روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:39 pm

الفصل الثاني عشر

لم يتمالك عمر نفسه فقبض على ساعدها وسألها بغضب:
- أي أنك لا ترين فيه ما يعيب سوى ولعه بالجواري.
حدقت به بدهشة واستنكار وهي تنهض وكأن أفعى قد
لدغتها.
- عمر! لا تقل ما تندم عليه لاحقا بسبب غيرتك التي
اصبحت لا تطاق.
هزّ رأسه مستنكرا وقال بحدة: - لا أعرف أساسا كيف
جلست وحدثتك بالأمر.
- لأنك تعرف أن ليس في الأمر خطأً. الغيرة حين تزداد
عن حدها تصبح شكاً، ويومها ستقتل قلبي يا عمر.
أسرعت بالخروج من الدار وهي تحس بنفاذ الهواء حولها.
ظلت تبكي في الحديقة حتى سمعت خطواته تقترب.
مسحت دموعها وهمت بالنهوض لكنه منعها وجلس قربها.
- دعني أذهب.
قالتها بصوت مرتجف وهي تنهض فأجلسها وأمسك وجهها
بين كفيه. خلت نظراته من الغضب والحدة لتحل محلها
نظرات الحب والشغف التي تعشقها فيهما.
- لن أسمح لك بتكرار تلك الكلمة. لو كنت أشك
بك لما تزوجتك. لقد صدقتك ذلك المساء حين
أخبرتني بأنك طعنت نفسك كي تمنعيه من لمسك.
وصدقتك حين قلت إن قلبك خلا من وهمه. وصدقت
نظراتك التي صرخت بحبك لي أنا.
مسح دموعها التي تساقطت وأكمل بعد قبلة على جبينها:
- أعرف أن كل ما فيك يهتف بعشقك لي، وأعرف أني
الوحيد الذي أحببته حقا. فهل يمكن بعد كل هذا أن
يتسلل الشك لقلبي؟ لكنها غيرة عاشق لا سبيل لي في
السيطرة عليها.
لم تجد ما تقول فحبها وكبرياؤها يتصارعان داخلها.
نهضت وهي تقول:
- كيف تركت زيدا لوحده في الدار؟! سأراه.
جذب ذراعها وهو يقول بابتسامة:
- لقد غفى وأنا أضمه بين ذراعي وأشم فيه رائحتك.
أبعدت يده لكنه جذبها نحوه وهو يقول بلهفة:
- لا عشت إن لم أبدد غضبك.
شهقت بخوف: - حفظك الله.
ابتسم برضا وقال بشوق وهو يضع جبينه على جبينها:
- وحفظك لي يا نفسي.
ثم أنشدها شعرا للبحتري..
إني لأحسُد ناظريّ عليك
حتى أغضّ إذا نظرتُ إليك
وأراك تخطر في شمائلك التي
هي فتنتي فأغار منك عليك
ولو استطعت منعت لفظك غيرة
كي لا أراه مقبلا شفتيك

لم تستطع سوى أن تبتسم وقلبها يخفق لسماع صوته
الهامس بتلك الأبيات الجميلة.

بعد ذلك الغداء مع ابراهيم في بهو دار والده جابر، جلس
مصعب لوقت طويل وهو يتحدث معهما ويتطلع كل حين
لوجه والده علّه يعرف انطباعه عن إبراهيم. لكن وجه
جابر ونظراته لم تعكس شيئا مما في نفسه.
تحدث إبراهيم عن أسفاره في مختلف البلدان بقافلته
فراح جابر يسأله عن ذلك أكثر فعرف مصعب أن والده
سيدخل في عمل مع إبراهيم. وأخذهما الحديث لذكر من
جعل اسمها قلبه يخفق. سأل جابر:
- برأيك يا أبا حاتم، ما هي التجارة السائدة هذه الأيام
في البصرة؟ لقد حدثني مصعب عن سوقها الزاخر
بالتجارة والحركة، ما جعلني أفكر بإعادة التجربة التي
قام بها مصعب فأرسل قافلة أخرى للبصرة.
قال إبراهيم: - إنها تجارة الأعشاب. ابنتي سمراء هي من
تدير دكاني لبيع الأعشاب والاستطباب بها في البصرة.
قال جابر بإعجاب: - تدير دكانا وتتولى معالجة الناس
في هذا العمر؟
- هي تفعل ذلك منذ كانت في الخامسة عشر. لقد
أصرت على أخذ مكان شقيقيها رحمهما الله.
للمرة الثانية لمع بريق الإعجاب في عيني جابر وقال:
- قليل من الفتيات من تتحمل المسؤولية راغبة لا مجبرة.
قال إبراهيم بفخر: - لقد تعلمت منذ صغرها الكثير من
شقيقيها بينما كنت منشغلا عنهم بأسفاري. لقد جعلاها
فارسة قوية.
حانت نظرة من جابر نحو مصعب الذي كان يقاوم اتساع
ابتسامته ما جعله هو يبتسم ثم قال لإبراهيم:
- ليتك تسمح لها بالجلوس معي كي أسألها وأستزيد منها
معرفة عن الأعشاب فقد راودتني فكرة في جلب الأعشاب
من سوق البصرة إلى بغداد.
- كما تحب يا أبا مصعب.
نادى جابر الجارية وطلب منها مناداة سمراء من البهو الآخر
حيث تجلس مع آمنة. دخلت الاثنتان البهو فتبادل مصعب
نظرة شوق مع إحداهما ونظرة أمل مع الأخرى.
جلستا قريبا من جابر الذي راح يسأل سمراء عن الأعشاب
وما يوجد منها في سوق البصرة وغيرها من الأسئلة مما
يهمه في تجارته. وبعدما انتهيا من حديثهما استأذن
إبراهيم في ذهابهما لجناح الضيافة حيث سيقضيان الليلة
فيه ليسافرا قبل فجر الغد عائدين إلى البصرة.
قال جابر: - وددت لو أنكما أطلتما مكوثكما معنا.
- إنها الأعمال يا أبا مصعب وإلا بقيت هنا لوقت أطول.
قال جابر مودعا: - شرُفَت داري بزيارتكما.
- سلمت الدار وصاحبها يا أبا مصعب.
تبادلت آمنة عناقا مع سمراء وودعتها ثم رافقهما مصعب
إلى جناح الضيافة.
قال جابر لآمنة بمسحة مكر لم تخف عليها:
- كنتما محقين بمدحكما المستمر لهما.
قالت آمنة وهي تجلس قربه: - ألم أقل لك أنك ستعجب
بهما حين تقابلهما؟
رفع حاجبه وهو يقول: - ليس بقدر إعجاب ولدك بهما.
أمسكت كفه وهي تقول بابتسامتها الفاتنة التي يهواها:
- ما دمت فهمت أنني ارتحت لها وولدك أعجب بها،
فأخبرني برأيك في الأمر.
سألها مماطلا: - ماذا تتوقعين أن يكون رأيي؟
قالت آمنة بتفاؤل: - أظنك أعجبت بالفتاة وتريدها زوجة
لابنك مثلي.
- الحق يقال، إنها فتاة تستحق التقدير والاحترام وهي
زوجة مثالية لكن ابنك متقلب الأهواء ولا يحسن
الاختيار. أم أنك نسيتِ المرة الماضية؟
قالت آمنة بحماس:
- لا تقلق. هذه المرة ليست كالسابقة. الفتاة مشاعرها
ناضجة وليست كزبيدة ساذجة المشاعر، لا تعرف ما
تريد. وقد ملكت على ولدك قلبه وعقله.
قال بابتسامة وهو يربت على يدها: - أنا أثق بذكائك
وحسن حكمك على الناس.
دخل مصعب البهو بعد وداعه إبراهيم وسمراء قرب جناح
الضيافة، وقال مازحا وهو يرى والده ممسكا بيد والدته:
- أدام الله الحب بينكما. هل أغادر لداري وأترككما
وحيدين؟
سحبت آمنة يدها من يد جابر ثم همست بينما كان
مصعب يقترب منهما: - هل أبشره بموافقتك؟
تساءل جابر بمكر: - بهذه السهولة؟
سألته بعينين ضيقتين: - ما الذي تنوي فعله بولدي؟
رفع حاجبيه وبريق مشاكسة يلوح في عينيه:
- سأعلمه الصبر.
خفضت آمنة بصرها بعدم رضا وهي تفكر بمدى لهفة
ولدها لمعرفة رأي أبيه في سمراء وإبراهيم وخطبته لها.
قال مصعب بحذر: - العم إبراهيم رجل طيب.
فعقب جابر باختصار ودون أن تفصح ملامحه عن شيء:
- صدقت بني.
وقبل أن يضيف مصعب شيئا نهض جابر وقال:
- أنا متعب. هيا لنخلد إلى النوم يا آمنة. واذهب أنت
لدارك يا مصعب أو انتظر أشقاءك هنا.
قال مصعب بخيبة أمل:- سأذهب، فقد رأيتهم في السوق
اليوم. طابت ليلتكما.
- طابت ليلتك.
قالها جابر بهدوء بينما قالتها آمنة بابتسامة وهي تشير
لمصعب بعينيها بالإيجاب فكتم ابتسامته وخرج مسرعا
من الدار.
لم تسع الفرحة قلبه، وكان لا بد له من البوح بما حدث
لصديق عمره فذهب إلى نوار في المكان الذي اعتادا أن
يلتقيا فيه. وحمد الله أنه وجده هناك.
قال نوار بابتسامة: - كان المجلس ينقصك يا صاحبي.
قال مصعب دون أن يجلس بعدما ألقى السلام على الرجال
الجالسين قرب نوار: - جئت لأصحبك لداري.
- لما لا نجلس هنا؟!
قال مصعب بنفاذ صبر: - تعال معي دون نقاش يا نوار.
نهض على مضض وقال وهو يرفع يديه باستسلام:
- حسنا. نراكم غدا يا رفاق.
سأله نوار وهما يسيران نحو داره: - ما الأمر؟
- دعنا نذهب إلى الدار ونجلس ثم أخبرك بكل شيء،
فليس هذا حديث طرقات.
وبعد الجلوس وشرب العصير الذي قدمته لهما غرام لأن
عاتكة كانت نائمة، قال نوار بفضول:
- ها قد جلسنا. أخبرني بالذي جعلك تحضرني في هذا
الليل إلى هنا.
قال مصعب بسرور:
- أتت سمراء ووالدها يا نوار، وهما في ضيافة أبي الليلة.
سأل نوار بابتسامة: - وهل قابلها والدك؟ ما كان رأيه
فيها؟
هز مصعب رأسه بيأس وقال: - ما أصعب جابر، وما أشد دهاء
زوجته.
قال نوار بنفاذ صبر:
- لا تتكلم بالألغاز يا مصعب وأخبرني بكل شيء.
ضحك بسرور وقال:
- لقد أعجب أبي بها وبالعم إبراهيم كثيرا فقد شعرت
بذلك في حديثه معهما. لكنه جابر الذي لا يفصح عما
في نفسه بسهولة. حين حاولت بشكل غير مباشر معرفة
رأيه بهما بعد ذهابهما لجناح الضيافة، أجاب بعبارة
مقتضبة ونهض لينهي الحديث بحجة ذهابه للنوم لكن
أمي أشارت لي بابتسامتها وعينيها بأنه وافق على خطبتي
لسمراء.
زفر نوار بارتياح وقال وهو يعانق مصعب بحماس:
- فليتم الله فرحتكما.
دعا مصعب بلهفة: - آمين.
- هل ستقابلها؟
ردّ مصعب بحسرة: - ليتني أستطيع. لكنهما سيغادران
عائدين إلى البصرة قبل فجر الغد.
قال نوار بمكر: - أعانك الله على نار الشوق يا صاحبي.

بعد ليلة أرّقها فيها التفكير بمصعب، لم تستيقظ سمراء
إلا بعد عدة محاولات لإبراهيم كي يوقظها.
انطلقا في طريقهما إلى حيث اجتمع باقي المسافرين في
القافلة عند بوابة بغداد الجنوبية. تنهدت سمراء وربتت
على ظهر جوادها وهي تذكر لقاءاتها بمصعب عند
بوابات المدينة. متى ستراه ثانية يا ترى؟ وماذا سيكون
من شأنهما بعد لقائها ووالدها بوالده؟
وبينما هي غارقة في افكارها، سمعت صوت امرأة تقول
لاهثة: - حمدا لله أنني أدركتكم.
تفحص إبراهيم عدد الجمال والأحصنة في قافلته وقال
لها: - لقد اكتمل عدد المسافرين على قافلتي. أنت لست
ضمن المسافرين، أليس كذلك؟
قالت المرأة ذات النقاب:
- صدقت. لقد سمعت في وقت متأخر أمس بأن قافلة
ذاهبة إلى البصرة فخرجت لملاقاتكم والسفر معكم.
قال إبراهيم: - لكن كيف ستسافرين معنا؟ لا يوجد
لدي هودج أو جمل ليحملك.
- سأعطيك ما تريد. فقط خذني في قافلتك يا عم.
- ليس الأمر متعلقا بالنقود يا ابنتي.
قالت المرأة متوسلة: - أرجوك يا عم، وصلني رسول
يخبرني أن أبي على فراش المرض ويطلب رؤيتي. يجب أن
أذهب اليوم إلى البصرة.
غاص قلب سمراء وهي تتخيل نفسها مكان تلك المرأة.
تخيلت والدها الغالي وآخر فرد في عائلتها مريضا ويطلب
رؤيتها فقالت بصوت مهتز:
- أرجوك يا أبي فلنأخذها معنا.
- لكن كيف؟! ليس لدي دابة تسافر على ظهرها.
قالت المرأة متوسلة: - أرجوك يا عم، يجب أن أسافر
اليوم فلا توجد قوافل أخرى خلال الأيام القادمة متجهة
إلى البصرة.
قالت سمراء وهي تمد لها يدها: - اصعدي خلفي فجوادي
قوي وسيتحملنا معا، خاصة أنك نحيلة القوام مثلي.
هتفت المرأة بسرور بالغ: - بارك الله فيك يا أخيتي.
وأسرعت بالجلوس خلف سمراء على ظهر جوادها.

مسحت فاطمة دموعها وهي تمسح على رأس تلك التي
ربتها كابنة لها وتمتمت:
- لهف قلبي عليك يا صغيرتي. لماذا يحدث لك هذا؟ ألا
يكفي كل ما قاسيته في حياتك من آلام؟!
ربتت ريم على ذراع والدتها تحاول أن تهدئها بينما هي
أصلا ترتجف فزعا حتى أن صوتها خرج مرتجفا حين
قالت: - لا تقلقي يا أمي، ستكون بخير إن شاء الله.
تنهدت فاطمة بوجع ثم رفعت يديها بالدعاء:
- اللهم إني لا أسألك رد القضاء بل أسألك اللطف فيه.
طرق باب الدار فذهبت فاطمة لتفتحه. أطل وجه عمر
الذي علاه التعب فدعته للدخول إلى البهو.
- كيف هي الآن يا خالة؟ ألم تصحُ بعد؟
قالت فاطمة وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
- كلا يا ولدي. ما تزال على حالها. كل شيء فيها ساكن
عدا ذلك النبض.
حملت زبيدة صغيرها واتجهت إلى باب الدار حين سمعت
عمر يكلم فاطمة. سألته بقلق:
- ماذا يقول أستاذك عن حالة سمراء؟ هل ستتعافى؟
حمل زيد الذي مدّ يده نحوه مطالبا بالذهاب إليه ثم قال:
- وضعها صعب فقد نزفت كثيرا حتى وصلنا إلى داره.
جسمها ضعيف جدا لكن الخطر قد زال عنها لأن الطعنة
لم تنفذ في جسمها كثيرا. ربما بسبب سماكة ثيابها
وعباءتها الرجالية التي كانت ترتديها.
مسحت زبيدة دموعها وهي تدعو لسمراء بصمت بينما قال
عمر بعدما قبل زيد وأعاده لأمه: - حين تستيقظ أعلمنني
كي أحضر (أبا سعيد) ليراها. والآن سأذهب.
- في أمان الله.
مرت الساعات صعبة بينما يراقب الجميع سمراء وهي
مغمضة العينين ومستغرقة في ذلك السبات المقيت.
كان إبراهيم جالسا قربها، يمسح على جبينها وهو يتلو
آيات من القرآن الكريم أو يدعو لها بالشفاء. أطلق آهة
أحرقت فؤاده وراح يكلمها هامسا ودموعه تتساقط:
- هل ستتركينني أنت أيضا؟ كوني قوية وابقي معي فلا
طاقة لي بتحمل فاجعة جديدة يا نور عيني.
قالت فاطمة: - ادعُ لها الله بالشفاء يا إبراهيم.
بكى إبراهيم ودعا بصمت بينما دعت زبيدة وريم لسمراء
وهما ممسكتين بيدي بعضهما.
حالما فتحت عينيها، رأت الجميع حولها. أصواتهم
متحشرجة بغصة البكاء وهم يهمسون بحمد الله على
نجاتها وعيونهم تذرف دموع الفرح لأنها صحت أخيرا.
هاجمها ألم حاد في خاصرتها اليمنى فتأوهت.
أمسك إبراهيم كفها وهو يقول:
- ليتني أستطيع تحمل الألم عنك يا بُنيّتي.
قالت بصعوبة: - فليحفظك الله من كل شر يا أبي.
قالت زبيدة وهي تنهض: - سأذهب لأخبر عمر كي يحضر
الطبيب أبا سعيد لرؤيتك.
قال إبراهيم: - بل أذهب أنا يا ابنتي.
وريثما وصل إبراهيم مع عمر وأبي سعيد، حاولت فاطمة
إعطاء سمراء الماء والشراب الذي أوصى لها به أبو سعيد.
دخل الطبيب وجلس قرب سمراء وقال:
- كيف تشعرين يا ابنتي؟
قالت بصوت متعب: - الحمد لله. يكفي أنني حية بعد
تلك الطعنة.
قال عمر: - حمدا لله على سلامتك يا أختاه.
- سلمت.
بعدما أنهى أبو سعيد فحصه لسمراء، خرج إلى البهو مع
إبراهيم حيث اجتمع الكل بانتظاره. سألت فاطمة:
- كيف حالها؟
- متعبة جدا. لكنها ليست بخطر. يجب أن تهتمي
بتغذيتها جيدا، وسأخبرك بما ستقدمينه لها من طعام
وشراب كي يساعدها في التماثل للشفاء سريعا.
غادر عمر مع أستاذه بينما عاد الجميع الى الغرفة حيث
ترقد سمراء.
سألها إبراهيم والاستغراب باديا على وجهه:
- ماذا حدث يا ابنتي؟ سمعت فجأة صرختك فتفقدت
القافلة ولم أجدك بيننا. عدت مسرعا أدراجي براحلتي
لأجدك ملقاة على الأرض وأنت تنزفين، ولم أجد تلك
المرأة التي ركبت خلفك. أهي من فعلت بك ذلك؟
أومأت وهي تتذكر تلك التي طعنتها وهي تقول والحقد
يطل من عينيها " لن تنجي هذه المرة أيتها الفارسة. "
سألته فاطمة باستغراب: - أتعني تلك المرأة التي حدثتنا
عنها؟
- نعم يا فاطمة. لم أظن أنها كانت تكذب وهي تتوسل
إلي لآخذها معنا إلى البصرة، كي تطعن ابنتي بكل
خسّة.
سألتها زبيدة: - أتعرفينها يا سمراء؟! من هي؟
سألها إبراهيم: - هل رفعت النقاب عن وجهها ورأيتها؟
قالت بصوت متعب: - جذبت النقاب عن وجهها قبل أن
تهرب. لم أرها قبلا في حياتي.
تساءلت ريم باستغراب: - من تكون هذه المرأة؟ لماذا
تحاول قتلك مع أنكما لم تلتقيا قبلا؟
سألها إبراهيم: - لماذا كنت متخلفة عن القافلة؟ لقد
وجدتك على مسافة بعيدة خلفنا.
- ما إن سرنا مسافة بسيطة، حتى قالت بأنها متعبة وتشعر
بالدوار. أوقفت الجواد ونزلت وساعدتها على النزول..
جلسنا حتى تتحسن ثم نستأنف سيرنا. وفجأة، طعنتني
بسكين ثم هربت مسرعة. لم أشعر بما فعلته حتى
سحبت سكينها فأطلقت تلك الصيحة التي سمعتها يا
أبي.
ولم تذكر سمراء تلك الكلمات التي حيرتها.
" ماذا كانت تقصد تلك المرأة حين قالت لي لن تنجي
هذه المرة أيتها الفارسة؟ وكأنها تعرفني، وكأنها حاولت
قتلي قبلا. لكن كيف وأنا لم ألتقِ بها سابقا؟! "
على الرغم من الألم الذي كانت تشعر به فقد استسلمت
سمراء للنعاس والوهن الذي شعرت به وكلمات المرأة تطن
في أذنيها.
بقيت سمراء في الأيام التالية في دار فاطمة، تعتني بها
وتجبرها على تناول الطعام باستمرار كي تقوى على
المقاومة والشفاء بسرعة. وسهرت قربها ليالي كثيرة
حين كانت ترتفع حرارتها. أما زبيدة وريم فقد تناوبتا
على العناية بها نهارا.
قال إبراهيم بامتنان وهو ينظر لوجه سمراء الذي خف
شحوبه:
- لولا فضل الله أولا ثم عنايتك بسمراء لما تحسنت
بهذه السرعة.
اعترضت فاطمة وهي تمسح على شعر سمراء:
- ماذا تقول؟ إنها ابنتي.
قالت سمراء بابتسامة وهي تمسك كف فاطمة:
- سلمت يا خالتي.

خرج مصعب مسرعا من دكانه فتبعه نوار الذي كان
يقف قربه وهتف يسأله وهو يرى تغير ملامحه: - ما بك
يا مصعب؟! إلى أين تتركني وتذهب؟
قال بقلق وهو يكمل سيره لنوار الذي وصل قربه:
- لقد لمحت العم إبراهيم هناك. كيف يسافر الى
البصرة ويعود لبغداد خلال أسبوعين فقط؟!
أيده نوار: - محال أن يكون وصل الى البصرة وعاد.
قال مصعب وهو يحث الخطى كي يلحق بإبراهيم الذي
اتجه لدكان الأعشاب المقابل لدكان مصعب:
- أخشى أن مكروها قد حدث معهما.
ألقى مصعب السلام بصوت قلق متلهف على إبراهيم الذي
كان موليا ظهره.
- وعليكم السلام.
قالها إبراهيم بعدما استدار نحو مصعب الذي ازداد قلقا
حين رأى وجه إبراهيم المجهد.
- تبدو مجهدا كثيرا، وأظنك لم تصل البصرة، فلا
يمكن أن تذهب وتعود لبغداد في هذه الفترة. هل حدث
مكروه؟
قال إبراهيم وهو يومئ برأسه إيجابا:
- بل لم أغادر بغداد أصلا.
زادت ضربات قلبه القلقة وسأله: - ماذا حدث يا عم؟
- تعرضت سمراء لمحاولة قتل.
شحوبه وتغير ملامحه وتلك الصيحة التي أطلقها بكلمة
" ماذا " جعلت نوار يسرع بجذب ذراع مصعب لتنبيهه
والتدخل كي لا يشك إبراهيم..

نهاية الفصل

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:40 pm

الفصل الثالث عشر
والأخير

شحوب مصعب وتغير ملامحه وتلك الصيحة التي أطلقها
بكلمة " ماذا " جعلت نوار يسرع بجذب ذراعه لتنبيهه
والتدخل كي لا يشك إبراهيم: - من حاول قتلها؟
وقبل أن يرد إبراهيم سأل مصعب وقلبه يرتجف خوفا
عليها: - هل هي بخير؟
- حمدا لله أن الطعنة لم تنفذ لكنها نزفت كثيرا حتى
أوصلتها إلى دار الطبيب. كانت متعبة جدا ومقاومتها
ضعيفة لكنها الان أفضل.
مع أنه ارتاح بعض الشيء إلا أن قلقه لم يكن ليهدأ. حاول
إخفاء اللهفة في صوته وهو يقول:
- سلمها الله من كل سوء.
- سلمت يا ولدي.
ثم قال وهو يتمنى أن يقع ذلك الذي حاول إيذاءها بين
يديه ليفعل به الأعاجيب:
- كيف حدث ذلك؟ ومن حاول قتلها؟
قال إبراهيم والحيرة تسيطر على كلماته:
- امرأة لم ترها في حياتها. لقد جاءتنا متوسلة كي
نأخذها معنا في القافلة إلى البصرة، ولأنه لم يكن لدينا
راحلة تركب عليها فقد طلبت منها سمراء أن تركب
خلفها على جوادها. وفي غفلة منا، فاجأتها بطعنة من
سكينها.
عادت به الذاكرة إلى ذلك الرجل المجهول الذي حاول
قتلها مرة في صحراء بغداد ثم قطع خيوط أفكاره ليسأل
إبراهيم بعد تردد:
- أين تقيمان الآن؟ أعني هل أنتما مرتاحان في مُقامِكما؟
أتمنى لو تشرفنا بالبقاء في دار والدي وسنخصص جارية
لتعتني بسمراء.
ربت إبراهيم على كتفه: - سمراء في دار زوجة صديق
قديم لي وهي تعتني بها وكذلك ابنتيها رفيقتي سمراء.
فكر مصعب " ليستا سوى زبيدة وأختها ريم والمرأة هي أم
ريم. جيد أنها لا تقيم في دار عمر وزبيدة "
- وأنا أقيم في دار عمر ابن علي. حفيد الحارث، التاجر
الكبير في السوق. لا بد أنك تعرفه.
أومأ مصعب إيجابا متمنيا الانتهاء من هذا التعريف
بأشخاص لن ينساهم أبدا بينما قال نوار:
- ومن لا يعرف الحارث أبا الفاروق؟
عاد مصعب يسأله: - هل أحضر طبيبا آخر كي يراها؟
قال إبراهيم: - أحضر عمر الطبيب أبا سعيد ليرى سمراء
فهو أستاذه. إنه طبيب جيد وقد تحسنت سمراء بفضل الله
أولا ثم بما وصفه لها من عقاقير وأعشاب. سلمت يا مصعب.
سأله مصعب وهو يشعر ببعض الضيق لأنه صار ممتننا لعمر
لاهتمامه بسمرائه:
- هل يمكن أن تزورها أمي لتطمئن عليها؟
قال إبراهيم وهو يدفع للبائع ثمن ما اشتراه من أعشاب
لسمراء: - لا تخبر والدتك كي لا تقلق. سمراء الآن
بخير والحمد لله.
أصرّ مصعب: - كيف ذلك يا عماه؟ يجب أن تزورها
وتطمئن عليها. لن ننسى ما فعلتماه معي حين مرضت.
- مرحبا بها في أي وقت يا ولدي.
قال مصعب بلهفة: - اليوم. (ثم استدرك) اليوم سأخبرها
وتزورها غدا إن شاء الله.
- إن شاء الله. والآن اعذراني، فيجب أن أذهب.
سأله مصعب: - في أي مكان من السوق يمكن أن أجدك؟
- إما في دكان الحارث أو في ملتقى أصحاب القوافل في
السوق. لكنني أغلب الوقت قرب سمراء ولا آتي هنا إلا
قليلا.
- حسنا. رافقتك السلامة يا عم.
بالكاد استطاع مصعب السيطرة على انفعالاته وقلقة أمام
إبراهيم، لذا حالما ابتعد عنهما التفت لنوار وهو يقول
بصوت يرتجف قلقا: - لن أطمئن أنها بخير حتى أراها.
رمقه نوار بنفاذ صبر: - وكيف ستراها؟ غدا تذهب
والدتك لرؤيتها وتعود كي تطمئنك عنها إن شاء الله.
قال بصوت مضطرب: - إن شاء الله. لكن من تكون تلك
المرأة ولماذا حاولت قتلها؟!
- ربما لها أو لوالدها عدو يتتبعهما.
قال مصعب وهو شارد الأفكار: - لا أعرف. لكن عقلي
يربط بين هذه الحادثة وتلك التي تعرضت لها سمراء في
الصحراء على يد ذلك الملثم.
- أتظن أن وراءهما الشخص نفسه؟
قال مصعب بثقة: - بالتأكيد. شخصان طيبان مثلهما لن
يكون لهما أعداء كثر بل أستبعد أن يكون لهما عدو
أصلا.
قال نوار وهو يسير معه عائدين للدكان:
- ربما يكون شخصا حاقدا على والدها بسبب عمله.
عارضه مصعب بعدم اقتناع:
- لكان فعل ما فعل في البصرة. لماذا حدثت المحاولتان
هنا في بغداد؟ ولماذا يحاول قتلها هي وليس والدها؟ أظنه
شخصا يقصدها وهو في بغداد. لكن من؟

في بهو دار فاطمة، اجتمع إبراهيم بابنته وفاطمة
وابنتيها. قال إبراهيم قبل أن يعود لدار عمر مع زبيدة:
- لديك زائرة غدا يا سمراء.
قطبت سمراء جبينها واستغربت مثل الأخريات.
- من هي يا أبي؟
- والدة مصعب.
تبادلت الفتيات نظرات الدهشة بينما استرسل إبراهيم
بالحديث يخبرها عن لقائه بمصعب ظهر اليوم. سألته
فاطمة: - من هو مصعب هذا؟
خفق قلب سمراء شوقا، وقلب زبيدة قلقا وكأن عمر يقف
خلف الباب مستمعا للحديث وسيحملها مسؤولية ذكر
إبراهيم لمصعب أمامها.
قال إبراهيم لفاطمة التي لم تسمع باسم مصعب قبلا ولا
تعرف أنه من اشترى زبيدة جارية له:
- إنه تاجر وابن تاجر كبير في سوق بغداد. أصيب بمرض
أثناء تواجده في البصرة للتجارة فعالجته سمراء، ومكث
ووالدته في داري عدة أيام. كما أني وسمراء زرناهما في
دار والده. إنهم أناس طيبون ويقدرون ما فعلته سمراء لشفاء
مصعب.
همست ريم لسمراء لتكسر ذلك التوتر الذي شُحِنت به
الأجواء:
- يكفي أن تنظر إليه سمراء وتهمس بحبه فيشفى.
كتمت الاثنتان ابتسامتيهما فأضافت:
- ألم تهمسي له بها بعد؟
رمقتها سمراء محذرة بنظرة حادة رغم الابتسامة على
وجهها وقالت: - اخرسي!

في تلك الليلة، عاد مصعب لداره بعدما ذهب لدار والده
وأخبر أمه بما حدث لسمراء فأكدت له أنها ستزورها في
اليوم التالي لتطمئن عليها.
أثارت ملامحه قلق عاتكة فسألته:
- ما بك يا ولدي؟ تبدو قلقا ومهموما.
- آه، أنا متعب يا أم.
قالت وهي تربت على ذراعه: - اذهب لغرفتك يا ولدي
وسأحضر لك شراب أعشاب يهدئك قليلا. وهناك
ستقص عليّ ما حدث.
جلس مصعب على سريره مُتكئا وبين يديه كأس العصير
الذي أحضرته له عاتكة التي سألته بقلق:
- ما بك يا ولدي؟ ما الذي قلب حالك فجأة؟!
ردّ بصوت متعب وهو يريح رأسه على مسند السرير:
- سمراء يا خالة.
- ما بها؟ ألم يوافق والدك على خطبتها لك؟ ماذا
استجد الآن؟
- تعرضت لمحاولة قتل.
شهقت عاتكة وسألته: - هل هي بخير؟!
- لقد رأيت والدها في السوق فقد عاد بها مسرعا إلى
بغداد التي لم يغادراها فقد حدث الأمر في صحراء بغداد.
يقول والدها أنها بخير. كم أتمنى رؤيتها. سأحاول الصبر
والاكتفاء بما ستنقله لي أمي عنها حين تزورها غدا.
- ستكون بخير إن شاء الله. لكن ألا تستطيع الذهاب مع
أمك لرؤيتها؟
- إنها تقيم في دار المرأة التي ربت زبيدة.
سكن الاشتياق قلب عاتكة حين سمعت اسم زبيدة
فسألته وهي تنظر في عينيه: - أتخشى لقاء زبيدة؟
أومأ برأسه إيجابا فعادت لتسأله بدهشة هذه المرة:
- أما زال في قلبك شيء نحوها؟!
قطب مصعب جبينه استغرابا وقال:
- كلا يا أم. لا أريد لقاءها حرصا على مشاعر سمراء،
وكي لا أسبب المشاكل لها مع زوجها. كما أنني من
الممكن ألا أجد العم إبراهيم هناك وعندها لن أستطيع
دخول الدار على أي حال. وأيضا كي لا أثير شك العم
إبراهيم.
- حسنا. حدثني الآن عما حصل لسمراء.
قص عليها مصعب ما أخبره به أبراهيم ثم قال:
- لقد تعرضت مرة لمحاولة قتل في بغداد أيضا. حين كنا
نلتقي عند أطراف المدينة. أظن أن وراء الحادثتين شخص
واحد.
سألته عاتكة: - أكانت امرأة أيضا؟
- بل كان رجلا. يبدو أن هناك من يتتبعها. لكن من
وهي لم تزر بغداد سوى مرتين؟!
شردت للحظات استرجع فيها عقلها ذكريات قريبة ثم
التفتت لمصعب وقالت بابتسامة:
- سأذهب مع والدتك. أريد رؤية الفتاة التي سلبتك
قلبك فأنا لم أرها حتى الآن.
سألها بمكر وقد اقترب منها: - أتريدين رؤيتها أم.. رؤية
زبيدة؟
قالت بعد ضحكة قصيرة: - بل أريد رؤيتهما معا.
ضحك ثم قال وهو يضع كأس العصير الذي فرغ منه
جانبا: - سيأخذك قيس لدار أبي، ومنه يوصلكما أنت
وأمي إلى دار والدة ريم.
أومأت مبتسمة وفي رأسها أمر أكبر وأهم من رؤيتها لسمراء
أو زبيدة.

وقفت سمراء لاستقبال آمنة وعاتكة فأسرعت آمنة
بالقول وهي تتقدم نحوها:
- ابقي مرتاحة يا ابنتي. حمدا لله على سلامتك.
عانقتها سمراء وهي تقول: - سلمت يا خالة.
تقدمت عاتكة وهي تتأمل وجه الفتاة التي ملكت قلب
مدللها الغالي. ابتسمت وهي تحمد لها السلامة ثم عانقتها
وهمست: - أخيرا رأيتك.
رمقتها سمراء بخجل وارتباك فابتسمت وجلست قرب
آمنة، على مقربة من سمراء. أول سؤال طرحته آمنة بعد
الاطمئنان على صحة سمراء كان عن تفاصيل ما حدث
لها على يد تلك المرأة المجهولة.
قصت عليها سمراء ما حدث فقالت آمنة مستغربة:
- لماذا ستؤذيك وأنتما لم تلتقيا يوما؟!
- لا أعرف يا خالة. كانت تنظر إليّ بحقد حيرني، وكأن
لها ثأرا عندي.
كانت عاتكة تحدق بسمراء وتحلل كل كلمة تقولها.
وحالما ذهبت فاطمة وريم إلى المطبخ لإعداد واجب
الضيافة لهما، أسرعت عاتكة بسؤال سمراء بعدما جلست
قربها: - هل تستطيعين وصف المرأة التي طعنتك؟
أومأت وقالت مع استغرابها سؤال عاتكة:
- كانت جميلة جدا. بيضاء البشرة وشعرها بني فاتح.
عيناها واسعتان بأهداب كثيفة و.. وجهها بيضوي تقريبا.
أكملت عاتكة بصيغة السؤال وهي تترقب إجابة سمراء:
- ولها خال اسود صغير على خدها الأيمن وعنقها طويل.
وهي نحيفة لكنها أضخم بنية منك قليلا.
رمقتها سمراء باستغراب وحاولت المقارنة بين المرأة
والصفات التي ذكرتها عاتكة فتذكرت ذلك الخال
المميز رغم صغره، ربما لأنه يناقض بياض بشرتها. كما
تذكرت هيئة المرأة وذلك العنق الطويل الذي رأته حين
نزعت عنها النقاب بعنف لترى ملامحها.
- أنت تصفينها. من هي يا خالة؟
قالتها سمراء بصوت مرتجف فسألت آمنة بدهشة:
- من أين تعرفينها يا عاتكة؟
- منذ البداية كان مصعب يربط بين هذه الحادثة وتلك
التي تعرضتِ لها في الصحراء. كان متأكدا أن وراءهما
الشخص نفسه.
قالت سمراء: - وأنا أيضا كنت متأكدة يا خالة فقد قالت
لي وهي تطعنني لن تنجي هذه المرة أيتها الفارسة.
قالت عاتكة بغضب واستنكار:
- لقد شككت منذ البداية بها حين ربطت بعض
الاحداث في رأسي لكنني اردت التأكد، ولهذا أتيت
لأتحقق من الأمر. إنها غرام جارية مصعب.
قالت آمنة محذرة عاتكة: - لا تخبري مصعب بالأمر وإلا
قتلها في ساعتها.
- كلا طبعا. لكن يجب..
لم تكمل عاتكة حديثها بسبب دخول فاطمة وريم
البهو وهما تحملان العصير والفاكهة.

جلست آمنة وعاتكة في البهو الصغير في دار جابر،
تتحدثان عن طريقة تُعاقَب بها غرام على فعلتها دون ان
يعلم مصعب بشيء في البداية.
سألت آمنة باستغراب: - كيف شككت بها يا عاتكة؟!
- حين أخبرني مصعب بما حدث لسمراء، تذكرت شيئا لم
أعره اهتماما في حينه. خاصة حين ذكر أن سمراء قد
تعرضت سابقا لمحاولة للقتل على يد رجل ملثم.
قالت آمنة:
- حدثني عن ذلك الأمر حين سألته عن تلك الندبة
الطويلة في فك سمراء الأيسر. هذا يعني أنها كانت
تراقبهما حين شعرت بتغير مصعب معها وعرفت المكان
الذي يلتقيان فيه فأرسلت من يحاول قتلها.
اكملت عاتكة:
- أو أرسلت من يراقبهما، فهي لم تكن تخرج يوميا في
تلك الفترة. المهم أني شككت بها حين تذكرت أنها
يوم سفر سمراء ووالدها خرجت من الدار قبل الفجر
بهدوء. ولحمقي لم أتبعها أو حتى أسألها عن سر خروجها
خلسة. ظننت أنها تود السير في حديقة الدار لأن النوم
جفاها. فهي تتصرف بغرابة منذ هجرها مصعب.
تساءلت آمنة: - كيف عرفت بموعد سفر سمراء؟ بل
كيف عرفت بوجودها في بغداد أساسا؟
- لا بد أنها سمعت ذلك من مصعب لكن كيف، لا علم
لي بذلك.
قالت آمنة بغضب: - تلك الخبيثة يجب أن تلقى جزاءها.
لكن يجب أن نضع خطة محكمة كي تعترف بنفسها
بفعلتها، وأمام صاحب الشرطة أيضا.

لم تحصِ آمنة عدد المرات التي كرر فيها مصعب سؤاله
إن كانت سمراء بخير. قالت له أخيرا بحزم:
- هل سأكذب عليك؟! أخبرتك أنها بخير فاهدأ.
- اعذريني يا أمي فأنا قلق جدا عليها.
ثم مازحها وهو يأخذ يدها: - هل ستغارين من زوجة ابنك
منذ الآن؟
سحبت كفها من كفه وقالت بلهجة عتاب:
- لن تعيش في داري كي أغار منها. ربما تكون عاتكة
أولى بذلك الشعور فهي من ستعيش معها.
تساءل رافعا حاجبيه باستغراب:
- أتغارين عليّ من الخالة عاتكة؟
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تتساءل بمرارة:
- ألا تغار الأم حين يتركها فلذة كبدها ليقيم في دار
أخرى مع من ربته؟ حين تراه مربيته أكثر منها هي؟
وحين تسمعه يناديها بأمي؟ أحيانا أظنك تحبها أكثر
مني.
دمعت عينا مصعب وجثا على الأرض أمامها. قبّل يديها
بحرارة ومسح دموعها.
- تكتمين كل هذا في نفسك منذ سنوات؟ لماذا لم
تأمريني بالعودة للدار إذن؟
أشاحت بوجهها عنه وهي تجيب: - خشيت أن تخالف
رغبتي وتختار حريتك كما أسميتها حينها فآثرت
الصمت.
تطلع إليها وسألها بلهفة: - ألا يرضيك ويمحو غضبك،
أن أعود للعيش معك؟
لامست وجهه وهي تقول: - وهل غضب قلبي منك يوما يا
حبيب قلبي؟
نهض ليضمها بقوة وهو يهمس: - لا أحد يداني مكانتك
في قلبي حتى من ربتني.
ابتسمت آمنة برضا وهي تربت على رأسه.

طرقت عاتكة باب غرفة غرام ودخلت فقالت لها
بابتسامة: - تفضلي يا خالة.
قالت عاتكة وقد رسمت علامات الشفقة على وجهها:
- لم أرد أن أنقل لك الخبر بنفسي، لكن مصعب طلب
مني ذلك لصعوبة الأمر عليه.
نهضت غرام وقد اكتست ملامحها بالقلق واضطربت
أنفاسها: - ماذا هناك؟!
- لقد قرر مصعب أن يمنحك حريتك.
هتفت بغضب: - تبا لحريتي! ومن قال له أنني أريدها؟
فكرت بحنق " لا بد أنه يريد إخلاء الدار لتلك الدخيلة
التي لا يعلم أني قتلتها بيدي. لقد اكتسى وجهه بالهم
في الأيام الاخيرة منذ فارقها. فماذا سيفعل لو علم أنه
فارقها للأبد؟ حينها سيأتي دوري لأنسيه ذكراها وأعيده
إليّ "
انتبهت من أفكارها حين قالت عاتكة:
- لقد قرر وانتهى الامر. أعرف كم يصعب عليك فراقه
لكن ما باليد حيلة.
قررت عدم الاستسلام لرغبته بعتقها والمماطلة في الامر
حتى يعلم بموت حبيبته فحينها سيعدل عن قراره
بالتخلي عنها.
" إن أعتقني فسيكون لأجل الزواج بي لا لإبعادي. لن
أسمح له بإبعادي عنه. "
قالت لعاتكة بإصرار: - سأكلمه حين يعود وأقنعه
بالعدول عن رأيه.
قالت عاتكة والغضب يغلي داخلها بخلاف وجهها الذي
عكس التعاطف: - لن يغير رأيه فتلك رغبة خطيبته.
كتمت غرام ضحكة صفراء شامتة وهي تذكر قتلها
لسمراء - كما تظن - وقالت متظاهرة بالدهشة:
- أيّة خطيبة هذه؟
ردّت عاتكة: - الفتاة التي أحبها وتغير عنك لأجلها يا
غرام. لقد خطبتها وقد طلبت خلو داره من الجواري.
زفرت بغيض. " تبا لها. تغيظني حتى بعد مماتها. " ثم
قالت لعاتكة بغضب: - هكذا إذن! حسنا.. فليؤجل الأمر
حتى موعد زواجه منها.
قالت عاتكة لتمعن في استفزازها:
- زواجهما قريب، لذا يريد إتمام الأمر اليوم فاستعدي.
لم تستطع منع ابتسامة ساخرة من الظهور على شفتها وهي
تقول: - قريب؟ متى؟
- هذا الاسبوع.
قالت غرام بحدة: - مستحيل.
سألتها عاتكة وقد قست ملامحها:
- ولماذا يكون مستحيلا؟
بلعت ريقها وقالت بارتباك: - لأنه لا يعقل أن يتزوج بهذه
السرعة.
قالت عاتكة بابتسامة: - ولما لا؟ الاستعدادات للزفاف
تجري على قدم وساق في دار سيدي جابر، والعروس وصلت
من البصرة.
جحظت عينا غرام وهي تحدق بعاتكة وقالت بأنفاس
متقطعة وصوت شبة هامس: - أيّ عروس؟
قالت عاتكة بلهجة مستفزة: - هل افقدتك الغيرة
تركيزك؟ سمراء عروس مصعب.
- أنت كاذبة، فهذا مستحيل.
وهنا انفجرت عاتكة تصيح بصوت حاد:
- مستحيل لأنك قتلتها بيدك، أليس كذلك؟
- نعم!
صاحت غرام دون وعي منها ثم شهقت بفزع نادمة على ما
تفوهت به من حماقة في لحظة انفعال.
اندفع مصعب نحوها من باب الغرفة ثائراً فتراجعت غرام
للوراء حتى التصقت بالحائط بينما انقض جابر وصاحب
الشرطة عليه ليمنعاه من إنزال غضبه بها. ودخلت آمنة
خلفهما والغضب والقلق باديان على وجهها.
قال صاحب الشرطة بحزم وهو يحاول تهدئة مصعب:
- لا ترتكب ما تندم عليه يا سيدي.
كانت غرام ترتجف كالسعفة وقد خلت الدماء من
وجهها وتجمدت أطرافها وهي تحدق بهم. صاح مصعب وهو
يحاول تحرير يديه من قبضتي والده وصاحب الشرطة:
- هل أنتِ شيطانة؟ تحاولين قتلها مرتين كي تبعديها
عني فقط؟
همست بصوت مرتعش: - لأنني أحبك.
صرخ بها: - أنت شيطانة لا تعرف الحب.
نادى صاحب الشرطة على الحارس ليأخذ غرام التي
انهارت أرضا وهي تبكي إلى مقر الشرطة ثم قال:
- ستنال جزاءها العادل بعدما ينظر القاضي في أمرها.
لكن ذلك لم يكن ليخمد نيران غضب مصعب. وما
كان منه حين مرت غرام قربه والحارس يقودها إلا أن
صفعها بكل ما تحمّل من حزن وقلق على سمراء في الأيام
الماضية وفي محاولتها الأولى لقتلها بواسطة ذلك
الرجل، فسقطت أرضا فأسرع الحارس باقتيادها إلى الخارج.
قبل أيام، أخبرت آمنة والد مصعب بشكوكها هي
وعاتكة بغرام ومطابقة أوصافها للمرأة التي طعنت سمراء
فوضع معها خطة للإيقاع بغرام واعترافها بجرمها بوجود
صاحب الشرطة. وتم ذلك بتلك الحيلة التي أوقعتها
فيها عاتكة بينما كانا خارج الغرفة مع صاحب الشرطة
ومصعب يسمعون حديثهما.
وكم كان إقناع مصعب صعبا بالصمت حتى تنكشف
كل الحقيقة. وكم لعن نفسه لأنه لم يشك بغرام منذ
البداية خاصة حين تذكر أنه لمحها قرب باب البهو ليلة
كان يحدث نوار عن موافقة والده على خطبته لسمراء
وسفرها للبصرة فجرا.
لكنه حينها لم يظن أنها سمعت شيئا كما أنها تصرفت
بدهاء كي لا يشك بها فنادته حالما لمحها وسألته إن
كان يريد شيئا قبل خلودها للنوم.

كانت سمراء تلاعب زيدا الذي جلس في حضنها يحاورها
بغمغمته وحركات يديه، فقد اعتاد رؤيتها في الأسابيع
الثلاث الماضية يوميا وصار وجهها مألوفا لديه كوجه
فاطمة وريم.
أما إبراهيم فمع حبه الشديد له كان زيد يخشاه ويصرخ
حين يراه. قالت سمراء وهي تضمه:
- كم سأفتقدك يا صغيري حين أعود إلى البصرة.
عبست زبيدة وريم حزناً بينما قالت فاطمة:
- لا تذكريني. قلبي ينقبض كلما تذكرت أنك قد
تفارقينا بعد أيام.
تنهدت بحزن هي الأخرى وفكرت بمغادرتها بغداد دون
رؤيتها لمصعب ثم قالت:
- قال الطبيب أبو سعيد أنني شفيت ويمكن أن أتحمل
مشقة السفر، لذا لا داعي لبقائنا هنا أكثر.
ضيقت ريم عينيها بمكر وهي ترمقها وكأنها تقول لها "
ألا تتمنين إطالة البقاء لأجل مصعب؟ "
طرق الباب فذهبت فاطمة لفتحه، لتعود بعد قليل ومعها
إبراهيم. ألقى السلام وجلس قرب سمراء فسألته وهي ترى
اضطرابا خفيفا في وجهه: - ما بك يا أبي؟
نظر في عينيها الحبيبتين وخيم الحزن على نظراته
فعادت لسؤاله بنظرات زائغة وصوت يعكس القلق:
- ما بك يا أبي؟ تكلم.
اجاب بما لم تقتنع به: - أنا متعب ليس إلا فلا تقلقي.
استعدي فسنرحل بعد غد.
- حسنا يا أبي.
أشارت لريم وزبيدة بعينيها فقالت زبيدة وهي تنهض:
- لنذهب إلى الغرفة كي نساعدك في جمع اغراضك.
دخلن الغرفة ووقفن عند بابها على أمل أن يفضي إبراهيم
بما في قلبه لفاطمة، فهي بالتأكيد لم تقتنع مثلهن بما
قاله إبراهيم عن سبب وجومه ولا بد ستسأله عن السبب
الحقيقي. وكما توقعن، قالت فاطمة:
- أخبرني الحقيقة فأنا أعرفك جيدا.
تطلع إليها وقال بحزن:
- قابلني اليوم والد مصعب عند تجمع أصحاب القوافل في
السوق بينما كنت أدون عدد المسافرين معنا في رحلتنا
للبصرة.
ترقبن ما سيتبع ذلك وقد توقعن خبرا لن يسر أحدا حين
صمت. وارتجف قلب سمراء خشية أن يكون الأمر متعلقا
بمصعب، وكان كذلك فعلا.
- إنه.. يطلب سمراء زوجة لمصعب.
لم تستطع زبيدة وريم كتمان شهقتي سرور كما لم
تستطع سمراء السيطرة على ارتعاش دهشة وسعادة سرت
في جسدها. أما فاطمة فقالت بعدما تنهدت بارتياح وهي
تضع يدها على صدرها:
- أهذا ما في الأمر؟ أهكذا يكون وجه من تقدم له
خاطب لابنته؟
تساءل إبراهيم وصوته الأجش يهتز تأثرا:
- وهل ذلك هين يا فاطمة؟
دار في رأس سمراء شيء واحد جعلها تشحب خجلا من
والدها وخوفا عليه.. لا بد أنه عرف بما بينها وبين مصعب
فعظم الأمر في نفسه. وكم كانت تلك الثواني طويلة
قبل أن يفصح عن مقصده وهو يكلم فاطمة:
- زواج الابنة يعني فراقها.
أطلقت سمراء زفرة ارتياح وهدأت نفسها أخيرا ليسكنها
سرور جعل كل جزء فيها يضطرب.
سألته فاطمة باستغراب: - لكن كيف يكلمك في امر
كهذا في السوق؟
- مثلي لا يرضى بها ومثل جابر لا يفعلها. لقد قالها تلميحا
لا تصريحا يا فاطمة فقد سألني عن موعد عودتي للبصرة
ثم قال " سأزورك في دارك، فلي حاجة لا أطلبها منك
إلا فيها "، وليس سوى الابنة لا تُطلب من الرجل إلا في
داره.
قالت بابتسامة: - صدقت. والآن أخبرني، ما رأيك في
طلب والد مصعب؟
أرهفت الفتيات الثلاث السمع وقلبهن يخفق ترقبا لما
سيقوله إبراهيم.
- جابر رجل كريم. أما مصعب وأمه فقد قضيت معهما
أياما حين كانا في ضيافتي، ولم أر منهما إلا حسن الخلق
وكرم الأصل.
زادت زبيدة وريم من احتضان سمراء والابتسامة تشق
وجهيهما.
قالت فاطمة بمكر تمازحه:
- إذن، عدا حزنك على فراق سمراء فأنت غير معترض.
أومأ برأسه إيجابا وقال: - ما لم تعترض هي.
قالت زبيدة تشاكس سمراء: - ألديك اعتراض يا بُنيتي؟
أجابتها ريم بنفس النبرة: - نعم. أريد رجلا أفضل منه.
ضربتهما سمراء وهي تبتسم ثم ضمتهما فقبلتا وجنتيها
وهمستا لها بالمباركة باعتبار ما سيكون.

لحظة أشبه بنزع الروح من الجسد، لحظة خروج سمراء
من دارٍ قضت فيها عمرا تحت رعاية أب كان لها الأب والأم
والشقيق، بعد موت والدتها وشقيقيها.
مرت دقائق طويلة وموكب الزفاف ينتظر بينما كانت
هي بين ذراعي والدها. تبكي فراقه فتضمه بقوة وتشتاق
وجهه فتحدق فيه ثم تعود لضمه.
نسيت في تلك اللحظات زفافها ولهفتها على مصعب
وسعادتها بهذا اليوم الذي طال انتظاره، ولم تفكر إلا
بالرجل الذي يحتويها بذراعيه ودموعه تأبى التوقف.
دخلت سمية إلى الغرفة وقالت:
- سيدي، سيدتي. الجميع ينتظركما منذ فترة.
أبعدها وقد استطاع تمالك نفسه بصعوبة وقال:
- هيا يا ابنتي.
أسرعت سمية بمسح أثر الكحل عن وجنتي سمراء بينما
كانت توصيها: - اهتمي بأبي يا سمية أرجوك.
- كيف لا أفعل وقد كان لي أبا طوال سنوات بقائي
عندكما؟
أخذ إبراهيم يدها وسار بها نحو مصعب الذي كان نبض
قلبه تلك اللحظة دويا عنيفا صم أذنيه إلا عن وقع
خطواتها الخجولة.
قال جابر وهو يرى تأثر إبراهيم:
- ستغادر دار أبيها إلى دار أبيها.
قال إبراهيم بصعوبة: - نعم الأب أنت لها. إنها أمانتك يا
مصعب.
كف عن التحديق بها مجبرا ونظر لإبراهيم ثم عانقه
وهو يقول: - في العينين وعلى الرأس يا عم.

كانت تلك الرحلة الأطول والأثقل على قلب مصعب، من
بين كل الرحلات التي قطعها في حياته. رغم أنه سار
بجواده رعد قرب هودج سمراء طوال الطريق.
توقفت القافلة لترتاح فأسرع مصعب بالنزول عن ظهر رعد
ليساعد سمراء.
نادته آمنة بلهجة ماكرة وهي تكتم ضحكتها:
- احذر السقوط عن جوادك يا ولدي.
ضحكت سمراء وقالت عاتكة:
- في العجلة الندامة يا بني.
رمقهما وهو يتمتم بامتعاض: - اتفقتما عليّ إذن.
مد يده لسمراء يساعدها على النزول وعيناهما لا تفارقان
بعضيهما حتى همست عبارته التي قالها لها مرة ونبضها
متذبذب الخفقات: - اشتاق كلي لك.
رف جفناه باضطراب ولهفة ثم قال بنظرات تائقة:
- وأنا ملّ مني الشوق لكثرة ما اشتقت إليك.

ما أصعب أن تكون بعيدا في يوم تمنيت أن تكون فيه
أول وأهم الحضور!
لم تكن زبيدة لتتحمل بقاءها في الدار وحيدة بينما
رفيقة عمرها تزف أخيرا لمن اختاره قلبها. لذا لجأت
لمودّة التي كانت دوما حضنا دافئا يحنو عليها حين
تحتاجه. وكما بكت بين يدي مودّة وهي تدعو لسمراء
بالسعادة، كانت سمراء تبكيها وتفتقدها في أهم يوم
في حياتها بينما ريم ترسل لها نظرة مواسية.
قالت فاطمة: - لم تحضر زبيدة بعد. متى ستأتي؟
- لن تحضر يا أمي.
سألتها فاطمة باستغراب: - كيف لن تحضر؟ إنه عرس
سمراء.
قالت ريم بحسرة لتعلن عما أخفته عن فاطمة:
- لن تستطيع الحضور لأن مصعب هو نفس الرجل الذي
اشتراها كجارية.
حدقت بها فاطمة وهي بالكاد تستوعب ما سمعت..
تململ مصعب في جلسته والضجر بادٍ على وجهه فرمقه
نوار بمكر وقال: - سينتهي الحفل قريبا فلا داعي لتبدو
ملامح السأم على وجهك.
قال مصعب بامتعاض:
- ما الداعي ليستمر الحفل كل هذا الوقت؟ ألا يكفي ما
عانيه خلال عشرة أيام في طريقنا من البصرة إلى بغداد؟
أنا حتى لم أحدثها بحرية أثناء الرحلة.
أطلق نوار ضحكة عالية ثم تساءل:
- وكيف لكما الحديث بحرية مع الحصار الذي فرضته
عليك خالتي آمنة؟ (ثم صاح بحماس) لكنه يوم
زفافك فابتهج يا رجل، فأنت لن تتزوج كل يوم. أم..
أنك تنوي الزواج مجددا في مستقبل الأيام؟
هز رأسه مبتسما ثم التمعت عيناه بذلك البريق الذي
يميز نظرات العشاق وأطلق تساؤلا:
- وهل أرى امرأة غير سمراء كي أفكر بالزواج ثانية؟
ابتسم نوار والاستغراب يراود فكره وهو يقارن حال مصب
العابث الذي لا ينفك عن تغيير جواريه لكسر الملل
بهذا العاشق المخلص الجالس أمامه.
ذلك هو الحب الذي خفق به قلب مصعب وتعلمه مع
سمراء.. أن تكون لمن تحب بكل ما فيك.

ولنا لقاء آخر مع.. قد ننسى!

الجزء الثالث والأخير من سلسلة متاهات القلوب

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى