روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

اذهب الى الأسفل

الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 5:52 pm

في الحرب لا يوجد ربح وخسارة، فالكل خاسر..
كم من أرواح خسرها أحباؤها بسبب الحروب!
كم أب وأم وأخ وأخت وزوجة وأبناء عانوا الفقد بسبب ويلات الحروب؟!
أحداث قصتي تتناول جانبا بسيطا من الحرب التي دارت بين انكلترا وآيرلندا -إن جاز تسميتها حربا- لنيل استقلال الثانية عن الأولى.
وفي خضم تلك الحرب..
حرب أخرى بين ضابط معتقل مشهود له بالقوة وفتاة تستمد قوتها وعنادها من مناصرتها للحق..
أرجو أن تنال رضاكم


الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:13 pm

الفصل الأول

وقف مسيو (ميشال كارلوس) وعائلته على رصيف
الميناء لتوديع جيرانهم ورفاق عمرهم عائلة مسيو
(رينيه موريس) التي ستهاجر إلى إيرلندا بسبب الاوضاع
الاقتصادية الصعبة التي تلت الهجرة المتزايدة إلى
فرنسا بداية القرن العشرين، حيث سيعمل رينيه على
زراعة قطعة الأرض التي ورثها عن جدته في مدينة
باري الساحلية شرق إيرلندا.
رينيه مهندس زراعي، ولطالما حلم بامتلاك مزرعته
الخاصة لذا فقد كان ذلك الإرث فرصة لتحقيق حلمه
الذي يئس من تحقيقه في فرنسا موطنه.
ضمت مدام (هيلين) الطفلة الممتلئة (ألانا) ذات الثانية
عشر عاما وهي تبكي ثم عانقت رفيقتها
(ماريان) وهي تقول: - ليتنا لا نفترق أبدًا!
فعلقت ماريان بعصبية: - تبًا لقلة المال التي ‌تجبرنا على
العيش في مكان غريب بعيدًا عن الأهل والأحبة!
قال لها ميشال مبتسما: - فليوفقكم الرب أينما ذهبتم.
سنشتاق إليكم كثيرا.
ربت رينيه على كتف ميشال وهو يقول: - ونحن أيضا.
نقلت ألانا نظراتها الحزينة بين أولاد ميشال وهيلين،
رفاقها الذين اعتادت اللعب معهم باستمرار.
قال لها (إدمون) الشقيق الأوسط لعائلة ميشال كارلوس:
- سنفتقدك كثيرا يا ملاكنا.
ابتسمت له ثم نظرت للابن الاكبر ذو السابعة عشر
والذي لم يكن يلعب معها ومع شقيقيه منذ صغرهم بما
أنه يكبرهم ببضع سنوات. كان (دانيال) يسبق عمره
بالفعل بتصرفاته، وكأنه رجل بجسم مراهق.
ابتسم وقال وهو يفرك شعرها:
- وداعًا أيتها القطة الشيرازية.
بدا الضجر على ملامحها ككل مرة تسمع فيها ذلك
اللقب الذي يطلقه عليها دانيال. سألته بضجر:
- لماذا تسميني هكذا؟! ولماذا لا تقول لي السبب؟
ظهرت ابتسامة مشاغبة على شفتيه وهو يقول:
- لم أخبرك سابقا كي لا تغضبي وتخاصميني. أما
الآن، بما أنك راحلة فسأخبرك. القطة الشيرازية
تشبهك كثيرا فهي بدينة وبطيئة الحركة مثلك
كما أن شعرها كثيف ومتطاير كشعرك.
رمقته بغضب وجمعت قبضتها وأخذت تضربه لتفرغ
غضبها وحزنها على فراقهم فعاد دانيال لمشاكستها
حين أضاف:
- وهي مثلك، ودودة وأليفة لكن حين تغضب تكون
شرسة.
نهرها والداها: - كفى يا ألانا! ماذا تفعلين؟
لكن دانيال قال وهو يحاول عدم إبداء التأثر:
- لتنفس عن غضبها بي يا عمي.
كانت الانا تصرخ بغضب " اكرهك " بينما كان
دانيال يبتسم لها ثم أخذت تبكي واحتضنته بقوة وهي
تقول: - لا أريد الذهاب! لا أريد مفارقتكم!
كانت ألانا الابنة المدللة التي حرمت منها هيلين
وعائلتها فهي لم تنجب إلا الأولاد الثلاثة.
جذب الابن الأصغر (ليون) ذراع ألانا وعانقها بقوة ثم
دخلا في نوبة بكاء.
الانا وليون في نفس العمر، يجلسان على نفس المقعد في
المدرسة ولا يفترقان أغلب الوقت. لذا فقد أثر افتراقهما
عليهما كثيرا.
بعد لحظات الوداع القاسية تلك، صعد رينيه إلى
السفينة الضخمة مع عائلته ليبدأ رحلة جديدة إلى
موطن جدته الذي زاره مرة واحدة في صغره.
ظلوا يلوحون لبعضهم حتى ابتعدت السفينة
وظلت عينا ألانا معلقة بميشال وهيلين العزيزين وليون
الشقي وإدمون اللطيف ودانيال، ذاك الذي تفتحت
مشاعرها الصبيانية على عينيه الصافيتين ووجهه
الهادئ.
أحد عشر عامِ مر على هجرة رينيه وعائلته إلى مدينة
باري.
أعوام جميلة وهانئة مع أنها كانت مليئة بالجهد والعمل
الدؤوب الذي لم يفتر حتى تحولت تلك الأرض القاحلة
إلى واحدة من أجمل مزارع باري.
كما أن السنة الأولى كانت صعبة جدا بسبب حنينهم
إلى الوطن والأحبة.
شهدت عائلة رينيه موريس منذ سنتين أحداث الحرب
التي بدأت بين ايرلندا وبريطانيا عام 1919 لنيل
استقلال الأولى عن الثانية.
وكان آل موريس يؤيدون حرب العصابات التي شنها حزب
(الشين فين) والجيش الآيرلندي على القوة العسكرية
البريطانية لإضعافها رغم أن النتائج كانت وخيمة على
الإيرلنديين، فقد ردت بريطانيا بعنف على تلك
الهجمات التي كانت تؤثر عليها.
ركضت ألانا لتخرج من البيت فقالت والدتها ماريان:
- ما دمت بهذه الحال فستذهبين إلى المستشفى.
أومأت وهي ترتدي حذاءها: - نعم. لقد شنّ البريطانيون
الأوغاد هجومًا على أحد المعسكرات والجرحى كثر.
سيبقى أبي معك أثناء غيابي ويعطيك الدواء.
قال رينيه وهو يناولها حقيبتها: - لا تقلقي واذهبي.
وقالت ماريان: - احذري حين تعودين متأخرة.
والأفضل أن تبيتي في المستشفى إذا تأخرتِ كثيرا.
ظلت ألانا تتنقل بين الجنود المصابين هي
وزميلاتها حتى ساعة متأخرة من الليل وقضت
ما بقي من ساعات الظلمة في المستشفى.
قبل خروجها صباحاً من المستشفى، صادفتها كبيرة
الممرضات وقالت بامتنان: - شكرا. لقد تعبتِ كثيرًا
أمس.
قالت ألانا بابتسامة:
- هذا واجبنا تجاه جنودنا الأبطال مسز (بروس).
- لولا مساعدتكن أنتن المتطوعات لما سيطرنا على
الوضع، فأحيانا يكون عدد الجرحى الذين يحضرونهم
الى المستشفى كبير جدا.
قالت ألانا: - ليحفظ الرب جنودنا من شر البريطانيين.
- آمين.
تعلمت ألانا التمريض حين مرضت والدتها قبل سنتين
كي ترعاها وتحقنها الإبر وحين نشبت الحرب بين
إيرلندا وبريطانيا، تطوعت ألانا للعمل في
المستشفى القريبة من حيّها حين يُنقل إليها
عدد كبير من الجنود الجرحى.
كانت ألانا تتألم حين ترى حالات الجرحى، ويزداد
كرهها للبريطانيين الذين رفضوا منح الاستقلال
لإيرلندا وأجبروا الإيرلنديين على خوض تلك الحرب،
فهي تعتبر إيرلندا بلدها كفرنسا تمامًا.
كانت ألانا جالسة على العشب الرطب في المكان
الأقرب لقلبها، مزرعتها التي تضم منزلها والتي شاركت
والديها العمل فيها مع باقي الفلاحين منذ اشتد عودها.
كان رفيقي دراستها وصباها، (سوزان) و(مارك)
مستلقيان قربها. يتأمل الثلاثة روعة الشمس المشرقة
في بلدتهم الجميلة التي كانت مثال الجمال والهدوء
قبل نشوب الحرب.
قال لها مارك وهو يرى أثر السهر على عينيها:
- يبدو أنك تعبتِ ليلة أمس في المستشفى.
تنهدت بحزن وهي تذكر مناظر الجنود الذين
أثخنتهم الجراح ثم قالت: - أتعبتني رؤية الألم على
وجوه جنودنا.
تساءلت سوزان بغضب:
- متى تنتهي هذه الحرب البغيضة؟
أجاب مارك بحنق: - حين يقتنع اولئك الأوغاد
ويغربون عن أرضنا.
فجر أحد الأيام، استيقظت ألانا على صوت والدها:
- استيقظي يا عزيزتي فقد جاءت مسز بروس.
بالكاد استعادت ألانا وعيها من نومها العميق ثم قالت
مستغربة: - لا بد أن أمرا خطيرا قد حدث لتأتي بنفسها
وفي هذا الوقت.
قال رينيه والقلق بادٍ في صوته ولهجته: - تريد أخذك
مع باقي المتطوعات إلى أحد المعسكرات.
أسرعت بالنهوض والقلق بادٍ عليها واتجهت إلى
مسز بروس لتستفهم منها عن الأمر.
- صباح الخير مسز بروس. ماذا هناك؟
- صباح الخير. أعتذر عن مجيئي في هذا الوقت لكنني
أحتاجك مع باقي المتطوعات يا ألانا فقد تم قصف
معسكر ساحلي قريب من دبلن. حالة الجرحى خطرة
ولا يمكن نقلهم من المعسكر لذا سنذهب لمعالجتهم
هناك.
وجّهت الانا نظرة تساؤل نحو والدها لتستفهم عن رأيه
فقال: - إن لم تكوني خائفة فاذهبي يا ابنتي فأنا لا
أمانع. لو أراد الرب حفظ أو هلاك أحد، فلا فرق
في أي مكان هو.
ترددت لبضع لحظات ثم قالت: - سآتي معك مسز بروس.
ثم قالت لوالدها قبل أن تسرع لتغير ثيابها:
- لا تخبر أمي عن الأمر كي لا تقلق.
- حسنًا يا ابنتي.
وضعت ثوبين وبعض الأغراض وبدلت ثيابها ثم أسرعت مع مسز بروس. لم تجازف بالدخول لغرفة والديها
وتقبيل والدتها كي لا تصحو. وعند الباب، ودعت
والدها سريعا وغادرت.
نقلتها وباقي الفتيات المتطوعات وبعض ممرضات
المستشفى إلى المعسكر طائرة مروحية. كان الدمار
قد حلّ في كل مكان بسبب القصف البريطاني العنيف
الليلة الماضية على المعسكر.
تحركت الممرضات بسرعة وأخذن يضمدن جراح
الجنود أو يساعدن الأطباء في بعض العمليات أو ينقلن
الجثث مع من بقي معافى من الجنود.
كل تلك المناظر كانت تعتصر قلب ألانا وتزيدها
حسرة على إيرلندا وكرهًا لبريطانيا.
بعدما حلّ الليل ونعمت العيون المتعبة بشيء من
الراحة، تسللت القوات البريطانية إلى
المعسكر وسيطرت عليه بسهولة فقد دمّر قصفها الليلة
السابقة أغلب الأسلحة والذخيرة وتسبب بقتل الكثير
من الجنود.
استيقظ الجميع على اصوات الجنود الآيرلنديين الذين
لم يتجاوز عددهم العشرين وهم يشتبكون مع الجنود
البريطانيين.
وفي لحظات الخوف تلك، فكرت ألانا بوالديها وما
سيعانيان من قلق وهما يفكران بما تلاقيه في سجون
بريطانيا فنزعت الشارة التي تحمل اسمها من على ثيابها
ورمتها قبل أن يراها الجنود البريطانيين وقد قررت تغيير
اسمها.
فليظن والداها أنها قتلت في المعسكر فذلك أفضل
لهما من تحمل قلقهما وخوفهما عليها وهما ينتظران
عودتها من مكان قد لا تعود منه أبدا، فلابد أن
البريطانيين سيقتلونهم.
صعدت ألانا إلى السفينة الحربية التي نقلتها مع باقي
الأسرى إلى أحد المعتقلات البريطانية قرب أحد
السواحل. وحين سألها الجندي الذي كان يدون أسماء
الأسرى عن اسمها قالت: - ڤايلت روبرت.
رمقتها إحدى رفيقاتها المتطوعات لتمريض الجنود
باستغراب فهمست ألانا: - سأشرح فيما بعد يا (ليندا).
بعد دخول الفتيات إلى الزنزانة جلست ألانا قرب ليندا،
الفتاة الأقرب لألانا من بين زميلاتها المتطوعات.
- ألانا، لماذا لم تخبري الجندي باسمك الحقيقي؟
أجابت والدموع في عينيها: - لا أريد لوالديّ أن يتعلقا
بأمل عودتي يا ليندا، فقد لا نعود ويقتلنا هؤلاء الأوغاد
هنا. لذا نزعت شارتي وقررت تغيير اسمي كي لا يجده
والداي ضمن أسماء الأسرى إذا سألا عني، فيضنّا أنني
متت.
رمقتها ليندا بحزن ولم تعلق فقد كان لديها
نفس الظن.
كانت الأيام الأولى في المعتقل قاسية جدا ومؤلمة
على جميع المعتقلين، مع أن ألانا ورفيقاتها كن يعاملن
بشكل أفضل كونهن متطوعات للتمريض ولسن
منتسبات للجيش. أما الجنود الآيرلنديين فقد تم
احتجازهم في جزء بعيد وخاص من المعتقل.
وكم شعرت ألانا بالحزن والقلق على الجنود الآيرلنديين
وما يمكن أن يتعرضوا له من تعذيب على يد
البريطانيين.
كانت ألانا تسير مع ليندا في ساحة المعتقل وهما
تتحدثان ببعض المرح والسخرية علّهما تنسيان ما
تعانيان من ألم فراق الأهل والبلد، وحين دخلت الفتاتان
إلى الزنزانة لاحظتا حركة الحراس المضطربة
فسألت ليندا إحدى الفتيات:
- حركة الجنود غير طبيعية، ماذا هناك؟
أجابت الفتاة: - يقولون إن الكابتن (النقيب) المسؤول
عن المعتقل سيجري جولة تفقدية ليرانا فقد عاد من
إجازته اليوم إلى المعسكر.
تأففت ألانا وقالت بانزعاج: - إذن وصل ذلك المبجل
الذي يتحدث الجميع عنه إلى المعتقل أخيرا!
همست ليندا: - اخفضي صوتك كي لا يسمعك أحد!
لوت ألانا فمها بانزعاج وقالت: - منذ وصلنا والكل
يتحدث عنه. الكابتن، الكابتن. وكأنه زيوس الذي
يخشاه الجميع!
قالت ليندا بغضب: - سيجلب لك لسانك المشاكل!
لكنها لم تكف عن الحديث بحنق وهمست:
- لابد أنه بريطاني حقير متحجر القلب.
بعد قليل وبينما كانت ألانا مستلقية على ظهرها
وتسند رأسها إلى ذراعيها المتشابكتين، وساقها
تكون مثلثًا مع أرضية الغرفة والساق الأخرى فوقها،
سمعت صوت الحراس وهم يهتفون: - انهضوا، هيا!
كانوا يخاطبون الرجال الذين في الزنزانة الأولى، ثم
سمعت خطوات الجنود تقترب من زنزانتها وقال أحدهم:
- انهضن بسرعة!
كانت ألانا آخر من نهضت وهي تشتم وتلعن في سرها
فرآها الكابتن وهي تنهض بانزعاج عن الأرض.
نظرت ألانا إلى الكابتن الذي رأته أخيرا بينما قال
الحارس وهو يشير بيديه: - تعالين، اقتربن ليراكن
حضرة الكابتن.
كان طويل القامة وجهه ذو ملامح حادة ومنسقة تدل
على طبيعته الصارمة. عيناه الزرقاوان ترسلان نظرات
ثاقبة متفحصة لكل التفاصيل حوله وشعره الأشقر
الداكن يبدو شديد اللمعان من تحت قبعته
العسكرية.
أرسل لها نظرة حادة تنم عن عدم رضاه عن تكاسلها في
النهوض فأبعدت عينيها عنه.
أشار لها بإصبعه وسألها وهو عابس: - ما اسمك؟
أجابت دون أن تنظر إليه كي لا يرى حنقها عليه جليًا
في نظراتها: - ڤايلت روبرت.
مال نحوها ليمسك ذقنها بقوة فعلا زفيرها وهي تشعر
بالغضب والاشمئزاز. أشاحت فورا بنظراتها عنه بينما
تأملها بتعالٍ ونظرات حادة ثم ابتعد فزمت شفتيها وزاد
غضبها. وحين استدار وخرج من الزنزانة تمتمت
بالفرنسية بصوت خرج أعلى مما توقعت:
- سافل! لتحترق أنت وبلدك في الجحيم!
مشت لتعود إلى مكانها لكنها سمعت خطوات قوية
تعود أدراجها لتقترب ثم صوت الكابتن يسألها:
- ماذا قلتِ؟!
جمدت في مكانها وتمنت أن يكون جاهلاً
باللغة الفرنسية.
استدارت وحاولت أن تبدو هادئة حين أجابته:
- قلت أن..
قاطعها حين أشار لها لتقترب منه فاقتربت ثم قالت أول
شيء خطر على بالها وهي تهرب من نظراته:
- قلت إن ظهري يؤلمني.
ضاقت عيناه وزمّ شفتيه ورمقها بنظرات غاضبة ثم
انقض على فكها يمسكه بكفه بقوة فحدقت به
مندهشة وخائفة قليلا.
- وسأكسره لك يا كاذبة!
انقطعت أنفاسها وحدقت به ببلاهة حين قال كلماته
تلك بلغة فرنسية ممتازة!
بلعت ريقها وخفضت بصرها وهي تلعن حظها وتهورها.
دفعها بعنف للوراء وهو يحرر فكها من قبضته
حتى سقطت ثم قال لأحد الحراس:
- ضعوها في الحجز الانفرادي.
رمقتها رفيقاتها بقلق وسألنها بينما الحارس يسحبها إلى
الخارج: - ماذا حدث؟ لماذا يأخذونك؟!
لم تستطع أن تجيب فقد أخرجها الحارس من الزنزانة.
تأملت ألانا الغرفة الصغيرة التي احتجزت فيها وجلست
على الأرض وهي تتنهد بحسرة. لم يكن الضوء الذي
يدخل الغرفة من النافذة الصغيرة كافيا لإنارتها
بشكل جيد مع أن الشمس لم تغب بعد، فتساءلت بقلق
عن مدى ظلمة المكان ليلاً.
شعرت بالنعاس بعد قليل ونامت على الأرض الباردة
متوسدة ذراعيها.
حين صحت، كانت العتمة شديدة لدرجة أنها لم تشعر
بأي فرق بين فتح عينيها وإغماضهما. وبالرغم من
شجاعتها فقد شعرت بالوحشة في تلك الظلمة
وتاقت لذراعي والدتها ووالدها لتضماها بحنان
وتشعرانها بالدفء فأخذت تدندن بأغنية كانت والدتها
تغنيها لها وحاولت تخيل نفسها في بيتها قرب والديها.
نزلت دموعها وتحشرج صوتها وراحت تبكي بحرقة
حتى غفت من جديد.
انقضى نهار اليوم التالي كسابقه وكان السكون يخيم
على المكان، ما عدا الأوقات التي كان الحارس يحضر
لها فيها الطعام، فيقطع صرير الباب الصمت.
فُتح الباب ودخل الحارس ليجذبها من يدها فترنحت
وسارت بصعوبة وجسدها يرتجف بسبب الحمى الشديدة
التي كانت تعانيها بسبب برد ورطوبة تلك الزنزانة.
قادها إلى بناية صغيرة ثم أدخلها إليها.
كانت البناية مؤلفة من غرفة وحمام وبينهما صالة
صغيرة.
وقف الجندي أمام باب غرفة النوم وطرقه فأتى
من خلف الباب الموصد ذلك الصوت العميق
الذي سمعته ألانا سابقا ليأذن لهما بالدخول.
شعرت ألانا بالقلق وهي ترى نفسها في غرفة الكابتن
وقد خرج الجندي وأغلق الباب خلفه.
ظل الكابتن يتأملها بصمت وكأنه يستمتع بحالة القلق
التي تعيشها وهي بانتظار ما سيفعله بها ليكمل
عقوبتها، فقد كانت حركات يديها المضطربة
وعيناها المتسمرتان على الأرض تعكس ما تشعر به مع
أنها حاولت جاهدة ألا يبدو عليها شيئا مما تعاني.
أخيرًا وبعدما تعبت من الوقوف واستندت على الباب، قال
بالفرنسية: - اقتربي.
تقدمت بخطوات قلقة حتى وصلت إلى حيث يجلس على
الكرسي فجذب ذراعها بقوة حتى أجلسها أمامه على
الأرض فخفض بصره نحوها يتأملها.
قالت وقد نفذ صبرها:
- هل أحضرتني لتكمل عقوبتي؟
ابتسم ساخرًا وتأملها بنظرات إعجاب ثم قال وهو يفرك
خصلة من شعرها الأشقر فحررتها سريعا من بين أصابعه:
- من يُسِئ الأدب، يُعاقَب!
كانت حالها مزرية فشعرها مبعثر وثيابها وحتى وجهها
متسخ بسبب نومها على الأرض القذرة وعيناها ذابلتان
بسبب السهر والحمى، لكن ذلك لم يقلل من جمالها.
بشرة بيضاء صافية لا يشوبها سوى مساحتين صغيرتين
من النمش امتدتا على جانبي أنفها. عينان واسعتان بلون
أزرق داكن، من يراهما من بعيد لا يستطيع تمييز
زرقتهما. شفتان حمراوان مغريتان.
كان جبينها مقطب وبصرها منخفض وأنفاسها متوترة
تنم عن مدى غضبها من هذا المتغطرس الذي يريد
إذلالها.
ابتسم وهو يرفع ذقنها ثانية ليجبرها على النظر
إليه وقال:
- أنت سليطة اللسان وكاذبة أيضا.. لكنك جميلة!
لمح في عينيها خوفا أثارته في نفسها نظراته الماكرة
ولهجته فقرر التلاعب بأعصابها.
مع كل خوفها، رمقته بنظرات حادة بينما نظر في
عينيها بتمعن ثم قال بنظرات وقحة مركزا النظر على
شفتيها الجذابتين:
- الآن ستدفعين ثمن ما قلته لي في الزنزانة.
قالت وهي تنهض وقد بدأ خوفها يزداد:
- أعدني إذن إلى الحجز الانفرادي لتكمل معاقبتي!
أطلق ضحكة عالية وقال بمكر:
- يبدو أن زنزانة الحجز الانفرادي قد أعجبتك.
فكرت وهي غاضبة " أي مكان هو أفضل من الوجود
قربك! ".
نهض ليقف قربها ثم همس وهو يتأملها بخبث
وسخرية: - إن أعجبتك أرضية الزنزانة
فبالتأكيد سيعجبك سريري!
قالت وهي تبتعد عنه غاضبة ومذعورة في الوقت ذاته:
- في أحلامك أيها البريطاني المتغطرس!
أطلق ضحكة ساخرة وهو يتقدم منها فتراجعت حتى
لامست الحائط.
أمسك معصميها بقوة وثبتهما على الحائط مع ظهرها
فجمد الدم في عروقها وهي تتخيل ما قد يفعله بها. إنه
الآمر الناهي هنا ولن تستطيع حماية نفسها منه لو أراد
بها سوءا.
حين اقترب منها أكثر، انهارت رباطة جأشه أمام تلك
الشفتين المغريتين المرتجفتين خوفا فانهار ستار
الشجاعة الذي اختبأت خلفه..


نهاية الفصل الأول

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:15 pm

الفصل الثاني

حين اقترب الكابتن من ألانا أكثر، انهارت رباطة
جأشه أمام تلك الشفتين المغريتين المرتجفتين خوفا
فانهار ستار الشجاعة الذي اختبأت خلفه وسقطت دموعها
تباعا فتركها فورا. همست بصوت فزع مرتجف:
- عاقبني بما تريد، إلا بهذا!
شعر بانزعاج وضيق وهو يرى تلك العينين المذعورتين
الباكيتين تترجيانه.
لم يكن يرِيد أكثر من إخافتها وتأديبها ولم ينوِ فعل
شيء مما دار في بالها، فاغتصاب الإناث ليس من شيمه.
لكنه لم يتمالك نفسه من تقبيلها.
تهاوت حينما عجزت ساقيها المرتجفتين عن حملها
بسبب خوفها وشدة الحمى فأمسكها بقوة كي لا
تسقط. صرخت مذعورة فقال بحزم:
- اهدئي! لن أفعل لك شيئًا.
شعر بحرارة ذراعيها ورأى ارتجاف جسدها فأجلسها على
السرير واتجه مسرعا الى النافذة ونادى الجندي الواقف
أمام باب الجناح.
دخل الجندي بعد قليل ليؤدي التحية العسكرية ويقول: - بأمرك حضرة الكابتن.
- أعدها الى زنزانتها القديمة.
- حاضر.
سارت الانا مع الجندي بصعوبة بعدما رمقت الكابتن
بنظرة حقد وهي تتساءل في نفسها باستغراب " هل انتهت
عقوبتي؟ لا أصدق أنه تركني! "
حين عادت لزنزانتها، أسرعت الفتيات نحوها وأجلستها
على سريرها بسرعة وهن يرين ارتجافها وآثار الحمى
الشديدة التي بدت واضحة عليها.
قالت ليندا وهي تغطيها جيدا:
- قلقنا عليك! حرارتك مرتفعة جدا!
قالت الانا بصوت مرتجف: - بسبب النوم على الأرض
الباردة.
همست ليندا بغضب: - تبا لذلك الكابتن!
سألتها فتاة أخرى: - هل ضربك أو تحرش بك؟
أجابت عن الشق الثاني من السؤال كاذبة: - كلا.
وسألتها أخرى: - ماذا قلتِ بالفرنسية حتى غضب
هكذا؟
- قلت له " سافل، ليتك تحترق أنت وبلدك في
الجحيم".
شهقت الفتيات وقالت ليندا وهي تضع عليها غطاءً آخر:
- يا لك من متهورة! ألم تفكري بأنه قد يعرف
الفرنسية؟
- لم أظن أن صوتي سيخرج عاليا بحيث يسمعه!
قالت إحدى الفتيات:
- الصوت يخرج عاليا رغما عنا حين نغضب.
عبست ألانا وانعقد حاجباها وقالت بانزعاج:
- كيف لا أغضب؟ ألم تري كيف عاملنا؟ كأننا ماشية
في مزرعته، جاء ليلقي نظرة عليها! ذلك المتعجرف
البريطاني السافل!
مددتها ليندا على السرير وهي تهز رأسها بيأس.
- سيقودك غضبك إلى الهلاك. نامي الآن فأنت
متعبة.
بقيت ليندا قربها تضع لها الكمادات حتى انخفضت
حرارتها قليلا.
في مساء أحد الأيام وبينما كانت المعتقلات تتهيأن
للنوم ليلا، فُتِح باب الزنزانة ودخل عدد من الجنود ليقول أحدهم:
- فلتأتِ سبع أو ثمان فتيات منكن معنا بسرعة.
سألته (شارلوت) وهي الأكبر بين النساء وتعمل ممرضة
مع مسز بروس في المستشفى في باري: - إلى أين؟
قال بانزعاج: - لمَ لا نقدم لكن تقريرًا بكل ما يحدث
في المعتقل؟ تحركن بسرعة!
قالت شارلوت بامتعاض: - نريد أن نعرف فقط إلى أين
سنذهب!
أجابها جندي آخر وهو يختار بعض الفتيات:
- ستعالجن جنودنا.
تبادلت النساء نظرات الحنق وسألت إحدى الفتيات:
- هل هذا معتقل أم مستشفى؟
قال الجندي وهو يجذب الفتاة: - تعالين معنا ولا تكثرن
الكلام!
قالت ألانا بانفعال: - تقتلون جنودنا وتريدون منا معالجة
جنودكم!
رمقها أحد الجنود وقال وهو يجذبها: - أنت من عاقبها الكابتن. يبدو أن الحجز الانفرادي لم يعلمك التهذيب
وبلع لسانك. أنت أول من ستأتي معنا. وستعالجين جنودنا
رغما عنك.
أبعدت ألانا يده وقالت بغضب: - لن أذهب!
سحبها الجندي بقوة لكنها صاحت به: - قلت لك لن
أعالج جنودكم ولو قتلتموني!
ضربها على ذراعها بأخمص سلاحه الرشاش فاقترب
جندي آخر وهمس له: - ماذا تفعل؟ ألا تعرف الأوامر؟
ثم جذب ألانا من ذراعها وقال بصوت مرتفع:
- دعها لي! سآخذها إلى الكابتن ليقرر عقوبة
عصيانها.
جذبها بالقوة فحاولت التملص منه بينما سار الجنود
الأربعة الآخرون ومعهم باقي النساء وبضمنهم
شارلوت إلى عيادة المعتقل حيث كان هناك
عدد من الجنود البريطانيين المصابين بجروح وحروق
وبعضهم كانت حالته خطرة.
هتف الجندي بالنساء اللاتي وقفن أمام الجنود الجرحى:
- هيا! تحركن بسرعة وافعلن ما يلزم!
تقدم طبيب المعتقل منهن وقال:
- سنبدأ بعلاج الحالات الخطرة.
أخذت عيون النساء تدمع وهن يتذكرن حال الجنود
الآيرلنديين في ذلك المعسكر الذي اُسِرنَ منه حين
قصفه البريطانيون، فاقترب الطبيب منهن وهمس كي
لا يسمعه الجنود الذين وقفوا على مسافة منهم:
- من الصعب جدا أن يجبر المرء على علاج عدوه. أعرف
ما تشعرن به لكن..
قاطعته إحدى الفتيات بحنق: - لا تعرف! فأنت بريطاني!
قال الطبيب بهدوء: - أنا إنسان وطبيب قبل كل
شيء. لو كنت في نفس موقفكن لعالجت
الجنود الإيرلنديين.
الحرب يا ابنتي خراب على الطرفين. وكما قتل جنودنا
عددا منكم فقد فعل جنودكم المثل معنا.
قالت شارلوت محتجة على مقارنته الجائرة بنظرها:
- نحن أصحاب قضية ونريد أخذ استقلالنا وقد
أجبرتمونا على خوض هذه الحرب.
نظر أحد الجنود صوبهم وهتف بالطبيب:
- ماذا تفعل أيها الطبيب؟ ابدأوا فورا بعلاج الجنود!
قال الطبيب بارتباك: - أنا أعطيهم التعليمات.
ثم قال للفتيات: - هيا من فضلكن! وتذكرن أن هؤلاء
بشر مثلكن قبل أن يكونوا جنود العدو. وعلى كل
حال فأنتن مجبرات على معالجتهم.
كانت دموع الفتيات تتساقط وهن يعالجن جنود العدو،
ولم يؤثر بهن كلام الطبيب لكنهن كنّ
مجبرات على ذلك كما قال.
طرق الجندي باب جناح الكابتن بينما كانت ألانا
تشتم وتلعنه والميجر زيوس في سرها. دخل الجندي وهو
يجذبها بعدما سمع إذن الكابتن له بالدخول.
رفع الكابتن رأسه ليعلو الاستغراب ملامحه حين رأى
ألانا بينما أبعدت وجهها عنه وهي تتذكر تصرفه معها
حين استدعاها إلى هنا تلك المرة. نفس الشيء حدث
له حال رؤيتها لكنه كان ماهرا في عدم إظهار شيء مما
يشعر.
- ماذا هناك أيها الجندي؟
- حضرة الكابتن، لقد ذهبنا لأخذ بعض المعتقلات
كي يعالجن جنودنا الذين نُقِلوا إلى هنا من المعسكر
القريب منا، الذي تعرض لهجوم إيرلندي. وهذه المعتقلة
رفضت تنفيذ الأمر.
رمى الكابتن الملف الذي كان يطالعه وهو
يشعر بالحماس لبدء شوط جديد من لعبة يبدو
أنها لن تنتهي بينه وبين هذه المشاغبة الواقفة إزاءه
بعنفوان لا يتناسب وكونها معتقلة.
- اذهب أنت.
قالها الكابتن بهدوء خالف توقعات ألانا فخرج الجندي.
زفير حازم تلاه الكابتن بسؤال باللغة الفرنسية:
- ألن تنتهي مشاغباتك؟ (أضاف بمكر وهو يقترب) أم
أنك اشتقت للقائي من جديد وعقابي لك فافتعلت
الأمر؟
حدقت به والغضب يزيد عينيها اتساعا ونظراتها حدة،
وقالت بغيض وقد احمر وجهها بسبب تلميحه لتلك
القبلة التي أخذها عنوة:
- لن أعالج جنديا بريطانيا! فلتذهب غيري.
تلاشت ابتسامته الماكرة واحتدت نظراته وصوته
وهو يسألها: - هل تظنين أنك تستطيعين
التصرف كما يحلو لك هنا؟ أنت معتقلة
وملزمة بإطاعة الأوامر.
رمقته بتحدٍ وقالت: - لن أعالج بريطانيا ولو قتلتني.
استفزته كلماتها وعنادها فاقترب منها. تراجعت فجذبها
من ذراعيها وسألها بحدة: - من أين تأتيك هذه الجرأة؟
أبعدت يديه عن ذراعيها وقالت وهي دامعة العينين:
- من منظر جنودنا الآيرلنديين الذين كنت أساهم في
تمريضهم. من جراحهم وجثثهم التي سرت بينها. من
رؤيتي لبعضهم يموتون أمامي متأثرين بجراحهم. كانت
تلك المناظر تمنع عن عينيّ النوم وتزيد نار كرهي
لكم وحقدي عليكم..
مسحت دموعها لتكمل متسائلة:
- وبعد كل هذا، تريدونني أن أعالج جنودكم؟
تبا للحرب! لا يعرف إلى الآن سر التناقض بين عشقه
للانتساب إلى الجيش وبين كرهه للحروب وما
تجره من ويلات على طرفيها.
ما أصدق وأعدل كلمات الفتاة! كيف للمرء أن يداوي
جراح عدوه؟ خاصة إن كان هذا العدو يسلبه الحق في
العيش بحرية واستقلال داخل بلده. تناقض آخر يعانيه.
فكيف له الانتساب لجيش لا يؤمن بإحدى قضاياه؟
ما الذي دهاه وهو الكابتن صاحب الشخصية الحديدية
كما يسميه رؤساؤه، والذي يدير هذا المعتقل الكبير
بكل حزم لتجعله دموع وكلمات هذه الفتاة يتعاطف
معها ويقرّ في نفسه بأنها محقّة!
قال وهو ينظر في عينيها اللتين جذبتاه بشكل غريب
منذ نظر فيهما أول مرة: - لن تعالجيهم.
رمقته باستغراب، فقد انتظرت أن يعاقبها على عصيانها
لا أن يرمقها بتعاطف هكذا. انتبه من غفلته في الحال
فأولاها ظهره ليقول بحدّة متداركا لحظة ضعفه أمام
دموعها:
- لتكن هذه آخر مشاكلك، لأنني لن أتساهل
معك المرة المقبلة.
استدار نحوها وتصنع نظرات وقحة وابتسامة ماكرة
أزعجتها وهو يتفحّصها من رأسها حتى قدميها ويقول
بصوت أجش: - وقد جربت عينة من عقابي.
تبا لنظراتها التي تنكسر خجلا أمام نظراته الوقحة
التي تذكرها بتلك القبلة المقرفة التي اغتصبها
منها!
جفلت حين صاح فجأة باسم الجندي الذي دخل من فوره
إلى الجناح: - بأمرك ميجر.
- أعد المعتقلة إلى زنزانتها.
سارت ألانا مع الجندي وهي تفكر بتقلب ذاك الكابتن
المتغطرس " أنا متأكدة أنه رمقني بنظرات تعاطف
ورفق، وكأنه شخص آخر غير زيوس المتعجرف. لكنه
ما لبث أن عاد ليرمقني بتلك النظرات الجريئة
المقرفة ويكلمني بتعالٍ وكأنه يملكني.
لا بد أنه مخبول ومصاب بداء العظمة والعجرفة ".
حين عادت رفيقات ألانا من عيادة المعسكر، سألتهن
بوجه حزين: - ماذا حدث معكن؟ كيف تحمّلتن
معالجة أولئك الأوغاد؟
تنهدت إحدى الفتيات وأجابت: - من الجيد أنك لم تأتِ
معنا. لم يفارقني الشعور بالغضب والذل وقلة الحيلة.
وقالت شارلوت:
- وأنا لم يفارق ذاكرتي وجوه جنودنا الذين كنت
أعالجهم مما سببه لهم البريطانيون من جراح.
سألتها إحدى الفتيات: - وأنت ألانا، ماذا حدث معك؟
ماذا فعل بك ذلك الكابتن؟
قالت شارلوت: - لقد توقعنا أن يرسلك ثانية إلى الحبس
الانفرادي.
أجابت ألانا وهي تتذكر نظراته:
- لقد وبخني وتوعدني لكنني أخبرته أنني لن
أعالج بريطانياً ولو قتلني، فأمرني بعدم إثارة المشاكل
ثانية لأنه لن يتساهل معي ثم أمر بإعادتي للزنزانة.
سألت إحدى الفتيات باستغراب: - ببساطة هكذا؟
أجابتها ألانا وقد عاد الاضطراب إليها بسبب تهديده
ووقاحة نظراته: - أنا أيضا أستغرب ما فعل.
قالت شارلوت بابتسامة: - أنت جريئة، ولا تخشين شيئا
حين تكونين على حق.
أدمعت عيناها وهي تقول: - لقد رباني أبي على رفض
الظلم وعدم الخضوع مهما كلفني ذلك.
قالت ليندا: - لذا نجدك تدافعين عن قضيتنا وكأنك
إيرلندية مثلنا تماماً.
رمقتها ألانا بعتاب وقالت: - لكنني إيرلندية بالفعل
مثلما أنني فرنسية، فقد قضيت نصف عمري في إيرلندا.
قالت (سندي) وهي فتاة تتمتع بحس الدعابة:
- دعكن من حديث الدراما هذا الآن! أظن أن
زيوس مفتون بجمال ألا.. أعني ڤايلت، ولهذا يتساهل
معها.
حركت ألانا يدها في الهواء متصنعة ابتسامة سخرية
لتنهي الحديث الذي طابق الواقع. فالكابتن معجب
بشكلها بالفعل وقد بدا ذلك جليا في نظراته لها.
- ليس هذا وقت مزاحك يا سندي!
لكن سندي تمادت في المزاح حين حاولت تقليد صوت
الكابتن وهي تغمز بعينها وتقول لألانا وهي تضمها:
- كم أنت فاتنة! سأعاقبك بطريقتي. أعطني قبلة!
ضحكت الفتيات بينما تذكرت ألانا تلك القبلة
المشؤومة فغضبت وأبعدت سندي وهي تقول بحدة:
- كفي عن هذا!
استغربت رفيقاتها ردّ فعلها فارتبكت وقالت تبرر تصرفها
وتعتذر من سندي: - أنا آسفة. أنا متوترة جدا.
أومأت سندي برأسها متفهمة وابتعدت وكذلك
تفرقت باقي النساء. أما ليندا فجلست قربها وقالت بقلق:
- هناك سرّ وراء غضبك لهذه الدرجة. هل تحرش بك
الكابتن فعلاً حين أخذك الجندي إليه؟
أجابت صادقة فليندا كانت تسأل عن ذهابها اليوم لا
المرة الأولى:
- كلا! لكنني لا أحتمل المزاح حين أكون غاضبة.
جاء موعد الجولة التفقدية التي يقوم بها الكابتن
كل شهر لزنزانات المعتقلين. مرّ قرب زنزانة ألانا على
عجل ولم ينظر صوبها وتجنبت هي الأخرى النظر إليه.
وحين أكمل جولته وخرج، تنهدت بارتياح لعدم حدوث
مشكلة جديدة معه.
لكنها كانت مخطئة. فبعد وقت قصير، جاء أحد
الجنود وأشار لها بأن تذهب معه إلى الكابتن.
سألتها ليندا بقلق: - ماذا فعلت هذه المرة؟
هزت رأسها نفيا ونهضت لتسير مع الجندي إلى جناحه.
فرك جبينه وهو يفكر غاضبا من نفسه:
" بماذا كنت أفكر حين أرسلت لاستدعائها إلى هنا؟
لدي خليلتان فماذا يمكن أن أريد من تلك القوية
المرتعبة في آن معا؟ لماذا تجذبني بتلك الطريقة
المحيرة؟ أهي عيناها الرائعتان الغريبتان؟ كلا، ليس
الجمال فقط فرفيقتاي أجمل منها. أم أنها شخصيتها
المتباينة بين شجاعة وضعف؟ تبا لنظراتها التي
تأخذني عنوة من صلابتي فألين أمامها. إنها معتقلة تحت
مسؤوليتي فماذا يمكن أن أفعل معها؟ ربما لو كانت
تميل إلي.. "
انقباض في صدره لتلك الفكرة جعله يعجز عن إتمام
ذلك الافتراض. " كلا! ليست فتاة لاهية ".
وعاد يتذكر تلك القبلة التي أخذها منها قسرا.
كان شعور مختلف جعله في عالم آخر لولا
شهقة بكائها التي ذكرته بجنون وسخافة تصرفه.
كيف يقبلها عنوة؟ لكن سحرا لم يستطع مقاومته
أجبره على تقبيلها.
زفر بانزعاج وفكر بما يمكن أن يحدثها به حين تأتي..
وقفت ألانا مكتفة ذراعيها وهي تشيح بوجهها عنه
بينما كان جالسا على الأريكة قبالتها، يتأملها
بنظرات صافية وعقله يرتب الكلمات التي سيقولها.
سبقته بالكلام حين قالت بانزعاج لم يمنعه صوتها
الخفيض من ملاحظته:
- لم أفعل شيئا هذه المرة فلماذا استدعيتني؟
رفع حاجبا وهو يقول بلهجة جادة:
- أريد معرفة كل المعلومات عنك. أنت معتقلة لدي،
أم أنك نسيتِ؟
رفعت حاجبيها هي الأخرى سخرية وهي تسأله
وكأنها تحقق معه: - وهل فعلت هذا مع كل المعتقلات هنا؟
قال مراوغا بنظرة جانبية مماثلة للابتسامة الساخرة
التي زينت شفتيه: - ليست كل المعتقلات هنا سليطات
اللسان مثلك ليثرن اهتمامي.
قالت بسرعة ودون تفكير: - ألم تعاقبني على..
توقفت مجبرة حين عادت ذكرى تلك العقوبة القاسية
عليها إلى ذاكرتها فاتسعت ابتسامته أمام الخجل الذي
لون وجهها ووشى بما فكرت به.
آه من تلك القبلة التي كلما تذكرها تناقض تفكيره
بين ندم ورغبة بتكرارها!
باغتها بسؤال بدأ به ما سماه جمع معلومات عن معتقلة
في معسكره: - كم عمرك ڤايلت روبرت؟
- ثلاثة وعشرون عامًا.
طرح سؤاله الثاني وهو ينهض ليتجه صوبها:
- من أي مدينة أنت في إيرلندا؟
ردت باختصار: - باري.
سألها وهو يقترب أكثر وفي عينيه شرارة سخرية:
- لابد أن أشقاءك من المناضلين ضد بريطانيا. بما
أنك بهذه الشجاعة والوطنية.
لم تستطع كبح تجمع الدموع في عينيها وهي تذكر
والديها. وهل نسيتهما أساسًا؟ ردت بصعوبة فرقت نظرته لسماع ارتجاف صوتها حزنا: - ليس لي أشقاء.
عاد ليتساءل هذه المرة باهتمام لم يفتها: - ووالداك؟
سقطت دمعتان على وجنتيها وهي تجيب:
- افترقت عنهما بفضلكم، حين أسرتموني.
تذكر هو الآخر وجع فقده لوالده وانقباض قلبه كلما
فارق والدته حين انتهاء إجازته.
رفعت يديها لتمسح دموعها فكانت أصابعه أسرع
إلى وجنتيها.
تراجعت حالما لامس وجهها وفي عينيها نظرة غضب.
نعم، غضب. ويا للغرابة، فإنها لم تكن نظرة خوف.
أليست خائفة منه كما تلك المرة؟ لماذا لا يغزو
الخوف قلبها وهو بهذا القرب منها؟ من أين لها ذلك
الشعور القوي بأنه لن يعتدي عليها؟
ربما بسبب نظرات اللين التي تحيرها حين تطل من عينيه نحوها. ربما بسبب ابتعاده عنها تلك المرة حال سماعه بكاءها، ونظرة الندم التي بدت في عينيه
حينها. كل ما تعرفه أنها تدرك في قرارة نفسها انه لن
يقدم على اغتصابها.
كان هو الآخر مستغربا عدم ظهور نظرة الرعب في
عينيها. أتراها تشعر أنه أقل خسة وشرا من أن يؤذيها؟
نادى الجندي وهو يبتعد عنها فتنفست الصعداء. وزاد
ارتياحها أكثر حين دخل ليأمره الكابتن
بإعادتها إلى زنزانتها.
ذات مرة وبينما كانت ألانا وبعض زميلاتها جالسات في
ساحة المعتقل في الصباح الباكر، لمحت فتاة جميلة
تخرج من جناح الكابتن وهي تتمايل في سيرها.
قالت إحدى الفتيات وقد تابعت المشهد مثل ألانا:
- أظن أن تلك هي إحدى صديقات الكابتن.
تساءلت فتاة أخرى باستغراب: - وكيف وجدهن في هذا
المكان المنعزل؟ نحن في معتقل وليس منتجعا سياحيا.
أجابت الأولى:
- إنهما تقطنان البلدة المجاورة للمعسكر. وهو يبعث
جنوده لإحضارهن متى أراد.
سألتها شارلوت: - ومن أين عرفت كل هذا يا فتاة؟
- أخبرتني المرأة المسؤولة عن المطبخ في المعتقل.
تقول إنه أحيانا يحضر حفلات لسكان البلدة وقد
تعرف إليهن هناك. قالت إنه محبوب من الجميع
خاصة النساء بسبب وسامته وشخصيته.
قالت ألانا بامتعاض: - فليذهب بوسامته وشخصيته
المتعجرفة إلى الجحيم. يكفي انه بريطاني.
في ظهيرة أحد الأيام وبينما كانت ألانا تسير في
الساحة الخالية تقريبًا وتتجه نحو الحمامات، سمعت
صراخ فتاة في الداخل.
أسرعت نحو مصدر الصوت لتجد إحدى رفيقاتها وقد
طرحها أحد الجنود أرضًا محاولاً الاعتداء عليها وهو
يضربها كي تصمت.
صاحت ألانا بفزع: - جاكلين!
عاد إلى ذاكرتها شعور الفزع الذي تملكها حين ظنت
أن الميجر يريد فعل ذات الشيء، فاستشاطت غضبًا
وركضت نحو الجندي لتنقض عليه بالركل
بكعب حذائها وهي تصيح: - اتركها يا سافل!
دفع الجندي ألانا فعادت لتحاول إبعاده عن رفيقتها. وهذه
المرة دفعها بقوة أكبر حتى ارتطم رأسها بزاوية حادة
وجرح جبينها، لكنها نهضت رغم ألمها وبحثت بسرعة
عن شيء تضربه به فلم تجد غير الكعب الرفيع
لحذائها لتستعمله كسلاح.

نهاية الفصل الثاني

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:16 pm

الفصل الثالث

دفع الجندي ألانا فعادت لتحاول إبعاده عن رفيقتها. وهذه
المرة دفعها بقوة أكبر حتى ارتطم رأسها بزاوية حادة
وجرح جبينها، لكنها نهضت رغم ألمها وبحثت بسرعة
عن شيء تضربه به فلم تجد غير الكعب الرفيع
لحذائها لتستعمله كسلاح.
ضربته بكل قوتها بيدها وحالما استدار نحوها وهو
يقول: - ألم تغربي بعد؟
رفعت يدها الأخرى التي تحمل بها الحذاء وصوبتها نحو
وجهه لتصيب عينه وأنفه وركضت مبتعدة عنه.
استشاط غضبًا ونهض ليلحق بها فركضت بكل سرعتها.
كادت توقن بأنه سيدركها حين رأت أمامها اثنين من
الجنود ممن يراقبون الساحة فزادت من سرعتها.
وحالما وصلت قربهما توقفت وهي تتنفس
بصعوبة. وصل الجندي قربهم فسأله زميله:
- ماذا يجري يا (جيمس)؟
ردّ جيمس بغضب وهو يضع يده أسفل عينه على الجرح
الذي كان ينزف: - هذه اللعينة ضربتني.
قالت ألانا بأنفاس متقطعة:
- لقد أراد.. الاعتداء على صديقتي.
قال أحد زميليه بصوت خافت تمكنت ألانا من سماعه:
- هل جننت؟ سيقتلك الكابتن لو عرف!
لكن جيمس قال بخبث: - ومن سيخبره؟
رمقه زميلاه فتنحى بهما بعيدا عن ألانا وتحدثا لبضع
دقائق فشكت في نيتهما إخفاء ما حدث والتغطية على
زميلهما.
اتجهت نحو الحمامات لتتفقّد جاكلين لكن أحد الجنديين أمسكها وقال: - اسمعي يا فتاة، لقد
اعتديتِ بالضرب على جندي وهذه جريمة.
رمقته بدهشة وسألته: - وماذا تسمي ما فعله زميلك؟
كان الجندي الثاني قد ذهب إلى الحمامات بينما تقدم
جيمس منهما وقال وهو يرمقها بغضب:
- لو تكلمت أنت أو رفيقتك فسأقتلكما!
قال زميله: - اهدأ يا جيمس. اسمعي يا فتاة، لم يحدث
شيئا لصديقتك، لذا فأنتما لا تملكان دليلاً على
تحرشه بها. لو شكوتماه فسينكر ولن تستطيعا إثبات
شيء. أما هو فأثر تهجمك عليه بالضرب واضح جدا لذا
أنت وصديقتك من ستحاسبان على فعلتكما.
سألته ألانا بعصبية: - وحال الفتاة وآثار ضربه لها
وثيابها الممزقة، أليست إثباتًا؟
- كلا. فمن الممكن أن تفعل صديقتك هذه الأشياء
بنفسها لتفتري على جندي صالح.
رمقته بغيض وأرادت تهديده لكنها فضلت الصمت
والتظاهر بالخضوع للأمر الواقع.
وصل الجندي الآخر برفقة جاكلين التي كانت في
حالة مزرية. كانت فتحة ثوبها ممزقة وآثار ضرب
جيمس لها بادية على وجهها وشعرها متطاير.
تقدمت نحوها ألانا وضمتها بقوة فأخذت جاكلين
تبكي وترتجف فحاولت ألانا تهدئتها.
قال جيمس لألانا مهددًا: - لو تفوهتما بكلمة فلن
تكون العواقب جيدة أبدًا. اشرحي لرفيقتك ما قلته
لك وكونا عاقلتين!
تصنعت ألانا الإذعان وأخذت جاكلين وعادتا إلى
الزنزانة..
اجتمعت الفتيات حولهما وتساءلن بقلق عما حدث لجاكلين وعن جرح جبهة ألانا الذي لم تنتبه أنه
ينزف. جلست ألانا ووضعت رأس جاكلين على ساقها
وقالت برفق: - نامي يا عزيزتي لترتاحي قليلاً.
بعدما غفت جاكلين والدموع في عينيها،
حكت ألانا ما حدث للفتيات بصوت خافت كي لا
توقظها.
كان الأسى والخوف باديا على وجوههن وقالت إحداهن:
- ما هذه الحال؟ هل سيتكرر هذا مع فتاة أخرى؟
قالت (جنيفر) وهي تمسك بطنها لتخفف من ألمها
بسبب حركة جنينها:
- بالطبع! فنحن معتقلات ضعيفات تحت تصرفهم في هذا
المعتقل الحقير!
قالت ألانا بحنق: - الضعيف من يصمت ويترك حقه
للوحوش من أمثال اولئك السفلة!
سألتها ليندا: ما الذي تنوين فعله؟ لا ترتكبي حماقة.
فأجابت بإصرار: - لن أصمت! سأشكوهم للكابتن.
قالت إحدى الفتيات: - لن يصدقك طبعًا.
أيدتها أخرى: - ألم يعاقبك بالحجز الانفرادي؟
إنه حقير مثلهم.
وأضافت ليندا: - وقد يحاسبك على ضربك للجندي!
لكن ألانا قالت بثقة: - لا أظن.
سألتها ليندا بنفاذ صبر: - من أين تأتيك هذه الثقة؟
أليس ضابطا بريطانيا حقيرا؟ بالطبع لن ينصفنا على
حساب جنوده.
أخيرا قالت لتوضح لهن: - لقد نهره زميلاه بشدة وسمعت
أحدهما يقول له بأن الكابتن سيعاقبه لو عرف.
لكن ليندا اصرت على الممانعة: - مادام الأمر مرّ على
خير فلا تقحمي نفسك في المشاكل.
رمقت صديقتها بغضب وقالت وهي تذكر منظر
جاكلين المريع، تقاوم بجسدها النحيل انقضاض جيمس عليها:
- لم يمر أبدًا. لو صمتت فسيعيد ذلك المنحل الكرة
مع فتاة أخرى، وربما لن تفلت من قبضته ضحيته
التالية. يجب أن يعاقب ذلك الحقير!
سألتها شارلوت مع أنها مقتنعة بوجهة نظرها:
- وإن لم يعاقبه الكابتن؟
أجابت دون تردد: - أكون قد فعلت ما عليّ، ولم أضع
رأسي في الرمل كنعامة جبانة.
سألتها جنيفر: - ألا تخشين العواقب؟
أشارت ليندا بيدها نفيًا تحدث زميلاتها:
- لن تعود عما في رأسها. لذا، لندعو لها بالتوفيق.
ثم جلبت قطعت قماش صغيرة لتجفف بها جرح ألانا.
كانت ألانا تتحدث مع جاكلين التي كانت خائفة من
أن تشكو جيمس للكابتن. قالت وهي تمسك يدي
جاكلين بقوة توازي ضعفها وخوفها الذي سبب ارتجاف
يديها بين يدي ألانا:
- هذه فرصتك جاكلين. يجب أن تكلمي
الكابتن حين يأتي في جولته التفقدية!
- أنا خائفة ألانا. لو لم يصدقني الكابتن فسيؤذيني
ذلك السافل! إنه يهددني بنظراته كلما رآني.
قالت بحدة واستياء من خوف جاكلين:
- لأنك تبدين الضعف أمامه وتسمحين له. لا تستسلمي
لذلك الحقير!
سقطت دمعة من عين جاكلين فربتت ألانا على ظهرها
وهي تقول مشجعة ومطمئنة:
- أنا سأكلم الكابتن. لن اقول اسمك، وإن لم
يصدقني سأتحمل وحدي المسؤولية أمامه وأمام ذلك
الحقير جيمس.
كل ما عليك هو قول الحقيقة دون خوف أمام
الكابتن إذا صدقني وطلبك ليستمع لما حدث منكِ.
سألتها جاكلين وعيناها تدمعان وتعكسان امتنانًا:
- لماذا تفعلين كل هذا، مع أنني صاحبة الشأن
أخاف المطالبة بحقي؟
دمعت عيناها وهي تذكر ما علمها إياه والدها منذ
صغرها.
- كي لا يستفحل الظلم. كي أحمي قدر استطاعتي
الفتيات الأخريات مما تعرضتِ أنت له. لقد علمني والدي
ألا أخضع لظلم أحد وأن أقاتل في سبيل حقوقي.
رمقتها الفتاة بإعجاب وشكرتها وهي تضمها.
تقدم الكابتن من زنزانة ألانا وفوقفت المعتقلات أمامه.
ألقى على ألانا نظرة عابرة أعانته عليها رباطة جأشه ثم
تفقد البقية. وقبل أن يخرج من الزنزانة، قالت له ألانا
بالفرنسية: - أريد التحدث معك بأمر ضروري.
قطب جبينه مستغربًا طلبها رؤيته بنفسها وسألها:
- ماذا تريدين؟
- إنه أمر خاص.
تأملها ثم قال للجندي الذي قربه:
- أحضرها إلى جناحي بعدما أنهي التفتيش.
تهامست الفتيات معها فقالت شارلوت: - ألستِ خائفة؟
- كلا! يجب أن أشكو ذلك القذر.
حين أوصلها الجندي إلى جناح الكابتن، لم يكن في
الصالة فنادته بصوت مسموع: - أيها الكابتن!
جاءها صوته من داخل غرفته: - تعالي!
كان يجلس على كرسيه باسترخاء فنظر إليها بتساؤل
وقال ساخرًا وهو يمرر نظره عليها من رأسها حتى قدميها
فقد افتقدتها عيناه: - تُراكِ اشتقتِ إلي فأردتِ زيارتي؟
قالت بامتعاض: - بل جئت أشكو جنديًا من جنودك.
لقد أراد الاعتداء على رفيقتي لكنني وصلت بالصدفة
وساعدتها على الخلاص منه.
سألها باهتمام وقد اعتدل في جلسته:
- أي اعتداء تعنين؟
- لقد تحرّش بها.
قال بانزعاج: - جنودي لا يفعلون هذا!
تساءلت بسخرية: - لمَ لا، إن كان قائدهم حاول فعل نفس الشيء بي لولا شدة مرضي ذلك اليوم؟
قال بانزعاج وحدة وهو ينهض: - لم أرد الاعتداء عليكِ
بل إخافتك وتهذيبك بتلك النظرات والعبارات، كي
لا تسيئي التصرف ثانية.
لمعت عيناها وقالت بألم وحدة: - وقد نجحت بجدارة!
فلم أعش في حياتي خوفًا كالذي شعرت به حينها.
أدارت وجهها فسألها وقد بدأ الغضب يغير ملامحه:
- من هو ذلك الجندي؟ وما دليلك على ما حدث؟
- ليس لدي شهود سوى آثار ضرب ذلك القذر للفتاة،
ودليل آخر ستجده في وجه جنديك.
قال بنفاذ صبر: - أفصحي ولا تتكلمي بالألغاز!
- ستجد أسفل عينه اليسرى ضربة تطابق قطر كعب
حذائي.
رمقها مستغربًا وقد شعر بصدقها فسألها وهو
ينهض ويقترب: - هل تعرفين اسمه؟
- لقد ناداه رفيقاه باسم جيمس.
قال وهو يأخذ كفّها ليخرجا إلى الصالة وقد أتقد
غضبه: - لن أرحمه إذا كان ما قلته صحيحًا!
شعرت تلك اللحظة وهو يأخذ يدها والغضب باد على
ملامحه على جيمس، بأنه سند لها في ذلك المعتقل
البائس وبأن فيه جانبا إنسانيا يناصر الحق، لكنها
عادت لتتذكر أنه ضابط بريطاني فسحبت يدها من يده
سريعا وبانزعاج وكأن تيارا كهربائيا قد صعقها.
نادى على الجندي ليدخل مسرعًا فقال:
- أحضر لي كل جندي اسمه جيمس.
استدار نحوها وقال: - اجلسي.
هزت رأسها نفيًا فلم تستطع الجلوس لشدة توترها.
حين انفتح الباب بعد فترة، حدقت بمن دخل من
الجنود ورأته من بين الأربعة الذين دخلوا
فصاحت: - ها هو! هذا هو القذر الذ..
قاطعها الكابتن بحزم: - اصمتي، وانتظري في الخارج!
وأنت تقدم إلى هنا. أما أنتم فاذهبوا.
غادر الجنود الثلاثة الباقون الغرفة وهم يتساءلون عما
فعله جيمس زميلهم.
تقدم جيمس وهو خائف من الكابتن وغاضب من ألانا.
سأله الكابتن عن صحة ما قالته له ألانا فأنكر واتهمها
بالافتراء عليه. أشار الكابتن لجيمس فاقترب فجذبه
من ثيابه وسأله وهو يمعن النظر في وجهه:
- ما هذه الضربة إذن؟
قال جيمس بارتباك: - إنها.. لقد أصبت أثناء التمرين!
أومأ الكابتن برأسه بعدم اقتناع واستخدم حيلة
تحقيقية معروفة حين قال له بحدة:
- تعلم كم أكره أن يخالف أحد أوامري. وتعلم
أنني أكره الكذب عليّ. وأنت فعلت الأمرين!
بدأ جيمس الكلام: - لا أعرف ما تعني، حضرة
الكابتن!
قال الكابتن بصوت غاضب:
- لا تكذب فقد اعترف رفيقاك بما حدث!
ذُهل جيمس حين سمع باعتراف رفيقيه المزعوم وظل
يحدق بوجه الكابتن ليؤكد صدق اتهام ألانا له.
دفعه الكابتن بعيدا حتى كاد يسقط وزمجر مناديا
الجندي الذي عند باب جناحه.
- بأمرك حضرة الكابتن؟
- اعرف اسم زميلة ڤايلت منها واذهب لإحضارها بسرعة،
وأدخل ڤايلت إلى هنا.
انطلق الجندي مسرعًا بينما ظل جيمس يردد بتوسل:
- سيدي، صدقني أنا بريء! لقد.. انهما تفتريان علي!
هتف به الكابتن مستمرا في حيلته:
- ورفيقاك يفتريان عليك أيضًا؟!
أراد الكلام لكن الكابتن أسكته بإشارة من يده.
حين دخلت ألانا، تبادل جيمس وإياها نظرات الكره.
دقّقت النظر في وجه الكابتن وهي خائفة من عدم
تصديقه لها بعد سماعه للأكاذيب التي بالتأكيد ألّف
جيمس الكثير منها ليبرئ نفسه.
شعر الكابتن بقلقها من خلال نظراتها فأومأ لها برأسه
مُطَمئنا فتنفست براحة بعد ذلك التوتر.
فُتح الباب ودخلت جاكلين بخطوات مضطربة، وحالما
رأت جيمس تملكها الخوف وأسرعت لتقف قرب ألانا
التي أحاطتها بذراعها.
سألها الكابتن: - هل حاول هذا الجندي الاعتداء
عليكِ؟
أجابت جاكلين الكابتن إيجابًا بإيماءة من رأسها فقال:
- أخبريني بما حدث.
أخذت جاكلين تروي ما حدث وهي مضطربة
وتبكي ويدها تقبض على يد ألانا بقوة حتى تركت
أظافرها أثرًا على راحة يد ألانا.
أما جيمس فقد انهار حين صاح به الكابتن:
- كيف تجرؤ على فعل هذا؟ أأنت جندي في معتقل له
قواعد ونظام أم مجرم في شارع؟
جذبه من قميصه وصاح بالجندي الذي عند الباب:
- خذه إلى الحجز الانفرادي، واعرفوا منه اسمي زميليه
اللذين تواطآ معه ثم ضعهما معه.
- حاضر سيدي.
حدق جيمس بالميجر بدهشة وهو يلعن غباءه الذي
جعل حيلة الكابتن تنطلي عليه وصدق أن زملاءه وشوا
به.
قال الكابتن آمرا جنديه:
- أرسل جنديًا آخر ليعيد الفتاة إلى الزنزانة.
همست ألانا وهي تضم جاكلين بقوة:
- اهدئي حبيبتي فقد انتهى الأمر.
حين دخل الجندي ليعيد الفتاتين إلى الزنزانة قال
الكابتن: - انتظري أنت، ڤايلت!
تبادلت ألانا نظرة استغراب مع جاكلين قبل أن تخرج مع
الجندي ثم التفتت إلى الكابتن فأشار لها لتجلس قريبًا
منه لكنها جلست في أبعد مكان عنه.
ابتسم وهو يهز رأسه ساخرًا وقال:
- اجلسي قربي واطمئني، فلن أفعل لك شيئًا. ليس لدي
النية بفقدان عيني!
استدارت عنه وهي تحاول إخفاء ابتسامة قفزت إلى
شفتيها رغما عنها، فابتسم الكابتن وظل يرمقها
بإعجاب. استدارت نحوه وسألته وقد احمر وجهها:
- هل أبقيتني هنا لتحدق بي؟
برر وفي عينيه ولهجته انبهار:
- لقد أعجبتني شجاعتك ووقوفك إلى جانب
رفيقتك حتى أخذت حقها. هي لم تشتكِ بنفسها
وأرسلتك بدلا منها.
دافعت عن جاكلين وقلبها يخزه الحزن ككل مرة
تتذكر منظرها لحظة تحرش جيمس بها:
- كانت خائفة فجئت أشكو ذلك الوغد بدلا عنها.
سألها بفضول: - ولماذا لم تخافي أنت أيضًا؟
- لأنني أكره الظلم ولم أعتد السكوت عنه.
ولأنني لم أرد لذلك القذر أن يكرر ما فعل مع فتاة
أخرى قد لا تنجو من قبضته.
سألها مبتسمًا بهدوء ناقض لهفته لمعرفة إجابتها:
- ما الذي أعطاكِ الثقة بأنني سأعاقبه، ما دمت
تتهمينني بأني نويت فعل نفس الشيء بك؟
عاد وجهها للاحمرار وشعرت بالغضب مثل كل مرة
يذكر ذلك الموقف أمامها فأشاحت بوجهها
وهي تجيب:
- سمعت زميله يقول له بأنك ستقتله لو علمت بما فعل.
رفع حاجبيه وقال مبتسمًا: - أرأيتِ؟ لدي حسناتي أيضًا.
استدارت عنه مجددا وقالت رافضة أن تقر واقعا كرهته:
- تريد الحفاظ على سمعتك المهنية.
سألها باستغراب وهو يرفع حاجبيه وضحكة مخفية
تشوب صوته: - ألهذه الدرجة يصعب عليك الاعتراف
لي بأي خصلة جيدة؟
قالت على مضض لتكون منصفة، وأي إنصاف في ذلك
التصريح الذي لم يحتوِ على كلمة مديح صريحة في
حقه: - في الحقيقة، لا يوجد إنسان سيء مئة بالمئة..
شعر بأن لديها كلامًا لم تقله فقال وعلى وجهه ابتسامة
صافية: - تعجبني صراحتك. تكلمي ولا تخافي.
رمقته بنظرة سريعة وقالت:
- أنت بريطاني، وهذه الصفة وحدها تعدل مئة
خصلة سيئة.
تفاجأت بضحكته العالية التي أطلقها بدل أن يغضب.
نظرت إليه باستغراب، تفكر في ردود أفعاله التي
كثيرا ما تناقض توقعاتها فقال ببساطة ناقضت تعقيد
الأمر في نفسها وعقلها: - لكنني لست بريطانيًا!
حدقت به بدهشة لثواني طويلة فقال وابتسامة النصر
تلوح على محياه، أو ربما ابتسامة أمل:
- أنا فرنسي، وقد هاجرت الى بريطانيا منذ سنوات
طويلة.
لتخفف من دهشتها وسرورها لسماع تلك الحقيقة، قالت
بامتعاض تذكره: - هذا لا ينفي كونك ضابطا في
الجيش البريطاني!
زفير أطلقه معلنًا الموافقة على تلك الحقيقة التي
تقف بينهما ثم سألها ليغير مجرى الحديث:
- بالمناسبة، كيف تعلمتِ اللغة الفرنسية؟ أنت
تجيدينها وكأنها لغتك الأم.
ارتباك لم يفته طغى على نظراتها وهي تجيب سؤاله
غير المتوقع: - درستها لسنوات في المدرسة.
حكّت جانب جبهتها وقد نسيت الجرح على جانبها
فانخدش ونزف فتأوهت وهي تمسكه.
نهض ليجلس قربها فتحفزت لاتخاذ وضع الدفاع. أبعد
يدها عن الجرح ليراه فترى القلق في عينيه.
- ما هذا؟
أجابت والتوتر يسيطر عليها بسبب اقترابه منها لذلك الحد: - جُرحت حين دفعني ذلك القذر جيمس.
انتبه لراحة يدها فسألها وهو يتناول كفها بين أصابعه:
- وما هذه أيضًا؟
سحبت كفها بسرعة وقالت: - كانت جاكلين متوترة
وهي تخبرك بتفاصيل الحادث فضغطت على يدي بقوة
حتى تركت أظافرها هذا الأثر.
رمقها بنظرة رقيقة استغربتها ثم أخرج منديله
وبدأ بمسح جرح جبهتها. كم أزعجها ذلك اللطف
الذي بدأ يؤثر على فكرتها السلبية عنه.
كان هو الآخر يصارع كبرياءه وجبروته الذي
استطاعت هذه الفتاة المتهورة العنيدة والشجاعة النيل
منه. تنال منه في كل مرة تحدثه بعنفوان وكأنها هي
الأسيرة سيدة الموقف لا هو، الكابتن الآمر الناهي!
تنال منه حين تجعل مشاعره القوية الباردة تضطرب
كلما اقترب منها. تنال منه حين تدور عيناه بين صفوف
زميلاتها باحثة عنها وقد اشتاقت طيفها.
كان يتأملها بإعجاب وابتسامة جميلة بدت على شفتيه
حتى طغى الشوق واللهفة على نظراته وقلبه ليضعف
مقاومته فمال برأسه نحوها قليلا..

نهاية الفصل الثالث

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:18 pm

الفصل الرابع

كان يتأملها بإعجاب وابتسامة جميلة بدت على شفتيه
حتى طغى الشوق واللهفة على نظراته وقلبه ليضعف
مقاومته فمال برأسه نحوها قليلا..
لكن كلا! إنه الكابتن المُهاب الذي لن يسمح
لمشاعره أن تتحكم به! لن يسمح لنفسه ولها بتكرار
رفضها قبلته. لذا ابتعد ونهض فجأة قبل أن تدرك ألانا
اقترابه منها أساسًا فقد كانت تحدق بالأرض عند
قدميها.
نادى الجندي كي يعيدها إلى زنزانتها لينجو بنفسه من
جنونه مع أنه كان يريد إبقاءها قربه لفترة أطول
والحديث معها أكثر فقد أعجبه كل ما فعلت اليوم.
لكن ما لم يعجبه هو ازدياد تلك العاطفة
الغريبة التي تشده نحوها!
رمقته ألانا يدخل غرفته مسرعا، وهي تستغرب تقلب
مزاجه وتصرفاته فقد ظنت أنها لن تنجو سريعا من
مشاكسته لها.
اكتشف اليوم كل من ألانا والميجر في بعضهما جوانب
جميلة كانت خفية عليهما، جعلت الشرارة تشتعل
بينهما رغمًا عنهما خاصة بعدما عرفت ألانا أنه فرنسي
مثلها وليس بريطانيًا.
حين عادت ألانا إلى زنزانتها، استقبلها الكل بكلمات
الثناء لموقفها الشجاع مع جاكلين وجرأتها فأسعدها
ذلك وأخجلها في الوقت نفسه، وشعرت أن رفقة أولئك
الزميلات صارت مواساةً لها على بعدها عن والديها.
سألتها جاكلين بقلق: - لماذا أبقاك الكابتن عنده؟
كانت تعد إجابة هذا السؤال منذ خرجت من جناح
الكابتن.
- أثنى على شجاعتي وأخبرني أن ذلك القذر
حالة استثنائية في الجيش البريطاني وليس حالة
عامة.
كانت تتكلم عنه بسخرية لكن شارلوت قالت:
- لقد أعجبني وقوفه بجانب الحق على حساب جنوده.
علقت ألانا بانفعال وهي تكبح -لا إراديا- تصديقها
لكلمات شارلوت: - يبقى بريطاني متعجرف!
وعادت لتتذكر ما أخبرها به عن كونه فرنسيًا لا
بريطانيًا لكنها لم تخبر رفيقاتها بالأمر.
في ليلة، صحت المعتقلات على صوت المرأة الحامل
جنيفر وقد شعرت بآلام المخاض. كان الجو باردًا
والمرأة ترتجف وتتألم كثيرًا.
فحصتها شارلوت ثم قالت بارتباك:
- لا أظنها ستلد بسهولة.
قالت ليندا بقلق: - لكنك خبيرة في توليد
النساء يا شارلوت.
هزت شارلوت رأسها بقلق وقالت: - الوضع صعب. لتذهب
إحداكن وتطلب من الجندي أن يفتح لنا الباب، وأريد أن
تسخننّ لي قدر ماء كبير.
أسرعت ثلاث من الفتيات لإخبار الجندي ثم ذهبن
لتسخين المياه بينما قامت بعض الفتيات الأخريات
بوضع مزيد من الأغطية على جنيفر لتشعر بالدفء.
عانت جنيفر كثيرًا خلال الساعات الماضية، وحاولت
شارلوت قدر استطاعتها أن تساعدها لكن ولادتها كانت
متعسرة.
ابتعدت شارلوت عن جنيفر التي غفت لشدة تعبها
وهمست للفتيات: - لن ينجح الأمر. هذه الحالات لا تنجح
إلا في المستشفى وتحت إشراف طبيب.
قالت إحدى الممرضات: - أي مستشفى هذا ونحن
في هذا المعتقل؟! لنحاول من جديد.
وقالت ألانا والدموع في عينيها:
- حاولي يا شارلوت! لا يمكن أن نفقدها أو تفقد طفلها.
قالت شارلوت: - يجب أن نكلم الجنود لننقلها إلى عيادة
المعتقل.
تساءلت إحدى الفتيات بقلق: - وهل سيوافقون؟ تلك
العيادة مخصصة للكابتن والجنود.
قالت شارلوت بإصرار وهي تنظر صوب جنيفر:
- يجب أن يوافقوا! ستموت مع طفلها إن لم نسرع.
ظهر القلق على وجوه الفتيات وقالت ألانا:
- ولمَ لا يوافقون؟ وهل سينقص من عيادتهم شيء لو
انجبت فيها؟! تبًا لهم!
قالت شارلوت وهي تسرع بالخروج من الزنزانة:
- سأذهب وأفعل ما أستطيع لجعلهم يوافقون. من ستأتي
معي؟
ذهبت سبع من الفتيات بضمنهن ألانا ومعهن
ممرضتين من زميلات شارلوت في المستشفى وتحدثن مع
الجنود كي يسمحوا بأن تلد جنيفر في العيادة.
قال أحد الجنود:
- يجب أن يوافق الكابتن أولاً فهذا ليس من صلاحياتنا.
قالت شارلوت بانفعال: - لتسرع بإخباره إذن، فالمرأة في
خطر!
ليرد الجندي ببرود: - لكنه نائم ولا نجرؤ على إيقاظه.
انتظري حتى الصباح.
صاحت به ليندا: - نقول لك أن المرأة ستموت إن لم
نسرع فتقول انتظري حتى الصباح!
وصاحت به ألانا: - ألا تفهم يا رجل؟ أيقظه بسرعة كي
ننقلها وإلا سنكسر باب العيادة إن لزم الأمر!
قال جندي آخر:
- لا يجرؤ أحد على إيقاظ الكابتن من نومه ليلا.
سيعاقبنا.
هتفت إحدى الفتيات بنفاذ صبر: - افتح لنا العيادة إذن
وبعدها أخبر الكابتن متى شئت!
هتف الجندي بانزعاج: - لا أستطيع! ألا تفهمن؟
اذهبن من هنا، وإن اقتربتن من العيادة فستعاقبن جميعًا!
زفرة غاضبة أطلقتها ألانا ثم ركضت باتجاه جناح
الكابتن وهي تفكر " يا لك من جبان! سأوقظ زيوس
بنفسي وليعاقبني إن شاء ".
ركض الجندي خلف ألانا بينما دعت زميلاتها وهنّ
يتبعنها إلى جناح الكابتن بأن تنجح في إقناعه بفتح
العيادة وإلا فسيفتحنها عنوة وليحدث ما يحدث، فلن
يقفن متفرجات بينما تموت جنيفر مع جنينها.
وصلت ألانا إلى جناح الكابتن رغم تهديد الجندي
وملاحقته لها. ولحسن الحظ أن لا حراسة ليلية لجناح
الكابتن باعتبار أن المعتقل آمن وخالٍ ليلاً.
كاد الجندي أن يمسكها حين طرقت نافذة
غرفة الكابتن بقوة ليستيقظ.
- ابتعدي عن النافذة!
قالها الجندي وهو يجرها بعيدا فقالت بغضب بينما كان
يجذبها من ذراعها ليبعدها: - دعني!
فتح الكابتن النافذة والغضب يطل من عينيه محاولا
معرفة من تجرا وأقلق نومه في تلك الساعة. نظر لألانا
مستغربا فتكلم الجندي بارتباك:
- حضرة الكابتن، لقد جاءت كالمجنونة و..
أشار له الكابتن بيده فصمت فقالت ألانا وهي بالكاد
تتنفس: - نريد نقل امرأة لعيادة المعتقل.
قطب جبينه وسألها باهتمام: - ما الأمر؟
- ولادتها متعسرة وقد تموت.
قال للجندي على الفور: - اذهب لفتح العيادة في الحال
وأرسل في طلب الطبيب. وأرسل جنديان لنقل
المرأة إلى العيادة.
- حاضر سيادة الكابتن.
سألته ألانا: - هل يمكن أن أذهب معه لأخبر الطبيب
بحالة جنيفر ليستعد بينما ينقلها الجنود؟
أشار لها بالذهاب فأومأت له برأسها ولم يستطع لسانها
نطق كلمة الشكر لزيوس، وركضت في الحال فهزّ
رأسه مبتسمًا وتمتم: - مجنونة!
دخلت شارلوت العيادة برفقة الجنديين الذين يحملان
جنيفر إلى غرفة مجهزة ببعض المستلزمات الطبية
والأجهزة الضرورية.
سألتها ألانا: - كيف حالها؟
- ما تزال تقاوم مع أنها أنهكت. سنكون بخير.
ابتسامة شاحبة متفائلة وجهتها لشارلوت وهي تضع
الأدوات الطبية قرب السرير ثم قالت: - سأخرج مسز
شارلوت، فأنا لا أحتمل حضور الولادة.
بقيت شارلوت لمساعدة الطبيب في الداخل
وبقيت ألانا تسير في الممر بخطوات قلقة وتدعو لجنيفر
وهي تسمع صراخها. أخيرًا سمعت صرخة الطفل فتنهدت
بارتياح وحمدت الله.
بعد دقائق، طرقت الباب وفتحته ببطء فقالت شارلوت:
- تعالي!
اقتربت ونظرت لجنيفر التي كانت مغمضة العينين وقد
غطت في نوم عميق بعد كل ذلك التعب.
قالت شارلوت بابتسامة وقد بدا الإعياء عليها:
- انظري يا عزيزتي، لقد انجبت طفلاً رائعًا.
نظرت ألانا إلى الطفل مبتسمة وسألت الطبيب:
- هل هما بخير؟
- الطفل متعب قليلاً لكنه بخير. ابقين هنا حتى
الصباح كي لا يتعرض الطفل وأمه للبرد فيمرضا.
شكرتا الطبيب فخرج وعلى وجهه ابتسامة.
قالت شارلوت:
- تعالي كي تساعديني في تنظيف الطفل.
حضرت شارلوت بعض الأغراض وجهزت الماء الدافئ ثم
حملت الطفل وناولته لألانا. توترت لأنها تحمل طفلاً ولد
للتو لأول مرة. سرت قشعريرة في جسدها وهي تدقق
النظر في وجهه الصغير بابتسامة وعينين دامعتين.
- خفت كثيرًا أن نفقدهما يا مسز شارلوت!
قالت شارلوت بابتسامة وهي تلبس الصغير ثوبه:
- لولا شجاعتك لما نجحنا بإدخال جنيفر العيادة دون
مشاكل.
- لا تقولي هذا! أنت من اهتممت بها وبذلتِ ما في
وسعك.
أطلقت شارلوت ضحكة خافتة وقالت:
- وأنتِ من أيقظ زيوس الذي يهاب الجنود إيقاظه.
لفت شارلوت الطفل بغطاء سميك كي لا يبرد
ووضعته على أحد الأسرّة فقالت لها ألانا:
- نامي يا مسز شارلوت فقد تعبتِ كثيرًا وأنا سأسهر قرب
جنيفر وصغيرها.
- شكرًا لك يا عزيزتي.
بقيت ألانا ساهرة حتى الصباح وهي تتأمل جنيفر وطفلها
تارة وتناولها الطفل لترضعه تارة أخرى.
فكرت بامتنان بموقف الكابتن واعترفت أن مواقفه
الجيدة أكثر من السيئة.
حين ارتفعت الشمس، ساعدت شارلوت جنيفر على
النهوض وأخذت ألانا أحد الأغطية لتضعه على جنيفر
كي لا تبرد وقادتها إلى الخارج بينما حملت شارلوت
الطفل ولفته بعناية.
في طريقهما إلى الزنزانة، صادفتا الكابتن وهو عائد
من التدريب الصباحي. ألقت ألانا عليه نظرة خاطفة
فتلاقت عيناها بعينيه اللتين كانتا تتأملانها
بإعجاب، لا ّ بل بشيء أكبر. بعاطفة وليدة
كذلك الوليد الذي تحمله.
شكرته جنيفر كثيرًا فقد حكت لها شارلوت عما
حدث أمس وعن موقفه فأومأ لها برأسه وسار نحو جناحه.
توقف بعدما تغلبت عاطفته عليه كالعادة حين يتعلق
الأمر بها وصاح وهو يراها تبتعد مع زميلتيها:
- ڤايلت! تعالي.
استدارت نحوه بارتباك بعدما رأت نظرات التساؤل في
عيون جنيفر وشارلوت. تبادلت نظرات استغراب مع
صديقتيها وهي تسلم الطفل لشارلوت.
بعد أمر من الكابتن، أسرع الجندي الذي كان يقف
على باب جناحه وأمسك جنيفر لتستند عليه واستأنفوا
السير نحو الزنزانة.
تساءلت ألانا بامتعاض وهي تسير نحوه "لماذا صار بهذا
اللطف والإنسانية؟ " متغاضية عن محاسبة عقلها
الذي صار يرى فيه جوانب مشرقة.
تقدمت ألانا ودخلت الجناح خلف الكابتن فقال وهو
يتجه لغرفته: - انتظريني هنا ريثما أستحم.
نظرت إلى جسمه المتناسق الممشوق الذي أظهره زي
التدريب العسكري. استدار عند باب الحمام فرآها
بالجرم المشهود وهي تحدق به بنظرات لم تكن حادة أو
غاضبة كالعادة. أبعدت وجهها بسرعة فابتسم بمكر
ورضا.
فكرت غاضبة من نفسها " غبية! لماذا تأمّلتُه؟ "
جلست على الأريكة في الصالة الصغيرة حيث جلست
المرة الماضية فتذكرت رقّة نظراته وهو يمسح
جرحها. ضربت الأريكة وفكرت "تبا لي! ما بالي
أفكر به كثيرا؟"
أغمضت عينيها المجهدتين وأراحت رأسها على الأريكة
الوثيرة..
خرج وهو يرتدي سرواله وقميصه العسكري.
نظر إليها وهي نائمة فقد غفت وهي جالسة لشدة التعب.
تقدم بهدوء نحوها ثم جلس قربها وراح يتأملها. كان
التعب باديًا على وجهها وخصلات رفيعة من شعرها نزلت
على جبهتها.
تساءل باستغراب وضجر: " ما الذي يحدث لي؟ لماذا
تشدني هذه المتهورة المجنونة الفاتنة كلما رأيتها؟
كأن فيها سحرا خفيا لا يُقاوم! "
ابتسم واقترب ليزيح خصلات شعرها عن وجهها. طبع
قبلة على جرح جبهتها وتأملها فلم يتمالك نفسه من
إعادة تلك التجربة الرائعة التي ما تزال عالقة في
ذهنه وحواسه.
فتحت عينيها ليستغرق عقلها بضع ثواني لاستيعاب
الموقف فدفعته عنها سريعا لتنهض وهي تقول بغضب:
- ألهذا طلبتني؟ كي أسدد ثمن دخول جنيفر
العيادة؟
قال بانزعاج وهو ينهض: - لا تتفوهي بالحماقات!
سألته بعصبية: - لماذا قبّلتني إذن؟
أولاها ظهره ولم يجب. فكيف سيعترف لها الكابتن
الصارم بأنه لم يستطع مقاومة تلك العاطفة التي شدته
نحوها وهو يراقبها تغفو كطفلة صغيرة فرغب
بملامستها وتقبيلها؟ قبلة كانت مختلفة عن سابقتها.
أكثر روعة وأشد تأثيرا. فإن أثرت الأولى في حواسه
فقد طبعت الثانية أثرا على قلبه.
اقتربت من الباب لتغادر فقال بحزم:
- لم أسمح لك بالذهاب!
قالت بتحدٍ وكلماتها تضج بالغضب:
- لا أنتظر إذنًا منك!
اقترب بسرعة وجذب ذراعها ليديرها نحوه ويمنعها من
الخروج فرأى لمعان الدموع في عينيها.
آلمها أن يعاملها هكذا وآلمتها خيانة نفسها لها
حين بدأت تنظر إليه بشكل مختلف بسبب مواقفه معها
وحين بدأت تألف اقترابه منها. لكن ها هو يثبت لها أنه
نفس الشخص الذي كرهته في البداية!
سألها بانزعاج: - هل تظنينني وضيعا لدرجة أن أجعلك
ثمنا لموقف إنساني فعلتُه؟
نفضت ذراعه بعنف لتتخلص من قبضته فأكمل:
- أستطيع إجبارك على أي شيء لو أردت، دون الحاجة
لانتظار موقف كهذا فأجعلك تسددين ثمنه. لكنني
لست بهذه الخسّة!
سألته بإصرار: - لماذا قبلتني إذن؟
تنهّد وعاد لاستخدام سلاح المكر والوقاحة في نظراته
ولهجته كي يخفي عنها حقيقة تلك العاطفة التي
بدأت تكبر في قلبه نحوها حين قال:
- رغبت بتقبيلك فقبّلتك. هذا ما في الأمر.
رمقته بغضب وقالت بنظرة حادة:
- أتحسبني إحدى رفيقتيك لتفعل معي ما يحلو لك؟
لعنت ثورة غضبها التي جعلها تنطق بتلك الكلمات.
لماذا ذكرت تلكما الفتاتين؟ سيظن الآن أنها تتابع
أخباره ولن يصدق أنها رأت إحداهما صدفة وسمعت عن
الأخرى.
رفع حاجبيه وشقت ابتسامة ساخرة شفتيه والمكر
ينضح من ملامحه ليقول:
- بالتأكيد لا أحسبك مثلهما لكنني رغبت بتقبيلك
ففعلت. أنا صريح في التعبير عن رغباتي بخلافك أنت.
قطبت جبينها وتصنعت عدم الفهم ثم استدارت لتذهب
وقد ظنت أنها أفلحت بالهرب من ذلك الحوار، لكنه
جذب ذراعها لتواجهه وقال:
- أنت تحاولين إخفاء إعجابك بي لكنك لم تفلحي
فقد فضحتك نظراتك!
أحرجها كلامه فاحمرت خجلا وقالت وهي
تضع راحتيها على صدره لتدفعه وتبعده عنها:
- أنا أعجب بضابط بريطاني؟ بك أنت؟
أمسك يديها وقربها إليه وهو يرمقها بمكر يقول:
- هل نسيتِ أنني لست بريطانيا؟
قالت بحدّة محاولة التملص منه: - دعني أذهب الآن.
فقال بعناد ومكر: - لن تذهبي! ستبقين قليلا معي.
نظرت بحدة في تلك العينين الزرقاوين اللتين تبتسمان
لها بمكر وقالت: - لا أريد البقاء!
ملامح الغضب في وجهها تجعله يبتسم. لماذا يستمتع
بمشاكستها؟
- ستبقين لأنني أرغب بذلك.
قالت غاضبة وهي تحاول تخليص ذراعيها من قبضته:
- لست ملكك يا زيوس!
رمقته بتوجّس منتظرة ردّة فعله وهي تلعن زلة
لسانها الذي سيهلكها يوما كما تخبرها ليندا
دوما.
أطلق ضحكة خافتة خالفت توقعاتها عن ثورته بسبب
زلة لسانها.
همس بمكر: - أنا زيوس إذن يا.. أفروديت!
لم تملك إلا التحديق به بدهشة وهي تفكر:
" ترى، هل يستطيع أحد ما تخمين ردود افعاله؟ يضحك
في اللحظة التي أنتظر فيها أن يغضب، ويحتدّ في لحظات
الهدوء فجأة! "
وبينما كان مستمتعًا بهدوء تلك الزوبعة العذبة التي
بين يديه والتي ترمقه بتركيز هكذا لأول مرة، شعرت
وهي تتأمل عينيه وشعره اللامع أنهما مألوفان لديها
لكنه قاطع أفكارها حين استسلم لمشاعره وانحنى
نحوها والشوق بادٍ في عينيه.
لكنها ورغم انجذابها نحوه وحضوره الطاغي
الذي اجتاحها، ابتعدت عنه مسرعة وخرجت.
زفر بانزعاج وتمتم: - تبًا! تلك المجنونة تفقدني
صوابي. ما كان يجب أن أظهر عواطفي.
سارت ألانا مع الجندي نحو زنزانتها وهي غاضبة. ليس
بسبب وقاحة الكابتن بل بسبب ميلها نحوه وتأثرها
بقربه! نعم إنها معجبة به، واليوم حين طلب بقاءها
قربه ثم تقرّب منها، كانت سعيدة في داخلها رغم
محاولتها الكذب على نفسها والتظاهر بعكس ذلك!
حين دخلت الزنزانة، واجهت نظرات شك من بعض
الفتيات بسبب تأخرها عند الكابتن. تقدمت من
جنيفر لتطمئن عليها وعلى صغيرها فقالت شارلوت
بحسن نية: - هل وبخك ذلك الكابتن الغاضب؟
ارتبكت، وكأن الجميع شاهد وسمع ما دار بينها وبين
الكابتن واطلع على أفكارها التي تزعجها ثم تداركت
الأمر لتبعد الشك من رأس زميلاتها، فقد أحزنتها
نظرات الشك في عيون بعضهن:
- زيوس المتعجرف! ظل يهدد ويتوعد لأنني تجرأت على
إيقاظه بتلك الطريقة.. حتى أنه أمسك فكي بقوة
وهو يهددني وكدت أسقط حين دفعني!
قالت جنيفر بأسف: - آسفة لأنك تعرضتِ لغضبه بسببي.
عانقتها ألانا: - لا تقولي هذا! المهم أنكما بخير. لقد
خفنا عليكِ كثيرا.
قالت جاكلين وهي ترمق ألانا بنظرات امتنان:
- دائما تفعلين ما بوسعك للآخرين.
ارتاحت وهي ترى تغير نظرات الفتيات نحوها لكنها
شعرت بالذنب لأنها تميل لضابط في الجيش البريطاني!
قالت ليندا لجنيفر: - ماذا ستسمين ولدك؟
نظرت لألانا وقالت: - لو كانت بنتًا لأسميتها ألانا لكن
بما أنه صبي فهي من ستختار له اسما.
دمعت عينا ألانا وقالت بسرور وهي تشد على
يدي جنيفر: - عزيزتي، هذا كثير عليّ!
فكرت باسم ظريف لهذا الطفل الشقي الذي قلب مجيأه
المعتقل كله فظهرت صورة ليون صديق طفولتها الشقي
الذي لن تنساه أبدًا فتساءلت:
- هل نسميه ليون؟ هل يعجبك الاسم يا جنيفر؟
أومأت مبتسمة: - اسم لطيف!
مرت الأيام الأولى لولادة جنيفر وهي ما تزال متعبة،
واستمرت رفيقاتها في الاهتمام بها. فبعضهن يقمن
بأعمالها في المعتقل وبعضهن يحضرن لها الطعام.
أما ألانا فكانت تعتني بليون الذي تعلقت به وصارت
تستمد الأمل من وجهه الصغير البريء.
حين مرّ الكابتن بزنزانة ألانا ضمن جولته، لم تنظر
صوبه وسمرت عينيها على ليون الصغير الذي
كانت تحمله بينما ألقى هو عليها نظرة سريعة
ثم أكمل طريقه.
في صباح ربيعي دافئ، كانت الانا تسير في الساحة
وهي تحمل الثياب التي ستقوم بغسلها. لمحت الكابتن
وهو يهرول مع الجنود ضمن التدريب اليومي الصباحي.
لم تستطع سوى التحديق بذلك القوام الرشيق وذلك
الشعر اللامع تحت اشعة الشمس الذهبية.
لم تكن لتتخيل انها قد تنجذب لضابط في الجيش
البريطاني! وهنا تنهدت وهي غاضبة من نفسها ثم
أكملت طريقها.
وفي مرة كان الكابتن في طريقه إلى جناحه وكانت
ألانا تحمل ليون الصغير وتسير به في الساحة. لم
يستطع منع نفسه من التوقف والنظر صوبها ولم تستطع
منع نفسها هي الأخرى من النظر إليه فقد افتقد أحدهما
الآخر.
بعد قليل، جاء أحد الجنود وتقدم منها ليقول:
- تعالي معي، الكابتن يطلبك.
قفز نبضها الخائن فكبحت ردّ فعلها غير الإرادي بعبوس
وهي تقول: - سأعيد الصغير إلى أمه ثم آتي معك.
- كلا، فحضرة الكابتن يريد أن تحضريه معك.
استغربت طلبه لكنها سارت مع الجندي. دخلت لتجده
جالسًا يراجع بعض الأوراق. تحرك قلبها لرؤيته لكنها
قررت التحكم بنفسها، فتجهمت ونظرت للبعيد.
رفع رأسه مبتسمًا لكنه قطب جبينه وسألها حين رأى
ملامحها العابسة: - لمَ هذا العبوس؟
ردّت على سؤاله بانزعاج: - إرسالك في طلبي يسبب لي
الإحراج لأن رفيقاتي استقبلنني بنظرات الشك حين
عدت من عندك آخر مرة.
فهم كلامها لكنه تعمد المراوغة بسؤالها باستغراب
وهو يقطب جبينه: - لماذا؟
رمقته بدهشة وقالت: - لأنهن تصورن أننا..
سأل مبتسمًا بمكر: - أنك عشيقتي؟
لم تجب أو تنظر إليه فقال: - لا أظن أنهن يُسِئن الظن
بك، فهنّ يعرفنكِ جيدًا بالتأكيد.
قالت عابسة دون النظر إليه: - لقد رأيت الشك في
عيون البعض.
- لا تهتمي لهن.
تساءلت بانزعاج: - كيف لا أهتم؟ إنهن زميلاتي!
- لهذا يجب ألا يُسِئن الظن بك. أنت تقدمين لهن
المساعدة دائمًا وتقفين معهن، ويجب أن يحترمنك لا أن
يُشكّكن بك.
لماذا يملك هذا الـ زيوس القدرة على تغيير مزاجها؟ فها
هو يجعلها تهدأ بسهولة كما يستطيع جعلها تنفجر
غضباً بسهولة أو تنساق وراء مشاعرها بسهولة!
تململ ليون وأصدر بكاءً خفيفًا فقال الكابتن:
- اجلسي قربي كي أرى الطفل.
اقتربت وجلست ثم قالت بابتسامة: - هل تريد حمله؟
مدّ يده ولامس وجه الطفل وهو يقول:
- كلا! لم أحمل طفلاً بهذا الصغر من قبل!
ابتسمت بعذوبة وهي تنظر للصغير وقالت:
- حين حملته بعد ولادته بقليل كنت مرتبكة لكنه
كان إحساسًا رائعًا. أن تحمل بين يديك هذا الكائن
الصغير!
مدّ يديه وقال: - لأجرب إذن!
ناولته الطفل ببطء وهي توصيه: - انتبه لرأسه.
رفعا رأسيهما فتلاقت نظراتهما لثواني وخطر في رأسها
أنهما يحملان ابنهما! ابتعدت مسرعة وهي تود لكم
رأسها الذي يفكر بتلك السخافات!
سألها وهو يتأمل وجه ليون: - ما اسمه؟
قالت بسرور: - لقد طلبت مني جنيفر أن أختار له
اسمًا بنفسي.
قال بمكر يمازحها: - لو أنك أسميته على اسمي، زيوس.
كتمت ابتسامتها وقالت: - أسميته ليون، على اسم
رفيقي..
قاطعها بانزعاج استطاع إخفاءه عنها:
- ألديك رفيق؟ منذ متى وأنتما تعرفان بعض؟
- منذ ولدنا. مع أنني لم أره منذ أحد عشر عامًا، إلا أنني
لم أنس وجهه الجميل وعيناه الزرقاوان الواسعتان.
سألها مستغربا وهو يخفي دهشة كبيرة وحيرة:
- تعنين أنه رفيق طفولتك؟
- نعم. كنا نجلس في مقعد دراسي واحد وكان أهله
جيراننا وأعز أصدقائنا.
سألها وقد بدا الاهتمام على ملامحه:
- ولماذا لم تكن أخته رفيقتك؟ أم أنك كنت
تفضلين رفقة الأولاد في صغرك؟ ربما هذا هو
سر جرأتك واندفاعك!
قطبت جبينها استغرابًا لاسترساله في الحديث
وأجابته: - كان ليون الأصغر بين الأشقاء الثلاثة ولم
يكن لديهم شقيقة، لذا كنت أنا فتاة العائلة المدللة!
لكن لماذا تسأل باهتمام عن هذا الأمر؟
ناولها الطفل وقال:
- مجرد فضول. أظن أنه من الأفضل أن تعودي الآن.
سارت نحو الباب وهي تستغرب الفضول الذي طرأ عليه.
هل يهتم بها لدرجة أن يسأل عن تفاصيل حياتها
وطفولتها؟
- ألانا!

نهاية الفصل الرابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:21 pm

الفصل الخامس

سارت نحو الباب وهي تستغرب الفضول الذي طرأ عليه.
هل يهتم بها لدرجة أن يسأل عن تفاصيل حياتها
وطفولتها؟
- ألانا!
لم تستدر حين ناداها الكابتن باسمها الحقيقي لكنها
توقفت عن السير غريزيا.
قالت دون أن تستدير نحوه: - اسمي ڤايلت.
أكملت سيرها نحو الباب وخرجت وهي تتساءل " هل
عرف اسمي الحقيقي؟ لابد أن أحد حراسه سمع إحدى
الفتيات تناديني به فأخبره! ماذا سأفعل الآن؟ ولماذا لم
يواجهني بكذبتي ويطلب تفسيرًا لها؟ "
لم تدم تساؤلات ألانا طويلاً، فقد جاء أحد
الجنود إليها في اليوم التالي بينما كانت تسير
في الساحة قبيل الغروب وقال:
- تعالي معي، الكابتن يطلبك.
كانت قد حضرت قصة مختلقة تخبر بها الكابتن
حين يسألها عن اسم ألانا فقد كانت متأكدة أنه عرف
اسمها الحقيقي. وظلت طوال الطريق تفكر بما سيحدث
وإن كان سيصدق قصتها أم لا.
دخلت وهي متوترة فقال دون النظر إليها: - اجلسي.
جلست بعيدًا عنه فلم يطلب منها الاقتراب هذه المرة
وسألها: - لماذا أخفيتِ اسمك الحقيقي؟
حاولت أن تبدو مقنعة حين قالت: - ولماذا أخفيه؟ كل
ما في الأمر أن اسمي في الاوراق الرسمية هو ڤايلت.
جدتي أسمتني هكذا لكن والدتي كانت تريد
تسميتي ألانا. حتى أن بعض رفيقاتي ينادينني ڤايلت
والبعض الآخر ألانا.
رفع حاجبيه وهو يرمقها بعدم اقتناع وقال:
- لم تكوني كاذبة هكذا في فرنسا! لقد تعلمتِ
عادات سيئة في إيرلندا.
رمقته بدهشة وتساءلت عمن يكون هذا الرجل الجالس
أمامها فقال بانزعاج وهو يشعر بالخجل:
- لو لم تخفِ اسمك الحقيقي، لوفرتِ علينا أشياء
كثيرة!
سألته وهي تنهض لتقترب منه: - من أنت؟ من أين وكيف
عرفت هويتي الحقيقية؟
قال دون أن يرفع رأسه لينظر إليها:
- لم أعرفك لأنك تغيرتِ كثيرا، لكنني شككت
بهويتك حين تحدثتِ عن ليون.
تساءلت باستغراب: - الصغير ليون؟
- بل شقيقي ليون.
اتسعت عيناها دهشة وجلست قربه لينظر صوبها
فتحدق بتلك العينين الزرقاوين اللتين لم
تعودا بنفس صفائهما السابق، وذلك الشعر ذو اللمعان المميز.
- كنت أشعر أحيانًا أن وجهك مألوفٌ لدي لكنني لم
أتصور أن تكون دانيال.
لمعت الدموع في عينيها وابتسمت بسرور وهي تشعر
كأنها عادت طفلة من جديد! لم تتصور أنها بعد كل
تلك السنوات ستجتمع بأحد أفراد آل ميشال كارلوس.
استمرت في التحديق به وقد اختلف شعورها كثيرا
بعدما عرفت حقيقة هويته فرمقها بنظرة سريعة وقال:
- يجب أن نغادر المعتقل.
- هل ستقوم بتهريبي؟
قال بنفاذ صبر: - كلا! سأتركك في المعتقل. طبعًا
سأخرجك من هنا!
سألته بقلق: - هل في ذلك خطورة عليك؟
سيحاسبونك فأنت المسؤول هنا.
- كلا، فقد وضعت خطة تبعد الشبهات عني.
ستخرجين الآن وتسيرين نحو الزنزانة ليراكِ الجندي
ويظن أنك عدتِ إليها قبل أن يغلقوا بابها. سأقوم
بإرساله ليحضر لي العشاء وأنت ستعودين إلى هنا حالما
يبتعد.
أومأت برأسها وسألته: - وماذا بعدها؟
- افعلي ما قلته ثم سأخبرك الباقي فيما بعد.
طلب الجندي ثم امره بإحضار العشاء له فخرجت ألانا
مسرعة أمام الجندي وتوجهت نحو الزنزانة بينما هو
ذهب ليحضر العشاء للميجر. وحين ابتعد الجندي عادت
ألانا إلى الجناح ودخلت مسرعة.
قال لها دانيال: - ادخلي غرفتي ولا تخرجي كي لا
يراكِ الجندي هنا.
أومأت ودخلت مسرعة لتجلس على سريره المريح
وتفكر:
" لابد أنه خَجِل مما فعله معي، لذا لم يعد ينظر في
عيني منذ عرف من أنا ".
تنهدت وهي تشعر بسعادة لأنها ستنال حريتها وتخرج من
المعتقل ولأن الكابتن زيوس الذي بدأ يملك قلبها هو
دانيال، الصبي الذي انشغلت به وهي في الحادية عشر
فقد أعجبتها وسامته واختلافه عن شقيقيه وشخصيته
القوية وحتى سخريته منها في بعض الأحيان.
والآن.. ذاك الصبي العابس المتجنب لها صار رجلا
يرغب بوجودها قربه ويشده جمالها وشخصيتها.
استلقت على عرض السرير وهي تبتسم بسرور وتفكر:
" لم يعد هناك ما يجعلني أقاوم شعوري نحوه وأخجل
منه ".
لكن.. هل سيفكر دانيال بنفس طريقة ألانا حيال
وضعهما الجديد؟!
انتظر دانيال سكون الحركة في المعتقل
كي يحضر سيارته ويوقفها خلف جناحه. دخل غرفته
حيث كانت مختبئة ورمقها بنظرة سريعة وهو يشعر
بالحرج.
" كيف فعلت كل ذلك معها؟ مع ألانا الصغيرة؟ لكن
كيف لي أن أعرف من تكون بعدما غيرت اسمها؟
وبعدما ازدادت جمالا وصارت بهذا القوام المتناسق؟ ما
زال جسدها ممتلئًا قليلا لكن بطريقة رائعة ومتناسقة.
تبًا! بماذا أفكر؟ إنها الصغيرة ألانا وليست ڤايلت.
لكنهما الفتاة ذاتها. آه! ما هذا الوضع الحرج؟ "
نهضت مسرعة عن الكرسي حالما رأته فقال وهو يفتح
النافذة: - لأساعدك كي تخرجي من النافذة. ابقي
تحتها ولا تصدري صوتًا أو حركة تثير الانتباه. ولا
تخافي فلا أحد من الجنود قريب من هنا.
تساءلت وهي تنظر إليه بعكس نظراته الهاربة:
- وانت؟
- اختلقت عذرا للسفر وسأدخل الحارس إلى الغرفة
ليكون شاهدا على سفري هذه الليلة، فإياك وإصدار أي
صوت.
أومأت برأسها وخرجت من النافذة بحذر وهدوء لتختبئ
تحتها خرج دانيال من الجناح ليقول للجندي:
- سأذهب إلى شيستر الآن. أعد لي حقيبتي.
سأله الجندي بقلق فهو غير معتاد على ترك المعتقل في
غير أوقات إجازاته الدورية:
- هل هناك أخبار سيئة؟ هل العائلة بخير حضرة
الكابتن؟
تصنع دانيال القلق وقال: - وصلتني برقية من شقيقي
يخبرني فيها ان والدتي توعكت فجأة ونقلها إلى
المستشفى.
- أرجو لها الشفاء العاجل، حضرة الكابتن.
رأت ألانا سيارة دانيال تقترب منها فسارت بهدوء
نحوها. همس بعدما فتح لها الباب: - اصعدي بسرعة.
تكورت ألانا في الأسفل فوضع دانيال معطفه فوقها كي لا يراها أحد. خرج دانيال بسيارته من بوابة
المعتقل وقطع مسافة مناسبة فرفع معطفه عنها.
رفعت ألانا نفسها بصعوبة وجلست على الكرسي ثم
تلفتت حولها وقالت بسرور:
- لا أصدق أنني خرجت من المعتقل أخيرًا! شكرا لك.
- ڤايـ.. ألانا، سنذهب إلى شيستر حيث أقيم مع عائلتي.
تعلمين أن إعادتك إلى إيرلندا حاليًا غير ممكنة.
أومأت ثم قالت بحماس برغم الحزن الذي كانت تشعر
به على طول فراقها لوالديها:
- كم أنا في شوق لأهلك! هل الجميع بخير؟
- الجميع بخير عدا والدي. لقد توفي قبل ست سنوات.
حزنت ألانا كثيرًا وتمتمت بكلمات الأسف
بعينين باكيتين وهي تذكر كم كان العم
كارلوس يحبها ويلاطفها باستمرار.
أخيرا توقفت السيارة أمام منزل خشبي تحيطه حديقة
كبيرة. نزلت بخطى متوترة ومتحمسة وهي تتبع دانيال
إلى الداخل.
في المطبخ، لمحت ألانا سيدة لم تنس وجهها المبتسم.
نهضت هيلين حين رأتهما واستقبلت ولدها بعناق دافئ
وهي ترمق ألانا بنظرات متسائلة وتقول لدانيال:
- صباح الخير، كيف حالك يا ولدي؟
تقدمت ألانا بقلب مرتجف وقالت بابتسامة كبيرة:
- صباح الخير. كيف حالك خالتي؟
ردت هيلين التحية باستغراب وسألتها: - من أنت؟
اقتربت ألانا أكثر وقالت والدموع في عينيها:
- مدللة الخالة هيلين.
هتفت هيلين وهي تضمها بقوة: - ألانا، يا عزيزتي!
دخل إدمون وليون الذين نزلا من غرفتيهما للتو
ليفطرا مع والدتهما فتبادلا نظرات الدهشة وهما يريان
والدتهما تحتضن الفتاة بقوة وهما تبكيان.
تساءل ليون: - صباح الخير دان. ماذا يجري؟
التفتت ألانا إليهما وتأملتهما بعينين دامعتين ناقضتهما
ابتسامة كبيرة على شفتيها. كم تغيرا وصارا شابين
رائعين! رمقها ليون بإعجاب وهمس لإدمون:
- من أين أتى دان بهذه القنبلة؟
همس إدمون: - اش! سيسمعك.
تقدمت نحوهما ألانا وهي تبتسم وقالت:
- أنت إدمون، وأنت ليون.
استغربا أكثر فقالت ألانا لليون: - هل نسيت الفتاة التي
تشاجرت مع المعلمة من أجلك، حين أجلستك بعيدا
عنها؟ حتى أنني احتُجِزت ساعتين بسببك!
صاح ليون وهو يرفعها عن الأرض ليدور بها:
- ألانا!
عانقها إدمون وهو يقول: - لا أصدق أنك هنا يا ملاكنا!
قالت هيلين بابتسامة كبيرة: - اجلسوا لنفطر معا مثل
الأيام الخوالي، وسيخبرنا دانيال وألانا بكل شيء.
قالت ألانا وهي تضم هيلين:
- وما أروعها من أيام يا خالتي!
كانت دهشة الثلاثة كبيرة وهم يستمعون لكيفية
لقاء ألانا بدانيال -مع عدم ذكر كثير من التفاصيل
الخاصة طبعا- وكانت ألانا الراوية للأحداث بينما
التزم دانيال الصمت وهو يتذكر كل ما أخفته ألانا من
مواقف حميمة أو سيئة بينهما. كانت الانا ترمقه
خفية بينما كان يهرب بعينيه بعيدا.
سألها ليون: - لابد أن العم رينيه والخالة ماريان قلقان
عليكِ الآن.
تركت ألانا فنجان الشاي وأخذت تبكي فنهرت
هيلين ولدها: - جعلتها تبكي! ستعودين إليهم
يا حبيبتي وسيكون كل شيء بخير.
أومأت ألانا موافقة ومسحت دموعها.
بعد الفطور، قالت هيلين: - استحمي كي ترتاحي
وبعدها ستنامين في غرفتي. لابد أنك متعبة يا
صغيرتي!
قال ليون: - يمكنها أخذ غرفتي وأقيم أنا مع إدمون.
علق إدمون ساخرًا: - هل ستضحي بغرفتك؟ ما هذا
الكرم؟!
قال ليون مازحًا وهو يرمق ألانا بمكر:
- إنها العزيزة ألانا، ولو كنا أصغر لتشاركنا الغرفة.
- ليون!
قالها دانيال بحدة فقال ليون بارتباك: - كنت أمزح!
قال دانيال بانزعاج:
- حتى المزاح لا يجب أن يخلو من التهذيب.
رمقته ألانا بامتعاض.
" تتحدث عن التهذيب حضرة الكابتن؟ من الذي قبلني
مرتين إذن؟ ومن الذي لم يتنازل عن اللهو مع فتاتين حتى
وهو يدير معتقلا؟ "
كم صارت الغيرة تؤلمها كلما تخيلته مع إحداهن!
انسحب ليون من الصالة ولوى إدمون فمه باستياء فقالت
هيلين: - لنصعد يا ألانا.
شعرت ألانا أنها في حلم وهي تستحم في ذلك الحمام
الدافئ وتنام في سرير الخالة هيلين المريح وهي قربها
تحدثها بصوتها الحنون حتى غفت. رفاهية حرمت منها
طيلة أشهر اعتقالها.
بعد ساعات، استيقظت ألانا ونزلت إلى الصالة لتجد
الكل مجتمع هناك. ألقت التحية وعيناها ما تزالان
تتأملانهم بشوق فردوا لها عليها ثم علق ليون ساخرا وهو
يراها مرتدية فستان والدته الواسع عليها:
- فستان والدتي يلائمك كثيرا!
ابتسمت وهي تنظر لنفسها فقالت هيلين:
- ربما استعنّنا بخبرة (نيكول) في هذا الأمر، إدمون.
- بالتأكيد! ستكون مسرورة.
سألته ألانا بفضول: - من هي نيكول؟
فردّ إدمون مبتسما: - الفتاة التي سأخطبها.
قالت ألانا بحماس: - لديك حبيبة! يسرني التعرف بها.
قال إدمون بابتسامته الحانية: - وهي ستحبك كثيرا
بالطبع فقد سمعت عنك الكثير مني ومن أمي.
علق ليون مازحا: - وأنا وحيد بلا حبيبة!
ضحكت ألانا وقالت بعفوية تمازحه كما اعتادا،
وكأن تلك السنوات الطويلة التي فرقت بينهما لم
تكن: - لو كنت أوسم قليلاً لقبلت بك!
رمقها دانيال بنظرة حادة خاطفة دون أن تنتبه.
قال إدمون: - سأحضر نيكول غدا لتأخذك في
جولة للتسوق. وهذا أكثر شيء يفرحها!
علقت ألانا بابتسامة: - وهل توجد فتاة لا تحب التسوق؟
كانت عينا ألانا تسترق النظر لدانيال، أما عيناه فقد
استمرتا بتجنبها. وعلى مائدة العشاء، كان صامتًا ولم
يشارك في حديث الذكريات الذي دار بين الجميع.
دخلت نيكول وألقت التحية ثم اقتربت من ألانا وهي
تقول بحماس بالإنجليزية: - لابد أنك ألانا! أخيرا
رأيتك!
قالت ألانا مبتسمة: - مرحبًا نيكول.
أخبر إدمون حبيبته أن ألانا جاءت إلى هنا بسبب سوء
الأوضاع في إيرلندا. وتعرضت لحادث في الطريق ففقدت
حقيبتها وأغراضها. ولم يخبرها شيئا عن اعتقالها.
كانت نيكول فتاة محببة إلى النفس وقد انسجمت معها
ألانا بسرعة مع أنها بريطانية.
أخيرا وبعد ساعات طويلة، عادت الفتاتان إلى
المنزل وهما تحملان الكثير من الأغراض.
قالت ألانا بخجل: - لقد أصرت نيكول على شراء كثير
من الأشياء غير الضرورية.
قالت هيلين: - أنا من أكدت عليها أن تأخذ كل ما تراه
مناسبا لك.
تقدمت ألانا وعانقت هيلين فقال ليون مازحا:
- سأشتري لك شيئا علّي أحضى بعناق كبير كهذا!
أطلقت ألانا ضحكة خافتة وقالت وهي تتقدم نحوه
لتعانقه: - لا تحتاج لذلك كي أعانقك!
انزعج دانيال من جرأة ليون معها واستجابتها له. كم
تمنى لو كان هو من حضي بذلك العناق! كم اشتاق
للمسها من جديد!
رمقهما بحدة -خفية- قبل أن ينهض ليصعد إلى غرفته
لكن ألانا انتبهت لتصرفاته ففكرت وقلبها
يخفق سرورا " تغار إذن، زيوس. سأريك! "
اجتمع الكل على مائدة الغداء وأخذت نيكول
تشاكس إدمون وهي تخبره بما قصّته عليها ألانا من
مواقف مضحكة عن طفولته خلال تجوالهما في السوق.
ضاقت عينا إدمون وقال: - هكذا إذن ألانا! حسنا،
سأخبر نيكول بأكثر لقب أزعجك وجعلك تبكين.
أتذكرينه؟
تبادلت ودانيال لا إراديا نظرات أنهاها هو سريعا بينما
كانت نيكول تسال بفضول: - ما هو؟ أخبرني!
قال إدمون وهو يرمق ألانا بمكر: - القطة الشيرازية.
قطبت نيكول جبينها وتساءلت:
- لماذا أسموك هكذا؟
قالت ألانا وهي تنظر في عيني دانيال الذي أجبرته
كلماتها على النظر إليها: - دانيال من أطلقه علي.
عاود دانيال النظر في صحنه واستمر بتناول
الطعام بينما أكملت ألانا:
- لأنني كنت بدينة واتحرك ببطء كالقطة
الشيرازية، وشعري متطاير كشعرها.
رمقتها نيكول بدهشة وقالت: - كنت هكذا في
صغرك؟
علقت هيلين مدافعة بحماس: - كانت طفلة جميلة،
لكن اولادي كانوا يشاكسونها.
" وما زال ولدك يشاكسني يا خالتي " فكرت ألانا وهي
تسترق النظر لدانيال.
علق ليون وهو يرمق ألانا بإعجاب:
- لكنها الآن صارت فاتنة! قوامها رائع وشعرها حريري.
حانت نظرة حادة من دانيال نحو ليون فقال الأخير
بارتباك: - لكنني لم أختبر سرعتها في الجري بعد!
قالت ألانا بمكر لتجبر دانيال على الخروج من الصمت:
- ماذا تتوقع يا دانيال، هل تغيرت سرعتي في
السير والجري أيضًا؟
رفع كتفيه بلا مبالاة وقال بلهجة هادئة مستفزة دون
النظر إليها: - لم أظن أن ذلك اللقب أزعجك هكذا،
ويبدو أنه مازال يزعجك حتى الآن.
قالت بلا مبالاة هي الأخرى:
- كان ذلك من أيام الطفولة فلماذا يزعجني؟
تبا! هل يعرف كم تتوق للنظر في زرقة عينيه فيعاقبها
بعدم النظر إليها؟ لكن على ماذا يعاقبها؟ على افتتانه
بها أم على تقبيله لها مرتين؟ بالطبع ذلك ما يجعله
يخجل من نفسه ويتجنبها.
قال ليون بحماس ليضفي المرح على الحديث ويأخذ ألانا
من أفكارها:
- لماذا لا نجري سباقا لنختبر سرعتك يا ألانا؟
نظر دانيال بعدم رضا نحو ليون فقالت ألانا لتغيظه
أكثر: - بشرط ألا يشترك دانيال في السباق.
توقفت يداه عن تقطيع الطعام في صحنه
لكنه لم ينظر إليها وفكر متسائلا وهو يترقب:
" بأي حماقة ستتفوه الآن؟ "
سألتها نيكول باستغراب: - لماذا؟
قالت بلهجة شعر دانيال بالمكر فيها:
- لأنه سيهزمني بالتأكيد! فضباط الجيش يتدربون
كل صباح على الجري السريع!
لم يتحمل عدم النظر إليها بحدة حين رمت تلك الإشارة
الواضحة عن المعتقل فأبعدت نظرها عنه وهي ترسم
ابتسامة غير مبالية على وجهها.
شعر الجميع بالحرب الباردة بينهما واستغربوها، خاصة
نيكول التي تظن أنهما التقيا يوم أمس فقط. وظن
الجميع أن سبب تلك المناوشات الهادئة بينهما هو طبع
دانيال الحاد.
خرج الشباب الأربعة إلى الحديقة عصرا. تبادلوا
الأحاديث لفترة ثم ذهب إدمون ليوصل نيكول
إلى منزلها.
وقف دانيال أمام نافذة غرفته المطلة على الحديقة وهو
يحدّق بتلك الفاتنة التي تضحك وتتصرف بعفوية.
لقد اقتحمت السور الذي أحاط به نفسه وشغلت عقله
وقلبه، حتى أنه ما عاد قادرا على منع نفسه من مراقبتها
والتطلع إليها -خفية طبعا.
" كم تغيرت! لكنها ما تزال طفلة، تلك المجنونة
الفاتنة " فكر دانيال وهو يراقبها بابتسامة جميلة.
كانت ألانا حينها مشغولة بالحديث مع ليون فقالت له:
- ما رأيك في قضاء يوم كامل معي لتريني شيستر!
ابتسم بمودّة وقال وهو يعيد خصلات شعرها التي تناثرت
على وجهها بفعل الرياح للوراء:
- يسعدني ذلك يا حلوتي.
ابتعد دانيال عن النافذة بعدما رآهما وهو منزعج
وتساءل إن كان ليون ينظر إليها كرفيقة
الطفولة أم أن شعوره نحوها سيتغير بعدما التقيا من
جديد وهما شابين.
كان اليوم التالي حافلاً بالنسبة لألانا، فقد أخذها
ليون في جولة شاهدت خلالها كل مدينة شيستر
تقريبا. أثناء ذلك تكلما عن الأحداث المهمة التي مرّا
بها خلال السنوات الماضية.
ليون لم يتغير كثيرا فمازال مرحا ومشاكسا، ومازال لا
يتفق مع دانيال بسبب تناقض شخصيتيهما.
أثناء سيرهما قال ليون:
- أما زلتِ تحبين العروض المسرحية مثل السابق؟
- نعم.
- إذن تعالي معي!
جذب يدها وأسرعا ليدخلا بناية كبيرة وهو يقول:
- هذه دار الفنون في المدينة. هنا تقام معارض
الرسم ويقدم العازفون مقطوعاتهم الموسيقية
وتعرض المسرحيات.
قالت ألانا بحماس: - هذا رائع!
دخلا بسرعة إلى قاعة المسرح وتابعا إحدى مسرحيات
شكسبير. وحين خرجا، قال لها:
- سأرى إن كان مستر (آرثر جيسون) هنا. إنه أفضل
موسيقي في شيستر وقد أعطاني بعض الدروس في
البيانو.
قالت ألانا بابتسامة: - حياتك في شيستر ممتعة.
كان آرثر جيسون رجل في السابعة والثلاثين تقريبا،
وسيم وهادئ الملامح لكن عيناه تفيضان جرأة.
قال ليون بالإنجليزية وهو يقدم ألانا لآرثر:
- هذه ألانا موريس قريبتي من فرنسا، مستر جيسون.
صافحها وقال بابتسامة: - يسرني التعرف إليكِ مس موريس.
- لي الشرف بالتعرف إليك.
سأل آرثر: - لماذا انقطعت عن دروس البيانو، ليون؟
- كنت قد انشغلت بالامتحانات، وبعدها خفّ حماسي.
سألته ألانا: - كيف تضيع فرصة تعلم البيانو ليون؟
سألها آرثر باهتمام مستغلا الفرصة:
- هل أنت مهتمة بالبيانو مثل ليون؟
أكدت: - جدا! كنت وليون ندخر من مصروفنا اليومي
كي نشتري بطاقات العروض الموسيقية.
تساءل آرثر مبتسما وهو يتجه بشكل مباشر للهدف:
- لمَ لا أعطيكِ دروسا في البيانو إذن؟ يبدو أنك طالبة
ملتزمة أكثر من ليون!
أعجبتها الفكرة كثيرا لكنها قالت:
- لا أستطيع مستر جيسون.
سألها بإلحاح: - لماذا؟ ما دمتِ تحبين البيانو فتعلمي
العزف عليه. كما أنني سأعطيك دروسا مجانية
بما أنك ضيفة علينا.
ابتسمت وأوضحت: - لكنني لن أمكث طويلاً هنا.
سأعود قريبا لبيتي.
قال آرثر بإصرار: - لا بأس في ذلك. نستطيع تكثيف
الدروس.
نظرت إلى ليون مستفهمة فقال بحماس:
- كنتِ تودين تعلم البيانو منذ صغرك. سأحضرك
بنفسي للدروس ألانا، وقد أكمل دروسي أنا أيضا.
قالت ألانا بسرور: - إذن متى نبدأ؟
أجاب آرثر بحماس وسرور كبتهما: - منذ الغد، في
الثانية ظهرا فأنا غير مشغول في هذا الوقت.
حين دخلا إلى الصالة، كانت ألانا تضرب ليون على
ذراعه وهي تضحك بسبب موقف من طفولتهما ذكرها
به تلك اللحظة، لكن ضحكاتهما توقفت حالما لمحا
وجه دانيال المتجهم وهو جالس على الأريكة،
يحدق بهما بانزعاج.
همس ليون: - يبدو أننا سنتلقى توبيخا!
كتمت ألانا ابتسامتها حين قال دانيال بلهجة اختلطت
فيها الحدة بالسخرية:
- لو أكملتما جولتكما حتى الصباح، لكان أفضل!

نهاية الفصل الخامس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:24 pm

الفصل السادس

كتمت ألانا ابتسامتها حين قال دانيال بلهجة اختلطت
فيها الحدة بالسخرية:
- لو أكملتما جولتكما حتى الصباح، لكان أفضل!
قال ليون:
- ماذا بك دان؟ ماتزال الساعة الثامنة مساءً ولم نتأخر!
نهض وقال بحدة: - تصرفك غير مسؤول! لقد خرجتما
منذ العاشرة صباحا ولم تخبرا أحدا أنكما ستتأخران
هكذا!
قالت ألانا باستياء:
- أنا من طلبت منه التجول في كل المدينة فتأخرنا.
كما أننا ذهبنا لمشاهدة عرض مسرحي.
قال دانيال بانزعاج: - كان من الممكن أن
تخرجا مرة ثانية لإكمال التجوال في
المدينة، فهي لن تطير.
برر ليون: - لقد استرسلنا في الحديث أثناء سيرنا فلم
نشعر بمرور الوقت.
علق دانيال وهو يحاول التنفيس عن قلقه وانزعاجه بل
وغيرته طيلة فترة غياب ألانا:
- أنت دائما غير مبالٍ بالأمور المهمة.
واجهته ألانا بنظرات انزعاج كاذبة بينما كان قلبها
يطرب لنغمات الغيرة في صوته: - لماذا تلومه؟ لقد أراد
التسرية عني بعد أربعة أشهر من الاعتقال.
توترت ملامحه لأنها ذكرت المعتقل للمرة الثانية فقال
بحدة وبنظرة حازمة: - أتكلم مع ليون، فلا تتدخلي!
لكنها لم تصمت واعترضت:
- كيف لا أتدخل وأنت تلومه بسببي؟ ثم أنتم تعرفون
أننا نتجول في المدينة، لذا فغضبك هذا غير
مبرر.
هدأ قليلا وقال كاذبا ليبرر غيرته:
- لكن والدتي قلقت عليكِ.
قالت رافعة حاجبيها وهي تكتم سرورها لقلقه وغيرته:
- دع الخالة هيلين لي. أنا سأرضيها.
خرجت من الصالة متجهة إلى المطبخ لترى هيلين فعاد
دانيال لمقعده وهو يتمتم: - عديما المسؤولية!
خرج ليون من الصالة هو الآخر وصعد إلى غرفته وهو
مستغرق بالتفكير " تلك الحرب الباردة بينهما.. لا بد
أنهما يخفيان شيئا. شيء لا بد انه حدث في المعتقل "
على مائدة الإفطار، قال دانيال لوالدته: - سأعود مساء
اليوم إلى المعتقل. من فضلك أمي، أعدي لي الحقيبة.
- لتكن رحلتك موفقة يا ولدي.
بلعت ألانا طعامها بصعوبة ونظرت إليه. كم
تمنت لو أنها تمتلك الجرأة لتقول له
" لا تذهب، ابق معي لأيام أخرى "
لكن كيف وهو يتجنب حتى إطالة النظر إليها؟
بينما كانت هيلين تعد الغداء، قالت ألانا:
- خالتي، أنت لا تدعينني أساعدك في شيء! لا يجب أن تقومي بكل شيء وحدك!
ربتت هيلين على كتف ألانا وهي تقول:
- أنت عانيتِ كثيرا الفترة الأخيرة يا صغيرتي. دعيني
أدللك في الأيام التي ستبقين فيها عندنا.
تشجعت ألانا وقالت بابتسامة ما جاءت أساسا لقوله:
- إذن دعيني أعد حقيبة دانيال بدلاً عنك، فأنت
مشغولة الآن.
قالت هيلين:
- أذهبي لتعديها وسأرى فيما بعد إن كان ينقصها شيء.
كان دانيال يستحم حين تسللت هي إلى غرفته
بهدوء. أغلقت الباب خلفها وأسرعت إلى خزانة
ثيابه.
راحت تضم كل قطعة من ملابسه قبل أن تضعها في
الحقيبة بكل عناية. نظرت للزي العسكري البريطاني
الذي لا تطيق رؤيته وفكرت لو أنه ترك الجيش.
أطلقت حسرة وهي تخرجه من الخزانة لتضعه على
الكرسي وفوقه القبعة العسكرية.
كانت تلامس أحد معاطفه بكل رقة وعلى وجهها
ابتسامة رائعة حين دخل الغرفة.
رمت المعطف والتفتت إليه لتقول بتلكؤ وارتباك أمام
نظراته المستفهمة: - خالتي مشغولة بالعمل فجئت..
أعد حقيبتك بدلاً عنها.
وكالعادة، قال متجنبا نظراتها:
- شكرا. كنت لأعدها بنفسي. لما أتعبت نفسك؟
ابتسامة شاحبة ثم قالت وهي تتقدم نحو الباب:
- العفو. أخبرني إن كان ينقصها شيء.
استدار عنها ليقول: - لا عليكِ، سأهتم بالباقي.
أمسكت الباب بيد متوترة ثم عادت لأغلاقه فالتفت
إليها مستغربا عدم خروجها.
اقتربت منه لتسأله بصوت قلق: - ماذا سيحدث؟ هل
ستتأذى بسببي؟ أعني لأنك أخرجتني من المعتقل.
لأول مرة منذ عرف هويتها، نظر في عينيها مباشرة وعلى
وجهه ابتسامة عذبة وقال:
- لا تقلقي. الكل يعرف أنني ليلة فقدانك من المعتقل
كنت في طريقي إلى شيستر. لن تكون مسؤوليتي
مباشرة.
التمعت عيناها بالدموع وهي تقول:
- سأكره نفسي لو حدث لك شيء بسببي.
طمأنها بصعوبة وقد بدأ تأثير قربها يرهقه:
- لن يحدث شيء ألانا.
نظرت في عينيه بقلق وحزن فراح يتأملها
فخانته عيناه وأظهرت حبه وشوقه لها.
ما أشبه موقفهما هذا بتلك المواقف في المعتقل! مع
اختلاف كبير في المشاعر. فقد صار حبها له أقوى
بعدما عرفت هويته وزال حاجز انتسابه للجيش من
بينهما. فهو الغالي دان ابن الغالية هيلين، حتى لو انتسب
لأي جيش في الدنيا. أما هو فقد كانت معرفة هويتها
الحقيقية حاجزا عاليا حال بينهما.
توترت أنفاسه لكنه سرعان ما سيطر على رغبته بضمها
وقال بابتسامة كمن يكلم طفلة:
- حسنا أيتها القطة الشيرازية..
كانت تلك الكلمات إعلانا عن رغبته بخروجها
فخرجت من الغرفة وهي دامعة العينين، حزنا وقلقا عليه
وغضبا منه لأنه يرفض التصريح بما يشعر به وغيرة
عليه من تلكما الرفيقتين اللتين تزوراه في
المعتقل. تراه سيطلبهما هذه المرة حتى بعدما
أحبها؟ هل يستطيع لمس امرأة غيرها وقلبه معلق بها؟
صادفها إدمون في الممر وسألها مستغربا تجهم وجهها:
- ما بك ألانا؟
هزت رأسها نفيا دون أن تتكلم ونزلت للأسفل.
وعلى مائدة الغداء، كان الاثنان يتجنبان النظر
لبعضهما.
قال ليون بعدما أكمل طعامه ونهض عن المائدة:
- أسرعي ألانا كي لا نتأخر.
أومأت برأسها بينما قالت هيلين باستياء: - دعها تكمل
طعامها! لن يحدث شيء إذا تأخرتما في الخروج للتجوال.
قال ليون وهو يهم بالخروج من الصالة:
- لكننا سنذهب لدرس البيانو ولا أريد أن نتأخر.
حينها رفع دانيال رأسه ورمق ليون وألانا بينما تساءل
إدمون: - ألم تترك تلك الدروس؟
- ألانا من ستأخذ دروس البيانو وسأرافقها. وربما
أكمل الدروس أنا أيضا.
سأله دانيال وقد تغير وجهه: - أتعني أن ألانا ستأخذ
دروسا عند ذلك العازف، جيسون؟
أجاب ليون بتلقائية: - نعم. وهل هناك أفضل منه في
البلدة؟
- هل جننت ليون؟
استغرب الجميع صوته الغاضب وقالت هيلين:
- وماذا في ذلك دانيال؟
لم يجب وعاد يسأل ليون: - كيف تُعرّفه على ألانا أصلاً؟
وفوق ذلك توافق على أن تأخذ دروسا عنده. ألا تعرف
سمعته السيئة؟
سألته ألانا مستغربة ثورته: - ماذا بها سمعته؟
أجابها بانزعاج: - إنه زير نساء.
أوضح ليون:
- لكنني سأكون معها ولن تذهب وحدها.
نهض دانيال عن المائدة وقال بحزم:
- وإن يكن! لن تذهب ألانا. إذا شئت فاذهب أنت لتكمل
دروسك عنده، أما ألانا فلن تذهب!
وجدتها ألانا فرصة لأغاظته كما أغاظها في غرفته
فقالت بإصرار وهي تنهض بينما كان دانيال يخرج من
الصالة: - لكنني أريد أخذ هذه الدروس.
استدار دانيال نحوها ورمقها بحدة فترقب الجميع
الموقف. قال بصوت حاد وهو يرفع إصبعه متوعدا:
- لن أكررها عليكِ ثانية، لن تذهبي.
لكنها جادلته بإصرار: - لم أرَ من مستر جيسون ما
يريب، لذا سأذهب لأنني لا أرى مبررا مقنعا يمنعني من
ذلك.
رمقهما الجميع بترقب بينما أسرع دانيال نحوها ورمقها
بنظرات غضب -جعلتها تتراجع- وهو يقول بحدة:
- لن تذهبي! وهذا أمر منتهِ.
تحدت الأمواج الهائجة في عينيه بنظرات انزعاج ثم
تركته وصعدت إلى غرفة هيلين.
رمقته هيلين بنظرة عتاب وسألته مستغربة:
- ماذا جرى لك يا ولدي؟ هل تظنها شقيقتك الصغرى
كي تتعامل معها هكذا وتفرض أوامرك عليها؟ إنها
ضيفة عندنا ويجب أن نعاملها باحترام.
زفر دانيال وقال وقد شعر أنه بالغ في إظهار غضبه:
- ولأنها ضيفة عندنا وأنا من أحضرها، فيجب علي
المحافظة عليها.
- شقيقك ليون لا يتركها أبدا وكذلك إدمون. وكما
كانت رفيقة طفولتهما فهي الآن بمثابة شقيقة لهما
وسيحافظان عليها، لكنهما لا يتعاملان معها مثلك.
قال بحدة وهو يخرج من الصالة:
- رغم كل شيء فموضوع الدروس مرفوض تمامًا!
تنهدت هيلين وتمتمت: - رأسه صلب كالصخر!
لابد أن الفتاة غاضبة وحزينة!
قال ليون وهو يبتسم بمكر: - لا عليك أمي، سأكلمها.
حين غادر دانيال لم تكن هي موجودة في الصالة،
لكنها كانت تراقبه من نافذة غرفة هيلين التي تطل
على الحديقة الأمامية للمنزل. ورغم غضبها منه تمنت
لو كانت تلك اللحظة قربه، ترجو له العودة سالما.
في المساء وبينما كانت ألانا جالسة مع ليون، قال لها:
- لا تغضبي من دان فهذه طبيعته، كما أنه يغار عليكِ.
التفتت بسرعة نحو ليون فرفع حاجبيه ويسألها:
- هل ظننتما أنتما الاثنان أنني لن أشعر بما يدور
بينكما؟
قالت بارتباك: - بماذا تهذي ليون؟
- تلك الحرب الباردة التي بينكما سببها عدم بوح
أحدكما للآخر بحبه. إن كنت مخطئًا
فلتنكري!
تنهدت وشبكت أصابعها بارتباك ثم قالت:
- الأمر بيننا معقد. وهو منذ عرف هويتي صار يتجنبني
كثيرا ويعاملني بجفاف أحيانا.
قطب ليون جبينه وقال: - يبدو أن هناك أمورا كثيرة
حصلت بينكما قبل الآن!
هربت ألانا من نظراته فقال:
- وإلى متى سيدوم الصمت بينكما!
قالت وهي منزعجة: - لن أنطق بشيء! هو من يجب أن
يتكلم.
- حتى لو لم يتكلم، فتصرفاته تدل على حبه لك.
لقد غار عليك مني يا فتاة! وجن جنونه حين عرف
بلقائك بآرثر جيسون.
نهضت وقالت وهي تبتسم بمكر: - ليجن إذن! سأظل
أثير جنونه حتى يتكلم ذلك الزيوس!
هتف ليون: - ماذا؟! أتسمينه زيوس؟
ابتسمت ثم عضت على شفتها وهي تتذكر لحظة
معرفة دانيال للأمر ثم قالت: - نعم. لأن الكل في
المعتقل يخشاه!
- وهل يعرف هو بذلك؟
أطلقت ضحكة قصيرة ثم قالت: - عرف حين زل لساني
بها مرة وأنا غاضبة منه.
سألها بفضول شديد: - لا بد أنه غضب كثيرا وعاقبك.
وعاد لذاكرتها ذلك العقاب الوقح، قبلتهما الأولى
فقالت وهي تبتعد عنه:
- أنت فضولي جدا! سأدخل الى المنزل.
تبعها وهو يقول بمكر:
- أوه، يبدو أن أمورا خطيرة لا تُقال حدثت بينكما!
ضحكت بصوت عال قبل أن تقول: - أبله!
ابتسم وجذب ذراعها لتتوقف وقال:
- لن أسألك شيئا عن ذلك ثانية لكن
أخبريني، ماذا قصدتِ بأنك ستثيرين جنونه؟
ظهر المكر في عينيها وابتسامتها وهي تقول:
- سآخذ دروس البيانو.
قال ليون بجدية: - لا تتمادي في إثارة غضبه ألانا!
اخي متهور ولا نعرف ما يمكن أن يفعل.
ابتسمت وهي تذكر كيف عاقبها في المعتقل بالحجز
الانفرادي ثم تمثيله رغبته باغتصابها فأخذت تضحك
ثم قالت: - ليفعل ما يفعل.
قال ليون باستسلام: - صرتِ عنيدة أنت الأخرى. لا
تقولي إنني لم أحذركِ!
خلال الأيام التالية كانت ألانا تواظب على دروس
البيانو، وخلالها اكتشفت أن شك دانيال في محلّه. فقد
كان آرثر يسترق النظر إليها أثناء تعليمها العزف.
وحين يذهب ليون لجلب شيء ما أو للسلام على
أحد أصدقاءه، كانت نظراته تصبح أكثر جرأة
وصراحة.
واليوم حين لم يحضر معها ليون لانشغاله بالدراسة،
استغل جيسون الفرصة وزادت جرأته. تعمد لأكثر من
مرة ملامسة أصابعها أثناء العزف وجلس ملاصقا لها
بحجة تعليمها العزف فابتعدت بسرعة وهي ترمقه
بغضب ثم صفعته بقوة لتقول بعدها بحدة:
- إذن ما قيل عنك كان صحيحاً!
خرجت من فورها فتبعها وناداها وهو يجذب ذراعها:
- ارجوك ألانا!
نفضت ذراعها بقوة وقالت: - فقط لأنني لا أريد إقحام
ليون بالمشاكل، سأكتفي بتلك الصفعة!
حين عادت ألانا إلى منزل آل كارلوس، سألها ليون مازحا:
كيف كان الدرس دون حضوري؟ مملّ
بالتأكيد، أليس كذلك؟
ردت متظاهرة بالسرور وعلى شفتيها ابتسامة كاذبة
ناقضت شعور الغضب من جيسون في نفسها:
- قال مستر آرثر أنني أنهيت دروسي اليوم. صرت أجيد
العزف على البيانو.
قال ليون مستغربا: - لقد أكملتِ الدروس بسرعة!
قالت مدعية التفاخر: - أنا تلميذة مجتهدة وتعلمت
بسرعة.
ذات مساء من أيام شهر (يونيو)، عاد إدمون للمنزل وقال
مسرعا بعدما ألقى التحية:
- هل سمعتم الأخبار الجديدة؟
سألته والدته بقلق: - ماذا هناك يا ولدي؟
أجاب وهو يفتح المذياع: - لقد أعلنت بريطانيا وقف
الحرب مع إيرلندا وبدء الهدنة بين الطرفين.
تمتمت ألانا بسرور وهي دامعة العينين:
- أخيرا انتهت الحرب!
ومع السرور الكبير الذي شعر به الجميع، كان هناك
شعور بالحزن. فانتهاء الحرب بين البلدين يعني مغادرة
الأنا المنزل وعودتها إلى إيرلندا.
قال ليون بلهجة بدا فيها السرور بعكس نظرته التي
شابها الحزن: - ستتمكنين من العودة إلى باري.
أومأت ألانا برأسها وهي ترمقهم بحزن رغم ابتسامتها.
علّق إدمون: - لكن ليس الآن. انتظري قليلا حتى يكون
السفر آمنا، وحتى تحضري خطوبتي ونيكول.
رمقه الجميع بسرور فأعلن:
- اتفقنا اليوم على الارتباط رسميا. أمي، أريد أن نذهب
لنتحدث مع والدي نيكول غدا في الأمر.
قالت هيلين بسرور: - ليبارككما الرب يا عزيزي.
خلال الأيام التالية، اشترت نيكول كل ما يلزم
لحفل خطوبتها وإدمون والذي سيُقام بعد عودة
دانيال من المعتقل في إجازته الدورية القادمة.
اشترى ليون بدلة رسمية أنيقة واختارت ألانا فستانًا
لهيلين.
عند عودتهما للمنزل، لمحا سيارة دانيال.
التفت ليون بمكر نحو ألانا وهو يقول:
- لا بد أن نبضكِ الآن تعدى مئة خفقة في الدقيقة!
ضربته على رأسه وهي تقول: - أبله!
دخلا إلى الصالة وألقيا التحية فردّ عليهما الجميع.
تبادلت ألانا نظرة سريعة مع دانيال ليقرأ أحدهما الشوق
في عيني الآخر.
استفهم ليون من دانيال: - هل أخبراك أمي وإدمون عن
الحدث السعيد؟
أجاب مبتسما: - نعم. وسيذهب إدمون بعد قليل لإخبار
عائلة نيكول أن الحفل بعد يومين.
قال ليون وهو يخرج بدلته من الكيس:
- اشتريت هذه للحفل.
بارك له الجميع ثم أخرجت ألانا ثوب هيلين وقالت:
- اشترى لك ليون هذا يا خالتي. أنا اخترته. هل
أعجبك؟
نهضت هيلين لتأخذ الفستان وهي تقول لألانا بابتسامة:
- يعجبني أي شيء تختارينه يا حبيبتي. وأين فستانك
أنتِ؟
قال ليون بدلا عنها وهو يوجه لها نظرت عتاب:
- رفضت أن تشتري فستانًا مع شدة إلحاحي عليها.
قالت ألانا وهي تشعر بالحرج: - لا داعي لذلك فقد
اشترت لي نيكول أشياء كثيرة المرة الماضية،
وبضمنها فستان لم أرتديه حتى الآن. سألبسه في الحفل.
لنصعد يا خالتي كي تجربي فستانك.
تابعتها نظرات دانيال الحزينة وهي تصعد السلم
مع والدته.
في اليومين التاليين، كانت ألانا وليون وإدمون منشغلون
بمساعدة عائلة نيكول في تجهيز منزلهم لحفل
الخطوبة لذا لم تلتقِ كثيرًا بدانيال.
ابتسمت ألانا وفي عينيها نظرات حالمة وهي تسمع إدمون
يقول لنيكول وهما يربطان شريط الزهور على أحد
الأبواب: - أول مرة أشعر أن العمل ممتع هكذا!
ضحكت نيكول وهي تبعد يده التي أمسكت كفها
لتكمل عملها وتقول:
- هذا لأن لك مساعدة بارعة مثلي!

بدأ الجميع بالاستعداد للحفل، وساعدت ألانا الخالة
هيلين في تجهيز نفسها ثم أخذت حمامًا سريعًا وخرجت
لتغير ثيابها.
وجدت فستانا أحمرا أنيقا من قماش حريري
موضوع بعناية على سرير هيلين بدل فستانها
الأخضر الذي أعدته للحفل. ابتسمت بسرور وتمتمت:
- خالتي العزيزة!
ارتدته ثم رفعت جزءا من شعرها بتصفيفة جميلة
ووضعت بعض مساحيق التجميل ثم نزلت.
التفت الجميع إليها ورمقوها بإعجاب. صفّر لها ليون، وقال
إدمون مازحًا:
- ستحاسبك نيكول على منافستك لها بهذا الجمال.
تلت هيلين الصلاة ثم قالت بابتسامة: - ليحفظك الرب!
أما من تاقت لسماع كلمة إعجاب منه فقد ظل صامتا
ليسبب لها خيبة أمل مع أنها لمحت الإعجاب الشديد في
نظراته.
قالت مبتسمة بخجل: - شكرًا على الفستان خالتي.
لكن متى اشتريته؟
ابتسمت هيلين ونظرت صوب دانيال وهي تقول:
- لست من أحضره لك، بل دانيال.
قالت مبتسمة وقد شعرت بالرضا من نظرة الإعجاب التي
لمحتها في عينيه مع أنه حاول إخفاءها: - شكرا.
رمقها خفية فخفق قلبه وتمنى ضمها بين ذراعيه.
لقد بدت بذلك الفستان أجمل بكثير مما تصورها فيه
حين رآه في واجهة المحل وقرر شراءه لها.
قماشه الحريري وتصميمه الناعم يحتضن تفاصيل
جسدها اللين الممتلئ قليلا ويبرز قوامها بوضوح من
الأعلى ثم ينساب متسعا قليلا من الأسفل. فتحة الصدر
ليست واسعة جدا وكميه عبارة عن قطعتين صغيرتين
من القماش تغطيان كتفيها فقط لتكشفا عن ذراعين
ناصعتين.
أخيرا قال وهو يبتسم: - إنه يليق بك.
مع أن نبرة المجاملة البحتة في صوته خيبت أملها إلا
أنها ابتسمت له.
قالت هيلين وهي تناولها عقدًا وحلقًا يلائمان
الفستان: - سيكمل هذا أناقتك.
شكرتها ألانا وبدأت ترتدي الحلق بينما تقدم ليون
وأخذ العقد من يدها وقال مبتسما: - هذه مهمتي!
ابتسمت ورفعت شعرها بحذر فألبسها العقد.
لمح الاثنان نظرات دانيال الحادة وجبينه المقطب فهمس
ليون: - سيقتلني أخي بسببك.
همست بسرور ومكر: - لينفجر غيضًا، ذلك الصامت!
كانت نيكول جميلة جدًا وعيناها تلمعان ببريق
السعادة حين أمسك إدمون يدها وألسها خاتم الخطوبة
البراق.
شردت ألانا وظهرت على وجهها ابتسامة حالمة وهي
تتصور نفسها في ذات الموقف ودانيال يقبل يدها التي
يزينها الخاتم.
سمعت صوتا يقول: - عزيزتي!
التفتت نحو ليون فقال بمكر: - كنت غارقة
في أحلام اليقظة وأنت تراقبين إدمون ونيكول.
رمقته متوعدة وقالت بابتسامة:
- لا تغرك أناقتي ونعومتي. إن لم تكف عن السخرية
فسأضربك أمام الجميع!
رمقها معاتبا وهمس: - وأنا الذي تركت الحسناوات وجئت
إليك كي أشعل معك نار زيوس!
أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة وقالت:
- لن يتحرك فلا تتعب نفسك!
جذبها ليرقصا معًا وهو يقول: - لنرَ!
رقصت ألانا بمرح مع ليون وسط أزواج الراقصين على
أنغام أغنية سريعة، وحين انتهت الرقصة قال لها:
- اعذريني، سأتركك الآن فقد رأيت قنبلة موقوتة
تمر من هناك.
نظرت الانا إلى حيث أشار ليون فوجدت فتاة
جميلة جدا. هزّت رأسها وهي تضحك ثم قالت
له: - لن تكبر أبدًا!
لحق ليون بالفتاة الجميلة بينما تنحّت ألانا عن ساحة
الرقص وراقبت الراقصين على أنغام أغنية هادئة.
لمحته فخفق قلبها وبدت ابتسامة مرتجفة على شفتيها.
- ألانا..
تأملت وسامته وملامحه المميزة وعيناها تلمعان وهي
ترجو أن يصدق ظن ليون فيطلبها دانيال للرقص مثلاً،
وحين تكلم حبست أنفاسها وترقبت.
- هل.. رأيتِ والدتي؟ أنا لا أجدها.
شعرت بالدم يصعد إلى وجهها وتمنت لكمه بشدة
لسحقه أملها. أخذت نفسا عميقا وقالت بصوت لاحظ
دانيال غضبه:
- ربما تساعد والدة نيكول في تجهيز المائدة!
لقد نجح ليون فعلاً في إشعال نار غيرته فنهض
من مكانه مسرعًا مندفعا بغيرته وشوقه عندما
ابتعد ليون.
لكن ماذا سيفعل أو يقول لها؟ أيأخذ يدها ويطلب منها
الرقص ويخبرها كم هي جميلة؟ أم يحاسبها على
رقصها وهمسها مع ليون لأن تلك التصرفات تثير غيرته
وجنونه؟
" قد يكون الأمر تطور بينها وبين ليون خلال الأيام
الماضية. ربما شقيقي الأصغر يحبها! "
تراجع في آخر لحظة وقرر الابتعاد وتغيير اتجاه
خطواته لولا أن لمحته فابتسمت له وهي تنتظر اقترابه.
لذا أكمل سيره نحوها وقال أول شيء خطر على باله
فكان ذلك السؤال الأحمق الذي نسف أحلامها عن
مكان والدته.
استدارت عنه وهي تتنفس بعمق لتخفف من غضبها
وتمنع دموعها من النزول ثم اتجهت إلى الركن
المرتفع قليلاً من الصالة حيث وضع البيانو،
فوالد نيكول مهتم بالموسيقى أيضا ويقتني بعض
الآلات الموسيقية.
كانت تريد إغضابه وحرق أعصابه بقدر ما خيب أملها
فقررت إعلامه بما أخفته عنه سابقا وهو أخذها دروس
البيانو عند جيسون وتحديها قراره بمنعها.
جلست على المقعد أمام البيانو وانتظرت انتهاء الأغنية
التي كان الراقصون يتمايلون على أنغامها.
عم الهدوء فقالت بصوت عالٍ جعل الجميع يلتفت إليها:
- نيكول، إدمون.. هديتي لكما يا عزيزاي.
نظر دانيال صوبها وقد بدا الغضب والدهشة على وجهه
وتقدم قليلاً بينما ابتسمت لها نيكول ورمقها إدمون
بقلق.


نهاية الفصل السادس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:25 pm

الفصل السابع

نظر دانيال صوبها وقد بدا الغضب والدهشة على وجهه
وتقدم قليلاً بينما ابتسمت لها نيكول ورمقها إدمون
بقلق.
بدأت بعزف مقطوعة بسيطة تجيد عزفها فابتسمت لها
نيكول وأرسلت لها قبلة في الهواء.
كان دانيال يراقبها بعينين تشتعلان غضبًا لكنها
ركزت على العزف كي لا ترتبك وتخطئ وقد جعلت
من إغاظته حافزا لها كي تؤدي المعزوفة بأفضل
طريقة.
تقدم ليون قليلاً وهو ينقل نظراته القلقة بين دانيال
وألانا. " لابد أنه أثار جنونها فأرادت إغاظته! "
صفق الجميع لألانا حين انتهت من العزف فتقدم
دانيال نحوها وقال بصوت خافت ولهجة تنم عن
مدى غضبه: - تعالي معي.
نهضت عن المقعد واتجهت بعيدا عنه وهي تقول:
- لا أريد!
أمسك ذراعها بقوة لم يلاحظها أحد حتى تألمت وقال:
- تعالي وإلا أخرجتك بالقوة!
تعرف أنه حين يغضب يفعل أي شيء، وهي لا تريد إفساد
الحفل لذا سارت معه وهي تقول: - اترك ذراعي!
فتركها وسار يسبقها بخطوة نحو جهة منعزلة من
الحديقة حيث لا يسمعهما أحد.
سألها بغضب: - ما الذي تريدينه بأفعالك؟
سألته بحدة هي الأخرى: - أية أفعال؟
- ألم أمنعك من أخذ دروس البيانو عند ذلك العازف؟
لماذا تعاندينني؟
تساءلت بغضب ودهشة: - ولماذا أطيعك طاعة
عمياء دون اقتناع؟ هل تظنني أحد جنودك؟
قال مبررا مع أنه نفسه غير مقتنع بحجته التي يحتج بها
كل مرة على تدخله ومحاولته فرض أمر عليها:
- أنت تحت رعايتي وواجب عليّ حمايتك من طيشك.
سألته باستياء: - أي طيش في تعلمي البيانو؟
بدأ المطر بالنزول فجأة وزادت سرعة الرياح.
ما أشبه تقلب جوّ الربيع بتقلب علاقتهما بين البرود
والاشتعال والتجاهل والاهتمام والهدوء والغضب!
لم يكونا ليلقيا بالاً للمطر الذي بدأ يبلل ثيابهما وسط
غضبهما المتزايد.
قال بحدة: - تعلم البيانو على يد زير النساء ذاك!
هتفت ممتعضة: - لست صغيرة وأستطيع حماية نفسي جيدا، كما أنني لم أكن وحدي معه فقد رافقني ليون
في جميع الدروس.
قال دانيال ساخرا والغضب والغيرة تتملكه:
- جيسون وليون ولا اعرف من أيضا من إيرلندا!
لابد أن أعجاب الرجال بك وتوددهم إليكِ يسعدك!
حل محل الغضب والثورة في صدرها ألم عميق وخنقتها
غصة البكاء.
أدرك أنه تفوه بحماقة ما كان يجب أن يقولها، لكنه
كان غاضبًا لدرجة أنه قال ما لا يقصده. هرولت مبتعدة
عنه ودموعها تختلط بقطرات المطر فتبعها وهو يصيح:
- توقفي!
لكنها استمرت في السير. خرج ليون ليراقبهما من بعيد
ويطمئن على ألانا بعدما رأى غضب دانيال حين عزفت
على البيانو، فصاح حين لمحها تحث الخطى:
- ألانا، ما بك؟
لم ترد عليه وتابعت ركضها فأجابه دانيال:
- تبللت ثيابها وتريد العودة إلى البيت. سأوصلها بالسيارة.
قال ليون: - أسرع كي لا تمرض، فهي تصاب
بالزكام بسرعة!
ركب سيارته وتبعها ثم أوقف السيارة لكنها استمرت
بالسير.
هتف بها: - اصعدي إلى السيارة وإلا مرضتِ!
هتفت بغضب دون أن تتوقف: - لن أصعد!
عاد ليهتف بغضب: - ألانا! لا تكوني مجنونة.
صاحت بصوت عالٍ: - لن أصعد، قلت لك!
نزل من سيارته وأسرع نحوها. أمسكها من ذراعيها بقوة
وقال بحزم: - لنذهب إلى البيت ونتكلم. ستمرضين.
حاولت التملص من قبضته فلم تفلح فأخذت تضرب
صدره بقبضتيها وهي تقول:
- أخبرتك أنني لن أذهب معك!
هتف بغضب وهو يجرها بالقوة:
- هل ستذهبين للمنزل مشيا مثلا؟ هل أنت مجنونة؟
نفضت ذراعها من قبضته وابتعدت مسرعة فتبعها
وحملها ولم تفلح صيحاتها في جعله ينزلها.
أجلسها على مقعد السيارة فراحت ترتجف بردا وغضبا
طوال الطريق. وحين دخلا المنزل، أسرعت إلى الطابق
العلوي لتهرب من الحديث معه.
أخذت حماما ساخنا علّها تشعر بالدفء ثم دخلت غرفة
هيلين وتمددت على السرير وهي تدثر نفسها جيدا
بالغطاء.
طرق دانيال الباب ودخل وهو يحمل كوبا من الشاي
الساخن فاعتدلت جالسة. وضع الكوب على الطاولة ثم
جلس على السرير قربها.
لم تنظر إليه حتى قال بلهجة حانية:
- تعرفين أنني لم أقصد تلك الكلمات التي قلتها. حين
أغضب لا أعرف ما أتفوه به. لا تعطي الأمر أكبر من
حجمه.
قالت ساخرة وهي تكتف يديها:
- قد أكون اتصنع هذا الغضب كي أجذبك
انت أيضا إليّ، فجذب الرجال هوايتي!
تنهّد دانيال وأخذ يديها وهو يقول نادما:
- قلت لك أنني لم أكن أعي ما أقول! أنا آسف.
زيوس يعتذر؟ وبتلك اللهجة الرقيقة والنظرات
العذبة؟ ذلك جعل دموعها تتساقط حزنا وخيبة بسبب
قسوة كلماته.
- كيف تظن أنني أفكر هكذا، خاصّة بليون؟ الذي
كنت وما زلت أراه صديقا وأخا لي كما يراني هو؟
رجاها وهو مسرور لأنه اطمأن أن ليون ليس مغرما بها:
- كفى ألانا! قلت لك أنني آسف.
مسح دموعها بإصبعه ثم راح يتأمل وجهها الفاتن وشعرها
الذي تتساقط منه قطرات الماء.
استمرت بالبكاء فاقترب وأخذ وجهها بين كفيه فذاب
قلبها شوقا وتاقت نظراتها لعينيه..
وهذه المرة لم يستطع التحكم بشوقه لها
فاقترب حتى أسند جبهته إلى جبهتها والشوق إليها
يتلاعب بنبضاته التي لم تجن قبلا بامرأة غيرها.
أسدلا أجفانهما وتناغمت خفقات قلبيهما وطغى صوت
أنفاسهما على صمت المكان الذي عكرته أصوات أقدام
على السلم اخترقت تلك السيمفونية العذبة وحرمته
تقبيلها للمرة الثالثة.
نهض وابتعد عن السرير ففكرت ألانا بحسرة وهي تحاول
تمالك نفسها.
دخلت هيلين وخلفها ليون وإدمون. سألت بقلق وهي تلمس
جبين ألانا: - هل أنت بخير؟
- لا تقلقي يا خالتي. أنا بخير.
كانت نظرات إدمون وهو يتأمل ألانا، تنطق بسؤال قلق
عن الكلام الذي تلقّته من شقيقه الغاضب. أما ليون
فكان يتأمل ألانا ودانيال محاولاً استنتاج ما
حدث لكنه لم يتوصل لشيء.
قالت هيلين: - سأعد لك شيئا ساخنا كي تشعري
بالدفء، فأنت تصابين بالبرد بسرعة.
قالت الانا وهي تنظر نحو دانيال وابتسامة خفيفة تزين
شفتيها: - لا تتعبي نفسك فقد أعدّه لي دانيال.
رمقه الجميع بنظرة دهشة فخرج من الغرفة وهو يقول:
- طابت ليلتكم.
علّق ليون بمكر وهو يرمق ألانا:
- لم يصنع لنفسه يوما كوب شاي. أنتِ محظوظة ألانا!
ابتسم إدمون وقد تأكد أن ألانا لم تواجه غضب شقيقه
ثم ودعهم وخرج فتبعه ليون.
في الصباح التالي، دخلت ألانا المطبخ وهي تلقي التحية
ثم عطست مرات متتالية فقالت هيلين:
- أصبتِ بالبرد. اجلسي وتناولي الشاي الساخن مع
الفطور.
جلست أمام ليون وسألته لتهرب من نظراته
الماكرة المصوبة نحوها: - أين إدمون؟
أجاب بمكر وهو يعرف أنها ترغب في الحقيقة بالسؤال
عن دانيال:
- خرج منذ الصباح فلديه درس إضافي لطلابه.
قدمت هيلين عرضا مجانيا لها حين أجابت عن سؤالها
الذي لم تطرحه وهي تقول بعدم رضا:
- دان خرج باكرا أيضا، حتى قبل أن يفطر.
سألها ليون: - إلى اين؟
- وهل من عادة شقيقك أن يخبر أحدا بوجهته؟
قال ليون وهو يحدق بوجه ألانا بابتسامة ماكرة:
- ربما يغير عادته هذه، فالعادات قابلة للتغيير أحيانا.
همست ألانا وهي تتصنع ضحكة ساخرة وتعلمه أنها
فهمت تلميحه: - إلا أنت! ستبقى ثقيل الظل ولن تتغير.
غمزها مبتسما ثم أكمل طعامه.
تأملت ألانا كوب الشاي فعادت بذاكرتها إلى
ليلة أمس.. نظرات دانيال ورقة كلامه وتلك القُبلة
التي لم يحظيا بها بسبب وصول عائلته. كيف كانت
لتشعر حينها؟ ففي المرتين السابقتين كان الكابتن
من قبّلها عنوة وليس دانيال.
رمقها ليون بمكر وهي شاردة الذهن ثم نهض ليغادر
فانحنى نحوها وهو يمر خلفها ليهمس في إذنها:
- يبدو أن المواجهة بينكما أمس لم تكن بالسوء الذي
توقعته!
رمقته بحدة مصطنعة وابتسامة على شفتيها وهي تهمس:
- كفاك سخفا!
حين عاد دانيال الى المنزل قبل الظهر، ألقى التحية
على الجميع وجلس حيث اجتمعت العائلة في الصالة.
قال مخاطبا ألانا: - استعدي للعودة غدا إلى باري.
سألته هيلين بوجه حزين:
- لو أنك أخبرتنا قبلا! لقد فاجأتنا.
أجاب دانيال دون النظر لوجه ألانا: - إنه الموعد القريب
الوحيد المتوفر.
خيم الصمت والحزن على آل كارلوس الذين اعتادوا
وجود ألانا بينهم فقد شعروا أن للمنزل روحا مختلفة
خلال الشهرين اللذين قضتهما عندهم.
سأله ليون: - هل سنرسلها وحدها إلى هناك؟
تمنت ألانا أن يذهب دانيال معها لكنه قال:
- لقد حجزت لك كي تذهب معها يا ليون. ستبحر
السفينة عند الشروق.
كان الجميع صامتا على مائدة الغداء، وأكملت ألانا
طعامها بصعوبة ثم صعدت لغرفة هيلين لتعد حقيبتها.
في المساء، انتظرت ألانا عودة دانيال من الخارج لتودعه
لكنه تأخر.
كانت ساعة وداع إدمون صعبة. قال وهو يبتسم
بمرارة: - سأفتقدك كثيرا. تمنيت أن تحضري
زفافي ونيكول.
شدّت على يديه وقالت: - انقل تحياتي لنيكول. أتمنى
لكما العيش بسعادة.
- فليباركك الرب ويسعدك يا ملاكنا.
عانقها بمودّة ثم غادر الغرفة فنامت على السرير قرب
هيلين وهي تضمها.
صحت ألانا من نومها القلِق على صوت ضجة في غرفة دانيال فنهضت مسرعة وطرقت بابه.
دخلت لتجده ممددا على السرير وقد قلب الكرسي
بعدما تعثر به. كانت آثار الثمالة بادية عليه فأعادت
الكرسي لمكانه ثم جلست قربه على السرير ونزعت
عنه حذاءه وجوربه.
رفع نفسه ونظر إليها ثم قال بصوت غير متزن:
- أوه مس.. فايلت!
استغربت حالته تلك فهي لم تره قبلا ثملا
هكذا. تشجعت وقالت له وهي تغطيه:
- ما سر هذه الحال التي انت عليها؟ لم تثمل من قبل
هكذا! هل السبب هو حزنك على رحيلي؟
انتبه لكلامها وقال ساخرا: - مغرورة! أنت مخطِئة!
قالت بإصرار: - لماذا وصلت إلى هذه الحالة إذن؟
هتف وهو غاضب ويائس: - لأنني موقوف عن العمل.
تفاجأت وصمتت للحظة ثم قالت وهي دامعة العينين:
- أعرف أن كل كلمات الأسف لن تفيد بشيء، لكنني
فعلا آسفة. كل هذا بسببي.
اعتدل ليجلس في السرير بصعوبة ثم قال ساخرا:
- كنتِ منزعجة لأنني ضابط في الجيش البريطاني.
وها أنا موقوف عن العمل فيه وربما أطرد منه.
- أرجوك، لا تزِد من شعوري بالذنب!
تنهّد وقال: - تعرفين، لقد اشتركت في معارك
ضد الدول المعادية لبريطانيا.. لكنني كنت
رافضا للاشتراك في الحرب ضد إيرلندا. لم أؤمن
بعدالتها.. لذا طلبت نقلي إلى المعتقل حالما أخبرني
أحد زملائي بحاجتهم لضابط يديره.
قالت مبتسمة: - خصلة جيدة أخرى في زيوس.
أكمل بمرارة وحزن: - مع عدم اقتناعي بكثير مما
كان يحدث في الجيش.. إلا أنني لم أفكر بتركه.
تنهّدت ألانا وقالت بحزن: - وها أنت ستتركه مجبرا بسببي. ليتني أستطيع التخفيف عنك!
عاد ليتمدد في السرير وقال بعد ضحكة قصيرة
ساخرة: - لن تستطيعي. ثم.. أنا لا أريد شفقة أحد.
رفع نفسه واتكأ على مرفقيه وقال بحزم:
- هيا اخرجي!
جلست على السرير قربه وقالت بحزن وهي تحيط وجهه
بكفّيها: - أرجوك أخبرني بما أستطيع فعله
للتخفيف عنك.
رمقها بلهفة ووضع يده خلف عنقها ليقرّب رأسها من رأسه
حتى لفحت وجهها أنفاسه ثم قال بشغف وقد أطاحت
الثمالة وقربها منه باتزانه:
- هناك طريقة وحيدة لتخففي عني بها..
سألته وهي جاهلة معنى كلماته: - ما هي؟
همس بعدما رسم قبلة على راحة يدها لترتجف شوقا:
- أريدك الليلة لي!
كان يأسه وشوقه لها حتى قبل أن تفارقه وتعود الى
إيرلندا، أكبر من تحفظه. رفع كفه ليلامس وجهها
فرف جفناها شوقا.
كل ذرة في كيانها تصرخ بحبه، تتمناه، تتوسل قربه
تريده.. ومع ذلك استطاعت التعقل ودفعت كفه بعنف
لتنهض وهي حزينة وغاضبة.
كم تمنت أن يعترف بحبه لها ويظهر عواطفه
نحوها، لكن ليس بهذه الطريقة. وكأنها دواء
مسكن ليأسه وحزنه!
همّت بالابتعاد لكنه أمسك معصمها وقال:
- ابقي معي أرجوكِ، لا تتركيني!
كان يقصد بقاءها قربه وعدم سفرها لكنها فهمت أنه
يريد بقاءها قربه الآن فأبعدت وسادته لتجلس مكانها
فوضع رأسه المثقل بتأثير المشروب والحزن على ساقيها.
تنهدت وراحت تلامس شعره وهي دامعة العينين، تتأمل
وجهه الحبيب حتى غفى فنهضت بحذر ثم غطته
وخرجت.
فجرا عند الباب، عانقتها هيلين بقوة وهي توصيها بنقل
تحياتها لماريان ورينيه والديها. وكم كانت ساعة
الفراق تلك مؤلمة لكليهما!
أخيرا، وصلت ألانا وليون إلى باري..
طرقت ألانا باب منزلها بيد مرتجفة وقلبها يخفق
شوقا لوالديها وقلقا عليهما.
مرت ثوانٍ تعطل فيها عقل رينيه، قبل أن يضم ألانا
لدرجة آلمتها وهو يبكي ثم راح يتحسس وجهها
وذراعيها وهو يقول: - لا أصدق! أنت هنا؟ أنا أمسك بك
حقا أم أنني أحلم؟
لم تستطع الكلام لشدة بكائها ودخلت مسرعة لترى
والدتها. كانت ماريان مستلقية على السرير والتفتت
حال دخول ألانا لتصرخ حال رؤيتها:
- ألانا! حبيبتي!
تعانقتا وهما تجهشان بالبكاء بينما وقف رينيه على
باب الغرفة وخلفه ليون وهما متأثرين دامعي العينين.
أمسكت ماريان وجه ألانا لتقبله في كل مكان
وهي تقول: - طيلة الأشهر السبع الماضية، لم أصدق
للحظة أنك متّتِ. ألم أقل لك يا رينيه أنها على قيد
الحياة؟ لم يستطع قلبي تصديق ذلك الخبر
المشؤوم.
قالت ألانا بعدما قبلت يدي والدتها:
- لم تمر ليلة لم أبكِ فيها وأنا أفكر بك وبأبي.
كنت أفكر بالألم الذي تشعران به وانتما تظنان بأني
ميتة.
نهضت ماريان من السرير وهنا انتبهت لليون فسألت ابنتها:
- من الشاب يا ألانا؟
أجابها رينيه بابتسامة وهو ما يزال يفكر بالظروف التي
جمعت ليون بابنته: - أنه ليون ابن ميشال وهيلين.
رمقته ماريان بدهشة وضمته وهي تقول: - آه يا عزيزي!
سأله رينيه: - كيف التقيت بألانا؟
قالت ألانا وهم يخرجون إلى الصالة:
- إنها قصة طويلة يا أبي. سأحكيها لكما بعدما نغير
ثيابنا ونرتاح قليلا.
كان رينيه وماري مندهشين من الطريقة الغريبة
التي جمعت ألانا بدانيال. علقت ماريان:
- شكرا للرب الذي أرسل دان لك لينقذك.
استمتع ليون كثيرا بالأيام التي قضاها في باري مع ألانا
ورفيقيها مارك وسوزان.
قال وهم يسيرون في طريق طويل بين الحقول:
- بلادكم رائعة ومناظرها خلابة. من المؤسف أن تعاني
ويلات الحرب.
علقت ألانا بانزعاج: - وهل تأتي الحرب إلا بالويلات،
حتى لو انتهت بالنصر؟! لكن البريطانيين هم من
أجبرونا عليها حين حرمونا من استقلالنا.
قال مارك بقلق: - ولا نعرف ما ينتظرنا في الأيام
القادمة، فالحرب لم تنته رسميا بل توقفت فقط لحين
إبرام معاهدة بيننا وبينهم.
قال ليون بتفاؤل: - ستنتهي الحرب نهائيا وتصير
ذكرى بعدما تستقر بلادكم.
تساءلت سوزان بجزع: - متى يا ليون؟ لقد استنزفت
الحرب الكثير من الأرواح. وكما قال مارك، لا نعرف
ما ينتظرنا في الفترة القادمة.
قال مارك بأسف: - لن تمحى مرارة الحرب بسهولة، فقد
تركت في نفوسنا آثارا قاسية..
جاءت لحظة وداع ليون فقال وهو يودع ماريان ورينيه:
- لن أنسى الأيام العشر التي قضيتها هنا معكم،
وسأفتقدكم دوما.
قالت ماريان وهي تضمه:
- سلم لي على والدتك وشقيقيك كثيرا.
وقال رينيه: - واشكر دان كثيرا على ما فعله.
حين أوصلته ألانا إلى بوابة المزرعة الرئيسية، ناولته
كنزة صوفية وهي تقول: - اعطِها لدانيال.
رمقها باستغراب وهو يرى الكنزة التي حيكت
يدويا بإتقان لتناسب حجم صبي لا رجل.
- هذه لدان؟
ابتسمت وأجابته: - كانت له. إنها كنزة حاكتها له
خالتي هيلين حين كان في الخامسة عشر.
قال ليون باستغراب وفضول: - تكلمي بوضوح كي
أفهم. لماذا هي معك؟
ابتسمت وهي تذكر ذلك اليوم.
- ذات يوم أغاضني وكلمني بحدة، فأخفيت هذه
الكنزة التي أعرف كم يحبها، انتقاما منه. بعدها
احتفظت بها كذكرى من أيام الطفولة. أعطِهِ الكنزة
دون أن تقول له شيئا.
هزّ ليون رأسه بيأس وقال:
- الفتيات! تريدين ان تعرفي إن كان يذكر ذلك اليوم
الذي مرت عليه أعوام طوال.
ابتسمت وتساءلت بدهشة وهي تأخذ ذراعه
بمودة: - كيف تفهمني هكذا؟
عانقها وهو دامع العينين وقال وهو يبتعد مسرعا:
- أراك بخير عزيزتي. لن اشتاق لك أبدا!
ابتسمت وهي تمسح دموعها وهتفت:
- وأنا نسيتك منذ الآن!
لم تكن الحياة في إيرلندا بعد توقف الحرب كما
ظنتها ألانا. فالأوضاع السياسية لم تكن مستقرة
والحياة الاقتصادية متردية بسبب الحرب.
معارفها الذين ظنوا أنها ماتت يوم هجوم البريطانيين
على المعسكر الآيرلندي الذي كانت فيه، فرحوا
كثيرا برؤيتها. لكن بقدر سرورهم كان استغرابهم
وفضولهم لمعرفة الطريقة التي استطاعت بها ألانا
الهرب من المعتقل والعودة لإيرلندا. وكان جوابها
مقتصرا على انها لا تستطيع البوح بأي شيء كي لا
تتسبب بالأذى لمن ساعدها.
ذهبت ألانا إلى الساحل حيث سيتم إعادة
الأسرى والمعتقلين ورافقها مارك وسوزان. رأت زميلاتها
فأسرعت نحوهن وانتظرت انتهاء استقبال ذويهن لهن.
كان المشهد مؤثرا جدا فقد كان الجميع يجهش
بالبكاء ويعانق من فارقه منذ أشهر ولم يكن متيقنا من
نجاته أو موته.
عانقت ألانا زميلاتها وهي تبكي، وضمتها ليندا بقوة
وهي تقول: - قلقنا عليك كثيرا! حمدا للرب أنك
بخير.
قالت ألانا وهي تمسح دموعها: - اشتقت إليكن كثيرا!
لمحت جنيفر تنزل من السفينة وبجانبها زوجها وهو
يضم ولده ليون ويبكي.
تقدمت ألانا نحوهم وقالت وهي تعانق جنيفر:
- كيف حالك حبيبتي؟
ثم مدت يدها نحو ليون الصغير فناولها والده إياه.
ضمته برفق وهي تقول بصوت ناعم حنون:
- اشتقت اليك كثيرا يا صغيري! لقد كبرت خلال
الأشهر الأربعة الماضية!
قالت جنيفر لزوجها وهي تربت على ذراع ألانا:
- هذه الفتاة الشجاعة كانت سببا في سلامتي وليون.
فقال الرجل بامتنان: - أشكرك كثيرا.
قالت ألانا بخجل: - لم أفعل ما يستحق الشكر.
قبلت ألانا الصغير ليون وأعادته لوالده ثم ودعتهما
وغادرت المكان على أمل اللقاء بزميلاتها في وقت لاحق.
لقاء زميلات المعتقل، أعاد لرأسها ذكريات مؤلمة
ولقلبها شوقٌ مضنٍ.
يا لذلك الـ زيوس الذي قلب كيانها منذ التقته كما
ملك ذلك الـ دانيال مشاعرها التي بالكاد تفتحت،
قبل اثني عشر عاما!
كانت الانا تزور المستشفى لتلتقي بشارلوت
وبعض الممرضات اللاتي اعتُقِلن معها. أما ليندا
فكانت تتبادل معها الزيارة في منزلها.
ليندا هي الوحيدة التي أخبرتها ألانا عن كيفية
خروجها من المعتقل بعدما أخذت منها وعدا بعدم البوح
بذلك السر لأحد.
كانت دهشة ليندا كبيرة وهي تستمع لكلام ألانا.
- ما تلك المصادفة الغريبة؟ تجتمعان بعد تلك
السنوات في المعتقل.
قالت الانا بابتسامة: - القدر وليس المصادفة يا ليندا.
القدر جمعني به بعد تلك السنوات.
رمقتها ليندا باستغراب وسألتها: - ما سر هذه الابتسامة
والنظرة الحالمة؟
ابتسمت الانا وهي تقول وعيناها تلمعان:
- أحببت ذلك المتغطرس زيوس كما خفق قلبي
لذلك المتجنب دانيال وأنا مراهقة.
تباينت ردّة فعل ليندا بين الدهشة والابتسام
وقالت: - لقد شعرت أنك بدأت تعجبين ذلك الكابتن
لكن لم أظن أن الأمر وصل لتلك الدرجة!
لم تلق المعاهدة البريطانية - الإيرلندية القبول من
جميع الإيرلنديين فقد عارضها الكثيرون لأنها اقتطعت
ستّ مقاطعات من شمال إيرلندا وأبقتها تحت السيطرة
البريطانية.
وقد دبّ الانقسام حتى في صفوف حزب الشين فين بين
مؤيد ومعارض للمعاهدة، وهذا ما جرّ البلاد لحرب أهلية
بدأت في يونيو من العام 1922.
وآهٍ ألف آهٍ من الحروب الأهلية وما تجرّه على الشعوب من
ويلات!
زادت أوضاع البلاد سوءا في كل النواحي، وزاد استعار
الحرب بشكل مخيف ولم يعد الناس يأمنون على
ارواحهم وممتلكاتهم.
ذات ليلة، صحت ألانا على صوت والدها وهو يصيح:
- المزرعة تحترق!
نهضت من فورها ولحقت بها والدتها وخرجوا ليروا النار
تسري في المزرعة بشكل مخيف.

نهاية الفصل السابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:26 pm

الفصل الثامن

ذات ليلة، صحت ألانا على صوت والدها وهو يصيح:
- المزرعة تحترق!
نهضت من فورها ولحقت بها والدتها وخرجوا ليروا النار
تسري في المزرعة بشكل مخيف.
جاء عدد من الجيران للمساعدة ومحاولة إنقاذ شيء من
المزرعة دون جدوى، فقد كانت ألسنة اللهب تسابق
الهواء وتقضي على الأخضر واليابس.
دخل رينيه وماريان غرفتهما كي يتجنبا النظر للهشيم
الذي خلّفه الحريق بعدما أصرت عليهما ألانا. أما هي
فجلست على عتبة منزلها الخشبي، تحدق بحلم والديها
ومربع صباها الذي تحول إلى كومة من الرماد!
مع أول ساعة للشروق، تقدم مارك وسوزان منها
وفزعا لرؤيتها على تلك الحالة. كانت شاردة
تحدق في البعيد وكأنها في عالم آخر. وجهها الأبيض
وشعرها الأشقر تحولا إلى اللون الأسود بسبب دخان
الحريق ليلة أمس.
جلسا إلى يمينها ويسارها وضمّاها بقوة فراحت تنتحب
وأخرجت الدموع التي حُبِست في عينيها منذ الأمس.
قال مارك:
- حالما سمعت الخبر من والدي، أسرعت لسوزان وأتينا.
وقالت سوزان: - نحن آسفان لأننا لم نكن معك وقت
اندلاع الحريق.
قالت ألانا وقد عادت لشرودها: - وماذا كنتما ستفعلان؟
لم يستطع أحد فعل شيء لذلك الوحش الناري الذي
التهم حلم وتعب السنين!
نقلت نظرها بينهما وهما يمسكان بيديها وقالت
باكية: - مجهود والدي منذ جاء إلى هنا قبل
ثلاثة عشر عاما ومجهود العاملين في المزرعة،
كل ذلك ضاع في ساعات.
حلمنا ومصدر رزقنا وذكرياتنا وأيام صباي معكما.
نهضت وسارت للأمام خطوات قليلة ثم صاحت بألم:
- صارت رمادا! لماذا، لماذا؟
عانقها الاثنان وهما يبكيان وحاولا تهدئتها.
كانت مزرعة آل موريس من المزارع الكثيرة في باري
التي تعرضت للحريق بسبب أعمال الشغب التي قام بها
المعارضون من الإيرلنديين للحكومة الجديدة
والمعاهدة الآيرلندية - البريطانية.
ذهبت ألانا إلى مستشفى المدينة وقابلت مسز بروس التي
استقبلتها بابتسامة بشوشة وترحاب كالعادة.
غصة الألم طغت على صوتها وهي تقول:
- مسز بروس، ربما سمعتِ عن الحريق الذي قضى على
مزرعتنا الأسبوع الماضي.
ردت مسز بروس بأسف: - أخبرتني شارلوت عن
الأمر. يؤسفني ذلك يا عزيزتي.
- لقد كانت مصدر الدخل الوحيد لنا. في الحقيقة،
فكرت أن أعمل في المستشفى إن كان لي مكانا فيها.
قالت مسز بروس وهي مُحرَجَة:
- تعرفين الأوضاع التي تواجهها حكومتنا الجديدة،
وفي الوقت الحاضر لا توجد وظائف. كان بودي
مساعدتك يا عزيزتي لكن ليس بيدي شيء.
نهضت ألانا وقد تملّكها اليأس وقالت:
- لا عليك مسز بروس. شكرا لك.
عادت ألانا إلى المنزل وهي شاردة الذهن، تفكر بما
ستفعله في هذه الحال الصعبة. الوظائف غير متوفرة
والجميع يعاني وضعا ماديا سيئا. كيف ستتدبر عملا؟
كانت تخرج كل يوم لتبحث عن عمل كما كان
رينيه يفعل لكن دون جدوى، فالجميع يعاني من
وضع اقتصادي صعب إلا بعض الأغنياء.
واستمرت ضائقة آل موريس المادية حتى أحد الأيام، حين جاءت مسز بروس لمنزل ألانا وهي مستبشرة.
قالت لألانا بسرور حالما جلست في الصالة:
- لقد وجدت لك عملا!
انفرجت أسارير ألانا ووالديها وسألتها ألانا: - وما هو؟
- هناك سيدة عجوز مريضة قدمت للبلدة مع ولدها
وزوجته. يريد ولدها شخصا متفرغا لخدمتها طوال اليوم
وإعطائها الدواء، وسيدفعون مبلغا جيدا.
قال رينيه بعدم رضا: - إنه عمل متعب يا ابنتي!
ردت ألانا: - لكنه الوحيد المتوفر الآن يا أبي.
وضعنا لا يسمح برفضه فنحن ننتظر هذه الفرصة منذ
أشهر ولن اضيعها الآن.
صمت رينيه والحزن على ابنته وقلة الحيلة يعتصران
قلبه بينما قالت ماريان:
- ليباركك الرب يا عزيزتي.
قالت مسز بروس: - إذن سآخذك إليهم غدا صباحا.
تمددت ألانا في فراشها ليلا وهي سعيدة ثم نظرت
للسماء من خلال نافذتها ليقفز وجه دانيال إلى خيالها.
" آه أيها الكابتن الغالي، كم اشتقت إليك! وكم
احتجت وقوفك قربي في تلك الأزمات! "
في الصباح التالي دخلت ألانا إلى المنزل الذي ستعمل
فيه. قالت مسز بروس وهي تقوم بالتعارف بين ألانا
وأصحاب العمل: - صباح الخير. هذه ألانا موريس. مسز
(كايلا بروسنان) التي ستعتنين بها، مستر (آدم) ولدها
ومسز (كلوي) زوجته.
ألقت ألانا التحية بتهذيب فقالت العجوز بابتسامة:
- نادني كايلا فقط يا ابنتي.
- حاضر مسز كايلا.
كانت العجوز ذات وجه بشوش وتبدو عليها
البساطة والطيبة. أما السيد والسيدة بروسنان
فقد بدا عليهما الرقي والهدوء. وبسبب انشغالها بالحديث
مع كايلا، لم تلحظ ألانا نظرات الامتعاض وعدم الرضا
نحوها في عيني كلوي التي قالت لكايلا:
- هذه الفتاة غير مناسبة للوظيفة.
رمقتها ألانا بقلق بينما تساءل آدم باستغراب:
- لقد رأيناها للتو، فكيف حكمتِ عليها؟
- إنها صغيرة على الاعتناء بعمتي.
قالت ألانا محاولة إقناع كلوي: - لا تحكمي عليّ من
خلال عمري مسز بروسنان. لقد مارست التمريض طوال
فترة الحرب. وقبل ذلك كنت أعتني بوالدتي
المريضة.
وأيدتها مسز بروس: - لقد اعتنت ألانا بالجنود الجرحى
وأدت واجبها على خير وجه. حين ترون عملها
ستتأكدون بنفسكم من كلامنا.
قال آدم: - لنعطيها فرصة، عزيزتي.
فرمقته كلوي بعدم رضا وأرادت الكلام لكن كايلا
حسمت الأمر حين قالت وهي تمد يدها لألانا لتقترب:
- لن يكون الاعتناء بي أصعب من الاعتناء بالجنود
المصابين! لقد ارتحت لها وسأمنحها العمل.
قالت ألانا وهي تساعد السيدة على النهوض:
- سأكون عند حسن ظنك بي مسز كايلا. أشكرك.
- خذيني الآن في جولتي الصباحية. سنسير لمسافة
قليلة.
لكن آدم قال معترضا: - لأشرح لها طبيعة عملها أولا.
قالت كايلا وهي تسير مع ألانا: - افعل ذلك لاحقا.
وهمست كلوي بانزعاج: - لا تتعجل الانفراد بها!
رمقها بحدة وهمس قبل أن يخرج: - متى ستخرجين هذه
الشكوك من رأسك؟
مرّ شهر على وجود ألانا في منزل آل بروسنان،
وكانت مرتاحة جدا بالعمل عندهم مع أنها كانت
متعبة جسديا، فهي تعتني بكايلا منذ الصباح حتى
المساء.
أحبتها كايلا كثيرا وارتاحت لها وعاملها آدم باحترام
ومودّة، أما كلوي فكانت تعاملها بخشونة وحدة.
كانت ألانا تتجاوز عن ذلك وتتحمله لأن المبلغ الذي
تتقاضاه من آل بروسنان كان يغطي مصاريف عائلتها
وأدوية والدتها وهي لن تجد عملا آخر لو تركته في ظل
تلك الظروف الصعبة للبلاد.
وجاء اندلاع الحرب الأهلية في ذلك الشهر، شهر يونيو
من العام 1922 ليزيد الأوضاع سوءا. فآهٍ ألف آهٍ من
الحروب الأهلية وما تجرّه على الشعوب من ويلات!
ذات مساء دخل آدم المنزل وهو يمسك ذراعه التي
كانت تنزف. فزع الجميع لرؤيته بذلك المنظر
وصاحت كايلا: - ما بك يا ولدي؟
وهرعت كلوي لتمسكه وهي تقول: - ماذا حدث؟
جلس على الأريكة وهو متعب ويلهث فقد جاء راكضا
إلى المنزل.
قالت ألانا وهي تخرج صندوق الإسعافات:
- ليرتاح الآن فهو بالكاد يلتقط أنفاسه. لا تفزعا رجاءً.
نادت كلوي الخادمة لتحضر الماء لآدم ثم جلست قربه
ونظرات القلق في عينيها.
بدأت ألانا العمل بسرعة فمزقت كم قميص آدم ثم
عقمت الجرح فصاح متألما.
- آسفة لكن يجب أن تتحمل.
قالتها ألانا وهي تضع فتيلة معقمة لتسد بها الجرح
ثم ربطته جيدا. نادت الخادمة:
- أحضري كمية من الثلج.
سألت كلوي زوجها: - ماذا حدث؟
ردّ بصوت متعب: - ذهبت إلى مكتب البريد
القريب سيرا فاعترضني أحد أولئك المعارضين. طعنني
بالسكين وأخذ محفظة نقودي وهرب. بعدها لحق بي
اثنان آخران فأسرعت إلى المنزل.
سألت كايلا: - هل الجرح خطير يا ألانا؟
- ليس عميقا كثيرا لكن يجب أن نأخذه إلى
المستشفى كي أخيط له الجرح.
قالت كلوي بحدة وانفعال: - كيف سنأخذه الى
المستشفى؟ ألم تسمعي ما قاله عن الوضع في الخارج؟ ألا
تستطيعين أنت فعل ذلك هنا؟
رمقتها ألانا بحنق وهي تقول: - ليس لدي الأدوات
اللازمة.
جاءت الخادمة تحمل الثلج فأسرعت الانا بربطه على
جانبي جرح آدم كي يساعد على وقف النزف ثم قالت:
- إن ذهبنا بالسيارة فلن يكون هناك خطورة
من أولئك المشاغبين.
سألتها كلوي بحدة: - وكيف سيقود السيارة بوضعه
هذا؟
قالت ألانا وهي تحاول التحدث بهدوء مراعاة لقلق كلوي على زوجها والتجاوز عن حدتها معها:
- أنا سآخذه، فأنا أجيد القيادة.
عندها أسرعت كلوي بجلب مفتاح السيارة بينما ساعدت
ألانا آدم على النهوض والسير ثم أسرعوا إلى المستشفى.
بعد عودتهم الى لمنزل، قالت ألانا وهي تنظر للساعة
التي تجاوزت العاشرة والنصف ليلا:
- يجب أن أعود للمنزل الآن فلا بد أن والديّ قلقان عليّ.
قالت كايلا: - لقد اتصل والدك ليسأل عنك فأخبرته بما حدث.
قال آدم: - لقد تأخر الوقت كثيرا. ابقي هنا الليلة
وغدا في الصباح عودي لمنزلك، بما ان والديك
يعرفان ما حدث ولن يقلقا عليك.
تغير وجه كلوي ورمقت زوجها بحدة بينما قالت الانا:
- كلا مستر بروسنان، يجب أن أذهب.
قال آدم بإصرار: - بل ستبقين. اتصلي بوالديك
لتعلميهما بالأمر.
أومأت برأسها واتصلت بوالدها لتخبره فقال رينيه:
- هذا أفضل فالطريق غير آمن يا ابنتي.
قال آدم: - منذ الغد لن تعودي وحدك إلى منزلك
فالطريق غير آمنة مساءً. أنا سأوصلك.
رمقت كلوي زوجها بحدة وهي تفتح عينيها دهشة
وسألته:
- ولماذا توصلها؟ فلتعُد الى بيتها في وقت مبكر.
قالت كايلا بسخرية: - ومن سيعتني بي حتى المساء؟
هل ستفعلين انت ذلك؟
تكلمت كلوي بانزعاج: - لكن عمتي..
فقاطعتها كايلا بحزم: - تعقلي يا كلوي!
كانت كايلا تعرف بما يدور في رأس كلوي من
شكوك وغيرة على زوجها الوسيم ذو الحضور المميز
من فتاة فاتنة مثل ألانا، لن تضاهيها جمالا وجاذبية في
حياتها!
ناولت ألانا حبة الدواء وكوب ماء لآدم وهي تقول:
- تفضل، المضاد الحيوي الذي أوصى به الطبيب.
شكرها مبتسما وتناوله فقالت: - سأعطيك الجرعة
الثانية عند الرابعة والنصف صباحا. آسفة لأنني
سأزعجكما بطرق الباب.
قالت كلوي وهي تأخذ علبة الدواء منها وتقول:
- لا تزعجينا ولا تزعجي نفسك! أنا سأعطيه إياه.
وظيفتك هي الاعتناء بعمتي فقط.
أومأت ألانا وهي مُحرجَة وقد فطنت أخيرا لسبب تعامل
كلوي الخشن معها، وهربت من نظرات آدم التي
كانت تعتذر لها.
" لماذا تشك بي وبزوجها؟ إنه رجل محترم ولم أر منه ما
يريب فهو يعاملني بكل تهذيب واحترام؟ وأنا بالمقابل
لم أفعل ما يدفعها للشك والغيرة ".
بسبب دماثة خلق آدم وحرصه الشديد في التعامل معها،
لم تلاحظ ألانا تلك النظرات العاشقة التي كان
يرمقها بها، والتي لاحظت زوجته بعضها في أكثر من
موقف. مثل الآن، حين تألقت عيناه فرحا لمبيتها في
منزله.
قالت ألانا وهي تتجه نحو غرفة الضيوف التي ستبيت
فيها: - سأذهب غدا عند شروق الشمس ثم أعود إلى هنا
في موعدي المعتاد.
لكن كايلا قالت: - لقد تعبتِ اليوم يا عزيزتي. تعالي
غدا ظهرا كي ترتاحي قليلا.
أومأت موافقة ثم ألقت عليهم التحية ودخلت
غرفة الضيوف ونظرات كلوي الغاضبة تتبعها.
حين عادت ألانا ظهرا إلى منزل آل بروسنان، كانت
كلوي تطعم آدم بيدها كي لا يجهد ذراعه وكايلا
تتحدث معه.
تبادلت معهم ألانا التحية فقالت كايلا:
- تفضلي بتناول الغداء معنا.
قالت ألانا مبتسمة: - شكرًا مسز كايلا. لقد تناولت
الغداء مع والديّ قبل مجيئي. كيف أصبحت مستر بروسنان؟
ابتسم بلطف وأجاب: - أفضل من الأمس لكن ما زلت
أشعر بألم.
قالت وهي تتجه الى صندوق الصيدلية المنزلية:
- هناك مسكن كتبه لك الطبيب أمس..
قاطعتها كلوي بانزعاج: - لقد اعطيته منه حبة
صباحا، كما أنني قمت بتغيير الضمادة له.
تنهّدت كايلا بانزعاج ورمق آدم زوجته بحدة
وهمس بينما كانت الانا تحضّر الحقنة التي ستعطيها
لكايلا:
- ما بك كلوي؟ لم تفعل الفتاة شيئا لتعامليها هكذا.
تمتمت بامتعاض:
- تظن أنها فقط من تفهم بأمور الطب وكل شيء.
تساءل بسخرية زادت من غضب كلوي:
- ما دمتِ خبيرة بأمور الطب والاعتناء بالآخرين، فلِماذا
لا تعتنين بوالدتي بنفسك؟ هكذا لن نحتاج لتوظيف
فتيات ذوات خبرة بالتمريض ليعتنين بها، وتجنبين
نفسك نار الغيرة والشك.
فكرت وهي ترمق ألانا بحسد " وهل هذه ككل
الممرضات؟ أنا نفسي مأخوذة بجمالها وشخصيتها فكيف
بك وأنت تملك زوجة عادية المظهر مثلي؟ "
لم تكن كلوي دميمة لكن وجهها خاليًا من
الجاذبية وملامحها عادية.
بعد انتهاء الغداء قالت كايلا لألانا:
- خذيني لغرفتي. أريد أن أرتاح قليلا ثم نخرج بعد
الظهر فاليوم لم أقم بجولة الصباح.
- آسفة لأني لم أحضر صباحا.
قالت كايلا وهي تسير معها نحو غرفتها:
- أنا من طلبت منك أن ترتاحي، فلما تعتذرين؟
تمتمت كلوي بامتعاض: - يا لها من متملّقة!
تنهّد آدم وهزّ رأسه بيأس وهو ينهض ويصعد لغرفته
فتبعته كلوي. أغلقت الباب وقالت وهي تضم آدم:
- لا تغضب مني. أحبك وأغار عليك.
قال بانزعاج: - بل تشكين بي! وهذا يحدث في كل
مرة تأتي بها إلى المنزل ممرضة شابة.
أمسكت وجهه بين كفيها وقالت: - ليس بيدي حبيبي.
أغار عليك من كل امرأة.
عانقته بقوة وشوق لكنه تأوه فابتعدت
وتفقدت ذراعه وهي تقول: - آسفة! هل تؤلمك؟
قال وهو يتجه نحو السرير لينام: - لا بأس.
- هل نزفت؟ هل أغير لك الضمادة؟
قال بانزعاج: - كلا!
وحين تمددت قربه ولامست وجهه بحنان، ابتسم لها ثم
استدار إلى الجهة الأخرى.
فكرت كلوي بغضب " هل تظنني حمقاء؟
منذ مدة وأنا أشعر بتغيرك معي. في تعاملك ونظراتك
وحتى أوقاتنا الحميمة "
جلست ألانا على الكرسي قرب كايلا وبدأت تقرأ لها من
كتاب اختارته لنصف ساعة تقريبا، بعدها قالت
كايلا: - لنكمل القراءة لاحقا يا عزيزتي.
- كما تحبين، مسز كايلا.
ساعدتها ألانا على الاستلقاء في السرير فقالت:
- أيقظيني بعد ساعة يا عزيزتي.
- حاضر.
حين خرجت للصالة، كان المكان خاليا.
دخلت المطبخ وسألت الخادمة: - أين مستر ومسز بروسنان؟
- لقد صعدا لغرفتهما لأخذ قيلولة.
اتجهت إلى غرفة مكتب آدم لتأخذ كتابا من مكتبته
وتسلي نفسها بالقراءة لحين استيقاظ كايلا، فقد سمح
لها آدم بذلك.
في حينها رمقته كلوي بانزعاج ودهشة، فهو لم يسمح
سابقا لأحد من الموظفين عنده بدخول غرفة مكتبه
بحرية هكذا. لكنه قال لها بابتسامة ولطف:
- ما دمتِ تحبين القراءة فيمكنك أخذ أي كتاب
يعجبك من مكتبتي وفي أي وقت. لا تترددي في دخول
المكتب حتى لو لم أكن موجودا فيه.
دخلت ألانا غرفة المكتب لتُفاجأ بوجود آدم
هناك فقالت تعتذر: - أخبرتني الخادمة أنك نائم.
اعذرني. جئت لأخذ أحد الكتب.
قال مبتسما وهو ينهض ويسير نحوها:
- لا بأس يا عزيزتي. خذي ما تريدين. أنا أيضا لم أستطع
النوم فجئت لأعمل قليلا.
انتبهت لذراعه وقالت بقلق: - هناك أثر للدم على
قميصك. لا بد أن الجرح نزف قليلا. سأغير لك
الضمادة.
أسرعت بإحضار علبة الإسعافات فجلس آدم على
الكرسي وانحنت ألانا لترفع كم قميصه ثم نزعت
الضمادة وهي تقول: - الضمادة محكمة جدا حول
ذراعك وربما هذا ما تسبب بنزف الجرح.
حين رفعت رأسها بعدما أنهت ربط الضمادة لآدم، رمقته
بدهشة وهي ترى اللهفة في عينيه وتسمعها في
أنفاسه وقد مال برأسه نحوها حتى اقترب منها
كثيرا. أرادت الابتعاد فأمسك عنقها ليقربها أكثر.
دفعته وابتعدت وهي ترمقه بعينين محمرتين غضبا ولم
تستطع منع نفسها من صفعه بقوة وهي تقول:
- كيف تجرؤ؟!
نهض آدم وقال متوسلا: - أرجوك، لا تفهمي ما حدث
بشكل خاطئ. لم أقصد سوءا، أقسم لك.
تساءلت بعصبية: - ماذا قصدت إذن؟
مرر آدم أصابعه في شعره باضطراب وهو يقول:
- لم أقصد الإساءة ولم أتعمد ما حدث.
قالت بخيبة وحزن: - ظننتك شخصا محترما.
جذب ذراعها قبل أن تبتعد وقال: - اسمعيني الانا!
قالت بعصبية وهي تبعد يده: - اتركني!
- أرجوك افهميني! لستِ مجرد فتاة استغليت فرصة
لتقبيلها والتحرش بها. أنا فقط لم أستطع مقاومة
عاطفتي وأنت قربي هكذا لأول مرة. أنا
احبك ألانا.
رمقته بذهول وقالت وهي ترتجف غضبا:
- كانت زوجتك محقة في شكها إذن! لقد شعرَت بما
لم أشعر به أنا فكانت تكرهني وتغار مني. كيف
استطعت فعل هذا بها؟ لقد خنتها وخنت ثقتي بك.
هتف بانفعال وحزن:
- وهل الأمر بيدي؟ لقد حاولت منع نفسي مرارا دون
جدوى. لقد ملكني حبك فلا أستطيع سوى التفكير
بك والاشتياق لك.
كانت كلوي تستمع لهما من خلف الباب ودموعها تنساب
بصمت وحرقة فهي لم تشعر بذلك الحب نحوها يوما
ولم تسمع منه كلمات شوق مثل هذه.
قالت ألانا بحزم وهي تخرج من الغرفة:
- جد تبريرا مناسبا لوالدتك وزوجتك لعدم
حضوري ثانية إلى هنا، وإياكَ والمجيء الى
منزلي لأنني حينها سأخبرهما بكل شيء!
سارت ألانا في الشارع مسرعة نحو منزلها وهي تبكي
وتمسح شفتيها مرارا وتكرارا.
اجتازت باب المزرعة مسرعة نحو المنزل لكن يدا
قوية أوقفتها حين أمسكت ذراعها فالتفتت نحوه بغضب
ورفعت يدها لتصفعه، فيبدو أن تلك الصفعة لم تردّ
إليه رشده!

نهاية الفصل الثامن

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 6:28 pm

الفصل التاسع والأخير

اجتازت باب المزرعة مسرعة نحو المنزل لكن يدا
قوية أوقفتها حين أمسكت ذراعها فالتفتت نحوه بغضب
ورفعت يدها لتصفعه، فيبدو أن تلك الصفعة لم تردّ
إليه رشده!
توقفت يدها في الهواء قبل أن تنزل بها على وجه ذلك
الذي أمسكها.
قطب جبينه مستغربا بينما رمقته للحظات وهي لا تكاد
تصدق وجوده أمامها ثم رمت نفسها بين ذراعيه وطوقته
بقوة وراحت تجهش بالبكاء.
ضمّها بكل حنان وشوق وهو يمرر يده على شعرها حتى
هدأت ورمقته بعينين دامعتين لتشكو له وتخرج بعضا
مما يثقل صدرها:
- لقد تعبت. تعبت من كل شيء، دان!
قال بابتسامة حنونة وهو يمسح دموعها بأصابعه:
- ألانا التي أعرفها لا تجزع وتيأس.
تنهّدت بحزن وقالت: - لقد تغيرت وانكسرت. أشعر أنني
كبرت في عام واحد عدة عقود!
قطب جبينه مبتسما بحركة جميلة وتساءل:
- وهل العجائز بهذا الجمال؟
ابتسمت وهي تبتعد عنه مجبرة لتقول وقد بدءا السير نحو المنزل: - لقد مررنا بظروف صعبة جدا، وجاء
حريق المزرعة ليقضي على كل آمالنا.
توقف للحظات وأمسك ذراعها وهو يقول:
- سيكون كل شيء بخير.
رمقته بلهفة وسرور وهي ترى تغير أسلوبه معها. كم
تحتاجه في هذا الوقت ليواسيها ويكون البلسم الشافي
لجروحها!
استأنفا السير وسألته: - متى اتيت؟
- ظهرا، بعد خروجك للعمل بقليل.
أخفت انزعاجها وهي تذكر ما فعله آدم ثم عادت
لسؤاله: - كيف حال الجميع؟
- كلهم بخير ويفتقدونك كثيرا. وقلقون عليكم.
حين سمعت خبر نشوب الحرب الأهلية قبل أسابيع، لم
أستطع إلا المجيء للاطمئنان عليكم.
رمقته بسرور وفكرت " أخيرا صار زيوس يعبر عن بعض
ما يشعر به! لكنه ليس الكلام الذي انتظرته منك
بعد غياب عام تقريبا "
سألته بابتسامة: - ما أخبار إدمون ونيكول؟
- تزوجا بعد شهر ونصف تقريبا من رحيلك، وهما الآن
ينتظران مولودهما.
قالت بسرور: - هذا رائع! بالمناسبة، ماذا كنت تفعل
قرب بوابة المزرعة؟
- فكرت بأن أخرج في جولة، فقد تكلم
ليون كثيرا عن جمال باري حين عاد.
تنهدت بألم وقالت: - كان ذلك قبل الحرب الأهلية
التي دمرت المدينة. الآن حتى الطرق غير آمنة مساءا.
سألها بقلق: - كيف إذن تعودين مساءا من العمل؟
- لا تقلق فالمكان قريب.
حين دخلت ألانا مع دانيال، رمقها والداها باستغراب وقال
رينيه: - ما الذي أعادك في هذا الوقت يا ألانا؟
جلست لتعلن: - لقد تركت العمل.
- لماذا؟ سألها والداها باستغراب فأجابت بارتباك:
- لقد تشاجرت مع مسز كلوي بروسنان. إنها متعجرفة
ومستفِزة. أهانتني فلم احتمل فتشاجرت معها وتركت
العمل.
سألها رينيه: - كيف أهانتك؟ ومستر آدم ومسز كايلا،
ماذا فعلا؟
تنهدت وقالت: - لا اريد الحديث في الأمر من
فضلكما. أنا آسفة، أعرف أن ذلك العمل كان مصدر
دخلنا الوحيد.
قاطعتها ماريان بانفعال: - فليذهب العمل إلى الجحيم،
ما داموا لم يقدروا إخلاصك ويحترمونك!
قال رينيه بانزعاج: - كيف يعاملونك بهذه الطريقة؟
سأكلم مستر بروسنان!
هتفت ألانا: - كلا! أعني.. لا داعي لذلك. لقد أساءت
التصرف معي فوبختها ورددت لها الصاع صاعين.
رمقها دانيال بقلق لكنه لم يعلق. سألته وهي تحاول أن
تعرف بصورة غير مباشرة، سبب تأخره في المجيء إليها:
- ماذا حدث معك بعد رحيلي؟ أعني بخصوص إيقافك
عن العمل.
قال بصوت يشوبه حزن خفيف شعرت به:
- تمت محاكمتي بالسجن لستة أشهر بسبب
إهمالي في أداء عملي ثم إقالتي من الجيش.
رمقته الانا بنظرة أسف وقال رينيه:
- كل هذا بسبب مساعدتك لألانا! نحن آسفون بُنيّ.
- لا تقل هذا عم رينيه! سلامة ألانا أهم من أي شيء.
رمقته بلهفة للحظة وهي مسرورة.
سألته ماريان: - وماذا فعلت بعدها؟ هل وجدت عملا آخر؟
أجاب دانيال بابتسامة وهو يفكر كم تشعر بالحرية وتغيرت حياته بعد تركه الجيش:
- لقد اشتريت منذ ثلاث سنوات تقريبا أرض في ضواحي
شيستر. كنت أريد إنشاء مزرعة للخيول عليها لكنني
لم أكن أملك الوقت لتنفيذ ذلك المشروع. لذا باشرت
بالعمل به فور إقالتي من الجيش.
سألته ألانا: - هل أنت سعيد بذلك العمل؟
أجاب وقد واتته فكرة لمساعدة ألانا ووالديها بعدما
فقدوا كل ما يملكون وتقريبها منه في الوقت
نفسه:
- لم يكتمل المشروع بعد. أحتاج من يعمل معي فيه
فخبرتي متواضعة في هذا المجال. إن وافقت يا عم رينيه
فسأكون سعيدا بعملنا معا.
قطب رينيه جبينه وسأله: - تعني أن نترك إيرلندا
ونذهب الى شيستر؟
قال دانيال بحماس محاولا إقناعه: - هناك ستبدؤون من
جديد. سنبدأ معا. أما هنا فأنت لا تملك شيئا يا عمي.
كما أن الوضع غدا خطرا جدا بعد الحرب الأهلية.
قال رينيه بيأس:
- وهل ما زالت لدي طاقة للبدء بحياة جديدة؟
قال دانيال وهو يشد على يده: - لا تقل هذا عم رينيه!
سنبدأ معا فأنا أحتاج خبرتك ليستمر المشروع.
قالت ألانا بحماس: - أنا أيضا سأعمل معكما، فقد عملت
مع أبي في المزرعة لسنوات.
قال رينيه بحيرة وهو يرمق ماريان:
- لا أعرف ما أقول.
قال دانيال بحماس وإصرار: - تقول إنك موافق، ونعود
معا سريعا الى شيستر.
تساءل وفي قلبه غصة ألم: - ماذا عن المزرعة هنا؟
- تستطيع العودة حال تحسن واستقرار الأوضاع هنا.
وحين تجمع المال الكافي، ستعيد مزرعتك لما كانت
عليه سابقا.
فكر رينيه في كلام دانيال وبوضعه السيء هنا،
خاصة بعد خسارة ألانا لعملها، وأخيرا وبعد تشجيع
ماريان وألانا له قال:
- سنذهب معك. شكرا لك يا ولدي.
كتم كل من ألانا ودانيال فرحته الكبيرة في قلبه ثم
شاركا رينيه وماريان في التخطيط للسفر.
حين كانت ألانا ترتب الأغطية والوسادة على
الأريكة في غرفة الضيوف حيث سينام
دانيال، دخل ورمقها وابتسامته تنير وجهه الذي تاقت
لرؤيته. قالت بامتنان وهي تتأمله:
- لا أعرف كيف أشكرك أو أعتذر منك.
قال مُحتجّا: - على ماذا؟
- أشكرك على مساعدتي سابقا ومساعدتي ووالداي
الآن بتقديم ذلك العرض. وأعتذر لأنك فُصِلت من
الجيش بسببي. أعرف أن ذلك أحزنك كثيرا فقد
تأثرت حين أوقفوك عن العمل وشربت..
توقفت عن الكلام وقد تذكرت تلك الليلة بكل
تفاصيلها. ليلة عودتها الى إيرلندا، وذلك الطلب الوقح
المجنون الذي طلبه دانيال منها بأن تهبه نفسها.
توترت أنفاسها وهي تفكر بصعوبة مقاومتها لتلك
الرغبة حينها. قطع دانيال الصمت وسيل تلك
الذكريات حين قال:
- كان ذلك في البداية. أما الآن فأنا
أشكرك لأنك كنت سببا في خلاصي من قيد
انتسابي للجيش البريطاني.
في الصباح التالي، شعر الجميع بالقلق على دانيال الذي
خرج باكرا دون أن يعلم أحدا بوجهته. وحين عاد،
سألته ماريان: - أين كنت؟ قلقنا عليك.
وعاتبته ألانا: - كيف تخرج وحدك وأنت لا تعرف
المكان؟
قال مبتسما: - استدليت على وجهتي بنفس الطريقة
التي استدليت بها على منزلكم. لقد سألت عن طريق
الميناء وحجزت التذاكر الى شيستر. سنسافر بعد
خمسة أيام. هل يناسبكم الموعد أم أقوم بتغييره؟
قال رينيه مبتسما بامتنان: - ستكون تلك الأيام
كافية لنستعد خلالها للرحيل.
قالت ألانا: - سأذهب بعد الإفطار لزيارة سوزان
ومارك كي أخبرهما برحيلنا. هل تأتِ معي،
دانيال؟
- لِمَ لا!
اقتربت سوزان من ألانا وهما تسيران بين الحقول بينما
كان مارك يشرح لدانيال أشياء عن المدينة.
- لم أظن أن الكابتن زيوس بهذه الوسامة والجاذبية!
ابتسمت ألانا لسوزان وتأملت دانيال بنظرة شوق وهو
يتحدث مع مارك وهمست: - كابتني الحبيب!
ودّع آل موريس بعض جيرانهم فانتشر خبر رحيلهم بين
معارفهم فجاء باقي الجيران لوداعهم، كما جاءت
زميلات ألانا من ممرضات ومتطوعات لوداعها.
خرج دانيال من المطبخ إلى الصالة وهو يحمل علبة
خشبية كبيرة ليضعها في المخزن فحدقت به كل
امرأة اعتقلت مع ألانا، ووقفت بعضهن والدهشة تجعل
نظراتهن متسمرة على وجه دانيال.
تمتمت شارلوت بدهشة: - الكابتن؟!
بدا الإحراج على دانيال وأسرعت خطاه نحو المخزن وهو
يلقي تحية الصباح دون النظر إليهن.
لم تستطع ألانا كتم ضحكتها وهي ترى التعبير الذي
ارتسم على وجوههن بينما قالت ليندا بابتسامة:
- تلك قصة طويلة!
وبينما شرحت ليندا للنساء القصة باختصار، حملت ألانا
الصغير ليون واتجهت إلى دانيال.
ابتسم دانيال حالما رأى الصغير الذي كان يبتسم لألانا
ويقبل خدّها. أنزلته وسارت معه ببطء نحو دانيال فحمله
وقبله ثم قال: - لقد كبرت كثيرا يا صغير!
قالت وهي تبتسم: - أحب ليون لأنني اعتنيت به حين
ولد، ولأنه كان سببا في معرفتك بهويتي.
ابتسم دانيال وأنزل ليون ثم خرج من الغرفة هاربا من
رغبته في ضمها وإخبارها بأنه يعشقها.
- سأكمل عملي.
أومأت ألان اوهي تفكر " بل تكمل هروبك، زيوس "
وتذكر الاثنان تلك اللحظات الجميلة حين حملا ليون
وهما في غرفته في المعتقل.
وقف دانيال وألانا عند سور السفينة ونظرت ألانا بحزن
إلى المدينة التي قضت فيها أكثر من نصف عمرها.
- لماذا علينا دائما توديع أماكن وأشخاص نحبهم؟
قال دانيال: - كان وداع سوزان ومارك لك مؤثرا جدا.
تلألأت الدموع في عينيها فقال بمكر ليغير مزاجها
الحزين:
- قلبك مليء بالحنين، ولهذا تحتفظين بـ.. نماذج من
ذكريات كل مرحلة.
لم يكن ذهنها صافيا لتفهم ما يقول فرمقته وهي
مقطبة الجبين فاستند بذراعيه على سور
السفينة ثم رفع نظره نحوها وقال بمكر
وابتسامة: - مثل تلك الكنزة الرمادية المزرقّة!
أبعدت نظرها هي تبتسم فسألها:
- متى أخذتها دون علمي، ولماذا؟
واجهها فقالت: - كنت تمارس التمارين الرياضية حين
جئت أطلب منك الاشتراك معي وليون وإدمون في
اللعب، فطلبت مني بحدّة أن أتركك. غضبت منك
وأردت إغاظتك. رأيت الكنزة على سريرك فأخذتها
خلسة وأخفيتها لأنني أعرف كم تحبها. أنا مستغربة
لأنك تذكرتها.
اقترب منها وهو ينظر في عينيها:
- تذكرتها لأنني.. أحبها جدا.
خفق قلبها ورف جفناها وهي تشعر أنه يتحدث عنها لا
عن الكنزة فأضاف وهو ينظر صوب البحر ليخفف من
توتره هو الآخر: - إنها هدية من أمي، وكانت
المفضلة لدي فكيف لا أذكرها؟
ثم عاد لينظر إليها بنظرة تهديد ويقول:
- كم حزنت لفقدانها أيتها السارقة! لا بد أن أسرق
منك شيئا غاليا كي أنتقم!
ضحكت فابتعد ليدخل إلى السفينة. تأملته بشوق
وهي تفكر: " أوَ لم تسرق إلى الآن؟! "
رست السفينة معلنة عن بدء حياة جديدة لآل موريس
على تلك الأرض.
دخل دانيال المنزل بينما وقفت ألانا ووالديها خلفه.
بدأت هيلين بتوبيخ دانيال حالما رأته:
- كيف تذهب لإيرلندا دون علمي؟ كدت اموت قلقا
عليك!
قبّلها وقال: - سامحيني يا امي. لكن لو اخبرتك لما
تركتِني أذهب! وأنا كنت قلقا على بيت العم رينيه
بسبب الحرب الأهلية.
سألته بقلق: - وهل هم بخير؟ ما اخبارهم؟
أحاط كتفها وقال وهو يوجهها نحو الباب:
- سيخبرونك الآن!
دخلت ألانا ووالديها فرمقتهم هيلين بدهشة ثم أسرعت
لتعانقهم وهي تقول: - كنت غاضبة منك دانيال لكن
الآن زال غضب بإحضارك لهم!
في المساء اجتمعوا على مائدة العشاء وتبادلوا الأحاديث
الحميمة كالأيام الخوالي.
كان ليون يراقب نظرات شقيقه نحو ألانا وتملّكه
الفضول لمعرفة ما حدث بينهما. جلس قربها بعد العشاء
وهمس بمكر: - هناك تغيير في شقيقي. هل صرّحتما
لبعضكما بما تشعران؟
رمقته وهي تلوي شفتيها وقالت:
- لا! لكن تعامله معي مختلف فعلا منذ وصوله لباري.
نامت ألانا تلك الليلة مع هيلين ونام رينيه
وماريان في غرفة إدمون.
وفي الصباح التالي ذهب الجميع إلى مزرعة دانيال.
لم تكن المزرعة كبيرة لكن كان يلزمها الكثير
من العمل.
قال رينيه: - سأبحث عن بيت لنسكن فيه كي أكون
قريبا من المزرعة وأنجز العمل في وقت أسرع.
قالت هيلين بعتاب: - لم تمكثوا معنا سوى ليلة واحدة!
لم نعوض غيابنا عن بعض طوال تلك السنوات وها أنت تتحدث عن منزل تسكن فيه.
قال رينيه: - لا بأس يا هيلين لكن يجب أن نستقل في
منزل خاص ما دمنا سنبقى لفترة غير معلومة هنا، حتى
تتحسن أوضاع إيرلندا.
وافقه دانيال وهو يقول: - دع أمر استئجار المنزل لي.
قال رينيه بحزم: - لكنني لن آخذ مالاً منك، دان.
ما ستدفعه سيكون دينًا عليّ.
قال دانيال مبتسما وهو يحيط كتفي رينيه:
- كما تشاء يا عمي. سيكون دينا ترده لي من حصتك
في أرباح المزرعة، تدر علينا الربح.
عانقه رينيه وهو يشكره.
توجهوا بعدها إلى منزل إدمون. وكم كانت دهشته هو
ونيكول وسرورهما كبيرين حين رأيا ألانا ووالديها.
منذ الصباح التالي، خرج دانيال وليون ليبحثا عن منزل
مناسب ليستأجره لآل موريس لكن المنزل الوحيد الذي
وجدوه بسعر مناسب كان يحتاج الكثير من العمل كي
يصبح صالحا للسكن.
عبس دانيال وهو ينظر إلى المنزل حوله. النوافذ
مكسورة والأبواب تحتاج إلى إصلاح. والأرضية أيضا. قال ليون بحماس: - بعد عدة أيام من العمل المكثف
سيصبح مناسبا للسكن. لا تقلق، دان.
أومأ دانيال ثم انطلق مع ليون ليحضرا ما يلزم من
مواد البناء ثم اتفقا مع مجموعة من العمال
على البدء بالعمل منذ الغد.
حين عادا إلى المنزل، استقبلهم الجميع بالسؤال عمّا
فعلوه. وتولى ليون مهمة سرد ما توصلوا إليه.
قال رينيه معاتبا: - لماذا هربتما منذ الصباح الباكر؟
دعاني على الأقل أشارك في العمل!
قال ليون: - أنت لا تعرف المكان هنا يا عمي، ونحن
لا نريد أن نتعبك.
قال رينيه بامتنان: - لا أعرف كيف أشكركم!
ابتسم دانيال وهو يقول: - افعل شيئا واحدا. ابدأ منذ
الغد بالعمل في المزرعة واترك لنا متابعة العمل في
المنزل.
في اليوم التالي، كان العمل في المزرعة وفي منزل آل
موريس الجديد على قدم وساق.
رينيه بدأ بتخطيط المزرعة واستعد للتنفيذ مع
العمال في اليوم التالي أما دانيال وليون فتابعا
العمل في المنزل مع العمال.
كانت ألانا خارجة من الحمام في الطابق العلوي حين
قابلها دانيال وهو يحمل ثيابه كي يستحم بعد يوم
عمل طويل.
قالت له بابتسامة: - آسفة، هل كنت تنتظر خروجي من
الحمام؟ هل انتظرت طويلا؟
اقترب وقال وهو ينقل نظره بين عينيها وشعرها الذي
يقطر ماءً: - لا عليك. فقط أسرعي بتجفيف شعرك،
فأنت تصابين بالزكام بسرعة.
سار إلى الحمام بينما ظلت واقفة في مكانها. كان
تلميحه الصريح لتلك الليلة حين تشاجرا ثم تصالحا
ليلة خطوبة إدمون ونيكول، كافيا لجعل الدم يصعد
الى وجهها وقلبها يخفق شوقا.
" ماذا قصدت بذلك التلميح، زيوس؟ "
صعد والدها فقال وهو يراها متسمرة وشاردة
الذهن: - ما بك يا ابنتي؟
ابتسمت لوالدها وقالت: - لا شيء! كنت أفكر كيف
سيبدو المنزل بعد انتهاء العمل فيه.
في صباح أحد الأيام، قال ليون وهو يجذب يد ألانا بعد
الفطور: - تعالي معي بسرعة.
- ما بك يا ليون؟ دعها تفطر بهدوء!
قالتها هيلين بامتعاض فقال ليون:
- لقد أنهت طعامها يا أمي. وإن بقيتِ تطعميها بهذا
الشكل فستعود بدينة كما كانت في طفولتها.
ضربته ألانا على كتفه وهي تسير معه فابتسمت
الوالدتان وهما تذكران طفولة ألانا وليون.
وصلا إلى منزلها الجديد فتقدمت من المدخل وهي
تبتسم بسرور فقال ليون بمرح:
- لقد تقدم العمل فيه كثيرا خلال أيام فقط
فقد عملنا بجد.
طبعت قبلة على خده وشكرته فقال مبتسما بمكر:
- لو رآك زيوس لقتلنا!
أطلقت ضحكة قصيرة وهي تدخل معه من باب المنزل
الرئيسي المفتوح فرأت عاملان يثبتان الزجاج على
النوافذ ثم ظهر دانيال وهو يحمل دلوا كبيرا فيه طلاء.
- صباح الخير.
قالها دانيال مبتسما فردّت التحية وهي تتأمله ببدلة
العمل الملطخة بالطلاء:
- صباح الخير. لا أعرف ماذا أقول وكيف أشكركما!
قال ليون بمرح: - ساعدينا في العمل.
قالت مبتسمة وهي ترفع أكمامها للأعلى:
- أعطني عملا أيها المدير!
بدأت ألانا بطلاء إطارات نوافذ الصالة بينما ذهب ليون
لطلاء جدران المطبخ وذهب دانيال نحو غرفتي
النوم.
أنهت الانا العمل وهمت بالدخول إلى المطبخ كي تطلي
إطار نافذته لكن ليون خرج من إحدى غرفتي النوم
وقال وهو يجذب يدها:
- تعالي لتري ما فعله زيوس. لقد أسرع الى الغرفة
الصغيرة التي ستكون لك وسبقني بطلائها بنفسه
بلونك المفضل!
تقدمت ألانا بخطى سريعة متلهفة نحو الغرفة وعلى
وجهها ابتسامة رضا. رمقت دانيال خلسة وهو يضيف
اللمسات الأخيرة على الطلاء ثم عادت إلى الصالة بينما
ذهب ليون ليكمل عمله في غرفة والديها.
حين أنهت ألانا طلاء إطارا نافذة المطبخ ودخلت الصالة،
كان دانيال يطلي باب مدخل المنزل.
أخذت الفرشاة وبدأت بطلاء حاشية الباب. نظرت إليه
بلهفة وقالت: - شكرا. أصبحت غرفتي رائعة
بعدما طليتها. لكن كيف عرفت أن
البنفسجي لوني المفضل؟
أجاب بلهجة عادية وهو يكمل عمله دون أن ينظر إليها:
- أغلب ثيابك بهذا اللون وتدرجاته..
ثم التفت إليها وأضاف بمكر: - وحتى اسمك، مس
ڤايلت روبرت.
رمقته بدهشة فتلك أول مرة يشير فيها لذكرياتهما في
المعتقل بينما عاد هو لعمله فأكملت هي الأخرى الطلاء
وابتسامة كبيرة تأبى مفارقة وجهها.
" ما نهاية تلك التلميحات والنظرات كابتن زيوس؟ لا
تظن أنها كافية لجعلي أبدأ بالخطوة الأولى! يجب أن
تكون أنت البادئ أيها المتعالي "..
انتهى العمل في المزرعة وفي منزل آل موريس، ولم يبقَ
سوى شراء الخيول ليكتمل ذلك المشروع الصغير.
سافر دانيال ورينيه الى بلدة أخرى لشراء الخيول
فقررت ألانا مفاجأة دانيال بتنظيم حفل
افتتاح للمزرعة. عرضت فكرتها على الجميع فشجعوها.
قالت نيكول: - دعوا لي مهمة تزيين المكان.
وقال إدمون وهو يرمقها بحب ويلمس بطنها:
- وأنا سأساعدك كي لا تتعبي أنت أو طفلي.
أما هيلين وماريان فأخذتا مهمة إعداد طعام الحفل على
عاتقهما.
تساءلت ألانا: - وماذا سأفعل أنا؟
قالت نيكول وهي تمسك يديها بمحبة:
- أنتِ وليون ستهتمان بترتيب منزلك الجديد كي
تنتقلي ووالديك إليه ليلة الحفل، فتكون فرحتان
بدل واحدة.
انهمك الجميع في العمل ونظفت ألانا منزلها الجديد
بمساعدة ليون وهي تتذكر الأوقات الجميلة التي
قضتها مع دانيال وليون وهم يعملون فيه.
دخل إدمون مع رجلين يحملان بعض قطع الأثاث
البسيط. رمقتهم ألانا بدهشة وسألت إدمون: - ما هذا؟
- بعض الأثاث. هدية منا جميعا لمنزلكم الجديد.
التفتت ألانا نحو ليون وقالت: - كنت تعرف!
ابتسم وانحنى ليهمس لها: - سريرك ومرآتك، هدية
من زيوس! لقد اختارها قبل سفره.
ابتسمت وهمست له: - لا اعرف لماذا لا ينطق ذاك
الزيوس!
عند عودة رينيه ودانيال لمنزل آل كارلوس بعد الظهر،
استقبلهم الجميع بالترحيب ثم السؤال عما فعلاه
بخصوص الخيول.
أجاب رينيه بحماس: - حصلنا على مجموعة جيدة من
الخيول وبثمن جيد. دان مفاوض عنيد! لم يكلّ حتى
اشتراها بالسعر الذي أراده.
فكرت ألانا وهي ترمق دانيال " هل ستخبرني
عن عناده يا ابي؟ "
سألت هيلين: - متى ستصل الخيول الى المزرعة؟
أجاب دانيال: - يوم غد.
قالت ماريان: - لا بد أنكما متعبان. سنتناول الغداء ثم
اذهبا للنوم قليلا.
أيدها دانيال: - معك حق يا خالتي. نحن متعبان جدا.
حالما صعد دانيال ورينيه، أسرع الجميع بالعمل.
جهزت ماريان وهيلين وألانا الطعام بينما ذهب ليون
لدعوة الأصدقاء والجيران للحفل ثم ذهب لمنزل إدمون
ليخبره بعودة دانيال ورينيه ليستعد للحفل الليلة.
قبيل المساء، استيقظ دانيال ورينيه وحين نزلا للأسفل
لم يجدا سوى ليون. سأله دانيال: - أين الجميع؟
- في المزرعة. لنذهب فالجميع بانتظارنا.
تساءل رينيه باستغراب: - ماذا يفعلون هناك في هذا
الوقت؟ سيحل الظلام قريبا!
قال ليون: - ما زال الوقت مبكرا. لنسرع إليهم!
همس دانيال لليون: - هل نقلتم الأثاث الى منزل العم
رينيه؟ يجب أن يبيت الليلة في منزله.
أومأ ليون فقال دانيال: - سأعود حالا.
صعد مسرعا الى غرفته ثم عاد وهو يحمل لوحة مغلّفة
وضعها في صندوق السيارة الصغير.
حين وصلوا إلى المزرعة، نظر دانيال ورينيه بإعجاب
للزينة التي وضعتها نيكول على المدخل وعليه لوحة
كتب عليها " مزرعة ميشال ورينيه ".
نظر رينيه بامتنان لدانيال فقال الأخير وهو يدخل
المزرعة بسيارته: - لن أقبل كلمات الشكر ثانية يا
عمي! أردت جمع اسمك واسم أبي، كما اجتمعتما
سابقا.
قال رينيه وهو يشد على يد دانيال:
- لتدوم المحبة بيننا يا ولدي.
تفاجأ دانيال ورينيه بالمدعوين وموائد الطعام
فقال ليون: - أرادت ألانا شكرك يا دان فحضرنا لحفل
افتتاح صغير.
تقدم دانيال ورينيه من عائلتيهما اللتين وقفتا بين
المدعوين.
خفق قلب ألانا وهي ترمق دانيال بلهفة بينما تأملها
بإعجاب وهي ترتدي نفس الفستان الأحمر الذي ارتدته
في حفل خطوبة إدمون.
بعد تلقي التهاني من قبل المدعوين والاحتفال بتناول
العشاء ثم مغادرة الجميع، ذهبت العائلتان إلى منزل رينيه
الجديد الذي يبعد قليلا فقط عن المزرعة.
نظر رينيه حوله فقالت ماريان بمرح:
- الأثاث هدية منزلنا الجديد من رفاقنا القدامى.
دمعت عينا رينيه وقال: - لا أجد كلمات لأقولها!
قالت ماريان بنظرة ودّ:
- الرفاق القدامى لا يعوضون، رينيه!
فهم رينيه رغبة زوجته في البقاء قرب آل كارلوس
دائما فقال: - سنرى حين يأتي الوقت يا ماريان.
قالت هيلين بابتسامة: - لم تروا الحديقة بعد. لقد عمل
الأولاد على ترتيبها بأجمل صورة. بإشراف من ألانا.
قال رينيه بحماس: - لنخرج الآن كي أرى مهارات ابنتي
في التخطيط للحدائق.
- الانا!
ناداها دانيال بعد خروج الجميع فاستدارت نحوه وعادت
أدراجها.
- أريد أن اهديك شيئا.
رمقته بامتنان وتساءلت وهي دامعة العينين:
- الا يكفي كل ما قدمته لنا؟
تقدمها لغرفتها وهو يقول: - كفي عن ترديد هذا
الكلام! ثم إنها هدية خاصة لك.
ترقب قلبها بنبضات سريعة تلك الهدية
الأولى منه وهي تسير خلفه نحو غرفتها الجديدة.
وجدت لوحة مغلفة على سريرها فتذكرت أنه كان
يحملها بحرص حين دخل المزرعة.
- متى وضعتها هنا؟
- عندما كنتم منشغلين بالحديث في الصالة.
فتحتها وهي متحمسة وعلى وجهها ابتسامة سرور وترقب.
- شكرا.
لكن ما لبثت أن تجهّم وجهها وقطبت جبينها حين رأت
لوحة لقطة شيرازية رُسمت بالألوان الزيتية.
التفتت نحوه حيث كان يقف خلفها وسألته بوجه عابس
وهي تتخصّر: - لماذا؟
بسرعة، أدخل يديه من خلال المثلثين الذين صنعاهما
كفاها مع جانبي خصرها.
نظرت إليه بدهشة تستغرب جرأته المفاجئة
بينما همس بشغف:
- لأنك ستبقين قطتي الشيرازية..
رمقته بنظرات مضطربة وجفناها يرفّان فأكمل وهو
يشدها نحوه:
- حتى لو التف قوامك وصار شعرك كالحرير. مع أنه
ما يزال متطايرا قليلا فقط.
تأملته هامسة بلهفة: - دان..
فهمس هو الآخر بشغف: - أحبك يا قطتي المشاغبة!
سألته معاتبة وهي تحيط عنقه بذراعيها:
- لماذا لم تتكلم منذ البداية أيها العنيد؟
قال وهو يلامس شعرها: - في البداية كنت الكابتن
الصارم الذي لا يسمح لعواطفه في التحكم به وانتِ
معتقلة عندي. مع أني كنت أفشل على كل حال في التحكم بعواطفي أمامك.
استحثته ليكمل: - وبعدها؟
تنهد وأجاب: - بعدما عرفت هويتك الحقيقية،
اجتمعت اشياء كثيرة منعتني من البوح بما في
قلبي.
قالت مبتسمة بمكر: - مثل خجلك مما فعلت بي أيها
الكابتن الشرير. وظنك أن ليون يحبني.
رفع حاجبيه وعلّق: - ها أنت تعرفين!
عاتبته بدلال: - ولماذا لم تتكلم بعدها؟
تأملها مليّا وقال بمكر: - ليلة خطوبة إدمون، أفقدتني
صوابي وكدت ابوح لك بكل شيء لكن حين فكرت
حمدت الله على وصول عائلتي تلك اللحظة. لم يكن
الوقت مناسبا أبدا لأبدأ معك علاقة، فقد كنت
موقوفا عن العمل وتنتظرني محاكمة عسكرية. كما
أنك كنت عائدة الى إيرلندا.
- وحين جئت الى باري؟
هز رأسه نفيا وهو يقول: - كيف أتكلم في تلك
الظروف التي كنتم تمرون بها؟ ولم يكن
الوقت مناسبا أيضا حين مكثت وعائلتك في منزلنا.
لامست وجهه وقالت بمكر: - هممم، إذن هذا هو السبب
الذي جعلك تحرص على إصلاح المنزل وانتقالنا في
أسرع وقت!
تأملها بشغف وهو ينزل كميها القصيرين ليلامس
كتفيها فهمست:
- ماذا تفعل؟ هل تريد فعل ما رغبت به ليلة سفري؟
قطب جبينه متسائلا: - ماذا فعلت ليلتها؟
ضحكت وقالت بدهشة: - يبدو أنك كنت ثملا
لدرجة أنك لا تذكر ما قلت! لقد طلبت أن أكون لك
تلك الليلة لكن كنوع من تخفيف ألمك بسبب
إيقافك عن العمل. لذا لم أوافق.
تنهّد بعمق واقترب منها وفي عينيه نظرات مكر وشوق
فجن نبضها وارتجفت شفتاها فهمس:
- وها أنا اطلب هذا وأنا بكامل وعيي لكن بعد
أن نتزوج.
عضت شفتها وهي تبتسم وقلبها يخفق سرورا ثم همست
بمكر عبارة قالتها له في المعتقل في أول مرة ذهبت الى
غرفته:
- في أحلامك أيها المتغطرس!
لوى يديها خلف ظهرها وهمس متوعدا بمرح بينما
كانت تضحك بسرور:
- سأعاقبك بالحبس الانفرادي!
عانقته بقوة وهي تهمس: - أحبك، زيوس!

النهاية

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الطريق الى قلب زيوس - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  Banouta في الجمعة نوفمبر 30, 2018 12:16 am

bounce bounce bounce bounce bounce

Banouta
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 09/11/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى