روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

قلوب آثمة ( هالة حمدي )

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

قلوب آثمة ( هالة حمدي )

مُساهمة  هالة حمدي في الأربعاء سبتمبر 26, 2018 10:16 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
مبارك علينا المنتدي الجديد يا رائعات ..



احب اعرفكم بنفسي الاول .. هالة حمدي .. لم يمر من عمر كتاباتي سوي عام واحد ..
ابتديت برواية قلوب آثمة اللي هعرضها عليكم النهاردة اتمني تعجبكم ♥️♥️

ملخص الرواية
مهما ظننت أن باب التوبة قد يغلق
فأنت مخطئ..
عد ..
واندم ..
ستمضي نحو الفلاح ♥️



رابط التحميل


mediafire.com file/237dyviike6ijqj/قلوب_آثمة-_هالة_حمدي.pdf

*****************************************

الفصل الأول




" بداية الآثام "




" ماذا فعل لي وأنا بهذه المحنة .. أين كان وأنا اتألم بسببها .. أين كان أخبريني ! "
" و أين كنت أنت من تعاليمه .. أين كنت من أوامره ونواهيه .. هل أستمعت لكلامه .. زوجتك تصلي ؟ "
" لا .."
" و زوجتك الأخري.. ! "
" لا "
صمتت سما وهي تنظر أرضا فكيف ستقنع أخيها الذي يكبرها بعامين أنه مخطئ .. ليس مخطئ بأمر عادي وانما هو مخطئ في عقيدته كمؤمن أو بالأصح كمسلم .. هو حتي لم يحقق فرض ايمانه بالله .. قالت بضيق
" حبيبي وحد الله ..."
" لا "
نظرت سما لعينية بجدية قائلة
" كريم .. وحد الله "
قال بعين ثابتة تنظر للفراغ
" لا أستطيع .. لا أستطيع نطقها .. لا أريد أن أنطقها .. أتعلمين أنا أكره الذهاب اليه .. لا أطيق سماع الآذان لا أصلي كزوجاتي الأثنتين .. الجمعة الماضية عندما أتيت اليك لم أستطع المكوث بالمسجد لأصلي الجمعة .. كنت أريد المغادرة في الحال .. "
ظلت سما تتلقي الصدمات واحدة تلو الأخري أهذا أخيها !.. أخيها الذي أعفي لحيته ست سنوات متواصلة .. لم يقرب التدخين وقد كان شرها في تعاطيه .. أهذا أخيها الذي تربيت معه ببيت واحد ؟ .. رضعا سويا من نفس الأم .. تربيا معا بين يديها ..أهذا أخيها حقا أم هي في حلم تود ان تستفيق منه سريعا ؟ .. قالت
" أتعلم ان وافتك المنية الآن ستكون مذنبا كريم "
ثم قالت بصوت مرتفع ناظرة للغرفة المقابلة حيث أولادها الذين يتابعون الكارتون بناء علي رغبتها في حجب أولادها عن أخيها كي يتحدثا بهدوء
" مالك .. صل علي النبي "
أتاها صوت مالك من غرفته قائلا
" اللهم صل علي النبي "
كان هذا رد مالك ابن السبع سنوات ... توجه مالك اليها قائلا متخذ الأمر وسيلة لملاطفة والدته
" صلي علي النبي ماما "
رددت خلفه
"اللهم صل علي النبي "
نظر مالك لخاله قائلا
" صل علي النبي خالو "
نظر كريم الي ابن أخته .. ولم ينطق فأعاد الطفل طلبه ..وأعاد كريم صمته ..
قالت سما مربته علي كتف ولدها
" أذهب الآن مالك حبيبي .. "
انصاع الطفل لأوامر والدته وعاد لغرفته حيث أخته جني التي تكبره بعامين .. نظرت سما لأخيها بحزن
" صغيري يطلب منك صلاة واحدة علي النبي ولم تجبه .. اتقي الله يا أخي ..."
نظر كريم اليها عابسا وهو يقول صارخا
" هل هو موجود ؟ اذا لماذا لم تحل مشكلاتي ؟ ..أعلم أني يوما ما سأموت كافرا "
أجابته سما بغضب .. بعد أن أنتبه أبنائها لصراخ خالهم ..فردت عليه بصراخ مماثل
" غادر الآن .. ألم تكن تود الرحيل .. اذا هيا .. ..لن أبني قيما وأرسي قواعدها في نفوس صغاري لتهدمها أنت بصراخك هذا .. أنت تعلم نهايتك جيدا لكني لا أريد لهم نهاية مثلك .. غادر بيتي كريم"
بالفعل قام كريم من مجلسه متوجها لباب المنزل مغادرا بهدوء ..نظرت سما في أثره .. تنظر ولا تنظر .. تري الباب ..ولا تراه .. كان مموها وهو يتخلل دموعها .. لقد تغير حال أخيها تماما بعد زواجه من امرأة أخري .. لم يكونا الأثنتين خيرا من بعضهما بل أسوأ .. كل واحدة تجذب فيه من جهتها حتي تمزق بينهما وهذا ما حذرته منه بداية .. ألم يكذب عليها قائلا
" سأقيم العدل بينهما سما .. كما سأنفق هنا سأنفق هناك .. كما سأبيت هنا .. سأبيت هناك .. لا تقلقي ..كوني معي أنت وزوجك وقت تقدمي لها ..لن أذهب لبيت عائلتها دونك .. أنت عائلتي .. شرفيني بقدومك أختي ..."

وبعد الحاح شديد ومحاولات عديدة لأقناعها علي مدار شهور انصاعت لأمره .. وصدقت كذبه لأنها كانت تلمس معاناته مع زوجته الأولي ...عدم نظافة .. اهمال ..ولديه بالشارع ليلا ز و نهارا .. تربية تكاد تكون معدومة .. وعدم عناية تامة لا بزوج .. ولا بطفل .. عاشت سما معاناة أخيها خطوة بخطوة ... حتي نظافة زوجته الشخصية لم تكن تهتم بها ... حتي في لحظاته الحميمية معها ينفر منها ... هكذا علمت منه .. وهكذا قص لها الأمر .. هكذا حاز علي موافقتها في أمر زواجه بأخري ... وياليتها ما وافقت ....





" أستاذتي رحيق هي من علمتني هذه الكلمات أمي "
ابتسمت حنان قائلة لأبنها ذو الست أعوام
" و ماذا تعلمت منها أيضا زياد ؟ "
" قالت لي لا أكذب .. وألا أخاف من أحد .. وأن الكذب لا ينجي أبدا "
أنتبها لصوت اغلاق باب منزلهم .. التفتا الي ماجد .. جرت نحوه هي و زياد ففاجئهم ماجد قائلا
" يبدو أن معلمتك مجتهدة زياد .. "
ثم غمز لأبنه قائلا
" هل هي جميلة ؟ ... أثق برأيك ؟ "
ابتعدت حنان عنه بعد أن كانت بين ذراعيه مرحبة بعودته من العمل ...قائلة
" وان كانت جميلة ..؟ "
جذبها اليه ثانية وهو يحمل زياد بيده الأخري .. قائلا
" وهل هناك من هي أجمل منك .. يكفيني هذا العناق الدافئ "
قبلت وجنته متقبلة مشاكسته التي لا يكف عنها .. أما الصغير فيبدو أنه لم ينته بعد قائلا
" مس رحيق أحلي من أمي أبي .. شعرها ناعم وطويل ... و .. "
وضعت حنان يدها علي فم الصغير ناظرة لأعلي قائلة
" رحماك ربي ..كيف سأجاريكم الآن .. أصمت زيزو من فضلك .. هيا لتساعدني لتحضير المائدة .. ألا تشعر بالجوع ؟ "
ثم أخذته من والده الذي كان يحمله منذ عودته من الخارج واضعة اياه أرضا قائلة
" اتبعني ... "
أنصت زياد لأمر والدته فتبعها بصمت .. بينما جلس ماجد علي الأريكة ممددا قدمية والأبتسامة تشق طريقها الي شفتيه .. كم يحب اغاظتها .. زوجته شيقة جدا في غضبها لكنها لم تمتعه هذه المرة ... بل أمتعه زياد ... فيبدو أن الأطفال هذه الأيام ليسوا كما الماضي ... تري هل مس رحيق شعرها ناعم ... وطويل كما أخبره زياد .. تري ما لونه .. مسح علي وجهه بمرح قائلا لنفسه
" ان علمت حنان ما يدور بخلدي الآن سأكون عبرة لمن يعتبر ... وما بها حنان ؟... شعرها مجعد ... اممم .. ليس كثيرا .. لكن عند اهتمامها به في الأعياد بصبغه وفرده يصبح افضل .. وهل شعر حنان المجعد سيجعلني رجل لعوب ؟... لالالا "
أغلق افكاره عند هذة النقطة وقام ليأخذ حماما دافئا قبل تناوله للغداء





تناولت قهوتها الصباحية .. الوقت ما زال مبكرا علي الصداع الذي يهاجمها الآن .. لم تنم جيدا بالأمس كعادتها ... ولداها الصغيران يثيران جنونها دوما .. هذا أخذ لعبتي .. أنا أريد التاب لألعب .. والأنكي من ذلك مشكلاتهم في مدارسهم التي أصبحت ملفتة .. فأول أمس عاد اليها أحمد ولدها الأكبر بكارثة قام بها في مدرسته وهو يستمع لصديقه بأن يسرقا أحد زملائهم .. خططا واتفقا ونفذا .. وعندما علم زميلهم بأمر سرقته أخبر مديرة مدرستهم .. التي بدورها علمت الفاعل .. استدعتها هي وولية أمر صديقه الذي خطط معه لجريمته ... وهكذا نالت ما تستحق من تقريع بسبب ولدها المشاغب ..وجواب بالفصل مده خمسة أيام لصغيرها عن المدرسة .. لم تصدم من تقريع المديرة .. ولا من فصل صغيرها قدر ما صدمت من تصرف ولدها الذي ربته علي يجوز أو لا يجوز ..منذ وفاة والدهم وأصبحت هي الأم والأب ..لم تدخر جهدا لتربيتهم تربية سليمة .. هي التي بالواجهة دوما ان أخطأوا هي الملامة .. وان أحسنوا فهي مصادفة قطعا و ليس بسبب مجهودها معهم ... هكذا وضعها أهل زوجها في دائرة لا تنتهي من الثواب والعقاب .. وهكذا وضعت هي نفسها في شرنقة لا يمكن الفكاك منها بتأنيب وجلد الذات علي الدوام .. فهي دوما مقيدة ...


" الأطفال بدأوا في القدوم سيدة رحيق .."
هكذا ابلغتها عاملة الحضانة التي استأذنت ودلفت اليها لتخبرها بتوافد الأطفال .. أومأت برأسها قائلة
" أريد مسكنا للصداع .. هلا أحضرته لي ؟ ... "
انصرفت العاملة كي تلبي طلب رحيق .. لم يكن بالحضانه سواها الآن .. خرجت من مكتبها وبدأت بالتعامل مع الاطفال واستقبالهم من آبائهم حتي تعود العاملة .. نظرت حنان الي رحيق وهي تتقدم اليها بصحبة زياد
" صباح الخير سيدة رحيق .. "
استقبلتها رحيق بأبتسامة متناولة زياد بيدها من والدتة
" مرحبا سيدة حنان ... أهلا زياد .."
لوحت حنان بود لزياد مودعة اياه منصرفة بعد أن استلمته رحيق منها .. أعطتهم ظهرها منصرفة عائدة للمنزل ...
التفتت رحيق الي زياد قائلة
" كيف حالك زياد .. هل أنجزت واجباتك ؟ "
اومأ برأسه مجيبا بنعم .. أوصلته لحجرة الدراسة وعادت لمكتبها بعد عادت العاملة ومعها المسكن




عصرا

ذهبت رحيق بعد أن أنتهي يوم عملها الي مدرسة صغارها ... انتظرت بهدوء حتي ينضموا اليها .. أقبل الولدان عليها ضاحكين .. احتوت ضحكاتهم وضمتهم اليها عائدة بهم للمنزل .. لم تنس أن تجلب بعض مستلزمات المنزل في طريق العودة .. هي تنهك نفسها .. نعم تنهك نفسها بشدة .. تود أن تغرق نفسها بأي شئ كي تهدئ من ضغوط حياتها .. لا تهتم أن تزيد من مسئولياتها المادية كي تهرب من مسؤليات نفسية ملحة .. فبعد وفاة زوجها أصبح لها العديد من الأزواج ...أخيه.. أخته.. زوجة أخيه ..ابنة أخيه .. أصبح الجميع الآن من عائلته له الحرية في أقتحام حياتها ..
تذكرت في أول أسبوع مر علي وفاة زوجها .. كان أهله يبيتون عندها بحكم العادة ...كلمات أبنة أخ زوجها رحمه الله البالغه ثمانية عشر عاما تفتح خزانتها .. تنظر الي ملابس نومها قائلة
" أتحتاجين هذة الأشياء خالتي ؟ ..."
نظرت لها رحيق وقالت بأرتباك
" أتريدين شيئا منها ؟ .."
لم يمر علي وفاة زوجها الا أسبوعا واحدا .. وتتكلم معها طفلة بهذة الطريقة .. هي لن تلبس هذة الاشياء قطعا ... وهي لن ترميهم أيضا .. لكنها ارتبكت لم تعرف بم ترد علي طفلة جريئة هكذا ... ثم نظرت لطاولة الزينة بأنبهار قائلة
" وهذه العطور ... وأدوات التجميل .. هل تريديها بعد الآن ؟ .."
احمر وجه رحيق غضبا وهي تقول
" هذه الأشياء للنظافة الشخصية يا صغيرة لا يشترط وجود زوج أم لا لأستخدمها ... اليك هذه ستناسب ذوقك "
أعطتها رحيق زجاجة عطر علها تصمت .... ذكريات ذكريات ... وما أصعبها وما أشق عليها من استرجاعها

بعد وفاة زوجها بشهور عرض عليها الكثير من أصدقائها ومعارفها الزواج مرة أخري ..فهي أرملة صغيرة في الثامنة والثلاثين أم لطفلين أكبرهم عشر سنوات .. كانت في بادئ الأمر تعترض الي أن أخبرتها سما أنه لا شرع ولا عرف يمنع زواجها ..سما هي ابنة أخ زوجها رحمها الله الكبير ..تصغرها بعشرة أعوام .. بينهما تقارب في الفكر ..وعمر صغارهم متقارب .. تتذكر كلمات سما جيدا عندما أخبرتها بوجود خاطب جديد
" لا أري ما يمنع زواجك مرة أخري رحيق .. أمنحي نفسك فرصة أخري للحياة وفاة عمي كان قدرا .. ان واتتك فرصة تتناسب معك ومع أطفالك لم لا ؟ .."
كان رد رحيق تساؤل
" والناس وأهلك ..؟ ماذا سيكون رأي عمتك سما .. زوجة عمك .. والدك وعمك الآخر .. الأمر محرج ... "
"لا تهتمي رحيق .. هل هؤلاء الناس من يبيتون معك ليلا وانت وحيدة بصغارك .. هل يهتم أحد منهم بتربيتهم .. أنت بحاجة لمن يساعدك .. لمن تلقي عليه بثقلك دون ان يتذمر .. أنا أدعمك رحيق سأقف خلفك في أية قرارات تتخذيها "
انتبهت رحيق لواقعها بصراخ محمد الصغير بعد أن دفعه أخيه الأكبر فأصطدم بالحائط نازفا من أنفه ..عادت توا بهم من الخارج .. لم تكد تجلس لتستريح فتشرد بذهنها عنهم حتي قاموا ليتصارعوا معا كعادتهم .. قامت مسرعة بولدها الي الحمام تغسل دمه .. تسند رأسه للوراء لايقاف الدماء .. عادت به من الحمام .. جلست به علي الأريكة .. ناظرة لأحمد الكبير وهو يلتصق بالحائط خوفا من عقابها ... أشارت اليه بأن يأت اليها ...لا تعرف هل تعنفه أم تحتضنه .. تألمت لنظراته اليها .. نظرة طفل خائف .. طفل فقد والده في سن كهذه .. لم تسيطر علي دموعها بعد أن اخذتهم بين يديها .. لينعموا بدفئ صدرها وحنانها .. أخذت تعبث برأسيهما الي أن ناما ... حملتهم واحد تلو الآخر .. دثرتهم بالغطاء مغادرة الي غرفتها ....

تناولت هاتفها وجدت رسالة علي أحد برامج التواصل الاجتماعي
" أين أنت ..؟ "
كان هذا وليد .. صديق زوجها يطمئن عليها وعلي صغارها .. كتبت له
" أعيش .. بين العمل والصغار .. لقد أرهقت وليد .."
وجدت رده سريعا
" ماذا حدث ؟ .. هل تأذي أحدهم ؟ "
" المعتاد ...مصارعة أسفرت عن أصابة أحدهم بنزيف أنفه .. حمدا لله لقد نامو أخيرا "
أجاب بسرعة كعادته
" لو كنت أعلم أن زوجك سيموت بسرعة هكذا لما تزوجت رحيق ؟ "
ردت وقد اعتادت الأمر
" انه القدر وليد .. لا تهتم .. "
" تعلمين معاناتي مع زوجتي ... فلتقبلي بي زوجا .. كوني زوجة ثانية لي رحيق "
ابتسمت وهي تكتب
" ألا تمل أبدا ألم أرفضك من قبل ... أنت متزوج وأبنتك لازالت رضيعة ومشكلاتك مع زوجتك تحل وليد ..ليست مشكلات طلاق ... لن أقبل أبدا أن أهدم حياتك "
تنهد وليد وهو يداعب أبنته التي أعتلت صدره وهو مستلق أمامها ...
" حقيقة مشكلاتي تحل .. مشكلات تافهه .. زوجتي الي الآن بالعمل تاركة لي جودي لأهتم بأمرها ... أغير وأنظف وأغسل صحونا أيضا ... "

لم تمنع نفسها من الابتسام وهي تكتب

" لا تنس ارضاع طفلتك .. اهنأ بواجباتك الأبوية ... احتاج الآن الي النوم ... الي اللقاء "
واغلقت البرنامج دون ان تنتظر رده .. رغم سماعها نغمة وصول رساله جديدة الا انها لم تفتحها ...هي تعلم أنها مخطئة .. تعلم انه لا يجوز ما تفعله ... لكن الوحدة تكاد تفتك بها

قد عاد أخيرا لبيته الثاني بعد أن تعلم أخيرا أن الصفعة لن تأت من زوجته الأولي بل ستكون من الثانية ... دخل بيته وجدها جميله .. تسبقها رائحتها العطرة ..اقترب منها مرحبا بها حاملا ابنته الصغيرة التي لم تتعد العام والنصف .. لم يتبادلا الكلام بل نظرات فقط .. نظرات شوق من جانبه .. ونظرات لوم رقيق من جانبها ..قبل ابنته متجها للحمام لينظف جسده الذي اتسخ ببيته الاول ..تحت المياة الدافئة اخذ يتذكر حديثها

" أنا من أزلت الوسخ عنك.. أنا من أعاد بناءك .. أنا من جعلتك رجلا بحق .. تسرقني.. "
ظلت الكلمات تمر بعقله وتصفعه علي وجهة لتؤلمة بشدة .. لم يكن يعلم أن للكلمات صفعات .. صفعات مؤلمة تترك أثرا بفؤاده .. هي فقط لم تهن رجولته .. بل أتهمته أيضا بالسرقة .. كان هذا سبب غضبته في المرة الأخيرة ..تدخلت سما لحل الأمر بينهم .. مر شهر كامل وهو يبيت عند زوجته الأولي التي لا تعلم شيئا .. لا تعلم شيئا عن زواجه .. لا تعلم شيئا عن مشاكله مع الأخري ..لا تعلم أي شئ عن مساعيه لحل الأمر كي لا يمكث معها أكثر ... تذكر الشهر المنصرم الذي قضاه مع زوجته الأولي بين صغاره الذي بالكاد كان يراهم .. فقد أصبح مثل الثور الذي يدور ويدور حول نفسه .

أغلق صنبور الماء متناولا المنشفه ... انتهي من ارتداء ملابسه ... خرج ليجد ابنته نامت وزوجته تنتظره .. أغلق النور واستلقي علي ظهرة مغمضا عينيه لينعم بنوم هادئ وسرير نظيف ورائحة عطرة تفوح جواره ...

لا تنكر انها آذته .. وجرحت رجولته .. لا تنكر أنها تحب قوتها وتحب سيطرتها عليه .. كان لابد أن يعلم أن هذا البيت يلزمة مصاريف ورعاية واهتمام .. لم تقبل بأن تكون زوجة ثانية الا بشروط وهي أن يظل بيته الأول قائم دون طلاق .. لم تكن ظالمة معه ..بل هو من ظلم نفسه بتخليه عن مسؤلية أبنته ومسئوليتها.. ليس لأنها امرأة عامله و تملك مالها الخاص أن تتحمل هي مسؤلية منزلها بأكمله .. استلقت جواره معطيه اياه ظهرها ... فهو بالنسبة لها صورة أمام الناس ...صورة أمام ابنتها .. صورة أمام أهلها .. صورة أمام مالك الxxxx حتي لا يطردها هي وابنتها خارجا اذا اتضح له أنها بلا رجل.. وكأن الرجل بشكله فقط .. ليس بتحمله مسئولية شريكة حياته و أطفاله ... استسلمت للنوم بعد ان عاد اليها زوجها .. وبعد ان أيقنت انها تمسك خيوط اللعب جميعها بيدها




في اليوم التالي

شعر وليد بصفعات تتوالي علي وجهه .. صفعات بيد صغيرة لكنها مؤلمة انتقلت الصفعات لأنفه .. وصلت لعينيه .. هذه الصفعه أيقظته فورا خشية أن يفقد أحدي عينيه من شدتها .. أمسك بيديها الصغيرتين قائلا
" سأقتلك جودي انت ووالدتك .. أريد أن اهنأ قليلا بغفوة .. لا أريد أن أشعر بالوقت .. الساعة التاسعة الآن ووالدتك لم تعد بعد .. سأفقد مكتبي وعملائي بسببها .. كيف سيأتمني موكليني علي قضاياهم وأنا أهمل ذهابي اليه هكذا ؟ "
كان ردها أن أمسكت بأحدي أصابعة لتضعه في فمها .. فطن الي حاجتها للطعام .. ازاح غضبه من زوجته جانبا .. ونظر لعين أبنته السوداء الواسعة .. حمد لله هي تشبهه والا كان خنقها انتقاما من والدتها .. حدث نفسه
" ليت رحيق هي والدتك جودي كنت ستهنأين بها .. هي تهتم و تدلل أطفال حضانتها كثيرا .."
حمل أبنته متجها للمطبخ ليحضر رضعتها .. سمع مفتاح يدور بالباب علم بقدوم زوجته لم يهتم بدخولها وأكمل ما بدأه الي أن سقطت من يده رضاعة اللبن أرضا لتتهشم لقطع صغيره .. لم ينزعج من الزجاج المخلوط باللبن الذي ملأ الارض وانما من صراخ زوجته
" يا الهي .. أنا أعمل طوال النهار حتي أعود آخر الليل لألملم قطع الزجاج الذي كسرتها .. تبا لك "
وكأنها قامت بغرس ابرة في بالون منتفخ بالهواء... فما كان من البالون الا الانفجار
" تلومينني علي كسر الزجاج ولا تلومين حالك في التقصير مع أبنتك .. لقد جئت من عملي لأجدها مع جارتنا .. موعد عملي بالمكتب مضي .. وتعطل عملي وانت السبب .. أخبريني ما فائدة عملك هذا ؟ .. بماذا يفيدني أنا و أبنتي .. ثم من عليه الأهتمام بها أنا أم أنت.. ؟ "
القي لها جودي .. وكأنه بذلك يعلن تخليه عن مسؤلياتها التي الصقتها به
" هيا رتبي ونظفي وأطعمي .. اليك أبنتك اهتمي أنت بها .. لقد مللت منك.. "
أعطاها ظهره ليبدل ملابسه ويذهب لمكتبه .. لم ينتظر ليستمع لأيا من هرائها أو تبريراتها .. خرج أمامها متناولا مفاتيحة مسرعا ليغلق الباب خلفه بقوة ...
جلست حاملة ابنتها تبكي ... هذا ليس وليد .. قطعا ليس هو زوجها المتفهم .. الهادئ .. هل أثقلت عليه حقا .. هذه ابنته أيضا ..عليه الاهتمام بها بالمثل .. ليست مسؤليتها وحدها بل تخصمها كلاهما ..نظرت للساعه وجدتها التاسعة والنصف .. عضت علي شفتها قائلة
" لقد تأخرت كثيرا هذه المرة جودي .. اشتقت اليك .. أنا اسفه كان لدي عمل هام .. لن أكررها ثانية "
بدأت بلملمة الزجاج المكسور وقامت بمسح اللبن وقد أعدت غيره لأبنتها .. مطعمة أياها حتي نامت ... فاستلقت جوارها وغرقت هي الاخري قي ثبات عميق

فتح مكتبه بهدوء يتنافي مع ثورته الداخلية ..يعلم أنه ليس وقت عمل .. ويعلم أنه اعتذر لعملائه هاتفيا .. لكنه كان بحاجه لأن يختلي بنفسه .. رحيق .. آه منك يا رحيق .. آه من عقلك وحكمتك ليتك معي لتشهدي مشاكلي البسيطة التي تحل .. آه من جسدك رحيق .. يلهب خيالي كلما فكرت بك .. أخرج هاتفه ليرسل لها رساله .. يعلم أنها نائمة لكنه غارق في مشاعره تجاهها يحتاج اليها ...

ما ان سمعت صوت رسالته حتي فتحتها .. لقد قلقت ليلا وبدأ سيل الذكريات يهاجمها .. فتحت الهاتف وجدت رسالته
" أحتاج اليك .. هل أنت مستيقظة ؟ "
نظرت للهاتف فعلم بقرائتها لرسالته كتبت له
" نعم .. شعرت بالأرق قليلا .. أهناك شئ ؟ .. "
" لا شئ .. أشعر بالأختناق .. لقد تشاجرنا .."
"اممم .. مبارك "
ابتسم قائلا
" أشعر بالشماتة سيدتي "
اعتدلت لتكتب بشكل مريح ليدها
" لا .. لكن ليس هناك جديد .. أنت تصر علي عدم اعطاء نفسك فرصة معها وليد "
تأفف ليرد
" تزوجيني بالله عليكي .. سأموت .. لا أجد راحتي معها رحيق .. ولا معك أنت أيضا بأصرارك علي رفضي .. قولي نعم موافقة "
" لا لست كذلك ... "
أرسل لها وجه غاضب
" اشتقت اليك .. افتحي لي كاميرا هاتفك "
" هل فقدت عقلك وليد ..؟ أنا بغرفة نومي .. "
قاطع كتابتها
" يبدو أنك مشعثة الشعر .. أعلم أن النساء لا يظهرن تشعث شعرهن لأيا كان "
ابتسمت قليلا لترد
" مشعثة الشعر لأقصي درجة .. لا تطلب مني طلب كهذا ثانية وليد .. نحن أصدقاء كما تعلم.. "
" لا تريدين محادثتي لأجل صغارك خشية أن يستمعون اليك .. ولا تريديني أن أراك عبر الكاميرا .. لا تريدين مقابلتي خارجا تخشين الثرثرة عنك من الناس.. ولا تريدين زواجا عرفيا أو رسميا أو زواجا ثانيا .. اذا لم تحادثيني رحيق ؟.. نحن أبدا لم نكن أصدقاء "

صدمها وليد .. هو يداعبها هي تعلم ذلك .. لكن كلماته جعلتها تستفيق .. لم تتحدث مع رجل غريب بهذه الطريقة ؟.. هو ليس غريبا علي كل حال لقد كان صديقا لزوجها .. وايضا تقدم لخطبتها سابقا قبل زواجها من والد صغارها .. لكن عائلته لم تقبل بها .. والدته لم تحبها قط .. ما الذي تغير الآن .. وهل ستقبل به اليوم بسبب وفاة والدته فبذلك يكون انتفي سبب رفضها سابقا .. هو يعرف عنها كل شئ .. وهي أيضا تعرف عنه الكثير .. هو معها في العمل معها في البيت .. حتي وهي فوق سريرها معها .. ألهذا الحد ألغت تعقلها !.. هل تحبه .. معجبه به.. أم هي بحاجه لرجل .. أي رجل يشعرها بوجودها شريطة ألا يتقابلا .. ألا يتزوجا ..أن يتحدثا سرا بعيدا عن أعين الناس..! وهذا ما وفره لها وليد .. فمنذ علم بوفاة زوجها وهو يتقرب منها هاتفيا .. لم يرها حتي في العزاء لقد كان مع الرجال ولم تراه .. آخر مرة شاهدته كان مصادفة وهي بصحبة زوجها ذات يوم .. اذا وليد حقق مبتغاها بكل شئ ويرضي بالقليل منها .. لكنه سيمل علي ما يبدو ..

أستفاقت علي اتصاله .. يتصل بمكالمة مرئية .. قطعت اتصاله لتكتب له

" هذه آخر مرة تهاتفني هكذا وليد .. ماذا تظن بي .. لن أفتح كاميرا هاتفي ابدا "
وأغلقت البرنامج .. وتركته لعذابه.. أيذهب لها ليعلمها معني الشوق والحاجة ..! أم يتركها لتأت هي الية .. !ظل يفكر ويفكر كيف يوقعها في شباكه كيف ... نظر للساعة وجد الوقت متأخرا .. هاتف زوجته .. لم ترد .. لابد أنها في ثباتها وكيف ستقاوم تعبها طوال اليوم تنهد قائلا بسخرية
" لك الله يا وليد .. لازوجة تنتظرك .. ولا صديقه تنصفك "




انها الثامنة صباحا .. حنان مريضة ووالدتها تعتني بها منذ البارحة .. لايريد أن يثقل عليهما بمشاكل زياد قرر أن يهتم لأمرة ويذهب به للحضانه ومن ثم الي عمله .. في الطريق طلب منه زياد
" أبي .. أريد شيكولاته "
" حاضر زياد "
أحضر له طلبه فقاطعه زياد
" وواحدة أخري .."
نظر له يتأمله
" أنا لا أريد ..لمن الأخري ؟ .."
" لمعلمتي رحيق هي تحبها .. لقد أعطتني واحدة من قبل "
ابتسم مداعبا شعر ولده ... أحضر واحده أخري واعطاها له .. عندما وصل للحضانه .. أستقبلته العاملة .. اخذت منه زياد ولم يكد يلتفت حتي اصطدم بحسد انثوي .. فرفع يده تلقائيا حتي لا يمسها .. انتبه علي صوت زياد
" مرحبا معلمتي .."
اعتذرت رحيق بشدة وهي تلتفت الي زياد الذي أحتضن قدميها .. الجزء الذي طاله بجسده القليل الصغير ... قالت العاملة
" مدام رحيق .. مالكة الحضانه .."
رحب بها قائلا
" مرحبا أنا والد زياد .. زياد دوما يخبرنا بما تعلمه منك .. أشكرك لتعليمه الصدق والشجاعه .. ممتن كثيرا لمجهودك "
ثم أخفض بصره قائلا
" بالأذن "
ثم غادر بأدب وسرعة .. عادت للداخل .... مر اليوم دون أن تأت والدة زياد لأصطحابه الي المنزل .. عليها أن تغلق الحضانه لتذهب لصغارها بالمدرسه .. سألت زياد
" زياد حبيبي ألا تعلم سببا لتأخر والدتك "
أجاب زياد
" أمي متعبة قليلا .. سيأتي أبي ليصطحبني للمنزل "
لم يكد ينه كلماته حتي فاجئها صوت ذو رنه قوية
" أعتذر عن التأخير .. "
ثم وجه كلماته الي زياد
" هيا بنا زياد .."
قالت بهدوء
" أخبرني زياد بمرض والدته .. سلامتها .."
" سلمك الله شكرا لك .. أستأذنك "
ثم غادر بهدوء مع ولده ..

عاد ماجد للمنزل سريعا ليجد والدة زوجته تقول
" أنا قلقة ماجد .. حنان لا تبدو بخير .. سآخذها عندي يومين كي ترتاح .. ما رأيك ؟ "
أومأ برأسه مجيبا بنعم
ثم دلف لغرفة نومه .. وجد حنان تتألم .. هو لا يعلم ما بها .. لاحظ فقدان وزنها مؤخرا .. لاحظ ألمها الذي تخفيه عنهم .. ظن أنها آلآم عادية لكن يبدو أن الأمر يسوء .. قال ممسكا بيدها
" حبيبتي ما بك ؟ .. هل أنت بخير ؟.. هيا بنا الي الطبيب .."
أمسكت يده بقوة وهي تقول
" أنا بخير حال .. لا تعط الأمر أكبر من حجمه .."
" أنت لست بخير حنان .. أنا بحاجة للأطمئنان عليك حبيبتي .."
" اذا غدا أن شاء الله .. ان لم أتحسن .. "
قال ولا زال يمسك بيدها
" والدتك تريدك معها يومين علي الأقل لتطمئن عليك .. ما رأيك ؟ "
ردت بسرعة ...
" لا .. أنا بخير حال الأمر لا يحتاج كل هذا العناء .. أين زياد ..؟ "
قام ماجد بمناداة زياد .. الذي أتي مسرعا مندفعا بين ذراعي والدته قائلا
" اشتقت لك أمي .. هكذا لا تأتين معي للحضانة اليوم .. "
قبلت جبينه قائلة
" آسفه حبيبي .. ألم يقم أباك بأصطحابك الي هنا ؟ "
نظر لطفله غامزا له قائلا
" قمت بالواجب وزيادة أحضرت له ما طلب.. هيا بنا زياد لتغسل يديك .. جدتك أحضرت الغداء .. هيا حنان لتتناولي طعامك معنا "
" سأحاول حبيبي .. "
تركها ليساعد زياد .. همت بالوقوف .. لم تستطع تمالك جسدها ولا تحمل ألمها فسقطت ...
صوت ارتطام جسدها بالأرض جعله يترك ما بيده مسرعا اليها ووالدتها ليجداها ملقاه علي الأرض .. حملها قلقا ..أحضر لها الطبيب بالمنزل .. والذي طلب بدورة تحاليل ليتمكن من أعطائهم التشخيص المحدد .. والعلاج الصحيح



avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثاني

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:04 pm

الفصل الثاني



" خبر وفاة "

مر حوالي أسبوع علي زياد ولم يحضر للحضانه ..لم يعتد أن يتغيب هكذا أبدا فلقد اشتهر بين زملاؤه بالأنضباط في مواعيده وحضوره .. رقم والدته تحتفظ به في ملفه بالحضانة لكنها لا تريد أن تحرج نفسها .. ماذا لو كانوا أستغنوا عن خدماتها .. او نقلوه لحضانة أخري .. قطع أفكارها أتصال من وليد .. لم يتبادلوا الحديث منذ آخر مرة رغب في محادثتها بمكالمة مرئية.. ولم يتحادثا علي برنامج التواصل منذ وقتها.. لا تعرف عنه شئ ولا هو أيضا ... ردت علي الاتصال فسمعته يقول
" مرحبا بمن لا تهتم لأمري  "
أجابت وهي لم تشتق حتي اليه ..
" مرحبا وليد كيف حالك ؟.. وجودي وزوجتك ؟ "
" ما هذا الحنان الفائض علي ابنتي وزوجتي رحيق .. ألا تغارين قليلا .. كيف حالك أنت وصغارك ؟ "
" حمدا لله .."
وجدها تقتضب في كلامها فسألها
" ألازلتي غاضبة مني ؟ .."
" لا .. ولم الغضب ؟ "
مازحها قائلا
" بما أنني أحفظك كرقم هاتفي .. أنا آسف ..لن أكرر ما حدث ثانية .. لكني أشتاق اليك رحيق وأنت  ترفضين مقابلتي ..أنا أحبك "
استمتعت بالكلمة .. لم تشعر بها .. بل استمتعت بها تداعب أنوثتها .. لم يفعل بها أحد مثلما يفعل وليد .. هو يعلم ما تحتاجه .. حقا تحتاج للكلمات .. فقط كلمات تهون عليها وحدتها وحياتها الممله  التي لا جديد فيها ..طال صمتها فقال
" هل تنامين جيدا ؟ .."
" نعم .."
تنهد قائلا
" أسهر طوال الليل أفكر بك وأنت تنامين قريرة العين  .. لو تعلمين ما يفعله بي حبك رحق .. كلما تذكرتك جوار زوجك أموت شوقا لك وغيرة عليك .. أريد مقابلتك "
لم تجب فقال
" لا أعرف كيف أسيطر علي ذاتي .. كنت أعدك منذ قليل أني لن أكرر فعلتي والآن أطلب رؤيتك أعذريني رحيق  .. أمنحيني شيئا .. أي شئ سأرضي به حتي لو قليل "
ردت بعد صمت طويل
" سأفكر  .. أنتظر ردي ليلا ..  سأهاتفك "
ثم أغلقت المكالمة وهي تبتسم .. لملمت أشيائها وتناولت حقيبتها لتلحق بموعد خروج صغارها من المدرسة.
ليلا .. بعد صراع يومي طويل مع الصغار .. من يأكل ومن يتحمم .. من يلعب ومن يكمل واجباته .. صراع دام وقتا طويلا خلدوا أخير الي النوم .. أختلت بهاتفها بغرفة نومها .. ظلت تفكر هل تحادثه أم لا .. ؟ هل تقابله أم تفتح له كاميرا هاتفها .. ! ظلت تفاضل بين أمرين كلاهما ضخم .. هي تحتاج لوليد .. هي تثق به .. هو صديق زوجها .. لا تعرف لما أتت هذة الذكري لعقلها .. أخت زوجها رحمه الله ترتب أمرا لها لا تعرف كنه .. تشعر بعدم راحة تجاهها .. هي لم تحببها يوما .. كانت تنغص عليها حياتها مع زوجها .. كانت تزيد حياتها مشقه وتعب .. من يشعر بها الآن .. لا أحد .. لا هي ولا أخويها .. هي وحدها .. وحدها
نظرت للهاتف وقد حسمت امرها بأن تحادثه مكالمة مرئية فهي لن تخاطر بسمعتها وتقابله خارجا وتعرض نفسها للقيل والقال ...
لم يشعر بنفسه الا وهو ينتفض حاملا ابنته .. ليستقبل مكالمتها .. رأي وجهها بحجابها تبتسم قائلة
" مرحبا يا أبا جودي  .. ماهذا الجمال .. تبدو رائعة  "
لم ينتبه أنه يحمل جودي  .. وأنه يرتدي تي شيرت بلا اكمام مكشوف الصدر .. فالجو بمنزله دافئ .. فاجئته حقا بأتصالها المرئي قال مشيرا لجودي
" ما رأيك .. تشبهني صحيح ؟ .. "
" تشبهك كثيرا .. أين زوجتك .. هل أنهيت اشغالك بالمطبخ ؟  "
أخذ يلوي فمه قائلا
" نعم ..السيدة زوجتي لا زالت بالعمل .. وأنا اهتممت بالمنزل والصغيرة وما كان ينقصني استهزائك بي رحيق "
تجاهلت ما قال لتجيب
" لقد قمت بما طلبت .. حدثتك الآن وأنت غير متفرغ لمكالمتي  ..  "
كانت تهم بانهاء المكالة لولا مقاطعته لها
" انتظري رحيق .. "
وضع جودي جواره علي الأريكة وقال
"  سريعا هكذا .. أنا لم أر شيئا بعد .. أقصد لم نتكلم بعد .. أصبري قليلا "
قاطعته بأن أغلقت المكالمة فورا وهي تبتسم من رؤيته هكذا .. وسيم وليد .. عينية الواسعة السوداء شعرة الاسود . لونه الاسمر الجذاب .. قسمات وجهه .. ما بالها تفكر هكذا .. هل الوحدة اثرت علي عقلها.. نزعت حجابها وأقتربت من السرير .. لتنهي أفكارها بالأستسلام للنوم.
أمسك ابنته وقام بدفعها لأعلي لتسقط بين يديه بقوة .. ظلت تقهقه وهو يكرر فعلته قائلا لها
" لقد كسر أول حاجز جودي .. لقد أقتربت كثيرا "
لم يكن يعلم أن كلماته وصلت لأذن زوجته .. التي أستمعت لنهاية محادثته مع رحيق دون أن يشعر بها .. زوجها سعيد .. يضحك .. يلاطف جودي بمرح وأمل وتفاؤل.
بعد أن دلفت سارة للمنزل حملت جودي منه دون تبادل الحديث معه فهي غاضبة منذ مواجهتهم الأخيرة وصياحه بها .
بعد أن انتهت من ارضاع جودي ونومها .. أستلقت بغرفتها تفكر في حياتها مع وليد .. تهادي لأذنيها صوت المياة تجري بالحمام يبدو أنه يتحمم.. خرجت من غرفتها مسرعة لتجد هاتفه ملقي علي طاولة الطعام أقتربت وأمسكت به .. فتحت محادثاته مع أصدقائة .. ثم وجدت أسم رحيق .. فتحت المحادثة .. قرأت .. شاهدت .. شهقت .. صدمت .. زوجها يتحدث الي امرأة .. يواعدها .. يطلب قربها ويتودد اليها .. ما باله لا يتقرب منها هي اذا .. هل ما تقرأه حقيقيا .. يطلبها لتكون زوجة ثانية له .. يقص عليها تقصيرها معه .. لا .. بل ورحيق تطلب منه أن يحل مشكلاته معها هي زوجته .. أتضحك أم تبك ..؟  هل يتوجب عليها الآن الضحك من كرم غريمتها ..؟ أم تبكي حبا كان لزوجها بقلبها .. ؟ يبدو أنه لن يتغير أبدا .. كانت قد علمت من أحدي صديقاتها أنها شاهدته مع امرأة من قبل .. وعندما واجهته بالأمر أجابها
" صديقتك كاذبة .. هل تسعي لهدم حياتك دون دليل .. أنا لا أواعد النساء سارة .."
في المرة التي تليها كان مع صديقتها الأخري الدليل .. كانت صورته يلف ذراعية حول امرأة ..و يضحك ملئ شدقيه..متجها الي باب مطعم فاخر بها .. لكن الآن .. هي تري بعينيها .. هي من فتحت وشاهدت وصعقت .. أمسكت رأسها متألمة .. يبدو أنك لن تتغير وليد .. وان حاولت مواجهته سيتهرب في ردوده هي تعلم مراوغته في الحديث .. سمعت صوت المياة يتوقف .. تركت الهاتف عائدة لغرفتها .. متدثرة بالغطاء حتي وجهها .. تكتم ألما وبكاءا وصدمة لم تكن في الحسبان..أختلط بكائها مع أفكارها .. لماذا تبك .. لماذا تتألم ؟ لقد كتب وليد نهاية قصتهم سريعا .. بعد ما شاهدته الآن لن تعطيه الأمان أبدا .. عليها بناية ذاتها .. وتأمين مستقبلها هي وابنتها .. عليها أن تتركه لنزواته يمرح ويلهو كيفما شاء .. استمعت لتحركاته بالغرفة .. تسللت لأنفها رائحة عطره .. اذا هو في الطريق لمقابلة جديدة .. أو ربما لمكتبه .. ابتسمت بسخرية مختلطة بالدموع .. مكتبه الآن في هذا الوقت ... ألا زالت تلتمس له عذرا لخروجه في هذا الوقت  ..؟  قالت تحدث نفسها
" صبرا وليد تشكو تأخري .. تشكو جلوسك بأبنتك .. أنت لم تر شيئا بعد"
ورغم ضعفها وحبها وغيرتها .. الا أن الحقد الذي خلفته خيانته لها يدفعها للثأر منه .. ستتأخر أكثر في عملها .. ستلقي عليه مسئولية ابنته أكثر .. ستقذف عليه بالضغوط كي لا يهتم الا بهم ..بينما هي توفر المال والأمان لها ولابنتها.
لم يهتم وليد بعودة زوجته .. وجدها تتجاهله ففعل المثل ..لم يهتم هو الآخر بل سعد بذلك .. لم يعد يهتم بأمرها والنساء حوله يملئن الحياة بهجة وسرور .. بعد أن ذهبت لغرفتها توجه للحمام لينعم بمياة دافئة منعشة تهدئ قليلا من أفكاره ..شوقه للايقاع برحيق يزداد يوما بعد يوم .. هي صلبة الرأس وعليه تفتيت هذه الرأس قطعة قطعة .. وقد حظي اليوم بأول خطوة تنازلت عنها لأجله ... اليوم رآها أخيرا بعد وقت طويل منذ آخر مرة شاهدها .. اليوم هدم أول جدار بينهما .. عليه أن يهدأ قليلا .. ويخطط برزانه لينالها .. أزاح المياة عن عينيه قليلا وهو يرتب أفكاره وخطواته ليصل لما يريد مع رحيق..
أنهي حمامه متجها لغرفة نومه .. يبدو أن جودي نامت .. دلف للغرفة مرتديا ملابسه للخروج .. مفرطا في عطره .. فهو علي موعد للمرح اليوم مع فتاه صغيره تعيد الشباب لدمه ..قد بلغ الخامسة والثلاثين ويواعد فتاه في الثامنه عشر .. يريد فتاه صغيرة يلهو بها .. تهون عليه حياته الجافه مع سارة ومع رحيق أيضا .. عله يلهم بوسيلة جديدة ليستميل بها رحيق.



" نعم سما لقد عدت لبيتي "
" أيهما ؟ .."
قال كريم وهو يفهم ما يحويه كلام أخته من معان .. فقد كشف أمامها تماما .. آخر خلاف بينه وبين زوجته الثانية فضح كل شئ .. فلقد حدثتها نور زوجته الثانية مخبره اياها كل شئ .. فلا داعي الآن الي كذبة أو الي اخفاءه بعض الحقائق التي تأجج ثورة سما  
" لقد عدت الي نور .. لقد حل الأمر "
ردت سما بأقتضاب
" هداك الله كريم .. أوصل سلامي لأروي الصغيرة "
" حاضر .. لابد من العدل بينهم الآن .. فكلتاهما يردن المال .. علي الأقل الأولي تكن لي الحب "
ردت سما بهدوء
" سعيدة لسماع ذلك منك .. أقترب من الله وأقم العدل ستهنأ بحياتك "
" حاضر .. أتريدين شيئا .. سلامي للأطفال .. بلغي مالك أني أصلي علي النبي  "
أبتسمت سما قائلة
" سأخبره "
أغلقت الهاتف وظلت تنظر اليه .. هو أخيها .. حبيبها .. تود ألا تستمع لشكوي زوجاته الاثنتين كي يظل أمامها بلا أخطاء .. لا تنكر أنها تأثرت بما تسمعه منهن .. الأولي تتذمر من عدم وجوده معهم .. ومن قلة المال .. من علاقتهم الحميمية التي تكاد تكون معدومة .. والثانية تتذمر من قلة المال .. من عدم اهتمامه بها وبأبنته .. لتصل سما الي أمر آخر هي من تتذمر منه .. أين تذهب أموال أخيها .. ؟ انتبهت علي صوت مالك الذي يعطيها الهاتف لتجد زوجة أخيها الأولي تتصل ردت سما
" أهلا مني .. كيف حالك .. كيق حال معاذ و أحمد؟ "
قالت الأخري ببشاشة
" مرحبا سما .. "
بعد الترحيب قالت مني
" لقد تعبت من كريم سما .. يضرب الصغار دوما .. يعاملني بجفاء .. لقد تغير كثيرا معنا .. كان قد أصلح أموره معنا منذ شهر تقريبا يتعامل معنا بالحسني ..ومنذ يومان تبدل حاله .. لا مال .. لا معاملة حسنة ..أريد مصاريف درس أحمد .. يخبرني أنه لا يملك المال ."
وبدأت وصلة الشكوي التي لا تنتهي .. هي تعلم سبب تغير أخيها فلقد عاد للأخري .. هل كثير عليه أن تكون الاثنتين سعيدتين ..هي للآن لا تعرف ردة فعل مني ان علمت أن هناك اخري .. بل و عنده طفلة منها ..لا تعلم كيف سيكون موقفها أمامها وأمام أولاده عندما يعلموا أنها من ساعدته لزواجه .. ظلت سما شاردة تستمع فقط دون أن تجيب الي أن انتهت مني من كلامها فأجابت
" سأحدثه بشأن المال والصغار .. لا تقلقي مني .. قبلي لي  الصغيرين "
بعد أن أغلقت الهاتف شعرت سما بالمسؤليات تتزايد علي عاتقها ...أخيها بزوجتيه .. زوجة عمها رحيق التي لا تطمئن لها هذه الأيام ..لقد قصت لها ما حدث بينها وبين وليد من رغبته في زواجها ومن طلبه لمقابلتها خارجا أو رؤيتها عبر الهاتف .. نبهتها سما من خطورة الأمر .. وأكدت عليها ألا تنساق خلف طلبه .. أنتبهت لصوت جني الصغيرة
" ألن تراجعي لي دروسي أمي .. "
استفاقت سما من شرودها .. لتتناول الكتب من ابنتها لتشرع في بدء المذاكرة



" أهلا زيزو .. لقد افتقدتك كثيرا فيم كان غيابك ؟ "
لاحظت رحيق تغير ملامح زياد .. وهي تمر بفصول حضانتها صباحا .. فوجئت به اليوم بين الأطفال . هل نقص وزنه ؟ .. لم يجب عليها فأقتربت منه ..
" ما بك صغيري ..؟ هل أغضبك أحد ... ؟"
لم يجب
مسحت علي شعره وهي تغادر لتتفحص الفصل المجاور ..مر اليوم بملل .. هي لم تتحدث لوليد من يومها .. منذ نالت تقريع سما .. لقد وافق تقريع سما هواها .. وشعرت أنها تتمادي في أفعالها مع وليد .
أنتهي اليوم .. فرغت الحضانه الا من زياد .. صرفت العامله .. ظلت بالطفل وحدهم .. لقد تأخرت علي ولديها .. سألت زياد
" أين والدتك زياد ؟ .. "
لم يجب زياد بل رأت دموعا بعينه فقالت
" ألن  يحضر أحد لأصطحابك للمنزل ؟ .."
ظل زياد صامتا لم تجد بدا من احضار رقم والدته من ملفه واتصلت بها.. لقد تأخرت كثيرا علي صغارها ... لم تلق ردا ..أضطرت لغلق الحضانه وأخذ زياد معها مدرسة ولديها .. لن تستطع التأخر عليهم أكثر من ذلك ...
بمجرد أن أنصرفت رحيق حتي حضر ماجد للحضانة .. وجدها مغلقه .. جن جنونة .. فقد أصبح تعلقه بزياد مرضيا ..أخرج هاتفه ليتصل برقم مكتوب علي يافطة الحضانه أعلاها .. حتي أتاه الرد
" مساء الخير .. من معي ؟ "
أتاها صوته هادئا
" أنا والد زياد .. "
" مرحبا .. لحظات وأكون بالحضانه .. زياد معي "
أغلق الهاتف منتظرا اياها .. وجدها أمامه بثلاث أطفال .. أخذ ولده لأحضانه قائلا
" كيف حالك زياد ..؟"
لم يجب الطفل ..دلفت الي الحضانة وهي تدعوه اليها لأمر هام ..  أستقر الصغار بغرفة الألعاب ..بينما دعت ماجد لمكتبها و جلست تناظره .. بادر بالحديث قائلا
" أعتذر عن التأخير .. لن يتكرر تأخيري مرة أخري  .. آسف ان كنت أثقلت عليك "
نظرت له بتأن قائلة
" لا بأس .. زياد ليس كعهدي به .. اليوم لم يتحدث الي مطلقا ..عندما تأخرت هاتفت والدته لكنها لم تجيب اضطررت ان آخذه معي لمدرسة أبنائي .. "
عقد حاجبيه عابسا
"  زياد يمر بمرحله صعبة من حياته .. يحتاج اليك والي زملاؤه .. والدته توفت الأسبوع المنصرم مما أثر علي طعامه وعلي حالته النفسية وعلي كلامه أيضا"
بدت صدمه علي وجهها ... ألهذا يبدو زياد ضائعا .. ووالد زياد أيضا .. لم تنتبه لنقصان وزنه .. ولا الي ذقنه التي أهمل تشذيبها .. يبدو مجهدا .. تأثرت رحيق بالخبر ..هي أيضا أرمله وصغارها أيتام ... الا أنهم بخير .. حمدت ربها أنهم بخير .. يبدو أن فقدان الأم أصعب كثيرا من فقدان الأب .. فالأم هي الحنان والأحتواء  والأهتمام  رغم أن فقد أحداهما يؤثر قطعا علي الصغار وهي أدري بذلك .. حمدت ربها أن صغارها لم يعانوا مثل زياد .. هي تتحمل هموم صغارها .. ماذا عنه هو .. هل سيقدر علي الأهتمام بطفله وعمله وبيته.. يا الهي
" البقاء لله .. لا تقلق سيد ماجد سأهتم لأمره .. "
أنهت المقابله .. لم ترغب أن يصله أحساسها بالشفقه .. فلينضم الي مقعد الأرامل جوارها ..أعانه الله .. أنصرفوا جميعا وأغلقت الحضانه ..عائدة للمنزل .. وهاتفها لم يهدأ من اتصالات وليد



ظل يدور في حلقة مفرغة .. عاد لمني زوجته الأولي  ليلا لا يملك شيئا لها .. لا مالا ولا جهدا للعناية بها أو بأولاده الذين تمسكوا به  وكأنه طوق النجاه .. هو ليس شحاذا أو رجل بلا عمل .. بل يعمل ..وعملا حكوميا يتمناه الكثيرون  لكن مصاريفة الشخصية التي تتمثل في سجائره .. مواصلاته .. افطاره بالشركة التي يعمل بها صباحا أهم من بيته واطعام صغاره.. كل هذه الأشياء تقضي علي راتبه ... بالاضافه الي القرض الذي قام به كي يتمم زواجه بنور .. زوجته الثانية ..والذي يقضي علي الجزء المتبقي من راتبه فالقرض يخصم منه شهريا .. في أول عامين من زواجه بالأخري كانوا أجمل عامين .. يهرب من الأطفال والطلبات وقلة نظافة مني ... يهرب الي نور حبيبته ..يقضي معها ليالي الأسبوع كاملة ولا يعود للأولي الا ليعطيها لمم المال لتصمت عن ثرثرتها وشكوته لسما التي كانت تجهل الكثير .. فلم يخبرها انه يبيت عند الثانية طوال الاسبوع ويهجر الاولي ..كان يخشي ان تخبرها مني بثرثرتها المعتادة هكذا كان عليه اسكاتها بالمال .. هكذا كان يظن .. كان يظن أنه ذكي .. أنه متمرس بالكذب لدرجة أن الاثنتين يصدقنه .. لكن مع الوقت اكتشف غباءه .. وأقر بذكائهن ..فمن يظن نفسه أنه اذكي من امرأة .. ما هو الا مغفل كبير .. كان يفرغ شحنة غضبه ونقمته علي الحياة بضرب صغاره .. ما ان يستمع لاحدهم يطلب شيئا او استمع لمشاجرة بسيطة بينهم حتي يهب مسرعا لضربهم .. قد يدفع احدهم بعصبية فيصدم  بشئ .. قد يصفع احدهم بقوة تتناسب مع كبر حجمه .. قوة قد تتسبب في تورم احدي عيني طفله ..سمع مني تقول
" تغير حالك كثيرا معي كريم .. لا يعجبني ما أنت فيه .."
أبتسم بسخرية قائلا
" اذا حالك أنت هو المميز مني ..ألا ترين صغارك كيف يبدون ؟ .. انظري لنظافتك ونظافتهم .. أهكذا تنتظر النساء ازواجهن .. ألا تشمين رائحتك يا امرأة ؟ "
صدمت من كلماته التي كان يلمح لها فرادي من قبل .. لم يجمعها معا بهذه الصلافة قبلا .. صدمت من طريقته المتحفزة في رده عليها .. قالت متذمرة
" أنا أعيش معك لأجل صغارك فقط .. أنا لا أكن لك الحب بعد الآن .. كنا بخير الشهر الفائت .. ما الذي جد ؟ "
لم يكلف نفسه عناء الرد عليها .. تركها ذاهبا لغرفة النوم ليستلقي بملابسه كما هي .. لم يهتم بصغاره ولم يهتم بعناقهم .. لم يهتم ببناء نفسيتهم التي هو محورها فالاب قدوة فعلية لابنائه بأفعاله وليس بالكلمات او بالتوجيه .. وهم بالمثل لم يقتربوا منه خشية ضربهم .. كان  يهرب من هنا وهناك بالنوم .. لقد اصبح غير قادرا علي مواجهة مشكلاته .. فالأخري تدعي ان الأمور علي ما يرام .. الا انه يشعر بشرخ في جدار علاقتهم



" هيا رحيق أرجوك .. هل سأظل طوال الليل هكذا ..أرجوك  .. أنا لا أطلب الكثير .. فقط أنزعي عنك حجابك .. لا أطلب منك التعري أمامي "
هي لا تعلم لم تنساق خلف طلباته .. بعد أن وعدت نفسها ووعدت سما ألا تفعل .. هاقد فعلت .. محادثة ثانية مرئية بينها وبينه .. ثانية أم ثالثة .. لم تعد تهتم بالعد .. ظل يلح عليها
" رحيق أرجوك سأموت بردا .. هيا حبيبتي .."
كان بالمكتب بعد أن أنجز عمله .. أغلق مكتبة وهو بالداخل .. حادثها وقرر أن يفاجئها بجسده عاري الصدر .. صدمت عندما رأته هكذا فأغلقت الهاتف ... ظلت ضربات قلبها تقرع .. خوفا تحفزا ... رهبة .. حاجة ...عضت علي شفتيها ..  وجدته يكتب اليها
" أنا أحتاج لهذا الآن ..أحتاج أن تشاهديني هكذا .. أحتاج لرؤيتك رحيق بلا حجاب"
ابتسمت وقد هيأ لها شيطانها أنها تحتاج لذلك أيضا وعندما عاود الاتصال ردت عليه هذه المرة وهي بحجابها ... ظل يردد أنزعيه .. أنزعيه ...أنزعيه ... وكأن الشيطان يأبي أن يفارق عقلها وأذنها ... بدأت بفك حجابها أمام ناظريه .. وهو يترقب لرؤيتها .. أزاحت حجابها .. وبدأت في فك شعرها الاسود الطويل .. كانت جميلة .. شعرها يعطيها جمالا هادئا .. أسود ثقيل يميز بياض بشرتها .. كانت ترتدي كنزة ضيقه حددت صدرها وأظهرت مقدمة نهديها .. لم تنتبه هي لذلك لأنها كانت تغطيه بالحجاب .. فاجئها قائلا
"  جميلة  .. آية في الجمال .. ماهذا  .."
أشار علي الشاشة بأصبعه فلم تفهم .. نظرت لنفسها في مرآه بعيده ... وجدت نفسها امرأة مغوية .. تعرض نفسها كسلعة رخيصة لعينين رجل غريب ينهش جسدها .. يظهر منها مقدمة صدرها بطريقة مغوية .. شعرها اللامع يخفي جزء من وجهها ..  
لم تشعر بنفسها الا وهي تغلق المكالمة .. وتبكي .. تبكي بشده .. اختبأت تحت غطائها علها تخفي بعضا من خيبتها وذلها وعارها ...ماذا فعلت بنفسي ...
أنفاسه تعلو وتهبط .. رحيق .. لابد أن تصبحي لي .. لن أتمالك نفسي كثيرا ..
لقد تعمد أن يفاجأها هكذا ليجعلها تعتاد عليه قليلا .. هي لا تمنحه لقاء .. لا تمنحه كلمة تتودد بها اليه .. وهو يريدها بشدة .. التقط قميصه وسترته ليبدأ في ارتدائها .. حركت بداخله مشاعر بدائية كان يظن أنه لا يملكها.. مع فتياته اللاتي يواعدهن أو مع  زوجتة التي لا يقربها .. هي دوما بعملها الهام .. أو نائمة .. حتي ابنته لا تراها الا عند النوم .. هل يبرر لنفسه الخيانه .. لا لا هو لا يخون .. هو يريد امرأة يري فيها حاجته ... تناول هاتفه وظل يكرر مقطع خلعها للحجاب .. وظهور شعرها ومقدمة صدرها أمامه .. يكاد يجن .. سيجن فعلا... عاد لمنزله..البيت مظلم .. وصل لغرفة جودي وجدها نائمة قبل جبينها .. وأفسح مكانا له جوارها .. ثم أستلقي بجانبها .. بينما زوجته بغرفة نومهم وحيدة .. تنتظر موعد عودته ... ثم أغمض عينيه ونام سريعا ..
أستمعت سارة لصوت اغلاق الباب فعلمت بعودته لم تنتظر قربه وهي تعلم بذهابه لغرفة جودي .. هي تسير علي ما قررت فعله .. لن تواجه فقد ملت .. لن تهتم رغم تقطع نياط قلبها غيرة الا أن كرامتها تأبي المواجهة أو الاعتراف بالخيانه ..
أستيقظ علي صوت سعاله .. الساعه العاشرة .. يبدو أنه لن يذهب لعمله .. آه .. يشعر بثقل جسده يبدو أنه أصيب بالبرد جراء ليلة امس .. أنتبه لأبنته الملقاه جوارة .. وزوجته التي ليس لها أثر .. لقد تركته وأبنته لم تهتم بأيقاظه .. أو رعاية جودي ..أمسك رأسه فقد داهمه صداع لازال في بدايته قائلا
" آه .. لقد حسدتني رحيق .. فجسدي كلاعبي كمال الأجسام  .."
هب واقفا متجها خزانة صغيرة للدواء .. تناول حبوب مسكنه .. وحبوب لخفض الحرارة .. واستلقي جوار جودي .. حتي شعر بالتحسن قليلا .. أحضر طعام جودي وتناول افطارا سريعا ثم ذهب ليرتدي ملابسه .. ويعد جودي  للخروج .. أحضر شرائط شعرها .. صففه لها..ألبسها فستانها الشتوي الانيق .. وأغلق سحاب البوت خاصتها وأمسك هاتفه ومفاتيح سيارته .. متجها لأهم مشوار بحياته .
سمعت طرقا علي باب مكتبها ظنتها العاملة قالت
" تفضلي .."
هبت  رحيق واقفة عندما شاهدته يدخل ويغلق الباب خلفه ..بهدوء .. رغم صدمتها من فعلته الا أنها كانت تخجل أن تنظر لعينية ..
" كيف دخلت الي هنا وليد ؟ .. "
" لقد أخبروني خارجا أنك لا تقبلي الأطفال ذوي السبعة أشهر .. فجئت أتفاهم مع المديرة .."
" هل جننت كيف تأتي لمكان عملي هكذا "
بدأ يسعل بقوة قائلا
" أنا مريض .. جدااا ... جئت كي أراك .. لا أستطيع السيطرة عما بداخلي رحيق .. لقد مرضت لأجلك .. أريد جرعة حنان أرجوك .."
استشعرت صدق كلامة .. أخرج الهاتف من جيبة ليشغل الفيديو الذي سجله لها  بالأمس ولفه اليها قائلا
" ألتمسي لي العذر بعد أن رأيت جمالا كهذا "
فوجئ بصفعه قوية من يديها .. قابلها بصلابة .. نظر لعينيها متسائلا .. متألما .. منتظرا لتفسير ... ألم تخلع حجابها بأرادتها .. ألم تنجر نحو مشاعرها مثله ...لم تلومه هو الآن .. هو بالنهاية رجل  يفعل ما يشاء أما هي ...
" كيف سمحت لنفسك بتصويري ...!"
وانسابت الدموع من عينيها .. هي لن تسامحه بل لن تسامح نفسها علي ما فعلت ..حمدا لله أنها استفاقت الآن قبل حدوث المزيد ..لقد عاندت سما .. عاندت نفسها .. عاندت الأعراف والتقاليد .. ظنت أن ذنوب الخلوات لا تكشف .. هاهي كشفت .. وكما هتكت ستر الله عليها .. سيهتك وليد سترها .. كانت مفتوحة العينين ودموعها تسيل دون توقف .. دموع كثيره علها تغسل ذنبها ..دموع ألم وحسرة ... تخاف ... نعم تخاف علي سمعتها .. صغارها ..أهل زوجها رحمه الله .. تخاف الله ..الآن تذكرت الله .. أخذت تردد
" أستغفر الله وأتوب اليه .. أستغفر الله وأتوب الية "
جلست علي كرسيها من جديد تضع وجهها بين كفيها ..لو كان حقا وليد يريدها بطريقة شرعية لتقدم اليها رسميا ..لما أنساق نحو اعتراضها .. بدأت الشكوك تتزايد تجاهه...
كان يشاهدها وكأنه يشاهد مسلسل تليفزيوني .. لم تبالغ في تقبل الامر ..
هي لم ترتدي له ملابس نوم بعد .. لم تتعري أمامه .. لم تقم بفعل فاضح ..ومن ردة فعلها أخذ طرف الخيط
" تزوجيني الآن ..."
نظرت له بأمل قائلة
" حقا  وليد .."
" عرفي .. وحالا ..."
أخرج من جيبه ورقة جاهزة للأمضاء ... نظرت له بأحتقار قائلة
" غادر مكتبي الآن .. هذا الزواج زنا بشكل متحضر  .. وثقت بك لأنك صديق زوجي .. ليتني لم أنزع حجابي أمامك .. ليتني لم أنزع حيائي وأتخلي عن مبادئ كنت أتمسك بها لأجلك .. غادر ولا تعد لحياتي ثانية ..."
أجابها بقوة غير آبه بالصداع الذي بدأ في العودة لرأسه
" ماذا .. وهل هناك امرأة تثق برجل لأنه صديق المرحوم .. أفيقي رحيق .. أنا لم أجبرك علي مشاهدتي بالأمس .. ولم أكن أنا من نزع عنك حجابك .. ولست أنا من تصور بغرفة نومه .. فعلتي ذلك لأجلك رحيق وليس لأجلي أنا .. أنت تحتاجيني كما أحتاجك .. أنظري الي .. هذا عرضي عليك .. اما القبول .. أو  ..  لن أكن وحدي من يشاهد هذا العرض  ..."
خرج بعنف تاركا اياها لألمها .. التقط ابنته بهدوء من عاملة الحضانة وهم بالمغادرة عندما أصطدم برجل يفوقة طولا وعرضا .. تخلل الشيب لحيته.. اعتذر عن الصدام مكملا طريقه الي سيارته .. متجها الي العمل .. لكن ليس عمله .. انما عمل زوجته



 كانت رحيق اليوم مختلفه .. حزينه ربما .. وجهها بلا تعبيرات .. عابسه .. لم يرها هكذا أبدا .. تري ما السبب .. لم يشغل باله كثيرا وهو يضع الطعام لولده .. وهو يداعب رأسه بحب .. جلس جواره يطعمه في فمه .. عاد زياد كما الرضيع .. يريد من يهتم به .. يطعمه .. يساعده في دخول الحمام .. وكأنه عاد رضيعا من جديد .. لا يتكلم .. كلها ايماءات .. حزين دوما .. لذلك لم يعبأ برفضه لطلب والدة حنان  أن تعتني بولده .. هو لا يريد أن يدلل ولده أو أن يصبح محط عناية الجميع .. هو يريد حياة طبيعية له لذلك أصر علي وجوده معه ليعتني به .. ولذلك جعله يكمل بنفس الحضانه مع معلمة تؤثر به .. وأيضا كي يتعامل بأنسيابية مع زملاؤه الذي يعرفهم جيدا ..ظل ماجد ينظر الي طفله الشارد مثله تماما .. أنتقل ببصره الي هاتف زوجته .. لم يغلق هاتفها وكأنها لازالت علي قيد الحياة وتستخدمه .. آخر مرة  وجد عليه مكالمات فائته عندما عاد للمنزل بزياد يوم تأخر علي موعد مغادرة ولده للحضانة .. كانت مكالمات رحيق .. مسح وجهه بيده ملتفتا الي زياد ... أدخل في فمه قطعة بيتزا كي يأكل .. الأمر أصبح مجهد ومكلف عليه جدا .. هو لا يملك وقتا لصنع وجبات له ولولده ... ويريد طعاما يحبه زياد فأصبح لا يدخر مالا أو جهدا في اغراء زياد ليأكل .. قضم زياد من البيتزا ... ثم انصرف بوجهه عن والده ... حمله ماجد وقام به ليجلس علي الأريكة ... واضعا اياه علي قدمة .. محتضنا رأسه الي صدره قائلا
" أتعلم زياد .. لقد أشتقت لوالدتك كثيرا .. أتتذكر كلماتها ؟ ... كانت دوما تخبرك أن الجسد كالسيارة .. كي تتحرك لابد من وضع الوقود داخلها .. والجسم بحاجة للطعام كي يعمل ويتحرك .. أليس كذلك ؟  "
لم يلق رد .. انما شعر بأرتعاشة جسد الصغير بين يديه ...أسند رأسه للخلف ناظرا للسقف قائلا
" ابك زياد ...أنت لا تتكلم لتعبر عما بداخلك ... ابك يا صغيري ...ليتني أستطيع البكاء أنا الآخر ..."
عاد لذكرياته عندما سمع صوت ارتطام جسد حنان بالأرض ترك ما بيده مسرعا عائدا لغرفتها ... وجدها طريحة الأرض بلا حراك حملها الي السرير وأستدعي الطبيب ... بعد أن غادر الطبيب بوقت قصير .. حان موعد نوم زياد .. الذي أرادته حنان جوارها الليلة وبالفعل وافق ماجد وترك زياد جوراها ...عندما عاد بعد أن طمئن والدتها القلقة عليها وتركها لتنام ... بدل ثيابة واندس جوارها واضعا رأسها علي صدرة لم ينبس بكلمة وجدها تهدأ وانفاسها تنتظم .. أخذ يربت علي شعرها ويمسح بكفه علي وجهها ... دثرها هي وزياد بالغطاء ... لم يتركها ظل علي وضعه .. مر الوقت وهو لم ينم .. لم يتحرك قيد انمله ..ومع سكون الليل والهدوء توقفت أنفاسها .. كتم أنفاسه قليلا لينصت أكثر .. لقد توقفت أنفاسها .. ظل يمسد شعرها ويهزها بهدوء قائلا
" حنان ... حنان حبيبتي "
لم يحظ بأجابة أو حتي نفس واحد يشعره أنه علي خطأ...أبعدها عن صدره قليلا ...قام ليحمل زياد ليعود به لغرفته سريعا .. والطفل غارق بنومه .. لم يقم بأي صوت .. عاد اليها سريعا أضاء النور .. لفها لتستلقي علي ظهرها  بهدوء متمالكا أنفاسه .. قلبه يخفق بعنف يتمني لو كان مخطئا .. هل فقدها .. هل فقد دفئها وحضورها حوله .. هل تركته وحده يواجه العالم حوله بحلوه ومره ..  ظل يردد
" حنان حبيبتي .. حنان أفيقي  "
لم تجب .. ولن تجب .... توفت حنان سريعا يبدو أنها كانت تعاني ولا يعلم .. قامت بكل شئ لأجله هو وزياد .. سهرت علي راحتهم تحملت تذمرهم .. تحملت مشاكساتهم .. ألهذا أصرت علي نوم زياد جوارها ... ألهذا استسلمت للنوم علي صدره ... ألهذا كانت ترفض ذهابها للطبيب ... كانت تشعر أنها مغادرة .. ذاهبه لعالم آخر بلا عودة ...
بعد الصلاة عليها ودفنها وذهاب الجميع عنها .. لن يتذكرها أحد .. هو نفسه قد لا يذكرها يوما ما .. هكذا النهاية ...كانت تتنفس علي صدره .. وانقطعت أنفاسها علي صدره ...ظلت رهبة الموت تطارده منذ وفاتها ... ورهبة تربية زياد بمفرده ... زياد الذي تبدل حاله .. وعجز معه علي استرجاع صوته وحياته فقد تأثر كثيرا بفقدان والدته .. هو طفل يحتاج حنانها واحتوائها ومرحها .. لم يكن له سواها
أفاق من ذكرياته علي سكون جسد زياد بين يديه .. أعتدل في جلسته حاملا زياد لغرفته واضعا اياه في سريره .. ماسحا عنه دموعه ...مستلقيا جواره في هدوء يتنافي مع ما بداخله من عواصف وحزن وافكار مشعثه هو نفسه غير قادر علي ترتيبها

avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثالث

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:08 pm

الفصل الثالث



" طلب زواج "


عند وصوله لعملها رآها تجلس علي مكتبها ..فهي تعمل كسكرتيرة في مركز طبي كانت تعمل به منذ بدايته مع أكثر من طبيب بمواعيد مختلفه .. منذ الثامنه صباحا وحتي الثامنه مساءا .. بعد وضعها لجودي أخذت ما يقارب من الثلاثة أشهر جوار ابنتها ومن ثم طالبت بالعوده لعملها .. فهو مستقبلها .. أمانها .. هي تخشي الغد .. فدوما تحرص علي ملاقاته قوية .. لم تنتبه وهي تبني قوتها تدهس غيرها للوصول لمبتغاها .. ابنتها التي لا تراها الا عند النوم .. تتركها وتذهب .. لا تعرف هل سيكون وليد معها .. ام ستتركها لجارتها التي لم تنجب للآن رغم زواجها منذ خمسة اعوام .. فرأت سارة انها الانسب للعناية بطفلتها وقت غيابها .. ان غادر وليد صباحا لعمله تترك جودي لجارتها .. وان لم يغادر  بسبب نومه لا تهتم بايقاظه وانما تترك جودي بهدوء وتذهب لعملها مغيظه له بتبجح ...لا تهتم لأي شئ ...فالأهم هو انتقامها منه ومن خياناته التي لا تنتهي ..  اهم شئ هو المال .. المستقبل .. الامان ...ومن قال ان الامان في  المال .. ومن ضمن لها هذا ...لم تنس يوم ولادتها كانت تري نظراته للممرضات .. لم تنس ابتسامته المستمتعة عند وقوع نظره علي مفاتن احداهن.. ملت منه وملت من تجاهلها للأمر .. هي أكبر من أن تقارن نفسها  بنساءه .. هي أكبر من أن يهينها زوجها بالنظر أو مكالمة أو ملامسة أخري .. هي بالطبع أحلي وأجمل من أي انثي قد تلفت أنظار زوجها ..  
أنتبهت لصوت بكاء ابنتها التي يحملها وليد أمام باب الأستقبال .. نظرت لهم بأبتسامه .. اقتربت منهم قائلة وهي تلامس وجنتي جودي...
" حبيبتي ... الفستان رائع .. ألا يوجد شكرا جوجو لماما التي انتقته لك .."
ثم أخذتها من والدها تقبلها ...ظل صامتا ينظر اليها ...واجهت نظراته بالتجاهل فقال
" ألا يوجد شكر لوالدها ..من نظف وصفف و ألبس ... "
قالت وهي تتلفت حولها تخشي أن يراها الدكتور ذو النوبه الصباحية
" ما الذي أتي بك الي هنا وليد ... أتيت لأفتعال فضيحة لي بعملي "
نظر اليها ببرود واضعا يديه بجيبي بنطاله الجينز الثمين قائلا
" لا .. لقد أحضرتها كي أذهب لعملي .. منذ أن انتظمت انت بعملك وانا أكاد أكون عاطلا بلا عمل .. أعذار دائمة لعملائي .. وعملي الصباحي استنفذت اجازاتي منه ... أخبريني سارة .. عمل أيا منا اهم ؟ انا أم أنتي ... من المنوط بتربية جودي والعناية بها أنا أم أنتي ...أخبريني متي تراك ابنتك ؟ .. بل متي أراك أنا ؟ "
كانت كلماته هادئة باردة ... لم يكد ينهيها حتي أدار لها ظهره مغادرا بمنتهي الهدوء.
هكذا وجه لها ضربته ... هكذا انتقم من برودها الذي لا نهاية له .. لن يفيد معها الكلام .. لابد من صفعه قوية لتهتم بأبنتها هو لن يطلب منها ترك العمل ... هو سيجبرها علي الاعتناء بجودي .. جودي فقط  فهي لم تعد شيئا بالنسبة له... هو لم يقربها منذ وقت طويل بل لا يراها .. عملها .. كيانها .. مالها .. هو فقط ما تفكر به ... ابنته دوما معه او عند جارتهم .. هو شاكر لجارتهم في الحقيقه لاعتنائها بطفلته لكن المبادئ .. القيم ..الاخلاق.. ممن ستتشربها من جارته ..ذهب اليها اليوم ليلقي عليها بالمسؤلية قليلا رفقا بابنته ... ويبدو ان المشوار معها طويل لتفهم اولوياتها.
كانت تستشيط غضبا مما حدث..لا تستطع أن تنسي تغيره معها .. هما متباعدان .. كلا يمضي في طريقة .. كلا يأذي الآخر بطريقته .. هي لا تشعر بالأمان حيال وليد .. تباعده عنها مخيف هو حتي لم يحاول استمالتها نحوه .. او مصالحتها .. او حتي مشاكسة لطيفة للتقرب منها ..الهذا الحد اصبح العيش معها مستحيل !.. أمن حقه الغضب ؟.. ماذا عنها هي وهي تعلم بخيانته لها  ... بدأت جودي في البكاء ... لا بل الصراخ ... يبدو أنها جائعة ... من أين ستحضر لها لبنها الخاص .. ماذا وان كانت تحتاج لتغيير حفاضها ...يا الهي ماذا فعلت بنا يا وليد .. ظلت تضرب الارض مجيئا وذهابا تهدهد ابنتها علها تصمت حتي خرج الطبيب من غرفته قائلا
" ما هذا سارة .. هي عيادة أم حضانة ؟ من هذه ؟ ... أبنتك ..."
نظرت للأرض فأكمل قائلا
" ما الذي أتي بها الي هنا ؟.. "
اجابت جودي هذه المرة بصراخ لا ينته .. فقالت سارة
" آسفه دكتور .. أواجة ظرفا عائليا طارئا "
" سيتعطل العمل .. انتي صاحبة مكان ولك نسبة علي كل شئ .. أرجو ان تنتبهي لذلك سارة  "
ردت بأرتباك
"..  هل يمكن ان استأذن ساعتين فقط .. .. أعتذر بشدة "
التقطت حقيبتها وفرت هاربه من أمامه.. لولا أنها الفترة الصباحية والمتوافدين من المرضي ليسوا كثيرا لما وافق الطبيب .. أوقفت سيارة أجرة عائدة  للمنزل سريعا .. مرت علي جارتها وتركت لها جودي مسرعة الي اعلي لتحضر مستلزمات ابنتها .. عادت بعد لحظات لتقذف الحقيبه التي تحتوي علي مستلزمات جودي لجارتها قائلة
" أعتذر لك بشدة عندي عمل هام ... لا أستطيع أن أوفيك حقك .. شكرا لك  "
وغادرت مسرعة حتي لا تهدر من وقتها اكثر من ذلك في حين نظرت جارتها في أثرها قائلة
" لا تقدر نعمة الله عليها ... ألا تدري أن هناك من يشتاق لصراخ طفل يؤنس وحدته "
ثم نظرت لجودي  مقبله عينيها قائلة
" اضئت بيتي جودي ... اشتقت اليك "
ثم اغلقت باب شقتها لتعتني بالصغيرة وحدها  ...



لم تمر سوي بضعة شهور  حتي شهدت والدة حنان معاناته بين ولده وبين عمله وبين الحضانه ... هزل ماجد كثيرا .. ينهك نفسه بالعمل نهارا  .. لا يسمح لأحد بمساعدته في تربية ولده .. لقد وصل معه الأمر للتملك .. للخوف عليه من كل شئ واي شئ .. حياته  كلها تدور حوله .. شعرت بذلك والدة حنان في زياراتهم الاسبوعيه لها ... وهي تراه يطعمه وتراه يساعده في دخوله الحمام .. تري نظراته التي تتبع زياد أينما ذهب ..  ظلت تتذكر محادثتها معه
" أنت تنهك حالك يا ولدي مع زياد .. أتركه لي ..سأعتني به جيدا أقسم لك "
كانت تتمة  كلماتها دموع .. لم تتمالك نفسها فحنان وحيدتها توفت تاركة ابنها الصغير وحده في هذا العالم المتسع .. تركت ولدا وزوجا حائرا متألما وحيدا..ليس له احد توفت والدته منذ زمن ووالده واخته بالخارج  .. لا يستطيع أكمال مهامه وحده ..مسحت دموعها وهي تري نظرات ماجد الزائغة .. تعلم انه يحبها .. تعلم ببعثرة حياته الآن هي لن تنكر أنه أفني نفسه ووقته حول ولده فقط ...هي تحبه .. لم يتبقي من ابنتها سوي ماجد حبيبها .. وولده الصغير .. قالت وهي تدير وجهه بيديها لينظر لها ...
" ماجد حبيبي .. تزوج .."
عبس ماجد مندهشا  ان يصدر هذا الطلب من والدة زوجته رحمها الله ... لو كانت والدته علي قيد الحياة لما طلبت منه هذا المطلب  .. هو يحب زوجته ومخلص لها .. يقسم أنه مازال مخلص لها .. لا زال يدعو لها في صلاته بالرحمه ... لازال حمل ولده ثقيل علي عاتقيه .. لازال قلبه ينبض الما لأن قلبها توقف قبله ... اخذ نفسا عميقا ملأ صدره قائلا
" انت من تطلبين ذلك أمي... لا أستطيع ... من التي يمكن أن أئتمنها علي زياد غير حنان .. أهناك من سيخاف عليه مثلها .. أهناك من سيهتم به مثلها  .. هل سيحب زياد أحدا مثلها .. أأ .... أنا..."
لم يكمل كلماته التي فاضت بالعذاب .. لولا انه قدر الله لتذمر وملأ العالم بشكواه .. لكنه أمر الله الذي لن يرد...
نظرت له بحب مستشعره ألمه .. ثم قالت بواقعية رغم حزنها  
" يجب علي أنا تحديدا أن اقول هكذا كلام .. لابد أن تستفيق بني .. وذلك لأني والدتها... وانت ولدي الذي لم أنجبه لن أرضي أو أفرح بعذابك .. لا تظلم نفسك وزياد معك ماجد ... لابد من وجود امرأة بحياتكم .. تخدمكم وتسهر علي راحتكم ... ولدك يحتاج أم لتعبر معه هذه المرحلة الخطرة من عمره ... لا أريد جوابا الآن .. فقط فكر في الأمر ... لولا مرض عمك لما قصرت في المجئ اليكم ابدا .. وانت لاتريد تركه معي .. فكر بني .. فكر قليلا "
بعدها تناولا الغداء  ثم عاد برفقة ولده لمنزلهم .. كانت تري حيرته .. تري رفضه لكلماتها .. تعلم ان الأمر ليس سهلا علي محب .. ولكنها سنة الحياة وعليه ان يمضي قدما بها .
ظل ماجد يتذكر كلمات والدة حنان مفكرا في الأمر بعد عودته للمنزل .. كيف يتزوج هكذا بسهوله .. نظر لزياد الذي جلس امام التلفاز صامتا كعادته يشاهد فيلما كارتونيا ... جلس جواره قائلا
" ما رأيك ان نخرج سويا غدا .. سنذهب لمكان لم تره من قبل .. تحتاج لأجازة وأنا أيضا  ..."
نظر زياد لوالده  عابسا ... ظل يحرك رأسه يمينا ويسارا ...لم يفهم ماجد ما يعنيه زياد ... فقال
" لا تريد الخروج معي ..."
اومأ  بنعم ...فقال ماجد
" أتريد الذهاب للحضانه غدا ؟ ... "
انفرجت أسارير طفله متابعا بأيماءة رأسه .. أبتسم ماجد أخيرا عندما علم أن طفله متعلق بالحضانه و علي ما يبدو  بمالكة الحضانه ... سأله ماجد مباشرة
" انت تحب مس رحيق زيزو ..!."
اومأ الطفل برأسه ... فهم ماجد ما يعنيه طفله ... وما كانت تعنيه والدة حنان .. ووعي اخيرا ان معها كل الحق في ان زياد يحتاج لأم بديله عن امه ... ليتعلق بأذيالها كأي طفل سوي.... الطبيب دوما يطمئنة أن الانفراجة قريبة ... أن ولده لا يعاني أي أمر عضوي يمنعه عن الكلام ..ولكن الأمر نفسي و عليه بالأهتمام به .. حتي أصبح تعلقه بزياد مرضي يبدو أنه من يحتاج لطبيب نفسي .. يحب ان يكون زياد تحت نظره دوما .. لا يغفل عنه للحظة .. ينام جواره .. هو من يعتني به .. قد يكون يزيد الأمر سوءا ولا يعلم .
بعد مرور عده أيام ... علم من عاملة الحضانه بالصدفه ان رحيق ارملة ... سأل عنها في محيط منزلها كانت طيبة السمعة ... وبطريقته الخاصه علم أن لها أخوان يسكنا بالقرب منها... علم انها تعتمد علي نفسها في تربية صغارها فأعمار اولادها  تتقارب مع عمر زياد ... لقد وقع اختياره علي رحيق فهي ام لطفلين ذكور وقادرة علي تربيتهم وقادرة علي الامساك بهم بقبضة من حديد ... يعلم جيدا مدي تعلق زياد بها وانها قد تؤثر ايجابا في تخطيه هذة المرحله من عمرة .. وقد تكون سببا في عودته للكلام ... ظل يجمع معلومات لا بأس بها عنها .. علم انها رفضت العديد من الرجال من طلبوا قربها والزواج منها ... كان معظمهم طامعين .. هو لا يكن لها مشاعر ... هي مقبوله بمظهرها وحجابها المحتشم ... مقبوله اجتماعيا .. لها دخلها الخاص ولها املاكها الخاصه ... تحب زياد وهو لا يريد اكثر من ذلك ... زياد هو من يهتم لأمره... تكالبت عليه الكلمات .. كلمات والدة حنان .. كلمات الطبيب .. وتوالت عليه الأحداث هو لن يستطيع ان يكمل باقي حياته في دوامة الخوف المرضي التي يحياها مع ولده .. لابد ان يحظي زياد بحياة طبيعية .. لابد ان يخرج من عبائته ويواجه  الحياة ويتعلم منها ...ظل يفكر ويفكر قائلا بهمس
" ولم لا ؟ " .



اختفي وليد منذ آخر مرة كان بمكتبها ... ظلت تتقلب علي جمر ذنبها ليل نهار ...تخشي أن يمس سمعتها بسوء .. هو قادر علي ذلك ...قادر علي جعل حياتها جحيم ... ماذا لو ارسل التسجيل المرئي لأخويها ... او لأعمام ولديها ... ماذا وماذا ... ظلت تستغفر في الأيام الماضية وتدعو الله من قلبها ألا  يعاود الاتصال بها مجددا ... كانت تعلم انها مجرد هدنه من وليد فهو مثابر جدا في هذه الامور ... يكفي انه لازال يبقي علي امرأته رغم انه ليس بحاجه لها ... تري .. لماذا لم يطلق وليد زوجته للآن ؟.. هي لا تصدق انها من تمنعه عن ذلك ... لماذا يبقي علي زوجته وهي كما يصفها لا تهتم لأمره وهو لا يهتم لأمرها .. يخبرها انهم لا يتفقوا علي شئ .. بينهم فجوة تتسع شيئا فشيئا .. لماذا اذا لم يحدث الطلاق ! .. توصلت الي ان وليد يخدعها ...منذ البداية وهو يخدعها هو لن يتزوجها رسميا ولا كزوجه ثانية كما كان يدعي وقد أتضحت نيته في طلبه الأخير لزواجه منها عرفيا ... حدثت نفسها
" آه منك وليد ..ذاك كله مخطط للايقاع بي ... وأنا كما الغبية انسقت وراء كلماتك وطلباتك ...ليتني ما فتحت الكاميرا ... ليتني ما وثقت بك   "
دموعها بدأت بالتساقط مجددا .. تخشي من تهوره ...ليس لها احد تلقي علي عاتقه سرها وخذلانها من نفسها أولا ... هي بحاجه لرجل ... رجل يسترها ...هي حقا بحاجه لرجل .. هي لم تحيا  كأنثي من قبل حتي مع زوجها الراحل .. لم يشبع رغباتها كأنثي كان يأخذ دوما ولا يعطي ... فكرت ساخرة .. يكفي أنه أعطاها  ولدين من صلبه ... تأففت ممسكة رأسها .. صداع مجددا .. يكاد لا يفارقها هذة الأيام ... ..عند اقتراب موعد اغلاق  الحضانه خرجت من مكتبها تلملم حاجياتها لتغادره... صرفت عاملة الحضانه ولم يتبق سوي  زياد كالعادة ... بقي دقيقتان علي موعد والده الذي لم يخلف موعده أبدا منذ أعطاها كلمته بالالتزام... وجدته مقبلا عليها.. رحبت به قائلة
" مرحبا سيد ماجد .. "
ثم نظرت لزياد مداعبة شعره قائلة
"زياد متفوق بدراستة انا سعيدة من تفوقه هذا .. وأود مكافئته  "
نظر اليها ماجد بتفحص ... قائلا
" وكيف ستكافئينه؟ "
مطت شفتيها قائلة
" بما يرغب .. اخبرني ماذا يحب لأكافئه فورا "
نظر اليها ماجد بتمعن قائلا
" أود محادثتك رحيق بأمر هام "
تحولت نظراتها الشغوفة لمعرفة ما يحبه  زياد الي نظرة تعجب من الغاءه الألقاب ..ما الذي يرغب محادثتها بشأنه ؟..قالت
" خيرا سيد ماجد "
اصرت علي تمسكها بكلمة سيد لتسبق اسمه لتجبره علي احترامها
شعر بالحرج منها وفهم ما ترنو اليه .. هي لن تقابله خارجا حفاظا علي سمعتها والآن موعدها مع اطفالها ... فقال مختصرا
" أريد الزواج منك رحيق ..."
التعجب الذي علا قسماتها جعلته يخفض صوته قليلا قائلا
" فكري في الأمر  بروية رحيق .. انا أحتاج لأمرأة ترعي شئوني ويحبها ولدي ... لست طامعا .. ولا اتلاعب بك .. ان وافقت سأتقدم رسميا لأخويك ..  "
لم يلق منها ردا سوي تصلب نظراتها وجسدها .. لوح زياد لها بيده ليغادر أما والده فرمقها بنظرة أخيرة ثم أدار لها ظهرة ممسكا بكف ولده مغادرا .. هكذا بكل بساطه ألقي في وجهها طلبا للزواج ليشتت ما تبقي من أفكار تملأ عقلها ..



" سأطلقها يا سما  .. ألا تخجل من قلة نظافتها .. ألا تخجل من عدم أهتمامها بأطفالها .. "
تأففت سما وهي تقول عبر الهاتف
" لا علاقة بين نظافتها وبين مصاريف بيتك .. من يلبي احتياجات صغارك  اذا !  "
"  ليس معي مال سما .. نفذ راتبي .. هي لا تهتم سوي بالمال .. المال فقط لا يهمها زوج او اطفال تبحث دوما عما تشتكي منه"
قالت سما بهدوء
" ليس المال فقط كريم .. لقد اعترفت بنفسك قبلا أنها تحبك وأنها من اعتنت بك أثناء غضبك من نور ..اعتني بزوجتك أشعرها بأهتمامك .. سيتغير الكثير .. "
ظلت تحاول اقناعه وتهدأته ..لقد سئمت حقا .. سئمت من مشكلاته التي لا حصر لها .. وملت من التكرار .. أغلقت سما الهاتف متأففه ثم انتبهت لزوجها الذي عاد من عمله ..
" ألا يوجد لدينا سوي اخيك وزوجتية سما ؟ .. بدأت أتيقن أن العيب به هو وليس بزوجتيه "
هي تعلم أن مع زوجها حق ... أتي مالك يحتضن والده تبعته اخته جني ... تقبل وجنتيه ...
" أري أن الحل أن تقذفي بهذه الهموم والمسؤليات علي والدك ..كيف للآن لم يخبر والده  عن زوجته الثانية وعن طفلته منها"
لقد نصحت أخيها كثيرا وهو لم يهتم ..
" هو ليس طفلا عصام .. هو رجل في الخامسة والثلاثين من عمره عليه أن يدير حياته كيفما شاء ... أنا .. أحتاج للخروج .. هل يمكن أن نتغدي خارجا اليوم ..."
نظر لها متفحصا هو يعلم زوجته عندما يتغير مزاجها ..
" لبيك يا زوجتي العزيزة .. أستعدوا سريعا فأنا أكاد أموت جوعا " .
دلف الي المطعم بعائلته ..طلب الطعام المفضل لصغاره وجلس يداعبهم حتي يحضر  الطعام .
يوم ممطر .. قطرات صغيرة تترقرق فوق زجاج سيارته الامامي .. سيارته التي كانت ارثا من والده .. وأيضا منزله الذي يحيا به مع سارة .. توفي والده قبل لقاءه  بسارة .. تاركا له بيتا وسيارة وحياة كريمة .. لم يحظ أعمامه بشيئا من الارث  فهو ولده الوحيد .. مما أغضبهم .. وذلك كان سببا في مقاطعتهم له .
لم يذهب وليد لعمله اليوم بكامل ارادته .. استيقظ باكرا في موعده مرتديا ملابسه مغادرا منزله مبكرا .. ظل يجوب الطرقات بسيارته ..  يسير بها يتأمل الناس والنساء .. ظل يتذكر حبه لسارة وارتباطه بها .. تذكر ولادة جودي ومدي سعادته بقدومها .. كان وقتها يحب زوجته لكنه لم يستطع ان يخلص لها .. هو يحب النساء .. يحب مفاتنهن .. يحب تمايلهن .. أصابعهن .. التفاتتهن .. يحب كل شئ فيهن .. ينظر لأصابع أقدامهن .. هل يعتلي أظفارهن طلاء فهو يعشق الطلاء الاحمر  .. هل اقدامهن نظيفة .. رفيعة .. منحوتة .. يبدو انه مبتلي بحبهن .. أهدر وقته و لم ينتبه الا بأقتراب موعد مكتبه .. صف سيارته أمام مطعم ليتناول غداءه ..دلف داخل المطعم ليجلس به قليلا حتي موعد عمله .. احتاج لفسحة من الوقت ليفكر جيدا في حياته ..شعور غريب تسلل اليه من مرأي الأسر وهي تتناول غدائهم سويا .. انتبه وهو يبحث بين الناس الي صديقه عصام الذي لم يره منذ زمن طويل .. لا يعرف أخباره .. يبدو أنه تزوج وأنجب مثله .. ظل يتابع صديقه واسرته  ..نظر وليد مستغربا ... عائلة .. لصديقه عائله ويخرجوا سويا لتناول الطعام .. اذا أين عائلته هو ! .. سارة وابنته التي تباعد عنها في سباق للعند يتباريان فيه هو وزوجته ... هو لم يتأخر يوما علي عمله منذ ذهب بجودي لعملها .. يستيقظ قبل زوجته ويخرج ويعود بعد عودتها .. لا يراها .. لا يتحدث معها ان صادفها مستيقظة.. حتي رحيق أمهلها وقتا لتفكر بعرضة ...وابنته تباعد عنها تلقائيا بسبب انتظامه في عمله ..لكن لا يخلو يومه من مكالمة لتلك .. أو لقاء مع أخري... كان يستمتع علي طريقته .
فوجئ عندما شاهد زوجة عصام منتقبه .. عصام لم يكن ملتحي او فقيها في الدين .. لم يكن من المتشدقين بكلمة حلال او حرام .. دوما كان شاب عابث .. هكذا كان يراه .. كيف يقع اختياره علي زوجة منتقبة .. شاهدهم يقفوا للمغادرة .. هم هو الآخر ليغادر ..اقترب منهم بهدوء ممسكا بذراع عصام قائلا
" شباب الجامعة .. سباق السيارات .. عصام ابو العزم ..."
التفت عصام الي صديقه الذي اشتاق له منذ زمن ..
" وليد منصور .. يالها من مصادفه  .. كيف حالك يا رجل"
انتبهت سما الي زوجها الذي تأخر عنهم بعدة خطوات .. شاهدته مع رجل يبدو صديق قديم .. وجدته يسلم عليه ويلحق بها .. سألته
" من .. ؟ "
أدخل هاتفه بجيبة بعد أن تبادلا ارقامهم هو و وليد مجيبا بأبتسامه
" صديق قديم ... قديم جدا سما .. هيا بنا"



الجو باردا .. أمطار غزيرة اضطرته للعودة الي منزله متأففا .. هل من العقل أن يترك النظافه ويأتي لهنا .. أن يترك العقل الراجح ويأتي حيث التخلف والجهل المتشعب بين ربوع عقلها وبيتها .. هكذا هو يراها دوما .. لولا الأمطار التي أعاقت حركة المرور لما جاء الي مني .. دلف الي منزله لم يجدها وجد طفله الصغير أمامه يبكي متألما .. أمسك كفه ثم تركها مصدوما .. يا الهي .. يد ابنه مشوهه سأله بغضب
" من أحرق يديك هكذا ؟ .. "
رد الطفل متلعثما
" معاذ .. "
" وكيف ؟"
خشي الطفل من غضب والده أجاب علي الفور
" لقد ألقي الزيت الساخن علي يدي "
اقشعر جسده مغمضا عينيه .. ثم صاح مناديا بقوة
" معااذ .."
خرج معاذ من غرفته خائفا
" نعم يا أبي .."
لقد وجده هو الآخر يتألم .. واتضح له أنه ايضا يشكو من يده .. ما الذي يجب عليه فعله الآن  ..من أين أتوا بالزيت الساخن ؟ .. علم أن زوجته أعدت لهم الطعام .. وتركت الزيت علي الموقد .. وخرجت .. هو حتي لا يعرف أين هي .. حقا أين هي ؟..في هذا الطقس الممطر وليست بالبيت .. تذهب وتعود ولا يعرف عنها شيئا ...حمل الاثنان وذهب بهم للصيدلية .. أعطاه الصيدلي مرهم للحروق .. ظل طوال طريق العودة يحاول مهاتفة زوجته مني .. لا تجيب .. يكاد يجن ما الأمر الهام الذي جعلها تترك اطفالها وتذهب لأجله ؟ .. وتمتنع أيضا عن تلقي أتصاله .. تري ما هو الشئ الأهم منه ومن صغاره..عاد للمنزل بولديه .. كرر  اتصالاته بها..وما من مجيب .. ذهب  للحمام .. نظر لحمامه .. لبيته .. لأطفاله .. ما الذي اوقع نفسه فيه .. الأوساخ بكل ركن بالمنزل .. ورق ملقي علي الارض .. كوم صغير من التراب مكوم جانب الباب .. الحمام لا يرقي ان يكون مرحاض عام .. ملابس ولديه ملقاه علي السرير ..  علي الأرض .. خزانة الملابس مفتوحة يخرج منها ملابس صغاره .. لا فرق بين نظيف او متسخ ...
لم يكد يخرج من الحمام حتي وجدها امامه .. قال بغضب
" اين كنت ؟... "
ردت بتأفف
" عند زوجة أخي ... ابنها مريض "
أمسكها من ذراعها بقوة قائلا
" طالما قلبك حنون لهذه الدرجة .. لماذا لا تهتمي بأطفالك من باب اولي ! "
لم تكد تفتح شفتيها لتتكلم حتي ساقها كما تساق النعاج متجها بها الي ولديه
" أنظري الي أطفالك ... الي أيديهم .. لقد قذفوا بعضهم البعض بالزيت الساخن ...الذي تركته أمامهم  دون ان تخفيه عن اعينهم .. تتركي أطفالك الصغار دون رعاية و اهتمام ...لتهتمي بزوجة أخيك وابنها .. اليس لديك عقل يا امرأة ..  !"
دفعها لتسقط جوار ولديها .. مصدومة مما  خلفته افعالها .. لم تقصد ..لم تكن تقصد حقا ...هدر بعنف
" ماهذا .. أهذا مكان صحي يحيا به أطفال !.. أنظري للأوساخ العالقة ببيتك .. أنظري لملابس أطفالك .. تبا لك مني .. كيف أخترتك .. كيف تزوجتك  ؟ تبا لك ..."
قذف بوجهها دهان الحروق .. قائلا
" اهتمي بأطفالك .. وببيتك .. هذا آخر تحذير .."
غادر صافقا الباب خلفه بقوة .. ظلت تبكي وتحتضن أطفالها .. عندما انتهت من تحضير الطعام لم تنتبه أن تخفي الزيت عنهم .. فأتصال زوجة اخيها أربكها .. كانت تحتاج اليها ورضيعها يصرخ ألما ولا تعرف ما به .. تركت ولديها علي الفور للذهاب اليها .. ظلت تردد
" لم اقصد .. حقا لم اقصد "
لم تقصد أن ترتب بيتها .. لم تقصد أن تعتني بأطفالها .. لم تقصد أن تجيب علي هاتفها .. كل شئ لم تقصد .. متي ستقصد وتهتم اذا .
رغم الأمطار التي منعته عن زوجته الأخري .. الا أنه اتجه اليها مسرعا وكأنه يحتمي بها من مني وأفعالها .. أخرج المفتاح من الباب واغلقه خلفه .. عالم آخر .. لا يعرف ان لم يكن متزوج من أخري أين كان ليذهب !.. الشارع .. قطعا الي لشارع .. دلف حيث النظافه والرعاية والاهتمام .. نور كانت النقيض لمني ..في كل شئ .. التعليم .. رجاحة العقل .. الطبخ .. الأهتمام ببيتها وزوجها ... هبت واقفه عند سماعها صوت مفتاحه اقتربت منه قائله
" حمد لله علي سلامتك كريم "
بدأت بخلع سترته .. اشتمت رائحة منزله الآخر عالقه بها.. قالت ساحبة اياه الي الحمام
" حمام دافئ يزيل تراب الطريق .. حتي اعد الغداء حبيبي " .
اغتسل وبدل  ملابسه بأخري نظيفه ذات رائحة طيبة
هذا دوما هو الفارق .. كمن يقارن بين الشاي  واللبن بين نقاء اللبن ببياضه وضياءة .. وبين الشاي بسواده وتعكره ..دوما يقارن بينهن بين هذه وتلك .. هو سعيد مع نور .. ما ينقصه معها هو ان يقضي علي تسلطها الذي كان من صنع يديه .. بعد زواجهم بدأت بمساعدته بكل شئ .. ايجار الشقة التي يقطنوها الآن.. تساعده بالمال لتلبية احتياجات أولاده من الأخري .. تنفق هي علي البيت .. نظافة وطعام ومستلزمات ... وبدأ هو يتنحي شيئا فشيئا حتي بدأ في طلب مصروفه اليومي منها .. أو يتركها تدفع أجرة مواصلاتهم وهم في طريقهم للعمل سويا فهم يعملان بنفس الشركة.. هكذا بدأت نور تتغلغل داخله .. حتي اصبحت كل شئ واعتمد هو عليها في كل شئ ...هو يخشاها .. يخشي ان تخبر والده عن زواجهم .. أو تخبر مني .. هو لا يحب أن يبرر افعاله لأحد .. لا يريد أن يغلق والده صنبور مساعداته له .. نهاية هو يريد كل شئ .. يريد مساعدة والده .. يريد زوجاته الاثنتين الأولي لتتولي تربية أولاده .. ويحتاج الثانية كواجهة مشرفه في عمله .. ويريد السعاده أيضا .. التي تمزق اشلاءا حتي يحصل عليها تمدد علي الأريكة هو حتي لم يسل عن أروي ابنته الصغيرة  فلينعم قليلا  بالهدوء..
وجد نور تقترب منه قائله بغضب
" هناك خاتم آخر اختفي من المنزل كريم "
نظر لها بجمود دون ان يرمش له جفن
" و ..."
قالت شبه صارخة
" من اخذ الخاتم الاول اخذ الثاني .."
عدل من جلسته منتبها لها فقد فهم ما تعنيه .. بل أدركه منذ أن تفوهت بأن هناك شئ اختفي وكأنه هو السارق الوحيد في هذا الكون .. نظر لها بهدوء
" طبعا أنا ... لن تفكري كثيرا .. أو تشكي بأحد فدوما الجاني حاضر لتلتصق به كل التهم ...وهل تعتقدي أني لم ألبث حتي أسرق خاتم آخر ولم يمض علي عودتي للمنزل الا أيام ..."
وضعت يدها علي أذنيها محركة رأسها يمينا ويسارا
" كفي .. لقد مللت من الكلام .. من سيسرقني اخوتي ..أم أبناء أخوتي .. فسر لي أرجوك .."
قال شاردا
" لا .. بل انا ..."
نظر لها بقوة ثم هب واقفا معلنا نهاية الحوار معها ..مغادرا بهدوء .

avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الرابع

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:12 pm

االفصل الرابع



"  ألسنة النار "
" بدلي ثوبك رحيق ... سأهتم بأمر الصغار "
كان هذا قراره عندما وافقت علي الزواج منه ..أن يكون الصغار  ثلاثتهم معهم منذ اليوم الأول بمنزله ...  " ماجد "
لا تعرف عن شخصه الكثير الا أنه رجل يتألم كثيرا لفراق زوجته .. تشعر أن قربها من زياد وحبه لها هو السبب في هذا الارتباط ..و قد يكون له أسباب أخري لم يفصح عنها بعد ..تذكرت يوم طلبها للزواج مغادرا ... ظلت ليلتها تتقلب علي نار القلق والخوف والحيرة .. ماجد .. والآن .. في هذا التوقيت العصيب من حياتها .. وليد .. وماجد .. ظل الأسمين يترددان ويزاحمان أفكارها .. وليد الماجن صاحب المشاعر الصاخبة الجريئة .. أم ماجد الذي رأته مرات معدودة ولا تعرف عنه شيئا .. عن طبعه .. ما يحب ما يكره .. اهتماماته .. أي شئ عنه .. من تفاضل اذا !.. وليد أم ماجد ..وهل وليد ضمن المعادله ألم تنتهي الي أنه لم يكن جادا منذ بادئ الأمر معها.. اذا .. ماذا عن التسجيل الذي يمتلكه .. ماذا لو علم وليد بأمر تفكيرها بالزواج من آخر وحاول أن يبتزها ... ماذا ان أرسل التسجيل لماجد ان وافقت علي الزواج منه ... ماذا ؟ .. لمعت فكرة بعقلها وهبت لتنفيذها .. التقطت هاتفها باحثة عن أسمه علي برنامج التواصل الاجتماعي .. تهم لأرسال رساله اليه
" وليد .. موجود .."
وجدت ردا سريعا لسؤالها
" نعم .. موجود .."
لم تتردد في ارسال رسالتها
" انا موافقه علي الزواج منك .. لكن بشرط .."
" ماهو ؟ .."
" يكون زواجا رسميا .. وليس زواجا عرفيا .."
تأخر كثيرا في اجابته هذه المرة ... دقيقه .. اثنان .. ثلاث ..ملت من الانتظار ولم يجب .. هو لم يجب بالرفض او الموافقه .. هو حتي لم يهددها بالتسجيلات .. لم يكتب لها شيئا .. انتظرت حتي مرت ساعة كامله الي أن حظيت برده
" أمهليني وقتا رحيق لأفكر  ... "
وهكذا .. انقطع عنها لشهر كامل .. كان ماجد يتقرب منها ويقربها لزياد .. بدأ هو ايضا بالتقرب من صغارها ..تقدم لأخويها رسميا ليقطع عليها المماطله في التفكير .. طلبت أن يتقاسما كل شئ .. هو ملزم بالبيت من أوله لآخره .. منزله الذي يملكه سيكون عشا للزوجية .. يسمح لها بمتابعة الحضانه ولكن ليست ملزمة بالخروج  يوميا .. فلتتابع امورها من المنزل .. ستكون والدة لثلاثة اطفال صبيان بحاجه لعناية مكثفة ومجهود مضاعف ...اشتري لها هديه ذهبية بسيطة ليعبر عن ارتباطة بها أمام الجميع بعد أن حظي بموافقتها .. خرجا سويا ..مرارا .. علمت ما يحب وما يكرة ..هو رجل كريم .. هادئ .. غيور علي ما يخصه .. وقد أصبحت منذ موافقتها تخصه...لم تكن حمقاء لتضيع شخص كماجد من أجل وليد وخوفها منه فهو جبان في كل الأحوال فقد جبن وأختفي عنها وكأنه لم يطلبها زوجة له ذات يوم ..عليها أن تمضي قدما وتترك كل شئ خلفها .
تشعر بتأنيب الضمير من تجاة ماجد .. وهي تخفي أمر وليد وما حدث بينهما والتسجيل الخفي الذي يملكه .. لا تملك القدر الكافي من الشجاعة كي تخبره.. وجدت في ماجد الشخص المناسب لتوافق عليه هو ليس طامعا كمن سبقه في التقدم اليها .. يخاف الله .. مخلص لولده وزوجته .. قوي الشكيمة ..رجل يعتمد عليه رجل تفرغ  ثقلها عليه ليحميها و يحتويها .. هي  حقا كانت تحتاج لرجل بهذه المواصفات ..عادت من ذكرياتها علي صوت اغلاق الباب بعد أن عاد اليها ..بدأ بتبديل ثيابه الرسمية بعد حفل زواجهم البسيط ..ثم توجه للسرير .. تناولت ملابس بيتيه بسيطة لتذهب الي الحمام لتبدلها ..
" اطفئي النور رحيق .."
كانت هذه كلماته التي انتهت لمسامعها وهي تغلق باب الغرفه خلفها .. تسربت اضاءة خافته للغرفة من الخارج .. كان مستلقيا علي سريره تنهشه الذكريات .. رحيق .. لا ينكر اعجابه بقوتها .. أن تصبح أرمله شابه في هذا العمر  فهي تصغره بعامين فقط مسؤلة عن اطفال مشاغبين هكذا .. لقد أنهكوه حتي خلدوا الي النوم .. كان يتقرب منهم حتي لا تترك رحيق جهدا للتقرب من ولده بالمثل .. يود أن يستمع لصوته مجددا يشتاق لكلمة أبي من بين شفتيه بصوته الرنان .. يستبشر بوجودها ويتمني أن تكون فألا حسنا بدخولها حياته .. لا يستطيع أن يحسم ما بداخله للآن .. هو يحب حنان .. لا يستطيع أن يمس امرأة سواها .. ورحيق زوجته الآن .. وبحاجه أن تستشعر أن حياتهما معا حقيقية.. ظل مذبذبا وهو يتقدم لخطبتها .. وهو يعلمها من يكون .. وهو يزين اصبعها بخاتم خطبتهم التي لم تكد تكمل اسبوعين وانتهي الأمر بها في بيته ..لم تهتم لثورة أهل زوجها الراحل .. بل واجهتهم بكل هدوء بأنها امرأة بحاجة لمن يرعاها .. لمن تأتمنه علي نفسها وصغارها .. طالما وجدت الرجل المناسب فلم لا ..خاصة وأنهم يقبلون بأن تتزوج فقد رتبت عمة صغارها لها زواجا أقل ما يقال عنه حقيرا ..بلا تكافؤ وأساسه طمعا في مالها ..هكذا أخبرته رحيق.. هي امرأة قوية أمام الناس ضعيفة أمام نفسها ..هي امرأة لا يعلم أحدا ما بداخلها فهي لا تشكو أمامه شيئا ..تهتم بولديها وحدها ...ظل يتذكر وجهها وهي تقص عليه ما حدث بينها وبين اهل زوجها ولم يكن مر الكثير علي وفاته .. بصوت ثابت وملامح قوية .. لا ينكر أنه أعجب بها وبرجاحة عقلها وطريقة معالجتها للأمور..
عادت اليه سريعا بعد أن بدلت ثيابها ..أوقدت الضوء  .. ضيق عينيه ليعتاد الضوء بعد الظلام  ناظرا اليها .. وجدها تستلقي جواره علي احدي جانبيها في مواجهته .. التفت اليها وهو ممددا علي ظهره ..
" ألن تغلقي النور ؟ "
تدللت قائلة
" أخاف الظلام ... "
نظرت للعرق النابض برقبته .. ممررة عينيها علي شفتيه ومنها الي عينيه التي تشبه لون العسل .. وسيم .. ماجد وسيم .. بل زوجها وسيم .. هكذا رتبت الكلمات بعقلها .. هو زوجها من حقها .. اقتربت قليلا منه .. قليلا اكثر .. فأكثر .. وقد لاحظ ماجد أقترابها .. هو في النهاية رجل تتقرب منه امرأة أقل ما يقال عنها أنها جميلة .. والحقيقة أنها فاتنه .. كان الحجاب يخفي الكثير  كانت تتحفظ دوما أمامه مرتدية حجابها فلم يرها دون حجاب الا الآن ... شعرها ناعما مثلما وصفه زياد تماما .. ظل ينظر الي وجهها الفاتن أمامه .. الآن تغويه امرأة ... ليست أي امرأة هي زوجته .. بغرفته .. وعلي سريره .. فلم يدخر جهدا ليحسم حيرته مقتربا كثيرا هو الآخر منها .
أخذت حماما دافئا مستيقظة قبل الجميع .. امرأة تشع نشاط وحيوية ..توجهت لغرفة زياد الصغير .. ينام بغرفة وحده .. و صغارها بالغرفة الأخري المجاورة له ..أقتربت منه تطبع قبله علي جبينه هامسه بأذنيه
" زيزو .. حبيبي .. أستيقظ ..أعددت لك الافطار .."
تمطي الصغير معتدلا .. لينظر اليها هكذا .. هو لم يرها هكذا منذ الصيف المنصرم .. عندما كانت تتخفف من حجابها في الحضانه طالما مغلقه في أوقات دراستهم .. نظر لعينيها مبتسما .. احتضنها مشددا يديه حول عنقها .. فحملته تغسل وجهه ثم أتجهت به لغرفة الطعام .. كان هو أول من أيقظته .. لكنها لم تنتبه لمن أستيقظ بمفرده .. ماجد
ظل ينظر اليها يراقبها  منذ خرجت حامله ولده بين ذراعيها .. لا ينكر أنه شعر بالسعادة مما رأي..نظر لهم من خارج الغرفه قائلا
" صباح الخير رحيق .. مرحبا زياد ...."
لوح له زياد بيديه مبتسما .. لم يري تغير مزاج ولده الا بحضور رحيق .. ألها كل هذا التأثير عليه !.. رآها تتوجه لغرفة ولديها لتوقظهم أشار لها بأن تتوقف قائلا
" أعدي الطعام .. سأوقظهم بطريقتي "
دلف الي غرفة أحمد ومحمد  التي جهزها خصيصا لهم بسريرين مميزين والعابا بسيطة تتناسب مع عمريهما ... ولم ينس ألعابا جديدة لزياد أيضا كي لا يشعر بالغيرة .. كان يدخر مالا بدل منه غرفة نومه القديمة التي جمعته بحنان ..وأعد غرفة المعيشة لأستقبال ولدي رحيق أستعدادا لقدومهم .. لم ينس وجه زياد عندما أخبره أنه سيتزوج من معلمته  رحيق ويحضرها هنا بالبيت لتهتم به وترعاه ..كانت سعادة زياد وقتها حافزا ليطلب رحيق للزواج  سريعا أخذ يقفز ويضحك ويعانقه بشدة .
قال بهدوء
" هيا يا صغار أستيقظا "
لم يلتفت اليه أحد .. أقترب أكثر مزيحا الغطاء عنهما مرة واحدة معا .. فلم يتأثروا ...
سمعت صوت صراخ يقترب من غرفة الطعام ... صراخ .. لالا صوت قهقهات عالية .. صغيراها يضحكان ملئ شدقيهما ... وسرعان ما بدأت هي الأخري بالضحك ...كان ماجد يحمل ولداها كلا من قدمة .. أحمد من أحدي قدمية .. ومحمد أيضا.. ورؤوسهم تجاة الأرض ... كل واحدا منهم بيد .. نظرت الي ماجد بأحتواء .. هو يهتم بصغارها ..حقا كانوا بحاجة ايضا لرجل مثله  .. قادر علي مجاراة عمرهم بحب ولعب ومرح .. هي ممتنه له .. ممتنه له كثيرا لأنه أسعد صغارها هكذا ... تناولت أحمد وقلبته ليعود لوضعه الصحيح .. أجلسته في حين أجلس هو محمد ثم  جلس علي رأس المائدة وهي جواره .. في اعلان صريح للصغار ... بل لأنفسهم قبلا .. أنهم اصبحوا عائلة .. بل وعائلة كبيرة .
اعتادوا علي بعضهم البعض .. يتناولوا وجباتهم سويا ... يلعبوا سويا ... ليلا يشاهدوا فيلما كارتونيا من أفلام والت ديزني .. سعد الاطفال كثيرا .. رحيق معظم وقتها معهم وهو ايضا فلم تنته عطلة زواجه بعد .. ستنتهي غدا .
مرت الأيام سريعا مليئة بالتفاؤل وتعدهم بحياة ممتعه .. عاد لعمله .. الذي انخرط به فأصبحت الحياة رتيبة .. كان يعود للمنزل ليجدها تدرس مع  الصغار  .. ومعهم زياد .. لم يذهب زياد الي الحضانه مرة اخري فهي أصبحت من تهتم به وبجميع أموره .. وقد نقلت الحضانه للمنزل وذلك بوجود طفليها المشاغبين الذين يجعلون الحجر ينطق .. ووجودها هي كمعلمة لزياد تستذكر معه دروسه ... عند انتهاء صغارها من أختباراتهم  الشهرية المعتادة .. ونجاحهم قرر ماجد مكافئتهم بنزهة ممتعه تليق بمجهودهم ومجهود والدتهم في الفترة الماضية ...... استيقظا مبكرا جميعهم ... بدأت رحيق في تجهيز الاطفال .. تركت ولداها يعتمدون علي انفسهم واهتمت بزياد قليلا ... تعلق بها زياد أكثر فأكثر وهي تغدق عليه من حنانها وحبها وأحتوائها .. أخبرها ماجد أنه اقترب من الشفاء  بناء علي ما قاله الطبيب الذي يخبره دوما بتفاصيل زياد والذي أخبره أن الأستقرار الأسري  سيساعد زياد علي الخروج من الأزمة .. هو يقترب من هدفه مع ولده.. وهي بأنتظار ذلك علي أحر من الجمر ...دوما تسأله
" هل انت سعيد زياد "
ويجيب بنعم بهزة من رأسه .. دوما تخبره
" عندما تشعر أنك تود الكلام لا تمنع نفسك .. حاول أن تفتح فمك ... أن تصرخ ... أن تقهقه ... حاول يا صغيري "
أستعد الجميع للنزهه متوجهين  الي الملاهي .. ظلوا يلعبوا ويمرحوا .. حتي رحيق لم يتركها ماجد الا وهي تلعب معهم وتركض وتستمتع بالالعاب الخطرة مع صغارها الثلاثة ..لم تشعر أن زياد غير ذلك .. بل هو ابنها الذي لم تنجبه ...تحبة وتخاف عليه وتتمني له الشفاء والسعادة ...
كان ماجد مع الصغار يبتاعون المثلجات في هذا الجو البارد ...لم يهتم لتحذيرها أن المثلجات قد تمرضهم في الشتاء لكنهم لم يهتموا وأولهم  ماجد
" اذا لن تتناولي هذة رحيق "
أشار الي مثلجاتها التي يحملها ..
" انها .. بالشيكولاته ... "
قالتها وهي تلعق شفتيها ...هو يعلم أنها تحبها...أخذتها من يده قائلة
" لامانع من المثلجات اليوم .. لكن هذه المرة وفقط "
ثم التهمت المثلجات بنهم أكثر من صغارها
قال ماجد وهو ينظر اليها
" زياد اخبرني انك تفضلين الشيكولاته .."
وأكمل غامزا
" كنت أبتاعها لأجلك .. ألم يكن يوصلها لك .."
شعرت بالخجل من كلماته .. رغم أنه يتقرب منها وهي أيضا .. الا انها لا زالت تشعر بالخجل منه .. لم تعتد للآن وجوده في حياتها .. الا أنها تعلم بمرور الوقت سيصبح الأمر أفضل .
دثرت الصغار  بالغطاء بعد أن غطوا في نوم عميق بعد يوم طويل من اللعب والركض... ثم عادت الي زياد لتجده نام أيضا ... عدلت من نومته .. تجذب الغطاء عليه فتح عينية ناظرا لها وهو يقول بحب
" أحبك أمي ...."
و أغمض عينيه بمنتهي الهدوء وكأنه لم يقل شيئا
ماذا هل تكلم ... هل تكلم زياد .. ياالهي زياد تكلم ...ظلت ترددها من بين دموعها وسعادتها ..
" زياد ... زياد "
لم يجب عليها وقد غط في نوم عميق هو الآخر بعد أن أسعد قلبها .. غادرت الغرفه متجهه الي ماجد ... وجدته يرتدي منامته ... لم يكد ينظر اليها حتي أقترب منها ... تبكي .. رحيق تبكي .. أقترب رافعا وجهها اليه
" ما الأمر ؟ ... هل الصغار  بخير ؟ "
أندفعت تجاه صدره مطلقة لدموعها العنان وهي تقول
" زياد .. تك .. تكلم "
شعرت بتسارع أنفاسه .. أستمعت الي خفقات قلبه .. أبعدها قليلا يتفرس وجهها ..قد تكون تمازحه .. هو يخشي الأمل رغم انتظاره ..قال عابسا من بين انفاسه
" حقا ... حقا رحيق .."
ثم هم ذاهبا لغرفة زياد اوقفته قائلة
" لقد نام ... قال لي احبك .... أ .. أ مي "
كانت تتحدث باكية  ... ألتقي حاجبية مندهشا وهو يقول
" لم تبكين رحيق ؟"
لم تجب عليه بل أقتربت من صدره  ثانية .. وهو يضمها هذة المرة بقوة معبرا عن سعادته في عودة ولده  كما كان ...سعادته عن أنه أختار له أما حقيقية تستحق أن يكون زياد أبنا لها ... سعادته في أنه تقرب من رحيق في وقت قليل وبدأت بأحتلال مكانه كبيرة في بيته ..لم ينس حنان .. وأيضا لا ينكر تأثره برحيق .. هي ناعمة وقوية .. واقعية وحالمة .. مجنونة و منطقية ..سعادته في أنه علي ما يبدو فاز   ب .. الزوجة .. والأم .. يبدو أن كلام والدة حنان عن احتياجه لأمرأة كان صوابا .. وحمدا لله انه لم يتأخر في التنفيذ...نظرت اليه قائلة
" زياد يؤثر بي كثيرا .. افتقاد الطفل لوالدته بهذا السن أمر صعب ماجد .. فالأم هي كل شئ هي من تهتم وتعتني وتطعم وتوقظ وتبدل ملابس ..هي المشاعر والامان ... وزياد أصغر من أطفالي .. بحاجة لمن يعتني به جيدا .. أتمني ألا أقصر بحقه .. وأن أكون أما صالحة له .. انا أحبه .. أحبه كثيرا .. "
ثم أستدركت قائلة
" مبارك "
نظر لها بأمتنان ...
" ألا تريدين مكافئتك ؟ "
قالت متأثرة بعمق عينيه
" أريدها بشدة "



مر اليوم كالأمس كأول امس .. حياته ممله ليس بها ما يرقي بمزاجه ليصفي .. ظل وليد علي عهده مع زوجته .. لا يراها الا وهي نائمة .. يخرج من عمله الي مكتبه .. أهتم بالقضايا والعمل كي لا يشغل باله بأي شئ .. يعاني من حالة نكران شديدة من جبنه في مواجهة رحيق ... لقد وافقت علي الزواج به .. وكان شرطها يسيرا بالنسبة اليه .. لماذا لم يقبل به ؟ .. لا يعلم .. هو يريد رحيق التي تمني أن تغدق عليه من الحب اطنانا لتعوضه عن حاله جفاف المشاعر التي يحيا بها مع  سارة ... أصبح شبحا .. رحيق لا تحادثه وهو أيضا .. زوجتة لا يراها .. ابنته تكبر ولا يستمتع بمراقبة نموها ..  لقد شقت سنتان صغيرتان فمها رآهما بالصدفه عندما استيقظت صارخه في أحدي الليالي .. فذهب اليها ليهدهدها لتعود لنومها بين ذراعيه  قائلا...
" آه .. اشتقت اليك صغيرتي "
ثم دثرها بالغطاء وغادر ليكمل نومه .
"رحيق .. آه يا رحيق .. أشتقت اليك .. الي الحديث معك .. كنت تحملين معي الكثير .. يبدو أنك لم تكوني لعبتي التي ظنتت أنني سآخذ منها ما أريد  ثم أتركها بسهوله ...لا .. لا أستطيع تركك بهذه السهوله يبدو أنك  تسربت لداخلي دون أن أشعر .."
تري أين هي الآن ؟.. مر الكثير  ولم يتحدثا سويا ..يشتاقها حد الموت .. حياته مع زوجته تدق ناقوس الخطر .. علي شفا الهاوية .. لماذا لم يقبل بزواج رحيق .. هل لأنها تحدثت معه فبأمكانها أن تتحدث مع غيره فهو لا يأمنها !.. أم لأنها ستكون عبئ عليه بأطفالها !.. أم لأنه يخشاها !.. رحيق بطبيعتها القوية التي لن تنساق لرغباته أو أوامره  بسهوله ...لامس  مؤخرة عنقه منهكا .. يجلس علي كرسي مكتبه .. أنتهي يومه .. أنهي قضاياه ... ولا زال الوقت مبكرا ...رحيق .. رحيق ..ظل اسمها يتردد بين ثنايا عقله مشعلا فتيلا من نار لم يستطع اطفائة ..قام من مكانه مسرعا محدثا نفسه
" سأذهب اليها .. "
أغلق مكتبه وهنا أدرك أن الليل قد أسدل ستائره ... فعلم أن ذهابه للحضانه في ذلك الوقت مستحيل ..اذا فغدا لناظره قريب .. الغد يذهب اليها ويوافق علي طلبها .. هكذا مباشرة دون أن يحادثها أو يكاتبها أو أن يخبرها أحتياجه لها .. سيخبرها أنه أشتاقها كثيرا .. لم يكن للحياة طعما بدونها .. سيخبرها أنها ستكون له قريبا ورسميا كما طلبت .. هو يحبها .. سيخبرها كل شئ .. ستكون مفاجأة لها ... مفاجأة كبيرة .
في الصباح ذهب الي الحضانه لم يجدها ... وجد العاملة التي تعرفت اليه فقد جاء مع ابنته يوما.. أخبرته بهدوء
" سيدة رحيق تزوجت منذ فترة سيدي .. وتركت الحضانه للمدرسين هنا وهي تديرها من المنزل .. ان أردت شيئا .. هذا رقمها ..."
ناولته ورقه مكتوب عليها رقم رحيق ... أيخبرها أنه يملكه .. أيخبرها أنه يحفظ رقمها كما أسمه ...
كانت صدمة قوية .. تتزوج .. دون أن تخبره ..لا لا .. رحيق أصبحت لغيره ثانية .. هل سيتزوجها بعد أن ينال منها رجال بلدته جميعهم .. غبي .. كم كنت غبيا وليد .. لقد أضعتها من يدك للمرة الثانية .. نظر للعامله مندهشا..مصدوما .. علامات الحيرة والمفاجأة التي كانت من نصيبه .. لا يعلم ما يقول ..أو كيف يفكر  .. تلعثم قائلا
" تزوجت..  من .. من ؟ ..."
" من والد زياد .. كان طفلا بالحضانه هنا .. هو أرمل أيضا .. توفت زوجته وتركت له طفل صغير .."
يبدو أن العاملة كثيرة الكلام بالفطرة.. استطاع أن يأخذ منها عنوانها  متحججا برغبته في الزيارة للمباركة مبلغا اياها أنه صديق قديم لزوجها رحمه الله .. استطاع أن يعرف أسم زوجها كاملا بل والانكي من ذلك أنه حاز علي رقم هاتف زوجها من ملف زياد بالحضانه..بعد أن أخبرها أن عليه الأستئذان من رب المنزل لزيارته ... ثم غادر ..هكذا دون حتي أن يعطيها مالا جزاء ما حصل عليه من المعلومات .. يبدو أن كثرة كلامها هي هواية تستمتع بها دون أجر ...
ذهب الي مكتبه الذي قام بفتحه مبكرا اليوم بعد أن استأذن من عمله الصباحي ليلحق برحيق.. رحيق..لقد اصبحت دخانا .. مر به وسرعان ما تبعثر ... هي لم تخطئ بحقه أو تغدر به .. لم يجد منها الا خيرا .. وانما النيران التي تستعر بصدره الآن لا يستطيع اطفائها .. رحيق ستعود له صاغرة وسيتزوجها .. وسيفعل المستحيل ليستردها من بين براثن زوجها .. ماجد الخشيبي ..هو الآن يعرف اسمه .. يعرف بيته .. يعرف رقم هاتفه .. ظل يخطط .. أخرج من جيبه هاتفه .. نظر للفيديو المسجل لها .. نظر لشعرها .. لمقدمة صدرها .. هي تثير به مشاعر دون حتي ان يلمسها ..بينما زوجته بكامل وجودها جواره لا يهتز لها .. كيف اضاعها بتردده كيف ...لكنه أقسم أن يستردها .. أقسم بأغلظ الايمان .
مر يومان علي أفكاره المتأججة ..يومان يخطط كيف يحكم ضربته ...صف سيارته بعيدا عن منزلها الجديد .. لقد ذهب للعنوان الذي حصل عليه من العاملة .. ذهب ليري ما يزيد من حنقه .. كان الوقت متأخرا .. لمحها تقترب من بعيد وجوارها  زوجها نعم  هو فقد اصطدم به يوم ذهابه الي حضانتها .. ومعها ولديها وعلي ما يبدو هذا زياد ابن زوجها .. نظر اليهم بحقد شديد .. لقد فاز بها زوجها بينما هو الخاسر .. لكن لا بأس سيطلقها زوجها ويستردها هو .. لن يتردد في  زواجها سريعا هذه المرة ... وكأنها لعبة يرسم خطوطها وينتقي  ألوانها.. وكأنها لعبة أخذها غيره وعليه استردادها.
كان ينظر اليها وهي سعيده .. رحيق حقا سعيده .. هل تحيا مع زوجها حياة هانئة بينما حياته هو أنتهت بسببها ... لا ليكن صادقا مع نفسه بل بسبب زوجته .. وبسبب تباعده هو الآخر عنها ..فلم يفكر يوما بحل مشكلاته مع زوجته ... بل كان علاجها دوما البعد والهجر من جانبه...نحي أفكاره جانبا وهو يراقبهم .
يبدو أنهم  عائدون من نزهة .. صغيراها يحملان ألعابا دقيقه في أيديهم .. استشعر السعاده علي وجه أطفالها أيضا مما زاده حنقا.. لم يستطع أن يري الكثير من تلك السعاده ... فهو يموت حقدا وألما ... أدار محرك سيارته وذهب مغادرا .. عاد لمكتبه الذي ما عاد يهتم به كثيرا .. فقد أصبح عقله مشغولا بتخطيط  سيدمر به عائلة لمح سعادتها توا .. وهو يأبي ان تكتمل سعادتهم
أخرج هاتفه .. أعد الفيديو للارسال ... فتح برنامج التواصل الاجتماعي .. دون  رقم ماجد .. وبمنتهي الهدوء ضغط علي زر الارسال .. بضغطة بارده .. حاسده ..حاقدة .. منتظرا وصول الرسالة وبالفعل تم.. أرسلت بنجاح ..لكن للأسف لم يرها زوجها للآن .. ظل ينظر للهاتف قائلا
" لا بأس .. قد يكون مشغولا الآن ... لكنه سيراها مؤكدا" .



جلس جوار زياد النائم بعد أن عادوا من الخارج ..اصطحبهم اليوم للعشاء امام مياة النيل اللامعة  ..لم يهتم لبرودة الطقس وقد طاوعته رحيق علي جنونه .. دثرت الصغار بمعاطف ثقيلة وذهبا للنزهه الرائعة ..ركض الصغار حولهم بينما وقفا متقابلين وأعينهم لا تغفل عن الصبية.. نظر اليها قائلا
" سعيدة "
ابتسمت عابسة وهي تقول
" قليلا"
ضحك قائلا
"لماذا أشعر بالعكس اذا ..أخبرك سرا ..أنا سعيد معك رحيق .."
اتسعت ابتسامتها وانعكاس تلألأ المياة علي وجهها يزيدها بياضا وبهاء..قائلة
" وأنا ايضا سعيدة "
نظرت للشيب البسيط بلحيته لتكتمل جملتها
" جدا ".
نام أحمد ومحمد أخيرا ..فذهب لغرفة زياد ..ظل ينظر لوجه زياد النائم .. لازال سعيدا لعودته للكلام .. لم ينس اليوم التالي لأخبار رحيق له بالأمر .. عندما أستيقظ ذهب اليه .. ظل يحتضنه بقوة الي أن استيقظ زياد هو الآخر.. ثم أغدقه بالقبلات السريعة القوية التي نثرها حول وجهه الصغير بدافع الحب والسعادة لأسترداده قدرته علي الكلام.. كان يمسك بوجهه بين كفيه وهو يقول
" قل أبي زياد .."
نظر له زياد ولم يجب .. حثه ماجد علي الكلام قائلا
" اعرف بأنك تكلمت بالأمس .. كنت أرغب ان أكون أول من يسمتع لصوتك بني .. هيا .. قل أبي .. أرجوك زياد .."
أقترب زياد من وجنة والده  ليقبله قائلا
" أحبك أبي .."
لا زال يذكر لسعة عينيه التي لمعت بالدموع  .. لم ينس دفئ صوت زياد وهو يداعب أذنيه .. لم ينس العناق القوي الذي بادله اياه .. لقد أشتاقه حقا .. أخيرا عاد اليه ولده .. ولده كما كان ..
تهادي الي سمعه صوت استقبال رسالة من برنامج الواتس لتنتزعه عن ذكرياته  .. نغمة الهاتف خاصة حنان رحمها الله .. أستغرب لذلك ..من سيراسل زوجته الراحلة الآن .. لم يتخلص من هاتفها بعد .. أحيانا يلعب به زياد وأحيانا يشاهد صور تجمعه بوالدته مسجله عليه لذلك تركه لأبنه ... أقترب من الهاتف الملقي بجوار سرير زياد .. لقد أتي ليطمئن عليه..و رحيق بالحمام تحظي بحماما دافئا بعد عودتهم من الخارج ...أمسك بالهاتف ... فتح الرسالة .. أنتفض جسده .. فيديو يحوي صورة رحيق ..من رقم لا يعرفه .. لم يفتح الفيديو بعد .. خفق قلبه بضربات سريعة .. جلس جوار زياد علي السرير .. وقام بتشغيل الفيديو.



أستدار كريم الي زوجته مني .. لقد عاد لبيته الأول حانقا علي زوجته الثانية التي تتهمه بالسرقة للمرةالثانية ..  يكاد يموت غضبا منها .. الحدث يتكرر ثانية بكل تفاصيله .. وهل هذه المرة ستنتهي كسابقتها .. بأن تعلم أنه ليس السارق .. أو ربما هي لم تقتنع في المرة الأولي ايضا ... لملم نفسه سريعا ليعود للأولي التي أختارها أولا زوجه له .. أختارها عن اقتناع رغم وقوف والده  ووالدته رحمها الله في وجهه معلنين رفضهم .. لولا تحكيمهم لصوت العقل بأنه في النهاية مسئول  عن أختياره.. كريم منذ صغره وهو يريد دمي .. يمرح بها .. يلهو بها .. قد يكسرها ثم يرميها في القمامه .. وقد عمم هذه العاده  في حياته الشخصية.. تزوج الاولي مل منها .. وتمني كثيرا لو يلقيها بالقمامه لولا صغاره.. رغم كل مساوئها الا أنها والدتهم في النهاية .. جلست قبالته تلعب مع الأطفال... ظلت تنظر له بترقب .. اذا قد عاد .. لا تعرف عاد من أين ؟.. أخبرها أنه أجازة من عمله الثاني الذي يضطرة للمبيت خارج منزله .. صباحا في عمله الحكومي ... وليلا بعمل خاص يتضمن أعمال بناء وسباكة... والغريب أنها صدقته .. رغم كذباته المتعدده التي يقصها عليها دوما  الا أنها تصدقه ... رغم أنه لا يعود لها بالمال من عمله الثاني الا أنها تصدقه .. هي امرأة تفوتها التفاصيل .. أهم شئ اخيها وزوجة أخيها ..من أهتم لأمر والدها الذي يسكن في الشقة التي تسبقها بنفس البناية .تهتم بالقيل والقال من أغضب من .. من تحدث علي من .. جلسات النميمة بينها وبين زوجه أخيها لا تنتهي.  هذا جل ما تهتم به ... لم يكن هناك تكافئ بينهم منذ بداية الأمر ... لكنه لم ينتبه لهذة الفوارق .. لم يستمع لكلمات والده ولا تنبيهات والدته .. فقط تمسك بلعبته الي أن مل منها ... كان مستلقيا علي ظهرة في غرفة الأطفال يشاهد التلفاز بينما هو غارق في أفكاره
" الأطفال جائعون كريم .. الن تعطيني مالا كي أطعمهم "
نظر لها قائلا
" " ليس معي مال .. تدبري امرك
كانت تتوقع اجابته فلقد أخبرها أنه أجازة هذا اليوم من عمله الذي يتقاضي أجره باليوم .. وقد أخبرها سابقا أن مرتبه من عمله الحكومي يسدد به أقساط هواتف وشاشات وأجهزة لوحية قد أبتاعهم له ولها ولبيته سابقا ... وانتهي به ضيق الحال لبيعهم لاحقا... ظل يفكر أنه لولا زواحه من الأخري لما صار به الحال الي ما هو عليه الآن .. ومشكلة القرض التي تقضي علي راتبه الذي لا يتبقي منه الا اللمم .. لم ينتبه من تزاحم افكارة الا علي صوتها يقول
هيا كريم الغذاء جاهز ""
لم يسأل من أين أو كيف فقد اعتادت علي تدبر أمرها بأقل القليل .. التف واطفاله حول الطعام وهي تجلس قبالته وتبتسم قائله
" لقد جهزت لك الفلافل التي تحبها .. ستنال أعجابك .. لقد أشتقنا لوجودك بيننا كريم "
كلماتها لم تزده الا غرورا وتنمرا عليها .. قائلا بسخرية
" أنا أعلم حقا قدري عندك .. تتركين العالم لأجلي . أخبريني مني .. هل لو كنت أجلس دوما بلا عمل معك والتف دوما معكم حول الطعام .. هل كنت ستمكثين دوما معي ... أم أبيكي وأخيك وزوجته سيكونان أهم مني ... آه .. أقول لك لا تخبريني فلقد أجبت عن السؤال سابقا عندما كنت تتركيني .. بل وتتركي أطفالك بمجرد أتصال من زوجة أخيك "
نظرت له بملل
وماذا أيضا .. ألديك شيئا آخر تسمم به طعامي ؟ " "
نظر لها بسخرية مضيفا
لا ""
ثم ترك الطعام متجها الي لمطبخ ليعد قدحا من الشاي .. ليأخذه الي غرفته مغلقا عليه الباب ... بعد لحظات فوجئ بأتصال سما التي قالت له بهدوء
"أريدك الآن كريم ببيتي"
نظر للأرض وقد فطن أن نور هاتفتها
" لا أريد الحديث الآن سما ... أمهليني الملم شتات نفسي "
بنفس الهدوء تكلمت سما
الآن كريم ... أنتظرك""
ثم أغلقت الهاتف بوجهه حدث نفسه
" يبدو أن أبواب النار فتحت كريم .. عليك المواجهه بقوة"
أستقبلته سما ببيتها حريصه علي عزل صغارها في غرفتهم .. زوجها لازال بالعمل .. عندما جلس أمامها كان وجهها مغلق لا ينم عما بداخلها ..لم تفصح عما تريده من أجله .. استهل الحوار قائلا
" كيف حالك سما .. ما الأمر أختي ؟ "
نظرت مضيقه عينيها قائلة بأختصار
" ما الذي حدث بينك وبين نور ؟"
استند بظهره علي الأريكة قائلا
"ماذا قصت عليكي ؟ "
قالت بهدوء تدعيه
أريد أن أسمع منك""
لم يجب ... ظل صامتا ... انهار جدار الهدوء الذي ظلت تبنيه لساعات منذ هاتفتها نور قائله بصوت بدأ بالارتفاع تدريجيا
" تسرق بيتك ... يدك تمتد علي أشياء لا تخصك .. أموال لا تخصك .. زينة امرأتك التي بأموالها .. أول خاتم ولم نهتم..وظننا أنه فقد  أو سقط سهوا أو أي عذر... انما هذا لم تكن ترتديه هو ببيتها .. "
قاطعها قائلا
"اذا أخبرتك بأمر الخاتم .. وبأمر الخاتم الذي يسبقه"
نعم""
وهل صدقتها ؟ ""
قالت دون مواربه ...
نعم""
تجلت ملامح الصدمة علي وجهه قائلا
"هذا بديلا عن ان تصرخي بوجهها مدعيه صدق أخيك وأمانته وشرفه" ..
ثم هب واقفا قالا بقوة
انسي أن لك أخ سما""
غادر كريم بسرعة ولم ينتظر أي شئ آخر .. لن يظل يستمع الي كلمات تلهب كرامته وتهين رجولته أكثر من ذلك .. نور أحكمت الطوق حولة وهي الآن تشد بمنتهي القوة .. تهدده بعلاقته بأخته ... هو يخشي من أخته كثيرا ربما أشد خشية من نور نفسها التي ستقيم الدنيا ولن تقعدها ... لقد تسارعت الأحداث حوله .. وأظلمت أيضا .. أظلمت كثيرا .. هو الآن غير مرتاح لاهنا ولا هناك .. هو لايملك المال لا لهنا ولا لهناك ولا حتي لنفسه .. والآن سيحرم من كل شئ هناك الراحه والنظافه والعقل الرصين .. فهذه أساليب نور في تضييق الخناق عليه .. لهذا لم يعد اليها منذ اتهامها له ... لأنه يعلم ما ستخبره به من أنه عديم النخوة والرجوله وأنها من صنعته وأنها من تنفق عليه وعلي بيته وعلي ابنته .. ابنته .. ابنته هذه السبب في كل شئ منذ ولادتها وقد تغير كل شئ مع نور .. ويعني بكل شئ كل شئ... فقد أصبح كامل اهتمامها بأبنتها .. ترعاها تهدهدها تنام وقت نومها ولم يصبح له وجود .. امتنعت عن العلاقه الحميمية معه لأنشغالها بالعمل وبابنته ..
انتهت أفكارة عند وصوله للمنزل .. لم يجد اطفاله ..
وجد مني متأهبه لدخوله تنظر اليه مشتاقة  .. كان عكر المزاج .. ألم يسمم بدنها منذ قليل ..ماذا تريد الآن ظلت تتقرب منه .. وتلامسه .. حتي انساق لما تريد لكن هذه المرة بعنف وقسوة عله يفرغ قليلا من غضبه .. بعد أن أنتهي قامت غاضبة لما يؤول اليه الأمر ككل مرة.. تتألم .. تتعذب .. فطرتها السليمة ترفض ما يفعله زوجها .. علاقتهم الحميمة لم تكن طبيعية بالمرة .. قد أنقلب بعد أن أنجبت ولديها .. لم يعد يهتم بصحة العلاقة  أو براحتها .. يريد دوما أن يجامعها كالشواذ خرجت الي لحمام وتركته دون أن تتحدث معه ..
تركته لأفكاره .. هو يعلم جيدا ما يفعل .. يفعل كبيرة .. ولكنه يستمتع بذلك .. لا يدري هل نفسه عطبت من كثرة المشاهد الأباحية التي أدمنها أم الخلل أعمق من ذلك ... انتفض علي صوت هاتفه ليري أسم سما ...تري ماذا تريد الآن بعدما حدث بينهم منذ قليل ... أرتدي ثيابه ثم توجه للخارج .. هاتفها  ليعلم ما الذي جد في الأمر .....


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الخامس

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:22 pm

الفصل الخامس


" عدالة السماء "

جسده ينتفض بقوة .. عينيه ثابته علي شاشة الهاتف ..هل هذه رحيق ؟.. يا الهي .. رحيق تنزع حجابها .. هل هذا جسدها .. رقبتها .. مقدمة نحرها .. شعرها الأسود الطويل الناعم منسدل علي جانب وجهها .. عيناها السوداء اللامعة .. أهي حقا رحيق ؟... هل جمالها هذا شاهده غيره ؟ ... هل واحد أم أثنين .. ثلاث .. كم رجل شاهدها هكذا ...هل من صورها أكتفي برؤية التسجيل مرة واحده أم تلتها عده مرات !.. هل شاهدها وحده أم مع أصدقائه ؟.. هو يعرف الرجال هذه الايام ما ان تقع بين براثنهم امرأة الا وتناقلوها بينهم مثل الكرة ..اعتصر الهاتف بين يديه بغضب .. لم يتحرك من جوار زياد .. مر الوقت وهو كما هو علي وضعه لم يتحرك .. لم يتنفس حتي .. كان يكتم أنفاسه .. غيظا .. غضبا .. ألما .. هذه رحيق التي وثق بها وسلمها ولده لتهتم به .. هل هذه حسنة السمعة التي سأل عنها جيرانها .. فقد كانت حسنة السمعة فعلا .. لكن ذنوب الخلوات لا يطلع عليها أحد الا الله .. كيف كان سيعلم !.. يشعر بسخونة جسده .. لقد طعنته رحيق مسببة له جرحا غائرا لا يعلم متي و كيف سيطيب .. هي لم تخبره بأمر كهذا أثناء خطبتهم أو حتي وقت تعارفهم .. لقد كانت تجلس أمامه بحجابها .. هل خدعته ؟ هل الأمر توقف لهذا الحد بينها وبين صاحب الرقم أم تطور الأمر بينهم ؟..أمسك رأسه وهو يظن أن الأفكار ستتوقف ..ربما هذا الفيديو من صديقه لها أرادت تنغيص عيشها ..لا يريد أن يتسرع أيضا.. لمحها تقف بالقرب من غرفة زياد .. لم يستطع أن ينظر اليها .. خرج أمام عينيها لغرفتهم فلحقت به ..جلس علي الأريكة القريبة من النافذة ..كانت تنظر اليه وتستشعر غضب خفي منه لا تعرف ما سببه ..رفع وجهه اليها قائلا بهدوء زائف
" هل كنت مرتبطة رحيق قبل معرفتك بي ؟ "
لمح ارتباكها وهو يكمل
" أقصد هل أحببت أحدهم .. هل تعلقت بأحد بعد وفاة زوجك ؟ "
لا تعلم بماذا تجيب لماذا يوجة لها هذه الاسئلة ؟..هل أرسل له وليد التسجيل ..شحب وجهها فقد هربت منه الدماء قائلة بسرعة وارتباك دون تفكير
" لا "
التمعت شرارات العنف بمقلتيه .. لم يستطع كتمان ثورته وتقديم حسن ظنه أكثر من ذلك وهو يري ارتباكها .. قام من مجلسه مقتربا منها ممسكا ذراعها بقسوة رافعا هاتف حنان أمام عينيها يشرع في تشغيل الفيديو ...ما ان رأته حتي انهمرت الدموع من عينيها ...واضعه يدها علي فمها تكتم شهقاتها .. اذا فالتسجيل ليس من صديقة .. والا لم البكاء ! ..بعد انتهاء الفيديو هدر قائلا
" ماهذا ؟ .. هل خدعتني رحيق ؟..."
لم تجب عليه وظلت الدموع تنهمر من عينيها ... صاح بها
" أجيبيني ...! "
قالت من بين دموعها
" اخفض صوتك.. أرجوك .. أولادي..."
دفع ذراعها عنه بقسوة ممسدا جبينه قائلا
" وهل أهتممت ان بأولادك .. هل فكرت بهم وأنت تتحدثين لأحدهم بدون رابط بينكم .. ما الذي ورطت به نفسي وولدي ... ياالهي .. هل أنت من أئتمنتك عليه...كيف سيغدو ؟ رجل تحركه شهواته .. من أنت .. أنت من علمته أن يكون شجاعا .. أن يكره الكذب .. أن يكون رجلا .."
ثم أشار اليها ليستطرد
" وقد خنت أنت نفسك .. وكذبت علي خدعتني بعفتك .. هل كنت أحمقا بنظرك ..لقد كذبت عيني وسألتك ..أنت ..كاذبة ..خائنة ..."
قالت بخوف
" لم اخدعك .. لم اخنك .. أقسم لم أفعل .. لقد .. لقد كان يعدني بالزواج .. أنا لم أفعل شيئا أكثر مما رأيت .. نزعت حجابي فقط وعندما شعرت أن جسدي يظهر له أغلقت المكالمة علي الفور .. لم أنتبه لما تكشف من جسدي أقسم لك "
أمسكها من ذراعها ثانية يعتصره قائلا وهو يضغط علي أسنانه
" تتبجحين بأنك لم تفعلي شيئا .. رجل لا يربطك به شئ .. غريب عنك .. لماذا تحادثيه وتفتحي كاميرا هاتفك له ؟.. لم تنزعين عنك حجابك أمامه ؟.. لقد كنت ترتديه أمامي حتي تزوجتك .. تدعين العفة أمامي أنا فقط ! .. ألا تعلمين أنه قد شاهد الفيديو مع أصدقاء له ؟.. أو ربما ينشره في أي مكان .. ألم تخشي علي صغارك وسمعتهم ؟.. تبا لك رحيق .. ألم تخافي أن نصل لما نحن فيه الآن .. بالله عليكي أخبريني .. ماذا علي أن أفعل الآن هل أطلقك وأثأر لكرامتي .. هل أقتلك الآن جراء فعلتك .. أم أكمل معك حياتي فاقدا رجولتي ونخوتي ؟ .. بالله عليك أجيبيني "
كانت كلماته تقطر ألما .. عروق رقبته ثائرة وعرقا نابضا أوسط جبهته بدأ في الظهور .. لقد كانت طعنة غادرة .. كانت سعيده معه تقسم علي ذلك .. قضت أجمل أيامها في كنف بيته ..في أمان وهدوء .. رجل مستقيم .. رأيه صلب في الحق .. لا يخشي شيئا أو أحدا .. لقد خسرته الآن..حقا خسرته .
جلس علي الأريكة يحاول جاهدا أن يتماسك قائلا
" الرساله اتت علي هاتف زوجتي .. لقد حصل عليه من الحضانه علي ما يبدو .. من هو ؟.."
لازالت تبكي تهورها وغبائها وكذبها.. قالت
" هو صديق زوجي .. "
أيقتلها الآن أم ماذا يفعل لتهدأ النار المشتعله داخله .. كيف يتصرف .. عليه التعامل مع الأمر ووقفه .. ستكون فضيحة له ولها وللصغار جميعهم .. هل ما عاشه من سعادة معها كان وهما .. هل حياته الهادئة معها كانت هدوءا يسبق عاصفة.. لا هي ليست عاصفة .. انما هي اعصارا سيدمر كل شئ معه.
"اتعلمين عنوانه ؟"
" لا .. "
" اذا أعطني أسمه كاملا.. اذا سمحت سيدة رحيق .."
انزعجت من سخريته كثيرا ... بل تألمت لألمه .. الآن اصبحت مخاوفها حقيقة تتجسد أمام عينيها .. وليد اختار الحرب وبدأ بشنها .. لا تعرف لماذا وانما عليها المواجهه ..حدث ما كانت تخشاة .. ما كانت تستغفر لأجله .. لقد فقدت توا رجلا كانت تهنأ بالعيش معه .. يبدو ان لحظات السعادة لا تدم طويلا..
أملته الأسم وأخبرته أنه محامي يملك مكتب محاماه كما أخبرها وليد من قبل .. وما ان أخذ منها هذه المعلومات حتي بدل ثيابه مغادرا المنزل بعنف .
دلف الي المكتب الذي علم مكانه بسهوله حيث استعلم عنه من صديق محامي يعرفه .. لم يجد أحدا بالخارج ..حتي وصل الي غرفة وليد .. كان يجلس ساندا رأسه الي الكرسي .. ما ان سمع حركة قريبة منه حتي التفت .. وجد ماجد أمامه .. زوج رحيق .. بهت قائلا
" ما الذي اتي بك الي هنا ؟ "
لم يتبادل معه ماجد كلمة واحدة .. أقترب من وليد.. أمسكه من تلابيب قميصه .. مقتربا من أنفاسه قائلا بقوة
" رحيق .. ألا تعلم أنها اصبحت بعصمة رجل الآن ؟.. "
ثم عاجله بلكمة قوية تخبره أن رحيق تزوجت رجلا .. ورجلا قويا قادرا علي حمايتها .. تلتها أخري .. وأخري .. حتي أدمت أنفه واختل توازنة .. سقط علي كرسيه مجددا .. وهذة المرة بين الصحو والغفوة .. لم يرد وليد الضربات فماجد يفوقه طولا وقوة .. لن يخوض نزالا هو الخاسر فيه بالطبع مستسلما لما سيناله من زوج رحيق ..ما أن سقط وليد حتي اصطدمت رأسه بالمكتب ... أخذ ماجد هاتف وليد الملقي أمامه .. .. وضعه بجيبه ثم انصرف تاركا اياه في دمائة وغيبوبته التي تمني من الله الا يستفقيق منها .
أمسك الهاتف بين يديه وهو في طريق العودة للمنزل .. ظل يفتح كل شئ .. مكان حفظ الصور والمقاطع .. محادثاته مع أصدقائه جميعها .. فتح كل شئ لم يجد الفيديو مرسلا سوي لرقم حنان ... أطمئن أنه لم يرسله لأحد .. فهل شاهده وحده .. أم مع احد ؟.. لا يهم الآن .. طالما الهاتف معه ذلك يضمن عدم رؤية أحد لهذا الفيديو ولا حتي المدعو وليد بعد الآن .. ماذا بعد .. عليه أن يحسم أمره معها .. هل سيجازف بحياة زياد واستقراره معها بعد أن عاد للكلام ؟.. أم يضحي بأستقرار ولده ويطردها من حياته ؟..لقد خدعته ..هو غاضب بحق ..كيف سمحت لنفسها بفعل ذلك !..هل تعرت أمام أحدا آخر وهو لا يعلم ؟..ما الذي زج نفسه به ؟ ظل يفكر طوال طريقه للعودة .. ما الذي يجب عليه فعله الآن ؟
دلف الي منزله .. توجه لغرفته .. وجدها جالسه علي السرير متدثرة بالغطاء .. وقف بعيدا عنها قائلا
" لننه الأمر الآن ... ستظلين زوجتي رحيق .. لن اتأخر خطوة في تقدم حالة ولدي .. ستظلين له الأم التي تمنحه الحنان والأمان فقط .. لا علاقة لكي بأفكاره أو تغذيته بأفعال لن اقبلها .. ولدي هو الضامن الوحيد لمكوثك ببيتي وعلي ذمتي .. وأعلمي أني لن أثق بك ما حييت .. اليك هذا .. افعلي به ما شئت"
تألمت من كلماته .. لكن ألمها قطعا لم يكن كألمه .. ليس بنفس القدر أو بنفس القوة .. يكفي أنه لن يفضحها .. لن يطلقها .. لا تهتم أنها ستمكث هنا للعناية بزياد فقط فهو ولده بالاخير .. ستهتم بقطعه منه .. من زوجها .. الشهم القوي .. تسربت اليها سعادة خفية رغم الموقف الحالك التي وقعت به الا أنه أظهر حسن اختيارها لشخص كماجد .. التفتت الي هاتف وليد ..علمت من صورته كخلفيه للهاتف وعندما فتحته تأكدت من ذلك .. تري كيف حصل عليه .. هل تهجم علي وليد؟ .. هل سرق الهاتف ؟.. هي لا تعلم ولا تجرؤ علي السؤال .. فعلت بالهاتف كما فعل ماجد تماما أخذت تفتح في المحادثات والأستوديو .. مسحت الفيديو .. مسحت كل البيانات كل المحادثات أزالت كل شئ له علاقة بها .. وما ليس له علاقه بها .. ثم أخذت خطوط الهاتف وحطمتها بقوة .. وكأنها تنتقم منها بدلا من وليد .. ثم أمسكت بالهاتف وحطمته الي أشلاء .... كان يراقبها بصمت .. ليس هادئا فبداخله نارا لن تهدأ .. لا بلكم المدعو وليد ولا بتحطيم هاتفه .. نارا يخشي أن تلسعة قبل أن تلسع غيره



استفاق من اغمائته .. رأسه يؤلمه .. حقا يؤلمه بشده وكأنه ضرب بمطرقة علي رأسه .. دلك مؤخرة عنقه بألم وصداع شديد يهاجمه انتبه أنه لا زال بالمكتب .. لم ينتبه أحدا لتأخرة .. لم يتصل به أحد .. أتصل .. التفت يمينا ويسارا يبحث عن هاتفه .. لم يجده .. تيقن أن زوج رحيق أخذه .. ضرب مكتبه بعنف قائلا
تبا .. تبا .. رحيق .. آه .. لن أرها ثانية " "
يا الهي هل حقا لن يراها مجددا .. لن يستمتع بالفيديو البسيط الذي كانت تظهر فيه له .. له هو دون غيره .. هو يعلم أنها لم تفعل ذلك الا معه هو يعلم أخلاقها .. كانت زلتها الوحيدة معه وهو لم يكن أمينا معها .. بل كان ينتوي فضحها أكثر وأكثر ان لم يتركها زوجها بسهوله .. كان سيهددها ..سيعكر صفو حياتها وان لم تمتثل سينشر الفيديو علي صفحتها الشخصيه علي مواقع التواصل الاجتماعي خاصتها .. لا يهم من سيراها .. لكنها بالأخير ستكون له .. والآن ... لقد فقد هاتفه .. وليس معه نسخه من الفيديو ..
أغلق مكتبه عائدا لمنزله ... رغم تأخر الوقت لم يجد زوجته ولا ابنته .. لم يهتم للأمر أخذ حماما دافئا عل ورم وجهه يخف قليلا .. هل ماجد هذا يلعب الملاكمة .. تبا لقبضتيه ..
بعد خروجه من الحمام .. استلقي علي سريره .. عجبا .. أين زوجته ؟.. أين ابنته ؟.. الساعة الحادية عشر مساء .. لم تعتد زوجته التأخر لهذا الوقت .. قام ليحافظ علي ما تبقي من رجولته .. بدل ملابسه .. هبط الي الطابق الذي يسبقه ليري ان كانت ابنته عند جارتهم كالمعتاد .. رن الجرس .. مرة .. اثنان .. ثلاث .. لا أحد يجيب .. صعد لشقته مرة اخري .. ليس معه هاتف ليحدث زوجته .. مر الوقت سريعا .. أين ذهبت بأبنته ؟.. هو مقطوع الآن عن العالم .. لا هاتف ... لا ابنه ... لا حبيبة تدفئ قلبه ..لا زوجه .. ليتها تكون هجرته أخيرا وذهبت لوالدتها بعيدا ... ارتاح للفكرة .. فلتتركه ليرتاح من وجهها وتبلد مشاعرها ...
الوقت يمر وهو يراقب عقارب ساعته
لقد تأخر الوقت كثيرا .. غادر المنزل متجها لمتجر ليبتاع هاتفا جديدا .. بل ورقما جديدا .. طلب زوجته .. بادرها قائلا
"أين انت يا زوجتي العزيزة ؟.. هل مللت من الحياة معي أخيرا ... متي الخلع ؟"
قالت من بين بكائها
"ابنتي وليد ... "
ثم تلاها شهقات متقطعة .. سمعها تكمل
"تركتها عند جارتنا .. و عند عودتي من عملي لم أجدها ..أتصلت بها هاتفها مغلق .. لا اعلم كيف أصل اليها .."
كان عائدا للمنزل ... توقف عن السير عند استماعه لكلماتها ... ظنها تسخر منه فقال
ما هذا الهراء؟ ""
قالت صارخه
"كما سمعت .. لقد سألت حارس البناية أجابني أن جارتنا سافرت لقد وجدها تحمل حقائب هي وزوجها مغادرين بصحبة جودي ... أختطفت ابنتي وليد ... أنا .. أنا سأجن ..سأجن"
تماسك قليلا ..انتبه لحقيقة ما تتحدث زوجته بشأنه ..أغلق الهاتف بوجهها .. لم يسأل اين هي .. لم يسأل عن تفاصيل الأمر .. ابنته هو ... جودي .. يا الهي .. انطلق مسرعا للمنزل .. مر بطابق جارتهم أخذ يطرق بابهم بقوة .. لم يفتح أحد .. كسر الباب .. دلف الي الشقه مر بالغرف جميعها .. وجد خزانات الملابس فارغة .. لا أحد بالشقة ... فطن اخيرا الي أن سارة محقه .. وأن ابنته أختطفت ... جودي لم تعد جواره حتي ولو ليلا .. لن يرها ويسمع صراخها حتي و لو ليلا... ابنته .. فلذة كبده .. وهل كان يهتم سابقا ليهتم الآن .. ألم يهملها ويتركها لأمها تتصرف معها كيفما تشاء ؟.. ألم يتحجج بتقصير زوجته في حقه وحق ابنته ليتركها تفعل ما تشاء .. لماذا لم يصفع زوجته لتفيق ويجعلها تترك عملها .. لماذا لم يجبرها علي الاهتمام بأبنتهما .. لماذا لم يتحدثا كأي زوجين يمروا بفتور في علاقتهم ليجدوا حلا .. عفوا فقد كان مشغول برحيق .. بحبه وشهواته التي كان يبحث عن اشباعها مع امرأة لا تحل له .. بينما التي تحل له تركها تفعل ما تشاء .. .. مشغول برحيق وتصويريها .. يهتم بفضحها وكيفية استعادتها بينما لم يفكر بأستعادة زوجته التي تحمل اسمه واما لأبنته .. لم ينتبه الا وهو بسيارته يجوب الطرقات كالمجنون .. يبحث عن جودي بين وجوه الصغار .. لا يهتم بالنظر حتي لأي امرأة كما يفعل دوما.. انشغل عقله وقلبه بالبحث عن صغيرته !...أستل هاتفه محدثا سارة
أين انت ؟ ""
أجابت باكية
" انا بمركز الشرطة .. معي حارس البناية .. جئت أحرر محضرا بالأختطاف .. لقد حادثتك كثيرا .. هاتفك كان مغلقا .. "
أغلق الهاتف مرة اخري بدون تحية متجها الي مركز الشرطة القريب من منزلهم ... وقلبه يكاد يقف من فرط التوتر والخوف .. ابنته هل ستعود .. هل هذا عقاب ربه .. قاد سيارته مسرعا متوجها لزوجته ... لا يعرف من أين يبدأ ؟.. ولا ماذا يفعل .. لا يعلم .. لا يعلم
أوقف سيارته أمام المركز ... استقبلته سارة وهي تبكي .. وجهها شاحب .. شفتاها بيضاء .. عيناها بركتين من الدماء .. هل هذه سارة زوجته التي تزوجها عن حب ؟... هل هذه سارة وحيدة والديها .. والدها مسافر للعمل بالخارج تاركا اياها امانة بعنقه.. لم يره وليد سوي في حفل زفافه علي سارة ... بينما والدتها تعمل عمل مجتمعي يفيد الآخرين .. بينما لم تستطع افادة ابنتها او ان تجلس لتربي حفيدتها لتزيح الحمل عنهم جميعا ... ألم يكن ذلك ليفيد المجتمع أيضا ؟ .. نعم هي سارة التي تتسع بينهما فجوات بأتساع القارات ..يشعر أنه يحلم .. هل حقا اختطفت ابنته .. دلف بصحبتها الي غرفة الضابط ليحررا محضرا بالاختطاف .. وشهادة حارس البناية تؤكد علي صحة قولهم .. انه ليس اختفاء للطفلة وانما اختطاف .. أعطي وليد صورة ابنته للضابط .. وأخبره حارس البناية معلومات عن جارتهم وزوجها قائلا
" تدعي رقية العامري .. زوجها سامح عبد السلام .. شاهدتهم اليوم بصحبة جودي يحملون حقائبهم .. لمحتهم من غرفتي ..لم استطح اللحاق بهم او سؤالهم عن صحبة جودي وظننت أن والديها يعلمان "
دون الضابط البيانات ..ثم طمئنهم قائلا
" سنبحث عنها بكل مكان ... لن ندخر جهدا للعثور عليها .. أترك لنا أرقامك سيد وليد "
وبذلك انتهي اللقاء ..لم يتحدث وليد بكلمة .. هو في حالة صدمة ألجمت لسانه وعقله .. وكذلك هي لم تتوقف عن البكاء بينما الحارس يدلي بمعلوماته.. خرجت سارة بصحبة وليد منهارة الي منزلهم .. ومعهم الحارس
صعدا الي شقتهم ... هي تبكي .. وهو نظراته زائغة .. عقله شارد بكل الاحتمالات ..هل سافرت جارتهم بأبنته حقا .. هل داخل البلد أم خارجها .. كيف وأين ومتي سيجدها .. هل ابنته تبكي .. هل هي جائعة .. هل هي آمنه .. يا الهي ومنذ متي كنت آمنه جودي .. لم تحظي بالأمان يوما... لم يتمالك نفسه الا وهو يخنقها بيد واحدة قائلا من بين اسنانه
" أين كنت يا زوجتي العزيزة عندما .. اختطفت ابنتك ؟.. أخبريني "
قالت وهي تنتفض بين يديه ..كانت تنتفض فعليا وهي بين قبضته .. تعلم ان عقابه لن يكن بالهين .. فالأمر جلل .. كانت تخشي هذه المواجهه فوليد المتباعد دوما لن يتباعد هذه المرة أبدا قالت خائفة
" بالعمل "
قال مشددا علي قبضته حتي أوشكت علي الاختناق
" أخبريني ما العائد علينا من عملك سيدتي الوزيرة .. أين المال الوفير الذي يدره علينا عملك ؟.. "
هدر وهو يزيد من عنف قبضته حول رقبتها
" أخبريني .. هل مالك الآن سيعيد الي ابنتي ... هل عملك الهام سيعيدها .. تبا لك ..ليتك أهملتيني أنا لأجلها .. بل أهملتني وأهملتها لأجل نفسك .. لأجل تحقيق ذاتك .. لأجل المال ..لأجل أي شئ عدانا أنا وهي ..."
نظر اليها بحقد .. سمعها تقول بضعف من بين دموعها
" اين كنت انت ؟..."
لم يشعر بنفسه الا ويدية الاخري تصفع وجهها بشدة تطيحها أرضا ... صارخا
" فيما قصرت .. كنت تتركيها معي وتذهبي لعملك .. كانت عملي يتعطل لأجلها ... كنت أغير حفاضها .. أصفف شعرها .. أبدل ملابسها ..كنت ألاعبها .. كنت أطعمها بيدي ..كانت تضربني .. توقظني من نومي .. أستمع لأنفاسها جواري كنت .. كنت .. ك ..ن .. ت ...."
لم ينتبه الا وهو يسقط علي ركبتيه وهو يتذكر ابنته ... كان يفعل لها كل شئ .. يشعر بالأنكسار الآن دونها .. كلماته التي ألقاها علي مسامعها أدمت قلبه هو .. ابنته ... آه جودي آه يا ابنتي .. ظل جاثيا علي ركبتيه ممسكا رأسه بكلتا يديه ينظر لأعلي وكأنه يدعو الله ..ظل يفكر وهل سيقبل الله دعاءه .. فهو منذ قليل أهدم بيتا .. أشعل نارا ببيت تملأه الغيرة والحقد الآن.. بيت رحيق .. هو عقاب .. أختطاف ابنته عقابا له .. هو يعلم ذلك جيدا .. وما أشده من عقاب..
نظرت له من بين دموعها وهي ملقاه أرضا تستمع لكلماته التي تصفع روحها .. لم تستطع أن تجادله بالكلمات فقد كان محقا في كل شئ ...اعتدلت حتي وصلت للحائط سندت جسدها عليه .. لم تقو علي القيام ثنت ركبتيها ووضعت رأسها عليها قائله
" جلست بها واهتممت لأمرها .. كم مرة .. كم مرة جلست بأبنتك وليد .. كم مرة حملتها وداعبتها .. مرة .. اثنان .. ثلاث .. أم كنت مشغول مع .. رحيق ؟ .. مشغول بمحادثتها .. بمعاشرتها ربما ..."
أرتد للخلف من صدمته .. يا الهي هي تعرف .. سارة تعرف بأمر رحيق ...رفعت رأسها تواجهه
" أنت لم تهتم بوضع رقم سري لهاتفك .. انت لم تهتم بي وبمشاعري تجاهك وليد .. نعم شاهدت محادثاتك معها..طلبك للزواج منها ..نعم رأيت شكواك لها مني .. هذة المرة رأيت بعيني وأملك الدليل .. أنتظرتك طويلا لتعود عما أنت عليه .. أنتظرت كثيرا حتي تستفيق ..نعم شاهدت حديثك معها بشأني .. أني أم مهملة .. لا تهتم سوي بنفسها .. شاهدت كلماتك عني .. عاصرت تباعدك عني .. لم يزدني ذلك الا تباعدا فوق التباعد .. هل تيقنت الآن من أنك الأب والزوج المثالي لتقذف علي كاهلي تقصيرك وتباعدك عني... هل علمت الآن لماذا كنت أذهب لعملي طوال اليوم ..؟ كنت أؤمن مستقبلي أنا وابنتي .. وأنا اعيش معك علي حافة الهاوية ..كنت أكتنز المال .. أنتظر طلاقك لي في أي وقت"
كانت تشهق من البكاء .. ابنتها .. زوجها .. الدنيا تنهار جميعها أمام عينها .. استطردت قائلة
" هل جربت شعور أنك تلعب دور البديل بحياة أحد .. هل أحسست يوما أنك غير مرغوب فيك بين عائلتك الصغيرة وفي حياة من تحب ..هل نظرت لنفسك بالمرآة وليد قبل ان تأت ..هل لكمك أحدهم لانك غررت بابنته أو زوجته... أين هاتفك أتصلت بك مرارا وهو مغلق .. أنت لم تعرف بالأمر سوي من ساعات قليله أين كنت قبلها .. أنت لم تفكر .. أين نحن ؟.. بخير أم لا ...أين كنت ؟..."
هدر بقوة
" اصمتي "
ثم اكمل بانهاك
" أنا رجل .. أتعلمين هذا .. من المنوط بالعناية بأطفاله .. مهما قصرت أنا كان عليك أنت الأهتمام بها هل أنت أم حقيقية سارة .. تسقطين علي فشلك .. ؟ "
ظلت تبكي واضعه وجهها بين يديها .. تشهق .. تصرخ ..لافائدة لن يعترف بتقصيره...التقطت أنفاسها قليلا قائلة
" ربما أنا اخطأت .. انا مخطئة حقا ..قصرت بحقها .. كفانا تبادلا للاتهامات .. أعد الي ابنتي وليد .. أعدها الي ارجوك .."
أقترب منها ..يسند راسه الي الحائط جوارها ..هل كانت تعلم حقا بأمر رحيق .. طوال هذه الفترة ولم تواجهه .. لم صبرت عليه كل هذا الوقت .. هل كانت حقا تنتظر افاقته مما هو فيه .. هل تركا البحث عن ابنتهم الضائعة ليتبادلا الاتهامات كلا يلقي بالتهمه علي عاتق الآخر ليبرئ نفسه ..تفرس احمرار خدها من أثر صفعته .. احمرار عينيها ..هو يشعر بالذنب تجاه كل شئ حوله ..فقده لجودي جعل الدنيا صغيرة بعينية.. لقد اخطأ هو بالمثل .. هما الاثنان قصرا في حق جودي وعليهم تحمل الألم برحابة صدر .. جلس جوارها .. يبدو أن كلاهما لم يفكر الا بنفسه .. بينما ابنتهم تتمزق بينهم ..قال بأنفاس متسارعه منهك القوي .. مواجهته مع زوجته قضت علي المتبقي من قوته وتماسكه
" ستعود ابنتنا .. ستعود.."
لازالت تبكي وتشهق .. لم تتخيل أن تكون المواجهه بينهم في وقت كهذا .. لم تحلم يوما بما يحدث الآن .. ابنتها جودي انتزعت من بين احضانها .. هل هذا هو الشعور بالفقد .. تكاد تموت حقا ..الألم لا يحتمل .. ابدا لا يحتمل .. نظرت اليه وهو مستند للحائط جوارها ينظر للا شئ .. مصيبتهما واحده .. فهي الأم النازفه .. وهو الأب المكلوم ..
علم وليد انه في خضم رحلته الي رحيق .. خسر زوجته وابنته وقبلهما خسر نفسه .. الي اي انسان تحول من ناجح طموح .. محب لزوجته .. الي خائن .. دميم القلب والروح يؤذي القريب .. والبعيد ..
قال لنفسه
" الي اي حفره القيت بنفسك وليد .."



لم تكن تعلم أنها تحبه لهذه الدرجة .. ماجد .. زوجها وحبيبها حتي في غضبه تحبه .. حتي في تباعده تحبه .. لم يتعمد أبدا التحدث معها منذ آخر حديث دار بينهما .. لم يقربها .. لم يتحدث اليها قاصدا الا بأمور تخص الصغار .. طلباتهم .. دروسهم .. نزولها لتوصلهم لمدارسهم كانت تأخذ اذنه قبل اي شئ .. هذا هو مجال الحديث بينهم .. ليلا يعطيها ظهره غير ملتفت اليها .. ولا منتبه اليها .. أهملها كثيرا .. حتي علاقتهم الخاصة متباعد عنها بجسده وفكره ومشاعره .. هو دوما قوي .. في قراراته .. في عمق أفكاره .. وأيضا قوي في التنفيذ .. هو لم يصفعها .. لم يؤذيها بدنيا .. وانما ما يفعله الآن من تجاهل .. آذاها نفسيا أكثر مما قد يؤذيها الضرب .. لقد أغرقها اهتماما واحتواء و هي الآن تفتقد ذلك الاحتواء .. يهتم لأمر اطفالها .. استطاع الفصل بين معاملته لها .. وبين معاملته لأبنائها .. كانت تفهم وجهة نظره دوما في الاعتناء بهم .. هم أيتام .. وهو يسعي الي تعويضهم عن الأب الذي افتقدوه باكرا .. لم تكن تشعر أنه يفعل ذلك لترد له الأمر مع زياد .. وانما كانت تستشعر ذلك من قلبه .. لقد تعلق اطفالها به ..أحبوه واحترموه ونفذوا أوامره .. حتي في الخلافات التي يحيا بها الأطفال جميعا ..في أي شجار يحدث بين ثلاثتهم .. كانوا يمتثلوا الي عقابه .. بصمت ورضا دون تذمر .. علم كيف يعلقهم به .. وكيف يحبونه .. وايضا كيف تكون كلمته نافذة عليهم...ظلت تفكر فيه .. هي تحبه من كل قلبها .. لقد عوضها الله به بعد تعب وحمل ثقيل كان علي عاتقيها ..حاولت التقرب .. حاولت أن تتغنج .. لكن هو قوي دوما .. أليس له نقطة ضعف ؟..ألا يلين قليلا ؟... تعلم أنها أهانت رجولته .. تعلم مدي صدمته فيها .. لكنها لم تكن لتخبره بأي شئ قبل الزواج لم تكن لتجرؤ علي ذلك
شردت بذهنها لذلك اليوم صباحا حين أتصلت بالعامله بالحضانه ووبختها بقوة لما فعلته .. قائلة
" كيف تعطي لأحد غريب رقم هاتف زوجي .. كيف تتساهلين بأمر كهذا .. هذا تحذير لك .. لن أتهاون بأي امر آخر "
لم تقتنع بأن وليد ضغط عليها هي تعلم ثرثرتها جيدا .. لقد هددتها بأن تطردها من الحضانه .. أخبرتها أن أي معلومات تخصها أو تخص أطفال حضانتها وأهلهم هي سرية .. لا تتصرف بها قبل الرجوع اليها ...
جذب زياد طارف بنطالها قائلا
" ماما .. أنا جائع ..."
حملته رحيق لتجلسه علي رخام مطبخها
" اذا .. ماذا يود الأمير أن يفطر "
ابتسم زياد لتدليله .. هو الوحيد معها بعد أن أوصلت صغارها لمدرستهم بعد أن عادوا للفصل الدراسي الثاني ..
" أريد جبنا بالخيار ... "
" حالا ..."
أحضرت له طعامه .. البسيط وجلست معه ليستذكر دروسه .. ولتحفظه بعضا من آيات القرأن .. هي مديرة حضانه تعلم الأطفال المواد والقرآن فليس من الصعب عليها أن تعلمه كل شئ .. انتهوا اخيرا .. قامت لتعد الغداء وتركت زياد للتلفاز يشاهد كارتونه المفضل .. وعندما مل أمسك هاتف والدته ليلهو به قليلا .. تركت الطعام لينضج ثم اقتربت منه تداعبه ... وتلعب معه ..انتبه زياد للتلفاز ثانية تاركا الهاتف امامها.. أمسكت الهاتف .. ظلت تعبث فيه .. تري الصور ..صور لحنان .. صور لها مع ماجد .. يضم خصرها اليه .. صورة لها وهي تحمل زياد ووجهها يشع حيوية وسعادة .. يبدو أن ماجد يدرك جيدا كيف يسعد امرأته .. هي لا تنكر أنها سعيده معه حتي مع غضبه منها ... انتقلت للمحادثات الكتابية بينهم .. كانت تبتسم .. عندما وجدت أن المحادثة معظمها ...
" أريد طماطم .. وأريد عدس وأرز وحمص ..."
رأت رده الكتابي علي زوجته الراحله
" لا تقولي أنك ستعدين لنا كشري .. لا حنان .. أرجوك .. سأحضره من الخارج .. زياد لن يأكل هكذا "
كان رد حنان وجوها ضاحكة
ثم ردها الكتابي
" اذا كان طعاما من الخارج .. ربما سيفضل زياد الفاهيتا .. ربما الدجاج المقرمش .. لن يعجبه الكشري علي كل حال "
ثم أرسلت له وجها يغمز بأحد عينيه
توقفت عن القراءة عند هذا الحد .. استشفت من المحادثه تفاهمهم كثيرا وحسن عشرتهم .. شعرت بالغيرة قليلا من حنان رغم أنها زوجته الراحله .. فما بال شعور ماجد الآن مما فعلت هي ..لكنها تشعر بالغيرة لأنها تحبه ..أما هو ..فهل !
ارتدت ملابسها أستعدادا للذهاب لمدرسة أولادها .. رتبت ملابس زياد قائله
" هيا بنا حبيبي ..."
كانت تتعامل مع زياد اثناء غضب ماجد منها علي أنه هو حبيبها .. تعبر عن الحب لزياد بدلا من والده .. زياد يحمل عيني ماجد العسلية الضيقه التي تحفها رموشا طويله .. يحمل أنفه المدببه قليلا .. ويحمل شفتي ماجد الصغيره التي تتسع كثيرا عندما يأكل .. قد يأكل سندويتشه في قضمتين لا أكثر... ويرتشف الشاي علي جرعتين .. هو سريع في طعامه .. يأكل كثيرا ...ابتسمت قليلا لما تفكر به ...عند ذهابهم لصغارها وجدت أحمد يجذبها قائلا
" مديرة المدرسة تريدك أمي ؟ "
عبست قائلة
" خيرا أحمد .. ماذا فعلت هذه المرة "
نظر للأرض .. فعلمت أن هناك مصيبه تنتظرها .
بعد عودته من العمل .. جهزت الطعام .. التفو حوله في جو دافئ لا يخلو من صياح الصغار ... نظرت لأحمد قائلة
" أظن أن تخجل من نفسك .. وتجلس صامتا أفضل ..ما رأيك ؟ "
قال ماجد وهو يضع ملعقة أرز بفمه
" ما الأمر أحمد ؟ "
نظر بصحنه يرد ببطئ
" لا شئ أبي ... لقد .. لقد ضربت صديقا لي بالمدسه .. حتي أدمت أنفه .. لقد ضربني أولا يا أبي .. لقد أخذت حقي فقط.. وماما أعتذرت للطفل ووالدته ولم تخبرهم أنه من بدأ "
قالت رحيق وهي تقطع اللحم وتضعه في صحن زياد
" لأنه ضربك ولم يؤذك .. لكنك أدميت أنفه أحمد .. حتي لو افترضنا أنك تأخذ حقك .. فقد أخذت الكثير .. كان عليك نهره أو الذهاب لمعلمتك .. لا بضربه بهذه الطريقه "
نظر ماجد اليهما قائلا
" لا بأس .. جيد ما فعلت ..هل يضايقك زميلك هذا كثيرا .."
قال أحمد
" كثيرا ..."
ترك ماجد الطعام .. نظر لعينين الطفل مباشرة قائلا
" لا نعيش في غابة أحمد .. عندما يتعدي أحد عليك .. هناك تسلسل منطقي لتأخذ حقك بالعقل .. أولا ابدأ بمدرستك .. ان لم تأخذ حقك .. كن رجلا وخذه بيدك .. لكن بشروط"
نظر اليه الاطفال ثلاثتهم .. ومعهم رحيق .. تنتظر الاضافة التي سيمن زوجها بها عليهم
" أن تأخذ حقك فقط لا تتجاوز فتحرج نفسك وتحرج والديك .. عليك أن تكون صبورا وتتحكم بيديك .. تعلم متي تستخدمهم .. لا يسبقان عقلك أبدا .. فهمت بني "
اومأ احمد برأسه .. وقد دخلت كلمات ماجد لعقله ليتلقي أول درس في التعامل مع الآخرين وهو أستخدام العقل ..
أكمل ماجد حديثه
" وان آذاك صديقك ثانية أخبرني أنا .. وسأضع حدا لهذا لأمر .. اتفقنا "
جاءه ردا سريعا من أحمد ..
" اتفقنا "
بعد الغذاء ذهب ماجد لغرفته ليستلقي قليلا .. أغلق أضاءة الغرفة .. شعر بقربها فأعطاها ظهره .. استلقت جواره ثم مدت يدها تداعب كتفيه في محاوله منها للتقرب وجعله يسترخي .. ما ان لامست يديها كتفه حتي أنتفض قائلا
" أبتعدي .. "
ابتعدت علي الفور .. هي تقدر نفوره منها .. أعطته ظهرها هي الأخري .. حتي انتبهت لأنتظام انفاسه .. فاقتربت منه ثانية ... تضمه من الخلف .. هو أمانها .. هو كل الدنيا .. كل الحياة بالنسبه اليها .. كانت تفعل ذلك كل ليله .. تنتظر نومه .. حتي تضم ظهره اليها .. وعندما تشعر انه سيبدل وضعية نومه .. تبتعد علي الفور .. تنظر لوجهه .. لذقنه الخفيفه .. هو دوما يهذبها لا يزيلها ابدا .. تحب رموشة الطويلة التي يزداد طولها وهو مغمضا لعينيه .. تحب حاجبيه .. هل تغزلت امرأة من قبل في حاجبي زوجها .. لقد فعلت هي .. ملتصقين ببعضهما قليلا ليعطيانه مزيجا من الغموض والهدوء .. هي تحبه .. تقسم علي حبها له .. لقد ملأ قلبها حبا..
ظلت تتذكر عندما تحدثت معه باقتضاب عن رغبة أهل زوجها رحمه الله في رؤية ولديها .. فكان جوابه
" لا تذهبي لأحد .. أخبريهم أن يأتوا اليهم هنا يوم عطلتهم .. "
رغبت في اطالة الحديث معه .. فقد اشتاقت لمحادثته .. اشتاقت لكلمة طيبة من شفتيه لها ..
" هل ستكون حاضرا .."
لم تنل ما أرادت عندما أجاب بأقتضاب
" ان شاء الله "
ظلت تتذكر كرمه في استقبال أعمام طفليها وعمتهم .. أستقبلهم بود واحترام وكرم .. كانت رحيق تعد العصائر .. وهو يقدمها .. شعرت بغيرة عمة أطفالها كثيرا لكنها لم تهتم .. بل سعدت بقربها منه ولو للحظات قليله .. ظلت تداعبه وهو لم يردها أمامهم .. ظلت تضحك وتلامس كفه في حركة تدل علي سعادتها .. وهو لم يمانع .. حتي انتهي الأمر ... غادر الجميع .. وذهب الاطفال لغرفهم و عادت الحياة بينهما باردة جافة..
عادت لواقعها مبتعدة عنه بعد أن شعرت أنه يفيق من نومه ..ها قد عاد الجفاء والبرود ثانية بعد أن ابتعدت عن جسده الذي يشع دفئا وينشره في قلبها قبل سريرها.. وكأن في القرب منه حياه .. وفي البعد عنه الموت .
جلس بغرفة زياد ليلا .. اقترب منه زياد ليرتاح علي صدرة قائلا
" أبي أتريد أن أسمع لك آية الكرسي "
انتبه له ماجد ..
" أين تعلمتها من قنواتك الكارتونية الهادفه ..؟ "
ثم ابتسم ساخرا ... قال زياد
" لا أمي رحيق حفظتني اياها وسور أخري"
أبتسم قائلا
" هيا .. أنا أنصت"
عندما انتهي من سماع ولده قبل رأسه .. نام زياد هادئا كما يراه دائما منذ أصبحت رحيق أما له ..تنهد محدثا نفسه
" يبدو أن نفسك طويل رحيق .. لنري أسلحتك حتي آخرها "


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل السادس

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:29 pm

الفصل السادس



"  شيطان آثم  "

استقبل مكالمة سما التي سمعها تقول
" اتصلت كي أخبرك برسالة نور .. لقد بدلت رتاج شقتها .. تخبرك بعدم القدوم اليها لعدم اثارة الفضائح .. وعدم التحجج بأي شئ لتحادثها بالعمل .. وتطلب منك الأبتعاد عنها نهائيا "
باغتها قائلا
" أريد ثيابي .. كيف سأذهب لعملي هي تعلم أن ثيابي النظيفة التي أذهب بها بحوزتها "
أجابت سما دون مواربة
" ملابسك التي اشترتها هي لك .. بأموالها .. ألا تخجل كريم ..؟ "
كتم غيظه من نور التي أخبرت سما بكل شئ .. قائلا من بين أسنانه
" هل أخبرتك بذلك ايضا ؟ "
انفعلت سما قائلة
" أنا اعلم عنك كل شئ يا أخي .. من هذه ومن تلك .. أتعلم .. ! أنا أعرف مشكلاتك مع أصدقائك بالعمل .. أعلم مشاكلك الخاصة مع زوجاتك الاثنتين .. لقد أختبرت صبري كثيرا كريم .. لم يتبق شيئا منه بعد الآن .. أنا داعمة لزوجاتك الاثنتين .. ان طلبت أحداهن رقم والدنا سأعطيه لها و ان طلبت نور ان اذهب معها لوالدنا سأذهب معها بصحبة ابنتك .. ولتعلم أنني أيضا ضدك .. لن يكون أحد جوارك فقد اصبحت شخصا  لا اعرفه .. ولا اعرف كيف اصبحت في غفله مني .. لقد تشقق قلبك من الذنوب كريم .. لم يعد أبيضا كما كان .. "
قال متأففا
"هل انتهيت من محاضرتك سما .. أنا لم آخذ شيئا ..اسأليها من يدخل بيتها .. فلتسل زوجة حارس العمارة فهي تساعدها بالتنظيف .. لماذا أنا؟ ..لماذا .!. "
قاطعته سما بحده
"أنسيت عندما كنت تأخذ مالا من حقيبة والدتنا وكنت تعلم أنها ستتهم أبيك بدلا منك .. هل نسيت عندما سرقت  ساعة من قبل من منزل أبيك خلسة وأظهرتها لي ونحن مغادرون .. لم لا اصدق اذا !... أنا لا أحاضر ولا أعظ أنا أخبرك فقط بموقفي تجاهك ..لن تكسب تعاطفي معك ثانية ..الأمر لم يعد يخصك وحدك وانما يخص أرواح تتعلق بك .. قصرت بحق أولادك وتلبية احتاجاتهم ..وزوجاتك والاعتناء بهم .. لقد كان الزواج الثاني قرارا يحتاج لبعض الحكمة منك .. أنت اندفعت وراء مشاعرك .. لم تكترث  لزوجتين لكلا منهن مشاعرها واحتياجاتها .. أطفال بحاجة للانفاق لاشباع طفولتهم البائسة  .. كنت تظن أنك ستظل تنعم بالحب كثيرا لكن للأسف لم تفكر بالواقع ...أنت جاحد بنعم الله عليك يا أخي .. فأنتبه .."
كانت هذه آخر كلماتها ..ثم أغلقت الهاتف .. لم تنتظر سماع شيئا منه هي ساخطة عليه ..لم تستطع أن تنسي محادثتها مع مني .. أخيها يفعل مع زوجته ما يغضب الله ... لم تكن مني لتقص عليها الأمر لولا أن قالت سما
" أري أن مشكلاتكم بسيطة مني .. أي بيت يعاني من ضيق العيش بسبب ما نعيش فيه من غلاء .. ما الأمر الجلل الذي ترتكبونه أنتم ليصبح ما بينكم هكذا ... "
ودون أن تقصد سما .. شعرت مني أن سما تعرف شيئا .. فقصت عليها ما يحدث بينها وبين زوجها ...لتسألها بعدها عن مدي حرمانية الأمر... اتسعت عيني سما ذهولا مما سمعت .. يا الهي .. كريم ...أخيها .. يفعل مع زوجته حلاله هكذا أشياء .. معه زوجتين .. نساء .. ويطلب الجماع كالشواذ .. اسندت رأسها علي الكرسي .. كانت تستذكر الدروس مع ابنتها .. لا  تعلم ماذا تقول ..
" ماما هذا الكلام بدرس الدين .. نحن نذاكر لغة عربية "
أغلقت سما الكتاب
" كفي اليوم جني .. هيا للنوم .. لديك مدرسة باكرا "



مر ما يقرب من اسبوعان ..  ظلت نور فيهما تتقلب علي نار .. في حيرة من أمرها .. الخاتم أين أختفي ؟ .. لم يدخل أحد شقتها منذ شهر كامل .. لقد ملت منه ..ملت من قلة رجولته .. لم تحسبه هكذا أبدا .. كذب عليها وأخبرها انه سيهتم بها .. البيت سيكون مناصفه بينهم .. أحضر لها هدية زواج بمبلغ قيم بجزء من المال الذي اقترضه من البنك الذي تساهل معه بسبب وظيفته الحكومية الضامنة للسداد .. لا تعلم ان لم يكن مال القرض يخصم تلقائيا من راتبة كيف كان سيسدده .. أما الجزء الآخر من القرض قام بدفع مبلغا لصاحب الشقة ليستأجرها .. لقد كانت بدايته سليمة .. ولم تكن تعلم ان عاقبته معها ستكون وخيمة ..هي تنفق علي المنزل .. تدفع حضانه ابنتها .. تدفع مبلغا وقدرة لأيجار شقتها التي تمكث بها .. أين هو من كل ذلك ؟.. وتعرف من سما أنه لا ينفق أيضا علي زوجته الأخري وولديه .. أين راتبه اذا ... ؟ عليها أن تختار .. عليها أن تحسم حيرتها .. اما الطلاق ..أو أن يصبح صورة أمام الناس .
لقد تزوجته بعد بلوغها الأربعين بقليل .. هو يصغرها بعشر سنوات .. هناك فجوة زمنية بينهم .. فجوة قدرها جيلا كاملا .. لذلك أعجب كريم برجاحة عقلها فهي بالنسبة اليه هي الأم التي تفكر وتوجه وترتب .
لم تدخر جهدا لتقربه منها .. تعترف أنها القت له بالطعم  فهو واجهه مناسبة وسيم.. شاب ..  وظيفه حكومية يحلم بها الكثير .. وفوق كل ذلك يشكو لها زوجته ..  بدأت بأستدراجة .. كانت زميلة له تحسن الانصات .. يقص لها مشكلاته مع زوجته وتتناولها بحكمة وعقل حكيم ..  بدأت بمحاولة لحل المشكلات .. ثم تدرج الأمر بها لتلمع صورتها هي بنظره بقول " لو كنت مكانها ما فعلت ذلك " الكلمة التي ظلت ترددها علي مسامعة ليشعر بأفضليتها علي زوجته ..حتي أعجب بعقلها كثيرا وهو ما يفتقده مع الأولي .. بدأ بالتعلق بها وكانت تشعر بذلك .. حاولت استمالته عاطفيا وجسديا ... كان وقتها ملتحيا لا يدخن..خلوقا .. حتي لا يرفع بصره اليها ... .. بدأت بأستمالته نحوها .. كان يشكو قذارة زوجته ورائحتها المقززة  .. فكانت هي تتعطر بأثمن العطور  الجذابة المثيرة ..ظلت تشد وترخي .. تتمنع وتهتم .. حتي وقع في حبالها ...ووعدها بالزواج .. ومن وقتها ..قد يلامسها مرة بالعمل .. يقبلها مرة أخري ..مخبرة اياه انها لا تسمح لأحد بالاقتراب منها كما فعلت معه فهي تحبه وتوافق علي الزواج منه ...بمرور الوقت أقتنع .. بعد أن زلت قدمه معها بقبله  .. وأخري .. واخري وجد أن التزامه أصبح ظاهريا فقط بعد أن تلطخ قلبه بسواد المعاصي .. فتخلي عن مظاهره واحدا تلو الآخر .. أزال  لحيته ... عاد للتدخين ..عاد للسباب البذئ .. تبدلت شخصيته تماما .. ودفعت هي ضريبة ذلك الآن فقد فقد أخلاقه ورجولته ..كانت تموت غيرة عندما تخبرها سما أن حاله تبدل ..أنه كان رجلا بحق مع الأولي .. يتابع حملها .. يشاركها زيارة الطبيب .. ينتظر ولادتها ويحضر معها ...بينما معها لا يفعل ذلك .. هو لا يخرج معها أمام الناس ..حتي وان حدث يكون خائفا من أن يراه أحد معها ويكشف أمره.. لم يذهب معها  مرة ليتابع حملها بأبنته .. لم ينفق علي حملها فلسا واحدا .. ولا علي ابنته .. لا عذرا .. لقد أحضر لأبنته حلوي منذ شهرين .. شهر .. ربما ..  قبل ان يغادر البيت ..كانت سما تقص عليها أشياء لتعلم سبب تغير أخيها .. هو دوما لا يملك المال .. دوما ثائر يضرب صغاره .. فبدأت سما بمكالمتها ليجدوا حلا لتغييره دون أن يعلم بمحادثاتهم ... فعلمت نور من سما أشياء كثيرة عن حياة كريم التي يخفيها عنها .. سما المثالية أيضا تتصيدها بشباكها وتعلم جيدا كيف تأخذ منها الكلمات بانسيابية دون ان تعي سما ذلك
استقبلت رساله منه يقول
" أود رؤية ابنتي .."
ابتسمت بسخريه ..محدثة نفسها
" وكأنك تهتم "
كتبت له بأقتضاب  
" ستكون  معي بالعمل يوم السبت فالحضانه في عطله .."
شاهد كلماتها الباردة التي جمدت قلبه بصقيعها .. هل سيشاهد ابنته كالغريب تبا لك نور  ...لم يكن بوسعه سوي الانتظار فهو لن يأخذ منها ردا آخر .. فليكن السبت اذا .
يوم السبت صباحا .. قدمت بصحبة ابنتها .. الكل بالعمل يتهافت لحملها .. جميلة هي الصغيرة أروي .. شعرها القصير ناعم بشرتها سمراء تشبهه .. فمها الصغير  وعينيها الواسعة تخطف القلب بمجرد النظر اليها ..ظلت تتقاذف بين الأيادي حتي وصلت اليه أخيرا .. أخذها من زميله .. لم يكد يفعل حتي صرخت أروي بقوة وكأنها لا تعرفه .. قال أحد زملاؤة بالمكتب
" أعدها لأمها كريم لن تستطيع ايقاف صراخها .. هيا "
كانت كلمات زميله مؤلمة .. هو فعلا غير قادر علي ايقاف صراخها .. غير قادر علي احتوائها .. أروي صغيرته التي يغضب ويبتعد عنها بالايام بعيدا عن تأنيب ولوم والدتها .. بالفعل ذهب ال نور  بمكتبها .. ناولها  أروي ثم ادخل يده بجيبة مخرجا ورقة مالية ناولها اياها قائلا
" هذه لأروي .. "
تناولت منه المال سريعا .. لم تترد في أخذه  فهي بحاجة للمال وبحاجة لأن تشعره قليلا بالمسؤولية التي غاب عنها طويلا.. راقبته يغادر مكتبها .. بدون كلمة واحده ...
غادر عمله متجها لمنزل سما .. أراد أن يراها ويتحدث معها  قليلا .. عندما صعد اليها استقبلته بملامح ميته لا حياة فيها ولا  اهتمام .. جلس أمامها صامتا شاردا وهي أيضا ..ينظرا لبعضهما البعض دون حديث .. كلا ف افكاره .. قطع كريم الصمت قائلا
" لقد رأيت أروي  اليوم .. "
لم يبدو عليها التأثر  فأكمل ..
" ظلت تصرخ لا تطيق قربي منها .. رأيت ابنتي اليوم كالغريب سما .. لو طلقت مني ستعاملني ابنتي كالغريب ..أمها ستبعدها عني أنا أثق بذلك "
لم تشعر بنفسها الا وهي تقول بصوت مرتفع
" هي مع أمها في أمان .. أنا لا أئتمنك أنت عليها .. كيف ستربيها .. ما هي القيم التي ستغرسها فيها ..."
رد مسرعا
" نور ليست بالمثالية التي تدعيها سما ..جئت اليوم اليك .. آه ..هناك شئ يؤرقني منذ ليال .. "
جذبتها كلماته فقالت مندهشة
"  ماهو ؟ "
" هناك أمر هام قد حدث بيني وبين نور يوم زفافنا .. بعد أن انفردت بها أخبرتني بأن لديها عذرا يمنع تقاربنا هذا اليوم .. امهلتها كل الوقت .. وعندما انتهي العذر بعد أربعة ايام .. اقتربت منها كأي زوج .. وقبل أن أفعل أي شئ قامت ركضا  الي  الحمام وعند خروجها قالت لي أنها تشعر بشئ قد أنفجر بها .. لم أهتم.. وعادت الي وتعاملنا كزوجين .. طبيعيين .."
ردت سما مصدومة
" تقصد أن الذي شعرت به ينفجر بكارتها "
قال
" هكذا قالت "
هدرت به وهي تقف من هول ما سمعت قائلة بقوة
" هل جننت  ! .... أنت عديم الشرف ..لقد تزوجتها طامعا بها وبعملها ومالها .. هل تجرؤ علي تشويه صورتها هكذا .. هل تجرؤ علي التحدث عن عرضك بهذا التبجح .. هذا كلام لا يقتنع به أبلها .. هل أنت مقتنع به !.. فرضا لو صدقتك ... هل البكارة تنفض بهذه السهوله .. ما تقصه ليس منطقيا بالمرة .. أنت تريد تشويه صورتها أمامي .. كريم هي زوجتك .. هو عرضك قبل أن يكون عرضها.. لن أقتنع بما تقول الا اذا كنت طامعا بمالها .. والا لماذا تجاهلت الأمر للآن ! طمعت في المال وتنازلت عن نخوتك ورجولتك ..تبا لك كريم. "
فوجئت به يقف  غاضبا .. ليحضر مصحفا كان علي الطاوله القريبة .. وضع يده علي المصحف .. وأقسم منفعلا أن ما قصه قد حدث بينه وبين زوجته ... كادت سما أن تجن .. جلست بقوة علي الأريكة .. ليس تعاطفا معه وانما صدمة .. هل يمكن أن يحدث ما يقول حقا  .. هل نور بهذه السذاجة لكي تكذب هكذا ؟..أن تخدع زوجها بطريقه مضحكة كتلك... أم هل أخيها هو الساذج .؟. أم أنها كذبة أخري من كذباته التي لا تنتهي؟
قالت بعد ان أنهكها التفكير ..ممررة يديها بشعرها  
" كريم لقد تزوجت مرة قبلها .. كيف يفتك الأمر .. أنا حقا لا أصدق .. أصدقني قولا .. هل تجاوزت حدودك مع نور قبل الزواج"
" نعم .. فعلنا كل شئ ما عدا اتمام العلاقة "
ازدادت صدمتها قائلة
" أين  ؟ "
" بالعمل .. لم نترك غرفه بالشركة الا وشهدت علينا .. أنا أصدقك سما .. أقسم ان ما أخبرك به الحقيقه .. ليس كل هذا ما أهتم به .. الآن انا لا أعرف النوم .. كلما حاولت لا أستطيع يداهمني هذا الأمر لينغص علي نومي وصحوي  "
ضيقت عينيها وكأنها تستجوبه قائلة
" ولم الآن ... ؟ الأمر قد مر عليه أربعة سنوات منذ زواجك .. لم تتذكره سابقا .. بل لم تلتفت اليه حتي .."
نظر ارضا وهو يقول
" لأن حسابها علي الفيس بوك بحوزتي ..و أتفحصه من حين لآخر .. وأري محادثتها مع زملائنا بالعمل .. ومع رجال كانوا يتقربون منها وقد أخبرتني قبلا انهم طلبوها للزواج "
لم تستطع سما أن تتعاطف معه .. ولم يكن شعورها شفقه نحوه .... قد يكون ما يقصه حقيقي وانما ببعض الرطوش التي أضافها ليزيد الأمر سوءا بعينيها هي لا تثق به .. هي حقا  لا تثق به لقد كذب كثيرا .. وبدل الحقائق كثيرا .. لم ستصدقه الآن .. قد تكون نور تحادث زملائها بطريقه عادية وليست مشينة لن تسهب في الأمر معه فقد حدث ما حدث وفات وقت النقاش به .. وقد أرتضي هو الأمر ومر عليه الوقت .. هو حتي لم يحادث زوجته بشأن ما حدث ..وكأن شيئا ضاع منه فاستعوض الله ومضي قدما بحياته ...وقد يكون صادقا .. وتكون نور الكاذبة الكبيرة في الأحداث منذ بدايتها .. انما صدمتها الآن بالعالم الذي تعيش فيه .. وما قد يحدث خارج  الشرنقة  التي غزلها عصام حولها .. هل هكذا الحياة بالخارج .. هل أصبحنا مجتمعا تحركه شهواته .. هل يمكن لرجل وامرأة أن يختلوا ببعضهما في مكان عام بهذه السهولة.. هو مكان عملهم الذي يكتظ بالعاملين .. هل تكذبه في ذلك أيضا ...أصبحت لا تعلم شيئا .. لا تقتنع بأي شئ .. تبا لك كريم لقد شتت عقلي ...أفقدتني الثقة بكل شئ حولي ... نظرت له قائلة
" لا أشعر بالتعاطف معك كريم ... "
ابتسم بسخرية
" لا ارغب بتعاطفك سما .. لقد علمت أني سقطت من نظرك .. لقد أتيت اليك لأجلي .. وددت أن أتحدث مع نفسي بصوت مرتفع.. لم آت لأشوه صورة زوجتي التي لازالت تحمل أسمي أمامك .. لم آت كي ازعزع  ثقتك بكلامها .. لم آت كي تتدخلي بالأمر وتقومي بحله ... جئت أتحدث فقط "
قالت ساخرة
" وهل تظن أني قد يخطر ببالي حلا لما فعلت .. أنا أخجل من فعلتك كريم  .. أنت سرقت بيتك .. سقطت رجولتك بعيني امرأتك .. ألا تعي حقا ما انت فيه ..؟ حل مشكلتك هذه الطلاق أو الانفصال .. لن  يصح الأمر الا بذلك عاجلا او آجلا .. كيف ستحيا مع امرأة فقدت الثقة بك واتهمتك بالسرقة .. وبالنسبة لأبنتك .. أنت لا تهتم لأمرها لنكن صادقين .. كنت تتركها أوقاتا طويلة ولا تراها .. هي في امان مع نور  "
قال شاردا
" ابنتي .. نعم ..منذ أن أتت للدنيا وقد تبدل كل شئ .. حياتي مع أمها أصبحت شاقة .."
لمحت تغيرا في ملامح وجهه .. رأت تعبيرا لا تعلم كنه .. وكأنه حانق علي ابنته .. وعلي وجودها الذي يظنه سببا في مشكلاته...
" ما الأمر كريم ؟ .. أنت لست أخي .. ما الذي بدلك هكذا ؟ .."
نظر لها نظرة مخيفه قائلا
" لم أعد أخاك الذي تعرفيه سما .. أنا شيطان .. هل تعلمين .. انا اسوأ من الشيطان ..أنا أفكر بأشياء تؤذيها .. أود الانتشاء بتدميرها .. قد أندفع بفعل يؤذيني معها ويحرق قلبي أيضا .. لم يعد أخيك كما كان سما ..أبدا لم أعد كذلك "
سمعت صوت ابنائها .. لقد عادوا ومعهم الحلوي التي رغبوا بشرائها.. سلم عليهم كريم ثم غادر.. دلف الصغار  الي المنزل مشغولين بحلواهم بينما هي مشغوله بالكارثة التي فجرها كريم أمامها ... لم قد يكذب عليها .. هل تصدقه ؟.. لكن ما دافع نور لفعل ذلك .. هل مثلت علي الجميع وخدعت الجميع لهذه الدرجة .. خدعتها بالمثالية والرأي السديد والحكمة الوفيرة .. خدعت أخيها انها بكر رشيد .. أهي شيطانه .. ! يالهي  أهي مثله ؟ ..لازالت فاغرة فاها من كلماته عن كونه شيطان .. أخيها شيطان حقيقي فقد أنطبقت عليه معايير العصيان كاملة ...
تنهدت بقوة من فرط انفعالها .. انفعال تسبب في خفقان قلبها وترقب عقلها لما هو آت .



سمعت ماجد يتحدث مع الصغار عن سفره اليوم ليذهب في عمل كلفه به رئيسه .. أخبرهم أنه سيتغيب عنهم ليومين .. يريدهم مطيعين .. هادئين ..وأخبرهم أنه سيحادثهم كثيرا ليطمئن عليهم . استيقظوا جميعهم باكرا .. جهزت صغارها  للمدرسة .. أعدت لماجد الافطار سريعا ... ليلحق موعد القطار .. هو يعمل محاسب في شركة كبيرة .. لا تعلم علاقة عمله بالسفر فهو لم يسافر قبلا منذ زواجهم لكنها لا تجرؤ علي مناقشته حتي لا يلق بوجهها كلمات كالصخور المدببه .. أخذ حقيبته وغادر قبل الجميع .. مكررا  تعليماته علي أسماعهم مجددا .
بعد مغادرته .. لملمت ملابس النوم خاصة صغارها .. تأكدت من مظهر زياد .. نزل ثلاثتهم الي الشارع .. أطمئنت علي صغارها بدخولهم الي مدرستهم بينما اصبحت مع زياد بمفردها كالعادة .. ضغطت علي يديه الممسكه بها قائلة
" ما رأيك ان أصنع لك حلوي اليوم زياد وتشاركني في اعدادها .."
تحمس زياد كثيرا فقال
" أوافق طبعا . .. "
قالت مربته علي رأسه
" اذا هيا بنا الي المتجر أحتاج لشراء مستلزمات للمنزل .. ومكونات الحلوي ايضا .."
دلفت الي المتجر  الكبير .. ويدها لا تفارق زياد ...لم تنتبه لزوج العيون الثاقبة  التي  تراقبها...انهت الشراء بعد أن جلبت لزياد مكونات الحلوي المرتقبة .. نقدت العامل المال واستلمت أكياسها  ثم غادرت.. غادر هو الآخر .. ظل يمشي بهدوء خلفها بعيدا قليلا تتابعها عيناه وان بعدت المسافة .. الوقت مبكر والطرقات شبه خالية فهو يراها بوضوح .. رآها تستل الهاتف من حقيبتها تضعه علي اذنيها .. وجدها تدخل شارعا جانبيا لايؤدي الي المنزل .. سارع بخطواته ... ولم يكد حتي وجد نساء كثيرة وأطفال ..فجأة وكأنه وقت الذروة... نساء مع أطفالهن يتوجهن الي المدرسة ...يحاول أن   يبتعد قليلا عن هذه وتلك... ويزيح طفلا كاد أن يتعثر به حتي يلحق بها ... عندما وصل الي الشارع ... كانت قد اختفت مع زياد ... زفر حانقا .. أين ذهبت بولده دون أن تخبره ولو برساله علي هاتفه ؟.. عليه العودة الآن للمنزل .. لن يحدثها .. لن يهاتفها .. سينتظر حتي تعود بالوقت الذي تريد كي يعلم مدي تأخرها ...عادللمنزل سريعا .. جلس يراقب مرور الوقت ببطئ .. مرت ربع ساعة .. نصف ساعة . مرت ساعة .. اثنان ...لم تعد بعد ... هل ؟... قاطع أفكاره صوت المفتاح يدور بالباب معلنا وصولها ..ركض زياد نحوه بسعادة قائلا  
" بابا .. أنت لم تسافر .. "
رفعت عينيها لتجده أمامها وعينية تنذر بكارثة علي وشك الحدوث



" لا تقلقي دنيا .. أنا أعلم جيدا ما يتوجب علي فعله .. لا تخافي علي عمتك هكذا "
نظرت دنيا لعمتها نور ..رغم صغر سنها فهي لم تتجاوز العشرون من عمرها لكنها بئر اسرار نور الذي لا يفصح عن سرها ابدا .. مهما كلفها الأمر
"لكن عمتي .. أخشي أن  يتهور او يثير فضائح لنا في البناية .. فلتعطه ملابسه علي الأقل .. أعلم أنها بمالك .. لكن تجنبا لأذاه "
قالت نور بقوة
" لا .. أتركية ليتعذب هناك قليلا .. فليرتدي ملابس متسخه ليعود لمظهره الحقيقي أمام  أصدقائه حتي يتعلم ألا يتطاول بيده علي شئ من ممتلكاتي ... سأتركه لجنون  الأخري .. وقذارتها .. فلينعم قليلا بعدم الراحة ليستشعر قيمة ما كان يهنأ به..."
كانت دنيا أحيانا تخشي  نور .. بداخلها قوة قد تدمر بها عالما بأكمله حالما تغضب ..قالت دنيا وهي تحمل أروي الباكية
" أخبريني ما برأسك  ! "
ابتسمت نور بمكر
" أولا أقوم بتشويه صورته أمام سما .. أكسبها بصفي .. أنا لن أستفد منها علي كل حال .. لكن يكفيني تأنيبها له .. ودفاعها عني .."
أرهفت دنيا السمع بعيون متسعة تتفاجئ من مكر عمتها فأكملت نور بدهاء
" ثانيا أتركه مع زوجته الأولي يعاني فراقي وبعدي وعقلي الذي يرتب له أموره ... أما ثالثا .. فعلية أن يبكي دما حتي أقبل برجوعه .. يطلب تدخل هذا وذاك وأنا أتدلل ... وهو يتذلل .. عليه أن ينفق علي ابنته وبيته كما يفعل مع الأولي .. أم هي أفضل مني دنيا !..."
ردت دنيا مستفسره
" ألا تخشي من ردة فعله عمتي ..ربما يخطط هو الآخر بما لا نعمله "
ردت نور بمكر
" لا تقلقي سنعرف من سما .. "
ثم أشارت لأصبعها وهي تكمل
" هي كالخاتم بأصبعي .."
التمعت عينا دنيا انبهارا بمعلمتها ... واتسعت ابتسامة نور ..وازدات غرورا بعقلها ودهائها



استمع كريم الي كلمات منال... زوجة أخ زوجته المصون التي تتحدث وكأنها في بيتها .. لا بيته هو .. سمعها تقول
" أشعر أن في حياة زوجك امرأة مني .. تبدل حاله معك لهذه الدرجة ..قطعا هناك امرأة ..."
قالت مني بتعقل غريب عنها
" زوجي لا يخون منال ..."
عاجلتها بالرد قائلة
"اذا فهو متزوج عليك .. كيف تفسري نومه خارج بيته .. لا تقولي لي يعمل عملا اضافيا يزيد به دخله ... أين هو الدخل ..؟ "
بدت علامات التفكير علي مني ...فمنال تعرف حالتهم المادية بحكم تداخلها معها وبحكم الغداء المشترك الذي يقمن بأعداده سويا وتناوله مع والدها ... فعندما يكون كريم بعمله ليلا الذي يضطره للمبيت خارجا  .. تشترك مع أخيها ووالدها  بالمال ليشتروا مستلزمات الطعام ويأكلوا سويا .. وان لم يعطها كريم مالا ... يضطروا لاطعامها معهم هي وولديها ...فعلا زوجها تغير كثيرا معها ومع الصغار .. دوما مهموم بسبب ضيق الحال ..الحال الذي يتوجب عليه أن يتحسن فهو يعمل بعملين .. ولا أموال ....ظلت كلمات منال تتردد بذهنها
كانت تنظر لمنال بفم مفتوح ومنال تستطرد
" زوجك متزوج عليك يا نور .. لا تفسير آخر لما يحدث بينكما ... أقطع ذراعي أنها الحقيقة"
التفتا الي الباب الذي فتح علي مصراعيه .. شاهدن كريم يدلف الي الغرفة  .. اندفع كالعاصفة ممسكا ذراع  منال قائلا
" بل أنا من سيقطع ذراعك منال .. بل ولسانك أيضا .. هل جننت يا امرأة .. تقلبين حياتي رأسا علي عقب بعقلك الحقير هذا .. كيف تجرؤين علي التفوه بهذا الكلام ؟ "
كانت منال  تنتفض بين يديه .. وصراخ صغيرها يزداد بعد أن استيقظ  من صوت كريم الصاخب ... كانت كالمبتله من الأمطار أمام هواء عاصف .. ترتعش حتي أخمص قدميها ...كانت تتحدث بحريتها ولم تكن تعلم أنه يستمع اليها  .. لم يفلتها بعد من يده قائلا
" ألا تعلمين أنك تهدمين بيتا  بكلامك ؟.. ألا تعلمين أنك تحشرين أنفك فيما لا يعنيك مسممة أفكارها ؟..هيا من هنا ..أخرجي من بيتي .. لا اريد رؤيتك هنا ثانية ..."
دفعها بقوه ... أسرعت تأخذ صغيرها راكضه من أمامه ..تاركة مني لعقابها مع زوجها الثائر
كان صغيراه عند جدهما بالأسفل وهن يثرثرن بلا فائدة كعادتهن ... جلس علي الكرسي أمامه .. جلست مني  تثني ركبتيها تحتها أرضا لتواجهه قائلة
" انا آسفه .. أرجوك كريم .. لا تنزعج مني .. أنا لم أصدقها .. أنا أثق بك حبيبي ..."
نظر لعينيها مباشرة قائلا
" زوجة أخيك لا تقرب بيتي ثانية ... هل فهمت ؟ "
أمسكت يديه تقبلهما قائلة
" أمرك كريم .. أمرك حبيبي"
لم يشأ كريم ان يتمادي أكثر أو أن يؤنب مني  .. فهو لم يسمع ردا منها علي كلام زوجة أخيها علي كل حال بل دافعت عنه أمامها  .. وأيضا عليه أن يهدأ طالما ليس له مكان سوي هنا .. أمسك يديها وهو يقول مخادعا
" هل تصدقين أن أتركك يا ملكة قلبي لأتزوج بأخري .. دمتي لي بصبرك وتحملك ... وهل سيتحملني أحدا مثلك مني ... أنت حبيبتي وزوجتي وأم أولادي "
ثم أمسك بكفها يقبلها بحب أجاد في تمثيله  ..فهو لا يطيق رائحتها وسحقا لأطفاله الذين يجعلونه يبقي عليها ...وسحقا للزواج بأكمله وعلي من يفكر به .. ضمها لصدره متمما مسرحيته .. انتهي بهم اليوم في غرفة نومهم ... وهي تعتذر له عما بدر من منال مقدمة فروض الطاعة كيفما يريد



عاد وليد من عمله ...عابسا .. مشعث الملابس والعقل والأفكار ... لم يعد يهتم كثيرا بأناقته ..لم يعد يهتم بصورته أمام الناس ... بدا وكأنه فاقدا لعقله ..
مر أسبوعان الآن ولم يسفر البحث عن شئ .. لا أخبار عن ابنته .. فقد قرر ان يقوم بالأمر بنفسه ..ظل يجمع  كل البيانات الذي نالها الضابط من حارس البناية مجددا...ليس حذقا أكثر من الشرطة وانما سيبحث بضمير أكثر ...هو له قلب .. قلب يكاد ينفطر علي ابنته وفراقها ... قلب لن تمتلكه الشرطة مؤكدا .
خرجت من غرفتها تستقبله بعد ان سمعت باب المنزل يغلق .. سارة التي نحلت كمدا ونكدا لفراق ابنتها ... ليتها تعلم ان كانت ابنتها علي قيد الحياة أم لا !... لا تعلم .. لا تشعر .. لا تفكر .. هي فقط تريدها .. تريد أن تضمها الي صدرها لتعوضها عما فاتهما سويا ...تمت ابنتها اليوم تسعة اشهر ... ظلت تدعو الله ألايطول الأمر أكثر ...استقبلت وليد حزينة دامعة .
وليد الذي أغلق مكتبه مسخرا كل وقته وجهده للبحث عن جودي ...لم يدخر جهدا للبحث عنها .. لا ينام الا ساعة أو اثنتين في اليوم ... صباحا بالعمل ... مساءا في البحث ... اتصل به عصام  أثناء أزمته وعلم ما حدث لأبنته ومنذ وقتها لا يتركه .. يبحث معه ليلا في الطرقات ..  في المستشفيات .. في السيارات .. في الماركيتات .. في كل مكان ... في أماكن بيع ألعاب الأطفال ...فمن أخطتفتها لابد وأن تخرج بها مهما طال الوقت ...وهو لن يمل .. لن يمل أبدا ...وعصام المثابر أيضا لن يمل .. فقد أصبح كتفا بكتف مع صديقه مرسلا   زوجته سما الي سارة تشد من أزرها ..لا ينكر أن لزوجة عصام تأثير علي سارة  فقد أصبحت أهدأ قليلا ... تصرخ ليلا من كوابيسها ... تبكي نهارا .. لكنها رضيت بقضاء الله واقتنعت أنه ابتلاء ليختبر الله صبرهم ..فرضيت داخليا .. رغم بكائها وصراخها ...
جلست جواره  شاردة وهي تقول
" لقد قدمت استقالتي من عملي وليد ..."
أجاب بشرود مماثل
" لم ؟ .. أنت بحاجه له الآن لتبتعدي قليلا عن التفكير .."
قالت باكية
" وهل سأفعل ؟ هل سأتوقف يوما عن التفكير وهي بعيدة عني ..لقد كان سببا في ضياع ابنتي ... لا أريده .. لا أريد الخروج من بيتي .. أتلمس  الجدران علي أشتم رائحتها .. اشتقت اليها وليد .. اشتقت لبكائها لصراخها .. اشتقت لأبتسامتها التي تهون المصاعب .. ليت الزمن يعود .. أبدا لن اكرر تباعدي عنها .. أبداا  ... "
انهت كلماتها بالنحيب .. كان يستمع اليها وهو يشعر بالخواء .. يعي معاناتها جيدا فقد كانت تستيقظ ليلا صارخه بفعل كوابيسها التي لا يعلم ماهي  ولا يعلم ما الذي تراه .. لكنه يستشعر ما بداخلها فهو يشعر مثلها وأكثر فشعوره بالذنب أكبر منها .. هو الرجل .. من يملك القوامة ليس بالمال وانما بالعقل والحكمة التي افتقدها .. كان  لزاما عليه أن يمسك بزمام الأمور ويحل مشكلاته .. كان لزاما عليه الأهتمام بزوجته وابنته عوضا عن تركهم بلا حاكم .. بلا توجيه .. كان يتوجب عليه ردع سارة عن اهمالها في حقه وحق ابنته  .
توحدت مشاعرهم لأول مرة منذ تباعدهم .. توحدت بالفقد  ..لا يعلم متي تحديدا اتسعت الفجوة بينهم !..متي انشغلت بعملها عنه وعن ابنته !..لكن يبدو  أنها  أختارت بيتها أخيرا .. حتي ولو فات الأوان لذلك ..فلتكن مسؤلة عن قرارها .
قال بهدوء
" افعلي ما يحلو لك سارة .."
ثم تركها متجها الي الحمام ..  فعصام علي وشك الوصول
قالت ممسكة ذراعه ليلتفت اليها
" ألن تأكل ..؟ "
" لا .."
أخذ حماما دافئا يغسل عنه يوم عمل طويل مر .. ويستعد لليله  طويلة آخري من البحث تنتظره .
تفرس عصام ملامح وليد التي تبدلت منذ فقده لابنته فقد نحل وجهه .. نمت لحيته .. أصبح صامتا طوال الوقت .. قال وعصام وهو يتمعن في النظر اليه
" ألم تفكر بأن ابنتك ليست بالعاصمة وليد .. فجارتك لن تختطفها منك .. لتكن قريبة من نفس مدينتك كي تجدها بسهوله .."
انتبه  وليد لكلمات صديقه وهو ينصت اليه جيدا ..  فكلامه يبدو منطقيا .. أين كانت هذه المعلومة عنه ..هل مر الوقت  وهو يبحث بالمكان الخطأ .. قال وليد بسرعة
" ماذا تقترح ... ؟ "
" أري أن نسأل في المطارات في الموانئ .. ربما قد نجد أسمها أو أسم زوجها سافرا لأي مكان ... "
رد وليد بخيبة أمل
" ألا تظن أن الشرطة لم تفعل ...!"
قال من بين اسنانه
" فلنكرر ما فعلوا اذا وليد  لنتأكد ..أنت محام وتعلم أن عمل الشرطة استقصاء .. وتحريات .. وابنتك واحده من آلآف الأطفال التي  تختطف يوميا ...ربما سقط منهم شيئا لنلتقطه نحن ..."
كانت علاقات وليد كثيرة بحكم عمله  كمحام ...
اتصل بشخص يعرفه يعمل في المطار ..فلم يخطر بباله  هذا الأمر من قبل وقد أعتمد علي عمل رجال الشرطة ... سأل عن أسم جارته و زوجها في قوائم السفر بتاريخ اختطاف جودي .. طلب متصله الأنتظار ليبحث عن الأسماء .. ويعاود الاتصال به ..
ظل منتظرا .. طويلا ..صف سيارته وأطفأ محركها ... لمح عصام مطعما  قريبا استأذن  للحظات ثم عاد بالطعام لصديقه قائلا
" هيا وليد لنأكل معا "
" لا أشعر بالجوع عصام .. شكرا لك.. "
أمسك عصام بوجه وليد ينظر اليه مباشرة وهو يقول
" سنأكل سويا .. ابنتك تحتاج ليقظتك وقوتك ..نحن لا نعرف متي سنجدها .. عليك أن تكون بخير حال عند لقائها .. زوجتك تحتاجك قوي أمامها .. أنت الرجل .. والرجال يلقي علي عاتقها الصعاب .. لا تكل ولا تمل .. بل تقوي بعزيمتها لتدوس علي العقبات وتتخطاها .."
ابتسم وليد لصاحبه .. محدثا نفسه
"أين كنت عصام منذ زمن ؟..أين كنت وقدمي تزل في شهواتي ولا أهتم لبيتي ولا ابنتي .. أين .؟."
التقط الطعام منه وشرع بتناوله ببطئ .. وبنفس غير راغبة .. حتي أنهاه بصعوبة متذكرا كلمات عصام ليقوي بها نفسه .. ابنته بحاجه لقوته فعلا ..وعليه أن يتماسك ...
أمسك هاتفه مسرعا .. عندما  أستمع لرنينه .. أجاب بعد أن أنصت لمحدثه جيدا
" نعم بهذا التاريخ ..."
ظل يستمع دون أن يتكلم .. أغلق الهاتف ساهما .. سأله عصام
" ما الأمر ..؟ "
أجاب ساهما دامعا .. لأول مرة تعرف الدموع  طريقا لعينيه .. حتي يوم وفاة والدته واخته في حادث لم يبك هكذا..
.. ابنته .. لم تكن تبعد عنه بمحافظة أو اثنتان .. بل تبعد عنه قارة بأكملها ... لقد وجد متصله الأسمين بتاريخ يلي اختطاف ابنته بيومان  .. ألم تعلم الشرطة بذلك .. ؟ هو لايعرف كيف تعمل وانما  قد يكونوا وصلوا لما وصل اليه ... فهل سيعبروا قارة بأكملها من أجل ابنته ... شعر بالعجز .. العجز الكامل علي فقد ابنته .. خرجت الكلمات من شفتيه لعصام
" الأسماء مسجله بتاريخ يلي اختطاف جودي  بيومين ... لقد سافروا الي كوريا ..."
صدمة عصام ألجمت لسانه .. لا يعرف كلمات مناسبة لما هم فيه الآن .. فحل المشكله .. أنه لاحل .. بعد أن ظنوا أن الحل بمعرفة المكان .. فقد علموا المكان .. أين سيبحثوا فيه ... طفله صغيرة .. بقارة غريبه عنهم تبعد عنهم الآف الكيلو مترات ... أين سيجدها ... أين؟
ربت عصام علي كتف صديقه بعد أن تذكر شيئا قائلا
" لا تقلق يا صديقي ستسافر اليها  .. وتجدها .."
التفت اليه وليد  قائلا
" كيف ..  كيف ...؟"
ثم أستند برأسه علي المقود قائلا بألم ويأس
" أنا خائف عصام ... اتشعر بي .. كيف سأسافر كل تلك المسافة لأبحث عن طفلة في عالم كبير غريب لا أفقه خباياه .. "
شد عصام علي كتفه قائلا
" لا تقلق .. السفر الي كوريا لا يحتاج تأشيرة .. وربما هو نفس السبب لسفر جارتك اليها ... ستسافر الي سيؤول .. ستمكث هناك ستكون زيارة سياحية حتي لا تحتاج لتأشيره معك ثلاثين يوم كامله للبحث عنها  ... ستقلب كوريا رأسا علي عقب .... أنا أثق بك"  
التفت اليه وليد مندهشا
" من أين لك بهذه المعلومات يا صديقي ؟ "
قال عصام بجديه
" لي صديق  هناك ... يعمل .. كوريا متطورة كثيرا عنا وليد يسعي اليها الكثير .. ولمعلوماتك أشعر أنك ستجدها هناك .. فمعظم السياح العرب هناك يعيشون بسؤول .. معك كل الوقت ..  ستجدها ان شاء الله"
بعد عدة أيام ..رتب وليد أموره وعصام يساعده للسفر ... .. الأوراق ..حجز الفندق بسؤول للمكوث به .. ...
اتصل عصام بصديقه في كوريا ليسأله عن الاجراءات بالتفصيل ووعده صديقه بدعم وليد حتي يجد ابنته ... هذا الأمر طمأن عصام كثيرا ... فصديقه يعمل هناك منذ خمس سنوات .. مع أسرته وعلي علم بالاماكن هناك ...
أخبر وليد سارة  بتفاصيل الأمر بعد أنهي كل شئ.. أخبرها عن ضرورة سفره  .. ومنذ وقتها لا تنفك عن البكاء أملا وخوفا ورجاءا... هل ستكون هذه الرحله كغيرها من الاتصالات الوهمية في الأيام المنصرمة  ..فلم ينفكوا أن يجدوا اتصالا من أحد يخبرهم أنه عثر علي فتاة  بمواصفات ابنتهم .. وعندما يذهبوا يحملون الأمل المشرق بين أضلعهم يجدوا الأمر مجرد تشابه ...لقد نشروا صورة ابنتهم علي مواقع التواصل الاجتماعي ... التي أصبحت أسرع في انتشارها من الاعلام المرئي أو المسموع أو حتي المقروء ...لا ينكروا أن الناس تهتم .. لكن اللبس والخلط به كثير .. لم يكن لديهم سوي ذلك فالشرطة للآن لم تخبرهم بأي جديد في أمر ابنتهم ...
عندما أخبرها وليد قالت من بين دموعها
" سآتي معك ... أرجوك وليد ..اصحبني معك "
قال مقتضبا
" لا .."
وجهه مغلق .. لا تستشف منه شيئا .. أكمل وهو شاردا
" لن أجعلك تمرين بتجربه قاسية كهذه ثانية .. يكفي ما يحدث هنا من اتصالات واهية .. هل آخذك معي تنتظرين رجوعي تحيين بالأمل وبعدها تفقديه ثانية ...أين سأتركك هناك .. ام سآخذك معي في رحلة البحث اليومية بصحبة صديق عصام  .. كما أن المال معنا لا يكفي لسفر كلانا .. أنت أكثر من يعلم كيف تدبرنا الأمر .... امكثي هنا .. زوجة عصام ستكون جوارك ان احتجت شيئا .. لا أستطيع ان اقول لك اذهبي لوالدتك ... لأنك ستكونين حينها وحيدة اكثر"
تذكرت والدتها التي اهتمت لأمر ابنتها أول أسبوع من أختطافها.. ومع الوقت قد اعتادت الأمر .. وانخرطت بعملها المجتمعي ونسيت ابنتها..وحفيدتها ... بل ونست أمومتها ... هل هي مثل والدتها .. ابتسمت بسخرية .. نعم هي حقا كوالدتها .. فعلت بالمثل مع جودي ..بالمثل تماما دون زياده و نقصان .. يبدو أنها ابنة أمها بحق...
نظرت للأرض تبكي قائلة
" سأكون هنا منتظرة أيضا .. سأحيا هنا علي الأمل ايضا .. سأموت كل يوم انتظارا لك ولها ... ما الفارق وليد ..؟ أرجوك خذني معك "
تعلقت بصدره .. أخذ يمسح دموعها بيده  ... هامسا بأذنيها
" هششش ... "
أزداد همسه قائلا
" لا .. لن تسافري معي سيكون صديق عصام معي طوال الوقت .. وأنا ... أنا أغير "
كانت محاوله منه لصرف انتباهها ولو قليلا عما تحياه من ألم ... حاول أن يعبر ولو مرة منذ فترة بعيده عن حبه لها وتمسكه بها ... من منهم لم يخطئ .. لقد اخطأ وهي بالمثل ... عليهم تجاوز مرحلة الخطأ .. والقاء اللوم علي المتسبب .. ليجدوا حلا لما هم فيه ... أكمل بذات الهمس
" اشتقت لك يا زوجتي ... لم أقربك منذ وقت طويل ... اشتقت قربك سارة ..."
ابعد وجهها قليلا عن صدره .. ينظر لعينيها التي توقف الدمع بها فقال
" ستنتظريني ببيتك .. هنا .. كأي زوجة مطيعه ... تدعو الله بعودة زوجها وابنتها سالمين ... انتبهي لنفسك .. لا تنسي الطعام .. اهتمي بقوتك قليلا ... ابنتنا ستعود لتجد امها في انتظارها بكامل صحتها .. عديني سارة "
لم يتحدث وليد معها من قبل بهذه القوة والنعومة .. بهذا الحزم المحبب .. بهذا الاغواء المترقب .. اختفت دموعها وكلماته تتسلل اليها ..تشق عمق عقلها لتعي كل كلمة قالها الآن .. ابتسمت ولأول مرة منذ فقدانها لأبنتها .. عانقته بشدة .. بقوة .. بحب لم ينته من قلبها له ...قائلة
"أعدك .. "
شعر وليد بقوة عناقها وكأنها تعطيه القوة .. وتستمدها منه .. قربها منه أبهج قلبه .. عناقها له حفز خلاياه كرجل .. عانقها بالمثل .. بقوة .. برقه .. بنعومة .. حتي انتهي بهم الأمر في غرفتهم .. وهو يبث فيها وداعه  



avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل السابع

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:32 pm

الفصل السابع



" " بين مطرقة وسندان "

صباحا
غادر وليد بهدوء دون اثارة ضوضاء حولها ..بعد أن ظل يراقب ملامحها طوال اليل بعد نومها .. تأمل وجهها الحزين حتي بعد أن حجبها عن الواقع قليلا بكلماته الأخاذة .. وأحتوائه اللامحدود .. كانت بين يديه سارة الرقيقه كما عرفها دوما .. سارة المطيعة التي توجته علي كل الرجال ملكا .. يتسائل هل ضاعت من بين يديه لطول صبرها عليه .؟. هل استكانتها الآن معه انتظارا لعودة جودي فقط .؟. هل حزنها علي جودي هو ما يجعلها تناسق خلف أوامره .. هو لا يعلم .. انما ما يعلمه هو أن عودة ابنته ستضع كثيرا من النقاط حول علاقتهم .
توجه لمنزل عصام بسيارته .. جلس عصام جواره قائلا
" صباح الخير وليد .. مستعد يا صديقي ..."
أجاب وليد بأمل أخذ يزداد في صدره ..
" نعم .. مستعد ..."
انطلقا بالسيارة الي وجهتهم .. ودع عصام صديقه معانقا اياه قائلا
" عد سريعا بابنتك وليد .. تماسك صديقي ولا تيأس .."
اطمئن عصام علي صديقه بوصوله الي داخل المطار عائدا بسيارة وليد الي منزله .
هبط وليد من الطائرة .. قدم اوراقة متحدثا بالانجليزية .... ضابط الجوازات لا يتهاون معه في الأسئلة .. اسئلته كثرة وحازمة .. لولا سلامة اوراقه وثباته في الجواب لما مر وليد داخل الاراضي الكورية .. هل مرت رقية وزوجها بهذه الصعوبات عند وصولهم .. لماذا اختارت كوريا بالذات التي تبعد الكثير والكثير عن وطنه .
التقي مازن صديق عصام خارجا .. تبادلا السلام .. مازن انسان خلوق و هذا ما لمسه وليد منذ رأته عيناه .. رجل اربعيني هادئ الملامح .. رحب به مازن بقوة مصطحبا اياه الي الفندق كي ينال قسطا من الراحة قبل البدء في رحلة البحث



وجدت نور رجلا ضخما يقطع طريقها وهي تسير نحو مكتبها صباحا ..انه زميلها محمد .. نظرت له مني بترقب .. سمعته يقول
" صباح الخير نور .. أود التحدث اليك قليلا .. هل تسمحين لي .."
فطنت لما يريده منها .. يبدو أن كريم من أرسله ليحل الأمر بينهم .. مر للآن خمس وعشرون يوما علي مشاجرتهم .. كل يوم يرسل لها رسالة حب وهيام وهي لا تجيب... كل يوم يرسل اليها باقة زهور علي برنامج الواتس آب ليستميل قلبها وهي لا تهتم ..هو يمشي علي خطتها كما رسمتها مستقيما دون اعوجاج...هي لا تراه فقد أصبح عمله ليلا .. يتدرب علي عمل يختص بالصحة والسلامه في الشركة .. فهي لا تراه كذي قبل .. نظرت الي محمد بهدوء قائلة بأقتضاب
" بخصوص ..!"
أخرج محمد يديه من جيبي بنطاله .. عاقدا ساعديه أمام صدره قائلا
" كريم ..."
أومأت برأسها مستجيبه لما يريده .. توجهت الي مكتبها وهو خلفها .. كان المكتب شبه فارغا ... فالوقت مازال مبكرا .. فهي تخرج من بيتها مبكرا بسبب موعد حضانه ابنتها ... تذهب بأروي الي الحضانه .. ومنها الي عملها فتصل قبل الجميع .. أما محمد فورديته الفجرية تضطره للمجئ فجرا .. ذكرها فراغ المكتب الآن بأيام انقضت بينها وبين كريم .. كم مرة لامسها هنا ... كم مرة قبلها بمكتبه ... كم مرة كشفت جزءا من جسدها له لتثير غرائزه بين اروقة الشركة خلسه من الجميع ... لتجعله كالعجين الغض بيديها ...انتبهت علي صوت محمد يقول بعد أن جلس قبالتها
" أنا وسيط خير بينكم نور .. ان كنت تودين الطلاق والانفصال فلا مكان لي الآن .. أنا لن أتدخل بينكم للهدم .. بينكم طفله يجب أن تحل الأمور لأجلها .."
نظرت نور الي محمد بتمعن قائلة
" أشكرك لتدخلك محمد .. انما الأمر أكبر بكثير مما تظن ..."
قال دون مواربة
" لقد أخبرني بأمر الخاتم .. وأنك أتهمته بالسرقة ..."
انتبهت لما فعله كريم .. لقد فتح بابا للثرثرة في مقر عملهما .. هي لم تخطط لذلك .. فهي تخشي علي صورتها أمام زملائها ...لكن طالما هو من بدأ فليتحمل اذا .. قالت
" أنا أطمح في حياة سعيده مع زوجي ... أود أن أمتلك الشقه التي استأجرها الآن .. أود تعليما أجنبيا لأبنتي ... أود حياه كريمة ...أريد أن أشعر بزوجي يغدقني حبا ومالا وأهتماما ... أتعلم أني من أقوم بدفع أيجار منزلي محمد ... مصاريف حضانة ابنتي ... حتي تنظيف منزلي أنا من أنقد من تساعدني بعمل البيت مالا ... هو لا يعرف ملابسه النظيفه هذه التي يرتديها ...كم تكلفني نظافتها ...هو لا يهتم .. يهتم بالأخري كيف يطعمها كيف يسكت فاها كي تغض الطرف عن عدم وجوده معها ومع أطفالها ... لقد مللت محمد .. وتعبت .."
قال بجديه
" اذا أنت تريدين العدل "
قالت مكمله حديثه
" بل أقل من العدل ... أنا وابنتي اثنتان فقط .. أريد ايجار شقتي وحضانتها وأنا كفيله بالباقي .. أريد التزاما بعهده أمامك ... أريده أن يحترمني ويحترم عائلتي ... لقد قصصت الأمر علي اخواي .. الأمر الآن بين أيديهم .. ليجلس معهم ويتفق .. من جانبي لقد مللت الأمر حقا .. ولكن رجوعي اليه او أي اتفاق بيننا هو لأجل ابنتي .. لا أريد لها أن تبتعد عن والدها "
تأثر محمد بكلماتها كثيرا .. فطن لما تريده .. فأنهي مقابلته بها وهو يعدها أن الأمر الآن يخصه وأنه سيفعل ما بوسعة لرأب الصدع بينها وبين كريم ..
خرج من مكتبها ليتصل بكريم ويخبره بما تم
مستكملا حديثه
" أري أن الأمر سيحل أن شاء الله .. هي تريدك أن تتعهد بدفع ايجار منزلك وحضانه ابنتك .. لكني أشعر أيضا أن الأمر له علاقة بالغيره من زوجتك الأخري كريم .."
قال كريم مقتضبا
" أعرف ..."
وتذكر قبل أن تعكر صفو حياتهم بأمر الخاتم أنه تحدث مع زوجته الأولي بمنزلها .. ولأول مرة منذ تزوجا فلقد طلبت منه نور أمران .. ألا يهاتف الأولي ببيتها .. وألا يجامعها أبدا ...طالما يرغب بالتودد والتقرب منها.. لم تكن مجحفه بأمر ألا يجامع الأولي .. فقد اشتكي لها مرارا عن عدم نظافتها وشعوره بالنفور منها .. فهو لا يجامعها بأعترافه .. فما كان منها الا أن أخذت وعدا بذلك .. فهي تخشي الأمراض كثيرا..
" وما رأيك محمد ..؟ "
فكر محمد قليلا
" أري أن تمتثل لما تطلب كريم .. زوجتك لا تطلب الكثير .. وبالنهاية العدل بين زوجاتك سيرفع عنك الكثير من الحرج أمامها ... أه امرا آخر لقد طلبت أن تحدث أخيها .. لقد قصت ما حدث بينكم الي أخويها لكنها أخبرتني أن تتحدث مع الأصغر ..."
أبتسم كريم .. هو يعرف أنها تهتم بصورتها كثيرا .. هي لن تخبر أخويها بما بينهما أبدا .. و ان أخبرتهم ستقص مشاكل عادية .. ليس لها علاقة بالسرقة ... هو يعلم زوجته جيدا كما تعلمه هي .. يحفظها ككف يده .. يعلم أنها لم تغير رتاج المنزل .. ويعلم أنها لم تخبر أحدا من أخوتها بتفاصيل شجارهم ...
وأزادت ابتسامته اتساعا عندما فطن أنه أقترب من العوده لمنزله .. أقترب كثيرا
" شكرا لك محمد .. آسف أن كنت أزعجتك فأنت صديق مشترك بيننا وأعلم أنك تريد الخير لنا..أشكرك لتدخلك لتحل الأمر أنت أكثر من أخ .. سأكلم أخيها الآن ..."
أنهي حديثه مع محمد .. وهاتف سما ليخبرها ما حدث .. فكانت صدمتها بأن قالت
" ماذا .. حل الامر .. ألم تقل زوجتك أنها تود الطلاق .. ألم تلمح أنها ستخبر والدك بزواجك منها .. ألم تتهمك بالسرقة .. وهل ستأمنك علي نفسها وبيتها ثانية .. أحقا ما تقول كريم ؟.."
قال بصوت ضاحك
" هدأي من روعك سما .. انها زوجتي التي أحفظها عن ظهر قلب .. هي تريد أن تكسبك بصفها .. وتريد أن تكسب محمد ايضا .. وتريد تذللي لها ..وقد حظيت بما خططت .. فلتنتظر ما أخطط أنا له "
شعرت سما برأسها يوشك علي الانفجار .. ما هذا .. هل هؤلاء زوجين .. كلا منهما يخطط للآخر.. وهل هذه حياة .. قالت
" سوف أغض الطرف عن استعمال زوجتك لي .. سأغض الطرف عن تخطيطك أنت الآخر لتثأر منها ..لكن اسمعني جيدا كريم .. علاقتك بنور ستنتهي عاجلا ام أجلا .. هي ستظل تشك بك .. وأنت ستظل تشك بها .. هي عائده اليك لسبب وأنت ايضا .. مع جهلي بأسبابكم... هل ستشعران بالأمان لبعضكما .. هل هذه ستكون حياة سوية تحيا فيها ابنتكم .. أعذرني أخي ..أنا لا أريد أن أعرف مشكلاتك ولا أريد التدخل بحلها .. وأطلب من زوجتك عدم مهاتفتي .. عقولكم أكبر من عقلي .. دناءة نفوسكم أكبر من خبرتي بالحياة .. عذرا كريم لقد أستهلكت حياتك مني الكثير .. لقد مللت حقا "
ثم أغلقت الهاتف .. هذا ما كان يريده كريم .. سما .. فلتبتعد عن عالمه الاسود .. فلتبتعد ببرائتها عن ثأره .. وعن تمثيله .. وعن كذبه .. لا يريدها تعرف شيئا عنه هو أيضا لا يريد تأنيبا منها .. يريد ان يحيا كما يريد بلا ضمير .. بلا قلب .. بدون أحد يرده عن أفكاره وأفعاله المنحرفة .
عاد للمنزل .. لم يجد زوجته ولا طفليه يبدو أنهم عند والدها بالأسفل .. دخل وجلس حيث الظلام .. ظل يفكر ويفكر .. هو لا يحب نور .. يعلم أنها تريد مسخا لزوج أمام الناس .. كي لا يشمت أحد بها أنها تأخرت في الزواج ثم تزوجت وتطلقت .. أنجبت بعد وقت طويل من الزواج وستصبح ابنتها بلا أب .. هو يعلم كيف يعمل عقلها .. ونفذ لها ما أرادت .. سما لم تكن تفيده هذه المرة في الرجوع لزوجته ... بل كانت تقف موقفا صارما ربما أقوي من نور ذاتها .. أضطر الي أقحام أحد أصدقائه بالعمل كي ينجح الأمر فهي تخشي علي مظهرها ولن تفضل أن يطول الأمر .. وبالفعل حدث ما توقع .. أخرج هاتفه ليطلب رقم أخيها .. لينه الأمر مع زوجته ويعود لثأره منها .
" لا اقبل أن يلزمني أحد بما ينبغي علي أنفاقه علي بيتي يا علي ..ان وجدت بيتي أو ابنتي تحتاج شيئا لن أبخل عليهم به .. أخبر أختك بأني عائد الي منزلي غدا .. أخبرها أن تكون بشوشة الوجة .. أن تتعامل معي بأحترام أنا زوجها .. أخبرها أني آت لأني أشتقت ابنتي التي أراها بالعمل كالأغراب .. الأمر منته .. أنا لن أحدد مبلغا أنفقه عليهم .. لكني أعدك ألا أقصر في حقهم "
هذه الكلمات أنهي بها كريم محادثته مع علي .. أخو نور الأصغر .. والذي أنتبه من مكالمته أنه لا يعرف شيئا عن الخاتم ..كل حديثه عن البيت والمال وأنه يجب أن يساعد أخته في الانفاق .. وهكذا تأكدت شكوكه ..أنها لم تخبر أحدا بما حدث بينهم .. لازال أمر رتاج الباب الذي أدعت تغييره .. وهذا ما سيعرفه غدا بنفسه ..
في اليوم التالي ذهب لعمله والأفكار لازالت تتداخل برأسه .. دوما مشكلاته مع نور تنتهي بخروجه هو من المنزل .. وكأنها تخبره أنها طردته من جنتها .. تخبره بأن يذهب للأولي كي يتأدب ويشعر بفضلها عليه .. هو لم ينس كلماتها له عن أنه عديم الرجوله .. عديم النخوة .. لا يؤتمن علي مال أو بيت أو أبنه.. لن يغفر لها تفاصيل حياته التي أصبحت تلوكها الالسن بفضل صديقه محمد .. الذي أخذ يثرثر هنا وهناك .. أستمع لكلمات مؤلمة تقال خلف ظهره فور وصوله للعمل
" كريم زوجته من تنفق عليه .."
" اه كريم المتزوج من نور .. لقد سرقها .."
" كريم الذي تشتري له زوجته ملابسه ويعيش عاله عليها"
هكذا أصبحت حياته الشخصية مشاعا للجميع .. هو يلقي عليها كل اللوم ..
لن ينسي لها ما فعلته مع سما .. ليس استعمالها .. أو أنها أستمالتها لصفها .. وانما تشويه صورته أمام أخته التي بنت بينها وبينه جدارا من البرودة والعزلة .. لا ترد علي اتصالاته لقد حاول محادثتها بالأمس واليوم فلم تجب .. لن يغفر لها بعده عن الله الذي كانت سببا فيه .. استمالت قلبه .. جعلته يخلع رداء ايمنانه بلمسها وتقبيلها وهي لا تحل له بعد .. رتبت له كل شئ .. لا ينس كلماتها
" أزل لحيتك كريم .. أنا لا أحبها .. "
وبالفعل أطاعها وتم الأمر ... وعندما تذمر أنه اشتاقها بالحلال ظلت تطارده بأمر القرض .. أخبرها أنه يدين لله بحرمانيته .. وأنه سيأذن بحرب من الله ورسوله اذا فعل .. لن ينس ردها
" نحن سنتزوج به كريم .. "
وبالفعل تم الأمر .. وعندما أخبرها بأن سما لن تقبل أن يتزوج ثانية .. وأنها لا تقبل بفكرة الزواج الثاني .. وأنها لن تقبل بأن تأت معه لخطبتها لا ينسي كلامها
" استدرجها .. فاتحها مرة .. ثم اخري .. ثم اخري .. حتي تستجب لك .."
وبالفعل تم الأمر
منذ عرفها وهي تخطط .. تعرف جيدا ما تسعي اليه .. بل وتناله .. بصبر صياد .. يرمي بشباكه وينتظر ... لم يكن يري الأمر بهذه الصورة من قبل .. بل الآن اتضحت أمامه بعد أن أصبح هو بين شباك صيدها هذه المرة .. تحيك حوله وتغزل ... وتنتظر أن يفعل ما تريد ثم تسحب شبكتها سعيدة بما نالته ... لن ينسي لها استغفاله .. لن ينس أمر بكارتها .. هو الآن يشك بأبنته .. هل هي ابنته حقا .. ألم تتغنج له قبل الزواج .. ألم تكشف له جسدها في عملهم .. وما أدراه لعلها فعلت المثل مع غيره .. كانت مراجل من النيران تتقد داخله .. وتزداد .. وألسنه اللهب داخله تزيد .. سيثأر لشرفه .. لكرامته .. سيثأر لكل القيم والمبادئ التي تخلي عنها لأجلها .. هو لم يسرق شيئا .. لم يسرق خاتمها .. لا هذه المرة ولا المرة التي تسبقها .. لقد فعل الكثير من المحرمات ..الكثير والكثير حتي أظلم قلبه .. لكنه حقا لم يسرق شيئا .. لم فعلت كل ذلك .. ما الهدف وراء ذلك .. هو لن ينسي شيئا لها .. فقد ثقلت كفه حسابها وعليه ان يخفف وزنها قليلا بالانتقام..



أغلقت الباب خلفها .. نظرت اليه .. وجهه لا ينذر بالخير أبدا .. نظرت الي زياد الذي لازال يحتضن ماجد قائلة
" الي غرفتك يا صغيري .. أود التحدث مع بابا قليلا .."
ثم تبعت كلماتها بقبله علي خده ... بعد مغادرة زياد ..مرت من أمام ماجد متجهه لغرفة نومهم ليحظوا ببعض الخصوصية .. أمسكها من ذراعها بقوة يمنع مرورها من جواره .. سائلا بغضب
" أين كنت ؟.."
صدمت من سؤاله .. تماسكت .. التفتت اليه قائله
" ذهبت مع الصغار لأوصلهم .. ثم الي الماركيت لأشتري أشياءا للمنزل "
ثم أشارت تجاه الباب حيث تقبع حقائب بلاستيكية تؤكد صدق كلامها ...قال من بين اسنانه ولا زال مشددا علي ذراعها
" وأين ذهبت بعدها .. ساعتين منذ شرائك الأشياء .. عندما دخلت لشارع جانبي أين ذهبت؟ .."
أنتبهت الآن لما يشير اليه ... هل يظن بها سوءا ..هل كان يراقبها .. هل أمر سفره للعمل كان كذبا .. هل يشك بها وهي التي تحفظه في وجوده وعدمه .. ليتها ما زلت .. ليته ما عرف بزلتها .. كلماته الغاضبة آلمت قلبها الذي غرق في حبه .. لم تراه من بين دموعها قائلة بضعف
" تراقبني .. تتتبع خطواتي ...بظنك أنت ماجد أين كنت؟ .."
لم يجب .. بل أزدادت قوته وهو يهزها قائلا
" اخبريني أنت .."
قالت بضعف أكثر
" وهل تظن أنني سأذهب لفعل شئ مشين ومعي ولدك "
مال عليها هامسا
" لقد فعلتها قبلا .. وبين اطفالك .."
اغمضت عينيها ودموعها تسيل .. لا تستطيع ايقافها .. الكلمات تؤلم وكأنها وخزات ابر تنغرس في لحمها .. اااه.. لقد آلمها .. ان كانت تظن أن ابتعاده عنها .. وتجاهله لها مؤلم .. فقد كانت مخطئة .. ان كانت تتمني أن يتكلم ليخرج ما بصدره ليصفو .. فقد كانت مخطئة .. فكلماته الآن كانت أشد من المطارق ثقلا .. واشد من النيران حرقا .. بل اشد الموت الما... لم تجب... لم تتحرك .. ليته ما تكلم .. ظلت مغمضه العينين وقطرات الدمع تسقط رغما عنها ..هو يقتلها ببطئ .. يستلذ بعذابها .. ينتقم منها بخطة مدروسة ليضعضع أمانها معه
ظل ينظر اليها بقوة .. هو لن يتسامح معها .. لن يتغافل عنها .. ستبقي تحت ناظريه دوما .. يكاد يموت كل يوم وهو يتذكر مقطع الفيديو .. لقد كانت غبيه لفعلتها ... وكان يخشي غبائها فتعيد الكرة ثانية مع أي أحد ... لا يستطيع أن يمنع نفسه من الشك بها .. والترقب الدائم لأفعالها ...لقد زج نفسه بين نيران رجولته .. وخوفه علي ولده
" لقد هاتفتني عاملة الحضانه لتخبرني بأن هناك مشكله تخص طفل هناك .. أخبرتني أن والديه معه ويريدان محادثتي بشأن ابنهم .. كنت قد أنتهيت من شرائي مستلزمات المنزل فذهبت اليهم .. كان زياد بالخارج مع الأطفال حتي انتهيت من حل الأمر بمكتبي ... لتتبين صدقي من عدمه .. سل زياد عل صدق حديثه يهدئ من روعك..."
ترك يديها فور سماعه ما قالت ..هدأت مرارة أفكاره عند معرفته أين ذهبت .. وهل غفل عن طريق الحضانه .. لقد كان شارعا جانبيا الا أنه يؤدي اليها ..أعطاها ظهره يخفي عنها خجله مما فعل بها وبنفسه .. وهل تخيل رحيق تواعد رجلا تذهب اليه بولده .. الي أي حد تطرف بفكره .. لا يريدها أن تشهد ندمه فقال سريعا
" لم تخبريني قبلا .."
قالت بصوت متألم منخفض
" لم اشأ أن أزعجك فقد كنت علي سفر .."
التفت سريعا اليها يقول بغضب وكأنه وجد وسيلة اخري لتفريغ غضبه بها
" أنا رب هذا البيت .. كل خطوة .. كل حركة .. لا بل كل هفوة لابد أن تخبريني بها .. لا تكلفي نفسك بالاتصال .. يكفي رساله تنتظرين ردي عليها ..فأنا لم أكن لأجيب علي اتصالك .."
.. ثم غادر سريعا .. لا يعرف الي أين سيذهب .. ولا كيف يهدئ من ارتجاف قلبه الذي أصبح علي الهاوية .
قبل الظهر بقليل انتبهت الي جرس الباب .. وعندما فتحت وجدته حارس البناية يعطيها الحقيبه التي غادر بها ماجد صباحا .. أخذتها وأعادت ما بها الي خزانة ملابسه ..
بعد ساعتين استعدت هي وزياد للذهاب لمدرسة صغارها ... توجها نحو الباب .. فوجدوه يفتح ويدخل منه ماجد يليه ولديها .. هل ذهب للمدرسه وأحضرهم !.. هل تعتبر هذا صلحا ..! هي لن تقبل صلحه علي كل حال .. بدلت ثيابها وأعدت الغداء .. وكعادته ذهب للسرير لينام قليلا .. لن تفعل ككل مرة اليوم .. عليه أن يعترف أنه اخطأ بحقها .. هو لم يثور أو يصرخ أو حتي يرفع صوته اليوم .. حتي زياد لم ينتبه لهم ولم يعرف ما الذي حدث بينهم ..زوجها هادئ الطبع حتي في مواجهة مشكلاته ..حكيم حتي وهو مخطئ ..بالنهاية هي السبب فيما هو عليه الآن .. اقتربت من السرير .. همت بالنوم جواره ..فقام من جوارها .. أوقد الأضاءة ..جلس علي طرف السرير معطيها ظهره قائلا
" عمتي وابنتها آتيه لزيارتنا غدا .. أستعدي لأستقبالها "
أعتدلت جالسه ... عمته وابنتها .. هذه الفتاه الباردة الفارغة .. لم تنس نظراتها لها اثناء عقد قرانهم .. وكأنها اختطفته منها .. لم يكن زفافا بل عقد قران حضرته عمته وابنتها واخويها وزوجاتهم فوالد ماجد وأخته بالخارج .. لم يحضروا .. ستأتي لها هويدا هنا .. .. في بيتها .. بدأ الشك يسكن قلبها .. هل سيستبدلها بأبنة عمته .. لا لا .. فلقد كانت أمامه قبلها ولم يفعلها .. وماذا ان فعلها الآن بعدما تبين له سوء اختياره لها .. فهي ليست امرأه شريفه.. تتحدث مع الرجال بطرق مشينه .. تتخفف امام رجل غريب من حجابها .. هل يكرهها ماجد .. هل تصدقه عندما أخبرها أنها هنا بسبب زياد .. هل هي مجرد مربيه لطفله .؟.. يا الهي !.. هي تخشي ذلك .. تخشي أن تكون ابنة عمته ندا لها في قلبه .. قلبه .. وهل تظن أنها في قلبه .. هو حتي لم يخبرها أنه يحبها .. أخبرها صراحة أنه يبقيها لأجل ولده .. اذا فقلبه فارغا وبأمكان ابنة عمته أن تسكنه الآن ..
في اليوم التالي
بعد أن كانت تحاول معالجة الأمور بينهما .. تتدلل .. تحاول التقرب منه .. بعد أن كانت تحب ذلك وتستمتع به.. شعرت بالأمس أولي خطوات تباعد بينها وبينه .. وخاصة بعد مراقبته لها .. هو لا يثق بها .. قتلها هذا الشعور .. و هاهي بالمطبخ تعد الحلوي والعصائر لأستقبال عمته وابنتها .. تشع غيرة قبل أن يحضرن ..
رأته يخرج من غرفة نومهم .. يرتدي قميصا نبيذيا يتناسب مع سمرته .. مع بنطال من الجينز اسود اللون.. رائحته التي تذيبها شوقا اليه تسبقه.. اشتاقته حقا .. تدفع عمرها كله مقابل عناقا واحدا بعدما أعترفت لنفسها بحبه .. ألم تكن تنتوي التباعد منذ قليل .. الآن من رائحة عطر تذوب .. هل تعاني من أنفصام بشخصيتها.. فلتمر الآن من أمامه تتصنع السقوط كي تسندها ذراعيه القوية ... لالا هذه الحركة امتلأت بها افلام السينما .. لابد أن تبتكر .. كانت تنظر له وهي بالمطبخ .. كان يرتدي ساعته الأنيقة .. مشذب الذقن .. لامع الشعر .. هو دوما جذاب بطلته وبعينيه التي تقتلها عشقا.. عادت من شرودها علي صوته مرحبا بعمته .. وابنتها هويدا ..بعد أن جلسوا جميعا .. خرجت لتقدم لهم العصير ... ما ان وضعت الصينية حتي نظرت لهويدا ... أهذه هويدا حقا !.. ألم تكن بحجاب .. ماهذا الأحمر والأخضر الذي تضعه علي وجهها ؟.. هل تعتقد أنها ستحظي بزوجها بهذه الطريقه .. هي لا تعرفه اذا .. لقد أوشك علي طلاقها لأنها تعرت فقط من حجابها أمام رجل واحد .. فما بالها هي بما تفعله بنفسها أمام جميع الرجال بالطرقات.. هي لا تعرفه حقا..
" اهلا بك عمتي .. شرفت بزيارتك .. ما الأمر هويدا .. تزدادين جمالا يوما بعد يوم "
هل ألقي عليها أحدا دلوا باردا من الماء المثلج .. ضغطت علي أسنانها حنقا .. جمال .. هل يسمي هذا التلطيخ جمال .. يبدو أنها لن تجلس كثيرا معهم فلقد أثار حفيظتها الآن ... قالت لمداراة حرجها
" أهلا عمتي .. كيف حالك هويدا .."
" بخير .. أهلا بك رحيق "
مر الوقت بطيئا .. شعرت بالملل من جلستهم .. حاولت أن تكون لطيفه لكنها لم تستطع ..كانت تري تقرب هويدا من زوجها .. وكيف تحاول الألتصاق به .. وكلما جلس زياد جوارهم تحمله علي قدميها لتنعم بقربه ... تقدم له الحلوي وتتجاهل وجودها تماما .. تبادلوا الحديث جميعم وهي تقوم علي خدمهم .. لم تظهر امتعاضها .. ولكنها كادت أن تنفجر من معاملة ماجد لهذه الهويدا..
سمعتها تقول
" كيف حال عملك ماجد ؟.."
أجابها مبتسما .. ابتسامة لم ترها منذ زمن .. غمازة صغيرة أرتسمت علي خده الايمن .. تقاسيم وجهه المحببه تكاد تقتلها ..لا تعرف أتتغزل به .. أم تخنقه جزاء ما يفعل الآن .. يبتسم لهويدا .. ويعطيها ظهره ليلا ..
" بخير .. حمدا لله"
" كنت أعرض عليك عملا خاصا معي .. سأفتتح محلا شبيها بالسوبر ماركيت .. أحتاجك معي ..تنظم لي الحسابات .. وتجهزه لي بنظام حديث يضمن السهوله والسرعه في التعامل مع الأسعار والمنتجات .. ستكون شريك لي ..ما رأيك ؟ "
أبتسم ثانية .. هل هو ابلها اليوم .. أجاب
" دعيني أدرس الأمر .. وان لم نتشارك لن أمتنع عن منحك خبرتي لتصلي لما تريدين بمشروعك .."
هل يعدها بأنه داعما لها .. اذا لن تنتهي مقابلتهم اليوم امامها بل سيدعمها ايضا حيث لن تراه
سمعت عمته تقول
" كيف حال والدك ماجد .. وسمر كيف حال عملها ؟ "
أجاب ماجد مبتسما
" بخير حال عمتي .. أحادثها علي فترات .. ترسل سلامها اليك والي هويدا "
لم تستطع أخيرا الا أن تتثاءب بمنتهي البرود أمامهم .. فقد ملت من هذه الكلمات فقالت العمة
" هيا بنا هويدا .. لقد أخذنا الوقت يا ابنتي.."
قامت رحيق علي الفور .. وكأنها ترحب بمغادرتهم .. وقف ماجد جوارها .. ليودع عائلته ..
بعد أن غادروا .. تركت الصغار يتجهوا كلا الي غرفته وهمت مسرعة الي غرفتها .. شرعت بفك سحاب بلوزتها الوردية .. لتزيحها بعنف .. لحق بها مسرعا .. أغلق الباب خلفه قائلا
" ألم يخبرك أحد من قبل أنكي عديمة الذوق ؟"
ردت ببرود
" بل قليلة الذوق .. لقد ضايفتهم لا تكن ناكرا للجميل .."
ثم استدارت لتخلع عنها تنورتها البيضاء .. لقد كانت اليوم مثل الشمس التي تضئ المكان .. تنورتها الوردية التي تناسب بياض بشرتها وسواد شعرها .. تنورتها البيضاء التي اضفت سحرا خاصا علي جسدها .. كانت ساحرة .. عينيها الواسعة كانت تقص الحكايا ..الكثير من الحكايا ..
" لقد أحرجتهم وأحرجتنا .."
أجابت وهي تتناول قميصا قطنيا بأكمام ليتناسب مع هذا الوقت من العام .. قائلة
" هم من أحرجوا أنفسهم .. ألم تري هويدا وما تفعله بنفسها .. تتقرب منك ولا تهتم لوجودي .. كان ينقص أن تجلس علي قدمك .. ألم تر وجهها وزينتها كالبهلوان .. أين حجابها .. هي تعرض نفسها عليك كسلعة رخيصة أمامي .. ولا تخجل ."
كان صامتا .. مبتسما بسخرية .. كان ينظر اليها وكأنه .. وكأنه .. قائلا
" ألم تفعلي مثلها قبلا ! ..."
جملة من كلمات تعد علي الأصابع .. عني بها أنها هي ايضا فعلت .. تخلصت من حجابها .. كانت كسلعه رخيصه .. لم تكن تخجل من نفسها أو من صغارها .. كلمات ألقاها بوجهها ثم ذهب عنها .. تاركا اياها بين أفكارها وحنقها وألمها .. الذي لن ينتهي علي ما يبدو ... هل أحضر هويدا اليوم ليؤنبها هي .. هل أحضرها ليثير حنقها .. هل .. هل من الممكن أن يعمل معها حقا .. أمام عينها وفعلت كل ما فعلت .. ماذا ان أختلت به في عمل أو في شرح شئ يخص العمل ..ماذا ستفعل .. هو يضعها بين مطرقة وسندان .. بين حبها له وغيرتها عليه .. وبين ذنبها الذي لن ينساه ابدا .



هذا هو الفرق بينهن.. رغم أن زوجاته الأثنتين بدينتين .. لكن مني قد تزن أكثر بقليل من نور ..مني صاحبة المنحنيات الزائده ..صاحبة الثنيات المكثفه المنتشرة بجميع جسدها ... حيث ثنيات بذراعها .. فلا كوع لديها .. ليس لديها ما يسمي بمفصل الركبة .. هي عباره عن قطعة لحم فوق لحم .. ربما هذا ما يتسبب في رائحتها الكريهه التي تنفره منها .. ظل يفكر متسائلا .. كيف تزوجها .. كيف أعجب بها من الأساس .. ملامحها أقل من العادي .. عينين ضيقة حاجبان عريضان .. كل ما يمكن أن يميزها .. بياض بشرتها ..ظل يستمع لصوت المياه القادم من الحمام .. فزوجته تأخذ حماما من أجله .. هو لا يهتم لأن النتيجة واحده فهو لا يشعر بنظافتها أبدا .. تخرج من حمامها تعكص شعرها دون تسريحه أو تجفيفه فيخرج منها دوما رائحة شبيهه "بالكمكمة" .. احتار في ايجاد حلا لها .. هي تري أنها نظيفه .. هي لا تشعر أن بها مشكله .. هو وصغاره من يعانون ...
رآها تقترب من الغرفة بعد أن أنتهت من حمامها... كانت تمشط شعرها أخيرا ...ظل يتذكر أنه ذات مرة أقحم سما لتتحدث معها بشأن نظافتها .. وكيف نمقت سما كلماتها حتي لا تحرج مني قائلة
" عندما أخرج من الحمام أفرد شعري حتي يجف وأضع زيتا يسهل تمشيطة ويعطيه رائحة حلوة ..."
لقد أرهق سما معه .. هي دوما تقوم بدور الأم معه مع هذه وتلك .. ولكم انهكها بأفعاله .. ظل يحمد الله بداخله علي وجود سما بحياته .. لكنه الآن لا يريد قربها بل يريد ابتعادها لأقصي درجة ..
عاد لواقعة وهو راقب مني وتجملها لأجله .. هي تري أنها تفعل ما بوسعها لأسعاده لكنها لا تفعل شئا يجذبه اليها .. مسح علي وجهه منهكا... لولا شكوي والده من عدم نظافتها ورؤية سما بعينيها بيته القذر لظن أنه يتوهم
أنتهت من تمشيط شعرها ثم جلست تناظره رأته يخرج من جيبه مالا ليعطيها اياه
" هذا مصروف أسبوع .. اقتصدي قدر المستطاع حبيبتي .. "
تناولت المال منه قائلة بهدوء
" شكرا لك "
وضعت المال بجانبها قائلة
" وزنك في نقصان كريم .. أخاف عليك حبيبي "
ابتسم ناظرا للأرض
" لا تخافي .. ارهاق من العمل .. لا تكترثي .."
ثم قام ليغادر .. هل تخاف عليه حقا .. أم تخاف عليه لأنه من يعمل ليوفر لها المال .. ضمها اليه مقبلا جبينها قائلا
" سأذهب للعمل الليلي .. تحتاجين لشئ ؟.."
" لا حرمني الله منك .. أحبك "
كان جوابة بسمة أنارت وجهه ..عليه أن يمثل طوال الوقت ويكذب ايضا كي يتخلص من الأسئلة التي لا نهاية لها ..
" كريم لما لا تلقي علي كلمات الحب "
" كريم أنت لم تعد تعانقني "
" كريم أنا بحاجه للمال "
كانت أول خطوة لتنفيذ ثأره من نور .. هو التفرغ للتخطيط لها .. أن يفرغ عقله .. أن يسكت ثرثرة مني التي لا طائل منها .. ليتفرغ لمن هي أهم منها ..
هو أبدا لم يخشي مني .. هي بالنسبة له امرأة وقت الحاجة .. يفرغ فيها شهوته كيفما شاء .. يفرغ فيها غضبه .. هو لا يهتم بها ولا لأمرها .. لقد اخطأ في اختيارها من البداية .. وكما اخبرته والدته يوما بأنه ليس هناك بينهما تكافؤ مادي أو معنوي ...فظل يفرغ بها أحباطه وكأن عدم تكافئهم خطأها وحدها وليس خطئا منه في أختيارها.
ظلت مني تنظر في أثره .. هي تخاف عليه .. لقد فقد الكثير من وزنه .. يبدو مرهقا دوما .. صامت طوال الوقت وكأن شيئا يشغله .. أحيانا تصدق كلمات زوجة أخيها بأنه ربما تزوج عليها .. لكنها تعود لتقول وكيف ؟ .. كيف سينفق عليها ؟.. الحاله ضائقة بزوجه واحده وطفلان .. كيف يزيد الأمر سوءا علي نفسه..ثم فكرت قليلا .. أم هذا هو سبب الضائقة المالية !.. أن مسئولياته في زياده بزوجه جديدة ظلت الأفكار تطيح بعقلها الي أن اقترب معاذ منها .. هو مريض يعاني البرد .. عطس معاذ بقوة.. وسائل مخاطي يخرج من انفه .. تناولت قطعة ملابس ملقاة جوارها ومسحت له انفه ثم القتها مكانها .. حملته بين يديها تهدهده قائله
" سلامتك يا نور عيني "



تنهد وليد بقوة وهو يجلس أمام النافذة .. يجلس ببيت مازن .. الذي دعاه اليوم ليتناول غدائه مع عائلته .. ظل يتأمل مشهد الغروب .. لم يره هكذا من قبل .. الشمس تغرب في مشهد حالم بين ألوان الشفق القاتمة .. أخذ وليد ينظر لأتساع السماء .. وترتيب السحب .. وجمال الشمس بلونها البرتقالي المائل للحمرة أثناء الغروب ..قال بشرود
" يا رب بعظمة خلقك .. وقدرتك .. رد الي ابنتي .. أشتاقها .."
التفت خلفه ليري باب غرفة الاستقبال يفتح ويعود مازن بالحلوي قائلا ..
" تفضل وليد .."
تناول وليد قطعة حلوي وحالما انتهي قال
" لديك ولدان ررائعان مازن .. بارك الله لك فيهم "
ابتسم مازن قائلا
" لم يكونوا هكذا منذ عامين وليد.. فقد مر ولدي الكبير بمحنه جعلت منه رجلا مؤخرا "
اعتدل مازن بجلسته وهو يكمل
" لقد شاهد أعز أصدقائه يقع فريسة الأدمان .. كان شاهدا علي زلة صديقه وأيضا علي رحلة علاجه المؤلمة .."
تعلقت أنظار وليد بمازن منتظرا المزيد .. سمعه يقول
" لم يمل ولدي من أنتظار عودة صديقه .. بل ثابر معه وانتقل من مرحلة لأخري في علاجه.. تكاتف معه حتي مر الأمر بسلام .. هذه التجربة جعلت منه رجلا هادئ طويل البال وليس مراهقا طائشا كما كان .."
قال وليد
" لابد أنك كنت داعما له "
أجابه مازن
" لا .. بل كانت والدته .."
تعجب وليد من الاجابة مستمعا لتفسيرها من مازن
" والدته من احتضنت ألمه وخوفه علي صديقه .. فقد كان ولدي قاب قوسين أو أدني من الأدمان هو الآخر .. أخبرنا أخيه الصغير في بداية الأمر و تداركناه .. لولا دعم والدته وايمانها به لما تخطي هذه المرحلة .. لولا دعمها له لما تخطي صديقه ايضا مرحلة العلاج بسبب ولدي فقد اعتبره قدوة له بقوته وعزوفه عن خوض معركة خاسرة مع الأدمان "
نظرات الاعجاب التي طالت مازن من وليد كانت حافزا له ليكمل
" معني العائلة وليد أن يهتم كلا منا بالآخر .. أن يدعم كل منا الآخر ان زل .. أن نعلن حالة الاستنفار العام ان سقط أحدنا في الوحل .. وكلنا معرضون لذلك وليس الصغار فحسب .."
مازن قطعا لا يعرف شيئا عن معاناته وسارة .. ما باله يلقي علي مسامعة هذ الكلام عن الدعم والعائلة .. هل بدأ في الفهم أخيرا بأن الله ارسل له اشخاص لينتشلوه مما هو فيه من غفلة .. عصام في بادئ الأمر .. والآن مازن واسرته ..
قاطع استرسال أفكاره وشروده قائلا
" أنا مستعد الآن مازن .. هيا بنا لقد تأخرنا اليوم عن البحث "
خرجا سويا .. جلس وليد جوار مازن الذي كان متوجها نحو ايتوان وهي منطقه تضم العرب والمسلمين بين ربوعها للبحث عن ابنة وليد .. مر حتي الآن عشرة أيام علي مكوثه الفندق .. يبحث يوميا عن ابنته .. لم يكملوا البحث بالمدينة كلها بعد بسبب عمل مازن .. فهم يبدأون رحلتهم بعد الغروب لأرتباط مازن بعمله .. .. ساعده مازن كثيرا لمعرفته بالبلد .. وطلاقته في التحدث بالكورية .. هو لا ينكر فضل مازن عليه واهتمامه بالأمر .. بل وفضل زوجته وابناءه اللذين تعرف عليهم اليوم .. عائلة هادئة داعمة حتي أصغر من فيها .. هل يوجد أناس هكذا .. يقدموا المساعدة مجانا .. دون الحاجة لشكر أو مال ..ما باله كان سيؤذي رحيق ويدمر سعادتها..بل كان سيحطمها تماما .. لم يفكر قبلا فيما كان سيتسبب لها من فضيحة حقيقية تقضي علي ما تبقي من احترامها لذاتها ..خلل شعره بأصابعة في محاولة لأنهاء تدفق الذكريات لرأسه .. نظر من نافذة السيارة .. يبحث بقلبه وعينيه عن ابنته .. أستمع الي مازن يقول
" اليوم تجدد الأمل بقلبي .. "
التفت اليه وليد مسرعا
" أهناك جديد ؟.. "
أبتسم مازن قائلا
" أحد أصدقائي يعمل بفندق هنا .. هاتفته بالأمس طلبت منه البحث عن الأسماء التي أعطيتني اياها .. "
صمت مازن .. فحثه وليد علي التكمله .. فهو لا يطيق صبرا ..قائلا
" وهل قام بالرد عليك ؟"
أتسعت أبتسامة مازن قائلا
" نعم .. لقد وجد أسم الرجل الذي أعطيتني اياه ..نحن في الطريق الي الفندق الآن "
تسارعت نبضات قلبه بشده ترقبا وانتظارا .. وقد تزايد الأمل بقلبه .. هل يهاتف سارة الآن .. هل يكلمها لتشاركه سعادته .. لقد اقترب كثيرا من ابنته .. ظل يحمد الله وقد افترش الفرح قلبه ... استل هاتفه ليتصل بسارة ويخبرها عما وصل اليه.. الا أنه فوجئ بتوقف السيارة فجأه فقد وصلا الي وجهتهم .. أعاد الهاتف لجيبه ثم هبط من السيارة بصحبة مازن مترقبا.. خطواتهم تتسارع نحو باب الفندق .. كان يرتدي قميصا ابيض اللون تعلوه شتوية ثقيلة تتناسب مع الطقس البارد و بنطال من الجينز وحذاء رياضي ... شعر بحرارة تسري في دماءه فخلع عنه السترة ممسكا بها بيده .. وصلا الي موظف الاستقبال .. سمع مازن يتحدث الي الموظف بالكورية .. لم يفهم أيا من كلماته سوي أسم الرجل الذي يبحث عنه .. نظر وليد بترقب الي الموظف وهو يبحث علي الجهاز أمامه عن الأسم .. ثم تحدث الي مازن الذي بدا عليه خيبة الأمل ..
أمسك مازن كتف وليد قائلا ..
" ليست هنا .."
نظر وليد الي موظف الأستقبال قائلا ..
" ابحث ثانية .. أرجوك .."
لم يفهمه الموظف فنظر لمازن .. يحرك رأسه مستفهما عن كلمات وليد .. فترك وليد سترته أرضا وأخذ يهز الموظف بين يديه بغضب ظنا منه أنه يرفض البحث ثانية ...صارخا
" أبحث ثانية .. والا سأصعد أبحث عنهم في غرف الفندق جميعها ...ان لم تبحث أنت علي جهازك اللعين "
حاول مازن فض النزاع .. لم يستطع فقبضة وليد قوية ..يري وليد قد وصل لقدر من العصبية لم يره عليها منذ وصوله ...ربما هو الأمل الذي انهار بين عينيه .. ظل وليد ممسكا بالموظف وهو يقول
" ان لم يكن هنا ..فأين هو ؟... هل غادروا .. متي غادروا .. ابنتي هل هي معهم ؟.. أجبني "
كان صياحه قوي .. رأسه أوشكت علي الانفجار من شده حنقه .. ظل مازن يردد
" وليد .. ليست هنا .. استمع الي وليد .. لم يجيئوا الي الفندق من الاساس .. الحجز وهمي .."
بدأ يعي كلمات مازن ببطئ .. ثم ترك الموظف شيئا فشيئا .. تعلو وجهه نظرة حيرة .. خيبة .. حزن .. حجز وهمي .. و كيف يكون هذا الحجز الوهمي .. هل الأمل الذي تسلل الي قلبه أصبح وهمي .. هل انتظاره لأخذ ابنته بين ذراعيه أصبح وهمي .. هو يموت .. الآن هو يموت .. أن تشعر بالأمل ثم تفقده .. أشد عليك من عدم وجوده منذ البداية.. الأمر أصبح مؤلما للغاية .. ليته لم يتشبث بالأمل ..ليته انتظر حتي يراها بعينيه .. ليته لم يتركها .. ليته جلس بها وترك عمله وترك الدنيا برمتها لأجلها ..تبا لذلك تحدي دخله مع زوجته .. تبا لكل شئ منعه عن ابنته ...
أمسك وجهه بين يديه ..ساندا اياها الي طاولة الأستقبال الكبيره .. كان يري مازن يتحدث الي الموظف وكأنه يعتذر له .. هو لا يري جيدا .. الرؤية لديه مشوشة .. هل هذه دموع .. ام أن عقله يود ان يأخذ هدنه من التفكير .. لم يشعر بنفسه الا وذراع مازن المحكمة حوله وكأنه يمنعه من السقوط .. حتي وصلا الي السيارة ...
أخذه مازن الي مكان يجلسا فيه يشبه المطعم .. الا أنه ساحر ..لكن عينه الآن لا تري شيئا .. لا تري جمال .. أو بهجة .. أو حتي أمل ...طلب مازن عصيرا طازجا لوليد ..ظل ينظر اليه حزينا .. بعد أن أقتربا من الوصول لطفلته فقدا حماسهم الذي حملوه في قلوبهم .
جلس وليد ساهما .. حائرا .. بوجه أكثر حيرة وحزن مما أتي به الي كوريا ..كان الصمت يرفرف عليهما .. وليد بحيرته ..ومازن بخزيه أمام وليد الذي أعطاه كل الأمل .. ثم سحبه منه بقوة
" لقد تم الحجز بالفندق بالفعل بأسم الرجل الذي نتتبعه .. لكنه حجز وهمي ..هو حجز قام به لكنه لم يأت للفندق ولم يمكث حتي ولو لليله واحده .. "
أنتبه وليد لكلمات مازن ..شعر بالتحسن قليلا بعد تجرعه القليل من مشروبه قائلا
" وما أسباب ذلك برأيك ..؟"
حك مازن ذقنه متناولا رشفه من قهوته قائلا
" قد يكون فعل ذلك للتمويه وليد .. قد نجدهم في فندق آخر أنا أعمل علي ذلك ..."
شرد وليد بعقله قليلا .. هل حقا جارته وزوجته وجودي هنا في كوريا .. هل تكبد زوجها نفقات تزوير اوراق لجودي للخروج من مصر بل ونفقات السفر لكوريا .. لقد سافر بمفرده و استنزف ماديا ماباله هو بزوجة وطفله .. هل جاره ثريا لهذا الحد .. كان من الاسهل عليه كفالة طفل وليس اختطاف طفله من احضان والديها وتكبد هذا العناء.. هناك لغز في الأمر لا يعلمه .. لماذا جودي ؟ .. لماذا السفر الي كوريا ..؟ لماذا قاموا بحجز وهمي للفندق ؟..
أغمض عينية في أسي .. وقد بدأ اليأس يتسلل لقلبه ..سمع مازن يقول
" أمامنا عشرون يوما وليد .. سنبحث بكل ما أوتينا من قوة عن ابنتك .. لا تيأس .. أن شاء الله سنجدها"
بعد أن عاد لغرفته بالفندق المتواضع الذي انتقل اليه ليتفادي نفقات أكثر .. أستلقي علي سريره بحزن .. ظل يفكر بسارة ..حمد الله كثيرا أنه لم يهاتفها ..فقد فقد أعصابه اليوم .. فكيف بها وهي بمفردها دونه لا أحد جوارها قلبها مكلوم علي ابنتها ..كان عصام يؤكد له أنه يهتم بها وأن سما تكاد لا تفارقها ..يخبره دوما عن تحسنها قليلا .. الأمر الذي لا يشعره وهو يكلمها بنفسه ... أخرج هاتفه ليتصل بها .. هو بحاجه لدعمها .. بحاجه لصوتها ببحته الناعمة لتنسيه ألمه .. هو تائه الآن ولا يعرف له مرسي ...سواها .. أستمع لرنين الجرس .. حتي أتاه صوتها متلهفا
" وليد .. هل من جديد ؟ .."
لهفة صوتها مع احباطه كان لها أثر كبير عليه فقال هامسا بأسمها
" سارة .. اشتقت اليك .."
وقع كلماته عليها كان كمفعول السحر .. هدأت خفقات قلبها المرتجفه المنتظرة لأي خبر ينبت الأمل في قلبها برجوع طفلتها ..كانت تجلس في غرفة نومها علي سريرها بعد أن ودعت سما التي حضرت اليها هي وأطفالها لتخفف عنها قليلا حزنها .. ولقد نجحت سما بذلك .. خاصة مع وجود مالك ابنها .. طفل لم يتجاوز الثامنه بشعر كالحرير يشبه والدته .. عينية الصغيرة وفمه الصغير .. وصوته الرقيق الذي يشبه صوت اخته جني .. لقد تعبت معها سما كثيرا هي وزوجها واطفالها .. كانت تسخر كل جهودها كي تهون عليها مصابها ...
" وأنا أيضا وليد .. هل جد في الأمر شئ ؟ .."
تنهد قائلا
" لا جديد في أمر جودي .. يبدو أنك لا تدعين الله جيدا ..."
انسابت الدموع من عينيها دون سيطرة منها ...قالت
" بل أدعوه ليل نهار ... أنا لست قانطه من أمر الله وحكمه .. فهذا ما كسبت أيدينا وليد .. أعطانا الله نعمة ولم نحافظ عليها كلانا ..."
كانت كلماتها تؤلمه وهو يعي مدي صدقها ..هو في حال يرثي لها وكلماتها تنخر في عظام ندمه وذنبه.. قال بمرارة
" ليتنا ما ابتعدنا .. ليتني ما قصرت في حقك وحقها .. ليت الزمن يعود فأبدأ من جديد ... أنا آسف سارة ..آسف حقا علي أيام واسابيع وشهور كنت معي ولست معي .. آسف لأني لم أحل الأمر مبكرا بيننا ...كان ينبغي علي كرجل أن أتعامل بحكمة .. آسف لكل لحظة ألم تسببت لك بها .. آسف علي جحودي وأنانيتي .. آسف علي تحملك لي وصبرك علي تجاهلي وخيانتي .. حقا آسف"
دلك رأسه قليلا مستكملا كلماته
" اشتقت اليك .. اشتقت لبلدي .. اشتقت لعصام ..."
" يبدو انك نسيت شوقك لجودي"
ابتسم بسخريه قائلا
" ولم أنا هنا ...؟ "
قالت مستشعرة ألمه
" ما بك وليد .. هل حدث شئ ؟..؟"
قال مخبئا مرارة يومه
" لا .. لا شئ .. لازلنا نبحث أنا ومازن ... كيف حالك أنت ؟.."
" أنا بخير .. سما لا تتركني هي وصغارها... أنا في أنتظارك أنت وابنتي وليد ...أنتبه لنفسك.."
أنهي المكالمة لم يشأ أن يطل حتي لا يكشف أمره فهو لن يخبرها عن ما حدث اليوم .. ستموت سارة ان فقدت الأمل .. يجب أن يكون جوارها في حال فشل مهمته ... لن يتركها لكوابيسها .. أبدا لن يتركها



أعدت لجودي رضعتها فقد بدأت بالصراخ .. حملتها من زوجها الذي كان يهدهدها لتكف عن البكاء ... قال وهو يبتسم
" لقد حققت لك احلامك جميعها رقية "
بادلته الابتسام قائلة
" نعم فعلت .. انا ممتنه لك سامح حتي أموت .. لقد ملئت جودي حياتي .. لم أعد أشعر بالخواء .. هي ابنتي سامح أنت تعلم ذلك .."
أقترب من مجلسها .. أخذ يداعب شعر جودي قائلا
" هي ابنتي أنا أيضا .. لقد أصبحت علي أسمي الآن .. لكن حقا لا أفهمك .. لقد قمت بتزوير شهادة ميلادها لأستخرج لها جوازا للسفر .. لماذا لم نستبدل اسمها بغيره "
قالت وقد أنهت رضعة الصغيرة وهي تقول
" لقد أحببتها جودي .. تحملت أعبائها برضي وهي جودي .. تكبر يوما بعد يوم أمام ناظري وهي جودي .. هي جود وكرم من ربي لي أنا .. فلم أغير أسمها سامح "
شرد سامح بعيدا يتذكر ما مر به حتي وصل لهذه النقطة مع زوجته .. الأن هو مختطف .. مزور .. متخفي .. كل ذلك لأجلها .. لأجل سعادتها التي يراها الآن .. لكم شعر بهنائها مع جودي .. بل وهو أيضا تعلق بالصغيرة .. فقد كان يراها يوميا عند عودته من عمله ..كان يتعجب دوما من والديها وجحودهم بهكذا نعمة .. كان يفكر في كفالة طفلة تؤنس وحدة رقية فقد مر خمس سنوات ولم ولن يرزقا بأطفال ..فرقية تعاني عيبا خلقيا برحمها يمنعه من احتضان طفلا لها .. طلب منها أن يكفلا طفلا لكنها أبت وتمسكت بجودي منذ أن بدأت سارة في العودة لعملها وبذلك كانت تستمتع بمكوث جودي معها .. وهكذا تعلقت بها .. وهكذا فكرت عل مهل وترو في مخططها الذي نفذه كما رسمته تماما لأسعادها .. لا ينكر تسرعه في قبول رغبتها .. لا ينكر خوفه من الأمر رغم ترتيبه وتكتمه الجيد .. لكنه لا زال يخشي حب رقية المرضي للطفله .. لا يعلم الي أين سيؤول بهم الأمر الا أنه محب خائف


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثامن

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:35 pm

الفصل الثامن



" العودة "
بين كلمات ونظرات وضحكات .. جلست رحيق بين صغارها الثلاثة يتحدثوا عن الطعام .. فقد حان وقت الغداء ولم تجهز شيئا لتعده .. كانت في حالة ملل من زوجها  ..غاضبة من تقربه من هويدا  .. فلقد بدأ منذ اليوم الذهاب اليها ليعطيها خبرته في مجال الحسابات .. لم يهتم لضيقها .. لم يهتم لنظراتها الحانقه عليه .. لم يهتم لابتعادها وتجاهلها اياه منذ قذف بوجهها كلماته التي كانت تقطر قسوة .. فعل ما يريد  .. وكأن زلتها ستجعلها تصمت عما يفعله وهي تري انجذابه نحو هويدا  .. ظنت أنها تعرف زوجها .. لكنها الآن بدأت تشك .. هو يقترب من الهاوية وهي تشاهد الآن سقوطه.. تحاول الامساك به لكنه يرفض ويبتعد ..بين جذب وشد ..بين ضيق وغيظ .. تركته يفعل ما يريد .. هو لم يتحدث اليها بشئ وانما هي من نقلت له ضيقها من أمر هويدا .. اليوم عطلته  .. وعطلة الصغار .. تركهم ليذهب اليها..كانت تنظر لثلاثتهم ثم قالت
" ماذا سنأكل اليوم .. بابا سيأكل بالخارج .. ماذا عنا ؟ "
قال زياد بطفولية
" فلنأكل نحن أيضا من الخارج .."
شعرت بالغيظ من ماجد ورأت أن ما يطلبه زياد هو الحل الأمثل لتفريغ حنقها.. لماذا يأكل هو طعاما شهيا سريعا  وهي تتعب في اعداد الطعام .. فلتتساوي الرؤوس اذا .. وبالفعل طلبت طعاما من الخارج .. أمهلها المطعم نصف ساعة ويكون العامل أمام بيتها ... وبالفعل بعد مرور نصف ساعة كان الجرس يرن... قامت رحيق لتعطي أحمد المال ... وقالت له " أعطه المال بالكامل .. وخذ منه الطعام فقط .."
وبالفعل تناول أحمد الطعام من العامل ونقده المال ثم أغلق الباب وعاد اليهم ...
سعدوا كثيرا بالطعام وكأنهم فازوا  بكنز ثمين ... ما ان همت بالجلوس لتأكل حتي سمعت صوت الباب يغلق بعنف ...وكيان ماجد يتجسد أمامها .. راقبت دخوله .. يبدو غامضا ... مر من جوارها ذاهبا الي  غرفته في صمت  .. عادت بنظراتها للصغار قائلة  
" من سينهي طعامه أولا .. له مكافئة .. هيا ابدءوا يا صغاري"
ثم توجهت الي غرفة نومها وهي تتسائل لماذا عاد مبكرا .. لم يمر الكثير علي ذهابه .. وجدته يبدل ملابسه ...أقتربت تضع يدها علي كتفه .. فأسقط يديها عنه بعنف قائلا
" من أحضر هذا الطعام ..."
انتبهت وقد فهمت ما يرمي اليه
" آه .. لقد طلبنا طعاما .. جاء حتي البيت .. لم أخرج دون اذنك .. ولن أفعلها ثانية لقد وعدتك .."
بدت ملامحه أكثر شرا .. تطلعت اليه لا تفهم ما الأمر .. هل أنزعج بسبب طلبها للطعام من الخارج .. هل سيؤثر ذلك علي مصروف البيت .. لم كل هذا الغضب !.. فهي لم تعهده بخيلا
ازداد حنقه .. هو يعلم جيدا أنها طلبت الطعام الي هنا فقد أصطدم بالعامل وهو يهبط مغادرا .. شقتهم بالدور الخامس والأخير ... عندما صدم بالعامل فطن أنه قادم من شقته بعد أن وصل للرابع فلا شقه تليهم ..
" كيف تطلبين طعاما من الخارج وتعلمين أن من سيوصله بالطبع رجلا وأنا لست بالبيت .. من سيستلم منه الطعام .. رجل أمام باب بيتي وزوجتي بمفردها .. كيف تجرؤين علي فعل ذلك ..."
بدأ الاحمرار يزحف الي وجهه .. هي تخشاه .. كان دوما هادئا .. و اليوم  يبدو في أوج غضبه ..
" هل تحبين لفت الأنتباه رحيق .. هل تستمتعين بنظرات الرجال زوجتي .. هل ترغبين بشئ زوجك مقصر معك به .. لماذا تثيرين حنقي كلما حاولت السيطرة عليه ؟.. لماذا تصرين علي  اخراج اسوأ ما بي ؟ لماذا ؟  "
مع آخر كلماته بدأ صوته في العلو .. لم تستطع الا وهي تجيب بقوة ..
" أنا .. أنا استمتع بنظرات الرجال .. أنا من أحفظ بيتك وعرضك سواء أنت معي أو كنت خارجا .. هل أخطأت في أختيارك ماجد فلتعترف بذلك الآن .. ألست أنت من يهتم بنظرات النساء .. بل وتسرع لأرضائهم .. ألم أر بعيني أهتمامك بهويدا ؟.. ألم أسمعك بأذني تغازلها في وجودي ..؟ أنت لم تحترمني كزوجتك أمام عائلتك .. ناهيك عن أهانتي بيني وبينك .. أنا لم أخنك .. وما حدث كان قبل معرفتي بك ..  أنا أخطأت أعرف ذلك تماما .. لكني لم أتمادي .. أخطأت .. وتبت الي ربي وهو الغفور الرحيم .. فلماذا لا تغفر انت !.. من منا يستمتع بالنظرات .. من منا اسرع خلف امرأة يعلم جيدا ما تريده ..."
تواجهت النظرات .. علت الأنفاس .. الهدوء الذي كان يكتنف حياتهم أصبح عواصف تثير الأفكار والمشاعر ... نظرا لبعضهما البعض بنديه وقوة .. أكملت رحيق
" أخبرني ماجد .. لماذا لم تقطع علي هويدا طريق القرب منك  ؟.. لماذا لم تتزوجها طالما هي تريدك .. ؟ أخبرني لماذا توصمني بشئ أنت تفعله الآن وأنا علي عصمتك ... أنت تكيل الأمور بمكيالين ... تحلل الأمر لك .. وتحرمه علي ..."
صمتت مع صفعته ... صفعة قوية من يده دون تفكير .. هل تريد أن يحلل لها خيانتها .. هل تساوي بينها وبينه .. هو لم يفعل شيئا هل هي غاضبة لمجرد غزل برئ لابنة عمته.. أما هي .. فلن ينسي ما فعلت أبدا .. ولا يستطيع ايقاف النيران  التي تشتعل بداخله من فعلتها ..نارا تتجدد كل يوم مع رؤيتها .. نارا تقضي علي استقراره وأتزانه .. كلما تطلع لشعرها .. كلما تطلع الي طول عنقها .. كلما نظر الي نحرها .. كل هذا رآه غيره .. رجل غيره غريب عنها شاهد زوجته هكذا .. ما الذي يجب عليه فعله
وضعت يدها علي موضع صفعته بألم .. دون أن تذرف دمعة واحدة .. ها هو زوجها الذي ظنت به خيرا .. ها هو ماجد الهادئ يخرج أخيرا عن طوره .. هو رجل ككل الرجال .. أين الخطبة العصماء التي ألقاها علي مسامع ولدها عن العقل وضرورة استخدامة قبل اليد .. لطالما فخرت بكلماته .. بل وبأفعاله .. فهو رغم كل شئ لم يتطاول بيديه عليها من قبل ...
سمعا صوت الباب يفتح ليدخل الصغار ثلاثتهم ... يجري زياد تجاه رحيق ليختبئ خلفها ... بينما ولديها يقفا عند الباب ... لم يتقدموا ولا خطوة واحده .. مصدومين مما سمعوه .. فأمهم ..وأبيهم يتشاجران ...لملمت نفسها سريعا ...ثم أمسكت بزياد تحمله ... وبيدها الأخري توجه صغارها للخارج .. بينما جلس ماجد علي السرير بأنفاس وأفكار متسارعة...هو لم يستطع منع نفسه من صفعها .. لقد تطاولت عليه ...لقد عاملته بنديه لن يقبلها ... أتكون مخطئة وتتطاول أيضا بالكلمات...
بعد قليل
وجد باب الغرفه يفتح ... وجد أحمد يتوجه نحوه ..جلس الطفل جواره ينظر اليه بخوف .. يقول بصوت مرتجف..
" أمي ... أنا ... أمي أعطتي مالا لأوصله الي العامل ... هي لم تخرج له .. لم يرها عمي ..."
اغمض ماجد عينه متألما .. عمي ... انها المرة الأولي التي ينعته أحمد بهذا اللقب .. منذ اليوم الأول من دخوله بيته هو وأخيه وهو يناديه أبي .. يبدو أنه بدأ في هدم بناء  قد تعب في ارسائه طويلا مع الصغار  .. قال ماجد وما زال مغمضا عينه جالسا علي السرير
" هل استمعتم لحديثنا .."
نظر أحمد أرضا ..مجيبا
" نعم .. أقصد لقد كان صوتكما عاليا ..."
يبدو أنه لم يعرف بأمر صفعه لوالدته أمسك الطفل من كتفه يضمه الي صدره ...قائلا
" أنه أمر طبيعي أحمد أن نختلف أنا ووالدتك في الرأي حول أمر ما .. هي تراه صحيحا بينما أراه أنا خاطئا .. عليها الأمتثال لأوامري علي كل حال.. ليس تسلطا مني وأنما لخوفي عليها وعليكم .. "
أستمع أحمد الي ماجد ثم نظر اليه وهو يبكي قائلا
" أمي تهتم لأمرك  .. لا تزعجها ثانية ع..."
قاطعه ماجد بصرامة محببة قائلا
" بابا .. قلها ثانية أحمد .. أي خلاف بيني وبين والدتك لن يؤثر علي علاقتي بكم أنت وأخيك .. أنتم مثل زياد .. "
ثم قبل رأسه وتركه يغادر .. أذا فقد فتح له أحمد الباب وتعامل معه .. هي لم تخرج الي العامل .. هل اخطأ بحقها للمرة الثانية .. نعم .. وما بها .. فليخطئ الآف المرات .. فهو ما جنت يداها ....علها تكفر بعضا من ذنبها .. وعله يخفف قليلا مما يعتمل بصدره من نيران .
ليلا
وقف أمام النيل يتطلع الي مياهه السوداء حيث عم الظلام .. حدث نفسه و الهواء البارد يمتزج مع أنفاسه
" اذا فقد فتح أحمد للعامل .. لماذا لم تفتح له هي .. هل فعلت ذلك لأجلي .. "
" لماذا أنت غاضب هكذا .. ألم تذهب الي السوق و تتعامل مع الرجال .. ما مشكلتك في فتحها للعامل من عدمه .."
" كانت بمفردها "
" معها الصبية "
" وماذا سيفعلوا ان حدث شئ .. أو لو تجاوز العامل بنظرة .. أو لمسة "
" لا تشطح بأفكارك ماجد .. لقد تطرفت معها في رد فعلك .. "
"لقد عاندتني .. صاحت بوجهي "
" بل واجهتك بما تفعل "
" وما شأنها هي .. لقد أفقدتني عقلي  "
" هل .. هل أحببتها "
انتفض لموجة الهواء الشديدة التي بعثرت ثيابه وشعره
انتفض لهذه المواجهة بينه وبين قلبه .
انتفض مما  يحاول قلبه اقناعه به ..
هل يحبها حقا .. وهذا سببا لما هو فيه .. هل ما يفعله معها بسبب حبه وغيرته عليها .. أم بسبب استغفالها له وعدم مصارحتها بما كان .. عليه أن يحسم أمره .. لا مزيد  من الشجار حتي يحسم أمره .
مسح علي شعره بيديه في محاولة لترتيبه .. نظر للمياة مضيقا عينيه ليتجب الهواء البارد قليلا ثم ألقي بأفكاره في المياة المظلمة .. عائدا للمنزل



وضع كريم مفتاح شقته في رتاج الباب .. وللغرابة أنه فتح .. اذا فنور  لم تقم بأستبداله ..لم يكن الأمر غريبا علي الأطلاق فلقد توقع كل شئ .. بل يزداد ثقتا في نفسه لمعرفته خبايا عقلها .. وأنتظاره لتنفيذ ما تخطط له بصبر
شعرت بدخوله .. حملت أروي وتوجهت نحوه ...ناولتها له قائلة
" أذهبي لبابا أروي ..."
تناول طفلته منها ليجلس حاملا اياها بخفه .. أخذ ينظر اليها شاردا متسائلا ..  هل أنتي ابنتي ؟..هل أنتي من دمي؟ .. هل تحملين جيناتي أنا ؟... .
جلست نور جواره مفسرة نظراته الي أروي أنه أشتاقها .. وكانت تقصد من منعها عنه أن يشتاقها .. هي ابنته الوحيدة ..فأبناءة من الأولي ذكور .. وللبنات سحر خاص مع والدهم .. فالبنت تغار علي والدها و تدلله ..
هي لا تنكر غيرتها من مني  لأنها حظيت بكل شئ .. حظيت بكريم عندما كان رجلا بمعني الكلمة .. يذهب معها للطبيب لمتابعة حملها ... ينفق عليها فهي لا تعمل ..يحمل صغاره لجرعة التطعيمات الشبه شهرية .. كل شئ .. كما أنها أنجبت له الصبيان .. أي لها الكثير .. يكفي أن الشقه التي تجلس بها ملكه .. أما هي فقد حرمت من كل شئ  ...  فهي تجلس في ايجار .. هي من تدفعه..وتهتم بكل ما يختص بأروي
حقد نور علي مني  لن ينتهي أبدا .. لو  دون .. سيملأ مجلدات ..
ظلا متواجهين ..هي بأفكارها .. وهو بأفكاره ..
لم ينتبها الي أروي التي استسلمت للنوم بين يديه ..
حملتها  نور لتذهب بها الي سريرها وعندما عادت .. وجدته كما هو .. بسترته الشتوية .. التي عاد بها من الخارج .. حتي حذاءة لم ينزعه بعد .. أقتربت منه تسأله
" أعد العشاء ؟..."
نظر اليها مبتسما بسخرية ..
" لا .. "
هي غير مطمئنة لنظرة عينيه .. شروده ازداد وكأنه يخطط لشئ .. قالت بوضوح
" ماذا تحمل لي بصدرك كريم !"
أتسعت ابتسامته وهو يمدد قدميه علي الطاوله أمامه قائلا
" مم تخافين نور ؟"
أستشعرت سخريته قائلة
" أنا لا أخافك كريم وأنت تعلم هذا جيدا .. "
قال بلهجة صارمة
" ما الذي أخبرتي محمد به ؟.."
أضطربت ملامحها وهي تقول
" أنت من أقحمته في الأمر ... عليك تحمل توابع تصرفاتك "
هنا قام يواجهها بعلامات غضب لم تره بها من قبل
"أنا لم أسرقك نور .. أنت تعلمين ذلك جيدا..لم فعلت كل ذلك .."
قامت من مجلسها تواجهه صارخة
" بل أنت كريم .. البيت لا يحوي سوانا .. ان لم أكن أنا .. فأنت"
ازداد غضبه ملتفتا حوله .. ليكسر ما تطاله يده .. صارخا بها
" ألا زلت تصرين علي كلامك ؟.. تبا لك .. لقد صار زواجنا علكة تلوكها الألسن بالعمل ..  لقد جعلتني مسخا .. صورة لكل شئ .. صورة لأب .. صورة لزوج ..صورة لرجل .. أنا لم أعد كذلك نور .. لم أعد رجلا ..أخبرك سرا .. أنا أكرهك .. و أكره نفسي .. "
شهقت نور مرتده للوراء فسقطت علي الكرسي خلفها .. صدمت من كلماته .. من هذا .. من هذا الرجل الذي تزوجته .. ما الذي حدث له .. لا .. لم تكن هي السبب أبدا فيما حدث له ... أرادت تغييره حقا .. حقا فعلت .. لكن ليس بهذه الصورة التي هو عليها الآن أبدا..جلست ممسكة بذراع المقعد وكأنها تتمسك بالقوة لمواجهة زوجها الذي علي ما يبدو جن.. ظل يدور حول نفسه ويكسر اشياء أخري تزين بيتها .. واصل صراخه
" جعلتي مني أضحوكة لكل من بالعمل .."
قاطعته بصوت أشبه بالهمس
" أنت من أقحمت صديقك بالأمر .. لم تلومني أنا علي ذلك كريم "
هدر بقوة  مقتربا من مقعدها تواجهها أنفاسه
" أنا ألومك علي كل شئ .. أنت تغارين .. قد أدفع أنا من سمعتي ومن واجهتي ومن عقلي ودمي من أجل غيرتك  سيدتي .. أنا فداءا لكل شكوكك .. أنا من اسرق .. أنا من لا انفق علي بيتي .. أنا من لا يهتم لأمر ابنته .. أنا المدان دوما .. أنا السبب فيما يحدث بالأقصي ان شئت  نور "
التقط أنفاسه متسائلا
" ألم تتسائلي فيم قصرت أنت .. ؟ أنت تمنعين نفسك عني .. لا تشبعيني كرجل بحجة أني أعاشر الأخري ... لقد أقسمت مرارا أني لا أفعل وأنت لا زلت تتمنعين ؟ .. ألم تتسائلي عن سبب زواجي ثانية .. ألم تنتبهي الي حبي وحاجتي اليك ..لقد قصرت بكل شئ لأجلك .. أبتعدت عن أطفالي لأبيت ليال بين يديك .. لم ألبث أن أعود اليك وتتفننين في طردي مرة أخري .. أبحثي عن شخص آخر تلصقي به أتهاماتك سواي .."
ابتعد عنها ليعطيها ظهره ممسدا جبينه بقوه..التقطت أنفاسها .. لم تكن تعلم أنها قد ضغطت عليه بهذه الصورة .. يبدو كمن أصابه مس من الجنون .. .حاولت تجنب هذا الجنون ليمر الأمر .. قامت من مكانها مرتعشة الأقدام .. تقترب منه متماسكة .. أحتضنت ظهره قائلة
" انا آسفه .. لم أكن أعلم أن ابتعادك عني سيجعلك هكذا ..."
التفت اليها بسرعة مما جعلها تفلته .. قال من بين أسنانه ...
" هل تظنين أن ما بي بسبب أبتعادك عني نور ... "
ثم أضاف بسخرية لم يظهرها لها
" بل من أجل أبتعادي عن ابنتي ...وهذا سبب عودتي .."
تركها مغادرا الي غرفة نومهم .. هو يعلم أنها ستأتي الآن لتلاطفه .. لتهدئ من ثورته .. لقد قام بما خطط تماما .. كان بحاجه لأسترداد ولو جزءا بسيطا من كرامته .. هو يعلم أنها سعيدة بما حققت .. سعيدة بتذلله لها من قبل .. وسعيدة بمكالمته لأخيها علي ظنا منها بأنها تظهر رجال عائلتها أمامه ليرتدع عن أفعاله و يخافهم .. هو يعلم جيدا مدي سعادتها لعودته .. فزوجته الآن بحاجه للحب ... هي بحاجه لقربه رغم كل شئ .. وهو سيفعل لها كل ما تريد .. بدل ثيابه .. صعد الي سريره .. تبعته نور مسرعة .. قالت وهي تجلس جواره
" أشتقت اليك .. ألم تشتق الي ؟.."
وضعت يدها علي صدره في بداية لشئ يعلمه جيدا .. وقد احتاج أن يطمئنها كثيرا .. فلن يصح انتقامه في ظل اشتعاله وانفجاره بها منذ قليل .. استجاب للمساتها .. وتركها تظن أن المياه بينهم قد عادت الي مجاريها



تطلع وليد الي ولدي مازن .. لقد حان وقت الرحيل  .. هو عائد لزوجته ووطنه غدا ..كم بحث .. كم مر من الوقت وهو ينظر هنا وهناك .. مازن يتحدث الي هذا وذاك .. فعل كل ما بوسعه .. بحث في ايتوان وخارجها أيضا علي قدر استطاعته .. لم يسفر البحث عن شئ .. لم يجدها .. لم يجد جودي .. ليس لها أثر لا هنا ولا في وطنه .. ترك عمله .. ترك بلده .. ترك كل شئ لأجلها عله يعوضها عن أهماله لها .. لكن علي ما يبدو أنه سيصبح مدينا لها الي الأبد .. مات الأمل بداخله لم يعد له أثر ولو بسيط .. هكذا هو منذ تحدث مع سارة في  آخر مرة .. كان يهاتف  عصام ليطمئن عليها .. لن يتحمل أن يكون هو سببا في فقدانها الأمل الذي تحيا به وهو بعيدا عنها لا يملك أن يخفف عنها ألم الفراق ..مازال يتطلع الي ولدي مازن .. بعد دعوته للعشاء معهم قبل سفره غدا... ما أجملهم .. ما أجمل أهتمام والديهم بهم .. ما أجمل العائلة حقا .. في السابق كان يتحسر علي العائله غضبا من زوجته لكن بوجود جودي .. الآن زوجته برفقته لكن جودي من تنقصهما .. يبدو أنه لا راحة له علي الأطلاق ...
بدأ عقله يحثه علي نبذ أفكار اليأس تلك .. الحياة أمامهما هو وزوجته .. فمن رزقه بجودي قادر بأن يزقهما غيرها ..عليه أن يستعيد ثقة سارة من جديد ليكون عائلة جديدة .. أبدا لن ييأس من رحمة الله .. سيكون له عائلة كعصام وزوجته .. او كعائلة مازن وولديه .. ما المانع لديه أن يفعل .. و لن ينس جودي بل سيظل يبحث حتي الموت عنها ..
تناول عشائه بهدوء مع عائلة مازن .. ظل الولدين يتشاكسان حول كل شئ .. بعد أن انتهوا من عشائهم ودعهم وليد مغادرا بصحبة دعواتهم ودعمهم الذي أثلج صدره.
صباحا
استقل السيارة جوار مازن متجها الي المطار ليعود الي وطنه .. عندما وصلا الي المطار .. ربت علي كتف مازن قائلا
" شكرا لك مازن علي كل شئ .. لقد أخذت من وقتك الكثير .. لقد كنت نعم و عون الصديق انت وأسرتك ..بارك الله لك فيهم "
عانقه مازن بقوة هو يعلم جيدا مدي ألم وليد الذي عاصره لثلاثين يوما مروا قائلا
" لا تيأس وليد .. ستعود اليك ابنتك .. أنا  أثق بذلك .. لا توقف عن البحث .. وأنا  أيضا أعدك بأني لن أوقفه حتي نجدها .. أنا هنا .. وأنت بوطنك.."
ثم ودعه مغادرا ..استقل وليد الطائرة .. الأفكار تتزاحم داخل عقله .. هو الآن عائدا الي وطنه .. قبل موعد الرحيل بيوم كامل .. حتي لا تنتظره سارة بأمل .. لا أحد يعلم بموعد عودته سوي عصام ..لم يجد ابنته هذا نتاج رحلته الذي وجب عليه الأعتراف به .. لم تعد معه جودي و بأنتظاره مواجهه دامية مع سارة عليه الأستعداد لها .. لابد أن يلتزم بعمله فهو شبه مفلس .. عليه أيضا أن يكثف جهوده للبحث عن ابنته في وطنه ثانية عله يصل لشئ..
استسلم للنوم بالطائرة .. كان مرهقا .. حزينا .. خائفا مما  ينتظره بالعاصمة
وصل ليلا .. أستقبله عصام بسيارته التي سبق وأن ترك مفتاحها له.. أوصله لمنزله ثم تركه قائلا بتشجيع
" حمد لله علي سلامتك وليد .. "
ربت علي كتفه في بادرة دعم يقدمها لصديقه .
دلف وليد الي منزله يحمل حقيبة سفره.. كان الوقت متأخرا جدا .. يثق بأنها نائمة .. وضع حقيبته بالصالة .. وهم بالجلوس ليرتاح قليلا .. لم يكد حتي سمع صوت نحيب يأتي من غرفة ابنته ..قام متوجها نحوها .. رأي سارة جالسة تتوسط  ملابس جودي و ألعابها التي اشترتها لها .. أستمع الي بكائها وكلماتها التي تقطر ألما ..
" جودي .. حبيبتي .. صغيرتي أنا جوارك .. أتعلمين .. أنتي كل الحب .. أنتي كل الحياة ..الحياة سواك عدم صغيرتي .. أود أن أنعم بقربك .. أستمع لبكائك .. أهدئ من روعك .. لم أكن بجوارك عندما ظهر أول سن لك .. لم أعاصر ألمك .. لم أنتبه الي طعامك .. لم أهتم بنظافتك .. لم أعطرك يوما .. لم أكن أما لك يا ابنتي .. أنا أمووت .. من دونك أموت ..."
لم تكن تراه فظهرها نحو  الباب وهو لم يتحرك فتسمعه .. الي أن سمع صراخها بآخر كلمة .. دني منها ..ثني ركبتيه ليجاورها ممسكا كتفيها بهدوء ..
انتفضت لمرآه .. لم يكن موعد عودته .. لقد عاد .. عاد وليد دون جودي ... قالت من بين صرخاتها
" لقد وعدتني أنك ستعيدها الي .. أين هي ؟.. أين ابنتي وليد ..؟ "
ضمها اليه بقلب يكاد يقف متأثرا مم سمع منها .. هي لن تستطع أن تنسي أو تتأقلم علي عدم وجود جودي مثله تماما مهما مني نفسه بالأمل والقدرة علي النسيان .. قال بهدوء بوعد لا يعلم مدي صدقه
" ستعود .. ستعود سارة .."
أبعدها قليلا يتفرس وجهها  قائلا
" اشتقتك حبيبتي .. "
ثم أمسكها لتقف ليذهب بها لغرفتهم بعيدا عن غرفة جودي التي تجدد الالم .. لم تقدر علي الوقوف ..لم تفق من صدمة عودته دونها .. كانت تعلم .. كانت تشعر بذلك .. أمتناعه عن محادثتها أثناء سفره سوي مرات قليله كان يخبرها بفشل مسعاه .. شعر بأرتجافتها .. شعر بقدميها رخوة ..حملها بين ذراعيه قائلا
" سارة .. أنت قوية حبيبتي .. انه قدر الله .. نحن معا .. سنظل هكذا دوما .. سأظل أبحث .. لكن حياتنا لن تقف .. علينا الرضا بقضاء الله والدعاء .. لن يضيعنا الله .. ثقي بذلك . لن ينفعنا نحيبك أو صراخك .. سينفعنا الدعاء والسعي لايجادها "
كان قد وصل الي غرفتهم .. وضعها علي السرير .. مدثرها بالغطاء .. مقتربا من وجهها .. يداعب خدها بأبهامة ..
" أتسمحين لي بحماما دافئا يزيل القليل من همومي وشقاء سفري .."
اومأت له برأسها والدمع يقطر من مقلتيها .. قبل جبينها وقام متجها الي الحمام .. ظلت مستلقية علي السرير شاردة ... لقد نحل زوجها .. مثلها تماما ..لقد انكسر زوجها .. مثلها تماما .. لقد ندم زوجها .. مثلها تماما ...عليها النهوض من هذه الأزمة .. عليها مواجهة الأمر بقوة .. هذا الضعف والوهن لن تسترجع به ابنتها .. .. جودي ..رددت بداخلها
" يا بسمة عمري التي لم ألتفت لها وأعطها حقها .. يا روحا أنتزعت من روحي ولم أحافظ عليها .. يا وجعا لن ينتهي الا بعودتك لصدري ...آه جودي..آه "
قامت من رقدتها ومن حزنها  ومن رثائها لتعد طعاما بسيطا لزوجها الذي بذل أقصي جهده لأستعادة ابنته ولم يستطع بعد.
عندما أنهي حمامه خرج محيطا خصره بالمنشفة .. بحث عنها في الغرفة بعينيه فلم يجدها .. جلس علي السرير واضعا وجهه بين يديه مهموما .. أستشعرها أمامه .. أحتضنت رأسه التي تواجه صدرها .. احتضنته بقوة .. وهو يضمها اليه معتصرا خصرها  ..كانت عينيه تلمع بالدموع  وهي لا تراه .. لكنها تشعر بما يثقل كاهله .. هو رجل خسر الكثير لأجل ابنته .. وعاد محملا بخيبة الأمل .. تستشعر كل أنين من صدره لا يصدره .. تستشعر كل آهه من قلبه يكتمها لأجلها .. تستشعر حزنه وألمه ويأسه .. فهي تعلم أنهما في مركب واحدة بلا ربان..
أريحيني على صدرك
لأني متعب مثلك
دعي أسمي وعنواني وماذا كنت
سنين العمر تخنقها دروب الصمت
وجئت إليك لا أدري لماذا جئت
فخلف الباب أمطار تطاردني
شتاء قاتم الأنفاس يخنقني
وأقدام بلون الليل تسحقني
وليس لدي أحباب
ولا بيت ليؤويني من الطوفان
وجئت إليك تحملني
رياح الخوف .. للإيمان
فهل أرتاح بعض الوقت في عينيك
أم أمضي مع الأحزان
وهل في الناس من يعطي
بلا ثمن.. بلا دين.. بلا ميزان؟
فاروق جويدة



" ماذا بك عصام .."
رد عصام علي تساؤل سما قائلا
" لا شئ .. متأثر من حال وليد .. يحاول تجاوز محنته .. حزين لأجله .. "
أخفضت سما بصرها للأرض قائلة
" وسارة أيضا .. تبدو هشة في تماسكها .. ليس لنا الا أن ندعو الله لأجلهم ..ما رأيك بأن ندعوهم للغذاء يوما "
" فكرة جيدة .. موافق .. ومعها رحيق وزوجها .. نحن لم ندعهم منذ زواجهم .. رحيق بصغارها ونحن بمالك وجني تحيطون بسارة .. سيبدو الأمر ممتعا .."
ابتسمت سما قائلة بمكر
" هذا سيكلفك الكثير .. اليك بمبلغ محترم لأجل وليمتك تلك  .."
فردت كفها اليه منتظرة المال .. أمسك بيدها قائلا
" أول الشهر حبيبتي ..لن تجدي بجيبي سوي أجرة مواصلاتي غدا للعمل .."
ابتسمت له قائلة
" ومن قال أن المال كل شئ .. أنت عندي أهم شئ .. أنت وصغاري عائلتي البسيطة .. ادامك الله لنا يا حبيبي "



" لا لست في مزاج يسمح لي سما "
ثم استدركت وهي تنظر بصحنها
" الأطفال و الواجبات .. "
انصتت الي رد سما ثم قالت متحججة
" حسنا سأخبر ماجد وأعطيك ردا .. شكرا لدعوتك سما "
بعد أن انهت المكالمة سمعته يقول
" ما الأمر "
لم تنظر اليه قائله
" تريد دعوتنا ببيتها الجمعة المقبلة "
تهللت أسارير محمد قائلا
" فلنذهب امي أشتقت مالك "
لم تجبه رحيق بينما قال ماجد
" سنذهب جميعنا ملبيين دعوتها .. فهي صديقتك .. أليس كذلك "
أنهت طعامها .. قامت لتغسل يديها فأمسكها وهي تمر جواره قائلا
" أليس كذلك "
قال مقتضبة
" نعم كذلك .. "
سألها مطيلا قربها منه
" هل سنذهب "
قالت بأذعان
" كما تشاء "
ثم ذهبت .. أغلقت باب الحمام خلفها فهو المكان الوحيد الذي تختلي فيه بعيدا عنه وعن الصغار..استندت عليه بظهرها .. لا تسامحه .. لن تنسي تطاوله عليها .. تخشي كرهه .. فهو يسحب من رصيد حبها له كثيرا .. هل طاوعته يديه علي صفعها  .. هي لم تفعل شيئا سوي تنبيهه الي الهوة التي قد يسقط بها .. هل جزائها يكون بالصفع .. تدحرجت دمعة خائنة علي وجنتيها وقد أقسمت علي ألا تبكي .. مسحت دمعتها شاردة في القادم .. تنهدت بقوة وهي تتمني قادم افضل .

avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل التاسع

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 10:02 pm

الفصل التاسع


" ظلال آثام "

شردت حيث أيام قليلة مضت .. كانت تستيقظ مبكرا تعد لوليد افطاره قبل ذهابه الي عمله .. وذات صباح ترنحت أمام ناظريه فقام مسرعا ليساندها خشية ارتطامها بالأرض ... أخبرها أن تعد نفسها للذهاب معه الي الطبيب ليلا .
بعد زيارة الطبيب الذي أوصي بضرورة عمل تحاليل والتي اثبتت بدورها حمل سارة ..
لا تستطيع سارة أن تنس ملامح وليد عندما علم بالأمر بعد أن عادا الي المنزل .. وكأنها حامل لأول مرة .. هي في بداية حملها ... كانت سعادته غامرة .. ينثر قبلاته حول وجهها ..قائلا
" مبارك سارة .. رزقنا الله بطفل سنبدأ معه من جديد .. عوضنا الله عن جودي خيرا ..حمدا لله .."
أدمعت عيناها .. أحتوت وجهه بين كفيها قائلة
" هل فقدت الأمل"
أجاب متلهفا
" لا"
أدمعت عيناها لا تعرف سعادة من مولود قادم .. أم حزنا علي مولود فقد فقالت
" مبارك حبيبي ..."
نظر لعينيها قائلا ليرسي قواعد حياتهم الجديدة
" عليك بالاهتمام بنفسك سارة .. أنت الآن مسؤولة من طفل جديد .. عليك أن تعتني بنفسك جيدا .. علينا أن نتعلم كل شئ .. علينا الأهتمام به منذ أول يوم له برحمك .. سيكون همنا الأكبر الاهتمام والعناية به.. سيكبر بين أيدينا .. سنربيه علي الأمانه والوفاء وحب الغير .. سيغدو ذو شأن بدعمنا وتربيتنا له ..عديني سارة "
قالت بتأثر
" أعدك وليد"
كان خبر حملها بطفل جديد وكأنه البلسم الذي داوي روحها .. وكأنه أملا جديدا يجعلها تتمسك بالحياة ..كانت لاتزال غاضبة من فعلة وليد بحقها .. لاتزال حانقة عليه من خيانته .. لازالت روحها عالقة في نقطة اللارجوع ... كان فقد ابنتهم ما خفف قليلا من ألم خيانته لها ... منذ علمت بمحادثته لأخري ازداد تباعدهم والفجوة التي بينهم أخذت في الاتساع ..فقد كرهته ورغبت في البعد عنه وكانت تنتظر أن يفاتحها في رغبته في الطلاق .. فظلت تجمع المال لتؤمن ذاتها .. أما الآن وبعد فقدها لجودي .. لم يكن لها سواه .. بعد ما عاصرت من ألم تشاركاه سويا.. بعد أن تمزقت أرواحهم سويا .. بعد أن عاشت علي أمل تلاه أمل حتي أصبح زائفا.. لم يتبق لها سواه .. ثم أتي لها حلم جديد تتمسك به .. طفل جديد ستحيا معه ما لم تحياه مع جودي .. طفل جديد قد يكون سببا في رأب الصدع بينها وبين وليد .. قررت التمسك بالأمل .. والبدء من جديد معه .. وانما بترقب وخوف أن يعيد الكره من جديد .. فحينها لن تقبل أبدا أن تكمل حياتها معه .. ربما أخطأ فقد أخطأت هي أيضا بحق ابنتها .. فتعادلت كفتي الميزان بينهما .. اذا نقطة .. وسطر جديد .
بعد مرور يومين
بعد أن تلقي أتصال عصام أخبر سارة بأمر مشاركة عصام وسما الغداء .. وافقت علي الفور ..وأخذت تعد نفسها لهذا اليوم .. تجهز ثيابها و ثياب وليد .. فهي تحب سما وتشتاق لرؤيتها ..
تذكرت والدتها عندما أخبرتها بأمر حملها .. تذكرت ما قالته لها
" مبارك حبيبتي .. أعتني بنفسك "
كلمات مقتضبه معدمة من المشاعر والدفئ .. هي لم تهتم بأن تعتني هي بها .. هي لم تهتز لفراق حفيدتها .. هل ستهتم بميلاد حفيد أو حفيدة أخري ..هزت رأسها تنفض عنها أفكارها التي تؤلم قلبها.
هي تحتاج من يسعدها ويبارك لها من قلبه كسما .. لم تخبرها للآن بحملها.. تود رؤية السعادة بعينيها عند سماعها الخبر .. تعلم أن سما تحبها وتهتم لأمرها .. فقد كانت هبة لها في محنتها .. تحبها .. تحبها كثيرا
---------------------------------

بعد أيام
رن جرس الباب .. قام عصام ليفتح الباب لزائريه ..رحب برحيق وصغارها .. تلاه ترحيب بزوجها .. ماجد
أشار عصام الي الداخل لتتوجه رحيق الي سما تساعدها في اعداد الغداء ..
صاحب ماجد الي غرفة الضيوف التي تبعد عن المطبخ كثيرا حتي لا تقيد حركة النساء .
--------------------------
" مرحبا رحيق .. اشتقت اليك "
رحبت بها سما تعانقها وتقبلها .. ابتسمت رحيق قائلة
" وأنا أيضا أشتقت اليك كثيرا "
نظرت رحيق حولها قائلة
" هذه الوليمة تتطلب يومين لأعدادها .. ما كل هذا سما ؟ "
قالت سما ضاحكة
" لست وحدك المدعوة .. أنتظر صديقة بحاجة لنا و صغارنا .. لنهون عنها قليلا "
تظاهرت سما بالتفكير ثم قالت
" اذا الدعوة ليست لي فقط .. بل لأجل صديقتك .. وكل هذا الطعام لأجلها .. أشعر بالغيرة منها قبل أن أراها "
لم تكد تنه كلماتها حتي سمعا جرس الباب منذرا بوصول ضيفة سما .
------------------------
جلس عصام و ماجد يتبادلا أحاديث عامة عن السياسة التي أصبحت مسار مناقشة الجميع ..قطع حديثهم .. رنين الجرس .. معلنا وصول وليد وسارة .. وبالمثل فعل مع سارة بعد أن رحب بها .. أشار الي الداخل لتلحق بسارة ...في حين توجه عصام مع وليد الي غرفة الضيوف حيث ماجد .
عند دخول سارة الي المطبخ حيث رحيق وسما ..أمسكت سما من خصرها هامسة بأذنيها ..
" مرحبا سما .. اشتقت اليك "
التفتت اليها سما ورحيق معا بعد ان كن مشغولات بالطهي .. بادلتها سما العناق بحب وقد لمحت لمعة خفية بعين سارة .. لمعة لم تعرف مصدرها .. قد تكون حصلت علي أملا جديدا في العثور علي ابنتها .. أبتسمت سما برقة مقبلة وجنتي سارة قائلة
" مرحبا سارة .. سعيده لقبولكم دعوتنا .. كيف حالك أنت ووليد ... أشعر أن هناك جديد بأمر جودي ..."
تسمرت رحيق وقد أختفت أبتسامتها .. رنت الأسماء بعقلها .. سارة .. جودي .. وليد .. أحقا ما سمعت .. قد يكون تشابه في الأسماء ...لا .. تشابه في أسماء عائلة كاملة .. يا الهي ... أعطتهم رحيق ظهرها مدعية انشغالها بالآنية التي أمامها بعد ان رحبت بسارة بكلمات مقتضبة حتي تتمالك زمام أفكارها .. مرتبكة .. حائرة .. كيف لسما أن تفعل ذلك .. كيف تدعوها وهي تعلم بأمر وليد .. كيف لم تنتبه سما لذلك .. يا الهي ... لالا .. سما لا تعرف بأمر تصوير وليد لها هي لم تخبر أحدا ... كما أن سما لا تعرف أسم زوجة وليد .. من أين تعرفت علي سارة ؟ .. سما لا تصادق حديثا .. هي تكتفي بمعارفها وأصدقائها القدامي.. يالها من مصادفة لعينة .. يا الهي ماجد ...ظلت تفكر بماجد .. هل وليد هنا بصحبة زوجته .. هي لا تعلم .. هل وليد هنا .. وان كان هنا .. ماذا سيكون رد فعل ماجد .. هو يعرفه ..يعرفه جيدا فقد أخذ منه هاتفه سابقا ...ظلت بحيرة من أمرها حتي سمعت سارة تقول
"وليد بخير هو بالخارج مع عصام ... "
ثم اضافت سارة بأسي
" ولا .. لا جديد بأمر جودي "
لم تنتبه رحيق للجزء الأخير من رد سارة وانما سمعت جيدا أن وليد بالخارج .. الكلمة أخترقت أذنيها . صعدت لعقلها .. هبطت الي قلبها ...شعرت بخفقاته تقتلعه من بين أضلعها .. هي الآن بأنتظار الكارثة .. تعلم بهدوء وحكمة زوجها التي تزعزعت منذ آخر مرة صفعها فيها ... هي تخشي أن يفضح أمرها ويخرج ماجد عن طوره في مواجهة وليد.. سما لا تعرف شيئا ..ولا عصام زوجها ... يا الهي ...ظلت ترهب كل شئ .. تخشي الأواني أمامها ..تخشي النار علي الموقد .. تخشي من التفاته سما وسارة لها ..أصبحت تخاف كل شئ وأي شئ .. ألن ينتهي هذا العذاب ؟.. اخطأت مرة ..ولا زالت تعاقب للآن ...زوجها .. أقاربها .. تخشي الفضيحة ... صغارها .. زياد .. لن يظل الأمر في طي الكتمان ...أمسكت رأسها متألمة .. ربتت سما علي كتفها قائلة
" رحيق .. ما الأمر ..؟"
التفتت اليها رحيق بهدوء زائف ..
" لا شئ .. أشعر فقط ب .. ب .. بصداع خفيف .."
ربتت سما علي كتف رحيق مواساة لها قائلة بحرج
" هذه سارة صديقتي .. زوجها وليد صديق عصام "
ثم أشارت الي رحيق
" هي رحيق زوجة عمي رحمه الله .. "
ثم تركتهم لتذهب الي صيدلية منزلها لتحضر مسكن لما تعانيه رحيق من صداع .. أنتبهت سارة للأسم .. رحيق ..
هو أسم ليس بالمتداول كثيرا .. شعرت بالقلق تجاة هذه المرأة .. أقتربت منها قائلة ...
" أهلا رحيق .. كيف حالك ..؟ "
ردت رحيق بأبتسامة زائفة
" مرحبا بك ..."
قالت سارة مباشرة
" هل أنت أرملة رحيق ...!"
شعرت رحيق بالانزعاج من سؤالها ... ألم تستمع لسما وقت تعارفهم ! فأجابت قائلة
" كنت والآن متزوجة .. زوجي بالخارج بصحبة عصام .. وهؤلاء أطفالي ..."
ثم أشارت الي الصغار حيث يجلسون مع أطفال سما بالغرفة المواجهه للمطبخ .. فابتسمت سارة بألم وقد تذكرت ابنتها جودي .. نظرت لأسفل حيث يقبع جنينها المنتظر وهي تمسح بيدها عليه قائلة
" بارك الله لكي فيهم رحيق .. أنا أيضا أحمل طفلا جديدا لهذا العالم.."
أبتسمت رحيق ابتسامة حقيقيه هذه المرة محتضنة سارة قائلة ..
" مبارك لكي .. "
عندها عادت سما وناولت الدواء لرحيق .. التقطت كلمات سارة بأذنيها فضحكت عاليا قائلة
" حقا ما سمعت .. سارة .. وتخبئين الأمر عني ..."
أخذتها سما بين ذراعيها وهي تقول ...
" لم أخبرك حتي أري هذه السعادة بعينيك سما .. أنت لا تعلمين قدرك عندي .. رغم معرفتنا القريبة بسبب اختطاف جودي .. الا أنني أشعر وكأننا كأخوة .. بارك الله لي فيك سما"
عانقتها سما ثانية بحب .. ولم يشعرن بمن خلفهن .. التي توالت الصدمات علي رأسها .. لم تكد تسعد حقا ومن قلبها لسارة ووليد بطفلهم الجديد .. الذي ظنت أن قدومه سببا في حدوث الأستقرار والتفاهم بينهم أخيرا ... لم تكد تسعد من قلبها لأجلها وأجله .. فهي لم تكن تتمني له السوء رغم كل ما حدث فقد اخطأوا هما الاثنان .. لم يجبرها وليد علي شئ .. لقد أخطأ بتصويرها نعم .. الا أنها هي من جعلته يفعل .. فارتضت عقوبتها بصبر .. حتي علمت بفقده لابنته ... أبدا لم تكن تتمني ذلك .. حقا جودي أختطفت .. يا الهي .. المسكينة سارة .. هي رقيقه .. سارة بعينيها البنية .. وأنفها الدقيق .. وحجابها الناعم الذي لم تتخلي عنه رغم أنهم نساء فقط .. جسدها الهش الناعم .. لم تشعر رحيق بالغيرة من سارة أبدا .. وهي تكتشف الآن أنها لم تحب وليد يوما .. لم تحب سوي ماجد .. زوجها البعيد .. تري .. ماذا يفعل الآن .
---------------------------------
ظل ينظر للضيف الآخر الذي يتقدم بصحبة عصام .. هل هذا وليد سمع الاجابة من عصام الذي وصل الي غرفة الضيوف قائلا بحب
" وليد صديقي .. ماجد قريبي ..أعذراني سأذهب لحظات وأعود علي الفور ...البيت بيتكما.."
لم يلتقط عصام شرارات الغضب التي اشتعلت بالمكان .. غضب ماجد من وجود وليد .. وغضب وليد الذي تذكر لكم هذا الرجل له حتي تورم وجهه وفقد وعيه ..
تردد بذهنه أسمها رحيق .. أين هي رحيق من زوجته .. زوجته الرقيقة التي في غضبها أبتعدت عنه.. كانت تعلم بأمر خيانته وحتي لم تواجهه .. رحيق تختلف كليا عن سارة .. كيف استمالته .. بل كيف استمالها .. هو لا يعرف كيف بدأ الأمر ..فجأه وجد قدمه تزل مع زوجة صديقه رحمه الله .. التي لم يرها منذ زمن .. الا مرة أو اثنان بصحبة صديقه .. وبعد وفاته بدأ يتواصل معها عبر الانترنت .. في البداية يطمئن عليها و علي ولديها ..وفي النهاية تجرد من ملابسه ورجولته أمامها .. فتخلي عنها لا هو تزوجها ولا هو تركها تنعم بحياة سوية مع رجل آخر .. رجل يقف أمامه الآن والغضب يملأ حدقتيه .. بل وجسده ...لم يكد ينته من أفكاره حتي شعر بماجد يقترب منه ليوجه له لكمة قوية .. الا أنه تفاداها ..ممسكا بقبضته .. قائلا من بين أنفاسه
" لن أشرب من نفس الكأس مرتين .. فقد لكمتني من قبل ..كما أنك مدين لي بهاتف .."
نفض ماجد يده من قبضة وليد بقوة .. محاولا لكمه للمرة الثانية .. الا أن وليد ابتعد فتفادي هجومه ثانية ..
أمسك ماجد وليد من سترته قائلا بقوة
" وتجرؤ علي التواجد بمكان أنا به .. "
ضغط وليد علي يد ماجد المستقره أعلي سترته قائلا وهو يري اقتراب طفل من مجلسهم ...
" أنت لا ترغب في اثارة فضيحة هنا علي الأقل .. استمع لصوت العقل واهدأ .. هناك أطفال .."
" بابا .. أحمد ضربني وأخذ لعبتي .."
ترك ماجد سترة وليد .. كاتما غضبه أمام الصغير .. جلس ليهدئ خفقات قلبة وانتفاضة جسده .. قائلا
" هي ليست لعبتك زياد .. هي لعبة مالك .. هل سمح مالك لأحمد بأخذها "
قال زياد بحزن
" نعم .. ولكني كنت ألعب بها .."
مسح ماجد علي رأس ولده قائلا
" أن تلعب بها شئ .. وأن تمتلكها شئ آخر ..ان كنت تلعب بها فقد يأخذها غيرك .. انما لو كنت تمتلكها .. فهي لك .. ولن يجرؤ أحد أن يأخذها من بين يديك "
ثم لاطف صغيره تاركا اياه يعود الي الصغار ليستأنف لعبه .
لماذا شعر وليد أن كلام ماجد يحمل معنيين !.. هل كان يخاطب طفله حقا أم كان يلقي الكلمات علي مسامعة مثبتا ملكيته لرحيق الآن؟ ..رحيق .. أين هي من تفكيره ..! لم تعد تخطر بباله الا وهو يؤنب نفسه علي ما فعله معها ..هل حقا كان سينشر الفيديو علي الانترنت .. هل حقا عندما يراها الجميع وتنفصل عن زوجها كما خطط .. هل كان سيهنأ بها ..؟ هل كان وغدا لهذه الدرجة ..؟ أبدل الاوضاع برأسه .. لو كانت سارة هي من فعلت .. كيف كان سيتصرف ..؟ ومن هنا التمس العذر لماجد في غضبه .. عذر ماجد في حقده عليه ورغبته في تمزيق وجه .. وأيضا التمس العذر لزوجته التي قرأت الرسائل بينه وبين رحيق ..وحمد الله علي تباعدهم فقط فهي بالأخير لم تكن خائنة مثله .. هو غاضب منها لأجل جودي .. لم يستطع سبر اغوار قلبه الي الآن .. الا أنه أبدا لن يتركها أو يفكر بخيانتها ثانية .. أخذ يحمد الله أنه أفاق من ذنبه .. وتعهد بمحو آثار هذا الذنب ..نظر الي ماجد .. رأي صدره يعلو ويهبط غضبا ..فقال
" أنا آسف ماجد .. نحن الرجال أحيانا ما نجري خلف ما نريد .. "
قاطعه ماجد قائلا بقوة
" أصمت .."
واجهه وليد وهو ينظر الي عينيه قائلا
" لن أصمت .. يجب أن تستمع الي حتي تهدأ .. لقد أقتص الله لك مني .. لم اهنأ بفعلتي كثيرا .. بنفس اليوم الذي علمت أنت بأمر الفيديو فقدت أنا ابنتي .."
كانت ملامح ماجد مغلقه .. هو يجيد السيطرة علي انفعالاته وقادر علي اخفائها ..فأكمل وليد
" أعلم أن أعتذاري ليس بمحله الآن .. بل لن يفيد .. الا أنني يجب أن أحظي بغفرانك ..أنا حقا آسف .. أستحللت عرضا ليس لي .. أستحللت امرأة وأنتهكت خصوصيتها ولم تكن ابدا لي ..شاهدتها وهي ..."
هذة المرة لم يستطع ماجد ان يخفي انفعالاته فهدر بقوة
" قلت لك أصمت ... لا أريد أن أستمع لأعترافك ولا الي تأنيبك لنفسك .. لا أريد اعتذارك .. لا أريد ندمك ..لن تحظي بالغفران أبدا وليد .. لقد كان عقاب الله لك قويا .. الا أنك تستحقه .. تلعب بعرض زوجتي .. بل وهدمت بيتي .. كيف ستحظي بالغفران .. قل لي كيف أغفر لك وقد دمرت حياتي .. أخبرني أيها التائب كيف أمنحها ثقتي ثانية .. ان كنت ترغب بغفراني أخبرني كيف أعود بحياتي مع زوجتي كذي قبل .. ..."
أخذ ماجد نفسا عميقا ليخرجه بغضب مكملا
" أنت جبان وليد .. لم تؤتمن علي امرأة صديقك رحمه الله .. ولا علي ولديه .. كان بالامكان أن تكون رجلا .. أن تكون عاقلا .. لكن انسياقك خلف شهواتك هو ما أوقع بك .. أقسم لك أن رأيتك مرة أخري ولو بالصدفه كهذه المرة .. ستقضي بقية حياتك سجينا لكرسي متحرك ...."
استمعا الي خطوات عصام الذي أتي أخيرا محملا بالعصائر والمقبلات .. قائلا
" يبدو أننا سنجوع اليوم ..النساء يثرثرن ولم يعدوا صنفا واحدا بعد .. لملمت هذه الاشياء من الثلاجة .. تفضلا"
قدم لهم عصام العصائر والمقبلات .. لم يتناول أيا منهما شئ .. شعر عصام بالتوتر .. وهو يري شرود الرجلين أمامه .
اذا فزوجته العزيزة تثرثر مع زوجه حبيبها .. هل تسألها عنه .. عن حياتهما .. هل تحن رحيق الي وليد ..؟ ... اذا رحيق .. أنت تسعدين بوقتك وأنا هنا أتمزق غيرة .. أتمزق لأجل رجولتي التي عبثتي بها .. كان يغلف ملامحه بالهدوء .. بينما وليد ينظر اليه ويعلم ما بداخله .. فلقد أخبره للتو عن حياته الغير مستقرة مع رحيق .. هو مندهش لأخباره بهذا الأمر .. ألا يخشي أن يعيد الكرة مرة أخري مع رحيق ؟... لا .. علي ما يبدو أن ماجد أستشعر صدقه .. أو ربما يختبره .. أو هو رجل مسيطر فلا يخشي من تهوره ثانية .. أو قد تكون رحيق أحبته لهذا لا يخشي فقدانها ..هو يجهل ما يريده ماجد .. يجهل ما برأسه وما يريده وما يخطط له .. بدا له شخص غامض .. قوي .. رجل بحق .. وهذا ما كانت تحتاجه رحيق .. رجل أقوي منها .. رجل يحتوي آلامها وليس رجل ضعيف .. جبان مثله .. هو الآن يشعر بالغيرة تجاه ماجد .
رأي زياد يقترب من والده قائلا
" أمي تشعر بالصداع أبي .. "
قال له ماجد بهدوء
" أخبرها أن تستعد للمغادرة .."
ذهب زياد ليخبر رحيق بالمغادرة .. فقال عصام
" لازلنا في بداية اليوم ماجد .. لم الاستعجال ..؟ .. تناولوا معنا الغداء علي الاقل "
أبتسم ماجد ليقوم من مكانه استعدادا للمغادرة قائلا
" اعتذر منك عصام .. رحيق متعبة .. سررت حقا بالتعرف اليك "
" أنت لم تتعرف علي بعد "
لم يكد ينه عصام كلمته حتي أستمع لصوت زياد وأحمد ومحمد .. رآها تقترب من باب المنزل .. كان قد خرج اليها ومعه عصام الذي قال
" سلامتك رحيق .."
قالت رحيق مبتسمة
" شكرا لك عصام علي دعوتك لنا .. انا آسفة حقا "
قال عصام بهدوء
" لن تحسب أبدا هذه الزيارة .. سأغفر لكما هذه المرة لتعبك لا أكثر"
ابتسمت الي عصام قائلة
" لن تكون زيارتنا الأخيره علي كل حال.. الي اللقاء
"
ربت ماجد علي كتف عصام قائلا
" أعتذر عن مغادرتنا .. المرة القادمة ستحضر انت الينا ان شاء الله "
ثم غادروا المنزل .. استأجر ماجد سيارة لتعيدهم الي المنزل .. جلست بالخلف مع الأطفال بينما هو بجوار السائق..لا تعرف ما الذي حدث بينه وبين وليد .. ويبدو أنها لن تعرف .
----------------------
بعد مغادرة رحيق .. تناولوا غدائهم .. سما وسارة بصحبة الصغار .. بينما عصام ووليد بمفردهما في غرفة أخري ..
نظرت سما الي سارة قائلة
" أنا أحب رحيق كثيرا .. تعبت بحياتها .. زوجها عمي رحمه الله لم يكن بالزوج المثالي معها ..لطالما تشاجروا .. حياتهم لم تكن مستقره أبدا ..."
تذكرت سما اتصال رحيق يوما ما تخبرها بأن عمها قد سرق مالها الذي ائتمنته عليه .. ظل ينفق منه حتي نضب .. خسرت رحيق مالها وقد كان عمها سببا في ذلك .. لم تعد حينها تمتلك سوي مشغولاتها الذهبية.. وبعض أملاك عينية لم يستطع عمها الفوز بها ...لم يعلم بالأمر سواها .. لم تخبر أيا من أخوته بل أتصلت بسما لتفرغ شحنة غضبها منه فهو والد اطفالها بالأخير
أستمعت سارة لكلمات سما بأهتمام .. أكملت سما حديثها قائلة
" أنت تعلمين حال المطلقات والأرامل بمجتمعنا .. وكم الطمع الذي يتعرضن له من الجنس الآخر ..عرض عليها الكثير .. وطلبها الكثير .. وهي لم تقبل سوي بماجد .. هو والد زياد .. هو أرمل أيضا.."
أنتبهت سارة لكلمات سما وهي تسأل
" تقصدين أن الصغار لم يكونوا لها بالكامل .. طفلين فقط لها والآخر لزوجها .."
" نعم"
لا تعلم لماذا ازداد الشكوك داخلها فقالت
" هل هي متزوجه منذ زمن .. أم حديثة العهد بالزواج"
"تزوجت منذ وقت قريب ..لم ندعهم لزيارتنا منذ تزوجا .. لذا فكرنا بدعوتهم اليوم معكم لتسعدي بالصغار.."
هنا أنتبهت سارة .. اذا فشكها بالأسم لم يكن عبثا .. اذا هي رحيق بولديها الذي لم تنتبه لأسمائهم .. اذا هي زوجة صديق وليد .. هي الارملة التي استمالت زوجها .. هي رحيق من كانت تتألم من محادثتها لزوجها .. هي رحيق التي تباعدت عن زوجها بسببها .. هي السبب في ضياع زوجها ..آه .. وهي من كانت تتحدث معها بود ولطف وهي تستحق أن تنبش وجهها جراء ما فعلت .. لابد أنها كانت تعلم بأمرها .. رحيق تعلم أنها سارة زوجة وليد حبيبها .. رحيق علمت ما حدث لجودي .. علمت بأمر حملها .. علمت بكل شئ يخصها وزوجها من دون قصد منها .. يا الهي ..
بعد أن أنهين طعامهن قامت من مجلسها تدعي الهدوء وهي تقول
" أنا آسفه سما أشعر بالتعب .. علي الرحيل الآن..شكرا لك ولزوجك الطعام كان رائعا.. لقد أرهقتك اليوم كثيرا .."
قاطعتها سما ممسكه اياها قائله
" لم تتناولي الحلوي بعد .. اجلسي قليلا "
" آسفه سما أعذريني .. أشعر بالتعب حقا "
ثم طبعت قبلتين علي وجنتي سما مغادرة
وبالفعل خرجت الي وليد وأخبرته برغبتها في الرحيل .. بوجه متألم .. خشي أن يكون ألمها بسبب الحمل .. فأعتذر لعصام الذي علم بحمل سارة للتو قائلا بسعادة
"مبارك يا صديقي .. "
ثم احتضنه مقبلا اياه ..ابتسم وليد مجيبا
" شكرا لك عصام .. "
وغادر هو الآخر بصحبة زوجته
------------------
بعد أن غادروا جميعهم خرجت سما لزوجها قائلة
" ما الأمر .. يبدو أنك لم تكن راض عن هذه الوليمة عصام "
التفت اليها عصام متحيرا وهو يقول
" في بادئ الأمر ماجد ورحيق يغادروا .. وبعدها وليد وزوجته .. أشعر بشئ غريب .."
أنتبهت سما وقتها .. رحيق .. وليد .. أحقا ما تفكر به .. يا الهي .. حدثت نفسها
"تبا للساني المنفلت ولعقلي الذي لم يفكر قبلا..كيف لم أنتبه الي أسم صديق عصام .. كيف لم أنتبه لرحيق التي تغير لونها عندما أستمعت لأسم وليد أثناء تجمعهم بالداخل... كيف لم ألاحظ الشحوب الذي أعتلي محياها بمجرد أن تحدثت هي وسارة عن وليد ..عن حمل سارة .. عن أختطاف جودي ...بل ولاحظت تغير سارة أيضا أثناء تناولهم الغداء .. هل سارة تعلم ما كان بين رحيق ووليد ؟..آه.. يا الهي ما الذي فعلته سما..."
أنتبه عصام لتغير لون زوجته فقال
" سما ما الأمر "
أجابه صمتها وشرودها .. ثم سمعها تقول بشرود
" لا شئ عصام حبيبي .. لا شئ.."
---------------------------
ظلت بثيابها .. لم تبدلها بعد .. منذ أن عادوا للمنزل والصغار يمرحوا .. تناولوا طعاما بسيطا لتعوضهم عن الغداء الذي لم يتنالوه .. ظلوا يركضون خلف بعضهم يضحكون بصوت عال .. وهي بين أفكارها .. ماجد منذ عودته بغرفته .. وهي لم تجرؤ علي الأقتراب منه .. مر الوقت ببطئ .. الي أن حان موعد نوم الصغار ... أطمئنت لسكون ولديها فسرعان ما ناموا .. ثم ذهبت لزياد ..الذي لازال يحمل هاتف والدته يلهو به ..جلست جواره تتخلل شعره بأصابعها قائلة
" هل سعدت اليوم مع مالك ؟ "
" نعم سررت كثيرا ...لعبت بألعابه كلها"
ثم قال وهو يقص عليها ما رأي
" لكن أحمد أخذ لعبتي .. فذهبت لأخبر أبي فوجدته يمسك الرجل الذي كان معنا بمنزل عمي عصام .. كان يمسكه من سترته .. لابد أنه ضايق أبي"
نزلت الكلمات كالمياه الباردة علي رأسها ..كانت ترغب بمعرفه ما حدث .. وها هي تعلم الآن ..اذا فقد فقد ماجد أعصابه اليوم .. لم تشأ أستدراج زياد الي هذا الكلام ..دثرته هو الآخر وأخذت الهاتف قائلة
" لقد حان وقت النوم صغيري"
أخذت الهاتف ومكثت جواره الي أن نام .. شردت بأفكارها ..كيف كان لقائهم.. الآن علمت أن ماجد لم يجلس مكتف اليد .. بل بيد قوية تدافع عنها..هل كان يدافع عنها .. أم يدافع عن رجولته التي أنتهكت من قبل وليد ؟.. لم تنس يوم معرفته بأمر الفيديو لم يغمض له جفن الا بعد أن استولي علي هاتف وليد ليتستر علي ما تبقي من سمعتها .. لم تنس تباعده عنها معاقبا اياها علي ما فعلت .. لم تنس أهتمامه بأطفالها رغم ما علمه عنها .. هل هو يعاقبها أم يحبها أم يحتاجها لأجل زياد !.. هو لم يقربها منذ علم بزلتها .. لم يحتويها بين ذراعيه اللذان تتوق لدفئهما الآن .. هي تشعر بالبرد .. بل ترتجف .. هل يسمح لها اليوم .. اليوم فقط بأن تقترب منه .. تقترب من دفئ جسده تنعم برائحته .. ياله من شتاء .. يشعرها بالكآبة .. يشعرها كم هي بحاجه لأحد تحتمي به وتستمد الدفئ منه .. أحد تحبه وتشعر بالحنين اليه .
سارة .. زوجة وليد .. هي لا تستحق الخيانه .. لم تكن تستحق ما فعلته بها بأن تستميل زوجها .. سارة ضعيفة ليست مقاتلة مثلها .. يبدو أنها أندفعت بالأبتعاد عن زوجها ...سارة حامل .. تحمل طفل وليد ...لم لا تفكر هي الأخري بالحمل من ماجد .. سخرت من نفسها قائلة
" وكيف سأحمل منه وهو لا يقربني .. سأحمل عبر الهواء "
تأثرت بالخاطرة التي مرت بعقلها ولم لا !.. طفل يجمع بينها وبينه يوطد الأواصر التي اوشكت علي التهتك .. هل يسمح لها بأن يعطيها طفل من صلبه .. هل سيثق بها يوما كمان كان
خرجت من غرفة زياد وهي تأمل التقرب منه .. الليله .. الليله فقط
------------------------
عاد كريم الي منزله بعد أن أصبح مشغولا أكثر من ذي قبل .. فبعد أن كان يعمل عملا واحدا .. الآن صارا عملان .. وقد كان هذا هو الحل الذي توصل اليه أخيرا .. زوجته الأولي تريد المال .. والأخري أيضا أصبحت تريد المال .. وهذا المال لا يملكه ..لذا كان من الواجب أخذ القرار .. كما أن العمل جاء اليه علي طبق من ذهب .. والده .. الذي طلب منه أن يفتتح متجرا لبيع الهواتف ولوازمه من اكسسورارات وخلافه ..وامتثل اليه كريم في طلبه وبدأ في الاعداد له .. متيقنا أنه سيكون ملكا له في النهاية .. كان يذهب اليه مساءا بعد أن ينهي عمله الحكومي .. يعود الي نور ليتناول غداءه .. وبعد أن يغلق متجره يختار العودة اما الي نور أو الي مني .. واليوم اختار نور ...ليوطد علاقته بها قليلا .. ويكسب ثقتها .. دفع بالأمس مصاريف حضانه ابنته .. ويجاهد لأكمال مبلغ الايجار ليقوم بدفعه لصاحب البناية .. هو لا يريد أن يساورها الشك تجاهه .. ظل يحدث نفسه
" وهل هذه حياة ..هل ما أنا به الآن من زواجي بأثنتين الأمر الذي قد يحسدني عليه الكثير .. وحصولي علي ثلاثة أطفال من الأولي والثانية ..حياة .. هي نعم في نظر البعض .. لكن هل لهم ان يتألموا بدلا مني .. هل لهم أن يثقوا بأن أروي التي تجاوزت العام بقليل هي ابنته من نور ...؟ هل ستيحتملوا الشك مثله .. فليأتوا اذا وليحملوا عنه بعضا من أثقاله "
لا زال هناك صراع داخلي يرفض ويقبل .. هل أروي الصغيرة ابنته .. من فض بكارة زوجته؟ .. هل خانته بعد زواجها منه ؟.. اسئلة كثيرة تفتك برأسه لا يعلم هل هي حقيقية أم بسبب ذنوبه التي تكالبت عليه فجعلته أسيرا لأفكار مشوهه تنغص عليه حياته ..
ها هو قد جاء اليها .. سمعها تقترب منه لتجلس جواره بعد أن نامت أروي .. كانت تمسد كتفيه تزيل عنه تعب يومه .. هي تنتظر كي تري مدي صدقه .. هل أصبح رجلا بحق .. أم يمثل مسرحية جديده عليها ..! لطالما شهدت نجاحاته في التمثيل عليها وعلي الأخري ...هي تعلم من سما كذباته علي مني .. وتعلم منه أيضا حينما يريد التندر علي غباء زوجته الأولي معها فيخبرها عن كذبه عليها وتصديقها له ..ظلت تكمل تدليك كتفيه .. وظلت الأفكار أيضا تضرب عقلها ..تتمني أن يكون تغييره معها حقيقيا .. هو يهتم بها رغم انشغاله .. يتحدث معها ليل نهار علي الهاتف .. يسأل عن أروي ويهتم بها .. لا تنكر سعادتها بدفعه مصاريف حضانة ابنته ..وفي انتظار المزيد ...
استمتع بتدليكها لكتفيه .. هو يمشي علي الطريق الصحيح نحو انتقامة .. لم ينس ما شاهده اليوم ... كانت تقف مع أحد زملائهم .. كان يقترب منها بشكل لا يليق .. هي لم تمنعه .. وهو أيضا لم يمنعه أو يتدخل لمنعه بل استمتع بما يري كي يزيد من لهيب رغبته في الانتقام منها ...سمعها تقول
" هل أحضر لك العشاء ..؟"
أقترب منها أكثر قائلا
" لا .. أنا جائع لشئ آخر حبيبتي "
فهمت ما كان يرمي اليه .. وأعطته ما أراد بسخاء .
بعدها بقليل
كان جوارها لم يتحرك .. ينشد النوم ولكنه جافاه ..ظل يتقلب علي جنبيه يحاول ويحاول بلا أدني نتيجة
" ما الذي يؤرقك كريم ..؟"
نظر اليها بتمعن .. لم يكن يراها بوضوح فالظلام يغمر الغرفة الا من نور بسيط ..لكنه يحفظ نومها .. يحفظ سكناتها ... قال بهدوء
" فيما كان يتحدث معك زميلنا اليوم ..؟ "
شعر بأرتباكها فقال
" هل الأمر مربك لهذه الدرجة .. نور "
اعتدلت لتنام علي ظهرها وتقول
" لا شئ هام .. كان يحادثني عن أمور بالعمل .."
لم يتحرك .. لم يغضب أو يثور .. لم يكن له أي رد فعل سوي قوله
" وهي ...!"
ردت مستمفهمة
" وهي ماذا كريم ؟"
ظل علي وضعه يتأمل ارتباكها بهدوء وهو يقول
" ماهي الأ مور الخاصة بالعمل التي تجمع بين قسم عمله وقسمك .."
ازداد ارتباكها فقالت بعصبية
" ما الأمر .. ما بك .. ؟ هل تبحث عن أية مشكلة بيننا لتثور وتغضب لأجلها .. ماذا بك .. ؟ ان كنت تود الذهاب للأخري فلا داعي الي أختلاق مشكلات ...أذهب اليها ولن أهتم .. أنت تعلم أني لا أغير منها هي أقل مني شأنا .. لا ترقي الي فكري ونظافتي واهتمامي بأبنتي .. لا أعلم لم تتمسك بها للآن كريم .."
كان علي نفس هدوئه وهو يراها تخرج بذكاء مما كان يتحدث بشأنه .. ابتسم قليلا وقال
" هل ترغبين في طلاقها ؟ ..."
هدأت ثورتها قليلا وقالت
" لا .. لا أود ذلك كريم .. أنت تعلم ذلك .."
نعم هو يعلم .. يعلم أن بوجود الأخري .. تلمع هي وتضئ كالآلئ .. طالما الأولي مقصرة .. ستظل هي دوما الفاضله الناجحة طوال الوقت في مقارناته .. هي تريد وجود مني في حياته .. ليعلم دوما قيمتها ..
كان يود أن يري هذا الارتباك .. كان يريد أن يري هذه الثورة .. اذا نور ليست علي طبيعتها .. قد تكون تخونه ..هو لا يهتم .. فقد تزوجها فاقدة لعذريتها .. فهل هناك ما هو أكثر .. اقترب منها .. جذبها الي صدرة .. مسد شعرها قائلا
" أنا آسف حبيبتي .. لم اشأ أن أثير حنقك لهذه الدرجة .. تعلمين أنك الأولي والأخيره بقلبي نور .."
ثم استكانت بين يديه .. علم أنها استغرقت في النوم ..وهو مازال النوم يجافيه ..
-------------------------
" عليك أن تسألي يا ابنتي .. زوجك وضعه غير طبيعي ..أنا متأكد من زواجه بأخري .."
كانت هذه كلمات والدها يلقيها للمرة المئه علي مسامعها .. هي تشعر بتغير كريم معها .. يهتم بها .. ينفق عليها وعلي ابناءه .. لكن لازال هناك أشياء بلا تفسير .. هو يعمل بالمتجر خاصة والده .. ثم يعود اليها يوما .. ويوما آخر لا يعود .. عندما تحدثت معه بشأن الأمر أخبرها أنه يذهب لعمل ثالث ليجني المال لأجلها وأجل أبنائهم ...هي لا تصدق بالطبع .. لكنها صامته .. هي لا تجد ما يمكن أن يكون مسارا للغضب أو للمشاجرة .. مطالبها مجابه .. ولديها سعيدان .. الأمر هادئ بينهما .. لماذا تسعي للمشكلات اذا ؟
" حاضر يا أبي .. أعدك اني سأبحث في الأمر ..أتريد شيئا من الخارج .. سأذهب الي السوق .. سآخذ معاذ معي ..سأترك أحمد لك لن اتأخر "
قال والدها
" لا .. لا أريد شيئا .. لا تتأخري .."
والدها لا ينفق من ماله الا فيما يختص بمتعه الخاصة .. المعاش الذي يتقاضاه ينفقه علي تدخينه .. وهي وأخيها ينفقا علي طعامه وشرابه ..منذ أن توفت والدتها وهي من يهتم لأمره .. هي لا تملك مالا سوي مال كريم فتنفق علي والدها منه .. وان قصر كريم في الانفاق يوما عجزت عن اطعام والدها ...لذلك كريم هو الكنز الذي ينهل منه ويخشي أن يذهب ماله لأخري ..
مرت أوقاتا كثيرة لم تمتلك فيها مالا .. كان أخيها يتحمل العبئ وحده .. لم تنس هذه الايام قول والدها
" هاتفي أخته علها ترده عما يفعل .. أخبريها أن صغاره جوعي .. أخبريها انه مقصر معك مني "
وكانت تستمع دوما لما يطلبه والدها وتشتكي الي سما .. وسما بدورها تؤنب كريم .. فيعود وينفق .. والدها لا يعترف بظروف .. لا يعترف بأعذار قد تمنعه يوما عن تناول طعامه .
وصلت الي السوق وبدأت بشراء الخضروات ذات الدرجة الثانيه وربما الثالثه .. كي تستطيع تدبر وجبه تكفي اربعة اشخاص هي وابنائها ووالدها ..تأخذ من فم أولادها الطعام لأجل والدها ..كريم لا يأكل معهم علي كل حال ..يخبرها ان والده يحضر طعاما ويتناولوه بالمتجر .. ابتعد عنها معاذ قليلا فصاحت به
" قف هنا بالقرب مني .. لا تبتعد .."
تصيح ولا تهتم لمن يراقبها .. تشتري طعاما أقل ما يقال أنه طعاما للبهائم .. كل هذا وهي غير منتبهه لمن يراقبها عن كثب بغيرة .. وامتعاض.


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل العاشر

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 10:04 pm

الفصل العاشر



" الماضي القريب "

بعد أن عاد كريم الي المنزل .. وجد نور بأنتظاره .. انها اليله الثالثه التي يقضيها معها علي التوالي .. لا يطيق العودة الي مني متحججا بالعمل ... وجد أروي نائمة في هذا الوقت .. لقد رآها علي الغداء تركض وتلعب .. تقف وتقع .. تجلس وتحبو .. رآها ولم يشعر بأي تأثر نحوها .. هو يقبلها ويحتضنها ويلاطفها الا أن الأحساس تجاهها معدوم .. كان ما يفعله جزء من مسرحيته التي أوشكت علي الانتهاء ..
بادرته قائلة
" لقد رأيت مني اليوم .."
تسمر مكانه .. كان يهم بخلع سترته .. تجمد مكانه قائلا بغموض
" أين ؟"
قالت وهي تبتسم بقوة
" في السوق "
أكمل نزع سترته ليواجهها مضيقا عينيه قائلا
" سوقها يبعد عن السوق خاصتنا أميال .. أنت بمكان وهي بمكان آخر .. واليوم كنت بالعمل .. كيف رأيتها نور ؟.."
قالت وهي تستمتع باللعب بأعصابه
" لقد استأذنت من عملي .. وذهبت .. هذا كل ما في الأمر "
" هل فضولك ما دفعك لذلك ..؟ "
" نعم .. أردت أن أراها .. هل هي كما وصفتها لي أم كنت تكذب ..! "
أنتظر ليستمع للمزيد .. فاستطردت نور
" انها بدينه ..جدااااا .."
ابتسمت بزهو من فعلتها .. لا تنكر نور غيرتها من مني .. رغم بدانتها الا أنها أجمل منها .. فنور بها عيب بأحدي عينيها نتيجة لجرح قديم .. ليس منفرا وانما غريب لمن ينظر اليها لأول مرة .. وهذا الأمر ما كان يشعرها بالنقص قبلا .. كانت تستعيض عن ذلك بأدوات التجميل .. و ثيابها المنسقه المهندمة .. هي تعمل بصرح حكومي ولابد أن تهتم بمظهرها.
أكملت
" لقد رأيتها تشتري خضروات فاسده .. أهذا ما تطعمه لأبنائك كريم .. لا أتعجب من مرضهم ببكتريا المعدة دوما .. لهم الله .."
اذا فقد ذهبت .. تغلبت نور علي مخاوفها من زوجته الأولي وذهبت اليها .. هل كانت تريد محادثتها .. أو أخبارها بأمر زواجهم .. هيا نور .. اثقلي ميزانك أكثر وأكثر .. فيوم الحساب أقترب ..نظر اليها وابتسم قائلا
" هل شعرت بالتحسن الآن .. هل تشعرين بالرضا عن ذاتك الآن .. هل تخبريني أنك قد تصلي لزوجتي وأبنائي بهذه السهوله ..من أين علمت العنوان وكيف تعرفت عليها من الاصل ؟ "
قالت نور بثقه
" أمر العنوان أبسط مما تتخيل .. هو مدون ببطاقتك الشخصية زوجي العزيز ..وعن تعرفي عليها لقد ذهبت حتي البيت وشاهدتها تخرج بصحبة ابنك الأصغر يشبهك كثيرا ..و أما عن حديثك عن وصولي لزوجتك وابنائك .. لا .. ليس فقط .. بل لوالدك أيضا .."
التمعت شرارات الغضب بعينيه.. والده .. لا لا .. هذا آخر ما يريد .. والده من استأجر متجرا خاصا له .. يراه يوميا قد يطعمة .. قد يعطيه مالا .. هل سيخسر كل هذا لأجل تهور هذه البلهاء .. لا .. الا هذا .. كانت نور تثير غضبه وحنقه عليها دون أن تقصد .. كانت تزيد من اشتعال مافي صدره أكثر وأكثر .. تجعله يشتد اصرارا علي ما يعزم علي فعله ...قال غاضبا
" اياك والاقتراب من والدي نور .. أبي هو السبب في ما نحيا به الآن .. المتجر ما ينفق عليكما سواء .. سنخسر معا ان علم أبي بأمر زواجنا .. أنتبهي لأفكارك نور وما قد تلقينا فيه بجموح أفعالك .."
ثم تركها ملتقطا سترته التي نزعها للتو.. مغادرا البيت بأكمله ..
هي لا تعلم لم فعلت كل ذلك .. الأمر بينها وبين كريم مستقر .. بل قام بدفع الايجار بالأمس القريب .. لا تعلم لما تريد دوما أن تجعله غير آمن نحوها .. تريده دوما يخشاها .. أن يخاف من أفكارها وأفعالها ...حقا لقد تفوقت علي نفسها .. بعد أن حصلت علي العنوان .. بدأت بمراقبتها ولحسن حظها خرجت مني للسوق ..هي بنفس وصف سما وكريم لها .. بجلبابها المتسع .. بحجمها الكبير .. لم تمنع نفسها من اكمال تلصصها فوجدت نفسها تسير خلفها متخفيه في نقاب يخفي ملامحها .. كان الشارع مزدحم بالناس .. والسوق مكتظ .. الا انها لم تغفل عنها للحظة .. تراقب سكناتها وصياحها .. وشرودها ايضا .. رأت معاذ يبتعد عنها لكنها انتبهت اليه أخيرا .. معاذ يشبه كريم كثيرا .. ببشرته السمراء وعيونه المماثلة سمرة .. بشعره الاسود الداكن الناعم .. ابتسمت فأروي أيضا ورثت شعره الناعم ونفس أتساع العين ولونها .. أنتهت عند هذه الأفكار ولملمت نفسها عائده لغرفة نومها .. كانت نور تسترجع ما حدث وتحلله بعقلها .. تعلم أن كريم يخشي زوجته .. ويخشي والده .. ويحب سما ويأتمر بأمرها .. هي ستهدأ قليلا من غيرتها .. ستحاول أن تهدأ .. فليس هناك عذرا لشن حرب علي كريم طالما ينفذ ما تريد
---------------------------
قبل رأس صغاره وهو يجلس بينهم .. سأل أحمد
" كيف حالك .. ؟ "
ثم التفت الي معاذ قائلا
" وأنت يا صغير .."
حمد أبناءه الله .. وقد أقترب معاذ ليجلس علي فخذ كريم بينما أحمد يجلس جواره .. هكذا قرر قضاء ليلته بين صغاره ..بعيدا عن نور وعقلها الذي لا ينضب أفكارا تهدد حياتهما معا .. كانت مني بالمطبخ تعد العشاء .. لم يهتم لها فلتتأخر كيفما شائت ..أو الأفضل الا تأتي .. كلما نظر اليها تذكر أنها السبب لما هو فيه الآن .. هي السبب في زواجه من أخري .. يرتمي بين أحضانها لنسيان ما فعلته هي بحقه ..ظل يتذكر نقاشهما المدمي منذ أيام .. وهو يعطيها مالا لتشتري حفاضا لعادتها .. فهي للآن تستخدم فوط قطنية لعادتها الشهرية .. هو يكره ذلك .. بل يمقته .. وهي تخبره أن هذا أوفر له فأخبرها
" ليس لك شأن بالمال .. أنا أطلب منك هذا .. أرجوك أمتثلي لأمري .."
كان جوابها أن أشترت بالمال جوربا تدفئ به قدميها .. هل زوجته لديها عقل .. هل تستوعب ما يرغب حقا .. هل هي تعانده مثلا .. لا .. لا .. هذا هو عقلها .. الذي ينساق خلف كل ما هو قديم وعتيق ومقزز .. هو لم يعد يهتم لهذه أو لتلك .. يبدو أنها لعنه تطارده بين نساءه .. لعنة عدم الراحة التي علي ما يبدو لن ينالها أبدا ... ترك الصغار وذهب للمطبخ ليخبرها أنه سيذهب للنوم ... فرآها .. تلتقط آنية اسفل حوض المطبخ دون أن تغمرها بالمياة قبلا .. أخذتها هكذا لتضع بها بصل وفلفل وأخذت تقلبه .. ثم وضعت عليها كبد الدجاج لتقوم بطهيها ووضعت التوابل .. أخذ يراقب المشهد وهو في قمة تقززه .. هل هذه الآنية نظيفه .. لقد رآها بعينه تحتاج لجرعة ماء تزيل عنها الوسخ .. فعلت ذلك مع الآنية .. ما بالها الكبدة اذا .. هل غسلتها .. هل طهرتها .. هل ..هل .. ؟ أولاها ظهره قائلا ..
" لن آكل .. سأخلد الي النوم. ."
ثم تركها وذهب ..
بعد أن تناولت طعامها وأبنائها .. قالت لمعاذ دون أن يغسل يديه
" تعال معاذ حبيبي هيا الي النوم .."
استمع معاذ لها فقد تعب طوال النهار من الركض بالشارع خلف أصدقائه .. حتي اتسخت ملابسه التي لازال يرتديها للآن ..
بعد أن أنهكت طوال اليوم وتناولت طعامها وتأكدت من نوم أحمد هو الآخر .. خلدت للنوم جواره .. كانت تعبق برائحة الثوم والطهي العالقة بثيابها والخارجة من فمها.. لقد كان نائما .. تبا .. بحق الله لقد كان نائما .. لماذا لم تنم جوار ولديها .. تقلب كريم معطيا اياها ظهره قائلا
" مني حبيبتي .. رائحتك ثوم .. هلا أغتسلتي حبيبتي قبل النوم .."
عانقته قائلة
" أشعر بالتعب كريم .. غدا ان شاء الله .. "
كانت هذه كلماتها تلاها صوت شخير كان خافتا ثم بدأ يعلو .. قال محدثا نفسه
" غدا .. غدا ان شاء الله حبيبتي .."
ثم قام مغادرا غرفته .. مستلقيا بغرفة أطفاله .. آخذا معاذ بين ذراعيه وهو نائم قائلا
" لن أنعم بالدفئ سوي هنا .. "
ثم غط في نوم عميق لم يهنأ به منذ فترة طويلة
------------------------------
" لا تقلق أبي .. سيعود ثانية "
كانت كلمات كريم يلقيها علي مسامع والده الذي رد قائلا
" لا بأس ولدي.. سيعلم أننا الأقل سعرا "
مسح كريم المكان بعينيه فموقع المتجر حيوي للغاية .. كما أنه الآن بدأ في بناء أسما ولو بسيط بين المتاجر الكبيرة .. كانت الفكرة بدايتها لأجل رحيق زوجة عمه رحمه الله . . فالمتجر ملكها .. فقرر والده أن يستأجره منها فهو يدفع لها الآن ايجار متجرها دون مماطله كما كان المستأجر القديم يفعل .. سعد كريم بالمكان وبالأسم الذي بدا ينمو شيئا فشئ .
سمع والده يقول
" ما رأيك أن تجلب لنا طعام .. أنا جائع .. أعرف مطعما هنا طعامه جيد خذ .. أحضر لنا وجبتين .."
أعطاه والده المال .. توجه كريم لجلب الطعام تاركا والده بالمتجر لحين عودته ..عند وصوله للمطعم .. انتظر تحضيره .. قرر أن يتحدث الي سما ليطمئن عليها .. وبالفعل هاتفها .. ولم تجب كعادتها معه بعد ما حدث.. قد تجيب مرة أمام عشرون مرة تجاهل .. سما حبيبة قلبه .. مهما أجتهد في التمثيل .. هي تكشفه .. مهما أبتعد هي تنتظره .. هي بجواره دوما حتي وأن قللت من كلامها معه .. هي تذكره دوما بوالدته .. كم كانت طيبه القلب مثل سما ... أخته الجميلة .. بشعرها الناعم وعينيها الواسعة وانفها الصغير .. برقتها وجمال روحها .. لماذا لم يحظ بزوجه واما لاطفاله مثل سما .. لقد ربت سما حقا .. اطفالها ليسوا كأطفاله .. في تعليمهم أو تربيتهم أو نظافتهم .. رغم أنه ماديا أفضل من عصام بكثير .. لكنه لا يعلم ما الفرق .. هل الفارق سما نفسها .. أم هو نفسه لا يشبه عصام بشئ.. أم أن العيب في الاختيار من الأصل .. هو لا يعلم وأنما يعلم شيئا واحدا .. أن سما وزوجها هما الأفضل .. وصغارهم هم الأفضل .. بل عندما تزوجت انفق والده عليها أكثر منه .. دوما سما هي الأفضل .
انتبه لصوت العامل
" تفضل سيدي .."
أخذ طلبه وأعطي العامل حقه.. ثم عاد لوالده ليتناولا الطعام ...والده .. والده هو أهم من الزوجتين ..الآن .. سعيد بما حققه .. وسعيد بما يناله من والده .. تذكر كلمات نور له .. بأنها قد تصل لأبيه .. هو يخشي ذلك .. وبذات الوقت سيكون الأمر كما الصاعقه لوالده .. هو ليس متزوجا فقط .. بل متزوجا ولديه طفله تخطت العام بقليل.. ظل يفكر في أثر ذلك علي والده .. ستقوم الدنيا ولن تقعد .. و بذات الوقت .. نور لن تهدأ ..هو يعلم ذلك .. لذا عليه أن ينفذ انتقامه منها بأقرب وقت .. ربما .. ربما الليله
------------------
ظلت تنظر اليه بقوة قائلة
" انتظرتك بالأمس .. لم تأت .."
أجاب مسرعا وهو يجلس علي السرير
" معاذ كان مريض .."
خفضت بصرها قائلة
" سلامته ..! "
أنتهي من تبديل ملابسه ..وأستلقي فقالت
" أعد العشا ؟ .."
أدار ظهره لها قائلا
" لا أكلت بالمحل .."
همت بمغادرة الغرفة .. فقال بهدوء
" أقبلي .. "
كانت نبرة صوته مغوية .. رغم حنقها .. لقد تركها يومها ولم تره الا بالعمل في اليوم التالي ..الا أنها تريده .. ما أن صعدت جواره حتي سمعت صوت صراخ أروي فقالت معتذره
" آسفة أروي.."
أشار بيده اليها أن تذهب .. هرعت الي ابنتها .. حاولت أن تجعلها تعاود نومها لم تستطع .. فذهبت بها اليه .. ناولته ابنته قائله
" سأعد لها طعاما .. أعتن بها كريم .."
أخذ يلاطفها .. يعبث بشعرها .. يخبئ وجهه بين كفيه في محاوله لأخافتها .. وهي تضحك كما لم تضحك من قبل .. أخذ يرفعها عاليا وهي تضحك .. حتي عادت نور اليهم ..جلست جوارهم وهي سعيدة .. سعادة حقيقية يخفق لها قلبها .. هي تحب علاقته بأبنته ..تحب تعلق أروي به .. هو الآن تغير بحق .. ينفق .. يهتم .. يعطيها كافة حقوقها .. بدأ في استعادة ثقتها به..
أخذت منه الصغيرة وبدأت باطعامها .. أروي لم ترغب بالنوم حتي ارهقتهما .. فقالت نور
" هل نتركها جوارنا الليلة .."
اومأ برأسه بنعم ثم أغلق الأضاءة ..لم تستغرق نور كثيرا حتي نامت أولا .. فقد تعبت بالعمل وتستيقظ باكرا .. وأيضا تهتم بأروي .. واليوم أرهقتها بحق ..
كان يراقبها مضيقا عينية ليحسن رؤيته في هذا الظلام فالضوء الذي يتسلل من الخارج بسيط .. تغمض عينيها ثم تهدهد أروي بين يديها .. حتي تركتها أروي لتذهب لأحضانه هو .. ضمها الي صدره .. لا يشعر بشئ ..لا يشعر بدفئها .. ولا بأبوتها .. ظلت تداعب ذقنه بيديها الصغيرتين .. وتضع يديها علي فمه .. ومنها الي عينيه .. أخذت تتحرك من بين ذراعية وتصل لرأسه تنام عليها بحجمها الصغير .. تعبث بشعره .. وتشده أيضا.. ثم قبلت راسه تلتها ضربة علي عينيه .
أمسكها ووضعها جواره .. أخذت تضحك قائلة
" بابا .."
ظل يهدهدها .. الي أن هدأت قليلا وبدأت في النوم بين يديه .. تفرس وجهها .. أهدابها الطويلة ..هو لا يملك هذه الأهداب أو هذه العين .. يراها لا تشبهه .. فمن تشبه اذا .. ظل يردد في ذهنه ..
"من والدك .. من والدك .. أمك ..أنا.. لم أكن الأول بحياتها .. كذبت علي .. ظنتي من الغباء بمكان حتي لا أكشف خيانتها .. أنا أراقب محادثاتها مع زملائنا بالعمل .. أري تقربها من الرجال .. أستمع الي همسات من حولي بالعمل ..والدتك خلقت مني شبحا من نسج يديها .. مسخا لا يستطيع أن يفرق بين حلال وحرام ..منذ جئت للدنيا وقد تغير كل شئ .. بدلا من دعمها لي .. بدأت تبحث عن المال .. تريد ان تأخذ فقط بعد أن كانت تعطي .. هي لم تعد تحبني كالسابق .. ومن حولي للأسف بدأوا بمعايرتي والتهامس حول رجولتي .. من أنت.. ! ابنة من ! أقسم أن أحرق قلبها عليك أروي .. أقسم أني سأذيقها من كأس المرارة .. لتتجرعه عن آخره ..أقسم أن أعلمها كيف تسخر مني وتجعلني أضحوكة للجميع .. جعلت أختي تنبذني وتبتعد عني .. وفي النهاية تود أخبار والدي عنك..كي أعاني بلامال .. بلا طعام .. بلا طموح أو أسم .. لننه الأمر بهدوء أروي .. ساعديني يا صغيرة"
وبيده العارية أخذ يكتم انفاسها .. يده الكبيرة علي فمها وأنفها حتي لا تصرخ وتوقظ زوجته .. أخذت تتحرك بين يديه أستجلابا للهواء .. لم يعطها فرصه .. ظلت تحاول لتحظي بفرصه للحياة لكن يده كانت أقوي من طفولتها البريئة التي أنتهكها وأنتهك حياتها...
------------------------
ما ان أغلق وليد باب المنزل حتي استمع الي سارة تهتف خلف ظهره قائلة
" رحيق ..."
كانت صامته طوال طريق عودتهم سجينه لأفكارها .. لازالت مبهوته مما حدث اليوم
التفت اليها متعجبا
" ماذا بها رحيق ؟"
قالت ساخرة
" حبيبة القلب .."
خفض بصره ليضع مفاتيح سيارته علي الطاولة قائلا
" ماذا تعنين سارة ..؟ "
قالت بغضب لا مثيل له
" رحيق .. كنت تعلم بوجودها من صديقك .. كنت تعلم أنها ستكون هناك .. اليس كذلك ..؟ "
ردد من بين أنفاسه
" ومن سيخبرني بوجودها .. عصام لا يعلم شيئا عن الأمر .. وأنا أيضا لم أكن أعلم أنها قريبة زوجة عصام لقد أخبرني بعد مغادرتهم .. "
أنهي كلماته متوجها لغرفة نومه .. أقتربت مسرعة خلفه وهي تقول صارخة
" أنا لا أصدقك وليد .. أنت لم تتغير ولن تتغير .. لم يغيرك اختطاف ابنتنا .. لم يغيرك بعدها عنا .. أنا لا أنفك عن التفكير بها .. وأنت تدور حول نفسك لتحيي ما كان بينك وبينها .. ألا تعلم أنها تزوجت ؟.. ألا تعلم أنها تحب زوجها ؟.. ألا تغلق هذا الأمر فلا ينقصنا أبوابا أخري تفتح حتي تزيد الفجوة بيننا ..؟ أود أن يكون مولودنا القادم أسعد من جودي .. أود أن يتربي بين والدين متفاهمين .. ألم تكن هذه كلماتك منذ ايام .. ! تبا لك وليد .."
لم تتمالك نفسها والعبرات تنحدر أنهارا علي وجنتيها..
هو لم يكديفرح بطفل جديد لهم حتي نبش الماضي القريب الآن.. سارة لن تصدقه ... أبدا لن تفعل.. أمسك كتفيها بيديه قائلا بصدق
" أقسم أني لم أعلم بحضورها سوي عند رؤيتي زوجها .. وان كنت لا تعلمين .. لقد أتت بصحبة زوجها .. الذي كان سببا في تورم وجهي من ذي قبل لو تذكرين .. وسببا في ضياع هاتفي فقد أخذه أيضا معه ..كيف سأواعدها هناك أمامه ؟ "
أنتبهت الي حديثه عن الهاتف فقالت
" ولماذا يأخذ زوجها هاتفك ...؟"
وجد نفسه يجيب دون تفكير
" لقد صورتها دون حجاب متخففة من ملابسها .. وقد علم زوجها بالأمر .."
جلست علي السرير مصدومة .. بعد أن أنتهي صراخها ومواجهتها الي غرفتهم فقالت
" وكيف علم زوجها؟ "
كان قد بدأ كلامه معها بصراحة متناهيه هو نفسه تعجب منها فأكمل قائلا بأنفعال
"أنا .. أنا من صورها دون حجاب ومتخففه من ملابسها .. أنا من أرسلت الفيديو لزوجها .. أنا من لكمني زوجها في نفس اليوم لأستلامه الفيديو .. واستولي أيضا علي هاتفي ليتخلص من التسجيل .. ولتعلمي أنه هددني اليوم ان رآني ثانية سأكمل ما تبقي من حياتي علي كرسي متحرك .. هل يكفيك هذا الآن ؟"
كانت في حالة صدمه .. متسعة العينين .. هو .. وليد ... زوجها يفعل كل ذلك .. هو غير مؤتمن أو مسؤول لهذه الدرجة .. وأين كانت هي .. تراه منشغل عنها ومتباعد ولم تهتم أن تعيده اليها !.. لم تهتم الا بالمال والمستقبل ظنا منها انها ستفقده عاجلا ام آجلا..وليد الذي تجده ينظر للنساء بلا رادع .. يتفحص أجسادهن .. هو يحب ذلك هي تعلم ... لكن أن يصل به الأمر لهذه الدرجة .. أن يغرر بامرأة ..نظرت للمرآه قبالتها .. أين كانت .. حقا أين كانت ؟.. الهذه الدرجة انشغلت عن بيتها .. ألم يكن هو حبيبها .. ألم تحلم معه بالبيت الذي يجمعهم ويكون لهم أطفال يحملون نفس ملامحهه ..؟ ألم يرسما اسماء اطفالهم في مخيلاتهم ؟.. ان كانت بنت سيسمونها جودي وان كان ولد سيسمونه زيد .. لا .. زيد .. زياد .. أي أسم سيذكرها برحيق من قريب أو من بعيد لن تقترب منه ألم يكن هذا أسم أحد أطفالها ..نظرت لدموعها بالمرآه .. انتبهت لصمته .. كان جالسا امامها علي اريكة صغيرة بغرفة النوم .. مناظرة للسرير .. هي تراه .. تري تغير ملامحه ..وليد الآن يحاسب نفسه .. يخرج ما في جوفه مرة واحده رغبة منه في ازاله الألم .. هل يود بذلك بدء صفحة جديده معها ... أم يطهر ذاته من آثامه ..لم يكن اهتمامها بتسجيل فيديو خاص برحيق لأجلها بل لمستوي التدني الأخلاقي الذي وصل اليه زوجها .. وما يدريها لعله يصور لحظاتهم الخاصه أيضا .. هي تخشاه ..الآن تخشي زوجها ..أزمة ابنتهم واختفائها قرب بينهم من جديد .. جعلتهم يتحدا لايجادها .. جعلهم يتآزرا لتخطي الأمر .. لكن في الحقيقة .. نفوسهم خاوية .. فارغة .. لا تحمل لبعضهما الا كل جفاء ... وخواء...
قالت تمسح عنها دموعها بقوة قائلة بألم
" ولماذا أرسلت الفيديو لزوجها .. هل أردت استعادتها ؟ "
قال وهو علي نفس جلسته الشاردة مرددا كلمات ماجد أمامها
" لا .. بل لأني جبان ..غير مؤتمن ..بل للأمانة لم أكن رجلا "
صدمة أخري تلقتها منه بأعترافه لها .. هل تصرخ الآن بوجهه لما فعل .. أم تتعاطف معه وهي تراه يجلد ذاته ..قالت شاردة ودموعها تجف تدريجيا
" من أنت ؟ .. أنت من احببت .. من تزوجت .. من أنجبت منه جودي قرة عيننا ...أم انت وليد ... الخائن .. الماكر .. الذي لا أعرفه ..أنا أخشي علي حياتنا الخاصة معا ..أصدقني قولا وليد من انت ؟.."
أجاب شاردا
" لاهذا ولا ذاك ..أنا وليد جديد .. يخجل مما فعل بحياته ..منذ انجابك لجودي تباعدت كثيرا عني .. بت لا أراك .. اما معها أو نائمة .. لا تهتمين بي أو ببيتك ..ومن ثم عملك .. لا أعرف هل ألومك أم الوم نفسي .. للآن لم أضع يدي علي سببا للمشكلة .. يبدو أنها لن تحل الآن سارة .. علينا ان نهدأ قليلا .. ونبدأ من جديد .. علينا نسيان ما مضي .. والبدء بحياة جديدة مع طفل جديد .."
قاطعته قائلة
" والطفلة القديمة .. هل سننساها في خضم حياتنا الجديدة .."
نظر اليها قائلا
" لا .. جودي لن ننساها ابدا .. لقد ذهبت للشرطة وقدمت بيانات عن سفر تلك المرأة وزوجها الي كوريا .. وأخبرتهم بما حدث هناك .."
اتسعت عينيها قائلة بسرعة
" وما الذي حدث هناك وليد ؟ "
تفاجئ من سؤالها .. هو للآن لم يخبرها .. قال لها أنه بحث ولم يجد شيئا .. لكنه لم يخبرها عن أمر الفندق والحجز الوهمي ..أخبرها الآن بكل شئ ..وكأنه جدد الأحزان .. ما باله وليد اليوم يريد أن يضنيها ... عاودت البكاء ثانية فأقترب منها ليحتوي غضبها ضاما اياها لصدره قائلا
" لا تبك سارة .. اهدأي لأجل طفلك القادم .. لا تودين فقد جنينك .."
عضت علي شفتيها متألمة مستسلمة لعناقه ... قائلة
" اااه .. لقد تعبت .. ابنتي مفقودة .. وأنت .. أنت وليد .. لا أشعر معك بالأمان .."
انتزعته كلماتها من دفئ عناقه .. تصلب جسده .. وكأنه مسمار جديد في نعش حياتهم .. هو يود الاستمرار .. لكن علي ما يبدو سارة لا تريد ..هل حقا ما فهم أنها تخشي أن يصور لحظاتهم الخاصه .. لا أبدا لن يفعل .. لقد سجل لرحيق تسجيلا مرئيا لأنه يعلم أنها ستمتنع عن فعل ما فعلت مجددا .. أراد توثيقا لصورتها كي يراها وقتما شاء .. لم يكن يخطط لما حدث كله .. حقا لم يكن يخطط .. بل هي خطوة تبعتها عدة خطوات غير محسوب لها...زلة .. تبعتها عده زلات تلتها مشكلات لها وله ليس لها آخر علي ما يبدو ...
هو يود بناء حياة جديدة بصدق .. هو لا يخدعها .. تأثر اليوم بتمسك ماجد بزوجته ..هل حقا سيجعله يجلس علي كرسي متحرك .. هو لم ينس بعد قبضة ماجد الفولاذية التي دعمها الغضب .. بل وأيضا عنصر المفاجأة فلم يتخيل وليد ان يأت اليه ماجد بنفس اليوم .. ولم يتخيل ايضا أخذه للهاتف .. لقد عاني كثيرا في استرداد أرقام موكليه ..وتغيير أرقامه علي لافتة مكتبه .. تبا لك ماجد ..
ورغم ذلك هو لا يكرهه الآن .. فقد كان سيفعل المثل لو أقترب أحدا من زوجته .. سارة .. التي هي بين ذراعيه الآن .. ولا تثق به..
أشتم شعرها بعد أن نزعت حجابها بعد أن عادوا من الخارج ..اخذ يملأ رئتيه من رائحة الورد التي يعبق بها شعرها .. سارة .. لقد كانت حقا سارة علي حياته .. جعلتها كلها سعيده هو لا ينكر .. فمع زواجه منها افتتح مكتبه الصغير .. بدأ اسمه يتداول في عالم المحاماة .. رزقه الله بطفلتهم الاولي جودي دون تأخير ولو لشهر واحد .. فقد حملت بها سارة سريعا...
يحتاج لبعض الوقت لاستعادة ثقته بها كأم .. ويحتاج للكثير من الوقت ليثبت لها تغيره .. سمعها تقول
" أنا خائفة ... "
وبدأت بالانتفاض بين يديه أبعد رأسها عن صدره لينظر الي عينيها متفحصا
" سارة .. هل انت بخير ؟ .."
" أشعر بالبرد "
أغمضت عينيها والدموع تسيل منها دون توقف .. .. وجهها شاحب قليلا .. ساعدها في الاستلقاء علي السرير .. دثرها بالأغطية ..ذهب الي المطبخ ليحضر كوبا دافئا من الحليب .. ثم عاد اليها ليجلسها ويقرب الكوب من شفتيها .. جعلها تشربه رغما عنها ..أعادها كما كانت وتأكد من غطائها .. ذهب الي لمطبخ ليعد لها طعاما خفيفا حسبما يعلم ..
ظلت مستلقية شاردة فيما حدث اليوم ..تحاول ترتيب أفكارها .. مصارحة وليد لها تنم عن صدقه في توبته .. وعن رغبة حقيقية في السير علي الطريق المستقيم .. لقد ركض خلف ابنته خارجا من وطنه ليعود بها لم يبخل بوقته وماله .. لقد ركض خلف أمل زائف وتحمل الكثر في رحلته .. هل حقا مختطفي ابنتها خططوا لما وصل اليه وليد..الأمر يدبر منذ وقت وهي غافلة عما يدور .. هل حقا وليد علم بأمر الحجز الوهمي هذا .. كيف واجهه ؟.. لابد أنه تألم كثيرا .. حين يظن أنه أقترب من ابنته .. وفي النهاية يصدم بالسراب .. يكفيه ذاك العقاب .. لماذا لا تستمع لحديث العقل اذا ؟.. لماذا لا تتخطي الأمر وتبدأ معه من جديد ..رحيق تزوجت ويبدو أن زوجها متمسك بها .. فلماذا تهدم هي بيتها .. لقد انتهي الماضي اذا .. ولنبدأ من جديد.
انتبهت علي صوت ضوضاء آتية من المطبخ .. علمت أنه سيفسد شيئا .. تحاملت علي نفسها لتنهض ...وعندما اقتربت من المطبخ وجدته بحالة مزرية ...شعره الأسود أصبح ابيضا .. رموشة أيضا بيضاء .. وجهه وثيابه .. يا الهي من هذا ؟.. رآها تقترب .. رفع يديه وبوجه آسف قال
" كنت أود المساعدة.. لقد سقط علي كيس الطحين .. لم تضعينه عاليا هكذا ..."
لم تتمالك سارة نفسها من الضحك .. أخذت تضحك بقوة وهو ينظر اليها متعجبا ..
يا الهي .. ما أجملها .. زوجته تضحك .. ضحكتها ضيقت من عينيها الواسعة لترسمهما بشكل خفق له قلبه .. أنفها الأحمر من أثر البكاء كبر قليلا مع ارتفاع خديها .. كانت جميلة .. جميلة جدا.. قال
" ما الذي يضحكك هكذا "
التقطت أنفاسها وهي تمسك موضع جنينها .. وتسحب كرسي من أمام طاولة مطبخها الواسع وتجلس قائلة
" أولا .. ماذا كنت ستصنع بالطحين .. ؟ "
رد وهو ينفض عنه أثر الطحين .. بدأ برأسه .. ثم قميصه .. وحاول مسحه عن وجهه .. قائلا
" كنت أود صنع شطيرة جبن مثلما كنت أراك تصنعيها سابقا .. وثانيا ؟"
اخذت تلوح بكفيها لتبعد الطحين الهائج بالهواء عن أنفها قائلة
" هل هذا طعاما خفيفا تقوم بالعجن والخبز .. كان يكفيني بيض أو مربي .. ثانيا .. هذا ليس طحين .. هذا من مواد البناء .. ولهذا أضعة عاليا بعيدا عن استخداماتي ...كنت ستصنع لنا شطيرة من الاسمنت وليد .."
ثم أكملت ضحكها .. لم يقاطعها ولو بكلمة .. سحب كرسيا هو الآخر وجلس قبالتها .. ظل يتأماها ..بعد أن التقط شعرها بعضا من الاسمنت بالهواء ... ابتسم قليلا .. ثم علت ضحكاته حتي أدمعت عيناه ...بعد أن هدءا .. جذب كرسيه الي جانبها مقتربا من أذنيها قائلا
" ما رأيك ان نأخذ حماما دافئا سويا .. لنزيح أثر الاسمنت عن أجسادنا ..."
كان يهمس بأذنيها .. يتابع مع كلماته لمس خصلات شعرها التي طالها غبار الاسمنت ...فوجئ بها تهمس هي الأخري بأذنه قائلة
" موافقة ..."
----------------------------
فتحت باب الغرفه .. وجدته يجلس أمام النافذة ..الجو بارد .. كان يجلس بثيابه ذاتها .. لم يبدلها هو الآخر الا أنه تخلي عن معطفه .. أقتربت من النافذة لتغلقها .. أمسك بيديها قائلا بصوت علي هاوية الانفجار
" أتركيه .."
جاوبته بهدوء زائف
" الجو باردا .. ستمرض .."
قال ضاغطا علي أسنانه مشددا قبضته علي يديها ... يكاد يكسر أصابعها
" وما شأنك أنت !.. أمرض .. أموت .. لا شأن لك بي .."
ثم نفض يدها بقوة .. موليا اياها ظهره .. تشعر بتسارع أنفاسه غضبا .. تري الغضب بعينيه .. تخشي أن يصفعها مجددا .. تخشي التحدث اليه ..تخشي الهمس جواره فيصرخ بوجهها .. هي بأختصار تخشاه .. طال صمته .. تعلم أن الأفكار تعصف برأسه .. لا تعلم ماذا يتوجب عليها فعله الآن ..وجدت نفسها تقول بقوة
" طلقني ..."
ارتعادة جسده لم تكن أبدا ما توقعته .. جسده انتفض لثانية .. لكن انتفاضته لم تفتها .. اقتربت منه محتضنة ظهره قائلة
" طلقني ما دمت لا تثق بي ... طلقني طالما لم تشعر بي للآن .. أنا احبك ..طلقني لأني أحبك ماجد من كل قلبي ..أرغب بك .. أود بقربك .. أود أن أنام بين ذراعيك ولو لليله وبعدها ... طلقني .."
كانت تتبع كلماتها بلمسات بسيطة علي صدره .. بعد أن اقتربت منه تعانقه من ظهره ولا زالت يديها تتحرك علي صدره في حركات ناعمة .. تهمس
" أحبك ولن أحب أحدا بعدك .. وتوصلت الي أني لم أحب أحدا قبلك .. أحترمتني .. واحتويتني .. أئتمنتني علي بيتك وعلي ولدك .. وأقسم أني لم أخنك أبدا .. أقسم أني بريئة من ظنونك وشكوكك ..أقسم أني لم افرط في شئ من جسدي .. لقد حدث هذا بالخطأ لم أقصد أن يظهر ما شاهدت .. أقسم لك.."
كانت تشهد علي تسارع أنفاسه .. تشهد علي زيادة ضربات قلبه تحت يديها.. هي لم تر وجهه لكنها تشعر بكل خلجاته .. استمعت لمقاطعته لها قائلا
" أصمتي ..."
هو علي الأقل لم يبعدها عنه .. لم يدفعها عنه ..هو مستمتع بقربها .. تري هل يصدقها .. تري هل يشعر بها .. هل يشعر بمدي حبها له .. هل .. هل سيطلقها ..
التفت اليها ببطئ ..تتحول يديها من صدره الي ظهره لم تفلته.. لازالت بنفس القرب .. تود لو تهمس بأذنيه أحبك .. لكنه يفوقها طولا ... وجدته يحملها الي ان وصلا للسرير .. هامسا هو بأذنيها ..
" ولم لا انعم بما قد ينعم به غيري ..ألم يكن اليوم من المخطط أن تري وليد .. ربما تجلسوا .. تتحدثوا سويا .. ربما وددت لو لامسك هكذا .."
وبدأ بملامسات جريئة لجسدها مكملا
" وربما وددت ما هو أكثر رحيق .."
ثم زاد من ملامساته لها ..وهي تبكي .. .. هكذا هو يراها .. عاهرة له ولغيره ..هل يظن أنها كانت علي موعد مع وليد بمنزل عصام .. ولماذا تأخذه معها اذا ؟.. لماذا تأخذ اطفالها .. ؟هل يحمل عقلا .. أم أن الغيرة أعمت عينه عن رؤية الحقائق ..هل تلتمس له العذر وهو ينتهك جسدها .. هو لم يقربها منذ فترة طويلة .. والآن بماذا تصف قربه منها .. ألم تكن ترغب في ذلك منذ لحظات .. ألم تفكر في طفل يجمع بينهما .. ألم تكن ترغب بهدنه من القتال اليومي بينهما ؟..نعم حلمت بكل ذلك لكن ليس بهكذا طريقة .. ماجد الآن يسطر الأحرف الأخيرة بروايتهم .. فهي لن تقبل أن تحيا مع زوجها الذي تحبه .. عاهرة .. يأخذ حقوقة منها مقابل اطعامها .. واطعام أطفالها .. لا .. لن تقبل أبدا .
أنهي أخيرا ما بدأه .. مستلقيا جوارها ..تستمع لأنفاسه الغاضبة ..دثرت نفسها بالغطاء لتوليه ظهرها قائلة بقوة
" طلقني ..."

avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الحادي عشر

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 10:06 pm

الفصل الحادي عشر



" بداية و نهاية "

السماء مليئة بالسحب البيضاء التي تخفي النجوم فوقها .. القمر يظهر من خلفها بهالته الضوئية وليس بدائرته البيضاء ... الرياح شديدة .. ليله تتنافي كثيرا مع نهارها الحار .. ليله مخيفه من ليال شهر مارس .. النهار حار وكأنه الصيف .. و مع حلول الليل تتبدل الاحوال ... ظلت نور تنظر عبر نافذتها الي السماء والدموع تذرف من عينيها بلا توقف .. انه الاسبوع الثاني بعد فراق ابنتها أروي ...
أروي التي استيقظت يومها لتجدها نائمة جوارها وجوار كريم ... أخذت تمسح عن عينيها آثار النوم .. وتتثاءب .. أبعدت الغطاء قليلا لتعتدل من نومها لتصبح بقرب أروي .. قبلتها وأخذت تداعب شعرها .. حركت أنفها علي وجنتة ابنتها عابثة لتوقظها ... موعد العمل قد حان .. موعد حضانتها قد حان .. نظرت الي كريم المستغرق في النوم جوارهن ... كان موليا اياها ظهره وأنفاسه منتظمة ... أخذت تداعب أروي ثانية لم تستجب .. تعجبت كثيرا فمن المعتاد أن توقظها أروي لا العكس... تصعد علي رأسها .. ثم تتوالي بالضربات علي وجهها لتستيقظ نور متأففة من هذه الطريقه ...كانت تقلبها يمينا ويسارا قائلة
" هيا أروي أستيقظي حبيبتي ..."
ثم بدأت توقظ كريم أيضا بيدها الأخري قائلة
" كريم ... هيا لقد تأخرنا ..."
استجاب كريم اليها ملتفتا قائلا
" صباح الخير نور ...لقد أفقت . .."
ثم أزاح عنه الأغطية يهم بالقيام ...قائلا
" سأذهب للحمام وأعد نفسي للعمل .."
دفعت عنها الغطاء تماما وهي تحاول ايقاظ أروي مجددا قائلة
" أروي لا تستيقظ كريم .. لا أعرف ما الأمر ..؟ "
التفت اليها وملامح القلق تبدو علي وجهه .. أمسك بأبنته وأخذ يرفعها قائلا
" هيا يا صغيرة .. تأخرنا .."
لم تستجب أروي .. وجهها شاحبا .. لا نفس يدخل أو يخرج ..هزها بقوة لكنها لا تستجب ... تركها كريم علي السرير جالسا جوارها .. واضعا وجهه بين كفيه متألما... نظرت اليه نور بعدم فهم ...اقتربت من ابنتها جالسه علي ركبتيها أمامها ...اخذت تحركها بعنف علها تستيقظ... اخذت تشد جسدها بقوة علها تفيق .. لكن .. بلا جواب .. بلا حراك ...بلا جدوي ... قالت صارخه
" أروي ...."
ثم توالت اللطمات علي وجهها .. شقت جيدها .. لطمت خديها حتي تورما ... قائلة
" كيف ذلك .. ؟ كيف حدث ذلك ؟ .. لا .. لا أصدق .."
دموع لا تتوقف .. حزن لا ينتهي .. حرقة لا تهدأ .. ثم أظلمت الدنيا حولها .. لم تعد تري .. لم تعد تسمع .. لم تعد تعي وهي تغيب عن الوعي أمام عينيه .. وهو ينظر اليها بألم
ظلت نسمات الهواء تضرب وجنتيها .. برودته تتغلغل داخل أنفاسها بقوة ..ترطب قليلا بعضا من نارها المشتعله من فراق ابنتها ..أقتربت أكثر من النافذة تمسك اطارها بيدها لتعود لذكرياتها...
لم تنس في اليوم الثالث علي فراق أروي ... حيث كانت تتلقي العزاء في ابنتها لم يأت للعزاء الكثير .. جاء زملاؤها في العمل المشتركون بينها وبين كريم ..سما .. التي لم ترها منذ ان تقدمت مع أخيها اليها .. سما لم تر أروي ولو لمرة واحده .. شاهدتها عبر الصور فقط .. والآن جاءت لتقدم العزاء فيها . اخوتها الذين يملؤون المنزل .. و أولادهم .. .. دنيا ابنة أخيها وحافظة أسرارها جوارها ليل نهار لا تكل ولا تمل من الجلوس معها رغم صمتها الدائم ونحيبها الدائم.. كريم أيضا لم يتركها ظل جوارها يهدهدها يعتني بها .. لم يتركها ولو لثانية ..حصل علي اجازة من العمل له ولها .. طوال الثلاثة ايام لم يفارقها حتي ولو بأجراء مكالمة هاتفية لزوجته الأولي .. كانت دنيا خير رفيق في صمتها ... وجدتها يومها تقترب منها قائلة
" اريد التحدث معك عمتي قليلا... دون ان يسمعنا أحد.."
امتثلت لطلب دنيا بسهوله فقد أصبحت كالدمية تنتظر من يحركها ..بلا ارادة .. وبلا حياة ... دخلا سويا الي غرفة أروي ليحظين ببعض الخصوصية ..وجدت دنيا تخرج شيئا من جيبها بعد أن جلستا متقابلتين علي أريكة واسعة بالغرفة وتعطيها اياه .. قائلة
" لم يعد لك الآن سوي عمي كريم .. لا أريد تشويه صورته الآن أمامك عمتي فلم يتبق لك سواه .. أقسم أني لم أسرقهم .. لقد استعرتهم فقط .. كنت ذاهبة لعيد ميلاد ورغبت في التحلي بهذا .."
ثم رفعت اليها خاتما علي شكل ثعبان مرصع بالفصوص اللامعة .. التقطت نفسا عميقا ثم استطردت
" وهذا .."
ثم أمسكت بالخاتم الآخر بين اصبعيها .. خاتم ذهبي ثقيل ملئ بالفصوص التي تحيط بورده ناعمة بالمنتصف مردفة
"أعجبني كثيرا وودت أن أريه لصديقتي فقط .. .. أقسم أني لم أرتده .. وكنت سأعيده بنفس اليوم الا أنك اتهمت عمي كريم وقد أصبح أمر اعادته مستحيلا .."
كانت نور متسعة العينين .. لم تبك .. فقد جفت دموعها ... كانت تري كل شئ حولها صغير ولا قيمة له بعد فراق ابنتها .. ليت دنيا تأخذ كل شئ وتعيد لها ابنتها ...أمسكت نور يد دنيا تغلقها علي الخاتمين قائلة
" هما لك دنيا .. خذيهم لك ..."
ثم وقفت في محاولة للمغادرة مردفة وهي في طريقها للخروج من الغرفة
" لكن بشرط ... أعيدي الي أروي ..."
ثم غادرت تاركة دنيا لعذاب ضميرها ..
رفعت دنيا رأسها تتابع مغادرة عمتها الغرفة .. ثم عادات بنظرها تنظر الي الخاتمين بيديها وهي تعلم أنها غير قادرة علي اعادة أروي الي الحياة .. وتعلم أيضا أنها فقدت فردا مهما بعائلتها .. فردا يحمل أسرارها وتحمل أسراره .. فقدت عمتها التي لن تغفر لها ... لن تغفر لها حقدها علي كريم في ذلك الوقت وهي تشكوه اليها .. كانت عمتها لا تري شيئا سوي سرقة كريم لها التي أرقت عليها حياتها معه .. كانت تراها تعاني ولم تستطع أن تبرر ..فهي لن تغفر لها أبدا فعلتها ..ولم تستطع أن تعيد الخواتم .. ففي المرتين كان كريم هو المتهم .. وهي أبدا لن تخسر عمتها لهذا الأمر في حينها .. فتكتمت علي الأمر وخبأت الخواتم واستمرت في كذبتها ..الا أن عذاب ضميرها بعد وفاة أروي .. بعد أن رأت معاناة أشد وأقوي .. وهي تراها بهذا الضعف ..قررت أن تجعلها تسترد ثقتها بزوجها كاشفه اليها حقيقه اختفاء حليها .. ظلت تنظر اليهم بيديها ثم ذهبت لتعيدهم للمكان الذي أخذتهم منه .. وعندما عادت الي نور بالخارج أخبرتها قائلة
" لقد أعدتهم الي مكانهم .. أنا قطعا لن أستطع أن أعيد أروي فمن يستطيع .. لكني أيضا آسفه لما فعلت .. لم أستطع الكتمان أكثر من ذلك .. أعلم ما قد يكلفني ذلك .. الا أنني لن استطع أن أحيا بعذاب الضمير مدي الحياة .. آسفة .. حقا أنا آسفة"
هي حقا لم تنتوي السرقة .. كانت ستعيدهم ..الا أن المشكلات كانت تتوالي علي حياة عمتها تباعا.. حاولت دنيا اختلاق الأعذار لنفسها غافله عن أن .. الذنب يكمن في العذر
نسمات الهواء تشتد .. وتشتد .. و هي تقف صامدة لا تملك الا الذكريات الآن فبعد مرور أسبوع واحد من وفاة صغيرتها انفض الناس من حولها .. وعاد كلا الي حياته .. هو فقط من بقي .. هو فقط من اعتني بها .. كريم .. حبيبها .. لكم تحبه .. كم ندمت الآن علي أيام ضاعت في الفراق والغضب ...زوجها الذي دعم حزنها رغم حزنه هو الآخر فهي ابنته أيضا ..
تنهدت مفرغة قليلا مما يعتمل به صدرها ..انتبهت للباب يفتح ليدخل كريم الي المنزل .. لحسن الحظ كان يرتدي معطفا طويلا يتناسب مع برودة الليل ..فقد أصبحت تخشي عليه من أي شئ .. أكثر مما تخاف علي حياتها ...فلم يتبق الآن لها الا هو ....عند دخوله اقترب منها يقبل وجنتيها قائلا
" حبيبتي ... كيف حالك ... ؟ الطقس قارص البرودة .. "
ثم انتبه الي النافذة المفتوحة .. فقام بأغلاقها وهي لم تعترض ..نور الآن بين يديه كالعجين .. عليه اعادة تشكيلها .. بعد أن حقق انتقامه منها وتخلص من ابنتها .. عليه الآن أن يجعلها كالخاتم بأصبعه ..
خاصة بعد أن اقتربت منه ذات ليله لتخبره أنها عثرت علي الخواتم التي فقدتها قبلا ..الأمر الذي أعلي من شأنه أمامها دون أن يخطط لذلك .. مقبلة رأسه قائلة
" انا آسفة كريم ..لا أعرف كيف ظلمتك ..حقا آسفة لو كنا بظرف مناسب لطلبت منك أي شئ أفعله لأجلك كي تسامحني .. أما الآن .. فلا أستطيع سوي الاعتذار .."
واتبعت كلامها بدموع حارقة تلهب وجنتيها علي فراق ابنتها ... ما كان منه الا أن احتضنها قائلا
" لا تهتمي حبيبتي .. الأمر بسيط "
ومنذ وقتها وهي تتودد اليه .. دوما تختبئ بين ذراعيه .. وهو لا يمل .. بل يسعد كثيرا بذلك .. هي لم تعد للعمل منذ فراق ابنتها .. لم تمسك هاتفها حتي لتتابع الرسائل علي مواقع التواصل الاجتماعي .. هي بين ذكرياتها الآن .. هو يشعر بالامتنان لها لأنها برأته من السرقة .. لم يسأل كيف عثرت عليهم .. لم يهتم كثيرا بالأمر .. ففضيحته بالعمل لن يمحوها أي شئ فقد انتهي الأمر بوصمته الدائمة بأنه سارق و عديم الرجوله أو النخوة .. يكفيه انتقامه .
لف ذراعيه حولها ليتحرك بها بعيدا عن نافذة الصالة الكبيرة الباردة .. ليأخذها الي غرفة النوم .. هنا سحب ذراعه من حولها ليبدل ملابسه قائلا
"كيف كان يومك ..؟ "
قالت باقتضاب
" بخير .."
لولا كلمات كريم عندما استفاقت من غيبوبتها بعد أن سقطت متأثرة بفراق ابنتها لما كانت قامت لها قائمة ..عندما عادت للدنيا كانت مستلقية علي سرير أروي بغرفتها بعد أن نقلها كريم هناك بعيدا عن جسد ابنتها .. كانت متخشبة الجسد والعقل .. دموع تسقط من عينيها بلا سيطرة منها أو توقف .. تنظر لأعلي صامتة .. هو جاثيا علي الأرض جوارها قريبا من وجهها يده تعبث بشعرها هامسا بأذنها
" نور .. حبيبتي .. اهدأي ..هذا قدرها .. هذا موعد رحيلها .. سيعوضنا الله عنها حبيبتي .. أرض بقضاء الله ليس لنا في انفسنا شئ .. ستكون سببا في دخولك الجنة .. ابك كيفما شئت لكن لا تنوحي لا تشقي جيدك نور .. هذا يؤذيك حبيبتي .. أصبري .. أصبري حبيبتي "
ظل يردد الكلمة بأذنيها حتي أغمضت عينيها ظنها نامت .. ابتعد عنها ليمسك هاتفه ليتصل بأخوتها ليحضروا .. وطلب منهم كفن واشياء تستلزم الغسل .. فقد غسلها بيده ..بعد أن عادت الي الدنيا وانتبهت لما حولها أخبروها أن كريم من غسلها وكفنها بيده .. وغادر بصحبة أخويها الي المسجد للصلاة عليها ثم دفنها
قامت لتعد له الطعام فأمسكها قائلا
" لا ترهقي نفسك نور .. لا بأس سأتدبر الامر "
عادت الي جلستها .. أقترب جوارها بعد أن بدل ثيابه .. هو يحب نظافة بيته .. يحب أهتمامها به .. يحب أن يكون وحده في عالمها بلا شريك .. الآن ليس هناك تهديد من جانبها .. لو أرادت أن تخبر والده بأمر زواجهم فالأمر الآن أخف وطئا.. فلا يوجد طفله تنسبها اليه .... الآن قد يطلقها .. قد يتركها هكذا جواره بلا حول ولا قوة .. الآن هي له بمالها وكيانها .. لن تطلب منه ايجارا أو مصاريف للحضانه ..الآن هي كالدمية بين يديه بلا قوة ولا صوت
----------------------
" كيف حال زوجتك النظيفة بني ؟ "
نظر كريم الي والده قائلا
" بخير أبي .. الأولاد مرضي .. بكتريا المعده كالمعتاد.. حمدا لله "
ابتسم الأب بسخرية قائلا
" هذا أقل شئ يصيبهم من قذارة والدتهم .. هي لا تهتم بالنظافه في أيا من نواحي حياتها .. البيت .. الطعام .. الملابس .. ألم أكن أري بنفسي ؟.."
هكذا دوما والده .. فمنذ زواجه بمني وهو لا يحبها .. خاصة بعد أن مكث عنده أسبوعا كاملا الي أن ينتهي من تجديد شقته .. من وقتها وهو لا يحبها .. رأي قلة نظافتها بكل شئ .. حتي هو نفسه عاني من الآم معدته في ذلك الأسبوع ..ومن هنا الوقت استشعر معاناة ولده مع زوجته .. فهي بلا عقل لا تجيد الحديث .. لا تفقه شيئا بالحياة سوي أسعار الخضروات .. أو النميمة والغيبة علي جيرانها و عائلتها ..
ظهر الامتعاض علي وجه والده الذي يجلس أمامه بالمتجر .. فعلم كريم أنه يتذكر شيئا خاصا بزوجته ..
كان كريم يبيع هاتفا .. سمع والده يقول
" اهتم بصحتك كريم .. وزنك ينخفض بشكل ملحوظ بني .."
ابتسم كريم قائلا لنفسه
" مما أعيش فيه .. "
قال لأبيه
" سأقوم ببعض التحاليل بمعامل تابعة للشركة .. أنا أيضا أشعر بالتعب قليلا .."
قال والده
" كيف حال سما .. أتراها .."
تشاغل بأكسسوارات أمامه..فقد كانت آخر مرة يري سما في عزاء ابنته .. كانت تأتي يوميا خلال الثلاث أيام .. أجابه بعدم أكتراث
" لا أراها كثيرا بسبب انشغالي معك .. لكني اهاتفها يوميا لأطمئن عليها وعلي صغارها "
هز والده رأسه علامة استحسان ما يقوله كريم .. ربت علي كتفه قائلا
" بارك الله لي بكم انتما الاثنان .."
ظل مع والده حتي نهاية اليوم ..تناولا العشاء سويا تلاه الحلوي ثم أعطاه والده المال وهو مغادرا ليشتري لصغاره ما يحتاجون.. أغلق المتجر .. معلنا انتهاء العمل لهذا اليوم..
هذه الليلة عليه أن يذهب لمني .. فهو مقصر في حقها كثيرا .. رغم أنه يسد فاها بالمال .. الا أنه لا يريدها أن تشك بشئ ..فهو يعلم أن زوجة أخيها لا تترك أذنيها فتقذف فيها بالسموم .. وأيضا والدها الذي بدأ يعبث خلفه ليجد دليلا حول زواجة ..فيسأل هذا وذاك من أصدقائه .. فيخبروه أصدقائه ليأخذ حذره ..
هو لا يريد أن يغلق النار من ناحية .. فتفتح عليه من ناحية أخري..ليهنأ بالهدوء ولو قليلا في حياته
ما ان دلف الي المنزل حتي شعر بالأرهاق .. شعر بالدنيا تميد به .. وآخر ما شعر به ارتطام وجهه بالأرض بقوة .
حاول أن يفتح عينيه فلا يري سوي خيالات .. عاد لاغلاقها وفتحها ثانية بقوة .. وجد أمامه مني وسما وزوجها عصام .. نظر حوله وجد محلولا يسير عبر أنبوب دقيق متصل بذراعه ..عقد حاجبيه قائلا
" ما الذي حدث ؟ "
اقتربت منه مني باكية وهي تقول
" لماذا لم تخبرنا أنك مريض سكر كريم ..؟ "
تلقي الصدمة فاتحا فمه ليقول بأستغراب
" ماذا .. سكر ..! انا لم أشكو منه من قبل .."
قالت سما بحزن وهي تجلس علي كرسي جواره
" الطبيب أخبرنا أنك أصبت بغيبوبة سكر نتيجه لارتفاعه .. أخبر مني أن عليه نقلك للمشفي ..تحتاج لعقاقير و تحاليل .. اتصلت بي مني علي الفور وحضرت انا وعصام .. حمد لله علي سلامتك كريم .."
لازال لا يفهم .. هو مريض سكر .. كيف .. هو لم يعان من أي شئ من قبل ولا حتي شعر بالغثيان مره أو بألم في أي جزء منه .. رأي الطبيب يقترب منهم قائلا
" كيف حالك سيد كريم الآن ؟ "
سأل الطبيب متعجبا
" أنا مريض بالسكر .. كيف ؟.."
سأله الطبيب عن بعض الأعراض التي لم ينتبه اليها من قبل .. كان يظن أن الأمر عاديا .. كثرة دخوله للحمام .. نقص وزنه .. احتياجه الدائم للسكر .. ثم تذكر أنه قبل أن يسقط شعر بالارهاق والغثيان أيضا
اقتنع بما قاله الطبيب في النهاية.. لكن مع صدمته من الأمر .. استمع الي الكلام الطبي الذي استرسل به الطبيب محدثا سما وعصام .. ثم التفت اليه قائلا ..
" ماحدث اليوم كان نتيجة تناولك جرعة زائده من السكريات .. عليك أن توازن بين طعامك .. الخضروات أهم الاطعمة .. أنتبه للخبز والارز .."
بعد أن فرغت محاليله التي تحوي الدواء .. قام مع أخته وزوجها ومني مغادرا الي بيته .. القت عليه سما التحية مغادرة تعده بأنها ستزوره غدا ثم همست له
" سأخبر نور بالأمر حتي لا تقلق "
ثم ربتت علي كتفه مغادرة
-----------------------------------------
كانت توقظه كل يوم ليذهب الي عمله .. تقترب من خده تطبع قبله دافئة هامسة بأذنه
" هيا وليد .. استيقظ .. ستتأخر علي عملك .."
ثم تذهب لتعد له افطاره .. كم مر من الوقت وهو يستيقظ وحده .. بل ويفطر خارجا بعد أن تكون هي اما بعملها أو لم تستيقظ بعد .. أما الآن فهو يستمتع بهذا الوقت من الصباح .. يستمتع بأقترابها منه ليشتم رائحة الورد من شعرها القصير ..
رغم حملها الذي تجاوز الثلاثة اشهر الآن .. الا انها لا تقصر بشئ ..يعود من عمله الصباحي .. يجد الغداء معدا ليتناولوه سويا .. هي لم تعد تعمل .. اهتمامها اليومي به وببيتها فقط .. جودي لم تنساها .. بل تخبره كل ليلة قبل نومها أنها تحدثت اليها .. و أخبرتها أنها اشتاقت لها وتختتم كلماتها قائلة
" تري .. هل سنجدها وليد ..؟ "
وتكون اجابته دوما
" نعم "
هو الآن بطريقه الي المكتب .. بعد أن تناول غداءه بصحبتها التي لم يعد يمل منها .. لم يعد ينظر للنساء كذي قبل وانما أقل ليكون صادقا.. فهو يسعي الي أن يكون رجلا لامرأة واحدة .. فقد عاد قلبه الي حب سارة مجددا بعد أن نفض التراب عن قلبه أخيرا .. وتوصل الي أنها تذوب بين أنسجة قلبه الآن .. تخطو نحوه لتحظي به كاملا كما السابق..
وصل الي المكتب .. الذي جلب له سكرتيرا لتسلم القضايا في غيابه .. المكتب استعاد سمعته بعد انهياره أثناء غيابه عنه في وقت بحثه عن جودي ومن قبلها تعلقه برحيق .. هو الآن لا يهتم الا ببيته وزوجته وبناء ذاته ليؤمن لأسرته حياة طيبة.. وليد لا يقبل الا قضايا حقيقية .. يناصر المظلوم .. لا يقبل قضايا المخدرات .. لا يقبل قضايا يشك بكنها ..مع بضعة قضايا تتعلق بأنهاء أوراق أو قضايا غير جنائية ...يري الكثير في مهنته .. يري من يطلقها زوجها ويأخذ صغارها منها في حين أنه سكير .. عربيد ولا يهتم لأمر اطفاله من الأصل .. يري الخائنة المتبجحة التي تريد كل شئ الزوج والمال والأطفال ..يري الأطفال المشردة بين أحقاد وضغائن الوالدين .. يري زوج يقتل زوجته بسبب غياب عقله بالمخدر .. يري الكثير والكثير مما جعله يحمد الله علي ما هو فيه ...جلس علي مكتبه ينظر الي ملف لقضية أمامه .. ولا زال ذهنه شاردا .. رغم فقده لجودي الا أن الله رد له زوجته .. رد لها عقلها .. رغم فقده لجودي الا أن الله أعطاه جنينا آخر ينمو الآن داخل رحم سارة .. رغم أنه انتهك عرض امرأة .. الا أن الله من عليه بالعمل و ازدهر أسم مكتبه .. ظل يفكر .. هكذا هو الله يعطي .. ونحن نعصي ..يكرم ..ونحن نبخل .. يغفر .. ونحن نأثم .. لا نكترث بعقابه .. الا أنه يرحم ..
ارتسمت ابتسامة رضا علي وجهه يستقبل بها عمله يحمل الأمل في كرم وعطاء الله أن يتم نعمته برؤية ابنته جودي ثانية.. لقد مر أربعة أشهر الآن .. ابنته الآن أتمت عامها الأول .. هل تكلمت الآن ؟ .. ما صوتها .. هل بدأت في المشي .. هل أكملت طاقم أسنانها ..؟ ابتسم وليد رغما عنه لتذكره أسنانها الصغيره التي رآها ذات مرة .... هو يشتاق لسماع كلمة بابا من بين شفتيها بصوتها الذي لا يعلمه ..يشتاق لضمها بين ذراعية لينعم بدفئ جسدها الصغير ... لم تعد ذكراها مؤلمة كما كانت .. تغير كل شئ حوله منحه احساسا بالرضا بقضاء الله .. بل ويمنحه الأمل .. ويصر علي أن يصبر ويثق بربه ..لم يعد الشعور مؤلما .. بل آملا ..
فكر قليلا كيف يمكنه أن يهنأ قليلا بصحبة سارة بعيدا عن العمل والأفكار والآلآم .. أخذ يفكر ويفكر .. الي أن توصل الي مفاجأة ستسعد بها ...
مساءا
بعد أن عاد وليد من مكتبه .. وجدها نائمة .. اقترب منها ليوقظها .. لكنهاكانت تغط في نوم عميق ...قرر عدم مفاجأتها اليوم .. ليكن غدا بعد أن يعد للأمر جيدا .. حظي بحمام دافئا واستلقي جوارها في هدوء.
استيقظ صباحا كعادته علي قبلتها ..كانت تهم بالمغادرة لتعد الافطار .. أمسك كفها لتعود جواره ثم اضاءت نورا ضعيفا جوارها ..ابتسمت قائلة
" ما الأمر .. ؟ استيقظت اليوم بسرعة .."
اعتدل ساندا رأسه الي وسادته وما زال يمسك بيدها قائلا
" لا أطيق صبرا لأخبرك .. سأذهب اليوم الي عملي ثم أحصل علي عطلة يومين ..ويومي والجمعة والسبت عطلة رسمية بطبيعة الحال .. ما رأيك أن نسافر بعيدا ..نهنأ براحة وهدوء .. لقد ضجرت من ضغوط العمل ما رأيك ..؟"
كان جوابها أن سقطت بين ذراعيه ..تحتضنه بشده قائلة
" أحتاج لذلك حقا ... شكرا لك وليد .. شكرا لك .."
نسمات الورد هاجمته مجددا.. ماذا تضع زوجته بشعرها لتنعم بهذه الرائحة .. لماذا لم يكن يشتمها من قبل .. أزاحها عن صدره لينظر الي عينيها الواسعة قائلا وهو يملأ عينيه برؤيتها
" ماذا تضعين بشعرك سارة ..؟ رائحة الورد هذه تلهب مشاعري .. تجعلني أريدك كل يوم .. بل كل ثانية .. بل الآن .."
جذبها اليه ثانية فأخذت تضحك قائلة
" لا ليس الآن .. الآن عمل ..سنبدأ اجازتنا غدا وليد .. هيا .."
ثم تركته لتعد الافطار .. بينما هو يزيح الغطاء متأففا وهو يكتم رغبته بها.
عاد من عمله ثم بدل ثيابه متجها نحو مائدة الطعام حيث أعدت له غداء فخما يليق بخبر الاجازة .. جلست جواره وهو يتفرس في شعرها القصير المرفوع من احدي جانبيه ..والي شفتيها الوردية .. تناول كوب العصير مقربا اياه من شفتيها قائلا
" اشربي .. "
كانت تري نظراته لها .. وتعرف ما يريد .. فوليد بطبيعته واضح لا يستطيع اخفاء رغبته بشئ .. قالت
" سأشرب من كأسي "
قال متلهفا
" لا .. من نفس كأسي سارة .. حتي أتلمس موضع شفتيك "
قرب اليها الكوب .. لم تكد تأخذ رشفتها حتي قربه من فمة قائلا
" كم هو مغوي أن ألمس موضع شفاهك أريدك أن تتغلغلي بشرايني سارة .. أحبك .. غاب عنا الكثير في خضم الحياة وأمتلائها بالمتاعب .. لكني حقا أحبك ..تجددي بداخلي مشاعر قديمة لم تكن الا لك .. حبيبتي .. زوجتي .. أميرة قلبي و رفيقتي.. أحبك .."
ابتسمت له متعجبة من هذا الكائن الحساس أمامها .. ابتسمت لرقة تعلم نهايتها جيدا .. سمعته يقول
" هل ننام قليلا .. ؟"
أمسك يديها ليحثها علي القيام فقالت
" ألن نأكل .. ؟ "
حملها عندما عاندته قائلا
" الطعام سينتظر .. أما أنا فلا "
هل محنة اختفاء جودي خلقت منهم أشخاصا جدد ؟.. هل قربتهم من بعضهم البعض بدلا من ابعادهم .. ؟هل رققت مشاعرهم لهذا الحد .. ؟ هو لم ينتظر جوابا لأسئلتها .. حملها مسرعا الي غرفتهم .. ليسأل هو أسئلة أخري تليق بيوم ملئ بالشوق والحب ..
كانت تجلس جواره بالسيارة متجهين الي شرم الشيخ ... هذا الوقت من العام ممتع كثيرا ..ليس باردا ولا حارا .. أمسك يديها وهو يقود ليشعر معها بالمعني الحقيقي للاحتواء والتلاحم الجسدي في كل وقت .. المسافة بعيدة من العاصمة الي شرم الشيخ .. الا أنه أصر أن يسافر بسيارته .. بعد مرور الوقت شعر بتعبها فأرخي كرسي السيارة قليلا .. مرجعا اياه الي الخلف .. قائلا
" استريحي قليلا ...."
اومأت موافقه .. مستسلمة للنوم .. عله يقلل من وقت الرحلة .. .. ظل منتبها للطريق .. لا زال في أوله .. صحراء حوله من كل صوب طريق سريع طويل أرغمه علي الشرود بأفكاره حول الأمس القريب ..حول محبوبته التي ملئت قلبه حبا و عشقا .. شرد حول نعومتها ورائحة الورد التي تفوح منها فتسكره .. الي أن مرت بجواره سيارة مسرعه جذبت انتباهه لشدة سرعتها .. نظر جواره ...لا .. لا .. هو لا يصدق نفسه .. اليسوا هؤلاء جيرانهم .. من اختطفوا جودي .. يا الهي .. أليست هذه جودي ابنته .. مها كبرت ستظل ملامحها ثابتة.. نعم هي ابنته .. انها جودي .. لازال يري السيارة رغم سرعتها وابتعادها عنه .. زاد من سرعة سيارته ليلحق بها .. لم يأبه بسارة النائمة جواره .. لم يهتم بالسرعة الزائدة ..لم يهتم بمن حوله علي الطريق .. لم يهتم الا بأبنته التي خطفت قلبه في أقل من الثانية وعليه أن يستردها بأي شكل كان ليزرعها بين اضلعه
------------------------------
صباحا
بعد ان غادر ماجد الي عمله و أوصلت صغارها الي المدرسة ...قامت بلملمة أغراضها هي وأطفالها .. بل وأغراض زياد أيضا .. هي لن تتركه خلفها وحده علي كل حال ..كان زياد يلعب بغرفته ...لم ير ما تفعل الا عندما عادت لغرفته لتعد أغراضه ...اعتدل قائلا
" ماذا تفعلين امي ..؟ "
تركت ما بيدها لتجلس أمامه .. تحتوي وجهه بين كفيها .. قائلة
" سنمكث قليلا في بيتي زياد .. ألا ترغب في رؤيته ..؟"
ابتسم زياد قائلا
" وأبي .."
قالت مسرعة
" سيلحق بنا ..لا تقلق .."
ثم عادت لتكمل ما بدأته وعند انتهائها طلبت سيارة أجرة لتنقل أغراضها الي بيتها .
دلف أربعتهم الي منزلها بعد أن جلبت صغارها من مدرستهم .. حمدت ربها أنها تعطي المفتاح لسيدة أمينة لتنظف لها المنزل بصفه دورية .. لكانت الآن منشغله بالتنظيف والترتيب... استغرب ولديها كثيرا فسأل أحمد
" ما الأمر أمي .. لما نحن هنا ؟ "
أحتضنته قائله
" سنمكث هنا قليلا .. أنا بحاجة لترتيب أفكاري .."
تركتهم ليبدلو ثيابهم ... وذهبت لتعد لهم الطعام ...
جلس أحمد جوار أخيه بعد أن بدل ثيابه بغرفتهم ... الغرفة تجمع ألعابهم .. تحتوي علي سريرين منفصلين .. لا تحوي أثاثا وانما غرفه للعبهم ونومهم فقط ..فمنزلهم يصغر منزل زياد الواسع بغرفه الثلاثة وصالته الكبيرة ..كان زياد بصحبتهم يلهو بالهاتف عندما سمع أحمد يقول
" يبدو أن هناك خلاف بين والدك وأمي زياد "
ترك زياد الهاتف قائلا
" لقد أخبرتني أمي أن أبي سيلحق بنا "
ابتسم محمد مقتربا من زياد ليأخذ الهاتف من يده قائلا
" يبدو أنك لا تعرف أمي بعد .."
اتصل برقم من هاتف زياد .. وما ان أتاه الرد حتي قال
" مرحبا أبي ..وددت أن أخبرك أننا بشقتنا القديمة .. لقد عدنا اليها "
ثم صمت قليلا .. بعدها أجاب ..
" أمي بالمطبخ تعد لنا الغداء .. وزياد هنا أمامي تريده "
ناول محمد الهاتف الي زياد .. استمع زياد لوالده ثم أجاب
" حاضر يا أبي "
ثم أغلق الهاتف .. كانت تقترب لتخبرهم بأنها أنهت اعداد الطعام ..فأستمعت لما يقولون .. وشاهدت متلصصة ما يفعلون .. اذا فلقد أخبروه أنها بمنزلها .. فوتوا عليها متعة تشتيته في البحث عنهم .. لقد كانت تنتوي أن تغلق هاتفها ..وهاتف زياد .. لكن لا بأس .. لقد علم وانته الأمر .. عليها أن تواجة الأمر .. وتطرق علي الحديد وهو ساخن .
كان الوقت متأخرا ..أطفالها جميعهم امتثلوا الي النوم .. تركتهم جميعهم بغرفه واحده .. ونامت بمفردها في غرفتها القديمة .. لقد بدلت الكثير من الأثاث فلم تعد شقة الزوجية القديمة.. فبدت جديده لا تحوي ذكريات لزوجها السابق ..
كان زواجها منه تقليديا .. لم يجمع بينهم حب أو مشاعر ملتهبه .. تزوجت وأنجبت سريعا .. وانتقل هو بنظام عمله الي المساء .. وأحيانا ما كان يبيت بعمله .. ويأتي نهارا ليحظي بالنوم والراحة .. وكأن الله يرتب لها تحمل المسؤلية حتي وهي متزوجة .. كانت مسؤلة عن كل شئ .. حتي تعب ولديها ليلا .. كانت هي من تذهب بهم الي لطبيب و ان كان الوقت متأخرا..لم يساعدها بتربيتهم أحد .. لا بوجود زوجها ولا بعد وفاته .. ظلت الذكريات تهاجمها ..وهي مستلقيه تنتظر النوم..
تذكرت يوم أجازاته .. كانوا يذهبون برفقته الي بيت عائلته .. وتلقي عذابا في التنظيف والترتيب بحكم صغر سنها .. فلن يخدمها الكبار سواء أخته .. أو زوجة أخيه ..كان ينالها التقريع اذا ما قصرت بشئ أو ان أبدت تعبها من كثرة العمل .. لا تنس أبدا كلمات أخت زوجها
" تتدللين رحيق .. لقد حملنا أثقالا تفوق أعبائك .. فليشتد عودك صغيرتي .. هيا .. أطباق كثيرة تنتظرك بالمطبخ .."
كانت والدة زوجها هي الرحيمه بها .. دوما تدللها .. وتنهر ابنتها لأجلها .. لكنها لم تمكث طويلا فقد توفاها الله سريعا .. لقد تزوجت وبحوزتها مال كثير فهي من عائلة ثريه ..كان لديها ذهبها ومالها الخاص ومحلها الذي ورثته عن أبيها ...تملك شقتها التي هي بها الآن ...لديها كل شئ .. الا الحب .. لا تذكر يوما أنها القت همومها علي زوجها يوما.. أو تذكر له كلمة شكر علي اعتنائها بالصغار .. كان دوما مشغول بين عمله وارضاء عائلته
أما ماجد .. شئ آخر ..تذكرت يوم خرجا سويا مع الصغار .. يوم اهتم بها وأحضر لها مثلجات مثلهم .. تتذكر يوم زواجهم ومنحه لها الحب كما يجب .. حب لم تتعلمه الا علي يديه .. كم كان حنونا معها..وهل تستطيع نسيان صدره ودفئ ذراعيه !.. تذكرت احتوائه لأطفالها وتفهمه لصغر سنهم ..تذكرت يوم حضر أهل زوجها السابق لزيارة ولديها .. تذكرت اهتمامه بها أمامهم.. تذكرت نظرة الحقد بين عيني عمتهم .. وكأنها تستكثر عليها حياة هنيئة.. استمعت لنقر خفيف علي باب شقتها .. قامت مرتديه روبا ثقيلا ليستر جسدها من البرد .. نظرت عبر عينا بالباب .. وجدته.. انه هو .. ماجد.. هل خرج من بين أفكارها .. فتحت الباب مستقبلة اياة برباطة جأش.. فاجأها وهو يمسك بحقيبة كانت خلف ظهره .. نظرت اليه منتظره قوله .. هو أيضا يتفرس ملامحها مضيقا عينيه ..قائلا
" هل لي أن أدخل ؟"
أفسحت له الطريق .. فدخل وأغلق الباب خلفه قائلا
" خرجت من بيتي دون أذن .. حزمت حقائبك .. وحقائب الصغار .. دون أن تهتمي لرأيي ..؟ "
قالت من فوق كتفيها وهي توليه ظهرها
" وما رأيك ..؟ "
جلس علي أقرب كرسي واجهه قائلا
" لماذا لم تحزمي امتعتي معكم ..؟ "
التفتت اليه متعجبة من سخريته قائلة
" هل جئت لتعبث معي .. أنا أريد الطلاق .. وكيف أحزم أمتعتك وأنا أنتوي هجرك ! "
رفع نظره اليها .. قائلا ببرود
" ستهجريني ومعك طفلي .. هل ستقاضيني أيضا لتضمي اليك حضانته رحيق .."
فهمت ما يرمي اليه .. كلماته مقتضبة لكنها تحمل بين طياتها السخرية .. هو يشير الي عدم أحقيتها بزياد ...اذا فلتكشف الأوراق الآن
قالت وهي تتخذ مقعدا يواجهه .. هي الآن لا تخشاه .. هي الآن تحبه ..ولأنها تحبه وجب الطلاق .. لن تحتمل كلمة أخري تحمل معني تفريطها بشرفها وعرضها ..أو تلميحا بسيطا يرمز لزلتها .. هو لا يعلم كم ندمت علي الأمر .. هي من تمسكت بحجابها منذ أن وجب عليها أن ترتديه .. هو لا يعلم كيف تؤنب نفسها كل ليلة علي ما فعلت .. حجابها عفتها الذي لم تتخل عنه يوما ... ندمت كثيرا .. كثيرا جدا ..
ظلت تناظرة قوة وغضبا .. فغضبها منه لم يهدأ بعد .. هو يعاملها كفتاة ليل لا يأبه بما يجتلج قلبها به .. لا يأبه بمشاعرها .. كل ما يريده الأنتقام .. اذا فلتبدأ المعركة
قالت
" ما الذي تحتم علي فعله عندما أود مغادرة منزلك ماجد .. هل أترك زياد بالمنزل وحده .. ام آتي اليك بالعمل وأتركه لك .. أم كان يتوجب علي أن انتظرك حتي تأتي لأخبرك أني سأترك بيتك وأنتقل الي شقتي حتي تطردني أنت بنفسك .. أخبرني بأي الحلول كنت سترضي ...ام آخذه معي وتأتي انت لتسترده ولأعطيك رأيا أخيرا فيما يتعلق بنا وتعطيني ما أرغب.."
استمع لكلماتها بجديه قائلا
" وما رأيك بحياتنا سيدة رحيق..؟"
أجابت بقوة دون مواربه وهي تنظر بعينية .. وعرقا برقبتها يتضخم
" رأيي انها حياة بائسة .. يشك كلا منا في الآخر .."
هل ما سمعته ضحكاته .. نعم هو يضحك .. يجلس أمامها رأسه منسابة الي الخلف من شدة ضحكه .. يا الهي .. هل اخيرا يضحك..و بموقف كهذا .. غمازة وجنته ظهرت .. عينيه تلمع .. أسنانه النظيفة الصغيرة تظهر من بين شفتيه .. شفتيه .. لعقت شفتيها تكتم شوقها اليه .. نظرت الي اللأرض في محاولة لأستعادة سيطرتها قائلة
" نعم .. أنا أيضا أشك بك ماجد .. لماذا تذهب الي هويدا .. لماذا تهتم بها .. تقتطع الوقت من أسرتك لأجلها .. أتظنني لا أري .. أتظنني لا أشعر ..."
ازدادت ضحكاته ..أمسك صدره ليلتقط أنفاسه .. هل هي حقا تشك به .. هو لم يفعل شيئا مشينا مع هويدا .. لا أمامها ولا من خلف ظهرها ..لم يلامسها .. لم يعانقها .. لم يقبلها كمان كان يفعل في صغرهما ..هدأت ضحكاته ثم أخذ يحرك رأسه يمينا ويسارا ليسترد جديته .. تنحنح قائلا
" أبي سيصل غدا الي بيتي .. أنت تعلمين أنه كان مسافرا مع أختي .. هي للعمل .. وهو ليعتني بها ..هما آتون الينا في اجازة .. وكي يباركوا لنا زواجنا .. أظن من الغباء أن أخبرهم بأن حياتنا علي المحك .. ونحن مقبلين علي الطلاق .."
انتبهت لما يرمي اليه .. فقالت
" اذا أنت تريدني أمثل أمام عائلتك اننا زوجان سعيدان .. ينقصنا عصافير ترفرف فوق رؤسنا بسعادة .."
قال بأقتضاب وقد قام واقفا يتجول بالمنزل
" نعم .. هذا ما أريد .."
" وما الذي يضمن لي عدم اقترابك مني ؟ "
" أقسم أني لن اقربك رحيق "
جلست تفكر في الأم قليلا
" موافقة بشرط واحد "
" ستنالين طلبك .. الطلاق "
انتفضت لسماعها الكلمة بصوته المحبب .. تجرعت حزنها في صمت قائلة
" ولم أنت هنا بحقيبة ملابسك ؟ "
كان قد وصل لغرفة الاطفال فتحها ليطمئن عليهم .. ألقي نظرة خاطفه .. نظرة سعيدة و هو يجد زياد ينام بين ولديها والاثنان يحتضنونه .. أغلق الباب بهدوء ملتفتا اليها وما زالت تجلس مكانها
" أنا هنا بحقيبتي لأنني سأترك شقتي لأبي وأختي لينعموا بالخصوصية .."
ثم غمز بعينيه لها في نظرة أذابت عظامها
" وكذلك نحن .. "
ابتلعت ريقها .. ما باله اليوم رقيق هكذا .. ماباله اليوم يبدو كمن يريد اللهو .. وهل ستتنازل هي عن طلبها للطلاق لمجرد ضحكة .. أو رقة معاملته .. أو لأجل غمازته .. قطعا لا لقد أهانها وأهدر كرامتها .. ألم يقسم منذ قليل أنه لن يقربها ؟
أمسك حقيبته متجها نحو غرفة نومها .. وجد حقيبتها بركن بالغرفة يبدو أنها لم تفرغ متاعها للآن .. أقترب من خزانة الملابس ليرتب ملابسه فقالت عابسة
" هل أعد لك طعاما ..؟ "
قال وهو يرتب ثيابه
" لا .. فالمسرحية لم تبدأ بعد .. انتظري للغد وأبدعي في التمثيل رحيق .."
اذا هو يريدها أن تمثل .. فليكن .. لتنعم قليلا بقربه قبل أن تنفصل عنه .. هي تحب .. تحب كل جزء من وجهه .. من جسده .. تحب التفاتته .. تحب صوته ..لكن الفراق محتوم ماجد .. الفراق محتوم ..
" لقد اطمئننت علي الصغار نهارا .. لقد أخبرني محمد بوجودكم هنا "
انتهي من ترتيب ثيابه في الخزانة مقتربا منها
" تفكرين بالهرب مني ومعك ولدي .. يؤثرني ذكائك رحيق "
" بم أخبرت زياد عندما تحدثت اليه ؟ "
علم أنها استمعت لحديث الصغار فقال هامسا بأذنيها
" أستمع الي كلام ماما أنا آت اليكم "
ثم ابتعد عنها ليعد نفسه للنوم
احتارت بين سخريته وبين همسه .. أنفاسه الدافئة قرب أذنيها اججت شوقها له .. ابتلعت ريقها ثم توجهت الي سريرها لتنهي هذا اليوم الشاق
نام جوارها مبتعدا عنها .. فهو لا يحتمل لهيب جسدها ..هي بالنسبة اليه نارا .. ان اقترب منها احترق .. وان ابتعد عنها مات بردا...
ظل يفكر بعودة والده .. هو لم يره منذ آخر اجازة له منذ ما يقرب من عامين ..قبل وفاة حنان .. هو لم يحضر للعزاء .. لم يحضر عند زواجه من رحيق .. بل تلقي اتصالا هاتفيا منه بكلمات مقتضبه
" البقاء لله "
" مبارك الزواج "
الأولي عند وفاة حنان .. والثانية عند زواجه برحق ...بين الحنان والرحيق ضاع عمره ..بين رقة حنان ونعومتها ..بين قوة رحيق وجرأتها ..شتان بين الاثنتين ..كيف يقارن بينهن ..ولم يقارن من الاساس ! .. لكلا منهما كيان مختلف عن الأخري ..رحيق تشده اليها بطريقة مختلفه هو لا يعلمها .. يؤلمه ما فعلت .. يؤرق عليه نومه .. لكنه لا يستطيع الابتعاد عنها فعندما واجهته برغبتها في الطلاق أظلمت الدنيا أمامه .. أراد أن يدمغها بختمه حتي لا تضيع منه .. كان أعمي في غضبة .. لم يستطع السيطرة علي ذاته وخاصة بعد مواجة وليد .. لقد انهكته هذه المواجهة حقا .. صامدة اذا رحيق وقبلتي بالعرض .. اذا فلنمرح قليلا.. فلتريني صمودك أمام والدي ..فلنر رحيق .. كيف ستجابهين جفاء أبي


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثاني عشر

مُساهمة  هالة حمدي في الخميس سبتمبر 27, 2018 10:08 pm

الفصل الثاني عشر



" عمل و جزاء "

الشمس تتوسط السماء .. الطقس دافئ .. وقف خارجا في المطار ينتظر والده وأخته ..اليوم موعد وصولهم الي القاهرة وعليه استقبالهم .. أتفق مع رحيق أن تذهب الي منزله لتعد طعام يليق بأستقبال والده ..
والده الذي لا يعجبه شئ .. ولا يرضي عن أي شئ .. و أخته التي قررت السفر بعد زواجه من حنان .. بعد أن شعرت بضرورة سفرها الي السعودية مثل صديقاتها ففرص العمل لها هناك أفضل .. كانت تشهد علي نجاحهن فأرادت أن تكون مثلهن .. وهكذا أقنعت والدها بالسفر وهي تعده أن جل راتبها الشهري سيكون بين يديه .. فوافق والدها علي الفور .
سافرا سويا ... ومر عليهم وقت طويل هناك .. كان يرسل الصور لأخته بأنتظام لتتابع مراحل نمو زياد .. وقت وفاة حنان أعربت أخته عن انشغالها بينما والده لم يهتم بالتبرير .. فهو لا يهتم الا بنفسه والمال فقط .
لمح وجه أخته سمر من بعيد .. رآها تقترب مع والده بنفس ملامحها البريئة .. لم تتغير ابتسامتها الشقية .. وجنتيها الناعمتين الورديتين دون تزيين .. حجابها الأنيق دوما تجيد أختيار الألوان .. ابتسم لها بسعادة ما ان التحمت عيناهما سويا .. رآها تركض سريعا الي أن أصبحت بين يديه فرفعها عن الأرض وأخذ يدور بها قائلا بمرح
" اشتقت اليك حبيبتي .."
أنهي لفته الخامسة ربما ..ثم أنزلها أرضا ملتفتا الي والده .. بتعابير مختلفه .. بملامح أكثر رصانة مصافحا اياه قائلا
" مرحبا أبي .."
هكذا دون عناق .. دون قبلات .. سلام جاف وكأنه كان ملاصقا له طوال السنوات الماضية..جفاء متبادل من الطرفين .. ثم أشار ماجد الي الأمام قائلا
" تفضلا.."
هبطوا جميعهم من السيارة الأجرة أمام البناية التي يقطن بها ماجد ..أحاط سمر بذراعيه قائلا
" أعلم أنك تضورين جوعا .. ستحظين اليوم بطعام لم تأكلي مثله في حياتك.."
قالت وهي تمشي جواره ..
" ألا زلت تسكن بالخامس ماجد .. يبدو أن صعودي لمنزلك هو ما سيتسبب بجوعي.."
بدأوا بالصعود .. الي أن وصلوا الي الشقة .. فتح الباب .. كان بأستقباله الأطفال .. أحمد أعتلي صدره ومحمد أمسك قدمه اليسري .. وزياد بالقدم الأخري..
ظل يمشي هكذا متجها الي الداخل قائلا بصوت مرتفع
" رحيق .. أين أنتي ؟ ...تفضلي سمر .. تفضل أبي .."
خرجت رحيق من المطبخ بوجه مزين بنعومة .. شعر مرتب مرفوع كذيل حصان يبرز وجنتيها الناعمتين .. ويزيد عينيها اتساعا .. ترتدي عباءة طويلة بأكمام ضيقة حتي الكوع و تنتهي باتساع.. جلبابا مطرزا ناعما باللون الاحمر .. مطرزا بالخرز الاخضر والازق .. عباءة تظهر تناسق جسدها الجميل الذي لم يتأثر بولادة طفلين من قبل ...نظر اليها نظرة مطولة .. يملأعينيه من جمالها .. رآها تتقدم الي سمر تحييها وتقبل وجنتيها مرحبه بها قائله
" أهلا سمر .. شرفت برؤيتك .. ماجد ظلمك بوصفه لك .. أنت أحلي بكثير .."
أستمع ماجد الي كلمات رحيق محدثا نفسه ساخرا
" أنا وصفت لها سمر .. هي لم تعرف أسمها الا اليوم صباحا .. هل ستصبح صديقة لسمر علي حسابي .."
جلس ثم بدأ في ازاحة الأطفال عنه ..
تقدمت رحيق لتحيي والده .. والده المنشغل بالنظر الي الأطفال .. لا يعرف أيا منهم زياد..ذهبت رحيق الي والده وهي تمد يديها لترحب به سمعته يقول
" متي أنجبت هؤلاء ماجد ...؟ "
تنحنحت رحيق لتلفت انتباهه لها قائلة
" انهم أطفالي أنا عمي .. أحمد ومحمد .. مرحبا بك .."
نظر ليدها الممدودة .. ولوجهها البشوش .. ابتسامتها تصل لأذنيها حدث نفسه
" من هذه البلهاء التي ابتلانا بها ابنه ..؟ "
بعد وقت مد والد ماجد يده ليصافحها قائلا وهو ينظر لعينيها في تحد واضح
" لم تخبرنا أن زوجتك لديها اطفال..!"
توجه ماجد نحو والده بصحبة الأطفال الثلاثة ...منحنيا الي والده حيث يجلس قائلا
" هل تعرف أيا منهم زياد .. ابني .. ؟"
تلعثم والده مشيرا الي أحدهم قائلا
" هذا ..."
ابتسم ماجد بسخرية معتدلا في وقفته وهو يقول
" أقترب يا زياد .. رحب بجدك .."
أقترب منه طفل آخر غير الذي أشار اليه ..أخذ يقبل وجنته في هدوء قائلا
" مرحبا جدي .."
ثم غادر سريعا بصحبة الأطفال .. نظر ماجد وسمر الي زياد الذي أختفي .. ثم انتقلا بأنظارهم الي والدهم ..قال ماجد
" ما دمت لا تفرق بين ابني من غيره .. فلتعتبرهم كلهم أطفالي أبي .. رحيق أعدي الغداء .. أستأذنكم سأصلي العصر وألحق بكم ..البيت بيتكم"
وقبل أن يغادر أقترب من سمر قائلا
" اذهبي اليه سمر اغمريه بحنانك قليلا .. هو بحاجة اليك.."
تأثرت سمر كثيرا بكلمات ماجد .. زياد ابن أخيها يحتاجها .. وأين كانت هي عندما توفت والدته .. هي تذكر جيدا كلمات والدها
" لن تترك عملك هنا لتذهبي اليه .. أخيك رجل شارف الأربعين .. عليه تحمل مسؤولياته .. أنتم أيضا توفت والدتكم .. ماذا فعلت .. تحملت مسؤوليتكم واهتتمت بكم .. لن أسمح لكي بترك عملك للنزول الي العاصمة .. فقطعا شركتك لن تسمح لك بأجازة كبيرة تتطلب وجودك جوار ابن أخيك .."
وامتثلت لأمر والدها .. رغم الفارق فوالدتها توفت وهم كبار لم يكونو بعمر الصغير زياد .. كان يمكنها الاعتراض لكنها كانت بين خيارين كلاهما مر .. اما أن تذهب للعاصمة وتفصل من عملها .. أو أن تظل هنا بعيده عن أخيها .. وعن زياد الذي يحتاجها مقابل العمل والمال.. في النهاية وجدت كلام والدها هو الأصوب .. وهكذا فعلت ..لكن الآن بعد أن رأت زياد الآن .. حيا .. ليس صوره تتلقاها بأنتظام من أخيها .. قد لا يلتفت اليها والدها ليراها..شعرت بأنه قد فاتها الكثير
سمعت رحيق كلمات ماجد .. شعرت بحنقه علي والده ..هي أيضا لم تشعر بالراحة لهذا الرجل .. رجل جاف .. نوعية لم تمر عليها من قبل .. كيف تتحمله سمر .. بعد مغادرة ماجد جذبت رحيق سمر من يديها متوجهه لغرفة الصغار حيث تجمعهم .. عرفتها بأولادها .. وجعلتها تتجاذب أطراف الحديث مع زياد قائلة
" زيزو حبيبي .. هذه عمتك سمر الجميلة .. "
ثم همست بأذنه
" ألا تراها جميلة ! "
أومأ زياد مجيببا بنعم فقالت رحيق
" ألا تستحق قبله كبيرة وعناقا حارا .. لقد أتت خصيصا لتراك ؟ "
استمع زياد لكلمات رحيق فذهب الي سمر التي تفتح ذراعيها مبتسمة لتتلقفه بحب .. أخذت تقبله .. وتدغدغه .. وتلاطفه .. حتي هجم عليها محمد وأحمد ليتناوبوا عليها .. تركتهم رحيق مغادرة لتعد السفرة .. كانت في طريقها الي المطبخ حتي أستوقفها والد ماجد قائلا
" أنتظري .."
التفتت اليه رحيق بأبتسامة لم تفارق وجهها
" تحتاج الي شئ عمي ..! "
ابتسم بسخرية متفحصا اياها في نظرات تعلو وتهبط تقليلا من شأنها قائلا
" كيف أختارك ماجد ..؟ "
أجابت دون أن تخفت ابتسامتها
" عليك بسؤاله هو ؟ ..أستميحك عذرا .. لابد أنك جائع .. أنت آت من سفر طويل و ماجد علي وشك الصعود .. سأحضر المائدة .."
ثم تركته لتذهب الي المطبخ .. خللت أصابعها بين خصلات شعرها المرفوع في علامة علي تضجرها .. أخذت تفرغ محتويات الأواني في الصحون .. وتخرج الي المائدة لتضعها .. ثم تعود مجددا وهكذا .. تبقي آخر صحن همت بالخروج لتضعه فوجدته أمامها ..فقالت من بين أسنانها
" والدك لا يطاق .. يسألني عن تعارفنا .. خذ.. ضع هذا خارجا ..سأحضر الماء.."
تناول منها الصحن قائلا
" لا تنسي اتفاقنا سيدة رحيق..! اهدأي قليلا"
خرجا سويا .. هي بالماء وهو يحمل باقي الطعام ..لم يسلم من نقد والده اللاذع
" هل تغسل الأطباق أيضا ماجد ..؟ "
أجاب ماجد وهو يضع الصحن علي المائدة .. ويسحب كرسيا لرحيق كي تجلس جواره قائلا
" بل أغسل .. وأمسح .. أنت لم تر شيئا بعد "
كان يرد لوالده كلماته .. وكأن بينهم ثأر هي لا تعلمه.. صاح ماجد بصوت مرتفع ينادي علي سمر والاطفال .. جلس الجميع حول الطعام .. الطعام شهي .. يكفي أسرة أخري معهم ..
لم ينبس أحدهم بكلمة أثناء الغداء .. كان غداءا باردا جافا .. لا يحمل أيا من العواطف الاسرية .. والده فرض سطوته علي البيت منذ دخوله .. ظل ماجد ينظر الي سمر التي تجلس جواره من اليسار .. يغمز لها حينا .. يبتسم لها حينا آخر .. يقرب منها الطعام .. بينما رحيق تجلس علي يمينه .. تأكل بحياء .. تهتم بالصغار جوارها .. داعب ماجد شعرها مقبلا يدها .. بعد ن انتهوا من غدائهم .. قامت سمر مع رحيق لتساعدها الا أن رحيق أصرت علي أنها قادمة من سفر ولا يليق ما تفعل ..كانت لا تزال سمر بحجابها وثيابها وهكذا والده .. بعد أن انتهت من أعمال المنزل وترتيب السفرة والمطبخ .. خرجت رحيق وقد أرتدت حجابها قائلة
" علينا المغادرة ماجد .. لنتركهم يرتاحوا قليلا .. ستزورونا غدا .. الغداء عندنا ان شاء الله"
قام ماجد قائلا
" البيت بيتكم كما تعلمون .. سنغادر الي شقة رحيق أنا و الصغار لتأخذوا راحتكم .. سأمر عليكم غدا لأصطحبكم الي بيت رحيق للغداء.. طالما الأميرة أمرت .. لا راد لأمرها .. "
كان يتحدث وهو ينظر الي عمق عينيها برقة خلابة .. ثم أقترب من سمر مقبلا رأسها قائلا
" ان احجتجت لشئ .. هاتفيني .. الي اللقاء"
ترك الأولاد ينهالوا علي سمر بالقبلات بينما سلموا علي والده بجفاء .. كما عاملهم بجفاء .
غادر المنزل مع أسرته متوجهين الي منزل رحيق..
ما ان انفردا ببعضهما بغرفتهم .. بدأت بنزع حجابها .. سمعته يقول
" أبليت حسنا اليوم "
قالت دون أن تنظر اليه
" أدعو الله أن أكمل دوري علي خير .. والدك غريب الاطوار .."
ابتسم وهو يري تأففها من أول يوم لها في مواجهة والده .. حدث نفسه قائلا
" تتأففي و لم يمر سوي يوم واحد .."
تركها تبدل ثيابها وهو ينظر اليها .. يستمتع بالنظر اليها حقا كان جالسا علي السرير بثيابه التي لم يبدلها بعد .. يراقب نزع حجابها بكسل .. راقب انسدال شعرها..شاهدها وهي تنزع جلبابها وترتدي آخر يناسب النوم ابتلع ريقه عندما رآها تنهي ما تفعل .. توجهت الي السرير قائلة
" كان يوما شاقا .. لم أعد لوليمة كهذه من زمن .."
قال وهو ينزع قميصه
" منذ متي ؟ "
أخذت ترتب الغطاء حولها ..قائلة
" منذ وفاة والدة زوجي السابق .. كنت مسئولة عن كل شئ .. فالصغير دوما من يخدم الكبير .. وقد كنت نعم الخادمة .."
استشعر المرارة في صوتها .. هل كانت تقوم بدور الخادمة !أنهي ارتدائة لملابس النوم ..أقترب من السرير ..جلس جوارها بينما مددت هي جسدها في تعب .. سمعها تقول
" والدك حاد الطباع .. أشعر بشئ بينكما .. هل ..؟ "
قاطعها قائلا
" نامي رحيق.."
قالت مسرعة بغضب
" سأنام .. لكن غدا لا أريد أي مساس جسدي بيني وبينك .. لا تلمسني .. لا تضع يدك علي شعري .. أرجوك ساعدني حتي ننه الأمر بهدوء"
ثم امتثلت لأمره في أقل من دقيقه .. فقد تعبت اليوم حقا .. ذهبت بالاولاد الي المدرسة ..ثم ذهبت الي السوق لتحضير لوازم الوليمة هي وزياد صباحا .. ثم أخذت تعد الاصناف واحدا تلو الآخر ..حتي حان موعد جلب ولديها من المدرسة .. لتعود بهم الي المنزل وتكمل ما بدأت من اعداد الطعام .. ثم لملمة الاطباق وغسيلها كلها .. لتترك المطبخ لامعا لسمر ..
تهادي الي سمعة صوت أنين ناعم من بين شفتيها .. لم يستطع منع يده من الأقتراب من شعرها ..ناعم هو .. ينافس الليل في سواده .. مرر يده علي وجنتيها التي تماثل شعرها نعومة ..طالما ستمنع لمسه لها وهي مستيقظة .. اذا لا مانع من لمسه الآن.. يعلم أنها تعبت اليوم كثيرا ..هل ما فعلته اليوم من اجل مسرحيتهم .. أم من أجله هو.. ؟ نعم .. هي تحبه .. يعلم ذلك .. لقد اعترفت له بحبها قبلا .. لم تقلها مرة .. بل ظلت ترددها علي مسامعة مرارا .. كان يشعر بها .. يشعر بأقترابها منه .. يشعر بتوددها اليه .. تهتم بالبيت ونظافته .. تهتم بأطفالها ودراستهم .. بل وتهتم به هو أيضا .. والأهم من هذا كله .. تهتم بزياد .. لا يمكن أن يفرط بها .. لقد تعلق قلب الصغير بها .. من أين سيحصل علي أما كرحيق لولده الذي أحبها من كل قلبه .. هي من أحتوت مرضه .. أحتوت ألمه .. هي من نطق ولده أخيرا علي يديها .. لن يخاطر بأستقرار حياة زياد أبدا من أجل أي شئ .. حتي لو كان هذا الشئ تخليها عن بعضا من مبادئها .. لا يستطيع أن يغفر لها حقا .. هو رجل يغار بشده علي ما يخصه ... سأل نفسه " وهل رحيق تخصك ؟ "
" نعم أليست زوجتي .. ؟ "
رآها تغير وضعية نومها .. ظل ينظر اليها .. لم يطفئ النور بعد .. ما ان طلب منها النوم حتي نامت .. وكأنه القي عليها تعويذة فأغمضت عينيها علي الفور ..
انتقل بتفكيره الي والده .. والده الذي كان سببا في كرهه لذاته و للزواج وهو بالخامسة والعشرون من عمره .. فقد أحب أخت صديقه .. وبدأ في الحديث معها دون علم أخيها .. كان يعدها بالزواج وقد كان صادقا .. وعندما اخبر والده برغبته في الزواج كان رده
" من هذه الفتاه .. ابنة من .. ماذا تملك .. أخت صديقك العاطل الذي تبحثان سويا عن عمل .. من أين ستنفق عليها .. متي ستجد عملا لك ؟ .. ان رزقكك الله بطفل كيف ستربيه .. ؟ .."
هو لا ينكر أن مع والده كل الحق في رأيه لكن ما فعله هو ما دمر كل شئ ..هاتف والده صديقه مخبرا اياه بما يحدث خلف ظهره .. أخبره أن ولده يحب أخته و أنهم يتواعدا سرا و أن ولده يصادقه لأجل أخته ..فما كان من صديقة الا أن قطع علاقته به ثم عنف أخته وقام بضربها لأنها خانت ثقته بها وثقه والديها فيها .
لم يهتم والده لسمعة الفتاة .. لم يهتم لكذبه الذي تسبب في اهانة أخيها لها ..لم يهتم بضرب الفتاة .. هو لم يهتم لاي شئ ..ومنذ ذلك الوقت أدرك ماجد صفات والده جيدا .. هو يبحث عن المادة .. والمظاهر التي تخدع كثيرا .
أغلق الضوء .. مستلقيا جوار رحيق .. مستسلما للنوم هو الآخر .
في اليوم التالي
عندما عاد من عمله ذهب الي منزله ليحضر والده واخته سمر ليتناولوا الطعام معهم... ما ان دلفوا الي شقة رحيق حتي سمع والده يقول له
" كم ايجار شقة كهذه ماجد ؟ "
أجاب ماجد وهو يعلم ما يرمي اليه والده
" هي ملك رحيق أبي .. ليست ايجار .."
لمعت عيني والده طمعا وابتسامة واسعة تعلو ثغره
بعد أن تناولو الغداء انتبهو الي رنين الجرس .. قامت رحيق لتفتح الباب .. أشار اليها ماجد بالتوقف قائلا
" أنا سأفتح.."
ذهبت لترتدي حجابها .. لابد أنه والد سما .. عم أولادها .. اتصل بها منذ قليل يخبرها أنه قادم ليعطيها ايجار متجرها.. فاعتذرت بسبب انشغالها مع أهل ماجد .. فأصر علي القدوم ليرحب بهم
سمعت ماجد يرحب به مفسحا له الطريق قائلا
" تفضل عمي .."
رغم صغر سن رحيق وزوجها رحمه الله .. الا أن أخ زوجها كبير .. والد سما تعدي الستون بقليل .. كان يجب احترامه فهي تلقبه مثل ولديها بعمي ..
قالت مرحبة ..
" اهلا عمي تفضل "
رحب والد سما بالجميع .. بينما أحمد ومحمد اعتلوا قدميه بحب .. حتي زياد فعل مثلهم .. و والد سما يداعبهم بسعادة معطيا اياهم حلواهم المفضلة ..راقب ماجد المشهد مبتسما .. بينما يفكر لماذا لم يفعل زياد مع والده المثل .. هو يعلم جيدا قدر جفاء والده .. فهو نفسه لم يحظ بالتدليل الكافي في طفولته.. وازداد تباعدهم في شبابه بعد حبه لأخت صديقه .. وصار التباعد أكثر بعد وفاة والدته فقد باتت الصدامات وقتها مباشرة بلا وسيط لتهدئتهم .. مسح وجهه بيده ..منهيا أفكاره التي لا رادع لها .
أخرج والد سما ظرفا به مال مقدما اياه الي رحيق قائلا
" تفضلي ابنتي .. ايجار متجرك .. لقد كان فاتحة خير علي وعلي ولدي .."
أخذت منه رحيق المال بخجل قائلة
" المكان مكانك عمي .. شكرا لك .."
ابتسم والد سما وبعد أن أنهي قهوته سلم علي الجميع مغادرا .
ظل والد ماجد ينظر اليها بنظرات متفحصة مهتمة .. لم ينس ما سمعه بالامس من ماجد عن ذهابهم الي منزل رحيق .. ظل طوال الليل يفكر هل هي ملكها أم تستأجرها .. اليوم علم أنها ملكها .. وعلم أن لديها متجرا تأخذ ايجاره شهريا .. ظل يفكر ..ماذا تملكين أيضا رحيق
لم يفت ماجد نظرات والده .. هو يعلم الآن بما يفكر فيه والده .. وهو بأنتظار أن يفصح عن أفكاره ليتلاقاها هو .. بل ويحطمها...
--------------------
" طمئنيني سما .. هل هو بخير حقا ..؟ "
صوت نور المتلهف أربكها فأخبرتها بما حدث لكريم بداية منذ سقوطة نهاية الي وصوله لبيته بسلام .. صوت نور كان مختلفا كثيرا عن محادثتهم العادية .. قبلا كانت واثقه من ذاتها تتحدث بحدود ومسافات.. بعد وفاة أروي حين ذهبت للعزاء شعرت بالحدود تزداد بينهما والمسافات تتسع .. الآن صوت نور يلغي كل المسافات والحدود وهي تترجاها طلبا لمعرفة حقيقة ما حدث لكريم .. استشعرت بصوتها حبا تكنه لأخيها .. استشعرت جرح نور العميق بفقدانها ابنتها .. فقد تحول كل اهتمامها وحبها الي كريم .. خشيت عليها سما .. صارت تهدئها مخبرة اياها أن الأمر بسيط مع الاهتمام بالدواء والعناية بطعامه لن يتكررما حدث ثانية ...هدأت نور كثيرا بعد محادثة سما ..
بعد أن أغلقت الهاتف ظلت نور تفكر .. هل تهاتفه .. هل تطمئن عليه .. لقد حذرها منذ زواجهم بألا تتصل به أبدا وهو ببيت مني .. ظلت ممسكة بهاتفها تفكر .. حسمت أمرها و تركت الهاتف أخيرا .. ستعود لعملها غدا .. ربما تلقاه .
استقبلها زملاؤها استقبالا حافلا ليهونوا عنها مصابها .. ظلت تبحث عنه بين وجوههم ..وجة كريم المحبب بسماحة وجهه وطوله الفارع وأناقة ملبسه .. لم تجده.. لم يحضر اليوم الي العمل .. ظلت صامته متألمة مازال جرح فقدانها أروي رطبا كي تجرح بآخر .. كريم مريض بالسكر .. مرض مزمن .. لا يشفي منه أحد.. يتطلب الانتظام بكل شئ .. وكريم لا يحب الانتظام علي أي شئ .. ظلت تفكر .. هل تهتم به مني .. هل أعطته دواءه في وقته .. هل أعدت له طعاما يتناسب مع حالته ؟ .. ظلت تفكر طوال وقت العمل .. حتي انتهي بها اليوم بشقتها وحيدة .. بلا ابنه ... ولا زوج .
بعد أن عاد اليها ليلا استقبلته بالعناق والقبلات واضعه يديها عي صدره قائلة
" كيف حالك الآن .."
" بخير حمدا لله .."
قالت وهي تملأ عينيها من رؤيته
" كدت أجن كريم .. أنا هنا مكتفة الأيدي .. لا أعرف عنك شئ .. لولا سما طمئنتني قليلا لكنت أتيت اليك بنفسي"
انزعج من كلماتها فقال غاضبا
" تأتين الي أين .. لا تفكري هكذا ثانية .. مهما حدث في النهاية سآتي اليك .."
ضمته اليها قائلة
" أنا أحبك كريم .."
قبلت رأسه مكملة
" لم يعد لي سواك .. كن بصحة جيدة لأجلي "
أغمض عينيه مبتسما وهو يقول
" سأحافظ علي نفسي لأجلك .. لأجلك فقط .."
ذهبت لتعد له عشاء صحيا .. وهي تشعر بالخوف المرضي عليه .. رفض تناول الطعام فهو بحاجة الي النوم .. فقط النوم ...
استيقظت مني اثر سماعها همهمات .. وهذيان قريب من أذنيها .. يا الهي .. انه كريم .. أقتربت منه لامست جبينه ..وجدت حرارته مرتفعه .. قامت بسرعة لتوقظه وتعطيه خافض للحرارة ..لاحظت طفح جلدي أسفل رقبته .. عقدت حاجبيها وهي تجهل ما الأمر ..أيقظته مناوله اياه الدواء .. لامست هذا الطفح بيديها وهي تقول له
" ماهذا كريم ..؟ "
لم يفهم ما تعني وهو يشعر بصداع يكاد يقضي علي ما تبقي من حياته .. ما الذي يحدث له .. وضع يده حيث أشارت قائلا بتعب
" لا أدري .."
قالت بقلق ..
" علينا مراجعة الطبيب .."
عادت من العمل بعد نصف يوم بعد ان حصلت علي اجازة له بسبب مرضه .
في المساء كانت معه أمام الطبيب .. الذي أخذ يكشف علي صدره و يفتح فمه و يسأله عدة اسئلة ليشخص أخيرا مرضه قائلا
" ما تعاني منه كتشخيص مبدأي سيد كريم مرض السيلان ..أنا بحاجة لبعض التحاليل للتشخيص بدقة "
ثم نظر الي زوجته التي هي بصحة جيده أمامه فالتفت اليه قائلا
"هذا المرض ينتقل عبر الأتصال الجنسي .. .. وقد ينتقل عبر الجنس الشرجي ..قد ينتقل عبر استخدام أشياء خاصة لشخص يحمل المرض اعراضه كما تشعر أنت الآن صداع طفح جلدي.. وايضا ضيق بالتنفس .. الدواء سيحد من الأعراض قليلا وانا بانتظار نتائج التحاليل .."
أجاب كريم ولا زال علي سرير الفحص
" شكرا لك .. "
بعد أن انتهي الكشف ..خرجا ليقوم بعمل التحاليل بمعمل جوار عيادة الطبيب .. لم تهتم نور كثيرا بالاسباب .. ولم تنتبه لما قاله الطبيب من لفظ الجنس الشرجي أو العدوي الجنسية .. ما يهمها الآن أن تهتم بكريم .. كريم مريض بالسكر .. والسيلان ..يا الهي ..
سمعته يقول وهو يتعرق كثيرا..
" علي العودة الي مني .. الآن .."
بدأت حرارته بالارتفاع مجددا .. أشارت الي سيارة أجرة .. لم تناقشه .. بل توجهت الي منزلها .. ساعدها سائق السيارة في الصعود الي المنزل فلم يكن حارس البناية هناك .. شكرته كثيرا ونقدته أجرته ثم انصرف...
ذهبت اليه وهو يهذي بغرفة النوم متدثرا بالغطاء .. طلبت الدواء بالهاتف من الصيدليه ... وطلبت فتاة من الصيدليه لتعطيه الحقن التي نصح بها الطبيب لحالته .. وهي تترجي الصيدلي بأن يسرع ...
جلست جواره ..سمعته يهذي ..
" مني .. أولادي .. نور .. أنا قتلت ...قتلت .."
ثم يصمت ليئن تعبا قائلا
" أروي .. قتلتها ..آاه ..نور"
أروي .. ما الذي يهذي به .. هل قتل أروي ... لا لا مستحيل ... سمعت جرس الباب .. لقد كانت ممرضة صغيره الحجم والسن بحوزتها الدواء فدعتها الي الدخول لتعطيه الدواء... في حين هاتفت سما لتخبرها بما حدث .. وطلبت منها اخبار زوجته الأولي بأي عذر .. لن يستطيع العودة اليوم اليها ...
صعقت سما مما سمعته قائلة
" سيلان .. أم سكر .. الأثنين نور.."
أجابتها نور متألمة ..
" الأثنين سما .. هو يهذي الآن .. لا يعي بما حوله .. سأخبرك بتطور حالته .. سأغلق الآن هناك ممرضة تعطيه دواءه علي المغادرة ..الي اللقاء.."
اغلقت الهاتف .. سمعت الممرضة من خلفها تقول
" لقد انتهيت .."
بعد مغادرة الفتاة عادت نور الي الداخل .. جلست علي كرسي أمام طاولة الطعام .. أمسكت رأسها .. هل تصدق هذيانه ..أم حقا فعل ؟.. هل قتل أروي !.. كيف . . كيف قتلها ..؟ هل قتلها واستلقي جوارها هكذا بدم بارد .. هل قتل ابنته .. لحمه .. دمه ..لا لا .. هو يهذي ..لابد أنه يهذي .. لابد أنه يقصد قتلها بتباعده أو بأنشغاله عنها .. لابد أنه يقصد ذلك ..سمعته يصيح بعتب
" نوور .."
قامت مسرعة اليه .. جلست أمامه علي السرير ..ظلت تنظر اليه ..هل تتحدث أم تصمت .. هل تواجهه أم تنسي الأمر .. هي قطعا لن تحاسبه علي هذيان ..لكنها لم تستطع أن تصمت فقالت بحذر
" هل قتلت أروي ..؟ "
اتسعت عيناه عن آخرهما .. بدأ الشك يدب في أوصالها .. كررت تساؤلها
" هل قتلت ابنتي ..؟ "
صمته وارتباكه جعلها ترتبك هي الأخري .. شعرت بالدموع تحرق عينيها .. وضعت يدها علي فمها تكتم شهقاتها ...
" كيف .. أخبرني كيف قتلتها ..؟ "
سمعته يقول بتعب
" خنقتها.."
شهقت برعب ... لو كان أنكر لكانت صدقته .. لو كان صمت لكانت تاهت بين الأجوبه .. لكن يعترف بفعلته .. قتلها بيديه العاريتين .. ابنته .. ازهق روحها ونام جوارها .. آآه .. أروي .. ابنتي .. قطعة من قلبي .. بل قلبي كله .. قالت من بين دموعها
" قتلت ابنتك .."
قال بأنهاك
" ليست ابنتي نور .. أنت تعلمين ..؟ "
صرخت بوجهه بقوه ..
" اصمت .. كيف تجرؤ .. هل جننت؟ "
حاول أن يعتدل في جلسته لم يستطع .. صداع ينخر في رأسه .. تعرق شديد .. قطرات من العرق تتساقط علي جبينه .. ظل كما هو مستلق أمامها بلا حول ولا قوة..قال
" أنسيت يوم زفافنا .. أنسيت بعدها عندما كذبت علي حتي أغفل عن أمر بكارتك .. هل نسيت كذبك بشأن أنه انفجر لمجرد أنني دفعتك الي السرير .. هل نسيت محادثاتك مع أصدقائنا بالعمل .. وتوددهم اليك ..كنت أري كل شئ .. كنت أقرأ كل شئ .. كنت أعرف كل شئ نور .. أروي لم تكن ابنتي .."
ثم ابتسم بسخرية مكملا رغم مرضه
" اصدقيني قولا ..من والدها نور ..هه .. من ؟ أتعلمين لقد كتمت أنفاسها بيدي هذي .. لم أحتج للأخري .. ظللت أكتم أنفاسها وهي تتحرك مطالبة بالهواء.. وأنا متمسك بأزهاق روحها .. كنت أعلم أن أطفال كثيرة تموت اختناقا فسأسلم من الناحية القانوية طالما ليس هناك مبرر أو دافع .. وهل يقتل أحد ابناءه .. بموتها سيرتاح الجميع .. لقد طهرتك من ذنبك .. وانتقمت لشرفي .. وانتهي كل شئ ."
كلماته وحرقة قلبها لم يتركا لها ذرة من تعقل أقتربت منه واضعة يديها علي فمه وأنفه هامسة بأذنه
" هل أخبرك أحدا أنك مريض .. لأخبرك سرا .. ستموت الآن بنفس طريقة موت ابنتك ...."
ظل يقاوم ليتلقي الهواء .. صدره يؤلمه بسبب مرضه .. وهي تمنع عنه الهواء ..أكملت قائلة
" استرخ كريم ..لا تقاوم .. استمتع بالموت .. أعدك أنك ستلقي ابنتك بعد أن أطهرك أنا من ذنوبك .. وهل بعد قتل النفس ذنب .."
احمر وجهه وهي تمنع عنه الهواء بقوة .. ستقتله الآن وحينها فقط سينتهي كل شئ .. استجمع قواه رغم انهاكه دافعا اياها عنه لتسقط أرضا ...
ثم قامت مسرعة تواجهه
" أنصت الي جيدا كي يحترق فؤادك ان كنت تملك واحدا.. لقد فقدت عذريتي علي يد صديقك بالشركة .. وعدني بالزواج واعطيته كل ما طلب .. لقد فض بكارتي قبلك .. تمتع بكل شئ قبلك .. أتعلم لو عاد بي الزمن لفعلتها مجددا كي أري ما يعتلي وجهك الآن .. أنا أكرهك كما لم أكرهه هو .. ليتني عدت اليه كما طلب مني اثناء شجارنا .. لكانت ابنتي معي الآن "
أخذت تبكي بقوة وهي تستطرد صارخة
" ليحترق فؤادك كريم .. أروي ابنتك أنت .. لقد كانت تشبهك حبا في الله .. لقد كانت سببا في تمسكي بك .. قتلت ابنتك .. "
قاطعها قائلا بأنهاك كاد يقضي عليه وهو يلتقط انفاسه بصعوبه
" ليست ابنتي .."
كانت تشرف عليه قائلة بحقد
" بل ابنتك .. لن أتركك تهنأ ما حييت .. ستعيش بجحيم يليق بشيطان مثلك .. سأجعلك تتمني الموت ولن تدركه..."
ثم غادرت الغرفه .. اتصلت بحارس البناية ..صعد اليها فقالت له
" أريدك أن تستأجر سيارة .. سأعطيك النقود والعنوان لايصال سيد كريم لمنزله .."
لحظات وعاد اليها الحارس مخبرا اياها بوصول السيارة .. أمرته أن يساعد كريم علي النزول .. وايصاله حتي باب منزله .. ما ان غادر منزلها حتي تنهدت بحرقه .. أمسكت بهاتفها تنظر للرقم الذي أخذته للتو من هاتفه .. رقم والده
-------------------------------
أوصله حارس البناية الي سريره .. بعدها سألت مني عما أصابه .. أخبرها الحارس أنه لا يعرف شيئا ..بعد مغادرته ذهبت اليه صعدت جواره تتدثر جواره بالغطاء الخفيف .. ليتناسب مع هذا الطقس المتقلب.. قالت
" ما الأمر كريم .. مابك .. غيبوبة سكر أخري ..؟ "
أخذ يسعل قائلا
" لا بل سيلان .."
اتسعت عيناها عن آخرهما .. مردده
" سيلان"
أجاب بتعب
" نعم ..سيلان .. بسبب ممارسة الجنس الشرجي مني .."
تسارعت أنفاسه مبتسما ..ليستطرد
" غالبا أنت الأخري مصابة .. الا أنني لا اري عليك نفس الأعراض .."
قالت بتعب
" أشعر بالاعياء كريم .. لا أظن أنه ..! "
قاطعها قائلا
" لا .. بل أنه ..هو .. أنت مريضه به ...هيا اذهبي للطبيب الآن .. علينا معالجة الامر"
قامت مسرعة لتتوجه الي الطبيب .. تاركة ولديها نائمين .. بصحبة والدهم المريض ...لأفكاره .. وآلآمه.
بعد مرور الوقت
فتح عينيه لا يعلم هل الآن ليل أم نهار ..! لا يشعر بأولاده .. لا أحد جواره..هل عادت مني من الخارج أم لا .. ! يشعر بآلآم تنتشر بجميع أنحاء جسده .. الصداع يؤلمه .. أنفاسه متسارعة .. العرق بكل مكان علي وسادته .. ألم .. ألم ..ظل يتأوه بشده..
رأي طيف من بعيد يقترب منه .. انها أروي .. ابنته ..ترتدي ملابس الموت .. الكفن الابيض الصغير الذي يتناسب مع جسدها الأصغر .. طفلته بعمر العام ..العام فقط .. أخذ يتذكر كل شئ مر به منذ بداية زواجه .. استدراجها له .. توددها اليه .. تخطيطها لكي توقع به زوجا لها .. لكنه أخفي كل ما يتعلق به .. ماذا عنه هو .. ألم يحبها .. ألم يعشق التراب الذي تبعثره بقدميها ..؟ ألم يطلب هو منها مرار لمسه أو كلمة تثير أحاسيسه ؟ .. ألم يكن يذوب شوقا ليجمعهما مكانا واحدا ..؟ ألم يسعد بكل ما فعلته وقرر بملئ ارادته ان يتزوجها ..؟ هي خططت وهو نفذ بأرادته .. الم يكن بأستطاعته قول لا؟ ..نعم كان بيده .. اذا هو من اختار .. لماذا يلقي بكل اللوم عليها ..لقد لامسها غيره .. انتهك جسدها غيره .. يبدو انه عاقب نفسه بموت ابنته .. لم يعاقبها هي .. أخذ يمسح عن جبينه العرق .. لازال يري أروي تقترب منه بكفنها .. بملامحها البريئة .. اخذت تقترب وتقترب الي أن أصبحت أمامه .. تبدلت ملامحها .. عيناها أصبحت أوسع .. شفتاها أخذت تتحرك كما الكبار .. سمعها تتحدث قائلة
" سأقتلك كما قتلتني .. سأعذبك .. أبي.."
آخر كلمة سمعها تخرج من فمها بقوة مع اقترابها وهي تلف يديها حول عنقه .. أخذ يحرك رقبته يمينا ويسارا ليتفادي يديها .. أخذ يبعد يديها عنه الا أنه لم يجد شئ .. لا يد ..لا موت .. لا أروي ..اذا لماذا يشعر بالأختناق وكأن يديها لازالت ملتفه حول عنقه..
اعتدل جالسا من نومه .. حاول أن يقف .. لم يستطع .. دواءه بحوزة نور .. لم تعطه شئ .. طردته من بيتها بلا دواء .. بلا ملابس .. بلا شئ ..خرج من عندها صفر اليدين.. أخذ يصرخ ..
" مني .. مني .. أين أنت ؟ .."
أخذ يسعل بقوة .. وما من مجيب ..هل سيموت الآن ..هل انتهي أجله بعد كل ما فعل .. هو لم يستغفر بعد علي أي من ذنوبه .. حاول أن يستغفر الآن .. لا يستطيع .. حقا لا يستطيع ...عاد الي نومه .. أغمض عينيه منتظرا الموت بخوف .. بمنتهي الخوف
-------------------------
كانت سمر تقضي معظم وقتها بصحبة رحيق .. الاطفال بالمدرسة صباحا وسمر تذهب الي رحيق مبكرا لتقضي وقت ممتع معها وزياد .. ظلت تتقرب منه .. علمت منه أنه يحب رحيق جدا .. هي بالنسبة له الأم .. والحنان .. والحزم والقوة .
بينما رحيق تعد الافطار .. أو تعد أشياء للضيافة تتحدث سمر الي ابن أخيها .. سعدت كثيرا بحبه لرحيق .. وشعرت قليلا بالغيرة منها .. فقد كانت تتمني لو تحتل هي مكانها وتصبح ذات أهمية في حياة زياد الصغير ..
خرجت رحيق من المطبخ بعد أن أعدت الأفطار و نظمت المائدة .. دعت زياد وسمر اليها .. التفوا حول الطعام ...قالت رحيق
" هل عمي مازال نائما سمر .. لماذا لا يأت يوما للأفطار معنا ؟ .."
قالت سمر وهي تتناول الخبز بيديها
" أبي لا يستيقظ قبل الظهر رحيق .. هو يحب السهر .. هي عادته..و أنا بطبيعة الحال أستيقظ مبكرا لعملي .."
ثم شردت سمر قليلا
" أخبرك سرا .. لقد اشتقت الي ماجد كثيرا .. كنا نملأ الدنيا ضحكا ونحن صغار .. قبل أن ننام كانت عادتنا أن نلعب سويا الورق ..ثم علمني الدومينو .. بكل أنواعها .. العادية .. والأمريكية .."
قاطعها زياد قائلا بحماس
" أريد دومينو امي .."
قالت رحيق مبتسمة
" لا أعرف كيف العبها زياد .."
قال والحماس يزداد بصوته
" أبي سيعلمنا .. "
كيف تخبره أن موعد رحيلها قد حان .. كيف تخبر طفلا صغيرا تعلق بها لهذا الحد أنها ستغادر حياته بأكملها ..فمع سفر سمر ..هي أيضا سترحل .. لكن ليس لبلد اخري .. وانما بعيدا عنه وعن دفئ أحضانه ..سترحل وهي معه بنفس الوطن ..
قالت سمر
" وددت لو علمتها اياك .. الا أنك تعلم بسفري بعد غد ..وتعلم أني أريد أن أقابل صديقاتي المتبقيات هنا .. وأود الذهاب لعمتي..اشتقت لهويدا .. أحمل ضغوطا كثيرة من الزيارات زيزو .."
قال زياد
" أبي سيدعو خالتي هويدا كي تراك .. هو أخبرني بالأمس .."
فطنت سمر الي ان أحلامها بلقاء صديقاتها تبخرت ..لاحظت اختفاء ابتسامة رحيق .. لاحظت تصلب جسدها .. فقالت
" لقد اشتقت اليها و الي عمتي ..أبي أيضا سيسعد بذلك ..هو لا يريد أن يتحرك منذ وصولنا للعاصمة حتي اصدقائه لم يتحدث اليهم للآن..يأكل ويسهر فقط .. لا يهتم لشئ آخر "
والدها لم يهتم برؤية زياد كما تهتم هي .. فهو لم يره منذ أن عادا للوطن سوي أول يومين .. بعدها كانت هي من تزوره .. وماجد قد يمر عليهم ليسهر قليلا معها ومع والده ..
ظلت رحيق تستمع لحوارهم الممل .. ما ان اتوا علي ذكر هويدا .. هي لا تحبها .. تشعر بالغيره تجاهها ..هي تحب ماجد .. الأمر الذي لا تستطيع أن تنكره ..وتغار عليه من هويدا ومن تقربها اليه .. لكن .. طالما الطلاق هو ضريبة هذا الحب .. فلا بأس من تحمل هويدا مرة أخيرة قبل رحيلها من عالمه ..
بعد أن انتهوا من تناول الطعام لملمت الاطباق .. انفردت قليلا بنفسها بالمطبخ .. ظلت تنظف كل شئ حولها وعقلها شارد .. الي أن سمعت سمر من خلفها وهي تتقدم لملئ ابريق الشاي بالماء .. وتعد الأكواب ..قالت رحيق تتجاذب أطراف الحديث مع سمر
" أري أن علاقة والدك مع ماجد دائما نديه .. كلا منهما يود أن ينتصر علي الآخر في أي شئ .. حتي لو مجرد حوار سياسي بسيط ..ما الأمر؟"
تنهدت سمر وهي تقص علي مسامعها ما فعله والدها مع أول فتاة خفق قلب ماجد لها ..وكيف شوه صورته أمام صديقه رغم أنه أحب الفتاة بصدق ..تعجبت رحيق كثيرا ..ماجد كان يحب ..هل لديه مشاعر مثلها ..هل يمكن أن يحب ..نعم ولم لا .. لقد شاهدت رسائله مع زوجته .. وشاهدت تأثره بموتها .. لماذا لم يحبها هي اذا .. رغم توددها اليه .. رغم اهتمامها ببيته وولده .. ألا يري فيها أما .. ربة منزل .. ؟ ألا يهنأ بطعامها الشهي .. ألا تدفئ له سريره بحبها ..؟ أمن الممكن ان يكون أحبها .. ؟ ابتسمت ..هل يمكن ان يكون احبها حقا ؟ ..لا ..مستحيل .. لو أحبها لما ظلمها بابتعاده عنها..لكان غفر لها .. لكان رفض طلبها للطلاق ..لكنه وافق بشرط أن يمضي هذا الأسبوع فقط .. وبعد سفر والده وأخته سيلبي لها ما طلبت .. لقد وعدها بذلك .
" فيم شرودك رحيق .."
وجدت نفسها تقول دون تفكير
" ماجد .."
" يبدو أنك تحبينه .."
تلعثمت رحيق قائلة ..
" نعم .. أحبه .."
ولم لا تخبر سمر بذلك .. هل تخجل .. ألم تخبره هو بنفسه أنها تحبه .. استمعت الي سمر التي قالت
" وهو أيضا يحبك رحيق .."
احمرت وجنتاها قائلة بأندفاع
" حقا ..! "
تعجبت سمر مما يحدث .. ألم يخبرها أخيها أنه يحبها للآن .. متزوج منذ وقت ليس بالقليل ولم يخبر زوجته بحبه لها .. هل تنتظر رحيق منها أن تؤكد لها مدي حب زوجها ؟.. هناك أمر خفي لا تفهمه سمر .. قالت بهدوء
" نعم .. لقد أخبرني عن زياد في مرحلة تأثره بفقدان حنان رحمها الله ..أخبرني عن رفضه للحديث بدافع نفسي .. وأخبرني عن دعمك له .. وعن تمهلك في التعامل معه..وعن سعادتك عندما تحدث .. و أول ما قال أحبك أمي .."
ثم ابتسمت مردفة
" وأخبرني يوم وصولي أنك تعدين أجمل طعام يمكن أن أتناوله بحياتي .."
اتسعت ابتسامة رحيق قائلة
" لا تبالغي سمر ..."
هل يخبر أخته بكل شئ .. هل أخبرها أنه يحبها حقا ..هل تعطي لقلبها فرصه .. هل تظل تتقرب منه وهو يعاملها بجفاء .. أم تصر علي الطلاق .. ماذا تفعل .. لقد حير أفكارها و أربك حياتها .
انتهت سمر من اعداد الشاي .. خرجن من المطبخ معا ..وجدن زياد يشاهد التلفاز ..جلسن بالصالة حيث قالت سمر
" افتحي لي قلبك رحيق .. ما الأمر .. ألم يخبرك زوجك بحبه للآن ..! أشعر بشئ ما بينكما .."
التقطت رحيق شايها بأرتباك ..هي تحب سمر .. متواضعة .. جميلة .. لبقة .. تمتلئ بالدفئ والحب ..تشعر بالقرب منها .. ربما سيكونا صديقتين مقربتين بعد طلاقها من أخيها .. قالت
" أنا وماجد نمر بمنعطف هام بحياتنا سمر .. علينا التغلب عليه .. أو عليه ابتلاعنا .."
شعرت سمر أن رحيق لا تود التحدث ..فقالت
" أتعلمين .. أري أن البيت عندما ينجح يكون ذلك بسبب المرأة .. نحن نعلم جيدا كيف نعالج الأمور .. قدرتنا علي تربية اطفال بعقل صغير بحاجة دائما لتصغير المعلومة لعقولهم .. بحاجة الي طول البال .. بحاجة للصبر للتعامل مع غضبهم وثورتهم وشجارهم اذا نحن نستطيع أن نتعامل مع من هم أكبر منهم حجما .. لكني أري أن عقولهم الصغيره تتشابه .."
تلت كلماتها بضحكة مجلجله مستطردة
" لو تعلمين كيف أتعامل مع أبي .. لو لم أتعامل معه بنفس الطريقة لتركت له البلد بأكملها .."
شاركتها رحيق الضحك قائلة
" سأستمع لنصيحتك سمر .. أعدك بذلك .."
انتهوا من تناول الشاي .. قاما ليستعدا للذهاب لأحضار ولدي رحيق .. و تعود سمر لوالدها .. علي وعد باللقاء في اليوم التالي .. حيث الغداء مع هويدا ووالدتها .. ووالدها الذي أصبحت لا تطيق التواجد معه بمكان واحد بعد ما علمت من سمر بشأن الفتاة التي أحبها ماجد .. لقد حطم قلبه الحالم .
عصرا بعد عودته من العمل .. تناول الغداء بصحبتها و الصغار .. ثم ذهب الي والده وسمر قليلا .. وعندما عاد في المساء .. كان الاطفال نائمون .. وهي تجلس أمام التلفاز .. تتنقل بين كل قناه واخري ..كانت لا تري شيئا مما يعرض فقد كانت تفكر بالغد .. بمقابلة هويدا .. هو لم يخبرها للآن .. لقد علمت من زياد .. جلس جوارها قائلا
" سنذهب غدا الي سمر .. هويدا وعمتي سيحضرن ..سمر تود أن نتشارك اليوم معهم .. ما رأيك..؟ "
كانت جالسه علي الأريكة تثني قدميها تحتها ..اعتدلت لتفردهم قائلة
" سأعد نفسي غدا .. بأمكاني اعطاء الاطفال اجازة غدا نهاية الأسبوع..سأذهب مبكرا لمساعدة سمر .."
بدا مندهشا لأنها لم تناقشه ..لم تسأله عن شئ .. لم تبد اعتراضها فقال
" هكذا ببساطة.."
قالت
" نعم هكذا ببساطة .. لقد اقترب موعد رحيلي ماجد ..لابد أن أؤدي دوري علي أكمل وجه ..سأذهب للنوم .. تصبح علي خير.."
مرت من أمامه مخلفة فراغا ورائها ..هل حقا يريدها أن ترحل .. لقد اعتاد تواجدها .. اعتاد اهتمامها ..زياد هل سيستطيع العيش دونها ..سند رأسه علي الأريكة ينظر لتبدل الصور علي شاشة التلفاز .. هو أيضا لا يري شيئا .. شاردا يفكر بحياته .. يجب عليه اتخاذ قرارا الآن .. هل سيتغاضي عما فعلت ويهنأ بالعيش معها ..ام هل سيظل يتذكر ما فعلت ويجلدها بسياط الغضب .. اشتاق الي احتضانها ظهره .. اشتاق لقربها منه اثناء النوم فقد كان يشعر بها .. يشعر بأقترابها منه .. منذ أن طلبت الطلاق ابتعدت عنه بمشاعرها .. منذ اخبرته بحبها ازدادت في الابتعاد .. وكأنها تنافي القول بالفعل .. منذ أن اعلنت له حبها ومنذ طلبها للطلاق .. منذ تهجم عليها آخر ليلة جمعتهم سويا وهي مبتعدة بعواطفها الرقيقة عنه..فقد أفتقد قربها الذي كان ينعم به .
أمسك رأسه قائما ليلحق بها عل الأفكار تتوقف ..عندما دلف الي غرفتها أضاء نورا خفيفا حتي لا يزعجها ..وجد شعرها مفروشا حولها علي الوساده ..بسواده وطوله وثقله .. هل تتعب في تصفيفه ..كم يتمني أن يساعدها يوما في تصفيفه .. اقترب منها و أخذ يلامسه ..يجمعه حول وجهها ثم يفرده ثانية.. قالت من نومها
" توقف ماجد .. أنت تشد شعري .."
ارتبك عندما شعرت به فقال ..
" يأخذ مساحة علي الوسادة .. لا استطيع النوم هكذا ..اجمعيه بعيدا عني .."
أمسكت شعرها من نعاسها وجمعته حول كتفها ظل ينظر اليها .. جميلة هي زوجته .. لامس بأصبعه شفتيها برقه .. فبدر عنها اشارة توحي بأن ذبابة تضايقها فتقوم بأبعادها عنها..ابتسم ماجد لما تفعل .. هي نائمة ..لا تشعر بشئ ..قام ليبدل ملابسه ليعود جوارها ويهنأ ببعضا من لحظات السعادة .. فاللعب معها وهي نائمة أفضل بكثير من صحوها ..
بعد ان أستلقي جوارها شاعرا بدفئ جسدها توقف مزاجة عن المرح .. هو يريدها الآن .. لقد عبثت هي بمشاعره قبل ان يكمل عبثه بشعرها ..اقترب منها .. أكثر فأكثر .. أخذ يلامس أنفها بنعومة .. ممررا يديه علي وجنتيها .. قلبه يدق بقوة.. أفكاره الحسية والعصبية تتمحور حول شئ واحد .. هو قطعا لن يوقظها الآن بعد أن طلبت الطلاق ووعدها به ليطلب منها أن ....
هو قطعا لن يحاول أن يقربها وهي نائمة فتصحو من غفوتها لتصفعه وتنعته بالمتوحش الذي لا يهتم سوي برغباته
اذا فالحل الآن .. هو الماء .. والماء البارد .. عله يطفئ لهيب جسده المشتاق اليها ..
------------------------------
ظل وليد يزرع الغرفة جيئة وذهابا .. سارة نائمة ..ما ان وصلا الي منزل صديقه الذي سيقيم به اثناء عطلتهم بشرم الشيخ حتي استلقت نائمة .. عناء السفر أرهقها .. هي لم تعتد السفر وحملها يزيدها تعبا وارهاقا .
استغل نومها بالسيارة ليسرع خلف سيارة جيرانه الذين لم يلاحظوا تتبعهم من قبل سيارة وليد .. لكن لسوء حظه ...كانت سيارة سياحية كبيره تسبقه وما ان تفاداها حتي وجد أخري بطريقه .. ظل بينهما لايري السيارة التي يتبعها .. أخذ يسب ويصرخ عاليا .. الي أن استيقظت سارة قائلة
" ما الأمر وليد ..؟"
حاول السيطرة علي كلماته وقد ظهرت عروق رفيعة حول عينيه غضبا .. هو لن يخبرها الآن بما حدث .. الآن بالذات .. وخاصة بعد أن خرجت السيارة التي يتبعها عن نطاق رؤيته .. ظل يتنفس بقوة .. لاعنا الطرق والزحام ... لقد كان الطريق فارغا منذ لحظات يا الهي .. هل هي لعنات تطارده بسوء الحظ .. أجابها بهدوء ظاهري
" لاشئ سارة .. لا تهتمي حبيبتي .. فقط سيارة لم انتبه لظهورها كدت أصطدم بها .."
هدأت قليلا لكنها لم تستطع النوم ثانية .. ظلت تنظر الي وليد الذي تعكر مزاجه لأمر ما لا تعلمه .. هل تلقي اتصالا ضايقه ..هي لا تعلم لقد كانت نائمة..عدلت من وضعيه كرسيها لتعيده الي وضعه المعد للجلوس .. التقطت حقيبة يدها مخرجه منها علبتين من العصير .. ناولت احداها لوليد ... الذي أشار لها أنه لا يريد ..فتحت علبتها وما ان انهتها حتي غطت في النوم ثانية .. ..
بعد أن تفادي وليد السيارتين الكبيرتين حوله .. ظل ينظر علي الطريق عله يري السيارة فلم يجدها .. لقد قاب قوسين أو أدني من ابنته .. من انتزاعها من بين يدي مختطفيها .. يا الهي .. أخذ يضرب علي مقود السيارة الي أن استيقظت سارة مجددا ...لكن هذه المرة لم تسل .. فوليد يبدو عليه التوتر .. من الممكن لأنه تولي القيادة لوقت طويل ..
بعد وصولهم الي المنزل الساحلي .. كان معدا مسبقا .. نظيف مرتب ..طلب منها وليد أن ترتاح قليلا رغم راحتها طوال اليوم في السيارة ونومها معظم الوقت .. الا انه بحاجة لترتيب الأفكار برأسه..
بعد أن نامت سارة ربما للمرة الرابعة .. استل هاتفه متصلا بأحد اصدقائه .. أملاه رقما قائلا
" أرغب بمعرفة كافة البيانات عن رقم هذه السيارة .. حسنا .. أنا في الانتظار "
بعد أن أنهي مكالمته هاتف عصام قائلا
" عصام .. لقد وجدت جودي .. رأيتها بعيني بسيارة تمر جواري اثناء السفر .. أريدك جواري الآن .."
قال عصام بجديه ..
" ساعتين علي الأكثر وأكون أمامك .. أعطني عنوانك .."
بعد أن أملاه وليد العنوان قال عصام مؤازرا صديقه
" لا تقلق صديقي .. لقد غزوت كوريا سابقا يا رجل ..علي الأقل هي بموطنك الآن الذي تعرفه جحرا جحرا .. سنجدها ان شاء الله .. الأمر أصبح أسهل بكثير من ذي قبل .."
ثم أغلق الهاتف .. وظل يجئ بالغرفه ذهابا وايابا منتظرا اتصال صديقه ليخبره أي شئ من المرور ..
رأي سارة تخرج من الغرفة التي تقابل غرفته .. وجدها تبكي .. ما ان وصلت اليه حتي أمسك كتفيها قائلا
" هل تعاني شيئا سارة ؟"
قالت باكية
" خائفة .. أخاف أن أفرح فتفشل مساعينا .. لن أتحمل اخفاقا آخرا وليد .."
فطن الي سماعها حديثه .. فقال
" لهذا لم أخبرك سارة .."
عانقها بقوة ..قوة من فرط حماسه .. هو قلق لكنه سعيد ..هو خائف لكنه علي أمل .. هو مترقب مرتب الأفكار .. سمعها تقول
" كيف هي وليد أخبرني .."
لم يترك عناقها قائلا
" كبرت قليلا .. كانت تضحك وتلعب .. رأيتها تصفق بيديها وكأنها تستمع لأغنية .. "
ثم أبعدها قليلا ممسكا وجهها بين كفيه .. قائلا
" لقد كانت جميله .. تضع رابطة شعر علي شكل ميني ... شعرها قصير لكنه يلامس عينيها .. لم أر الكثير سارة الا أنها جميلة.."
كان يتبع كل كلمه بحركة من يده علي شعرها .. ثم علي عينيها مشيرا لملامسة شعر جودي لعينيها .. كانت مغمضة لعينيها لترسم صورة ابنتها بمخيلتها ..والدموع تتساقط منها ... قبل خديها وهو مازال ممسكا وجهها ..
" هذه المرة .. أعدك أنني ساعيدها ..ولو كان هذا آخر شئ أفعله في حياتي .."
عانقته هي بشده .. هي تخشي أن يصيبه أذي .. وتخشي أن يكون وعده كاذب كذي قبل .. وتموت شوقا لرؤيتة ابنتها .. لقد رآها وليد وهي لا..هي لا تعرف الحكمة من وراء ذلك .. هل كانت ستتعذب من رؤياها أكثر من الآن .. هل يمنحها الله سلاما كي لا تتذكر ملامحها الحديثة عندما لا يعثر عليها وليد .. هل كان رحمة من الله كي لا تزداد حزنا وخوفا .. وهل هناك خوفا أشد مما تشعر به الآن .. هل يجب عليها أن تتمني وتحلم بأستعادة ابنتها .. هل يجب عليها ان تحلم بضمها ثانية الي قلبها .. اخذ الأمل يتسلل لقلبها شيئا فشيئا .. اخذت تدعو الله سرا أن يردها اليها سالمه ..انتبها الي صوت هاتفه .. كان المتصل صديقه .. الذي قال
" السيارة مسجلة بمرور شرم الشيخ .. "
قال وليد بقوة وقد ابتعد قليلا عن سارة ..
" أعطني العنوان .."
بعد أن حصل علي العنوان التقط مفتاح سيارته توجه نحو الباب.. رغم محاولات سارة للحاق به الا أنها لم تصل اليه.. أغلق باب السيارة منطلقا لوجهته محدثا عصام الذي قال
" قدم بلاغا بشرم أولا حتي يكون الأمر قانونيا وليد..."
قال وليد من بين أسنانه
" تريدني أن أنتظر الشرطة .. ماذا فعلت لي عندما أخبرتها "
" أنا آت اليك .. فقط انتظرني "
" ليس لدي وقت "
" اذا أعطني عنوانه وسألحق بك "
أعطاه وليد العنوان وبعدها أغلق هاتفه .. متوجها نحو حلمه الذي طال انتظاره .. ضاغطا علي دواسة الوقود لتسجل سيارته أقصي سرعة

avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى