روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

اذهب الى الأسفل

إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:48 pm

لها في النفس مكانة خاصة، كتلك التي تملكها الأخت الكبرى لدى الوالدة..
قصتي ( إلا نسيانك )
لم تكن أول قصة أكتبها لكنها كانت أول قصة أنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. أضعها بين أيديكم آملة أن تنال رضاكم.
قصة شاب وفتاة نشآ في بيئتين متناقضتين.. لكنها عشقته مع علمها باستحالة تلاقي دروبهما..



الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 3:27 pm

الفصل الأول
وقف (هاشم) عند باب المنزل ككل مساء، يستمع لتوصيات والدته التي يقتلها القلق عليه كل يوم حين يخرج ليلاً. ابتسم محاولا بث الثقة في نفسها والتخفيف من قلقها لكن دون جدوى.
- احذر أن يراك أحد يا ولدي.
- حاضر يا أمي.
أضافت تتأمله بقلق: - وإن استوقفك أحدهم فلا تقف، فقد يكون من رجال الشيخ (أبي ثابت).
عانقته (هالة) وقبلت وجنتيه وهي تقول: - في حفظ الله يا أخي.
ضمته والدته وهي تبكي فقال والده: - كفى ودعيه يذهب يا (هناء) ما دام الطريق آمنا.
قالت هناء باستياء: - أين الأمان وولدي لا يستطيع النوم هانئًا في فراشه؟ منذ عرف أبو ثابت مكان منزلنا وهاشم يقضي الليل في منزل رفيقيه أو منزل خالته خشية أن يقتحم أحد رجال الشيخ منزلنا ويأخذوه.
تنهد (بهجت) بحزن بينما ابتسم هاشم ابتسامته الهادئة وقال:
ـ يجب أن نصبر على الابتلاء يا أمي. سيجعل الله لنا فرَجًا. كما أنني مرتاح جدًا عند رفيقيّ (خصّ شقيقته بنظرة) خاصة في منزل صهري (خالد).
قال بهجت: - خالد و(سامي) نعم الرفاق يا ولدي. مع أن استضافهم لك
مجازفة إلا أنهما أصرا على مبيتك في منزليهما.
قالت هناء بامتعاض: - لو أنه يستمع لكلامي ويبيت في منزل خالته فقط!
قال هاشم:
- لا يمكن يا أمي. يجب أن أغير الأماكن التي أبيت فيها باستمرار كي لا يستطيع رجال الشيخ الوصول إليها كما أنني أشعر بالإحراج في منزل خالتي فليس هناك شاب كي أبقى معه. لذا لا أريد الذهاب كثيرا الى هناك.
اعترضت هناء: - لكن زوج خالتك موجود. كما أن (سراب وسهى) ليستا غريبتين عنك. إنهما ابنتا خالتك.
قالت هالة وهي تبتسم بمكر: - تريدك أمي أن تعتاد على سراب كي
تقتنع بخطبتها.
نهرتها هناء بانزعاج: - وهل يعيب ابنة خالتك شيء كي لا يرضى بخطبتها؟
تنهد بهجت بنفاذ صبر لينهي النقاش في هذا الأمر الذي يعلم انه يضايق هاشم:
- النساء! هل هذا وقت الحديث عن هذه الأمور؟ هيا أسرع يا ولدي.
عانق هاشم والديه وخرج مسرعًا وهو يقول لشقيقته هالة ممازحًا:
- سأبلغ خالد تحياتك.
فابتسمت بخجل لذكر من اقترنت به قبل فترة قصيرة من ذلك الحادث الذي قلب حياة هاشم وعائلته.
ركب هاشم السيارة مسرعا وهو يتلفت حوله ثم سار في طريق غير
مباشرة الى بيت خالد. في الطريق، لاحظ أن هناك سيارة تتبعه فزاد سرعته كي يضللها.
فكر بسرعة واستغل فرصة ابتعاده بمسافة كافية عنها فأوقف سيارته ثم نزل مسرعا وركض في شارع فرعي لكن صاحب السيارة رآه كما يبدو فقد تبعه في الحال.
قفز داخل بيت سياجه منخفض وجلس القرفصاء قرب السياج كي لا يراه أحد.
أغلق هاتفه المحمول خشية أن يرن ثم نهض وسار بحذر ليدور حول المنزل ويقفز إلى المنزل الملاصق من الخلف فيصل إلى الشارع الآخر ويضلل من يتبعه
لكنه اكتشف عدم وجود ممر يؤدي إلى ما خلف المنزل.
أخذ يفكر بارتباك وهو يسير فاصطدم بقطعة حديدية أحدثت ضجة فاضطرب ودعا ألا يستيقظ أصحاب المنزل بسبب ذلك الصوت..
في تلك الأثناء، لمحت صاحبتا المنزل هاشم في الحديقة فقد نظرتا من الشباك بعدما سمعتا الصوت.
قالت الفتاة الكبرى: - لابد أنه لص يا (قمر).
قطبت قمر حاجبيها وقالت: - في هذا الوقت المبكر؟ لا أعتقد يا (مرام).
تساءلت مرام وهي تراقب طيف هاشم: - لماذا إذن قفز لبيتنا برأيك؟
قالت قمر بوجه متجهم كعادتها حين تتكلم عن ذلك الأمر:
- ربما هو أحد الزبائن، قفز كي لا يراه الجيران مثلاً. ألستِ توصيهم
باستمرار بأن لا يراهم أحد وهم يدخلون منزلنا؟ ربما وجد الباب مقفلاً فقفز.
قالت مرام وهي تأخذ سكيناً وتجذب يد قمر: - تعالي لنتأكد.
خرجتا بحذر وهدوء بينما كان هاشم مختبئا في زاوية مظلمة من حديقة المنزل. استدار حين شعر بوخز السكين في خاصرته فتفاجأ برؤية الفتاتين.
قالت مرام مهددة:
- إن تحركت فسأغرسها في جسمك! من أنت، ولماذا قفزت الى بيتنا؟
قال هاشم وهو يرفع يديه ليريها أنه لا يحمل أي سلاح:
- لست لصًا ولا أريد سوءًا يا أختي.
سألته مرام بلهجة حازمة آمرة: - ما قصتك إذن؟
تردد هاشم في إخبارهما الحقيقة لكنه لا يملك خيارًا آخر. وها هي مصابيح سيارة تقترب من البيت. لابد أنها مصابيح تلك السيارة التي تتعقبه.
- أحدهم يتعقبني وقد اضطررت للقفز إلى منزلكما. أنا آسف على هذا التصرف لكنني كنت مضطرًا.
سألته قمر: - لا بد أنك فعلت ما يسوء ليتعقبك.
نظر بقلق نحو الباب وهو يسمع صوت السيارة تتوقف، فصاحبها كان يبحث عن هاشم في المنازل المنخفضة الأسيجة.
- لو أدخلتماني الى المنزل حتى يبتعد الرجل.
رمقته مرام بشك وقالت:
- هو صاحب تلك السيارة التي توقفت، أليس كذلك؟
أجاب بنعم وقد تسلل القلق إلى قلبه مما ستفعله مرام فتساءلت باستغراب:
- كيف أدخلك إلى المنزل؟ هل تظنني حمقاء؟!
زفر هاشم وقال برجاء: - أرجوك يا أختي! ماذا يمكن أن أفعل لكما وأنت تضعين السكين في خاصرتي؟ لو أردت فلتوثقي يديّ كي تتأكدي بأني لن أقوم بإيذائكما.
شيء في عيني هاشم وصوته جعل قمر ترق لحاله وتصدقه. ربما شعرت بروحها النقية بصدقه وهي تراقب ملامحه ونظراته حين تكلم.
- لنساعده. يبدو صادقا.
قالتها قمر لترمقها مرام شزرًا بينما اقتربت خطوات الرجل الذي كان يتعقب هاشم من المنزل.
لا تعرف قمر لماذا فعلت ذلك تلك اللحظة، حين أخذت السكين من مرام وجذبت ذراع هاشم بسرعة ليدخلا المطبخ رغم اعتراض مرام.
هددته بلهجة ضعيفة: - لا تسئ التصرف وإلا صرخت واجتمع الجيران عليك.
لهجة قمر المرتبكة التي كانت أقرب للرجاء منها للتهديد جعلت هاشم يبتسم رغم اضطرابه. دخلا إلى الصالة بينما أسرعت مرام إلى المطبخ وأغلقت الباب.
أطلت من باب الصالة وعنّفت رفيقتها:
- في أي موقف وضعتِنا؟ ما لنا وللمصائب؟
قال هاشم:
- صدقيني يا أختي، لست شخصًا سيئًا. لقد تورطت ظلمًا مع أناس لا ترحم.
تأففت مرام وقالت بانزعاج: - وما ذنبنا نحن لنتورط معك؟
أما قمر فكانت تتطلع إليه، مصدقة ما يقول.
- ماذا فعلت له ليتعقبك؟
استدار نحو قمر ليجيبها: - يشهد الله يا أختي أنني لم أفعل ما يضره هو أو غيره. إنه سوء فهم لكنهم لا يريدون الاقتناع ببراءتي.
قالت مرام بشك وهي تنظر نحو باب المنزل الخارجي:
- لا أحد يعترف بأنه سيّئ. الذنب ليس ذنبك بل ذنب من أدخلتك!
رمقتها قمر باستياء بينما بقيت مرام قرب النافذة، تراقب أضواء السيارة في الخارج حتى ابتعدت فقالت وهي ترمق هاشم بنظرات حادة:
- يكفي ما سببته لنا ولترحل الآن!
رمقتها قمر معاتبة وقالت: ـ لا داعي لهذا الكلام يا مرام! لينتظر قليلاً ثم يخرج فربما يكون الرجل قريبا من هنا.
قالت مرام باستغراب وانزعاج من تصرف رفيقتها:
- ما هذا الاطمئنان والثقة بهذا الغريب؟! ما أدراك ماذا فعل حتى يلاحقه ذلك الرجل؟
لم يجد هاشم بدًّا من سرد مأساته لهما فروى قصته باختصار علّ مرام
تصدقه وتطمئن:
- سأخبركما القصة كي تطمئني. كنت وعائلتي في إحدى المحافظات، في زيارة لأحد أقاربنا. حدثت مشاجرة في سوق البلدة بين ابن أحد شيوخ العشائر في المنطقة وأحد الشباب. حاولت وأبناء أقاربي وبعض الشباب تهدئة الوضع لكن دون جدوى. أخرج الشبان من الطرفين السكاكين وهددوا بعضهم وفجأة استند ابن الشيخ عليّ وقد طُعن بسكين.
كانت قمر تستمع باهتمام وعيناها معلقتان بوجه هاشم بينما مرام ترمقه باستخفاف وعدم اقتناع.
- لم أدرك خطأ ما فعلته تلك اللحظة، حين سحبت السكين من صدره
وأنا أصيح " سيموت الفتى ". لم يصدق والده واقاربه أنني لم أقتله.
وللأسف، ليس لدي شاهد يثبت براءتي فالكل كان منشغل بالعراك. رجل واحد فقط كان يراقب الموقف وذكر أنه رآني مولياً ظهري للمقتول ساعة تلقى الطعنة ولم أقتله.
قالت مرام بسخرية: - قصة جيدة.
بينما قالت قمر: - إذن هناك شاهد على براءتك.
- نعم. لكنه أنكر كلامه حين طلبنا شهادته أمام أهل المقتول ولا أعرف لماذا. ربما خاف من التورط بالمشاكل. وهكذا ظل أهل المقتول مقتنعين بأنني من قتله. إنهم مصرون على الثأر، حتى أنهم لم يتقدموا بشكوى للشرطة
ضدي. ومن وقتها والشيخ يرسل رجاله لتعقبي، وقد عرفوا مكان منزلي
قبل فترة.
قالت قمر بتأثر: - يا له من مأزق!
فقال هاشم بيقين: - إنه اختبار لإيماني وصبري، وأنا واثق بأن الله سيجعل لي مخرجًا منه.
استغربت قمر كلامه واطمئنانه فحدقت به بينما غضّ بصره عنها وقال:
- سأرحل الآن. شكرًا على تعاونكما وأعتذر عن الإزعاج الذي سببته لكما.
اقترحت قمر: - انتظر قليلاً حتى تتأكد من ابتعاد ذلك الرجل عن المنطقة.
هتفت مرام: - دعيه يرحل!
التفتت قمر نحو هاشم الذي أراد الخروج وقالت:
ـ انتظر هنا من فضلك ولا تهتم بما تقوله.
ثم جذبت ذراع مرام المنزعجة بعنف وخرجتا من الغرفة لتقفا في الممر.
قالت قمر بامتعاض: ـ مالك وله؟ دعيه يبقى قليلاً!
كان هاشم يستمع لما يدور من حديث فقد ارتاب من مرام.
قالت مرام وهي ترمق قمر بمكر:
ـ هل أعجبك الرجل؟ تلك عجيبة من عجائب الدنيا، فأنت لا تطيقين أي رجل. أحيانا أخاف أن تهرعي إلى غرفتي وتطردي الزبون فتجعليني أخسر عملي.
قطب هاشم حاجبيه بسبب ما قالته مرام وانتظر سماع المزيد ليفهم الأمر.
قالت قمر بانزعاج: ـ إنه رجل محترم فلا تقارنيه بأولئك الحثالة. إنه
يخجل حين يرفع نظره نحونا ويكلمنا. (أضافت بمرارة) ينادينا بلقب أختي. ترى لو عرف حقيقتنا فهل سينادينا هكذا؟
قالت مرام بانزعاج: - ما له ولنا عرف أم لم يعرف؟ ليرحل فقط ويبتعد بمصائبه.
عبست قمر وقالت بحزم: - لن يغادر الآن.
ثم سارت عائدة إلى الصالة ودخلتها لترى ملامح الدهشة والانزعاج تعلو وجه هاشم وهو ينظر صوبها.
- الكلام الذي سمعتُه بينك وبين رفيقتك، ماذا يعني؟
سألته بقلق وقد تمنت ألا يكون سمع كل حديثهما: - ماذا سمعت؟
أجاب بنفور: - سمعتكما تتحدثان عن الزبائن الحثالة.
قالت بضيق وحزن دون أن تنظر إليه: - يبدو أنك فهمت، فلماذا تسأل؟!
لم يكد يصدق أن هذه هي حقيقة صاحبة هذا الوجه الفاتن البريء.
- يعني.. أنتما..
استدارت وقالت بعينين دامعتين وهي ترى نظرة الاحتقار في عيني هاشم وملامح الغضب التي علت وجهه: - نعم!
همّ بالخروج من فوره فقالت وهي تشعر بالقلق عليه وكأنها تعرفه دهرا ولم تره منذ قليل فقط: - لا تخرج فهذا خطر عليك. قد يكون الرجل قريبًا من منزلنا.
- هذا لا يعنيكِ.
قالها بحدة دون النظر إليها فقالت وهي دامعة العينين:
- قبل قليل جئت لتحتمي بمنزلنا وكنت ممتنا لنا. أما الآن بعدما عرفت حقيقتنا، فأنت تفضل الهلاك على البقاء في بيت سيئات مثلنا.
مازال يبعد بصره عنها حين قال: - لو سمحتِ، أفسحي الطريق لأخرج.
أغلقت الباب وأسندت نفسها إليه وقالت بإصرار:
- لن ادعك تخرج! لقد تجاوزت الساعة الواحدة وبدأ حظر التجوال الآن وخروجك خطر.
سألها بحدة وقد نفذ صبره: - وما يهمك من أمري؟!
لاح في وجهها الحزن وأجابته: - لأن رجلاً محترمًا وملتزمًا مثلك لا يجب
أن يتعرض للأذى. فقليلٌ مَن هم مثلك.
رمقها شزرا وقال: - بل كثير! لكن كيف ستلتقين بمن هم مثلي؟
آلمتها نظرته ونبرة صوته التي تحمل في طياتها الاشمئزاز فقالت بعينين دامعتين: - فعلا! وهل يمكن أن يلتقي الطهر بالقذارة؟
رمقها باستغراب وقال: - وكأنك بريئة طاهرة وأنا أتهمك!
فقالت والدموع في عينيها:
- لم أقل إنني بريئة لكن قسوة نظراتك كسوط يجلدني. لكنك محق فهذا ما تستحقه واحدة مثلي.
مسحت دموعها ثم أضافت بينما رمقها هاشم باستغراب:
- لكن صدقني، مهما بلغ احتقارك لي فلن يكون أكثر من احتقاري
لنفسي.
أدهشه كلامها والصدق الذي شعر به في نبرة صوتها ودموعها، وشعر أنها إنسانة تائهة في قلبها بذرة طيبة لكنها لم تجد من يهديها الى الطريق الصحيح.
شعر أن من واجبه مساعدتها عسى الله أن يهديها فتتوب فسألها باستغراب:
- لماذا تفعلين تلك الأشياء إذن؟
لم تجبه وأشاحت بوجهها الذي احمر بخجل لا يتناسب وواقعها ما جعله يستغرب فقال بلهجة لينة:
- ما دمت تدركين سوء ما أنت فيه وتكرهينه فلتتركي حياة
المعصية إذن، وادعي الله وتوبي ليتوب عليك.
ابتسمت بمرارة وقالت وهي تتأمل ملامحه الهادئة:
- أدعو الله؟! وهل يستجيب لمثلي؟

نهاية الفصل الأول

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 3:29 pm

الفصل الثاني

ابتسمت بمرارة وقالت وهي تتأمل ملامحه الهادئة:
- أدعو الله؟! وهل يستجيب لمثلي؟
قال بثقة ونظرة تشجيع: - ما دمت تدعينه بإخلاص ولا تشركين به شيئا فسيستجيب، ثقي بهذا يا..
غالبت دموعها بصعوبة وهي تنطق اسما لم تنطقه منذ زمن: - (رهف(.
لا تعرف لماذا قفز ذلك الاسم على لسانها. وكأنها أبت أن تقحم اسم
قمر - الذي لازمها منذ تدنست - في حديثهما الذي ملأه الطهر وذكر
فيه اسم الله العظيم.
تركته وخرجت باكية فلاقتها مرام عند باب المطبخ. سألتها بقلق:
- لماذا تبكين؟
جلست إلى طاولة المطبخ وقالت بصوت مخنوق وهي تدمع:
- ما ذلك الاطمئنان والراحة التي يشعر بهما رغم المصيبة التي هو فيها؟ وما تلك الكلمات التي يقولها فتنفذ إلى النفس؟ هل الالتزام بالدين يفعل هذا بالشخص؟
رمقتها مرام بحدة وسألتها: ـ ما بك؟ بماذا تهذين؟ ما الذي فعله لك
ذلك الرجل؟
أسندت رأسها إلى كفيها وقالت: - دعيني وحدي الآن يا مرام أرجوكِ.
جذبت مرام كفيها وهي تقول: - لن أدعك حتى أفهم.
فهتفت رهف: - دعيني!
مع أن رهف هادئة وضعيفة الشخصية نوعا ما بسبب الحياة التي عاشتها منذ صغرها، إلا أنها تملك عنادًا تخسر مرام أمامه. لذا تنهدت وتركتها لتذهب إلى غرفتها.
في تلك الأثناء كان هاشم في الصالة، ينتظر عودة رهف كي تفتح له باب منزلها ليغادره لكن النعاس غالبه فغفى على الكرسي.
ظلت رهف تفكر بحياتها البائسة منذ أدركت الدنيا حتى الآن ولم
تدرك كيف مر الوقت حتى سمعت صوت التسبيح الذي يسبق أذان الفجر الذي تسمعه لأول مرة ربما، فدائمًا ما تكون نائمة في ذلك الوقت من الليل.
تفاجأت بمرور الوقت وأسرعت إلى الصالة لتتفقد هاشم فوجدته يغط في النوم وقد نال منه التعب. اقتربت منه وتأملته فبدا في نظرها كملاك. كان رجلا لم تقابل مثله في حياتها.
مع صوت التسبيح، رفعت رأسها ودعت الله في سرها: " يا رب.. أعرف أنني اغضبك وأعصيك.. لكنني أدعوك أن تهديني وتجعلني طاهرة مثله ".
كبّر المؤذن فشعرت بخشوع لم تظن أنها ستشعر به يومًا. أغمضت
عينيها ففاضت دموعها.
- أول مرة تسمعين فيها أذان الفجر؟
فتحت عينيها على صوته واستدارت لتمسح دموعها فقال:
- لأذان الفجر وقع خاص على القلب والنفس.
استدارت وسألته بعينين دامعتين: - حتى على واحدة مثلي؟
صمت قليلاً ليختار كلماته بعناية ودعا الله أن يوفقه في التأثير عليها قبل أن يقول:
- لو لم يكن في قلبك نقاء رغم معصيتك، ولو لم تكوني نادمة لما نزلت دموعك وخشع قلبك لصوت الأذان. ومادام في قلبك هذا الخشوع فلا
تكفي عن مناجاة الله وطلب الهداية والمغفرة.
نظرت اليه بوجه حزين وسألته وهي تبكي: - أمثلي تناجي الله؟ وهل يغفر لي؟
أجابها بيقين وخشوع: - سبحانه واسع المغفرة! ما دمت تتجهين اليه بقلب خاشع، نادمة على ما فات وعازمة على ترك المعاصي وعدم العودة لها.
كان تأُثُرها يزداد مع كل كلمة يقولها لها. كيف لا وهذه أول مرة في حياتها تستمع لكلام في الدين، وتلتقي بمن يحدثها عنه بهذه الطريقة والصدق؟
فمن استمعت لحديثهم عن الدين سابقا لمرة أو اثنتين في التلفاز كانوا يتحدثون بطريقة متشددة أرعبتها وجعلتها تعزف عن مشاهدة أي برنامج ديني. أما من حولها من عائلتها، فكانوا أبعد ما يكون عن الدين.
- قلبتني كلماتك رأسا على عقب. كأنك نورٌ أرسله الله إليّ.
استغل صفاء نفسها وخشوعها في تلك اللحظة فقال:
- إذن اتبعي هذا النور وافعلي ما سأطلبه منك.
قالت بتسليم وهي تتطلع إليه: - مُرني بما تشاء.
فقال بابتسامة متجنبا النظر لها مباشرة: - الأمر لله. فلتصلي الفجر معي.
تمتمت بخجل: - لا أعرف كيف أصلي.
- إذهابي لتغتسلي بنية التوبة وأنت ترددين الشهادتين، وبعدها سأعلمك الوضوء والصلاة. ارتدي ثوبا طويلا وضعي شالا على رأسك.
أومأت برأسها وأسرعت إلى غرفتها لتجلب ثوبا منزليا طويلا مع وشاح
شفاف ملون. كانت منقادة كليًا إليه وهي تشعر كمن يسير خلف نور
سطع فجأة في وحشة ظلام حالك.
اغتسلت وهي تردد الشهادتين وتدعو الله أن يقبل توبتها، ودموعها تتساقط مع قطرات الماء لتغسل روحها قبل جسدها. لاقتها مرام التي لم تستطع النوم قلقًا عليها في الممر فاستوقفتها لتسألها بدهشة:
- لماذا اغتسلت في هذا الوقت؟ ولماذا تضعين هذا الوشاح؟
لم تجبها رهف واتجهت الى الصالة فنهض هاشم وسار خلفها الى الحمام بينما ظلت مرام ترمقهما بدهشة. وزادت دهشتها حين رأته يعلمها الوضوء.
حين خرجا، سألتها مرام باستغراب وحنق:
- قمر! ما بك تسيرين خلفه منقادة كالمسحورة؟
وجهت رهف لها نظرة استياء بينما سألها هاشم مستغربا: - اسمك رهف أم قمر؟
قالت ترجوه وعيناها تلمعان بالدموع:
- انس هذا الاسم، فأنت آخر من أريد أن يناديني به.
فهم هاشم أن قمر هو اسمها المستعار فأومأ وعاد معها إلى الصالة.
وقفت خلف هاشم الذي لم يكن يعرف اتجاه القِبلة في منزلها فاتجه كيفما اتفق.
- كرري حركاتي من بعدي وردّدي ما أقول في سرّك. إن لم تستطيعي تكرار الكلام فلا بأس. المهم أن تصلي وتقرئي بعدي سورة الفاتحة في أول
الركعة.
دهشت رهف حين وجدت أنها ما تزال تذكر سورة الفاتحة التي تعلمتها في المدرسة ولم تقرأها منذ زمن.
في البداية لم تكن تركز في الصلاة فقد كانت مشوشة لكن بعد قليل، شعرت بخشوع واطمئنان فأغمضت عينيها وحاولت التركيز وهي تبكي وتسأل الله المغفرة.
حين انتهيا من الصلاة، قال هاشم لرهف:
- شكرا على كل شيء، وآسف على هذه الليلة القلقة التي تسببت بها.
كانت مرام ترمقه باستياء بينما رمقته رهف بعينين دامعتين وقالت:
- ماذا تقول؟ أنها أفضل ليلة في عمري كله.
انتاب مرام الفضول لتعرف ما حدث بين رهف وهاشم لتقول هذا.
أتجه هاشم الى باب الصالة فقالت رهف: - لم أعرف اسمك حتى الآن.
قال مبتسما: - اسمي هاشم. في أمان الله.
- مع السلامة.
شعرت رهف بضيقٍ وهي تراقبه يغلق الباب خلفه ويرحل، وكأنها تراقب نور النهار يرحل ليحل محله ظلام حالك سيحتل روحها من جديد.
دقّق هاشم النظر حوله ليتأكد أن لا أحد يتبعه قبل أن يدخل المنزل.
كان والداه بانتظاره كالعادة، وقد أعدت والدته مائدة الفطور ليتناوله
معهم.
دخل هاشم غرفته لينام فظلّت أحداث الليلة الماضية تمر في ذهنه حتى غفى.
بعد ساعات، أستيقظ على صوت والده وهو يقول:
- تبدو متعبا يا هاشم فقد نمت كثيرا.
- آه يا أبي، لقد كانت الليلة الماضية أغرب ليلة عشتها في حياتي.
سأله بهجت بقلق: ـ ماذا حدث يا ولدي؟ هل تبعك رجال أبي ثابت؟
ـ تبعني أحدهم لكنني أفلتت منه بأن قفزت إلى أحد البيوت. وهناك حدث أمر غريب.
وحدّث هاشم والده بما جرى في بيت رهف بالتفصيل، فهو ووالده
أقرب ما يكونان للرفيقين منهما للأب وابنه.
سأله والده وهو يتفحص ملامحه: - أقلت إنها جميلة يا هاشم؟
ردّ هاشم بسرعة وعفوية: - جمالها أخّاذ يا أبي، سبحان الخلاق!
رمقه والده بريبة وقال رافعا حاجبيه: - يبدو أنك نظرت إليها جيدا.
تلعثم هاشم ونفى:
- كلا يا أبي! لقد كنت أشيح بنظري عنها باستمرار.
ضحك بهجت وقال: - الحمد لله الذي أعانك على هوى النفس والفتنة.
أومأ هاشم برأسه ونهض ليهرب من الاستمرار في الحديث قائلاً:
- لابد أن الحاجّة هناء أعدّت لنا الغداء الآن. لنذهب ونأكل فأنا جائع.
أستمر هاشم في المبيت عند رفيقيه ليلاً حتى انتقل وعائلته إلى منزل آخر بعيد عن منزلهم القديم.
ومن حين لآخر كان هاشم يتذكّر رهف وتقفز صورة وجهها الحزين الى ذاكرته فيتساءل ان كانت تركت حياة الفساد التي كانت تعيشها أم لا؟ وهل بقيت على توبتها أم أن صلاتها خلفه كانت مجرد حدث ضمن أحداث تلك الليلة الغريبة بالنسبة لها ولم تؤثر بها الا لوقت قصير؟  
لكن رهف لم تعد المرأة نفسها بعد تلك الليلة! ما شعرت به تلك الليلة غيّرها كليًا فما عادت قادرة على الاستمرار في حياتها السابقة، ضائعة دون
هدى ومبتعدة عن طريق الله.
وقفت مرام عند باب غرفة رهف لتسألها:
- ما بك يا قمر؟ منذ التقيت ذلك الرجل بالأمس وأنتِ في عالم آخر. اغتسلت وصليت خلفه ثم حبست نفسك في غرفتك ورفضتِ إخباري بما حدث.
تذكّرت رهف نظرة الاحتقار التي رماها بها هاشم حين عرف حقيقتها فأخذت تبكي فجلست مرام قربها.
- ما بك يا قمر؟ انت تخيفينني عليك!
هتفت وهي تبكي: - ليتني متت قبل أن أصبح قمر! لا أريد أن تناديني بهذا الاسم ثانية.
قالت مرام بنفاذ صبر: - لو تخبرينني فقط بما حدث أمس حتى انقلب
كيانك هكذا!
قصّت رهف على صديقتها ما جرى بينها وبين هاشم ثم قالت وقد عاودها ذلك الشعور الرائع بالطمأنينة والخشوع وهي تتذكر كلمات هاشم:
- لقد فتح عينيّ على أشياء ما كنت أراها. وكأنه نور أرسله الله إليّ لينقذني! إنه أول رجل أشعر أمامه أنني بشر لا مجرد أداة للمتعة.
قالت مرام ساخرة:
- وليتك كنت! طالما كنت أداة لإثارة اكتئاب الرجال الذين اقتربوا منك بسبب بكائك الذي جعلهم يهربون منك.
أغمضت رهف عينيها بقوة وتمنت لو أن ذاكرتها تُمحى لتنسى تلك
الأوقات أو لو أن حياتها تمحى من الأساس.
- أرجوك لا تذكري تلك الأوقات يا مرام!
قالتها رهف بصوت متهدج فتنهّدت مرام وقالت وهي تضمها: - آسفة.
كانت رهف دائمة التفكير بهاشم فهو سبب تقربها من الله وسيرها في طريق الهداية. وكم دعت له بالخير لأنه كان سببًا في خلاصها. ولتتعلم الصلاة وتداوم عليها، اشترت بعض كتب تعليم الصلاة والأحكام الشرعية.
جلست مرام قرب رهف وسألتها وهي حزينة لحالها:
- ما نهاية ما أنت فيه يا رهف؟ لماذا تبكين طوال الوقت؟ أنت على هذا
الحال منذ أكثر من شهرين.
قالت رهف والدموع في عينيها:
- أبكي أيامًا ضاعت في المعصية وطهرًا وبراءةً لن يعودا. أبكي بسبب تلك القذارة التي لوثتني.
هتفت مرام بعصبية: - اف! قذارة، قذارة. كفى يا رهف!
تساءلت رهف بحنق وهي تتألم لبقاء رفيقتها على المعصية:
- لماذا أكف؟ أليس ما حصل لنا ولأمثالنا قذارة؟ تباع أجسادنا لأجل حفنة من المال.
نهضت مرام وقالت بعصبية وهي تخرج: - كفى! فلتفعلي ما تريدين
ولكن لا تمزقي قلبي بهذا الكلام فيكفيني ما أحتمل.
استطاع رجال الشيخ أبي ثابت الاستدلال على منزل الحاج بهجت، وعاد هاشم للمبيت في بيت سامي وخالد كالسابق.
قال هاشم بحزن وهو جالس وسط عائلته: - آسف لكل ما تتعرضون له بسببي.
قالت والدته محتجة: - كف عن هذا الكلام!
لكنه قال بأسف: - لقد اضطررتم لتغيير المنزل بسببي وتحملتم أشياء كثيرة لأجلي.
قال بهجت بامتعاض: - وهل لنا أغلى منك؟ المهم أن تكون آمنا.
وقالت هالة وهي تشد على ذراعه: - كل شيء يهون في سبيل سلامتك.
ابتسم لها وهو يربت على كفها وقال: - ليحفظكم الله لي.
- ويحفظك لنا يا أخي.
وفي أحد الأيام حين وصل هاشم إلى منزل سامي وترجل من سيارته، تفاجأ بطلق ناري يصوب نحوه. ارتبك وأسرع بالعودة إلى السيارة لكن إحدى الطلقات أصابت ساقه اليسرى أسفل ركبته من الخلف. أسرع بركوب السيارة وقادها بسرعة ودون هدى في الشوارع، محاولا التخلص ممن يتعقبه.
رنّ هاتفه المحمول بعد قليل ورنّ مرتين أخريين لكنه لم يستطع أن
يجيب فقد كان منشغلاً بتضليل تلك السيارة.
شعر بالإجهاد جراء استخدام ساقه المصابة في القيادة وفكر في مكان يتجه إليه.
" ما داموا استدلوا على منزل سامي فلا بد أنهم استدلوا على منزل خالد، وربما بيت خالتي (إقبال) أيضًا. هل أعود لمنزلي؟ لكن ماذا لو ذهبوا إلى هناك واقتحموه ليأخذوني؟ فهم على ما يبدو عازمون على قتلي الليلة أو أخذي إلى الشيخ أبي ثابت. يجب أن أذهب إلى مكان جديد لم أتردد عليه يومًا. لو أن مفتاح المحل معي لذهبت إلى هناك! "

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 3:41 pm

الفصل الثالث
رنّ هاتف هاشم فأجاب وقد تخلص أخيرًا من ملاحقة السيارة له:
ـ نعم يا سامي؟
جاءه صوت سامي قلقا: - هل أنت بخير؟! سمعت إطلاقات نارية قرب منزلي قبل فترة. هل كانوا رجال أبو ثابت؟
أجاب هاشم وهو يتألم: - نعم، كانوا هم.
سأله سامي بقلق: ـ هل أصابك مكروه؟
ـ أصيبت ساقي برصاصة.
زاد قلق سامي وسأله: ـ ماذا ستفعل الآن؟ أخشى أن يكونوا بانتظارك إن
عدت إلى منزلي أو ذهبت إلى منزل خالد أو منزل خالتك.
ـ سأحاول إيجاد حلّ. المهم أني ضللت تلك السيارة التي تبعتني.
ـ آسف يا رفيقي لأني لا أستطيع إرسالك إلى منزل أحد أقاربي أو معارفي فهم لن يقبلوا التورط في الأمر.
ـ لا تعتذر يا سامي. يكفي أنني ورطتك أنت.
هتف سامي بحنق: ـ لا تتفوه بالحماقات! أنا أفديك بروحي.
- سلمت روحك يا صاحبي. احذر من رجال أبي ثابت.
ظل هاشم يسير في الشوارع ويتوقف لفترات قليلة كي يريح ساقه
المصابة التي نزفت كثيرًا.
بدأ حظر التجوال فأخذ هاشم يسير في الشوارع الفرعية ليتجنب محاسبة الدوريات حتى خطرت على باله فكرة الذهاب لبيت رهف فقد ساندته تلك المرة وتعاطفت معه رغم معارضة صديقتها. إنه الحل الوحيد أمامه فهو لا يستطيع البقاء في الشارع أثناء منع التجوال وبتلك الساق المصابة.
رنّ هاتفه فأجاب فجاءه صوت سامي:
ـ كيف حالك؟ لا بد أنك مجهد بسبب إصابتك. هل وجدت مكاناً تقضي فيه الليلة؟
قال وقد حزم أمره: ـ نعم. شخص ساعدني من قبل وأنا أثق به.
سأله سامي بقلق: ـ هل أنت متأكد من أنه محل ثقة؟
ـ نعم. وأنا قريب من المكان الآن.
ـ حسناً. كلمني بعدما تصل كي أطمئن.
استطاع هاشم تذكر مكان المنزل بعدما سار لمسافة في الشوارع الفرعية فوصل إلى منزل رهف ومرام وهو منهك. بعد عدّة طرقات على الباب الخارجي أطلت رهف ومرام من شباك المطبخ وهما متوجستان فرفع هاشم يده ونادى:
ـ هذا أنا هاشم. هل تذكرتماني؟
أشرق وجه رهف بابتسامة بينما سألته مرام بانزعاج وقد تذكرته:
ـ ماذا تريد وأيّ مصيبة جلبت معك هذه المرة؟
فتحت رهف الباب بسرعة وهي تتجاهل اعتراض مرام وأسرعت نحو
الباب الخارجي.
تألق وجهها بابتسامة وحبست المفاجأة الكلمات في فمها.
- آسف لمجيئي لكنني مضطراً لذلك.
قالت رهف بصوت ينم عن سعادتها: ـ لا تقل هذا! تفضل.
سبقته إلى المطبخ فلم تنتبه لتثاقل مشيته.
سألته مرام وقد أزعجها حضوره للمرة الثانية إلى منزلها:
- ماذا هناك، هل يطاردونك ثانية؟
قالت رهف بانزعاج: - دعيه يدخل أولاً!
حين رأت رهف مشيته المتثاقلة ووجهه الشاحب سألته بقلق:
- ما بك يا هاشم؟
أجاب وهو يستند إلى باب المطبخ وقد أعياه التعب: - أصبت برصاصة في ساقي.
شهقت ونظرت إليه بفزع بينما قالت مرام بقلق: - لماذا تريد توريطنا معك؟
قالت رهف وهي ترمقها بغضب:
ـ أدخل إلى الصالة وسأحضر أدوات التعقيم بسرعة.
تقدمته مرام مرغمة الى الصالة وفتحت المصباح.
دخلت رهف تحمل أدوات التعقيم ثم جثت قربه ورفعت سرواله لِترَ الاصابة فشهقت وأخذت تسأله بلهفة دون أن تترك له مجالا ليجيب:
- هل تؤلمك؟ هل نزفت كثيراً؟ قتل الله من أصابك.
قالت مرام وهي تستغرب لهفتها الشديدة عليه ونظراتها التي عبرت عن الكثير:
- دعيه يتكلم ليجيبك!
رمقت مرام معاتبة وقالت: - من فضلك، أحضري له الماء.
قال هاشم مبتسما رغم الألم الذي يشعر به: - أنا بخير!
نظرت اليه بعينيها القلقتين وتساءلت:
- كيف بخير؟ يبدو أنك نزفت كثيراً. هل تشعر بدوار؟
أومأ برأسه إيجاباً واستغرب هو الآخر لهفتها عليه.
ـ سلمت من كل سوء. ماذا حدث، كيف أصِبت؟
ـ استدل رجال الشيخ أبو ثابت على منزل رفيقي الذي أبيت عنده ورموني
بطلق ناري حين نزلت من السيارة أمام منزل صديقي.
أنزعته حذاءه فقال وهو مُحرَج: - دعيه ارجوك! أستطيع القيام بالأمر.
لكنها أصرت: - أرجوك، ابق مرتاحا. لماذا لا يصدقون أنك بريء؟ وهل مثلك يَقتُل؟!
أنزعته جوربيه فقد كان جوربه الأيسر مشبعا بالدم، وبدأت تعقم له الجرح رغم ارتجاف يديها ثم ربطته له برباط طبي معقم وبعدها مسحت الدماء عن ساقه بقطعة قماش رطبة.
قال هاشم وهو يشعر بالإحراج والامتنان: - أشكرك، وأعتذر عن
إزعاجكما.
لمعت عيناها وهي تنظر إليه وقالت بلهفة:
- لا تقل هذا أرجوك! لو أعطيتك حياتي فهي قليلة عليك.
دخلت مرام تحمل وسادة وغطاءً، وقالت وهي ترمق رهف بامتعاض:
- هيا كي ننام يا رهف، وليرتاح هو أيضا.
أخذت من مرام الغطاء والوسادة ورتبتها له على الأريكة بينما سبقتها مرام بالخروج.
اتصل هاشم بسامي وطمأنه عن حاله فقال له سامي:
ـ اتصل بخالد كي تطمئنه عليك فقد أخبرته بما حدث لك.
سأله هاشم معاتبًا: ـ لماذا أخبرته يا سامي؟!
ـ ليأخذ حذره من رجال أبو ثابت فلا بد أنهم استدلوا على مكان منزله.
ـ سأكلمه الآن، مع السلامة.
اتصل بخالد الذي ردّ عليه بلهفة: - مرحبا. كيف تشعر الآن؟
- الحمد لله. أفضل مما كنت في السيارة.
- هل الجرح عميق؟
ردّ هاشم وصورة رهف وهي تعقم له الجرح في خياله: - لا أظن.
قال خالد بارتياح: - الحمد لله. غدا سأمر لآخذك الى طبيب من معارفي.
دخلت رهف غرفتها لتجد مرام بانتظارها جالسة السرير.
- ما قصتك معه يا رهف؟!
جلست قرب مرام وأشرق وجهها وهي تجيب:
- لا أعرف. لحظة رأيته عند الباب طرت فرحا وشعرت أنني اشتقت إليه. وكأنني كنت أنتظر رؤيته منذ فارقته.
تساءلت مرام: - والمعنى؟!
أكملت رهف وقلبها يدق بنغمة رائعة غيرت معزوفة حياتها البائسة:
- إحساسي نحوه اختلف. لم أره شخصاً هُديت على يده فحسب.. بل رجل ملك قلبي دون أن أعرف كيف ومتى.
قالت مرام بقلق: - هذا ما خشيته حين رأيت نظراتك نحوه. سيشقيك
حبه يا رهف!
لم ترد رهف مناقشة رفيقتها في كلامها الذي تدرك مدى صحته فقالت لتهرب من النقاش: - اخلدي للنوم فقد تأخر الوقت (تمددت على السرير) واطفئي الضوء حين تخرجين.
رمقتها مرام بصبر نافذ وتمتمت: - تجلبين لنفسك العذاب.
صحت رهف من نومها وذهبت لتطمئن على هاشم.
فتحت الضوء وتأملته وهو نائم. كان وجهه محمراً يدل على ارتفاع حرارته فلامست جبينه لتجده يشتعل من الحمى بسبب الجرح.
أسرعت بإحضار إناء ماء ومناشف صغيرة ثم جلست قرب الأريكة على
الأرض وبدأت بوضع الكمادات على جبينه وكفيه.
تمتم بكلمة أبي واسم هالة فعبست وهي تظن أنها حبيبته أو خطيبته.
استمرت بوضع الكمادات له وغطته جيدا فقد كان يرتجف.
بعد فترة تعرّق كثيرا فأبعدت الغطاء عنه لكنه ظل يتململ فأخذت منشفة جافة لتجفف له عنقه.
حدقت به وهي تفكر أنه أكثر الرجال وسامة. وهل قابلت في حياتها رجلاً غيره أساساً؟! فكل من التقتهم قبلا لم يرتقوا في نظرها حتى لمستوى الحشرات.
تنفست بعمق واستغفرت الله واستعاذت من الشيطان ثم أخذت تجفف العرق عن عنقه ووجهه وهي تتأمل ملامحه لتطبعها في ذاكرتها.
وبينما هي كذلك، فتح هاشم عينيه.
أبعدت وجهها ويدها بسرعة وقالت ترد على تساؤل عينيه:
- تعرقت كثيراً فجففت لك العرق بالمنشفة.
أعتدل في جلسته بينما أسرعت هي بحمل أناء الماء وذهبت إلى المطبخ ثم عادت بعد فترة ووضعت الطعام امامه لكنه قال مبتسما مجاملة:
- لماذا أتعبت نفسك؟ لا رغبة لدي بتناول الطعام.
قالت بإصرار: - يجب أن تأكل جيدا فأنت مصاب.
- لا اريد.
من إصراره على عدم الأكل والأحراج الذي ظهر على وجهه، عرفت
رهف سبب عدم تناوله الطعام فقالت بحزن:
- لا تريد أن تأكل طعاما من مال حرام.
أشاح بوجهه عنها وقال: - لا أريد جرح مشاعرك لكن هذا حكم الدين.
أومأت برأسها وأعادت الصينية الى المطبخ.
بعدما صّلت وتلت بعض سور القرآن، ذهبت لتطمئن على هاشم ثانية. كان مستيقظا فدخلت وجلست على الكرسي أمامه.
- كيف هي اصابتك الآن؟
- بخير، الحمد لله.
ـ ظننتك غارقاً في النوم فأنت متعب.
ـ أنا معتاد على الاستيقاظ في هذا الوقت لأصلي الفجر.
ثم سألها متمنيا جوابها بنعم:
- هل داومتِ على الصلاة بعد تلك الليلة التي التقينا بها؟
أجابت بتأثر: - لقد تبت إلى الله منذ تلك الليلة، وقضيت الليالي ندماً على ما فات.
قال بسرور وابتسامة مشرقة: ـ فليثبتك الله على الطاعة.
استرسلت في سرد التفاصيل وقلبها يخفق لسروره واهتمامه:
- لقد اشتريت كتبا لتعليم الصلاة وباقي الفرائض فأنا لا أعرف شيئاً منها. وما تعلمته في المدرسة نسيته الآن. لقد أفادتني تلك الكتب كثيرا.
سألها بتردد: - وأهلك، ألم يعلموكِ شيئاً عن الدين؟ أين هم؟
وكيف تركوكِ في ذلك الوضع؟
ابتسمت بمرارة ولمعت عيناها بالدموع وهي تقول:
- وعيت الدنيا وانا يتيمة الأم ووحيدة أبي. زوجة أبي عاملتني بقسوة وكره وانتقام بسبب ذنب لم أقترفه ولا أعرفه. حتى دراستي لم تدعني أكملها بعدما أنهيت المرحلة الإبتدائية. وأبي لم يكن يعنيه من أمري شيء، فهو لا يعرف من دنياه غير القمار الذي كان مدمنا عليه وظل يستدين بسبب خسارته فيه. ذات
صباح، أحضروا جثته إلى البيت بعدما قتله أحد الرجال الذين استدان منهم حين عجز عن سداد الدَّين.
أطلقت حسرة وقد بدأت دموعها تتجمع في عينيها وأكملت:
- حين توفي أبي، كنت في الثامنة عشر. بدأت زوجة أبي بأخذي معها إلى صالون الحلاقة النسائي الذي كان وكرا لأعمالها القذرة. بعد فترة وذات ليلة، أخذتني الى منزل متطرف فخم.
بدأت ملامحها تتوتر وزاد الاختناق في صوتها فخمّن هاشم بقية الأحداث فقال:
- لا تكملي مادام هذا الحديث يؤلمك.
لكن مع اضطرابها دفعت شعرها للوراء بتوتر واكملت:
- استقبلنا رجل.. ناولها مبلغا كبيرا من المال فانصرفت وتركتني معه..
لم تعد قادرة على الكلام وأجهشت بالبكاء فغرقت عيناه فاستدار عنها.
بعد قليل عاودت الكلام بصعوبة:
- لن أنسى ذلك اليوم أبداً! ما زلت أسمع صرخاتي وضحكاته المجنونة. ما زلت أحس بصفعاته على وجهي لأكف عن الصراخ. ما زلت أشم رائحة الشراب الكريهة في فمه. كم توسلت إليه! كم استحلفته بالله وقبلت يديه وقدميه كي يتركني!
كانت تشهق وترتجف فقال لها بصوت مخنوق: - اهدئي يا رهف!
كبّر المؤذن فأسدل جفنيه ودعا لها بقلب خاشع وصوت مسموع:
- اللهم ثبّتها. اللهم اغنها بحلالك عن حرامك. اللهم تقبّل منها حسناتها وتجاوز عن سيئاتها.
كانت تؤمن على دعائه بصوت باكٍ ثم دعت في سرها " اللهم اجعل
هاشم من نصيبي ".
مسحت دموعها بعدما هدأت قليلا فسألها: - وأين زوجة ابيك الآن؟
قالت بِكُرهٍ شديد: - ماتت قبل سنة. ليتها تموت ألف مرة أبشع ميتة.
تساءل محتارا تناقض نقمتها على واقعها واستمرارها فيه:
- ولِما لم تتركي ذلك الطريق بعد موتها وتخلّصك من سيطرتها؟
نهضت واستدارت عنه ثم أجابت والخجل يلون وجهها لتسرد أحداثا
لم تخبره بها في المرة الأولى:
- بعدما باعتني زوجة أبي لذلك الرجل، بقيت طريحة الفراش لفترة
بسبب انهيار عصبي أصابني. وحين تحسنت..
عادت أنفاسها للتوتر وبدأت العروق تنبض في رأسها غضبا وهي تذكر ما فعلته زوجة أبيها بينما كان هاشم يستمع باهتمام.
- جلبت لي زبونا آخر. وحالما اقترب مني بدأت بالصراخ فخرج ليصب غضبه على زوجة أبي وغادر وهو يتوعدها ويلعنني. قدمتني بعدها لعدة زبائن، وانتهى الأمر كالمرة السابقة. كانت لمساتهم كسياط تنزل عليّ. كنت أشعر بالغثيان وأنا أشم رائحتهم حتى وإن كانوا يضعون أفضل العطور. أبدأ بالبكاء والصراخ بلا شعور حين يقتربون مني فيخرجون وهم يلعنونني ويقسمون على عدم طلبي ثانية. حتى طلبني ذلك الرجل مرة أخرى..
انهارت بالبكاء فعرف هاشم أن مأساتها تكررت مع ذلك الفاسق عديم
الرحمة.
سألها هاشم مستغربا ومتألماً لحالها البائس:
- أليس لك أي أقارب لتحتمي بهم فيخلصوك من زوجة أبيك؟
هزت رأسها نفيا لتقول: - منذ صغري وأنا أسمع عن نبذ عائلة والدي له. ربما كانوا عائلة طيبة فتبرأوا منه بسبب تصرفاته. أما أهل والدتي فقد انقطعت صلتهم بنا منذ وفاتها.
ابتسمت من خلال دموعها لتضيف:
- مرام هي كل من لي في الدنيا. كانت تعمل تحت إمرة زوجة أبي قبل أن تستقل عنها. كان قلبها يتقطع حزناً عليّ وترجو ألا أنحدر في الطريق الذي
سارت هي فيه. وحين سمعت بما حدث لي للمرة الثانية وبسوء حالتي
الصحية، أخذتني عنوة من زوجة أبي بمساعدة أحد زبائنها من ذوي السلطة لأعيش معها.
مع كل حَرَجه وانزعاجه وهو يستمع لتلك التفاصيل المحرجة في حياتها السابقة، شعر بفضول لمعرفة ما حدث لها بعد ذلك. وهل أنها بقيت نقية كما كانت أم انجرفت في طريق الرذيلة،خاصة وأنها تعيش مع امرأة تسير في ذلك الدرب.
سؤال متردد أطلقه صوته المضطرب وهو يتطلّع إليها حيث تقف:
- وبعدها؟

نهاية الفصل الثالث

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 3:48 pm

الفصل الرابع
سؤال متردد أطلقه صوته المضطرب وهو يتطلّع إليها حيث تقف:
- وبعدها؟
قالت بابتسامة حانية ناقضت دموعها:
- لو أن أمي ما تزال على قيد الحياة، لما عاملتني أفضل من مرام. كانت أماً وأختا كبرى حنون. لم تجبرني أو تقنعني بشيء لا أريده رغم كثرة العروض التي تلقّتها بمبالغ طائلة من أولئك الحثالة الذين تعرفهم كي تقنعني بمواعدتهم.
لم يكد يصدق صحة براءتها لكثرة ما وصفت نفسها وحياتها السابقة
بالقذارة، ولكثرة احتقارها لنفسها وكل ما قالته في لقائهما الأول.
لذا تجاوز حَرَجَه والتزامه المعتاد حين يخاطب النساء - وهل في علاقته بها شيء كما اعتاد؟ - وسألها ليتأكد مما فهمه من حديثها:
- أي أن ذلك الرجل.. هو الوحيد..
ترك جملته معلقة حياءً فأومأت برأسها إيجابا.
شعر بارتياح، وفكر بمدى نقاء روحها التي جعلتها تصور نفسها كخاطئة تمارس الرذيلة لمجرد أن شرفها انتهك من قبل سافل لا يخشى الله ولا يعرف للإنسانية معنى. قال أخيرا باستغراب وسرور:
- لقد ظلمتِ نفسكِ وقسوتِ عليها كثيرا!
استدارت نحوه مستغربة كلماته وابتسامته فتساءل:
- كيف تساوين نفسك بمن تمتهن الرذيلة لمجرد أن سافلا لا يخاف الله ولا يتحلى بذرّة من الإنسانية قد استباحك؟
قالت وهي ناقمة على نفسها: - لكن شرفي تلوث وعشت في ذلك المجتمع الفاسد بعيدة عن الله والدين، ولم أغير هذا.
رفع حاجبيه استغرابا وتساءل:
- وهل يتلوث الشرف حين يستباح عنوة؟ ثم كيف تقولين أنك لم تغيري واقعك؟ ماذا عن محاربتك زوجة أبيك وحيدة بشجاعة حتى أنقذتك صديقتك، لتحفظي نفسك من الانجراف في ذلك الطريق؟ أما الدين،
فكيف لك أن تعرفي شيئا عنه وقد نشأت في تلك البيئة الفاسدة؟
لكنك سلكت طريق الله سبحانه حالما وجدت من يرشدك إليه.
كانت رمقته بنظرات جمعت عشرات المعاني، وقلبها يخفق حبا وولها وهي تستمع إليه ثم همست بصوت مضطرب كمن يكلم نفسه:
- أأنت حقيقي؟ أم أن خيالي المنهك الذي عانى معي طوال عمري الشقاء والعذاب، يصورك لي كي يواسيني؟
أي رجولة وطهر تجسدت في من يقف أمامها؟! وأي نقاء وبراءة اجتمعت في من تحدق به بتلك النظرات التي هزت روحه كما لم يحدث له من قبل؟!
رنّ هاتفه وكأنه جرس إنذار يوبخه لإطالة نظره إليها وشرود عقله معها.
خرجت من الغرفة فرد على اتصال والده.
- ما اخبارك يا ولدي؟ لا أعرف لماذا انتابني القلق عليك الليلة.
تساءل هاشم مبتسما: - ما هذه الفراسة يا أبي؟
قال بهجت بقلق: ـ إذن فقد حدث ما يسوء بالفعل!
وانهالت عليه أسئلة والده فأخبره هاشم بسرعة عمّا حدث.
سأله بهجت: - أين أنت الآن؟
- في منزل الفتاة التي اختبأت عندها مرة حين تبعوني بالسيارة. الفتاة التي حدثتك عنها.
سأله بهجت بانزعاج: - ولماذا ذهبت الى منزلها؟
ـ كان الخيار الوحيد لديّ، فقد بدأ حظر التجوال وقد شعرت بتعب
شديد بسبب الإصابة. إلى أين كنت سأذهب؟ خشيت أن يكون رجال أبو ثابت قد استدلوا على كل الأماكن التي أتردد عليها، ولم أكن أملك مفتاح المحل.
تنهّد الحاج بهجت وقال:
- الآن سأقلق بسبب إصابتك ومكانك أيضا.
ضحك هاشم وما يزال شعور الفرح يلازمه ثم قال:
- لا تخف يا أبي فأنا بخير. كما أن هناك الكثير مما اكتشفته الليلة في حديثي مع الفتاة.
سأله بهجت بصوت قلق: - ماذا هناك؟
-  سأخبرك بكل شيء حين أعود يا أبي.
قال بهجت محذرا:
- على كل حال، احذر الفتنة يا ولد. سأقفل الخط الآن فيبدو أن أمك قد جاءت. لقد انتهزت ذهابها لتتوضأ فاتصلت بك. لم أرد أن تقلق عليك.
- حسنا، مع السلامة يا ابي.
حين صلّت رهف الفجر خلف هاشم، دعت أن يثبتها الله على التوبة، وطبعاً دعت ان يكون هاشم من نصيبها. سألته وهي تطوي سجادة الصلاة:
- حدثني عنك قليلا. ماذا تعمل يا هاشم؟
- لدى ابي محل لبيع الهواتف النقالة في شارع {...}.
ـ هل بقيت تديره مع والدك بعد الحادث؟ أعني أن في ذلك خطر
عليك.
ـ لم أذهب إليه بعد الحادث. لكن المكان هناك آمن الآن، فقد تم حديثا افتتاح مركز للشرطة بالقرب منه. حتى أنني أفكر
بالبقاء في المحل خلال الفترة القادمة.
ـ لكن الأشخاص الذين يسعون وراء الثأر لا يهتمون إذا ما وقعوا بيد
الشرطة أم لا!
ـ الشيخ أبو ثابت يهتم. إنه يريد لولده الكبير ثابت وأبناء أشقائه
أن يثأروا مني دون أن تمسكهم الشرطة. فهو لا يريد خسارة رجل
آخر بسببي.
قالت بانفعال: ـ فليكونوا فداءً لك! لماذا لا تأخذون تعهداً بعدم
التعرض على ذلك الشيخ؟
ـ لقد حاولنا لكن لا يوجد مبرر قانوني لذلك، فهو لم يتهمني
بقتل ولده رسمياً ولا يوجد دليل على أن من يلاحقونني هم رجاله.
تنهدت بحزن وقالت:
- فليفرج الله عنك هذا الكرب ويظهر براءتك.
ـ آمين. سيمر صديقي لأخذي من هنا بعد السابعة والنصف صباحا.
آسف لتأخري في المغادرة وآسف على ما سببته من إزعاج.
تأملته بلهفة وهي تقول:
ـ على ماذا تعتذر؟! سأظل ممتنة للقدر الذي جمعني بك. لقد
شعرت معك انني إنسانة حقا لأول مرة. وأحسست بخشوع وخوف
من الله، ما ظننت أن قلبي سيحسّه يوما.
لم يعرف ما يقول أمام ذلك الكلام فصمت وأبعد نظره عنها
فخرجت من الصالة وهي دامعة العينين.
عند السابعة صباحا، أحضرت رهف أدوات التعقيم لتغير لهاشم
الضمادة. جثت قربه وتفحصت الجرح فقالت بقلق:
- لقد نزف الجرح كثيرا. حتى أن الضمادة تشبعت بالدم وسال
بعضه على ساقك.
مسحت ساقه بقطعة قماش مبللة وهي تتمتم:
- وتقول إنك بخير!
ابتسم وقال بمرح: - إنها بضع قطرات! لم أفقد كل دمي.
شهقت وهي ترمقه بلهفة: - حماك الله!
وأكملت في نفسها " فدت روحي كل قطرة من دمك "
سألته والفضول والغيرة ينتابانها:
- يبدو أنك تحب والدتك كثيرا فقد كنت تذكرها وأنت
محموم. وذكرت اسم.. هالة. هل هي خطيبتك؟
لم يعرف هاشم لِما كاد يبتسم وهو يرى ملامح الغيرة على وجهها.
أخفى ابتسامته وهو يجيبها: - إنها اختي الصغرى.
أشرق وجهها وارتاحت ثم سألته:
- هلا أعطيتني رقم هاتفك؟ كي أطمئن عليك بين فترة
وأخرى.
أجاب بحزم كي لا تتعلق بالأمل: - لا داعي لذلك.
فأومأت بالموافقة بوجه حزين.
رنّ هاتفه فردّ على خالد: - أهلا.. حسنا، سأخرج اليك.
ظهر الحزن على وجهها كما ملأ قلبها لقرب رحيله.
نظرت الى القلادة الصغيرة التي في عنقها. قلادة فضية باسم
الجلالة اشترتها حين كانت تبحث عن كتب دينية. خلعتها
وقالت له بينما كان يرتدي سترته:
- اقبلها كذكرى مني.
أخذ القلادة وقال يوصيها بينما كانت تحدق بوجهه مصغية:
- عديني أن تواظبي على الصلاة، وخاصة فرض الفجر. وحاولي أن
تجدي عملا يكسبك الرزق الحلال فكما فهمت، مرام من تنفق
عليك.
بدا الحزن على رفيقتها في نظراتها فقال:
- أنت تحبينها، فادعي الله لها بقلب صادق علّها تتوب.  
سار ليخرج فهوى قلبها وسارت خلفه الى باب المطبخ وهي تشعر
كأن روحها تسحب منها، ولم تستطع منع دموعها من التساقط.
- شكرا على كل شيء. في أمان الله وحفظه يا رهف.
لم تستطع الرد بصوتها المخنوق بغصة الألم وراقبته يخرج وقلبها
يقول: " في حفظ الله يا حبيب رهف"
حين عاد هاشم إلى المنزل، أجرى معه والده تحقيقاً مطولاً، فقد
طرح عليه أسئلة كثيرة تخص رهف.
أخبر والده بما عرفه عن حقيقة رهف وبراءتها والظلم الذي وقع
عليها، فقال بهجت بعدم اقتناع:
ـ الله أعلم إن كانت تقول الصدق أم لا.
قال هاشم بحماس مدافعا عن رهف:
- عيناها وحالها وهي تخبرني بما حدث، تقول إنها صادقة وبريئة
لا تعرف الكذب.
علق بهجت بقلب غير مطمئن: - فليهدها الله على كل حال.
بدأت رهف تتجه لطاعة الله أكثر وتعلقت بالصلاة التي وجدت
فيها راحة لنفسها المعذبة. أما صلاة الفجر فلم تتركها كما
أوصاها هاشم.
كانت كلما اشتاقت إليه، تخرج المنشفة الصغيرة التي جففت
بها عرقه حين كان محموما فقد حفظتها في كيس لتبقى فيها
رائحته اطول ما يمكن.
كانت مرام تحس بالسعادة والراحة التي تملأ نفس رفيقتها حين
تتعبد الله، وتبكي أحيانا حين تسمع رهف وهي تتلو القرآن أو
تصلي بصوت مسموع.
صارت تخجل من مواعدة الزبائن في المنزل فتذهب معهم الى
الخارج. لأنها تعرف أن ذلك الأمر يضايق رهف جدا مع أنها لم
تتذمر أمامها لأن البيت ملك مرام أساسا.
شيئاً فشيئاً بدأت مرام تقلل من مواعيدها مع الزبائن حتى جاءت
ذات ليلة والدموع في عينيها.
قالت لرهف وهي تجلس قربها: - صرت أخجل من لمسك أو دخول
غرفتك الطاهرة خشية أن أدنسكما بقذارتي. لم أعد أقو على
الاستمرار في هذا الطريق.  
أشرق وجه رهف واقشعر جسدها خشوعا، وضمت رفيقتها وهي
تبكي: - الحمد لله أن استجاب دعائي لك بالهداية.
قالت مرام وهي تحيط وجه رهف بكفيها:
- أنت سبب تركي لهذه الحياة القبيحة يا رهف. صرت أخجل حين
اقارن بين ما افعله انا وما تقومين به أنت.
قالت بسرور: - الفضل لله الذي هداك.
تعانقتا وهما سعيدتين ثم قالت مرام بعد قليل:
- لكن علينا الآن أن نجد لنا عملا بديلا.
سألتها رهف بحماس: - لما لا نعمل في مجال التجميل؟ لقد تعلمت
تلك المهنة من الأفعى المقبورة زوجة ابي وسأعلمك إياها.
قالت مرام باستغراب:
- يبدو أنك كنت تفكرين في الامر منذ فترة.
- كنت أفكر في عمل يكسبني رزقا حلالا. وفكرت بالبحث
عن عمل لدى إحدى مراكز التجميل لكنني لم أجد بعد.
فكرت مرام قليلا ثم قالت وقد انتقلت روح الحماس إليها:
- ولماذا نعمل لدى الغير؟! نستطيع تخصيص صالة المنزل لنبدأ
منها عملنا الخاص في مجال التجميل.
أومأت رهف برأسها وقالت بعد تردد:
- لقد شهد هذا البيت فترة سيئة من حياتنا، فلماذا لا تبيعينه
وتشترين بيتاً آخر؟ بما أنك تريدين بداية جديدة.
قالت مرام بحماس وقد أعجبتها الفكرة:
- ونبدأ في مكان جديد حيث لا أحد يعرفنا فيه، ولا يعر ف طريقه أحد ممن كنت أواعدهم.
باعت مرام المنزل بما فيه من اثاث خلال أسابيع، كي لا تأخذا
معهما شيئاً من الماضي. ورغم السرور والراحة التي سكنت نفس
رهف بتركهما بيت المعاصي ذاكَ فقد تجولت فيه وهي تمرر في
رأسها شريط ذكرياتها مع هاشم قبل أن تغادر.
مرّ شهران على انتقال رهف ومرام إلى البيت الجديد وافتتاحهما

عملهما الجديد في صالة المنزل.
وبعدما استقرت اوضاعهما، قررت رهف الذهاب الى شارع {...}
للبحث عن محل هاشم.
حاولت مرام منعها فقالت: - لا تذهبي يا رهف فهو لا يريد ذلك.
لقد رفض حتى أن يعطيكِ رقم هاتفه.
لكن رهف قالت بإصرار:
- أنا أريد رؤيته يا مرام فقد اشتقت اليه جدا.
هزت مرام رأسها بيأس وتمتمت: - عنيدة!
بحثت رهف عن هاشم في كل المحال المتخصصة في بيع
الهواتف النقالة حتى وجدته أخيراً في أحدها.
خفق قلبها وهي تراه جالساً على الكرسي، يصلح جهاز هاتف
محمول. خرج صوتها مضطربا وهي تقول:
- السلام عليكم.
رفع رأسه ليتأملها بالحجاب وقد زاد وجهها نوراً وبهاءً ثم قال
مبتسماً:
- وعليكم السلام. مبارك حجابك.
جلست على الكرسي أمامه وهي تقول بصوت مهتز كنبضات قلبها:
- شكراً. كيف حالك؟ وكيف أصبحت ساقك بعد الإصابة؟
- الحمد لله.
ـ هل تعرض لك رجال ذلك الشيخ ثانية؟
سألته بقلق فأجاب بابتسامة:
ـ كلا. فأنا لا أغادر المحل تقريباً. ما أخبارك أنت؟
قالت بسرور: - أخباري كثيرة وسارّة. لقد تابت مرام عن ذلك
الطريق، وقد افتتحنا مركز تجميل نسائي في منزلنا الجديد.
ابتسم بسرور وقال: - مبروك! وما حالك مع الصلاة؟
- لم أضيع أي فرض كما أوصيتني. وأشعر أنني الآن أقرب إلى الله.
قال بسرور: - هذا واضح عليك، فللطاعة نور في الوجه.
تأملته وهي تفكر:
" وهل هناك أبهى من النور الذي يشع من وجهك؟! "
أخرج لها زجاجة عصير من ثلاجته الصغيرة ليهرب من نظراتها
التي تفصح عما يعرفه من حبها له. لكن ما استغربه هو شعوره
بالسرور بسبب زيارتها المفاجئة.
سألته بابتسامة وهي تخرج هاتفها المحمول:
- هل ستعطيني رقما مميزا لهاتفي أم أذهب لمحل آخر؟
ضحك لتظهر غمازتيه بشكل واضح أضاع لبّها.
- سأعطيك أفضل رقم عندي.
قالها هاربا من جديد من نظراتها ثم شغل نفسه بكتابة الوصل
وباقي الأوراق وراح عقله يمرر ذكريات أحداث وتفاصيل تلك
الساعات التي قضاها في بيتها في لقائهما الثاني.
دخل بهجت المحل بينما كان هاشم يناول رهف مصحفا كان
موضوعاً على أحد الرفوف وهو يقول:
- هدية لبيتك الجديد.
قبّلت المصحف ووضعته على جبينها ثم شكرته.
ـ السلام عليكم.
ـ وعليك السلام يا أبي.
قالها هاشم فنهضت رهف من فورها وهي ترد على بهجت بارتباك:
ـ عليك السلام يا حاج.
ثم حملت حقيبتها وقالت لهاشم: ـ شكراً لك، مع السلامة.
ـ في أمان الله.
قالها هاشم وهو يبعد عينيه عن والده بينما قالها بهجت وهو يرمق
وجهيهما المضطربين لكنه لم يسأل ولده عنها.
ذات مساء، انهت رهف ومرام عملهما مبكراً فخرجتا لشراء بعض
الأغراض لمركز التجميل.
حين انتهى التسوق، قالت رهف لمرام: - بما اننا قريبتان..
قاطعتها مرام لتكمل كلامها بدلاً عنها:
- من شارع {...} فلِمَ لا نذهب لنقف كالمخبولتين في الجهة
المقابلة لمحل هاشم؟
ضحكت رهف وقالت وهي تضرب ذراعها:
- لا تكوني لئيمة! هيا لنذهب أرجوك.
تأففت مرام بضجر وهي تقول:
- يا لهذه الزيارات التي ستقودك للجنون! لو عرف بها لطلب منك
عدم المجيء! لكن مهما تحدثت ونصحتكِ فلن تسمعي مني
لأنكِ عنيدة!
رمقتها رهف بدهشة رافعة حاجبيها وتساءلت:
- من التي تتكلم عن العناد؟! منذ متى وأنا أنصحكِ بالالتزام
بالصلاة وارتداء الحجاب وأنتِ تعاندين؟
- أنا لا اقفز في البحر مثلك بل ادخله رويداً رويداً. قد ألتزم
بالصلاة وأرتدي الحجاب فيما بعد.
سألتها رهف بحزن: - وهل تضمنين عمرك؟ كما أني أخشى
عليك الفتنة فحصّني نفسك بالصلاة.
قالت مرام وقد أدمعت عيناها: - لا تخافي يا رهف. لن اعود لما
كنت فيه من دنس وقذارة بعدما خلصني الله منها.
- إذن اشكري الله بالتزامك بالصلاة على الأقل! عديني أن
تبدئي منذ اليوم.
- سأرى حين نعود الى البيت.
أصرت رهف: - بل ستبدئين الصلاة منذ الليلة.
وقفتا على الجزرة الوسطية أمام محل هاشم. رأته رهف وهو يخرج
من المحل ويسير باتجاه محل آخر فأمسكت يد مرام وقالت:
- لنعبر الشارع! أريد رؤيته عن قرب.
رمقتها مرام محذرة فقالت: - سنكون خلفه ولن يرانا.
حين عبرتا الشارع، وصل هاشم قرب محله فرآهما.
بعد تبادل التحية، سألهما باستغراب: - ماذا تفعلان هنا؟
قالت مرام كاذبة وهي ترى تلعثم رفيقتها:
- كنا نشترى أغراضا لمركز التجميل.
كان يعرف بأنها جاءت لتراه لا كما قالت مرام، فمحال لوازم
التجميل في هذا الشارع بعيدة عن محله.
أشاح بوجهه وهو يقول: - لا داعي لمجيئك إلى المحل ثانية.


نهاية الفصل الرابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 3:53 pm

الفصل الخامس

كان يعرف بأنها جاءت لتراه لا كما قالت مرام، فمحال لوازم
التجميل في هذا الشارع بعيدة عن محله.
أشاح بوجهه وهو يقول: - لا داعي لمجيئك إلى المحل ثانية.
استغربت كلامه وشعرت بالإحراج.
- ما هذه القسوة؟
قالتها مرام بحدة حين لم تنطق رهف فرمقها هاشم شزرا بينما
قالت رهف بارتجاف وهي تجذب يدها:
- كفى ولنذهب يا مرام!
لكن مرام قالت بحدة: - تأتي كل أسبوع فقط لتنظر الى محلك
من الجهة المقابلة من الشارع وتطمئن أنك بخير، وانت تؤنبها
وتقسو عليها!
جذبت رهف يد مرام وقالت بعصبية:
- الناس ينظرون إلينا فاخفضي صوتك ولنذهب!
رمق رهف وهو مندهش من حبه الذي يكبر في قلبها كلما زاد
البعد والمسافة بينهما بينما ابتعدت دون أن تنظر إليه وهي
تتساءل عن اختلاف تصرفه معها عنه في زيارتها الأولى له في
محله.
سألتها مرام وهما تبتعدان: - ألم احذرك من حدوث هذا؟!
قالت رهف بحدة والدموع في عينيها: - ارجوك اصمتي!
سار هاشم في طريقه وهو يشعر بالذنب نحو رهف لكن كان يجب
أن يتصرف معها هكذا لأنه لا يريد لها التعلق به دون أمل. ومع
ذلك فقد صار ينظر الى الجهة المقابلة من الشارع بين حين
وآخر.
رغم قسوة هاشم عليها، لم تستطع رهف منع نفسها من الذهاب الى
محله أكثر من عدة أسابيع.
لم تخبر مرام بذهابها إليه لأنها ستوبخها وتمنعها بالتأكيد.
لذا أخبرتها بأنها ذاهبة لشراء جهاز شدّ البشرة الذي أرادتا شراءه
قبل فترة لكن النقود نفذت منهما حينها.
سألتها مرام:
- ولما الاستعجال؟! غداً نذهب للتسوق فنحن بحاجة لبعض
الأشياء.
كانت رهف تريد استغلال انشغال مرام اليوم مع زبوناتها، وبذلك
لن تستطيع الذهاب معها فقالت بسرعة:
- يجب أن أذهب اليوم! لقد.. أعطيت موعدا لإحدى الزبونات بعمل
جلسة لها على الجهاز غداً فقد توقعت أننا سنشتريه أول أمس كما
نوينا، ولم أظن أننا لن نتمكن من الخروج بسبب كثرة العمل.
اقترحت مرام والشك بادٍ في عينيها:
- اتصلى بها لتؤجلي الموعد!
ردّت رهف بارتباك: - لا أملك رقم هاتفها. سأذهب الآن ولن
أتأخر.
نظرت مرام في عينيها مباشرة وهي تقول:
- إذن أحضري معكِ صبغة باللون النبيذي والأشقر الرمادي فقد
نفذتا.
ابتسمت وهي ترتدي حجابها بسرعة لتخرج: - حاضر.
اشترت رهف الجهاز وعدداً من قناني لوني الصبغة التي طلبتها
مرام ثم أسرعت إلى محل هاشم.
وجدته مقفلاً على غير العادة مع أن الوقت مازال مبكراً.  
شعرت بقلق وانقباض وخشيت أن يكون مكروها ألم به من قبل
الشيخ أبي ثابت الذي يطارده برجاله طوال الوقت.
فعبرت الشارع لتعرف السبب، ودخلت المحل المجاور لمحل هاشم
وسألت صاحبه:
- السلام عليكم. لماذا يغلق هاشم محله؟
- هو غير موجود. لكن الحاج بهجت يفتح المحل منذ الصباح
حتى العصر.
- وأين هو؟ أحتاجه في أمر ضروري.
قال الرجل بتأثر: - جاءت الشرطة واعتقلته بتهمة القتل.
اصفر وجهها واضطربت نبضاتها بينما أضاف الرجل:
- نِعم الشاب هو، ولا أصدق أبداً أنه يقتل.
وسألته بصوت مضطرب: - متى حدث هذا؟
- منذ اسبوعين تقريباً.
بالكاد نطقت كلمة الشكر وخرجت وقد اسودّت الدنيا في
عينيها.
حين عادت للبيت رأت مرام ملامحها المتوترة فسألتها:
- ماذا بك؟!
جلست على كرسي المطبخ منهارة وقالت بصوت مخنوق:
- هاشم..
تنهدت مرام وتساءلت بانزعاج:
- وهل هناك غيره؟! ألم ننتهِ منه بعدما طردكِ تلكَ المرة؟ أم
أنكِ ذهبتِ إلى محله ثانية؟
أجابت وهي تخلع حجابها وترميه بلا اهتمام على الكرسي:
- ذهبت ووجدت محله مقفلاً.
هتفت مرام بانزعاج:
- كذبتِ عليّ بحجة شراء الجهاز وذهبتِ لزيارته! لقد أحسست
بالقلق بسبب إصراركِ على الخروج لوحدكِ لكنني لم أظن
أنكِ ستذهبين حقاً.
قالت رهف بانفعال: - كفى تأنيباً يا مرام، فيكفي ما أنا فيه! لقد
اعتقلت الشرطة هاشم بتهمة القتل. لابد أن ذلك الشيخ تقدم
بشكوى ضده.
سألتها مرام باهتمام: - منذ متى؟
أجابت وهي تبكي: - منذ اسبوعين. لقد قال إنه أمسك السكين
بيده ولا شاهد على براءته. أتذكرين؟ الدلائل كلها ضده.
سيضيع مستقبل هاشم يا مرام.
ربتت مرام على كتفها وقالت:
- أنت تعرفين منذ البداية أنه مهدّد. فإما حكم القانون أو القتل
على يد أهل الشاب المقتول.
نهضت لتغير ثيابها وقالت:
- يجب أن أذهب غداً لمقابلة والده كي أعرف تفاصيل ما حدث.
- وماذا ستقولين لوالده إن سأل عمن تكونين؟
أجابت بإصرار:
- لا أعرف. كل ما يهمني هو معرفة ما حدث لهاشم.
ذهبت رهف إلى المحل في اليوم التالي مبكرا. دخلت وألقت
التحية على بهجت فردّ عليها:
- وعليكم السلام. تفضلي، ما هو طلبك؟
ردّت مباشرة: - جئت أسأل عن هاشم فقد سمعت بما حدث له.
قطب بهجت جبينه استغرابا: - من أنتِ؟
- أنا زبونة لديكم.
نظر إليها بهجت جيداً وتذكر أنه رآها في المحل من قبل فوجهها
لا ينسى بسهولة، وتذكر اضطرابها هي وهاشم حينها فسألها
ثانية:
- أظنك أكثر من مجرد زبونة لدينا. بدا ذلك واضحا حين
رأيتك هنا المرة الماضية.
أجابت دون توضيح: - لهاشم فضل كبير علي. ألا يكفي هذا
كي أسأل عنه في محنته؟
من جمال وجهها الذي ذكره له هاشم ومن لهفتها في السؤال عليه،
خمن بهجت من تكون وسألها ليتأكد:
ـ هل أنت الفتاة التي بقي في منزلها حين أصيبت ساقه؟
أومأت إيجاباً وهي تراقب تجهم ملامح بهجت.
" عرفت الآن سبب اضطرابه وهربه من نظراتي حين رأيتها هنا "
من نظرته الحادة وملامحه التي اختلفت، عرفت رهف أن هاشم
أخبره كل شيء عنها.
قال أخيرا بانزعاج وبشكل مباشر: - دعيه وشأنه. ماذا تريدين
منه؟
قالت بتأثُر: - لا أريد سوى الاطمئنان عليه. فقط أخبرني ما جرى
له! لماذا غير ذلك الشيخ رأيه وتقدم بشكوى ضدّه الآن لدى
الشرطة؟
قال بانزعاج وكأنه يأنف من الحديث معها، فهو لم يصدق الكلام
الذي قالته لهاشم عن حياتها ولم يقتنع ببراءتها:
ـ لقد مات الشيخ أبو ثابت فقام شقيقه الأصغر وثابت شقيق
المقتول بتقديم الشكوى، فهم ضد فكرة الثأر ويريدون أخذ
حقهم بالقانون.
سألته بأمل ضعيف:
ـ لا بد أنك وكّلت له محامياً. ماذا قال عن وضع هاشم قانوناً؟
ـ الأدلة ضده، والشاهد الوحيد على براءته أنكر شهادته منذ
طلبناه للشهادة أمام الشيخ أبي ثابت. سنحاول إقناعه بالشهادة في
المحكمة لكن لو رفض كالمرة السابقة فربما يصدر القاضي
حكما مشددا.
رمقت بهجت بقلق وجلست على الكرسي لتسأله:
ـ ماذا تعني بحكم مشدد؟!
- قد تصل مدّة السجن إلى خمس عشرة سنة.
راحت دموعها تتساقط فتلا بهجت الآية بيقين:
ـ قُلْ لَن يُصيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا.
ـ ونعم بالله. هل جربتم أن تكلموا الشاهد ثانية؟ أخبروه أنكم
ستستدعونه للشهادة في المحكمة وسيقسم اليمين على كلامه.
تنهد بهجت وأجاب:
ـ (جلال رشيد) تاجر كبير وأظنه يخاف على اسمه في السوق لذا
لا يريد التورط في الأمر. وحلفه ليمين كاذب لا يعني له شيئاً
فهو غير ملتزم بدين وأخلاق.
وهل سيعرف أحد أفضل منها هي عدم خوفه من الله، وانعدام
مروءته وإنسانيته؟!
لاحظ بهجت اصفرار وجهها واضطراب أنفاسها حالما سماعها اسم
الرجل فسألها: - ما بك اضطربتِ هكذا؟ أتعرفينه؟
سألته بدورها لتتأكد وتمنت أن تكون ذاكرتها مخطئة ويكون
جلال آخر:
- هل هو جلال الملك، أحد تجار سوق {...}؟
- هو بعينه! وهم يلقبونه بالملك لمكانته الكبيرة في السوق.
نهضت رغم ارتجاف قدميها وهي تقول:
- سأحاول التوسط عنده، فربما يقبل وساطتي. أعطني عنوان
شركته لأذهب إليه.
سألها بهجت وهو يكتب عنوان شركة جلال والأمل يملأه بتمكن
رهف من التوسط عنده، فكما يبدو أنها تعرفه جيدا:
- هل تعرفينه معرفة وثيقة تجعله يغير موقفه؟
من ارتجاف شفتيها وتلعثمها في الإجابة، شعر بهجت بخوفها
فتذكر ذلك الرجل الذي أخبره هاشم عن قصته معها واعتدائه
عليها.
سألها وهو يستغرب صغر هذا العالم:
- هل هو ذلك الرجل الذي.. أخبرت هاشم عنه؟
أومأت وهي تأخذ العنوان وتقاوم دموعها التي بدأت تتمرد
وتساقطت على وجنتيها.
رقّ قلب بهجت وهو يرى ما ألم بها لمجرد ذكر اسمه، وشعر أنها
ربما تكون صادقة فيما روته لهاشم عن حقيقتها.
شيء ما فيها كما قال هاشم، يجعل الشخص يصدقها.
طالبها بهجت بصوت لم يستطع إخفاء تأثره:
- لا تذهبي إليه. هاشم بريء، والله سيظهر براءته.
قالت والإصرار في عينيها وسرور غمر قلبها لتأثر بهجت بحالها:
- ونعم بالله. لكن يجب أن نسعى ليعيننا الله. أليس كذلك يا
حاج؟
أومأ برأسه إيجابا فتشجعت وسألته:
ـ في أي مركز شرطة احتجزوا هاشم؟
اختفت نظرة التعاطف من عيني بهجت ليرمقها بريبة ويقول:
- أسمعي، وساطتك لن تقربك من هاشم. وإذا خرج فلا أريدك أن
تأتي إليه هنا ثانية.
قالت وهي تمسح دموعها:
ـ اطمئن يا حاج، فأنا بالنسبة لهاشم مجرد انسانة أخذ بيدها ودلّها
على طريق الالتزام. كما أنني لا اريد إيقاعه بشباكي كما
تظن. كل ما يهمني هو الاطمئنان عليه وخروجه من هذه الورطة.
رمقها بشك وطالبها:
- إذن اقطعي علاقتك به، ولا داعي لتزوريه في التوقيف.
قالت بصوت متحشرج: ـ أستحلفك الله أن تدلني على مكان
توقيفه!
تنهد بانزعاج ثم كتب لها العنوان على ورقة فأخذتها وشكرته
ثم غادرت مسرعة.
دخلت رهف مركز الشرطة وقابلت الضابط لتطلب رؤية هاشم
فسألها عن صلتها به.
ـ إنه قريبي. جئت لأطمئن عليه.
ـ هذا ليس يوم الزيارة.
توسلت إليه: ـ أرجوك! لقد تركت عملي وأتيت كي أراه. فقط
اسمح لي برؤيته.
وافق بعد تردد: ـ حسناً لكن لدقائق فقط، ومن خلف القضبان.
- شكرا لك!
قالتها بسرور ثم مشت خلف الشرطي وهي متوترة وقلبها يخفق
بقوة. وصلا قرب الزنزانة فتقدمت وأمسكت القضبان لتتأمل هاشم
وهو يصلي.
انتبه لها حين نهض بعدما أنهى صلاته فتقدم نحوها وفي عينيه
دهشة كبيرة لرؤيتها هنا.
قالت بصوت مرتجف: - كيف حالك يا هاشم؟
أجاب والفضول يتملّكه: - الحمد لله. كيف عرفت أنني هنا؟
- ذهبت الى المحل وعرفت ما حدث.
تذكرا لقاءهما الماضي حين طلب منها عدم المجيء للمحل فأشاح بنظره وعاد لسؤالها بانزعاج هذه المرة:
ـ كيف تأتين لمكان كهذا؟
ابتسمت لحرصه عليها وتساءلت وهي تتأمل وجهه وقد أبت عيناها
أن تحيدا عنه:
ـ وكيف أصبر على عدم رؤيتك وأنت في هذه المحنة؟
سؤال ثالث مع نظرة خاطفة:
ـ كيف عرفتِ في أي مركز شرطة أنا؟
ابتسمت للدهشة التي عرفت أنها ستبدو على وجهه وأجابت:
ـ قابلت الحاج وأخذت العنوان منه.
رمقها مستغرباً فأوضحت:
ـ أعطاني إياه بعدما استحلفته بالله. إنه شخص طيب رغم حدّته.
قال مازحاً ليخفف من حزنها: ـ طيب مثل ولده.
فقالت بصوت تخنقه غصة البكاء: ـ لا أحد مثلك يا هاشم.
أبعد نظره عن تلك العينين الدامعتين حزنا عليه وهو يسألها
مبتسما ليغير الحديث: - كيف حالك أنتِ؟
كيف له أن يغير مجرى الحديث لشيء غيره وهي التي لا تذكر
بشرا سواه في غيابه، فكيف بها وهي أمامه؟
نزلت دموعها وهي تجيب:
- ما دمت هنا حبيساً فأنا لست بخير. لقد أثر عليك بقاؤك هنا
حتى أنك نحفت كثيراً. ليتني أفتدي حريتك بحريتي أو
بروحي.
قال متأثرا وهو يرمقها: - سلِمَت روحكِ.
ناداها الشرطي: - هيا يا آنسة فقد انتهت الزيارة.
رمقت هاشم بحزن فقال مبتسما:
- شكراً على الزيارة لكن لا تكرريها. لا يجب أن تدخلي هذه
الأماكن.
ما أجمل أن تشعر المرأة بمن يهتم لأمرها ويخاف عليها! لو أنها
وجدت في حياتها هذا الشخص، لما حدث ما حدث.
تأملته وهي تحبس دموعها ثم ودّعته:
- اصبر يا هاشم. لعل الله يجعل بعد عسرنا يسراً. مع السلامة.
ـ في أمان الله يا رهف.
غادرت وهي تلتفت للوراء لتنظر لهاشم الذي كان يرمقها مبتسما
رغم الحزن الذي يملأ عينيه.
حين عادت للمنزل دخلت غرفتها مباشرة ولم تدخل الصالة حيث
كانت مرام تعمل منهمكة مع الزبونات.
بعدما انهت مرام عملها جاءت مسرعة الى الغرفة وقالت بقلق:
- سمعتك تدخلين المنزل ثم حبست نفسك هنا. ماذا قال لكِ
والد هاشم؟
اعتدلت في جلستها وقالت:
- مات الشيخ أبو ثابت فتخلى شقيقه وشقيق المقتول عن الثأر ولجآ
للقانون فقدما شكوى ضد هاشم.
قالت مرام باستغراب:
ـ هذا ليس بجديد، فأنت تعرفين منذ الأمس أن قضية ابن الشيخ
سبب توقيفه.
قالت بصوت مضطرب: ـ الجديد أن الشاهد الوحيد على براءة هاشم
والذي أنكر شهادته فيما بعد، هو جلال الملك.
حدقت بها مرام وهي تقول: - ذلك السافل، من بين كل الناس؟!
ما أشد حقارته! ألا يفعل شيئا جيدا لأحد؟ لماذا يرفض الشهادة؟
قالت رهف باشمئزاز:
- مثله لا يقدم إلا على الأذى والشر. لم أظن أني سأجتمع به
ثانية.
سألتها مرام بقلق: - وما الذي سيجعلك تجتمعين به؟ على ماذا
تنوين؟
- سأقابل ذلك الحقير.
هتفت مرام بحنق: - ماذا؟! لا تتدخلي ودعي الأمر للقانون.
قالت رهف بحدة: ـ القانون يحكم بالدليل، والأدلة ضده. وأنا لن
أقف مكتوفة اليدين وأراه يضيع أمامي.
حاولت مرام إقناعها: - وماذا يمكنك أن تفعلي؟ هذا هو قدره.
هتفت بانفعال: ـ أفعل أي شيء.
قالت مرام وهي تربت على ذراعها: - لا تتدخلي فهذا صعب عليك.
تساقطت دموع رهف وهي تقول:
ـ ماذا تقولين؟ إنه هاشم يا مرام! (رمت رأسها على كتف رفيقتها)
أموت لو حكموا عليه بقضاء أجمل سنوات عمره في السجن.
ضمتها مرام بقوة وقالت:
- كفي عن البكاء وأخبريني بما يدور في رأسك.
مسحت دموعها وقالت: - لدي خطة..
ذهبت رهف صباحاً إلى شركة جلال وطلبت من موظف
الاستعلامات مقابلته.
ـ ما اسمك يا آنسة؟
ـ رهـ.. قمر.
اتصل الموظف بالسكرتيرة الخاصة لجلال وأخبرها أن فتاة تدعى
قمر تريد مقابلة المدير.
لو أن أحداً أخبرها أنها ستسعى يوما بنفسها لمقابلة ذلك الوحش
لاتهمته بالجنون. لكن ها هي تجلس في شركته وتتمنى ان
يتذكرها فيسمح لها بالدخول لمقابلته.
بعد دقائق، اتصلت السكرتيرة فرد الموظف ثم قال لرهف:
ـ سيقابلك السيد جلال. سيري في آخر ذلك الممر وستجدين
غرفته.
سارت متثاقلة الخطى رغم لهفتها لذلك اللقاء. وصلت إلى الغرفة
وألقت التحية على السكرتيرة التي أذنت لها بالدخول.
وقفت أمام الباب فبدأ توترها يتزايد وجمدت في مكانها فرمقتها
السكرتيرة باستغراب.
قلبها يطالبها بالإسراع بالدخول لأجل هاشم، وعقلها يسترحمها أن
تعفيه من العودة لتلك الذكريات المؤلمة التي سيمر شريطها
فيه بكل قسوة حالما تراه أمامها.
فتحت الباب أخيراً بيدين مرتجفتين ودخلت..
أرتجف جسمها وتوترت انفاسها وضربات قلبها، وثقل قدماها وهي
تسير إلى حيث يجلس جلال خلف مكتبه ويتأملها.





نهاية الفصل الخامس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 4:14 pm

الفصل السادس

أرتجف جسمها وتوترت انفاسها وضربات قلبها، وثقل قدماها وهي
تسير إلى حيث يجلس جلال خلف مكتبه ويتأملها.
خفضت رأسها كي لا يرى نظرات الكره والفزع في عينيها، وبعد
معاناة وصلت قربه فقال: - مرحباً يا قمري.
جفلت وهي تسمع صوته مع انه لم يتحدث بنبرة حادة أو عالية بل
العكس.
كان صوته كافيا لإفزاعها وعودة صراخه وتهديده وأنفاسه
وزفراته في تلك المرتين لذاكرتها السمعية.
جلست وحاولت أن تستجمع نفسها وهي تشعر أن أطرافها متيبسة
وجسمها يرتعش وكأن فيه قالباً كبيراً من الثلج!
بلعت ريقها بصعوبة وأرادت الكلام فسبقها حين سألها:
- ما كل هذا الكرم؟! تذكرينني وتأتين بنفسك لتطلبي
رؤيتي.
قالت اخيراً بصوت مرتعش كجسدها:
- جئت أطلب منك شيئاً.
قال بلهفة: - دعيني أرى وجهك الفاتن أولاً.
استغفرت الله ورفعت وجهها ـ دون النظر لعينيه ـ وقد بدأت
ذاكرتها تستعرض ما فعله معها سابقاً.
قال هامسا بطريقة أخافتها:
- فاتنة حتى وأنت ترتدين الحجاب.
قالت بسرعة كي لا يستمر في هذا الكلام:
- جئتُ أرجوك أن تخرج شخصاً بريئاً من ورطة كبيرة.
سألها بلهجة خبيثة: - أهو أحد زبائنك؟
دون تفكير رمقته بحدة فتلاقت نظراتهما ثم أبعدت نظرها عنه
فقال ساخراً رغم افتتانه بعينيها اللتين طالما سحرتاه:
- مازالت لديك نفس النظرة الحادة الشرسة!  
قالت محاولة إخراج صوتها بشكل هادئ:
- لم يكن لدي زبائن يوما.  
اعتدل في جلسته وقال بسرور ولهفة:
- أي أن ما قالته زوجة أبيك عن حماية صديقتك لك كان
حقيقة.
أجابته أنفاسها الثائرة. ألم يكتفِ بتلك المرتين فجاء يطلبها
ثالثة؟ ألا يملك ذرة رحمة أو إنسانية؟
نهض عن كرسيه وجلس قبالتها وقال بصوت هامس متلهف وهو
يتمنى ضمها لكن هلعها منعه:
- أي أنني ما زلت الوحيد الذي امتلكك.
نظرة حادة قاسية وكره شديد أطل من عينيها وهي تحدق
بدهشة بهذا المريض الجالس إزاءها. بالتأكيد هو مريض
ومهووس! كل ما يهمه أنه الوحيد الذي امتلك جسدها.
ألم يلتفت يوما لما فعله بها من تدمير روحها وانتهاك لكل ما
فيها؟ ألم يحاسبه ضميره يوما؟ ولكن هل يمتلك ضميرا من
الأساس؟
حدقت بالأرض تحت قدميها وتنفست بهدوء وعمق علها تخفف من
انفعالها الذي سيجعلها تنفجر به في أي لحظة بينما انزعج من
نظرة الكره التي رمته بها.
آه من هاتين العينين! كم تاه في نظراتهما وارتجافهما! كم حلم
بأن تنظرا له بغير نظرة الفزع والكره تلك!
استطاعت استجماع شتات نفسها أخيرا وهي تقوي عزيمتها بتذكر
منظر هاشم في السجن، واحتمال قضاءه سنوات طويلة من عمره
فيه.
بدأت خطتها أخيرا فقالت بعد صمت كان جلال خلاله يتأملها
بشوق ونهم:
- جئت أحدثك بخصوص الرجل المتهم بمقتل ابن الشيخ أبي
ثابت.
عبس وسألها: ـ وما دخلي أنا بالأمر؟
أجابت بتأثر: ـ إنه بريء وأنت شاهده الوحيد، فلماذا أنكرت
شهادتك؟ ما ستقوله سينقذه من عقاب لا يستحقه على جريمة
لم يرتكبها فلماذا كتمت شهادتك؟
حدّق بها بنظرات حادة وقال:
ـ إنه حبيبك وليس رجلاً تعرفينه فحسب.
لم تجب عن سؤاله وقالت:
- أرجوك، أخرجه من ورطته. أنت رأيت ما حدث في الشجار ورأيت
أن هاشم لم يقتل ابن الشيخ، أليس كذلك؟
بسرعة وقبل أن تعي ما يفعل، انحنى نحوها وخطف حقيبة يدها
فرمقته بفزع.
أخرج هاتفها المحمول من الحقيبة وأطفأ التسجيل ثم محى
المقطع الصوتي الذي سجلته، على أمل أن يعترف بأن هاشم ليس
هو القاتل.
أخذ يضحك بصوت مرتفع بينما كانت رهف ترمقه بارتباك
وذهول.
رمى لها حقيبتها بعدما وضع هاتفها فيها وقال ساخراً:
ـ حيلة مكشوفة يا فاتنتي! ما زلت بريئة لا تجيد الكذب
والخداع، فقد كشفت حيلتك بسرعة.
ظلت تنظر للأسفل ففكر لدقائق وهو يتأملها.
" أن تأتي إليّ بنفسها وتتحمل رؤيتي من جديد لمساعدته فهذا
يعني أنها تحبه جداً. حسناً، هذه فرصتي! "  
قال وهو ينهض:
- أنا مستعد للشهادة معه في المحكمة.
تهللت أساريرها وأسرعت تقف والأمل يملأها.
أرادت الكلام لكنه أردف وهو يرمقها بشوق:
ـ وأنت الثمن.
فكرت برعب وقد تهاوت على الكرسي ثانية " أيها السافل! "
بعد صمت سألها: - لم تجيبي يا قمر! ما هو ردّك؟
علت أنفاسها وخرج صوتها مخنوقاً بغصة البكاء وهي تقول:
- أطلب أي شيء غير هذا.
ضحك عالياً رغم استيائه فجفلت ثم سألها بحدة:
- ماذا سأطلب؟ المال مثلاً؟
ثم ظهر عليه الغضب وسألها بانزعاج والحنق على هاشم يتملّكه:
- ما الذي لدى ذلك الرجل لتعشقيه الى هذا الحد؟ المال أم
الوسامة أم السلطة؟ كلها لدي، فلماذا هو؟!
أجابته وهي تمسح دموعها:
- لديه مالم أرَه يوماً في غيره. لديه خشية الله وتلك الابتسامة
المطمئنة التي تنفذ إلى النفس.
عاد ليتحدث بلهجة ناعمة هامسة:
ـ انسي ما فات. انسي تلك المرتين اللتين كنت معي فيهما ولنبدأ
معا من جديد. سأسعد أنا وسينجو هو من الحبس.
ثم اقترب قليلا وهمس وهو يرمقها بنظرات وقحة وصوت كفحيح
الأفعى:
ـ أنت واحدة من القلائل الاتي لم أنساهن. الصفاء الذي كان في
عينيك وسذاجتك، ما زلت أذكرهما.
زادت أنفاسها اضطرابا بينما علت أنفاسه توقاً واستمر بنفس اللهجة
والنظرات، والهوس بامتلاكها مرة أخرى يسيطر عليه:
- كثيرا ما تساءلت، إن كنت شعرت بكل تلك السعادة
والأحاسيس حين امتلكتك مع كل عويلك ودموعك..
بدأ قلبها بالتخبط في صدرها، وأنفاسها بالتحول إلى شهقات
خفيفة متزايدة فأغمضت عينيها بقوة وتشنجت قبضتيها لكنه
لم يرحمها وأكمل بصوت لاهث يعكس رغبة وجنونا وهو يقف
إلى يسارها:
- فكيف إذن لو أنني امتلكتك برضاك؟ لو أنك ذُبتِ مع كل
لمسة مني بدل أن تصرخي. لو أنك تلمسينني كما ألمسك..
كانت تلك اللمسة التي حطت بها يده على كتفها كصاعقة
نزلت على روحها قبل جسدها فقصمت طاقة تحملها وثبات
إدراكها.
لم يشعر إلا وقد استدارت نحوه صارخة بفزع وهستيريا كتلك
المرتين. وراحت أظافرها ترسم خطوطا شوهت وجهه الوسيم الذي
طالما اغتر به.
صرخ متألما وابعدها لكنها هاجمته بكل شراسة وكأنها تريد
الانتقام منه على كل ما سببه لها. وراحت تضربه بكل قوتها
حتى دفعها فسقطت أرضا وفقدت الوعي من فورها.
فتحت رهف عينيها لتجد مرام جالسة قربها على السرير تلامس
شعرها.
- حمدا لله على سلامتك. ماذا حدث لتنهاري هكذا؟ أيعقل أن..
صمتت ولم تأت على ذكر جلال وتوقعها لتحرشه بها في مكتبه
كي لا تضطرب رهف من جديد، ونهضت قائلة:
- سأحضرك لك الماء وشيئاً تأكلينه.
أمسكت رهف كفّها تدعوها للجلوس وقالت بصوت متعب:
- كيف عدت إلى هنا؟
- اتصلت بي سكرتيرة أحد الأطباء وطلبت مني أخذك من
عيادته.
هرعت إلى العيادة والقلق يقتلني عليك، وهناك عرفت منها أن
رجلاً أحضرك للعيادة وأنت فاقدة للوعي وبينما ذهبت لتخبر
الطبيب تركك وذهب.
بحثت في هاتفك فوجدت أكثر اتصالاتك معي فاختارت
الاتصال بي وإبلاغي عنك. أعطاك الطبيب حقنة مهدئ لأنك
مررت بحالة اضطراب عصبي.
توترت من جديد وبدأت تبكي فضمتها مرام بقوة وهي تمسح عل
رأسها وتحدثها بحنان كأنها طفل تهدهده:
- اهدئي حبيبتي. اهدئي وتماسكي. لن أسمح لك برؤية ذلك
السافل ثانية. لهذا منعتك من الذهاب إليه. كفى يا حبيبتي، لا
تبك.
ذهبت رهف إلى محل الحاج بهجت لتعرف منه آخر ما استجد في
قضية هاشم وتبلغه بفشلها في إقناع جلال.
من تجهم وجهها المتعب مما حدث معها قبل يومين، عرف بهجت
نتيجة مسعاها فلم يسألها عنه.
- هل استجد شيء في القضية يا حاج؟
قال بحزن: ـ وماذا يمكن أن يستجد؟
عادت لسؤاله بقلب منفطر وشعور بالذنب يسكنها وكأنها
المسؤولة عما يمر به هاشم: -هل تقرر موعد المحاكمة؟
ـ في الخامس من الشهر القادم.
جلست منهارة وتمتمت: ـ بعد تسعة أيام فقط؟
قال بهجت بيأس: ـ يبدو أن محاولتك مع الشاهد باءت بالفشل. أم
أنك لم تذهبي أصلاً لمقابلته؟
مجرد ذكره أمامها جعلها تضطرب فأجابت بصوت غير متزن:
ـ بل قابلته قبل يومين.
ـ أخبرتك أن ذلك الرجل لن يشهد مع هاشم.
قالت بغضب وانفعال:
ـ أعرف أنه نذل لكنني لم أستطع الوقوف مكتوفة اليدين. والله
لو أراد روحي مقابلاً لما تأخرت، فحياتي لا تساوي شيئاً امام حرية
هاشم لكن..
لم تكمل وأجهشت رهف بالدموع فأمرها بهجت وقد عرف ما أراد
جلال منها: - إياك والموافقة!
رمقته مسرورة ومستغربة حرصه عليها:
ـ كيف لي فعل ذلك حتى من أجل هاشم؟
قال بهجت بلهجة لينة: - لقد فعلت ما عليك. هاشم بريء
وسيخلصه الله من كربه ما دمنا نتوكل عليه وندعوه.
فكر بهجت مستغربا حبها الكبير لولده واعترف أنها فتاة شريفة
وأن ما أخبرت به هاشم عن حياتها كان صادقا. وإلا لفعلت ما طلبه
منها ذلك الخسيس وأنقذت هاشم. ومع هذا، هو لا يتقبل وجودها
في حياة ولده بأي شكل من الأشكال لأنه لا يستطيع نسيان
منبتها السيء وما فعله جلال معها.
كانت رهف هي الأخرى تفكر بحرص بهجت عليها رغم عدم
تقبله لها وعدم اقتناعه ببراءتها.
وكيف لا يكون بتلك المروءة والأخلاق وهو من ربى هاشمها
الغالي؟
ذهبت رهف صباح الاثنين لزيارة هاشم حسب الموعد الرسمي
للزيارة لكنها لمحت الحاج بهجت يقف قربه ومعه ثلاثة رجال
وامرأة لم ترَها جيداً.
كان الرجال هم سامي وخالد رفيقي هاشم وزوج خالته إقبال،
والمرأة هي والدته هناء. تحدث الجميع معه إلا هناء فقد كانت
تبكي وتضمه كل حين ولم تستطع نطق كلمة.
انتظرت رهف حتى انصرفوا فأسرعت إليه بينما كان الشرطي يأمر
الموقوفين بالعودة للزنزانة.
ـ انتظر أرجوك!
قالت تكلم الشرطي فالتفت هاشم نحوها.
تساءل الشرطي بانزعاج:
ـ انتهى وقت الزيارة. أين كنتِ منذ ساعتين؟
أرادت الكلام مع الشرطي فحدجها هاشم بنظرة ممانعة وتكلم
هو معه: ـ امنحني دقيقة أخرى لو سمحت.
أسعدتها تلك النظرة الحادة التي أظهرت حرصه عليها، وكأنها
نظرة حب لا غضب.
قال الشرطي: ـ حسناً، سأرى باقي الموقوفين وأعود لآخذك.
سألها هاشم باستياء:
ـ لماذا أتيتِ؟ ألم أقل لكِ ألا تدخلي مكاناً كهذا ثانية؟
ابتسمت والدموع في عينيها وقالت:
ـ لا أستطيع الامتناع عن رؤيتك والاطمئنان عليك في هذه الظرف. ولو كان بيدي لزرتك يومياً لكنهم لا يسمحون بذلك.
ابتسم وقال ليغيظها ردّاً على عنادها:
ـ بعد المحاكمة، ربما لن تريني ثانية حتى سنوات طويلة.
شعرت بغصة البكاء تخنقها وطالبته بامتعاض:
ـ لا تتكلم هكذا!
ابتسم رغم مسحة الحزن في صوته:
ـ لن تتوقف الحياة بحبسي. ستستمر وستنسيني.
سالت دموعها ورمقته بحزن أوجع قلبه. أيتحدث عن نسيانه حقا؟
وأي حياة تلك التي يظنها ستستمر بعده، وهي التي لم تبدأ إلا
به؟! وهل كل من يتنفس ويأكل ويشرب يحسب على الأحياء؟
احتجت بصوت متحشرج:
ـ إلا نسيانك يا هاشم! سأظل أفكر فيك عشرات المرات خلال
كل يوم كتب الله لي أن أعيشه. كلما سمعت صوت الأذان
وكلما توجهت للصلاة وكلما قرأت القرآن وكلما ارتديت الحجاب.
كلما ذكرت الرجولة والمروءة. وكلما ذكر الحب.
وضع يده على جبهته هربا من نظراتها وإخفاءً لنظراته.
تنهد بصوت مكتوم ثم قال وهو يسير نحو زنزانته ويتركها
خلفه: ـ لا تعودي لزيارتي.
مسحت دموعها وفكرت حانقة على نفسها " حمقاء! جعلته يشعر
بالذنب نحوي "
ولم تعرف ما فعلته كلماتها به، وإحساسه حينها الذي لم يكن
يَمُتُّ للشعور بالذنب بأي صِلة.
بعد ثلاثة أيام، ذهبت رهف لرؤية هاشم لكنها لم تستطع
الاقتراب منه فقد كان والده قربه فعادت أدراجها.
جاء يوم المحاكمة واستعدت رهف للذهاب للمحكمة. خرجت
مرام من غرفتها فسألتها رهف: ـ هل ستأتين؟
أومأت وهي تشرح: ـ أنا دائمة الغضب من هاشم لأنه سبب حزنك
لكن لا يمكنني تركك وحدك في يوم كهذا. كما أنه
بريء ومظلوم.
عانقتها رهف بقوة وهي تقول: - حفظك الله لي.
قرب قاعة المحكمة، جلست رهف ومرام أمام بهجت وزوج إقبال
وخالد وسامي. أما هناء فلم تأت لأنها متوعكة في بسبب حزنها
على هاشم، وهالة بقيت معها لتعتني بها.
نهض بهجت وسار مبتعداً بعدما أومأ لرهف كي تتبعه. سألتها مرام:
- ماذا يريد منك والد هاشم؟
- على الأغلب، سيوبخني لحضوري. ذلك واضح من ملامحه.
وفعلا سألها بهجت بحدة حالما اقتربت منه:
ـ لماذا أتيت؟ ألم أخبرك أن تبتعدي عن هاشم؟
تنهدت ثم أجابت: - لا أستطيع الجلوس في منزلي بينما هاشم يحاكم.
تركها ليعود لمكانه وهو ممتعض.
دخل الجميع قاعة المحكمة وجلس أهل هاشم ومحبوه في مكان
قريب منه، وجلس أهل المقتول في الجهة الثانية وهم يرمقون
هاشم وأهله بنظرات الغضب.
نظر هاشم نحو رهف التي كانت دموعها تجري وتأبى التوقف
ومرام تواسيها بينما كان المدعي العام يتلو مرافعته ويطالب
بأقسى عقوبة على هاشم.
وحان وقت استدعاء الشهود فنظرت رهف نحو هاشم بيأس وعينين
تذرفان الدموع ولمحت في عينيه اليأس لأول مرة، فالشاهد لن
يأتي بالتأكيد والكل يعرف هذا.
تسارعت نبضات رهف وأنفاسها ثم شعرت بالاختناق فسألتها مرام:
ـ ما بك؟!
رمقها هاشم بقلق بينما أعلن القاضي:
- فليدلي الشاهد الوحيد في القضية بشهادته.
وسط دهشة الجميع، أدى الشاهد الموجود في الغرفة السرية لمن
يريد إخفاء هويته من الشهود القسم أمام القاضي وبدأ يتكلم من
خلال جهاز يغير الصوت كي لا يتعرف عليه أحد.
تعلقت عيون رهف وهاشم وأحبائه بتلك الغرفة التي يجلس فيها
الشاهد الذي قال:
ـ كنت في السوق حين نشب العراك بين الشباب فلم أتدخل
وبقيت واقفا أراقبهم باهتمام عن مسافة كافية.
وجّه بهجت نظرة اشمئزاز نحو رهف وفكر " لماذا غير موقفه؟ هل
كذبت عليّ ووافقت على تسليم نفسها له؟ "
بينما كانت هي مشغولة عنه بالاستماع لتلك الشهادة التي
ستحدد مصير هاشم وقلبها يخفق خوفا وفكرت:
" لماذا أخفى هويته؟ وهل سيشهد بالحق أم سيكون خسيساً
لدرجة أن يؤكد التهمة على هاشم بدل نفيها بقول الحقيقة؟ "

نهاية الفصل السادس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 4:20 pm

الفصل السابع

كانت رهف مشغولة بالاستماع لتلك الشهادة التي ستحدد مصير
هاشم وقلبها يخفق خوفا وفكرت " لماذا أخفى هويته؟ وهل
سيشهد بالحق أم سيكون خسيساً لدرجة أن يؤكد التهمة على
هاشم بدل نفيها بقول الحقيقة؟ "
ـ رأيت من طعن ابن الشيخ أبي ثابت يهرب. إنه ابن أحد الشيوخ في
تلك المنطقة وقد تركت اسمه مع سيادة المدعي العام. أما
المتهم فكان يولي المقتول ظهره ولكنه حين رآه مطعوناً وقد
استند عليه، سحب السكين وهو يصيح سيموت الفتى.
أخذت رهف ترسل عبرات الفرح وهي ترتجف وتحمد الله فعانقتها
مرام والسرور على وجهها.
أما هاشم فلم يكد يصدق ما سمع وقلبه يسبح حمدا لله وهو يرمق
أهله الذين استبشرت وجوههم.
أعلن القاضي أخيرا:
ـ حسب الشهادة التي قدمها الشاهد الوحيد في القضية، حكمنا
ببراءة المتهم هاشم بهجت.
خفق قلب هاشم وسجد لله شكراً من فوره كما فعل بهجت.
أما رهف فقد حمدت الله وهي تضع يديها على وجهها وتجهش
بالبكاء.
رمقها هاشم بنظرة حانية وابتسم لها فابتسمت وهي تمسح دموعها
ثم أسرعت لتخرج من القاعة فتبعتها مرام.
وقفت قرب سيارة الشرطة، تنتظر خروج هاشم علّها تستطيع
الحديث معه قبل وصول أهله.
اقترب هاشم ومعه شرطي ليأخذه إلى حيث يستكمل إجراءات إخلاء سبيله فتقدمت رهف نحوه ورمقته بلهفة وابتسامة كبيرة
وكأنها ملكت الدنيا، وعيناها تجوبان وجهه.
ما أشد سرورها بخلاصه من هذه الورطة التي كانت كقيد بغيض
حول حياته لمعاناة!
ـ حمداً لله على إظهار براءتك.
وكعادته قال دون النظر في وجهها الفاتن: ـ سلمتِ.
ركب سيارة الشرطة وهو يبتسم لها. تقدم بهجت ورمقها بحدة
فانسحبت بسرعة.
نام هاشم ساعات عديدة فقد عانى كثيراً خلال الفترة الماضية
من الأرق والضغط النفسي.
وكم بكت هناء وهالة وهما تفكران بما عاناه فترة التوقيف فقد كانت هيئته تدل على ما مر به.
حين اختلى بهجت بولده في غرفته بعد أيام قضاها هاشم في
الراحة أو استقبال المحبين من الأصدقاء والجيران والأقارب، قال
له: ـ ستذهب للمحل غداً، أليس كذلك؟
ـ نعم يا أبي فقد ارتحت خلال الأيام الماضية والحمد لله.
قال بهجت بشكل مباشر وصريح:
ـ لا أريدك أن تسمح لتلك المرأة بالتردد على المحل لرؤيتك.
لقد حذرتها لكنها عنيدة كما يبدو ولن تكف عن محاولاتها.
أوضح هاشم مدافعا:
ـ هي لم تزرني في المحل سوى تلك المرة التي رأيتَها فيها.
تساءل بهجت بانزعاج: ـ وكيف عرفت بقضيتك إذن؟!
ـ هي تأتي كل فترة لتتفقدني من بعيد، دون أن تدخل إلى المحل.
كانت قلقة عليّ بسبب ملاحقة رجال أبي ثابت لي.
تساءل بهجت بنفاذ صبر:
- وبأي صفة؟! وما تلك الجرأة التي تجعلها تأتي لتسألني عنك
وعمّا حدث لك؟
أنكر حبها الواضح له حين أجاب بجزء من الحقيقة:
- إنها ممتنة لي لأنني كنت سبباً في هدايتها للالتزام بالدين.
تنهد بهجت وقال وهو يقرأ في عيني ولده اشياء لم يفلح في
إخفائها عنه:
- وقفت بجانبها وكنت سبباً في هدايتها فردت لك الجميل
وساندتك في محنتك. إنهِ الأمر إلى هذا الحد.
صمت هاشم فأنهى بهجت النقاش، وكأنه بذلك سينهي خفقان
قلب ولده كلما فكّر برهف أو ينهي اشتياق روحه لها.
تحسن عمل رهف ومرام وزاد دخلهما فنقلتا مركزهما التجميلي
بناية في جزء حيوي من الشارع الرئيسي للمنطقة التي يسكنان
فيها.
في يوم وبينما كانت رهف تصفف شعر إحدى الزبونات، رنّ هاتفها
وكان المتصل رقماً مخفياً لا يظهر.
- نعم؟
أطبق هاشم جفنيه وخفق قلبه حين سمع صوتها الناعم كوجهها
الملائكي، وضغط بيده على قلادتها التي أهدتها له كذكرى
والتي يضعها في محفظته.
أفلتت منه زفرة فهوى قلب رهف وأحست انه هو فهمست بصوت
مرتجف: - تكلم أرجوك!
اقفل هاشم الخط بعد لحظات حين همست ثانية بصوت يضطرب
شوقا: - تكلم! أعرف أنه أنت.
جلست رهف على الاريكة وهي مضطربة وقالت لزبونتها:
- امهليني دقيقة وسأكمل شعرك فقد شعرت بدوار.
قالت المرأة: - ارتاحي يا عزيزتي.
أنهت مرام صبغ شعر زبونتها وأسرعت لتجلس قرب رهف وتسألها
بفضول:- هل كان هو؟
قالت رهف بابتسامة كبيرة:
- لا أستطيع السيطرة على ارتجاف يديّ. أتعرفين معنى ان يتصل
بي؟! هل اشتاق إليّ فأراد سماع صوتي؟ أيعقل أنه يحبني كما
أحبه؟
قالت مرام بسخرية رغم دهشتها:
ـ بالتأكيد لن يحبك بقدر ما تحبينه أنت. أخبريني الأن، ماذا
قال؟
ردّت بابتسامة حالمة: - لم يقل شيئاً. لم يتكلم.
رمقتها مرام بدهشة رافعة حاجبيها ثم هزت رأسها وقالت:
- يا ألهي، كم انت مجنونة! ما أدراك انه هو إذن؟!
وضعت يديها على صدرها علّ نبضها يهدأ قليلا وقالت:
- احساسي به لا يخطئ، كما أنه أقفل الخط بمجرد أن قلت له أني
أعرف من هو.
تنهدت مرام وسألتها: - ومن أين حصل على رقم هاتفك؟
- أنسيتِ أنه من أعطاني شريحة هاتفي؟ بالتأكيد اخذ الرقم من
وصل البيع.
عادت مرام لتشكك: - ممكن. وممكن أيضاً ألا يكون هو.
فأكدت رهف بثقة وهي تبتسم: - إنه هو!
التزمت رهف بوعدها لبهجت ولم تذهب الى محل هاشم كل فترة
كما كانت تفعل سابقاً منذ انتهاء قضيته قبل ستة أشهر، مع انها
كانت تشتاق اليه جداً. لكنها اكتفت من فرض نفسها عليه
والاستمرار بفعل ما يؤلم قلبها. فهي تعي جيدا ألا أمل لها معه حتى
لو كان يحمل لها شيئاً في قلبه.
أما هاشم، ومع شوقه اليها أيضاً ومع أنه كان ينظر الى الجهة
المقابلة من الشارع يومياً ساعة إغلاقه المحل عله يراها إلا أنه لم
يتصل بها ثانية.
لكن منذ شهر تقريباً بدأت بوادر الفتنة تلوح في أفق البلاد فأخذ
الخوف والقلق على هاشم يسيطران على تفكير رهف، وما عاد
لالتزامها بوعدها لبهجت أي معنى أمام ذلك القلق.
ومع ذلك بقيت ملتزمة بالجزء الأهم من الاتفاق وهو عدم رؤيتها
لهاشم.
فقد كانت تذهب الى شارع {...} وتسأل اصحاب المحال القريبة
عن الوضع هناك أو تنظر احياناً من بعيد لهاشم فتطمئن عليه.
وفي يوم ذهبت الى محله والقلق يقتلها بعدما سمعت في نشرة
الأخبار عن تفجير حدث في نفس الشارع.
مشت حتى وصلت على بعد ثلاثة محال عن محله وفكرت أن تمر
من أمام المحل بسرعة لتراه وتطمئن عليه دون أن يراها هو.
حالما رأته من خلف زجاج الواجة، انهارت عزيمتها وخارت قوى
الصبر لديها بعدما هزمها الشوق لرؤيته.
فتحت الباب ودخلت فرمقها وفي عينيه شوق وسرور لرؤيتها. وهزّه
ذلك الصوت المضطرب حين قالت:
- السلام عليكم.
ردّ بابتسامة عريضة أظهرت غمازتيه وبدا الشوق في صوته رغما
عنه. جلست أمامه وقالت بقلق:
- خفت عليك حين سمعت عن الانفجار في الأخبار.
قال بابتسامته الهادئة: - أنا بخير فلا تقلقي. ما أخبارك انت
ومرام؟ هل تعرض أحد لكما بسوء أو أجبركما على ترك
منزلكما؟
هزت رأسها نفياً وقالت:
- قلقي عليك كان يقتلني منذ بدأت الفتنة. كنت آتي الى هنا
لأسأل اصحاب المحال عن الوضع أو أراك من بعيد أحياناً لأطمئن
عليك، مع أن محلك على بعد أمتار عني لكنني لا أجرؤ على
دخوله وسؤالك انت عن حالك!
ناولها كوب ماء وتأملها وهو يفكر كيف ملكت قلبه بعد ثلاث
أو أربع مرات رآها فيها.
هو الذي لا يؤمن بالحب قبل الزواج حسبما تربى، يخفق قلبه
بتلك السرعة لامرأة من عالم مختلف مناقض لعالمه.
لفتاة نبتت في منبت سوء رغم ما تحمل من نقاء القلب والبراءة.
ورغم معرفته بامتلاك أحدهم لها قبلا وإن كان غصبا.
لكن ذلك الحب الكبير الذي فاض به قلبها له، عبر كل تلك
الحواجز.
فجأة سمعا صوت عجلات سيارتين توقفتا بعنف ثم صوت أطلاق نار.
أسرع هاشم ليغلق المحل وقد توقع أن تكون تلك احدى
العصابات التي انتشرت منذ مدة.
وقبل أن يصل الباب، دخل ثلاثة مسلحين ملثمين المحل.
وقفت رهف خلف هاشم لتحتمي به وقد اصفر وجهها خوفا وهي
تراهم يشهرون السلاح في وجهه.
دخل اثنان منهم ليسرقوا كل ما هو ثمين بينما قال الثالث الذي
يقف قرب الباب:
- تعالي يا حلوة، سنأخذكِ مع الأغراض الثمينة.
هتف هاشم به: - لا دخل لك بها.
قال المسلّح: - هيا ابتعد عنها ولا تظهر الشهامة أمامها.
ضرب هاشم يد الرجل التي امتدت لجذب رهف وهو يقول بانفعال:
- على جثتي يا سافل!
قال المسلّح بسخرية: - على جثتك اذن يا شهم؟!
وأخرج سكيناً يهدد بها هاشم: - هيا دع الفتاة.
صاح به هاشم: - قلت اتركها!
رفع المسلح السكين ليطعن هاشم فأسرعت رهف بالوقوف أمامه
وهي تصرخ: - احذر!
دخلت السكين في بطنها بقوة وبدأ جرحها ينزف فنظرت لهاشم
بفزع كما كان ينظر إليها وهوت فأمسكها وهوى معها إلى الارض.
أما المسلحون فقد هربوا حين سمعوا صوت سيارة الشرطة قادمة
من مركز الشرطة القريب ومعه صوت إطلاقات نارية لرجال
الشرطة.
أسندها بذراعه ليرفعها عن الارض ويرى ما حل بها وهو لا يستوعب
ما حدث.
بدأ لونها يشحب وزاد نزف الجرح فخاف أن تموت لكنه قال بعينين
دامعتين: - لن تموتي يا رهف. ستكونين بخير.
قالت بصوت خافت:
- ما دمت اموت على الطاعة، وأنا.. بين يديك.. فلا أبالي.
قال بصوت مرتجف كقلبه: - لا تتعبي نفسك بالكلام.
لكنها قالت بابتسامة شاحبة كشفتيها:
- ابداً لن تستطيع.. أن تتصور.. كم احببتك.
نهض وهو يقول: - تماسكي، سآخذك للمستشفى.
أغمضت عينيها فصاح بخوف وقد عاد ليجثو قربها:
- رهف.. رهف!
دخل أحد رجال الشرطة وأسرع نحو هاشم حين رأى حال رهف وهو
يسأل: - هل ماتت؟
قرّب هاشم يده من أنفها فشعر بأنفاسها فحمد الله وقال:
- كلا!
قال الشرطي: - لنأخذها للمستشفى. هل هي قريبتك؟
أومأ برأسه إيجابا وأسرع بحملها وخرج بينما أخذ الشرطي حقيبة
رهف وهاتف هاشم.
- ضعها في سيارة الشرطة كي يفسحوا لنا المجال في الشارع
فنصل سريعا.
وضعها هاشم في المقعد الخلفي وجلس قربها محاولا الضغط على
الجرح كي يخفف النزف.  
سأله الشرطي: - هل طعنها أحد المسلحين الذين كانوا في تلك
السيارة؟
أجاب هاشم بنعم وهو يتذكر كيف افتدته بنفسها.
ظل هاشم طوال الطريق يدعو الله ان يحفظ رهف وهو ينظر بقلق
لجرحها النازف.
أُدخلت رهف الى قسم الطوارئ بينما دون الضابط الذي جاء مع
هاشم إلى المستشفى إفادته بخوص ما حدث لرهف.
أخذ الضابط حقيبة رهف وأخرج هاتفها ليتصل بذويها وسأل
هاشم:
- بما أنها من معارفك، فبمن نتصل من ذويها؟
أجاب هاشم: - اتصل بصديقتها مرام.
ما أن أبلغ الضابط مرام الخبر حتى صاحت بفزع:
- ما بها رهف؟ في أي مستشفى هي؟
طلب منها الضابط أن تهدأ وأعطاها اسم المستشفى، وبعد أقل من
ساعة كانت تجوب قسم الطوارئ بحثا عن رهف.
سألت عن الفتاة التي أحضرها ضابط الشرطة فدلوها على غرفة
العمليات التي ما تزال رهف ترقد فيها.
أسرعت نحو هاشم والضابط حين رأتهما.
- ما بها؟ هل حالتها خطرة؟! ماذا حدث يا هاشم؟ لقد خرجت
لتزورك وتطمئن عليك بعدما سمعت عن الانفجار الذي حدث في
منطقتك.
- ما بها رهف؟ هل حالتها خطرة؟ (كلمت هاشم) لقد خرجت
قاصدة محلك، فماذا حدث؟
قال الضابط: - اهدئي! هي في غرفة العمليات.
أخبرها هاشم بما حدث فراحت تبكي وقلبها يرتجف قلقاً على
رهف.
سألها الضابط ليتأكد:
- ما علاقتك بالمصابة، وما علاقتكما انتِ وهي بهاشم؟
- أنا صديقتها وكل عائلتها فهي يتيمة ومنقطعة، ونحن نعيش في
بيت واحد منذ عدة سنوات. هاشم يملك محلاً لبيع الهواتف وقد
ذهبنا إليه أكثر من مرة فنشأت بيننا معرفة.
طرح الضابط بعض الأسئلة على مرام وأخذ بياناتها الشخصية
كما فعل مع هاشم كما دون المعلومات الشخصية لرهف ثم
وعدهم بمتابعة القضية للعثور على الجُناة وبالمجيء في الغد
لتدون إفادة رهف حين تتحسن قليلا.
حين خرج الطبيب فأسرع إليه هاشم ومرام وسألاه عن حالة رهف.
- وضعها لن يستقر قبل الصباح. إن لم تنهض وتعود أعضاء جسمها
للعمل بشكل طبيعي فلن أستطيع القول انها بخير.
شكراه ثم أسرعا نحو رهف التي أخرجها اثنان من الممرضين من
غرفة العمليات.
كانت ممددة على النقالة وماتزال تهذي تحت تأثير المخدر
فصاحت بصوت مرتفع: - هاشم!
ردّ هاشم بلهفة: - أنا هنا!
فسألته الممرضة بمكر:
- أأنت هاشم الذي كانت تصيح باسمه في صالة العمليات؟
أدخلتها الممرضتان الى غرفة العناية المركزة فنظر هاشم ومرام
اليها من خلال الزجاج وهو يفكر " حتى في غيابك عن الوعي لا
تذكرين سواي؟ "
بدأ مفعول المخدر يزول فأخذت رهف تصرخ وهي متألمة:
- آه.. هاشم.. آه..
ونادته ثانية فأشارت له الممرضة أن ليدخل وحده بينما انتظرت
مرام في الخارج. وقف قربها وناداها ففتحت عينيها بصعوبة
وسألته بصوت ناعس بسبب تأثير المخدر:
- ألم أمت؟
ابتسم بارتياح لسماع صوتها وقال بلهفة رأتها في عينيه:
- لا سمح الله. حمدا لله على سلامتك.
جاءت احدى الممرضات وقاست حرارتها ونبضها فسألها هاشم وهو
يرى تصلب ملامح رهف بسبب الألم:
- ألن تعطيها مسكناً للألم؟
- لقد حقنته لها في كيس المحلول المغذي.
أصر هاشم: - لكنها تتألم كثيرا ً!
رمقته بابتسامة ورقص نبضها لاهتمامه وخوفه عليها بينما أجابته
الممرضة:
- لا أستطيع إعطاءها الحبوب لتشربها مع الماء حتى ينتهي كيس
المحلول المغذي.
عاد ليقف أمامها وقال بحزن وهو يرى ألمها وشحوب وجهها:
- ما كنت لأسامح نفسي لو أصابك مكروه.
رمقته بلهفة وقالت:
- وما ذنبك انت؟ ألا يكفي أنك عرضت نفسك للخطر
لتحميني؟!
اقتربت الممرضة وقالت:
- ولآن اخرج يا هاشم. يجب أن ترتاح المريضة الآن.
هزت رأسها نفياً واعترضت: - لا تذهب!
طمأنها بابتسامة: - لن أذهب بعيداً. سأبقى في الخارج. مرام ايضاً
تنتظر هناك حتى يسمحوا لها برؤيتك.
سألته وهي ترمق الممرضة الشابة: - من اين تعرف الممرضة
اسمك؟
سمعتها الممرضة وأجابتها وهي تجهز لها الحقنة:
- وهل بقي أحد لم يعرف اسمه بسبب صراخك به منذ انتهت
عمليتك حتى أفقتِ؟
استدارت وهي خجِلَة فابتسم هاشم وخرج.
سألته مرام بلهفة: - كيف حالها؟
- حرارتها مرتفعة وما تزال تتألم كثيراً.
علقت مرام بحزن: - منذ عرفتها وهي تتألم.
حين سمحت الممرضة لمرام بالدخول بعد فترة، لم تستطع حبس
دموعها. جلست قرب رهف وأخذت يدها وقالت:
- الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي. لا بد أنك تتألمين
كثيرا.
ربتت على يد مرام:
- ما زلت اتألم لكنني بخير. لا تقلقي علي.
- صرت كالمجنونة حين اتصل بي الضابط وأخبرني أنكِ في
المستشفى.
سألتها بقلق: - هل حقق مع هاشم؟ هل وجه له اتهاماً؟
أجابت مرام بمكر: - كلا. لا تقلقي على حبيب القلب.
قالت رهف وهي مبتسمة:
- لو رأيتِ خوفه علي! لقد تأكدت اليوم من حبه لي.
هزت مرام رأسها بيأس وقالت مبتسمة:
- آه منك! في أي حال أنت الآن؟!
رن هاتف هاشم وكان المتصل والده. كان صوته قلقاً حين سأله:
- أين أنت؟ تعود يومياً بعد التاسعة بقليل، وقد تجاوزت الساعة
الآن العاشرة والنصف.
- لا تقلق يا أبي فأنا بخير. لكن حدث أمر في المحل.
حكى لوالده عن سرقة المحل فقال بهجت:
- المال فداء لك يا ولدي. المهم أنك بخير. أين أنت الآن؟
استعد هاشم لثورة والده حين أجاب:
- أنا في المستشفى مع رهف لأن أحد المسلحين طعنها بسكين.

نهاية الفصل السابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 4:25 pm

الفصل الثامن

حكى هاشم لوالده عن سرقة المحل فقال بهجت:
- المال فداء لك يا ولدي. المهم أنك بخير. أين أنت الآن؟
استعد هاشم لثورة والده حين أجاب:
- أنا في المستشفى مع رهف لأن أحد المسلحين طعنها بسكين
انهالت عليه أسئلة والده الغاضبة فقال هاشم:
- أرجوكَ يا أبي، غداً سنتحدث في كل شيء حين أعود للمنزل.
سأله والده بعصبية:
- هل تنوي المبيت في المستشفى لتظل قربها؟ عد فوراً قبل موعد
حضر التجوال!
- اعذرني يا أبي، لن أستطيع تركها فقد تَلقّت الطعنة بدلاً عني.
قال بهجت بإصرار:
- وأنتَ فعلت ما عليكَ ونقلتها للمستشفى. ألم تحضر رفيقتها؟
دعها الآن وعد!
تنهد هاشم وقال بصعوبة: - آسف يا أبي لكنني لا أستطيع
تركها فوضعها غير مستقر. اعذرني ولا تغضب أرجوك.
تأثر بهجت كثيرا فهذه أول مرة يخالف هاشم أمره، وقال بحزن:
- وهل يهمك رأيي؟
ثم أغلق الهاتف في وجه هاشم فتنهّد وهو يمسك جبينه لكنه
لم يعاود الاتصال بوالده فالكلام في الهاتف لن ينفع.
صعد هاشم إلى الطابق الثاني الغرفة التي نُقِلت رهف إليها. طرق
لباب فاستقبلته مرام فناولها طعام العشاء الجاهز الذي اشتراه لها.
- شكرا يا هاشم. من فضلك ضعه في الغرفة وابق مع رهف ريثما
أجلب لها أغطية إضافية.
دخل وسأل رهف وهو يجلس أمامها على الكرسي:
- كيف تشعرين الان؟
قالت بسرور لبقائه: - الحمد لله، أفضل. ظننتك غادرت.
تساءل باستغراب: - كيف أتركك؟! (استدرك بسرعة) أعني
لأنكما وحيدتين، أنت ومرام. فقد تحتاجان شيئاً في الليل.
بعدما تأملت وجهه الحبيب الذي يشيح به عنها وهو يشعر
بنظراتها، سألته:
ـ كلمني عن نفسك يا هاشم فأنا لا أعرف شيئاً عنك.
ابتسم وسألها: - ماذا تريدين أن تعرفي؟
فكرت وهي ترمقه " لو كان بيدي لعرفت حتى عدد انفاسك في
الدقيقة الواحدة "
هرب من نظراتها كالعادة فقالت مبتسمة:
- هنالك تفاصيل صغيرة لكنها مهمة. اشياء من حياتك اليومية
مثلاً أو أشياء عن عائلتك.
بدأ يحدثها عن والده أولاً فلمعت عيناه ببريق الاعتزاز والفخر
وبحب أكبر من مجرد حب الابن لأبيه:
- أبي هو الصديق والمثل الأعلى والمعلم الأول والأفضل لي. هو
كل شيء في حياتي.
مازحته قائلة: - ماذا تركت إذن لوالدتك؟
لاحت على وجهه ابتسامته الجميلة وهو يقول:
- هي كل الحب والحنان الذي في الدنيا.
دمعت عينا رهف لأنها لم تعرف والدتها قطّ وقالت:
ـ أظنني لمحتها مع والدك وبعض الرجال، حين كانوا في
زيارتك في التوقيف لكنني لم أرَ وجهها.
قال هاشم معاتبا: ـ تعنين حين أتيتِ لزيارتي للمرة الثالثة رغم أني
طلبت منك عدم المجيء. أنت عنيدة!
سألته باستغراب: ـ هل رأيتني تلك المرة؟! كان الجميع حولك
فانصرفت. أخبرني عن هالة.
ابتسم حين عادت لذاكرته ملامحها العابسة الغيورة وهي تسأله
عنها أول مرة وقد ظنتها خطيبته.
- هالة هي التوابل التي تضفي نكهة خاصة على البيت. لا أعرف
كيف سيصبح البيت من دونها بعدما تتزوج.
ـ هل ستتزوج قريباً؟
ـ هي مخطوبة لخالد رفيقي المقرب. أحد الاثنين اللذين كنت
أبيت في منزلهما يومياً، أيام مطاردة رجال أبي ثابت لي.
تنهدت وقالت بارتياح:
ـ كانت فترة مؤلمة، لا أعادها الله. مع أنها كانت السبب في
تعارفنا.
ابتسم وهو يتذكر تلك الليلتين اللتين جمعتا الغرابة والروعة
والمشاعر الجميلة التي عاشها للمرة الأولى في حياته.
ـ الحمد لله الذي نجاني. لكنني ما زلت أستغرب تغيير جلال لرأيه
ومجيئه للإدلاء بالشهادة لصالحي بعدما كان رافضا ذلك بشدة.
شعرت رهف بحرقة في صدرها وكرهت الحديث عن جلال فقالت:
ـ لنتحدث عن أشياء أخرى أرجوك. حدثني عن طفولتك مثلاً أو
أيام دراستك.
استمر الحديث بينهما لساعات عرفا من خلاله عن بعضهما اشياء
بسيطة ومهمة، ونسيا مرام المسكينة التي بقيت في الخارج
لتدعهما يستمتعان بجمال تلك اللحظات.
اثناء حديثهما الطويل، لم يقل لها كلمة حب صريحة لكن حبه
واهتمامه كان جليّاً في نظراته وكل تصرفاته. حتى في هروبه
من نظراتها.
قاطعهما دخول الممرضة المسنّة التي قالت بابتسامة ماكرة:
- ألم تشبعا من المناجاة بعد يا زوج الكناري؟
شعرا بالإحراج ونهض هاشم من فوره فقالت الممرضة:
- يجب أن تنامي وترتاحي. أمامكما العمر بطوله لتتحدثا معاً.
قال هاشم وهو ينهض بارتباك: - سأنادي مرام لتبقى قربك.
سألتها الممرضة بابتسامة ودودة:
- ستتزوجان قريباً؟ هو خطيبكِ، أليس كذلك؟
ابتسمت لها رهف وهي تشعر بألم ومرارة في صدرها وفكرت
" ليته كان! "
نام هاشم على الكرسي في الممر أمام غرفة رهف وكعادته
استيقظ قبل أذان الفجر وهو يشعر بتعب في جسمه بسبب نومه
على الكرسي.
بعدما أنهى صلاته، اقتربت مرام وألقت عليه التحية فسألها:
- كيف حال رهف الآن؟
- بخير. ادخل لقد استيقظَت للتو.
دخل هاشم وسأل رهف مبتسماً: - صباح الخير. كيف أصبحتِ؟
قالت بابتسامة وعينان ناعستان: - الحمد لله.
جاءت الممرضة لفحص رهف فنهض هاشم وقال:
- يجب أن اذهب الآن.
سألته رهف بعد تردد وقد عاد نبضها لإيلامها حزنا على مغادرته:
- هل.. ستأتي ثانية؟
- غداً سأذهب للتسوق. تعرفين، لقد سرق أولئك الاوغاد كثيرا
من الاجهزة النقالة من المحل. لكنني سأتصل لأطمئن عليك.
انتبه لزلة لسانه حين سألته رهف بنظرة ذات معنى وهي تسأله
عما تعرف جوابه:
- هل تعرف رقم هاتفي؟
قال بسرعة وارتباك لم يفُتها: - سآخذه الآن.
وأملت عليه مرام رقم هاتف رهف الذي يعرفه أصلاً ثم ودعهما
وغادر.
قالت مرام بمكر لتكسر ملامح الحزن التي علت وجه رهف:
- إذن كان هو بالفعل من اتصل تلك المرة! أعتذر لحدسك وقوة
إحساسك به يا رفيقتي!
ابتسمت رهف وقالت بانتصار: - ألم أخبرك؟!
انتظرت رهف زيارة هاشم لها في الايام التالية لكنه لم يأت أو
يتصل بالهاتف.. وخرجت من المستشفى ففقدت الامل في اتصاله
بها، فقد عادت الامور لسابق عهدها بعدما اطمئن عليها.
في ليلة كانت رهف تبكي بعد صلاة الفجر وهي جالسة على
السجادة، فسمعتها مرام وهي مارة قرب غرفتها. دخلت وقالت لها
بحزن:
- لا يجوز ما تفعلينه يا رهف! تعلمين أ ببكائك لن يتغير شكل
العلاقة بينكما، فلا تعذبي نفسك!
- ليس بيدي يا مرام، فوقت الفجر يقّلب في رأسي كل الذكريات.
لوت مرام فمها بسخرية وقالت:
- هذا على أساس أنك لا تفكرين فيه باقي اليوم! انسيه يا
رهف.
نهضت رهف عن السجادة وهي تقول:
- تعرفين انني لا أستطيع! لكن منذ اليوم لن أفكر في الذهاب
إلى محله ثانية لأراه، مهما اشتقت اليه فلا جدوى من ذلك.
ربتت مرام على كتفها: - هذا أفضل لك يا حبيبتي.
جلست الحاجّة هناء قرب هاشم بينما كانت العائلة مجتمعة،
وقالت له:
- ألم تفكر في خطبتك لسراب ابنة خالتك؟
ردّ هاشم بضيق: - أرجوك يا أمي، لا تلحي علي. أخبرتك أنني لا
اريد الزواج الآن.
- لماذا يا ولدي؟ لقد تجاوزت الثانية والثلاثين فماذا تنتظر؟
قالت هالة: ـ وسراب فتاة جميلة ومناسبة.
فكرت هناء ثم قالت مع رغبتها الشديدة بزواج هاشم من سراب:
ـ حتى لو كانت هناك فتاة معينة غير سراب تميل اليها، وهي
مناسبة فلا بأس. أليس كذلك يا بهجت؟
نظر هاشم لوالده لا إراديا فرمقه بهجت وهو يشعر بالذنب ثم قال
لزوجته:
- اتركيه ولا تلحي عليه يا حاجّة.
نهض هاشم واتجه الى غرفته وهو يتذكر ما دار بينه وبين والده
من حديث قبل أكثر من ثلاثة أشهر، حين عاد من عند رهف في
اليوم التالي لإصابتها حتى قاطع صوت والدته من خلف الباب
أفكاره وأخذه من تلك الذكريات المرة.
- هاشم..
- تفضلي يا أمي.
دخلت ثم جلست قربه وقالت:
- لا تغضب لأني ألح في أمر زواجك.
قبل يدها وقال: - وهل يحق لي أن أغضب منك، وأنا الذي يخشى
غضبك ويرجو رضاكِ؟
ربتت على كفة وسألته: - ما بك يا هاشم؟ قبل أشهر انقلبت
أحوالك فجأة فحبست نفسك في غرفتك لأيام. ومن وقتها لم
تعد مثل السابق. احكِ لي عما يؤلمك يا ولدي! أم أنك لا تسلّم
اسرارك إلا لوالدك؟
انتابته رغبة في الشعور بالأمان في حضن أمه كولد صغير فتطلع
إليها ورمى رأسه على صدرها فسألته بقلق وهي تضمه بقوة:
- ماذا حصل حتى أرى هذا الحزن والألم في عينيك يا قلب
أمك؟!
ظل صامتاً لبعض الوقت ثم قال:
- فلتسألي الله لي راحة البال يا أمي، فليس أفضل من دعائك.
دعت وهي تحيط وجهه بكفيها الحانيين:
- أراح الله بالك وقلبك ورزقك السعادة في الدارين يا ولدي.
أطبق هاشم جفنيه وقال: - آمين.
أخذت رهف تركز في عملها أكثر وتمنحه وقتاً أكثر علّها
تنشغل عن التفكير بعذاباتها لكن دون جدوى.
استأجرت هي ومرام محلاً أكبر لمركز التجميل ووظفتا عاملتين
جديدتين إضافة للعاملة القديمة، وذاع صيت عملهما المُتقَن
فصارت العرائس يطلبنهما للذهاب الى منازلهن لتزيينهن.
يوم الخميس، استعدت رهف ومرام للذهاب إلى منزل إحدى
العرائس لتزيينها وأتت خالة العروس لأخذهما.
في الطريق، كانت مرام تتكلم مع المرأة بينما ظلت رهف صامتة
كعادتها في الفترة الاخيرة.
دخلن الى صالة المنزل حيث كانت تجلس والدة العروس ومعها
ثلاث فتيات فألقتا التحية ثم سألتهن مرام:
- من هي عروسنا؟
قالت الفتاة ذات الملامح الناعمة بابتسامة جميلة:
- أنا العروس.
باركت لها رهف ومرام وبدأتا عملهما. أكملت رهف شعر العروس
فقالت لها:
ـ سلمت يداكِ. التصفيفة جميلة وبسيطة، تلائم الحجاب.
ابتسمت رهف:
ـ لك ملامح جميلة تتناسب مع أي تصفيفة يا عروس.
وبينما كانت رهف تصفف شعر الصبية الصغرى، قالت العروس
تمازح والدتها:
- أمي، بما أنك وأبي ستتخلصان مني وربما من هاشم بعدي فلم لا
ترتبين شعرك وتصبغينه لتجددا شهر عسلكما أنت وأبي؟
غاص قلب رهف حين سمعت اسم هاشم ونظرت إلى مرام وهي
تفكر لو أن الأمر ليس مجرد تشابه أسماء، وأن هذا منزل هاشم
فعلاً.
قالت والدة العروس مؤنبة:
- الحاج يراني جميلة كما انا! لا دخل لكِ واهتمي بإرضاء خالد.
" أخو العروس هاشم والعريس خالد. لا يمكن أن يكون تشابه
أسماء فقط "
سألتها رهف وهي تبتسم لتخفي اضطرابها:
- لم نعرف اسمك بعد يا عروس.
- صحيح، لم نتعارف. اسمي هالة وهذه سراب، والتي تصففين
شعرها (سهى)، ابنتا خالتي.
ارتجفت يدها وتبادلت ومرام نظرة دهشة.
انتبهت سهى لاصفرار وجه رهف فسألتها:
- ما بكِ، هل انت متعبة؟
اجابت مرام بسرعة: - لم تنم جيداً ليلة أمس.
فقالت هناء: - استريحي يا ابنتي ثم أكملي عملك.
بالكاد استطاعت إخراج صوتها دون ارتجاف حين قالت:
- لم يبق لي الكثير. سأكمل عملي ثم أرتاح.
انهت رهف ترتيب شعر سهى ثم سمعت صوت السيارة التي رأتها في
مرآب المنزل حين دخلت. لابد أن هاشم من شغّل السيارة.
لم تقاوم رهف شوقها لرؤيته فقالت:
- سأنتظرك في الخارج يا مرام، فانا احتاج لاستنشاق الهواء.
فهمت مرام ما دار في رأس رهف فرمقتها باستغراب وهي ترفع
حاجبيها، كأنها تذكرها بقولها " مهما اشتقت إليه فلن أذهب
لرؤيته " فرفعت رهف كتفيها وهي ترمق مرام كأنها تقول " ماذا؟
اشتقت إليه! "
سألتها إقبال خالة هاشم:
- أليس الجو حار في الخارج؟! نحن في فترة الظهر.
أجابت رهف وهي تسرع بجمع أغراضها:
- لا باس، سأشعر بتحسن في الخارج.
تقدمت رهف لتعانق هناء وهالة وتبارك لهما فاحتضنتهما بكل
محبة لأنهما والدة هاشم الغالي وشقيقته.
- مبارك مرة ثانية وليسعدك الله. مع السلامة.
- مع السلامة.
بالكاد كتمت مرام ضحكتها ورمقت رهف بمكر قبل أن تخرج
وهي تفكر " مجنونة! ليته يعلم كم تحبينه! "
خرجت رهف لتجد هاشم جالساً في السيارة ينتظر خروج والده.
ابتسمت بسرور لرؤيته ثم استغربت وتبخرت ابتسامتها حين قست
ملامحه عندما استدار ورآها واقفة.
نزل هاشم من السيارة وتقدم نحوها وفي عينيه نظرة احتقار
كانت كسكين في قلبها. نظرة كالتي وجهها لها في لقائهما
الأول حين ظنها فتاة سيئة.
- ماذا تفعلين هنا؟ وكيف عرفتِ مكان منزلي؟
ألم أصابها وهي تسمع الحدة في صوته وسألته بدهشة:
- ما بك يا هاشم؟ لماذا تكلمني هكذا؟

نهاية الفصل الثامن

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 4:29 pm

الفصل التاسع

نزل هاشم من السيارة وتقدم نحوها وفي عينيه نظرة احتقار
كانت كسكين في قلبها. نظرة كالتي وجهها لها في لقائهما
الأول حين ظنها فتاة سيئة.
- ماذا تفعلين هنا؟ وكيف عرفتِ مكان منزلي؟
ألم أصابها وهي تسمع الحدة في صوته وسألته بدهشة:
- ما بك يا هاشم؟ لماذا تكلمني هكذا؟
وهنا خرج بهجت وتغير لونه حين رأى رهف.
نهرها هاشم باشمئزاز: - لا تنطقي اسمي!
سألته وهي حائرة: - ماذا فعلتُ لتعاملني هكذا؟!
رمقها بغضب وهو يستغرب هذا الصلف الذي لم يعهده فيها وسألها
بدوره: - وَتسألين بكل وقاحة؟
وهنا خرجت مرام وسمعت هاشم فاستغربت كلامه.
قال بهجت لهاشم: - دعكَ منها ولنذهب. هيا اخرجا من منزلي.
لكن هاشم كان يريد إخراج ما به من غضب وإعلام رهف أنه
عرف الحقيقة فقال وهو ينظر إليها بنفور:
- لم أتصور أنك ممثلة بارعة. تتصرفين وكأن شيئاً لم يكن.
سألت مرام بهجت بامتعاض وبحدة، مدافعة عن غاليتها كعادتها
وهي ترى اصفرار وجهها وتأثرها:
- لماذا تريد الابتعاد بولدك؟ تريد أن تعرف لماذا يكلمها هاشم
باحتقار هكذا.
سألها بهجت بعصبية ونفور: - وما دخلك انت بالأمر؟
قالت رهف بإصرار: - أنا من تريد أن تفهم الامر يا حاج.
ثم نظرت لهاشم:
- لماذا تكلمني هكذا وكأنني أجرمت بحقك يا هاشم؟
سألها هاشم بحدّة وعيناه تفيضان ألماً وخيبة رجاء:
- هل تنكرين أنك كنتِ السبب في شهادة ذلك الحقير
لصالحي؟ كيف وافقت؟ كنت أفضل الموت على ذلك.
ارتجفت رهف وقد فهمت ما ظن فيها، فبالتأكيد قد حدثه والده
عن مقابلتها مع جلال وطلبه أن تكون ثمنا لشهادته مع هاشم.
قبضت على ذراع مرام كي تستند عليها وقد أصابها الدوار
وتقطَّعت انفاسها فلم تستطع الكلام وراحت دموعها تتساقط
فقالت مرام بعينين جاحظتين دهشة:
ـ عن أي موافقة تتحدث؟ لقد تعرضت لتشنج عصبي في مكتب
ذلك الحقير حين عرض عليها ذلك الشرط القذر. لم تتحمل
أعصابها لقاءه من جديد، وهذا ما كنت أخشاه لكنها ذهبت
لأجلك.
نقل هاشم نظره بين والده ورهف بحيرة وهو يستغرب تناقض ما
يسمعه الآن من مرام ويراه من صدق نظرات رهف مع ما أخبره به
والده قبل عدة أشهر، في اليوم التالي لإصابة رهف. وراح عقله
يسترجع تلك المحادثة التي دمرت قلبه مع والده بعد عودته من
المستشفى...
قال بهجت بحزن: - هذه أول مرة تخالف أمري يا هاشم. ألهذه
الدرجة تسيطر تلك المرأة عليك؟
انزعج هاشم وهو يشعر بمدى رفض والده لوجود رهف في حياته،
والذي كان دائماً يقف حائلاً بينه وبين رهف ويجعله يبتعد عنها
رغم حبه الكبير لها. فهو يحب والده ويحترمه ولا يمكن أن
يفعل ما يغضبه.
برّر لوالده المستاء:
- لقد افتدتني بنفسها وتلقّت الطعنة بدلاً عني فكيف أتركها؟
تساءل بهجت بعصبية: - ولماذا أتت إليكَ أصلاً؟ ألن تتركك
وشأنك؟
- هي لم تأتِ إليّ ولم أرها منذ يوم محاكمتي. لكن يوم أمس،
جاءت لتطمئن عليّ بعدما شاهدت خبر الانفجار الذي حدث قريبا
من المحل.
قال بهجت بحزم:
- ها أنت تدافع عنها وتوجد لها المبررات. حذرتك من الانجراف
وراء أهوائك لكن لا فائدة، فهذه المرأة تفقدك عقلك.
تساءل هاشم بحزن واستغراب:
- أي هوى وأي عقل أفقده بسببها يا أبي؟! ما أحسه تجاه رهف هو
حب طاهر لا هوىً طائش.
سأله والده وقد زاد غضبه وقلقه من هذا الاعتراف:
- وما آخر هذا الحب برأيك؟ هل ترضى الزواج بواحدة مثلها؟
قال هاشم بانفعال وتأثر لكن بصوت هادئ:
- وما ذنبها في أنها ولدت في بيئة فاسدة؟ لقد ذاقت الأمرين
لتحفظ نفسها وشرفها في تلك البؤرة القذرة. ومنذ رأتني أول مرة،
شرح الله قلبها للالتزام بالفرائض والتقرب من الله. إنها تحمل من
البراءة والنقاء ما جعلها تظن نفسها كبائعات الهوى اللاتي نشأت
معهن، فقط لأن خسيسا لا يخاف الله سلبها شرفها.
سأله بهجت بعصبية:
- وهل تستطيع انت رمي ما فات وراء ظهرك، ونسيان ما حدث لها؟
تنهد بحزن وقال: - يا أبي.. أليس الله ورسوله يأمراننا بمعاملة
التائب معاملة حسنة تعينه على توبته، لا ان نعاقبه على ذنوبه
السابقة لبقية عمره؟ فكيف بمن لم تذنب؟! لقد كانت سببا
حتى في هداية رفيقتها وخلاصها من ذلك المستنقع الفاسد.
وحتى المال الحرام الذي كانتا تنفقان منه، أقنعتها رهف
بالتخلص منه شيئا فشيئا كلما كسبتا نقودا من رزق حلال.
كيف يكون الالتزام أكثر من هذا؟
ثم أكمل بانفعال:
- لماذا ننظر للضحية المغتصبة كفاسقة أو جانية، ونترك
الجاني؟ لماذا نحاسب الناس على أخطاء أهلهم وننسى قوله تعالى "
لا تزر وازرة وزر أخرى "؟ لماذا نُنَحّي الدين جانبا حين يتعارض مع
قناعاتنا؟!
أطرق بهجت رأسه لفترة وهو يفكر بأن هاشم يريد جدياً الزواج
من رهف ثم قال أخيرا بحزن:
- هنالك شيء لم اخبرك به كي لا ينكسر قلبك يا ولدي.
تغير وجه هاشم وسأل والده بقلق: - ما هو يا أبي؟
أطلق حسرة طويلة ثم قال:
ـ ألم تسأل نفسك لماذا غير شاهدك الوحيد في القضية رأيه
فجأة وحضر ليشهد، بعد رفضه القاطع التدخل في الأمر؟
قطب هاشم جبينه وتساءل: - ما دخل هذا بحديثنا يا أبي؟
رمقه بهجت وهو يقول: - جلال رشيد هو نفسه ذلك الرجل الذي اعتدى عليها، وقد تذكرت اسمه حالما ذكرته أمامها.
رمق هاشم والده بدهشة، والغضب على جلال قد سبب تسارع
نبضاته وزفراته بينما صمت بهجت قليلا فاستحثه هاشم:
- أفصح يا أبي. لا أفهم ما تريد قوله.
أكمل بهجت:
ـ حين عرفت ذلك، ذهبت للتوسط عنده ليشهد معك في
محاولة منها لإنقاذك فأرادها ثمناً لشهادته معك.
انتظر هاشم أن يقول والده شيئاً يكذّب ظنه وتخيّله لما حدث
لكنه لم يفعل بل أبعد وجهه وصمت فجن جنون هاشم وسأل والده
متوسلا وهو يمسك ذراعيه:
- لا تصمت الآن يا أبي وأخبرني بما حدث بعدها.
هتف بهجت بحنق:
- ألم يأتك الجواب في المحكمة؟ لماذا غير رأيه وحضر للشهادة
برأيك؟
أكد هاشم وهو يهز رأسه اعتراضا:
- كلا يا ابي! لا يمكن لها أن توافق على فعل هذا حتى من أجلي.
أنا أعرفها جيدا. لا يمكن ان تخضع لطلبه. لقد كانت منهارة
ترتجف وهي تحدثني عما فعله بها، فكيف تفعل هذا؟
أجاب والده بحقيقة حلوة مرة:
- أنت تعرف مدى جنونها بك أكثر مني.
أصر هاشم من جديد: - كلا يا أبي. مستحيل ان تفعل الآن وهي
ملتزمة، ما رفضته وهي تحت رعاية امرأة فاسدة. لا يمكن!
أغمض هاشم عينيه بألم وعاد ينكس رأسه بين كفيه فهتف
بهجت أخيرا بانفعال:
- هي أخبرتني بتضحيتها من أجلك. لقد حذرتها أن تنصاع لطلب
ذلك الخسيس، كما حذّرتك من تأثير بيئتها عليها فلم
تصدقني.
كانت كلمات والده كسهام تخترق صدره فبدأت أطرافه
بالارتجاف وهو يذكر كم كانت منهارة شاحبة يوم محاكمته
وعيناها معلقتان بتلك الغرفة التي جلس فيها جلال ليدلي
بشهادته. وتذكر كيف تغير وجهها في المستشفى ليلة أمس
عندما تحدث عن سبب تغيير جلال لرأيه والشهادة في المحكمة
فغيرت الموضوع بسرعة.
جلس هاشم منهاراً ووجهه يعكس عَجزاً وغضباً شديداً على رهف
لأنها خضعت، وغضباً من نفسه لأنه كان سبباً في سقوطها في
المعصية التي ظلت تحارب كي لا تسقط فيها.
قال وهو منفعل:
- لماذا لم تخبرني حين خرجت من التوقيف؟ لماذا لم تخبرني
قبلاً؟
انحنى والده ليمسك ذراعيه ويقول بحزم:
- كي لا أراك منهاراً هكذا. انسَها يا ولدي وأخرجها من رأسك
وقلبك.
قال وقد لمعت عيناه بالدموع:
- كنت اُفضل الموت على أن تسلم نفسها بسببي.
ضمّه والده بقوة وقال: - إنسَها يا ولدي...
عاد هاشم من تلك الذكرى للواقع بينما مسحت دموعها وقالت
وقد اتقد غضبها وداخلها منكسر بسبب خذلان هاشم لها
وتصديقه ما أخبره أو استنتجه والده عنها دون دليل:
- ألم تخبره أنني رفضت يا حاج؟ لقد أخبرتك أني لن أفعل ما أراد
حتى من أجل هاشم.
صمت بهجت وهروب عينيه من عيني هاشم، أكدت صدق رهف
وكذب ما أخبره به والده فحدق بوالده وأطلق تساؤلاً ذاهلاً بصوت
هامس مختنق والألم يعتصر قلبه: - أبي؟
استنتجت رهف ومرام من ردّ فعل هاشم وبهجت أن في الأمر افتراءً
وتضليلا فقالت رهف بعدم تصديق لبهجت:
- هل اتهمتني أمامه؟! (استدارت نحو هاشم وأضافت بألم) وأنت لم
تكلف نفسك عناء سؤالي عما حدث، وصدقت فورا. فقط لأن
ذلك البلاء في حياتي غير رأيه وشهد معك لسبب لا أعرفه.
أكملت رهف بمرارة:
- بالطبع! وهل ستُكذّب والدك الحاج الذي يخاف الله لتأخذ
الحقيقة مني أنا، ربيبة المقامر والفاسقة؟
لم ينبس هاشم ببنت شفة، فماذا سيقول؟ أيعاتب والده أمام رهف
ومرام؟ أم يخبر رهف أنه صدق اتهامها بعدما أخبره والده كذبا
أنها اعترفت له بالخضوع لجلال والسقوط في المعصية؟
تركت الفتاتان المكان وغادرتا ليواجه بهجت نظرات أدمت قلبه
من ولده.
حزن وخيبة أمل وصدمة، ودموع تجمعت في عينيه تنذر بالتساقط
حين قال:
- علمتني منذ الصغر بأن أعراض الناس محضور لا يجوز الخوض
فيه أبداً. لقد قلبت كل الموازين لدي.
كم كان وقع تلك الكلمات قاسيا على بهجت! وكم كانت
تعبر عن مدى صدمة هاشم في أغلي إنسان عنده ومثله الأعلى!
خرج هاشم من البيت مسرعاً فأدرك بهجت أنه خسر ما لا يعوض
بينه وبين ابنه.
حين عاد بهجت الى البيت ليلاً، سأل هناء عن هاشم فقالت له:
- لقد بعث رسالة قبل قليل يخبرني فيها انه سيبيت عند سامي.
تعرف مدى تعلق هاشم بهالة. هو لا يريد المبيت في المنزل في أول
يوم تغيب عنه.
ثم راحت هناء تبكي لمفارقة ابنتها فأخذ بهجت يواسيها وهو
دامع العينين. ليس على فراق ابنته فحسب بل على ما ارتكب من
ذنب.
ذلك اليوم كان قاسيا جدا على رهف فالبريء يؤلمه الاتهام
الباطل.
قالت وهي تبكي: - كيف تصورتُ أن هاشم لا يهتم كيف نشأت،
ولا يهتم لما حدث في الماضي؟ لهذا انقطع عني في اليوم التالي
لإصابتي.
قالت مرام بغيض: - حسبي الله على ذلك الحاج الذي لا يخاف
الله! لكن هاشم له العذر.
رمقتها رهف استغرابا فأوضحت:
- ألم تري مدى الصدمة على وجهه وفي نظراته حين عرف
الحقيقة منك؟ الله وحده يعلم بما قاله له والده ليجعله
يكرهك. كيف سيخطر بباله أن والده اتهمك زورا ليبعده
عنك؟!
قالت رهف بمرارة:
- لكن يمكن أن يصدق أنني أسقط في المعصية حتى لو كان
ذلك ثمناً لإنقاذه. طبعاً! فقد جئت من بيئة منحطة وذلك
الفعل عادي فيها.
قالت مرام وهي متألمة لأجلها:
- بل لأنه يعرف كم انت مجنونة به وتفعلين اي شيء لأجله.
ولأنه يقدس والده كما أخبرتني.
قالت رهف باستغراب:
- صرت تدافعين عنه الآن، مع أنك كنت تتمنين أن أنساه لينتهي
عذابي.
قالت بحزن وعينين دامعتين:
- لأن شعورك بأنه ظلمك لن يجعلك تنسيه بل سيزيد من
عذابك، ولأنني لا أريد أن نظلمه وقد جربنا مرارة الظلم.
منذ عرف هاشم الحقيقة، تغيرت في داخله اشياء كثيرة. حبه
لوالده لم يتغير لكن صورة الوالد المثالي لبهجت في عيني
هاشم، أصابها خدش لن يمحى. وانكسرت أشياء جميلة كانت
بينهما ولن تعود.
كان بهجت يدرك ذلك ويقرؤه في عينيّ هاشم اللتين ما عادتا
تنظران في عينيه كثيراً مثل السابق. وكان يتألم وهو يرى
كيف صار هاشم انعزالياً وحزيناً.
أما رهف.. فقد تغيرت فيها اشياء كثيرة هي الاخرى.
عدم ثقة هاشم بها سببت لها جرحاً كبيراً. واتهام بهجت لها رغم
التزامه الديني جعلها تفقد الثقة بالناس.
ومن وقتها صارت تحبس حب هاشم في قلبها، فلم تعد تذكره أبدآ
أمام مرام رغم اشتياقها له.
حتى انها لم تعد تدعو في صلواتها أن يكون من نصيبها، وكأن
في ذلك إهانة لكرامتها.
كل ذلك انعكس على وجهها فصار كئيباً ذابلاً وصارت هي
الأخرى انعزالية قليلة الكلام.
ذات يوم، كان هاشم يبحث عن هاتف قديم له وسأل والدته عن
مكانه فقالت إنه في الصندوق الخشبي في المخزن.
سحب الصندوق فسقط شيء معدني كان تحته فانحنى والتقطه.
كانت القلادة التي أهدتها له رهف في لقائهما الثاني.
حين اتهم والده رهف أراد رميها لكنه لم يستطع لأن فيها اسم
الجلالة فخبأها هنا كي لا يراها ثانية، كما حذف رقم هاتفها
من جهازه المحمول مع انه لم يستطع حذفه من ذاكرته.
تنهد بشوق ووضع القلادة في جيبه وأخذ الهاتف وخرج.
تعرض بهجت لأزمة قلبية لأن ضغطه ارتفع بشكل مفاجئ ونزف
دماً من أذنيه وانفه. نقله هاشم ليلا إلى مستشفى خاص وظل تحت
العناية المركزة طوال الليل.
أخذ هاشم المصحف من يد والدته وقال:
- لقد تعبت يا أمي، هيا اصعدي الى الغرفة.
رفضت هناء: - لا أريد الابتعاد عن غرفته يا ولدي.
لكن هاشم أصر عليها أن تصعد إلى الغرفة التي حجزوها كي
ترتاح قليلاً قبل صلاة الفجر.
- هيا يا أمي وسأبقى هنا. في كل الأحوال لن يفيق أبي قبل
الصباح.
- حسنا، سأصعد لأصلي في الغرفة.
بعد قليل خرج الطبيب من عند والده فأسرع اليه وسأله بقلق:
- ما أخبار والدي؟
- ستستقر حالته خلال الساعات القادمة. وربما نقلناه الى غرفته
بعد ساعتين أو ثلاث.
صعد هاشم ليطمئن والدته فوجدها تضم ثياب والده وقد غفت
على الاريكة.
افاقت وسألته: - ما أخبار والدك؟
- يقول الطبيب ان وضعه سيستقر خلال الساعات القادمة. وقد
ينقلونه الى هنا بعد ثلاث ساعات.
جلس هاشم على الأريكة وأخذ يدعو الله أن يشفي والده،
واستغفر وهو يشعر بالذنب ويخشى أن سبب توعك والده هو
الموقف الذي حدث بينهما أمس حين أراد الكلام معه بخصوص
رهف فرفض هاشم بنبرة فيها بعض الحدة.
اتصلت هناء بابنتها بعد انتهاء منع التجوال وأخبرتها بما جرى
لوالدها فجاءت مسرعة مع خالد.
سألتهم هالة بلهفة: - كيف حاله الآن؟ ألم يقل الطبيب شيئاً؟
اجابها هاشم:
- ربما يخرجونه من العناية المركزة خلال الساعة القادمة.
بعد نصف ساعة خرج الطبيب وقال:
- لقد افاق الحاج وتجاوز الازمة.
حمدوا الله جميعاً ثم قال هاشم: - هل ستنقلونه الى الغرفة الآن؟
- نعم. لكن يجب ان يبتعد عن الانفعال.
وقف الجميع أمام باب غرفة العناية وحالما خرج بهجت والممرضة
تدفع كرسيه المدولب تجمعوا حوله وحمدوا الله على سلامته،
وانحنى هاشم وقبل يده والدموع تتجمع في عينيه.
قالت الممرضة (زهرة):
- أرجوكم لا تتجمعوا حوله هكذا. ابتعدوا لأنقله الى المصعد.
رمق بهجت زهرة وقال بانزعاج:
- لا تصرخي بهم!
قالت زهرة: - ماذا قال الطبيب يا حاج؟! كن مطيعاً ولا تنفعل
كي تتحسن وتغادر بسرعة. يبدو ان الحاج حاد الطبع يا حاجّة.
ابتسمت هناء لزهرة وصعدت السلم مع الباقين لينتظروا بهجت في
الغرفة. قالت زهرة:
- بقاؤكم هنا لا يفيده بشيء. ما دمتم اطمأننتم عليه دعوه
ليرتاح ولتبق الحاجة معه فقط. والآن اخرجوا من فضلكم من
الغرفة.
قال بهجت بصعوبة لهاشم: - أريدك ان تبقى يا هاشم.
قالت زهرة: - حسناً لكن ليس لفترة طويلة.
تمتم بهجت بانزعاج: - اقرعي لنا الجرس إذا انتهت الاستراحة.
ضحكت زهرة وقد سمعته ثم قالت:
- وقت الاستراحة خمس دقائق لا أكثر يا حاج.
أومأ لها هاشم برأسه ليعتذر فقالت مبتسمة:
- لا تتعبه بالكلام.
جثا هاشم قرب سرير والده وقبل يده وقال:
- فدتك روحي يا أبي. ارجوك سامحني على تصرفي البارحة.
أشعر انني السبب فيما حدث لك.
- كف عن اللغو واسمعني قبل ان تأتي شرطية الوقت تلك.
أريدك ان تقنع رهف بالحضور إلى هنا.
رمقه هاشم باستغراب وقال: - لماذا؟!
- هيا ولا تسأل!
اعترض هاشم: - أبي، أنت متعب وقد خرجت لتوك من العناية
المركزة. سأذهب فيما بعد.
قال بهجت بعصبية: - لا تجادل واذهب يا ولد فلا وقت لأضيعه.
خرج هاشم فوجد هالة تحاول إقناع والدتها بالذهاب الى البيت
لترتاح وتبقى هي مكانها هنا لكن هناء قالت:
- كلا يا ابنتي ولا تلحي لأني لن اترك والدك. اذهبي مع
زوجك وسأظل هنا.
أيدها هاشم: - هيا يا خالد خذ زوجتك واذهبا فأنت مرتبط
بوظيفة.
وفي المساء عودا إلى هنا وسيكون أبي بحال أفضل إن شاء الله
فترينه وتجلسين معه يا هالة.
ـ لن أترك أبي.
قال خالد: - وأنا أيضاً سأبقى. وسآخذ إجازة من العمل.
أصر هاشم: ـ بل اذهب لعملك يا خالد. نحن جميعاً معه.
ـ حسناً، لكن إن احتجت لأي شيء فكلمني لآتي في الحال.
ـ طبعاً.
بعد ذهاب خالد قال هاشم:
ـ لقد أرسلني أبي في حاجة، سأذهب الآن.
سألته والدته: ـ إلى أين؟
ـ سأذهب الآن ولن أتأخر.
لوت هالة فمها وقالت لوالدتها: ـ تعلمين أن الأسرار بين ابنك
ووالده لا تنتهي!
تذكر هاشم اسم الحي الذي تقطنه رهف فقد حفظه حين دونه
الضابط في الملف يوم أصيبت، فذهب إلى شارع {...} وسأل أصحاب
المحال عن مركز تجميل رهف حتى دلّه أحدهم عليه.
جاءت الفتاة التي تعمل لدى رهف ومرام وقالت لرهف:
- هناك رجل بالخارج يريد مقابلتك.
تركت رهف الزبونة لها لتكمل تجفيف شعرها وارتدت حجابها
ثم خرجت ليهوي قلبها وتُفاجأ برؤية هاشم.
رمقها باستغراب وهو يرى ذبول وجهها - وكأنه بحال أفضل منها -
وقال:
-السلام عليكم. كيف حالك؟
لم تنظر إليه وهي تجيبه رغم شوقها لرؤيته: ـ الحمد لله.
بعد تردد، قال وهو محرج: - آسف لإزعاجك لكن أبي يرجو
رؤيتك.
نظرت إليه بدهشة وحدة لترى أثر تلك الفترة التي عاشها بعدما
عرف الحقيقة على وجهه وعينيه الذابلتين، فارتجف جفناها
وأشاحت بوجهها وهي تشعر بوخز يؤلم قلبها لحاله ثم قالت
بانزعاج:
- ليس هناك ما يجمعني به كي يطلب رؤيتي.
قال بحزن:
- إنه في المستشفى منذ ليلة أمس. لقد تعرض لأزمة قلبية حادة
وحالما أفاق طلب رؤيتك.
ظلت صامته تحاول اختيار كلماتها فقال هاشم:
- أعرف أن هذا صعب عليك.. لكنه يرجوك أن توافقي على
مقابلته. وأنا أرجوك أن تأتي معي، إن كان ما يزال لي خاطراً
عندك.
عند تلك الكلمة، انهار إصرارها على عدم الذهاب وتبخر
الكلام الذي كانت تريد قوله ولمعت الدموع في عينيها.
هل وصل بهما الحال أن يسألها إن كان له خاطراً عندها؟!
لم تنظر إليه كي لا يرى دموعها حين قالت:
- سأحضر حقيبتي وأعود.
دخلت وأخذت حقيبتها بسرعة فسألتها مرام:
- ماذا هناك؟ من ذلك الرجل، وإلى أين تذهبين؟
أحكمت رهف ارتداء حجابها وردّت دون أن تنظر لمرام وقد توقعت
ردة فعلها:
- جاء هاشم يطلب مني الذهاب إلى والده.
وكما توقعت رهف، صاحت مرام بحنق: - ماذا؟!
نظرت الزبونات إليها بدهشة فصمتت بينما أوضحت رهف:
- لقد اصيب بأزمة قلبية ليلة أمس وعندما أفاق طلب رؤيتي.
سألتها مرام بحدة: - هل ستذهبين اليه حقاً يا حمقاء؟! أتلبين
طلبه بعد كل ما فعله بك؟!
نزلت دمعتها فمسحتها وتساءلت:
- وهل أستطيع الرفض بعدما قال لي هاشم إن كان لي خاطراً
عندك؟
لوت مرام فمها وتنهدت بانزعاج ثم قالت:
- فليسأل عما ليس له عندك.
خرجت مسرعة وصعدت مع هاشم إلى السيارة فقال:
- شكراً لأنك ستأتين رغم كل ما حدث ومع أنك غاضبة من
أبي ومني.
غاضبة منه؟ أحقا يظن أن باستطاعة قلبها الأحمق المدلّه به
عشقا أن يغضب عليه؟ هل خدعته حدة صوتها ونظرتها الغاضبة؟!
لم تنطق بكلمة ولم تنظر إليه لأنها لو فعلت لفضحت عيناها
كل ما في قلبها من اشتياق له.
حين دخلا الغرفة، أخذ قلبها يخفق وبقيت صامتة بينما القى
هاشم التحية على والديه وهالة.
تصادمت في داخلها مشاعر كثيرة وهي تنظر لبهجت الذي قال:
- شكراً لمجيئك.
بالكاد نطقت بخفوت: - حمداً لله على سلامتك.
رمقتها هناء وهالة باستغراب وسألتها الأخيرة:
ـ ألست من زينتني يوم زفافي؟!
أومأت رهف إيجاباً فسألت هناء: ـ أنت تعرفها يا حاج؟
ـ أجل. من فضلك يا حاجة، خذي هالة واتركانا وحدنا.
تنهدت هناء بانزعاج فقال بهجت بابتسامة متعبة:
- هناء، لا تغضبي مني.
هزت رأسها نفياً وهي تبتسم له وقالت:
- لا تتعب نفسك كثيراً. هيا يا هالة.
جلست رهف على الأريكة قبالة بهجت بينما جلس هاشم قربه
على حافة السرير.
قال بهجت بوجه عكس الندم والحزن:
- شكرا لمجيئك. ظننت أنك لن تأتي.
تجمعت دموعها في عينيها وعاد الموقف الذي حصل بينهم يوم
زفاف هالة الى ذاكرتها واستغربت ما شعرت به وهي تنظر لبهجت
وقالت:
- مع كل ما فعلته، لا أستطيع محو صورتك من ذاكرتي وأنت
توصيني بعدم الانهيار والاستسلام لذلك السافل حتى من اجل
هاشم.
رمق هاشم والده وهو يستغرب تناقض موقفه هذا مع ما فعله برهف
لاحقاً.
أكملت رهف:
- يومها أحسست بمعنى حرص الأب، وسألت نفسي.. لو كان لي أبٌ
مثلك، كيف كانت ستتغير حياتي؟
أدمعت عينا هاشم وبهجت وتساقطت دموع رهف وقد عجزت عن
منعها أكثر. مسحت دموعها ونهضت لتقول:
- بما أنك الآن تعرف أنني لا أحمل ضغينة ضدك وارتاح
ضميرك فسأذهب.
نهض هاشم فقال بهجت بصعوبة:
- ليس لهذا أردت حضورك يا ابنتي.
استغرب الاثنان من مناداته لرهف بابنتي بينما أكمل بصعوبة:
- يوم أمس، عرفت وتأكدت بالدليل أنني ظلمتك. لذا أردت
التحدث مع هاشم عن الأمر وطلب السماح منه لكنه رفض الحديث
معي بلهجة يكلمني بها لأول مرة.
أراد هاشم الكلام ليعتذر من والده لكن بهجت قاطعه:
- أنا لا أعاتبك. ولا تظن أنني توعكت لهذا السبب فالأمر أكبر
من ذلك بكثير. لقد عرفت أمس وشعرت كم آذيتك. وفكرت..
أنا الذي تربيت على الالتزام بالدين وربيت أبنائي على ذلك،
استزلني الشيطان فوقعت في ذنب كبير واتهمتك دون التحقق.
اتهمتك بناءً على استنتاجي وأخبرت هاشم كذبا أنك اعترفت
لي بقبولك الشرط كي أبعدك عن طريقه. وبالمقابل، أنت التي
لم تجدي في هذه الحياة من يوجّهك للطريق الصحيح بل
العكس، كنت تحت وصاية زوجة أبٍ فاسقة حاولت إرغامك
على الرذيلة. ومع تلك الظروف حفظت نفسك من الزلل واتباع
الشيطان. ولم تبرري الخطأ لنفسك من اجل هاشم بعكسي أنا.
قال هاشم وهو يرى توتر والده:
- اهدأ أرجوك يا أبي. لا تنفعل وإلا أصابتك انتكاسة.
لكن بهجت عاد ليوضح بصعوبة:
- اليوم استطعت أخيرا.. بمساعدة المحامي المسؤول عن قضية
هاشم، أن أعرف اسم الشاهد السري في القضية.
قطب الاثنان جبينهما فأكمل بهجت:
- الشاهد لم يكن جلال.

نهاية الفصل التاسع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 4:31 pm


الفصل العاشر

استمر بهجت بالكلام بصعوبة:
- اليوم استطعت أخيرا.. بمساعدة المحامي المسؤول عن قضية
هاشم، أن أعرف اسم الشاهد السري في القضية.
قطب الاثنان جبينهما فأكمل بهجت:
- الشاهد لم يكن جلال.
حدق به الاثنان بدهشة وسألته رهف: - ألم يكن الشاهد
الوحيد؟!
أجاب بهجت:
- كان شاباً صغيراً، رأى ما حدث وأسرع لبيته مذعورا دون أن يخبر
أحدا. وحين أخبر أهله أن القاتل هو ابن أحد شيوخ المنطقة،
أمروه بالصمت خوفا من بطش أهل القاتل بهم لو شهد ولدهم
بالحقيقة. لكن والد الشاب فيما بعد، خاف أن يجازيه الله
بمكروه هو أو ولده لقاء كتمان شهادة حق فقرر أن يحضر ولده
للشهادة في المحكمة بعدما تأكد من الإجراءات التي تضمن
عدم كشف هويتهما.
عاد الشعور بمرارة الظلم يسيطر عليها ويسيل دموعها بينما قال
بهجت وهو يستصغر نفسه:
- حين حدثت هاشم في الأمر قبل أشهر، قلت في نفسي أن ما
توقعته هو ما حدث. فلماذا سيغير جلال رأيه ويشهد إن لم تكوني
استجبت لطلبه؟ وبررت لنفسي كذبي على هاشم. لكن حين
عرفت اليوم الحقيقة.. تعاظم ذنبي في نفسي كثيرا وثقل علي.
أنا لا أجرؤ حتى على طلب السماح منك. لكنني أريد أن
أعوضكما عمّا فات.
رمقه الاثنان بنظرات متسائلة فقال وقد نال منه التعب وثقلت
كلماته أكثر:
- أنا.. أطلبك زوجة لهاشم.
تبادل هاشم ورهف نظرات الدهشة ومشاعرهما مشتتة فلم يظنا أن
بهجت يمكن أن ينطق شيئا كهذا.
لكن دهشة هاشم كانت أكبر حين قالت رهف وهي تنظر
لبهجت بمرارة: - كلا!
خرجت مسرعة فخرج هاشم خلفها وأسرع خطواته ليلحق بها قرب
السلم.
همس اسمها فتوقفت دون أن تنظر إليه فسألها باستغراب:
- لماذا رفضت؟!
سألته بحزن:
- ولماذا يجب أن أقبل بعرض للزواج كهذا؟! هل أنا في نظرك
رخيصة لهذا الحد؟
رأت في عينيه اللهفة حين قال:
- كلا يا رهف! وإن كان أبي طلبك للزواج بي ليريح ضميره،
فأنا اُتمنى الزواج بكِ لأنني أحبك.
أدارت وجهها وقد نزلت دموعها وخفق قلبها لتك الكلمة التي
جاءت في غير مكانها وزمانها، ولن تغير شيئاً من موقفها.
أراد الكلام لكن صوت والدته أفزعه حين نادته:
- هاشم! لقد توعّك والدك، تعال بسرعة!
نزلت رهف السلم مسرعة وأسرع هاشم بالعودة الى غرفة والده.
مرت الأيام على رهف أصعب من سابقاتها فقد كانت ممزقة بين
شوقها لهاشم وبين كرامتها التي جرحها هو ووالده.
لكنها حين تفكر تجد أنها فعلت الصواب برفضها عرض بهجت
زواجها من هاشم.
دخلت مرام الى الصالة لتجد رهف جالسة على الأريكة وهي
تبكي وتحتضن تلك المنشفة التي حفظتها في كيس في
خزانتها والتي تحمل أثرا يكاد يتلاشى من رائحة هاشم.
نقرت مرام على الباب المفتوح بأصابعها وسألتها:
- الى أين وصلت؟
أخفت رهف المنشفة بسرعة ومسحت دموعها وهي تقول:
- ظننتك نائمة.
جلست مرام وقالت: - فجئتِ لتبكي وتضمي منشفته هنا كي لا
أراك. يا حمقاء! أتظنين أنك إن لم تتكلمي عنه أمامي سأصدق
أنك نسيته؟ ما دمتِ تتعذبين هكذا، لماذا رفضتِ الزواج بعدما
كرر هو الطلب بنفسه وأخبرك أنه يحبك؟
تنهدت رهف وأجابت: - كان ذلك صعباً عليّ جداً لكنني ما
كنت لأقبل بعدما حدث. لقد علمتني التوبة والالتزام معنى عزّة
النفس كما علّمتني المغفرة للآخرين.
قالت مرام وهي ترمقها باستغراب:
- لكنه فعلاً يحبك ويريد الزواج بك لهذا السبب، فلماذا لم
تقبلي؟
أوضحت بمرارة:
- أن اُحرم من العيش معه، أهون عليّ من أن أتعذب وأنا أرى في
عينيه نظرة ندم أو شك. لا تنسي أنه فقد ثقته بي عند أول
موقف وذلك ألمني وأثر بي كثيراً.
ضمتها مرام وواستها كالعادة وهي حزينة على رفيقتها التي لم
تذُق طعم السعادة يوما، وكأن حالها هي أفضل!
بعد يوم عمل طويل كانت رهف ومرام في المطبخ تعدان العشاء
لتأكلا ثم تخلدا بعدها إلى النوم.
قالت مرام وهي تجلس على الكرسي:
- آه.. لا أشعر بقدميّ من شدة التعب!
- كان المركز مزدحما جدا اليوم بالزبونات. الحمد لله على
رزقه.
رن هاتف رهف برقم غير مسجل لديها فأجابت لتسمع صوت هاشم
المرتجف: - رهف..
سألته بقلق لذلك الارتجاف الذي جلب العدوى لقلبها ليرتجف هو
الآخر كصوته: - هاشم! ما بك؟
قال بصوت مخنوق: - مات أبي يا رهف.
شهقت فسألتها مرام عما يجري فأشارت لها بأن تنتظر واستمعت
لهاشم وهو يقول:
- لقد أوصاني بطلب الصفح منكِ. سامحيه أرجوك.
خنقت صوته غصة البكاء فأغلق الهاتف بعد كلمة وداع
سريعة.
قالت رهف وشعور بالحزن يسكنها:
- مات والد هاشم، لقد أوصاه بطلب العفو مني.
تساءلت مرام بحدة:
- لماذا لم يفكر بمحاسبة الله له على إثمه حين فعله وافترى
عليك؟
دمعت عينا رهف وقالت: - نحن لا نفكر بعقاب الله حين نخطئ،
وإلا ما كنا عصينا. إنما هي وسوسة الشيطان وغواية هوى النفس.
أدمعت مرام وهي تذكر الأيام السوداء من حياتها واستغفرت الله
ففطنت رهف لها فضمتها معتذرة:
- لم أقصد ما دار في بالك. إنما تحدثت عن الناس جميعا بكل
ذنوبهم.
ربتت مرام على ذراعها وهي تقول: - أعرف يا عزيزتي.
- نحن بشر وكلنا نخطئ. لقد أخطأ الحاج رحمه الله لكنه حاول
اصلاح خطأه وطلبني زوجة لهاشم، وهذا شيء لا يفعله ويتقبله أياً
كان.
سألتها مرام: - أتعنين أنك سامحته بصدق؟
أومأت وقالت:
- مثلما أريد أن يسامحني الله ويغفر لي، سامحته على ذنب دفعه
حرص الأب لفعله.
رمقتها مرام بأعجاب ولم تجد ما تعبر به عمّا في قلبها سوى أن
تضمها بقوة وهي تدعو لها بالسعادة والراحة التي تستحقها فتاة
طيبة القلب مثلها.
استعدت رهف للذهاب الى منزل هاشم فسألتها مرام رغم معرفتها
الإجابة: - هل ستذهبين الى منزل هاشم؟
- نعم. يجب أن أذهب لأعزيهم في مصابهم.
ابتسمت مرام وقالت بمكر رافعة حاجبيها:
- ولترَي هاشم لأنك اشتقتِ اليه.
رمقتها رهف بحدة فضحكت مرام وودعتها.
عند باب منزل هاشم، استقبلتها إقبال خالته وأدخلتها الى الصالة
حيث كانت تجلس هناء وهالة وسهى ابنة اقبال.
عانقت رهف والدة هاشم وهالة وواستهما بينما رمقتها سهى
باستغراب وسألتها:
- ألستِ من زينت هالة يوم زفافها؟ وكان معك فتاة اخرى.
أومأت رهف ايجابا وقالت هناء لتنهي نظرات التساؤل:
- رهف كانت من معارف الحاج.
وضعت سراب صحون الطعام أمام هاشم حيث كان يجلس على
مائدة المطبخ بعد إلحاح من والدته عليه كي يأكل لأنه لم
يتناول غداءه اليوم.
وضعت قدح الماء أمامه والشوق نحوه واضح في عينيها كما
اضطراب نبضها، فنادرة هي المرات التي يجلسان فيها وحيدين.
ربما كانت مرتين سابقتين فقط أيام كان يبيت في منزلها حين
كان يلاحقه رجال الشيخ أبي ثابت.
- أستحلفك بالله أن تأكل جيدا يا هاشم!
زفير خافت عبر به عن حزنه قبل أن يقول:
- لا أستطيع يا سراب. لا أشعر بالجوع.
جلست قبالته وهي تقول والحزن لانكساره يؤلم قلبها:
- هل كان عمي رحمه الله ليرضى بحالتك هذه؟ لا تحمل
نفسك ما لا تطيق. بالله عليك كل جيدا!
أومأ وهو يقول: - إن شاء الله.
لكن معدته آلمته بعد بضع لقيمات أكلها. وكأن حزنه على فقد
والده الغالي تركز فيها.
دخلت سراب الى الصالة وألقت التحية على رهف وجلست.
سألتها والدتها إقبال: - هل أكل هاشم جيدًا؟
وهنا.. تركّزت كل حواس رهف على سراب.
- بالكاد أكل القليل، مع أني أعددت له الأكلة التي يحبها
وأكلت معه لفتح شهيته. سيمرض أذا بقي على هذه الحال.
دار في رأس رهف مئة سؤال وهي ترمق سراب خفية كنمرة شرسة
تجرّأ أحدهم على الاقتراب من حدود عرينها.
" لماذا تقوم بأعداد الطعام له؟ ولماذا تأكل معه وهما وحيدان
في المطبخ؟ ولماذا هي مهتمة بحاله هكذا؟ ".. إلى آخر تلك
الأسئلة.
خفق قلبها غيرة من سراب وحسدا لأنها استطاعت فعل ما لا
تستطيع هي القيام به لهاشم. تأكل معه وتعد له الطعام وتجالسه
وهما وحيدان بعلم أهله لا خفية عنهم.
ثم طرحت سؤالاً مختلفاً عما أتعب خاطرها من تلك الأسئلة:
- متى توفي الحاج؟
أجابت اقبال: - منذ ثلاثة اسابيع.
فكرت رهف " أي بعد لقائنا في المستشفى بيومين ".
بعد ساعة تقريباً، أرادت إقبال المغادرة فقالت هناء لهالة:
- اذهبي مع خالتك ولا داعي لتكلفي زوجك عناء المجيء
لأخذك من هنا فهو يعود متعباً من العمل، ومنزلك في طريق
خالتك.
ـ حسناً. لكن أريدك أن تعطيني دواءك الذي نفذ كي يوصي
خالد صديقه الطبيب أن يحضره.
استأذن الجميع من رهف فخرجت إقبال وابنتيها إلى السيارة
لينتظرن هالة هناك ريثما تأخذ علبة الدواء.
نهضت وقد هبت قبلها كل حواسها لاستقباله بلهفة وشوق، حالما
دخل هاشم الصالة وتفاجأ برؤيتها.
اقترب وألقى التحية فقالت بصوت حزين:
- البقاء لله يا هاشم. أعانك الله على فقدانه.
لمعت الدموع في عينيه وهو يجلس قبالتها فقالت:
- أنت مؤمن يا هاشم، وهذا قدر.
أومأ برأسه إيجاباً وقال:
- لست أعترض على قدر الله لكن فراقه صعب. كنتُ آخر من
كلّمه. قرّبني إليه وطلب أن أسامحه، وأوصاني أن أرجوكِ كي
تسامحيه.
قالت وهي تمسح دموعها: - لقد سامحته يا هاشم.
سألها بلهفة: - من قلبكِ يا رهف؟
رمقته بحزن وهي ترى ألمه ونحوله بعد فقدان والده وغلب شوقها
إليه حرصها في الكلام معه فقالت:
- لو لم يشفع له حرصه علي، فيكفي أنه والدك لأسامحه.
رمقها بنظرة حب فهربت هي من نظراته لأول مرة وقالت:
- انتبه لنفسك يا هاشم فقد فقدت الكثير من وزنك وأنت
شاحب.
أضافت والغيرة تستحكم صوتها:
- يبدو أنك لا تأكل جيداً كما قالت ابنة خالتك، فهي أيضاً
قلقة عليك.
شعر بتغير صوتها وهي تتحدث عن سراب ورأى شرارة الغيرة في
عينيها فلاح شبح ابتسامة على وجهه.
قالت وهي تنهض: - يجب أن أذهب فقد تأخرت.
- سأوصلك إلى البيت.
نهض لكنها قالت: - لا داعي لذلك. ستتأخر في العودة وأنت
وحدك والدوريات منتشرة في الشوارع.
ـ لا تجادلي! لن أتركك تذهبين لوحدك.
دخلت والدته الى الغرفة وسألت رهف:
- هل أنت ذاهبة؟!
قال هاشم: - تريد العودة الى المنزل وحدها في هذا الوقت.
اعترضت هناء: - كيف يصحّ هذا يا ابنتي؟ يجب أن يوصلك
هاشم.
لم تعترض رهف أكثر وودعت هناء وقلبها يرحب بالأمر بنبضات
صاخبة.
رن هاتف رهف وكانت مرام تتصل لتطمئن عليها فسألتها بقلق:
- لماذا تأخرتِ هكذا؟
- أنا في طريقي للمنزل. لا تقلقي فهاشم يوصلني.
تمتمت مرام بمكر: - حسناً يا من ابتليت بها وبهاشمها.
أغلقت الهاتف وهي تبتسم لذلك التعبير الذي أطلقته مرام.
هل هو حقا هاشمها؟ هل بالفعل تملك قلبه كما فعل هو وامتلك
كل خفقة في قلبها؟
سألها هاشم وهما في الطريق: - هل سامحتني؟
تفاجأت بسؤاله وردّت بعد صمت بصوت مخنوق:
- النظرة التي رميتني بها ذلك اليوم وملامح وجهك وأنت تنظر
إليّ أعادتني إلى أول لقاء لنا، لحظة ظننت أنني..
لم تكمل فتنهد ودعا بالرحمة والمغفرة لوالده.
- لقد وضعتَ أمامي قمر من جديد! قمر التي لم أكنها يوما والتي
ظلمت نفسي بإلصاقها بي.
تأثر بكلامها وقال: - لذلك عاقبتني برفضك الزواج مني.
ابتسمت بمرارة وتساءلت مستغربة:
- أعاقبك؟ رغم الجرح الذي سبّبته لي، لا أملك إلا أن أسامحك.
سألها بصبر نافذ: - إذن لماذا تستمرين في الرفض؟
قالت والدموع في عينيها:
- لأنني خائفة. خائفة من نظرة ندم قد ألمحها يوماً في عينيك
لأنك ارتبطت بفتاة من عائلة غير مشرفة، أو نظرة شك قد
يساورك بأنني لم أخبرك الحقيقة وأنني كنت بالفعل فتاة ليل.
أوقف السيارة فجأة بعنف وهتف:
- اصمتي! أنا لم أشك بصدقك يوما، ولم أفكر فيما تقولين.
قالت بصوت مرتفع وهي تبكي:
- بل فعلت! وإلا ما كنت لتصدق أني سلمت نفسي لذلك الحقير.
قال بحزن:
- ضعي في حسبانك أن من أخبرني بالأمر هو أبي، وأنت تعلمين من
هو أبي بالنسبة لي. ومع ذلك لم أصدق ما سمعت حتى أكد لي
أنك اخبرته بنفسك.. أنك ضحيتِ لأجلي.
لم تعلق وظلت صامتة تقاوم دموعها فيما عدا بضع كلمات ترشده
من خلالها إلى منزلها.
- لقد وصلت.
أوقف السيارة ثم فتح المصباح الداخلي وسألها:
- لماذا تريدين تعذيب نفسك وتعذيبي؟
لم تعلق وفتحت باب السيارة لتنزل فقال بانفعال ليستفزها ويخرج
ما في قلبها:
ـ من يحب حقاً لا يختار الابتعاد. هل تحبينني حقاً؟
أراد استفزازها بسؤالها صراحة لأول مرة عما سيكتشفه أياً كان
بمجرد أن يرى نظرة منها نحوه، فردت لتدهشه:
ـ كلا!
رمقها باستغراب فأكملت والدموع في عينيها:
ـ أنا فقط أعشق المرآة التي ينعكس عليها وجهك والسماء التي
تظلك والأرض التي تدوس عليها. أنا فقط أحسد أهلك الذين
يستيقظون كل صباح ليروا وجهك، وابنة خالتك تلك التي
تستطيع الجلوس وحيدة معك بعلم عائلتك. تعد لك الطعام
وتأكل معك. أحسد تلك الأجهزة الجامدة التي تحيطك في
المحل طوال اليوم وتحظى بلمس يديك.
انهمرت دموعها فأسرعت بالنزول من السيارة فابتسم برضا وقلبه
يخفق بجنون لشدة عشقها له. كم تمنى منذ زمن أن يسمع منها
مثل تلك الكلمات! لكنه لم يكن ليسأل ولم تكن لتفصح من
تلقاء نفسها.
أيمكن أن تحب امرأة رجلا كما تحبه هي؟ لا يمكن!
أطبق جفنيه وهو يتمتم: ـ يا لعنادك!
حل الخريف وأثار في نفس رهف ذكريات مرّ عليها سنتان. ويا لها
من سنتين!
سنة ثانية مرت على رهف منذ التقت بهاشم. سنة امتلأت بالحزن
والأحداث الغريبة. وها هي تدخل سنة ثالثة لا ترى في مستقبل
أيامها إلا الحزن والفراق. فراق هاشم الذي أشعرها بأنها عجوز في
خريف العمر لا شابة في ربيعه.
جلست مرام قربها وعرفت ما يدور في رأسها حين تذكرت تاريخ
اليوم.
- صرت أكره الرقم ثلاثة والرقم أحد عشر بسبب تاريخ اليوم
الذي التقيت به هاشم لأول مرة. كم سنة ستمر عليكِ بعد وأنتِ
على هذا الحال؟
تنهّدت رهف وأجابت:
- وما يهمني كم سنة ستمر؟ لقد زهدت في كل شيء وشاخ قلبي
وروحي، وتساوت الأيام والسنوات عندي.
سألتها مرام بعصبية:
- إلى متى ستستمرين في تعذيب نفسك هكذا؟ ما دمت تحبينه
فلماذا ترفضين الزواج به؟
ردّت رهف بصبر نافذ: - أخبرتكِ السبب عشرات المرات.
قالت مرام باستياء: - تدمرين حياتكِ من أجل هواجس سخيفة.
نهضت رهف وهربت لغرفتها لتنهي الحديث فصاحت مرام بحنق:
- اهربي كعادتك. يا لكِ من عنيدة وغبية!
ومرت أيام أخرى كسابقاتها..
وفي صباح يوم الاثنين، ذهبت رهف مع مرام إلى المحكمة لتبلغ
مرام عن ضياع هويتها وتتقدم بطلب لأستخرج واحدة جديدة.
لمحتا هاشم من بعيد داخل المحكمة فخفق قلب رهف ونظرت
لمرام بينما تقدم هو نحوهما حين رآهما.
حياهما مبتسما تلك الابتسامة التي تمثل عالما من الأمان
والروعة لرهف.
سأل وعيناه تهربان من عينيها: - كيف حالكما؟
ردّت رهف بصوت مرتجف وهي تتأمله ببدلته الرسمية الأنيقة:
- بخير. الحمد لله.
- ماذا تفعلانِ هنا؟ هل تحتاجان مساعدة؟
أجابت مرام: - سلمت. لقد جئتُ أبلغ عن ضياع هويتي وأطلب
استخراج أخرى. وأنت ماذا تفعل هنا يا هاشم؟
كان هروب عينيه من عينيها يقلقها ويعذب نظراتها المشتاقة
للقاء نظراته ولو لوقت قصير.
أجاب وهو ينظر لمرام: - جئت وعائلتي.. لأعقد قراني.

نهاية الفصل العاشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلا نسيانك! - بقلمي: الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الثلاثاء أكتوبر 02, 2018 5:31 pm

الفصل الحادي عشر

كان هروب عينيه من عينيها يقلقها ويعذب نظراتها المشتاقة
للقاء نظراته ولو لوقت قصير.
قال وهو ينظر لمرام: - جئت وعائلتي.. لأعقد قراني.
شعرت رهف كأنها تلقت ضربة قوية على رأسها.
اصفر وجهها واستدارت عنه في الحال كي لا يرى دموعها وهي
تتساقط، ومشت مبتعدة وهي ترتجف فتبعتها مرام.
جلست على أحد المقاعد وهي تشعر أن في داخلها نار تشتعل.
أمسكت مرام يدها بقوة وسألتها بقلق:
- رهف، ما بك؟ تماسكي أرجوك ولا تفعلي هذا بنفسك.
قالت وهي ترتجف ودموعها تتساقط دون توقف:
- سيتزوج يا مرام، سيتزوج!
أخذت رهف تتنفس بصعوبة فنادت مرام هاشم الذي كان قريباً
منهما: - تعال يا هاشم!
جاء مسرعاً بقلق ولهفة فرآها ترتجف وهي صفراء كالليمون ومرام
إلى يسارها فجلس إلى يمين رهف التي قالت بانفعال دون النظر إليه
كي لا يرى شلالات الدموع التي أغرقت وجهها وحجابها:
- لِمَ أنت هنا؟ اذهب كي لا تتأخر على عروسك فتقلق عليك.
سألها بلهفة وابتسامة خفيفة: - هل انتِ بخير؟
لم تجبه أو تلتفت نحوه لكن لسانها عاند كبريائها وأبى إلا ان ينطق بذلك السؤال الذي أوجع حزنه قلب هاشم:
- ستتزوج ابنة خالتك، أليس كذلك؟
ابتسم واستحلفها بهمس:
- بالله عليك انظري إلي!
وهل أحب لعينيها التائقتين من النظر إليه؟ لكنها لم تلتفت
ومسحت دموعها خلسة، وكأنه لا يعرف أنها أغرقت وجهها
بدموعها!
عاد يطالبها بصوته الهامس الهادئ الذي يعذبها:
- رهف..
استدارت أخيرا ليندم على فعلته حين رأى احمرار عينيها فهمس
متسائلا بنظرات وابتسامة تاهت بها:
- وهل تظنين أنني أرضى بغيرك زوجة لي؟
رمقته بدهشة وكأنها لا تستوعب سؤاله ثم نظرت الى مرام
فوجدتها تبتسم غير متفاجِئة فتساءلت بريبة لتستفهم منها وهي
ترمقها بحنق:
- مرام؟!
اعترفت مرام بعد ضحكة:
- نعم! لقد أحضرتك عمداً بحجة هويتي التي لم تضع أصلا.
وقام هاشم بهذه التمثيلية لتري بنفسك أنك لا تطيقين فراقه
للأبد. انتِ عنيدة وكنت ستستمرين بتعذيب نفسك وتعذيبه.
سألتها بغضب: - كيف تفعلين هذا؟
قال هاشم أخيرا: - أنا رجوتها أن ترتب معي كل شيء.
ابتعدت مرام عنهما والابتسامة على وجهها وقلبها يخفق فرحا
لأجل رفيقتها فقال هاشم:
- كفى عناداً يا رهف. ألم تري ما حدث لك قبل قليل حين قلتُ
لكِ أنني سأتزوج؟!
رمقته بقلق وقالت: - لكنني خائفة من المستقبل يا هاشم.
رمقها بحنان وقال: - أنا أمانك يا رهف. سأكون لك أباً وأخاً وزوجا وحبيبا وسنداً.
همست ودموعها تتساقط بسبب روعة كلماته:
- هاشم..
همس ليسقط آخر دفاعاتها: - نعم، يا من لم ولن أحب غيرها.
تقطعت أنفاسها تأثراً بما سمعته فهي لم تعتد سماع هذا الكلام
منه سابقا ولم تر في عينيه هذه النظرات التي تصرح بالحب
والشوق.
نظرت إليه بعينين زادتهما الدهشة روعة فأبعد نظره وقال:
- لقد أكملت الأوراق اللازمة لعقد القران. عائلتي بانتظارنا
وسيصل سامي بعد قليل ليشهد هو وخالد على العقد، فهل
ستخذلينني؟
قالت بانفعال: - ما عاش من يخذلك!
نهض وهو يقول بابتسامة مشرقة كالتي زينت وجهها الجميل:
- إذن هيا، فالجميع بانتظارنا.
رمقته بعينين دامعتين ومبتسمتين في الوقت ذاته ثم نهضت معه
فأطلقت مرام الزغاريد التي جعلتهما يجفلان.
رمقت رهف بمكر وهي تسير معهما إلى حيث عائلة هاشم وقالت:
ـ بعد كل ذلك العناد، أقنعك بالموافقة في خمس دقائق. إنها
بالفعل مجنونة بك!
وقفا امام القاضي وهما يذكران ما حدث لهما منذ التقيا.
كم كان تخيل وقوفهما هنا مستحيلاً!
رغم سرورها الكبير، خنقتها غصة الالم والبكاء حين نظرت
الى تلك الكلمة في عقد الزواج ضمن المعلومات الخاصة بها
وتمنت لو كانت حقيقة.
҉ ҉ ҉
رغم سرور هالة وهي ترى ابتسامة شقيقها التي دلّت على مدى
سعادته، قالت لوالدتها:
ـ غريب أن أراد أبي تزويج هاشم من فتاة لا نعرفها ولا نعرف أهلها.
علقت هناء:
- تعرفين أن والدك وشقيقك كان بينهما كثير من الأسرار
والتفاصيل التي لا يطلعان أحداً عليها. لقد أوصاني والدك قبل
وفاته بأن لا ألح على هاشم ليتزوج سواها، ورفض الخوض في
التفاصيل حين سألته عنها وعن أهلها.
اعترضت هالة: - لكن أنتِ والدته فكيف لا تعلمين كل شيء
عمن سيتزوجها ولدك؟
تنهدت هناء وقالت: - يكفيني أن شقيقكِ يحبها جداً وأن
والدكِ مقتنع بأنها الأصلح له.
- وسراب يا أمي؟!
قالت هناء بعصبية: - أنا أكثر من تمنت أن يتزوج سراب. لكن
سعادة أخيكِ عندي أهم من أي شيء.
قالت هالة: ـ وأنا مثلك. كل ما يهمني هو سعادة أخي لكن..
قاطعتها هناء بحزم لتغلق الموضوع:
ـ لو لم يكن والدك يعرفها جيداً لما وافق على زواجها بهاشم
وأوصاني بذلك.
صعدت رهف السيارة مع هاشم لكن هذه المرة كزوجة.
كانت سعيدة، بل تطير فرحاً وبالكاد تصدق أنهما عقدا قرانهما
للتو.
سألته وهي تتطلع إلى جانب وجهه:
- كيف اتفقت مع مرام على خداعي؟
هز رأسه مبتسما ومستغربا تلك الأفعال التي يقوده إليها حبها،
والتي كانت تعتبر غير متزنة في قانونه:
- قبل اسبوعين، جئت إلى مركز التجميل. تجرأت وطلبت من
إحدى زبوناتكما التي رأيتها تهم بالدخول إلى المركز أن توصل
ظرفا لمرام شخصيا دون غيرها. كتبت لها رقم هاتفي وطلبت منها
الاتصال بي لأمر مهم.
سألته وهي متلهفة: - وماذا قلت لها؟
رمقها بنظرات هيام تراها في عينيه لأول مرة وقال:
- أخبرتها أنني لا أستطيع العيش من دونك.
رفّ جفناها وتأثرت بما قال ورمقته بهيام.
تنهد وركّز على القيادة ثم أكمل كلامه:
- طلبت منها مساعدتي في إقناعك بترك مخاوفك والزواج بي
فقالت بأنك عنيدة ولن تقبلي رغم أنك تتألمين كثيراً لفراقي.
اقترحت أن نفكر بطريقة نضعك بها أمام الأمر الواقع. لولا
عنادك لوفرتِ على كلينا اشهراً من العذاب يا حبيبة القلب.
أدمعت عيناها وقالت:
- كنت أتمنى لو تتصل بي وتجبرني على ترك مخاوفي فقد كان
شوقي إليك يقتلني. وكم مرة أمسكت الهاتف لأتصل بك ثم
أغير رأيي في آخر لحظة.
تنهّد وقال بحزن:
- تلك الفترة كانت قاسية عليّ وعلى أمي وهالة. وما كنت قادراً
على اتخاذ هذه الخطوة حتى تمر عدّة أشهر على وفاة ابي.
- رحمه الله.
حين وصلا إلى منزله وجدا سيارة خالد وسامي عند الباب وقد وصل
الجميع قبلهم.
قال هاشم مبتسما وهو يفتح لها باب المدخل الرئيسي المؤدي
للصالة:
- منزلك الجديد.
كان لكلمة " منزلك الجديد " وقع جميل على اذنيها فقالت
وهي تتطلع إليه بشغف:
- أنت منزلي وسكني.
نظرة الشوق التي بدت في عينيه رفعت سرعة نبضها فابتسمت
بارتباك ودخلت معه الصالة حيث الجميع بانتظارهم.
بقلب خافق وعينان تخفيان الشوق، تناول هاشم خاتم الخطوبة
الذي ناولته إياه هناء وعيناها تبرقان فرحا لسعادته.
وضعه في يد رهف المرتجفة فتناولت الخاتم من يد هناء ووضعته
في إصبعه وأنفاسها ترقص فرحا مثل كل شيء فيها.
تلاقت نظراتهما لثواني بينما بارك لهما الجميع عدا سراب وسهى
اللتين حضرتا مع والدتهما قبل قليل فقد بقيتا جالستين
مكانهما، أما إقبال فباركت لهما باقتضاب وهي تنظر ببرود لمن
أخذت - حسب رأيها - مكان ابنتها.
وهل كان يوما قلب هاشم مكانا وسكنا سوى لرهف؟!
همست اقبال لابنتيها وقد جلست قربهما:
- لا اعرف من أين اتى بها هاشم. إنه خجول ولا يعرف أي فتاة،
فكيف عرفها؟
قالت سهى: - وانظري كيف يرمقها، وكأنه أسعد رجل في العالم!
بينما ظلت سراب صامتة وفكرت:
" كان يجب ان أكون مكانها "
سألتها هالة بينما كانتا جالستين مع باقي النساء في الصالة:
- من الغريب أنك تعيشين مع مرام. أليس لديك أي أقارب لتعيشي
معهم بعد وفاة والديك؟
نظرة حادة غاضبة أرسلتها هناء لابنتها ثم قالت:
- دعينا من هذه الأحاديث الآن يا هالة.
رغم اضطرابها وبعض الشحوب الذي بدا على وجهها، ابتسمت لهناء
وقالت: - لا بأس يا خالتي.
وعلقت إقبال: - من حقها أن تعرف عن زوجة أخيها.
كان هاشم قد أخبرها وهما في الطريق إلى المنزل بأن والدته
وهالة لا يعرفان شيئا عن والدها وحياتها السابقة. واتفقا على ما
ستقوله لهما لو سألتها إحداهما عن أهلها وحياتها. وترك لها
الحرية في اختيار ما ستقوله لهما.
التفتت نحو هالة بينما مرام قلقة وتدعو ألا يحدث ما يعكر على
رفيقتاه حياتها التي بالكاد بدأت تحلو بعد مرارة قاتلة.
- والدتي توفيت منذ كنت طفلة حتى أني لا أذكر أي شيء عنها.
وتزوج أبي بعدها. لم تكن حياتي سهلة مع زوجة أبي ولم يقف
أبي بوجهها. كان أبي انعزاليا ولا يتواصل مع أي من أقاربه أو أقارب
أمي فانقطعت الصلة بيننا نهائيا.
التفتت نحو مرام والحب يشع من نظراتها وأكملت:
- لذا انتقلت للعيش مع مرام بعد وفاة زوجة أبي. إنها كل عائلتي
وليست مجرد صديقة للعائلة.
تأثرت هناء وهالة وقالت الأولى:
- صارت لك الآن أم وأخت ثانية يا ابنتي.
ابتسمت رهف وتلألأت عيناها بدموع خفيفة وهي تقول:
- فليحفظكما الله.
بعد انتهاء الوليمة التي أعدتها هناء وهالة احتفالا بعقد قران
هاشم وذهاب الجميع، جلس هاشم ورهف في غرفة الضيوف بينما
كانت مرام جالسة قرب هناء وهي مضطربة. خوفها على سعادة
رهف الوليدة لا يفارقها.
" ماذا لو عرفت والدة هاشم وأخته شيئا عن ماضيّ فشكّتا في
رهف لأنها كانت تعيش معي؟ ماذا لو عرفتا بأفعال زوجة والدها؟
لن يصدقا براءتها بالتأكيد كما لم يصدقها والد هاشم. آه يا
غاليتي! متى تسكن السعادة حياتك بلا رحيل؟ "
كان كلّها يخفق لا قلبها فحسب، حين كان هاشم يحدق بها
بتلك النظرات التي تراها في عينيه لأول مرة.
مزيج من جرأة وشغف ولهفة وعشق، كتمها في قلبه خشية من
الله حتى صارت تحل له فلم يعد يطيق قلبه احتواءها.
أخرج علبة من جيبه وفتحها فنظرت إليها وعيناها تلمعان. كانت
تلك القلادة التي أهدتها له كذكرى.
اقترب وهو يحمل القلادة ليلبسها إياها فاضطرب كيانها لقربه
منها هكذا لأول مرة. وما أكثر الأشياء التي عاشاها مع بعضهما
اليوم للمرة الأولى!
همس وهو يرى القلادة تزين عنقها وحولها خصلات شعرها التي
اشتاق لرؤيتها:
- كان يجب أن تعود إليك، بما أن الحاجة لوجودها معي انتفت.
فبدل أن أنظر إليها يوميا بحسرة وأنا أتخيلك.. سأنظر لوجهك
أنت.
ابتسامة وشهقة ضحك خافت واحمرار وجنتين سلبت لبّه فأخذ
كفيها يقبلهما ليضيع عالمها وتهرب أنفاسها.
همس بشوق وهو ينظر في عينيها بلهفة:
- ستنهين مع والدتي التجهيزات اللازمة بأسرع وقت كي نتم
زواجنا.
همست بصوت يخفق عشقا وهي تسلب كيانه بتلك النظرات التي
تقطر حبا:
- وهل يلزمني شيء بعد وجودي قربك؟!
سألها ذاهلا وهو يضم وجهها بكفيه:
- من أين تأتين بهذه الكلمات التي تسلب أنفاسي؟
زادت عيناها بريقا وهي تقول:
- من قلبي الذي ما عرف الحياة حتى رآك يا هاشم.
آهة شوق ثم همسة: - سلم لي قلبك يا قلب هاشم.
҉ ҉ ҉
نظرت رهف لنفسها في المرآة بعدما ارتدت ثوب الزفاف فترقرقت
عيناها بالدموع وشدّت على يد مرام وهي تقول:
- مرام، هل أستحق هذه السعادة؟
عانقتها مرام بقوة وقالت:
- من لها قلب نقي مثلك تستحق كل السعادة والخير.
عانقتها رهف بقوة فقالت وهي تحارب دموعها:
- سأفتقدك يا غالية. إيّاكِ والبكاء كي لا تفسدي زينة
وجهك!
بخطوات مترقبة مرتبكة، دخلت رهف غرفتها الجديدة - غرفة
هاشم - وتأملتها بابتسامة.
وقف هاشم خلفها فتوترت ثم شعرت بيديه تحطان على كتفيها
فاستدارت.
دمعت عيناها وهي تطيل تأمل مثال الرجولة والكمال الواقف
أمامها. قال بتأثر وهو يمسح دموعها:
ـ هاتان العينان الغاليتان بكتا كثيرا. لا أريدهما أن تبكيا
ثانية. ليس بسببي على الأقل.
ـ أبكي فرحاً يا هاشم. الحمد لله الذي استجاب دعائي وكتبك
لي.
رمقها بحب وقال:
ـ وأنا دعوت الله كثيراً أن يجمعنا، منذ تعلق قلبي بك.
بفستانها الأبيض، صلّت رهف خلف هاشم ودعت في سجودها أن لا
تشعر يوماً بندمه على زواجه بها، وأن تعيش معه بلا خوف
وهواجس بينما دعا هو أن يعيش معها في طاعة وسعادة ولا يجعل
ماضيها يحول دون سعادتهما.
أزاح عن كتفيها الوشاح ثم بدأ بفك مشابك شعرها كي يزيل
برقعها. تمتم بعد قليل بنفاذ صبر:
- بماذا أدعو على مرام؟ كم مشبكا وضعت في شعرك؟
ضحكت وهي تتقدم نحو طاولة الزينة فلمحت عليها المنشفة
الصغيرة التي كانت تحتفظ بها فابتسمت وتمتمت:
- مرام!
سألها بفضول وهو يسير خلفها نحو الطاولة:
- ما هذه؟
قالت وهي تقرأ كلمات مرام التي كتبتها لها على ورقة صغيرة
تحت المنشفة:
- إنها المنشفة التي جففت بها عرقك حين كنت محموما.
حفظتها في كيس لأحفظ فيها رائحتك.
رمقها بنظرة وَلَه وهو يفكر كم تحبه ثم أطلق ضحكة عالية
وهو يقرأ ما كتبت مرام في الورقة فهوى قلب رهف وهي ترى
غمازتيه تظهران بقوة:
- الليلة ستضمينه هو بدل المنشفة.
احمر وجهها خجلا فقال بشغف وهو يفتح ذراعيه:
- اليوم صرت ملكك شرعا وقانونا.
همست بخجل وهي تشيح بوجهها: - هاشم!
شدّها إليه وقال:
- ويلي على هاشم، وما فعلته هاتان العينان بهاشم!
فتحت رهف عينيها صباحا ونظرت لهاشم. لامست شعره ووجهه
وهي تحدق بجفنيه المطبقين بشغف.
فتح عينيه وابتسم لتبتسم لها الدنيا. قال وهو يلامس وجهها:
- الحمد لله. أخيرا أصحو لأجدك قربي بدل أن أنظر لقلادتك
وأتخيل وجهك الحبيب.
تأملته وقالت وهي تذكر كل مرة ودعته فيها:
ـ وأخيراً أشعر بالأمان فلا أخاف من عدم رؤيتك ثانيةً عند كل
مرة أودعك فيها.
سألها عابساً وهو يمازحها:
ـ هل هذا يعني أنك لن تشتاقي لي مجدداً، بما أنني سأكون
معك طوال الوقت؟
همست بهيام: ـ بل سأشتاق إليك كل لحظة.
منذ ذلك اليوم ورهف تعيش سعادة لم تتصور أنها ستحظى بها
يوما.
لكن..
أحياناً تنتابها الهواجس وتفكر..
" ترى حين نكون معاً، هل يذكر ما فعله جلال بي؟ هل هو نادم
في قرارة نفسه على زواجه بي؟ "
هكذا هي الحياة! لا وجود للسعادة المطلقة فيها وإلا لسميت
جنّة..


النهاية

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى