عدي. وحين رأته، ركضت نحوه وقلبها يحمد الله على نجاته. وقبل أن تتفوه بأي كلمة، هتف مغتاظا من تهورها وعدم حرصها على نفسها:
- كيف تفكرين حتى بالمجيء الى مكان كهذا وحدك دون حماية؟ إنها من أسوأ مناطق ميلانو.
رمقته بقلق زاد من شجن عينيها وهي تسأله غير مبالية بتوبيخه لها لأنه نابع من خوفه عليها: - هل أنت بخير؟
وكأنها بذلك السؤال القلق امتصت جل غضبه فرمقها بلهفة وقلق فقد عاشت لحظات مرعبة.
- أخبريني عنك. هل زال فزعك؟
أومأت إيجابا وهي ترفع يدها المرتجفة خوفا ولامست الجرح في كتفه لتتفحصه بينما انتفض قلبه وذابت روحه بلمسة أصابعها.
تلاقت نظراتهما لترى في عينيه ذلك الهيام الذي
يربكها ويجعل قلبها يرتجف كبركتي العسل في عينيها كما يحلو له تسميتهما. أغمض عينيه وأدار وجهه.
كم تمنى تلك اللحظة أن يضمها لولا أنها محرمة عليه. فليس مثلها من تسامح في اختراق حرمتها وليس مثله يجرؤ على تدنيس عفافها بلمسة محرمة. فقد وجد فيها ضالته بعد كل ذلك العبث واللهو مع كثير من النساء، وأوهام الحب مع صوفيا.
قالت وهي تبتعد بخطى مرتبكة:
- يجب أن نذهب الى المستشفى فجرحك عميق بعض الشيء وقد نزف كثيرا. يحتاج الى تقطيب.
قال مازحا وهو يتبعها: - لن أرضى بأن يخيطه طبيب سواك. لن أتحمل الألم إلا إذا نظرت الى بركتي العسل.
هزت رأسها بيأس بينما ابتسامة على شفتيها لم يرها عدي:
- يوجد اختراع في عالم الطب اسمه تخدير، إن لم
تكن تعرف!
همس بشغف وهو يواجهها: - أفضل عينيك على المخدر فسحرهما أقوى بكثير.
رمقته بتحدٍّ وقالت في لحظة تهور:
- كما تريد! سنرى أيها الشجاع كيف ستتحمل الألم.
رفع حاجبيه مستغربا موافقتها وابتسامة على وجهه ثم تبعها وقد أسرعت خطاها نحو سيارتها.
وصلا الى المستشفى ودخلا الى غرفتها التي تستقبل فيها
المرضى. طلبت من الممرضة إحضار الأدوات اللازمة
وبدأت تضمد الكدمات على وجهه ثم قالت قبل أن تبدأ بتقطيب ذلك الجرح: - يمكنك التراجع الآن. ستتألم.
أمسك يدها وقربها من الجرح فشهقت لتلعن تهورها وعناده.
لقد ظنت أن الأمر مزحة لكنه يبدو مصرًا عليه.
سألتها الممرضة باستغراب: - ألن تخدري المكان؟
أجاب عدي الممرضة دون أن تفارق عيناه وجه شجن:
- لا اريد المخدر.
ارتجفت يدها وهي تحمل الإبرة وتقربها من كتفه فهي
تعرف كم تؤلم. نظر عدي في عينيها اللتين بدا فيهما
قلقها وهمس مسرورا: - ألهذه الدرجة تخافين عليّ؟
استغلت كلماته حجة كي ترمقه بغضب ثم تقول للممرضة: - احقنيه المخدر.
أسرعت خارجة من الغرفة لتطلب من أحد الأطباء تقطيب الجرح لعدي فهي لن تتحمل فعل ذلك بنفسها. جلست على إحدى المقاعد وبدأت تتساءل عما شغلها تتابُع المواقف عن التفكير فيه، وحال خروج عدي من غرفة المعالجة سألته: - ما الذي أتى بك الى الحي في ذلك الوقت بالذات؟ ومن ذلك الرجل الذي معك؟ لقد أسرع إليّ واستمات لحمايتي من اللصين حالما تعرضا لي.
وقبل أن يتفوه بكلمة، اضافت محذرة بنظرات حازمة:
- أريد أن أعرف كل شيء!
قال متهربا من الإجابة: - كم أنت مستبدة يا عسلية العينين! حين أسألك، لا تجيبين وتهربين مني. وحين تسأليني، أكون ملزمًا بالإجابة عن كل شيء.
أشاحت نظراتها عنه وهي تتذكر حديثهما يوم زفاف عليّ، كي لا يلاحظ ارتباكها. وكأن إخفاءه بهذه السهولة!
- لن أجيبك حتى تجيبي على سؤال واحد يجمع كل تساؤلاتي التي طرحتها عليك يوم زفاف عليّ. انظري كم أنا متساهل! سؤال واحد مقابل اثنين.
لم تكن بحاجة لسماع ذلك السؤال فيزيد ارتباكها أمامه لذا ابتعدت قليلا وأولته ظهرها وهي تفكر بما استنتجته “ أيعقل أن يفعل كل هذا لأجلي؟ “
استدارت لينهل من شهد وشجن عينيها، ويستعد لإحدى زوابعها التي تخفي خلفها انجذابها واضطرابها:
- هل وظفت ذلك الرجل لمراقبتي؟ بالتأكيد! فما من
تفسير آخر لوجودكما تلك اللحظة هناك، ولحرصه
الشديد على حمايتي.
أجاب بابتسامة: - هي تلك! حمايتك وليس مراقبتك.
لم أكن لأسمح بأن يصيبك شيء أثناء تواجدك في تلك الأحياء. ولم أكن لأسامح نفسي لو حدث لك مكروه.
ارتجف العسل في عينيها وفاضتا بدموع خفيفة لم تستطع كبحها فاستدارت بسرعة لتقول بانزعاج تتدارك به لحظة ضعفها أمامه، انزعاج يناقض خفقاتها المضطربة سرورا بسبب اهتمامه: - وما شأنك بي لتحميني؟
هل تظن تلك الهاربة من الحب أنها بتلك الكلمات يمكن أن تمحو منظرها الذي أفصح عن مشاعرها؟
ويا له من منظر! تقف إزاءه وقد تبدلت نظرات الحزم والغضب في عينيها الى نظرات سرور لا يخلو من الوجع، وشعور بالامتنان يخالطه استغراب شدة حرصه وقوة حبه.
وكيف لا يضطرب قلبها وعيناها وهي ترى الصدق
والحب في عينيه وتسمعه في صوته؟ وآه من عينيه الجريئتين اللتين حفرتا له مكانا في قلبها وروحها لم تظن يوما أنها يمكن أن تمنحه لرجل! كيف استطاع دخول عالمها بهذه السرعة والقوة؟
اقترب ليأخذها من تلاطم أفكارها ومشاعرها وهو يهمس قريبا من أذنها مجيبا تساؤلها الكاذب آنفًا:
- أخبرتك قبلا، شأني أني أحبك.
وللمرة الثانية، يهتز قلبها طربا لسماعها منه فتحاول السيطرة على أنفاسها بينما يواجهها ويقول:
- ألم يحن الوقت بعد، يا عسلية العينين؟
مشت مبتعدة وهي تكتم دموعها حتى اختلت بنفسها في السيارة وبدأت قيادتها لتبدأ دموعها بالتساقط. كانت تبكي تخبط مشاعرها وضعفها أمامه وخوفها من الاتي. فليس سهلا عليها ما يحدث وهي التي عاشت عمرها في كره لغدر الرجال وخوف من الاقتراب منهم. فكيف
تصنع الآن وهي تحس بغزو تلك المشاعر لقلبها؟ ماذا لو كان كغيره من الرجال؟ ماذا لو استسلمت لذلك الحلم لتستيقظ بعدها على كابوس مرعب يتركها حطاما؟ فمثلها لو سلمت قلبها وروحها ثم غُدِرَ بها، ستغدو حطامًا!
............
امتطت سارة الفرس التي اختارها لها عليّ في المزرعة الصغيرة التي يمتلكها صالح في أحد المناطق الريفية.
جلس خلفها على ظهر الفرس ليهمس وهو يحيط خصرها:
- كم تمنيت لو فعلنا نفس الشيء في مزرعة خالك!
أدارت رأسها الى الخلف نحوه.
- وأنا أيضا أريد فعلها في أول زيارة لنا الى بغداد.
لامس شعرها وهو يقول بابتسامة:
- كنت سأفعل دون أن تطلبي فلتلك المزرعة في نفسي عشق (رفع اصبعه ليضيف) شرط أن نكون وحدنا!
ضحكت ثم قالت:
- لن يجرؤ أحد على مراقبتنا ومحاصرتنا بعدما تزوجنا.
تنهد وهو يضمها أكثر ثم انطلق بالفرس بين المروج.
.............
ليس مثله من يستسلم، خاصة بعدما أدرك تأثر شجن وبدء ذوبان جليد قلبها. لذا ذهب عدي الى المستشفى قبيل موعد مغادرتها ودخل غرفة الفحص كآخر مراجعيها.
رمقته بدهشة، وكثيرا ما يدهشها بتصرفاته.
- أرى أن أطرافك سليمة، فماذا كسر منك الآن؟
قالتها ساخرة وهي تتأمله فوضع كفيه على الطاولة وانحنى نحوها وهو يهمس بشوق:
- قلبي! كسرته جرّتا عسل حزينتين.
رمقته بحنق بينما قلبها يخفق تأثرا وقالت مستترة خلف
قناع السخرية التي قررت أن تعامله بها، بما أن الغضب
لا يفيد في إبعاده: - احذر! فقد تكسرا رأسك أيضا.
همس بابتسامة ونظرة شوق: - كلي فداء لهما ولصاحبتهما.
كيف ظنت أنها تستطيع مجاراته في الكلام؟ ها هو يستدرجها ليقول ما يريد من كلمات تربكها وتسعدها وتخيفها في آن معا. زفرت وهي تنهض ثم قالت بحزم لم يؤثر فيه:
- كل ما تفعله لن يجدي نفعا. اتركني وأرح رأسك وأرحني فما عدت قادرة على تحمل سماجتك.
اقترب وفي عينيه نظرة حنق أربكتها وهو يقول:
- لو كان غيرك لجعلته يدفع ثمن تلك الكلمة.
هتفت بحدة:
- كفّ عن ملاحقتي كي لا تسمع ما لا يعجبك!
زفر وهو يحني رأسه ثم نظر إليها وقال:
- من حقي أن أعرف سبب رفضك لي على الأقل!
هتفت بحرقة وهي تقاوم دموعها وقد تدافعت ذكريات
خيباتها التي تسبب بها أول رجل زرع في نفسها الخوف من
الرجال، والدها: - ليس منم حقك! وليس من حقك
أن تقتحم حياتي وتفرض نفسك عليّ.
تساءل وهو يحاول الهدوء وقد أدرك الصراع الدائر بين ميلها إليه ومخاوفها: - أرجوك شجن، لا تصري على إخفاء ما تشعرين به نحوي.
قالت وهي تبتعد عنه: - لا أشعر نحوك سوى بالغضب.
كانت كلماتها كفيلة بإثارة غضبه هو فهتف:
- بل أنت تميلين إليّ إن لم تكوني تحبيني لكنك تهربين بسبب خوفك من الرجال.
ندم على تهوره حين تجلت الصدمة في عينيها فعرف أنها تفكر بوشاية خالتها بسرها. لو علمت بأن هدى أخبرت والدته بقصتها فستفقد ثقتها بها ويصيب علاقتهما شرخ كبير، لذا سيطر على صوته كي يبدو واثقا واستعد
لأسئلتها التالية..

نهاية الفصل السابع عشر


الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:31 am




الفصل الثامن عشر

ندم عدي على تهوره حين تجلت الصدمة في عيني شجن فعرف أنها تفكر بوشاية خالتها بسرها. لو علمت بأن هدى أخبرت والدته بقصتها فستفقد ثقتها بها ويصيب علاقتهما شرخ كبير، لذا سيطر على صوته كي يبدو واثقا واستعد لأسئلتها التالية.
- ما الذي تتفوه به؟ أية مخاوف هذه؟
أسرع بالشرح كي يبعد الشبهة عن هدى:
- جذبتني من أول مرة رأيتك فيها، وأصابني الفضول لمعرفة الكثير عنك بعد الأيام التي مكثتها في المستشفى بعد الحادث. لذا جمعت عنك الكثير من المعلومات. لم يكن الأمر سهلا لكن لي طرقي التي لا أعجز معها عن معرفة ما أريد.
سألته محاولة السيطرة على انفعالاتها، والشك لم
يغادر قلبها فهي تعرف خالتها وتعرف قوة علاقتها بوالدته مع أن كلامه يؤكد أنه جمع عنها المعلومات قبل لقاء هدى بوالدته: - وماذا عرفت من جواسيسك؟
- عرفت أنك ترفضين اقتراب أي رجل منك ورفضت الكثير ممن تقدموا لخطبتك. بحثت عن السبب وجمعت المعلومات واستنتجت أن ترك والدك لك وأنت صغيرة، جعلك تفقدين الثقة بالرجال. فكيف ستتحمل طفلة صغيرة الشعور بالنبذ من أقرب الناس؟ أخبريني إن كنت مخطئًا في استنتاجي.
كانت كلماته تؤذيها وقد رأى ألمها في عينيها لكنه كان يجب أن يواجهها بمخاوفها كي تتخلص منها.
علت أنفاسها اضطرابا وأرادت الابتعاد لكنه وقف ففي طريقها وهو يقول برجاء: - ليس كل الرجال سواء. امنحيني فرصة لأثبت لك ذلك، أرجوك!
دفعته وهربت وقد تساقطت دموعها فتبعها لكنها
أسرعت بركوب سيارتها وغادرت الى حيث لا تعلم. بقيت تدور في الشوارع فلم ترد العودة الى المنزل فتراها هدى بتلك الحالة. ومع أنها لم تعد الى المنزل حتى هدأت قليلا واختفت آثار البكاء من عينيها إلا أن هدى سألتها بقلق حالما رأتها: - ما بك؟ ماذا حدث؟
اتجهت الى غرفتها وهي تقول: - متعبة من العمل.
تبعتها هدى وهي تقول بعدم تصديق:
- لن تخدعيني بهذا العذر. منذ متى وأنت تخفين عني شيئا؟ لقد صرت تخفين عني الكثير منذ مدة.
قالت ليرتجف صوتها منذرا بقرب بكائها:
- أرجوك خالتي، دعيني وحدي.
لم يكن من هدى وهي ترى دموع شجن المحتبسة في
عينيها إلا أن احتضنتها بقوة لتطلق شجن العنان لدموعها
كما كانت تفعل وهي صغيرة. أجلستها هدى وسألتها بقلق
وهي تضم وجهها بكفيها: - لا تفزعيني وأخبريني،
ما الذي حدث لتصبحي بهذه الحالة؟
تشبثت شجن بملاذها الآمن منذ صغرها وهي تقول بصوت متقطع: - لقد تعبت. تعبت من مخاوفي وهروبي وشعوري بأني مختلفة عن الأخريات.
لامست هدى شعرها بحنان قائلة:
- بيدك الخلاص من كل هذا، حبيبتي. كم مرة قلت لك أن تحاولي التخلص من مخاوفك؟ كم مرة أخبرتك بأن أفكارك عن الرجال خاطئة فليس كل الرجال متساوون؟ (أضافت بابتسامة) لكن يبدو أن لابن عبير عليك تأثيرا أكبر من تأثيري.
أشاحت شجن بنظراتها فتساءلت هدى:
- أظننت يا ابنة عمري أنني غافلة عما تمرين به من آلام وحيرة بسبب صراعك في الفترة الأخيرة مع مخاوفك وميلك نحو عدي؟ كل ما في الأمر أنني لم أرد أن أضغط عليك. ويبدو أن عدي اليوم قد فعل فتسبب بفتح
جراحك لتنهاري هكذا.
قالت شجن وهي تشعر بالحرج والغيظ والحزن معا:
- لم يترك شيئا إلا وعرفه عني ثم واجهني به. حتى عقدتي بسبب أبي.
خفضت هدى رأسها وحمدت الله أن شجن لم تنتبه لتغير ملامحها. “ تراه عرف الأمر بنفسه حقا أم أن عبير أخبرته لكنه كذب على شجن حفاظا على علاقتها بي؟ حمدا لله أنها اقتنعت ولم تشك بي “
همست شجن بحزن مع أنها لا ترجو فعلا حدوث ما تقول:
- لو يبتعد عني فقط ويتركني بحالي!
تساءلت هدى وعيناها تلمعان بحنين الذكريات:
- وهل ذلك بيده؟ لو كان كذلك لما صبر على صدك
له وتنازل عن كبريائه بجريه خلفك. ليس الحب شيئا نستطيع التحكم به. وإلا لما شقي أحد.
قالت شجن معترضة على الحديث عن الحب والرجال:
- أما زلت تتحدثين عن الحب بلهفة وأنت التي عانيت ما عانيت بسببه؟
تنهدت هدى وقالت وهي تأخذ رأس شجن بين يديها:
- الحياة قصيرة يا ابنتي. لا يجب أن تقضيها في هواجس ومخاوف من شيء لا يعلم إلا الله حدوثه في المستقبل من عدمه. لم نخلق لنعش طوال العمر خائفين مما سيحدث.
لمعت الدموع في عيني هدى وهي تضيف:
- أتعلمين؟ الآن وبعد كل ما عانيته بسبب خذلان زوجي الذي أفنيت سنوات من عمري في حبه، أجدني غير نادمة على ذلك الحب الذي عشته وتلك المشاعر التي أحسست بها. يكفي أنني خضت تلك التجربة. يكفي أنني عشت سعيدة مع من أحبه لأربع سنوات. لكن لو عاد بي الزمن لما بقيت أبكي على أطلال حبه. لكنت اخترت رجلا أكمل معه حياتي. الحياة أغلى من أن نقضيها بالخوف والوحدة والهواجس. فكري في كلامي، ويكفي ما ضيعته من
حياتك حتى الآن.
رمقتها شجن بحيرة ثم تمددت ورمت رأسها على حضنها كما تفعل في كل مرة تحتاج فيها الأمان فضمتها هدى وراحت تلامس خصلات شعرها وهي تدعو لها براحة البال والسعادة التي حرمت منها طيلة حياتها.
................
عاد عليّ وسارة الى المنزل بعد انتهاء شهر العسل ليجدا الجميع بانتظارهما وقد تمكن الشوق منهم لعليّ الذي فارقهم طوال شهر تقريبا لأول مرة.
نظرت سارة نحو المرأتين، ولولا الصور التي كانت ترسلها
عبير لما عرفت أنهما ابنتا عمها. تقدمتا نحو عليّ
وعانقتاه وهما تعتذران عن عدم استطاعتهما حضور حفل زفافه وسارة.
- لا عليكما. مشاغل الحياة كثيرة فكيف بكما وأنتما تعيشان في دولتين بعيدتين؟ متى وصلتما؟
عانقتا سارة وهما تباركان لها الزواج ثم قالت الكبرى:
- جئنا قبل أربعة أيام.
بعد عناق طويل بين صالح وعليّ عكس شوق الاثنين لبعضهما، قالت عبير بمكر وهي تنظر لصالح:
- لو رأيته في غيابك! لم يكن يطيق المكوث طويلا في الشركة دون وجودك.
قال عليّ وهو يعود لمعانقة والده: - لا حرمني الله منك.
تقدم عدي ليعانق شقيقه وهو يقول:
- ليست أمك بأفضل حال من أبيك فقد كانت تعد الأيام حتى عودتك. وكذلك أنا.
رمقه عليّ بمكر قبل أن يقول وهما يتقدمان الجميع نحو الصالة: - ألم يشغلك شيء عن الاشتياق لي؟
رفع عدي حاجبيه بيأس فقال عليّ:
- فاتني الكثير على ما يبدو!
كان الحوار الدائر بين سارة وشقيقتي زوجها رسميا
ومختصرا، تضمن السؤال عن الأهل والأحوال. وقد شعرت سارة بأن علاقتهما مع عائلتهما لها نفس الطابع فلم تشعر بتلك الألفة المعتادة بين الآباء والأهل تربط بينهم. ربما بسبب ابتعادهما للعيش في دولة أخرى منذ سنوات.
لم يطل بقاء شقيقتي عليّ كثيرا فقد تركتا أولادهما تحت رعاية زوجيهما.
..................
حالما عرفت هدى بعودة عليّ وسارة، أخبرت شجن بذلك وهي تترقب ردّ فعلها:
- عادت سارة وعليّ من رحلة شهر العسل. يجب أن أبارك لهما الزواج. لن أصر عليك أن تذهبي معي كي لا تتهميني بأني أحيك المؤامرات لتلتقي وعدي.
لكن الغريب أن شجن قالت بهدوء عدا اضطراب في صدرها لاحتمال رؤية عدي: - اعتبرتني سارة صديقة لها، وسيكون من غير اللائق ألا أذهب معك لأبارك لها.
قالت هدى بحماس: - فلنذهب إذن كي نشتري هدية لهما ونزورهما في أقرب فرصة.
أومأت برأسها فرمقتها هدى بسرور.
فكرت شجن خلال الأيام الماضية كثيرا في كلام خالتها. ماذا سيحدث لو أعطت عدي الفرصة التي يطلبها منها؟ ماذا يمكن أن يحدث إن سلمت نفسها لتلك المشاعر الغريبة التي اقتحمت عالمها مؤخرا؟ هل سيكسر عدي قلبها يوما؟ وما الجديد؟ فقد كُسِر قلبها منذ زمن، وبيد أقرب الناس إليها. ولن يكون الوضع أسوأ. لكن كيف تسلم هكذا وتغير ما عاشت عليه طوال حياتها؟
“ متى تنتهي دوامة الحيرة التي تتقاذفني منذ عرفت عدي فتحركت فيّ مشاعر ظنت أنها ماتت داخلي “
سؤال كانت تنتهي إليه شجن في كل مرة تفكر فيها.
................
لم يكد عديّ يصدق أذنيه حين التفت نحوه عليّ بعدما
أنهى مكالمته مع سارة، ليخبره بابتسامة:
- زوجة أخيك تقول أن شجن أتت مع هدى لتباركا زواجنا.
اتسعت عيناه دهشة وقال بسرور واستغراب:
- لتسلم ابنة عمي لنقلها الخبر. لم أظن أن قدميّ شجن ستطآن منزلنا بعد آخر حديث بيننا.
قال عليّ بابتسامة: - وربما كان ذلك الحديث حافزا لها لتواجه مخاوفها وتتغلب عليها.
نهض عدي وهو يقول بنفاذ صبر:
- هل سنستمر بهذا الحديث حتى تغادر شجن منزلنا؟ لنعد الى المنزل بأسرع ما يمكن.
حين وصل عدي وعليّ، كانت شجن جالسة في الصالة
قرب سارة وهما تتحدثان عن الأماكن التي زارتها وعليّ
أثناء شهر العسل. كانت شجن تمعن النظر في ملامح سارة ونظراتها التي عكست سعادتها وعشقها لعليّ. فكلما أتت على ذكره لمعت عيناها أكثر واتسعت ابتسامتها.
ما أغرب الحب! كم يتحكم في المرء ويؤثر على كل حركاته وسكناته!
شردت شجن قليلا وقد تراءت لها نظرات عدي التي تعكس دوما عشقه لها، لتتفاجأ بدخوله الصالة هو وعليّ وقد طغى الشوق على نظراته التي صوبها نحوها.
ألقيا التحية فبادرت هدى بالقول:
- مرحبا. زواج مبارك يا عريس.
اقترب عليّ وجلس قرب سارة وهو يشكر هدى ويرحب بها وبشجن التي اضطربت وهربت بعينيها كي لا تقعا على عدي فتفصح عن مشاعرها، لكنه لم يمنحها فرصة للهروب فجلس قبالتها مباشرة. خلال الأحاديث التي امتدت قرابة ساعتين، كان قلب عدي يضرب بعنف وهو يلاحظ تلك النظرات في بركتي العسل. كانت نظرات شجن الخجولة والخاطفة نحوه توحي بما دبّ في نفسها من شجاعة جعلتها تترك القيادة أخيرا لقلبها. وكم جن جنونه وهو يرى تلك الحمرة الخفيفة تصبغ وجنتيها مع ابتسامة خارجة عن سيطرتها كلما التقت نظراتهما!
...............
ليل طويل قضى عدي أغلبه في انتظار أن يحل الصباح التالي، وطيف وجه شجن الباسم يرسم على وجهه هو الآخر ابتسامة صافية لا ترتسم إلا على وجوه العشاق لحظة ذكر المعشوق.
- لدي عمل مهم. لن أذهب معكما الى الشركة.
قالها عدي موجها الكلام لعليّ ووالده بينما الجميع جالسون على مائدة الفطور فسأله صالح: - ستتأخر؟
رفع حاجبيه وهو يقول بغموض: - ادع لي بتسهيل الأمر كي لا أتأخر يا حاج.
- عسى الله أن يسهل كل أمورك يا ولدي.
نهض وقبّل خد والده ليقول بعدها بابتسامة: - آمين!
كم بدا الطريق الى المستشفى طويلا! والى غرفتها، بدا
أطول ليزيده لهفة للقائها.
أعطى الورقة التي كتبها في السيارة باللغة العربية لأول ممرضة اقتربت من غرفة شجن حيث تستقبل مرضاها.
- أوصليها الى الدكتورة من فضلك، سنيورينا.
أومأت الممرضة بابتسامة ودخلت لتعطي الورقة لشجن التي كانت تتهيأ لاستقبال أول مرضاها.
ابتسامة أشرق بها وجهها ونبضات قوية رقص بها قلبها وهي تقرأ كلماته (لا يوجد مرضى كثر اليوم والحمد لله، لذا ليس لديك عذر لتطيلي انتظاري قبل أن ألتقيك في مطعم المستشفى لنتحدث)
ضرب قلبه وعلت الابتسامة وجهه وهو يثب واقفا حالما رآها تخرج من الغرفة بعد نصف ساعة تقريبا واضطراب مماثل على وجهها. لم يستطيعا تبادل التحية بأكثر من كلمة واحدة ثم سارا الى المطعم الخاص بالمستشفى.
كان يود قول الكثير والكثير من كلمات الحب
والشكوى من ألم صدها لكن كلمات أكثر أهمية منعته من قولها. كلمات أثارت في نفسه الخوف منذ أمس وما تزال. أخيرا، تغلب على الصراع الدائر في نفسه بين خوفه من ردة فعلها على ما يريد أن يخبرها به وبين رغبته الشديدة بقوله.
- قبل كل شيء، أريدك أن تسمعيني وأنت هادئة حتى أنتهي. وبعدها لن تريني حتى تقرري.
أرسل لها رسالة ليقول بعدها: - هذا رقم هاتفي. سأنتظر، وتكفيني كلمة. وأدعو الله ان تكون تلك التي أحلم بها منذ تعلق قلبي بك.
أطلقت سؤالا تجلى فيه القلق كما نظراتها: - ماذا هناك؟
نظر في عينيها بقلق هو الآخر وهو يقول:
- سأخبرك بكل شيء لأني أريد أن أكون صادقا معك.
أومأت برأسها وهي تستحثه كي يبدأ وقلبها يخفق خوفا
وهي ترى القلق على ملامحه. لم تره يوما بهذه الجدية
والخوف.
- لقد تأثرت كثيرا بالمجتمع هنا وبتت أنتقد الكثير من عاداتنا وتقاليدنا. فعلت أخطاء كثيرة. تعرفت الى فتيات إيطاليات و.. أقمت معهن علاقات عابرة.
نبهت الغيرة كل حواسها فرمقته وفي عينيها شرارة أسعدته بقدر ما آلمته خوفا من وقع ما سيقوله عليها.
- أعني المشاعر بكلمة عابرة وليس طبيعة العلاقة.
أضاف وهو يشيح بنظراته كي يجنب كليهما الحرج:
- فقد مضيت فيها حتى النهاية.
أنفاسها التي بدأت تعلو ووصلته بسبب هدوء المكان، أنبأته بثقل تأثير ما سمعت على نفسها لكنه أصر أن يكمل مهما كانت الحقيقة مؤلمة. فذلك أفضل من اكتشافها إياها لاحقا.
- إحدى تلك العلاقات، استمرت قرابة ثلاث سنوات.
قالت ساخرة بصوت خرج مهتزا ليؤلمه:
- ثلاث سنوات، وتسميها عابرة!
نظر إليها ليقول بندم وحرقة بدت في نظراته وصوته:
- ربما لم تكن عابرة لكنها لم تكن حبا. أقسم أني ما عرفت الحب إلا حين خفق قلبي لك!
نهضت وهي تشعر بالاختناق فقال راجيا:
- اسمعيني حتى النهاية ثم اذهبي، أرجوك! لا أريد أن أبدأ معك وفي حياتي شيء لا تعرفينه.
قالت بانفعال دون أن تجلس: - لن تبدأ أي شيء معي!
عاد لرجائها: - أرجوك، شجن! لست مجبرا على إخبارك شيئا عن الماضي لكنني أردت أن أكون صريحا وصادقا معك فاسمعيني.
مع كل ألمها، قررت الجلوس والاستماع إليه لتعرف أكثر عن الشخص الذي أحبته كالحمقاء وظنته مختلفا عن باقي الرجال.
اتسعت عيناها وهي تسمع منه تفاصيل قصته مع سارة
منذ تلك الخطوبة حتى هروبه من المزرعة الى ميلانو.
همت بالنهوض لكن قلبها الأحمق أبى إلا أن تطلق سؤالا مترددا وهي تقاوم البكاء بصعوبة:
- حين تعرفت إليّ، هل كنت في تلك العلاقة؟
عرف أنها تقصد علاقته بصوفيا فأجاب وقد لمعت عيناه بألم وهو يرى اضطرابها وقرب انهيارها:
- كنت قد انفصلت عنها للتو.
ولم ينتظر سؤالا عرف أنها لن تطرحه فسرد لها سبب انفصاله عن صوفيا وعما شعر به وكيف بدأت أفكاره تعود الى الصواب بعد دوامة الضياع التي عاشها.
نهضت وقد علت أنفاسها وغرقت عيناها بالدموع فنهض ليتبعها لكنها زجرته بحدة وقد خانتها دموعها وفاضت:
- إياك أن تتبعني!
...............
أيام ثلاث اعتزلت فيها شجن العالم. أخذت إجازة من
العمل ولازمت غرفتها أغلب الوقت. عانت خلالها ما لم تعانيه منذ تركها والدها، حتى شعرت هدى بخوف حقيقي عليها فقد رفضت أن تحدثها عن أي شيء. لكن هدى بالطبع عرفت أن علاقتها بعدي هي السبب.
وعدي هو الآخر عاش خلال تلك الأيام الخوف والحيرة. خائف عليها مما سمعت وخائف من ردّة فعلها.
وطالت أيام انتظاره حتى بلغت الثلاثون. أحصاها بقلب خائف وقلق حتى وصله أخيرا إشعار أنارت به شاشة هاتفه ليلتقطه بقلب خافق وهو يقرأ عليه اسم بركتي العسل، الاسم الذي أضافه لرقم هاتفها. غص صدره بالأنفاس وهو يمسك الهاتف مترددا في فتح الرسالة. هل ستحيي حزينة العينين قلبه أم تقضي على أمله؟

نهاية الفصل الثامن عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت يناير 12, 2019 7:35 am




الفصل التاسع عشر والأخير

طالت أيام انتظار عدي حتى بلغت الثلاثون. أحصاها بقلب خائف وقلق حتى وصله أخيرا إشعار أنارت به شاشة هاتفه يلتقطه بقلب خافق وهو يقرأ عليه اسم بركتي العسل، الاسم الذي أضافه لرقم هاتفها. غص صدره بالأنفاس وهو يمسك الهاتف مترددا في فتح الرسالة. هل ستحيي حزينة العينين قلبه أم تقضي على أمله؟
“ تجعلني أندم “
كلمات كانت كفيلة بجعل الابتسامة تشق ملامحه ويسرع بالاستعداد للذهاب الى منزلها.
“ صدقت يا سارة! صراحتي كانت لصالحي كما توقعت ”
ابتسم وهو يتذكر حديثه مع سارة وعليّ حين دخل
جناحهما طالبا مساعدتها، بعد أسبوعين تقريبا من
حديثه مع شجن...
- ما بك يا عدي؟ لقد انقلب حالك منذ أيام.
سأله عليّ فصحح له: - بل منذ أسبوعين، بعدما تحدثت مع شجن في اليوم التالي لقدومها الى منزلنا.
قالت سارة مستغربة: - كانت مختلفة حينها، وظننت أن الأمور بينكما ستتحسن.
رفع حاجبيه وهو يقول: - ما أخبرتها به في اليوم التالي كان صعبا جدا عليها.
سأله عليّ بقلق: - بما أخبرتها؟
ردّ باختصار: - بكل مساوئي وماضيّ. أردت أن تعرف كل شيء عني فأبدأ معها على الصراحة والصدق.
هزّ عليّ رأسه ممتعضا وقال:
- هكذا؟ دفعة واحدة؟ لقد دمرتها ودمرت أملك معها.
- بالعكس! (قالتها سارة) صراحته تحسب له.
سألها عدي بلهفة: - أتظنين ذلك؟ أيمكن أن تثق بي
بعدما عرفت وتمنحني فرصة؟
أومأت سارة بثقة وهي تقول: - مثلها تفضل الصدق على الكذب مهما كان مؤلما. فقط امنحها الوقت الكافي، فلا بد أنها الآن مشوشة وغاضبة.
..............
نظر عدي الى منزل شجن وهو جالس في سيارته التي أوقفها على جانب الطريق. تناول هاتفه وأرسل لها كلمات:
(لن تندمي إن شاء الله. لكن ألا أستحق رؤيتك بعد ذلك الشهر الذي عذبتني فيه؟ يكفي أن تفتحي أي نافذة مطلة على الشارع الرئيسي)
انتفضت شجن وهي تقرأ رسالته لتغزو الابتسامة ملامحها وتسرع الى غرفة الجلوس المطلة على الشارع الرئيسي. سارت نحو النافذة بتروي كي لا تثير ريبة هدى الجالسة على الأريكة، تراجع بعض الأوراق الخاصة بالجمعية الخيرية.
حالما أزاحت الستار ورأته من بعيد واقفا قرب سور المنزل
الذي يبعد أمتارا لا تتجاوز الاثني عشر، فضحتها ابتسامة
كبيرة ارتسمت على وجهها فأزاحت هدى نظارتها الطبية لتمعن النظر الى وجه شجن. اقتربت هدى بهدوء بينما تلك غافلة عنها، تشغلها أفكارها وذكرياتها عن تلك الأيام التي قضتها في التفكير.
لقد عاشت صراعا مؤلما بين حبها لعدي وخوفها من مستقبلها معه. كلامه عن ماضيه جعلها ترتعش كلما فكرت باحتمال عودته لسابق عهده وخيانتها. حتى قادها قلبها أخيرا لتصديقه ومنحه الثقة فهو يستحقها.
لم يكن مجبرا على إخبارها بشيء، ولو لم يفعل ما كانت لتعرف شيئا عن ماضيه. لكنه تغير وتاب عما فات وأراد البدء معها على الصدق والصراحة حتى قبل أن تخبره بوضوح أنها تحبه وتريد بدء حياة جديدة معه. وكأنه تعمد إخبارها بحقيقته قبل أن تخبره بقرارها. ومثل ذلك الرجل لا يمكن أن يخون ويغدر، ولا يمكن أن يخسرها
لأجل غيرها أو يكذب عليها.
تلاعب الشوق بنبضاتهما وهما يتطلعان الى وجهي بعضهما عبر تلك المسافة.
- فلندعوه للدخول بدل وقوفكما هكذا!
جفلت شجن وهي تسمع كلمات هدى الحازمة وابتعدت عن النافذة لتعود الى غرفتها وهي تتمتم بهمس:
- وكأنك لم تكوني في صفه وتنصحيني بمنحه الثقة لأن تصرفه يدل على رجولته وصدقه!
(أريد رؤيتك. لن أستطيع التحرك دون أن نتحدث)
وضعت يدا مرتجفة على قلبها وهي تقرأ رسالته ثم كتبت له أن ينتظرها بعد ساعة في أحد المطاعم.
خرجت من غرفتها بعدما قضت الكثير من الوقت في اختيار ثياب مناسبة وزينة تليق بوجهها وتسريحة شعر تبدو فيها أجمل. رمقتها هدى بعينين ضيقتين فقالت
بحنق: - لا يمكن أن أرسل له تلك الكلمات وينتهي
الأمر. يجب أن نتحدث معا!
قالت هدى بابتسامة: - لا تتأخري.
دخلت المطعم بقلب خافق وهي تجول بنظرها باحثة عنه حتى لمحته واقفا، يرمقها بشوق فاقتربت بخطى مرتبكة وهي تشعر أنها تولد معه من جديد، فكل ما مر بحياتها منذ التقته كان جديدا عليها.
مشاعر الحب نحوه والشوق إليه والاضطراب بقربه والغضب من جرأته التي لم ترها في غيره قبلا والخوف عليه يوم أنقذها. والآن، تعيش اضطراب الموعد الأول معه.
دقائق مرت والاثنان صامتان يتأملان بعضهما..
نظراتها متقطعة تحكي شوقا مخفيا خلف خجلها، ونظراته متلهفة متواصلة تروي عشقا وسرورا بموافقتها.
سألها أخيرا: - هل أخذت كل هذا الوقت لتقرري أم أنك تعمدت تأجيل الرد علي لتعاقبيني؟
حدق بها بلهفة وهو يرى ابتسامة كبيرة على شفتيها
وهي تجيب: - تخمينك صحيح.
أطلق ضحكة قصيرة وعاد يسألها: - متى اتخذت قرارك؟
أجابت لتثير دهشته وحنقه: - بعد عشرة أو أحد عشر يوما.
زفر بانزعاج وهو يتذكر ما عاناه خلال تلك الأيام.
- وما سبب عقوبتي خلال تلك الأيام العشرين؟
أشارت بأصابعها للرقم اثنين وهي تقول:
- لأجل ماضيك، ولأنك لم تخبرني به من قبل.
سببان جمعا غيرتها عليه وحبها له، جعلا ابتسامة مكر تقفز الى شفتيه ونظرات لهفة تبدو في عينيه وهو يسألها:
- ومتى كان يجب أن أخبرك؟ قبل ماذا؟
خفق قلبها وهي تخفض نظراتها ووجهها يشع خجلا فهمس راجيا: - ألن تقوليها بعد كل تلك الأيام من الانتظار والعذاب؟ أريد سماعها لأتأكد.
نهضت وهي تقول بارتباك: - سأذهب كي لا أتأخر.
نهض خلفها وتبعها بسيارته حتى وصلت المنزل. ربما
كانت تلك المسافة الأجمل التي قطعتها يوما من ذلك المطعم حتى منزلها! عدي يسير قربها بسيارته ويرسل لها تلك النظرات التي أربكتها فقادت السيارة بصعوبة مع ذلك الارتباك وتلك السعادة التي تعيشها لأول مرة.
حالما دخلت المنزل، وصلتها رسالة منه.
(لا أطيق الانتظار أكثر. إن كنت حقا موافقة فسأكلم أبي اليوم كي نخطبك من هدهد في أقرب وقت)
ابتسامتها ودموعها وتحديقها بشاشة الهاتف، جعلت هدى تقترب منها حيث كانت تقف عند مدخل الصالة وتسألها:
- ما بك؟ هل حدث شيء؟
ناولتها الهاتف فقرأت هدى الرسالة لتدمع عيناها هي
الأخرى وهي تتصور شجن بذلك المنظر الذي حلمت به طويلا، كأي أم تحلم بيوم زفاف ابنتها.
- ما قولك؟
سألتها هدى لتنتشلها من فوضى أحاسيسها فلم تجبها
وأسرعت نحو غرفتها لتكتب له كلمة واحدة.
...............
- أريد الزواج بشجن.
تبادل صالح وعبير نظرة استغراب من تبدل حال عدي. فقد كان طيلة الشهر الماضي في حالة عبوس وحزن. أما الآن فملامحه تصرخ بالسرور.
لم يتحدث صالح مع عبير في أمر عدي وشجن مع أنه شعر بما يجري بينهما، كما لم تتدخل عبير لمعرفة ما يحدث بينهما من هدى، فقد فعلت وهدى كل ما عليهما للتقريب بينهما. وإن كان لهما نصيب معا فسيجتمعان وإن لم يكن فلا تملكان لهما شيئا. وحتى سارة احترمت انعزال شجن ولم تهاتفها أو تزرها واكتفت بإرسال رسائل نصية للسؤال عنها.
رمقه صالح بعينين ضيقتين جعلتاه يقلق وهو يسأله:
- أتلك نزوة من نزواتك أم أنها تحدٍ بالنسبة لك لأن
الفتاة صدتك؟
نظر عدي نحو والدته فهزت رأسها لتنفي إخبارها لصالح عن أمره مع شجن بينما سأله صالح بحدة:
- أظننت أني غافل عما يدور حولي؟
قال لوالده مؤكدا: - بل هي الفتاة التي اختارها قلبي لتكون زوجتي مدى الحياة يا أبي.
لم يبد صالح ردة فعل على كلامه ورمقه بنظرات لا تفصح عن رأيه ثم قال: - أخيرا تعقلت يا ولد!
تنهد عدي براحة وهو يرى ابتسامة والده وقال:
- أخفتني يا أبي! متى نذهب لخطبتها إذن؟
- فلتحدد والدتك موعدا مع خالتها.
ولم تطق عبير صبرا فقالت وهي تنهض لتأخذ هاتفها:
- سأتصل بها الآن. مبارك سلفا يا حبيبي.
.............
توتر وانفعال جعل والديه وعليّ وسارة يشاكسونه
ويسمعونه كلمات ساخرة جعلته يحدق بهم بامتعاض.
قال عليّ وهو يحبس ضحكته بصعوبة:
- اعذرنا يا أخي لكن لم يخطر ببالنا يوما أنك قد تكون بهذه الحال بسبب فتاة.
نظر عدي في ساعته وهو يتناول باقة الورود من سارة وقال لينهي الحديث: - لنسرع كي لا نتأخر.
ركب سيارته ومعه والديه بينما ركب عليّ وسارة سيارته وهما يتغامزان فرمقهما عدي متوعدا.
كانت شجن في غرفتها، تصلح كحل عينيها بعد دموع لم تستطع حبسها. تمنت وجود رجل من أسرتها -عدا والدها- يجالس الرجال الكثر الذين يحضرهم أهل العريس عادة لطلب الفتاة، فيطلبوها منه. لكنها وحيدة في هذه الدنيا، لا تملك إلا خالتها التي أفنت عمرها في تربيتها. فأعمامها ليسوا بخير من والدها، وأخوالها بعيدون في بلد آخر.
قرع الجرس لتثب واقفة كما وثب قلبها خافقا.
أصلحت هيئتها ثم ألقت على نفسها نظرة في المرآة. خرجت الى الصالة بعدما سمعت نداء خالتها الذي أعقب زغاريد عبير التي أعلنت عن انتهاء المراسم الرسمية للخطوبة.
سلمت على الجميع وعانقت عبير وسارة التي قالت:
- اشتقت إليك.
تقدم عدي ليناولها باقة الورود التي ماثل لونها حمرة خجلها. شكرته هامسة فهمس مشاكسا:
- أين هذه من تلك الغاضبة؟
رمقته معاتبة ثم جلست قرب خالتها فأعلن صالح عن ذلك الطلب الذي ألح عليه عدي في طرحه على هدى:
- بما أننا نعرف بعضنا جيدا منذ شهور، فما رأيك بأن يعقد العريسان قرانهما بسرعة؟ ما رأيك بالخميس القادم مثلا؟
نظرت هدى بحيرة لشجن التي لم تبد اعتراضا فقالت:
- كما تريدون.
..............
لم يكد عدي يصدق عيناه وهو يتأمل بلهفة، شجن الواقفة قربه أمام القاضي وهما يرددان صيغة عقد القران.
رفعت رأسها فتلاقت نظراتهما لتبدو في نظراته الشوق كما نظراتها لكنها خفضت بصرها بسرعة وعلى وجهها ابتسامة مرتبكة.
بعدها توجه الجميع الى منزل صالح حيث دعا شجن وهدى الى الغداء للاحتفال بالمناسبة.
سأل صالح زوجة ابنه المستقبلية بابتسامة:
- هل ستقيمان معنا في جناح عدي في المنزل أم تفضلين الاستقلال في منزل منفصل؟ شخصيا لن اعارض رغبتكما، أما عن أم زوجك فلا أعرف.
رمقته عبير بعينين ضيقتين وهي تقول:
- لن تفلح في تحريضها ضدي فهي تعلم كم أحببتها منذ التقيتها.
ابتسمت شجن وهي تقول: - وأنا أحبك يا خالتي.
عادت عبير لسؤالها بجدية: - ما رأيك إذن؟
- عشت أغلب عمري أفتقد جو العائلة الكبيرة، فخالتي هي عائلتي الوحيدة كما تعلمون. لذا يسعدني كثيرا أن أعيش معكم.
مسحة الحزن في صوتها ولمعان الدموع في عينيها وهي تتكلم، جعل قلب عدي الجالس قربها يغص بالألم فوضع يده على ساقها ليواسيها لكنها انتفضت قليلا ورمقته بارتباك، فتلك أول مرة يلمسها.
ابتسمت سارة وتبادلت مع عليّ نظرة مكر وهما يتذكران حركات مشابهة كان يقوم بها عليّ.
قالت عبير لهدى فأخذت شجن من شرودها بسبب تلك اللمسة:
- بعدما ننتهي من الاستعداد لحفل عقد القران، سنبدأ بتجهيز جناح عدي وعمل ما تريد شجن فيه من تغييرات.
بعدما نهضت شجن عن المائدة واتجهت الى الحمام
لغسل يديها، تبعها عدي. قال بمكر وهو يقترب منها:
- كدت تفضحينا! أقسم أني لمست ساقك بنية بريئة.
أشاحت وجهها وهي تقول بامتعاض:
- ألم تحسب حسابا للموجودين معنا على المائدة؟ كما أنها.. أول مرة.
اقترب أكثر وهمس بشغف وهو يأخذ الصابونة من كفها:
- كلامك دعوة صريحة كي تكون اللمسة الثانية ونحن منفردان.
اتسعت عيناها وامتزج الخجل والدهشة في وجهها وتلعثمت وهي تقول: - كلا! لم أقصد هذا.
ركل باب الحمام بخفة كي يغلقه وهمس بشوق وهو يضمها ويقول: - فات الأوان على التفسير!
همست بارتجاف: - كلا عدي!
لكنه ضمها بقوة توازي شوقه إليها وهو يهمس في أذنها:
- همسك باسمي يزيدني جنونا واشتعالا فاحذري.
كانت ضائعة في مشاعر تختبرها لأول مرة كما اختبرت معه كيف تعيش الحياة.
صوت سارة وهي تنادي شجن محذرة إياه هو من قدوم أحدهم وهي تعرف أنه ليس أقل تهورا من زوجها، جعله يطلق شجن ثم يفتح الباب ويسألها بمكر وهو يرى عدم اتزانها:
- هل أنت بخير، شجني؟
أومأت إيجابا ثم هربت دون أن تجفف يديها حتى.
.............
قبل حفل عقد القران بيوم، جاءت هدى وشجن مساءً الى منزل صالح كما اتفقت عبير معهما كي تريا جناح عدي وشجن. كان نبض الحبيبين يزداد توترا كلما ارتقيا درجة من السلم الذي بدا لهما طويلا.
تجولت هدى وشجن في الجناح ثم جلست الأخيرة مع عدي الى طاولة المطبخ كي يناقشا بعض التغييرات البسيطة
التي سيجريانها والتي كان عدي يدونها كي يعرضها
على مهندس الديكور.
قالت عبير وهي تجذب يد هدى: - تنتظرنا سارة في الأسفل. أعدت لنا حلوى شرقية لذيذة. عدي، شجن! اتبعانا حالما تنتهيا.
توترت شجن حين أخذ عدي كفها وقبله فسألها متوجسا:
- أهو خجل أم توتر أم بعض خوف يساورك؟
رمقته بعينيها الحزينتين وأجابت: - ربما كلها معا.
أمسك يدها لتنهض وسارا معا نحو غرفته فزاد توترها.
أدار وجهها نحوه وقال بنظرات حانية:
- أعلم أنه ليس من السهل عليك أن ترمي كل مخاوفك وهواجسك السابقة.. لكنني وعدتك يوم أبلغتني بردك، وأشهد الله الآن أيضا أني لن أجرحك يوما أو أجعلك تندمين على منح قلبك لي وارتباطك بي.
فقط أطلب ثقتك الكاملة كي نتجاوز معا أي مخاوف.
أومأت إيجابا وهي تشعر بالارتياح فضمها بحنان وهو
يداعب شعرها وهمس: - أعدك يا شجني أن أملأ حياتك بذكريات سعيدة تعوضك عن كل ما فات. أعدك بأن تعيشي معي الحياة وتستمتعي بها كما لم تفعلي من قبل.
همست بابتسامة: - لقد بدأت بالفعل.
اتسعت ابتسامته وزادت لهفته لتتغير لمسات الحنان الى لمسات شوق جارف اجتاحهما معا.
..............
أوصل عليّ وسارة العروسين الى مكان جلوسهما في القاعة الكبيرة ثم قال عليّ: - اليوم أرد لك الدين يا شقيقي. لن أجلس ساعة دون رقص أو أداء دبكة.
ابتسم عدي وعانق شقيقه بقوة ثم التفت الى شجن التي كانت فاتنة بذلك الفستان الذي يظهر ذراعيها.
- لن ترتدي مثل تلك الأثواب مجددا إلا لي أنا.
ابتسمت وهي تقول: - أساسا لم ارتدِ مثل هذا الفستان قبل
اليوم. خالتي وهدهد أصرتا أن اشتريه وقالتا أنه رائع علي.
تنهد بشوق وهمس بنظرات لهفة:
- وهل حذرتك من ارتدائه إلا لأنه رائع عليك؟ ككل شيء تلبسينه فتزيدينه جمالا.
ابتسمت بخجل ووجهت نظراتها نحو عليّ وسارة اللذين بدآ الرقص على أنغام أغنية عربية.
ككل حفل عراقي، لم يكن ليكتمل دون الدبكة. شكل الراقصون حلقة كبيرة توسطها علي وعدي وبينهما شجن وسارة.
نظرت شجن نحو عدي وهي تحمد الله وتدعوه أن يتم سعادتهما معا مدى الحياة بينما نظرت سارة نحو عليّ الذي ابتسم قبل أن يقول لها: - ذكرني الحفل بحفل زفافنا، مع أني إلى الآن أشعر وكأننا في اليوم الأول. واتخيل أني سأصحو صباحا لأجد ثوب عرسك ملقى على الأريكة.
خفضت نظراتها وهي تهمس معترضة: - عليّ!
فضحك قبل أن يقول:
- يا نبضه الذي يجن برؤيته حمرة الخجل على وجهك!
............
أعوام ستّ مرت، عاش خلالها الشقيقان التوأمان وزوجتيهما أجمل سنوات العمر.
بينما كان الجميع في الحديقة في يوم صيفي مشمس، تقدم (عبد الله) ولد عليّ وسارة حاملا دمية صغيرة في يده نحو عبير وهو يشكو ابنة عمه بامتعاض وفم مقوس: - جدتي، صاحت (فرح) في وجهي غاضبة ورفضت أخذ الدمية مني. كيف سأصالحها إن لم تأخذها؟
أطلق عدي ضحكة قصيرة ثم قال بمكر وهو يرمق شجن:
- ابنة أمها!
وعلق عليّ مازحا: - اصبر يا ولدي فطريقك لن يكون أسهل من طريق عمك!
قالت شجن معترضة بامتعاض: - عليّ!
ضحك الجميع فتساءل صالح وكأنه يقرر أمرا واقعا:
- وهل لها طريق سوى الذي يؤدي لابن عمها؟
رمقه الجميع بامتعاض وهتفت عبير معترضة:
- ثانية يا صالح!
وقال عليّ: - ارجوك يا أبي! لا نريد سماع هذا الكلام.
وأيدهما عدي: - إنما كنا نمزح مع صغارنا وحسب فلا تحول الأمر الى الجدية.
فقال صالح بانزعاج: - وأنا كنت أمزح أيضا. أم أنه حلال لكم ومحرم علي؟
علقت عبير تشاكسه : - لا يؤمن جانبك يا زوجي العزيز!
علت الضحكات بينما امتعض صالح وهدد بانسحابه من الجلسة والدخول الى المنزل إن لم يصمتوا.

النهاية
31-12-2018

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 118
نقاط : 136
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى