روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:52 pm

رحلتان انقضت..
زبيدتي، وهل يخفق من جديد؟..
وها قد وصلنا رحلتنا الثالثة وبها تنتهي سلسلة متاهات القلوب.
رحلة أخيرة بعد سنوات طوال مرت على أبطالنا..
مصعب الشغوف المتهور، عمر الهادئ على الرغم من اشتعال غضبه وغيرته أحيانا كثيرة، زبيدة الفاتنة التي جمعت روح المشاكسة والرصانة والحكمة، وسمراء الهشة والصلبة في آن معا..
والآن سأترككم وأبطال جدد مع.. ( قد ننسى! )
راجية أن ينال هذا الجزء من السلسلة رضاكم كسابقيه.



الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:59 pm

الفصل الأول

تلفتت (شمس) يمينا ويسارا وحين تأكدت من خلو
المكان، قررت الدخول إلى مياه النهر لتقضي الوقت
حتى عودة شقيقها الذي ذهب ليجني لها بعض الثمار
اللذيذة التي اعتادا تناولها كلما أتيا لهذا المكان
الوارف الظلال المليء بالأشجار على ضفتي نهر دجلة
والواقع في منتصف الطريق بين دارهما ودار
جدهما.
حين كانا صغيرين، كانا يصران على والدهما أن
يجلبهما إلى هنا. وبعد كل تلك السنوات، لم يتغير
حبهما لهذا المكان.
رفعت شمس ثوبها حتى ركبتيها وشهقت سرورا
وانتعاشا وهي تشعر بملامسة مياه النهر لساقيها.
ضربت المياه بمرح وأطلقت ضحكة خافتة
لكنها وصلت إلى سمع أحدهم..
أطلقت صيحة فزع حين رأت تلك العينين تحدقان بها
بنظرات نهمة توحي بنوايا صاحبها الخبيثة.
وهل هناك غير الخبث والوحشية يمكن أن يصدر عن
هؤلاء الهمجيين الذين بدأوا بالتسلل إلى بغداد لجمع
المعلومات عنها وتقصي أحوالها استعدادا للانقضاض
عليها وتشويهها بأبشع صورة؟
ارتجفت أوصالها بينما كان المغولي يقترب منها
ونظراته تلتهمها. صرخت بأعلى صوتها باسم شقيقها
لمرات متتالية علّه يكون قريبا ويسرع لإنقاذها لكنه
كان بعيدا عنها فقد أغرته إحدى أشجار التين التي
تحبها شمس بثمارها الناضجة الكثيرة، فسار إليها
ليجمع ما يستطيع منها لشقيقته.
حاولت شمس الهرب لكن الرجل كان أسرع منها
فانقض عليها فسقطت في النهر.
فجأة، اقتربت خطوات مسرعة منهما وشعرت شمس
بعدها بذلك المغولي يُزاح عنها فبقيت دون حراك
تراقب ذلك المنقذ الذي ظهر فجأة وهو يضرب
المغولي بقوة ويشتمه لكن المغولي استطاع توجيه
لكمة للشاب وأسقطه ليجري بعيدا فتبعه الشاب
مسرعا.
انتبهت شمس أخيرا للفتاة التي انحنت نحوها وهي تقول
بصوت ثابت رغم قلقه: - هل أنت بخير؟
نقلت نظرها نحو الفتاة ولم تستطع سوى هزّ رأسها نفيا
فسألتها الفتاة بخوف: - هل فعل لك شيئا؟
عادت شمس للإيماء بالنفي ثم قالت بصعوبة:
- لا.
فقالت الفتاة وهي تساعدها على النهوض:
- اهدئي فأنت بخير الآن.
جلستا على العشب فنزعت الفتاة خمار شمس الذي
تبلل ككل ثيابها لتضعه على رأسها بالشكل
الصحيح فقد تجمدت أطراف شمس خوفا ولم تكن
قادرة على فعل شيء.
اقترب منهما الشاب ليقف في مكانه حين وقعت عيناه
على شمس ثم استدار ونزع عنه عباءته وهو يقول
للفتاة: - ضعيها عليها يا (حوراء).
كانت ثياب شمس المبتلة قد التصقت بجسدها
وخصلات شعرها تناثرت على وجهها وكتفيها.
أفاقت شمس من ذهولها وانتبهت لحالها فأسرعت بلف
خمارها على رأسها ثم أخذت العباءة من الفتاة وارتدتها
وهي تشكرها بابتسامة شاحبة.
- ماذا حدث مع ذلك الخسيس يا (حاتم)؟
سؤال أطلقته الفتاة فاستدار ليقول وهو يقترب منهما:
- أفلت مني بعدما رماني بسهم.
شهقت الفتاة وأسرعت نحوه ثم أزاحت كمّ ثوبه عن
ذراعه الأيسر وهي تقول: - فدتك نفسي يا أخي.
- سلمت نفسك يا (حوراء).
قالت شمس أخيرا بصوت مضطرب وهي تشعر بالذنب
والخجل: - أنا آسفة.
قال حاتم بينما كانت شقيقته تربط جرحه بحزامه:
- المهم أنك بخير.
تمتمت شمس وهي ترفع نظرها نحوه:
- حماك الله يا أخي.
نظره الذي كان مطواعا له، خرج عن سيطرته فلم
يشح عنها حتى أشاحت هي وجهها بخجل. ولسانه احتج
حين أراد منه نطق كلمة " أختي "، فردّ عليها فقط
بكلمة " سلمتِ ".
رمقته شقيقته خفية باستغراب فليس من طبعه
التحديق بالنساء، بعكس شقيقها الآخر (أيهم).
اقترب شاب منهم فهرعت نحوه شمس وهي تقول:
- (زيد)!
ارتمت بين ذراعيه وأطلقت العنان لدموعها، ما أطاح
برشده وأربك نظراته التي توزعت بينها وبين حاتم
وأخته. رفع رأسها وهو يسألها:
- ماذا حدث؟ عدت كالمجنون حين سمعت صراخك
من بعيد.
قالت وهي تمسح دموعها: - الحمد لله أنهما وصلا
وأنقذاني.
زاد جوابها من خوفه عليها فأوضحت والخجل يصبغ
وجنتيها ويجعلها تخفض رأسها:
- هاجمني مغولي لكنه أنقذني منه.
اقترب زيد من حاتم وقد انتبه لجرحه النازف:
- لا أعرف كيف أشكرك! بارك الله فيك.
قال حاتم وهو يربت على ذراع زيد: - لو كنت أو أي
أحد مكاني لفعلت الشيء نفسه.
وهنا قالت الفتاة بانزعاج بسبب تأثرها بما لاقته شمس
من فزع: - لكنك لا تتركني وحيدة، مع أني فارسة
وقادرة على حماية نفسي.
رمقها زيد مستغربا جرأتها ومستنكرا اتهامها بإهماله
شقيقته فرمته بنظرة حادة بينما نهرها حاتم معاتبا
بصوت خافت: - حوراء!
زمّت شفتيها وابتعدت، وقال حاتم لزيد مودعا:
- في أمان الله.
قال زيد: - ستأتي معي كي يعالج والدي جرحك.
- لدي أستاذ ماهر في الطب، لذا لا تتعب نفسك.
أصر زيد أكثر: - لقد حميت أختي يا رجل فكيف
تقول هذا؟ يجب أن يعالجك والدي. هذا أقل ما يمكن
أن نقدمه لك على حسن صنيعك.
تذمرت حوراء لكنها لم تكن لتترك شقيقها يذهب
وحده فهي قلقة عليه فسار الشابان وخلفهما
شقيقتيهما.
قالت حوراء بابتسامة لشمس: - لم أعرف اسمك بعد.
ردّت بابتسامة ودودة وقد شعرت بارتياح متبادل بينهما: - اسمي شمس.
طرق اسمها سمع حاتم.. وهل يليق بها اسم غيره؟ وجه
أبيض منير وذوائب شعر فاتحة وعينان لم يتيقن إن
كانتا زرقاوين أم لهما لون آخر لكن نظراتهما مشرقة
كالشمس.
انتبه من جنون أفكاره التي تسيطر عليه لأول مرة
حين سأله زيد: - هل يؤلمك الجرح؟
أجاب وقد استوعب سؤاله بصعوبة: - ليس كثيرا.
وصلوا إلى الدار فسار زيد وحاتم نحو جناح الضيافة
بينما سارت شمس وحوراء نحو الدار، ودخلت شمس
لتعلم أهلها بوجود ضيفة معها.
خرج زيد من جناح الضيافة ليرى ما يمكن أن يفعله
ليساعد والده في معالجة جرح حاتم فوجد حوراء
واقفة قرب باب الدار بانتظار شمس.
لم يستطع السكوت عن تلك الكلمات القاسية التي
قالتها بحقه دون ردّها فقال وهو يمر قربها دون النظر
إليها:
- ليس مثلي من يهمل أهله! لكنه مكان ألفناه وأمِنّاه.
تساءلت بنفس تلك الحدة والصلابة:
- أي أمن مع أولئك الهمجيين الذين سهل عليهم اختراق
حدود بغداد؟
التفت صوبها مستغربا تلك الفتاة التي لا تحمل من
هدوء الفتيات ورقتهن شيئا، بعكس ملامحها الجميلة
الرقيقة التي تتحدى حدة نظراتها.
تمتم وهو يدخل الدار: - سليطة لكن شجاعة.
سمعته فزفرت بغيض وفكرت بالذهاب لدارها لولا
قلقها على شقيقها.
شاء الاثنان أم أبيا، فقد سببت شرارات التحدي تلك
اشتعالا لن يخمد.

فزعت زبيدة حين دخلت عليها شمس البهو بتلك
الحالة وعليها عباءة رجالية ليست لشقيقها.
نهضت واقتربت منها وكذلك فعل شقيقها الأصغر
(صهيب) فقالت شمس قبل أن تنهال عليها الأسئلة:
- معي ضيفة تنتظر عند الباب. فلأدخلها ثم أروي لك
كل ما حدث يا أمي.
خرج صهيب من البهو بينما أسرعت (بدور) الابنة
الصغرى لإدخال حوراء.
بعد تبادل التحية مع حوراء، جلست زبيدة تستمع
لابنتها وهي تروي لها ما حدث معها وكيف أنقذها
حاتم وساعدتها حوراء.
قالت زبيدة بصوت يرتجف وهي تتخيل ذلك الموقف
البغيض الذي مرت به ابنتها:
- حماكما الله يا ابنتي. لن ننسى معروفكما أبدا ولن
نستطيع مجازاتكما.
قالت حوراء بمرح:
- سأكتفي برفقة شمس كشكر على ما فعلنا، فأنا
محرومة الشقيقات وقليلة الرفيقات.
قالت شمس بابتسامة: - وأنا ارتحت لك يا حوراء
وأتمنى ألا تنقطع علاقتنا.

في جناح الضيافة حيث كان حاتم ينتظر عودة زيد
مع والده، نهض والدهشة ترتسم على ملامحه ونظراته
حين رأى عمر يدخل مع ولديه، زيد وصهيب. ولم يكن
عمر بأقل دهشة منه.
قال حاتم بابتسامة ونظرة تقدير وهو يقترب من عمر:
- أنت والد زيد؟
ابتسم عمر وعانق حاتم بحرص كي لا يؤذي جرحه
وهو يقول: - أسرتني بمعروفك يا ولدي.
قال حاتم وهم يجلسون: - حاشا لله! فضلك على لا
يرد.
قطب الشابان جبينيهما فأوضح حاتم لزيد بينما بدأ
عمر بفحص جرحه:
- والدك هو أستاذي الذي ذكرته لك.
سأل عمر زيدا مازحا وهو ينظف جرح حاتم:
- عسى أنه ذكرني بخير يا زيد.
قال زيد مبتسما: - بكل خير، فقد وصفك بالطبيب
الماهر.
وعقب حاتم وهو ينظر بإعجاب لعمر:
- وهل يمكن أن يقال عنك سوى كل خير يا أستاذي؟
ربت عمر على كتفه وهو يقول:
- بارك الله فيك يا ولدي.
قال صهيب وهو يسير نحو الباب ليأخذ ما أحضرته بدور
من واجب الضيافة:
- ما دمت من تلاميذ أبي المفضلين، فلا بد أن تصبح
صديقا لنا.
قال حاتم: - هذا شرف لي.
لم يكن حاتم أحد التلاميذ المفضلين لدى عمر
فحسب بل الأفضل في نظره والأقرب لقلبه.

دخلت بدور البهو وهي تحمل أكواب العصير وقالت
لشمس بحماس كعادتها:
- لقد عرفت للتو أن منقذك هو أحد تلاميذ أبي.
نهرتها زبيدة: - بدور! قدمي العصير.
أومأت وهي مدركة بأن والدتها ستحاسبها فيما بعد
فابتسمت حوراء وقالت لزبيدة:
- والد شمس إذن هو أستاذ حاتم الذي لا ينفك
يحدثني عنه.
أخفت شمس ابتسامتها التي لم تجد لها سببا وهي تقول:
- سأذهب لتغيير ثيابي.
وحالما دخلت الغرفة، نزعت عنها عباءة حاتم وهي
تذكر كيف استدار عنها حياءً وخلع عباءته ليسترها
بها. وعادت تلك الابتسامة غير المبررة للظهور على
وجهها الصغير.
" تراه بخير أم أن جرحه عميق؟! أبي طبيب ماهر وسوف
يعالجه كما يجب. يا للمصادفة! إنه أحد تلاميذ أبي "

لم يسمح عمر لحاتم بالمغادرة قبل تناوله العشاء معه
وولديه فامتثل لرغبة أستاذه العزيز بسرور كسروره
بتلك العلاقة التي لن تنقطع مع هذه العائلة.
أثناء انتظار حاتم لحوراء عند باب دار عمر كي يعودا
لدارهما، قال عمر:
- اهتم بجرحك ولا تستعمل يدك كثيرا، وغير
الضمادة كل يوم. ولا تأت إلى الدرس حتى تتحسن.
اعترض حاتم:
- سيفوتني الكثير لو انقطعت عن الدروس.
ابتسم عمر وطمأنه: - حين تتعافى، تعال إلى هنا لأعيد
عليك ما سيفوتك قبل أن تستأنف الدروس. لذا لا
تقلق واهتم بجرحك.
شكره حاتم بسرور: - سلمت يا أستاذي.
وصلت حوراء فحانت نظرة من زيد نحوها لتتلاقى
نظراتهما لبضع لحظات كانت كافية لإرباكهما.
بعد مغادرة حاتم وحوراء، اجتمع آل عمر في بهو الدار.
عانق عمر ابنته التي لم يستطع لقاءها بسبب انشغاله
بحاتم.
- حمدا لله الذي سخر لك حاتم في الوقت المناسب.
أومأت بخجل بينما قال زيد: - اتضح أنه أحد تلاميذ
أبي.
رمقت زبيدة بدور بنظرة تأنيب بينما قال عمر بسرور:
- والمفضل لدي فهو مجتهد وحريص على تحصيل العلم.
كما أنه يذكرني بنفسي في عمره.
قالت زبيدة وهي ترفع حاجبيها:
- لا بد أنه كثير الأسفار إذن ولا يفكر بالزواج رغم
بلوغه الثلاثين!
رفع عمر حاجبيه استغرابا وهو يرمقها. أبعد كل تلك
السنوات، تعاتبه على انشغاله عنها بأسفاره؟
كتم الأولاد ضحكاتهم بينما أطلق عمر ضحكة
عالية ثم اقترب من زبيدة وقال بنظرات حب أعادت
الشباب لروحها:
- لم أتزوج لأني كنت أنتظر ظهورك في حياتي.
اكتست نظراتها بالخجل لوجود أولادهما واشاحت
بوجهها فأكمل:
- أما عن حاتم، فهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين بعد.
ما سرّ سرعة التقاط سمع شمس لذكره؟! كلما تحدث
عنه أحد، شعرت أن شيئا فيها يرتبك مع أنهما لم
يلتقيا إلا من ساعات فقط. ويا له من لقاء!
قال صهيب بابتسامة: - حدثنا عن أول لقاء لكما يا
أبي.
نهرته زبيدة متسائلة: - ألا تكتفي من سماع ذلك
الحديث؟
قالت بدور بحماس: - دعيه يحدثنا يا أمي.
همس عمر: - وهل اكتفيتِ أنت من تذكر ذلك
اللقاء؟ أم أنك لا تريدين ذكره لأني استطعت
خداعك في حينه؟
نفس تلك الملامح التي كانت ترتسم على وجهها حين
تغضب، بدت واضحة وجعلت قلبه يخفق. صحيح أن
جذوة الشوق والشغف قد خبت بمرور كل تلك
السنوات لكن حبهما لبعضهما لم يغادر قلب أحدهما
منذ سكنه.
لا يعرف الأولاد إلا جزءا من قصة حب والديهما. شاب لا
يلتفت إلا لعلمه وأسفاره، شغفته ابنة خاله حبا منذ
رآها. ولا يعرفون من تلك المواقف الغريبة التي جمعت
والديهما سوى لقاءهما الاول الشهير في دار جدهما
وبعض المواقف الأخرى.
كما لم يحدثهم أحد قط عن مصعب واختطاف زبيدة
وبيعها كجارية. وهم لم يسألوا عن تفاصيل عودتها
لأهلها بعدما عاشت عمرا في دار الجدة فاطمة والخالة
ريم، خشية أن يسببوا لها الحزن.
بعد استماعهم لتفاصيل اللقاء الاشهر التي ظلت محفورة
في ذاكرتي عمر وزبيدة، سألها زيد: - أكنت تنشدين
ابي الشعر بما أنك تحفظين الكثير منه؟
عقبت شمس: - وبالذات شعر ابن الأحنف.
واحتجت بدور: - ألا يجب أن يسمعها أبي الشعر وليس
العكس؟
ابتسمت زبيدة وتذكرت ليلة قضتها في الصحراء بين
بغداد وحلب، جفاها فيها النوم فرحا وشوقا. تلاقت
نظراتها بنظرات عمر لتجد نفس تلك النظرة في
عينيه فتقول: - بل أنشدني خيرا منه.
سألها الأربعة بفضول أن تنشدهم إياه وقال صهيب:
- هذا ما لم نسمع به قط.
رمقتهم بحدة وقالت معلنة نهاية الحديث:
- كفى حديثا عن أمور ما زلتم صغارا عليها!
رمقها زيد وصهيب بمكر ودهشة، رافعين حاجبيهما
ووضع زيد يده على لحيته وهو يقول:
- ربما يجب أن أطيلها أكثر كي تقتنعي بأني كبير.
أطلق صهيب ضحكة فرمته زبيدة بنظرة حادة فابتسم
عمر وقال مشيرا لأولاده:
- هيا إلى مخادعكم فقد تأخر الوقت.
امتثلوا لأمره وغادروا البهو والابتسامة على وجوههم.
نهض عمر وسار قرب حبيبة القلب وهو يقول:
- أصبحت حادة الطبع مؤخرًا.
رمقته معاتبة فهمس وهو يحيط كتفيها بذراعه:
وشعرٍ كليلٍ حاق بضياء قمر
وعينان حار في لونهما النظر
بالأمس كانتا كموج البحر
واليوم كفيروز مخضر

اضطربت أنفاسها وهي تعود سابحة في بحر ذكريات
لتلك الليلة الرائعة وتلك الكلمات التي قلبت حالها
رأسا على عقب. نظرت إليه وهي تهمس:
- كيف لك بعد كل تلك السنوات، أن تقلب حالي
ببضع كلمات؟
تساءل عمر وهو يفتح لها باب غرفتهما:
- ألا تقلبين حالي رأسا على عقب كما كنت تفعلين
دوما يا ابنة خالي؟
ابتسمت لذلك اللقب الذي تعشق والذي لا ينفك
يناديها به، ولم يعلما أن صغيرتهما الفضولية
تراقبهما من باب غرفتها.

نهاية الفصل الأول

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:01 pm

الفصل الثاني

ابتسمت زبيدة لذلك اللقب الذي تعشق والذي لا
ينفك يناديها به، ولم يعلما أن صغيرتهما الفضولية
تراقبهما من باب غرفتها. نهرتها شمس وهي تغلق الباب:
- ألا تخجلين من التجسس على والديك؟
تنهدت واتكأت على الباب وعلى وجهها نظرة حالمة
وقالت: - ما أروعهما! بعد ست وعشرين عاما مضى على
زواجهما، ما زالت عيناهما تشرقان حين يذكران قصة
حبهما. أتظنين أن (غِياث) سيكون مثل والدي بعد
مضي سنوات على زواجنا؟
ضربها شمس على رأسها وهي تقول: - فليلتفت إليك
أولا ثم تحدثي عن زواجكما.
سارت مبتعدة إلى سريرها وهي تقول بحنق:
- أف! ألا تملين من بث الإحباط فيّ كلما حدثتك عن
غِياث؟
أجابت شمس وهي تتمدد في سريرها:
- هذا لأنك حمقاء تعيش في الأوهام. الفتى لا يراك
أساسا لأنه ورع ومنشغل بدراسة علوم الدين.
اعترضت بدور بحنق: - وهل فيما أريده معصية؟
ثم بدا الشوق في نظراتها وأضافت بلهفة:
- لقد تعلق قلبي به رغما عني حتى شغفني حبا
فرجوته زوجا ودعوت الله أن يحقق لي مرادي.
هزت شمس رأسها إيجابا لكن بسخرية وقالت:
- تتزوجان وهو ما يزال فتى في الثامنة عشر ولا عمل
لديه ليعيلك ونفسه منه.
ضربتها بدور بالوسادة وقد طفح كيلها فضحكت
شمس.
- لن تفهمي ما أشعر به حتى تقعي في الحب. وليت
رأسك القاسي يكسر أثناء وقوعك.

خلع حاتم عباءته وهو يفكر بتلك الفاتنة التي
ارتدتها لتترك رائحتها أثرا فيها. تنهد وهو يتساءل في
نفسه عن سر ما ينتابه منذ رأى شمس. شيء ما فيها
يمنعه من الكف عن التفكير بها. أهو ذلك الوجه
البريء؟ أم تلك العينان الرائعتان بنظراتهما
المرتبكة الخجولة؟
اثنان آخران كان يفكر كل منهما بالآخر..
زيد الذي كان محتارا في تلك الفتاة الحادة النظرات
واللسان - معه فقط - وفي نفسه إعجاب خفي بها،
وحوراء التي كانت ناقمة على وصف زيد لها
بالسليطة. لكنه وصفها أيضا بالشجاعة، تلك الصفة
التي تفخر بامتلاكها.
تنهدت وحولت تفكيرها نحو شقيقها الذي كان
مختلفا اليوم. بدا في نظراته اهتمام لم يفتها نحو
شمس. هذه أول مرة تراه يهتم لأمر فتاة.
ابتسمت وهي تفكر " معه حق، فشمس جميلة وتدخل
القلب بسرعة. وكذلك والدتها وشقيقتها الصغرى "
تألقت عيناها حبا وهي تذكر رد فعل والدتها حين رأت
جرح حاتم. ضمته لمرات عديدة وهي وتسأله إن كان
بخير حقا، ولم تطمئن حتى بعدما أخبرها أن أستاذه
عالجه بنفسه.
كم تحبهم وتخاف عليهم هي وأشقاؤها الثلاثة!
أطلقت ضحكة خافتة وهي تذكر أول سؤال خطر
على بال أيهم شقيها الأوسط حين سمع بإنقاذ حاتم
للفتاة: - أهي جميلة يا أخي؟ هل تستحق ما حدث لك
بسببها؟
أطبقت حوراء جفنيها وأغلقت معهما تفكيرها بذلك
اليوم الغريب المتعب.

رمت بدور المكنسة من يدها وهي تتذمر:
- لماذا لا نحضر جارية تخدمنا؟ لقد تعبت من أعمال
الدار.
أعادت شمس الوسائد لمكانها على الأريكة التي
نظفتها للتو وهي تقول: - حذار أن يسمعك والداي!
تعرفين أن هذا الأمر يزعجهما.
تساءلت بدور بامتعاض: - لماذا؟ بماذا نختلف نحن عن
باقي الناس؟
دخلت زبيدة وقد علت وجهها حمرة الغضب:
- نختلف بأننا لا نشتري من خلقهم الله بالمال وكأنهم
سلعة ليخدمونا.
رمتها شمس بنظرة حادة وقالت: - لا عليك منها يا أمي.
تعرفين أنها كسولة وتكره العمل في الدار.
تساءلت زبيدة بحنق: - وماذا تفعل هي في الدار؟ أغلب
الاعمال تؤدينها أنت عنها. ألن تكبري يا بنت؟!
تمتمت بدور: - آسفة يا أمي.
وقبل خروجها، قالت زبيدة: - أنهيا العمل سريعا كي
نذهب لدار عمكما، فقد أبلغني والدكما أنه دعانا إلى
الغداء.
ابتسمت بدور وقالت وهي تعود للعمل بحماس:
- حاضر يا أمي!
رمقتها زبيدة بنظرة شك فقالت شمس لتبرر تصرف
شقيقتها: - تطير فرحا حين تزور (رفقة).
لكن زبيدة كانت تعرف أن سبب سعادة بدور ليست
رؤية ابنة عمها.

اجتمع الكل إلى مائدة الغداء إلا من كان قلب بدور
يهفو شوقا لرؤيته. سألتها رفقة الجالسة قربها هامسة
بمكر: - لماذا لا تأكلين جيدا؟
همست بدور بحنق وهي ترفع الطعام لفمها على مضض
كي لا يلاحظ أحد أنها لا تأكل:
- اخرسي يا رفقة فقد طفح كيلي!
اختزلت رفقة ضحكتها إلى ابتسامة أظهرت غمازتيها
اللتين ورثتهما عن والدتها مودّة ثم قالت:
- لن يتأخر كثيرا.
- أخشى أن نغادر قبل أن أراه.
أكدت رفقة: - لن يتأخر قلت لك، فكفّي عن
التجهم.
دخلت الفتيات المطبخ بعد الغداء لإعادة وترتيب ما
بقي من طعام.
كادت بدور أن تسقط الصحن الذي تحمله بين يديها
حين سمعت صوت غِياث الهادئ.
- السلام عليكم.
ردت شمس التحية بابتسامة بينما خرج صوت بدور
مضطربا: - وعليك السلام. كيف حالك يا غِياث؟
أجاب وهو يغض بصره عنها كعادته مع النساء:
- الحمد لله. رفقة، أعدي لي الطعام فأنا جائع.
تساءلت رفقة بامتعاض: - ألا تكون دروسك إلا وقت
تناول الغداء بعد صلاة الجمعة؟
قال مبتسما: - العلم أهم، والطعام لن يطير.
قالت وهي ترمق بدور بمكر: - لكنك فوتت
اجتماعنا على المائدة.
- سأعوض ذلك في المرة القادمة إن شاء الله.
أخذت بدور الصحن من رفقة وناولته إياه وهي تقول
بابتسامة: - أين أضعه؟
تناول الصحن منها وهو يقول: - سلمت يداك.
خفق قلبها وهي ترمقه بشوق دون أن يراها وتابعته
بنظراتها وهو يخرج لتصطدم بنظرة والدتها التي
كانت تقف عند باب المطبخ.
- ألم تنتهين من العمل في المطبخ؟
قالت رفقة بابتسامة مرتبكة:
- سننتهي حالا يا خالتي.
عادت زبيدة إلى البهو الصغير وجلست قرب مودّة التي
ابتسمت حين عرفت سبب نظرات الغضب في عينيها. ربتت على يد زبيدة وقالت:
- اهدئي يا امرأة! لا يستوجب الأمر هذا الغضب الذي
أراه في عينيك.
قطبت زبيدة جبينها فقالت مودة: - إنا أيضا أعرف.
زمّت زبيدة شفتيها ثم قالت بامتعاض: - كيف لا
تعرفين وتلك الحمقاء تفضحها نظراتها؟
أطلقت مودّة ضحكة قصيرة وقد التمعت عيناها ببريق
حب وحنين وقالت:
- ما أشبه حالها مع ابني بحالي سابقا مع أبيه!
قالت زبيدة وقد اتقد حرص وسيطرة الأم داخلها:
- لم تكمل الخامسة عشر وتعيش الحب.
ضيّقت مودّة عيناها وهي تقول: - من شابهت أمها! ألم
تتوقي للشعور بالحب منذ صباك؟! الفرق بينكما
أنك عشت الحب مرتين!
حدجتها زبيدة بنظرة عتاب:
- بل هي مرة واحدة مع من ملك روحي منذ رأيته، وأنت
خير من يعرف. فلا تثيري غضبي بتسمية تلك
السخافة مع زوج سمراء حبا. وإياك أن تقارنيها بما
يحمله قلبي لعمر!
أطلقت مودّة ضحكة عالية ثم قالت: - ما زلت تخشين
ذكر اسمه وكأنه إحدى المحرمات.
شردت زبيدة بعيدا ثم قالت والحسرة بادية في صوتها:
- لقد انتهى ذلك الأمر. ما يحزنني هو انقطاعي أنا
وسمراء عن رؤية بعضنا (تنهدت) ما أجمل تلك الأيام
حين كنت ألتقيها في دار أمي فاطمة رحمها الله أو دار
ريم! نتحدث ونضحك بينما يلعب اولادنا الصغار سويا.
منذ غادرت ريم مع زوجها الوليد بغداد وسكنت
المدائن، لم تلتقِ زبيدة وسمراء. فلم تكن سمراء
لتزورها في دارها وتسبب لها الحرج بسبب غيرة عمر،
ولم يكن لهما مكان بديل لتلتقيا فيه. وبعدها
انشغلت كل منهما في دوامة الحياة.
قالت مودة لتغير دفة الحديث: - دعينا الآن من هذا
وأخبريني، لماذا يزعجك ويخيفك حب بدور لغِياث؟
- غياث ولدي كما هو ولدك. لكنني أمها ولست
رفيقتها. أتسمحين أنت لرفقة بشيء كهذا؟
قالت مودة بابتسامة:
- إن لم تفعل الابنة ما يشين، فليس لنا أن نحاسبها على
خفقان قلبها. دعيها تعيش ما عشناه يا زبيدة، ولا
تخشي على قلبها الانكسار. فبإذن الله، لن يكون
لغياث زوجة سواها.
قالت زبيدة بابتسامة شاحبة: - ما يزال الوقت مبكرا
للحديث عن هذا.

وقف ياسر وعائلته عند باب الدار لوداع عمر وأهله.
قالت رفقة وهي تمسك بيد بدور:
- لا تتأخري في زيارتي.
فقالت زبيدة بابتسامة: - بل أنت من ستأتين إلينا المرة
القادمة.
بحثت رفقة عن عذر كي لا تذهب هي فتأتي بدور
لزبارتها وترى غياث:
- لكنني لا أجد من يحضرني لداركم يا خالة. طلبت
من غياث لأكثر من مرة فرفض لأنه منشغل.
ابتسامة حرج بدت على وجه غياث لتسلب لب بدور
فرمقته خلسة بينما قال لها عبيدة:
- أنا أحضرها لك يا صغيرة.
ابتسمت بدور لعبيدة وهي تفكر " أكان ينقصني أن
تناديني بالصغيرة أمامه؟ وهل يحتاج أخوك سببا آخر
يبعده عني أكثر؟ "
نشأ عبيدة وزيد كشقيقين منذ صغرهما وهو يحمل
محبة كبيرة لعمه وعائلته رغم أنه قليل التردد على
دارهم بسبب مشاغله، فوالده يعتمد عليه في عمله بما
أن غياث اختار طريق طلب علوم القرآن والحديث.
أما زبيدة فتكن له محبة خاصة فقد ولد بحضورها
يوم عرس عمته هند. ويا لذلك اليوم الذي كان من
أسعد أيامها! حيث اعترفت لعمر صراحة بحبها له
فطلبها في ساعتها من جدها الحارث رحمه الله. لذا
اعتبرت ولادة عبيدة فأل خير عليها.
ابتسم ياسر مخاطبا ولده: - ألن تكف عن تسميتها
بالصغيرة؟ لقد صارت صبية.
خفضت بدور رأسها خجلا فهمست لها شمس بمكر:
- منذ متى تحمر وجنتاك خجلا؟ لم أعرفك يا أختاه.
قال عبيدة بابتسامة: - ستظل هي ورفقة في نظري
تلكما الطفلتان مهما كبرتا يا أبي.

توقف زيد أثناء سيره في السوق حين سمع ذلك
الصوت الذي لم ينس حدته وقوته. عاد أدراجه ودخل
دكان العطارة ليجدها هناك، تجادل البائع في ثمن ما
اشترته منه.
أشار زيد للبائع بأن يبيعها بالسعر الذي تريده فقال
البائع بابتسامة:
- كما تريد يا سيد زيد. خذيها بالثمن الذي أردته.
أطبق زيد اجفانه وزفر امتعاضا فلم يكن يريد لحوراء
أن تعرف بتدخله لأنها بالتأكيد سترفضه. التفتت
نحوه فابتسم ليحييها فقالت بحنق وهي تتقدم نحوه:
- أتظنني ضعيفة عاجزة عن تدبر أمورها فجئت تقضي
لها حاجتها؟
رفع حاجبيه دهشة وأشار لنفسه كأنه يتساءل " أنا؟! "
أضافت مهددة حنق: - إياك أن تكون اتفقت مع البائع
على إعطائه فرق السعر بدلا عني!
أشار نفيا برأسه وهو يكبح جماح ابتسامته فقالت:
- لا أحب أن يستغلني أحد الباعة، كما لا أحب أن
يتدخل بشؤوني أحد وكأنني أعجز عن تدبر أمري.
خاصة لو كان شخصا غريبا عني.
تكلم زيد أخيرا مشيرا بيده أن تهدأ والابتسامة تنضح
من عينيه اللتين تريان انفعالها:
- لم يحدث ما يستحق. أردت المساعدة وحسب، فاهدئي
يا زوبعة الغضب.
رفعت حاجبيها واتسعت عيناها بنظرة حانقة متعجبة
من تسميته - وكأنها لا تناسبها - ثم فتحت فمها
لتتكلم لكنها عدلت عن ذلك وهي ترى
بريق المشاكسة والاستمتاع بغضبها في عينيه. عادت
للبائع ورمت له المبلغ الذي طلبه من النقود دون نقصان
ثم أخذت أغراضها وسارت مسرعة تتبعها جاريتها.
راقبها زيد وعض شفته عساه يخمد تلك الضحكة
القوية التي كبح جماحها طويلا. تنهد ثم اقترب من
البائع الذي كان مستغربا مما يحدث.
- ماذا تعرف عنها؟
سؤال أطلقه زيد، كان كفيلا بتلقيه كما كبيرا من
المعلومات حول تلك الزوبعة الغاضبة.

دخل صهيب بهو الدار بعد قليل من خروجه ليرى من
الطارق الذي بالباب.
- إنه حاتم، يود مقابلتك يا أبي.
نفس ذلك الارتباك الغريب عاود شمس عند ذكره.
نهض عمر وهو يقول: - لا بد أنه تحسن فجاء لأخذ
الدروس التي فاتته كما وعدته.
قال صهيب مؤيداً: - يبدو بحال جيدة فعلا يا أبي.
نفس الاضطراب، أصاب حاتم حين اقترب من باب دار
عمر وطرقها وهو يتساءل " تراني يمكن أن ألتقيها مرة
أخرى؟ "
نهض حاتم حالما دخل عمر جناح الضيافة وألقى
التحية.
- أرجو ألا اكون قد حضرت في وقت غير ملائم.
ربت عمر على كفه وهو يقول: - لك كل الوقت،
والدار دارك تحضر أنّى شئت. افتقدتك كثيرا في
مجلسي يا حاتم.
- وأنا اشتقت للقائك يا أستاذي.
أشار له عمر بالجلوس وقال: - سلمت يا ولدي. كيف
حال جرحك؟
- الحمد لله. لقد برأ.

سار زيد على ظهر فرسه بمحاذاة ضفة نهر دجلة،
مستمتعا بجمال تلك الأشجار الخضراء التي بدأ
يداهمها الاصفرار معلنا بداية الخريف.
فجأة عكر هدوء تلك الأجواء صرخة فتاة فخفق
قلبه وهو يتذكر تلك الحادثة التي تعرضت لها شمس
حين حاول مغولي الاعتداء عليها.
أسرع بفرسه نحو مصدر الصوت فإذا بحوراء على ظهر
جوادها الذي كان فزعا يرفع قائمتيه الأماميتين
بحركات عنيفة كادت تسقطها بينما تحاول هي عبثا
تهدئته.
نزل عن فرسه واقترب قليلا من الحصان محاولا تهدئته
دون جدوى.
كانت حوراء مذعورة. لأول مرة ترتعب هكذا وهي
على ظهر حصان ولا تعرف ماذا تفعل. زادت حركات
الحصان عنفا فأسرع زيد ووقف خلف الحصان وقد توقع
سقوط حوراء عن ظهره.
وفعلا، فلت اللجام من يديها فسقطت للوراء فتلقّفها زيد
وابتعد بها عن الحصان ثم عاد إليه مسرعا ليرى سبب
فزعه فوجد أمامه ثعبانا يهاجمه. تناول غصنا كبيرا
رآه على الأرض واقترب ثم ضرب رأس الثعبان بقوة
فمات.
استدار نحو حوراء لتواجهه بنظرات مذعورة يراها في
عينيها القويتين الحادتين لأول مرة. نظرات جعلت قلبه
يخفق لهفة، وانتابه شعور بالمسؤولية والحماية نحوها.
صرخت وقد احتدت نظراتها من جديد وارتباك خجل
لاح رغما عنها على وجهها:
- كيف تجرؤ؟!
للحظة لم يفهم كلامها وقطب جبينه مستفهما ثم قال
باستنكار ونظرات غاضبة وهو يقترب منها ويشير
بيده: - أنا المذنب. كان يجب أن أتركك تسقطين
ويكسر ظهرك أو رأسك.
استفزه عدم عرفانها بالجميل فأضاف ساخرا يسألها وهو
يذكر أول كلمات لاذعة سمعها منها حين لامته على
ترك شمس وحيدة: - ألم تقولي إن شقيقك لا
يتركك تتجولين وحيدة؟ ها أنا أراك في البستان
وحدك.
رمقته بحدة كعادتها حين تحرج وقالت:
- لقد خرجت دون علمه كي لا أعطله عن أخذ ما
فاته من الدروس مع والدك. (استدركت بامتعاض)
لكن ما دخلك أنت لتسأل؟
ردّ لها سؤالها بآخر حانق: - وما كان دخلك أنت حين
اتهمتِني بإهمال شقيقتي؟
ضيقت عينيها ثم قالت رافعة حاجبيها بانتصار
وابتسامة على شفتيها:
- تزعجك تلك الكلمات كثيرا لأنها تذكرك
بغفلتك عن حماية شقيقتك.
ضاق ذرعا بهجومها المستمر عليه فقال ساخرا ليصيبها
بمقتل، فليس أكثر إزعاجا للمرأة مما رماه في وجهها:
- لكن أخبريني، ما هذا الغرور؟ أتظنين أنك بذلك
الجمال المبهر الذي يجعلني أستغل الموقف الذي كاد
يعرضك للخطر، فأتعمد احتضانك؟! لقد اضطررت
لذلك كي انقذكِ فلا تخدعكِ نفسك.

نهاية الفصل الثاني

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:03 pm

الفصل الثالث

ضاق زيد ذرعا بهجومها المستمر عليه فقال ساخرا
ليصيبها بمقتل، فليس أكثر إزعاجا للمرأة مما رماه في
وجهها:
- لكن أخبريني، ما هذا الغرور؟ أتظنين أنك بذلك
الجمال المبهر الذي يجعلني أستغل الموقف الذي كاد
يعرضك للخطر، فأتعمد احتضانك؟! لقد اضطررت
لذلك كي انقذكِ فلا تخدعكِ نفسك.
حدقت به وانفرجت شفتاها دهشة فزمّتهما لتخفي
ارتجافهما غيضا وقهرا. من يكون ليجرؤ على اتهامها
بقلة الجمال؟ ابتعدت عنه وأسرعت بركوب حصانها
دون كلمة فقال ساخرا باستياء:
- احذري الثعابين!
وهنا لم تستطع الصمت فهتفت وهي تسرع بفرسها:
- ليست الثعابين بأسوأ منك.
طاردتها ضحكته العالية وهي تبتعد فزمجرت بغيض:
- وقح!
أكان ذلك الوقح صادقا فيما قال؟ وهل يمكن أن
يراها عادية الجمال وهو الذي لا ينفك يرى ملامحها
في خياله كل حين؟
لم تكن عيناها ملونتين واسعتين كعيني شقيقتيه
اللتين طالما ظنهما أجمل الفتيات، ولا واضحة الجمال
مثلهما. لكنه عرف للجمال معنى آخر معها.. ملامح
ناعمة غير مبهرة من بعيد، لكنها تأسر النظر بمجرد
التمعّن بها.
تنهد منزعجا وهو يذكر تعبير وجهها ونظرة عينيها
حين ألقى بكلماته الساخرة تلك بكل برود.
" ماذا جرى لي؟ كيف تفوهت بتلك الكلمات
المهينة لأي فتاة تسمعها، فكيف بعنيدة معتزة
بنفسها؟ تدفعني حدة تلك الفتاة لإغضابها ".
ربما كان ذلك رد فعل لا إرادي منه لمعاقبتها على
صدها الذي بدأ يتعب عضلة صغيرة تتوسط صدره.

كانت بدور تقلب إحدى قطع الأقمشة بين يديها
ونظرة انبهار في عينيها.
- ما أجمل هذا القماش يا رفقة! انظري لنعومته.
أيدتها رفقة: - إنه رائع! سأقنع أمي أيضا بشراء لون آخر
منه لي. سأترك لك الأحمر الذي تعشقينه وأسأل
صاحب الدكان إن كان هناك لون آخر منه.
- الدكان وصاحبه رهن أمرك. ولو لم يكن فسأذهب
لجلبه لك.
التفتت الفتاتان نحو صاحب الدكان الذي لم يرفع
نظره عن رفقة منذ دخلت الدكان مع والدتها وبدور
وشمس.
قالت رفقة بنظرة ريبة نحو الشاب الواقف قبالتهما:
- أريد لونا أزرق.
ابتسم بسرور ولمعت عيناه كتلك الفكرة التي
خطرت في رأسه.
اتكأ على مجموعة من الأقمشة التي يقع خلفها اللون
الذي طلبته رفقة وقال كاذبا:
- هذا اللون غير موجود الآن. لو عدتِ بعد أيام
فستجدين منه عدة ألوان. ستصلنا بضاعة من ضمنها
قطع كثيرة من هذا القماش، فقد طلبته الكثيرات
لأنه كما ترين.. رائع الجمال ويسحر الناظر إليه.
كانت عيناه متسمرتان على عيني رفقة وهو يتحدث
فتبادلت مع بدور نظرة دهشة وهما تكتمان
ابتسامتيهما وتفكران بجرأة هذا الوقح الذي يتغزل بها
بهذا الشكل الجلي السمج.
- بل طلبها موجود يا شقيقي.
نظر نحو شقيقه الأكبر بحنق حين دفعه للأمام وأخرج
ذلك القماش الأزرق اللون وهو يرمقه بنظرة وعيد.
نظرت الفتاتان نحو الشاب ونحو صاحب الدكان وهما
تحبسان ضحكتيهما وتشعران بالرضى لتلقي صاحب
الدكان ما يستحق.
أثناء ذلك تقدمت شمس ومودّة نحو بدور ورفقة بعدما
سمعتاهما تكلمان صاحب المحل.
قالت شمس باستغراب بما يشبه الهمس: - حاتم!
انتبه حاتم لذلك الصوت الخافت المضطرب كما
ذلك اليوم حين قالت له أول كلمة " آسفة ".
قفزت ابتسامة سرور على شفتيه وهو يختطف نظرة
نحو وجهها الذي يراوده عن هدوئه كلما رآه.
رمقها الجميع باستغراب وسألتها مودة: - هل تعرفينه؟!
وكعادتها، قالت بدور بسرعة: - حاتم هو الذي أنقذها
من المغولي.
رمقتها شمس بحدة فخفضت بصرها بخجل بينما قال
أيهم مستغلا الموقف:
- أنتم إذن عائلة أستاذ أخي الذي لا ينفك يحدثنا
عنه. (التفت نحو مودّة) أخي معجب جدا به يا أم زيد.
ابتسمت مودة وهي تقول: - لست أم زيد يا ولدي بل
زوجة عمه.
قال أيهم بابتسامة وحفاوة وقد عرف أنها والدة رفقة
وهو يرى الشبه الكبير بينهما:
- أهلا ومرحبا بك. شرفتن دكاني بزيارتكن.
الدكان وصاحبه بخدمتكن.
- سلمت يا ولدي.
ربت حاتم على ذراعه ليصمت وقال وقد اضطربت
نبضة أو اثنتين في صدره:
- اخترن ما تردن وسأوصلها لدار الأستاذ حين أذهب
للدرس.
قالت مودة بامتنان: - لا نريد أن نتعبك. سنأخذها
معنا.
حانت من شمس التفاتة سريعة نحو حاتم قبل أن تسير
مع الباقيات لرؤية باقي الأقمشة.
زادت ابتسامته وهو يرى على وجهها أثر ارتباك
وابتسامة.
ضرب أيهم كتف شقيقه بكتفه وهمس بمكر:
- ما به وجهك يعكس سرورا واضطرابا منذ رأيت تلك
الفتاة التي ذكرت اسمك؟
أفاق حاتم من شروده في تلك التي وقفت قرب شقيقتها
تحاول اختيار قطعة قماش وفكرها أقرب إليه منها.
ضيّق عيناه وقال لأيهم موبخا وهاربا من إجابة ذلك
السؤال:
- كف عن سماجتك وملاحقتك للفتيات! فليشتر
لك والدك جارية، علك تكف عن سخافتك
وتغض نظرك عن الفتيات.
رمقه أيهم بضيق وتساءل ساخرا بحنق:
- والدي. أوَليس والدك أيضا؟
لم يعلق فسأله أيهم وهو ممتعض من مجيء حاتم الآن
بالذات وكشف كذبه بشأن القماش:
- ما سبب تشريفك لي في دكاني؟ ليست من عادتك
زيارتي.
- مررت قريبا من هنا فجئت أراك.
فكر أيهم بامتعاض " ليتك تأخرت في المجيء! "
حين مدت مودة يدها بثمن قطع القماش التي اشترتها
والفتيات، قال أيهم:
- فلتعتبريها هدية. لن آخذ النقود من عائلة أستاذ
أخي.
لكن مودة قالت بإصرار: - بل ستأخذها يا ولدي.
- في المرة المقبلة سآخذها يا خالة.
بدا الضيق في نظرة مودة ورفقة فقال حاتم وهو يناول
مودة الأغراض:
- كما تحبين يا خالة. خذ النقود يا أيهم.
شكرته فقال وهو يوجه كلامه لشمس وبدور ويخص
الأولى بنظرة لم يستطع مساواتها بتلك التي رمق بها
شقيقتها: - انقلا تحياتي لأستاذي.
أومأت شمس بابتسامة ونظرة قصيرة ثم شكرتهما مودة
وخرجن من الدكان وعيون الشابين معلقة باثنتين
منهن.

كم مرة سمعت شمس اسمه الذي يجعل حواسها رغما
عنها تركز على الحديث الدائر عنه!
الخالة مودة تمدح اتزان تصرفاته وغض نظراته،
والوالدة تنقل لها رأي الوالد فيه وحبه له، والشقيقة
تتابع بابتسامة ماكرة كل ما يطرأ على وجهها من
تعبيرات توحي بأن ذلك الحاتم ليس كغيره من
الرجال في نظرها.
همست بدور في أذن شمس مقاطعة أفكارها حول ذلك
الأسمر الذي اقتحم حياتها ليحوز اهتمامها:
- يربكك ذلك الرجل.
التفتت شمس نحوها مستفهمة فقالت بدور موضحة
بمكر: - حاتم.
اضطربت ثم أنكرت ما أكدته نظراتها:
- ما هذا الهراء؟!
قالت بدور بإصرار والابتسامة على شفتيها:
- ليس هراءً بل وقوعا كما يبدو.
تساءلت شمس بامتعاض: - أي وقوع؟
فأوضحت بدور بمكر: - ذلك الوقوع الذي دعوت
عليك به لتشعري بحالي مع غياثي.
رمقتها شمس بحدة ثم نهضت من فورها وهي تهمس:
- مجنونة!
تساءلت شمس في نفسها وهي تسير نحو غرفتها:
" هل اضطرابي بوجوده كان واضحا لتلك الدرجة
حتى لاحظته بدور؟ أيعقل أن ما تقوله صحيح؟! "

جهزت زبيدة كل ما قد يحتاجه عمر في رحلته إلى
الكوفة، حيث سيلتقي أستاذا تتلمذ على يديه منذ
أعوام طويلة مضت. وقفت عند الباب تودعه وعيناها
تضطربان ككل مرة يفارقها فيها. قال مبتسما وهو
ينظر في عينيها الحبيبتين:
- لن أطيل الغياب إن شاء الله. لا تقلقي.
قبّل جبينها فقالت بقلق: - الرحلة طويلة، ولست شابا
كالسابق كي تتحمل أعباء السفر.
رفع حاجبيه دهشة وهو يرمقها.
- تتكلمين وكأنني عجوز! ما زلت في السادسة
والخمسين من عمري لو كنت تذكرين.
ثم همس في أذنها بمكر بينما يراقبهما أبناؤهما
بابتسامة ماكرة:
- هل نسيتِ سريعا كلمات الغزل التي أسمعتِني إياها
البارحة لتصفيني اليوم بالكبر؟
أشاحت بوجهها أمام نظرات الأولاد الفضولية فقال عمر
مازحا لأولاده:
- سيسافر معي حاتم ويهتم بوالدكم العجوز فلا تقلوا.
ضحك الولدان بينما نظرت بدور صوب شقيقتها التي
اضطربت ككل مرة يطرق فيها اسم حاتم سمعها،
ووجدت نفسها تتمنى له سلامة العودة كما لوالدها.
قالت زبيدة وهي تذكر إنقاذه لشمس:
- فليحفظه الله. لن أنسى معروفه.

أسرعت بدور بوضع الخمار على رأسها حين سمعت صوت غياث يكلم صهيب.
دخلت البهو وألقت التحية بنبضاتها قبل لسانها. ردّ
غياث بصوته الهادئ الذي يناقض صوتها المرتفع الحاد،
دون النظر نحوها طبعا.
جلست قرب رفقة بعدما عانقتها فاستأذن غياث فقال
صهيب وهو يجذب كفه: - وصلت لتوك!
- لدي درس بعد صلاة المغرب ويجب أن أستعد له.
قال صهيب: - فلتشرب شيئا على الأقل ثم اذهب.
همست بدور لرفقة بحنق:
- ما به شقيقك، لا يصبر على المكوث في مكان
واحد؟ أم أنه لا يطيل البقاء عندنا فقط؟
ابتسمت رفقة بمكر وقالت: - أبقيه هنا إن استطعت.
قاطع حديثهما صوت صهيب وهو يقول:
- أحضري لنا شيئا نشربه يا بدور.
نهضت وهي تبتسم وقد لمعت فكرة في رأسها:
- حاضر يا أخي.
وبسرعة، أحضرت بدور أقداح العصير وتقدمت أولا نحو
غياث وتعمدت أن تصطدم يده بالصحفة (الصينية)
فانسكبت أقداح العصير الأربعة على ثيابه.
شهقت متظاهرة بالمفاجأة بينما نهض صهيب من فوره
وهو يهتف بحدة:
- ألا تجيدين فعل شيء؟ سأجلب لك أحد ثيابي يا
غياث.
كان هادئا كعادته ما عدا تلك الشهقة التي أطلقها
لحظة سقط العصير عليه، وقال لصهيب وهو يقف:
- الأمر لا يستحق الغضب.
انحنت بدور لجمع الأقداح ودموعها تتساقط بسبب
توبيخ صهيب لها أمام غياث ثم قالت:
- أنا آسفة. اعذرني.
أحزنته غصة البكاء في صوتها فقال:
- لا تبالي يا ابنة عمي.
توقفت دموعها حين رفعت رأسها ورأته ينظر لوجهها
بنظرات ثابتة لا خاطفة بخلاف ما اعتادت منه. لم
تكن بدور تشعر بالنظرات التي كانت ترمقه بها وقد
ذكرتها عبارته تلك بوالدها حين ينادي والدتها
بابنة خالي.
نظرات شوق ولهفة جعلته يسهو للحظات وينظر في
عينيها بنظرة مستغربة ثم استدار عنها بسرعة وهو
يستغفر في نفسه.
خطوات صهيب الحثيثة وهو عائد إلى البهو جعلتها
تخرج مسرعة فتبعتها رفقة إلى المطبخ. تساءلت رفقة
بسرور ومكر وهي تمسك بذراعي بدور:
- ما الذي رأيته للتو؟
همست بدور وابتسامة تزين وجهها: - هل رأيته؟ لقد
نظر إلي.. نظر في عينيّ!
ضحكت رفقة ثم تساءلت بمكر: - ماذا فعلت بأخي
حتى فعل هذا؟
ضحكت بسرور وقالت: - لو كنت أعلم أن البكاء
نقطة ضعفه لذرفت أمامه الدموع منذ زمن، أحسنت
بسكب العصير عليه.
ضربتها رفقة على كتفها وهي تقول: - يا لئيمة! لقد
تحديتك أن تبقيه هنا لا أن تغرقيه بالعصير.
قالت بحنق:
- لقد أغاضني لأنه دائم الهرب مني فأردت معاقبته.
ابتسمت رفقة بسرور: - وحصلت على أكثر مما أردت.
نظرة شقيقي التي لا يمنحها لفتاة.
تنهدت بدور بشوق ثم قالت: - فلتسلم النظرة وصاحبها.
آه من قلبي، كم يعشقه يا أخته!

صار زيد كثير التردد على ذلك البستان المفضل
لديه هو وشمس وصار يحب التواجد فيه أكثر منذ
عرف أن حوراء تكثر من زيارتها له. وتمنى أن يلتقيها
هناك يوما.
لقد عرف الكثير عنها منذ التقاها في دكان العطار.
عرف اسم أبيها وموقع دارها وأغلب الدكاكين التي
تتردد عليها في السوق.
وذات يوم، لمحها من بعيد في البستان ظهرا وهي تقود
حصانها وقد نزلت عن ظهره لتسير على قدميها. تتهادى
في مشيتها فتتمايل خفقات قلبه. اقترب فالتفتت حين
سمعت وقع خطواته.
عبوس علا وجهها ليكبح اضطراب نبضها. أكملت
سيرها وتجاهلته بينما ابتسم ولحق بها ليسير قربها وهو
يفكر بأنها ما تزال غاضبة بسبب لقائهما الاخير.
ألقى التحية فالتفتت نحوه بحدة كعادتها وهي تأمره:
- ابتعد عني!
تساءل بابتسامة: - ألا تردين السلام أولاً؟
زفرت بانزعاج وتوقفت لتسأله: - ماذا تريد؟
يريد محو تلك الملامح المتجهمة التي تبدو عليها
كلما رأته. يريد إزالة ذلك التنافر بينهما والتقرب
منها وإطالة البقاء قربها. يريد تكرار الشعور بنبضات
قلبه وهي تخرج عن السيطرة كلما رآها. وهل تلك
رغبات تقال لزوبعة الغضب؟
اكتفى بالقول: - بما أنك تسيرين وحيدة لأن حاتم
برفقة أبي في الكوفة، فكرت بالتواجد قربك كي
لا تبقي وحيدة.
رفعت حاجبيها سخرية وقالت بحزم:
- أستطيع حماية نفسي.
سألها مازحا: - ألا تخشين الثعابين؟
احتدت نظرتها أكثر وهي ترد: - رفقتك اسوأ!
زفر وقال جادا وهو يجاريها في السير: - لماذا لا نمحو
الخلاف بيننا؟ شقيقك عزيز علينا وأنت وشمس
تكنان المودة لبعضكما، فلماذا نتجادل أنا وأنت كلما
التقينا؟
- لأنك تزعجني.
اعترض: - أزعجك؟! أنت بالكاد تريني فيرتسم
التجهم على وجهك! تكنين لي نفورا لا أعلم سببه مع
أنك أنت من بدأت حين اتهمتني بإهمالي شقيقتي.
أحقا تكن له النفور؟ هل يسمى نفورا ذلك النبض
المضطرب لرؤيته والارتباك حين يذكر اسمه أمامها
وحضور صورته المتكرر في خيالها؟
أجابت لترد على كلامه:
- قلت ما قلته حينها بسبب حزني على حالة شمس
لكن ما حجتك أنت لقول كلاما يزعجني؟
وقف إزاءها وقال ليعزف على وتر اعتزازها بنفسها:
- ربما أسأت فهمك كما يجب لأنني لم اصادف مثلك
من قبل.
قطبت جبينها مستفهمة لتعرف أيقصد المدح أم الذم
فأضاف: - فتاة شجاعة وفارسة وقوية.
كم تعتد بامتلاكها لتلك الصفات التي أخذتها عن
والدتها!
لم ترد أن تبين أثر كلامه عليها فقالت دون ان تنظر
إليه: - حسنا. دعني أذهب الآن واذهب لشأنك.
قال بامتعاض: - ما زلت غاضبة إذن!
هزت رأسها نفيا مع أن في نفسها بعض انزعاج: - كلا!
وسارت في سبيلها فابتسم آملا أن يكون لقاءهما التالي
أفضل من سابقيه.

خرجت زبيدة لترى من الطارق فقد خرج ولداها كل
لعمله منذ برهة. حدقت بوجه عمر المتعب لتفلت منها
شهقة خوف جعلته يقول: - لا تفزعي.
نقلت نظرها لحاتم الذي كان يسند عمر وهي تتنحى
عن طريقهما فقال يطمئنها:
- لقد تعرض لنوبة برد فلا تقلقي يا خالة.
أومأت وهي تسبقهما إلى الدار لتخبر ابنتيها بوجود
حاتم.
- شمس، بدور! لا تدخلا البهو فقد جاء حاتم برفقة
والدكما.
أومأت الفتاتان بينما أسرعت زبيدة إلى البهو.
رمقت بدور شقيقتها بمكر فقالت شمس بنظرة حادة:
- ما بك ترمقينني بهذه النظرة الحمقاء كلما أتى
ذكره؟
تساءلت بدور: - ذِكرُ من؟
ردّت شمس بانفعال: - تعلمين عمّن أتحدث فلا تتغابي.
نظرت بدور في عينيها وسألتها بإلحاح:
- ولماذا يحمر وجهكِ وتضطرب نظراتكِ كلما أتى
ذكره؟ اعترفي أنه حاز اهتمامك. وربما.. حبك.
نهرتها شمس وهي تضع الفاكهة في الصحن:
- اهتمي بعملك واخرسي.
جلست زبيدة قرب عمر وسألته بقلق:
- ماذا حل بك ليبدو عليك التعب هكذا؟
أجابها وهو يرمق حاتم بامتنان: - تعرضت لنزلة برد
شديدة لكن حاتم اهتم بي.
- سلمت يا ولدي. هذا فضل آخر لك علينا. قالتها
زبيدة فقال معترضا:
- لا تقولي هذا يا خالة! وهل أستطيع رد أفضال
أستاذي؟ من علمني حرفا ملكني عبدا.
ربت عمر على كتفه وهو يقول: - بل ملكت ابنًا.
- هذا شرف لي.
قالت زبيدة بإصرار: - لقد اعتنيت بأبي زيد وقبلها
أنقذت ابنتنا. كيف نكافئُك؟
خفض بصره خشية رؤيتهما لاضطراب أجفانه وفكر
بعدم إضاعة هذه الفرصة فقال:
- لدي طلب. لو تكرمتما ووافقتما عليه.

نهاية الفصل الثالث

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:12 pm

الفصل الرابع

خفض بصره خشية رؤيتهما لاضطراب أجفانه وفكر
بعدم إضاعة هذه الفرصة فقال:
- لدي طلب. لو تكرمتما ووافقتما عليه.
قال عمر: - سل ما شئت يا ولدي. أنت لا تعرف
مكانتك عندي يا حاتم.
- هو في الحقيقة طلب لشقيقتي ووالدتي. تأمل أمي أن
تزورنا شمس في دارنا فقد أحبتها لكثرة كلام حوراء
عنها.
تبادل عمر وزبيدة النظرات بصمت فاقترح حاتم:
- لو يحضرها زيد معه حين يشرفني بالزيارة التي
وعدني بها منذ مدة ولم يفِ بها بعد.
- إن شاء الله.
ابتسم حاتم شاكرا وهو مضطرب النبض لفكرة وجود
شمس في داره.
حالما خرج حاتم، نادت زبيدة ابنتيها لتدخلا. عانقتا
والدهما وسألتاه عن سر وجهه المتعب فأخبرهما عن
مرضه أثناء الرحلة ثم ذهب ليرتاح في غرفته برفقة
زبيدة التي أصرت أن يستند عليها.
طرق الباب بعد قليل فخرجت شمس لفتحه.
اضطربت وفرحت وأطرقت رأسها ارتباكا وهي تراه
قبالتها فقال بعد لحظات اضطراب كتلك التي شعرت
بها: - أسعد الله صباحك يا شمس.
يا لتلك الروعة التي نطق بها اسمها! رمقته بنظرة
خاطفة وردت: - أسعدت صباحا.
وهل يمكن أن يكون صباحه أسعد من هذا؟ تلك
التي سحرته تقف أمامه ووجهها يلمع تحت أشعة الشمس
التي تشابهها في إشراقها كما اسمها.
- لقد.. نسيت حقيبتي فعدت لأخذها.
رمقته وهي تقول: - سأحضرها حالا.
أخيرا استطاع تمييز لون تلكما العينين الساحرتين!
إنهما زرقاوان داكنتان كلون مياه دجلة لحظة اكتمال الغروب واختفاء ألوان الشفق عن سطحه.
عادت شمس بعد قليل وهي تحمل الحقيبة وقدمتها بيد
مضطربة لحاتم فقال بصوت يشبه الهمس:
- سلمت يداك.
أجابته بابتسامة خجولة ونظرة مرتبكة كانتا
كافيتين لزرع الابتسامة على وجهه لباقي اليوم.

قفزت الابتسامة إلى وجه زيد وفكر بحوراء حين سأله
والده:
- ألم تزر حاتم بعد؟ أخبَرني أنك وعدته بزيارته.
- صحيح. لكنني لم أرد أن أشغله فيبدو ان وقته كله
للعلم والدروس.
- لكنه دعاك لزيارته أمس. صداقة من هو مثله كنز
يا ولدي.
قال زيد بحماس وهو يتخيل نفسه في دار تلك العنيدة:
- بالطبع يا أبي. يكفي أن فيه الكثير من صفاتك.
سأزوره غدا إن شاء الله.
- سأخبره إذن حين أراه صباح الغد في الدرس. شمس،
ستذهبين معه فحوراء تطلب رؤيتك.
رفعت رأسها الذي كانت تخفضه منذ بدأ الحديث عن
حاتم كي لا يلحظ اضطرابها أحد، ورمقت والدها
بنظرة دهشة سريعة ثم عادت لتزرع نظرها في صحنها
فأوضح عمر لتزداد اضطرابا:
- أخبرنا صباح البارحة أن والدته أيضا ترغب برؤيتك
لكثرة حديث حوراء عنك أمامها لذا وعدته بأن
يصحبك زيد معه.
أومأت برأسها دونما كلمة فأسرعت بدور بالقول لتصرف
الانتباه عن اضطراب شقيقتها:
- أيمكن أن أرافقها يا أبي؟
- تستطيعين ذلك يا ابنتي.
لم يكن نبض زيد أكثر انتظاما من نبض شقيقته بعد
ذكر اسم زوبعته الغاضبة التي جعلته يسهو عن بعض الحديث ولم ينتبه حتى قال والده: - سأسأل حاتم أين يقع داره.
قال زيد بتسرع: - لا داعي فأنا اعرفه.
قطب عمر جبينه متسائلا: - وكيف تعرفه إن كنت أنا
استاذه ولا أعرفه؟
كيف لا يعرفه وقد عرف الكثير مما يخص حوراء؟
أجاب كاذبا بابتسامة:
- لقد.. سألته عنه حين فكرت بزيارته.
علق عمر: - ذلك الفتى متحفظ في الكلام عن
عائلته، خاصة والده. لقد شعرت من خلال كلامه مرة
عنه أنه لا يتفق معه في التفكير والنظر للأمور. لذا
نشأ مستقلا عنه، حتى أنه يعرف عن نفسه باسمه
المجرد دون ذكر اسم أبيه.
سأله صهيب مستغربا: - ألا تعرف اسم ابيه حتى الآن
وهو تلميذك منذ شهور؟!
أجاب عمر: - لقد احترمت تحفظه يا ولدي. كما انني
اعجبت باعتزازه بنفسه واستقلاليته. مثل حاتم لا
يكون جاحدا. لذا أظن أن لديه سببا لتصرفه.

فتح حاتم الباب وخلفه وقفت حوراء لاستقبال شمس
وبدور. لقاء قصير بنظرات خاطفة حمل كما كبيرا
من المشاعر. قال حاتم بعد السلام:
- شرفتم دارنا. تفضلوا.
دخلت الفتاتان برفقة حوراء إلى بهو الدار الكبيرة التي يظهر الترف في كل أركانها بينما ذهب زيد
برفقة حاتم إلى جناح الضيافة.
قالت حوراء بسرور وهي تجلس قرب شمس وبدور:
- أسعدتماني كثيرا بهذه الزيارة.
فقالت شمس: - ننتظر زيارتك لنا في المرة القادمة.
- إن شاء الله.
نظرت الفتاتان بإعجاب للمرأة الممشوقة القد الرقيقة
الملامح التي دخلت البهو ووقفتا احتراما لها.
تقدمت ورحبت بهما ثم قالت وهي تعانق شمس:
- لا بد أنك شمس التي لا تنفك حوراء عن
التحدث عنها. مرحبا يا ابنتي.
ابتسمت شمس بخجل وقالت: - سلمت يا خالة.
قالت بدور وهي تعانقها: - وأنا بدور، أختها.
- حياكما الله. تفضلا.
قالت بدور بابتسامة: - حوراء تشبهك كثيرا يا خالة.
أنا وشمس أيضا أخذنا الكثير من ملامح والدتنا.
- إذن فهي رائعة الجمال بالتأكيد، فأنتما تملكان من
الجمال ما تحسدان عليه.
قالت شمس بابتسامة خجولة: - سلمتِ.
بعد قليل، خرجت لتترك ابنتها مع ضيفتيها لتمتد
الأحاديث بينهن.
كانت تود إطالة الجلوس والحديث معهما لكن شيئا
في وجهيهما وعينيهما جلب الدموع لعينيها فأسرعت
بالمغادرة. لوني عينيهما الغريبين ذكّراها بمن كانت يوما رفيقة الطفولة والشباب. تلك العينان اللتان لهما
زرقة عيني شمس أحيانا وخضرة عيني بدور أحيانا
أخرى.
تنهدت سمراء وهي تفكر بتلك الصداقة التي لم
تظن هي أو زبيدة أو ريم أن الأيام قادرة على فصم
عراها. " تراكما نسيتماني يا رفيقتاي خلال تلك
الأعوام الطوال أم انكما تحنّان لتلك الأيام مثلي؟ "
خفق قلب شمس وهي تسمع صوت حاتم من خلف الباب
ينادي:
- حوراء، أخبري ضيفتيك أن زيدا يريد المغادرة.
نهضت الفتاتان استعداداً للمغادرة فقالت حوراء:
- ليتكما بقيتما معي مدة أطول.
ودعتاها وقالت شمس: - زورينا قريبا.

دخل مصعب غرفته مساءا بعد سهرة قضاها في دار نوار
ليجد سمراء مستيقظة كعادتها لاستقباله.
ألقى التحية وتقدم ليقبل جبينها ويقول وهو يرى
التجهم على وجهها:
- اعذريني لأني تأخرت عند نوار. لم اشعر بالوقت.
ابتسمت وهي تقول: - ومن يشعر بالوقت مع أصدقائه؟
نظر في عينيها وهو يسألها: - ما سر هذا العبوس إذن يا
حبيبتي ما دمتِ لست غاضبة بسبب تأخري عند نوار؟
تنهدت بحرقة ولمعت الدموع في عينيها فسألها:
- هل ذكرتِ العم إبراهيم رحمه الله؟
أجابت بصوت ينذر بسقوط دموعها التي لم تعد عصية
منذ عشقته:
- أذكر أبي كل يوم وأسأل الله له الرحمة. ليس الأمر
متعلق بأبي.
أمسك وجهها بين كفيه وقال: - أخفتني يا أحجيتي!
ابتسمت لذلك اللقب رغم دموعها وقالت:
- حين رأيت صديقتي حوراء.. فيهما شيء ذكرني
بزبيدة. لهما عينان ملونتان وبشرة بيضاء مثلها.
تنهد وهو يفتح ذراعيه بقلة حيلة وقال:
- لم تنقطعي عنها بإرادتك. زوجها رأسه كالصخر
وهي تخشى غضبه، وأنت آثرت عدم جلب المشاكل لها
على اشتياقك الكبير لرؤيتها.
تحدثت بصوت متقطع جعل نبضه يرتجف حزنا عليها:
- أعرف. لكن قلبي ذاب حين ذكرتاني بها يا مصعب.
ضم رأسها ليرتاح على كتفه وهمس:
- سلم قلبك يا روح مصعب.
أبعدها ثم تساءل بمكر وعلى وجهه ابتسامة:
- وإن أخبرتك أنك ستريها قريبا؟
جمعت نظراتها الدهشة والأمل: - كيف ذلك؟!
- كان ذلك سبب تأخري عند نوار. كان يحدثني عن
خطبة ياسر لابنته (نجلاء). خطبها لعبيدة وقد وافق
نوار على الخطبة.
- ابن مودة الأكبر.
قال مصعب بابتسامة: - وبما أن عمر عم العريس فلا بد
أن رفيقتك ستحضر عرسه فتلتقيان هناك.
تنهدت والحنين يلوح في عينيها: - أنلتقي بعد كل
تلك السنوات؟
عانقته بسرور فقال: - لا تذيبي قلبي ببكائك يا
أحجيتي. فلتعودي تلك الملثمة القوية التي لا تبكي
ولا تلين.
أطلقت ضحكة قصيرة ثم همست وهي ترمقه بشوق:
- لقد صرت هشة المشاعر، سريعة البكاء منذ
عشقتك.

في منزل عمر، كان النقاش دائرا حول نفس الأمر.
تهلل وجه بدور وهي تقول بعدما أخبرهم عمر بخطبة
عبيدة لابنة بارقة ونوار: - أخيرا سيتزوج أحد افراد
عائلتنا وسنحضر عرسا قريبا!
دعت زبيدة وهي مسرورة: - فليبارك الله لهما.
وقالت شمس بمكر وقد حانت نظرة منها لبدور:
- العقبى لغياث.
اضطربت بدور بينما رمقتهما زبيدة بامتعاض دون أن
تشعرا.
في غرفتهما، سألت عمر: - لا أراك سعيدا بخبر خطبة
عبيدة.
- كنت أفضل أن يخطب إحدى قريباته. إحدى بنات
عمتيه مثلا.
ابتسمت وقالت تمازحه:
- ظننت أنك أردت أن يخطب شمس فاستغربت فقد
تربيا منذ صغرهما كشقيقين.
- كلا! لم أفكر بهذا فهما بالفعل كشقيقين. شمسي
الغالية، لن أزوجها إلا لمن يستحقها فعلا.
جلست قربه وسألت وهي تشاكسه:
- وبدور، هل ستزوجها لأي كان؟
ابتسم وقال بحنان: - كلتاهما قطعة من قلبي. لكن
شمس تحمل من الرقة والهدوء ما لن تقو معه على
مجاراة أي رجل. يجب أن ترتبط برجل يفهمها ويقدر
ذلك فيها. أما بدور (لمع الشوق في عينيه) فقد أخذت
منك القوة وروح المشاكسة.
ابتسمت ثم سألته بجدية هذه المرة وقلبها يخفق
لاحتمال لقائها بسمراء في عرس عبيدة وابنة نوار:
- لم تخبرني بعد بالسبب الحقيقي لانزعاجك من
خطبة عبيدة لابنة بارقة. أم أن السبب كونها ابنة
نوار.
استدار عنها فقالت: - ما لنا ولهم؟ بارقة رفيقة مودة
منذ سنوات. وياسر تربطه علاقة طيبة بنوار.
فليتزوجها الفتى ما دامت تعجبه.
تبا للسهولة التي تنطق بها اسم رفيق ذلك الرجل!
رمقها بانزعاج فتساءلت بقلق وامتعاض:
- لا تقل إنك ستحرمني حضور عرس عبيدة لأن نوار
والد العروس.
تأفف منزعجا وهو يتمدد في السرير وقال:
- كفي عن هذا الحديث ودعيني أنام.
تمددت هي الأخرى وقالت لتغيظه بعدما أطفأت
القنديل: - إن استطعت النوم!
ولم ينم بالفعل إلا بعد فترة قضاها في التفكير
بذهابها لدار نوار رفيق مصعب بينما قضتها هي في
التفكير بسمراء واحتمال لقائهما بعد تلك السنوات.

ذهبت مودّة ورفقة إلى دار عمر قبيل ظهر الجمعة ثم
لحق بهما ياسر وولداه برفقة عمر وولديه بعد خروجهم
من المسجد لتناول الغداء بدعوة من عمر.
حال وصولهم أمسكت زبيدة كفي عبيدة وهي تبارك
له خطبته فقبل رأسها.
- سملت يا خالتي. العقبى لزيدٍ وصهيب.
قالت بابتسامة: - كبرت سريعا يا ولدي.
- وأنت لم تكبري يا خالتي. ما زلت باهرة الجمال كما
كنت أراك في صغري.
قالت مودّة بمكر: - زوجة عمك لا تحتاج المديح
لتحبك أكثر. لك مكانة خاصة في قلبها لأنك
كنت فأل خير عليها، ففي يوم ولادتك خطبها عمك
من جدنا رحمه الله.
حدجتها زبيدة بنظرة معاتبة بينما قال عمر بابتسامة:
- دعكما من الحديث وأسرعا بإعداد المائدة فنحن
جياع.
همست رفقة لبدور بينما كانتا تشاركان في إعداد
المائدة: - ستفضحك نظراتك يوما ما. لولا انشغال
الجميع بحديث عبيدة وأمك لانتبهوا لتحديقك
بغياث.
تنهدت بلهفة وهمست: - ألم تري النور الذي يشع من
وجهه وهو عائد من صلاة الجمعة؟
هزت رفقة رأسها بيأس وقالت: - أتحدث مع مجنونة!

جاء يوم زفاف عبيدة ونجلاء وجاءت الاماني تتسابق
لقلبي تلك الرفيقتين القديمتين بلقاء يروي بعضا من
اشتياق إحداهما للأخرى على مر تلك الأعوام.
لم تذهب زبيدة مع موكب زفاف عبيدة لدار نوار كي
لا تقابل مصعب هناك، ولازمت دار ياسر بحجة استقبال
الضيوف الذين سيصلون إلى الدار. كم تمنت حضور
تلك اللحظة حين يأخذ عبيدة عروسه من والدها!
تجهم وجهها حين تذكرت أن والد نجلاء هو نوّار ثم
هزت رأسها ساخرة من نفسها لأنها ما زالت تذكر
تصرفات نوار المزعجة وموقفه منها.
وهل يستطيع الإنسان محو ذكرياته بسهولة؟ فهذا عمر
قد انقبض قلبه منذ دخل دار نوار مع موكب الزفاف.
وحين وقف قرب ياسر وعبيدة وأولادهما لحظة تسلم
عبيدة عروسه من والدها، تدافعت كل الذكريات
القديمة في رأسه وتذكر ذلك اللقاء الذي دبره نوار
وبارقة ليجمع مصعب وزبيدة في السوق. وما أن لمح
مصعب واقفا خلف نوار حتى شعر بحرارة غضب وغيرة
لم تخمدها كل تلك السنوات.
رمقه مصعب باستغراب وبعض الحدة وفكر " أبعد كل
تلك السنوات ما تزال رؤيتي تشعل غضبك وغيرتك؟
كم تحبها وتغار عليها إذن يا رجل! "
كتم مصعب ابتسامته وأشاح بوجهه كما أبعد عمر
نظره عنه.
كم تمنى عمر لو استطاع عدم المجيء ومقابلة مصعب
لكن كيف وهذا موكب زفاف ابن أخيه الغالي؟
عينا ابن الأول أرسلتا نفس النظرات لعيني ابن الثاني
فقد جحظت عينا صهيب ابن عمر غضبا وهو ينظر
لأيهم ابن مصعب حين لمحه يحدق برفقة. زمّ شفتيه
وزفر وهو يتحرك نحو أيهم لكن يد زيد أوقفته. نظر
لشقيقه الذي همس له بهدوء:
- نحن في عرس ابن عمك فاضبط نفسك. يبدو فتى
طائشا فلا تعره أهمية.
تمتم صهيب بانزعاج:
- وتلك الحمقاء غافلة عن نظراته الوقحة، تضحك
وتتكلم بلا مبالاة. وكأن عينيها لم تخلقا للنظر بل
لتضع بهما الكحل فقط!
كتم زيد ضحكته واكتفى بابتسامة ماكرة وهو
يقول: - وآه من عينيها اللتين يزيدهما الكحل سحرا!
رمقه صهيب بوجه شاحب وقد هوى قلبه فأطلق زيد
ضحكة ضاع صوتها بين زغاريد الفرح ثم ضرب
كتف شقيقه وهو يقول:
- لا تفزع! إنما أتكلم بلسان حالك عنها.
أشاح صهيب نظره وهو يقول: - وما شأني بها لأتكلم
هكذا عنها؟
- كنت أظن أن لا شأن لك بها حتى لاحظت تغير
حالك قبل مدة وزيغ نظراتك كلما رأيتها.
عاد صهيب يوزع نظراته بين أيهم ورفقة ثم اقترب من
النساء في موكب أهله وناداها بحدة: - رفقة!
التفتت صوبه وكذلك بدور التي تقف قربها. تبادلت
الفتاتان نظرة استغراب ثم اقتربت رفقة منه فقال
بحزم: - كفي عن الضحك فالمكان ممتلئ بالرجال
الغرباء.
رمقته بدهشة وسألته بانزعاج: - لماذا تكلمني
هكذا؟! وماذا لو ضحكت مع بدور؟
رقّ صوته ولانت نظراته التي جعلتها تشعر باستغراب.
وأمام نظراتها المرتابة المتسائلة عن سر تغير شيء في
أسلوبه معها، قال بحزم وهو يسير عائدا لمكانه:
- كفّا عن الضحك.
كان أيهم قد ابتعد حين عادت رفقة لتقف قرب بدور
فقد لمح الغضب في وجه صهيب حين
تلاقت نظراتهما بعدما نادى رفقة.
سألتها بدور: - ما به صهيب؟
رفعت كتفيها استغرابا وأخبرتها بما دار بينهما من
حديث فقالت بدور:
- لعله رأى أحد الرجال ينظر إليك فطلب ذلك.
لمحت بدور حوراء وسمراء قرب العروس فقالت لشمس
باستغراب: - انظري، إنها حوراء ووالدتها. يبدو أنهما من
أقارب العروس.
وفي الحال ربط قلب شمس الأمر بحاتم فراحت تتساءل
إن كان من بين الحاضرين.
كان المكان مزدحما والكل منشغل بخروج الموكب
إلى دار ياسر فلم تلتقِ الفتيات واكتفين بتبادل التحية
باليد من بعيد فلمحتهما سمراء وهي تتساءل في نفسها
عن صلتهما بالعريس.
ودعت نجلاء والدها وأعمامها ومصعب الذي طالما
اعتبرته عما رابعا لها ثم سارت مع عبيدة وسط
الموكب.
في الطريق إلى دار ياسر، اقتربت سمراء وحوراء من مودة
فأسرعت شمس وبدور بالسلام عليهما. سألتهما مودة
باستغراب: - أتعرفن بعضكن؟
أجابت بدور: - حوراء أخت حاتم الذي أنقذ شمس،
والخالة والدته.
همست سمراء لمودة وقلبها يخفق لشمس وبدور:
- أهما ابنتاها؟
أومأت مودة إيجابا وهي تقول: - يا لصغر الدنيا!

ما أجمل وأصعب وأشد وجع اللقاء بعد سنوات طوال! وما
أكثر المشاعر التي جاشت في نفسيهما لحظة دخلت
سمراء البهو مع موكب النساء اللاتي أحطن بالعروس
لتجد نفسها قبالة زبيدة!

نهاية الفصل الرابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:23 pm

الفصل الخامس

ما أجمل وأصعب وأشد وجع اللقاء بعد سنوات طوال! وما
أكثر المشاعر التي جاشت في نفسيهما لحظة دخلت
سمراء البهو مع موكب النساء اللاتي أحطن بالعروس
لتجد نفسها قبالة زبيدة!
تسمرت نظرات إحداهما على الأخرى وانتظرتا جلوس
الجميع لتسرع إحداهما نحو بعضهما وتتعانقا بقوة
فتنهال دموعهما لتحكي عن شوق وافتقاد إحداهما
للأخرى.
وطال العناق والنشيج حتى سألتهما حوراء بدهشة لم
تقل عن دهشة شمس وبدور الواقفتين قربها:
- أتعرفان بعضكما؟
نظرتا لهن وقالت سمراء وهي تمسح دموعها:
- تلك قصة طويلة.
سألت زبيدة وهي توزع نظرات الدهشة بين حوراء
وسمراء: - ابنتك؟
أومأت سمراء فابتسمت زبيدة واضطربت. لم تتصورا أن
الزمن سيجمع أولادهما معا بتلك الطريقة. والآن،
عليهما أن تشرحا علاقتهما ببعضهما وتبررا انقطاعهما
عن بعضهما لسنوات.
اتجهت زبيدة نحو بارقة لتمنح نفسها وسمراء بعض
الوقت قبل أن تذعنا للاستجواب الذي ستنصبه لهن
الفتيات. ضمت بارقة بشوق وهي تقول:
- اشتقت إليك. مبارك زواج نجلاء.
قالت بارقة بابتسامة: - العقبى لأولادك يا عزيزتي.
- مبارك يا ابنتي.
قالتها زبيدة وهي تعانق نجلاء التي ردت بابتسامة
خجولة، بعدها اتجهت زبيدة إلى حيث تجلس سمراء مع
الفتيات. لم تستطيعا سوى إرضاء الفضول في نظراتهن
فقالت سمراء:
- كنا رفيقتين منذ صغرنا. لم نفترق حتى غادرت
زبيدة البصرة وسكنت بغداد.
سألت شمس: - أي أنك رفيقة الخالة ريم أيضا.
أومأت سمراء إيجابا فأكملت زبيدة وهي تمسك يدي
سمراء:
- اجتمعنا ثانية حين تزوجت سمراء وسكنت بغداد
هي الأخرى.
سؤال طرحته بدور باستغراب: - لكن لماذا افترقتما؟
فأنا لا أذكر أنني رأيت الخالة يوما.
أومأت الاثنتان إيجابا وقالت زبيدة: - انقطعنا عن زيارة
بعضنا قبيل ولادة صهيب.
عاودت حوراء السؤال: - ولماذا الانقطاع وأنتما رفيقتان
منذ الصغر وتسكنان بلدة واحدة؟
تبادلت الرفيقتان نظرة ارتباك وعاودتهما ذكريات
تلك الأيام ثم وجهت زبيدة نظرة محذرة لسمراء كي
لا تكشف تلك الحقيقة التي لا يعرفها أولادها فردّت
عليها سمراء بأخرى مُطَمئِنة قبل أن تقول:
- لقد حدث شبه عداء بين والديكن فانقطعنا عن
رؤية بعضنا كي لا نغضبهما.
سألت شمس مستغربة أن يكون لوالدها عداء مع أحد:
- ما سبب ذلك العداء؟
ردت زبيدة بسرعة: - ذلك ماضٍ فدعننا منه.
لم تقتنع الفتيات وقالت حوراء: - لو كان ماضيا لما
استمرت قطيعتكما حتى الآن بسببها.
تنهدت زبيدة وقالت بحزم:
- لا تكثرن الأسئلة. وأنتما (كلمت ابنتيها) لا تخبرا
والدكما بالأمر. أنا سأخبره بنفسي.
طردتهن سمراء برفق وابتسامة: - والآن هيا لتستمتعن
بالحفل.
نهضن وقالت بدور: - تعنين لتنفردا ببعضكما يا
خالتي.
قالت سمراء بعينين دامعتين ونظرات حب:
- سلمت يا روح خالتك. ما أشبهك بأمك حين تسيطر
عليها روح المشاكسة!
عقبت زبيدة: - وما أشبه حوراء بك! لها نفس
شخصيتك.
قالت سمراء بفخر: - وتركب الخيل وتعشق الانفراد
بنفسها مثلي.
سألتها زبيدة بنظرة مكر: - في الصحراء أيضا؟
ضحكت سمراء بينما قالت بدور: - لما لا نجلس
وتحدثانا بعد عن صداقتكما القديمة؟
حدجتها زبيدة بنظرة تهديد فضحكت وابتعدت مع
شمس وحوراء ليستمتعن بالحفل.
قالت سمراء وهي ترى القلق في وجه زبيدة:
- تفكرين بموقف عمر لو عرف أن تلميذه المفضل هو
ابن مصعب.
أومأت وهي تقول بامتعاض:
- نعم. لكنني لن أصمت هذه المرة يا سمراء فقد تجاوز
الأمر حده. لقد شاب منا الرأس وفاقنا أبناؤنا طولا، فلا
يمكن أن يكرر تصرفاته السابقة التي جعلتني أبتعد
عنك.
أومأت سمراء برأسها وهي تقول ساخرة: - ولهذا طلبت من
ابنتيك عدم إخباره بالأمر.
وضعت زبيدة كفها على فمها وهي تصدر شهقة.
- لا بد أنه عرف الآن بعدما التقى بحاتم في دار بارقة!
قالت سمراء لتهدئ من روعها: - لم يحضر حاتم فلديه
درس مهم عند أحد أساتذته.
تنهدت زبيدة بارتياح فأضافت سمراء:
- لم نتصور أن أبا زيد أستاذ حاتم هو عمر، وظننا أنه
أبو زيد الكوفي.
- ونحن لم نعرف لأن حاتم لم يذكر اسم والده يوما
أمام عمر.
تنهدت سمراء وقالت: - ذلك الولد! إنه لا يتفق مع أبيه
أبدا. يرفض الترف في معيشتنا ووجود الجواري والعبيد
في دارنا. وكأنه ابن عمر لا مصعب.
ضحكتا ثم سألتها زبيدة:
- لكن هل الخلاف بينهما كبير لدرجة ألا يذكر
اسم أبيه حين يعرّف عن نفسه؟
- بدأ الخلاف بينهما قبل ثلاث سنوات. يومها كان
مصعب حزين جدا بسبب موت حصانه رعد. أتاه حاتم
يكلمه عن تخصيص أحد الدكاكين التي يملكها
لرجل فقير كي يبيع فيه منسوجاته من السجاد. طلب
مصعب منه تأجيل الحديث في الأمر فأصر حاتم وكان
متأثرا بحالة العوز التي يعيشها الرجل. وحين زجره
والده ظن أنه يبخل بالدكان فأخبره بذلك
صراحة. حينها ثار مصعب وقال له "فلتساعد الناس أنت
حين تجني مالك الخاص بنفسك". من يومها وحاتم
يعمل وينفق على نفسه. يرفض أخذ درهم واحد منا
ويقضي أغلب الوقت في دار جده جابر. يريد أن يثبت
لوالده أنه يستطيع النجاح بجهده دون الاعتماد على
اسمه في السوق ولهذا لا يذكر اسم أبيه.
ربتت زبيدة على يدها وهي تقول: - وأنت بالطبع أكثر
من يتألم لهذا الأمر.
- ومصعب مثلي لكنه لا يظهر ذلك لسواي. تارة
يشكو لوعة شوقه لحاتم، وتارة يحدثني والسرور
والفخر يشع من عينيه عن نجاح حاتم في عمله،
وسيرته الحسنة في السوق. إنه يتابع أخباره باستمرار
باستثناء أساتذته ودراسته للعلوم فهي لا تهم مصعب
بشيء. وإلا لعرفنا منذ زمن أنه تلميذ لدى عمر.
دعت زبيدة ونظرات الإعجاب في عينيها:
- فليحفظه الله لكما. نعم الرجل هو. لن أنسى معروفه
حين أنقذ شمس.
تشجعت سمراء وقالت: - وما نسيها هو.
قطبت زبيدة جبينها فأوضحت سمراء: - أخبرتني حوراء
بأن في نفس حاتم شيء تجاه شمس. وأنا أثق بفراسة
حوراء فهي الأقرب لشقيقها وخير من يعرفه.
لم تنبس زبيدة ببنت شفة وفكرت: " وهل هناك من
يصلح لشمس أكثر من حاتم؟ لكن كيف يستقيم
الأمر وقد اتضح أنه ابن مصعب؟ "
أضافت سمراء لتغير الحديث وقد لمعت عيناها بالحب:
- ذاب قلبي لحظة رأيت شمس وبدور. فكرت بك في
الحال، ولم أكن أعلم انهما ابنتيك.
ضمتها زبيدة وهي تقول: - لكم اشتقت إليك!
وطال الحديث بينهما عن ريم وأخبارها التي تصلهما
على فترات متباعدة منذ غادرت بغداد ثم عن أحوالهما
وما صنعت السنوات بهما وعن أولادهما. وحين انضمت
مودة وبارقة إليهما، شعرن أن السنوات تلاشت ولم يكن
ينقصهن سوى وجود ريم معهن.
تركت الفتيات البهو وذهبن إلى الباحة الخلفية حيث
أعدت الوليمة كي تشرفن على تقديمها.
لم تكن بدور راغبة بترك الحفل والتنقل بين القدور
وجفنات الطعام لكنها جاءت كي ترى غياث حين
يأتي لنقل الطعام.
حالما دخل وهو يسأل: - هل جهز الطعام كي نأخذه؟
همست هي لرفقة كي تحمل معها إحدى الجفنات
ونادته بصوت تعمدت زيادة نعومته:
- احمل هذه من فضلك.
وكعادته التي تثير حنقها، لم ينظر إليها حين اقترب
ليحمل الجفنة فشهقت مدعية الألم.
نظر إليها بقلق ليصطدم بعينيها اللتين برقتا كوجهها
الذي زاده جمالا فستانها وخمارها الأحمران.
- ما بك؟
همست كاذبة تردّ على سؤاله القلق كنظراته،
وعيناها مسلطتان على عينيه لتأسراهما:
- لسعت حرارة الجفنة يدي.
أشاح وجهه وهو ناقم على نفسه إطالة النظر لها
وانقياده لتلك العينين الفاتنتين للمرة الثانية ثم أخذ
الجفنة منهما وخرج.
حوراء هي الأخرى كانت موجودة في زاوية أخرى من
الباحة لتساعد في عرس رفيقتها الوحيدة نجلاء. دخل
زيد فوجدها تعطي التوجيهات للجارية بجلب بعض
الأكواب المزينة.
كان أحد العبيد واقفا قربها ينتظر تلك الأكواب
ليأخذها فأومأ له زيد برأسه ليغادر ثم وقف مكانه
خلفها. قالت دون ان تستدير: - وزعها على أطراف
المائدة بحرص.
- بأمرك.
يا لذلك الصوت الرخيم الذي اخترق سمعها ليصيب
قلبها بارتجاف حاولت ضبطه قبل أن تستدير نحوه
وترمقه بنظرات دهشة شابها اضطراب أسعده.
قالت بصوت اشتاق لسماعه: - أين الغلام؟
لم يجبها وقال وهو يرمقها بنظرات إعجاب تسببت
باحمرار وجنتيها: - ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
ألم يكتفِ بتلك النظرات التي بينت مدى إعجابه بها
كي يضيف عليها ذلك الدعاء الذي يقوله المرء إن
أعجبه شيء يملكه؟ ما قصده من ذلك الدعاء؟ كان
يمكنه الاكتفاء بقول ما شاء الله، فلماذا اضاف
الشطر الثاني منه؟ أيظن أنه يملكها؟
تركت ذلك التساؤل لترمقه بسخرية، رافعة حاجبيها
وهي تسأله مذكرة إياه بما قاله لها في البستان يوم
أنقذها من السقوط عن الحصان:
- أتظن أنني بذلك الجمال المبهر حتى ترقيني من
الحسد؟
أسر عينيها بنظراته وهو يهمس بصوت أذاب مشاعرها
العنيدة:
- وهل أجمل من هاتين العينين الثائرتين اللتين ترميان
نحوي الشرر كلما رأتاني؟ أو أجمل من هذا الأنف
الشامخ الذي يخبر عن كبرياء صاحبته؟ أو أجمل من
هاتين الشفتين اللتين ترتجفان الآن لتخبراني بما
تمنيت معرفته؟
استدارت عنه ووضعت أصابعها على شفتيها خلسة
وكأنها تنهرهما لفضحهما اضطرابها.
تماسكت ثم عادت لتواجهه بتلك النظرات الحادة
ففكر " ها قد عادت زوبعة الغضب! "
قالت بصوت لم يخرج ثابتا بقدر ما أرادت:
- ألا تخجل مما تقول؟
تحدث هامسا بنفس نظرات الإعجاب وعلى وجهه
ابتسامة خلخلت نسق تنفسها:
- لقد سلبتِني خجلي وتعقلي يا زوبعة الجمال.
هربت منه عائدة إلى البهو حيث الحفل وجلست منتبذة
مكانا بعيدا كي لا يلحظ اضطرابها أحد. وكم مرة
أعادت ذاكرتها كلماته الرائعة ونظراته التي نفذت
إلى روحها وقلبها. وآه من ذلك اللقب الذي حول صفتها
من الغضب إلى الجمال ليُطرِب أذنيها كلما تذكرته!
اقترب صهيب من رفقة مستغلا ابتعاد بدور عنها ثم
تناول منها إبريقا كبيرا للماء وهو يقول بابتسامة
ونظرات حيرتها: - سلمت يداك.
أشاحت بوجهها ولم تجبه فسألها ممتعضا:
- أتغضبين مني بسبب حرصي عليك؟
قالت بامتعاض لتتأكد إن كان ما أحست به من خلال
نظراته صحيحا أم لا:
- لم افعل خطأً كي تحتد عليّ بتلك الطريقة. غياث
أخي لم يحاسبني أو يزجرني كما فعلت.
قال بحدة: - لأنه كان غافلا مثلك عن نظرات عديم
الحياء الذي كان يقف إزاءك.
رمقته مستغربة ثم قالت لتستفزه كي يفصح أكثر:
إن كان كذلك فحسنا. يحق لك أن تخاف عليّ فأنت
كأخي.
- أنا ابن عمك ولست أخاك!
قالها صهيب بحزم معترضا فحدقت به وقد تأكدت مما
أرادت معرفته فنظر في عينيها بشوق يؤكد ما فهمته
فابتعدت وهي مضطربة. لم تفكر قبل اليوم بصهيب
إلا كابن عم تربت معه حيث كانت وغياث يلعبان معه
ومع بدور لأن أعمارهم متقاربة، كما قضى عبيدة
شقيقها الأكبر طفولته برفقة زيد وشمس.
لقد لاحظت قبل أسبوعين أو أكثر نظرة غريبة في
عينيه نحوها لكن لم تعرها اهتماما وظنت نفسها
مخطئة. لكن نظراته اليوم كانت أكثر صراحة
ووضوحا.
أمسكت بدور ذراعها وهي تسألها: - إلى أين وصلت؟
جفلت فقالت بدور: - ألهذا الحد كنت مستغرقة
بالتفكير؟
أطلقت رفقة ضحكة ثم أخفت وجهها بكفيها وهي
تقول: - لن تصدقي ما حدث.
سألتها بدور بفضول: - ماذا؟ تكلمي!
- صهيب فقد عقله. يغار عليّ ويرمقني بنظرات..
ضحكت ولم تكمل فسألتها بدور بدهشة:
- لا تقولي إن أخي يحبك.
عادت رفقة للضحك بعدما قالت: - يبدو كذلك.

كم اختلفت مشاعر الاولاد في ذلك الحفل! سكنت
الفرحة قلب زيد بعدما شعر أن له تأثيرا على حوراء،
وتلهف قلب صهيب لمعرفة موقف رفقة من تلك
المشاعر الجديدة على كليهما، ورفرف قلب بدور فرحا
بتلك النظرة الثانية التي حباها بها محبوبها ذو الحياء
المشيح بنظره عنها باستمرار.
عند باب دار ياسر حين مغادرة عمر وعائلته، همست
مودّة لزبيدة:
- يجب أن تخبري عمر بشأن حاتم قبل أن يكتشف
ذلك بنفسه فيحدث ما لا يحمد عقباه. تعرفين أنه لا
يحب أن تخفي عنه شيئا يخص هذا الأمر.
تنهدت تومئ برأسها ثم قالت: - سأجد الوقت المناسب
وأخبره.
تلك الليلة، لم ينم عمر وزبيدة سريعا مع أن التعب نال
منهما فقد كان يفكر بلقائه لمصعب وكانت تفكر
بطريقة لإخباره ان حاتم هو ابن مصعب.
- عمر.. أريد إخبارك شيئا.
قالتها بعدما حسمت أمرها فاستدار ليرمقها بنظرات
متسائلة حين سمع صوتها الذي يشوبه القلق.
- ما الأمر يا زبيدة؟
- رأيت سمراء اليوم. وكذلك ابنتها.
تساءل مستغربا: - حضورها عرس ابنة صديقتها شيء
مفروغ منه. أهذا كل شيء؟
هزت رأسها نفيا وأتبعته بقول ما جعل عيني عمر
تجحظان: - حوراء تكون ابنة سمراء.
وكأنها بقول اسم حوراء لا حاتم ستخفف الصدمة
عنه! اعتدل في جلسته وهو يسألها:
- أي حوراء؟
رفعت حاجبيها وهي تسأله بدورها مؤكدة مخاوفه:
- وهل نعرف حواء أخرى سوى شقيقة حاتم؟
حارت نظراته وكلماته في التعبير عن صدمته بتلك
الحقيقة حتى أطلق تساؤلا تملأه المرارة:
- أيعقل أن يكون حاتم ابن ذلك الرجل؟
ابتسمت زبيدة وهي تنقل له قول سمراء: - حتى سمراء قالت اليوم عن حاتم " كأنه ابن عمر ". فهو فيه
الكثير من صفاتك ولديه الكثير من أفكارك.
تنهد عمر مستغربا صغر الدنيا فأخذت زبيدة تروي له
ما أخبرتها به سمراء عن سبب خلاف حاتم ومصعب
وطبيعة العلاقة بينهما. وبالتأكيد استخدمت كلمة "
والده " بدل اسم مصعب المحرم عليها نطقه. ثم
أخبرته بما قالته وسمراء لبناتهما عن سبب انقطاع
العلاقة بينهما.
زفر منزعجا وظل صامتا وهو يفكر " يا لذلك العرس
الذي جلب لنا كل هذا! "
قالت وهي تأخذ كفه: - لم أرد أن يمر يوم واحد دون
ان أخبرك بالأمر. وإلا لما كنت أزعجتك في هذا
الوقت.
ربت على كفها وقال: - حسنا فعلت. مع أن هذه
الحقيقة لن تغير نظرتي لحاتم وحبي له.
تشجعت وقالت: - ما دام الأمر هكذا فلا تحرمني رؤية
سمراء مجددا.
أشاح بوجهه وهو مقطب الجبين فقالت وهي تدير وجهه
نحوها وتقول بدلال: - بالله عليك يا عمر!
تمتم بانزعاج: - لقد مرت سنوات طويلة على
انقطاعكما عن بعضكما، فلماذا تريدين إعادة تلك
العلاقة الآن؟
طغى الحنق على صوتها ونظراتها وهي ترد:
- انقطعت عنها لأجلك. كي لا تغضب كلما جاءت
تزورني في داري بعدما غادرت ريم بغداد ولم يعد لنا دار
نجتمع فيها كالسابق. لم أقلها صراحة لها لكنها
فهمت ذلك ولم تزرني ولو مرة، كي تجنبني الحرج.
علت أنفاسها ولمعت عيناها بالدموع وهي تخرج ما
كتمته في قلبها من سنوات:
- يكفي يا عمر فقد شِبنا وصار أولادنا في عمر الزواج!
أنت لم تسأل نفسك ولو مرة عن شعوري وأنا أضطر لهجر
رفيقتي التي تعلم كم أحبها. كل ما كان يهمك هو
محو كل ما يتعلق بالماضي من حياتي.
رمقها باستغراب وتساءل بحدة:
- حملت كل هذا ضدي في قلبك لسنوات، والآن
تفجرينه دفعة واحدة؟
قالت وهي تمسح دموعها: - تعرف أن قلبي لا يحمل لك
سوى الحب لكنني تعبت. فارقت ريم وقبلها توفيت امي
فاطمة ثم انقطعت عن سمراء. أنت تعرف كم تعني لي
ثلاثتهن. أن نصمت فهذا لا يعني أننا لا نملك ما
نشكو منه.
عاتبها بانفعال وحزن وهو يرى دموعها:
- الآن، صارت حياتك معي تعيسة؟
رمقته بامتعاض: - لا تقل عني ما لم أقله! شكواي
الوحيدة منك هي غيرتك التي تسببت ببعدي عن
رفيقتي.
سألها مبعدا الذنب عنه: - ألم تبتعد عنكما ريم
وتبعت زوجها؟
رفعت حاجبيها احتجاجا: - لا يستوي الأمران، فريم
غادرت بغداد كلها. أما أنا فلم أجرؤ على استقبال
رفيقتي الوحيدة في داري كي لا أثير غضبك غير
المبرر.
رمقها بحدة وهو يردد مستاءً: - غير المبرر؟
أكدت موضحة بحزم: - نعم. وكأنها لو زارتني ستجلب
زوجها معها!

نهاية الفصل الخامس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:24 pm

الفصل السادس

رمقها عمر بحدة وهو يردد مستاءً: - غير المبرر؟
فأكدت زبيدة موضحة بحزم: - نعم. وكأنها لو زارتني
ستجلب زوجها معها!
بعد عدة زفرات حانقة كتلك التي يطلقها كلما أتى
ذكر مصعب - ولو تلميحا - وعدة دمعات منها، اعترف
عمر أنه لم يهتم بمعرفة تأثير هجر زبيدة مجبرة
لرفيقة عمرها بسببه. كما اعترف أيضا بأنه يبالغ
بغيرته لو عاد لحرمانها من لقاء رفيقتها الآن بعد مرور
كل تلك الأعوام.
أخذ وجهها بين كفيه ومسح دموعها وهو يقول:
- لن أسبب لك مزيدا من الحزن (ثم احتد صوته)
لكن هي من ستأتي إليك. لن تطأ قدماك يوما دارها.
مع أن السرور غمرها إلا أنها لم تبد له امتنانًا.
فقط، أومأت برأسها إيجابا ثم قالت وهي تستدير عنه
لتتمدد على السرير: - تصبح على خير.
رفع حاجبيه دهشة وقد توقع أنها ستعلن سرورها
وتشكره بكلمات الامتنان والحب كما اعتاد منها،
ولم يعلم ذلك الطبيب الخبير حقيقة أن النساء يزددن
قوة وصلابة وربما عنادا بتقدم العمر.
تمدد قربها دون كلمة فابتسمت وهي تفكر " ولّت
أيام الخضوع الأعمى يا ابن عمتي! "
في الصباح، كان الفضول واضحا على وجهي شمس
وبدور وهما تسألان زبيدة إن كانت كلمت والدهما
بخصوص سمراء، وإن كانت ستستمر القطيعة بينهما
مثل السابق أم لا فقد شعرتا البارحة كم أسعدت
والدتهما رؤية سمراء من جديد.
ابتسمت زبيدة وهي تقول: - حين تريد والدتكما شيئا
لا تعجز عن أخذه من والدكما.
قالت بدور بعد ضحكة مرحة: - كيف لا وهو متيم
بك يا أمي مع مرور كل تلك الأعوام؟
ابتسمت زبيدة وقالت: - سأطلب من والدكما أن يوصل
لها خبرا مع حاتم كي تزورنا وحوراء في أقرب وقت.
كان الفضول لمعرفة ذلك السر وراء عداء والدهما مع
والد حاتم يسيطر عليهما لكنهما لم تسألا عنه ثانية
فوالدتهما لن تجيب، على كل حال.

نفس الحديث الذي دار بين عمر وزبيدة في الليلة
الماضية، دار بين مصعب وسمراء مع اختلاف موقفي
الرجلين.
سأل مصعب وعلى وجهه ابتسامة: - كيف كان حفل
الزفاف؟
ردت سمراء بعينين متألقتين: - أجمل ما فيه هو رؤيتي
لزبيدة. كم اشتقت إليها!
- لهذا يشع وجهك بالسعادة.
تنهدت ثم قالت بتفاؤل: - ليتها تواجه عمر بشجاعة
كما وعدت وتنهي انقطاعنا عن بعضنا.
ابتسم مصعب وهو يتذكر تلك المواجهة بالنظرات
بينه وبين عمر وقال:
- لا أريد إشعارك بالإحباط لكنني أشك. لم تري
نظراته الغاضبة اليوم نحوي.
صمتت وفي قلبها شرارة غيرة صغيرة فسألها مندهشا:
- لا تقولي إنك الأخرى تحملين في قلبك شيئا عن
ذلك الأمر الذي عفا عليه الزمن!
بعد شهيق وزفير طويل، اعترفت:
- لم أنس يوما. لكن الأمر معي مختلف لأنها صديقتي
ولأنني امرأة. تصور نفسك مكان عمر وسوف تقدر
موقفه.
هتف بحنق: - لكنت كسرت رأسه!
ثم أقسم مستدركا يبرر أمام نظرتها الحانقة:
- لكن والله ما حدث بيننا شيء.
رمقته رافعة حاجبيها وكأنها تذكره فقال بامتعاض:
- لا أعني محاولاتي الطائشة في البداية معها. وحتى
في حينها لم يحدث شيء فرفيقتك حرة ودافعت عن
نفسها بشراسة.
هزت سمراء رأسها وهي تشعر بضيق طغى على صوتها
حين قالت:
- أعرف القصة فلا تكررها على مسامعي بعد تلك
السنوات.
ابتسم برضا وقد أسعدته غيرتها فهمس وهو يحيط
وجهها بكفيه: - كم أعشق غيرتك! مع أنها عذبتني
كثيرا وحرمتني منك طويلا.
ابتسمت وهي تعود معه بذاكرتها لتلك الأيام الرائعة
من حياتهما ثم قالت بحماس وهي تتطلع لمعرفة رده
على ما ستقول: - دعك منا الآن ولأخبرك بما
اكتشفناه اليوم. أستاذ حاتم المفضل، أبو زيد الذي لا
ينفك يتحدث عنه هو عمر وليس أبو زيد الكوفي
كما ظننت أنا.
قطب حاجبيه مستغربا فأومأت برأسها رافعة حاجبيها
وأضافت: - أمر آخر.. ولدك يحب ابنة عمر الكبرى.
زاد عبوسه للحظات لينفجر بعدها بالضحك طويلا ثم
قال: - سيقتلني ذلك الرجل لا محالة لو عرف.
ضحكت سمراء ثم قالت: - لا أظن. فهو يحب حاتم
كثيرا.
عقد حاجبيه قائلا بمكر: - يسعدك هذا.
أجابت تهز رأسها: - وأتمنى لو يتزوجان. لو رأيت شمس!
إنها رائعة، هادئة وخجولة.
نهض متجها إلى السرير وهو يقول: - لندع الأمور تسير
كما كتب لها. لا أحد يعرف ما سيحدث في مستقبل الأيام.

لم يكن لقاء عمر بحاتم ذلك الصباح كأي من
سابقيه.
ذلك الشاب الذي حاز محبته بما يملك من صفات
حسنة، عرف فجأة أنه ابن الرجل الذي يثير مجرد
ذكره الغضب في نفسه. الرجل الذي ظل غصة في
نفسه ونفس محبوبته.
استغفر الله وهو يرى وجه حاتم المبتسم كعادته
كلما رآه ثم رد له الابتسامة والتحية.
بعد أيام وعندما همّ حاتم بالمغادرة، ناداه عمر ليقول:
- أخبر والدتك أن أم زيد بانتظار زيارتها.
قال حاتم مسرورا: - ستسعد أمي بالتعرف عليها.
سأخبرها أن شاء الله.
أومأ عمر برأسه ومضى فرمقه حاتم متسائلا في نفسه
عن سر التغير الطفيف الذي طرأ على تعامل عمر معه
خلال الأيام الماضية.
تألقت عينا سمراء بنظرة سرور حين نقل لها حاتم ما
أخبره به عمر.
- يسعدني أن الدعوة أسرّتك.
قالت سمراء وقد قررت كشف الأمر لحاتم:
- كيف لا وهي من أعز رفيقاتي؟
قطب جبينه استغرابا بينما ابتسمت حوراء وهي تذكر
ذلك اللقاء في عرس عبيدة ونجلاء.
- أم زيد تكون رفيقك؟
أومأت برأسها وراحت تعيد على مسامعه القصة
المختصرة لعلاقتها بزبيدة.
على قدر سعادته بتلك العلاقة كان قلقه من ذلك
العداء الذي رفضت والدته البوح بسببه الحقيقي بين
والده وعمر.
- أمثل أستاذي يستحق العداء؟
سؤال أطلقه زيد ليثير غضب سمراء فتقول بحدة: - وهل
مثل والدك يستحق العداء؟
خفض بصره وهو يقول: - لم أقصد. ما عنيته أن أستاذي
مسالم مع الجميع فلماذا يحدث عداء بينه وبين أبي؟
بعد زفير، أجابت سمراء بحزم: - ذلك امر حدث منذ
زمن. لكن أستاذك لم يستطع نسيانه. ولا تسألني عن
السبب لأني لن أخبرك.
أومأ وهو يفكر " إذن فقد تغير معي حين عرف أنني ابن
مصعب "

عادت سمراء سنوات إلى الوراء وهي تقف على باب دار
عمر مع ولديها، حاتم وحوراء. مع كل حنقها على عمر
لأنه كان سببا في افتراق زبيدة عنها كل تلك السنوات إلا أنها لم تستطع سوى التبسم لحظة فتح لهم
الباب ورأته.
لا ينسى الطيبون معروفا قدمه لهم الآخرون لذا لم
تنس سمراء وقوف عمر معها وخوفه عليها يوم طعنتها
غرام.
- كيف حالك يا أبا زيد؟
قالتها سمراء فرمقها عمر بنظرة خاطفة وشعور بالذنب
قد سيطر عليه بسبب تفريقه بين تلكما الرفيقتين.
- سلمت يا أم حاتم. تفضلوا.
قال حاتم دون أن يدخل: - جئت أوصل أمي وحوراء
وسأغادر.
جذب عمر ذراعه ليدخل وهو يقول وقد عرف أن
تلميذه الذكي قد فطن لتغيره معه في الأيام
الماضية: - ادخل! سيُسرّ زيد وصهيب برؤيتك.
اضربت حوراء حال سماعها اسم زيد وعادت لها ذكرى
نظراته وهمسه يوم عرس نجلاء وعبيدة. لقد فكرت
بعدم المجيء مع والدتها لكنها حضرت بحجة أن
شمس وبدور ستسألان عن سبب عدم مجيئها. ولم تجرؤ
على الاعتراف بأن قلبها يخفق شوقا لرؤية زيد. كما
يخفق قلب شقيقها لهفة لرؤية شمس.
جلست زبيدة وسمراء بعيدا عن الفتيات في البهو فقالت
سمراء بابتسامة:
- فعلتها حقا وأعدت علاقتنا. ظننت أنك ستجبنين
كعادتك أمامه.
قالت زبيدة وهي تبتسم بمكر: - ولت تلك الأيام يا
رفيقتي.
قالت سمراء بابتسامة سرور: - كم اشتقت لسماعها
منك!
وكم ضحكة كتمت سمراء وهي تستمع لما فعله عمر
لحظة عرف بتلك الصلة التي جمعته بمصعب من
جديد رغم أنفه!

دخل زيد السوق وقلبه يتساءل إن كان سيرى حوراء في
أحد دكاكين بيع العطور. فقد عرف أنها تحرص على
الحضور أول كل شهر إلى هناك كي تطلع على
البضائع التي يجلبها صاحب الدكان في ذلك الموعد.
خفق قلبه لرؤيتها وهي تشم زجاجة عطر ثم تعيدها وتتناول أخرى. اقترب ليقف خلفها دون أن تراه وهمس:
- صباح الغد في ذلك البستان.
التفتت بسرعة وهي مندهشة من جرأته لتواجه جرأة
أخرى في نظرات الشوق في عينيه.
اضطربت وأشاحت بنظراتها وهي ترتجف بينما انسحب
بهدوء كما أتى.
وضعت يدها على قلبها والابتسامة تملأ وجهها وتمتمت:
- مجنون!
- هل أمرتني بشيء يا سيدتي؟
التفتت لجاريتها وهي تهز رأسها نفيها وكأن صوتها قد
هرب منها.

كان زيد يذرع ضفة النهر في البستان جيئة ورواحا
وهو يتساءل " هل ستأتي؟ هل ستلبي طلبي؟ أم ستتبع
عنادها الفارغ وترفض المجيء؟ "
بعد انتظار ليس بالقصير أو هكذا شعر به زيد، سمع
صوت حوافر جواد تضرب الأرض فالتفت والابتسامة
على وجهه. تحولت ابتسامته لعبوس وسروره لخوف وهو
يرى الجواد واقفا وهي ليست على ظهره.
أهو جوادها أم آخر غيره؟ بل هو جوادها، فتلك نفس
الغرة البيضاء التي تزين ما بين عينيه وتناقض لونه
الأسود اللامع.
أسرع حتى وصل قربه وراح يتلفّت يمينا ويسارا باحثا
عنها والقلق يُعجّل بنبضاته. عيناه تائهتان وأذناه
ترهفان السمع عله يلتقط صوتها.
هتف مناديا باسمها بعدما أتعبه القلق فخرجت مسرعة
من خلف إحدى الأشجار المعمرة الكبيرة وهي تقول
بامتعاض: - لا تصرخ باسمي هكذا!
ابتسمت بمكر وهي تراقب تقلب وجهه بين فزع ودهشة
وحنق، وكأنها لم تكتف من متعة مراقبة هلعه من
خلف الشجرة حيث كانت تختبئ.
بدا الغضب في عينيه بعدما ذهب عنه الروع واكتشف
مزاحها، وأطلق زفرات غاضبة ثم انفجر في وجهها:
- ما هذا المزاح السمج؟! كدت أجن وانا أتساءل عما
حدث لك.
ولأول مرة لم تغضب لأن احدا رفع صوته بوجهها
وكلمها بغضب وحدة هكذا، فقد رأت في عينيه فزعا
دلّ على ما تعنيه له.
اقتربت منه وهمست متسائلة وعلى شفتيها ابتسامة:
- ألهذا الحدّ تخاف عليّ؟
تاهت نظراته وتبخر غضبه أمام ذلك الصوت الهادئ
الهامس الذي تكلمه به لأول مرة وتلك النظرة
الراضية والابتسامة الماكرة.
همس هو الآخر وقلبه يخفق سرورا وعيناه تجوبان
وجهها بنظرات متلهفة: - أوَ تسألين؟
حررت عينيها من أسر نظراته وقالت: - اعتذر عن ذلك
المزاح لكنني أردت التأكد فقط.
رفع حاجبيه متسائلا بمكر: - من ماذا؟
لم تجبه وسارت فسار قربها حتى جلست على ضفة النهر
ليجلس قريبا منها.
عاود سؤاله بمكر: - مما أردت التأكد؟
ارتجفت شفتاها بابتسامة خجولة ولم ترد فسألها:
- وأنا، كيف سأتأكد؟
- ألا يكفيك حضوري إلى هنا؟
- ربما يجب أن أتعرض لخطر كي أجد جوابا لسؤالي.
زجرته نظرتها الخائفة وهي تقول: - لا تقل هذا!
ابتسم برضا ثم صمت يتأملها.
كان يود قول الكثير لكن الكلمات هربت منه في
حضرتها فاكتفى بإلقاء أبيات من شعر بشار بن برد:
حوراءُ في مقلتيها حين تبصرها
سحرٌ من الحسن لا من سحر سحّارِ
كأنها الشمس قد فاقت محاسنها
محاسن الشمسِ إذ تبدو لإسفارِ
الشمس تدنو ولا تصطاد ناظرها
ولو بدت هي صادت كل نظّارِ

لونت وجنتاها نظرات الشوق في عينيه وأربك نبضاتها
صوته الهامس.
سألته بعد قليل بصوت بدا فيه القلق:
- هل عرفت أن والدتي ووالدتك رفيقتان قديمتان؟
قطب زيد جبينه وهو يقول: - لا أذكر لأمي رفيقات
سوى الخالة مودّة والخالة ريم.
- وسمراء، والدتي. هي رفيقة طفولتها منذ كانت في
البصرة.
سرّ بهذا الخبر وسرح في ذكرياته ثم قال:
- أذكر في صغري امرأة في دار الجدة فاطمة والخالة
ريم. أذكرها كطيف فقط.
عادت تقول بقلق: - إذن انت لم تعرف شيئا عن العداء
الذي بين والدي ووالدك، والذي تسبب بالقطيعة بين
والدتينا.
قطب جبينه مستغربا فأخبرته حوراء بما سمعته من
والدتها وزبيدة.
أطلق زفرة وقال وهو يكتف ذراعيه: - هذا لن يغير
شيئا. لن أفرط بك لأي سبب.
ابتسمت مع أن القلق تمكن منها وهي تفكر بمصيرهما
أمام ذلك التنافر بين والديهما.

في زيارة سمراء وحوراء الثانية لدار زبيدة، طلبت حوراء
من زبيدة أن تسمح لشمس وبدور بمرافقتها في جولة في
السوق بعد يومين.
ردت زبيدة بعد صمت قصير: - لا أستطيع إعطاءك
الموافقة. يجب أن أسأل والدهما.
قالت حوراء بحماس: - في كل حال، سآتي إلى هنا قبل
ذهابي إلى السوق لأعرف الرد.
أومأت زبيدة وهي تقول: - إن شاء الله يا ابنتي.
قالت بدور بحماس: - أريد أن تدلينا على محال جديدة
يا حوراء.
حدجتها زبيدة بنظرة حادة وهي تقول:
- لم نخبر والدك بعد لتبدئي بالتخطيط لتلك
الجولة.
خفضت بدور رأسها وتمتمت بامتعاض:
- أقصد في حال وافق أبي.
ابتسمت سمراء وهي تراقب بدور ثم همست لزبيدة:
- ذكرني وجهها بملامحك حين كانت الخالة فاطمة
رحمها الله ترفض لك طلبا.
ابتسمت زبيدة ولمعت الدموع في عينيها وهي تقول:
- رحمها الله. ما أجملها من أيام!

في المساء الذي سبق موعد حوراء مع بدور وشمس،
قالت لوالدها قاصدة أن يعرف حاتم بالموعد:
- أرجو أن يوافق العم ابو زيد على ذهاب شمس وبدور
معي غدا إلى السوق.
حاول حاتم الحفاظ على ثبات ملامحه بينما أرهف
سمعه الذي يتحفز ككل حواسه حال ذكرها.
كتمت سمراء ابتسامتها وهي تقول:
- لا أظنه سيرفض. لما لا توصل شقيقتك إلى السوق يا
حاتم؟
التفت حاتم متسائلا وكأنه لم يكن يسمع كل حرف
تقولانه.
- تريد شقيقتك الذهاب إلى السوق غدا. لما لا تبيت
الليلة هنا وتوصلها؟
تكدرت ملامحه فقالت سمراء بامتعاض ونفاذ صبر:
- ما لك يا ولد؟ وكأنها ليست دارك! منذ متى لم
تبت هنا؟
- منذ ثلاث سنوات وأربعة أشهر، يا أمّه.
قالها مصعب وهو يدخل البهو بلهجة اختلطت فيها
المرارة بالسخرية. التفت حاتم نحوه ثم أشاح بوجهه
بينما تقدم مصعب وقلبه يخفق شوقا لذلك العنيد
المعتد بكبريائه. ربما تلك صفة أخذها عن أمه التي
عذبته سابقا أيضا بسبب كبريائها.
قرأت سمراء في وجه زوجها لهفته على ولده وخيبته
بسبب ابتعاده عنه فأشارت لحوراء وايهم بمغادرة
المكان.
جلس مصعب فقالت سمراء بحزم: - ولن يستمر الأمر
أكثر من ذلك.
رمقها حاتم معترضا فأضافت: - كفى يا حاتم! لقد
أثبتت ما أردت فكف عن هجر الدار.
نهض حاتم وهو يقول: - أرجوك يا أمي، لنتحدث
لاحقا.
قال مصعب بغضب وخيبة أمل: - دعيه يذهب!
همّ حاتم بالمغادرة وقد شعر بالخيبة هو الآخر فقد
رغب في قرارة نفسه أن يأمره والده بالعودة للدار
ويحاسبه على ابتعاده كل تلك السنوات، وبذلك
يستطيع العودة إلى داره وحياته القديمة دون أن يضحي
بكرامته.
أوقفته سمراء وهي تقول بحدة:
- قلت لك لن تذهب يا فتى!
- لم يعد فتى بل صار رجلا يا سمراء. رجل يعاقب أباه
على كلمات قالها له في لحظة غضب.
دمعت عينا حاتم وهو يستشعر الحزن والخيبة في صوت
والده وتمتم دون الالتفات إليه:
- حاشا لله أن أعاقبك يا أبي.
نهض مصعب واقترب وهو يقول بحرقة:
- ماذا تسمي إذن تخليك عن ذكر اسمي حين تعرف
عن نفسك؟ ماذا تسمي قدومك إلى الدار كالضيف
ومغادرتها قبل وصولي كي لا تلتقي بي؟
التفت حاتم وأراد الكلام لكن مصعب أكمل وقد
بدت الحدة في صوته:
- ربيتك حتى صرت رجلا أفتخر به فإذا بي ألقى
الجحود والنكران منك. ولماذا؟ لأجل كلمات قلتها
لحظة غضب وحزن.
كان وقع اتهام والده له بالجحود قاسيا. لكن احيانا
نحتاج القسوة كي نصحو من غفلتنا ونثوب إلى رشدنا.
وكلمات مصعب جعلت حاتم يشعر بخطئه وقسوة
تصرفاته فانحنى من فوره يقبل يده ثم قال:
- سامحني يا أبي. يشهد الله أنني لم أقصد إيذاءك
والتنكر لك لكنني..
قاطعه مصعب بعناق قاس إن صح التعبير. عناق رام به
تعويض حرمان ثلاث سنوات تاق فيها لاحتضانه.
أبعده لينظر في عينيه وهو يقول:
- أي أذى أشد من ابتعاد فلذة كبدي وقرة عيني عني؟
أي أذى أشد من توقي لضمك والنظر في عينيك ثم
أتظاهر أمامك بعدم المبالاة حتى تعود أنت عن
غيّك؟
عاد حاتم لتقبيل يدي مصعب ثم عانقه وهو يردد:
- سامحني يا أبي.
تنهد مصعب وهو يضمه بقوة ويربت على ظهره.
أخيرا قالت سمراء وهي تضمهما بعدما مسحت دموعها:
- كفى فقد أوجعتما قلبي!
قبل مصعب جبينها وقال: - سلم قلبك يا غاليتي.
لم ينم الجميع تلك الليلة في دار مصعب حتى ساعة
متأخرة فقد مر الوقت دون ان يشعروا به وهم يتسامرون،
مسرورين باجتماعهم بعد تلك السنوات.
قالت حوراء وهي تعد الفراش لحاتم:
- حتى فراشك اشتاق لك يا أخي الحبيب.
قبل جبينها فقالت مبتسمة: - سأوقظك باكرا كي
توصلني إلى السوق.
أومأ موافقا ثم تمدد في سريره وهو يفكر بشمس.
" تراه أستاذي سيوافق على ذهابها إلى السوق مع حوراء؟ هل سأراها غدا؟ "
في الصباح، استيقظ حاتم عند شروق الشمس وأسرع
بالاستعداد وصورة شمس لا تفارق خياله. ابتسم ثم
أسرع نحو حقيبته وقد حزم أمره فيما شغله ليلة
البارحة.
دخل بهو البهو وألقى التحية ثم جلس قرب والده إلى
مائدة الفطور حيث اجتمع الجميع. بدا الندم في
نظراته ثم قبل رأس والده وقال:
- لا حرمني الله منك يا أبي.
ردّ مصعب مبتسما: - ولا حرمني من اجتماعكم حولي.

عند باب دار عمر، وقف حاتم قرب شقيقته وهو يدعو
أن تذهب شمس معهما إلى السوق.
أطلت زبيدة فألقت حوراء وحاتم السلام.
- هل ستأتي شمس وبدور معي يا خالتي؟
أومأت برأسها إيجابا وهي تقول: - ادخلي يا ابنتي.
- كلا يا خالتي. الأفضل أن نسرع بالذهاب إلى السوق
فهناك الكثير من الدكاكين التي أريد زيارتها مع شمس وبدور. سأنتظرهما هنا كي تخرجا بسرعة.
دخلت زبيدة لمناداة ابنتيها بينما قلب حاتم مضطرب
النبضات، ينتظر بشوق رؤية وجه شمس الحبيب. أطلت
أخيرا ورأته فتفاجأت وبدت تلك الابتسامة الخجولة
والنظرات المرتبكة التي جعلت نبضه يزداد اضطرابا،
وجعلت بدور وحوراء تخفيان ابتسامتيهما.
سار أمامهن وحث الخطى ليصلوا بسرعة إلى السوق
فيتحين فرصة مناسبة لينفذ ما عزم عليه.
دخلت حوراء إحدى دكاكين بيع أدوات الزينة من
أساور وقلائد فتبعتها الفتاتان ثم دخل حاتم خلفهن.
رمقته حوراء باستغراب فقال مبررا:
- أريد شراء هدية لأمي. لم أهدها شيئا منذ زمن.
ابتسمت حوراء وهي تقول: - تستحق أمي أجمل هدية.
ثم تعمدت أن تبتعد ببدور لتدع شمس وحيدة أمام
مجموعة من القلائد التي أعجبتها كي تختار إحداها.
اقترب حاتم من شمس فرمقته بارتباك فتاه في عينيها
للحظات وبدا الشوق في نظراته فعلا وجيب قلبها وأبت
عيناها الإشاحة عن عينيه. أخرج تلك الورقة التي
كتبها صباحا وناولها إياها ثم انصرف مسرعا.

نهاية الفصل السادس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:26 pm

الفصل السابع

اقترب حاتم من شمس فرمقته بارتباك فتاه في عينيها
للحظات وبدا الشوق في نظراته فعلا وجيب قلبها وأبت
عيناها الإشاحة عن عينيه. أخرج تلك الورقة التي
كتبها صباحا وناولها إياها ثم انصرف مسرعا.
فتحتها بيدين مرتجفتين وقلبها مضطرب النبضات لتجد
فيها أبياتا من شعر عروة ابن حزام:
وما هو إلا أن أراها فُجاءةً
فأبَهتُ حتى ما أكاد أجيبُ
وأصرفُ عن رأيي الذي كنت أرتئي
وأنسى الذي حُدِّثتُ ثم تغيبُ
ويُظهِر قلبي عُذرها ويعينها
عليّ فما لي في الفؤاد نصيبُ
فلست برائي الشمس إلا ذكرتها
وآل إليّ من هواكِ نصيبُ
زاد وجيب قلبها وارتجاف يديها واتساع ابتسامتها.
- شمس!
جفلت حين نادتها بدور وهي تقترب منها، وأسرعت
بإخفاء الورقة لكن بدور سألتها من فورها بمكر وقد
خمنت أنها من حاتم:
- ما هذه الورقة ولماذا أخفيتها عني؟
سارت متجاهلة سؤالها وهي تسأل: - أين حوراء؟
اقتربت حوراء وهي تقول: - أنا هنا. ألم تختاري شيئا؟
رمقتها شمس بنظرات مستفهمة وقد تاه عقلها بتلك
الرسالة فأوضحت حوراء: - أعني تلك القلائد؟
ردّت بصوت مهتز: - لم تعجبني أي منهن.
بعدما رأت بدور من ارتباك شمس، لم تكن لتتركها
دون استجوابها. وحالما دخلتا حجرتهما بعد عودتهما من
السوق، سألتها دون مقدمات:
- ماذا كتب لك حاتم في الورقة؟
التفتت شمس نحوها بسرعة وخرج السؤال من فمها دون
تفكير: - كيف عرفت أنها منه؟
ضحكت بدور ثم قالت بمكر:
- حتى الأحمق يمكنه معرفة ذلك من اضطرابك.
كما أنني لم أصدق أنه دخل الدكان لشراء هدية
لوالدته بل ليحدثك فقد كان مضطربا هو الآخر.
رمقتها شمس مستغربة معرفتها لتلك لأمور أكثر منها
مع أنها تصغرها بسنوات.
- حبك له جليّ كنور الصباح، فلماذا تحاولين إخفاء
الأمر عني؟
جلست شمس على سريرها وقالت بقلق:
- لأنني كنت خائفة من عدم مبادلته لي نفس الشعور.
والآن أنا خائفة بسبب ذلك العداء بين أبي وأبيه.
جلست بدور قربها وقالت: - لا تفكري في الغد وعيشي
هذا الإحساس الرائع. وإن كان من نصيبك فلن
يفرقكما شيء.
ابتسمت شمس وهي تعبث بشعر بدور وتقول:
- صرت حكيمة عصرك!

دخل ياسر وعائلته إلى دار عمر لتجتمع العائلتان لتناول
الغداء سويا كأغلب أيام الجمعة.
وبينما كان الجميع منشغل بالحديث، كان صهيب
منشغلا بالنظر لرفقة التي لم تكن غافلة عن تلك
النظرات.
همست بدور: - ألن تحني على شقيقي المتيم؟ انظري
كيف تشع نظراته نحوك بالشوق.
تنهدت رفقة ثم قالت:
- أَتحسبينني غافلة عنها؟ لكنني لا أستطيع النظر
إليه إلا كنظرتي لغياث وعبيدة.
عبست بدور بحزن فقد تمنّت لو تبادل رفقة شقيقها
حبه. ربتت رفقة على يدها وهي تقول:
- ما زال في بداية حياته. سيلتقي بمن تنسيه حبي، إن
كان احبني فعلا فأنا إلى الآن لا أستطيع تصديق أنه
يمكن أن يحبني. لقد عشنا طوال عمرنا كشقيقين.
كان عمر وياسر ومعهما أولادهما - عدا صهيب -
يتحدثون في أمر أهم وأعظم من ذلك الذي كان
يشغل الشابتين.
قال عمر بغيض والهم يزيد خطوط جبهته وضوحا:
- إلى متى سنصمت؟ متى نرد على اعتداءات المغول التي
زادت عن حدها؟ لقد طفح الكيل.
أطلق ياسر حسرة ثم قال: - ومن سيردهم يا أخي وكل
من في سدة الحكم منشغل بمصلحته؟ كل ما يهمهم
هو اتساع نفوذهم وسلطتهم ولتذهب بغداد والدولة
كلها إلى الجحيم.
- كيف لا يستهتر المغول بحرماتنا وهم يرون كل
تلك الفرقة بين صفوفنا، إن كان بين العامة أو بين
من هم في السلطة؟
قالها زيد بامتعاض فعقب عبيدة:
- ناهيك عن الدسائس والمؤامرات التي تحيط بنا من
كل جانب فتضعفنا أكثر وأكثر.
أخيرا قال غياث:
- أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكالب الأمم
علينا بسبب فرقتنا وضعفنا. وها نحن نراه بأعيننا.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
زادت قوة المغول كثيرا وأصبحت بغداد مطمعا لهم
لتوسيع نفوذهم باعتبارها حاضرة
الخلافة الإسلامية وراحوا يزحفون إليها من أكثر من
جهة. زحف جيشان من الأناضول عبر شمال العراق
وعسكرا غرب بغداد، وقوات أخرى تجمعت في مرج
زكي في ضواحي همدان استعدادا للانقضاض على
بغداد. جمعت بدور ورفقة صحون الفاكهة وأعادتاها
إلى المطبخ فنهض صهيب وتبعهما.
توترت رفقة حال اقتراب صهيب منها وهو يقول:
- أيمكن أن تصبي لي قدحا من الماء؟
أومأت برأسها فنظر صوب بدور التي تعمدت أن تبتعد
عنهما قليلا بحجة وضع بعض الحبوب والماء عند
النافذة لتأكل منها الطيور التي كانت تحب الاعتناء
بها.
همس صهيب لرفقة: - أريد أن أحدثك بأمر. هل
يمكن أن تخرجي إلى الحديقة؟
همست هي الأخرى دون أن تلتفت إليه وهي تناوله قدح
الماء: - أعرف ما تريد قوله، وردّي لن يسرك.
غامت عيناه بسحابة حزن وخيبة وسألها: - لماذا؟
- لأنني لا أستطيع رؤيتك إلا كعبيدة وغياث. ابن
عمي الذي تربيت معه كشقيق لي.
قال ببعض الأمل:
- ربما لأنك لم تحاولي النظر إليّ بطريقة مختلفة.
أكدت له: - بل حاولت لكني لم أستطع.
لم يعقب بكلمة وخرج من فوره فاقتربت منها بدور
لتجدها دامعة العينين.
- ماذا حدث؟
- ما لم أرد حدوثه. لقد كسرت قلبه.
ربتت بدور على ذراعها وقالت: - أن يعرف الآن أفضل من
أن يبقى متعلقا بالأمل.

ظل حاتم يتساءل عن رد شمس على ما كتبه لها من
أبيات مع أنه يشعر بالتفاؤل حين يتذكر الاضطراب
والخجل الذين يعلوان وجهها في كل مرة يتقابلان فيها.
جلست حوراء قرب حاتم حيث كان جالسا في فناء
الدار ينظر للبعيد بلا تركيز.
- ما سر هذا الشرود؟ من الذي أو التي تشغل بال أخي
الحبيب؟
أنكر وهو يرسم ابتسامة مضطربة تؤكد ما قالته
شقيقته بدل أن تنفيه:
- ذهب خيالك بعيدا يا حوراء. أنا فقط أتأمل.
- الشمس؟
التفت يرمقها بدهشة فأضافت بمكر:
- تبدو رائعة عند الغروب.
أومأ إيجابا وهو يسخر من نفسه لإسقاط سمعه ألف ولام
التعريف من الكلمة لتتحول من شمس الدنيا إلى
شمسه التي تنير قلبه. لكن حوراء لم تكتف من
مشاكسته فأضافت سؤالا ماكرا وابتسامة مشاغبة
ترتسم على شفتيها:
- أم أنك.. تفكر بشمس أخرى؟
التفت نحوها مجددا ورمقها بنظرات أشد دهشة من
سابقاتها فقررت الترفق به وصرّحت له:
- أعرف ما تشعر به يا أخي، ومن اليوم الأول. منذ لقائنا
الأول بها والذي قلب حالك.
لم يعد له مجالا للإنكار فهو يعرف مدى قوة ملاحظة
شقيقته خاصة في كل ما يتعلق به فهو الأقرب لها لأن
أيهم يعيش في عالم خاص به، لا يهمه سوى اللهو مع
رفاقه ولم يكن مقربا منها كحاتم. وشقيقها الآخر
يصغرها بعدة سنوات فلا مجال للتقارب بينهما.
سألته بمكر وكلها فضول:
- ذلك اليوم حين أوصلتنا إلى السوق، دخلت معنا إلى
الدكان كي تكلمها. أليس كذلك؟
نهرها بحدة: - لا تتمادي وتسأليني عن أي تفاصيل.
نهضت لتقول بمكر: - كما تريد. أردت المساعدة
فقط.
جذب يدها ليجلسها قربه مجددا وسألها بلهفة:
- هل أخبرتك بشيء؟ أنتما صديقتان، وربما حدثتك
عني.
ردّت مبتسمة وهي تتذكر وجه شمس:
- هي أشد خجلا من أن تفعل هذا.
أومأ برأسه مبتسما فأضافت: - يمكنني أن أساعدك لو
أخبرتني بما تريد.
قال دون النظر لوجه شقيقته: - أريد فقط معرفة ردها
على.. خطاب.
فكرت حوراء وهي ترمقه بمكر " لست سهلا يا أخي.
لا بد أنه سلمها الخطاب يوم أوصلنا إلى السوق "
وعدته بحماس: - يمكنني فعل أكثر من ذلك. قد
أدعك تقابلها وتعرف ردها بنفسك.
قطب جبينه متسائلا: - كيف؟
فكرت للحظات ثم قالت:
- سأخبرها وبدور أن أقمشة جديدة وصلت إلى دكان
أيهم، وأعرض عليهما أن ترافقاني مثل تلك المرة إلى
السوق. وهناك ستقابلها وتتحدث معها.
ابتسم بسرور وقد سرت في حواسه رجفة شوق لرؤية
وجهها الحبيب المشرق مجددا.

جلست زبيدة قرب عمر وسألته:
- هل تسمح لشمس وبدور بالذهاب مع حوراء إلى السوق؟
قطب عمر جبينه امتعاضا وتساءل:
- ألم تذهبا معها قبل مدة؟
- وماذا لو ذهبتا كل حين معها؟ إنها الوحيدة التي
ارتاحت شمس لرفقتها.
رمقها رافعا حاجبه: - وارتحت أنت أيضا لهذه الرفقة
فهي ابنة رفيقتك.
أكدت بابتسامة: - بالتأكيد! وسمراء كذلك سعيدة
بهذه الصداقة. والآن أخبرني، هل توافق على ذهاب
شمس وبدور مع حوراء؟
زفر فهمست برجاء وبتلك الراء المشاغبة التي ما تزال
تملك سلطانها على قلبه: - بالله عليك يا عمر.
أومأ إيجابا فقالت مبتسمة وهي تنهض:
- سلمت يا حبيبي. سأخبرهما بموافقتك.

تأمل أيهم شقيقه باستغراب حين دخل صباحا إلى
الدكان. عاتبه حاتم وهو يجلس بعدما ألقى التحية:
- لماذا ترمقني باستغراب هكذا؟
رفع أيهم كتفيه: - ليس من عادتك أن تأتي إلى
الدكان خاصة في هذا الوقت من الصباح.
لم يجبه حاتم ونهض بعد قليل ليقف عند باب
الدكان وعيناه تنتظران رؤية شمسه.
لمحها من بعيد تحيطها حوراء وبدور فدخل مسرعا إلى
الدكان وسار حتى وقف في أحد الأركان متظاهرا
بترتيب قطع القماش فرمقه أيهم مستغربا.
دخلت الفتيات وقالت حوراء بابتسامة:
- أسعدتما صباحا يا شقيقيّ.
ردّ حاتم التحية بقلب خافق وعيناه تخصان شمس
بالنظرات بينما قال أيهم بابتسامة ماكرة:
- ما أسعد حظي اليوم! شقيقاي العزيزان يشرفاني
بالزيارة.
قالت حوراء رافعة حاجبيها: - هل نذهب لنشتري من
دكان آخر؟
ابتسم وهو يقترب منها: - أنا مستغرب فقط لأنك لم
تخبريني بزيارتك. تفضلن وسأساعدكن في اختيار
أجمل قطع القماش لدي.
تقدمت حوراء مسرعة نحو حاتم وهي تقول:
- سنختار بأنفسنا. وإن أردنا مساعدتك فسأناديك.
- كما تشائين.
وصلن قرب حاتم لتبدأ معزوفة متناغمة من نبضات
قلبه وقلب شمس التي كانت تحني رأسها حياءً وهي
تفكر بتلك الأبيات التي كتبها لها.
بعدما ألقين نظرة سريعة على الأقمشة التي قرب
حاتم، قالت حوراء وهي تجذب يد بدور:
- في ذلك الركن أقمشة جميلة باللون الأحمر الذي
تحبين.
حالما تحركت شمس، همس حاتم يستوقفها:
- شمس!
شعرت بارتجاف نبضها في أطرافها ورأسها وحنجرتها التي
غصت بالهواء وهي تحاول إيجاد رد للسؤال الذي
سيطرحه عليها بالتأكيد.
- هل قرأت الخطاب؟
شعر بالقلق أمام صمتها واستمرارها بخفض رأسها فقال
بصوت مضطرب: - لو كنت أزعجتك..
مع كل خجلها، لم تستطع تحمل لهجة القلق في صوته
فهزت رأسها نفيا بقوة مقاطعة كلامه.
ارتاح قلبه وانفرجت أساريره ليطرح بلهفة سؤاله التالي:
- وأنت؟
ارتفعت انفاسها المتوترة حتى تناهت إلى سمعه فزادت
ابتسامته اتساعا وقلبه خفقانا لذلك الخجل الرائع
الذي يميزها بينما كانت هي تائهة في أفكارها
" ألا يكفيك إجابة يا حبيب القلب، اضطرابي وزيغ
نظراتي كلما التقينا؟ ألا يكفيني انقلاب حالي حين
أراك أو أسمع بك لتقلب كياني بطرح هذا السؤال
بكل سهولة؟ "
عانده صبره ولم يكتف بكل تلك الأدلة التي تشير
بوضوح أنها تبادله مشاعر الحب فعاد ليهمس بصوت ملأه
الشوق: - وأنت يا شمسي؟
يا لذلك الاسم الذي أذاب قلبها وجعل الارتجاف
يسيطر على جسدها!
وقبل أن تتدهور حالها أكثر، أومأت إيجابا وهربت
مسرعة لتقف في مكان بعيد عنه وعن بدور وحوراء
بنفس الوقت. فلو نظرت إحداهما نحوها لعرفت ما
يجري لها.
خرج حاتم من الدكان فأوقفه أيهم وهو يقول بمكر:
- ابنة أستاذك إذن هي سبب مجيئك اليوم أيها
العاشق!
رمقه حاتم وهو مقطب الجبين وقال بلهجة لم يجعلها
السرور تخرج حادة كما اراد لها:
- اهتم بشؤونك يا فتى.
ابتسم أيهم مسرورا ومستغربا وقوع شقيقه في الحب.

استمرت لقاءات زيد وحوراء في البستان أو في أطراف
المدينة لكن على فترات متباعدة بسبب عودة حاتم
إلى الدار فهو يخاف عليها ولا يسمح لها بالخروج
وحدها. لكن كلما صادف خروجه للدرس صباحا،
كانت تتوسل إلى والدتها كي تسمح لها بالخروج.
كانت سمراء في كل مرة توافق وتوصيها بالحذر عدم
التأخر في العودة. تبتسم وتراقبها وهي تخرج، وتفكر
" ابنة أمها بحق. تعشق الاختلاء بنفسها صباحا ".
في آخر مرة، عبست سمراء حين خطر لها خاطر أقلقها.
" تراها تقابل رجلا كما كنت اقابل مصعب؟ ماذا لو لم
يكن رجلا يستحقها وكان رجلا خبيثا سيئا؟ "
أسرعت سمراء بارتداء عباءتها وركبت فرسها لتلحق
بابنتها. اتجهت إلى أطراف المدينة الشرقية حيث
أخبرتها حوراء أنها ستذهب فهي لم تكن لتتصور أن
والدتها ستلحق بها وتراقبها لذا أخبرتها بوجهتها
الحقيقية.
كان زيد كعادته، جالسا بانتظار وصول حوراء. نهض
حال وصولها واستقبلها بتلك الابتسامة التي تسلب لبها
وترفع نبضها كلما رأتها. نزلت عن ظهر جوادها وتبادلت
معه التحية ثم جلسا في ظل إحدى التلال الصغيرة.
صوت حوافر الفرس التي اقتربت منهما جعلتهما
يستديران ليهوي قلباهما وهما يتطلعان نحو سمراء التي
نزلت عن فرسها والغضب يعلو ملامحها.
نهضت حوراء قد شحب وجهها وهمت بالكلام فمنعها
زيد بنظرة حماية مطمئنة ليتقدم هو من سمراء.
- أنت يا زيد؟
قالتها سمراء بمرارة وحدة مع أنها اطمأنت حين رأته هو
دون غيره.
- لا تسيئي الظن يا خالتي. والله ما حدث بيننا ما
نخجل منه. لقد حفظت حرمتها كما أحفظ عرض
شقيقتيّ، ولولا ذلك العداء الغامض السبب بين والدي
ووالدها لما انتظرت يوما واحدا كي أخطبها.
تقدمت حوراء وهي تقول: - لم أفعل ما أخجل منه يا
أمي. إنما كنا نلتقي لنتحدث فحسب.
كانت سمراء تطلق أنفاسا متوترة وهي تستمع لهما ولم
تنبس ببنت شفة ثم أومأت لابنتها بأن تتبعها وسارت
نحو فرسها فتبعتها حوراء.
حالما ابتعدتا عن زيد، توقفت سمراء ونزلت عن فرسها
ففعلت حوراء مثلها. رمقتها سمراء بنظرة عتاب قاسية
فقالت:
- لا تؤلمي قلبي بنظرات العتاب يا أمي. لم أفعل ما
أخجل منه. أقسم بالله أن يده لم تلمس يدي. ما بيننا لا
يختلف عما ربطكما أنت وأبي.
قالت سمراء بنظرة حزينة: - أنت ابنتي وأعرفك
جيدا. لكن أحزنني أنك أخفيت الأمر عني. ماذا لو
كنت تعرفت على رجل آخر غير زيد؟ رجل خبيث
آذاك واستغلك؟
قبلت حوراء خدها وقالت: - سامحيني يا أمي.
أشاحت سمراء بوجهها ثم امتطت ظهر فرسها من جديد
فتبعتها حوراء وهي تفكر
" بالتأكيد لن تلين سمراء العنيدة بهذه السهولة
وتخبرني أنها سامحتني. المهم أني أعرف ذلك من
نظراتها "

ظل زيد طوال ذلك اليوم قلقا وخائفا على حوراء من
رد فعل والدتها.
" ماذا لو أخبرت والدها فعاقبها وقسى عليها؟ ماذا لو
أخبرت حاتم؟ كيف سأواجه اتهامه لي باستغلال
شقيقته؟ هو لن يعذرني لمقابلتي إياها خلسة دون
علمه. لن يتفهم هذا. ماذا يمكن أن يفعلوا بها؟ لن أقف
مكتوف اليدين واتركها تواجههم وحدها"
وبعدما أتعبه التفكير، لم يجد سوى والدته ليحدثها
عن مخاوفه وقلقه فعاد إلى الدار مسرعا.
حين فتحت له الباب، وقبل ان تعود إلى الداخل قال:
- أريد محادثتك في أمر هام يا أمي. فلنجلس في جناح
الضيافة.
جلست قربه وهي تقول: - أقلقني التوتر الذي يعلو
ملامح وجهك. ماذا هناك؟
أجاب دون النظر لوجه والدته: - رأتني الخالة سمراء
صباح اليوم برفقة حوراء.
زمّت شفتيها ثم قالت: - لهذا كنت أراك مسرورا
بزيارات سمراء لنا. وماذا فعلت سمراء؟
هز رأسه نفيا: - لا شيء. لكن نظراتها قالت الكثير.
هل تظنين أنها ستخبر أبا حوراء أو حاتم بالأمر؟
أكدت زبيدة وفي نظراتها توجس وحدة:
- لن تفعل شيئا من هذا. لكن أخبرني يا ولد، هل..
قاطعها زيد نافيا بانفعال:
- هل تظنين أنني أفعل معها ما يشين؟ أنا حريص عليها
كحرصي على شقيقتيّ. إنما هو الشوق لرؤيتها
ومحادثتها ما كان يدفعني لمقابلتها. ولولا ذلك
العداء بين والدينا والذي لم نعرف له سببا مقنعا إلى
الآن لطلبت من أبي الذهاب لخطبتها منذ أحببتها.
حمدت الله بارتياح ثم فكرت لحظات لتقول بمزيج من
قلق وإصرار في عينيها وصوتها:
- ربما حان الوقت لتطلب ذلك من والدك.
رمقها زيد بتردد وسألها دون أن يلوح الأمل في صوته:
- وهل سيقبل والدي وهو يحمل لوالدها عداءً دام
سنوات وتسبب بقطيعة بينك وبين الخالة سمراء؟
زفرت كمن يستعد لمواجهة خطرة ثم نهضت وهي
تقول: - سأبذل جهدي معه.
أمسك زيد يدها وقال بحماس: - أدامك الله لي يا أماه.
طيلة مكوثها في المطبخ لإعداد الغداء، كانت زبيدة
تستعد وترتب الكلام الذي ستقوله لعمر عن رغبة زيد
بخطبة حوراء. لكن ما أن انفردت به ولمست لديه
ذهنا صافيا يتيح لها الكلام معه حتى اضطربت
وضاعت أفكارها وهي تجلس قبالته.
ابتسم وهو يقول ناظرا لعينيها: - هاتان الفاتنتان تشيان
بأن لديك ما تقولينه لي.
أكدت مبتسمة: - ما زلت تقرأ نظراتي.
- كيف لا، وحبك يكبر معي منذ ولد في قلبي؟
زاد اضطرابها وهي تقول: - الأمر يخص زيدا.
بدأ القلق يساوره بسبب ملامحها المضطربة فحثها على
الكلام: - تكلمي يا زبيدة!
قبل أن تجبن فتتراجع، قالت مباشرة:
- يريد زيد خطبة حوراء.
جحظت عينا عمر وهو يحدق بها، وعقله يحلل ما سمع
منها بغية استيعابه.

نهاية الفصل السابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:28 pm

الفصل الثامن

قبل أن تجبن فتتراجع، قالت زبيدة مباشرة:
- يريد زيد خطبة حوراء.
جحظت عينا عمر وهو يحدق بها، وعقله يحلل ما سمع
منها بغية استيعابه ثم هتف بغضب ففزعت:
- ألم يجد ولدك سوى ابنة ذلك البلاء؟ إلى متى
سيطاردني ظله كلعنة تنغص حياتي؟
قالت بصوت مرتجف قلقا على زيد وحنقا على عمر لأنه
صرخ بوجهها:
- لقد حدث ما حدث، وقد رأتهما سمراء اليوم معا. ألا
يجب عليه أن يتصرف كالرجال فيخطبها؟
تغيرت ملامحه ليكسوها القلق وهو يسألها:
- ما معنى كلامك؟ ماذا فعل ولدك؟
استغلت هدوءه اللحظي وقالت وهي تربت على ذراعه:
- أخذ ولدك عنك الرجولة وحسن الخلق فاطمئن.
إنما هو شوق العاشقين للقاء والحديث. لكن أمها رأتهما،
فهل يصح أن يتركها والحال هذه؟
عاد ليهتف بعدما اطمأن: - ألم يجد قلبه سواها من بين
كل الفتيات؟
رمقته بانزعاج وقالت تذكره: - لو كان للمرء سلطان
على قلبه لما استمريت بحبي..
نظرته المحمرة غضبا جعلتها تصمت قبل أن تنطق بما
يؤدي لاشتعاله أكثر. لكنه اشتعل على أيّة حال!
ضرب حافة السرير بيده لينفس عن غضبه وهو يضغط
على أسنانه ويقول:
- أكملي! لما استمريتُ بحبكِ بعدما علمتُ أنك
تحبينه.
نار استعرت في قلبها وسالت دموعها دون إدراك منها
وهي تسمع اتهامه لها بعشق سواه.
أدرك أنه تمادى وأوجعها باتهامه أكثر مما فعلت به
كلماتها التي قالتها دون قصد.
أمسك ذراعيها وهو يقول نادما:
- والله ما قصدت المعنى الحقيقي لما قلت. إنما تحدثت
بما ظننت حينها.
اختنق الهواء في صدرها ولم تنطق بكلمة وأبعدت
يديه عنها لتخرج مسرعة من الغرفة.
زفر بانزعاج وهو يمسح وجهه بيديه ثم خرج خلفها
ليسترضيها لكنه لم يجدها في الدار.
- أين والدتك؟
سأل صهيب الذي كان جالسا في البهو فأجاب:
- أظنها خرجت إلى الحديقة.
خرج عمر مسرعا وفتش عنها في الحديقة فلم يجدها.
قطب جبينه محتارا ثم اتجه إلى جناح
الضيافة فلم يبق مكان في الدار سواه يمكن أن
يجدها فيه.
أراد فتح الباب فوجده مقفلا من الداخل فناداها:
- زبيدة! افتحي الباب.
لم تجبه فعاد يقول: - افتحيه ولا تعاندي. لا تفتعلي
مهزلة أمام الأولاد.
زمّت شفتيها ولم تبرح مكانها مع أنه عاود النداء مرتين
وثلاث. تمتم مستغفرا وتركها علها تخرج حين تهدأ.

جلست حوراء قرب والدتها التي لم تزل تظهر غضبها
منها في نظراتها. قبلت خدها وقالت:
- تعرفين أنني لا أطيق غضبك مني. سامحيني أرجوك
يا أمي.
قالت سمراء بلهجة حادة: - كان يجب أن تفكري
بغضبي هذا حين كنت تخرجين لمقابلته.
نظرت في عينيها وهي تقول متوسلة بمكر:
- أمي، لقد جربت الحب بنفسك وتعرفين أن الشوق
صعب الاحتمال.
زفرت سمراء بحنق وقالت: - أنا المخطئة! ما كان يجب
أن أحدثك عن لقاءاتي بوالدك كي لا تتخذينها
ذريعة لسوء تصرفك.
تساءلت حوراء محتجة: - أي سوء؟ أخبرتك أننا..
قاطعتها بامتعاض: - أعرف! لكن ماذا لو كان رجلا
غير زيد؟ ماذا لو استغلك يا حمقاء؟
أحاطت كتفي والدتها بذراعيها وهي تقول:
- ما كنت لأحب سوى زيد يا أمي.
حدجتها سمراء بنظرة مؤنبة لذكرها حبها له صراحة
أمامها فقالت حوراء مبتسمة:
- طوال عمري كنت رفيقة لي، لذا لن يجدي نفعا أن
تلعبي دور الأم القاسية الحازمة الآن يا سمرائي. أم
أقول يا أحجيتي، كوالدي؟
لم تستطع سمراء إخفاء ابتسامتها لكنها قالت:
- كفى لغوا واذهبي فلن أسامحك.
قبلتها ثانية وتوسلت إليها: - بالله عليك يا أمي،
سامحيني. أخبريني بما يرضيك وسأفعله.
استدارت سمراء نحوها وهي تقول رافعة إصبعها:
- لن تقابليه مجددا.
- ما كنت لأفعلها بعد غضبك مني.
استدارت سمراء عنها وهي تقول: - هيا انصرفي الآن.
ابتسمت حوراء برضا وعانقتها قبل أن تنصرف.

كان زيد الوحيد الذي ظن انه يعرف سبب الخصام بين
والديه، فقد ظن انهما تشاجرا بسبب رفض والده
خطبته لحوراء وإصرار والدته عليها.
ساد الحزن الدار فتلك أول مرة يشهد الأبناء فيها
خصاما بين والديهما، وليس أي خصام! فها هي والدتهما
قد هجرت غرفتها منذ الأمس ولازمت الغرفة المجاورة.
وكلما دخل والدهم الدار أقفلت عليها الباب ولم تخرج
منها.
أخذ زيد طعام الغداء لأمه ففتحت له الباب ثم أغلقته
خلفه. تحدث والشعور بالذنب يطغى على صوته:
- انه هذا الخلاف بينكما يا أمي، فالشعور بالذنب
يزيدني همّاً فوق همّي.
ربتت على كتفه وقالت: - لا دخل لك بهذا يا ولدي
فلا تحمل نفسك الذنب.
- لكنكما تشاجرتما عندما كلمته عني وحوراء.
- صحيح. لكن شجارنا ليس له علاقة بكما. ولا
تسألني الإفصاح لأني لن أخبرك أو أحدا غيرك شيئا.
أومأ وخرج ليستقبله أشقاؤه بنظراتهم المتسائلة فقال:
- ترفض الخروج من الغرفة أو التحدث عن سبب خصامها
ووالدي لأي منا، فلا تحاولوا.
تساءلت شمس بحزن: - لا بد أن الأمر كبير حتى
تغضب لهذا الحد وتمتنع عن رؤية والدي وهي التي لا
تطيق الدار حين يتركها.
تساءل صهيب بامتعاض: - وهل سنقف مكتوفي
الأيدي؟ ألن نفعل شيئا؟
رد زيد وهو يجلس: - ستهدأ قريبا فهي لا تطيق البعد
عن أبي.
لكنها استطاعت وتحملت وكتمت الشوق الذي يقتلها
لحبيب القلب، ودام هجرها له يومان آخران.
دخل عمر الدار مساءا وألقى التحية على أبنائه دون أن
يجلس فسألته شمس:
- هل أعد لك العشاء الآن يا أبي؟
أومأ نفيا وخرج من البهو متجها إلى تلك الغرفة التي
كرهها لأنها حجبت زبيدة عنه.
- زبيدة!
ناداها فنهضت لتقف خلف الباب دون أن تفتحه أو تنطق
بكلمة فقد تاقت لسماع صوته والقرب منه وإن كان
من وراء حاجز.
ابتسم وقد عرف بوقوفها خلف الباب حين وصله
عطرها من خلال فتحات الباب الخشبي فاستنشق بقوة
ليزداد شوقا ثم راح ينشدها أبياتا من شعر ابن الأحنف:
إلى الله أشكو إنه موضع الشكوى
فقد صد عني بالمودة من أهوى
لَعَمري لأهل العشق فيما يصيبهم
أحقُّ بأن يُبكى عليهم من الموتى
يُميت الهوى قوماً فيلقون راحةً
من الضرّ والجهد المبرّح والبلوى
ويحيا به قوم أصابوا هواهمُ
وقد صرت فيهم لا أموت ولا أحيا
وإني لأشقى الخلقِ إن دام ما أرى
ولم يُسعد الوصل المؤمَّل في الدنيا

مسحت دموعها وفي القلب شوق وحسرة وتضارب مشاعر
بين خيبة أمل بسبب ما قاله لها وألم لفراقه. وعلى
الرغم دموعها ابتسمت لأنه ما زال يذكر البيت الأول
من هذه الأبيات، الذي أنشدته إياه كي ينهي هجره لها
ويتصالحا عندما غضب منها -بسبب مصعب أيضا-
حين اكتشف أمر خطابه الذي أرادت إيصاله لسمراء.
لم يلق منها جوابا فقال:
- لقد طال هجرك حتى جاوز الأيام الثلاث التي لا
يحل بعدها خصام المسلم لأخيه، فكيف بالزوجة
لزوجها؟ الحبيبة لحبيبها؟ بل النفس لنفسها؟
تكلمت اخيرا والبكاء يخنق صوتها:
- وكيف بقلبي الذي قتلته بكلماتك؟ ألم أحذرك
مرة من قتل قلبي؟ أبعد كل تلك السنوات، تظن أنني
أحببته؟
همس والندم والحزن يخزان قلبه بقوة:
- والله ما ظننت ذلك. إنما كانت زلّة لسان خانني فيها
التعبير في لحظة غضب.
تناهت إلى سمعه شهقة بكاء قوية لم تستطع
كتمانها فقال بلوعة: - ناشدتك الله أن تفتحي الباب!
فتحت الباب مرغمة بعدما استحلفها بالله فدخل مسرعا
وضمها من فوره بقوة وهو يهمس:
- سامحيني يا نفسي.
على كتفه، بكت قسوة كلماته وشوقها له ثم قالت
بعدما ابتعدت:
- لقد صدقت حين قلت إن ظله يطاردك. لأنك من
جعله لعنة تنغص حياتنا بسبب غيرتك الشديدة.
أمسك وجهها بيديه وهو يقول:
- تعلمين أن الأمر ليس بيدي.
قالت بإصرار: - كفى يا عمر! يكفيك غيرة متقدة
كل تلك السنوات. لقد عفا الزمن على ذلك الأمر فلا
تثره في كل فرصة فتنغص علينا هناء العيش.
اعترف لنفسه أنه يبالغ بغيرته خاصة وأن مصعب قد
أحب وتزوج ولم يبدر منه أي سوء من وقتها. لكنه ما
لبث أن قال:
- وكي نهنأ بالعيش يجب أن نبتعد عنه لا أن نصاهره.
رمقته بامتعاض وقالت محتجة على كلامه:
- ها أنت تكن المحبة في قلبك لحاتم ولم تتغير معه
بعد معرفتك أنه ولده، فلماذا تطالب ولدك بنسيان
من يعشق لأنها ابنته بينما لم تقدر أنت على التخلي عن
محبة تلميذك؟
أخذ شهيقا عميقا ثم زفره ليقول بحزم:
- لا يستوي الأمران. تلك علاقة أستاذ بتلميذه وهذه
مصاهرة.
قالت زبيدة بإصرار: - أتكلم عن الحب في الحالتين.
هتف بلهجة حازمة: - لن أوافق على تلك الخطبة فلا
تلحي.
تجمعت دموعها في عينيها وهي تقول:
- إنه ولدنا يا عمر. أول فرحة لنا. هل ستكسر قلبه
لأجل أمر أكل الدهر عليه وشرب؟
أشاح بوجهه فقالت بامتعاض: - إذن ما قلته ليس زلة
لسان بل الحقيقة، وإلا لوافقت على خطبة ولدك
لحوراء.
رمقها محتجا وسأل بحنق: - وما دخل هذه بتلك؟
قالت بإصرار مستغلة قوة موقفها:
- بل لها دخل كبير. إن كنت مؤمنا أني لم أحمل في
قلبي له سوى أكذوبة وانتهت، فلن ترفض أن تخطب
ابنته لولدك.
زفر بانزعاج وهو يتخيل نفسه واقفا قبالة مصعب،
يطلب مصاهرته. ذلك كان كافيا لرفع توتره ونبضات
قلبه الغاضبة.
- أنت لم تفهمي ما أشعر به كل تلك السنوات. لقد
اشتراك جارية له وحاول نيلك بالقوة. مكثت في
داره شهورا. يراك ويكلمك ويجالسك. كيف
يمكنني نسيان كل ذلك ولو مرت مئة سنة؟
أطرقت رأسها وهي تفكر بما لم يقله كي لا تغضب
وتسيء فهمه، فقد حدث كل ذلك وهي تظن نفسها
عاشقة لمصعب. واعترفت أن الأمر صعب جدا على رجل
عاشق غيور.
وتذكرت كيف كانت تشعر وقتها نحو مصعب وكيف
كانا يتبادلان نظرات الحب والشوق وكيف كان
يهمس لها وكم مرة لمسها - ولو غصبا - وكم مرة
شعرت بالغيرة عليه من ورقاء وكم اشتاقت إليه حين
عادت لأهلها. حتى لو لم يعرف عمر كل ذلك لكن
يكفي أن يتذكر أنها ظنت نفسها عاشقة له وهي في
داره. لا يمكن لرجل أن ينسى ذلك.
أحاط كتفيها وهو يقول بابتسامة:
- هيا لتعودي إلى غرفتك فقد اشتاقت لك هي
الأخرى.
أومأت لكن قبل أن تتحرك قالت: - عدني أن تفكر
بجدية في الأمر. لا أريد لقلب ولدي أن ينكسر، ولا
اريد أن يصغر أمام نفسه لأنه تخلى عن الفتاة بعدما
اكتشفت والدتها ما بينهما فذلك ليس من المروءة في
شيء.
أغمض عينيه ثم قال: - هذا ما يوجعني. ما ذنب الفتاة
التي وضعها ولدك في هذه الورطة؟
رمقته رافعة حاجبيها: - ليس هناك ورطة. تطلبها له
وينتهي الأمر.
فرك صدغيه وهو يقول بحزم: - لا تختبري صبري يا
زبيدة وكفى كلاما في الأمر.

حوّل عمر نظره نحو شمس حين سألته:
- هل تسمح لي وبدور بالذهاب مع رفقة ونجلاء زوجة
عبيدة في نزهة يا أبي؟
- الأفضل أن تلتقين هنا في الدار ولا تخرجن فالأوضاع
في بغداد لا تبشر بخير يا ابنتي.
صمتت شمس ولم تجادل كعادتها بينما قالت زبيدة:
- الفتيات يردن الذهاب إلى البستان ولن يتأخرن.
هتف معترضا:
- أتعنين ذلك البستان الذي تعرض فيه المغولي
لشمس؟ وفي هذه الأوضاع التي فقدنا فيها الأمان؟
قالت زبيدة:
- بل سيذهبن لآخر أقرب منه إلى المدينة. تريد
الفتيات الخروج قليلا من الدار. لن يتأخرن هناك
وسيذهبن صباحا فلا داعي للقلق.
قال عمر بامتعاض:
- كيف لا أقلق يا زبيدة مع كل ما نسمعه عما يفعله
المغول الذين صاروا يتقدمون شيئا فشيئا من حدود
بغداد؟
لوت بدور فمها فهي قد تموت كمدا إن لم تعلن عن
استيائها - كعادتها - بينما أطرقت شمس بصرها
والحزن يخيم على نظراتها.
رقّ قلب عمر ولم يستطع حرمانها من تلك الرغبة
البسيطة بالخروج مع رفقة ونجلاء، خاصة وأنها حرمت
من زيارة حوراء لها بعدما حدث من أمرها وزيد.
- أتريدين الذهاب يا شمس؟
أومأت نفيا وقالت: - كلا يا أبي، ما دام الأمر يزعجك.
" فداك قلبي يا صغيرتي، كم انت مطيعة! ".
ابتسم وهو يقول: - لا تتأخرن هناك واحذرن. ولتذهب
أمك وخالتك مودة معكن.
ابتسامة غزت ملامح شمس وهي تشكره فسألها:
- متى ستذهبن؟
- بعد غد يا أبي.
نهضت بدور وهي تقول بحماس:
- سأذهب الآن لأوصي زيدا بإبلاغ عبيدة بموافقتك يا أبي.
نظرت زبيدة نحو عمر عند ذكر زيد وكأنها تذكره
بالأمر الذي لم ينسه أصلا فأشاح بوجهه العابس
الملامح ليسد عليها الطريق إن كانت تنوي الحديث
معه في الأمر ثانية.
رمقته زبيدة بامتعاض وقلبها منفطر على ولدها. فمع
كل حبها لعمر ومع أنها تعذره وتفهم ما يشعر به إلا أن
غريزة الأمومة تغلبت على كل ذلك.

كم كانت زبيدة بحاجة لتلك النزهة مع كل ما
كانت تعانيه من حزن على ولدها.
جلست قرب مودّة وبدأت الحديث بسؤالها:
- لماذا لم تأت نجلاء معكما؟
- لقد ذهبت يوم أمس لتبقى قرب بارقة فهي متوعكة
قليلا.
أومأت وهي تراقب الفتيات فسألتها مودّة:
- ما لي ارى الهم يعلو وجهك؟
آهة حارة من قلب حزين أطلقتها زبيدة لتحدث بعدها
مودّة بكل ما حصل خلال الأيام العشر الماضية.
عاتبتها مودّة: - لماذا تحملت كتمان هذا في قلبك
ولم ترسلي في طلبي لأكون معك؟
- لم أرد أن أقلقك. ولم أرد ان يشك عمر أني
حدثتك بشيء. الحمد لله أن هذه النزهة جاءت في
وقتها كي أفضي لك بهمومي.
ربتت مودة على كتفها وهي تقول: - لو كانت الفتاة من
نصيبه فلن يستطيع عمر أو غيره منع زواجهما. فلا
ترهقي نفسك في التفكير.
- وهل أستطيع؟ إنه ولدي.
بدأت الفتيات السير فصاحت زبيدة محذرة:
- لا تبتعدن كثيرا وعدن بسرعة.
أومأن لها وسرن باتجاه بعض الأشجار دائمة الخضرة التي
لم تغلبها قسوة الشتاء وتفلح في نزع أوراقها. بعد قليل
نهضت رفقة وهي تقول:
- أشعر بالبرد والجوع. سأذهب لأحضر غطاءً ألتحف به.
(أضافت مازحة) وبعض الفاكهة لآكلها قبل ان تقضي
عليها والدتانا. فهما حين تتحدثان معا تأكلان كل ما
أمامهما.
ضحكت شمس وبدور بينما انطلقت رفقة عائدة إلى
حيث جلست زبيدة ومودّة.
بعد قليل سمعت الفتاتان صوتا خلف الأشجار فنهضتا
والقلق على وجهيهما خشية أن يكون حيوانا خطرا
ينوي مهاجمتهما.
وحالما تحركتا للعودة إلى المكان الذي تركتا فيه
والدتهما ومودة، ظهر أربعة من الرجال وأسرعوا نحوهما.
أطلقتا عدة صرخات وقد بدأتا بالركض لكن الرجال
كانوا أسرع منهما فتمكنوا من الإمساك بهما.
راحتا تصرخان بقوة علّ والدتهما تسمعهما بينما
حملهما الخاطفون وأسرعوا بهما.
وصل صراخهما سمع رفقة فارتجفت وعادت راكضة
نحوهما. وحين وصلت كان الخاطفون قد ابتعدوا بهما.
ركضت رفقة عائدة أدراجها لتخبر والدتها وزبيدة بما
حدث فرأتهما في منتصف الطريق متجهتان نحوها وقد
سمعتا أيضا صراخ شمس وبدور.
وقفت وهي تشهق وتتنفس بصعوبة فسألتها زبيدة وهي
تهزها: - ماذا حدث؟
قالت من بين انفاسها المتقطعة: - خطفهما أربعة رجال.
حدقت بها زبيدة لحظة ثم هرعت راكضة نحوهما
فتبعتها مودة ورفقة وهي تصيح باكية:
- لقد ابتعدوا. لن ندركهم يا خالتي.
استدارت زبيدة وجسدها يرتجف كسعفة تضربها
الريح بقسوة ثم انهارت جالسة على الأرض وهي تقول:
- هل ضاعت ابنتاي؟

نهاية الفصل الثامن

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:29 pm

الفصل التاسع

وراح عقلها يعيد أمامها ما جرى لها حين خطفها
اللصوص من قافلة إبراهيم.
سيطرت مودّة على نفسها فلا يجب أن تنهار هي الأخرى
وقالت وهي تساعد زبيدة على النهوض:
- هيا لنسرع بإخبار عمر وياسر بما حدث.
رمقتها زبيدة وقد بدأ البكاء أخيرا يعرف طريقه
لعينيها حين زالت الصدمة عن عقلها وراحت تضرب
رأسها ودموعها تتساقط فجذبتها مودة بقوة وهي تبكي
ثم قالت بحزم: - هيا لنسرع.
سارت زبيدة معهما بساقين مرتجفتين تقودها رفقة التي
لم تكف عن البكاء.
دخلن السوق فأسرعت زبيدة نحو المجلس الذي يعطي
فيه عمر دروسه بينما انطلقت مودة ورفقة إلى دكان
ياسر.
هب عمر واقفا حين اقتحمت زبيدة مجلسه ونادته
بصوت مختنق يؤلم القلب.
التفت طلابه نحوها ووقف حاتم وهو يحدق بزبيدة
بقلق ثم سار خلف عمر الذي أسرع نحو زبيدة وجذبها
إلى خارج المجلس وقد عرف أن أمرا خطيرا حدث
لتقتحم مجلسه بتلك الطريقة وذلك المظهر المريع
وهي تنادي اسمه مستنجدة.
- ماذا حدث؟
قالها بصوت مرتجف وهو يحدق بها بعينين مترقبتين.
وهنا وصل حاتم قربهما وعيناه تتساءلان بصمت. لطمت
وجهها وهي تقول: - خطفت شمس وبدور.
جحظت عينا عمر وحاتم واعتصر الألم قلبيهما.
- كيف خطفتا؟ واين كنت أنت؟
هتف عمر فعادت للبكاء وهي تجيب: - أردن السير ولم
يبتعدن كثيرا عني وعن مودة. سمعنا صرخات
فركضنا نحوهن فلاقتنا رفقة وهي تجري نحونا
وأخبرتنا أن رجالا خطفوهما.
أمسك عمر رأسه وكأن جبلا انهار فوقه بينما سألها
حاتم وقلبه مرتجف كصوته:
- هل تعرفت الفتاة عليهم أو عرفت في أي وجهة ساروا؟
هزت رأسها نفيا وهي تقول: - لم تكن معهما حين
هاجموهما فقد عادت إلينا لأخذ الطعام. وحين سمعت
صراخهما عادت نحوهما فلمحت الخاطفين من بعيد وهم
يحملونهما.
عادت للبكاء فقال عمر بصوت مهزوز كجسده:
- كيف لنا أن نعرف من هؤلاء وإلى أين فروا بهما؟
اقترب ياسر ومودة ورفقة مسرعي الخطى فأسرع عمر
ليقول لرفقة:
- يا ابنتي أرجوك، حاولي أن تتذكري في أي اتجاه
أخذهما الخاطفون.
راحت رفقة تبكي وهي ترى عمها بذلك اليأس والقهر
ثم أجابت:
- لا أعرف يا عماه، فنحن لم نعتد الذهاب لذلك
البستان. لكن.. كانت ثياب الرجال تدل على أنهم
ليسوا من العرب.
سألها عمر بلهفة: - أوضحي! كيف كانت هيئتهم؟
حاولت رفقة ان تصف بدقة ما رأته: - كانوا يرتدون
الجلود والفراء ولا يضعون العمائم على رؤوسهم.
قال ياسر بقلق: - أنت تصفين المغول.
تمتم حاتم: - عليهم لعنة الله!
اقترب ياسر من عمر وهو يحاول التجلد لأجله:
- هيا إلى الدار يا عمر. وهناك سنرى ما سنفعله.
سيلحق بنا الأولاد إلى دارك فقد ذهب عبيدة
لإخبارهم.
سار الجميع إلى دار عمر بينما أسرع حاتم إلى دكان
والده وهو شارد الذهن، يقتله الخوف
والقلق على شمسه وشقيقتها. لا يعلم لماذا ذهب إلى
أبيه حينها لكنه شعر بحاجة ماسة لدعمه في تلك
اللحظات العصيبة.

قهر وعجز وغضب، علا وجه عمر وياسر وأبناؤهم. ورعب
وقلق ملأ قلوب زبيدة ومودة ورفقة. أمسكت زبيدة رأسها
وهي تقول باكية: - ويحي! ما حالهما الآن؟
هتف عمر بحنق: - كان قلبي متوجسا من هذه النزهة
لكنك أصريت ورجوتني.
رمقته زبيدة بغيض معاتبة من خلف دموعها فقال ياسر:
- وهل كانت تعلم ما سيحدث يا عمر؟ لا تلمها،
ففاجعة الأم بأبنائها لا تدانيها فاجعة.
دعت مودة: - اللهم ردهما إلينا سالمتين.
هتف زيد وهو يتحرك يمينا ويسارا ولا يطيق الجلوس:
- أين سنبحث عنهما؟ كيف سنعرف في أي تجمعات
للمغول هما؟
قال صهيب: - سنبحث عنهما في كل مكان. على طول
حدود بغداد حتى نجدهما.
بيد مرتجفة، طرق غياث باب دار عمه فاستقبله صهيب.
ولأول مرة لم يلق السلام وتساءل مباشرة بوجه شاحب
قلق: - أحقا ما أخبرني به غلام أبي؟
أومأ صهيب وهو يفسح له المجال للدخول فسار بخطوات
يثقلها الهم.
حين عاد غياث للدار بعد صلاة الظهر، لم يجد أحدا
فسأل الحارس فأخبره بما سمع قبيل الظهر من مودّة في
دكان ياسر. شعر غياث كأنه تلقى ضربة على رأسه
وأسرع لدار عمه.
دخلا البهو فألقى غياث السلام وجلس كمن يجلس
على الشوك، وقلبه يرتجف فرقا.
طرق الباب ثانية بعد قليل فخرج صهيب لاستقبال
الطارق، وعاد بعد قليل إلى البهو ليقول:
- حاتم ووالده ينتظرونك في جناح الضيافة يا أبي.
كل من يعرف العداء الذي بين عمر ومصعب طغت على
نظراته الدهشة. لكن أكثر من شعر بالدهشة
والغرابة هو عمر. أيعقل أن يكون حاتم أخبر مصعب
بما حدث فجاء مساندا؟
تبادل نظرة مستغربة مع زبيدة قبل أن يخرج وباقي
الرجال إلى جناح الضيافة.
كان عمر آخر من دخل جناح الضيافة، وكأنه أراد
تأخير ذلك اللقاء. تقدم مصعب ليسلم على عليه.
- أعانكم الله وأعادهما سالمتين.
تزاحمت المشاعر داخل عمر بين خجل واستغراب
وضيق.
- سلمت يا أبا حاتم.
جلس الجميع فبدأ مصعب الحديث بسؤال:
- على ما نويتم؟
ردّ زيد والقهر يطل من عينيه: - سننطلق بعد قليل
لنبحث عنهما في كل تجمعات المغول على حدود
بغداد. لابد أنهما في إحداهن.
قال مصعب لعمر: - وأنا وولداي سنذهب معكم.
لم يستطع عمر إخفاء دهشته وهو يرمق مصعب ويفكر
" أيعقل أن الإنسان يتغير هكذا؟ أهي السنوات أم
الظروف؟ "
- سلمتم. لكن لا داعي..
قاطعه مصعب وهو يشد على يده: - عرضك هو عرضي.
وابنتاك كابنتي. لو كنت انت مكاني لفعلت معي
الشيء نفسه.
أطرق عمر رأسه وهو يقول: - غمرتني بكرم أخلاقك.
فعقب مصعب: - عند الشدائد، يمحى كل شيء.
من كان ليصدق أن عمر ومصعب سيلتقيان يوما دون أن
يكون الغضب ثالثهما؟ لكنه حسن الخلق، يفعل
الأعاجيب في نفوس البشر.
كان غياث يغلي غضبا بعكس هدوئه الخارجي، يدعو
ويستغفر والقلق يوجع قلبه.
نعم قلبه! قلبه الذي لم يخفق لبدور قبلا، صار يرتجف
هلعا عليها منذ خطفت. وعيناه اللتان لم تريا فيها سوى
أختا تربت معه ورفقة منذ صغرهم، لم تعد ترى فيها
سوى حبيبة. أيعقل أنه كان يحمل لها كل هذا
الاهتمام والحب دون أن يشعر؟
حضرت سمراء وحوراء فأسرعت رفقة لاستقبالهما بينما
كانت زبيدة تعد المتاع والسلاح لعمر وباقي الرجال
لينطلقوا في رحلة بحثهم عن ابنتيها.
راحت دموع حوراء تتساقط تذكرت جلساتها مع شمس
وبدور في هذا المكان واسرعت سمراء نحو زبيدة حال
دخولها البهو، تواسيها وتواسي نفسها وتدعو أن يجدوا
الفتاتين في أقرب وقت.

بعد مسيرة قضتها شمس وبدور برعب وتعب وهما
تسيران متعثرتين خلف الخاطفين، وصلوا إلى تجمع
صغير للمغول. أخذ الرجلان شمس بعيدا عن بدور وسط صرخات اعتراض من الاثنتين ضاعت وسط صياح
الخاطفين.
سارت بدور متعثرة خلف الرجلين اللذين اقتاداها إلى
جهة أخرى من مجموعة الخيام الكثيرة المنتشرة في
المكان وهما يطلقان الضحكات ويتحدثان بما لا
تفهمه.
كانت عينا (آرجو) تراقبان بدور بدهشة وألم وقد وثب
واقفا حالما رآها تقترب، يقودها رفيقاه. قال أحدهما
بنظرات نهمة وهو يتفرس في وجهها:
- من منا سيأخذ هذه الجميلة؟ أم أننا سنتشارك فيها؟
أجاب رفيقه بعد ضحكة خبيثة:
- نعم نتشاركها. ليلة لي وليلة لك.
كانت بدور ترمقهم بخوف فهي وإن لم تفهم ما قالاه إلا
أن نظراتهما كانت تصرح بنيتهما.
جذبها أحدهما بعنف ليأخذها نحو خيمته فقاومت.
تعثرت لتسقط أرضا فأسرع آرجو نحوهم ليجثو قربها
ويتطلع إلى وجهها بلهفة وقلق ثم نهض ليكلم رفيقيه.
تجادل معهما لدقائق ثم انتهى الجدل بينهم أخيرا بأن
ربت الرجلان على ذراع آرجو ثم ابتعدا.
راقبت بدور الموقف بقلق وحيرة، وزاد قلقها وخوفها
حين مد آرجو يده لها لتقف.
هزت رأسها نفيا، رافضة وغير قادرة على الوقوف في
الوقت ذاته فقد شل الخوف أطرافها كما أن كاحلها
بدأ يؤلمها.
زفر آرجو وانحنى نحوها ليرفعها عن الأرض حاملا إياها
بين ذراعيه.
أخذت تصرخ وتضرب كتفيه بكل قوتها فهتف بها
بكلمة لم تفهمها لتصمت وقلص قبضتيه على جسدها
لكنها ظلت تقاوم حتى دخلا إلى خيمته.
وضعها على السرير فزاد فزعها وصاحت مهددة:
- سأقتلك إن اقتربت مني.
صفعها بقوة فصاحت متألمة، وصفعها مرة أخرى فهوت
على السرير ثم نهضت مسرعة لكنها صاحت من الألم
وجلست ثانية فقد التوى كاحلها حين سقطت قبل
قليل عندما جذبها رفيق آرجو.
راحت تشتمه والغضب يوازي الألم قوة في داخلها فأسرع
بإمساك عنقها بيد والأخرى وضعها على فمها ليسكتها. حدقت به بخوف وغضب فاضطربت نظراته
وبدا في عينيه حنو وحزن وهو يهمس بلغة عربية
ضعيفة: - لا خوف. لا أؤذيك.
أضاف وهو ينظر لخديها الذين احمرا بسبب صفعتيه
القويتين: - آسف. هذا يجب.
حين هدأت أنفاسها، أبعد يديه عنها وأكمل حديثه
الهامس وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:
- قلت أريد أنت حتى أحميك. وأضرب حتى يصدقوا.
قطبت جبينها استغرابا لموقفه وسـألته لتتأكد من
كلامه الذي فهمت معناه بصعوبة:
- تعني أنك أخبرت رفيقيك بأنك تريدني لنفسك
كي تحميني منهما؟ وصفعتني ليصدقا كلامك ولا
يعلما أنك تريد إنقاذي؟
أومأ مؤكدا: - أحميك من كلهم.
سألته بنظرات شك واستغراب: - لماذا تفعل هذا؟ أنت
مغولي مثلهم وأنا عربية من بغداد التي تريدون غزوها،
فلماذا تريد حمايتي؟
نهض مسرعا وابتعد دون أن يجيبها وقد اضطربت
نظراته.
نظرت لثيابها التي تمزقت من بعض الأماكن فأخذت
غطاء السرير ولفت نفسها به ثم راحت تبكي وهي
تفكر بمصير شقيقتها.
اقترب آرجو ومعه علبة فيها مرهم. جلس على الأرض
قبالتها وهو يقول: - ألم؟ ستكون جيد.
قالت وهي تأمل في مساعدة آرجو لها كي تعرف مكان
شمس أو ما حل بها:
- لا أبكي ألما بل خوفا على شقيقتي فقد اختطفت
معي لكنهم فرقونا عند وصولنا لمعسكركم. لقد
أخذها اثنان آخران.
بدا التأثر عليه ووعدها: - أسأل وأعرف.
شكرته وبعض الأمل يتسرب إلى نفسها فابتسم وهمّ
بوضع المرهم على كاحلها الملتوي لكنها سحبت
قدمها فتذكر آرجو ما سمعه عن حفظ نساء العرب
لأجسادهن فلا يمسّهن غريب. أغمض عينيه بألم وهو
يتذكر تلك الغالية التي استباحوا جسدها ولم
يستطع حمايتها.
أخذ شهيقا ثم قال: - لا تعرف تصلح. ستبقى تؤلم.
عرفت أنه يريد معالجة الالتواء فتذكرت والدها
ومعالجته لبعض النساء وفكرت " إنه أمر ضروري كي
يعالج التواء كاحلي".
سألته وهي تمد قدمها ليضع عليها المرهم:
- هل ستؤلمني؟
هز رأسه نفيا وهو يبتسم وبدأ بفرك قدمها بعدما وضع
المرهم ثم راح يسألها كي يصرف تركيزها عما
يفعله: - أنا آرجو. أنت؟
- اسمي بدور وأختي شمس. هل ستسأل عنها اليوم؟
أومأ برأسه وعاد يسألها: - كيف الخطف.
بدأت تخبره كيف اختطفها رفاقه بينما أمسك قدمها
بيديه بإحكام: - كنت وشمس في البستان نتحدث
وفجأة ظهر.. آه!
لم تكمل وأطلقت صرخة عالية وهي تتألم حين لوى
قدمها ليعيدها كما كانت.
هتفت به: - ماذا فعلت؟
أجاب مبتسما: - صار جيد. تألمت؟ آسف.
ردت على تلك الكلمات المتقطعة:
- نعم آلمتني كثيرا لكنها الآن أفضل.
نهض وهو يقول: - تنام وأنا أسأل أختك.
رمقته بامتنان ودعت أن يحفظ الله شقيقتها كما
حفظها على يد هذا المغولي غريب الأطوار.
تمددت على الفراش تلتمس بعض الدفء ولكن أنى لها
النوم الآن وهي تفكر بشمس وبقلق أهلها عليهما.

حالما اقترب الخاطفان بشمس من الخيام وأراد أحدهما
أن يأخذها لخيمته، قال الآخر:
- لماذا لا تتركها لي يا (كاتا)؟ أنت لديك زوجة أما أنا فوحيد أعزب.
رمقه كاتا باستخفاف وقال: - ما أخذته بيدي، لا أضعه
في يد غيري يا (أورانك).
قال أورانك بحنق: - لم تأسرها وحدك. وما هكذا
اتفقنا.
- لم اتفق على شيء معك. وانت من طمع وأراد خيانة
الاتفاق أولا. لذا فلن يقرب هذه الفاتنة غيري.
قالها كاتا ببرود وبلا اهتمام وهو يجذب يد شمس التي
لم تفهم سبب شجارهما وكانت منشغلة بالدعاء
وتكرار قول " يا حي يا قيّوم، برحمتك استغيث.
أغثني يا مغيث "
قال أورانك: - لم أخن الاتفاق وإنما كنت اسألك.
عاد كاتا ليقول بنفس اللهجة: - يكفي أنك فكرت
بالاستئثار بها وحدك.
هتف أورانك بغضب: - بل أنت من نوى منذ البداية أن
يخون الاتفاق كما يبدو. هل تظن انني سأدعك
تستغلني وتهزأ بي وأقف مكتوف اليدين؟
ضحك كاتا ثم قال مغترا بقوته التي يشهد له بها
الجميع: - هل ستقاتلني مثلا؟
شهر أورانك سيفه ردّا على كاتا فبدأ القتال بينهما.
وعندها تنبهت حواس شمس واستغلت انشغالهما عنها
فتسللت مبتعدة عنهما شيئا فشيئا حتى اختفت خلف
إحدى الخيام.
أمعنت النظر حولها علها تستطيع إيجاد مكان تختبئ
فيه. لم تفكر بالهرب بعيدا الآن فلو فعلت لَلَحِق بها
الرجلان حال انتباههما لعدم وجودها، وبالتـأكيد
كانا سيدركانها.
لم تجد سوى نهر دجلة ليحتضن جسدها ويحميها من
أعينهم فتسللت إليه بخطوات حذرة سريعة. كتمت
شهقتها حين لامست رمال ضفة النهر التي اكتسبت
كل برودة ذلك اليوم الشتوي. وها قد قاربت الشمس
المغيب ليزداد الجو برودة.
اختبأت جيدا تحت تلك الشجيرة النابتة على ضفة
النهر وهي تسمع أصواتا وحوافر جوادين
تقترب وتفتش المكان. راحت تشغل نفسها عن البرودة
التي جمدت اطرافها وعن فزعها من احتمال أن يجدها
أحد الرجلين، بالدعاء وحمد الله على استطاعتها
الهرب.
ابتعد الرجلان لكن شمس ظلت مختبئة تحت تلك
الشجيرة تنتظر مغيب الشمس وإرخاء الليل لسدوله كي
تبتعد عن المكان.
تأكدت أن المكان هادئ وخال من أي أحد فسارت حتى
وصلت إلى جسر خشبي صغير مشيد على النهر.
مشت عليه بحذر حتى وصلت أخيرا إلى الضفة الأخرى.
توغلت في سيرها بين الأشجار وهي تشعر ببرودة تلك
الليلة وكأنها سكاكين تخز جسدها، وتسبب التصلب
لأطرافها.

وصل عمر ومن معه إلى مفترق طرق على مشارف بغداد
فانقسموا لثلاث فرق للبحث عن شمس وبدور. فذهب
عمر ومصعب وياسر كلّ مع ولديه للبحث في مكان
مختلف، على أن يلتقوا في نفس المكان الذي افترقوا
فيه مجددا.
انتظر الرجال عند مشارف تلك التجمعات التي وصلوا
إليها حتى مغيب الشمس ثم بدأوا بالتسلل والاقتراب
رويدا رويدا، عسى أن يجدوا إشارة تدل على وجود
الفتاتين...
نهضت بدور حالما دخل آرجو الخيمة وسألته بلهفة
وعيناها معلقتان بوجهه بين أمل وقلق:
- هل عرفت شيئا عن شقيقتي؟

نهاية الفصل التاسع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:31 pm

الفصل العاشر

نهضت بدور حالما دخل آرجو الخيمة وسألته بلهفة
وعيناها معلقتان بوجهه بين أمل وقلق:
- هل عرفت شيئا عن شقيقتي؟
اقترب وهو يقول بابتسامة: - شجاعة. أختك هرب.
رمقته بنظرات اختلطت فيها الدهشة بالسرور وهي
تتساءل لتتأكد:
- أتعني أنها استطاعت الهرب؟
أومأ مبتسما فقالت والابتسامة تملأ وجهها:
- حمدا لله. كيف عرفت؟
جلس قربها على السرير فابتعدت عنه فأجاب ونظرة ألم
تلوح في عينيه بسبب ذلك التحفظ الذي فسره خوفا
منه: - رأيت رفيق، قال.
سألته وهي مقطبة الجبين لتزيد ألمه وقد ذكرته بمن
لم ينسها يوما: - ومن اين عرف رفيقك بهروبها؟
- أورانك قال. عراك وهرب.
تنهدت باستسلام وعرفت أنه لن يستطيع شرح التفاصيل
بتلك الكلمات الركيكة ثم قالت:
- هل توهمت يوما أن ما تلقي به من كلمات متضاربة
متقطعة تسمى لغة عربية؟
أطلق ضحكة عالية ثم قال: - أنت علّم آرجو عربية.
سألته مستغربة: - ما دمت تفهم العربية هكذا فلماذا
يعوجّ لسانك حين تنطق بها؟
عاد للضحك فشاركته بابتسامة وقد اطمأن بالها ما إن
عرفت بهروب شمس وخلاصها من المغول.
سألها آرجو: - أختك يعرف مكان؟
عاد القلق إليها وأجابت: - كلا. فنحن لم نذهب يوما
خارج بغداد. أنا متأكدة أنها ستكون بخير، فليس
هناك شيء أسوأ من تواجدها وسط المغول.
انتبهت حين تغير وجه آرجو وقالت: - أنا آسفة.
ثم عادت لتضيف بحنق وبصراحتها المعتادة في
الكلام: - لكنني أقول الحقيقة، فقومك وحوش. أما
أنت فتختلف عنهم.
فكر وهو ينظر إليها "ربما لولاها لكنت وحشا مثلهم
يا صغيرتي"
أبعدت بصرها عنه بارتباك فنهض ثم وضع المزيد من
الخشب في الموقد الصغير كي يزداد الجو دفئا داخل
الخيمة فقد لاحظ كيف تلف نفسها بالغطاء لتحصل
على الدفء.
شعرت بالامتنان نحوه وهي تفكر بالمصير الذي كانت
ستلقاه لولا إنقاذه لها ولم تستطع منع سؤال تردد في
خاطرها:
- لماذا تفعل معي كل هذا؟ تحميني وتعتني بي. هل
تفعل هذا مع كل فتاة يخطفها رفاقك؟
هز رأسه نفيا فتساءلت بصوت متحشرج وهي تتخيل
الفتيات والنساء من بنات جلدتها يتعرضن للمصير
المهين الذي نجت منه:
- ماذا بقي للعرب بعدما استبيحت نساؤهم؟ وها هي
ديارهم على وشك أن تستباح؟
أجهشت بالبكاء فتقطع قلبه وهو يراقبها ولم يستطع
منع نفسه من احتضان وجهها فدفعته بعيدا حالما
لمسها، وظهر اشمئزاز وخوف في عينيها وهي تصيح:
- ابتعد فأنت مثلهم!
جثا قربها وهو متألم لنظرة الخوف في عينيها وراح
ينفي بإصرار: - لا! لا أخطف. آرجو ليس مثلهم. لا
يأخذ فتاة. آرجو يحب أنت.
زمّت شفتيها وزاد استياؤها ثم قالت:
- أي حب هذا الذي تتكلم عنه؟ مثلكم لا يعرف
الحب. أنتم لا..
نهض وقد طفح كيله من لسانها الذي لا يكف عن
الكلام ليمنحه فرصة للتوضيح فهتف بها بكلام لم
تفهمه فقد جعله الغضب يتحدث بلغته. خافت وهي ترى
تغير ملامحه فقال بلهجة لينة ونظرات حزينة:
- (أولجي) أخت أنا، مثلك. عيون ووجه. أخذوا أولجي
قوة، قتلوه. كنت صغير وما أنقذ أولجي.
وضعت يده على فمها ودموعها تتساقط وهي تتخيل
قسوة ما فهمته من كلماته المتعثرة المضطربة.
" لهذا هب لإنقاذي لحظة رآني، كي لا ألاقي مصيرها.
لهذا كان يحدق بوجهي والحزن في عينيه. لقد قصد
أنه يحبني كأخته التي تشبهني لأنه يراها فيّ، وأنا
أسأت الظن به. مع أنه مغولي إلا أن له قلب نقي "
نهض آرجو وخرج مسرعا من الخيمة قبل أن تستطيع
بدور قول كلمة.
في تلك الأثناء، كانت شمس تسير على غير هدى
تجوب البستان في ذلك الليل البارد على أمل أن تهتدي
للطريق إلى بغداد فتدل أهلها على مكان بدور فيسرعوا
بإنقاذها.
بدأت مقاومتها تضعف وأطرافها تتصلب حتى تهاوت
أخيرا على الأرض فاقدة للوعي.
أما عمر وولداه وكذلك باقي الرجال فكانوا يحاولون
الاقتراب من خيام المغول، علهم يعرفون شيئا يفيد في
البحث عن شمس وبدور أو يدل على وجودهما لكن دون
جدوى.
وحين بدأ الظلام بالانحسار عن السماء، اضطروا
للابتعاد كي لا يكتشف وجودهم أحد والتقوا من
جديد عند ذلك المكان الذي افترقوا فيه.
لم تكن أي كلمات كافية لوصف حالهم. خوف
وخيبة أصاباهم عندما انقضت تلك الليلة دون أن
يجدوا لشمس وبدور أثرا.

حين غادر آرجو خيمته حزينا الليلة الماضية، ندمت
بدور لأنها تسرعت بالحكم عليه. لذا أعدت طعام
الفطور لكليهما وانتظرت قدومه كي تعتذر منه
لكنه لم يعُد إلى الخيمة حتى المساء.
حال دخوله، نهضت لتقترب منه وتقول:
- أنا آسفة.
لم يعرها اهتماما وأخذ بعض أغراضه وغطاءً سميكا
وهمّ بالخروج فقالت بامتعاض ومسحة من لهجة مزاح في
صوتها وكلماتها أملت أن تفلح في تغيير موقفه:
- لقد اعتذرت فلا تستمر بمخاصمتي. لو خاصمتني فلن
أجد أحدا أكلمه، وأنا أموت لو بقيت صامتة.
رمقها ثم قال بحزن: - لا أبقى. أنت تخاف آرجو.
أكدت له وهي خائفة ليس منه بل من البقاء وحدها:
- لا أخافك صدقني، ولا أشك بك.
أشاح بوجهه فقالت وهي تواجهه:
- كيف أخاف ممن حماني؟ إنما كانت كلمات قلتها
في لحظة غضب على بنات جلدتي وما واجهن من مصير
على يد قومك. لكنني أعرف أنك تختلف عنهم.
قبل أن يضعف أمام توسل نظراتها، خرج مسرعا من
الخيمة وهو يقول: - غد يحاول هروب لك.
فرحت بوعده لها بمساعدتها على الهرب ثم عبست
وراحت تتذمر:
- ألا يفكر أنني قد أخاف بسبب بقائي وحيدة هنا؟ قد
يهاجمني أحدهم أو ثعبان أو عقرب. أنت أحمق آرجو!
وأحمق كبير أيضا.
لم تعلم تلك الممتعضة أن ذلك الأحمق الكبير
كان جالسا قرب الخيمة، على وجهه ابتسامة وهو
يستمع للهجة التملك في صوتها وهي تتحدث وكأنه
حارسها الشخصي والمسؤول عن حمايتها.
لكن أليس كذلك؟ ألم ينصب نفسه حارسا لها منذ
رأى في وجهها ما ذكره بشقيقته الغالية أولجي؟
لم تكن بدور تشبه أولجي في الملامح لكن في وجهها
الكثير منها. عيناها الواسعتان بلونهما المائل للخضرة
ولون بشرتها الأبيض النقي وابتسامتها البريئة وعمرها
الذي يقارب عمر أولجي حين تعرضت للاعتداء ثم
القتل.
تنهد آرجو وهو يتأمل ازدياد الضباب الذي ملأ الأجواء
وحاول النوم لإبعاد الضباب الذي غلف روحه بسبب
تلك الذكريات المؤلمة.
تلك الليلة، لم تكن بأفضل من سابقتها بالنسبة
للباحثين عن شمس وبدور بل كانت أسوأ، بسبب عرقلة
الضباب الذي ساد الجو بحثهم. وفي اليوم التالي، عادت
كل مجموعة منهم إلى المكان الذي بحثوا فيه
الليلتين الماضيتين.
حاولوا هذه المرة السؤال عنهما في الدور القريبة من
تجمعات المغول أو الواقعة على الطرق المؤدية إليها،
فربما يكون أحدا رآهما حين خطفتا.
جلس مصعب ليستريح قليلا بينما ذهب حاتم وأيهم
للبحث في بعض الدور في المنطقة.
طرقا باب ثلاثة أو أربعة دور فتلقيا نفس الإجابة
المخيبة للآمال في كل مرة بأن أحدا من أهل تلك
الدور لم يسمع شيئا عن شمس وبدور.
قال حاتم وهو يسير مع شقيقه مبتعدا قليلا عن الدار
الأخيرة التي سألا صاحبتها:
- تلك المرأة لم تشعرني بالارتياح يا أيهم.
سأله أيهم مستغربا: - لماذا؟
- ألم تر كيف اضطربت حين سألتها عن الفتاتين؟
عقب أيهم: - صحيح. حتى أنها أنهت الكلام معنا
وأغلقت الباب في وجهينا.
فتحت شمس عينيها على أصوات من بعيد لم تميزها
لتجد نفسها تحت عدد من الأغطية السميكة التي
حالت دون قدرتها على الحركة. جالت بنظرها في
تلك الغرفة البسيطة المشيدة من الطين والتي تشع
دفئا.
رفعت نفسها بصعوبة لتزيح الأغطية وقد استعادت
وعيها بما حولها فأسرعت بالوقوف قاصدة العودة لأهلها
لتدلهم على مكان بدور فيسرعوا لنجدتها.
أصابها دوار فعادت للجلوس فاقتربت العجوز منها وهي
تقول:
- حمدا لله على سلامتك يا ابنتي. أنا من وجدتك في
البستان ليلة أول أمس.
رددت شمس برعب: - أول أمس؟ هل بقيت يومين هنا؟
منعتها العجوز من الحركة وهي تقول: - كدت تموتين
بردا وما زلت متعبة فارتاحي.
عارضتها شمس: - يجب أن أعود لأهلي.
سألتهما العجوز باستغراب: - وما الذي أخرجك وحيدة..
لم تكمل العجوز تساؤلها حين قاطعها طرق على الباب
فنهضت لتفتحه.
- أخبرينا لماذا تكذبين؟ أنت تعرفين شيئا عنهما.
ارتجفت شفتا شمس وغرقت عيناها بالدموع وهي تسمع
صوت حاتم يكلم العجوز فصاحت وهي تنهض:
- حاتم!
جن جنونه حين سمع صوتها المستغيث وأبعد العجوز
ليدخل الدار وخلفه أيهم.
تقطعت أنفاسه سرورا وهو يراها أخيرا بينما راحت
دموعها تتساقط وهي تحمد الله على إيجاده لها.
سألتها العجوز: - أتعرفينهما؟ لقد ظننت أنهما من تسببا
لك بتلك الحال.
تساءلت نظرات حاتم وأيهم فأوضحت:
- وجدتها في البستان قبل ليلتين فاقدة للوعي،
وأطرافها مزرقة ومتصلبة من البرد.
اقترب حاتم أكثر من شمس وسألها ونظراته مضطربة: - ماذا حدث لك؟
- تشاجر الاثنان اللذان خطفاني فهربت. عبرت النهر
عن طريق الجسر ثم سرت متوغلة بين الاشجار، محاولة
إيجاد الطريق إلى بغداد كي أخبر أهلي بمكان بدور
لينقذوها.
راحت دموعها تتساقط فطمأنها حاتم:
- اهدئي. أهلك يبحثون عنكما منذ ليلتين. وهم في
مكان قريب من هنا.
قال أيهم مستعدا للخروج: - أعرف مكان ذلك التجمع
الواقع على الضفة الأخرى من دجلة. سأذهب لإخبار
والدك وأخويك كي نبحث عن أختك.
اعتذرت العجوز ثانية: - اعذراني يا ولدي فقد كنت
خائفة عليها منكما.
قال حاتم: - بل نشكرك لأنك اعتنيت بها.
وقالت شمس بامتنان: - لا عليك يا خالة. شكرا لك
على إنقاذي.
ناولتها العجوز عباءة سميكة وهي تقول:
- ارتدي هذه فالجو بارد في الخارج. وضعي هذا على
رأسك.
ارتدت شمس العباءة السميكة ولفت الوشاح الصوفي
على رأسها ثم عانقت العجوز شاكرة إياها وخرجت
مسرعة مع حاتم.
همس بصوت يرتجف عشقا وهما يسيران نحو جواده:
- كدت أجن قلقا عليك. حمدا لله على سلامتك.
شكرته نظراتها بينما آثر لسانها الصمت واستمر قلبها
بالخفقان قلقا على شقيقتها.
ركبت الجواد بينما سار يقوده وهو يحث الخطى عائدا
إلى حيث يوجد والده.

حين وصل أيهم إلى المكان الذي يتواجد فيه عمر
وباقي الرجال، هتف بالبشرى دون أن ينزل عن جواده:
- وجدنا شمس، وأرشدتنا لمكان بدور.
سجد الجميع من فورهم شكرا لله ثم تجمعوا حوله
متسائلين فأخبرهم بشكل مختصر عما حدث، فأصر
الشبان أن ينطلقوا وحدهم لإنقاذ بدور بينما ينتظر
عمر وياسر هنا لأنهما أنهكهما البحث خلال اليومين
الماضيين...
وها هو عمر يسرع نحو صغيرته التي وصلت لتوها
جالسة خلف مصعب على ظهر جواده.
ضمها بقوة وقلبه يحمد الله على عودتها ويدعو
لشقيقتها بالستر وسلامة العودة. عانقه حاتم ومصعب
مهنئين بينما عانق ياسر ابنة أخيه. انطلق حاتم ليلحق
بباقي الشبان بينما بقي مصعب مع عمر وياسر وشمس
بانتظار عودتهم ببدور.
ضم عمر ابنته وهو يسألها أن تحكي له ما حدث معها
وبدور فقصت عليه ما حدث ثم قالت تطمئنه مع أنها
كانت قلقة مثله:
- لا تقلق يا أبي. سيحفظ الله شقيقتي كما حفظني
من أيدي أولئك الأنجاس وتعود سالمة.

خرجت بدور من الخيمة للبحث عن آرجو وهي تشعر
بالذنب والحزن لقضائه الليلة الماضية الشديدة البرودة
خارج خيمته بسببها.
بحثت قريبا من الخيمة فلم تجده. وحالما سارت مسافة
قصيرة مبتعدة عنها، اعترضها مغولي ونهرها بكلمات
مغولية مشيرا إليها بالتراجع فرمقته بغيض وتمتمت:
- خسيس!
وما كادت تسير خطوة حتى جذب المغولي ذراعها وقد
فهم من ملامحها وطريقة كلامها أنها شتمته.
جرها خلفه فتملكها الرعب وصاحت بصوت عالٍ وهي
تحاول تخليص ذراعها من قبضته:
- آرجو! آرجو أنقذني.
نفس تلك الصرخة! لكنها كانت صرخة أمر له
بالابتعاد لينجو وليس للاستنجاد به. صرخة لو سمعها
أحدهم ولبّاها حينها لما حدث ما حدث لغاليته،
شقيقته الكبرى أولجي.
سار المغولي يجر بدور خلفه بعنف والغضب والرغبة
ترتسمان على وجهه وهو ينظر إليها ويضحك.
بعد لحظات، كان آرجو يركض نحوهما والخوف
والغضب يعمي عينيه فجذب ذراع بدور وحررها من
قبضة المغولي ثم راح يضربه بكل عنف وقوة.
حدقت به بدور بخوف وحزن وهي تشعر بألم روحه
بينما حاول رجل قريب منهم التدخل وتخليص رفيقه
من قبضة آرجو وضرباته فلم يفلح فذهب مسرعا ليبلغ
كبيرهم بالأمر.
ولم يفق آرجو من جنونه حتى صاحت بدور وهي تحاول
إبعاده عن الرجل:
- ستقتله يا آرجو. كفى أرجوك فلا أريد رؤيتك
تقتل.
نظر إليها فقالت بحزن: - لا أريد تخيلك كقاتل.
أغمض عينيه للحظة ثم نهض وجذب يدها وهو يهمس
لها: - يجب أنت هرب. يحبس آرجو، أنت في خطر.
تساءلت وهي تسرع الخطى وتسير إلى حيث يقودها:
- هل سيحبسونك؟
أومأ وهو يقودها لأقصر طريق للابتعاد عن التجمع.
- آرجو ضرب حارس.
كانت الطريق التي سلكاها وعرة قليلا لكنها الأقصر
والأقرب للطريق المؤدية إلى بغداد.
توقفا بعد مسافة ليلتقطا أنفاسهما التي شعرا وكأنها
انقطعت بسبب ركضهما المتواصل السريع. سألته
بكلمات خرجت متقطعة تتخللها أنفاسها اللاهثة:
- إلى أين سنذهب؟
- آخذك أهلك.
عادت تسأله باهتمام: - وأنت، إلى أين ستذهب؟
رفع كتفيه بلا مبالاة فسألته: - لماذا لا تبقى في
بغداد؟
لم يجب بل قال بابتسامة حنون:
- تصل أنت. آرجو لا مهم.
رمقته بامتنان وهي تقول بعينين دامعتين:
- بل آرجو أخي مهم.
ألم اخترق صدره لتلك الكلمة التي لم يسمعها منذ
رحيل أولجي. مع أنها باللغة العربية لا المغولية لكن
نظرات بدور وملامحها حين نطقتها محت الفارق بين
اللغتين.
ابتسم وعيناه تلمعان ببعض الدموع فقالت:
- كنت نعم الأخ. حميتني ورعيتني.
أخذ نفسا عميقا وهو يفكر " كأن القدر بعثك لي
لأفعل لك ما لم أستطع فعله لها يا صغيرة "
فجأة، تأوه وأمسك ذلك السهم الذي انطلق من حيث لا
يعلم وأصاب صدره.
جحظت عينا بدور وهي تنظر إليه حين هوى أرضا ثم
جثت قربه وهي تتلفت حولها بحثا عمّن أطلق ذلك
السهم.
بدأت أنفاسه تضطرب وجبينه يتصبب عرقا فقال:
- أهرب.. آرجو موت.
هزت رأسها نفيا وقالت بصوت باكٍ: - ستكون بخير
آرجو. أنت قوي.
هز رأسه نفيا وهو يقول: - اهرب! يأتي مغول.


نهاية الفصل العاشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قد ننسى - الجزء الثالث والأخير من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 10:34 pm

الفصل الحادي عشر

هزت بدور رأسها نفيا وقالت بصوت باكٍ:
- ستكون بخير آرجو. أنت قوي.
هز رأسه نفيا وهو يقول: - اهرب! يأتي مغول.
زاد نحيبها فلم تنتبه حتى اقتربت خطوات شقيقيها
وولدي عمها وأيهم منها.
اكفهرّت وجوههم حين رأوا دموعها التي تساقطت حزنا
على آرجو بينما نظر إليهم آرجو بقلق خوفا على بدور
منهم. التفتت إلى الخلف لتجدهم يحدقون بهما ورأت
القوس في يد زيد فعرفت أنه من رمى آرجو.
جذبها زيد لتقف وسألها وفي عينيه نظرة عتاب حادة
لم تغفل عنها: - هل أنت بخير؟
قالت والبكاء يخنق صوتها: - كنت بخير بفضله.
لماذا رميته يا أخي؟
حدق الجميع بها استغرابا فأضافت:
- لقد حماني من قومه وحافظ عليّ.
شعر غياث بألم اعتصر قلبه حين رأى حبيبته جاثية
قرب رجل آخر تبكيه ثم تعاتب شقيقها على رميه
بالسهم فابتعد مسرعا بحجة مراقبة الطريق.
فكر آرجو بابتسامة متعبة تناقض ألمه " الآن عرفت
سر بقائي في هذه الحياة البائسة. وكأن القدر أبقاني
فقط كي أحميك. وها هي حياتي تنتهي بوصول
اهلك "
انحنى زيد وعبيدة ليحملا آرجو ويضعاه على ظهر جواد
زيد فسألت شقيقها بقلق وهي ترى آرجو يغمض عينيه:
- هل سيشفى؟
أومأ زيد: - إن شاء الله. جسده قوي وسيتحمل حتى نصل
إلى أبي فيرى كيف يعالجه.
عانقها صهيب وهو يقول: - حمدا لله على سلامتك يا
مشاغبة. لم أكن أعلم أنني أحبك بهذا القدر.
حمد لها عبيدة وأيهم السلامة بينما كان غياث يقف
بعيدا موليا ظهره لهم والغيرة تتقد في صدره. أيعقل
انها أحبت ذلك المغولي الذي حماها وحافظ عليها؟
وماذا عنه هو؟ ماذا عن نظراتها نحوه وارتجاف صوتها
حين تكلمه؟
قال عبيدة: - فلنتحرك بسرعة فوجودنا هنا خطر.
ركب زيد خلف آرجو ليحمي جسده من السقوط
وركبت بدور الجواد خلف صهيب ثم أسرعوا، وحينها
فقط تحرك غياث من مكانه وتبعهم.
لم يكن يريد حتى النظر لبدور فقد شعر أنه الآخر
تلقى طعنة في صدره وليس فقط ذلك المغولي الذي
كانت تبكيه بحرقة حتى أنها لم تلتفت لكل الذين
جاءوا مخاطرين بحياتهم لإنقاذها. لم تلتفت حتى إليه
بل انشغلت بمعاتبة شقيقها لأنه أصاب المغولي.
لم يكادوا يتحركوا حتى وصل حاتم قربهم وانضم
إليهم وهو يقول بابتسامة:
- حمدا لله على سلامتها.
ردّ زيد: - سلمك الله. شكرا لإيجادكما شمس أنت
وأيهم.
وصلوا إلى حيث كان عمر جالسا وحوله ياسر ومصعب،
ينتظر عمر بلهفة عودة ابنته الصغرى وهو يضم
الكبرى وكأنه يحاول تعويضها بحنانه عما ألمّ بها من
فزع وبدفء أحضانه عما أصاب جسدها من برد تسبب
لها بحمى شديدة.
نهضوا لاستقبال الشباب بوجوه مستبشرة وهم يرون
بدور خلف صهيب على ظهر الجواد.
ساعدها عمر على النزول لتستقبلها أحضانه الحانية
وهو يقول بعينين دامعتين:
- حمدا لله على الذي أعادك لي.
قال زيد بابتسامة وهو يجيب تساؤلا قلِقا لاح في نظرات
والده: - الحمد لله الذي حفظها من الأنجاس بسبب هذا الرجل.
انتبه أخيرا إلى جسد آرجو المتدلي من الجواد، ولاحظ
الدماء على ثوبه فأسرع نحوه بينما وضعه عبيدة
وصهيب ارضا.
- إنه مغولي. من أصابه؟
قالها عمر مستغربا وهو يتفحص جرح آرجو فرد زيد
شاعرا بالندم:
- لقد رميته ظنا مني أنه يريد ببدور سوءا.
- هداك الله يا ولدي.
نظرت بدور نحو آرجو بقلق جعل غضب غياث يتزايد.
غضب من نظرة قلق حبت بها من حفظها وصان عرضها
ونسي كل تلك النظرات التي خصته هو بها طوال
الطريق، راجية أن يلتفت صوبها بنظرة حانية. وزادت
الطين بلّة بذلك السؤال المتلهف الذي أطلقته حين
انتهى والدها من فحص آرجو:
- هل سيكون بخير يا أبي؟
- حاله سيئة يا ابنتي لكن حاتم أحسن صنعا بربط
الجرح ليوقف النزف. فلنعجل بالعودة علّي أستطيع
بمشيئة الله إنقاذه.

قرع قلب زبيدة مع قرع الباب، وكذلك قلوب النساء
اللاتي لم يتركنها منذ رحل الرجال باحثين عن شمس
وبدور.
في كل مرة يطرق باب الدار، تخفق قلوبهن لكن
سرعان ما يخيب ظنهن فيكون الطارق عليّ والد عمر أو
حارس داره يتفقد احتياجات الدار. أما خديجة والدة
عمر وهاجر والدة مودة فلم تغادرا الدار منذ سمعتا
الخبر. قالت زبيدة بلهفة ورجاء وهي تسرع نحو الباب:
- قلبي يقول إنهم من بالباب ومعهم ابنتاي.
أسرعن جميعهن خلفها إلى الباب واللهفة والأمل
يسبقانهن حتى فتحت زبيدة الباب لتنهمر دموعها وهي
ترى ابنتيها محاطتين بذراعي والدهما.
دخل عمر بابنتيه يتبعهم الباقون فضمهما زبيدة لتبلل
ثيابهما بدموعها ثم عانقتهما الباقيات بينما أسرع
حاتم وأيهم وخلفهما مصعب ليدخلا آرجو جناح
الضيافة وتبعهم عمر وهو يوصي صهيب بإحضار أدواته
الطبية.
لم تتوقف دموع زبيدة حين استمعت لابنتيها وهما
ترويان ما حدث لهما منذ اختطفهم المغول حتى
وجدهما الرجال.
عانقتها مودة وهي تقول هامسة بينما انشغلت الفتاتان
بالحديث مع رفقة وحوراء:
- كفى بكاءً فقد عادتا سالمتين. والحمد لله الذي
حفظ عرضهما. إحداهما بتيسير هربها وأخرى بذلك
المغولي.
ربتت سمراء على ذراعها وهي تقول: - الحمد لله الذي
أقر عيوننا بعودتهما.
مسحت زبيدة دموعها وهي تردد كلمات الحمد ثم قالت
لمودة باستغراب ونظرة حزن في عينيها:
- حين كنت أرتجف قلقا وذعرا خشية أن تكون ابنتي
قد تعرضتا لانتهاك عرضهما.. حينها فقط عرفت كيف كان شعور جدي وعميّ الفاروق والفضل رحمهم
الله حين عرفوا أنني شُريتُ كجارية. وقد تذكرت
قبل قليل حال عمي الفاروق وغضبه وأنا أترقب معرفة
ما يزيح هم صدري من ابنتي ويؤكد لي سلامتهما.

نظرة سرور وفخر حانت من مصعب نحو حاتم وهو يراه
يساعد أستاذه عمر في معالجة
آرجو بمهارة. التقت نظراتهما فابتسم حاتم سعيدا
بعودة علاقته مع والده على ما كانت عليه قبلا بل
وأفضل ثم استغفر وقد شعر بالندم على جفائه لوالده
تلك السنوات الثلاث.
بعد مدة، استأذن مصعب كي يغادر وأهله فقال عمر
بينما كانوا عند الباب بانتظار خروج سمراء وحوراء
من داخل الدار:
- لقد غمرني فضلك وولديك يا أبا حاتم.
ربت مصعب على ذراع عمر وهو يقول: - الفضل لله الذي
أعادهما سالمتين.
تعانق الرجلان فابتسم ياسر وهو يتذكر لقاءاتهما
العاصفة في السابق.
بعد مغادرة مصعب وعائلته، دخل عمر الدار مع والده
وشقيقه يتبعهم أولادهما.
كانت شمس في غرفتها، ترتاح في سريرها فقد
أنهكتها الحمى وتعب الطريق بينما جلست بدور قرب
والدتها التي لم تنفك تضمها كل حين وهي تحمد
الله على سلامتها وشمس.
التقطت عيناها وجهه من بين الجميع وخفق قلبها شوقا
له وقلقا من تجنبه النظر إليها. إنه حتى لم يحمد لها
السلامة ولم يقل لها كلمة واحدة.
أما هو فقد كان هادئا صامتا كعادته لكن ما زاد
عليه هو ذلك الاستياء الذي ظهر على محياه من خلال
تقطيب جبينه.
سألت زبيدة زوجها باهتمام عمن كان سببا في الحفاظ
على غاليتها فأصغت بدور بقلق وهي تشكر والدتها في
نفسها على طرح ذلك السؤال الذي منعها الحياء من
طرحه على والدها للمرة الثالثة.
أجاب عمر بقلق: - حاله صعبة وقد أوقفت نزف جرحه
بصعوبة.
عادت زبيدة لتسأل: - هل أفاق؟
- كلا. لقد استسلم لنوم عميق بسبب وهن جسده،
فقد عانى كثيرا حتى أوصلناه إلى هنا. يجب أن نهتم
به جيدا خلال لأيام القادمة علّه يتعافى.
دعت مودة: - فليحفظه الله كما حافظ على ابنتنا.
آرجو، آرجو! الكل يتحدث عنه. ضاق غياث ذرعا
بذلك الـ آرجو فقال لعمه بلهجة بدا فيها الاستياء
واضحا:
- وهل سيبقى هنا يا عماه؟ إنه غريب عنا.
رمقه الجميع باستغراب فهم لم يعتادوا الحدة في لهجته
خاصة حين يحدث من هم أكبر منه سنا فهو مثال
التهذيب وحسن القول والعمل.
رمقه ياسر بنظرة حادة بينما قال عليّ بنظرة عتاب:
- لن يترك عمك ذلك الغريب في داره وحيدا.
قال عمر: - سألازمه حتى يشفى ويغادر الدار.
خجل غياث من تهوره وقال معتذرا:
- عذرا يا عماه. ما عنيته..
قاطعه عمر بابتسامة صغيرة: - لا بأس يا بُنَي.
ابتسامة صغيرة لاحت على شفتي مودة بينما أخفت
بدور الفرحة في صدرها كما أخفت ابتسامتها
بصعوبة.
" أيغار عليّ من آرجو؟! عدم حديثه معي واستياءه
واعتراضه على بقاء آرجو في دارنا، كلها تقول هذا. هل
ظنّ أنني مهتمة بآرجو حين رآني أبكي عليه عندما
أصيب وأسأل عنه بقلق؟ ما أغباه من ظن! تصورت أنك
أذكى من ذلك يا ابن العم. لكن المهم أنه يغار عليّ.
أي أنه يحبني "

أفاق آرجو وتلفت حوله لينهض مسرعا فيعود ليجلس
وقد مزق الألم صدره بسبب حركته المفاجئة. نظر إلى اللفافات التي غطت جرح صدره ثم جال بنظره في
الغرفة.
نهض بهدوء وحذر ثم خرج من جناح الضيافة ليبحث
عن أحد يفهم منه ما حدث.
" لا بد انني في دار بدور. ولا بد ان والدها الطبيب هو
الذي عالجني "
نادى بالاسم الوحيد الذي يعرفه من أصحاب الدار:
- بدور! بدور!
ابتسمت بسرور وهي تسمعه ينادي اسمها بينما كانت
في المطبخ تعد له الفطور الذي أوصى به والدها كي
يتناوله حالما يصحو.
أسرع عمر خارجا من البهو حين سمع صوته ينادي
فالتقته بدور عند الباب ورجته:
- هل تسمح لي بالخروج يا أبي؟ أريد الاطمئنان عليه.
رمقها عمر بعدم رضا فتساءلت: - هل ستخاف عليّ وأنا
معك ممن كنت وحيدة معه لثلاثة أيام فكان خير
أخٍ لي؟
قال بعد تردد: - أحضري طعامه وتعالي.
- بأمرك يا أبي.
قالتها بسرور وأسرعت إلى المطبخ بينما ابتسم عمر وهو
يفكر " غلبتني تلك المشاكسة بالمنطق"
حالما اقترب عمر من آرجو قرب باب جناح الضيافة،
بادره بالقول:
- كيف تنهض من فراشك؟ أنت مصاب وجسدك
متعب.
أجاب آرجو مبتسما: - أنت أب بدور؟
- نعم. تعال لترتاح وأتفقد جرحك.
دخلت بدور تحمل الطعام ونادت والدها تستأذنه
للدخول عليهما. أذن لها فدخلت فبادرها آرجو بابتسامة
صافية كتلك التي زينت وجهها.
- حمدا لله على سلامتك.
سألها مبتسما بدوره: - كيف أنت؟
- بخير. كيف حاله الآن يا أبي؟
- هو بخير إن شاء الله. لقد تحسن قليلا. لو لازم الفراش
واتبع ما أقول فسيشفى خلال أيام بإذن الله.
" كم يذكرون إلههُم في حديثهم! "، تساءل آرجو وهو
يشرع بتناول الطعام الذي قدمته له بدور قبل أن
تخرج.
سأله عمر: - ماذا ستفعل بعدما تشفى يا آرجو؟ لن
تستطيع العودة لقومك بعدما حدث.
رفع كتفيه ورد على سؤال عمر: - لا يعرف.
فكر عمر ثم اقترح عليه: - لماذا لا تبقى في مجلسي
حتى تستقر على رأي وتعرف ما الذي تريد فعله؟
استحسن آرجو الفكرة. فمع العداء الذي بين قومه
والعرب إلا أنه شعر بالراحة وهو يجالس عمر الذي لم
يشعره انه عدو بل العكس. فقد شكره وأبدى امتنانه
لحمايته بدور.
أومأ آرجو موافقا فقال عمر: - حسنا. حالما تتحسن
سآخذك إلى هناك.

ابتسم مصعب وهو ينهض لاستقبال عمر في دكانه
الكبير في السوق بينما حدق به نوار بدهشة وكأن
عيناه لا تصدقان ما يراه. نفس الدهشة التي أصابته
حين أخبره مصعب بتلك المصيبة التي تعرض لها عمر - والتي سمع بها سلفا من ابنته نجلاء - فكانت سببا
لمحو ذلك العداء الذي استمر سبعا وعشرين سنة.
ألقى عمر التحية على نوار وجلس. وبعد تبادل التحية
والسؤال، استأذن نوار بعد قليل تاركا لهما حرية
الحديث.
- أرجو أن تشرفني وأهلك ظهر الغد في داري. سأقيم
بإذن الله وليمة لأجل سلامة ابنتيّ.
قال مصعب بسرور: - أنا من تشرف بهذه الدعوة يا أبا
زيد، وسنحضر إن شاء الله.

كم من القلوب تاقت لمجيء ذلك اليوم! وكأنها دعوة
للسعادة لا لطعام وليمة!
دخلت حوراء وقلبها يخفق ترقبا عسى أن ترى زيدا بعد
كل تلك الأيام التي لم تره فيها فقد التزم كلاهما
بعدم لقاء الآخر بعدما رأتهما سمراء ذلك اليوم.
وكان هو الآخر يخطط ويدبر لقاءا - ولو قصيرا - بها
خلال وجودها في الدار.
ودخل حاتم وهو يتساءل عن حال حبيبته التي أنهكها
المرض في الأيام الماضية بسبب ما تعرضت له من برد.
وتتساءل هي الأخرى عنه وتتمنى لو تراه ولو من بعيد
فتقف كل حين قرب إحدى النوافذ المطلة على الباب
الخارجي للدار علها تراه لحظة دخوله.
وبدور، تترقب تلك اللحظة التي سترى فيها غياثها عن
قرب اليوم فتحاول الحديث معه.
وصهيب، ذلك العاشق الذي ابتلي بحب من تراه أخًا،
يدعو بقلب شغوف أن تتاح له الفرصة اليوم للحديث
معها منفردا.
في جناح الضيافة، جلس آرجو بعدم ارتياح وسط كل
ذلك العدد من أقارب عمر ورفاقه المقربون الذين
حضروا الوليمة. كان بعضهم يرمقه باستغراب لشهامته التي لا يتصف بها المغول من بني قومه. وآخرون
امتعضوا من إبقاء عمر له في داره والسماح له بحضور
الوليمة ومجالستهم، فرموا آرجو بنظرات حادة تعبر عن
بغض وكراهية فهو مهما فعل يبقى مغوليا معتديا.
انتبه عمر لعدم ارتياحه فنهض ليجلس قربه حيث
كان في مكان منعزل من بهو الضيافة.
ربت على يد آرجو الذي رمقه مستغربا جلوسه قربه
وتركه ضيوفه. ابتسم له عمر ورفع صوته الجهوري
ليجذب انتباه ضيوفه:
- أهلي ورفاقي.. أشكر تلبيتكم دعوتي والحضور
لمشاركتي سعادتي بعودة ابنتيّ سالمتين.
أحاط كتفي آرجو بذراعه وأضاف وسط دهشة البعض
واستياء البعض الآخر:
- وأشكر آرجو الذي جعله الله سببا في حفظ ابنتي.
لولاه لما كنا مجتمعين هنا، نتشارك الفرح بعودة صغيرتي بدور سالمة. لقد حافظ عليها وجازف بحياته
وانتمائه لقومه لينقذها منهم.
لم يطق أحد الضيوف من أقارب عمر صبرا فاعترض
ممتعضا: - لكنه مغولي بعد كل شيء يا ابا زيد!
نكس آرجو رأسه معترفا بفداحة افعال قومه مع العرب
ومنحهم العذر في غضبهم منه لكن عمر قال بحزم
يغلفه الهدوء:
- لا يختار المرء قومه ونسبه. ما يختاره بإرادته هو
أفعاله واخلاقه. وما رأيت من هذا الفتى خلال الأيام
التي مكث فيها هنا في داري سوى كل خير. وإني والله
لآمنه على أهل بيتي فقد حافظ على ابنتي وهي عنده،
وحيدة بلا سند يحميها فكان خير سند وأخ لها.
أول مرة يشعر آرجو ان قلبه ضعيف، يضطرب بسهولة.
لطالما كان صلبا قويا - إلا فيما يتعلق بأولجي -
غاليته. لكن ها هو يرتجف سرورا وفخرا وتدمع عيناه
امتنانا لتكلك الكلمات التي قالها عمر في حقه
فأسكت الجميع بها.
ليت غياث كان حاضرا ليسمع تلك الكلمات من عمه
فتهدأ نار غيرته ويوقن أن ما تحمله بدور لآرجو ليس
سوى محبة اخوية! لكنه كان في المطبخ مع عبيدة
وزيد وصهيب لجلب طعام الوليمة.
عانق آرجو عمر بمحبة وقوة فربت عمر على ظهره ثم
نهض.
كم أحب عمر خلال الأيام الماضية! هذا الرجل الذي
شعر معه وفي داره بدفء العائلة التي حرم منه منذ
صغره. ابتسم وهو يذكر بشاشة صهيب وقضاءه الوقت
معه في الحديث كي لا يشعر بالسأم. وتذكر اعتذار
زيد منه لمرات كثيرة لم يستطع إحصاءها على رميه
إياه بالسهم.
قال حاتم بفخر وهو يراقب عمر: - هذا هو أستاذي! لقد
أفحمهم فحاروا جوابا.
اقترب عمر منه حيث كان يجلس وقربه والده وجده
جابر وأيهم. جلس قرب مصعب وهو يقول:
- مهما قلت من كلمات الشكر والامتنان فلن أفي أبا
حاتم وولديه حقهم. حالما سمعوا بما حدث وقفوا
بجانبي، تماما مثلما فعل أخي ياسر وولديه فكانوا نعم
الأهل والسند في المحنة.
ربت مصعب على كتف عمر وقال عليّ والد عمر بلهجة
عتاب مخفي لمن تقاعس من الأقارب عن الوقوف بجانب
ولده في محنته: - الشدة تظهر معادن الرجال يا ولدي.
قال مصعب وهو يشعر بالحرج:
- ما فعلنا سوى الواجب. أما عن حاتم فهو ولدك
تلميذك وبمقام ولدك.
قال عمر: - نعم الولد هو. لقد أنقذ ابنتي شمس مرة
وهب لإنقاذها وشقيقتها ثانية، فكيف أكافئه بما
يستحق؟ اطلبا ما تريدان وسألبي إن شاء الله.
تلك الجملة الأخيرة التي قالها عمر، جعلت قلب حاتم
يتخبط في صدره..

نهاية الفصل الحادي عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى