روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 8:26 pm

على وعد
وعد قديم شكل حياتها وآمالها، فكيف سيغير حياتها حين يأتي وقت تنفيذه؟
قراءة ممتعة أرجوها لكم مع فصول قصتي.
شكر خاص لحبيبة قلبي ديلو الي تتحفني دائما بتصميماتها الرائعة
تسلم ايديكي حبي

أوقات نزول الفصول
الإثنين الساعة السادسة
والخميس الساعة السادسة والنصف بتوقيت مصر







وهاي صور ابطالنا



الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 8:34 pm



الفصل الأول
وقف على أرض المطار وهو يتأمل ما حوله من مساحات واسعة. لماذا يشعر بأن استنشاق الهواء هنا له نشوة خاصة؟ وتلك الشمس الساطعة، كأنها تعده بطرد برودة الشتاء في بلد اغترابه من جسده وبرودة الغربة من قلبه.
بعد إتمامه إجراءات الدخول الى بلده، بدأ الجزء
الثاني من رحلته حيث غادر المطار الى تلك البلدة
الصغيرة التي تقع في أطراف العاصمة. بلدته التي ولد ونشأ فيها حتى غادرها مع والديه وشقيقه وشقيقاته الثلاث وهو ابن ثمانية عشر عاما. تلك البلدة التي ظلت قابعة في قلبه كما قلب والده وشقيقته الوسطى.
أما والدته وباقي أشقائه فلم تؤثر الغربة عليهم
البتة، ويكاد يجزم أن وطنهم وبلدتهم لا يخطران لهم على بال إلا نادرا.
خلال رحلته من المطار إلى بلدته وتحديدا إلى مزرعة
الحاج (عبد الحميد) التي تقع في أطراف البلدة
الجنوبية على مشارف إحدى المحافظات، كان عقله
يعقد مقارنة بين التطور والحداثة في بلد المهجر
وبين بساطة الخدمات وسوء الكثير منها في بلده.
أما قلبه فكان يحرضه على عدم الإصغاء إلا لنبضه
الذي يتوتر سرورا وشوقا كلما رأى تلك الوجوه التي
تشبه وجهه وسمع تلك اللهجة الحبيبة التي تاق لها مع أنه يسمعها من أبناء بلده المغتربين مثله على الدوام. لكنها هنا تبدو أجمل ووقعها على الأذن والنفس أروع.
حالما دخل سوق البلدة، طلب من سائق سيارة الأجرة أن
يتوقف قرب مجموعة من الشباب. أنزل زجاج نافذة
السيارة وألقى التحية وعلى وجهه ابتسامة من تاق للقاء الأهل والأحبة فرد الجميع بترحاب وكأنهم يعرفونه.
- هل يعرف أحدكم الطريق إلى مزرعة الحاج عبد
الحميد التي تقع في أطراف البلدة الجنوبية؟
تبرع أحد الصبية لتقديم المساعدة:
- الطريق طويل ولن ينفعك الوصف في الوصول إليها. يمكن أن آتي معك لأدلك عليها.
ابتسم وهو يذكر روح التعاون والألفة الجميلة التي
تسود المجتمعات العربية بشكل عام خاصة في البلدات الصغيرة. كم افتقد تلك التفاصيل الجميلة التي يظنها من يعيش هنا بسيطة وعادية!
لو كان في إيطاليا ربما خشي أن يكون الصبي سارقا أو فردا في عصابة. وربما خاف الصبي نفسه من تقديم المساعدة. أما هنا فالكل يتصرف على سجيته ويضع حسن الظن قاعدة للتعامل مع الناس.
فتح باب السيارة للصبي وهو يقول بامتنان:
- شكرا. سأتعبك.
- لا تقل هذا يا عم. أنت ضيفنا وهذا واجبنا.
بالكاد ابتسم وقد داهمه شعور مؤلم وهو يفكر أنه صار ضيفا في بلدته التي ولد وعاش طفولته وصباه فيها..
فتح باب المزرعة الخشبي وسار بخطى سريعة تتلهف
شوقا للتوغل في المكان الذي يضم كثيرا من
ذكريات طفولته وصباه. أنزل حقيبته وتوقف
لدقائق حتى يستمتع بذلك المنظر الرائع للمزرعة.
مع أنها اختلفت كثيرا عن آخر مرة رآها فيها إلا أن
هناك بعض المعالم فيها لم تتغير. كتلك البئر
والساقية التي قربها وإسطبل الخيول القديم.
كم مرة أسقط شقيقه في الساقية وهما يتصارعان
فيضحكان بمرح بينما تجلس شقيقاته وابنة عمه
وابنة عبد الحميد الصغرى على حافة الساقية
ليأخذن دور المشجعات؟
" كيف لم أفكر بالمجيء أنا وأبي إلى هنا لقضاء
عطلة صغيرة بين أهلنا في بلدنا الذي فارقناه وأبت
صورته وذكرياته مفارقة خيالنا؟ ألهذه الدرجة
شغلتنا الأعمال والحياة عن الاستمتاع بتلك
التفاصيل البسيطة هنا في بلدتنا مع أهلنا؟ "
لم يكن يفكر بمثالية زائفة ليقول إن العيش في
بلده أفضل من العيش في إيطاليا، تلك البلاد الساحرة
التي جمعت بين عراقة الأساطير والحداثة لكنه لا
يملك إلا الحنين لبلده بكل تفاصيله. يعشقه بحلوه
ومره مع أنه يعترف بعدم قدرته على العيش فيه وترك إيطاليا.
خطفه من أفكاره صوت فتاة تصرخ:
- كلا! لا تفعل هذا!
انطلق مهرولا نحو مصدر الصوت الذي انبعث من جهة
الساقية بقلب مضطرب وعقل يصور له مشهدا بشعًا عن
فتاة تتعرض لاعتداء من خسيس ما.
عادت صيحات الفتاة من جديد لتطرق سمعه،
يخالطها المرح هذه المرة ثم سمع منها كلمات تخللتها
ضحكة عالية:
- شرير! كم مرة قلت ألا تدفعني إلى الماء؟
تنفس الصعداء بعدما توترت أنفاسه ونبضاته خوفا ثم
انحنى وهو واقف على الجرف المرتفع للساقية لينظر
أخيرا إلى تلك المجنونة التي أفزعته خوفا عليها
بينما كانت هي تلهو مع مهر صغير.
انتقل إليها الفزع الذي عبّرت عنه بشهقة قوية حالما انتبهت لوجوده ورأته يحدق بها وابتسامة جذابة صافية على وجهه.
اتسعت عيناها وارتجفت شفتاها دهشة من وصوله
المبكر وخجلا من منظرها المزري الذي ناقض مظهره
الأنيق الجذاب.
هل تغطس في مياه الساقية لتختفي حتى يبتعد صوب المنزل؟ أم تخرج مسرعة لتهرب من أمامه بذلك المنظر المخزي وهي مبتلة من شعر رأسها حتى قدميها مع بعض بقع الوحل بالتأكيد؟
" لا يمكن أن يحدث هذا في أول لقاء لنا بعد كل
تلك السنوات! ماذا سيقول عني؟ مخبولة أم طفلة في
الثانية والعشرين؟ "
وبينما هي في خضم أفكارها، تقدم هو وسار يسارًا نحو الجزء المنخفض من الجرف ليتقدم منها والابتسامة لم تفارق وجهه ثم مدّ يده لها ليساعدها على الخروج من الساقية.
أحنت رأسها حالما رأته يتقدم وراحت دموع الخجل والحنق تتساقط من عينيها. ولولا قطرات الماء
التي اختلطت بها لرآها حين رفعت رأسها نحوه للحظة حين قال: - كيف حالك (سارة)؟
اقترب أكثر وهو يقول بمرح بعد صمتها:
- حسنا، لا تردي لكن هاتِ يدك لأساعدك كي لا تنزلقي أثناء خروجك من الساقية.
رفعت يدا مرتجفة - كقلبها الذي أحبه لسنوات - دون
أن تنظر في عينيه مباشرة وقلبها يقرع بعنف لتلك اللمسة المرتقبة من يده لكنه حين تقدم خطوة أخرى كان الانزلاق من نصيبه.
كاد قلبها أن يتوقف للحظات حين حدقت به وهو
جالس قربها في مياه الساقية وقد أطلق ضحكة عالية.
أيمكن أن تحبه الآن أكثر مما أحبته طيلة تلك
الأعوام التسعة منذ عرفت وهي ابنة الثالثة عشر، قبيل هجرته وعائلته أنها خطبت له منذ الطفولة؟
كان وعدا بالرعاية أكثر منه خطبة فقد أوصى
(عبد الله) والد سارة قبل موته بمرض عضال شقيقه الأكبر (صالح) بالعناية بها. وحينها خطبها عمها منه ووعده بأن تكون في كنفه وتحت حمايته إلى الأبد. وهل سيجد ابن العم أفضل من ابنة عمه زوجة تحمل اسمه وأمًا لأولاده؟
ما أكثر الزيجات التي تمت بتلك الطريقة في البلدات الصغيرة! أن يتفق الوالدان الشقيقان على
تزويج ولديهما حالما يكبران. وما أكثر الأحلام التي
تحطمت بسبب تلك الزيجات في نفوس من خطبوا وهم
ما يزالون في ريعان الطفولة لا يفقهون من الحياة
شيئا، دون أن يحسب آباؤهم حسابا لمشاعرهم التي قد تتغير حين يكبرون!
أما سارة ذات العواطف المتدفقة والحس المرهف، فقد زرعت تلك الخطبة المبكرة في قلبها أملا وحبا كبيرا لابن عم لم تره منذ كانت صبية.    
بعد وفاة والدها، عاشت سارة ووالدتها في بيت خالها
عبد الحميد في مركز العاصمة. وفي ذلك المنزل، وجدت ووالدتها المحبة من الجميع ووجدت في (زينب) أصغر بنات خالها خير رفيقة.
ذلك الانتقال سبب بعدها عن عمها وعائلته لكنهم لم ينقطعوا عن تبادل الزيارات، ولم ينفك عمها يرعى شؤونها وكأنها ابنته لكن فرصة العمل التي وفرها لصالح شقيق زوجته في إيطاليا كانت مغرية جدا
ولا تعوض فاضطر للهجرة وعائلته إلى هناك لبدء
حياة جديدة رغيدة، على وعد منه بإتمام زواج سارة من ولده حين يكبر الاثنان. وها هو يفي بوعده بعدما أنهت سارة دراستها الجامعية.
كانت سارة تشعر بالفخر كلما ذكر أحد أو ذكرت هي لأحد أنها مخطوبة لابن الحاج صالح، وكأنها أكثر الفتيات حظا في الدنيا!
وقبل أسبوعين من الآن، شعرت أن منزل خالها الواسع يضيق بفرحتها حين أخبرتها أمها أن عمها وزوجته وولديه قادمون لعقد قرانها على خطيبها وإقامة حفل في البلدة وسط أقاربهم وأبناء أعمامهم، وتحديدا في هذه المزرعة التي طالما قضى فيها صالح وعبد
الحميد وعبد الله والد سارة مع عوائلهم أجمل
الأوقات.
قاطع ذكرياتها صوت صهيل مهرها ليذكرها
بمنظرها فأسرعت بالخروج من الساقية وهي تهمس بخجل: - سأخبر خالي بقدومك.
انطلقت مسرعة نحو المنزل الذي يتوسط المزرعة فابتسم وهو يهز رأسه ويتابعها بنظراته.
" ما تزال خجولة ومتهورة في الوقت ذاته، وما تزال تملك تلك الضحكة التي تجعلني أبتسم حتى لو كنت غاضبًا. ما اختلف أنها صارت أجمل وأنحف قليلا عما كانت وهي صغيرة "
نهض وداعب عنق المهر وهو يقول بابتسامة ونظرة حنين: - وما تزال تعشق اللهو مع حيوانات المزرعة.
ثم خرج من الساقية وسار نحو حقيبته ليحملها
ويتجه إلى المنزل.
حالما لمحت سارة ابنة خالها زينب التي حضرت إلى
المزرعة أمس لتشارك في التحضير لعقد قرانها، جذبتها متجهة إلى غرفتها فسألتها زينب بامتعاض:
- ألن تكفي عن اللعب مع ذلك المهر الأخرق الذي
يوقعك كل مرة في الساقية فتعودين بهذا المنظر المزري؟ آه لو رأتك عمتي! لحسن حظك أنها خرجت ووالداي الى السوق.
تساءلت سارة بحرج: - كيف سنستقبل (عدي) إذن ونحن وحدنا في المنزل؟
فسألتها زينب بدهشة: - ماذا؟ أليس من المفترض أن يصلوا مساء الغد؟
تنهدت سارة بانزعاج لتقول:
- لقد جاء عدي وحده ورآني بهذه الحالة.
قالت زينب وهي تدفعها مسرعة نحو الغرفة:
- يا لحظك العاثر! في أول لقاء لكما بعد تلك
السنوات يراك بهذا الشكل!
عبست ثم قالت بهيام: - وآه لو رأيت أناقته وروعته وهو واقف يحدق بي وأنا هكذا!
ثم أطلقت ضحكتها الصافية التي لا تمل من إطلاقها كل حين وقالت مواسية نفسها:
- لكن ما خفف عني الحرج قليلا أنه انزلق هو الآخر ووقع في الساقية أثناء مساعدته لي على الخروج.
لم تعلم سارة حينها أنه تعمد الانزلاق كي يتساوى
منظرهما فيرفع عنها الحرج الذي شعر به يسيطر
عليها حتى أبكاها. فمع أن دموعها اختلطت بقطرات
الماء إلا أن اهتزاز كتفيها وشى له ببكائها، وهو
منذ صباه كان ضعيفا أمام رؤية دموعها وسماع صوت
بكائها. ربما بسبب حرمانها والدها وهي صغيرة وربما لأنه كان يحب رؤية غمازتيها المميزتين وسماع ضحكاتها البريئة صعبة الإحصاء.
قالت زينب بحماس وهما تدخلان الغرفة:
- أسرعي لتغتسلي وترتدي أجمل ثيابك ريثما أذهب لاستقباله وإرشاده لغرفته كي يغير ثيابه هو الآخر. يجب أن تبهريه بمظهرك بعد تلك المأساة التي رآها لحظة وصوله.
تنهدت سارة وهي تأخذ منشفتها: - لا تذكريني!
دخلت سارة الصالة وقلبها يخفق اضطرابا وشوقا
لرؤيته من جديد، مرتدية فستانا أصفرا جميلا تناسق مع بشرتها القمحية واللون الأخضر للعدسات اللاصقة
التي وضعتها في عينيها واللون الكستنائي الفاتح الذي صبغت به شعرها قبل يومين.
لم تكن باهرة الجمال لكنها جميلة. تملك عينين
واسعتين ووجه محبوب يعكس صفاء روح صاحبته
وغمازتين عميقتين تزيدان ابتسامتها جمالا لكنها أرادت أن تبدو أجمل في نظره خاصة وأنه اعتاد رؤية الإيطاليات الشقراوات. لذا أضافت تلك الشقرة المصطنعة على مظهرها.
حالما رآها، ابتسم لا إراديا وهو يتذكر جلوسهما في مياه الساقية فكتمت ابتسامتها وجلست قرب زينب وهي تفكر " ما أروعه وأوسمه! رباه! أخشى أن
أحسده. لن أطيل النظر إليه "
لكن وعدها ذاك تبخر حين حدقت به في اللحظة التالية بعدما خفض بصره فشوقها له كبير جدا.
قالت زينب وهي تنهض:
- لن يتأخر والداي وعمتي في السوق كثيرا. سأجهز الغداء ريثما يصلون.
كانت صامتة، مضطربة النبضات، محمرة الوجنتين لتواجدهما وحيدين فتساءل بمكر وهو يذكر تلك الطفلة المشاغبة المحبة للمرح:
- كأنك تغيرتِ وصرت أهدأ حين كبرتِ؟
حدقت به للحظة وقد زاد وجهها احمرارا فانتبه
للعدسات اللاصقة التي كانت تضعها فقال مازحا ليخفف من ارتباكها:
- يبدو أن لون عينيك قد تغير هو الآخر خلال
تلك السنوات مع أن لونهما كان أجمل.
نظرت صوبه لتؤخذ بابتسامته فأسرعت بالنهوض
متجهة الى المطبخ وهي تفكر بسرور " لم يرق له وضعي للعدسات. يريدني كما أنا "
ثم أخرجت العدسات اللاصقة من عينيها على الفور.
حال وصول سناء والدة سارة وعبد الحميد وزوجته
انهمكت النساء بعمل المطبخ وحالما انتهين من إعداد الغداء، قالت (بتول) زوجة عبد الحميد:
- اذهبي يا سارة لتنادي ابن عمك كي يتناول الغداء.
رمقتها سناء مؤنبة وحدجت سارة بنظرة تعني ألا تذهب فهمست بتول:
- لن يفعل لها شيئا. إنه ابن عمها وخطيبها فاهدئي.
همست سناء بتوتر:
- ألا يكفي أنه وصل وهي وحيدة في المنزل؟
تنهدت بتول وهمست ساخرة:
- وتلك الكائن المسماة ابنتي، ألم تكن معهما؟
ثم استدارت نحو سارة لتقول: - اذهبي يا ابنتي.
قالت سناء بينما تحركت سارة:
- نادِهِ من خلف الباب. أعني.. نادِهِ بسرعة كي تسرعي أنت بتغيير ثيابك.
أومأت سارة إيجابًا وهزت بتول رأسها بيأس.
سمع طرقات على باب الغرفة وصوت سارة وهي تقول:
- الغداء جاهز.
كان يقف قرب الباب ففتحه ليقول: - سأنزل حالا.
احمر وجهها اضطرابا وخجلا وهي تنظر إلى بقعة
الحساء الأحمر التي لطخت فستانها بينما كانت
تسكب الحساء في الصحن. موقفان سيئان في أول يوم يراها فيه. أولا سقوطها في الساقية والآن تلك البقعة الكبيرة التي لطخت ثوبها. لو كانت تعلم أنه سيفتح الباب ويراها لغيرت ثوبها قبل أن تناديه.
نظر إليها مباشرة متجنبا النظر لتلك البقعة التي
لاحظها وعرف أنها سبب حرجها، متظاهرا بعدم رؤيته للبقعة: - أريد الخروج عصرا لشراء شريحة هاتف ورؤية البلدة فأنا في شوق لها.
شعرت ببعض الارتياح وأمسكت فستانها بطريقة أخفت بها البقعة.
- الطريق طويلة وتحتاج الذهاب بالسيارة.
تذكر بعد المزرعة عن سوق البلدة فسألها:
- هل هناك مكان أستأجر منه سيارة كي أتنقل
فيها كلما أردت؟
هزت رأسها نفيا وهي تقول: - كلا. لكن يمكنني
إيصالك بالسيارة فأنت لا تعرف الطريق على كل حال.
استدركت نادمة على تهورها:
- أعني.. سأسأل أمي إن سمحت لي.
على قدر ما كانت سارة خجولة لكنها تتصرف بعفوية مع المقربين منها. وهل هناك أقرب منه لقلبها
سوى أمها؟
أومأ مبتسما من اندفاعها في تقديم العرض ثم قلقها من ردة فعل والدتها. تقدم نحو السلم علها ترحم ذلك الفستان الذي كادت تمزقه وهي تحاول إخفاء
بقعة الحساء وهو يقول:
- لا أظن أن خالتي تمانع فأنا ابن عمك، لو تذكرين.
ارتاح حين سمع صوت ضحكة خافتة أطلقتها ثم نزل إلى الصالة فأسرعت إلى غرفتها وهي تحمد الله أنه لم ينتبه لاتساخ ثوبها.
حانت منه نظرة نحوها. منذ متى لم يقابل فتاة بهذا
الخجل والبراءة؟ منذ متى لم يتعرف على فتاة تحمل عبق بلده وثقافته وتقاليده؟
على مائدة الغداء، كانت سارة آخر الجالسين فقد تأخرت قليلا في تغيير ثيابها والاستعداد.
لاحظت توترا خفيفا على وجه زينب لكنها انشغلت في اللحظة التالية بالنظر خلسة نحو من كان مشغولا بالحديث مع خالها عن أحوال عائلته لتصاب
بالدهشة وهي تسمع خالها يقول له:
- اشتقنا لكم كثيرا يا (عليّ) خلال تلك السنوات.
من ملامحها ونظرات عينيها الضائعة والمحدقة به، عرف عليّ أنها ظنته عدي خطيبها.

نهاية الفصل الأول

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 8:40 pm



الفصل الثاني
أصيبت سارة بالدهشة وهي تسمع خالها يقول له:
- اشتقنا لكم كثيرا يا (عليّ) خلال تلك السنوات.
من ملامحها ونظرات عينيها الضائعة والمحدقة به، عرف عليّ أنها ظنته عدي خطيبها.
" لهذا كانت مضطربة وخجولة جدا حين التقينا عند البركة وقبل قليل عند باب الغرفة. كيف حدث هذا؟ صحيح أنني وعدي توأمان لكن الفرق بيننا واضح. يا الله! كل تلك الفترة وهي تظنني عدي! وأنا الذي استغربت نظرات الخجل والحب في عينيها نحوي وظننت نفسي واهمًا "
نظرت سارة لزينب التي لم تكن أقل دهشة منها فهي
الأخرى ظنته عدي من خلال تلك الصور وعرفت
الحقيقة قبلها بقليل حين قدم عليّ نفسه لهم.
بعد سفر صالح وانشغاله وعائلته بتأسيس حياة جديدة في إيطاليا، لم تكن تصل منهم سوى أخبار قليلة عبر الرسائل الشهرية التي كانوا يرسلونها بالبريد.
ولم يكن تواصلهم مستمرا وسهلا حتى دخول تقنية الشبكة العنكبوتية إلى البلاد العربية وانتشارها في المنازل بعدما كانت مقتصرة على مقاهي خاصة بالإنترنت.
حينها أسرعت سارة بالسؤال عن كيفية إنشاء بريد
إلكتروني بعدما سمعت أنه يتيح الاتصال الصوتي
والصوري مع من ترغب في أي مكان في العالم.
أنشأت بريدا خاصا بها واشترت حاسوبا. والأهم أنها
كتبت بريدها الإلكتروني في الرسالة التي
أرسلتها لعمها بالبريد كي يتواصلوا معا من خلاله.
أول صورة وصلتها من بريد عمها الإلكتروني، جمعت
أفراد العائلة ولم يوضح لها عمها أيُّ التوأمين عدي ولم
تكن هي لتسأل. ليست ابنة سناء من تفعل هذا فقد ربتها والدتها على الحياء والحذر في التصرفات وحساب كل شيء قبل فعله فيما يتعلق بسمعة الفتاة. وما دام عدي خطيبها فقد رأت مع كل فضولها إنه من العيب أن تسأل عمن يكون بين التوأمين.
يومها أسرعت بمناداة والدتها لبدء أول محادثة نصية مع عمها وزوجته. وكانت هي من تكتب كلام والدتها وسلامها الحار لجميع أفراد عائلة صالح.
نهضت والدتها لتنام تاركة إياها وزينب أمام شاشة
الحاسوب الذي كانتا قليلا ما تفارقانه.
حدقت سارة وزينب بتلك الصورة على شاشة الحاسوب وقالت زينب بامتعاض:
- ألم يكن عمك أو زوجته قادرين على توضيح الأمر
كي يرحمانا من هذه الحيرة؟
تنهدت سارة بانزعاج فسألتها زينب بمرح لتخفف من ضجرها: - تخيلي ردّ فعل عمتي سناء لو كتبت لعمك تسألينه عمن يكون عدي بين الاثنين.
في الحال أطلقت سارة ضحكة ثم أجابت:
- لكان الحاسوب تحول الى قطع فوق رأسي.
ضحكت زينب ثم سألتها بجدية:
- بماذا يخبرك قلبك؟ أيهما عدي؟ الذي يرتدي
القميص الرمادي ذو الوجه المدور أم النحيف صاحب
اللحية الذي يرتدي السترة؟
كان سؤالا صعبا فقد تغيرت ملامحهما كثيرا خلال
السنوات السبع التي مرت دون أن تراهما أو ترى صورة
لهما. وكانت تلك السنوات كفيلة بمحو الكثير من
تفاصيل وجه عدي وعليّ من ذاكرتها.
لحظات مرت وهي تحدق بالشابين الواقفين خلف عمها وزوجته في الصورة لتقول بعدها بابتسامة دون أن ترفع عينيها عن وجه عليّ:
- أظنه النحيف ذو اللحية. ابتسامته صافية ونظراته
حانية.
قطبت زينب جبينها وهي تتساءل ساخرة:
- هل حللت نظراته وابتسامته من خلال الصورة؟
رفعت سارة كتفيها وهي تجيب:
- لا أعرف، لكنني أشعر أن هذا هو حبيبي.
تساءلت زينب بمكر:
- وماذا لو كنت مخطئة؟ وكان الآخر هو عدي؟
دفعتها لتنهض وهي تقول ممتعضة ورافضة التفكير في الاحتمال الذي طرحته زينب:
- اخرسي وهيا لننام فقد تأخر الوقت ولدينا محاضرات غدا في الكلية في وقت مبكر.
تلك الليلة، نامت سارة وخيالها يحفظ ملامح عليّ الذي ظنته عدي في تلك الصورة وتساءلت بقلق إن كان سيعجب بها حين يرى صورتها التي بعثتها لهم وهي تقف بجانب والدتها وخالها في المزرعة.
وخلال العامين الماضيين، كانت الصور القليلة التي
بعثتها زوجة عمها (عبير) عبر الهاتف المحمول بعد ظهور برامج الاتصال في الأجهزة الذكية على
نفس شاكلة تلك الصورة الأولى، تجمع عمها وزوجته وعدي وعليّ. وبعضها ضمّ بنات عمها أيضا في إحدى زياراتهن لبيت عمها.
وكانت أيضا دون توضيح لمن يكون عدي بين التوأمين. فالذي يلازم شخصا ويراه باستمرار لا يدرك مدى تغير ملامحه. لذا لم ينتبه عمها أو زوجته لذلك الأمر. وعلى ذلك الأساس، ظلت سارة تحدق في وجه عليّ في كل صورة ترسل وقلبها يؤكد لها أنه حبيبها..
لم ترفع سارة بصرها نحو عليّ حين بدأ الحديث موضحا سبب قدومه المبكر:
- لقد تعرضت والدتي لوعكة صحية لذا اضطرت
ووالدي وعدي لتأجيل القدوم إلى هنا حتى
تتحسن. عدي متعلق بوالدتي ويخاف عليها كثيرا لذا لم يستطع تركها والمجيء.
أومأ عبد الحميد برأسه متفهما فالكل يذكر أن عدي كان متعلقا بوالدته كثيرا ويميل لها بينما عليّ كان يميل لوالده.
انتاب القلق سناء وشعرت أن مرض عبير حجة لتأجيل أو عرقلة عقد القران لا أكثر، فهي لم تظهر يوما ترحيبا بخطبة ابنها وسارة. وهي تشعر أن سارة مفروضة على ولدها. وعادت ذاكرتها الى اليوم الذي أعطى فيه صالح ذلك الوعد لعبد الله والد سارة..
- ما يقلقني هو تركي لسارة. سناء امرأة ناضجة ولا أشعر بالقلق عليها بوجود أخيها عبد الحميد. أما سارة فما تزال كزهرة صغيرة تفتحت لتوها.
قالت سناء بصوت تخنقه غصة البكاء:
- كفّ عن هذا الكلام! ستتحسن وتربي سارة بنفسك. لن تتركنا يا عبد الله.
لكنها كانت تعرف كالجميع أن أيام عبد الله زوجها في الدنيا معدودة.
ربت صالح على كفّ شقيقه وهو يقول معاتبًا:
- أطال الله عمرك يا غالي. أتخشى على سارة من الزمن وأنا موجود؟ إنها ابنتي كما هي ابنتك. وحين تكبر ستعيش في بيتي كزوجة لأحد ولديّ.
رمقته عبير وملامح الصدمة على وجهها وهي تقول:
- وهل هذا وقته يا صالح؟ الأولاد ما زالوا أطفالا.
رمقها صالح بامتعاض وهو يقول مؤكدا قوله:
- الصغير يكبر يا أم الأولاد. ولن يجد ولدك
أفضل من ابنة عمه ليتزوجها؟
قالت عبير معترضة: - لم أقل شيئا، لكنهم أطفال.
أشار بيده لعبير كي تصمت وفي عينيه نظرة حازمة ثم استدار نحو عبد الله ليقول:
- فلتقر عينك يا أخي ولا تخف على ابنتنا من شيء.
رحل عبد الله بعدها بأيام. ومن وقتها صارت سارة خطيبة أحد ولدي صالح. ولم يختر صالح ولده عدي كخطيب لسارة حتى قرر الهجرة الى إيطاليا..
كانت سارة أيضا تفكر بذلك اليوم وقد نسيت الطعام الموجود امامها. في ذلك اليوم سمعتهم سارة وهم يتحدثون في بيت عمها حين كانت والدتها وخالها يودعان عمها وعائلته قبل هجرتهم، حيث قال عمها لوالدتها:
- لن يتغير شيء بهجرتنا يا أم سارة. حين تكمل سارة
دراستها، يكون عديّ قد استعد للزواج وتكوين
عائلة. وعندها سنأتي لنتم زواجهما.
خفق قلبها واشتعلت وجنتاها خجلا وهي تفكر بأنها صارت تخص عدي. صحيح أنه كان في صغره يشاكسها احيانًا لكنها تراه شابًا لطيفا ووسيما.
لم تكن تلك المعلومة لترضي فضولها لذا جعلت زينب تسأل والدتها عن الأمر، على أساس أنها هي من سمعت الحديث لا سارة.
خاطب عبد الحميد عليّ ليأخذ سناء وسارة من ذكرياتهما:
- لماذا لم تتصلوا بنا وتخبرونا عن الأمر بدل أن تكلف نفسك عناء المجيء يا ولدي؟
ابتسم عليّ وهو يسأله: - ألم تشتق لي يا عمي؟
ردّ عبد الحميد بسرعة:
- كيف تقول هذا يا ولدي؟ إنما قصدت ألا تتعب
نفسك، فلا بد أن لديك الكثير من الاعمال التي تركتها وراءك. عالم التجارة لا يرحم ولا يترك للشخص وقتا للراحة.
ردّ عليّ مؤكدا:
- أبي وعدي يتوليان الأعمال هناك ريثما يأتيان وأمي
إلى هنا. ولن يطول ذلك إن شاء الله. أنا ممتن لعدي لأنه منحني فرصة البقاء هنا فترة أطول فقد اشتقت لكم وللبلدة كثيرا. كما أن أبي أصر أن أحضر بنفسي لأعتذر لكم عن التأخير في موعد قدومهم.
شعور غريب انتاب سارة وهي تسمع اسم عدي
بصفة ضمير الغائب ممن ظنته هو لسنتين. وبدأت منذ تلك اللحظة بعمل ما يشبه استعادة ضبط المصنع في الهواتف المحمولة لذاكرتها بأن تمحو ارتباط الرابط بين اسم عدي وصورة عليّ.
بعدما نهض الجميع عن المائدة، همست (بتول) زوجة عبد الحميد لسناء: - ما معنى هذا؟ ألم تجد وقتا تتوعك فيه إلا الآن؟
تنهدت سناء بحزن وهي ترمق ابنتها المنشغلة بأفكارها المشوشة ثم همست:
- لم ترغب (عبير) يوما بتلك الخطبة كما تعرفين.
قالت بتول تطمئنها: - لا تهتمي لها فالحاج صالح ينتظر إتمام زواج سارة وعدي على أحر من الجمر.
قالت زينب وهي ترفع الصحون عن المائدة:
- سأتصل بزوجي اليوم كي يعيدني الى البيت فلا
داعي لوجودي ما دام مجيء عمي صالح تأجل. سأعود
الى هنا عند قدومهم.
قالت سارة بانزعاج: - تتعجلين العودة لزوجك.
همست زينب بمكر:
- طبعا! وهو أيضا لا يقوى على فراقي.
حين دخل عليّ الغرفة، أجرى اتصالا مع والده. سأله
صالح عن رحلته وعن حال عبد الحميد وعائلته وسناء
وسارة ثم سأله بسرور:
- كيف رأيت خطيبة أخيك يا عليّ. أليست جميلة
وطيبة؟ لا بد أن سناء كريمة الخلق زرعت فيها أخلاقنا وعاداتنا الأصيلة.
ذكره كلام والده بسبب عدم زواجه إلى الآن.
فهو لم يجد من يرى فيها جذوره وأصالة وعادات بلده.
لقد التقى بعض الفتيات المغتربات من نفس جنسيته
ممن رشحتهن له والدته للزواج، إلا أنهن كن متأثرات
بالمجتمع الغربي الذي عشن فيه، إما بالملبس أو
العادات. والأسوأ بينهن بالنسبة له من كنّ يحملن الولاء لبلد المهجر أكثر من بلدهن.
وبعد عدة محاولات فاشلة لاختيار عروس له من قبل
والدته، أعلمها أن تكف عن البحث. وأنه لن يرتبط إلا
بمن يجد فيها ما يريد من صفات وسيجدها بنفسه.
أخذه صوت والده من أفكاره وهو يقول:
- هل تسمعني يا عليّ أم أن الخط انقطع؟
- أسمعك يا أبي.
عاد صالح للسؤال: - إذن كيف وجدت سارة؟ تعلم
أني أثق في نظرتك للناس.
ابتسم وهو يجيب: - ما تزال بريئة وكثيرة التبسّم
كما كانت في صغرها.
بينما جلس الجميع لتناول الشاي في فناء المنزل
الخارجي في ذلك الجو المعتدل، وجه عليّ كلامه
لعبد الحميد وقد حانت نظرة منه نحو سارة متذكرا
ارتباكها بسبب دعوتها المتسرعة له بأخذه في جولة
الى سوق البلدة:
- أريد الذهاب إلى سوق البلدة يا عمي، لأشتري شريحة هاتف وأرى ايضا السوق وما تغير فيه خلال كل تلك السنوات.
التقت نظراته بنظرات سارة فابتسم ثم التفت نحو
عبد الحميد الذي قال: - اشتقت للبلدة كثيرا؟
ابتسم عليّ وقد اكتست نظراته بالحزن وهو يتذكر ما عاناه خلال السنوات الأولى من الغربة حتى تأقلم مع العيش خارج بلده.
- لم أكف وأبي عن الحنين لكل البلد، ولهذه البلدة العزيزة تحديدا لكن العمل سرق منا تلك السنوات ولم نستطع المجيء إلى هنا حتى في زيارة قصيرة.
علق عبد الحميد:
- أعانكما الله يا ولدي. فلتأخذك سارة غدا صباحًا
الى السوق فأنا تقاعدت من قيادة السيارة منذ حصلت سارة على رخصة القيادة وأوكلت المهمة لها.
استدار علي ّنحو سارة ثم سناء وقال بابتسامة:
- إن وافقت خالتي سناء.
ابتسمت سارة في وجهه لأول مرة بعد زوال بعض من آثار صدمتها بكونه عليّ لا عدي بينما قالت سناء:
- ولما أمانع يا ولدي؟ أنت ابن عمها وبمقام أخيها، ولطالما كنت حريصا عليها منذ صغركما.
تناولت سناء هاتفها بينما كانت جالسة مع الجميع في الخارج الى مائدة العشاء لتجيب على اتصال الحاج صالح الذي استطاع التخفيف من غضبها لعدم مجيئهم
فقد اعتذر لها أكثر من مرة لتأجيله وعبير وعدي
قدومهم.
- لا بأس يا حاج. ستأتون في كل الأحوال. المهم أن
تتحسن عبير. أبلغها سلامي وتمنياتي لها بالشفاء.
قال صالح وهو يراقب زوجته العابسة ضجرا
لتكراره الاعتذار لسناء:
- سلمت يا زوجة الغالي. أين سارة؟ أريد محادثتها.
مدت سناء يدها بالهاتف لسارة.
- يريد عمك محادثتك.
تناولت سارة الهاتف وتحدثت الى عمها. وبعد تبادل
السلام والسؤال، قال لها صالح مازحا:
- سنأتي قريبا فاستعدي لتوديع أهلك. سنأخذك منهم حال عقد قرانك وعدي فقد فارقتك كثيرا
يا غالية.
احمر وجهها واضطربت نظراتها وهي ترمق من حولها
وكأنهم سمعوا كلام عمها فتأملها عليّ للحظات وهو
يفكر " منذ متى لم أرَ فتاة تخجل حتى يصطبغ وجهها
بالأحمر؟ ترى ماذا قال لها أبي لتخجل هكذا؟ أم
أنه أعطى الهاتف لعدي كي يكلمها فخجلت؟ "
صباحا حين مرت سارة وعليّ قرب الساقية وهما في
طريقهما الى السيارة، عادت لذاكرتهما أحداث أمس فخجلت وأخفى ابتسامته.
تركا السيارة عند بداية السوق بسبب الزحام وأكملا طريقهما سيرا. كان عليّ يطالع المحال الكثيرة والأبنية التي جعلت السوق يتوسع بشكل كبير خلال كل تلك السنوات.
- كم تغير المكان، وكم غبت عنه!
سألته مستغربة: - أبعد كل تلك السنوات، ما زالت
الغربة تؤلمك لهذه الدرجة؟
رفع كتفيه مستسلمًا:
- الغربة شعور مؤلم ولا يمكن التخلص منه بسهولة.
قالت ساخرة رغم قلقها: - شكرا لأنك طمأنتني.
انتبه لحقيقة أنها ستعيش معهم في إيطاليا هي الأخرى بعد فترة قصيرة فابتسم وهو يقول:
- لا تقلقي. ستعتادين. سنكون معك ونخفف عنك.
رفعت حاجبيها تسأله: - مثلما اعتدت أنت؟
أومأ برأسه أن يسيرا لينهي الحديث قائلا:
- دعينا الآن من هذا ولنكمل جولتنا.
سألها بمرح حين مرا قرب حلوى القطن:
- أما زلت تحبينها؟
قالت بحماس واستغراب: - جدًا! لكنني اخجل من شرائها. ما زلت تذكر أني أحبها.
تساءل مستغربا وهو يتقدم نحو العربة:
- وهل في أكل الحلوى عيب أو له عمر محدد؟
ابتسمت بسرور وهي تراقبه يشتري لها الحلوى ثم يقدمها لها. شكرته وهي تتذكر حين كان يشتريها
لها وهي صغيرة دون علم والدتها لأنها تخشى على
أسنانها من التسوس.
أخذت الحلوى منه وهي تقول: - شكرا. سآكلها في
السيارة.
قال بمرح: - إذن سأقود أنا كي تنهيها قبل وصولنا الى
البيت وإلا رأتك خالتي ووبختنا معا.
سألته بفضول سؤالا غاب عنها وهي صغيرة:
- بالمناسبة، لماذا كنت تتحمل توبيخ والدتي وتشتري الحلوى لي كلما طلبتها؟
أجاب بابتسامة دافئة ونظرة حنين:
- لأني لم أكن أتحمل رؤية الحزن على وجهك.
لم تظن سارة أن عليّ يملك تلك الروح المرحة التي
تشابه طبيعتها. إنه حتى لم يدع لها المجال للشعور
بالارتباك بوجوده وتذكر سوء فهمها باعتقاد أنه عدي.

طرح عليّ على سارة سؤالا أوجع قلب الجميع وذكرهم
بمفارقتهم لها قريبا: - هل تملكين جواز سفر؟
هزت رأسها نفيا فقال: - يجب أن تستخرجي واحدا بسرعة كي نقدم لك طلب تأشيرة دخول الى إيطاليا بعد عقد قرانكما أنت وعدي.
أومأت برأسها وقد اضطربت نظراتها حماسًا لتلك
اللحظة، حين تصبح ملك حبيبها شرعا وقانونا.
قال عبد الحميد لسارة بامتعاض:
- سيكون أمامنا أيامًا شاقة لإتمام معاملة استخراج
جواز سفرك.
اقترح عليّ: - فلأذهب أنا بدلا عنك يا عمي ما دام الأمر صعب عليك.
رحب عبد الحميد بالفكرة: - إذن تسدي لي معروفا فأنا أكره مراجعة المؤسسات الحكومية.
وقت طويل قضته سارة وعليّ في انتظار اكتمال معاملتها ومرورها على الموظفين في دائرة الجوازات.
شرب عليّ الماء ثم مسح جبينه المتصبب عرقا بسبب
حرارة الجو فسألته سارة مازحة وهي تناوله زجاجة
عصير: - هل ندمت على مجيئك معي بدل خالي وتحمل هذه المعاناة؟
سألها ساخرا: - الوضع ممتاز. عن اي معاناة تتحدثين؟
ابتسامة عريضة جعلت غمازتيها تتعمقان كثيرا
لتذكراه بمراهقته وطفولتها حين كان يمازحها بالقول أنه مستعد لشراء غمازتيها.
قاطعت ذكرياته بالقول مازحة:
- أتحدث عن الانتظار واقفا تحت أشعة الشمس القوية التي جعلتك تتصبب عرقا أيها الإيطالي الذي لم يعتد الحر.
أطلق ضحكة قبل أن يقول وهو يضيق عينيه:
- لست بأفضل حالا مني فقد احمر وجهك بسبب أشعة الشمس يا ابنة البلد المعتادة على الحر.
أشاحت وجهها وهي تبتسم وترمقه بنظرة جانبية.
كم مرت الأيام العشر التي قضاها عليّ في المزرعة
سريعا! وكم توطت علاقته بسارة وبالجميع خلالها.
كيف لا وهو يتمتع بصفات وأخلاق تجعل الجميع
يحبه ويحترمه؟
خرج عليّ صباحا للسير في المزرعة فلمح سارة تداعب
ذلك المهر الصغير وهي تهمس له. اقترب وألقى التحية ثم داعب عنق المهر وهو يسألها:
- هل تعلمت ركوب الخيل؟
- نعم. علمني خالي أثناء زياراتنا للمزرعة.
اقترب من أحد الخيول وهو يقول:
- يجب أن نقيم سباقا حين يأتي عدي ونجتمع.
أومأت وقد توترت بذكر عدي واتسعت ابتسامتها وهي تقول: - كنتما تتسابقان كثيرا.
- وما زلنا. كل عطلة نهاية الأسبوع نذهب الى نادي
الفروسية لنتسابق هناك أو نشاهد سباقات منظمة
للخيول.
كان في خاطرها الكثير من الأسئلة عن عدي
وتمنت لو كان بإمكانها طرحها على عليّ. وكي
تستدرجه في الكلام بشكل غير مباشر تساءلت:
- كيف هي حياتكم في إيطاليا؟
- إنها بلد ساحر، لا تشعرين فيه بالملل. بالنسبة لي، فاتني الكثير من المهرجانات الترفيهية التي تقام هناك بسبب انشغالي بالعمل لكن عدي لم يفوت شيئا منها. كما انه صار يعرف البلد كأهله لكثرة تجواله فيه.
تساءلت مستغربة بقلق " يبدو أن عدي بعيد عن
أعمال عمي وعليّ. لكن لماذا تقع مسؤولية العمل على عليّ فقط مع أن عدي درس أحد اختصاصات التجارة؟ "
في أحد الأحياء الراقية في ميلانو، ترك صالح حاسوبه جانبا ليقول لعبير:
- سنسافر بعد يومين. لقد أكدت الحجز.
اعترضت عبير: - وتخبرني الآن؟ لدي الكثير من الأمور التي أود القيام بها قبل السفر!
قال بلا مبالاة: - إذن ابدئي بها منذ الآن كي تتميها قبل أن نسافر. لا شيء أهم من استعداد عدي للسفر.
زفرت بحنق مغتاظة من طباع زوجها التي لم ولن تتغير فطالما وضعها أمام الأمر الواقع ونفذ ما في رأسه دون حساب لأي أحد.
نهضت فقال صالح وعلى وجهه ابتسامة مشاكسة:
- سنسافر في كل الأحوال فلا تبحثي عن حجة لتأجيل السفر.
رمقته بامتعاض وأسرعت بالخروج من الصالة.

حين سمعت سارة صوت السيارة تقترب من المنزل،
أسرعت الى المرآة المعلقة عند مدخل المنزل لتلقي
نظرة أخيرة على نفسها وتستعد لاستقبال حبيب العمر.
دخل عبد الحميد وعليّ حيث ذهبا لإحضارهم من
المطار ثم دخل خلفهما عمها وعبير زوجته وهو.. حلم المراهقة والشباب، وعد عمرها وقدره.
كم ودّت حين لمحته لو استطاعت إمساك قلبها علّ نبضاته تهدأ قليلا!
تقدمت نحو عمها وسط ترحيب أهلها به وبعائلته.
ضمها بقوة وحنان ودمعت عيناه وهو يربت على ظهرها
ويقول: - كم اشتقت إليك يا صغيرتي!
وكم اشتاقت هي لحضن عمها الذي طالما أشعرها بأنها إحدى بناته وحاول تعويضها عن فقدها لوالدها.
دقيقة مرت قبل أن تمسح سارة دموعها وتعانق عبير وهي تقول:
- حمدا لله على سلامتك خالتي. كيف حالك؟
ردت عبير وهي بالكاد تبتسم: - بخير. سلمت.
أخيرا استدار عدي نحوها وعلى وجهه ابتسامة ثم قال لها: - مرحبا.
أومأت وخرج صوتها مضطربا: - أهلا.

نهاية الفصل الثاني

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 8:43 pm



الفصل الثالث
أخيرا استدار عدي نحوها وعلى وجهه ابتسامة ثم قال لها: - مرحبا.
أومأت وخرج صوتها مضطربا: - أهلا.
جلست سارة قرب عمها يقابلهما عبير محاطة بولديها التوأمين. قال صالح وهو يشد على يد سارة:
- كم اشتقت لكم جميعا ولهذه البلدة ولأيامنا في
المزرعة. وكم أنا نادم على عدم مجيئي لزيارتكم.
علق عبد الحميد بابتسامة:
- وكم يشبهك عليّ فقد قال كلاما مشابهًا لكلامك وبدت في عينيه نفس نظراتك هذه.
قالت عبير بابتسامة باردة:
- بعد كل تلك الأعوام من العيش المريح في
ميلانو، ما زال يرجو العودة يوما الى هنا. ولا ينفك يذكر سنواته في البلدة.
قالت بتول بابتسامة ودودة لا تعكس انزعاجها من
تكلف عبير: - المرء يحن لأصله دومًا يا أم عديّ.
لكزتها سناء، تلومها على بدئها المشاحنة مبكرا مع عبير التي لم تتفق معها يوما.
قال عديّ موجها الكلام لعليّ:
- لم اظن أني سأشتاق لك هكذا. أول مرة يطول فراقنا ما يقارب الأسبوعين.
قال عليّ مازحا وهو يهز رأسه نفيا:
- أنا لم أشتق لك فقد كنت مشغولا بالتجول في
المزرعة والبلدة واكتشاف ما تغير فيها وفي البلد.
حتى أني خضت تجربة شيقة في دوائر الدولة
الرسمية. كانت تجربة لطفية!
رمق سارة بنظرة مكر فابتسمت بقوة متذكرة اليومين الذين قضياهما في إكمال معاملة استخراج جواز سفرها واليوم الثالث في استلامه.
أومأت سارة برأسها وقد اتسعت ابتسامتها من جملته
الأخيرة الساخرة بينما كانت عبير تراقبهما باهتمام.
بعد ما يقارب نصف ساعة، قالت بتول لسارة:
- اصعدي لتري عمك وعمتك عبير غرفتهما. لا بد أنهما متعبان من السفر.
نهضت ونهض عدي وهو يقول: - وأنا أيضا أريد أن أرتاح.
قال عليّ: - ستقيم معي في نفس الغرفة.
صعد الثلاثة الى الطابق العلوي ثم فتحت سارة أول غرفة وهي تقول: - أرجو أن ترتاحا فيها. وإن
احتجتما لشيء فنادياني.
- سلمت يا ابنتي.
قالها عمها ودخل وعبير الغرفة لتسير بعدها بخطى
مضطربة وقلب خافق والى يسارها عدي نحو الغرفة الأخرى في آخر الممر.
- تفضل.
قالتها سارة بارتباك فأومأ عديّ ودخل وعلى وجهه ابتسامة.
نزل عبد الحميد وعبير مساءً يحملان الهدايا التي كلف سكرتيرته باختيارها فقد رفضت عبير انتقاءها لهم كما كانت رافضة القدوم الى البلدة لعقد قران عدي وسارة.
فتحت سارة الصندوق الكبير لتجد فستان سهرة.
أخرجته لتنظر إليه فاتسعت عيناها وابتسامتها انبهارًا. عانقت عمها وهي تقول: - إنه رائع! شكرا لك.
- وهذه هدية خطيبك.
حانت منها نظرة خاطفة نحو عدي لتجد الاستغراب
مرسوم على وجهه وهو يرمق والده ثم العلبة.
- سلمت يداك.
قالتها لعدي بابتسامة عكست قلقها من ردّ فعله وهي تفتح العلبة المخملية الصغيرة لتجد سوارا رقيقا ذهبيا.
قال صالح وهو يناول عبير العلبة الثالثة:
- قدمي هديتك لكنتك يا عبير.
أومأت بابتسامة باردة وهي تقدم العلبة لسارة
لتتفاجأ مثلها حين فتحتها بطقم جميل من قلادة وحلق مصنوع من الذهب الأبيض والعقيق الأحمر.
ابتسمت سناء لصالح وعبير بامتنان وهي تشك أن عبير من اشترت الطقم لابنتها فقد بدا على وجهها أنها تراه لأول مرة. كما أن الامتعاض طغى على ملامحها فقد كان الطقم نفيسا جدا ولا بد أنها تفكر بأنه كثير على سارة.
قال صالح وهو يلامس شعر سارة بعدما أبدت لعبير
الشكر على تلك الهداية القيمة:
- هذه مجوهرات عقد قرانك. أما الخاتم فلتشتريه أنت وعدي كي يكون ملائما لقياسك. (وجه كلامه لعبير وسناء) فلتذهبا غدا الى المدينة مع الأولاد ليشتريا الخواتم.
عاد الخجل يلون وجنتي سارة وهي تخفض رأسها بينما وجّه عدي نحوها نظرات متفحصة.
بعد العشاء، ذهب عبد الحميد وصالح الى مقهى المدينة الشعبي فخرجت النسوة الى الفناء المحاط بالمزرعة وجلس عليّ وعدي قرب الساقية.
أخذت سارة طبقا من الفاكهة واتجهت نحوهما.
كان عدي يتكلم في الهاتف مع أحد أصدقائه باللغة الإيطالية وابتسامة ساحرة على وجهه جعلت دقات قلب سارة ترتفع بينما نهض عليّ ليأخذ منها الطبق وهو يقول:
- سلمت يداك. اجلسي معنا قليلا.
أومأت إيجابا وجلست أمامهما مستمتعة بصوت عدي وهو يتحدث بتلك اللغة الغريبة عليها.
رفعت رأسها لتلتقي نظراتها بنظرات عليّ فتذكر الاثنان أول لقاء لهما وسقوطهما في الساقية. ابتسم عليّ فلم تتمالك سارة نفسها من إطلاق ضحكة
خافتة جعلت عدي ينتبه بينما كان ينهي المكالمة.
- ما الذي يضحككما؟ أخبراني كي أشارككما الضحك.
هزت سارة رأسها نفيا وبدا القلق والخجل في نظراتها حين ظهرت نظرات المكر في عيني عليّ وهو يحرك شفتيه بسؤال (أخبره؟)
قطب عدي جبينه وهو يستغرب مرح شقيقه وعلاقته
التي بدت قوية بسارة نسبة للأيام القليلة التي
قضياها معًا، فعليّ دوما ما يأخذ وقتا حتى يوطد
علاقته بالآخرين. وحتى سارة بدت مرحة
ومنفتحة في علاقتها بعليّ بينما تضطرب وتصمت أمامه هو.
- ألن يخبرني أحدكما؟
تساءل عدي رافعا حاجبيه فقال عليّ وهو يبتسم من خوف سارة أن يخبر أخاه: - لنقل أنه سر بيننا. ربما تخبرك به سارة لاحقا بعد زواجكما.
ابتسم عدي بسخرية وهو يقول:
- أهو خطير لهذه الدرجة؟
خشيت سارة أن يقلق عدي أو ينزعج فقالت بسرعة:
- كلا! كان موقفا محرجا، حدث وانتهى.
رفع عدي حاجبيه بعدم اكتراث فخفضت سارة رأسها
وقد بدا الحزن على وجهها. نهض عليّ ليفسح لهما المجال للحديث وسار عائدا ليجالس والدته وسناء
وبتول.
سألت سارة متوجسة: - هل انزعجت؟
أجاب عدي بلا مبالاة: - كلا. لكنني أستغرب قوة
علاقتك وعليّ نسبة للمدة القليلة التي قضاها هنا.
سألته بقلق لتتجلى براءتها أمامه: - هل يزعجك هذا؟
ابتسم لتهدأ وهو يقول وقد قرر مشاكستها:
- كلا. لكنني أقارن تصرفاتك معه بتصرفاتك معي.
أجابت بتهور كما يحدث لها أحيانا حين تُستفَز:
- هو يختلف. هو ابن عمي لكن أنت..
لم تنطق الكلمة التي كانت سبب سعادتها لسنوات
فاستغرب عدي خجلها الذي رآه مبالغا به فنهض وسار مبتعدا لترمقه سارة بحزن وهي تفكر بأن خجلها
هذا ربما يكون غريبا عليه لأنه عاش في مجتمع غربي. لكن ليس بيدها حيلة فقد تربت حسب عادات محافظة وقوانين صارمة من والدتها.
عند الصائغ، جلس عدي بينما وقفت سارة ووالدتها
وعبير أمام علب الخواتم لتختار لنفسها خاتما. أخذت خاتما بسيطا فاعترضت عبير:
- لن يرضى عمك بهذا الخاتم فقد أوصاني أن تأخذي
شيئا ثمينا.
قالت سارة وغصة في قلبها لأن عدي لم يقف الى جانبها ويختار معها الخاتم:
- لا داعي يا عمتي. هذا يعجبني.
أصرت عبير وهي تأخذ خاتما من الذهب الأبيض:
- بالتأكيد لا تريدين إغضاب عمك. هيا جربي هذا. إنه يتناسب مع طقمك المرصع بالعقيق.
جربته وكان مناسبا لها فشكرت عبير وقررت أخذه.
التفتت سناء نحو عدي:
- لم تختر الخاتم مع عروسك، فتعال لتختار لنفسك
خاتما.
لمح عدي الحزن في نظرة سارة وبعض الاستياء من تصرفه في لهجة سناء فنهض وهو يبرر:
- أردت أن تختار بحرية فهي كثيرة الخجل أمامي.
أحنت سارة رأسها وكتمت ابتسامتها وهي تشعر بارتياح. إذن هو غاضب بسبب خجلها الشديد منه أمس.
همست حين وقف قربها بعدما جلست عبير وسناء:
- هل أعجبك الخاتم؟
ابتسم وقال هامسًا وهو يشعر بالذنب: - جميل جدا.
أحنت ر أسها خجلا ثم فكرت بأن عليها التخفيف من خجلها ما دام يزعجه فرفعت رأسها وهمست كلمة
الشكر وهي تنظر في عينيه.
حين عادوا الى المنزل كان الجميع بانتظارهم.
بتول وزينب وزوجات أبناء خالها الثلاث، أعددن المكان وبعض الأطعمة لحفل بسيط بما أن سارة وعدي قد اشتريا خاتمي الخطوبة.
شكرتهن سارة فقالت زينب وهي تسحبها الى غرفتها:
- هيا لتستعدي ولا تقضي الوقت بالكلام!
ضحكت وهي تسير ليقابلهما عليّ على السلم. حيته
سارة بابتسامة فردّ بوجه عابس على غير عادته.
تساءلت سارة وهي تدخل غرفتها عن سبب تجهم
وجهه فتلك أول مرة تراه هكذا.
ارتدت سارة فستانا تمازج فيه الفضي مع الزهري المبهج، كانت بتول قد أوصت زينب بشرائه قبل مجيئها الى المزرعة.
عانقت زينب وهي تشكرها وبتول على الفستان.
زينت زينب وجه سارة بالكثير من المساحيق لكن
بطريقة ناعمة بينما رتبت لها إحدى زوجات أبناء خالها شعرها بطريقة جميلة حيث رفعت جزءا منه لتبرز ملامح وجهها.
كانت مختلفة فتعلق بها زوجان من العيون.. أول مرة يشاهدا وجهها مزين بتلك الطريقة الاحترافية، وأول مرة ترتدي أمامهما فستانا يكشف عن ذراعيها
وجزء كبير من أسفل عنقها فملابسها دوما ساترة
لجسدها.
أشاح عليّ وجهه عنها حين لاحظ تحديق والدته به بينما نهض عدي وعلى وجهه ابتسامة ليستقبلها وهي تسير وسط النساء اللاتي أطلقن الزغاريد.
قدمت عبير الخاتمين فتناول عدي الخاتم ثم يد سارة التي علت أنفاسها اضطرابًا ووضعه في بنصرها الأيمن ليتم أهم طقس من طقوس خطوبتهما المؤجلة.
وتناولت هي الأخرى الخاتم ووضعته في إصبع عدي دون أن تمس يده فقد بلغ خجلها أقصى درجاته وهي تشعر بالعيون تحدق بها وعدي.
عينان وحيدتان لم تلاحظهما سارة، راقبتاهما من بعيد
بحزن وقد ضاق صدر صاحبها بذلك السر الذي يخفيه ويثقل كاهله.
عانقهما صالح وعيناه تدمعان لذكرى شقيقه الراحل
والد سارة وهو يشعر أنه أوفي له بوعده أخيرا.
عانقهما عبد الحميد ثم تتابعت النساء في معانقة سارة.
كانت سناء الأخيرة. ضمتها فلم تستطع حبس دموعها وهي تفكر بفراقهما القريب فقالت عبير بتكلف وهي تتقدم لتعانق سارة:
- ما زال الوقت مبكرا على البكاء. أمامنا أيام كثيرة قبل عقد القران وبعده قبل أن تسافر سارة معنا الى ايطاليا.
اعترض صالح: - ولما ننتظر؟ فلنعد كل شيء سريعا لعقد قرانهما نهاية الأسبوع.
قلب هوى ترقبا وسرورا وآخر خوفا وآخر لوعة.
قالت عبير بإصرار وقد اضطربت:
- فلنمنح سارة وعديّ وقتا قبل عقد القران ليتعارفا يا صالح، فهما مفترقان منذ سنين. كما انني أريد أن أرتب كل شيء للحفل بروية. الا يكفي أنك أصريت على إقامته هنا وليس في فندق كبير في مركز العاصمة؟
تساءل صالح منزعجا: - المزرعة منسقة بشكل رائع ولا ينقصها شيء فماذا تريدين أن ترتبي بعد؟
- بل هناك الكثير من الأشياء مما لا تعرفونه أنتم الرجال عن ترتيب الحفلات. أليس كذلك يا سناء؟ لا يمكن أن نرضى إلا بحفل مثالي.
قالت سناء لصالح:
- من حقها أن تفرح بابنها كما تريد يا حاج.
فتحدد عبير الموعد الذي يناسبها لتتمكن من
عمل ما تريد.
أومأ صالح بالموافقة فابتسمت عبير برضا.
كان عليّ آخر من تقدم من الخطيبين ليبارك لهما
بكلمة واحدة دون معانقة شقيقه حتى.
رمقه الاثنان باستغراب بينما ابتعد ليخرج بعدها بقليل خلسة عن الآخرين لكن انزعاجه وخروجه الغريب لم يفت سارة التي تساءلت بقلق عما به.
عزت السبب أخيرا الى العمل فعليّ حريص على عمله ودائم الانشغال به. ربما سمع خبرا سيئا متعلقا بعمله في إيطاليا فتعكر مزاجه.

حين دخل عليّ الغرفة مساءً مع عديّ بعد انتهاء الحفل
وجلسة السمر التي تلته، جلس أمامه وبدأ يتحدث
ومسحة حنق في صوته:
- حين اتيت مع والداي، استغربت اقتناعك بالزواج
بسارة بعد كل ذلك الرفض وذلك الكلام الذي قلته لي قبل سفري الى هنا بيوم. حين قلت أن سفري لتقديم الاعتذار لأهل سارة وإشغالهم ريثما يقنعك أبي بالموافقة سيذهب هباءً لأنك تعشق (صوفيا) ولن تتخلى عنها لأجل فتاة فرضت عليك ولم ترها منذ سنين.
رفع عدي كتفيه وهو يقول:
- اقتنعت في نهاية الأمر فأبي يريد مصلحتي.
سأله عليّ مرتابا: - أي أنك قبلت الزواج بالفتاة التي لا
تعرفها ولا ترى فيها ما يناسبك وتركت حبيبتك
صوفيا نهائيا.
أومأ عدي إيجابا وهو يدرك أن شقيقه كشف كذبه فقال عليّ بحنق:
- أيها الكاذب! لقد سمعتك تتبادل وصوفيا كلمات الحب قبيل ذهابك لشراء خاتمي خطوبتك أنت وسارة.
تنهد عدي رافعا حاجبيه وهو يقول ببرود:
- سمعتني إذن.
فتساءل عليّ بغضب:
- أي رجل أنت؟ تقرر الزواج بسارة وتستمر بعلاقتك بتلك الإيطالية. كيف تستطيع خداع ابنة عمك التي انتظرتك طويلا؟ لماذا لم تصر على رفض الزواج ما دمت لا تستطيع التخلي عن صوفيا؟
كان عدي يستمع لشقيقة المنفعل وعلى وجهه
ملامح الغضب ليهتف حين انتهى:
- لقد أتيت مجبرا لأن والدك هددني وساومني على الزواج بتك الساذجة المحمرة خجلا طوال الوقت.
سأله عليّ وقد نهض: - ماذا تقول؟
أوضح عدي بانزعاج وحنق:
- لقد هددني أبي بحرماني من كل شيء وطردي خارج المنزل إذا لم أتزوج سارة. أما إذا تزوجتها فسيمول تأسيس شركة السياحة التي أحلم بها.
هتف عليّ بغضب:
- ماذا دهاكما أنتما الاثنان؟ أبي يهددك ويساومك على الزواج بسارة وأنت تخضع. ألم تفكرا بها؟ كيف ستتعامل معها وأنت مجبر عليها وتحب غيرها؟
هتف عدي هو الآخر:
- فلتحاسب والدك ولا تحاسبني أنا! هو من أجبرني على تنفيذ ذلك الوعد السخيف الذي يسمونه
خطبة.
هزّ عليّ رأسه باستياء وهو يتساءل:
- ماذا دهاك يا عدي؟ كيف ترضى لنفسك ذلك؟ وكيف ترضى أن تظلم فتاة بريئة مثل سارة كي لا تخسر أموال أبي وتؤسس مشروعك؟
- أقول لك هددني!
قالها عدي وهو يصرّ على أسنانه فسأله عليّ بامتعاض:
- هل أخبرت صوفيا شيئًا عن أمرك مع سارة؟
- كلا. لم أرَ داعيًا لإخبارها بشيء. هي تظن أنني في زيارة طويلة لأقاربي.
سأله ثانية وقد زاد قلقه:
- وسارة؟ على ماذا تنوي معها؟
أجاب بانزعاج: - سأجعلها تلغي الخطبة بنفسها. لكن أرجو أن تفهم تلك الساذجة سريعًا أنني لا أريدها.
رفع عليّ اصبعه في وجه شقيقه مهددًا:
- لن أسمح لك بإيذائها!
فقال عدي بنفاذ صبر وهو يخرج لفافة تبغ من العلبة:
- فلتتزوجها أنت إذن بدلا عني كي لا تحزن ولا يحنث أبوك بوعده، فأنت المثالي الذي دوما ما يصلح أخطاء أخيه الطائش! وأظنك ستكون سعيدا بذلك فهي تعجبك على ما يبدو!

نهاية الفصل الثالث

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 8:46 pm



الفصل الرابع
رفع عليّ اصبعه في وجه شقيقه مهددًا:
- لن أسمح لك بأن تؤذيها!
فقال عدي بنفاذ صبر وهو يخرج لفافة تبغ من العلبة:
- فلتتزوجها أنت إذن بدلا عني كي لا تحزن ولا يحنث أبوك بوعده، فأنت المثالي الذي دوما ما يصلح أخطاء أخيه الطائش! وأظنك ستكون سعيدا بذلك فهي تعجبك على ما يبدو!
جذب عليّ قميص عدي وهو يقول بغضب:
- اخرس! إنها ابنة عمي. كيف تفكر هكذا؟
قال عدي ساخرا وهو ينظر في عيني عليّ:
- لقد رأيت نظراتك نحوها، ولست ساذجا لأخطئ في تفسيرها.
هرب الكلام من شفتي عليّ وخرج بعدما رمى شقيقه
بنظرة غاضبة. زفر عدي بحنق وهو يتذكر ذلك اليوم الذي سبق هجرته والعائلة الى إيطاليا بأسبوع، حين تحدث والده معه ومع عليّ ليسألهما من منهما يتزوج سارة. حينها كانت سارة قد تفتحت كزهرة جميلة وبدأت معالم الأنوثة تظهر عليها.
كان عليّ يرى فيها شقيقة صغرى أخذ على عاتقه حمايتها والعناية بها منذ توفي والدها. أما عدي ففكر في الأمر بسرور وشعور غريب يجتاح قلبه.
أن تكون له فتاة تخصه وتنتظره لسنوات حتى يتم زواجه بها، فكرة أعجبته وأرضت غروره كشاب لم يتجاوز الثامنة عشر. خاصة بعدما رآها ذلك اليوم وهي تخرج من الساقية وقد ارتدت ثوبا قصيرا
التصق بجسدها بسبب المياه لتبدو معالمه المتناسقة على الرغم من امتلائه. لذا أعلن لوالده في اليوم التالي أنه يريد الزواج بسارة.
تنهد عدي بانزعاج وتمتم بحنق:
- وهل يسأل شاب في الثامنة عشر عن الزواج؟ (ابتسم ساخرا) ولما لا وقد خطبها لأحدنا ونحن في الثانية عشر وهي طفلة في السادسة؟ علي اللعنة! لما أخبرت أبي يومها أنني أريد الزواج بها؟
سار عليّ في المزرعة حول المنزل وهو يأخذ أنفاسا عميقة علها تخفف من توتره وغضبه.
كان غاضبا من والده الذي هدر كرامة سارة بمساومته لعدي على الزواج بها وغاضب من عدي الذي لا يريد خسارة شيء ولو على حساب سارة.
في الصباح الباكر وحالما استيقظ عليّ من نومه القلق، نزل الى المزرعة حيث عرف أنه سيجد والده.
كان صالح يسير قرب الاسطبل حين التحق عليّ به
ليسأله محتجًا بعد تحية متعجلة:
- أصحيح أنك ساومت عدي على الزواج بسارة وهددته
بطرده إن لم يفعل؟
تنهد صالح وهو يشعر بقلة الحيلة.
- ماذا كنت لأفعل يا عليّ؟ أأحنث بوعدي لأخي وألغي الخطبة؟ كان يجب أن أقنع أخاك بالمجيء لعقد القران.
قال عليّ منزعجا من إلحاح والده على شقيقه في إتمام الزواج بدل إخبار سناء الحقيقة منذ أعلن عدي رفضه للأمر قبل ثلاث سنوات:
- لكن إجباره على الارتباط بسارة لا يصح يا أبي.
بدأ الحنق يتصاعد في نفس صالح حين قال:
- أخوك الأحمق عنيد كالثور! يحب معاندتي دوما.
لكنني متأكد أنه سيرتاح لها حين يتعرف عليها أكثر ويغير رأيه.
لم يعلق عليّ واستأذن ليعود الى المنزل وهو يشعر بالاختناق.
" سيظلمها والدي. ألا يكفي أنه ووالدها ظلماها وعديّ بذلك الاتفاق الغريب الذي يسمى في العرف هنا خطبة؟ أي خطبة تلك لطفلة في السادسة وصبيّ في الحادية عشر؟ تبا لتلك التقاليد السخيفة! لقد أخطأت أنا الآخر باشتراكي في تلك الكذبة والقدوم إلى هنا "
سار وهو يتذكر الاتفاق الذي تم بينه وعائلته في إيطاليا حيث أرسله والده ليخبر عائلة سارة كذبا أن سبب تأجيل قدوم عائلته هو مرض والدته بينما السبب الحقيقي كان عدم اقتناع عدي حتى تلك اللحظة بالقدوم لإتمام زواجه بسارة. لذا أرسلوه وأجلوا قدومهم حتى يحاول والده إقناع عدي.
لقد أجبرته طاعته لوالده على تنفيذ ذلك الأمر الذي لم يرضَ عنه البتة. لأول مرة يشعر أن تلك
الطاعة نقطة ضعف لا سمة جيدة فيه.
كانت صوفيا تعد لنفسها كوب قهوة حين رن هاتفها
لتنير ابتسامتها وهي ترفع الهاتف وتجيب اتصال عدي.
- آموري ميو. كنت بانتظار اتصالك.
همس عدي بالإيطالية بشوق:
- اشتقت إليك منذ تحدثنا ليلة امس.
قالت بدلال: - فلتعد إذن ودع والديك وشقيقك يكملون إجازتهم هناك.
تنهد بانزعاج وهو يتمنى لو استطاع تنفيذ رغبتها:
- ليتني أستطيع، صوفي. يجب أن أبقى مع عائلتي حتى نعود كلنا. والدي عنيد وهو يصر على بقائي معهم.
تنهدت لتزيده توقا ولوعة ثم همست بلهفة:
- عد لي سالما إذن، آموري ميو.
أرسل لها قبلة حملت شوقه ثم أنهى المكالمة..
جلس الجميع حول مائدة الفطور في الفناء المطل على المزرعة وجاءت سارة حاملة أبريق وأكواب الشاي.
قدمت الشاي للجميع بينما كانت زينب توزع
الأطباق الفارغة. وحين قدمت الشاي لعدي، تعمد أن ترتطم كفّه بالكوب متصنعا عدم الانتباه فانسكب الشاي على يد سارة لتشهق.
نهض عليّ وعلى وجهه القلق وهو يسالها:
- هل احترقت يدك؟
كان ردّ فعله مستغربا من الجميع إلا اثنين، عدي
وعبير. جلس وقد انتبه لنظرات شقيقه الساخرة
بينما أجابته سارة وهي تأخذ المنديل الذي ناولها إياه
عدي: - انا بخير. لم يكن ساخنا جدا.
بل كان ساخنًا لكن عدي تعمد ألا ينسكب على يدها بشكل يؤذيها فلم يكن قصده إيذاءها.
مسحت ما انسكب من الشاي على الطاولة وذهبت
لتحضر كوبا نظيفا لعدي الذي أحزنها بعدم
قوله كلمة للاطمئنان عليها.
كانت سناء وعبير تناقشان بعض تفاصيل حفل عقد القران حين وجه عدي سؤاله لعليّ:
- في الإسطبل بعض الجياد الرائعة. ما رأيك بأن نتسابق؟
قالت سارة لعليّ: - حقا، ماذا عن السباق الذي اقترحتَ
علي أن نجريه حين يأتي عدي؟
رمقها عدي مستغربا: - هل تجيدين ركوب الخيل؟
أومأت مبتسمة وهي تجيب: - علمني خالي.
تساءل عدي: - بما أن هناك تخطيط مسبق فلما لا نجري السباق الآن؟ الطقس جميل والنهار في أوله.
قال عبد الحميد: - أنا أتولى التحكيم.
فقال عديّ مازحا: - لكن لا تتحيز لسارة يا عمي.
قال صالح وهو يمسك يد سارة:
- لو كنت الحكم لتحيزت لها على الرغم من أنفك أنت وأخيك.
رمقه عليّ بدهشة رافعا حاجبيه وقال:
- وهل اعترضت أنا؟ فلتنحاز لها كما شئت أنت أو عمي عبد الحميد.
قال عدي بلهجة مكر فهم عليّ قصده منها بعكس الباقين الذين أخذوا كلامه بحسن نية:
- لا تقلق يا أبي فعليّ ينحاز لسارة ولو على حساب
نفسه.
وجه عليّ نظرة حادة نحو عدي الذي نهض وتناول غصنا ليخط به خطا على الأرض.
- سنبدأ من هنا ونصل حتى السياج الجنوبي للمزرعة ثم نعود الى هنا.
أومأ عبد الحميد وقال محذرا بمرح: - حذار من الغش!
اتجه الثلاثة الى الإسطبل واختاروا الجياد ليبدأ السباق بينهم بينما راقبهم الجميع بحماس.
فاز عدي بفارق بسيط بينه وبين عليّ بينما تخلفت
سارة عنهما كثيرا.
رمقهما عدي بنظرة انتصار وهو يقول لسارة:
- يجب أن تعيدي تدريباتك على ركوب الخيل.
رمقته بامتعاض وقالت مازحة:
- علمني بدل أن تسخر مني! كما أن الحظ حالفك في اختيار الجواد الأسرع بين الجياد الثلاثة الذين اخترناهم.
ردّ بابتسامة وهم يجلسون مع الجميع:
- أنا مدرب سيء. فليدربك عليّ.
تساءل عبد الحميد وهو يرمق عدي بعينين ضيقتين:
- أتقول أني لم أحسن تدريبها يا ولد؟
ضحك عدي فابتسمت سارة وراقبته بعينين لامعتين بينما راقبها عليّ وفي قلبه حسرة.
- حاشا لله يا عمي! أنت الأمهر فيما يخص الخيول.
لكن سارة تلميذة كسولة ولم تتمرن منذ مدة كما يبدو.
انزعجت بصدق هذه المرة وهي تسمعه يسخر منها ولو مزحا فقالت وهي ترمقه بتحدٍ:
- حسنا! سنتمرن أنا وعليّ وأعود لأتسابق معك، وسأتغلب عليك!
استغرب عدي اختفاء توترها منه خجلا وانزعج فليس ذلك ما كان يريده. أومأ إيجابا وهو يقول:
- سنرى.
لتلتفت هي نحو عليّ الذي كان حائرا في الورطة التي وضعته سارة فيها فهو يريد الابتعاد وهي تريد منه الآن أن يقضي وقتا أكثر معها في التدريب.
لكن لما الفرار؟ أليست ابنة العم والصديقة التي
اكتسبها مؤخرا؟ لماذا تدق نواقيس الخطر لديه كلما كانا معًا مؤخرا؟
- متى نبدأ؟ اليوم عصرا مثلا؟
سؤالها جعله ينتبه فأجاب: - كما تريدين.
�كان الدرس التمرين الأول لسارة قصيرا فقد خرجت
سناء لتنادي عليها وتخبرها أن تستعد كي تذهب معها ومع عبير وعدي لتختار اشياء تخص حفل عقد القران.
قال عليّ وهو يسير على عجل متجها قبلها الى المنزل:
- سنكمل التمرين غدا صباحا.
لم يبق عدي مع سارة كي يختار لوازم الحفل كما
ظنت بل تركها مع والدتيهما ليذهب الى أحد المقاهي ثم يعود اليهن حين ينتهين من التسوق.
شعرت سارة بخيبة أمل وبقي مزاجها متعكرا طوال
فترة التسوق. كم ودّت لو يشاركها في اختيار كل شيء!
حين عادوا مساءً الى المزرعة، سألته سارة بعدما دخلت والدتاهما المنزل وبقيا هما لإخراج الأغراض من السيارة:
- كنت أود لو أنك شاركتني في اختيار لوازم الحفل بدل الذهاب للجلوس في المقهى.
قال بلا اهتمام وهو يخرج الكيس الكبير من السيارة: - لا أحب التسوق.
قالت وهي تشعر بغصة في قلبها:
- لكنه تجهيز لحفل عقد قراننا وليس جولة تسوق عادية.
بدا الانزعاج عليه وهو يقول: - لكنها جولة في السوق على كل حال.
رمقته بامتعاض وحملت الكيس الأصغر ثم دخلت خلفه الى المنزل.
في الصباح التالي، خرجت سارة لتجد عليّ جالسا في
ظل الشجرة الكبيرة التي كانا يجتمعان تحتها
مع أخوته وأولاد الحاج عبد الحميد وهم صغار.
ألقت التحية عليه فرد بابتسامة كعادته ونهض.
قالت بنظرة حنين:
- ذكرتني باجتماعنا تحت هذه الشجرة أيام الطفولة.
لامس جذع الشجرة الخشن وهو يقول:
- لقد شاخت خلال تلك السنوات. لطالما تساءلت عن عمرها.
ابتسمت وهي تذكر تلك الأيام الجميلة وهي تقول:
أخبرني خالي أن جدي زرعها منذ أسس هذه المزرعة.
أي أن عمرها يقارب الخمسين عاما (ابتسمت) هل
تذكر حين تسلّقتها بتحريض من زينب فنزلت هي وعلقت أنا ولم أستطع النزول؟
أومأ مبتسما وأجاب مكملا سرد أحداث ذلك اليوم:
- يومها تلقت زينب عقوبة قاسية لأنها أقنعتك بتسلق الشجرة مع علمها أنك تخافين. وزادت الطين بلّة حين
صمتت ولم تخبرنا أنك عالقة فوق الشجرة بينما كنا نبحث عنك في كل مكان.
أطلقت ضحكة عالية ثم قالت:
- يومها غضبت من خالي كثيرا لأول مرة، لأنه منعنا من اللعب معا أنا وزينب مدة ثلاثة أيام.
عادت لتبتسم فشرد لحظات تأمل فيها سحر غمازتيها وهو يقول: - كان محقا فقد خفنا عليك كثيرا.
فاجأته بالتفاتة ليزيح نظره بينما قالت بامتنان ونظرة دافئة: - لكنك استطعت إيجادي. لطالما شعرت أنك أماني من بين أولاد أقاربي.
همس لتظهر اللهفة في صوته: - وسأبقى دومًا.
وقع بصره على خاتم خطوبتها فاجتاحت قلبه غصة جعلته ينهض هاربا من قربها.
- لنبدأ التمرين.
لحقته سارة الى الإسطبل مستغربة نهوضه المفاجئ.
" ما به مزاجه معكر ومتقلب هذه الأيام؟ "

نظرة دهشة رمق بها زينب ابنة عمتها وهي ترى عبوس ملامحها وشرودها وهي جالسة ظهرا في غرفتها بعدما انتهت من ترتيب المطبخ عقب انتهاء الغداء.
سألتها بقلق: - ما بك، سارة؟
استدارت سارة لترى زينب لمعان الدموع في عينيها فزاد قلقها لتجلس قربها متسائلة بلهفة:
- ماذا حدث لتبكي؟
أطلقت حسرة لتقول بعدها بصوت مخنوق:
- أشعر أن عدي لا يريدني. وكأنه مجبر على الزواج بي.
قطبت زينب جبينها وهي تسألها مع أنها الأخرى لاحظت بروده في التعامل معها:
- ما الذي جعلك تقولين هذا؟
- تصرفاته وبروده. إنه حتى لا يسعى للجلوس معي
منفردين للحديث. ولا يهتم بتفاصيل التجهيز لعقد قراننا. ذلك اليوم حين خرجنا الى السوق، تركنا وذهب للجلوس في مقهى قريب ريثما ننهي التسوق. وحين عاتبته قال بانه لا يحب الخروج للتسوق. كما أنه لا يسمعني كلاما مما يقوله الرجل لخطيبته، ولا يتحدث معي عن مستقبلنا وزواجنا.
فكرت زينب بما كانت تنوي قوله لسارة منذ الأمس وقد جاءتها الفرصة لقوله.
- بالنسبة للتسوق والاهتمام بتجهيزات الزواج فكل الرجال هكذا يا سارة. لا يتعبرونها أمورا مهمة مثلنا. أما عن عدم سعيه للحديث معك فأظن أنه يخشى صدك له. لا بد أنه يراك خجولة بصورة مبالغة بها
فقد شبّ في مجتمع مختلف عن مجتمعنا لذا تختلف نظرته للأمور.
قالت سارة معترضة: - لماذا لا يفكر عليّ
بالطريقة نفسها؟ ألم ينشأ معه في نفس المجتمع؟
رمقتها زينب بنظرة متسائلة:
- ولماذا لا تتعاملين معه ببساطة ودون خجل كما
تتعاملين مع عليّ؟ ثم إن لكل منهما شخصيته
فلماذا تجرين هذه المقارنة بينهما؟
حارت جوابا وتساءلت في نفسها عن سبب مقارنتها تلك ثم قالت مستغربة سؤال زينب وهي التي تربت معها في نفس البيت وعلى نفس العادات والتقاليد:
- لأنه خطيبي. لهذا أتعامل معه بشكل مختلف.
نصحتها زينب وهي تربت على يدها:
- دعي الخجل الزائد عنك فهو خطيبك وسيعقد
قرانكما قريبا. حاولي أنت التقرب منه وبدأ الحديث معه كي يتشجع. أم أنك نسيتِ انزعاجه لأنك خجلت من قول كلمة خطيبي أمامه حين كنتما تتحدثان عند الساقية؟
لم تطمئن نفسها لكلام زينب لكنها قررت العمل بنصيحتها ومنح فرصة لعدي فقد يكون كلام
زينب صحيحا مع أنها شعرت ببرود عدي في التعامل معها منذ البداية لكنها غالطت نفسها.
حين نزلت سارة عصرا، كانت تحمل معها علبة كبيرة. اقتربت لتجلس بجانب عمها وهي تقول:
- ألم تشتق لذكرياتنا القديمة يا عمي؟
ابتسم صالح وبدا الحنين والحزن في عينيه حين وقع بصره على الصور عندما فتحت سارة العلبة.
دمعت عينا سناء حين تحدث صالح عن إحدى صوره مع عبد الله فانتبه لها الجميع وقالت زينب:
- لهذا تركنا العلبة هنا في بيت المزرعة، كي لا تنظر إليها خالتي باستمرار وتبدأ بالبكاء.
قالت سارة لتغير الموضوع وهي تحمل إحدى الصور وتريها لعبير:
- هذه صورتك مع عدي وعليّ يا خالتي.
أخذت عبير الصورة منها وابتسمت وهي تقول:
- لدي صورة مشابهة لها، وتظهر فيها بناتي أيضا.
قال صالح بابتسامة: - خذي الصور لتريها لعدي.
رمقه عدي وهو يلوي شفته ثم قال:
- تعرف أنني لا أحب صوري وأنا صبي. كان منظري فضيعا.
نهضت سارة لتجلس قريبا من عدي وعلى وجهها ابتسامة
مصطنعة لا تعكس انزعاجها وهي تشعر بأنها تفرض نفسها عليه.
بدأت تري عدي الصور تباعا وهي تذكر له اسماء من نسيهم من بعض الأقارب وتذكره بأولاد خالها وبناته. كان يصغي إليها بانتباه وكان عليّ يراقبهما
خلسة.
اقترب عدي من سارة أكثر بينما كانت تشير لإحدى الصور وهي تقول: - لا تقل أنك لا تذكر ذلك اليوم!
رفع رأسه ونظر نحوها فاضطربت بينما قال بابتسامة:
- كيف لا اذكر؟!
احتقن وجه عليّ لقربهما الشديد من بعضهما فنهض
ليخرج لكن عدي سأله بابتسامة والمكر يلوح في عينيه وهو يشير له بالاقتراب لرؤية الصور التي التقطت في تلك الرحلة:
- هل تذكر ذلك اليوم؟
اقترب عليّ ورسم ابتسامة صغيرة على شفتيه ثم قال بعدما نظر الى الصورة:
- يومها سبحنا كثيرا في مياه النهر.
علق عدي: - ويومها تبعتنا سارة وزينب.
نظرت سارة لعليّ وهي تقول بابتسامة مذكرة إياه بحديثهما عن بقائها فوق الشجرة:
- وكان ذلك أيضا بتحريض من زينب فقد أخبرتها أننا قد نغرق لكنها أصرت.
ابتسم عليّ متذكرا تلك اللحظة التي جعلت قلبه
يخفق حين أخبرته أنها اعتبرته دوما أمانها.
ضحكت زينب وقالت: - كفّوا عن تذكر مغامراتي!
أما سارة فقالت وهي تتطلع الى عليّ:
- ويومها أنت أيضا من أنقذني فقد انتبهت إليّ حين رحت أصرخ وأشير بيدي لتعودا إلينا.
بالكاد ابتسم عليّ وابتعد ليجلس على الأريكة،
مخفيا رفّة جفنيه ثم تظاهر بالانشغال بالنظر الى هاتفه.
آهٍ لو تعلم تلك الغافلة ما الذي تفعله كلمات مديحها ونظراتها الحانية به!
أنهت سارة أخيرا طبق الحلوى الذي قضت ساعتين في
إعداده - بإلحاح من زينب - ليعجب عدي تحديدا مع أنها ستقدمه للجميع.
تمتمت بانزعاج، غير مستبشرة بخير: - لنرى يا سيدة زينب، كيف سيتصرف من تدافعين عنه!
خرجت تحمله متجهة إلى الصالة حيث كان يجلس
الجميع إلا أنها لم تجد سوى عدي وعليّ. سألتهما وهي تضع صحن الحلوى على المنضدة:
- أين الجميع؟
كان عدي منشغلا بمحادثة نصية مع حبيبته صوفيا فأجاب عليّ وهو يكتم انزعاجه من شقيقه الذي لم يكلف نفسه عناء الالتفات والرد عليها مع أنها كانت توجه الكلام خصيصا له:
- ذهب أبي وخالك لزيارة الجيران القدامى. وذهبت أمي وأمك مع الخالة بتول الى السوق. وخرجت زينب للتجول في المزرعة.
ابتسمت ساخرة وقد فطنت لسبب خروج زينب. تظن أن عدي سيقضي الوقت في الحديث معها لو أن عليّا تركهما وخرج ليأخذا راحتهما.
حانت منها نظرة نحو عدي الذي لم يلتفت نحوها حتى الآن وفي قلبها غصة حاولت تجاهلها والتحلي
بالصبر. وضعت قطعتين من الحلوى في صحن واقتربت لتقدمه لعدي بينما الآخر يراقبها وقلبه يغص بالوجع بسبب نظراتها الحائرة في تفسير تجاهل شقيقه لها.
- أرجو أن تعجبك الحلوى التي صنعتها بنفسي.
همستها أخذته قليلا من تلك الكلمات التي ضجت بالحب والأشواق لصوفيا ليبتسم لها فابتسمت ثم وضعت قطعة من الحلوى في الصحن الثاني وقدمته لعليّ وهي تقول: - أعرف أنك لا تحب الحلوى كثيرا لذا وضعت لك قطعة صغيرة.
أخذ الطبق وهو يقول بابتسامته الحانية:
- سلمت يداك.
سكبت لنفسها أيضا وجلست تترقب أن يعطيها عدي رأيه فيما صنعت لكنه ما لبث أن نهض ليخرج
مسرعا، دون أن يمس صحن الحلوى بعدما تلقى اتصالا صوتيا من صوفيا.
نظرات الخيبة التي بدت في عينيها حين تأخر عدي في العودة أوجعت قلب عليّ فقال بحماس ليأخذها من شرودها وهي متظاهرة بمتابعة التلفاز:
- إنها لذيذة جدا. سلمت يداك.
اقترحت بابتسامة وهي تنهض:
- فلأضع لك قطعة أخرى إذن ما دامت أعجبتك.
أراد الاعتراض لكنه قال بعد نظرة لوجهها وهي تقترب منه: - أكون ممتنًا لك.
تناول قطعة الحلوى التي وضعتها له وهما يبدآن حديثا ككل سابقيه، لا يمله ولا يتمنى انتهاءه ولا يزيده بها إلا تعلقا يجاهد كي يقاومه ولا يعترف به.
وفي غمرة انشغاله بحديثهما نسي نتيجة فعلته حتى بدأ يتعرق ويشعر بعدم ارتياح فأسرع بالنهوض متجها نحو غرفته في الطابق العلوي.
سألته سارة بقلق وهي ترى اضطرابه وخطواته غير المتزنة: - ما بك؟ هل أنت بخير؟
ردّ بإيماءة من رأسه وهو يسرع نحو السلم. لم يكمل
صعوده حتى لحقت به سارة مسرعة فلم يرحها منظره. سألته بخوف وهي ترى شحوب وجهه وتعرقه بينما كان يدخل غرفته مسرعا: - ما بك، عليّ؟

نهاية الفصل الرابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  Muna zatra في الأربعاء أكتوبر 03, 2018 3:14 pm

مرحبا حبيبتي الاء العزاوي عندي سؤال إلك رواية على الوعد بعد ما تنتهي الفصول في المنتدى هل سيكون ككتاب إلكتروني للتحميل pdf وشكرا و بالتوفيق في روايتك الجميلة جدا

Muna zatra
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 1
نقاط : 1
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 02/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الجمعة أكتوبر 05, 2018 7:17 pm

@Muna zatra كتب:مرحبا  حبيبتي الاء العزاوي عندي سؤال إلك رواية على الوعد بعد ما تنتهي الفصول في المنتدى هل سيكون ككتاب إلكتروني للتحميل pdf وشكرا  و بالتوفيق في روايتك الجميلة جدا

تسلمين. التوفيق للجميع
نعم راح تنزل كتاب الكتروني.هنا في المنتدى وعلى الصفحة على الفيس بوك أيضا.

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الجمعة أكتوبر 05, 2018 7:20 pm




الفصل الخامس
لم يكمل عليّ صعود السلم حتى لحقت به سارة مسرعة فلم يرحها منظره. سألته بخوف وهي ترى شحوب وجهه وتعرقه بينما كان يدخل غرفته مسرعا: - ما بك، عليّ؟
أجابها على عجل وهو يخرج حقنة صغيرة من الجارور قرب سريره: - لا تقلقي. لقد نسيت أخذ حقنتي.  
زرق الحقنة في ذراعه بسرعة، يسابق الزمن قبل أن يتدهور وضعه أكثر فيغمى عليه ويدخل في تلك العتمة المقيتة التي يكرهها منذ جربها مرة قبل سنتين.
سألته سارة والخوف يسيطر على ملامحها، تريد الاطمئنان عليه: - هل تشعر بتحسن؟  
أومأ إيجابًا وهو يجلس على السرير ثم يتمدد.
بعد قليل، عاد بعضٌ من اللون لوجهه الذي شحب بدرجة أخافت سارة. سألته وعيناها تلمعان بدموع خوف وقلبها متوجس من جوابه:
- هل مرضك خطير؟
لم يزد ردّه عن ابتسامة شاحبة خيبت أملها وزادتها قلقا
وحيرة فأخذت القنينة الصغيرة التي حقن نفسه بمحتواها لتقرأ ما كتب عليها علّها تعرف ماهية مرضه.
دهشة أصابتها حين قرأت ما كتب فرمقته بنظرة عتاب وهي تسأله بلهجة قلقة حادة:
- كيف تأكل الحلوى وأنت مصاب بمرض السكري؟
وكيف يرفض بعد تلك الابتسامة التي رسمها
على وجهها مديحه لصنع يديها؟
جلست قبالته على السرير المجاور له وأعادت السؤال بإصرار: - لماذا أكلت الحلوى؟ لماذا لم ترفضها منذ البداية وتخبرني أنك مصاب بالسكري؟
لاذ بالصمت من جديد فسألته وملامحها تشي بمحاولتها عدم البكاء:
- ماذا كان سيحدث لو لم تأخذ الحقنة؟
أجاب بصعوبة وهو يهرب من نظراتها:
- كنت سأدخل في غيبوبة سكر.
- لهذا كنت ترفض أكل الحلوى وتضع القليل من
السكر في الشاي. لقد ظننت أنك تتبع حمية لتقليل استخدام السكر الصناعي. منذ متى وأنت مصاب بالسكري؟
أوضح لها مخفيا السبب الحقيقي لتناوله الحلوى:
- منذ ثلاث سنوات ونصف تقريبا. لا يرتفع السكر لدي بمستويات عالية. أي أنه يمكنني وضع القليل من السكر في الشاي والقهوة أو تناول قطعة صغيرة من الحلوى كل فترة وأخذ حبة من الدواء بعدها.
عادت تسأله حانقة على إهماله:
- إذن كيف تنسى أخذ الدواء مباشرة بعد تناولك الحلوى؟
بماذا يجيب عن كل أسئلتها؟ أيخبرها أنه نسي أخذ الدواء حين بدأ الحديث معها؟ أم يخبرها أنه لم يعلمها بمرضه كي لا تشعر بالذنب الذي يراه جليا الآن في نظراتها، وكي لا تسأله لما تناول ما يضره؟ لكن أمره أفتضح بسبب نسيانه أخذ الدواء.
قال بابتسامة ليطمئنها: - لا تقلقي. حين أنسى الدواء، آخذ حقنة الأنسولين بدلا عنه فينخفض مستوى السكر لدي بسرعة. ليس الأمر خطيرا.  
دمعت عيناها وهي تفكر بأنه تناول ما يضره كي يواسيها وينسيها إهمال شقيقه الذي عاملها بكل برود وعدم اكتراث.
" لماذا؟ " سؤال أطلقته نظراتها المتسائلة وعقلها المشوش، ولم تجرؤ شفتاها على البوح به.
لماذا يفعل كل هذا لأجلها؟ لماذا هو أرق من قابلت من الرجال في التعامل معها عدا خالها الحبيب الذي لا ينفك يغدق عليها من حنانه؟ لماذا يحاول دوما مواساتها وجبر ما يسببه لها شقيقه من خيبة؟
كم أوجعته تلك الدموع التي عرف سببها!
وكم تمنى إخبارها الحقيقة ونسف كل شيء وراء ظهره ولتذهب رغبة أبيه إلى الجحيم! أليست تلك الرغبة الجائرة في إتمام تلك المأساة المسماة خطبة، هي السبب في معاناة سارة ومعاناته وتخبط عدي بين قلبه ومصلحته؟
كم تعب من كونه الابن المثالي المطيع الذي لا يرفض لوالده طلبا!
لم تكف عيناهما عن التحديق ببعضهما وهما في
غمرة أفكارهما حتى دخول عديّ الغرفة، حيث قاطع باقي تساؤلاتها عن تصرفات عليّ ونظراته التي بدأت تؤرقها ويرفض عقلها تصديقها.
نهضت سارة من فورها ونظراتها تعكس اضطربا بينما
أبعد عليّ نظراته عن عيني شقيقه كمن أمسك
بالجرم المشهود.
سأل عديّ شقيقه بلهجة قلقة وهو يرى شحوب وجه عليّ الممدد على الفراش: - ما بك؟
أجاب دون النظر لوجه شقيقه:
- ارتفع مستوى السكر لدي.
قالت سارة لعدي بنظرة معاتبة نحو عليّ:
- لولا أنه أخذ الحقنة لأصيب بغيبوبة سكر.
أومأ عدي وهو يفكر مستغربا في سبب تعرض شقيقه لنوبة ارتفاع السكر فهو حريص على الالتزام ببرنامجه الغذائي. وحال خروج سارة من الغرفة سأله:
- ماذا أكلت حتى ارتفع مستوى السكر لديك؟
- قليلٌ من الحلوى.
تذكر عدي ذلك الطبق الذي قدمته له سارة ولم
يتذوقه حتى بسبب مكالمة صوفيا فتساءل باستغراب رافعًا حاجبيه: - ألهذه الدرجة؟!
سأله عليّ هو الآخر مع أنه فهم تلميحه من نظراته:
- ماذا تعني؟
أجاب عدي بنظرة مكر وابتسامة ذات معنى:
- ألهذه الدرجة أعجبتك الحلوى فكسرت قواعدك
وتناولتها؟ ويبدو أنك تناولت الكثير منها حتى كدت تصاب بغيبوبة سكر!
أغمض عليّ عينيه مدعيًا الحاجة للنوم والراحة وهو يقول: - لا تخبر أحدا بما حدث كي لا يقلقوا عليّ.
- لن أفعل.
قالها عدي وعلى وجهه ابتسامة رضا.
في الصباح التالي حيث اجتمع الجميع على مائدة
الفطور، أعلن صالح:
- أريد دعوة أقاربنا غدا لعقد قران عدي وسارة الخميس المقبل. لا أريد تأجيل الموعد أكثر.
غصة سكنت قلب عليّ فخفض بصره كي لا ينتبه لنظراته الضائعة أحد بينما نظر الجميع باستغراب نحو صالح فهو لم يخبر أحدا أنه حدد الموعد.
اصفر وجه عدي الذي لم يتوقع أن الموعد سيحدد بهذه السرعة. ماذا سيفعل؟ لقد كان يراهن على فهم سارة بأنه لا يريدها فتلغي الزواج بنفسها. لا يمكن أن يتزوج بها! ولو علم أنها ستظل متمسكة به لما جاء الى هنا.
أما سارة، فقد استقبلت الخبر دون لهفة. لقد سبب لها عدي من خيبات الأمل ما يكفي لتتأكد بأنه
بالفعل لا يريدها. وكم لامت نفسها على عدم التحدث معه بصراحة عن الأمر! كان يجب أن تحزم أمرها وتحدثه! فقد عاشت ما يكفي من الزمن حبا من طرف واحد.
لكن هل أحبته حقا؟ تساءلت وهي تنظر إليه.
أيحب المرء شخصا لا يعرف عنه شيئا ولم يعاشره منذ كان صبيا؟ أيعقل أنها عاشت وهما كبيرا وحماسا لخطبتهما امتد أكثر من اللازم فعبر مرحلة المراهقة التي كان يجب أن ينتهي عندها؟
لقد باتت تشعر بعد الأيام الأخيرة وتصرفات عدي الباردة معها أنها ضيعت سنوات عمرها هباءً في وهم كبير ظنته أكبر الحقائق في حياتها.
احتجت عبير على ما أعلنه صالح لتأخذ الثلاثة
من أفكارهم المتلاطمة:
- وتخبرنا الآن؟ قبل أربعة أيام؟
رمقتها بتول وسناء بامتعاض وهما تدركان انها مجبرة على المضي في ترتيبات الزواج بينما أجابها صالح بهدوء لا يشبه نظراته الحازمة نحوها:
- لو ترك الأمر لكن أنتن النساء لما انتهت ترتيبات الحفل. لقد أخبرتني أن سارة جاهزة وقد اشتريتن كل ما تحتجن للحفل، والمزرعة مهيئة كأفضل ما يكون. لذا فالأيام الأربعة تكفي لإتمام ما تريه غير مكتمل.
صمتت عبير وكتمت امتعاضها وهي تشعر بقرب وقوع مصيبة على رأس ولديها.
نهض الجميع عن المائدة وانشغل كل بشأنه فخرج
عليّ متجها الى الإسطبل ليفعل أكثر شيء يخفف عنه ساعة ألمه. امتطى الجواد الأسرع ليعدو به بسرعة كبيرة خارج المزرعة علّه يخفف من غضبه وألمه.
غضبه من نفسه التي تعلقت بسارة رغما عنه وألمه
بسبب قرب ضياعها منه.
لقد أنكر حبه كثيرا وتجنب مجرد التفكير فيه
لكنه لم يعد يتحمل الإنكار منذ واجهه عدي بتلك الحقيقة حين أخبره أن سارة تعجبه.
لم يكن عليّ يشعر وهو أمامها أنه أمام زوجة أخيه
المستقبلية فهو يدرك مدى حب شقيقه لصوفيا ومدى بغضه الزواج بسارة، حتى أنه تحامل عليها هي بسبب إجبار والده له على إتمام الزواج بها.
فأنّى له عدم التعلق بها مع إدراكه لنفور شقيقه
منها، ومع ما تحمله من صفات تجسد كل ما كان يرغب في شريكة حياته؟
أطلق زفيرا حارا وفي قلبه غصة ألم. ماذا سيفعل لو قرر عدي إتمام زواجه بها؟ كيف سيتحمل ذلك؟
إن كان قلبه يؤلمه وتأكله الغيرة كلما رأى نظراتها
نحو عدي، فماذا سيفعل حين يتزوجا؟
بعد صدمة عبير بتحديد صالح لموعد عقد القران، طلبت منه التحدث معه على انفراد فصعدا الى غرفتهما. كانت في قمة حنقها فسألته بانفعال:
- كيف تحدد موعد الحفل دون إعلامي؟ وكأنني لست والدة العريس!
قال صالح بهدوء:
- وسناء والدة العروس لكنها لم تغضب مثلك.
قالت بانفعال: - لا دخل لي بها. أنا أتكلم عن نفسي.
ضيق عينيه وهو يقول بحدة وانزعاج:
- ما يزعجك حقا هو إتمام هذا الزواج وليس تحديدي لموعد عقد القران دون إخبارك. منذ البداية كنت معترضة على هذه الخطوبة.
هتفت عبير ساخرة: - بالله عليك! أي خطوبة هذه لطفلين؟ وها هو ولدك رفضها حين كبر. لماذا تصر على إتمام هذا الأمر الذي سيجر الشقاء على الفتاة وعلى ولدينا؟
قطب جبينه متسائلا: - وما دخل عليّ بالأمر؟
بدأت كلامها بامتعاض: - لأنك تصر على فعل ما تريد، لم تنتبه للعلاقة القوية التي ربطت عليّ
وسارة خلال أسبوعين فقط مع أن ولدك دوما ما يأخذ وقتا في توطيد علاقته بالآخرين. لقد لاحظت ذلك منذ رأيتهما عند وصولنا. صحيح أنها ابنة عمه لكنهما كالغريبين ولم يلتقيا منذ سنوات.
قال صالح مضيقا عينيه وقد وصلته رسالة زوجته
وشكوكها: - أفصحي!
- بالله عليك يا صالح، راقب ولدك جيدا وستفهم وتتأكد مثلي. حتى سارة، تبدو مختلفة مع عليّ.
حدجها صالح بنظرات حادة وهو يقول:
- هل جننت؟ إنها خطيبة شقيقه منذ سنوات. ليس عليّ من يفعل هذا!
قالت عبير مؤكدة كلامها:
- ها أنت قلتها! تمت تلك الخطبة منذ كان
الثلاثة صغارا. وسارة ليست فتاة اختارها عدي بملء إرادته بل على العكس، بالكاد أقنعته أنت بالمجيء وإتمام الخطبة. ولأن عليًّا كان يدرك رفض شقيقه
لسارة حين جاء الى هنا قبلنا، فربما مال قلبه نحوها
دون إرادة منه. خاصة أن في سارة الكثير من الصفات
التي يريدها.
فكر صالح في كلام عبير للحظات فأضافت:
- أنا لا أكره سارة كما تظن يا صالح. إنما اعتراضي على إجبارك لعدي على الزواج بها مع أنه اخبرك مرارا أنه لا يريد ذلك. ولو كان عدي يريد الارتباط بها لما عارضت. وها أنا أرجو لو يتم ارتباطها بعليّ ما دام يحبها.
زجرها صالح: - كفي عن هذا الهراء يا امرأة!
لم تصمت عبير بل قالت بنفاذ صبر علّ زوجها يفتح عينيه ويرى الحقيقة:
- لقد رأيتُه بنفسي كيف كان يرمقها بحزن وغيرة يوم ارتدت وعدي خاتمي الخطوبة. وذلك اليوم حين وقع الشاي على يدها، ألم ترَ كيف هبّ فزعا كي يطمئن عليها؟ ولا تقل لي أنها ابنة عمه ويعتبرها كأخته. لا ينظر الأخ الى أخته كما ينظر ولدك لها. وحتى هي، تكاد عيناها تشعان سرورا كلما نظرت نحو عليّ.
قال صالح بقلق: - لو كانت ظنونك في محلها فتلك مصيبة.
تساءلت عبير بلهجة رجاء: - لماذا؟ أليس من الجيد لو أن عليًّا ارتبط بسارة بدل أن يتزوجها عدي ويعيش الثلاثة مأساة لا حل لها؟ أتعرف ماذا سيحصل لعليّ لو تزوجت حبيبته بشقيقه، والذي لا يريدها أساسا؟ لماذا نجعل الثلاثة يعيشون الشقاء بينما يمكن أن نسعدهم جميعا؟
قال صالح بحنق: - لا تهذي يا عبير! الناس تعرف أن سارة لعدي. ثم إن سارة متعلقة به وتنتظره منذ سنوات، وإلا كانت أعلنت رفضها له.
قالت عبير مؤكدة: - تلك كانت أوهام طفولة وليس تعلقا أو حبًا. صدقني يا صالح، سارة وعليّ يميلان لبعضهما لكنهما يخجلان من الاعتراف بذلك.
شعر صالح بأن مصيبة حلت فوق رأسه. هل كان مخطئا بتزمته برأيه وعدم مصارحة سناء وسارة بالحقيقة؟ هل أعماه العناد كما قالت عبير فعجز عن
ملاحظة تعلق عليّ بسارة وارتياحها له؟
........
دخل عليّ المزرعة قرابة الخامسة مساءً. مرّ من أمام المنزل ليرى سارة تخرج مسرعة بعدما سمعت صوت صهيل الحصان الذي خرج ممتطيا إياه صباحا، غير منتبهة لنظرات الجميع التي استغربت تصرفها.
تبعها الجميع بينما نزل علي من على ظهر الحصان واتجه نحوها وقلبه يخفق لرؤية تلك اللهفة في عينيها والقلق على وجهها.
أسرعت اليه عبير وهي تسأل بقلق: - هل حدث لك
مكروه؟ أين كنت منذ الصباح؟
وقالت سارة وهي تشعر بنبضاتها القلقة تهدأ بمجيئه:
- مرت سبع ساعات على خروجك. قلقنا عليك
كثيرا.
قال صالح وهو يشعر بالذنب تجاه ولده متذكرا كلام عبير: - ماذا بك يا ولدي؟ أول مرة تخرج دون إعلامي بمكانك، وفوق هذا نسيت هاتفك.
ابتسامة ساخرة بدت على وجهه وهو يقول:
- ألا يحق لي التصرف بطيش لمرة واحدة يا أبي؟
رمقه الجميع باستغراب فتطلع إليهم وخصّت عيناه سارة بنظرة طويلة وهو يقول:
- اعتذر لأني سببت لكم القلق. لقد تجولت على ظهر الحصان خارج المزرعة ثم ذهبت الى النهر ولم أشعر بمرور الوقت.
لم ينس عليّ هاتفه كما ظنوا بل تركه متعمدا كي
لا يتصل به أحد أثناء تلك الخلوة التي أرادها
لنفسه.
قال عبد الحميد: - المهم أنك بخير يا ولدي.
- سلمت يا عمي. وأعتذر لكم ثانية.
دخلوا المنزل فاتجهت سارة الى المطبخ وهي تقول:
- لا بد أنك جائع. سأعد لك الغداء.
أومأ دون النظر إليها وهو يشكرها ثم صعد الى الغرفة
ليستحم وينزل بعد قليل متجها مباشرة الى المطبخ.
كانت سارة تضع قدح الماء قرب الصحون التي جهزتها له فقال وهو يجلس: - سلمت يداك.
رمقته بحيرة قبل أن تقول بعد تردد:
- ما بك يا عليّ؟ لست على طبيعتك اليوم.
آخر سؤال من آخر شخص يرغب بسماعه.
قال كاذبا: - مشاكل في العمل حدثني بها أحد
الموظفين أمس.
ابتسمت بمودة وهي تقول: - كل شيء يمكن أن يحل إلا تغير طبعك. عد سريعا كما كنت.
أبت عيناه الخائنتان إلا أن تتطلعا إليها لتزيد نظرته
الحزينة من قلقها فجلست الى يساره على الكرسي
وسألته:
- أحقًا يتعلق الأمر بالعمل؟ يمكنك أن تتحدث بما يضيق به صدرك يا ابن عمي.
" ليتني أستطيع يا ابنة العم وشقاء القلب وسروره! ليتني أستطيع قولها حتى لنفسي يا فاكهتي المحرمة التي كتبت لمن لا يريدها "
ابتسم ليطمئنها وهو يقول متجنبا النظر لوجهها:
- أنت لا تعرفينني فيما يخص العمل. يمكن أن
يقلب مزاجي أكثر من هذا بكثير.
في الصباح التالي وبينما كبار العائلة وزينب مجتمعون على مائدة الإفطار، تلقوا خبرا نزل عليهم نزول الصاعقة..

نهاية الفصل الخامس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الأربعاء أكتوبر 10, 2018 10:53 am




الفصل السادس
في الصباح التالي وبينما كبار العائلة وزينب مجتمعون على مائدة الإفطار، تلقوا خبرا نزل عليهم نزول الصاعقة حين هبط عليّ السلم بوجه شاحب وعينين زائغتين واتجه صوبهم ليناول والده الورقة التي كانت بيده وهو يتجنب النظر لوجه سناء وعبد الحميد.
بدأ صالح بقراءة الورقة لتتغير ملامحه ويكتسي وجهه بسحابة غضب قاتمة بينما كان الجميع يسأل عليّ عما حدث لكنه لم يقو على الإجابة.
نهض صالح وهو يسأل عليّ وعيناه تعكسان نيران
غضبه: - كيف لم تنتبه لخروجه ليلا؟ أم أنك
مشترك في الأمر؟
نفى عليّ مستغربا ظن والده: - كلا يا أبي! كيف
أفعل شيئا كهذا؟
بعد سماع صراخ صالح، لم تستطع سارة سوى النزول لتسمع عمها وهو يجيب أخيرا عن تساؤل خالها الحانق:
- فلتخبرنا ماذا هناك يا صالح!
نكس صالح رأسه ثم أجاب وهو يجلس منهارا:
- غادر عدي الى ميلانو. رحل لأنه لا يريد إتمام الزواج.
لطمت سناء وبتول وزينب وجوههن وحدق عبد الحميد بوجه صالح، غير مستوعب لما سمع.
نظرت عبير في وجوه الجميع والقلق والحرج يسيطران عليها. مع أنها كانت ضد هذا الزواج منذ البداية لشعورها بأنه ظلم ونوع من سلب الإرادة لأي شاب
وفتاة لكنها لم تكن تريد انتهاءه بهذه الطريقة.
أما عليّ فمذ قرأ رسالة شقيقه وعرف بهروبه وهو في حالة ضياع بين صدمة وألم وفرح.
تمنى تلك اللحظة خنق عدي وضمه في الوقت نفسه. أسعده لأنه لن يعقد قرانه على سارة وأغضبه بسبب المعاناة التي عاشتها وستعيشها بسببه.
حدق صالح بذلك الخطاب ثانية وهو يفكر بألم. هل كان مقصرا في تربية ولده لهذا الحد؟ مهما كان هو مخطئا بضغطه عليه لفعل ما لا يريد، ما كان يجب أن يضع ابنة عمه في ذلك الموقف. لقد فرّ دون مراعاة لتك المسكينة التي كسر قلبها وسيتسبب بتشويه سمعتها حالما يعرف الناس أنه تركها.
كانت زينب تسرع نحو سارة حالما رأتها تتقدم
نحوهم بينما كان صالح يصيح بانفعال موجها الأمر لعليّ: - اذهب وراءه واحضره فورا أينما يكون، وإلا ذهبت أنا وقتلته!
- لا داعي لذلك. أنا طلبت منه الرحيل.
قالتها سارة والألم والحنق يلوحان في لهجتها ونظراتها.
توقفت زينب أمامها وهي تحدق مباشرة بعينيها بينما تطلع نحوها الجميع والدهشة على وجوههم.
سألتها سناء التي بدا وجهها شاحبا: - ماذا قلت؟
أجابت سارة بلهجة غاضبة وانفاس متوترة وهي تنقل نظراتها بين عمها وعبير وعليّ:
- ما سمعته يا أمي. لن أرضى لنفسي بذلك الزواج. لن أكون إلا لمن يريدني ويقدرني.
سألها عبد الحميد بحيرة: - ما معنى كلامك؟
أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول وهي توجه نظرات
العتاب نحو عمها:
- لقد لاحظت أن عدي مجبر على الزواج بي يا خالي. لذا تحدثت إليه ليلة أمس وطلبت أن يخبرني الحقيقة قبل أن يعقد عقد قراننا ويصبح الأمر أسوأ حينها. لقد قال لعمي منذ ثلاث سنوات أنه لا يريدني وأنه يحب فتاة إيطالية لكن عمي لم يرق له هذا، فكيف لولده أن يتزوج بفتاة اجنبية ويعصي أمره؟ لهذا أرغمه على الحضور الى هنا وإتمام الزواج. حتى أنه هدده وأغراه كي يقبل بي.
صمتت لتلتقط انفاسها بعد تلك الكلمات الغاضبة المتتالية بينما كان الجميع ينقل نظراته بينها وبين عمها ثم صاحت بانفعال متناسية أنها تكلم عمها
أمام كبار عائلتها: - وكأنني سأموت لو لم أتزوج ولده!
ثم عاد صوتها ليخفت ويشوبه الألم:
- لماذا يا عمي؟ هل أنا رخيصة في نظرك لهذه الدرجة؟
دموعها وعتابها أوجعا قلب صالح وجعلا دموعه تتساقط ندما على ما فعل بسبب عناده.
رمقها عليّ والألم يعتصر قلبه. ليته أخبرها الحقيقة منذ البداية! ليته لم يشترك في الكذب عليها! ويحه إن علمت بمعرفته بالأمر كما تخبره نظراتها نحوه! لن تسامحه أبدا.
رمقت عمها وعبير وعليّ بغضب وهي تتساءل بغضب:
- كيف فعلتم هذا بي؟ أهذه وصية شقيقك لك
يا عمي؟ أتقبلين بهذا لبناتك يا زوجة عمي؟
عقد الألم لسانها ولم تستطع معاتبة عليّ لكن نظراتها التي نطقت بعشرات الكلمات أدمت قلبه. فعلى قدر ثقتنا بالشخص يكون ألمنا حين نتلقى الجرح منه.
قالت عبير وهي تنظر نحو سناء:
 - لا أعرف ما اقول. لقد أخطأنا في حقكم.
هتفت سناء بغضب لتذكرهم بما ينتظرهم من تساؤلات ولغط سيخوض فيه الناس حين يسمعون بإلغاء عقد القران:
- لو أنكم أخبرتموني الحقيقة ولم تكذبوا لما كنا في هذا الموقف الآن. ماذا سنقول للناس الذين يعرفون أنكم جئتم خصيصا لعقد قرانهما؟ ماذا سيقولون عن ابنتي؟ ما الذي يجعل ابن العم يترك ابنة عمه؟ هل سيصدق أحد أن رجلا يمكن أن يأتي ليعقد قرانه مجبرا ثم يهرب بعدما اعترف لعروسه بأنه لا يريدها فحررته من المسؤولية؟
قال عبد الحميد بغضب:
- لقد كذبتم علينا بلا حياء! وفوق هذا كنت متعجلا في عقد القران يا صالح! أين كان عقلك؟ ألم تفكر بالنتائج؟
قالت بتول ساخرة:
- أراد أن يتم عقد القران قبل هروب ولده.
لم يجد صالح كلمة يبرر بها ما فعله وأجبر عائلته على فعله لكنه قال وهو ينظر صوب سارة بانكسار:
- كل كلمات الاعتذار لا يمكن أن تمحو خطئي
في حقك يا ابنتي. لكنني كنت أريد الوفاء بوعدي لأخي وأخذك عندي والاهتمام بك بنفسي.
غطت سناء وجهها بيديها وهي تبكي بصمت فقالت عبير:
- أخبروا الناس أنني السبب. قولوا أنني لم أوافق على إتمام الزواج وافتعلت المشاكل فخفتم على سارة من استمراري بمعاملتها هكذا بعد الزواج وهي بعيدة عنكم فتراجعتم عن إتمام عقد القران. تحدث هذه الأمور كثيرا.
قال صالح وهو يشعر بالندم:
- ما حدث كان بسبب خطئي وسوء تقديري للأمور ولولا أن الناس رأوا حماسي لإتمام الزواج، لوضعت اللوم علي وقلت أنني تراجعت عن وعدي. أكثر
ما يهمني الآن هو حماية سارة من أي كلمة سوء تمسها.
رمق سارة بنظرة رجاء ليضيف:
- سامحيني يا ابنتي. لقد آذيتك معتقدا أنني أفعل كل هذا لمصلحتك.
ابتسامة ساخرة ظهرت على شفتيها وهي تقول:
- بل فعلته كي لا يتزوج ابنك بفتاة أجنبية ويخالف رغبتك.  
فقد عبد الحميد السيطرة على نفسه وهو يرى غاليته التي رباها في ذلك الموقف بسبب تعنت صالح وأنانيته فبدأ الجدال وتعالت الأصوات لينتهي الموقف بمشادة حادة بين بتول وعبير وبين صالح وعبد الحميد.
وقفت زينب قرب سارة، تشد على يدها وتواسيها بينما سناء تحاول فض الجدال العاصف بين عبير وبتول ويحاول عليّ تهدئة والده وعبد الحميد لكن دون جدوى فهتفت سارة لتوقفهم:
- كفى أرجوكم! احترموا مشاعري قليلا وأغلقوا الموضوع. لا أريد جدلا بينكم بسبب ما حدث. ولا تصوروني وكأني سأموت كمدا بسبب ترك عدي لي.
ثم تركتهم لتخرج الى المزرعة وهي تتذكر ما دار
بينها وبين عدي ليلة أمس حين دعته لتحدثه في
المزرعة خارج المنزل.
خرج عدي الى المزرعة ليجد سارة بانتظاره قرب  إسطبل الخيول كما أخبرته في الرسالة التي بعثتها له مساءً لتثير استغرابه وتساؤلاته.
“ ايعقل أنه موعد غرامي؟ هل ضاقت ذرعا بتجنبي إياها فقررت ترك خجلها ودعوتي للحديث على انفراد كأي خطيبين؟ كلا! سارة لا تفعل هذا فهي فتاة خجولة. إنها تخجل حين تتكلم معي فكيف تفعل هذا؟ “  
اقترب مترقبا معرفة سر دعوتها له فقالت دون انتظار ومقدمات:
- يريد عمي دعوة الناس غدا لحفل عقد قراننا. أي أنه لا مجال للتراجع حينها.
قطب عديّ جبينه مستغربا كلامها ونظراتها التي
اختلفت نحوه فقالت موضحة:
- أريد أن تخبرني الحقيقة يا عدي. أنت مجبر على الزواج بي. أليس كذلك؟
حدق بها بدهشة فسألته ساخرة:
- أظننت أني حمقاء لهذه الدرجة؟ لقد لاحظت منذ البداية لكنني كنت أعزو السبب كونك تراني مختلفة عن الفتيات في مجتمعك. لذا منحتك وقتا لتعتاد علي ولأتأكد أنا من شكي إن كان في محله أم لا.
“ كم هي فتاة قوية وشجاعة بعكس ما تبدو! لقد بادرت لمعرفة الحقيقة ولم تخضع وتصمت كما فعلت أنا “
زفرة عميقة ونظرة خجل بدت في عيني عدي ليقول بعدها بحزن وشعور بالذنب: - سامحيني يا ابنة عمي.
قالت بانفعال: - فقط أخبرني الحقيقة!  
حدثها عدي بكل شيء منذ أعلن لوالده رفض
إتمام الزواج وحبه لصوفيا وإجبار والده له على المجيء.
سالت دموعها حزنا على كل تلك السنوات التي ضاعت في انتظارها لأمل كاذب وهي تشعر بالألم يثقل صدرها. لم يكن ألمها متعلقا بخسارتها لعدي نفسه أو غيرة عليه لكنها الكرامة ووجع التعرض للخداع من أناس عزيزين على قلبها..
عمها الذي اعتبرته الأب الذي عوضها الله به مثل خالها على الرغم من بعد المسافة وعدم اللقاء، وعليّ الذي حفر لنفسه بسرعة مكانا عميقا في قلبها
فاعتبرته صديقا حباها الله به.  
أمسك عدي يدها وقال متوسلا وهو يرى دموعها:
- أرجوك لا تبك!
نفضت يدها من كفه بسرعة وهي تهتف بغضب:
- دعني! (تنفست بسرعة) هل استفاق ضميرك الآن بعد ما خدعتني وكدت ترتبط بي فقط من أجل مصلحتك؟ ماذا كنت ستفعل لو لم أتحدث أنا إليك الآن؟ أكنت ستتزوج بي وترضي والدك ثم تركض الى حبيبتك وتستمر علاقتك بها من وراء ظهري؟ كيف كنت ستعيش معي وأنت ترفضني وقلبك مع غيري؟ أي رجل أنت؟
صفعة نزلت على خده أودعت فيها كل غضبها وألمها، جعلته يهتف وهو يمسك معصمها:
- كنت أعرف أنك ستشعرين برفضي لك وتنهين هذه المهزلة. صدقيني، لم أكن لأتزوج بك!
قالت ساخرة وهي تشعر أن نار الغضب تأكلها:
- أصدقك؟ طبعا! لم تكن لتفعلها فأنت صاحب ضمير حيّ!
هتف وهو ينظر في عينيها: - لم أكن لأتزوج بك وأنا أعلم أن أخي يحبك!
رفت أجفانها المثقلة بالدموع بسرعة وهي تتلقى ذلك الخبر الذي أخمد غضبها لتحل الدهشة مكانه.
قال عدي بهدوء ونظرات حنو وندم صادقة:
- نعم يا سارة. أحبك عليّ لأنك تمثلين كل ما يرجو في شريكة حياته. ولأنه يعرف استحالة حبي لك، لم يستطع عدم الوقوع في حبك.
هربت بوجهها بعيدا وعقلها مشوش بما سمعت لتوها فأضاف عدي:
- عليّ ضحية طاعته الشديدة لأبي. لم يستطع قول لا، واشترك في إخفاء الأمر عنك مع أنه كان ضد كل ذلك وغير مقتنع به. وكم حاول إقناع والدي بإخباركم الحقيقة لكن أبي أصر على موقفه!
قالت وهي تهم بالمغادرة: - ارحل الليلة.
لكنه تبعها وهو يقول مستغربا: - ماذا تقولين؟  
- ارحل وسأخبرهم أنا الحقيقة.
وقف أمامها يمنعها من إكمال السير.
- لن أهرب واتركك تواجهين الأمر وحدك. لن
أظلمك أكثر مما فعلت.
هزت رأسها نفيا ومنعت دموعها من النزول بصعوبة
وهي تقول بإصرار: - غادر الآن الى المطار وأنا سأخبرهم الحقيقة صباحا.
أصرّ عدي: - قلت لن أغادر. لا استطيع كسر قلبك
أكثر. سنخبرهم الحقيقة معا.
هتفت بنفاذ صبر: - حبا بالله يا عدي! إن كنت تريد التكفير عن بعض ذنبك فغادر ودعني أواجههم وحدي. سيكون الأمر أصعب علي بوجودك.
سألها أخيرا: - هل أنت متأكدة؟
أومأت إيجابا فقال وقد دمعت عيناه:
- أعرف أني لا استحق، لكن أرجو أن تسامحيني يوما.
أسرع نحو المنزل فأسرعت نحو الشجرة الكبيرة لتسند ظهرها إليها وتطلق شهقات الألم والدموع التي كتمت الكثير منها أمام عدي.
تذكرت جلوسها وعليّ هناك ليطلق عقلها التساؤلات. أيعقل ما قاله عدي؟ كيف لعليّ أن يحبها وهي خطيبة شقيقه؟ ليس مثله من يفعل ذلك. ولما لا، ما دام يوقن باستحالة حب عدي لها أو زواجه بها؟
الآن فهمت نظراته وتصرفاته التي هربت من تفسيرها سابقا. هروبه وانقلاب مزاجه كلما رآها مع عدي، وغيابه عن المنزل ما إن سمع بتحديد والده موعد عقد قرانها وعدي، ليعود بذلك الوجه الحزين المنكسر وتلك النظرات المتألمة. وهي الغبية التي لم تفهم وظنت أن الأمر لا يتعلق بها من قريب أو بعيد.  
لن تنكر أنها شعرت بأن عليّ يكن لها شعورا خاصا فليست بذلك الغباء كي لا تشعر لكنها منعت نفسها من التفكير في الأمر، فكيف لذلك الرجل المكتمل الخلق الشهم أن يفكر في خطيبة شقيقه؟
أما وقد اتضحت الآن معرفته برفض عدي لها، فلا
غرابة في الأمر..
.........
دخل عليّ الى حقل الدواجن القديم الذي أغلق منذ سنوات وقد عرف أنه سيجدها هناك، فهو المكان الأبعد في المزرعة عن المنزل.
هتفت بغضب وهي تراه يدخل: - لا أريد رؤيتك الآن!
لكنه تقدم مسرعا نحوها فأضافت بحنق أكبر وهي ترفع إصبعها مهددة:
- أخرج وإلا أوجعتك بكلامي!
وصل قربها فاستدارت وأولته ظهرها وهي بالكاد تحاول السيطرة على انفعالها.
- فلتوجعيني بقدر ما تشائين. بقدر ما أوجعك صمتي
وخضوعي أمام رغبة والدي. فقط لا تصمتي وأخرجي
كل غضبك علي!
كلمات همسها بصوت يفيض حزنا ليختطف نبضها
ويجعل الدموع تترقرق في عينيها.
لما هو هكذا؟ حنون الى هذا الحد ومكتمل الأخلاق الى هذا الحد؟ ويعشقها الى هذا الحد؟
طالبها ألا تصمت. وكيف ستصمت مع كل غضبها منه وخيبة ظنها فيه؟ مسحت دموعها خلسة عنه مع أنه توقع بكاءها ثم استدارت نحوه بعنف لتقول بحزن وخز قلبها كما قلبه:
- خاب ظني فيك. كيف استطعت الكذب عليّ وخداعي كل تلك الفترة؟
ضحكت بسخرية والدموع في عينيها وأضافت:
- يا ابن عمي وصديقي وأماني.
رمقها بعينين فاضتا حزنا وقد أوجع كلامها قلبه
بينما عادت لتهتف بحنق وقد أغضبها صمته:
- كيف فعلتم هذا بي جميعكم؟ كيف استطعت
أنت؟ لماذا لم تخبرني الحقيقية؟ تكلم!
هتف أخيرا وقد خرج من هدوئه:
- لأني لم أستطع كسر قلبك وأنا أرى تعلقك بعدي. (أضاف بهدوء) تمنيت أن يكون عدي رجلا بحق ويخبرك الحقيقة لتنتهي تلك المهزلة لكنه لم يفعل. ولم أستطع أنا ايضا فعلها خوفا عليك.
هتفت بحنق لتسأله، غير مقتنعة بكلامه:
- ألم تخف عليّ مما ينتظرني لو تزوجته؟ ألم تفكر بما سيحدث لو عرفت الحقيقة؟ كنت أتمنى لو عرفت الحقيقة منك أنت. ربما حينها كان سينتهي
الأمر بشكل أقل إيلامًا.
أدار وجهه عنها وهو يقول صراحة والغيرة تتلاعب
بقلبه كما صوته: - ما كان ليصبح أسهل وأنت تكنين له كل ذلك الحب.
كادت تقول أنها لا تحب عدي، وذلك ما اكتشفته الأيام الماضية لكن غضبها منه أبى أن تريح قلبه بتلك الحقيقة فقالت:
- هل يمكن أن تتركني وحدي الآن؟
وقف قبالتها وقد بدا الإصرار في عينيه وهو يقول:
- لن أتركك حتى تهدئي.
هتفت وقد فقدت السيطرة على غضبها فراحت تتقدم نحوه وهي تصيح: - لن أهدأ ولن أسامحك! لن أنسى ما فعلته بي. لن أسامحكم! أتسمع؟
شعر بالراحة وهي تخرج غضبها فيه حتى هدأت
ثورتها قليلا فراحت دموعها تتساقط وشهقاتها تتعالى وقد فقدت السيطرة عليها لتقول بصوت متهدج متقطع:
- أوجعت قلبي بكذبك علي.
دموعها وصوتها الذي ضجّ بالألم والحزن وشهقاتها التي تعالت، جعلت أنفاسه تنقطع وقلبه يخفق ألما فلم يستطع منع نفسه من الاقتراب منها حتى شعرت بأنفاسه وهو يهمس ناظرا الى وجهها..

نهاية الفصل السادس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الجمعة أكتوبر 12, 2018 12:00 pm




الفصل السابع
شعر عليّ بالراحة وهي تخرج غضبها فيه حتى هدأت ثورتها قليلا فراحت دموعها تتساقط وشهقاتها تتعالى وقد فقدت السيطرة عليها لتقول بصوت متهدج متقطع:
- أوجعت قلبي بكذبك علي.
دموعها وصوتها الذي ضجّ بالألم والحزن وشهقاتها التي تعالت، جعلت أنفاسه تنقطع وقلبه يخفق ألما فلم يستطع منع نفسه من الاقتراب منها حتى شعرت بأنفاسه وهو يهمس ناظرا الى وجهها:
- وبكاؤك أوجع قلبي.
توقفت عن البكاء ورفعت رأسها لتتطلع الى عينيه وقد بدت الدهشة في نظراتها من تصرفه فتلك
أول مرة يقترب منها بذلك الشكل.
نطقت نظراته العاشقة بما لم يجرؤ لسانه على قوله فهربت من أمامه وأسرعت بالخروج من المزرعة كلها.
قادت السيارة على غير هدى حتى توقفت أمام النهر.
نزلت لتقف على الشاطئ فأخذتها أفكارها لتلك النبضات التي احتلت قلبها حين اقترب منها عليّ وهمس بتلك الكلمات فعاد قلبها للاضطراب من جديد.
أهو الخجل كون رجل اقترب منها لأول مرة لتلك الدرجة حتى كاد يلامسها أم لكونه هو بالذات من فعلها؟ لقد لامس عدي كفها حين ألبسها الخاتم لكنها لم تشعر باضطراب حقيقي كما شعرت مع عليّ بل كان اضطراب خجل.
هزت رأسها نفيا، معترضة على مقارنتها الدائمة
بينهما. لكن أنى لها عدم المقارنة وهي التي تعلقت بصورة عليّ لسنتين ظنًا منها أنه عدي؟ والى الآن لم تستطع التخلص كليًا من آثار ذلك، فكثيرا ما كانت تتذكر تحديقها بصورة عليّ ومناجاتها له وهي تظنه خطيبها.. ثم جاء عدي بعدم تقبله لها وبروده معها ليزيد الطين بلة وتجد نفسها مرغمة على المقارنة بين تصرفاته معها وتصرفات عليّ.
لقد ضاعت مشاعرها بينهما كما ضاعت سنوات من عمرها في انتظار عدي.
- أين كان عقلي؟
همست بحنق، مغتاظة من نفسها وغرابة تفكيرها
الذي صور لها أنها عشقت ذلك الخطيب الذي لم
تره منذ كانت صبية وكان شابا يافعا. ولامت غباءها الذي جعلها تنتظره كل تلك السنوات دون أن تتساءل عن سر عدم اتصاله بها ومحادثتها ولو مرة.
نظرت الى ساعة يدها ثم ركبت السيارة لتعود الى المنزل كي لا يقلق الجميع عليها فعادت لتتذكر ابتعاد عليّ أمس عن المنزل وعنها بعد سماعه تحديد صالح ليوم عقد قرانها وعدي.
تنهدت وحاولت طرد ذكرياتها ثم بدأت بقيادة السيارة.
عاد عليّ الى المنزل ليجد عبد الحميد يجري مكالمة هاتفية والقلق بادٍ على وجهه وبتول تفرك كفيّ سناء التي بدا التعب والشحوب على وجهها بينما
زينب تناولها كأس الماء.
أسرع عليّ نحوهم وهو يسألهم بقلق:- ما بها خالتي؟
أجابته بتول بحدة:
- عادت لها سرعة الخفقان وصعوبة التنفس. كيف لقلبها أن يتحمل كل ما حدث؟
تذكر عليّ يوم وفاة عمه حين توعكت سناء ونقلوها الى المستشفى، لتداوم بعدها مدة عامين كاملين على علاج أوصاها به طبيب أمراض القلب كي تتحسن حالتها. ويبدو أنها عاودتها بسبب ما حدث.
أنهى عبد الحميد المكالمة ليقول مطمئنا سناء:
- سيأتي الطبيب حالا. تماسكي أرجوك.
قالت سناء بصوت متعب: - أخرجوني. احتاج الهواء.
تقدم عليّ ليساعدها على النهوض ويسندها فقال
عبد الحميد بحنق: - ابتعد! اتركونا واذهبوا كما ذهب أخوك وسنكون بخير.
نزل صالح وعبير من الطابق العلوي فاقتربت عبير من سناء ورمقتها بنظرات قلقة بينما قال صالح يرد على كلام عبد الحميد:
- ومن قال لك أنني سأهرب كولدي عديم الغيرة
ذاك؟ إنها ابنة أخي والأقرب إلي منك يا عبد الحميد، مع أنك من ربيتها. لكن لو نطق أحد عنها بسوء فذلك يعيبني قبلك. إنها ابنتي أيضا ولا يمكن أن أسمح بأن تمس كرامتها وشرفها بكلمة سوء ممن لا يخافون الله.
نظر عبد الحميد وبتول إليه ونظراتهما تعكسان الغضب والحنق وسأله عبد الحميد ساخرا:
- وماذا ستفعل لتخرس ألسنتهم؟
رفع صالح حاجبيه وهو يقول: - سترون!
ثم وجه كلامه لسناء: - سارة أمانة في عنقي وبضعة من أخي الغالي. لن أتركها في هذا الحال فاهدئي ولا تخشي عليها شيئا.
قالت بصوت ضعيف: - ومن وضعها.. في هذا الموقف..
غيرك؟
وعدها صالح وهو يشعر بالقلق عليها:
- سأصلح ما أفسدت. أعدك يا زوجة الغالي.
خرجت سناء إلى فناء المنزل، يسندها عبد الحميد وزينب بينما جلس على ووالديه في الصالة بانتظار قدوم الطبيب والاطمئنان على سناء.
زفير عميق أطلقه عليّ ليقول بعدها معاتبا:
- كم مرة رجوتك يا أبي أن تخبر الخالة سناء الحقيقة بدل إجبار عدي على إتمام الزواج؟ كنت
أعرف أن عواقب هذا الأمر وخيمة.
قال صالح والشعور بالندم يثقل صدره:
- لم أستطع ذلك. كان يجب أن يتزوج عدي بابنة أخي وأمانته لي كي أفي بوعدي.
عقب عليّ بلهجة عتاب: - وتبعده عن صوفيا.
رفع صالح رأسه نحو عليّ ليقول:
- فكرت كثيرا بأن أخبر سناء أنك الأصلح لسارة لكنني لم أستطع.
رمقته عبير باستغراب ورفّ جفنا عليّ وهو يتخيل حدوث ذلك مع أنه يعرف استحالته، فما كانت سارة لتوافق وهي التي عاشت سنوات، تنتظر زواجها
بعدي.
سأل والده مستغربا عدم قدرته على تنفيذ أمر أراده:
- لماذا لم تفعلها يا أبي؟ فأنت دائما تفعل ما تريد.
سأله صالح وهو ينظر في عينيه:
- وهل كنت ستوافق على طرح الأمر على سناء وسارة؟
خفض عليّ بصره ولم يرد فقال صالح بحزن:
- لقد أثقلت عليك كثيرا، في العمل وغيره. دوما ما كنت الابن البار المطيع الذي يفعل ما يريحني حتى ولو على حساب نفسه فما كنت لأشق عليك أكثر بإجبارك على الزواج بفتاة غير التي تختارها بنفسك.
رمقه عليّ مستغربا وقالت عبير بامتعاض:
- لكنك أجبرت عدي على الزواج بسارة وترك
من اختارها قلبه.
تساءل صالح بحنق: - وهل يملك ذلك الأخرق رجاحة عقل عليّ لأسمح له بالاختيار؟ وهل تلك
الأجنبية تصلح أن تكون أمّا لأولادنا وتنسب
لعائلتنا؟ أم أنك توافقينه على هذا الأمر؟
ردّت عبير بامتعاض من أسلوب صالح المتحكم:
- لا أوافقه على الزواج بفتاة لا نعرفها لكنني أيضا لا أرضى بكسرك لقلب ولدي. ولا أن تشعره دوما بأن شقيقه أفضل منه. وهذا سبب تمرده الدائم على قراراتك وابتعاده عنك.
ابتسم صالح ساخرا وهو يقول: - بل ولدك منذ صغره يحب مخالفتي. أما عليّ (ابتسم بحنو) فحتى قلبه حين اختار، لم يخرج عن رغبتي.
قطب عليّ جبينه متسائلا فأضاف صالح بحزن:
- للأسف، أعماني عنادي عن رؤية حبك لسارة وميلها نحوك. لكن حتى لو لاحظت فقد تأخر الوقت على الكلام في الأمر بعدما جئنا لنتم زواجها بعدي.
وكأنه لم يسمع من كلام والده شيئا بعدما قاله عن ميل سارة نحوه فظل يحدق به بدهشة.
- نعم يا ولدي. لقد فتحت والدتك عينيّ على الحقيقة فلاحظت كيف كانت حالة سارة حين تأخرت في الخارج صباح أمس، وكيف كانت
عيناها تشعان حين تتحدث معك. بعكس الحزن الذي يسكنها حين تتكلم مع عدي.
قال عليّ بيأس غير مصدق لاعتقاد والديه:
- ذلك الحزن سببه أن عدي لا يحمل لها الحب
والاهتمام الذي تحمله هي في قلبها له. ليس الأمر كما تعتقدان فهي تحبه وانتظرته منذ سنوات.
أكدت له عبير: - بل الأمر كذلك. لا تعرف المرأة سوى المرأة يا ولدي. إنها تميل إليك.
نهض صالح وهو يقول: - اجمعا أغراضكما. سنذهب حالما نطمئن على سناء فالمكوث هنا لا يليق بعدما حدث.
سألته عبير: - والكلام الذي قلته لعبد الحميد وسناء، ماذا قصدت به؟ ماذا تنوي أن تفعل لحل المشكلة؟
قال صالح بغموض دون أن يجيب: - ستعرفان في وقته. جمع عليّ أغراضه وحمل حقيبته ليلقي نظرة أخيرة على الغرفة. نظر الى السرير المجاور لسريره حيث جلست سارة تراقبه بنظرات قلقة بينما كان يعاني ارتفاع مستوى السكر. تساءل بقلب منقبض إن كانت عادت الى المزرعة وإن كان سيراها قبل رحيله.
الرحيل.. ما أقساها من كلمة! أحقا سيرحل دون عودة؟ أحقا لن يراها ثانية؟
دخلت سارة المزرعة لتجد سيارة الطبيب متوقفة
قرب المنزل. دخلت المنزل وهي تتساءل عمن يكون صاحب السيارة. ليجيبها المشهد الذي رأته حين مرت من أمام غرفة والدتها فقد كان الطبيب يفحص نبض سناء. دخلت الغرفة مسرعة وقد شحب وجهها وهي تسأل: - ما بها أمي؟
أجابت بتول: - لا تفزعي حبيبتي. لقد توعكت قليلا فأتصل خالك بالطبيب.
قالت سناء بصوت متعب: - تعالي.
فقال الطبيب: - فلأكمل الفحص أولا.
دخل عليّ ووالداه الغرفة بينما كان الطبيب يكتب بعض الأدوية في وصفته وقد انتهى من الفحص لتوه. - كتبت لها بعض الأدوية ويجب أن تلتزم بها.
كما يجب أن تأخذ أشعة للقلب في أقرب وقت.
أسرعت سارة نحو والدتها وهي تقول:
- سنأخذها الآن الى المستشفى.
جلست قربها على السرير وقبلت يدها والدموع في عينيها فطمأنتها سناء بصوت متعب: - لا تخافي.
أسرع عليّ بأخذ الوصفة من الطبيب وهو يقول:
- ساعديها كي تجهز يا سارة لنأخذها للمستشفى ونحضر الدواء.
قال عبد الحميد بوجه متجهم وهو يقود الطبيب الى الخارج: - لا حاجة لذلك. فقط دعونا وشأننا.
رمقه عليّ متأثرا ومعاتبا ثم قال لسارة:
- أعطني مفتاح السيارة. أعرف أنك لن تستطيعي القيادة بهذه الحالة.
أعطته المفتاح فرمقتها بتول معاتبة وخرجت
كالجميع كي تستعد سناء.
أسرع عليّ بإسناد سناء على كتفه بينما أمسكت سارة ذراعها من الجهة الأخرى فقال عبد الحميد الذي خرج من غرفته وقد استعد للخروج:
- ألم أقل لك ألا تتدخل؟
قال عليّ بإصرار: - أرجوك يا عمي! خالتي سناء
غالية عليّ ولن أتركها حتى أطمئن عليها، بعد
إذنك.
قال عبارته الأخيرة وهو يكمل طريقه الى الخارج فابتسم صالح وهو يفكر “ في العناد أنت ابن أبيك! “
همست سناء لعبد الحميد: - دعه يا حاج.
رمقها عليّ بابتسامة وقادها الى السيارة ثم أجلسها في المقعد الأمامي بينما جلست سارة بين خالها وبتول. كان عليّ كل حين ينظر لها في المرآة فيرى عينيها الغارقتين بالدموع قلقا على والدتها.
أدخلت سناء قسم الطوارئ في المستشفى وأجريت لها الفحوصات اللازمة. وأثاء ذلك وصل صالح وعبير ومعهم زينب التي لم تستطع البقاء في المزرعة دون الاطمئنان على عمتها. أسرعت زينب نحو والدها والجميع بينما سألت عبير:
- كيف حالها؟ هل أخبركم الطبيب شيئا؟
أجاب عليّ وهو يرمق سارة التي لم تهدأ وتكف عن هزّ ساقيها باضطراب: - لا زالت في غرفة الأشعة.
تقدم الطبيب نحو عبد الحميد فأسرع عليّ ووالديه نحوه أيضا.
- لديها خفقان وصعوبة في التنفس. السبب نفسي وليس عضوي. هذه ليست المرة الأولى.
أومأ عبد الحميد مجيبا: - أول مرة كانت قبل ست
عشرة سنة حين توفي زوجها. استمرت حينها على العلاج لمدة عامين فتحسنت.
- وصفت لها بعض المسكنات عند الحاجة ودواءً ستستمر عليه لمدة شهرين ثم تأتي لأعيد لها الفحوصات. ويجب ألا تنفعل في الفترة القادمة.
نظر عبد الحميد وبتول الى صالح وعائلته شزرا بينما سألته سارة بلهفة:
- هل نستطيع أخذها الآن أم يجب أن تبيت هنا؟
- تستطيعون إخراجها فقد تحسنت بسبب الحقنة المهدئة. لكن احذروا أن تنفعل أو تقوم بمجهود بدني.
أسرعت سارة نحو غرفة الفحص حيث كانت الممرضة تساعد والدتها على النهوض. وبينما كان عبد الحميد يطالب صالح بالرحيل، قال عليّ بحنق:
- كفى أرجوكما! ألم يقل الطبيب أن تبتعد عن الانفعال؟
قال عبد الحميد بانزعاج: - اذهبوا وستكون بخير.
فقال صالح: - سنطمئن عليها أولا ونذهب. إلا إذا
طردتنا هي بنفسها.
حاولت زينب إنهاء الجدال فتركهما عليّ ليدخل الغرفة خلف سارة وساعد سناء في الجلوس على الكرسي المتحرك كي يذهبوا الى السيارة فقالت سناء: - سلمت.
جثى عليّ قربها وقبّل يدها وعيناه دامعتان وهو يتذكر أيامه الجميلة حيث كان منزله يجاور منزل عمه، وكانت العائلتان تقضيان أغلب الوقت معا. وسناء تهتم به وبعدي كما تفعل مع سارة.
- سلمت من كل شر يا خالتي.
أسرع الجميع نحوها وقال صالح: - سلمت من كل شر.
وسألتها عبير: - كيف أصبحت الآن؟
أومأت وهي تقول: - الحمد لله.
تقدم عبد الحميد وأخذ كرسي سناء من عليّ وقال بنظرة حادة ولهجة هادئة: - تستطيع سارة القيادة الآن، وقد اطمأننتم على سناء. حان وقت رحيلكم.
نظر عليّ صوب سارة فأومأت إيجابا فابتعد وقلبه يغص ألمًا.
ألم اعتصر قلبها أيضا وهي تنظر صوبهم. الى متى ستظل بهذا الغباء الذي يسببه لها التعلق بالأشخاص؟ بعد كل ما فعله عمها بها، ما زال قلبها يحن إليه.
استدارت متجنبة النظر لوجه عليّ فسمعت عمها يقول: - أستودعكم الله.
عادت سارة والجميع الى منزلهم في مركز العاصمة، وذهب عليّ ووالديه الى الفندق الذي حجز فيه صالح غرفتين قبل مجيئه للمستشفى.
في المساء، اجتمع علي بوالديه في مطعم الفندق.
سأل والفضول يؤرقه:
- لم تخبرنا بعد يا أبي عما تنوي فعله. لقد أخبرت العم عبد الحميد أنك ستحل المشكلة. لا أجد حلا لها فكيف ستحلها يا أبي؟
ابتسم صالح وهو يقول بغموض: - لي طرقي يا بني فلا تقلق.
تساءل عليّ بلهجة حزن وعيناه تعكسان حيرته:
- أيعقل أن تعود العلاقة والألفة بيننا كما كانت؟ أيعقل أن تسامحنا سارة وخالتي بعد كل ما حدث؟
ثم زفر وتساءل نادما:
- كيف صمتت ولم أتدخل؟ كيف لم أخبر سارة الحقيقة وليحدث ما يحدث؟
قالت عبير: - لشعورك بالذنب كونك أحببت خطيبة شقيقك مع أنك تعرف رفضه لها. لكن هذا انت، تابى الشهامة ومراعاة الآخرين مفارقتك.
عاد ليسأل والده بإلحاح:
- لم تخبرني على ماذا تنوي يا أبي.
ابتسم صالح بمكر وهو يقول: - ستعرف حينها. لن اتخذ أي خطوة قبل مرور يومين أو ثلاث حتى تتحسن سناء قليلا. لا نريد لها أن تتوعك من جديد.
اعترض عليّ ممتعضا:
- لاحظ أنني في هذا الأمر معكم بل أنا أكثر من غضبوا عليه من بينكم. لذا أخبرني بما يدور في رأسك ولا تخفي الأمر وكأنه سرّ.
قال صالح بابتسامة استفزت عليّ:
- اعتبره كذلك.
.........
كان عديّ جالسا يفكر فيما حدث أول أمس حين ذهب الى المطار ليلا ليحجز تذكرة على متن أقرب رحلة عائدة الى ميلانو. تنهد وهو يفكر بحقارة ما فعل.
“ كيف تركتها لتواجه الأمر وحدها؟ هربت وتركت المصائب ورائي. حتى أني أغلقت الهاتف حتى هذه اللحظة كي لا يصلوا إليّ. أتجنب غضب والدي ولا أفكر بما ستعانيه تلك المسكينة التي راحت ضحية تعنت والدي وتحايلي وجبني وصمت أخي وأمي.
ماذا دهاني؟ متى كنت بهذه النذالة والخسة؟ حتى
صوفيا، لم تسلم من خداعي وكذبي فأخفيت الأمر
عنها كي لا تراني على حقيقتي. ولهذا أهرب من رؤيتها منذ يومين ولم أعلمها بوصولي.
زفر حانقا على نفسه وأسرع بالخروج من منزله متجها الى منزل صوفيا.
فتح عدي الباب بمفتاحه الخاص وابتسامة ولمعان شوق في عينيه لكنهما تبخرا بعد لحظات حين رأى صوفيا تعانق رجلا.
التفتا إليه وتقدمت صوفيا نحوه حالما رأته وهي تقول بدهشة: - لم تخبرني أنك ستعود، آموري ميو.
رأت شرارة الغيرة في عينيه فقالت بابتسامة وهي تعود الى الرجل لتمسك ذراعه بحنو وتقول:
- لن تغار من (ماركو)! إنه صديق طفولتي. لقد كان
خارج البلاد وأتى قبل أيام. واليوم سيغادر ثانية
فكنت أودعه.
قال ماركو بابتسامة وهو يتقدم ويمد يده نحو عدي
للمصافحة: - اعذريه فأنا أعر ف أن رجال العرب
غيورين جدا على نسائهم.
قال عدي بحنق ونظرات مشمئزة لماركو دون أن يمد يده نحوه: - ويزيدنا فخرا. أساسًا، نساؤنا لسن مشاعا لأحضان أي رجل.
رمقته صوفيا بدهشة وحدة معا بينما خرج عدي فقال ماركو:
- اعذريه صوفي، فليس من السهل التخلص من العادات التي تربى عليها الناس. اذهبي لتصالحيه.
قالت بإصرار: - لقد مللت عقليته المتخلفة! وماذا لو عانقتك كصديق؟
لامس ماركو شعرها وهو يقول: - من أجلي صوفي. كي لا اشعر اني السبب في خصامكما.
أومأت وتبعت عدي لتلحق به حين كان يهم بالانطلاق بسيارته. ركبت السيارة وسألته بحنق:
- ما معنى الكلام الذي قلته قبل قليل؟ هل تراني مشاعا لمن هبّ ودبّ؟ أخبرتك أنه صديق طفولتي. لا يستدعي الأمر هذه الغيرة.
هتف عدي والغضب يطل من عينيه:
- وإن يكن! أليس رجلا؟ أخبرتك منذ ارتبطنا أنني لا أريد أن يلمسك أحد غيري، واتفقنا على ذلك فما الذي تغير؟
هتفت صوفيا بنفاذ صبر: - أقول لك إنه صديقي وليس شيئا آخر.
ضيق عينيه وهو يسألها وقد تسرب الشك الى داخل قلبه:
- ماذا كنت تفعلين في غيابي؟ التقيت بأصدقائك القدامى كلهم وتبادلت معهم العناق بحرية بما ان الاحمق الذي يمنعك عن فعل ذلك غير موجود ولا يعرف بما تفعلين من وراءه؟
صرخت بوجهه وقد ضاقت ذرعا:
- كفى! لا أسمح لك بإهانتي. لقد سئمت تفكيرك المتخلف وغيرتك وتحكمك بي. ما دمت تراني منحلة ولا تثق بي فلماذا أحببتني؟ لماذا لم ترتبط بفتاة عربية لها نفس أفكارك؟ أنا أقول لك، لأنك لم تكن لتحصل عليها إلا بالزواج. وهذا ما جعلك ترتبط بي. أما أنا فقد ارتبطت بك وفعلت ما فعلت بسبب حبي لك. لككني ضقت ذرعا بتصرفاتك المتناقضة. أنت منافق وقح!
أمسك معصمها وهو يقول: - اغربي عن وجهي! هيا انزلي من السيارة!
نزلت صوفيا مسرعة وهي تحبس دموعها وصفعت الباب بقوة.
تعالت أنفاس عدي وذاكرته تسترجع منظر صوفيا وهي بين ذراعي ماركو. وفي التو، عقد عقله مقارنة بين ذلك المشهد وبين وجه سارة المحمر خجلا ونظراتها المضطربة حين أمسك يدها فقط كي يلبسها خاتم الخطوبة.

نهاية الفصل السابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في السبت أكتوبر 20, 2018 11:37 am




الفصل الثامن
تعالت أنفاس عدي وذاكرته تسترجع منظر صوفيا وهي بين ذراعي ماركو. وفي التو، عقد عقله مقارنة بين ذلك المشهد وبين وجه سارة المحمر خجلا ونظراتها المضطربة حين أمسك يدها فقط كي يلبسها خاتم الخطوبة.
ضرب مقود السيارة لينطلق بعدها بسرعة، عائدًا الى المنزل. وظل يفكر طوال الطريق بكلمات صوفيا التي طعنته في الصميم وجردته من أقنعته.
“ إنها محقة فأنا مجرد منافق لا يعرف ما يريد ولا يملك مبدأً يلتزم به ويدافع عنه. من جهة أقيم علاقة محرمة معها، تخالف ديني وتقاليدي
ومن جهة أريد منها احترام غيرتي النابعة من
تلك التقاليد. أي رجل أصبحت؟ أين ذلك الشاب النقي الذي قدم الى إيطاليا قبل تسع سنوات؟ لقد تغيرت وماتت في داخلي أشياء كثيرة. لماذا لم استطع المحافظة على ذاتي كما فعل أخي؟ الغريب أنني اكتشفت اليوم أني لا أستطيع التخلص من عاداتي والانسلاخ من أصولي. لقد اشتعل الغضب والحمية داخلي وأنا أرى صوفيا بين ذراعي رجل آخر مع أني أعلم أنها تحبني ولا يمكن أن تخونني، وأنه صديقها وحسب “
تنهد بحرقة وزاد من سرعة السيارة كعادته حين يغضب أو يتضايق. وزاد من ضيقه تساقط حبات المطر ومنظر السماء القاتمة التي تلبدت بالغيوم.
أخذته أفكاره هذه المرة نحو عليّ وسارة.
“ ماذا حدث بينهما يا ترى؟ هل استطاع أخي إقناع
سارة بمسامحته؟ لا بد أنها غاضبة منه لأنه صمت ولم يخبرها الحقيقة. هل ستفكر به بطريقة مختلفة بعدما أخبرتها بحبه لها؟ ليتهما يجتمعان فهما يليقان ببعضهما كثيرا. الاثنان نقيان ولديهما الكثير من الصفات المشتركة. ليتني أستطيع فعل شيء ليجتمعا فأكفر عن ذنبي في حق سارة! لكن ما الذي..“
قاطع أفكاره صوت المنبه القوي للسيارة المقابلة التي اقتربت مسرعة نحوه فقد شرد بأفكاره لينحرف عن خط سيره الى الخط الثاني في ذلك الشارع ذو الاتجاهين.
أدار المقود بسرعة لينحرف يمينًا كي يتجنب الاصطدام بالسيارة لكن سرعته العالية والشارع الذي أصبح زلقا بسبب المطر، جعلا سيارته تنقلب مرتين على جانب الطريق.
رنّ جرس الباب فخرجت بتول لفتحه بينما كان عبد الحميد يصلي العصر. وحالما انتهى من صلاته، همّ باللحاق بها ليرى من الطارق لكنها سبقته بدخول الصالة بوجه مضطرب فسألها عبد الحميد:
- ما بك مضطربة هكذا؟ من الطارق؟
- صالح وعلي وعبير.
هتف عبد الحميد بانزعاج: - ماذا يريدون؟ لا اريد استقبالهم في بيتي بعد..
- معهم الشيخ (عدنان).
قاطعته بتول لتتغير ملامحه ويتمتم بحنق:
- تجرأ وفعلها ليحرجني ويجبرني على استقباله! افتحي باب غرفة الضيوف ولأخرج لاستقبال الشيخ.
نظرت سارة باستغراب لوالدتها وهي تشعر بأنها ليست غاضبة كما يجب أن تكون. هي تعرف أن والدتها طيبة القلب جدًا لكنها توقعت منها بعض الغضب عليهم.
بعكس نظرات عبد الحميد الحانقة نحو صالح وولده وزوجته، كانت نظراته مليئة بالترحيب والاحترام نحو الشيخ عدنان.
- شرفتني بقدومك يا شيخ.
- فليحفظك الله يا ولدي. سمعت أن أم سارة مريضة فجئت لأطمئن عليها.
رمق صالح بامتعاض قبل أن يقول بحفاوة لعدنان:
- البيت بيتك يا شيخنا وتأتي لتشرفنا في أي وقت تشاء. سأنادي أم سارة.
قال عدنان بابتسامة وهو يشعر بغضب عبد الحميد المكتوم: - وسارة أيضا. لم أرَ تلك الصغيرة التي تخشاني منذ زمن.
رسم عبد الحميد ابتسامة على وجهه ونهض من فوره لينادي سناء وسارة وهو يشعر أن وراء قدوم صالح برفقة الشيخ عدنان أمر كبير.
ابتسامة شوق ظهرت على وجه عليّ وهو يتذكر خوف سارة من الشيخ عدنان في صغرها. كانت تختبئ منه وترفض الذهاب للسلام عليه.
تذكر وصفها للشيخ عدنان حين كانت في السابعة أو الثامنة لتتسع ابتسامته. كان يومها يشجعها على الدخول الى الغرفة حيث كان يجلس الشيخ عدنان وصالح وعبد الحميد وبعض الأقارب:
- لا تخافي، سارة! سأدخل معك. سلمي عليه واخرجي بسرعة.
هزت سارة رأسها نفيا، مصرة على عدم الدخول وهي تقول بخوف طفولي:
- كلا يا عليّ! ألا تراه؟ إنه عجوز ويرتدي عقالا كبيرا وعباءة ضخمة، وصوته خشن مخيف.
ضحك حينها عليّ وقال:
- إنه رجل طيب فلماذا تصوريه وكأنه وحش؟
رفعت كتفيها عدة مرات علامة النفي ثم هربت..
دخل صالح الصالة ليقول لسناء وسارة:
- يريد الشيخ عدنان رؤيتكما. يقول أنه سمع
بمرضك ويريد الاطمئنان عليك. صالح من أخبره بمرضك بالطبع!
شيء تحرك في قلب سارة وهي تفكر برؤية عليّ الموجود في غرفة الضيوف فنهرت نفسها وذهبت لترتدي شيئا مناسبا.
دخلت سناء وبتول الغرفة وخلفهما سارة تحمل صينية القهوة، وكأنها طفلة تحتمي بهما. لقد شعرت حين وقعت عيناها على الشيخ عدنان - ككل مرة تراه - وكأنها عادت صبية صغيرة. ما زال يملك تلك الهالة من الهيبة والوقار. لا بل إنها زادت مع تقدمه في السن.
ألقت سناء السلام وفعلت سارة مثلها بصوت خافت.
أخيرا، وقعت عيناها عليه لتتلاقى نظراتها
المرتبكة بنظراته المتلهفة.
خمسة أيام مضت دون أن تراه، كانت كفيلة بأن تشعرها بالشوق لرؤيته وبالفراغ الذي تركه غيابه في نفسها. ألهذه الدرجة مكانته كبيرة في قلبها؟
تقدمت سناء من الشيخ وهي تقول:
- شرفتني بقدومك للسؤال عني يا شيخ.
قال عدنان بابتسامة دافئة:
- أعزك الله يا ابنتي وحفظك من كل سوء. كيف أصبحت الآن؟
أجابت وهي تأخذ فنجان القهوة لتضعة أمام الشيخ عدنان بينما كانت سارة تتجنب النظر لعليّ الجالس الى يمينه: - بخير والحمد لله. سلمت.
قال عدنان لسارة بابتسامة حانية:
- مرّ وقت طويل منذ رأيتك آخر مرة. تعالي لتجلسي قربي، أم أنك ما زلت تخافين مني كما كنت وأنت صغيرة؟
ابتعد صالح قليلا ليفسح المجال لسارة كي تجلس مكانه الى يسار عدنان فابتسمت بارتباك وهي تجلس وعيناها تتجنبان النظر الى عليّ الذي نظر صوبها وخطفت قلبه غمازتيها كما تفعلان دوما.
تحدثت سارة اخيرا بصوت مضطرب:
- لم يكن خوفا بل.. إنها هيبتك يا شيخ.
أطلق عدنان ضحكة قصيرة بينما كانت سارة تحارب دموعها حين همس عمها صالح بصوت حنون:
- كيف حالك يا غالية؟
أومأت دون أن تجيب فربت صالح على يدها وهو
يطالبها بمسامحته للمرة العشرين، ربما.
قال الشيخ عدنان ناظرا لسناء وعبد الحميد :
- لندخل في الموضوع مباشرة. لقد أخبرني صالح بكل ما حدث.
نظر عبد الحميد نحو صالح بغضب وتساءل موجها الكلام لعدنان: - هل أخبرك عن هروب ولده أم أنه أخفى الأمر؟ فهو ماهر في إخفاء الحقائق والكذب.
رمقه عدنان معاتبا وقال بحزم:
- هل سنبدأ الحديث بالشتائم؟ نريد حل الأمر.
قال عبد الحميد:
- اعذرني يا شيخ لكن ما فعلوه بسارة لا يغتفر. لقد خدعونا دون أن يرف لهم جفن.
اضطربت سارة ونهضت وهي تقول: - اسمحوا لي.
لكن عدنان قال بهدوء:
- اجلسي يا ابنتي فالأمر يخصك قبل الجميع.
عادت للجلوس وهي تحاول السيطرة على انفعالها بينما قال عدنان:
- ما حدث لا يغتفر كما قلت يا عبد الحميد. ولا تظن أنني راض عن صالح لأنني جئت معه الآن. لقد جئت لأجل سارة.
نظرت سارة نحو الشيخ وعقلها يحاول تحليل مغزى كلامه.
- منذ اعتبرتني العائلة كبيرا لها وأنا أعتبر كل
واحد فيها أخًا أو ابنًا أو حفيدا. وسارة غالية علي بقدر مكانة والديها في قلبي. لا أسمح بأن يؤذيها أحد أو يمسها بكلمة سوء. لكنني لن أستطيع تكميم
أفواه من لا يخافون الله في تلك البلدة.
أطلق زفيرا وهو ينظر في الوجوه التي تحاول معرفة المغزى من كلامه ثم أضاف:
- ما حدث قد حدث. فرّ الفتى بعد طلب من سارة في لحظة طيش نتجت عن جرحه لكرامتها. أعر ف يا ابنتي أنك شعرت بالمهانة بسبب رفضه لك وكذب الجميع عليك لكن ما كان يجب أن تطالبي عديّ بالمغادرة. كان يجب أن يبقى لحين يتشاور الكبار في العائلة ويقرروا ماذا سيفعلون وبما سيخبرون الناس.
تساءلت سارة أخيرا وعيناها دامعتان:
- ماذا كنت سأفعل يا شيخ بعد كل ما عرفت؟
رمقتها سناء بحزم وأشارت لها بالصمت فقال عدنان:
- دعيها تتحدث وتقول ما تريد. لكن أريد سؤالك
يا سارة، ألم يخطر ببالك وأنت تقررين مواجهة الأمر وحدك ومطالبة ذلك الجبان بالهرب بالعواقب؟ أنت أيضا أخطأت يا سارة.
نزلت دموعها لتجيب بصعوبة:
- بالطبع فكرت. لكن كيف لي أن أرضى لكرامتي بالزواج من رجل مثله؟ رجل قبل الزواج بي ليحقق مصالحه ويتجنب غضب أبيه؟
قال عدنان بانفعال:
- كان هناك أكثر من طريقة ليحل الأمر يا بنت! ما كان يجب أن تقرري وحدك في لحظة غضب ودون التفكير جيدا بالعواقب.
زاد بكاؤها وهي تعترف لنفسها أنها تهورت بل وكافأت عدي بإعفائه من تحمل المسؤولية وتحملتها وحدها.
غص قلب عليّ وهو يرى دموعها وانكسارها ورمقها الباقون بحزن.
شبك عدنان أصابعه وصمت لحظات ثم قال:
- ما حدث قد حدث. المهم الآن تجنب اللغط وكلام السوء. يجب أن نتصرف بحكمة ونجد كلاما مناسبا نقوله للناس عما حدث.
نظر نحو سارة ووجه كلامه لها:
- نحن لا نعيش وحدنا يا ابنتي. وشئت أم أبيتِ فأنت مرتبطة مثلنا بجذورك في تلك البلدة. لو نويتم إتمام الزواج هنا في المدينة لكان الأمر أسهل. لكن لسوء الحظ فقد قررتم إتمامه في المزرعة في البلدة، وعرف الجميع بأن حفل عقد قرانك وعديّ قريب.
رمق عبد الحميد معاتبا وأضاف:
- وأنت الآخر أخطأت. كيف تطلب من صالح الرحيل بعدما حدث بدل حل الأمر معا؟
قال عبد الحميد باضطراب: - وكيف سيحل؟ لقد وضعنا صالح في موقف لا خلاص منه يا شيخ.
هز عدنان رأسه بعدم رضا وقال:
- لا يختلف تفكيرك عن تفكير ابنة اختك كثيرا. لا توجد مشكلة بلا حل يا عبد الحميد.
رمقته سارة وأهلها بقلق وانتظروا ما سيقول..
.........
حين فتح عدي عيناه، وجد نفسه في المستشفى.
حاول تحريك نفسه فتأوه متألما. نظر الى يده التي يعلوها الجبس فتنهد بيأس وهو يفكر “ أهذا وقته! كنت سأعود غدا الى البلدة لأحاول تصحيح ما
فعلته ومعرفة ما حدث لسارة”
نظر الى هاتفه الذي تحطمت شاشته بسبب الحادث. همّ بالاتصال بعليّ لمعرفة ما حدث لكنه عدل عن ذلك وخشي أن يتردد في العودة للبلدة لو تحدث مع عليّ.
دخلت الطبيبة وألقت التحية.
- حمدا لله على سلامتك.
ابتسم وهو يسمعها تتحدث بلهجة بلده وأطلق سؤالا أحمقا: - كيف عرفت أنني عربي؟
قطبت جبينها وهي تسأله: - عدي صالح، هل يمكن أن يكون هذا الاسم إيطاليا؟
ابتسامة بدت على شفتيه ليسألها:
- منذ متى وأنا هنا؟
قالت الطبيبة وهي تفحص نبضه:
- أحضروك أمس. كنت غائبا عن الوعي مع أن دماغك لم يتأثر بالحادث والحمد لله. كل ما تعاني منه هو رضوض وخدوش وكسر في اليد.
- متى يمكن أن أخرج؟
سألته بابتسامة لطيفة تنافي الطابع الحزين لعينيها:
- هل سئمت منا بهذه السرعة؟ لقد استيقظت لتوك.
تأملها عدي بابتسامة ونظرات إعجاب ثم قال:
- وهل يمكن أن يسأم الرجل إن كانت طبيبته مثلك؟
رمقته بسخرية رافعة حاجبيها ثم أكملت فحصه. عاد ليسألها وهو يقرأ اسمها المعلق على زيّها:
- لدي أمر مستعجل يستوجب عودتي للوطن. متى
أستطيع الخروج من المستشفى؟
أجابته وهي تكتب ملاحظات عن حالته:
- من الأفضل أن تبقى يومين هنا لمراقبة حالتك.
ستمر عليك الممرضة لإعطائك الأدوية في
موعدها. معافى إن شاء الله.
- سلمت، دكتورة (شجن).
أومات وخرجت مستغربة نظراته الجريئة وهي تفكر “ هل يتصرف هكذا كالأخرق مع أي امرأة يقابلها؟ ”
بينما ابتسم مفكرا بأنها اسم على مسمى فعيناها العسليتان الجميلتان تحملان الكثير من الحزن.
تنهد وقد أخذته أفكاره نحو صوفيا.
“ تراه انتهى ما بيننا بسرعة هكذا؟ وكيف لنا أن نعود كما كنا بعدما أخرجنا ذلك السخط
والحنق على بعضنا؟ مع كل ذلك الحب الذي جمعنا، بقي اختلافنا عائقا بيننا. لم أتقبلها كما هي ولم تتقبلني كما أنا. هل كان حبنا هشا لهذه الدرجة حتى يسقط أمام أول مشكلة حقيقية؟ “
تنهد وهو يفكر أن أهم شيء بالنسبة له الآن ليبدأ من جديد ويستعيد نفسه هو إصلاح ما فعل مع سارة وتحمل المسؤولية ومواجهة الآخرين بشجاعة كما فعلت هي.
وبالفعل توجه عدي الى المنزل حال خروجه من المستشفى وأعد حقيبته على عجل ليسافر على متن الرحلة المغادرة لبلده بعد ساعتين.
.........
في منزل عبد الحميد، كانت نظرات الجميع معلقة
بالشيخ عدنان الذي أفصح عن الحل المناسب برأيه لإنقاذ سمعة سارة من كلام الناس وردّ كرامتها أمامهم.
- لو قلنا أن عدي وسارة لم يتوافقا حين التقيا بعدما كبرا وافترقا كل تلك السنين وذلك ما حدث بالفعل، وأن صالح متمسك بابنة أخيه لذا خطبها لولده الآخر فلن يتفوه أحد بكلمة.

نهاية الفصل الثامن

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على وعد - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الأربعاء أكتوبر 24, 2018 8:54 am




الفصل التاسع
في منزل عبد الحميد، كانت نظرات الجميع معلقة
بالشيخ عدنان الذي أفصح عن الحل المناسب برأيه لإنقاذ سمعة سارة من كلام الناس وردّ كرامتها أمامهم.
- لو قلنا أن عدي وسارة لم يتوافقا حين التقيا بعدما كبرا وافترقا كل تلك السنين وذلك ما حدث بالفعل، وأن صالح متمسك بابنة أخيه لذا خطبها لولده الآخر فلن يتفوه أحد بكلمة.
حدق عبد الحميد وبتول بوجه عدنان ثم رمقا آل صالح بغضب بينما تباينت مشاعر سناء بين دهشة وسرور. نعم، يسرها أن ترتبط ابنتها بعليّ. مع أن إخفاءه الحقيقة وكذبه عليهم أحزنها كثيرا
إلا أنها تجده الأفضل لابنتها. رجل ذو خلق فيه صفات تشبه صفات ابنتها وهو ابن عمها وسيكون خير سند لها. وبالتأكيد تلك الطريقة ستخرس أفواه الناس كما قال الشيخ.
أما سارة فالتفتت يسارًا ثم يمينًا، مرسلة نظرات الدهشة والحنق نحو عمّها ثم عليّ.
بدأ عبد الحميد تساؤلا بدا فيه الغضب مع أن صوته كان خفيضا بحضور عدنان:
- كيف ذلك يا شيخ؟!
قال عدنان بحزم: - تلك هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ الموقف. لن يجرؤ أحد على التحدث بكلمة عن سارة بعدما يعلن عمها أنه متمسك بها ويريدها لعليّ كي لا تذهب لرجل غريب.
كانت نظرات سارة نحو عليّ تعكس الغضب وهي ترى السعادة تطل من عينيه. في الحقيقة، هي لم تكن مستاءة جدا من فكرة ارتباطها بعليّ لكن الطريقة والتوقيت جعلاها تشعر بأن كرامتها انتهكت للمرة الثانية من عمها وعائلته.
خفق قلبه وهو يفكر بأنها قد تصبح خطيبته بعد أيام. تراها ستتخلى عن عنادها وتتنازل لتقبل بهذا الحل؟ يعرف أن الطريقة والوقت غير مناسبين لكنه لا يستطيع منع دقات قلبه من التراقص فرحا حين يفكر باحتمال ارتباطهما.
عاد بذاكرته الى يوم أمس حين ذهب ووالديه صباحا الى منزل الشيخ عدنان في البلدة..
بعدما سمع عدنان تفاصيل ما حدث من صالح -عدا
حب عليّ لسارة- وبعدما لام صالح على تعنته وعبير وعليّ على موافقته والاشتراك في إخفاء الحقيقة،
أخذ يفكر بحل للأمر فقال عليّ بانفعال خشية أن يقترح الشيخ إجبارهم عدي على العودة وإتمام عقد القران:
- يا شيخ، أريد ابنة عمي.
تفحصه عدنان بنظراته وقد لمح في عينيه ووجهه الشاحب قلقا، وشعر أن خلف كلامه سبب آخر غير اندفاعه لإنقاذ سمعة العائلة وابنة عمه.
حكّ عدنان لحيته ثم قال ليستفز عليّ وهو ينظر في عينيه: - أليس من الأفضل لو أعدتم شقيقك الهارب..
- كلا يا شيخ!
قاطعه عليّ باندفاع وقد زاد شحوب وجهه فرمقه
عدنان بعينين ضيقتين بينما أكمل مستدركا:
- أعني.. لن تقبل به سارة بعدما حدث. كما أنه أقفل هاتفه كي لا نصل إليه. وحين اتصلنا بهاتف المنزل لم يرد علينا.
أشار له عدنان بأن يتقدم نحوه فنهض واقترب منه حيث يجلس فرفع عدنان يده ليجذب قميص عليّ وهو يقول بحزم مع أن موقف عليّ أعجبه فقد صادف في حياته موقف مشابها لصديق له، أحب قريبته التي كانت موعودة لابن عمها منذ الصغر وفعل المستحيل ليتزوجها:
- ما دمت تجرأت ونطقت فكن شجاعا وقل الحق. هل تريد الارتباط بها لتنقذ الموقف فقط؟
صمت عليّ لحظات وهو يحدق بعدنان ثم قال:
- كلا يا شيخ. بل أريدها لذاتها.
عاد عدنان لسؤاله: - وهي؟ أليست تعتبرك أخًا لها كونك شقيق خطيبها؟
هنا تدخل صالح ليوضح: - الأمر معقد يا شيخ. لكن أستطيع الجزم أن سارة حين تعرفت على عليّ، حدث توافق بينهما وتقاربا كأبني عمّ. وأظن أن شعورها نحو عليّ اختلف حين رأت نفور عدي منها ثم تأكدت أنه لا يرغب بها.
أطلق عدنان قميص عليّ أخيرًا وقال وهو يبتسم:
- فلكين إذن!
سأله عليّ بلهفة: - هل ستساعدنا في إقناع سارة وإقناع العم عبد الحميد والخالة سناء؟
أومأ إيجابا وهو يقول: - سأفعل إن شاء الله.
ثقة عليّ بالشيخ عدنان كبيرة فهو يعرف مكانته لدى كل العائلة ولهذا لجأ إليه صالح ليخرجهم من هذه الورطة لكنه لم يستطع إلا القلق أمام نظرات الغضب في عيني سارة.
هل ستتمسك برأيها وترفضه رغم أنها تميل إليه كما لاحظ من نظرات الارتباك والشوق في عينيها حين دخلت الغرفة قبل قليل ورأته؟
قالت سناء وهي تنظر لوجه عدنان متجنبة النظر
نحو شقيقها، وهي تكتم سرورها في قرارة نفسها:
- لا كلام بعد كلامك يا شيخنا.
حدجها عبد الحميد بغضب ورمقتها بتول بدهشة واستغرب آل صالح موافقتها بهذه السهولة.
أما سارة فرمقتها بحنق رافعة حاجبيها ثم همست:
- أمي! ماذا تقولين؟
همس الشيخ عدنان في أذن عليّ بابتسامة:
- أحسنت الاختيار يا ولد. فتاة قوية مع أنها خجولة.
همس عليّ وقلبه يخفق شوقا وهو يرى احمرار وجه سارة غيضًا:
- أدامك الله لنا يا شيخ وأطال في عمرك.
قال عدنان بحزم: - دعك من التملق وادعُ الله أن أوفق في إقناعها. وتأدب وكف عن التحديق بها.
اضطرب عليّ وأدار رأسه الذي كان متجهًا الى اليسار صوب سارة في الحال بينما قال عدنان لسناء:
- بل يوجد يا ابنتي، فالكلمة الأخيرة لصاحبة الشأن. هل تسمحون لي بالحديث مع سارة على انفراد؟
نهض الجميع من فورهم وقال عبد الحميد:
- البيت بيتك، وسارة ابنتك يا شيخنا.
- بوركت يا ولدي.
لم تستطع سارة السيطرة على أنفاسها التي عكست غضبها فقال عدنان: - أفصحي عما يجول في خاطرك يا ابنتي لكن اهدئي قليلا.
ارتجف ذقنها وهي تتحدث بصعوبة محاولة عدم البكاء: - كيف أهدأ وكرامتي تنتهك للمرة الثانية من عمي وعائلته؟ كلامك على رأسي يا شيخ، لكن ألا ترى أن في هذا الحل إهدار لكرامتي؟ بعد أن رفضني ابن عمي يخطبني شقيقه حفاظا على سمعتي. أترى ذلك لائقا؟ ما فائدة أن أحفظ سمعتي أمام الناس وأفقد احترامي لنفسي واحترام عائلتي
وعائلة عمي لي؟ كيف أرضى لنفسي بهذا الذل؟ فرضني عمي سابقا على عدي والان تفرضوني على عليّ كي ينقذ سمعة العائلة.
فجأها عدنان حين تكلم بهدوء بينما كانت تظن أنه سيغضب: - كلامك صحيح يا ابنتي.
تساءلت بسرعة مستغربة: - لماذا وافقتهم على هذا الحل إذن؟
ابتسم عدنان وهو يوضح:
- دعيني اكمل كلامي يا بنت! كلامك صحيح لو أن عمك من اقترح ذلك الحل. لكن حين يطلبك عليّ لأنه يريدك لذاتك فتلك مسألة أخرى.
احمر وجهها وخفضت رأسها وقد خفق قلبها. أحقًا تجرأ
وأعلن أمام الشيخ عدنان أنه يريد خطبتها لذاتها
وليس إنقاذا لسمعتها؟
قال عدنان مؤكدا: - نعم يا ابنتي. قال عليّ بوضوح أنه يريدك لذاتك وليس إنقاذًا لسمعة العائلة.
قالت سارة بارتباك، متمسكة برفضها:
- لا يمكن أن أقبل بذلك يا شيخ. لقد خدعوني كلهم وأخفوا الحقيقة عني. لا يمكن أن أرتبط به.
أظهر عدنان بعض الحزم وهو يقول:
- فكري في وضع عائلتك يا ابنتي ولا تدعي الغضب يسيطر عليك. لقد رأيت ما حدث لوالدتك بسبب قلقها عليك مما قد يقوله الناس.
غصة آلمت قلبها وهي تتذكر ما حدث لوالدتها قبل أيام. تنهدت بحرقة ونزلت دموعها وهي تشعر بأنها واقعة بين خيارين أحلاهما مرّ. إما ان تحفظ
كرامتها وترفض الارتباط بعليّ وأما أن ترضخ لما يريدون إرضاءً لوالدتها وحفاظا على صحتها. لقد رأت السرور في عيني والدتها حين سمعت اقتراح عدنان. ألهذه الدرجة أحبت عليّ فسامحته بسرعة؟
قال عدنان وهو يشعر بتخبطها:
- سأسألك صراحة يا ابنتي وأريد منك جوابا صريحا أيضا.
التفتت نحوه وبدا القلق في نظراتها فسألها:
- هل ترفضين عليّ لشخصه أم لأنه اشترك في إخفاء الحقيقة عنك؟ لو لم يخفِ الحقيقة عنك، هل كنت ستتقبلينه كزوج لك؟
صمتت ولم تجب فقال: - لو أن عليّ لم يخبرني أنه يري الارتباط بك لذاتك، لأنه يعتز بك ويراك الزوجة المناسبة التي يفخر بها لما وافقت على هذا الأمر وجئت معهم لطلبك. فأنا أيضا لا أرضى المساس بكرامتك. لذا أجيبيني يا ابنتي بعيدًا عن غضبك منه، ألا تحملين في نفسك لعليّ ما يجعلك تتقبلينه كزوج لك؟
لم تجب هذه المرة أيضا. كيف تخبره أن كل غضبها منه بسبب مكانته الكبيرة في قلبها؟
بعد لحظات صمت، قال عدنان:
- أعرف أن الأمر صعب عليك لكنني أقترح عليك حلا أعتقد أنه سيرضي الجميع.
نظرت نحوه متسائلة فأفصح:
- لنخبر الجميع في البلدة عن خطبة عليّ لك ونقيم حفلا يحضره كل الأقارب. وبعد فترة سينسى
الناس الأمر وعندها يمكنك فسخ هذه الخطوبة. في كل الأحوال، أنتم لا تذهبون الى البلدة إلا نادرا ولن يسأل الناس عن موعد زواجكما وما استجد في أمركما.
سألته وقد ارتاحت نفسها لاقتراحه: - أي أنها ستكون خطوبة وهمية أمام الناس في البلدة فقط.
أومأ عدنان برأسه ثم قال بمكر:
- إلا إذا ارتحت للارتباط بعليّ وقررت إتمام الزواج.
قالت بانفعال وإصرار:
- لن يحدث ذلك يا شيخ. سننفصل في أقرب وقت ممكن. ولولا خوفي على أمي لما قبلت بهذا الحل.
أومأ عدنان وعلى شفتيه ابتسامة وعيناه تعكسان عدم اقتناعه.
خرجت سارة لتجد الجميع في الصالة وقد انقسموا الى فريقين، آل صالح في الطرف الأيمن وآل عبد الحميد في الطرف الأيسر.
نظر إليها الجميع بتساؤل وكان عليّ الأكثر قلقا بينهم. أبعدت نظراتها الغاضبة عنه بينما خرج الشيخ عدنان ليعلن:
- ستكون الخطوبة شكلية ومؤقتة الى أن ينسى الناس في البلدة أمر زواج سارة وعليّ . هذا هو الحل الوحيد الذي يحفظ سمعة سارة ويرضيها في الوقت نفسه.
أوجعه قلبه وأوجعتها نظرة الحزن التي رمقها بها. أحقا ترفض الارتباط به لشخصه؟ أم أن ذلك بسبب غضبها على إخفائه الحقيقة عنها؟
شعرت سناء بالرضا وهي تأمل بأن يدوم ارتباط سارة
بعليّ بينما قال عبد الحميد أخيرا مستسلما:
- كما ترى يا شيخ.
- حسنا. ما دام الأمر قد قضي فسأذهب أنا وأتموا أنتم الاتفاق على التفاصيل. يجب أن تقيموا حفلا في المزرعة وتدعون إليه الأقارب والمعارف.
أسرع عبد الحميد بالقول: - كيف تذهب يا شيخ؟ تناول معنا العشاء وابق الليلة عندنا.
- إن كنتم ستعودون غدا معي الى البلدة فسأبقى. فمن الأفضل لو عجلتم بالعودة الى المزرعة.
قال عبد الحميد: - كما ترى يا شيخ. نعود غدا معا بإذن الله.
قال صالح وهو يصافح الشيخ عدنان:
- سنغادر نحن الآن. شكرا يا شيخ على وقوفك معي ومساعدتي.
اوضح عدنان: - ليس لأجلك فأنت المخطئ الأول والأكبر. لقد تدخلت لأجل سارة.
دخل عبد الحميد مع عدنان الى غرفة الضيوف فاقترب صالح من سارة ليعانقها بقوة. دمعت عيناها وتمنت معانقته لكنها لم ترد أن تبدي ضعفها. عانقتها عبير وتبعت صالح ليخرجا بينما ألقى عليّ عليها نظرة خاطفة قبل أن يخرج.
لم يتحدث عبد الحميد مع سارة في شيء فقد اقتنع أن ما اتفق عليه الشيخ معهم هو الحل الوحيد لخروجهم من ذلك المأزق. وكذلك لم يتحدث أحد في الأمر ثانية ما عدا سارة التي اضطرت لسرد تفاصيل ما
حدث لزينب حين اتصلت بها ليلا وشعرت أنها ليست على ما يرام من صوتها.
سألتها زينب أخيرا: - هل تريدين إنهاء الخطوبة حقا يا سارة؟ ألا تحملين أي مشاعر لعليّ، خاصة بعد معرفتك أنه يحبك؟
رفضت سارة الإجابة على سؤالها وقالت كاذبة وقلبها مضطرب:
- لا أريد التفكير بأي شيء الآن سوى الخلاص من هذه الورطة ولجم السنة الناس لأجل أمي وسمعة عائلتي. واذهبي الآن ودعيني أنام، فغدا سنذهب صباحا الى البلدة.
- سألحق بكم حالما آخذ موافقة زوجي. لن ادعك وحدك.
ابتسمت سارة وهي تقول: - ومتى فعلت لتتركيني وحدي الآن؟
..........
فرق كبير بين أول مرة دخل عليّ فيها المزرعة وبين
هذه المرة. نظر نحو الساقية متذكرا لقاءه الأول بسارة لتقفز الابتسامة الى شفتيه.
دخل مع والديه الى المنزل ليجد عبد الحميد وسناء وبتول بانتظارهم.
كان الحديث تلك المرة هادئا حين اتفقوا على ما سيقولون للناس بالضبط ومن سيدعون للحفل الذي قرروا إقامته بعد يومين.
كان عقل عليّ مشغولا بسارة التي غابت عن الجلسة.
لا بد أنها في المزرعة فهي لا تطيق البقاء صباحا
في المنزل. استأذن وخرج باحثا عنها ليجدها قرب الإسطبل. تسير بتمهل وهي تقود مهرها الصغير.
تلاعب الشوق بقلبه وهو يرى تلاعب الرياح الخفيفة التي حملت بعض البرودة بشعرها.
اقترب وهو يعدّ نفسه لعتابها ولومها بينما التفتت إليه حين شعرت بوجوده.
- صباح الخير.
ردت له التحية بوجه عابس وأسرعت الخطى فتبعها وهو يقول: - سارة! يجب أن نتحدث.
توقفت لتقول بحدة: - بماذا سنتحدث؟ هل هناك شيء آخر ستؤذونني به؟ ألم يكف أنكم استهنتم بكرامتي أول مرة لتقرروا الآن حياتي كما ترون؟ ما دام عدي الجبان قد هرب فليخطبها عليّ!
قال عليّ ممتعضا من رفضها له أمس:
- إنها خطوبة مزيفة فاهدئي.
شعرت باحزن والانزعاج وهي تسمعه يؤكد أن خطوبتهما غير حقيقة. لكن أليس هذا ما تريده؟
ما عادت تعرف نفسها أو مشاعرها أو ما تريده حقا منذ عاد آل صالح الى حياتها.
نهرت نفسها وسألته بامتعاض:
- لقد اضطررت لقبول تلك المهزلة بسبب خوفي على أمي وسمعتنا لكن لما اشتركت أنت ثانية في الانتقاص من كرامتي؟ لما قبلت بهذه الخطوبة؟
كانت تريد منه جوابا صريحا لذا تحدثت وكأنها لم تعرف من عدنان أنه طلبها لذاتها، ولم تعرف قبلها من عدي أنه يحبها.
عادت تلك النظرات العاشقة في عينيه لزيادة سرعة نبضاتها حين اقترب منها ليبوح بما في قلبه وليحدث ما يحدث.
رمقته بعينين مضطربتين مترقبتين لما سيقول لكن صوت السيارة التي تقدمت نحوهما جعلتهما يستديران
توقف الاثنان للحظات دون حراك بل دون أن يرف جفنيهما وقد صدمتهما رؤية عدي ينزل من السيارة.
نظر عليّ بقلق الى ذراع عدي الذي يغلفها الجبس لكنه أخفى قلقه وقال بغضب:
- ترى ما الذي أعادك أيها الهارب؟ أيام ونحن نحاول الوصول إليك دون جدوى. حتى عندما عدت الى المنزل، أوصيت الخدم بإنكار وجودك إذا اتصلنا بك. أي جبان أنت؟ كيف تركتها تواجه الأمر
وحدها وهربت حتى لو طلبت هي منك ذلك؟
دفع عدي يد علي التي أمسكت بقميصه وهتف:
- كفّ عن الصياح كي تسمعني!
لكن عليّ عاد للقول بغضب:
- ماذا أسمع؟ ما فعلته لا يفعله إلا خسيس!
قال عدي بحرقة وهو ينظر صوب سارة:
- نعم كنت خسيسا حين تركتها ورحلت كي تواجه الجميع وحدها لكنني ندمت وعدت لأتحمل مسؤولية ما فعلت.
اضطرب تنفس عليّ فغاص قلب سارة وهي تتذكر
منظرا مشابها يوم ارتفع السكر لديه بسبب تناوله الحلوى لأجلها.
لم يكن سهلا على عليّ أن يواجه عدي بعدما فعله.
لم يكن سهلا عليه أن يتصرف شقيقه وتوأم روحه بتلك الوضاعة ومع الفتاة التي يحب تحديدا. لذا سبب توتره ارتفاع السكر لديه.
أمسك عدي يده وقد انتبه لشحوب وجهه وسألته سارة بقلق: - هل ارتفع السكر لديك؟
أسنده عدي وهو يقول: - فلنعد الى البيت كي تأخذ دواءك.
اعترضت سارة بحزم: - كلا! ستحدث مصيبة لو
رأوك، وسيتأزم الوضع من جديد. اذهب بسرعة قبل أن يراك أحد.
قال عدي بإصرار: - لن أكرر الخطأ مرتين. لن أدعك وأرحل.
(ندمت وعدت لأتحمل مسؤولية ما فعلت، لن أدعكِ
وأرحل)
كلمات دقت ناقوس الخطر في رأس عليّ وهو يستذكرها. اضطرب وغاص قلبه خشية أن يكون عدي قرر الرجوع لإتمام زواجه بسارة. صحيح أنها لن تقبل بعدي لكن عندها ستلغى خطوبته الوهمية لسارة. تلك الخطوبة التي مثلت أملا له في التقرب منها.
نهاية الفصل التاسع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 111
نقاط : 133
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى