روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:57 pm

آه من تلك الآسرة التي زرعت في قلبه حبا وجرح..
زبيدته التي ظن أنه ملك قلبها يوما..
يقال أن الحياة تستمر، نعم.. لكن كيف ستستمر حياة مصعب بعد زبيدة؟
هل سيبرأ قلبه من جرحها؟ وهل يمكن أن يخفق من جديد؟
عدت لآخذكم في الرحلة الثانية في سلسلة متاهات القلوب.. الى بغداد القديمة.
أترككم مع مصعب وقصة ( هل يخفق من جديد؟ )


الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:59 pm

الفصل الأول

نهضت زبيدة متثاقلة وحثت الخطى لفتح الباب وملاقاة
حبيبها الذي لم يفتر شوقها له كما لم يفتُر ولهه بها،
وكأنهما ما يزالان في الأيام الأولى لزواجهما. وكأن
تلك الأشهر العشر لم تمر على زوجهما.
فتحت الباب ومعه ذراعيها لتعانق عمر بشوق كما اعتادا
لكنه أسرع بالقول مبتسما:
- أسرعي بارتداء خمارك فمعي ضيوف.
قالت وهي تسرع نحو المطبخ: - سأدخل المطبخ ريثما
تدخلهم البهو، فلماذا أرتدي الخمار؟
قال بغموض وهو يبتسم: - لأن ضيفنا يريد مقابلتك.
قالت وهي تسرع نحو غرفتهما:
- لا بد أنهما ياسر ومودة وعبيدة إذن. كم اشتقت لذلك
الصغير.
ابتسم ولم يجبها وأسرع بإدخال ضيوفه للبهو ريثما ترتدي
زبيدة خمارها. صاحت بفرح وهي تسرع الخطى نحو
ضيوفها: - عم إبراهيم!
قبلت يد إبراهيم الذي قال بوجهه الحاني المعتاد وصوته
العميق: - اشتقت إليكِ يا ابنتي.
قالت زبيدة وهي تنقل نظرها بينه وبين فاطمة وريم
وابنته سمراء: - وأنا اشتقت إليكم كثيرا.
عانقت فاطمة بقوة وشوق وهي تقول: - عرفت أنك
ستأتين قبل ولادتي يا أمي.
قالت فاطمة مبتسمة: - لأنني أعرف أنك لن تقبلي بشراء
جارية كي تخدمك بعد ولادتك، فجئت وريم لنعتني
بك.
عانقت ريم ثم سمراء وقالت وهي تنظر لعمر بابتسامة:
- وعمر مثلي، لا يرضى بشراء الناس.
هربت من نظرته المتلهّفة ثم قالت بعدما جلس الجميع
وجلست هي بين ريم وسمراء:
- كم اشتقت إليكِ يا قاطعة الوصل. ألم تستطيعي
المجيء لتحضري عرسي؟
قالت سمراء بابتسامة: - مرّ ما يقارب العام على عرسك
وما زلت تتحدثين عنه بحماس وكأنه منذ أسبوع خلا.
احمرت وجنتا زبيدة حين رمقها عمر بنظرة لهفة بينما
نكزت ريم الفتاة وهمست:
- كيف لا تتحدث عنه وهي غارقة في بحر الحب مع
عمر، كأنها عروس جديدة؟
تساءلت سمراء باستغراب وسخرية: - وكيف عرفتِ يا
فَطِنة؟
قالت ريم بمكر: - من نظرات الوله التي يتبادلانها مع
بعضهما يا ذكية.
لوت سمراء فمها بعدم اهتمام وقالت:
- كم تهتمان بهذه الأشياء!
قالت زبيدة بابتسامة: - كم أتمنى أن تقعي في الغرام،
وحينها لن ينصفك من لساننا أحد.
قالت سمراء بابتسامة واثقة: - مستحيل. لست بلهاء
مثلكما، أقضي الوقت في الأحلام والشعر.
ضحكت الفتيات ودار الحديث بينهن عن أحوالهن وعن
حمل زبيدة الذي شارف على الانتهاء، ومعه ستنتهي
معاناتها وشعورها بذلك الثقل في بطنها الذي لم يكبر
كثيرا.
نقلت زبيدة نظرها بينهم بسرور وعينين دامعتين. كم
اشتاقت لتلك الوجوه التي طالما أشعرتها بالمحبة
والألفة. ولولا اعتراف زيد حين احتضاره لما صدقت
قط أنها ليست ابنة تلك العائلة.
وإبراهيم، الرجل الذي كتم سرها مع زيد وفاطمة. كان
خير عمٍّ لها طيلة حياتها. وسمراء، طالما كانت الصديقة
الوحيدة لها بعد ريم.
رمقها عمر بابتسامة رضا لسرورها الذي يشع من عينيها
بينما قالت لإبراهيم:
- كم أسعدني مجيئك وسمراء مع أمي وريم! لقد اشتقت
إليكما كثيرا. وكم تمنيت لو حضرتما مع امي وريم
المرة السابقة!
قالت سمراء بمكر: - كان ما يزال غاضبا من مقاطعة
خالتي له بعدما حدث لك في طريقك لبغداد.
عرف عمر ما سيدور بعدها من حديث فنهض واستأذنهم في
الانصراف بحجة تغيير ثيابه، كي يجنب نفسه سماع
بلقي الحديث عن اختطافها فذلك يقوده لتذكر قصتها
مع مصعب.
أيغار؟ نعم يغار. مع إدراكه القاطع بأنها لا تكن لمصعب
أي مشاعر، لكنه لا يستطيع إلا الحنق والاحتراق بنار
غيرته كلما تذكر العلاقة التي جمعتها بمصعب.
وبالطبع لم يخف ذلك على زبيدة، فهي تجيد تخمين
مشاعره حال رؤيتها لنظراته. كم تسعدها تلك الغيرة
المتقدة التي تدل على مدى جنونه بها عشقا!
قال إبراهيم: - آسف يا ابنتي لأنني لم أستطع حمايتك.
قالت زبيدة والدموع في عينيها:
- لا تعتذر أرجوك! أعرف أنك مستعد لحمايتي
بروحك، لكنه القدر. كان مكتوبا أن يحدث ذلك.
أومأ إبراهيم برأسه ثم قال مبتسما:
- حالما سمعت سمراء أن فاطمة وريم ستعودان لزيارتك،
ألحت عليّ كثيرا لنرافقهما.
قالت سمراء بسرور: - وأبي أيضا تاق لرؤيتك.
عانقتها زبيدة بابتسامة والسرور يضج من عينيها.

قضى مصعب أشهرا من العذاب، والشعور بالغدر لا يفارقه.
لم يستطع نسيان زبيدة وانقلابها فجأة من الحب والهيام
الى الجفاء، لأنه لم يرد التصديق بأنها لم تحبه من
الأساس بل توهمت ذلك الشعور وظنت انجذابها نحوه
حبا.
تحول لشخص لا يطاق، دائم الغضب والصراخ ومنعزل حتى
عن نوار الذي حاول كثيرا إخراجه من تلك الحالة دون
جدوى. حتى ورقاء وحسناء، هجرهما لفترة طويلة. وحتى
عاتكة التي يعاملها كأم له، صرخ بوجهها لأكثر من
مرة.
يوم زفاف زبيدة، عرف مصعب الخبر منذ الصباح. فالتجار
الكبار وأصحاب المحال، الكل كان يتحدث عن زفاف
حفيدي الحارث.
شعر بأنه بركان غضب يغلي وغادر السوق مسرعاً فتبعه
نوار حين لمحه.
- توقف يا مصعب.
هتف بغضب: - دعني يا نوار. أريد البقاء وحدي.
أمسك نوار ذراع مصعب وقال بحزم:
- لن أتركك. ومتى كنت تختلي بنفسك وتكتم
همومك عني؟!
ركب الاثنان جواديهما وأسرع مصعب نحو ذلك المكان
من الصحراء الذي ترتاح له نفسه ويرمي فيه همومه.
قال بغضب وهو يفرك رقبة جواده رعد بحركات
متوترة:
- الكل يتكلم عن زفاف حفيدة الحارث التي عادت
لحضن جدها منذ أشهر وذاك الحفيد الذي كان مضربا
عن الزواج. تلك الخائنة!
وزاد غضبه وهو يتذكر آخر مرة قابلها فيها حين كانت
تشتري ما يلزم لعمل خلطة الحروق لعمر. زفر وهو يذكر
كيف قالتها في وجهه وبكل ثقة وإصرار " نعم أحبه ".
ركل مصعب بعض الحجارة ثم قال بغضب:
- لو أمسكت بها لدققت عنقها انتقامًا على ما فعلته بي.
تنهد بحرقة وهز رأسه وهو يرى نظرات عدم الاقتناع في
عيني نوار ثم قال:
- تعرف أنني كاذب. فلو جاءت أمامي الآن لضممتها حتى
حطمت ضلوعها. ولربما اختطفتها كي لا تتزوج ذاك
الرجل.
ربت نوار على ذراعه فسأله مصعب:
- لا بد أن بارقة من أخبرتك بموعد زفاف زبيدة. فقد
بدا من إصرارك عليّ بعدم الذهاب للسوق اليوم أنك
كنت تعلم.
أومأ نوار برأسه فسأله مصعب بصوت بدا فيه الألم:
- هل تحدثك بارقة عنها؟ لا بد أنها سعيدة مع ذاك
الرجل. لقد رأيتهما مرة بعيني في السوق ومعهما جدهما
الحارث. كانت عيناها تلمعان وهي تنظر إليه. لم تنظر
إليّ يوما بتلك الطريقة رغم أنها ادعت حبي.
تنهد نوار وقال بحزم وقلبه يتألم: - كف عن تعذيب
نفسك بالحديث عنها!
ابتسم بمرارة وعيناه تلمعان وقال وهو يتخيل ملامحها
الغاضبة كلما رأت نوار: - أبدا لم تطيقا بعضكما. فقط رمقتك بامتنان لمرة واحدة، حين دبرت لنا..
حبست غصة الألم كلماته وهو يتذكر لقاءهما في
السوق بعدما سمعت بما جرى له من قطاع الطرق.
شد نوار على ذراعه وقال وهو يديره نحوه:
- كف عن هذا الضعف يا مصعب. يجب أن تنساها وتعود
لنفسك. يجب أن تعود رفيقي الذي أعرفه. أنت هنا تندب
حظك وخيانتها لك وهي منشغلة بالاستعداد لزفافها.
آه من تلك الكلمة التي كانت كخنجر يطعنه كلما
تذكرها. اليوم ستتزوج. ستكون لغيره. ستنام بين
ذراعي ذاك الرجل.
تنهد وزفر بغضب ثم قال وهو يعتلي صهوة جواده:
- تعال معي يا نوار.
سأله نوار بقلق: - الى أين؟
- إلى سوق الجواري.
ابتسم نوار مشجعا مع أنه يعلم أن كل جواري السوق لن
يستطعن اليوم أن يطفئن نار قلبه المعذب.
استقبله النخاسون بحفاوة وكل منهم يحاول جذب
انتباهه لما يعرضه من جواري.
نظر مصعب للبعيد بمرارة وقد تدافعت في رأسه ذكريات
أول نظرة وأول لمسة، أول لقاء وأول كلمة.
كان سهيل النخاس الذي باعه زبيدة يقف قرب جواريه
غير آبه ولا عالم بالألم الذي سببته رؤيته لمصعب. تابع
نوار نظرات مصعب الذي كان يحدق بسهيل فتمتم بحنق
وصوت خافت: - عليه وعليها اللعنة!
هتف مصعب بحنق وكأن تلك اللعنة صبت عليه هو:
- نوار!
تنهد نوار بانزعاج وجذب مصعب من ذراعه ليذهبا الى
أحد النخاسين.
قال النخاس بحفاوة: - لم تشرفنا بمجيئك للسوق منذ
زمن يا سيدي.
قال نوار: - لا تكثر الكلام، واعرض على السيد
الحسناوات العذراوات من جواريك.
قال النخاس مبتسما وهو يشير نحو مجموعة من الجواري:
- وهل يختار سيدي مصعب غير العذراوات الحسناوات من
الجواري؟ لا بد أن تجد واحدة تعجبك هنا.
كان مصعب لا يشتري سوى العذراوات. حسناء هي الجارية
الوحيدة التي اشتراها رغم أنها كانت ملكا لغيره قبله.
وقعت عينه على جارية جميلة كانت ترمقه بنظرات
جريئة وكأنها تقول له " اختَرني ولن تندم "
اقترب منها ونظر لعينيها الواسعتين وشعرها البني الفاتح
فابتسمت بإغراء وهي تنظر في عينيه فبادلها الابتسامة
وجذب ذراعها وهو يقول للنخاس:
- هاتِ صك رقها وقل كم تريد فيها.
أسرع النخاس بكتابة اسم مصعب على الصك وناوله إياه
وهو يقول: - ليس أفضل منك رجلا يقدر الجمال، سيدي.
ابتسم مصعب بسخرية لتملقه وأعطاه أكثر مما كان سيطلب منه ثم أسرع وجاريته الجديدة نحو رعد.
أمسك لجام جواده ثم تنهد وهو يتذكر يوم اشترى
زبيدة وأخذها لبيته على ظهر رعد. أشار لنوار فاقترب
منه.
- خذ رعد وسأذهب أنا بجوادك للبيت.
أومأ نوار وهو ينظر في عينيه بامتعاض وقد عرف سبب
طلبه. سأل مصعب جاريته وهو يساعدها على ركوب
الحصان: - ما اسمك؟
- (غرام).
قالتها بدلال فقال وهو يرمقها بإعجاب:
- اسم جميل كصاحبته.
قالت هامسة وهي تحيط خصره بذراعيها قبل أن ينطلق
بالجواد: - جمالي ملكك وأنا رهن إشارتك.
تغير وجه ورقاء حين رأت غرام تدخل مع مصعب إلى الدار
وهي تتمسك بذراعه وترمقه بلهفة.
ألقى السلام وقال لعاتكة: - غرام في عهدتك.
قالت وهي تبتسم لها: - بأمرك يا ولدي.
رمق غرام مبتسما وقال لحسناء وورقاء: - ستقيم غرام في
غرفتكما لتكون قريبة من جناحي، لذا انتقلا لغرفة
أخرى.
أومأت حسناء بابتسامة بينما قالت ورقاء بخبث وكأنها
تنتقم منه لإحراقه قلبها بجلبه جارية جديدة:
- فلتقم في تلك الغرفة في جناحك فهي أقرب إليك.
اختصر المسافة بينهما بخطوتين ففزعت وتراجعت
لكنه جذب يدها ليقربها منه ثم أمسك فكها وقال
بغضب لكن بصوت منخفض:
- لا تتجرئي ثانية وتطلقي تلميحات غبية لأنني لن
أرحمك. وتلك الغرفة لن تطأها إحداكن.
دفعها وهو يحرر فكها ففركته وهي متألمة لكن غير
نادمة. نظرت لغرام بحقد فبادلتها تلك بنظرة احتقار من
قدميها حتى رأسها وسارت خلف عاتكة التي قادتها
للحمام ريثما تُخلي حسناء وورقاء غرفتهما لها.
خاب أمل غرام حين سمعت بخروج مصعب لكنها لم تظهر
ذلك كي لا تزيد من نظرات التشفي في عيني ورقاء.
لكن حزن غرام وتشفي ورقاء لم يدم طويلا.
عاد مصعب بعد فترة وهو يحمل أغراضا. وحالما دخل
البهو، قال لغرام بابتسامة:
- تعالي، أحضرت لك بعض الأشياء.
سألته غرام وهي تسير معه متأبطة ذراعه لتزيد من غيض
ورقاء: - ماذا جلبت لي يا سيدي؟
أحاطها بذراعه وهو يقول: - ثوب رائع أريدك أن ترتديه
لي الآن، وبعض أغراض الزينة.
استشاطت ورقاء وهي تسمع حديثهما فقد سارت خلفهما
تاركة مسافة كافية.
وبينما قضت زبيدة وعمر تلك الليلة - ليلة زفافهما -
بإلقاء الشعر والهيام وبث الأشواق لبعضهما، قضاها مصعب
مع غرام التي فاضت سحرا ودلالاً.
كان مصعب يريد نسيان زبيدة ومحو حبها من قلبه وطرد
طيفها وهي بين ذراعي عمر من خياله. كان يود الانتقام
منها بقضاء تلك الليلة مع جارية ساحرة جريئة مثل
غرام لكن هيهات! فما أن انتهت خلوته بغرام حتى شعر
بالضيق.
همست غرام تسأله بحيرة وهي ترى عبوس وجهه:
- هل فعلت شيئا أغضبك؟
هز رأسه وهو يرسم شبح ابتسامة على وجهه ثم قال:
- أبدا. لا تشغلي بالك.
تساءلت بدلال: - كيف لا أشغل بالي بما يهم سيدي؟
الرجل الذي تمنيته منذ وقعت عيني عليه؟!
أطلق ضحكة وقال مُشكِّكاً بكلامها: - بهذه السرعة؟
فقالت مؤكدة وهي ترفع رأسها لتنظر في عينيه
السوداوين الكحيلتين:
- أقسم أني تمنيت أن تشتريني منذ وقعت عيناي عليك.
فيك سحر غريب جذبني.
تمددت لتنام لكنه قال: - اذهبي الآن لغرفتك يا غرام،
فأنا معتاد على النوم بقية الليل وحدي.
سألته بدلال: - ألا أحصل على استثناء يا سيدي؟
نظر لعينيها الجميلتين وهمس وهو يقربها منه:
- كلا. لكنك ستبقين معي لفترة.
في الصباح التالي كان رأس غرام يردد أسئلة حائرة..
" من هي زبيدة؟ من تلك المرأة التي نطق مصعب اسمها
أمس وهو بين أحضاني أنا؟ هل هي زوجة سابقة فارقها
بطلاق أو موت؟ أم هي جارية أحبها كثيرا؟ هل كانت
تقطن تلك الغرفة التي تحدثت عنها البارحة تلك
الشقراء العابسة؟ لقد رأيت غضبه الشديد حين كلمته
عن الغرفة في جناحه "

مرت الأشهر وصارت غرام هي المفضلة لدى مصعب. هي
تملك جمال ورقاء وهدوء حسناء وسحر خاص بها، وذلك
كان يعجبه. أما جرأتها حين يكونان معا فكانت ترضي
رجولته وتنعش حواسه. وبالتأكيد، ذلك جعل ورقاء
تغضب وتغار حد الجنون مع أنها تدرك أن غرام لم تصل
بعد لعُشر مكانة زبيدة في قلب مصعب.
ذات يوم وفي غفلة من الجميع، تسللت غرام لدخول تلك
الغرفة في جناح مصعب. تأملتها باستغراب لتجدها مهملة
متسخة.
" إنه حقا يمنع الجميع من دخولها. "
نظرت إلى السرير وتساءلت بألم إن كان جمعهما معا،
وتمنت معرفة الكثير عن تلك التي استحوذت على قلب
سيدها الذي أسرها وملك قلبها.
جثت قرب الصندوق وفتحته لتجد ملابس زبيدة فيه
وبعض حاجاتها. تنهدت بحسرة وأغلقته ونهضت وهي تجول
بنظرها في الغرفة حتى سمعت صوت صهيل رعد عبر
شباك الغرفة المطل على مدخل الدار فخرجت خلسة
كما دخلت وأسرعت نحو غرفتها لتجهز نفسها للقاء
مصعب.
في اليوم التالي حين أفاق مصعب صباحا وخرج للبهو، مر
كعادته من أمام غرفة زبيدة فاستوقفه بابها الذي لم
يكن مغلقا جيدا لأن غرام لم تحكم إغلاقه بسبب
استعجالها في الابتعاد والذهاب لغرفتها.
عبس وهو يفكر إن كانت إحدى النساء في البيت قد
تجرأت على دخول الغرفة.
تنهد بحسرة وظل يقاوم ويده على مقبض الباب حتى
انتصر شوقه أخيرا فدخل الغرفة التي لم يطأها منذ
أشهر. وكم كان ذلك صعبا عليه!
تدافعت ذكرياته مع زبيدة في هذه الغرفة منذ أول مرة
دخلها وهي نائمة في أول يوم أحضرها فيه حتى آخر مرة
اجتمعا معا فيها يوم عودته من تلك الرحلة الطويلة
حين بدا شوقها وحبها له جليا في نظراتها.
وعاد ليتساءل بمرارة عن ذاك الحب والشوق الذي ذهب
فجأة أدراج الرياح. وقف قرب الصندوق الخشبي ليخرج
ثيابها التي اشتاق لرؤيتها كما تاق لصاحبتها فتسمرت
عيناه ثم جحظتا بغضب وهو يرى آثار أصابع قد رُسِمت
على التراب المتراكم فوق الصندوق.
قال من بين أسنانه: - إذن بالفعل دخلت إحداهن إلى هنا.
لن أرحم من فعلتها!
خرج مسرعا بعدما أغلق باب الغرفة جيدا وأغلق معه
ذكرياته المرة مؤقتًا. صاح بغضب وهو يقف وسط البهو:
- فلتأتين جميعكن إلى هنا.
وفي لحظات، حضرت النساء الأربعة أمامه. وجه سؤاله
الغاضب لجواريه الثلاث: - من منكن تجرأت ودخلت تلك
الغرفة؟
جمدت غرام وهي تتساءل كيف عرف بدخولها الغرفة
أمس، لكن ذكاءها مكنها من إخفاء اضطرابها وسؤاله
باستغراب: - أيَّ غرفة تعني يا سيدي؟
ضاقت عينا مصعب ونقل نظره بين جواريه الثلاث ثم قال
لغرام: - أنت لا تعلمين شيئا حتى تحاولي دخولها.
ثم نظر لحسناء وقال: - وأنت لم تفعلي يوما ما يغضبني،
لذا فأنا متأكد أنك لم تدخليها.
وهنا قالت ورقاء بحنقها المعتاد حين تغضب:
- هل ستتهمني أنا؟ لماذا لا تشك بهذه الأفعى التي تمثل
الجهل والبراءة؟
كانت تشير لغرام فصاح بها: - لا ترفعي صوتك. ولا
أسمح لكن بسب بعضكن أمامي.
خافت غرام من غضب مصعب رغم أنه لم يتهمها وفكرت
" ماذا سيفعل بي لو عرف أنني من دخلت الغرفة؟ لكن
تلك المقرفة ورقاء بريئة. وما دخلي أنا؟! مصعب من
اتهمها وأنا لن أفضح نفسي لأنقذها. فليعاقبها ويفعل ما
يشاء. المهم أن أبقى بعيدة عن غضب حبيبي "
قالت ورقاء: - أقسم أنني لم أدخل الغرفة. لماذا سأدخلها؟
اقترب مصعب من ورقاء وأمسك ذراعها بعنف وقال وهو
يهزها: - لأنك غيورة وحاقدة، وليس هناك غيرك من
قد تفعلها.
سحبها بعنف نحو غرفة صغيرة في الدار وهو يقول
لعاتكة: - ستبقى حبيسة في الغرفة حتى آذن بخروجها.
نفضت يده وهتفت بغضب وقد تمكن القهر منها:
- تحبسني لظنك انني دخلت غرفتها؟ لعنة الله عليها.
صفعها بقوة وهو يصيح بها: - اخرسي!
اشتعل وجهها ألما بسبب صفعته القوية فحدقت به بغضب
وقالت وقد اظلمّ وجهها:
- تصفعني لأجلها بعدما تركتك؟!
أمسك ذراعيها بقوة وقال من بين أسنانه:
- وأقطع لسانك لو سببتِها أو لعنتِها ثانية.
قالت والغضب والشعور بالظلم يحرقها، وقد فقدت كل
أمل أو رغبة في البقاء عنده:
- أنا لم أدخل غرفتها لكنني من أخرجتها من دارك.
كانت تريد إيلامه بعدما جرحها نبذه لها فقالت كلماتها
بلؤم، وأردفت وهي تنظر في عينيه المندهشتين
الغاضبتين: - أنا من أرسل ذاك الخطاب لجدها.
جحضت عيناه غضبا وقال بصوت أشبه بالفحيح الذي ينذر
بعاصفة قادمة: - إذن كنتِ أنتِ.
قالت بصوت مرتجف ولم يهمها غضبه: - فعلت هذا لأنني
أعشقك ولا أتحمل أن تشاركني فيك امرأة.
جذبها من ثوبها وتساءل وهو يغلي غضبا:
- كيف عرفت قصتها واسم جدها؟ كيف تجرأت على
الذهاب لمنزله وإعطائهم ذلك الخطاب؟ تكلمي!
- سمعتها وهي تخبر عاتكة بقصتها، فكتبت ذلك الخطاب وبعثته مع جارية أعرفها.
تقلصت قبضتيه وزفر بغيض ثم سحبها بقوة نحو الغرفة.
استفزته نظرات التحدي والتشفي في عينيها الوقحتين
فلم يتمالك نفسه من ضربها بقوة بينما كانت غرام
ترتجف خوفا وهي تسمع صراخ ورقاء وتفكر لو أن مصعب
عرف انها من دخلت الغرفة ماذا كان فاعلا بها؟
دفعها مصعب بعيدا حتى سقطت وهو يصيح:
- لن تخرجي حتى أقرر ما أنا فاعل بك.
ثم خرج وهو يغلي غضبا وأغلق الباب ليسرع إلى غرفته.
تفاجأ الجميع برد فعل ورقاء وإمعانها في إغضابه بدل
توسلها به كي يسامحها.
أسرع مصعب لغرفته وبعد قليل غير ثيابه وأخذ معه صك
رق ورقاء ثم خرج مسرعا وهو يقول لعاتكة محذرا:
- أبقِ عينيك عليها. لا أريدها أن ترتكب حماقة حتى
أعود.
قالت عاتكة وهي تمسك ذراعه بحنان: - حاضر لكن
اهدأ يا ولدي.
ربت على ذراعها وخرج.
قبيل المغيب، دخل مصعب الدار وخلفه ربيع أحد حارسي
داره. أسرع نحو تلك الغرفة التي حبس فيها ورقاء وقال
وهو يفتح الباب محاولا السيطرة على غضبه:
- أسرعي بجمع ثيابك وأغراضك.
سألته بصوت مبحوح ونظرات خائفة:
- الى أين؟ هل ستبيعني؟!
قال وهو يسحبها الى البهو: - خسِئتِ! مصعب لا يبيع
جواريه. سأهديكِ لتاجر من نجد، فلم أعد أطيق بقاءك
في العراق كله.
رمقته بوجه مصفر وهرعت مسرعة الى غرفتها تجمع
أغراضها ودموعها تتساقط حسرة وغيضا وحزنا.
قال مصعب حين دخلت ورقاء البهو: - خذها فورا يا ربيع
ومعها صك رقها، هدية مني للتاجر النجدي.
حملت أغراضها ومرت من أمام مصعب متجهة نحو ربيع.
وكم صكت على أسنانها واستهلكت كل طاقتها لتبقي
على رباطة جأشها وتكسو وجهها بقناع الصلابة وتحبس
دموعها التي كانت على وشك الانفلات.
حالما التقت عيناها بعينيه، لم تستطع التحمل. خانتها
دموعها وتجمعت في عينيها بينما مرّر عقلها ذكرياتها
معه. إنها بالفعل ستفارقه ولن تكتحل عيناها برؤيته
مجددا. وقبل أن تتساقط دموعها، أسرعت بالخروج من
الدار دونما كلمة.
تنهد مصعب وهو عابس مقطب الجبين ولم يهدأ غضبه
رغم نفيه لورقاء، فلولا فعلتها لكان أخذ زبيدة بنفسه
لأهلها ولكان اختلف موقفهم منه. لكان أقنع والده
بخطبتها بسرعة ولم ينتظر كل تلك الفترة التي تسلل
فيها حب عمر لقلبها. لربما كانت الآن زوجته هو.
تبعته غرام حين سار نحو غرفته فقال لها:
- أريد البقاء وحدي.
لكنه استدار بعدما سار لخطوات وقال لحسناء:
- تعالي يا حسناء.
استشاطت غرام غيضا وتأففت منزعجة فقالت عاتكة:
- احذري يا غرام. لحسناء منزلة خاصة لدى مصعب. إنها
الجارية الوحيدة التي لم يفرط بها منذ اشتراها وقد
طلبها الآن لأنها الوحيدة التي تفهمه في لحظات انزعاجه
وغضبه. لا تكوني نسخة من ورقاء في غيرتها فيصيبك
ما أصابها.
زفرت غرام بغضب وهي تشعر بنار الغيرة تتقد في قلبها.

طبع مصعب قبلة على جبين حسناء وابتسامة صغيرة تلوح
على شفتيه فهضت حسناء عن السرير وهمت بمغادرة
الغرفة كالعادة لكنه قال بابتسامة حانية:
- من بين كل الجواري اللاتي مررن بحياتي، تبقى لك
مكانة خاصة في نفسي يا حسناء.
ابتسمت وقبلت يده ثم قالت: - ربما لأنني لا أزعجك
بغيرتي وأهتم فقط بسعادتك.
ابتسم وقال وهو يلامس شعرها: - أشعر أحيانا كثيرة حين
أكون معك أنك أقرب للصديقة منك للجارية.
- هذا شرف لي يا سيدي.
أبعد خصلات شعرها عن وجهها وتساءل باستغراب:
- حقا، لما لا تغارين علي؟
تغير وجه حسناء وعلاه الخوف فقال مبتسما:
- لا تفزعي وأخبريني، فلن أنزعج.
رفعت كتفيها وقالت: - الشخص يغار على ما يملك يا
سيدي.
تنهد وهو يتذكر حديث زبيدة عن حزن حسناء الذي
تكتمه في قلبها بسبب حياة العبودية. نظر في عينيها
وقال بامتنان:
- تكتمين حزنك ومشاعرك كي تسعديني. تتظاهرين
بالسرور والفرح حين تكونين معي، مع أنك في الحقيقة
غير سعيدة ولا مرتاحة.
لمعت عيناها بالدموع ورمقته بدهشة لمعرفته بمشاعرها
التي لم تظن أنها تهمه.
- لا تستغربي. أنت معي منذ أربع سنوات، وصرت أشعر بما
في داخلك.
بدأت الكلام وهي تبكي: - صدقني أنا أحبك وتهمني
سعادتك حقا لكن..
أكمل كلامها المبتور بابتسامة: - لكنه حب مختلف
عن العشق والهيام، نوع غريب هو أقرب لرباط الصداقة
والألفة.
قالت باكية: - اعذرني يا سيدي..
قاطعها وهو يمسح دموعها: - لست غاضبا أو مستاءً، ولن
أستمر في تعذيبك.
رمقته باستغراب وقلق:
- هل ستهديني لغيرك؟ أتظن أن ذلك سيريحني؟
فكرت بما لم تجرؤ على نطقه أمامه " سأبدأ من جديد
رحلة الشقاء في التأقلم مع سيد جديد، وكشف جسدي
ونفسي أمامه، والتعرف على طباعه ونزواته. ظننت أنني
ارتحت من ذلك كله حين احتفظ بي مصعب كل تلك
السنوات. الى متى سأتعذب في التنقل من رجل لآخر؟ "
أوقف صوته الأجش سيل تساؤلاتها وهو يقول مبتسما
وناظرا في عينيها: - بل سأعتقك.

نهاية الفصل الأول

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:20 pm

الفصل الثاني

أوقف صوته الأجش سيل تساؤلاتها وهو يقول مبتسما
وناظرا في عينيها: - بل سأعتقك.
فغرت فمها وحدقت به فابتسم مؤكداً فقبلت يده وهي
تبكي فقال وهو يمسح على شعرها:
- ستكونين حرة يا حسناء. سأوكل مسؤولية الاهتمام
بك لعاتكة ولن ينقصك شيء.
ضمته بقوة وهي تبكي بسرور فأحاطها بذراعيه وقال:
- سأشتاق لرفقتك.
مسحت دموعها وهي تقول: - وأنا سأفتقدك كثيرا.
تمدد على السرير ومد ذراعه لها وهو يقول:
- نامي قربي الليلة ولا تخرجي.
توسدت ذراعه وهي مستغربة فقد اعتادت وكل الجواري
عدم البقاء قربه لباقي الليلة.
ابتسمت وطبعت قبلة على خده فقبل جبينها وأغمضا
عينيهما ليحل عليهما السكون. لقد كانا في تلك
الساعة حقا كصديقين لا كجارية وسيدها. وتذكر
الاثنان اليوم الذي اشتراها فيه..
كان في الثانية والعشرين حينها وقد استقل منذ فترة
قصيرة في هذه الدار فذهب متحمسا مع نوار الى سوق
الجواري بحثا عن جارية عذراء فاتنة لتكون جاريته
الثانية. لكن حالما وقع نظره عليها وهي تحاول الدفاع
عن جارية كان النخاس يضربها لسبب ما، شدت انتباهه
فراح يراقبها وهي تحاول الحيلولة دون النخاس والجارية
حتى أنها تلقت بعض الضربات عنها.
صاح بالنخاس بغضب: - كف عن ضربهما.
التفت النخاس نحوه وهتف بانزعاج: - لا تتدخل يا هذا.
اقترب مصعب وقبض على ذراعي النخاس ثم دفعه بعيدا
وهو يقول: - لا تظهر رجولتك عليهما يا عديم الرجولة.
صاح نوار: - ويحك! أتتجرأ على أسيادك؟
شعر النخاس أنه ارتكب خطأ كبيرا حين انتبه أخيرا
لهيئة مصعب ونوار التي تدل على أنهما من علية القوم.
اقترب من مصعب وقال بتملق:
- اعذراني يا سيداي إن لم أعرفكما فأنا أراكما في سوق
الجواري لأول مرة.
قال نوار بانزعاج: - افتح عينيك جيدا كي تعرف
أسيادك يا نخاس السوء.
أما مصعب فكان يراقب تلك السمراء التي انبرت دون
باقي الجواري لتعتني برفيقتها بكل اهتمام وحنو.
تقدم منها وسألهما: - هل أنتما بخير؟
فنظرت إليه حسناء وقالت بامتنان: - شكرا لك يا
سيدي.
وشكرته الجارية الأخرى فابتسم لحسناء وعرفت من
نظراته ما ينوي فعله فاقتربت منه أكثر ليبتعدا عن الجارية وهمست: - اشترِها هي يا سيدي أرجوك.
استغرب مصعب كيف عرفت نيته بينما أضافت:
- إنها صغيرة لذا تعاند كثيرا، وشبه الرجل ذاك يضربها
باستمرار.
تلك الطيبة والإيثار التي تمتلكهما زادته إعجابا بها
فقال بابتسامة ونظرات إعجاب: - لكنني أريدك أنت.
رمقته مستغربة تفضيله لها، وهي التي يزهد فيها الكثير
من الرجال لشكلها العادي وكونها ليست عذراء.
قالت متوسلة ولم تدر انها بذلك زادته إصرارا على
شرائها: - لكنها أصغر وأجمل مني يا سيدي و..
قاطع حديثها نوار والنخاس حين اقتربا منهم.
قال النخاس بتملق:
- اعذرني يا سيدي، ليت يدي قطعت قبل أن تمتد على من
ستكون ملكك. اختيار موفق يا سيدي فهي ساحرة
الجمال وصغيرة وستكون طيعة بين يديك.
عرف مصعب عمن يتحدث النخاس فقال:
- أريد هذه السمراء لكنني سآخذ معها الأخرى.
رمقه نوار والنخاس باستغراب فاقترب من حسناء وقال وهو
ينظر في عينيها اللتين توحيان بالحنان:
- اشتريتها لأجلك. لأنك أردت خلاصها. ما اسمك؟
رمقته وهي مأخوذة بتلك النظرات الحانية في عينيه:
- حسناء.
ومنذ ذلك اليوم كانت ملاذا له، تغدق عليه من حنانها
وطيبتها رغم عدم مقدرتها على عشقه. وكان فارسها
الذي خلصها من التنقل بين الأسياد فلم يفرط بها منذ
اشتراها. تلك كانت علاقتهما الغريبة التي اختلفت عن
علاقته بكل الجواري اللاتي جئن بعدها والجارية
الفاتنة التي سبقتها.
في الصباح الباكر، فتحت حسناء عينيها وتنهدت بسرور
ثم أسرعت بالنهوض لتجهز لمصعب كل ما يحب على
الفطور.
كانت غرام تحترق غيرة لأن حسناء قضت الليل بطوله
في غرفة مصعب ولم تغادرها، لكنها كتمت ذلك في
قلبها وقررت الأخذ بنصيحة عاتكة بعدما رأت حال
ورقاء البارحة.
قبيل الظهر، أخبر مصعب مرام وعاتكة بأنه أعتق حسناء
فرقص قلب غرام فرحا وحدقت بمصعب بسرور وهو يمزق
كتاب رقّ حسناء أمامهن وحارسيه ليشهدوا على عتقه لها.
بكت حسناء وهي تشهد لحظة نيلها حريتها وآدميّتها التي
سلبها الرقّ إياها، والتي لم تظن انها ستشهدها يوما. لكن
ها هو فارسها قد حقق لها امنية لم تكن تجرؤ على
التفكير بها.
فكرت مرام بعدما حمدت الله كثيرا " يا لي من
محظوظة! في يومين، غادرت الجاريتان اللتان تنافساني
عليه. الآن سيكون لي وحدي. وربما قريبا سيعتقني أيضا
لكن ليتزوجني "
تعانقت عاتكة وحسناء بقوة وهما تبكيان فقال مصعب
مبتسما: - كفا عن البكاء فأنتما لن تفترقا. ستزورك
عاتكة باستمرار. وأنت يا قيس، ستكون مسؤولا عن
احتياجات حسناء.
- بأمرك يا سيدي.
رمق حسناء بابتسامة وقال موصيا قيس:
- ستذهبان أنت وعاتكة مع حسناء وتستأجرا لها بيتا
صغيرا ولا تتركاها حتى تطمئنا أنها بخير.
قالت حسناء وهي تحمل أغراضها والدموع في عينيها:
- هذا كثير علي يا سيدي.
قال بابتسامة رغم غصة الفراق التي استحكمت صوته:
- لم أعد سيدك.
مسحت دموعها وهي تقول: - ستبقى سيدي، ولن أنسى
فضلك ما حييت.
بعدما غادروا قالت غرام بلهفة وهي تقترب من مصعب:
- ما أكبر وأرق قلبك! ولهذا أعشقك.
ابتسم وقال بمكر: - وما أشد مكرك!
أحاطت عنقه بدلال وهي تقول هامسة: - أنا ماكرة يا
سيدي الحبيب؟
أحاط خصرها بذراعيه وقال: - تريدين أن تقنعيني بأنك
مسرورة لأجل نيل حسناء حريتها، وليس لأنها أزيحت عن
طريقك؟
لم تستطع كتم ابتسامتها وقالت: - للسببين معا.
قال بإصرار: - بل للسبب الثاني فقط، فلو أهديتها لغيري
كما فعلت مع ورقاء أمس لما قلت سعادتك.
أطلقت ضحكة عالية أطربت أذنيه ثم قالت باستغراب
ومسحة من الغيرة في صوتها:
- أخبرتني الخالة عاتكة أن لحسناء مكانة خاصة
عندك، وأظن أن هذا هو سبب منحك إياها حريتها.
لكن ما أستغربه هو عدم منحك الخالة عاتكة حريتها
رغم حبك الكبير لها واعتبارها كوالدتك.
رفع حاجبيه وتساءل:
- ومن قال لك أن عاتكة جاريتي؟ لقد أعتقتها منذ
جلبتها معي إلى هذا المنزل.
اتسعت عيناها دهشة فتساءل مازحا: - لا تقولي إنك
تغارين عليّ من عاتكة أيضا.
تنهدت بشوق ورمقته بلهفة وهي تهمس:
- أغار عليك حتى من نفسك. من ثيابك ومن الهواء
الذي يلامسك.
لامس فمها الذي يطربه دوما بكلمات الغزل والهيام ثم
تحرك نحو الباب فقالت:
- لا تذهب يا سيدي.
ابتسم بمكر وقال: - لدي عمل مهم.
عادت تهمس بدلال قرب أذنه: - أخاف البقاء لوحدي.
تنهد مصعب وقد دغدغ صوتها مشاعره. لكنه أبعدها
وسار نحو الباب فسبقته إليه ووضعت يديها على جانبي
الباب لتسد الطريق عليه.
- لن ترحل يا سيدي الحبيب..
اقترب منها بسرعة وأمسك فكها بقوة فاضطربت
وخشيت غضبه لكنه تركها لينحني ويحملها فصاحت
متفاجئة ثم ضحكت بسرور.

استلقت زبيدة على السرير ليلاً بمساعدة عمر. رفعت
حاجبيها باستنكار وهي ترى الابتسامة على وجهه فقطب
جبينه وسألها: - ما معنى هذه النظرة؟
أشاحت وجهها عنه وقالت: - وكأنك لا تقرأ معاني
نظراتي.
شاكسها بادعائه الجهل فقد رغب برؤية ملامحها تتجهم
غضبا وصوتها يهتز غيضا:
- همم.. ربما اخفقت هذه المرة بقراءتها.
قالت بانفعال: - تبتسم ساخراً لأنني أتعب مع كل
حركة أقوم بها. كل ذلك بسبب ولدك المتعب.
كتم ابتسامته وهو يستلقي قربها على شقه الأيمن
مستندا على ذراعه ليشرف عليها. أدار وجهها نحوه وقال
معاتبا:
- بل كنت أبتسم مسروراً لفرحك بوجود أهلك معك.
عضت شفتها ندماً ورفعت يدها لتلامس وجهه وتقول
معتذرة: - يبدو أن قرب الولادة وإرهاق الحمل جعلاني حادة
المزاج.
كان عمر هو الوحيد الذي يطلق على فاطمة وريم
تسمية (أهلك) حين يتحدث معها عنهما، كما تسميهما
هي. أخذ يدها يقبلها وهمس:
- لم يبق إلا القليل وترتاحي يا زبيدة.
تأملته وهي تقول بلهفة: - راحتي في وجودك قربي يا
روح زبيدة.

نادت زبيدة وهي ترتجف وتمسك بطنها علها تخفف من
آلامها على فاطمة التي جاءت نحوها مسرعة.
- ما بك بُنَيتي؟!
لهثت وهي تقول: - آلام شديدة في بطني يا أمي. هل سألد؟
دخلت ريم وسمراء الى الغرفة والقلق بادٍ على وجهيهما.
أمسكت فاطمة يدها وهي تقول: - قد تكون مجرد
أعراض وتزول بعد قليل، كما حدث في الأيام الماضية.
- آه. كلا يا أمي فاليوم الألم لا يحتمل.
قالت فاطمة بابتسامة كي تخفف من خوف زبيدة:
- يبدو إذن أن الوقت قد حان.
شحب وجه زبيدة وقالت والدموع في عينيها بسبب الآلام
التي تزداد: - أريد عمر!
ابتسمت فاطمة وهي تسرع بتجهيز السرير:
- وماذا سيفعل لك عمر؟! أنا قربك فلا تخافي.
صرخت متألمة فجلست ريم قربها وقالت:
- هل تتألمين يا حبيبتي؟
أومأت وهي تحاول كتمان صرختها وقالت متوسلة:
- أريد عمر. أريده قربي.
قالت فاطمة بحزم علها تخفف من فزع زبيدة الذي تعرف
أنه يعود لخوف قديم بسبب موت امرأة اثناء الولادة:
- اهدأي يا ابنتي. كيف سنناديه؟
قالت سمراء وهي تكتم دموعها العصية:
- أنا سأذهب لأناديه.
- السوق بعيد يا سمراء، وربما ضللتِ الطريق.
- تعلمين أنني أحفظ الطرق بسرعة. سأذهب حالا.
قالت فاطمة: - حسنا. ريم، اذهبي أنت الى (أم الوليد)
وأحضريها بسرعة.
أومأت ريم وأسرعت بارتداء عباءتها وأسرعت نحو دار أم
الوليد الذي لا يفصله عن بيت عمر سوى عدة دور. طرقت
الباب بشكل متواصل وبقوة حتى انفتح وأطل رجل وهو
يقول بانزعاج: - تمهل أيها الطارق.
لانت ملامحه وهو ينظر لوجه ريم المصفر حين قالت
لاهثة بسرعة: - أرجوك فلتسرع زوجتك بالذهاب معي.
قطب جبينه وتساءل: - زوجتي؟
قالت ريم بأنفاس ما تزال متقطعة: - أسرع أرجوك
فشقيقتي بحاجتها. إنها تلد.
أومأ الرجل برأسه وهو يقول: - حسنا، فقد اهدأي والتقطي
أنفاسك.
قالت بجزع وهي تشابك أصابعها لشدة توترها:
- أرجوك نادِ زوجتك.
أومأ الرجل ونادى وهو يسرع نحو الدار: - يا أم الوليد!
كانت مغمضة العينين، تدعو لزبيدة وهي تنتظر أم
الوليد بصبر نافذ.
- تفضلي.
جفلت حين اخترق صوت ذاك الرجل الذي فتح لها الباب
وحدتها. سألته بلهفة: - أين زوجتك؟
قال وهو يناولها كأس الماء: - ستأتي أم الوليد حالا.
شربت الماء بنهم فقد جف حلقها وهي تهرول إلى هنا.
سألها مبتسماً: - من هي شقيقتك؟
- إنها جارتكم، زوجة عمر ابن علي.
أومأ مبتسما وقال: - أنت شقيقتها التي أتت من البصرة إذن.
رمقته باستغراب فقال موضحا:
- لم يبق شخص يعرف الحارث أو أحد أقاربه إلا وسمع
بقصة حفيدته التي عادت بعد سنوات من البصرة. كما
أنني..
- أسرعي أرجوك يا خالة.
قاطعته ريم حين خرجت أم الوليد من الدار، فهي اصلا لم
تكن تصغي باهتمام لحديثه فكل ما كان يشغلها هو
العودة بأم الوليد لتساعد زبيدة على الولادة.
أسرعتا نحو بيت عمر بينما بقي الرجل ينظر إليهما
وتمتم: - فتاة غريبة.
وصلت المرأتان للدار وأسرعتا نحو غرفة زبيدة لتسمعا
صوت صرخاتها المكتومة وصوت فاطمة تحاول التخفيف
عنها. دخلت أم الوليد وهي تقول لريم:
- اذهبي بعيدا الان.
راحت أم الوليد تطمئن زبيدة بابتسامة حانية بينما
سألتها هي: - هل سألد؟ لا أريد أن ألد قبل وصول عمر.
انفجرت أم الوليد بالضحك فابتسمت فاطمة.
- وما نفع زوجك الآن؟ أنا من سأساعدك في الولادة.
قالت زبيدة وهي تلهث وتحاول كتمان صرخات الألم:
- أريد عمر بقربي.
هزت أم الوليد رأسها بيأس وهي تبتسم وتبدأ عملها.
دخل عمر متلهفا شاحب الوجه. ألقى التحية على ريم على
عجل ثم أسرع الى الغرفة وطرق الباب وهو يقول:
- زبيدة؟

نهاية الفصل الثاني

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:26 pm

الفصل الثالث

دخل عمر متلهفا شاحب الوجه. ألقى التحية على ريم على
عجل ثم أسرع الى الغرفة وطرق الباب وهو يقول:
- زبيدة؟
قالت زبيدة كمن يستنجد: - تعال أرجوك.
ردت أم الوليد والضحكة تشوب صوتها: - ابق حيث أنت يا
ولدي ولا تستمع لجنون زوجتك.
وقالت فاطمة مازحة: - من جيد أنك أتيت فقد كانت
تنتظرك وترفض أن تلد قبل وصولك.
تنهد عمر والحزن يملأُه لسماع صرخات ألم زبيدة التي ما
عادت قادرة على كتمانها لشدة الألم.
تقدمت سمراء وهي تسأل بقلق عن زبيدة فأجابتها ريم:
- لم تلد بعد. لماذا تأخرتِ في العودة؟
- عدت مسرعة لكن عمر سبقني لأنه جاء ممتطيا جواد
أستاذه ليصل بسرعة (همست مبتسمة) حالما سمع الخبر
أسرع ليستأذن استاذه بالعودة للدار مستخدما حصانه.
قالت ريم بابتسامة: - إنهما يعشقان بعضهما.
همست سمراء بسخرية محذرة ريم وهي تسمع صرخة
زبيدة: - وهذه نتيجة العشق!
حدجتها ريم بحدة وحنق وهي تهمس: - دائما تفسدين
الكلام عن الحب.
حالما سمع عمر ذاك الصوت الفزع بسبب خروج صاحبه
لعالم غريب جديد، سجد شكرا لله ورفعت ريم وسمراء
يديهما تحمدان الله على سلامة زبيدة.
أخيرا خرجت أم الوليد وفاطمة وهي تحمل الطفل فتهلل
وجه عمر.
- رزقت صبيا يا ولدي. مبارك.
تناوله منها وهو يتأمله ويقول: - بارك الله فيك يا خالة.
هل أستطيع الدخول لرؤية زبيدة؟
أومأت مبتسمة فأسرع بدخول الغرفة وتبعته ريم وسمراء.
جلس عمر قربها وهمس وهو ينظر لوجهها المتعب:
- حمدا لله على سلامتك.
تقدمت ريم وسمراء وعانقتاها وهما تباركان لها ثم
اقتربت ريم من عمر وهي تقول: - أريد رؤية الصغير.
ناولها إياه وشكر أم الوليد بحرارة فقالت:
- أنت بمثابة (الوليد) يا عمر.
قال عمر مبتسما: - العقبى له، حين تحملين ذريته بين
يديك.
قالت أم الوليد وهي تخص ريم بنظراتها ما أثار استغرابها:
- بعث لك الوليد بمباركته سلفا، فهو من استقبل الفتاة
حين جاءت الي.
بلعت ريم ريقها وخفضت بصرها خجلا وقد احمر وجهها.
" إذن الذي استقبلني على الباب كان الوليد ابنها وليس
زوجها كما ظننت. وانا كالبلهاء بقيت أكرر على مسامعه
كلمة زوجتك. لابد انه ضحك كثيرا وهو يخبر
والدته بما حدث. "
أخذت فاطمة الصغير لتهتم به وتبعها الجميع في الخروج
من الغرفة فجلس عمر قرب زبيدة. قبّل جبهتها وراح يبعد
عن وجهها خصلات شعرها الرطبة المتناثرة وهو يقول:
- هل تألمت كثيرا؟
قبلت يده وهي تقول: - نسيت الألم ما إن سمعت صراخ
صغيري.
قال مبتسما: - فليحفظكما الله لي يا أُمه.
تمدد قربها ووضع رأسها على ذراعه فغفت من فورها وهي
تشعر بتعب شديد.

دخلت زبيدة بهو دارها وهي تحمل طفلها لتجد جدها
وعائلة عمر بانتظارها. بارك لها الجميع مولودها وحمدوا
لها السلامة.
ضمتها مودة بقوة وهي دامعة العينين وقالت:
- تمنيت لو كنت قربك كما كنت معي ساعة ولادتي.
قالت زبيدة لتشاكسها وهي تغمزها:
- ريم وسمراء كانتا معي.
لوت مودّة شفتيها ثم قالت: - لم تكفِني ريم لتأتي سمراء
وتشاركني فيك.
ضحكت زبيدة من غيرتها ثم راقبت كيف تتناقل
الايادي طفلها حتى حمله جدها الحارث وقال:
- ليبارك الله لكما فيه ويرزقكما برّه يا ولداي.
حمل عليّ والد عمر الطفل بين يديه وأذن في أذنه ثم سأل
عمر وزبيدة: - هل اخترتما له اسما؟
- سأسميه زيدا، بعد إذنكما انت وجدي.
التفتت زبيدة نحوه فابتسم لها وهو يقول: - أعرف أنك
تودين تسميته زيدا.
أدمعت عيناها وهي ترمقه بلهفة وتمنت لو استطاعت
الارتماء في أحضانه وتناسي جميع من حولهما. كم يهتم
بها ويفهم ما في نفسها ويسعى لإرضائها! وكم ندمت على
كل لحظة لم تعشقه فيها منذ رأته!
قال عليّ مبتسما: - كما تريدان يا أبا زيد.
وكم فرحت فاطمة وريم حين أخبرتهما زبيدة بتسمية
عمر لصغيرهما زيدا.
قالت فاطمة: - فليحفظ الله لك زوجك يا ابنتي.
أمنت زبيدة بلهفة: - آمين. إنه رائع يا أمي. لا يكف عن
إسعادي والتفكير براحتي.

ذهبت ريم وسمراء الى السوق لشراء بعض الحاجات بينما
بقيت فاطمة مع زبيدة في الدار. دخلتا الى بعض
الدكاكين وبضمنها دكان لبيع العطور والزينة.
قالت ريم وهي تمسك أساور فضية:
- أليست جميلة يا سمراء؟
ردت سمراء بابتسامة بينما ارتدت ريم الأساور لتجربتها:
- وأصبحت جميلة أكثر في يدك.
قالت ريم بابتسامة: - سأشتريها.
- هي هدية مني.
التفتت الفتاتان نحو مصدر الصوت فأشاحت ريم فورا
وجهها الذي اصطبغ بلون قانٍ.
- هي هدية مني.
التفتت الفتاتان نحو مصدر الصوت فأشاحت ريم فورا
وجهها الذي اصطبغ بلون قانٍ.
قطبت سمراء جبينها بتساؤل ثم قالت للرجل بحدة:
- من أين تعرفنا كي تهدينا؟
اقترب الرجل وقال وهو يرمق ريم ويكتم ابتسامته:
- كيف لا أعرفكما؟ أنتما ضيفتا جاري وصديقي عمر.
ولأني صاحب هذا الدكان أردت إهداءكما الأساور.
قالت ريم بامتعاض وهي تعيد الأساور لمكانها:
- لن أشتريها إذن.
فقال الوليد وهو يضع الأساور في كيس حريري:
- حسنا، لا تغضبا. سآخذ ثمنها.
أومأت ريم بالموافقة فابتسم الوليد ثم قال هامسا بمكر
وهو يأخذ ثمن الأساور منها: - زوجتي تسلم عليك.
زاد الاحمرار الذي لم يفارق وجه ريم ولم ترد ثم خرجت
مسرعة برفقة سمراء التي سألتها باستغراب:
- ما حكاية ذاك الرجل؟! ولماذا علا الارتباك والخجل
وجهك حالما رأيته؟!
تنهدت ريم وهي تشعر بالراحة بعد ذلك التوتر:
- لي معه موقف مُخجِل يا سمراء.
زاد استغراب سمراء وسألتها: - وأين رأيته قبلا؟
- إنه ابن القابلة التي ولد زيد على يديها. حين ذهبت
لأحضرها معي، فتح لي الباب ولشدة ارتباكي ظننته زوج
أم الوليد وليس ابنها.
كتمت سمراء ضحكتها ثم قالت: - لابد أنك طلبت منه
حضور زوجته القابلة، ولهذا قال بمكر أن زوجته تسلم
عليك.
قالت ريم وهي تغطي عينيها بكفها وتقاوم الضحك:
- كم كررتها على مسامعه! يا لخجلي. لقد أخبر والدته
بالأمر.
قالت سمراء وهي تجذب ريم من ذراعها: - دعينا منه الآن
ولنكمل شراء ما نحتاج إليه.

أربع سنوات ليست بالقليلة، وحسناء ليست أي جارية.
لم يخطر ببال مصعب أن فراقها سيؤثر فيه هكذا. كم
مرة توهّم وناداها ثم تذكر وأطلق حسرة اشتياق. وكم
مرة غضب واحتد على حارسيه بلا سبب يستحق،
والسر في ذلك هو اشتياقه لها. وكم مرة نادى غرام
باسمها متوهما، ما جعلها تستشيط غضبا كتمته في
قلبها. حتى أنها خشيت أنه صار يكن لحسناء مشاعر خاصة بعدما صارت بعيدة عنه وتحررت من امتلاكه لها.
وبعد بضعة أيام من مغادرة حسناء دار مصعب، ذهب برفقة
عاتكة ليزورها ويطمئن عليها.
خطى نحو الدار التي يزورها لأول مرة والتي دلته عليها
عاتكة، وطرق الباب منتظرا من اشتاق لرؤية وجهها
الحاني.
أتى صوتها من خلف الباب تسأل عن الطارق فأجابت
عاتكة: - هذا أنا يا ابنتي، ومعي ضيف.
أسرعت حسناء بارتداء خمارها وظنت أنه قيس حارس
مصعب ثم فتحت الباب
ليتهلل وجهها وهي تحدق بمصعب وأنفاسها تتلاحق. لكم
اشتاقت إليه وافتقدته! مع أنها لم تفارقه سوى أياما ومع
أنه كان سابقا يغيب عنها في أسفاره للتجارة، إلا أن الأمر
مختلف حين يكون افتراقهما نهائيا.
أفسحت لهما المجال فدخلا فأسرع مصعب بالقول بلهفة
وهو يأخذ وجهها بين كفيه: - لكم اشتقت إليك!
قالت باضطراب والابتسامة تملأ وجهها:
- وأنا افتقدتك يا سيدي.
ذكرته تلك الكلمة بما غفل عنه كلاهما لحظة
التقيا فأبعد يديه واستغفر وهو يفكر " سبحان من أحل
الحلال وحرّم الحرام. صار مجرد لمسك محرما عليّ "
دعتهما حسناء للجلوس بصوت ما زال مضطربا من أثر
المفاجأة.
- شرفتني بزيارتك يا سيدي.
قال بابتسامة ومسحة مرارة في صوته رغم عدم ندمه على
منحها حريتها: - لم اعد سيدك يا حسناء.
ابتسمت بارتباك وهي تقول: - لم أعتد بعد على
مناداتك باسمك.
تدخلت عاتكة في حديثهما أخيرا لتقول بابتسامة وهي
تشعر بافتقادهما لبعضهما:
- ستعتادين يا ابنتي. كل شيء صعب في بدايته.
قال مصعب بمرح وهو يعي قصد عاتكة:
- ليس اسمي بهذه الصعوبة.
حين عاد مصعب للدار ذلك المساء، كان الحزن باديا
عليه حتى أنه أخلد للنوم مبكرا ورفض تناول الطعام
الذي جلبته غرام لغرفته.
سألته وهي بقلق وهي تأخذ كفه بين يديها:
- ما بك يا سيدي الحبيب؟ هل أنت مريض؟ تبدو متعبا.
هز رأسه نفيا وقال وهو ينهض متجها الى السرير:
- لا. فقط أريد الخلود للنوم.
اقترحت عليه بابتسامة: - هل أجلس قربك حتى تغفو؟
- لا حاجة لذلك. تصبحين على خير.
قالت بوجه حزين وهي تتجه الى باب الغرفة:
- تصبح على خير يا حبيبي.
اتجهت غرام مباشرة لعاتكة حيث كانت تجلس في
البهو. سألتها وهي تجلس قربها:
- ما به سيدي؟ يبدو عليه الضيق.
أجابت عاتكة: - كعادته في الأيام الأخيرة.
قالت غرام وهي تشعر أن لخروجه مع عاتكة عصرا
علاقة بحالته تلك: - لكنه اليوم مختلف. هل.. لذلك
علاقة بخروجه معك عصر اليوم؟
قالت عاتكة متعمدة المماطلة وعدم إعطاء غرام
المعلومة مباشرة:
- لماذا تقولين هذا؟
- لأنه لم يكن هكذا ظهر اليوم حين عاد من السوق.
بالمناسبة، أين ذهبتما؟
- ولماذا لم تسأليه هو؟
تأففت غرام وقالت: - ولماذا لا تجيبين عن سؤالي وتريحي
قلبي؟!
قالت عاتكة وهي تتخيل ردة فعل غرام:
- ذهبنا لزيارة حسناء.
استشاطت غرام غيرة وغيضا وتساءلت بحنق:
- لماذا ذهب لزيارتها؟! ألم يعتقها وصارت محرمة عليه؟ أم
أنه نادم ويتمنى لو تعود إليه؟!
قالت عاتكة بهدوء رغم حزم كلماتها:
- سيدك لم يزرها لوحده بل كنت أنا برفقته.
تساءلت غرام بغضب وهي تنهض: - ولماذا يزورها اصلا؟
قالت عاتكة بحدة: - لأنها أكثر من جارية بالنسبة له.
لأنه لا يستطيع محو سنواته الاربع التي قضاها معها في
عدة ايام فقط. لأنها تختلف عنكن جميعا. تلك الفتاة
تحمل طيبة وصفاءً قل مثيليهما.
لوت غرام شفتيها امتعاضا ثم تمتمت وهي تتجه لغرفتها:
- الحمد لله الذي خلصني منها.
هزت عاتكة رأسها بيأس وهي تراقبها.

الاوقات الجميلة تمر بسرعة، خاصة تلك التي تجمعنا
بمن نحب.
عبست زبيدة وهي تسمع عمر يقول لإبراهيم بينما كانا
جالسين في بهو الدار: - لماذا لا تؤجل الرحيل يا عم؟
اسرعت زبيدة بوضع زيد في حجر فاطمة حيث كانت
جالسة معها وريم وسمراء في الغرفة القريبة من البهو
والتي تقيم فيها فاطمة وريم ثم دخلت البهو وقالت
بامتعاض: - لم أرك وسمراء منذ عامين، والان تريد
الرحيل بهذه السرعة؟!
ابتسم ابراهيم من سرعة تغير وجه زبيدة عندما تغضب
وقال: - نحن هنا منذ عشرة ايام يا ابنتي. كما أن عليّ
العودة بالناس المسافرين مع قافلتي الى البصرة.
قال عمر راجيا: - يا عم، سأسافر بعد يومين في رحلة مع
أستاذي.
فلتسافر انت مع قافلتك واترك خالتي فاطمة وريم
وسمراء مع زبيدة. وحين تعود سالما لبغداد يمكنكم
الرحيل الى البصرة.
قالت زبيدة بحماس: - ارجوك اقبل يا عمي.
أومأ ابراهيم بإذعان وقال مبتسما: - وهل أستطيع ردّ
طلبك يا غالية زيد؟
قالت زبيدة بابتسامة وهي تعود مسرعة للغرفة المجاورة
لتخبر الفتاتين وفاطمة: - سلمت يا صاحب زيد.
قالت زبيدة بسرور وهي تضم ريم وسمراء:
- ستبقين هنا حتى يذهب عمي ويعود ثانية من البصرة.
شهقت ريم فرحا وقالت سمراء بابتسامة:
- لا يرفض لك أبي طلبا.
دمعت عينا زبيدة وقالت وهي تجلس: - كان ولا يزال خير
عم لي، وكنت أمانة ثقيلة في عنقه.
سألت فاطمة وقد تذكرت ايامهن السابقة في البصرة:
- ألم تشتاقي للبصرة؟
أطلقت زبيدة حسرة طويلة وقالت والغصة بادية في
صوتها: - لهوائها ومائها وناسها وكل شبر فيها يا أمي.
قالت سمراء وهي تشد على يد زبيدة:
- دعك من الحزن الآن ولنبتهج. سيكون أمامنا شهر أو
أكثر حتى عودة أبي من البصرة.
قالت زبيدة بابتسامة: - حالما يسافر عمي ستتركين
حجرة الضيافة وتأتين لتبقي معنا هنا في الدار.
وقالت ريم بحماس: - سنقضي الليالي بالسمر والغناء كما
في السابق.
فقالت سمراء بابتسامة ماكرة: - ونذهب الى السوق. سوق
بغداد عامر بأدوات زينة وحلي جميلة.
احمر وجه ريم ورمقت سمراء شزرا محذرة إياها من وجود
فاطمة فقطبت زبيدة جبينها بتساؤل والفضول يسيطر
عليها لمعرفة مغزى كلام سمراء لريم.
همست سمراء في أذن زبيدة بحجة معانقتها:
- فاتك الكثير بينما كنت مشغولة بأميرك الصغير
ووالده، عاشقك المتيم.
رمقتهما زبيدة بنظرات توعد لإخفائهما شيئا عنها.
وحالما نهضت فاطمة لتنام، جذبت زبيدة ذراع ريم وهي
تسأل: - ما الذي لا أعرفه؟
قصت الفتاتان عليها ما حدث بين ريم ووليد منذ رأته اول
مرة يوم ولادة زيد وخطأ الفهم الذي وقع منها بظنها انه
زوج أم الوليد ثم لقاؤهما له في السوق ونظراته لريم التي
لم تخف عن الفتاتين.
علقت زبيدة ساخرة وهي تحمل زيد لتلبي نداء عمر لها:
- لم يمر على مكوثك في بغداد سوى عدة أيام وقد
حصلتِ على معجب.
ضحكت سمراء فدفعتها ريم وهي تقول:
- هيا اغربي فلا بد أن عمي إبراهيم ينتظرك لتذهبا الى
حجرة الضيافة.
مع سرورها ببقاء اهلها قربها إلا أن زبيدة نامت تلك الليلة
والدموع في عينيها حزنا على فراق عمر الذي سيسافر مع
أستاذه بعد يومين.
همس عمر في أذنها بينما كانت توليه ظهرها ودموعها
تنساب بصمت: - ألن تكفي عن البكاء؟
تظاهرت بالنوم فقال وهو يمسح دموعها:
- لا تتظاهري بالنوم يا كاذبة، فأنا أشعر ببكائك من
صوت أنفاسك.
قالت عندها بحنق وصوتها متحشرج: - لن اكف حتى
تكف عن أسفارك.
ضحك رغما عنه ثم قال: - أية أسفار تلك؟! لم اسافر
منذ أحد عشر شهرا.
اعتدلت لتجلس في السرير وتقول بغضب:
- تعد الأشهر التي لم تسافر فيها. طبعا. لا تطيق
الاستقرار في مكان.
تنهد مبتسما من غضبها الذي يعشق، وقال وهو يحيط
وجهها بكفيه:
- بل عددتها لأن أخر رحلة لي كانت بعد يومين من
ذلك المساء الذي نطقت فيه بحبك لي أخيرا.
خفضت رأسها خجلا وندما على كلامها المتسرع ثم عادت
لترمقه بحنق وقالت:
- لا تظن أني سأسامحك على سفرك بعد هذا الكلام.
لامس شعرها وهو يقول بشوق: - سأحرص على العودة
سريعا. كما إنك ستنشغلين بأهلك عني.
قالت وهي تتأمله بشغف: - لا تشغلني الدنيا كلها عنك.

قال نوار وهو يضع صحن الطعام امام مصعب بلهجة عتاب:
- أكان يجب أن أدعوك للعشاء كي تشرف داري
بزيارتك؟!
قال مصعب مبتسما: - ها قد بدأ العتاب.
فقال نوار رافعا حاجبه: - لم تدخل داري منذ مدة.
أخذتك مني جاريتك المفضلة.
ابتسم مصعب ساخرا: - تقصد الوحيدة.
ضحك نوار وقال: - أهذا سبب تغير مزاجك؟ أنك لا
تملك سوى جارية واحدة؟
ابتسم مصعب وبدأ بتناول الطعام لينهي الحديث لكنه
لم يطق صبرا على كتمان ما في نفسه أكثر، فقال لنوار
حالما أنهيا طعامهما: - لستُ بخير يا نوار.
قال نوار بهدوء: - أعرف يا رفيقي، ولهذا دعوتك اليوم
لداري كي نتحدث بهدوء.
قال مصعب بصوت مضطرب: - لا أعرف ماذا جرى لي منذ
أعتقت حسناء. أشعر وكأن أياما طويلة مرت على خروجها
من داري وليس أسبوعين فقط. أشتاق إليها كثيرا. أتمنى
لو تعود إليّ، وكثيرا ما أشعر بالندم لأنني أعتقتها.
- استغفر الله يا مصعب! كيف تندم على شيء يعود
عليك بأجر كبير من الله؟
أطلق حسرة وهو يضع يده على جبينه ثم استغفر وقال
بانفعال:
- لكنني أشتاق إليها يا نوار. أريدها قربي. حتى شغفي بغرام بدأ يفتر وبريقها في عيني يبهت.
قال نوار مازحا: - هممم انت بحاجة لجارية جديدة.
أكد مصعب بجدية: - بل انا بحاجة لحسناء.
قال نوار بحزم:
- كلا يا مصعب. لست بحاجة لحسناء ولا تكذب عليّ
بقول إنك بدأت تشعر بحبها حين ابتعدت عنك.
أكد مصعب: - أظن أن هذا ما يحصل.
فقال نوار بإصرار: - ما يحصل أنك تكن لها محبة
كبيرة في قلبك ولهذا تشعر بالشوق لها. لذا لا توهم
نفسك بأشياء زائفة يا صاحبي. كما أن غريزة التملك
لديك ثارت حين شعرت بأنك خسرتها بعتقك لها.
سأله مصعب بانفعال: - وما أدراك انت؟
قال نوّار بلهجة عتاب:
- هل ضاعت سنوات رفقتنا هباءً حتى أعجز عن معرفة
دواخلك؟! لا توهم نفسك بحب حسناء كي تنسى من
لم تقو على نسيانها بعد.
تأفف مصعب بانزعاج ونهض ليهرب من الحديث عن جرحه
الذي لم يبرأ بعد والذي جعله متخبطا مشوش الفكر
فقال نوار:
- ها أنت تهرب من الحديث معي لأنني محق فيما أقول.
قطب مصعب جبينه وقال لنوار الذي سار معه الى الباب:
- لا تأتِ على ذكرها ثانية يا نوار، فأنا بالكاد أحاول
التناسي.
شد نوار على يد مصعب وهو يرجوه: - اعذرني يا صاحبي.
لكن حاول نسيانها بطريقة أخرى.
أومأ برأسه وودع نوار.
" آه منكِ يا عشقي وجرحي. آه منك يا زبيدتي التي لم
تعد لي.. ولكن، هل كنت لي يوما؟ "

خرج مصعب صباح أحد الأيام الى الفلاة ليختلي بنفسه
قليلا. نزل عن ظهر جواده وسار بضعة خطوات حتى سمع
صوتا يصدر من إحدى المغارات الصغيرة المنتشرة في تلال
تلك المنطقة.
اقترب بحذر تحسبا من ان يكون كمينا من قطاع طرق أو
حيوانا مفترسا. وفجأة ظهر أمامه ملثم يشهر سيفه في
وجهه فما كان من مصعب إلا أن بدأ معه مبارزة لم تكن
سهلة، فقد كان الملثم خبيرا بالمبارزة.
لكن مصعب لم يكن بأقل منه خبرة وخفة في استخدام
السيف، فباغته وأطاح بسيفه بعيدا. توقف الملثم عن
الحراك فرمى مصعب سيفه هو الآخر وقال:
- حتى لو كان خصمي دنيئا فلن أبارزه وهو أعزل.
وانقض عليه ليبدأ معه عراكا بالأيدي وطرحه أرضا ثم
قيد يديه وهو يقول:
- ألن تكفوا عن النهب والسلب؟! ألا..
تجمدت الكلمات على فم مصعب حين تناثرت تلك
الخصلات الحريرية الطويلة من تحت عمامة الملثمة
وحدق بتلك العينين حادتي النظرات لتتملكه الدهشة
للحظات.. ليصرخ بعدها وهو يشعر بحرارة كألسنة اللهب
تسري في ذراعه.
كانت الملثمة قد استغلت لحظات شروده تلك وسحبت
السيف عن الأرض ثم جرحته به. ابتعد عنها وهو يمسك
ذراعه حيث الطعنة وسألها بدهشة:
- كيف لامرأة أن تكون قاطعة طريق؟!
احتدت نظراتها وقالت وهي تلملم تلك الخصلات بغضب:
- أنا هي قاطعة الطريق أم انت؟! لماذا تبعتني؟!
ضغط على اسنانه متألما وهو يمسك جرحه ثم قال:
- أنا تبعتك؟! أنا لم اركِ سوى الآن.
قالت بإصرار وهي تحكم لثامها الذي لم ينحسر عن
وجهها:
- بل تبعتني. وجئت الان مستغلا انعزال المكان هنا.
جلس مصعب وقد زاد ألمه ونزف جرحه فانتبهت لما فعلته
طعنتها بذراعه فطغى الفزع للحظات على نظراتها.
- أنت واهمة. تتكلمين عن شخص آخر فأنا لم أركِ غير
الآن.
عادت الحدة والغضب لنظراتها وهي تقول:
- لقد رأيتك على ظهر جوادك الأدهم عند أطراف
المدينة وأسرعت بجوادي لأتخلص من ملاحقتك. ماذا
تريد مني؟!
قال وهو يمزق طرف ثوبه ليربط به جرحه:
- جوادي بنيّ وليس أسود اللون. أنت تخلطين بيني وبين
شخص آخر.
بدا لها صادقا لكن الشكوك لم تغادرها فصاح عاليا:
- رعد!
شهرت السيف في وجهه من جديد وصاحت:
- على من تنادي؟ إياك والغدر. وإلا ستكون الطعنة
القادمة في قلبك لا ذراعك.
تقدم رعد من مدخل الغار وهو يصهل فقال مصعب مبتسما
رغم ألمه: - ناديت جوادي رعد لتتأكدي أنني صادق.
تأملت الجواد ثم قالت وهي تقترب من مصعب:
- اعذرني فقد ظننتك ذاك الرجل.
اقتربت أكثر ومدت يدها وهي تراه يحاول ربط يده بتلك
الخرقة ولا يستطيع. جلست قربه وربطت له الجرح لكنه
ظل ينزف فنزعت عمامته بسرعة عن رأسه وربطت بها
الجرح وهي تدعو الله ألا يصيبه مكروه بسبب طعنتها.
كان يراقبها والاستغراب مسيطرا عليه ثم سألها بصوت
متعب:
- ماذا تفعلين هنا في هذه الساعة المبكرة؟!
- أطلب الهدوء والسكينة لكن يبدو أن الحصول عليها
صعب جدا.
رفع حاجبيه اعتراضا واستغرابا وتمتم:
- طعنتِني لمجرد شبهة ثم توجهين لي اللوم على سلبك
هدوءك بدل ان تعتذري.
قالت بامتعاض: - لقد اعتذرت. أم يجب ان اكررها كل
لحظة؟!
ابتسم مصعب ساخرا وقد بدأ جسده يثقل ورؤيته تتشوش.

نهاية الفصل الثالث


الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:27 pm

الفصل الرابع

قالت بامتعاض: - لقد اعتذرت. أم يجب ان اكررها كل
لحظة؟!
ابتسم مصعب ساخرا وقد بدأ جسده يثقل ورؤيته تتشوش.
وما هي إلا لحظات حتى تهاوى جذعه على الأرض وفقد
وعيه بعدما سمع الملثمة تقول باضطراب:
- ما بك؟! افتح عينيك ارجوك.
نهضت الملثمة مسرعة وأوقدت نارا وضعت عليها طرف
سيف مصعب ليسخن بينما فتحت الرباط عن جرحه
بحركات ماهرة وسريعة.
أمسكت يدي مصعب بيسارها ثم تناولت سيفه بيمينها.
شهيق قوي ثم أسرعت بِكَيّ الجرح قبل أن ترتعش يدها
كي ينقطع النزف. صيحة الألم التي أطلقها مصعب
جعلتها تضطرب لكنها ثبتت يديه بقوة بينما فقد وعيه
من جديد.

حين فتح مصعب عيناه، كان في سريره. تأمل الغرفة
حوله وتساءل إن كان ما مر به وطعنة تلك الملثمة
المتنكرة بثياب الرجال مجرد حلم سيء راوده. وجاءه
الجواب سريعا بالنفي حين شعر بوخز الألم في ذراعه
الأيسر. مال برأسه أكثر جهة اليسار فرأى رباطا جديدا
يلف جرحه.
دخلت غرام فتهلل وجهها سرورا وأسرعت لتجلس قربه على
السرير بحذر وهي تقول: - حمدا لله على سلامتك يا
سيدي وحبيبي.
ابتسم لها فانحنت تقبل موضع جرحه ثم سألته بلهفة:
- قتل الله من فعل هذا. هل هو قاطع طريق؟
تمكنت الابتسامة من شفتيه وهو يتذكر لحظة انفلات
ذلك الشعر الحريري الذي كشف عن هوية تلك
الملثمة التي لم يرَ وجهها، ونظراتها التي تباينت بين
الغضب والحدة والفزع والندم على طعنها له.
نادته غرام لتأخذه من شروده: - من فعل بك هذا؟
- قاطع طريق حسبما ظننت.
استغربت إجابته الغامضة لكنه بادرها بالسؤال قبل ان
تطالبه بالتوضيح: - كيف وصلتُ الى هنا؟ أذكر انني
فقدت وعيي بعدما نزفت كثيرا.
قالت غرام بحيرة: - عاد رعد الى الدار وانت على ظهره
فاقدا للوعي. ألا تذكر شيئا؟ قال الطبيب أن أحدهم
كوى جرحك، ولولا ذلك لكانت حالك أسوأ.
وهنا تساقطت دموع غرام فرفع يده اليمنى نحوها
فاقتربت ليلامس وجهها وعلى شفتيه ابتسامة حانية.
- لا تقلقي فأنا بخير. لكنني لا أتذكر ما حدث معي
بعدما فقدت وعيي.
قالت غرام بلهفة: - سلمت يا حبيب قلبي.
لامس شعرها بحنان افتقدته منه في الأيام الأخيرة فذاب
قلبها وقالت بسرور وهي تنهض:
- سأحضر لك الطعام الذي اوصى به الطبيب كي تعوض
ما فقدت من دمك الغالي يا حبيبي.
أومأ مبتسما ثم عاد لشروده في تلك الملثمة الغريبة وفي
كيفية وصوله لداره.
تلك الايام التي قضاها مصعب في الدار بسبب جرحه،
قربت بينه وبين غرام من جديد فقد اعتنت به ولم
تفارقه إلا في ساعات نومه.
كانت جالسة قربه تطعمه بيدها وهي تحدثه عن بعض
المواقف التي تذكرها من طفولتها فقال مبتسما:
- كانت لديك طفولة سعيدة إذن.
لامست جانب وجهه وهي تقول والشوق في عينيها وصوتها:
- ليس في حياتي أسعد من اليوم الذي صرت فيه ملكك.
اتسعت ابتسامته وارتفع حاجباه دهشة وهو يسألها بصوت
خافت ممسكا بيدها التي تحمل ثمرة فاكهة لتطعمه إياها: - ألهذا الحد تحبينني؟!
زفرة شوق ولوعة وعينان تجمعت فيهما الدموع، كانت
أبلغ من أي كلمة قد تقولها عن عشقها له.
اكتست نظراته بالمكر اللذيذ الذي يطيح برشدها ثم
أخذ قطعة الفاكهة من يدها وأعادها الى الصحن
ونظراته مثبتة على عينيها اللتين رفتا شوقا وشعتا إغواءً
وسحرا.

طرق باب دار عمر فخرجت فاطمة لترى من الطارق ثم
عادت بعد قليل ومعها أم الوليد.
في الحال نظرت زبيدة وسمراء نحو ريم التي احمرت خجلا
وخفضت رأسها.
ألقت أم الوليد التحية على الفتيات وجلست فنهضت ريم
بحجة إعداد شيء تضيف به أم الوليد التي قالت لفاطمة:
- أوصاني الوليد أن آتي لأسألكن إن كنتن تحتجن لشيء
في غياب عمر.
ابتسمت ريم وهي تذكر وجه الوليد ونظراته الماكرة
وهو يخبرها مازحا أن زوجته تسلم عليها ثم نهرت نفسها
واسرعت بدخول المطبخ.
قالت فاطمة: - سلمتما يا أم الوليد.
وقالت زبيدة: - لو احتجنا لشيء فسأطلبه منك دون تردد
يا خالة. لكن جدي يرسل حارسه عامر إلينا منذ الصباح
حتى المساء.
سألتها أم الوليد: - كيف حال صغيرك زيد؟
- بخير. سأحضره لتريه.
قبل ان تنهض ام الوليد للمغادرة قالت:
- زفاف ابنتي (زينب) بعد ما يقارب الأسبوع، وأنتن
مدعوات إليه بالتأكيد.
باركن لها فقالت بعد تردد: - تعرفين يا زبيدة أن زينب
وحيدة وليس لها شقيقات. وأنا أيضا غريبة هنا فأقاربي في
المدائن..
قاطعتها فاطمة لترفع الحرج عنها: - ليس أحب إلينا من
الوقوف بجانبك في هذا اليوم. على الاقل كي نجازي
وقوفك مع زبيدة يوم ولادتها. بما أن زبيدة مشغولة
بولدها فسآتي ومعي ريم وسمراء لمساعدتكما.
قالت ام الوليد بسرور وامتنان:
- بارك الله فيكن وأدام المعروف بيننا.
همست سمراء بامتعاض: - تريد خالتي توريطي وتعرف
أنني لا أحب هذه الاجواء.
ضحكت الفتاتان ثم همست زبيدة لريم بمكر:
- ربما ترين شقيق العروس بينما تساعدنها وامها في
الاستعداد للزفاف.
رمقتها ريم بحنق وهي محمرة الوجه ثم استدارت نحو ام
الوليد لتتأكد بأنها لم تلحظ حديثهن الجانبي.

كان أول مكان ذهب إليه مصعب حالما تماثل للشفاء من
طعنة الملثمة لذراعه، هو ذلك الغار الذي التقاها فيه.
حرص على الذهاب في نفس الساعة علّه يلتقيها هناك،
فقد كانت الأسئلة تحوم في رأسه عن طريقة وصوله
لداره على ظهر جواده رعد. ولن يجيبه عنها سوى تلك
الملثمة. تلك الأحجية المحيرة التي التقاها في موقف
عاصف شرس.
انتظر داخل الغار لفترة لكنها لم تأت فغادر متجها الى
دكانه الكبير في السوق.
عانقه نوار وحمد له السلامة حالما رآه ثم سأله وهما
يجلسان داخل دكانه: - لماذا ابكرت في القدوم الى
السوق هكذا؟ لو أنك ارتحت اليوم أيضا.
- أنا بخير فلماذا البقاء في الدار؟ كما أن فضولي اجبرني على الخروج.
قال نوار مبتسما: - إذن فقد ذهبت لذلك المكان كما
عزمت. وهل وجدت تلك الملثمة هناك؟
قال مصعب بخيبة أمل: - كلا.
بعد يومين، وبينما كان مصعب يهم بالمغادرة وقد سئم
من انتظار تلك الملثمة، سمع صهيل جواد فالتفت ليرى
جوادها الابيض فابتسم وتوقف في مكانه بانتظارها.
اوقفت الجواد واستدارت عائدة حين لمحته فأسرع بامتطاء
رعد ولحق بها.
هتفت وهي تسرع بالجواد: - ماذا تريد مني؟
أجاب وهو يحاول الوقوف في طريقها: - فقط توقفي.
لكنها ظلت تهرب منه. ربت على ظهر رعد وقال مبتسما:
- لنوقفها يا صاحبي.
وأسرع برعد حتى صار قريبا منها ومال نحوها وامسك
بلجام جوادها. تفاجأت وأوقفت الجواد ثم صاحت بصوتها
الناعم: - هل انت مجنون؟
ابتسم مصعب وهو يلمح غضبها المتقد يطل من عينيها
اللتين احتدت نظراتهما كتلك اللحظة حين طرحها
أرضا وهو يتشاجر معها.
- يجب ان اكلمك.
تأففت وهي تنزل من على جوادها برشاقة تدل على
خبرتها في امتطاء الخيول، فنزل هو الآخر عن جواده ثم
قال: - اشعة الشمس قوية. دعينا نجلس هناك.
تنهدت بانزعاج وتمتمت: - اللهم صبرًا!
ابتسم برضا وهو يتبعها ليجلسا قرب مدخل الغار الذي
التقيا فيه تلك المرة.
- ماذا حدث بعدما فقدت وعيي؟ أخبروني أنني عدت الى
داري وانا فاقد للوعي على ظهر رعد جوادي.
رمقته بتلك العينين الواسعتين ونظراتهما الحادة تعكس
انزعاجها منه ثم بدأت الحديث بامتعاض:
- وكأنه لم يكفني اقتحامك لخلوتي وهدوئي، صار
لزاما عليّ الاهتمام بك وإنقاذك.
تساءل مصعب هو الآخر بحدة: - بدل ان تعتذري عن
طعنك لي، توجهين إليّ اللوم. هل كنت سأحتاج
مساعدتك لو لم تجرحيني بسيفك؟
اختنقت بغصة البكاء من جديد كما حدث لها ذلك
النهار حين خافت ان يموت فأسرعت بالنهوض وأولته
ظهرها فنهض غاضبا لتجاهلها إياه وكلامها الفض معه
وأسرع بمواجهتها وهو يهتف بغضب:
- ما لك يا امرأة؟! ما هذه الفضاضة..
تجمدت الكلمات على شفتيه من جديد كذلك اليوم
حين اكتشف أنها امرأة. ها هي الآن تسبب له الدهشة
ثانية وهو يرى الدموع تلتمع في تلك العينين اللتين لم
ير من وجهها سواهما. سألها بدهشة: - لما تبكين؟!
ابتعدت تحاول إنكار بكاءها الذي فضحه اضطراب
أنفاسها فقال:
- ليس البكاء عيبا لتخفيه. أخبريني لماذا تبكين؟
هتفت وقد تعثرت الكلمات على شفتيها وهي تذكر
تلك الحادثة التي حُفرت تفاصيلها بقسوة في ذاكرتها
لتعيشها بكل ألمها ومرارتها كلما تذكرتها:
- لأن شقيقيّ قُتلا بسبب طعنات السيوف. رؤيتك فاقدا
للوعي وجرحك ينزف أعادت لي ذكرى ذلك اليوم
بكل وحشيته. جعلتني اشعر أنني لا أقل خِسّة عن قطاع
الطرق أولئك وأنا أتصور أنك قد تموت بسبب طعنتي.
اختناق الكلمات في صوتها الباكي وحركتها
المضطربة وهي تتحدث جعلته يقول بتأثر وهو يقترب
منها: - اهدئي ارجوك. اجلسي.
جلست لكن جسدها لم يكف عن الارتجاف وانفاسها لم
تهدأ. قال وهو ينظر لتلك العينين مضطربتي النظرات:
- متى حدث ذلك لشقيقيك؟
أشاحت بوجهها وهي تقول: - لم أخبر احدا عن الامر ولن
اخبرك ايها الغريب.
- ما دمت بدأت الكلام عن الامر فيجب ان تكملي كي
تتخلصي من هذا الألم الذي يجثم على قلبك. وليس
أفضل من الغريب ليفضي الشخص أمامه بمكنون نفسه.
لا يعرف لماذا اهتم لتلك الدرجة ولا تعرف لماذا أطاعته
وتحدثت إليه بما لم تخبر به أحدا قبله. ربما لأنها شعرت
في تلك اللحظات بحاجة ملحة لإفراغ ما في قلبها من
حزن رافقها طيلة الأيام الماضية وهمّ يجثم على صدرها
منذ سنوات. ربما لأنه شخص غريب لا يعرفها.
قالت بصوت مرتجف وعينان تحدقان في البعيد:
- أحببت أخويّ بإفراط ورافقتهما أينما ذهبا. تعلمت منهما
المبارزة وركوب الخيل. كنت حينها طفلة في العاشرة.
رافقتهما حين ذهبا لتسليم مبلغ كبير من المال لأحد
التجار. تعقبنا قطاع الطرق دون ان ننتبه لهم. وحالما
وصلنا مكانا منعزلا، اعترضوا طريقنا. تمكن شقيقيّ من
إصابتهم بجروح بالغة لكنهم كانوا ستة فلم يستطيعا
النجاة منهم. كان جل تفكيرهما في إشغالهم حتى
أستطيع الهرب.
اختنقت أنفاسها وراحت تشهق بالبكاء ثم أكملت:
- ركضت بكل سرعتي حتى اختبأت في مكان آمن وبعد
فترة.. عدت مسرعة لذلك المكان لأجدهما جثتين لا
حياة فيهما. ذلك البريق في عينيهما انطفأ، وخمدت
أنفاسهما. لم أقو حتى على الصراخ أو البكاء. بقيت
قربهما أحتضنهما حتى ساعة متأخرة من الليل حين
وجدني أبي ومن أتى معه للبحث عنا.
كتم مصعب غصة ألم في صدره وقال لها:
- ابكِ واصرخي كما تمنيت حينها ولم تستطيعي أن
تفعلي.
رمقته بعينيها اللتين احمرتا من البكاء فقال بحزم:
- اصرخي لتخرجي ذلك الألم المكتوم في قلبك.
صرخت بألم ولوعة وصورة شقيقيها مضرجين بالدماء
ترتسم في مخيلتها. صرخت وكأنها رأتهما قتيلين للتو.
احتضنت ساقيها وراحت تجهش بالبكاء كما لم تبك
منذ سنوات طويلة وعلت شهقاتها ثم صمتت.
سألها بقلق وقد طال صمتها: - هل انت بخير؟
وكأن سؤاله ناقوس خطر نبهها لخطئها فأسرعت بالنهوض
وهي غاضبة من نفسها - مع أنها شعرت بالراحة - لأنها
كشفت دواخل نفسها أمام هذا الغريب.
سألها مصعب وهو ينهض:
- لم تخبريني بعد عما حدث لي وكيف عدت لداري على
ظهر جوادي.
قالت وهي تقترب من رعد وتربت على رقبته:
- اضطررت لكيّ الجرح كي أوقف النزف. بعدها
وضعتك على ظهر جوادك وأمرته أن يعود بك الى
الدار.
قال مازحا ليخفف من حزنها وتوترها الذي ما زال
يستحكم صوتها: - لا بد أنني كنت ثقيلا وأتعبتك.
رمقت قوامه النحيل بنظرة خاطفة وقالت:
- ليس كثيرا. كما أن جوادك ساعدني لأضعك على
ظهره.
- وكيف تأكدت أنه سيعيدني للدار؟
نظرة اعتراض حادة جعلت الابتسامة تقفز الى شفتيه ثم
قالت: - كيف لا أميز الجواد الاصيل وأنا فارسة؟
قال مبتسما: - صدقتِ.
كان يعرف جواب سؤاله لكنه كان يريد إطالة الحديث
معها فهي شخصية لم ير مثلها قط.
- شكرا لك. لولا كيّ الجرح لساءت حالتي كثيرا.
رغم أن وضعي ذكرتك بشقيقيك إلا أنك لم
تتركيني وترحلي.
قالت نادمة ومستغربة الحديث الدائر بينهما:
- أنا من طعنتك، فكيف لي أن اتركك وأرحل؟!
قال مبتسما: - بعدما سمعت قصتك لن ألومك حتى لو
طعنتِني في قلبي، فقد ظننتِني قاطع طريق يتعقبك.
قالت وهي تسير نحو جوادها: - أعتذر منك مرة أخرى
على ما حدث.
سألها وهو يقترب منها: - هل سأراك ثانية؟
رمقته بحدة وقالت وهي تركب جوادها:
- جمعنا موقف سيء وانتهى.
تابعها بنظراته مبتسما وهي تبتعد وقد أخذت معها شيئا
من نفسه..

حين ذهب مصعب للسوق، اتجه الى الدكان الذي يعمل
فيه نوار مباشرة. وما إن تبادلا التحية وجلسا، سأله نوار:
- كيف حال ذراعك اليوم؟
قال مصعب مبتسما: - بخير. اشعر بخير.
ضاقت عينا نوار وهو يسأل: - ما سر هذه الابتسامة وهذا
اللمعان في عينيك؟
قال مصعب دون مراوغة: - التقيت تلك الملثمة.
رفع نوار حاجبيه وهو يقول ساخرا: - مبارك. وهل ما زالت
ملثمة؟
وكأنه انتظر ذلك السؤال لتتدافع الكلمات من فمه دون
توقف بينما استمع نوار وهو يركز على تقلبات وجه
مصعب ونظرات عينيه بين سرور وانفعال وحزن وحيرة.
- ترتدي عباءة الرجال وتخفي شعرها تحت العمامة وتضع
اللثام على وجهها. إنها أحجية يصعب حلها. قوية حد
الصلابة لتخرج فجرا كي تنفرد بنفسها في غار في
الصحراء ولا تتردد في العراك مع رجل وطعنه. وضعيفة
هشة المشاعر حتى الانكسار، فتبكي لرؤيتي أنزف وقد
تذكرت ألما تكتمه في قلبها منذ سنوات. لحظة تكون
غاضبة وغامضة ولحظة تكون هادئة وواضحة. إنها حقا
أحجية محيرة.
انتبه أخيرا لنوار الذي كان يحدق به واضعا كفه على
فمه ولحيته يكتم ابتسامته فسأله بامتعاض:
- ما بك تحدق بي هكذا؟
هزّ نوار رأسه نفيا وهو يقول كاتما ضحكته بصعوبة:
- أكمل يا صاحبي فربما بقي شيء لم تذكره عنها.
قطب مصعب جبينه واحتدت نظراته وهو يرى نظرات
السخرية في عيني نوار فانفجر الاخير ضاحكا فلم يعد
يحتمل أكثر.
نهض مصعب غاضبا فجذبه نوار ليجلس من جديد وقال
راجيا:
- لا تغضب يا صاحبي. انا فقط مندهش من معرفتك
لكل ذلك عنها من لقائك الثاني معها.
قال مصعب بحزن وهو يذكر انهيار الملثمة:
- لقد عرفت عنها الكثير مما سمعته ورأيته اليوم يا نوار.
كم تحمل في قلبها من ألم وحزن.
- أعانها الله.

دخلت ريم مع والدتها فاطمة دار الوليد وهي تتذكر
لقاءهما الاول عند الباب والابتسامة تعلو وجهها. خرجت
العروس زينب للترحيب بهما.
- شكرا لقدومكما. لم نكن لنتدبر أمورنا أنا وأمي
وحدنا.
قالت فاطمة بابتسامة: - لا داعي للشكر يا ابنتي.
ذهبت فاطمة وام الوليد لتجهيز بعض الاغراض بينما
جلست ريم في غرفة زينب لتساعدها في وضع اغراضها
في الصناديق.
- أين عمامتي يا زينب؟! ألن تكفي عن مشاكستي؟!
لم تشعر إلا وقد أمسك كتفيها فخرجت من صمتها الذي
جثم عليها حين سمعت صوته لتطلق صيحة قصيرة
جعلته يتراجع مذهولا للوراء وقد أدرك أنها ليست
شقيقته.
استدارت لا إراديا نحوه فحدق بها غير مصدق وجودها في
غرفة شقيقته ثم علت الابتسامة وجهه حين تذكر ما
قالته والدته عن مجيء فاطمة لمساعدتها بالاستعداد
لزفاف زينب لكنه لم يتوقع أن تأتي مع والدتها لداره.
تأمل رأسها المطرق وهو يقول:
- عذرا. ظننتك زينب فأنتما.. متشابهتان في القوام
تقريبا. كما أن أحدا لم يخبرني بوجودك في الدار.
لم تجب وحاولت السيطرة على أنفاسها المضربة فاستدار
ليخرج مسرعا فاصطدم بزينب عند الباب.
رمقت زينب شقيقها بتوسل واستعدت لتلقي التوبيخ منه
فهي لم تخبره بوجود ريم في غرفتها. قال معاتبا بحدة:
- لماذا لم تخبريني أن عندك ضيفة؟
ابتسمت وهي تقول بارتباك: - اعذرني فقد نسيت.
تمتم وهو يبتعد: - لا فائدة منك.
ثم دخل غرفته ثانية وقلبه مضطرب النبضات. جلس
على السرير وحدق بكفيه الذين لامسا كتفيها
وابتسامة عريضة تعلو وجهه.
اعتذرت زينب ربما للمرة العاشرة من ريم وهي تشعر
بالحرج بينما تلك ضائعة بين غضب وارتباك مشاعر.
أهي غاضبة منه؟ وما ذنبه إن ظنها شقيقته فأمسكها؟ أم
هي غاضبة من نفسها؟ من قلبها الذي يخفق باضطراب
كلما تذكرت لمسة كفيه وصوته، ومن أنفاسها التي
تتسارع كلما رأته او تذكرته، ومن عقلها الذي فكر به
كثيرا خلال الأيام الماضية. آه، ومن ابتسامتها التي تقفز
لشفتيها عنوة حين تمر صورته بخيالها.
أخيرا قالت لزينب وهي تربت على يدها:
- كفي عن الاعتذار فقد حصل الامر دون قصد منك.
والحمد لله أنني كنت مرتدية عباءتي وخماري.
ابتسمت زينب لتظهر غمازتيها الواضحتين بشكل كبير
فعادت مخيلتها ترسم صورة الوليد حين ابتسم فبانت
غمازتيه وهمس لها بمكر أن زوجته تسلم عليها.

حالما عادت ريم مع فاطمة للدار، جذبتها زبيدة لتدخلا
غرفتها وخلفهما سمراء.
قالت زبيدة بحماس: - أخبرينا بكل ما حدث. هل رأيتِ
الوليد هناك؟
علقت سمراء ساخرة: - اخبريها هي فأنا لست مهتمة بسماع
قصص الهوى كهذه العاشقة.
رفعت زبيدة حاجبيها: - لماذا دخلت الغرفة معنا إذن؟
نهضت سمراء في الحال وقالت بحنق:
- انت دعوتني لأدخل. سأخرج لتتحدثا كما تشاءان.
جذبتها زبيدة بقوة وقالت: - أف لك ولهذا الرأس
الحجري. لا أعرف كيف تحملنا رفقة حمقاء مثلها يا ريم
لسنوات.
قالت ريم وهي متوترة: - هل ستخرسان أم اخرج؟! لا
تنقصني ضوضاء أخرى في رأسي.
أحاطت زبيدة خصرها وهي تقول بمكر:
- آه، يبدو أن يومك كان حافلا.
تأففت ريم وسألتهما بامتعاض:
- ما بكما؟ واحدة تقول عن الامر قصة هوى والاخرى
تريد معرفة التفاصيل وكأنني كنت في لقاء مع حبيبي.
الامر لا يتعدى.. إنه مجرد سوء فهم وقد
ذكرني به وهو يمزح وانتهى الامر.
رمقتها زبيدة باستغراب وهي ترفع حاجبيها:
- إن كان هكذا، فلماذا إذن يصبح وجهك بلون شقائق
النعمان كلما أتى ذكره؟
نهضت ريم وهي تقول بامتعاض: - لن أبقى معكما. سأذهب
لأرتاح.
جذبتها زبيدة من يدها وقالت بحزن:
- سترحلين عاجلا ام آجلا، فلا تتعجلي تركي.
عبست ريم فأضافت زبيدة وهي تحيطها وسمراء بذراعيها
بقوة وقد تجمعت الدموع في عينيها:
- ماذا سأفعل بعد رحيلكما؟! ليتنا لا نفترق ابدا.
قالت ريم بمكر: - ستعودين بعد رحيلنا للقائك
المتكرر بمودّة.
شهقت زبيدة وقد تذكرت: - ستقتلني مودّة لابتعادي عنها
هذه المدة.
قالت سمراء بمكر: - ربما لن تغادر ريم.. بل وتكون
جارتك أيضا.
احمرت ريم وخفق قلبها وهي تتخيل نفسها متزوجة من
الوليد كما قصدت سمراء بسخريتها فضحكت زبيدة
وسمراء منها. وبعد كل تلك السخرية والتلميحات من
سمراء وزبيدة، لم تكن ريم لتخبرهما بالموقف الذي
حصل مع الوليد طبعا.

بعد نظرات الندم التي لمحها مصعب في عيني تلك
الملثمة وحدة ردها حين سألها عن لقاء آخر يجمعهما،
عرف أنها ستنقطع عن الذهاب الى تلك المنطقة من
الصحراء. لكنه خبير بتلك الأماكن المنعزلة الهادئة
في أطراف بغداد كلها ولن يعجزه إيجادها.
ظل يبحث ليومين طيلة الصباح في اماكن مختلفة من
أطراف المدينة حتى لمح جوادا ابيض قرب واحة صغيرة
فاقترب ليتأكد أنه جوادها. علت الابتسامة وجهه
واقترب أكثر فنهضت حالما سمعت خطى الجواد ووضعت
يدها على سيفها تحسبا لخطر محتمل. استدارت لترمقه
بدهشة ثم تأففت وسألته بضجر:
- لماذا تلاحقني؟! لقد تركت لك ذلك المكان وجئت
أطلب الهدوء هنا.
نزل عن جواده وقال بمرح والابتسامة لا تفارق وجهه:
- وهل الصحراء ملكك لتكون حكرا عليك وحدك؟
لقد رأيت الواحة فجئت أروي عطش جوادي، فنحن نجوب
الصحراء منذ فترة.
لم ير وجهها من تحت لثامها الذي لا تتخلى عنه أبدا
لكنه تخيل كيف تلوي شفتيها امتعاضا من خلال نظرات
عينيها المستاءة. وجاء صوتها الساخر ليؤكد ظنه:
- أيها المسكين. هل ضعت في الصحراء؟
ربت على ظهر رعد الذي كان يشرب من ماء الواحة ثم
اقترب أكثر ليقول بابتسامة ماكرة:
- بل كنت أبحث عن أحجية تأبى مفارقة فكري.
أحجية لم ألتقِ مثلها قبلا.
اتقد الغضب في عينيها الواسعتين فزادت ابتسامته واستعد
لسيوف كلماتها بينما استدارت وهي تكور قبضتيها وتود
لكم وجهها الذي شعرت بحرارته التي سببها الخجل.
" منذ متى يشع جهي خجلا بسبب رجل؟! تبا له. "
استدارت تصب حمم كلامها الغاضب عليه جزاءً لما سببه
لها من اضطراب:
- يبدو انك لم تكتفِ بتك الطعنة في ذراعك. ابتعد
عني لأجل سلامتك ولا تتفوه بالحماقات.
قال مصعب وهو يقترب:
- لم أخشَك في المرة الاولى حين ظننتك قاطع طريق،
فهل سأفعل الآن بعدما..
قاطعته بحدة: - كلكم حمقى وتظنون أن المرأة كائن
ضعيف.
وشهرت سيفها لتوقفه بعدما صارت المسافة بينهما أقل من
خطوتين.

نهاية الفصل الرابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:28 pm

الفصل الخامس

قاطعته بحدة: - كلكم حمقى وتظنون أن المرأة كائن
ضعيف.
وشهرت سيفها لتوقفه بعدما صارت المسافة بينهما أقل من
خطوتين.
لم تفارق الابتسامة وجهه وهو يقول وقد أمسك بنصل
السيف بحذر كي لا يجرح يده: - لن اخشاك الآن لأنني
عرفت مدى رقة قلبك التي تخفينها خلف تصنع الحدة
والفضاضة، كما تخفين نفسك خلف هذه العباءة
والعمامة واللثام.. وليس لأنك امرأة.
رفّت عيناها فأبعدت وجهها وسيفها وهي تقول بحدة لم
تفلح في إقناع مصعب بصدقها: - أغرب عني الآن أو أذهب
أنا وأترك لك المكان.
واجهها وهو يقول باستياء: - لماذا تهربين؟
هتفت باضطراب: - ولماذا تلاحقني؟! ماذا تريد مني؟
يا له من سؤال تصعب إجابته! كيف سيجيبها إن كان
نفسه عاجزا عن إيجاد سبب لرغبته بلقائها؟
لقد كان سؤالها عن كيفية وصوله لداره على ظهر رعد
حجة ليلتقيها من جديد فالأمر كان واضحا ولا يستوجب
السؤال. وها هو الآن يرغب أن يلتقيها ثانية وثالثة ورابعة
ولا يعرف سببا لهذه الرغبة الملحة.
أجاب بصدق وبساطة: - لا أعرف.
قطبت جبينها لينعقد حاجباها الطويلان اللذان يزيدان
عينيها جمالا ثم اتجهت نحو جوادها وهي ترفع إصبعها
مهددة: - كفّ عن ملاحقتي.
- انتظري أيتها الأحجية.
رمقته بغضب فرفع كتفيه وقال: - بما انني لا أعرف
اسمك ولا أظنك ستخبرينني به قريبا، فقد اخترت
لك هذا. أما اسمي فمصعب.
ركبت جوادها وقالت باستياء: - قريبا؟ لن أخبرك به
مطلقا. ولا تهمني معرفة اسمك ولا أريد رؤيتك مجددا.
هل يصعب عليك فهم هذا؟
ربت على عنق جوادها فأصدر صهيلا قويا فابتسم قائلا:
- غاضب كصاحبته.
رمقته بحدة قبل أن تنطلق مسرعة بجوادها فهتف:
- سنلتقي يا أحجية.
تمتمت بغضب وهي تسرع أكثر وتزفر بغيض:
- تبا لك أيها المزعج.

كانت الحركة مستمرة في دار الوليد، وكانت زينب
متوترة وهي ترتدي زينتها فقالت زبيدة وهي تربت على
ذراعها: - اهدئي يا زينب. سيمر اليوم كما يجب.
قالت وهي ترتدي قلادتها: - أخشى أن يصل موكب الزفاف
قبل ان أستعد.
طمأنتها ريم وهي تبتسم: - لا ينقصك سوى وضع الخمار
على رأسك. تبدين رائعة الجمال يا زينب.
ابتسمت زينب لنفسها برضا وهي تنظر للمرآة التي بين
يديها ثم شهقت وقد تذكرت شيئا:
- لم أضع الثياب التي سيرتديها أخي الوليد في غرفته.
قالت ريم: - ستضعها خالتي. لا تشغلي نفسك.
- أمي مشغولة بالاستعداد لاستقبال موكب النساء. من
فضلك يا ريم، اذهبي واعطِ هذه الثياب لأمي.
حدقت بها ريم وقد احمر وجهها فابتسمت زبيدة وسمراء
بينما قالت زينب وهي تشير لأحد الصناديق: - إنها هناك.
فتحت ريم الصندوق وتناولت ثياب الوليد وهي تشعر
باضطراب نبضها ثم أسرعت بالخروج قبل ان تلحظ زينب
ارتباكها، وكأنها لم تلحظه.
قالت زينب بسرور: - أول مرة أرى شقيقي مضطرب الملامح
كلما ذكرت أمامه فتاة. إنه مهتم بريم.
قالت زبيدة والضحكة تشوب صوتها:
- وأول مرة يحمر وجه ريم كلما أتى ذكر رجل أمامها.
أمسكت زينب بيد زبيدة وقالت بمكر:
- أنا ايضا لاحظت، ولهذا أرسلتها الان مع وصول أخي للدار
علها تصادفه.
أطلقت زبيدة ضحكة عالية بينما هزت سمراء رأسها
بيأس وهي تقول: - ألا تمل الفتيات الكلام عن الحب؟!
كانت ريم تسير في الممر مبتسمة وهي تقرب ثياب
الوليد التي بين يديها من أنفها، تشم فيها رائحة المسك
التي عطرتها بها زينب وتتخيل الوليد بها.
التمعت عيناها ببريق جميل وخفق قلبها.. ثم زاد خفقانه
حين لمحت من شغل فكرها وقلبها يتقدم نحوها.
اشتعل وجهها خجلا ودعت الله ألا يكون قد لمحها وهي
تضم ثيابه وعلى وجهها تلك الابتسامة. خفضت بصرها
وجمدت في مكانها للحظات ثم استدارت متجهة نحو
المطبخ حيث أم الوليد وامها فاطمة بينما تقدم الوليد
بخطى واسعة ليدركها قبل أن تهرب.
- ريم.
شهقت ثم توقفت وخفق قلبها بقوة وهي تسمع خطواته
تقترب. نظر لجسدها المرتجف وابتسم ثم قال:
- تهربين وكأنك لمحت خيالا من الجن.
لم يجبه سوى أنفاسها المضطربة فقال مبتسما:
- أظن أن التي بين يديك هي ثيابي التي جهزتها لي
زينب.
خرج صوتها مهتزا وحروفها مبعثرة حين قالت وهي تستدير
نحوه ونظرها يحيد عن عينيه: - هي.. خالتي مشغولة..
فأرسلتني لكي..
قاطعها مبتسما: - التقطي أنفاسك واهدئي.
رفعت نظرها إليه فزادت ابتسامته وتسمرت نظراته على
عينيها المضطربتين اللتين أشاحت بهما سريعا عنه فلم
يستطع منع نفسه من أن يهمس لها:
- اشتقت لرؤيتك.
حدقت به بدهشة ثم رمت الثياب نحوه وركضت عائدة
نحو غرفة زينب بينما غزت الابتسامة وجهه وهو يشم أثرا
خفيفا من عطر يديها على ثيابه.
وكم كان صعبا عليها إخفاء اضطرابها واحمرار وجهها
الذي يفضحها كل مرة أمام زبيدة.

وقفت غرام أمام باب جناح مصعب صباحا وهي تقول
بإصرار: - لن أدعك تذهب حتى تخبرني.
زفر مصعب بانزعاج: - أخبرك بماذا؟ هل جننتِ يا امرأة؟
هتفت بانفعال: - نعم جننت. أنت تغيرت منذ فترة، ويجب
أن أعرف السبب.
قال وهو يجذب ذراعها ليبعدها عن الباب:
- كفي عن حماقاتك!
لكنها أحاطت عنقه وقالت متوسلة:
- أخبرني لماذا تغيرت؟ هل هناك امرأة أخرى في
حياتك؟ كنت أخشى أن تحب حسناء بعدما أعتقتها
وصارت بعيدة عنك، لكنك نسيتها ولم تزرها ثانية
منذ تلك المرة (لامست وجهه) حتى أنك عدت لسابق
شغفك بي. أما الآن..
قطب جبينه غاضبا وهو يزيحها عن طريقه ويقول:
- الآن ابتعدي.
لكنها عادت لتجذب ذراعه وتقول بإصرار:
- أخبرني لماذا تغيرت معي؟! أنا بالكاد أراك. تقضي
النهار خارجا وحين تعود تختلي بنفسك وترفض رفقتي.
ضاق ذرعا فأمسك فكها بقوة وقال:
- أنت جارية فلا تتصرفي كزوجة غيور. ولا تفكري
ثانية باستجوابي لأني لن اصبر عليك كما الان.
أبعدها وخرج تاركا إياها لظنونها وغيرتها.
- هناك امرأة تشغله. لن يهدأ لي بال حتى أعرف من
تكون.

لم يكف مصعب عن البحث عن أحجيته حتى وجدها في
إحدى الضواحي، مُتّكئة قرب جوادها الى تلة صغيرة.
كانت شاردة تفكر فلم تشعر باقترابه خاصة وأنه ترك
رعد بعيدا وجاء سائرا بهدوء نحوها. شعرت به ففزعت
ونهضت وهي تضع يدها على مقبض سيفها.
تأففت بانزعاج حين رأته فابتسم وحياها:
- أسعد الله صباحك.
قالت بامتعاض وهي تسير مبتعدة: - كيف وقد رأيتك؟!
سألها مبتسما: - ألهذا الحد تكرهينني؟! لا أظن.
التفتت نحوه وقد توقفت عن السير وهي تقول بحدة:
- كف عن ملاحقتي.
اقترب وفي رأسه فكرة واتته لتوها فعرضها عليها:
- لدي عرض لك. لنتبارز.
قطبت جبينها مستفهمة فأوضح: - إن فزتِ عليّ فلن تريني
ثانية. وإن فزت أنا، ستتخلين عن غضبك المتقد ونجلس
معا لنتحدث.
رفعت حاجبيها بسخرية لتتسع عيناها أكثر ويسرع نبضه
أكثر.
- هل انت مجنون؟!
سارت وهي تسحب جوادها خلفها ففكر بسرعة بما
يمكن أن يجعلها تقبل عرضه.
- يبدو أنك غير واثقة من مهارتك ولستِ كفئا
لمنازلتي.
أصابتها كلماته بالغضب وحققت هدفه، فقد استدارت
نحوه وشعرت أن فيما قال إهانة لمهارة شقيقيها الذين
درباها على المبارزة منذ صغرها.
رمت عباءتها بعيدا وشهرت سيفها وهي تسرع نحوه فكتم
ابتسامته ورمى عباءته هو الاخر وشهر سيفه مستعدا
للنزال الذي بات أمله الوحيد لتحقيق مناه بجلوسها معه
والتحدث إليه دون عواصف غضبها التي تزعجه وتعجبه
في آن معا.
قالت وأنفاسها متقطعة غضبا: - لا تتجرأ على التشكيك
بمهارتي، فقد دربني شقيقاي جيدا.
قال مبتسما وقلبه يخفق ترقبا وسعادة:
- رحمهما الله. لو فزت عليك، فلن أكتفي بلقاء واحد.
سنلتقي دوما.
سألته بسخرية: - حتى متى؟
قال يتأمل عينيها: - حتى أعرفك أكثر.
ضحكة قصيرة ساخرة أطلقتها ثم قالت: - لو.. فزت علي.
تحداها مبتسما: - سأفوز.
رفعت حاجبيها ساخرة: - فقط تذكر أني طعنتك، مع
أنك..
خجل توقع أنه يلون وجنتيها المخفيتين حين رآه في
نظراتها التي أشاحت بها عن عينيه وهي تذكر ذلك
الموقف حين كان ممددا قربها يصارعها ظنا منه أنها
قاطع طريق.
أكملت لتخفي خجلها: - مع أنك أوقعت سيفي من يدي.
قال بمكر: - لقد باغتتني حينها بينما كنت مندهشا
بمعرفة أنك امرأة لا قاطع طريق. أما الآن، فأنا مستعد.
قالت بتحد قبل أن تضرب سيفه بسيفها معلنة بدء النزال:
- سنرى.
فتحداها مبتسما وعيناه مسلطتان على عينيها:
- سترين يا أحجية.
تعالت أصوات اشتباك سيفيهما ونظراتهما المليئة
بالتصميم على كسب تلك المبارزة، وقد بذل الاثنان
أقصى ما لديهما فيها.
كانت تود الفوز لتتخلص من ذلك المصعب الذي بدأ
يغير فيها أشياء، كخفقة أو اثنتين حمقاوين تخرجان عن
تناغم رفيقاتهما في خافقها حال رؤيته، كخجل سمج
تشعر بحرارته في وجهها حين يقترب منها، كرفة
لأجفانها التي تعصي اوامرها وتخرج عن الثبات حين
يركز نظره على عينيها، كتردد صدى صوته في عقلها
الأحمق.
وكان يرغب بالفوز ليحظى بصحبتها مرات ومرات، فكل
ما فيه يشتاق لها بشكل غريب. عيناه تطلبان المزيد من
النظر لعينيها وقلبه يخفق طالبا قربها وأذنه صارت تطرب
لصوتها الغريب الذي يجمع بين النعومة وعلو النبرة.
وعقله لا ينفك يطرح عشرات الأسئلة عنها، من تكون؟
ما شكلها؟ لماذا تصر على التصرف بخشونة كأنها رجل
رغم رقتها؟
استمر اشتباكهما حتى أطاح مصعب بسيفها بعيدا
فتحركت مسرعة باتجاهه لتلتقطه لكن مصعب كان
أسرع منها فالتقطه ورماه قربها وهو يقول:
- خذي سيفك أيتها الأحجية.
تناولت السيف وقد غزا الخوف من الخسارة قلبها، فمصعب
مبارز ماهر ولن تهزمه بسهولة. ومع هذا ظلت تبارزه
مستخدمة كل مهاراتها وتركيزها.
تحركت عمامتها قليلا أثناء القتال فانفلتت خصلات
شعرها الطويل الناعم لتلمع تحت أشعة الشمس بشكل
جعل قلب مصعب يخفق إعجابا فهاجمته مستغلة لحظة
شروده، لكنه لم يكن ليقع في نفس الخطأ مرتين.
بقي حاضر البديهة وصدّ هجومها ليستمر الاشتباك
بينهما حتى استطاع مصعب أخيرا محاصرتها بينه وبين
جذع شجيرة يابسة الأغصان.
حاول الاثنان تهدئة انفاسهما بعد تلك المبارزة الشاقة
لكن أنفاسها تعالت غضبا من خسارتها ومن تلك
الابتسامة المستفزة التي ارتسمت على وجهه ونظرات
النصر في عينيه.
قالت باعتزاز الفارسة التي لا تسمح لنفسها بالانهيار حتى
عند الخسارة:
- لولا انعكاس بريق الشمس على سيفك ومنه على
عينيّ وتشويشه لرؤيتي لما استطعت الفوز علي.
رفع حاجبيه سخرية ودهشة مصطنعة وتساءل:
- وهل كنت أقاتل وفوق رأسي غمامة تحميني من
انعكاس أشعة الشمس على عيني من سيفك؟
قالت محتجة: - أنت تعمدت أن تسلط انعكاس الضوء من
سيفك على عيني. لقد غششت.
أطلق ضحكته العالية وقال بمكر وهو يميل برأسه
نحوها: - بل فزت بمهارتي. تقبلي الخسارة يا أحجية.
أربكها قربه فحدقت به بنظرات حائرة فيما تشعر به من
ضياع كلما اقترب منها.
اقترب أكثر وقد أسرته تلك العينان اللتان تحدقان به
هكذا لأول مرة. ودون أن تشعر، وبيده التي يشعر
بارتجافها لأول مرة بهذا الشكل.. أبعد اللثام عن وجهها
الذي تاق لرؤيته.
أسرته الدهشة وزاد تحديقه بتلك الملامح التي لم
يتصور أنه سيراها.
تلك الملامح الرقيقة الناعمة التي لا تتناسب مع صلابة
الفارسة المقاتلة التي كادت تتغلب عليه قبل قليل في
المبارزة لولا انتباهه في اللحظة الاخيرة.
عينان وضح جمالهما أكثر بعدما زال اللثام وتناغمت مع
وجه مستدير رغم نحافته وأنف رفيع يميل إلى الطول،
وفم صغير ممتلئ قليلا ببشرة سمراء متلائمة مع لون البُنِّ
في عينيها الواسعتين وشعرها اللامع.
حلّ الغضب محل الدهشة في نظراتها ودفعت مصعب بعنف
وهي تقول بحدة: - كيف تجرؤ؟!
ثم راحت تلملم خصلات شعرها بحركات سريعة وعنيفة
كي تعيدها تحت عمامة الرجال التي ترتديها بينما
قال باستغراب وهو يشيح بوجهه عنها حتى تعيد إخفاء
شعرها:
- لم أرتكب جرما حين أزلت اللثام عن وجهك.
تقدمت وواجهته بعدما أخفت شعرها وهي تتساءل بأنفاس
متقطعة: - ولماذا تزيل اللثام عن وجهي كما أزلته عن
جانب من حياتي لم أخبر به أحدا؟ لماذا تريدني كتابا
تقرأ كل ما فيه؟ لماذا تصر على اقتحام حياتي؟
هتف هو الآخر: - لأنني..
لم يكمل كلاما كثيرا تمنى قوله لها، فلو سمعته منه
ربما لن تسمح له بمجرد النظر لها ثانية.
انتظرت أن يكمل كلامه وهي ترمقه بحدة وجبين مقطب
لكنه قال متحديا:
- بيننا اتفاق، والفرسان لا يَخِلّون بوعودهم. لقد ربحت
النزال فصرتِ ملزمة بالجلوس معي والتحدث إلي.
تأففت بانزعاج ويأس رغم أن في قلبها ارتجاف سرور
فسرته كاذبة ومتحايلة على نفسها بأنه ارتباك.
جلسا في ظل تلّة صغيرة وعلى بعد منهما يقف جواديهما
فبدأت الحديث بتساؤل حاد: - والآن، بماذا سنتحدث؟
نظر لوجهها وهو يقول:
- ربما تخفين نفسك تحت زيّ الرجال كي تحمي نفسك
من قطاع الطرق أو أي شخص يستغل كونك فتاة.
لكنك تهربين من فطرتك الأنثوية حتى في
تصرفاتك وطريقة حديثك.
رمقته باستغراب وقالت: - تتحدث وكأنك تعرفني منذ
سنوات.
رفع حاجبيها وقال مركزا نظره على عينيها:
- لا يحتاج الأمر لوقت. تسيرين بسرعة وخشونة مُتعَمَّدَة،
وتتكلمين بنبرة عالية مصطنعة لتخففي من نعومة
صوتك. تحاولين تقليد الرجال لإخفاء أنوثة لم تفلحي
في طمسها. الشيء الوحيد الذي أبقيتِ عليه من مظاهر
أنوثتك هو شعرك الطويل وذلك غريب ومُحَيّر.
أكان خجلا ما لوّن وجهها واضطرابا ما لمحه في عينيها أم
أنه توهم؟
لم يكن ما بدا عليها سوى نزرا يسيرا من تلك الفوضى
التي أثارتها كلماته في نفسها. تأملته حائرة " أيتغزل بي
أم ينتقدني؟ ".
أشاحت بوجهها وهاجمته وكأنها تعاقبه على انجذابها
لسحر اهتمامه وكلماته:
- كف عن قول الحماقات وإلا غادرت فورا.
أوَ لا تستطيع المغادرة وتركه؟! أم أن شيئا فيها تمرد على
إرادتها وصلابتها فأجبرها على البقاء بحجة التزامها بشرط
المبارزة؟!
قال بتحدٍّ: - تعلمين أنها الحقيقة وليست حماقات.
سألته بنفاذ صبر: - ماذا تريد الآن؟!
قال بنظرات لهفة وفضول شاهدتها في عينيه:
- لماذا تفعلين ذلك؟ هل لمقتل شقيقيك علاقة بالأمر؟
استسلمت أمام إصراره وبدأت تتكلم لترضي فضوله وهي
تبعد وجهها عنه وقد بدت غصّة الألم جلية في صوتها:
- ماتت والدتي وأنا صغيرة ورفض والدي الزواج بعدها لشدة
حبه لها. كان والدي مشغولا بعمله لذا فقد تربيت على
يدي شقيقيّ. تعلقت بهما كثيرا وصرت أقلدهما في كل
شيء لذا صرت أقرب للفتى. حين قاربت العاشرة، بدأت
أتصرف مثل صديقاتي وأحاول العودة لفطرتي لكن مقتل
شقيقيّ جعلني أنقم على نفسي وأنوثتي.
قاطعها مصعب بسؤال: - لماذا؟! وما ذنبك أنت؟!
قالت وهي تجاهد تلك الدموع في عينيها: - ذنبي أنني
فتاة. أنثى ضعيفة خاف عليها شقيقاها فقدما نفسيهما
للّصوص ليقتلا كي تنجو هي. لو كنت فتى لاختلف
الأمر.
شعر بحرقة وألم في قلبه وهو يسمع صوتها المتهدج ويرى
عينيها الباكيتين لكنه لم يعلق لتكمل هي إخراج
كل ما في نفسها من أسى وشعور بالذنب.
- منذ مقتلهما صرت أكره أي شيء يذكرني بكوني
فتاة. صرت أقضي النهار في التدريب على المبارزة وركوب
الخيل والجري لأصبح بمهارة شقيقيّ. كنت أريد أن أصبح
صورة عنهما حتى أنني بعد سنوات، ارتديت ثياب شقيقي
الأصغر بينهما ثم واجهت أبي وأخبرته برغبتي بالعمل في
دكانه ومساعدته كشقيقيّ.
لم يستطع مصعب الصمت فسألها مستغربا: - وهل وافق؟!
رمقته بنظرة سريعة ثم قالت:
- وافق أمام إصراري. أما شعري، فلم أتخلص منه لأن
شقيقاي كانا يوصياني بإطالته ويقولان إنه أجمل ما فيّ
(التفتت نحوه) هل عرفت ما تريد الآن؟!
نهضت ففعل مثلها وقال: - اعتذر لأني أعدت إليك تلك
الذكريات.
هزت رأسها نفيا وقالت بمرارة: - وهل نسيتها يوما؟!
سارت نحو جوادها فتبعها يسأل بلهفة:
- هل سنلتقي هنا غدا؟
رمقته باستغراب وهي تضع اللثام على وجهها:
- أخبرتك بما أردت معرفته، فلماذا تسعى للقائي من
جديد؟!
لم يجبها وعاد لسؤالها: - هل سأجدك هنا غدا؟
لم تجبه هي الأخرى وغادرت ليظل مكانه يراقب أثرها
والابتسامة تعلو وجهه فيكفي أنها لم تحذره من السعي
للقائها مثل كل مرة.
أول مكان ذهب إليه مصعب بعد مغادرته الصحراء هو
دكان نوار، ليخبره بما حدث فقد كان السرور الذي يملأ
قلبه أكبر من أن يحتمل كتمانه.
حالما رأى نوار الابتسامة التي يشرق بها وجهه وعيناه سأله
بتَرقّب: - ماذا؟! السرور ينضح من وجهك وعينيك.
قال مصعب بحماس:
- أخيرا جالستها وتحدثت إليّ بهدوء دون زوابع غضبها.
أخيرا رأيت وجهها.
سأله نوار بفضول شديد: - كيف حدث ذلك؟
قصّ عليه مصعب ما حدث وكيف بقيا يتحدثان لفترة
طويلة ثم ختم كلامه بالقول مبتسما: - لم أتصور أن
لتلك الحادة الطباع التي تخفي نفسها تحت زيّ الرجال
تلك الملامح الساحرة الناعمة.
ضحك نوار وبدأ حديثا كان له مقصد منه:
- إذن كل هذا السرور لأنك اكتشفت أنها جميلة وليست
دميمة كما كنت تخشى.
قال مصعب معترضا وهو مقطب الجبين:
- ومن قال إني كنت أفكر في شكلها؟ أعني، كنت
أفكر فيه وأريد رؤيتها لكن لم يكن يهمني كثيرا إن
كانت جميلة بقدر ما كنت أتوق لرؤية وجهها. هل
تفهمني؟
سأله نوار مبتسما ومتفرسا في ملامحه ليتأكد إن كان
يخدع نفسه هذه المرة أيضا كي ينسى زبيدة:
- أفهمك يا رفيقي. لكن أهي جميلة لهذه الدرجة؟
أجمل من زبيدة مثلا؟
قطب مصعب جبينه وقد تأثر قليلا بذكر زبيدة أمامه ثم
فكر للحظات لتعود الابتسامة الحالمة كي تزين وجهه
وتشع من عينيه الواسعتين:
- تلك الأحجية! إنها الفتاة الوحيدة التي لم أقارن بينها
وبين زبيدة حين نظرت لوجهها. الوحيدة التي لا تخطر
زبيدة على بالي حين أكون معها. حتى أنني انتبهت الآن
أني منذ انشغلت بها لم أفكر كثيرا بزبيدة. لم أعد أنظر
بحسرة نحو غرفتها حين أدخل أو أخرج من جناحي بل لم
أذكرها منذ أيام طويلة.
ابتسم بسرور وأضاف بارتياح: - أتعرف يا نوار..
قال نوار مازحا وابتسامة حماس وارتياح مماثلة ترتسم
على وجهه: - كلا، لا أعرف. هيا أخبرني!
ضحك الاثنان ثم قال مصعب:
- حتى عندما أحببت زبيدة وكانت في داري، لم أهجر
ورقاء أو حسناء حينها. هجرتهما فقط حين أيقنت خسارتي
لزبيدة ومررت بتلك الأيام الصعبة. أما الآن فقد زهدت
في غرام منذ شغلتني تلك الأحجية.
ابتسم نوار بسرور وهو يستشعر صدق الإحساس في كلام
مصعب ودعا أن تكون تلك الأحجية التي تمكنت من
قلب رفيقه وأنسته ألمه من نصيبه.
- يبدو أنك وقعت ثانية يا صاحبي.
ابتسم وهو يشعر بالغرابة: - لم أظن أنني سأشفى من حبي
لزبيدة بهذه السرعة.
رفع نوار حاجبيه قائلا: - وأنا أيضا.
قطب جبينه متسائلا: - أم تراني أنا الآخر مثل زبيدة، قد
أوهمت نفسي وأسميت انجذابي نحوها حبا؟!
قال نوار وهو يربت على ذراع مصعب: - أيا كان ما شعرت
به نحو زبيدة فقد شفيت منه الآن ما دام قلبك قد خفق
لتلك الأحجية.

كالعادة، كان على مصعب أن يجوب أطراف المدينة بحثا
عن أحجيته الهاربة حتى يجدها. لكن ذلك اليوم كان
مختلفا لأنه استغرق في النوم نهض مسرعا وهو يرى ارتفاع
الشمس في السماء.
- ما بالي أشعر بنحول في جسدي؟ وهذه أول مرة أستغرق
في النوم هكذا.
جهز نفسه وخرج مسرعا دون تناول طعامه وهو يأمل إيجاد
أحجيته قبل مغادرتها الصحراء.
لم يذهب الى المكان الذي التقاها فيه بالأمس فلا بد
أنها ستغيره اليوم كي لا يجدها بسهولة.
اتجه الى المكان الذي التقيا فيه أول مرة لكنه لم
يجدها. دخل ذلك الغار والابتسامة تعلو وجهه وهو
يتذكر ما حدث في لقائهما الأول وكيف هددته حين
نادى رعد بأن الطعنة التالية ستكون في قلبه لا ذراعه.
- وها قد طعنت قلبي بسهامك يا أحجيتي.
غادر المكان متجها الى تلك الواحة التي التقيا عندها
مرة لكنه لم يجدها وهم بالمغادرة حتى سمع من بعيد
صهيل جواد فأسرع نحو الصوت ليجدها ممددة على الأرض
وجوادها يدور حولها.

نهاية الفصل الخامس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:29 pm

الفصل السادس

غادر المكان متجها الى تلك الواحة التي التقيا عندها
مرة لكنه لم يجدها وهم بالمغادرة حتى سمع من بعيد
صهيل جواد فأسرع نحو الصوت ليجدها ممددة على الأرض
وجوادها يدور حولها.
نزل عن ظهر رعد مسرعا ورفع ظهرها عن الأرض مسندا
إياها بذراعه فأصدرت أنين ألم. قال بأنفاس متقطعة
ارتباكا وخوفا وهو يرى تلك الدماء التي تسيل من جرح
أعلى عظم فكها الأيسر: - ماذا حدث؟!
كان وجهها مصفرا بسبب الدماء التي فقدتها وعيناها شبه
مغلقتين ولم تستطع النطق بكلمة. أسرع بحملها وسار
نحو الواحة الصغيرة. مددها عند جذع نخلة ثم نزع
حزامه الذي يلفه حول خصره ولفه حول رأسها ليربط به
جرحها.
ضغط على الجرح بخفة لبعض الوقت وهو يدعو الله أن
يحميها حتى توقف نزفه أخيرا فأسرع بملء قربة الماء
ثم جلس قربها وراح يمسح الدماء عن وجهها وهو يسند
رأسها الى ذراعه.
- حبيبتي، تماسكي أرجوك. أعرف أنك قوية. افتحي
عينيك يا أحجيتي.
ظل يربت على خدها الأيمن حتى فتحت عينيها بصعوبة
وبطء فابتسم وتمتم: - حبيبتي..
أخيرا قالت بصوت ضعيف متقطع: - ماء..
ساعدها على شرب الماء ثم وضع رأسها على عباءته.
- ماذا حدث؟ من فعل هذا بك؟!
ردت بصعوبة: - لا أعرف.. رجل ملثم.
قال وهو يغلي غضبا من ذاك الرجل ومن نفسه، فلولا
تأخره في الاستيقاظ لكان معها ولما هاجمها ذلك
الرجل: - ألم تري وجهه؟
قالت بصعوبة: - رأيته حين.. جذبت لثامه. لكنني لا
أعرفه.
سألها والخوف يرسل رعشة مؤلمة في اعصابه: - ماذا فعل
لك؟ ماذا كان يريد؟
بدأت تجهش بالبكاء فطار صوابه وتمنى قتل ذلك
الخسيس. سألها بصوت مرتجف وهو يشيح بوجهه عنها:
- هل..
ولم يستطع النطق بكلمة أخرى فقالت بانفعال:
- لكنت قتلت نفسي قبل ان يحدث.
استدار نحوها وقد ارتاح قليلا وقال: - ارتاحي، واشربي
بعض الماء.
رفعها قليلا مسندا إياها الى ذراعه فالتقت نظراتهما
للحظات تمنى مصعب ان لا تنتهي بينما تاهت هي بين
تلك المشاعر التي تنتابها والخفقات التي تربك كيانها.
أبعدت نظراتها وحاولت أن تستند على ذراعيها فابتعد
وساعدها على شرب الماء.
قال وهو ينظر صوب جرحها:
- ذلك الخسيس جرحك. لو لم أستغرق في النوم اليوم
لكنت معك ولما حدث لك شيء. لا أعرف كيف نمت
حتى ذلك الوقت من الضحى.
رمقته بامتنان وهي تقول: - ليس الذنب ذنبك فلا تلم
نفسك.
ابتسم وهو يسمعها تكلمه بذلك الهدوء ثم قال:
- لن تجوبي الصحراء ثانية فذلك خطر عليك.
هزت رأسها معترضة: - لا أستطيع. أشعر بالاختناق إن لم
أقضِ الصباح في الصحراء مختلية بنفسي.
قال مازحا: - حتى آتي أنا وأزعجك.
لأول مرة رأى ابتسامتها وهي تشيح بوجهها عنه فقال
بإصرار: - لن تسيري في الصحراء وحدك بعد الآن.
سأكون معك لأحميك وسأجلس بعيدا عنك كي لا
أزعجك فتختلين بنفسك قدر ما تريدين.
رمقته باستغراب: - كلا. سآتي ولن أخشى أحدا.
قال بانفعال: - بل سأنتظرك عند أطراف المدينة
ونتوغل في الصحراء سويا. لن أجازف بخسارتك.
رفّت أجفانها وأشاحت بوجهها وقلبها يخفق بقوة بينما
عقلها يردد كلماته " لن أجازف بخسارتك ".
وتساءلت إن كانت قد سمعته حين فتحت عينيها يتمتم
بكلمة حبيبتي أم انها واهمة.
سألها وهو مسرور بذلك التأثر الذي لمحه في عينيها:
- هل ستنتظرينني عند أطراف المدينة الشرقية غدا؟
أومأت برأسها دون أن تستدير نحوه ثم نهضت ففعل مثلها
ولم تسر سوى خطوات حتى شعرت بالدوار فأسرع ليمسك
ذراعيها كي لا تهوي ارضا.
جلست مستندة الى جذع النخلة فقال وهو ينظر الى نخلة
أخرى غير مرتفعة: - لقد نزف جرحك كثيرا قبل
مجيئي. يجب ان ترتاحي وتأكلي شيئا.
تسلق النخلة وأحضر عذق تمر صغير ثم نزل وقدم لها
منه عدة تمرات.
أخذتها منه وبدأت تأكل وهي تحدق به حيث يقف أمام
الواحة موليا ظهره لها، والابتسامة تأبى الزوال عن
شفتيها.
من أين قفز فجأة في حياتها؟ ولماذا استطاع التسلل الى
نفسها بتلك السرعة؟! ولماذا تشعر بأنوثتها أمامه هو
فقط؟!
بعدما شعرت بالتحسن، غادرا المكان معا وأصر على
إيصالها حتى بوابة المدينة بعدما أخذ منها وعدا باللقاء
صباح اليوم التالي عند شرق المدينة.
عاد مصعب ذلك المساء لداره والسرور يشع من عينيه
وصوته وملامحه. عانق عاتكة وهو يقول بسرور:
- اسعد الله مساءك يا أم.
قالت عاتكة مبتسمة: - وأسعد الله قلبك دوما يا ولدي.
- آمين. لكن ما سر هذه السعادة؟
قالت غرام كلماتها وهي تقترب منهما وتحاول إخفاء
ارتجافها غيضا فسألها مصعب رافعا حاجبيه:
- أتكرهين أن أكون سعيدا؟
قالت بصدق ولهفة وهي تقترب نحوه وتمسك ذراعه:
- كرهني عمري لو كنت. بل أرجو وأدعو لك دوما بأن
لا تعكر صفوك لحظة همّ أو حزن. لكنني أتمنى لو
أكون دوما سبب سعادتك وهنائك.
ابتسم لها وهو يقول: - سلم عمرك يا غرام.
شهقت وقالت بصوت مرتجف: - هناك دم على أكمامك.
من أين أتى؟!
قال بمشاعر متباينة بين قلق على أحجيته وغضب مما
حدث لها وسرور بالتقارب الذي حصل بينهما بسبب تلك
الحادثة: - تعرض أحدهم لحادث وجرح فلامست ثيابي
دمه حين ساعدته.
غاص قلب غرام وانصرفت دون كلمة وهي ترتجف غيضا
وتحترق غيرة لتدخل غرفتها على الفور. جلست منهارة
على السرير وتمتمت:
- إذن فذلك الأحمق لم يتمكن منها. لكن كيف
استطاع مصعب إدراكها رغم تأخره في الاستيقاظ بسبب
الأعشاب التي وضعتها له مساءا في العصير؟

عاد عمر أخيرا من سفره، وكم شخصا انتظر عودته بفارغ
الصبر!
زبيدة التي اشتاقت له حدّ الألم، وأهله وجده الذين
اعتادوا تواجده في بغداد باستمرار منذ زواجه بزبيدة،
والوليد الذي انتظر قدومه بقلب يؤرقه الشوق والترقب.
قرع قلب عمر حين رأى زبيدة نائمة بذلك الوجه الذي
لا يقل براءة عن وجه صغيرهما الذي كان مستيقظا
وعيناه تكتشفان العالم في صمت، وكأنه أشفق على
والدته التي أتعبها ليلة أمس بكثرة بكائه واستيقاظه
المتكرر فترك لها وقتا للنوم بسلام.
حمل زيد وقبله وهو يتأمله بشوق ويفكر " كم تغيرت يا
صغير خلال تلك الأسابيع. ". وعاد لتقبيله وضمه فبدأ
زيد بإصدار أصوات وهمهمات فتململت زبيدة وتمتمت
بصوت ناعس متعب جعل شوق عمر إليها يتضاعف:
- ألن تدعني أنام يا صغيري؟!
أغمض عمر عينيه ليخفف من نبضاته المتسارعة ثم أعاد
طفله بهدوء لمكانه واتجه إليها. قبلة مشتاقة رسمها
على جبينها جعلتها تحرك رأسها الى اليمين قليلا
فابتسم.
فتحت عينيها ببطء لترى وجهه المبتسم الذي تاقت له
وكان رفيق أحلامها في ليالي بعد صاحبه. رفعت نفسها
جالسة في السرير وهي تقول: - عمر!
فقال بلهفة وهو يفتح ذراعيه لها:
- يا روحه وقلبه وكل جوارحه..
في المساء التالي لعودة عمر وحين كان جالسا مع زبيدة
وفاطمة يتناولون العشاء في البهو بينما سمراء وريم في
الغرفة المجاورة، قال لفاطمة:
- أريد الحديث معك بأمر مهم يخص ريم يا خالة.
قالت فاطمة بانتباه: - تحدث يا ولدي.
تحفز انتباه زبيدة وتمنت أن يكون ما توقعته صحيحا.
- يريد جاري الوليد خطبتها.
لم تستطع زبيدة اعتقال ابتسامة الفرح التي زينت وجهها
والتي جعلت فاطمة تركز نظرها عليها بينما استطرد
عمر: - يريد الوليد معرفة رأيك كي يرسل والدته
لتخطبها منك.
سألته فاطمة وأثر انزعاج على وجهها:
- واين رآها كي يخطبها؟
- لقد رآها يوم ذهبت لإحضار أمه عند ولادة زبيدة، كما
أن أمه احبت ريم كثيرا وتتمناها زوجة له. لقد اعتبرني
أخاً لريم فكلمني عن الأمر يا خالة.
قالت فاطمة: - وأنت كذلك حقا يا ولدي.
قال عمر بحماس: - سلمت يا خالة. الوليد رجل ذو مروءة
وابن بار بأمه ولا يوجد ما يعيبه.
قالت فاطمة وقد تغير وجهها حتى بدت على جبينها تلك
الخطوط التي تظهر عليه عند حزنها أو انفعالها:
- أمهلني بعض الوقت.
قال عمر مبتسما: - ريم كشقيقتي، وأنا اقول لك بثقة
أن الوليد رجل جيد ولن تشقى معه. هذا إن قبلت به.
فكرت زبيدة بمكر” إن قبلت؟! بل سترقص فرحا يا
حبيبي حين أزف لها الخبر. "
لكن زبيدة لم تستطع أن تخبر ريم بشيء فقد سلطت
فاطمة نظرها عليها هي وريم. تلك النظرات المتسائلة
التي توحي بشكها في أن فتاتيها تخفيان عنها أمرا.
نظرة مستفهمة حانت من ريم نحو زبيدة عن سبب نظرات
فاطمة نحوهما فردت لها زبيدة بنظرة فهمت منها مطالبتها
بالصبر.
كم تنزعج فاطمة حين تخفي عنها ابنتيها أمرا ما! وما
يزعجها أكثر هي لغة العيون تلك التي لا تفهمها بينهما.
تقلبت زبيدة في فراشها فقال عمر مبتسما:
- لا تطيقين صبرا كي تخبري ريم بخطبة الوليد لها.
أيكون هذا الخبر سعيدا جدا للفتاة حتى لو لم تكن
تحب خاطبها؟
كاد لسانها يزل وتقول " ومن قال لك انها لا تحبه؟ "
لكنها ضبطت نفسها في اللحظة الأخيرة فليس من
المناسب أن يعرف عمر. قد يفسره بأنه استغلال من قبل
الوليد لأهل بيته. سألها مبتسما:
- كنت تودين قول شيء ما.
ابتسمت بارتباك ثم قالت أول ما خطر على بالها:
- تذكرت يوم أبلغت مودة بخطبة ياسر لها.
تنهد بعمق فخفق قلبها وهما يذكران معا تلك الفترة
التي كانت بداية علاقتهما ببعضهما ثم قال وهو يلامس
شعرها: - اليوم الذي تصالحنا فيه.
قالت مبتسمة وهي ترمقه بهيام: - لو أخبرني أحدهم
حينها أن ذلك القريب الذي أخفى هويته عني واستمع
ساخرا وانا أنعته بالغريب سيصبح حياتي كلها، لاتهمته
بالجنون.
لامس خدها: - لم تكن سخرية بل استكشافا لشخصية
اعجبتني قبل رؤيتها وفتنتني حين وقعت عيني عليها. ولا
زلت مستغربا كيف تصرفت معك بطريقة لم أفعلها قبلا
مع غيرك.
تنهدت ثم قالت بمكر وشوق:
- تلك الذكريات تجعل نبضي يخرج عن السيطرة. لازلت
كلما تذكرت كلمات اعتذارك، ينتابني نفس الفرح
(ابتسمت بمكر) مضافا إليه رغبتي القاتلة بمعانقتك
حتى أحطم أضلاعك.
أطلق ضحكة عالية وهو يفتح ذراعيه باستسلام ويقول:
- تعالي إذن وحطميني لألف قطعة.

في الصباح الباكر وقبل استيقاظ فاطمة، أسرعت ريم
الى زبيدة لتعرف منها سبب تجهم والدتها أمس.
تصنعت زبيدة الرغبة بالبكاء فهوى قلب ريم وهي تسألها
بخوف: - ماذا هناك؟
رمقتها زبيدة بصمت وبنفس النظرات ثم صاحت فجأة:
- لقد خطبك يا فتاة.
سألت ريم ببلاهة وهي تحدق بزبيدة بعدم فهم: - من؟
هتفت زبيدة بحنق: - النعمان ابن المنذر. من سيكون غير
الوليد يا بلهاء؟
هبط قلبها وقرع ثم تلألأت الدموع في عينيها وغزت
الابتسامة شفتيها ثم تمسكت بيدي زبيدة بقوة كما
اعتادتا أن تفعلا ساعة توترهما وارتباكهما.
قالت زبيدة بمكر: - حبيبك لا يضيع وقته. لقد كلم
عمر في اليوم التالي لوصوله، وكأنه كان ينتظر عودته
على أحر من الجمر.
عبست ريم وقالت بقلق: - هل تظنين أن امي سترفض؟ لم
تعكس نظراتها الارتياح أمس.
- لا بد أنها تخشى فراقك لو تزوجته وبقيتِ في بغداد.
التمعت الدموع في عيني ريم وقالت: - أخشى ألا توافق.
- لا تتشاءمي يا فتاة وافرحي بهذه اللحظة. وأنا لن أدع
عمر يدخر جهدا حتى يقنعها بأن الوليد أفضل زوج لك.
اعترضت ريم: - لا تخبريه بما بيننا!
ضحكت زبيدة وهي تراقب باب المطبخ تحسبا من دخول
فاطمة:
- ما بينكما؟! وماذا حدث بينكما سوى بضع نظرات
وكلمات؟ لكن لا تقلقي. سأخبره أنني أريد ان يتم هذا
الزواج كي اضمن بقاءك قربي، وربما أقنعنا امنا بترك
البصرة والبقاء في بغداد.
قالت ريم بنظرة تفاؤل: - معك حق. ماذا ستفعل لوحدها
في البصرة إن بقينا نحن الاثنتان هنا؟!
رفعت زبيدة حاجبيها ساخرة وقالت: - هممم صرتِ
تتكلمين وكأن زواجك من الوليد قد تم بالفعل.
حدقت بها ريم بانفعال وارتباك وقالت:
- تبا! لا تسخري مني.
لم تكن مهمة عمر أو زبيدة سهلة في إقناع فاطمة
بالموافقة على زواج ريم من الوليد، لكنها أيضا لم تكن
مستحيلة أمام توسل زبيدة لها وتأكيد عمر بأن الوليد
زوج كفؤ لريم.
- أرجوك وافقي يا امي.
سألتها فاطمة بريبة: - لماذا تلحين عليّ؟!
قال عمر مبتسما: - لو تم هذا الزواج فستضمن زبيدة بقاء
ريم قربها.
قالت زبيدة بلهفة ودموع صادقة: - وبقاءك انت ايضا يا
أمي. فلو كنا نحن الاثنتان هنا، فلن يعود هناك داع
لبقائك وحيدة في البصرة. لقد تعبت من فراقكما يا
أمي. حتى لو كنت بين أهلي فلن أشعر بالرضا إلا
بوجودكما معي.
مسحت فاطمة دموعها وهي تقول: - لكن..
وهنا تدخل عمر: - على ماذا انت معترضة يا خالتي؟
الرجل جيد وريم لا بد لها أن تتزوج عاجلا أم اجلا.
واكملت زبيدة: - فلماذا لا تتزوج الوليد فتبقيان أنتما
الاثنتان قربي؟!
قالت فاطمة: - أنا لم أسألها بعد. ربما لديها اعتراض.
نهضت زبيدة من فورها وقالت: - اسأليها الآن لو شئتِ كي
نعرف رأيها.
تنهدت فاطمة ممتعضة بينما قال عمر:
- سأذهب لغرفتي كي تناديها زبيدة وتسأليها بحرية.
قالت فاطمة: - بل ابق يا ولدي ولتذهب أختها لسؤالها.
خرجت زبيدة وهي تحث الخطى نحو جناح الضيافة حيث
تنتظر ريم الاخبار من زبيدة ومعها سمراء.
دخلت زبيدة عليهما واحتضنت ريم وهي تصيح:
- وافقت. هي فقط تنتظر أن ابلغها برأيك.
تسارعت انفاس ريم فرحا فسألتها سمراء بمكر:
- أخبرينا يا ريم، هل انت موافقة على الزواج بذاك
الرجل ذو النظرات الجريئة؟
رمقتها ريم متوعدة ثم رمتها بإحدى الوسائد فضحكت
سمراء وهي تصد ضربتها.

ابتسمت (آمنة) والدة مصعب وهي تنظر في عينيه وتسأله:
- ما سر هذا الفرح الذي طرأ على نظراتك يا ولدي؟
كيف لا يشع الفرح من كل شيء فيه وقد انقلبت
علاقته بأحجيته الغالية منذ تلك الحادثة التي تعرضت
لها؟ فقد انهارت حصونها ودفاعاتها أمام سطوة حبه التي
غزتها على حين غرّة من عنادها فأطلقت العنان لقلبها
كي يعيش تلك المشاعر التي تملكتها دون استئذان.
صارت لهفتها عليه بادية في نظراتها الخجولة، وابتسامتها
وهي تنظر إليه تقول ما لم تجرؤ على النطق به.
ربتت والدته على كفه وقالت بسرور:
- ليس أحب إلى قلبي من رؤية السرور باديا على وجهك
وصوتك، بعد كل تلك الأشهر التي قضيتها في الحزن
على زبيدة.
تنهد بارتياح وقال: - الحمد لله. لقد انتهى ذلك الامر وما
عاد يؤلم قلبي يا أمي.
قالت بمكر: - لا يخرج الحب من القلب إلا.. بحب جديد
أقوى منه.
رفع حاجبيه ورمقها بمكر وهو يقول متهربا:
- كفي عن استجوابي واستقبلي زوجك العائد من العمل.
ثم نهض من فوره ليعانق والده جابر الذي وصل لتوه الى
الدار.
- مرحبا يا أبي.
سأله جابر بلهجة عتاب: - ما الذي ذكرك بنا اليوم؟!
- كيف تقول هذا يا أبي؟ اشتقت إليكم فجئت أراكم.
قال جابر وهو يجلس:
- لو كنت تقوم بواجبك وتتابع معي العمل في السوق
كسابق عهدك لرأيتني كل يوم ولم تشتق إليّ لهذه
الدرجة.
قالت آمنة بمكر: - دع مصعب فهو مشغول الفكر هذه
الأيام يا جابر.
قطب جابر حاجبيه فقال مصعب:
- تعرف أن أمي تحب ممازحتي كثيرا. أما عن ذهابي
للسوق فأعدك أنني سأبقى معك طوال اليوم. فقط دع
لي الصباح.
ابتسمت آمنة بينما قال جابر: - حسنا. لكن استعد
لسفرك القريب الى الموصل لتجلب لنا بضاعة من
هناك.
قال وقد زحف الحزن لقلبه منذ الان لفراق احجيته لبضع
أيام: - حاضر يا أبي.
حين التقى مصعب أحجيته في اليوم التالي عند بوابة
المدينة، لمح الابتسامة في عينيها الظاهرتين من خلف
اللثام. سار فتبعته وتوجها الى المكان الذي التقيا فيه
أول مرة ودخلا ذلك الغار.
أزالت اللثام عن وجهها فابتسم فقالت بخجل:
- لا بد أنك تذكر طعني لك. أنا آسفة. يا مصعب.
رمقها بمكر وقال: - من الظلم أن تعرفي اسمي ولا أعرف
اسمك إلى الآن.
سألته بلهجة ماكرة: - ومن طلب منك قول اسمك؟
ابتسم وقال بجدية هذه المرة وهو يأسر عينيها بنظرات
لهفة جعلت قلبها يخفق: - لست آسفا أبدا على تلك
الطعنة. ليتها جاءت منذ زمن طويل.
تأثرها بكلماته أعطاه الشجاعة ليخرج ما في قلبه:
- لكنهما طعنتان لا واحدة.
قطبت جبينها ليلتقي ذانك الحاجبان. كم يعشق ذلك
التعبير على جبينها ووجهها!
- هل ستتهمني زورا الآن؟!
تراجعت ابتسامتها ليحل الخجل والارتباك محلها حين
همس متسائلا بنظرات عشق مؤكدا اتهامه:
- ألم تتوعديني بطعنة ثانية في قلبي لا ذراعي؟
اضطربت أنفاسها وأشاحت بوجهها لتقول وقد عرفت
مقصده: - ذلك كان تهديدا.
لكنه لم يتراجع أمام تحويلها الحديث لمزحة وهمس:
- وقد كان. وتلقيت أجمل طعنة منك في قلبي.
نهضت وأسرعت نحو مدخل الغار وهي تشعر بالارتجاف في
كل جسدها. هل يدرك ذلك العنيد ما يفعله بها؟
كلماته ونظراته وصوته الهامس، تأخذها الى عالم لا
تشعر فيه إلا بوجودهما. كلمات الحب المختبئة خلف
حديثهما العادي، تشعرها أن قلبها لن يتحمل تلك
الخفقات القاسية التي لم ينبض بها يوما قبل لقياه.
والآن.. يريد قولها صراحة لها. تراه قلبها سيحتمل؟
- لا تهربي! (هتف بحنق وهو يتبعها) ألن تكفي عن
الهرب مني يا أحجيتي؟
ياء النسب تلك في اللقب الذي أطلقه عليها، دفعت نبضها
للجنون. ما أروع أن تشعر بالانتماء إليه!
- أحبك أحجيتي.
رفت أجفانها بسرعة توازي جنون نبضاتها ثم أشاحت
وجهها لكنها لم تهرب هذه المرة فقد سيطر قلبها الذي
يرفض الابتعاد عنه على قدميها فتسمرتا في مكانهما.
بالكاد سمعها حين استطاعت أن تهمس بفرح ووجع
وحيرة:
- ما الذي أعجبك في فتاة تخفي أنوثتها وتتصرف
كالرجال؟!
زفرة لوعة وشوق أطلقها قبل أن يقول:
- ما بين قوتك وضعفك، عنادك واستسلامك،
غضبك وهدوئك، شجاعتك وخوفك، ما بين تلك
الملثمة الصلبة حتى العناد وتلك الأحجية الرقيقة
حتى سهولة الانكسار، ضاع قلبي وسلم كل راياته لك.
ارتجف جسدها وأطلقت العنان لدموعها. كم هو رائع
حتى الوجع، شعورها بأنوثتها امامه لهذه الدرجة! كم هو
رائع وجود رجل يفهمها ويسبر أغوارها لهذا الحد!
لم ينطق أحدهما بكلمة أخرى فلم يعد هناك معنى
لأي كلمات أمام إحساسهما.
عند مغادرتهما الغار، قال لها: - سأسافر للتجارة.
سألته بحزن: - كم ستغيب؟
- ربما عشرة أيام. لا أريد أن تخرجي الى الصحراء حتى
عودتي. لا أريد أن يصيبك مكروه.
أومأت بالموافقة وقالت وهي تمتطي جوادها:
- سأنتظرك بعد أسبوعين عند بوابة المدينة لنلتقي
عند الواحة.
سألها مبتسما: - وإن تأخرت في العودة الى بغداد؟
قالت بشوق: - سأنتظرك كل يوم حتى تعود.

ما إن أعطت فاطمة موافقتها على زواج ريم بالوليد، حتى
بدأت التجهيزات لعرسهما بعد إلحاح شديد من أم الوليد.
في المساء وبينما هما في غرفتهما، قالت زبيدة لعمر
والترقب والخوف من رفضه يتملكها:
- أمي وريم تريدان مني مرافقة ريم الى السوق لشراء ما
يلزمها للعرس.
غصة غيض استحكمت حنجرة عمر وعاد يتذكر كيف
سعى مصعب لمحادثة زبيدة حين رآها في السوق عندما
اشترت ما يلزم لخلطة الحروق التي اعدتها له حين تعرض
لذلك الحادث.
رمقها بنظرة اعتراض فقالت بدلال: - تعرف ما يعنيه زواج
ريم بالنسبة لي. إنها اختي ويجب ان أكون معها في كل
خطوة.
هتف معترضا: - زبيدة!
فقالت متوسلة وهي تلامس وجهه: - أرجوك يا عمر.
لانت ملامحه وهو يرى حزنها ورغبتها في مشاركة ريم
التجهيز لعرسها لكنه قال كاعتراض أخير: - كفي عن
استخدام سحر تلك الراء حين تنطقين اسمي.
عرفت انه وافق فراحت تشاكسه بدلال وهي تضم وجهه
بين كفيها وتكرر: - عمر.. عمر.. عمر..
حتى قاطعها بإمساك رأسها بين كفيه والنظر في عينيها
بمكر وهو يفكر بمعاقبتها على تلك المشاكسة
وذلك الدلال الذين يفتكان بكل حصونه.

كانت زبيدة تقف قرب ريم في أحد الدكاكين وتقنعها
بشراء أحد الثياب بينما سمراء على بعد خطوات الى
يسارهما تلقي نظرة على البضاعة في الدكان.
حدقت زبيدة بمصعب الذي دخل الدكان واقترب
باتجاههن.
غضبها لم يجعلها تنتبه أنه لم يكن ينظر إليها مباشرة
ولم ينتبه لوجودها أساسا فقالت لريم وهي ترتجف غضبا:
- ماذا يريد مصعب ثانية؟ ألا يعلم أنني تزوجت؟ هل
سيكلمني كلما رآني؟
سألتها ريم بدهشة: - أهذا هو مصعب؟
التفتت سمراء نحوهما وقد سمعت حديثهما بينما اقترب
مصعب وهو يقول بلهفة: - أحجيتي!
استدارت سمراء نحوه بينما اتسعت عيون زبيدة وريم
بنظرات مندهشة نحو مصعب وسمراء وهما تقتربان قليلا
نحوهما، وحينها انتبه مصعب لوجودهما.

نهاية الفصل السادس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:31 pm

الفصل السابع

التفتت سمراء نحوهما وقد سمعت حديثهما بينما اقترب
مصعب وهو يقول بلهفة: - أحجيتي!
استدارت سمراء نحوه بينما اتسعت عيون زبيدة وريم
بنظرات مندهشة نحو مصعب وسمراء وهما تقتربان قليلا
نحوهما، وحينها انتبه مصعب لوجودهما.
تسمرت نظرات مصعب على وجه زبيدة للحظات كما لم
تحد عيناها عنه وكلّ منهما يفكر بعلاقة سمراء
بالآخر، حتى قطع صوت سمراء المرتجف بغصة ألم
ذلك الصمت الثقيل.
- أهو نفسه، الذي أخبرتني ريم أنه اشتراكِ؟
نظرات الألم في عينيها وغصة البكاء التي استحكمت
صوتها، آلمت قلبيهما وعرفا منها ما كان يحيرهما.
عرف مصعب أن زبيدة هي إحدى رفيقتي سمراء العزيزتين
اللتين ذكرتهما له أكثر من مرة، وعرفت زبيدة كما ريم
أن مصعب حقق ذلك المستحيل الذي كانت سمراء تنفي
حدوثه يوما فملك قلبها العنيد.
لكن كيف استطاعت كتمان الأمر عنهما؟ ولماذا لم
تخبرهما بأن الحب تغلب أخيرا عليها فعشقت؟
خرجت سمراء مسرعة فتبعتها الاثنتان بينما بقي مصعب
واقفا مكانه محاولا استجماع شتات نفسه بعد تلك
الصدمة التي لم تكن لتخطر على باله.
لم يكن من السهل على زبيدة وريم اللحاق بسمراء التي
انطلقت هاربة بكل ما أوتيت من سرعة وقوة رغم ارتجاف
أطرافها لذا عادتا مجبرتين الى الدار، تحدثان بعضهما
بتلك التغيرات الطفيفة التي لاحظتاها على سمراء
مؤخرا والتي لم تتعمقا في تفسيرها بسبب انشغالهما
بقصة ريم والوليد ربما.
تساءلت زبيدة بحيرة: - لماذا لم تخبرنا شيئا عنه؟ لماذا
أخفت عنا الأمر؟
قالت ريم وشعور بالذنب والتقصير نحو رفيقتهما يطغى
على نظراتها:
- ربما لتتجنب مزاحنا اللحوح لو عرفنا أنها وقعت بالحب
بعد كل سخريتها منا. لقد انشغلنا عنها في الفترة
الماضية، أنت بزيد وانا بالوليد ولم ننتبه للتغير الذي
طرأ عليها.
قالت زبيدة مؤيدة: - صدقتِ. خروجها الى الصحراء صباحا
زاد كثيرا عما اعتادت عليه حتى صارت تخرج كل يوم
تقريبا. لكنني ظننت أنها تريد الاستزادة من جمال
الأماكن هنا قبل رجوعها الى البصرة. لا بد أنهما كانا
يلتقيان أثناء خروجها الى الصحراء فهو المكان الوحيد
الذي تذهب إليه.
وقالت ريم:
- وأنا لاحظت ذلك اليوم حين كنت أتكلم عن الوليد
أنها لم ترمقني بتلك النظرات الساخرة كعادتها، وكأن
كلامي كان يروق لها. استغربت وكدت أسألها عن السبب
لولا دخول أمي علينا ثم نسيت الأمر بعدها.
قالت زبيدة بحنق وهي تضغط على صدغيها الذين كانا
يرسلان نبضات ألم:
- من بين كل الرجال أحبت مصعب. ما هذا الوضع المحرج
الذي نحن فيه؟!
قضت سمراء ساعات طويلة في الصحراء بين البكاء
والتفكير بذلك الوضع المحرج لثلاثتهم معا.
" أيها القلب الأبله. ألم تجد سوى الرجل الذي عشق
رفيقتي لتعشقه؟! كيف سنواجه بعضنا؟ كيف سأستمر
في حبه وقد أحب غيري يوما، وليست أي فتاة بل رفيقتي.
أعرف أن زبيدة لم تحبه منذ البداية، وقد تأكدت من
ذلك حين عشقت عمر.. لكن ماذا عن مصعب؟ تراه ما
زال يحمل في قلبه شيئا لها؟! بماذا شعر حين رآها بعد
كل تلك المدة؟ هل خفق قلبه شوقا لها كما يخفق
قلبي بجنون حين يراه؟ هل أحبني كما أحبها؟ أم تراه لم
يحبني قط وتوهم حبي كي ينساها؟ "
كاد رأسها ينفطر ألما لكثرة تلك التساؤلات التي لم
تتوقف عن الدوران فيه.
حمدت الله حين عادت لدار عمر على وجود فاطمة في
جناح الضيافة لأخذ قيلولتها، وإلا لوجدت ريم وزبيدة
بانتظارها بالتأكيد وهي في حال لا تستطيع الحديث
معهما. ولكن الى متى يمكنها الهروب منهما؟!
دخلت زبيدة وريم جناح الضيافة فقابلتهما فاطمة وهي
تهم بالخروج منه لتذهب الى بهو الدار كالعادة حيث
يجتمعن في الدار حتى عودة عمر.
رمقتهما بقلق وهي ترى اضطراب وجهيهما: - ما بكما؟
قالت زبيدة: - لا شيء.
وقالت ريم: - قلقنا لأن سمراء لم تأت الى الدار فجئنا
لرؤيتها.
قالت فاطمة مبتسمة: - تعرفانها. لا تحب السير في
الاسواق كباقي الفتيات ولا تخرج من الدار إلا لخلوتها
الصباحية في الصحراء. لا بد أنها تعبت لذا ما تزال
نائمة.
شعرتا بالاطمئنان حين علمتا بعودتها للدار ودخلتا وزبيدة
تقول: - سنراها. أمي من فضلك، هل يمكن أن تعتني
بزيد لو أفاق من نومه؟
قالت فاطمة بابتسامة حانية:
- وهل أحب الى قلبي من النظر لوجهه واخذه بين ذراعي؟
أسرعتا نحو سمراء وجلستا قربها فقالت ريم وهي تلمح
حركة خفيفة لجفنيها المغمضين: - كفي عن التظاهر
بالنوم ولنتحدث يا سمراء. لا يمكن ان نهرب من الكلام
في أمر مهم كهذا.
أيقنت سمراء أنهما لن تتركاها دون التحدث بالأمر، ولو
تظاهرت بالموت لا النوم ففتحت عينيها اللتين لم يزرهما
النوم. جلست متكئة الى الجدار وعيناها لا تنظران سوى
للأرض كعيني زبيدة اللتين لم تقو على النظر لها.
تنهدت ريم بحنق وهتفت بهما: - هل يمكن أن تنظرا
لبعضكما وتكفا عن هذا الحَرَج السمج الذي تشعران به
تجاه بعضكما؟!
نظرتا إليها باستغراب فأكملت بامتعاض وهي تحدث
سمراء:
- لم تعشقي أو تسرقي زوجها منها لتشعري بالحرج،
فزوجها عمر وليس مصعب الذي لم تحبه يوما بصدق.
وبينما اتقدت النار في قلب سمراء لذكر آسره، أضافت
ريم موجهة الحديث لزبيدة: - وأنت توهمت حبه منذ
عامين تقريبا. أمر انتهى. لذا لا تحملاه أكثر مما يحتمل.
تكلمت سمراء أخيرا وهي تنهض وقالت بصوت مرتجف
يَشي برغبتها التي تقاومها في البكاء كعادتها دوما:
- وما دام انتهى فلا داعي لنتحدث فيه.
حاولت ريم أن تجذب يدها لتجبرها على الجلوس من
جديد لكنها قالت بغضب: - لن أتحدث بشيء.
وتركتهما لتخرج مسرعة الى الحديقة قبل أت تتساقط
دموعها أمامهما.
تنهدت زبيدة بحسرة وقالت: - دعيها يا ريم فنحن أفضل
من تعرفان شدة عنادها. سنكلمها حين تهدأ.
وكيف لها أن تهدأ؟! مزيج من ثورة كبرياء وغيرة مرّة
تفجرت داخلها فصارت تدور وتدور كأنها حُبِست في
قفص. أما باقي اليوم فظلت بعيدة عن الجميع وعادت الى
جناح الضيافة متظاهرة برغبتها في الراحة بسبب ألم في
معدتها.

بينما كانت زبيدة تهز زيد برفق كي ينام وعيناها
تحدقان بشرود في الفراغ، جلس عمر قربها ولامس
كتفيها ففزعت. سألها مستغربا حالها الذي لم يخف عليه
منذ دخل: - ما بك حبيبتي؟
هزت رأسها نفيا وهي ترسم ابتسامة واهنة على شفتيها
فقال معاتبا وهو يمسك ذقنها كي يوقف هروبها من
عينيه:
- أعرفك من نظرات عينيك، من أنفاسك وارتباك
حركات يديك. لذا لا تحاولي الكذب عليّ.
كم تمنت لو ترتمي بين ذراعيه وتحدثه بكل ما جرى
وما تشعر به. لكن كيف؟ كيف والأمر يتعلق بمصعب؟
وكيف أيضا ستخفي الأمر ومن يسألها عمر؟
سألها وهو يلامس شعرها:
- أخبريني حبيبتي، ما الذي يجعل الحزن والنظرات
الحائرة المشتتة تسكن عينيك الحبيبتين؟
حاولت إشغال نفسها بالنظر لزيد كي لا يبحر أكثر في
عينيها ويكتشف أنها لم تقُل كل الحقيقة: - إنه شجار
مع سمراء فلا تقلق.
قال بعذوبة وهو يدير رأسها نحوه: - ألا يقلق المرء على
نفسه يا نفسي؟
ذاك القلب لا ينفك يخفق ويضطرب في صدرها كلما
سمعت منه همسا عذبا أو رأت في عينيه عشقا وولها،
وكأنها تسمعه وتراه لأول مرة.. وكأنها تعود بالزمن لما
يقارب العامين ونصف.
لكن ذلك العاشق الغارق بحبها لأذنيه لم يكن بتلك
البساطة ليصدق أن ما قلب حالها هو شجار عادي بينها
وبين سمراء. رغم ذلك، منحها بعض الخصوصية والوقت
على أمل أنها لا بد ستخبره بنفسها بما يحدث معها في
الوقت المناسب.

كتلك الثائرة لكبريائها، الغاضبة من ضعفها الذي
جعلها تنساق وراء مشاعرها وتطيح بتعقّلها بعيدا، كان
ذاك العاشق القلق المتلهف لمعرفة حال حبيبته. الاثنان
مضطربان يجوبان المكان جيئة ورواحا وهما يفكران
بالوضع الذي اكتشفا نفسيهما فيه.
الفرق بينهما أن مصعب معه رفيق عمره وسنده أما سمراء
فكانت رفيقتاها هما أخر من تود رؤيتهما والحديث معهما
فاضطرت لتحمل الأمر لوحدها.
- كيف سأتصرف يا نوّار؟ كيف السبيل إليها؟ إنها عنيدة
ورأسها صلب كالحجر وكرامتها أهم من أي شيء عندها.
لن تعود لي بعدما عرفت أنني أحببت امرأة قبلها. ومن؟
(ضحكة قصيرة ساخرة) إحدى أغلى رفيقتين لها.
قال نوار وهو يربت على كتفه:
- اهدأ يا مصعب ولنفكر في حل. هذا الارتباك لن
يجدي نفعا.
تساءل مصعب بحنق: - كيف أهدأ يا نوار؟! أنا أخسرها
بعدما وجدتها أخيرا.
تنهد نوار وقال: - يا لحظك العاثر في الحب يا صاحبي.
هز رأسه بجزع وهو يقول: - تلك الحانقة لا تدرك كم
أعشقها، ولن تصدقني لو أخبرتها أني ما أحببت بصدق
سواها هي.
قال نوار وابتسامة جانبية ترتسم على شفتيه:
- لو نظرت في عينيك لصدّقت.
زفر مصعب بغيض وردّد: - لو! لكن كيف لي ان أراها؟ أنا
لا أعرف سوى اسمها الذي أخبرتني به منذ أيام فقط.
فكر قليلا ثم لمعت عيناه كالفكرة التي لمعت في
رأسه ثم التفت نحو نوار وعلى شفتيه شبه ابتسامة..

قالت زبيدة بجزع وهي تضم مودة بقوة:
- لم تأتِ منذ مدة.
عرفت مودة من طريقة عناق زبيدة لها كم هي بحاجة
لمساندتها رغم وجود ريم قربها، فلكل من مودّة وريم
مكانة خاصة ومختلفة في قلب زبيدة.
قالت لها تبرر غيابها: - كان عبيدة مريضا فلم أستطع
الخروج من الدار لأيام حتى شفي. كما أنني لم أرد حشر
نفسي بينكن.
ردت ريم هذه المرة: - كيف تقولين هذا يا مودّة؟ صحيح
أنني اشعر بالغيرة على زبيدة أحيانا منك، لكن لا غنى
لزبيدة عنك. أنت ابنة عمتها ورفيقتها التي ساندتها في
ظروف صعبة وشهدت معها أهم أحداث في حياتها.
ابتسمت مودة بامتنان بينما قالت زبيدة وهي تضم عبيدة
الصغير إليها: - حمدا لله على سلامته.
حالما جلسن، قالت مودة: - بارقة تسلم عليك.
ككل مرة يذكر اسم بارقة أمامها، تبتسم زبيدة وهي
تذكر ذلك الشجار بين عمر ومصعب ليلة زفاف بارقة
ونوار. وتؤيدها مودّة بابتسامة مماثلة تدل على تفكيرها
بنفس الحادثة.
منذ تزوجت زبيدة بعمر لم تزرها بارقة في دارها مراعاة
لمشاعره فهي زوجة نوار رفيق مصعب المقرب، وعمر لا
يطيق أي شيء له صلة بمصعب ولو من بعيد.
سألتها زبيدة وقد اشتاقت لبارقة: - كيف حالها؟ وكيف
هي ابنتها الصغيرة؟
رمقتها مودّة بنظرة متفحصة وهي تجيب:
- بخير. لكن أنت من لست بخير بالتأكيد.
قطبت زبيدة جبينها ثم سألتها باستغراب:
- هل أخبرتك بارقة بشيء؟
أجابت مودّة: - أخبرتني بقصة سمراء مع مصعب ولقائكم
في السوق.
قالت زبيدة: - بالتأكيد ستعرف ما حدث. فمصعب لا
يخفي عن زوجها شيئا.
أومأت مودة وهي تقول مازحة بمكر: - آه لو سمعك ابن
خالتي وانت تنطقين اسم مصعب بهذه السهولة!
ارتجف قلبها وقالت بجزع:
- لا تذكريني! أرتجف كلما أفكر بردة فعل عمر لو
عرف أنني رأيته في السوق.
عقبت مودّة بدهشة: - يا لصغر الدنيا! سمراء التي كانت
تهزأ بالحب، تقع في حب مصعب من بين كل الرجال.
قالت زبيدة بحزن: - هل تتخيلين الوضع الحرج الذي نحن
فيه؟
عقبت ريم بامتعاض: - وتلك المجنونة تهرب منا منذ
ثلاثة أيام. ترفض الحديث إلينا أو الجلوس معنا.
قالت مودة: - اعذراها فالأمر صعب عليها. لقد حدثتني
بارقة عن قصتها هي ومصعب. وحسبما عرفته أنا عنها
خلال اجتماعي بها، فهي فتاة قوية تضع كبرياءها فوق
كل شيء. لذا ليس من السهل عليها معرفة أن الرجل
الوحيد الذي سلمته قلبها كان يحب رفيقتها.
سألتها ريم:
- ماذا أخبرتك بارقة عن حكايتهما معا؟ نحن لا نعرف
أي شيء عن الأمر سوى تخميننا بأنهما كانا يلتقيان أثناء
خروجها للصحراء صباحا.
حدثتهما مودّة عن أول لقاء بين مصعب وسمراء مرورا
بلهفته للقائها باستمرار ثم تلك المبارزة التي أتاحت له
الحديث طويلا معها ثم ذلك الهجوم عليها من قبل
مجهول والذي كان سببا في التقريب بينهما.
تبادلت زبيدة وريم نظرات الدهشة والحنق وقالت الاولى:
- حتى في هذه الحادثة لم تخبرنا الحقيقة. لقد أخبرتنا
أنها سقطت عن الحصان وجرح وجهها بغصن يابس حاد.
شردت ريم بتفكيرها بعيدا ثم قالت:
- لهذا كانت تبتسم احيانا حين تلامس أثر ذلك الجرح!
لأنه كان سببا في تقريبها منه. لكن لماذا أخفت عنا أمر
ذلك الهجوم؟
قالت زبيدة: - لا بد خشيت أن نمنعها من الخروج للصحراء
خوفا عليها فلا تستطيع رؤيته مجددا.
قالت مودّة: - ما يحيرني هو كتمانها الأمر عنكما وأنتما
أقرب الناس لها بعد والدها.
ابتسمت الفتاتان وقالت زبيدة: - لو سمعت كيف كنا
نتوعدها بأننا لن نرحمها لو وقعت في الحب يوما.
وأضافت ريم: - لأنها كانت تسخر منا كلما تحدثنا
بشغف عن الحب.
أدمعت عينا زبيدة وهي تقول: - كم اشتقت إليها خلال
الأيام الماضية.
اقتربت مودّة من زبيدة وهي تقول:
- لقد أوصلت لي بارقة عن طريق زوجها أمانة من مصعب
لك يا زبيدة.
سألتها زبيدة وهي مستغربة وخائفة من تورطها بأمر قد
يؤثر على علاقتها بعمر لو عرفه: - ماذا يريد؟
- يريد أن تعلمي أولا أنه صادق في حبه لسمراء وأنه
مستعد لفعل أي شيء كي لا تتركه. ويطلب مساعدتك
في إيصال هذه الرسالة لها.
سألتها زبيدة بقلق وهي تمد يدا حذرة نحوها لتمسك
بتلك الرسالة:
- هل أخبرتِ بارقة أن سمراء تقيم في داري؟ إنها متهورة
وستخبر زوجها بالأمر فيخبر مصعب. وحينها لا أعرف ما
قد يفعله. ربما يأتي إلى هنا.
اكدت مودّة بسرعة: - كلا لم أخبرها فأنا أعرف
جنونها.
شعرت بارتياح ثم ناولت الرسالة لريم وكأنها لعنة تود
التخلص منها. رمقتها ريم مستغربة فقالت بحنق:
- لن تبقى هذه الرسالة معي. مجرد تخيلي لرد فعل عمر لو
رآها معي يجعلني أرتجف.
بعد مغادرة مودة، لم تستطع زبيدة وريم الانفراد بسمراء
واضطرتا لتأجيل ذلك الى اليوم التالي.
لم تستطع زبيدة النوم جيدا تلك الليلة حتى أن
كابوسا انتابها فاستيقظ عمر وهو يسمعها تصرخ بصوت
مكتوم تنادي اسمه. فمجرد بقاء تلك الرسالة من مصعب
في دارها وإن كانت بحوزة ريم، كان أمرا يثير قلقها.
ربت عمر على كتفها برفق ففتحت عينيها وهدأت أنفاسها
قليلا حين أدركت أن ما رأته كان مجرد كابوس.
استغفرت الله وحمدته فسألها بقلق:
- ماذا رأيت في منامك حتى تفزعي هكذا وتنادي عليّ؟
اقتربت منه متشبثة بثوبه وكأنها تطالبه بإخفائها بين
ذراعيه الى الأبد فضمها بقوة وهو يتلو البسملة فقالت
بقلق: - لقد رأيتك تبتعد عني. أناديك فلا تجيبني.
أبعدها قليلا ولامس خصلات شعرها وجبينها المتعرق وهو
يهمس: - إنه مجرد حلم فلا تفزعي هكذا.
عادت لتتشبث به وعاد لضمها وهو يقول مبتسما:
- أين يمكن أن أذهب؟ وهل أطيق مكانا لي غير
أحضانك؟
ثم ابتسم وخياله يأخذه بعيدا وهمس: - زبيدة، ألم
تتذكري شيئا؟
هدأت وابتعدت قليلا لتهمس وهي تنظر بشوق في عينيه:
- وهل أنسى لحظات بألف ليلة؟
اتسعت ابتسامته ليهمس بشغف وشوق كتلك الليلة وهو
يضيع في عينيها:
وشعر كليل حاق بضياء قمر
وعينان حار في لونهما النظر

همست تكمل عنه وعلى شفتيها ابتسامة عذبة:
بالأمس كانتا كموج البحر
واليوم كفيروز مخضر

لم يستيقظ عمر مبكرا كعادته بينما كانت زبيدة
تنتظر خروجه من الدار بصبر نافذ كي تنفرد هي وريم
بسمراء وتعطياها تلك الرسالة وينتهي قلقها. فهي
متأكدة أن سمراء ستمزق الرسالة حال قراءتها، هذا إن
قرأتها. وبذلك ستتخلص من تلك الرسالة التي قضت
مضجعها واقلقتها.
حالما خرج عمر، ذهبت كالعادة الى جناح الضيافة
فوجدت فاطمة تكلم ريم بصوت بدا فيه الانزعاج.
سألتهما زبيدة: - ماذا هناك؟
قالت فاطمة بامتعاض: - رأيت أم الوليد أمس في السوق
وسألتني إن كانت ريم قد تهيأت للزفاف لأنها والوليد
يريدان إقامته آخر الأسبوع.
حدقت ريم بوالدتها وقلبها يضرب بعنف وسألتها بفزع:
- آخر الأسبوع؟! بعد أربعة أيام؟!
أجابت فاطمة بسؤال غاضب: - ماذا أقول للمرأة؟ العروس
غير مهتمة؟ ما الذي يشغلك عن عرسك يا فتاة؟!
نكست ريم رأسها بخجل لكن قلبها كان يخفق فرحا
وقلقا بسبب موعد زفافها القريب.
قالت زبيدة: - سيكون كل شيء كما تريدين يا امي.
وهنا هتفت فاطمة بحنق تكلم زبيدة:
- وأنت الأخرى. لقد ساعدت ام الوليد في زفاف زينب، فما
بالك الآن والعروس أختك؟ أنت لم تفكري بالذهاب ولو
مرة واحدة حتى تساعدي أم الوليد وزينب. أم تريدين أن
أذهب أنا والدة العروس لمساعدتهما؟ وكذلك سمراء
التي تقضي وقتها في النوم منذ أيام ولا تجالس أحدا. ما
بالكن؟!
كانت سمراء في الغرفة تستمع للحديث وشعورها بالذنب
يعذبها. لقد أفسدت فرحة ريم بالتحضير لعرسها وشغلتها.
نهضت مسرعة وخرجت من الغرفة وهي تقول:
- اعذرينا يا خالتي. اذهبي أنت الآن لتخبري أم الوليد بأن
الزفاف سيتم في الموعد الذي تريده. ونحن سنكمل
تجهيز ريم اليوم ثم نذهب لمساعدة أم الوليد.
كانت زبيدة وريم ترمقانها بسرور وتتمنيان القفز اليها
واحتضانها لولا وجود فاطمة.
قالت فاطمة وهي تأخذ عباءتها:
- حسنا. سأذهب لأخبر أم الوليد بأن الموعد يناسبنا،
وبأنكما ستذهبان لمساعدتها.
بعد خروج فاطمة نظرت ريم لسمراء بامتنان ومحبّة وهي
تقول: - شكرا لأنك قطعت انعزالك لأجلي.
قالت سمراء وهي تشيح بوجهها كي لا تتدفق دموعها
حين تنظر في عيون رفيقتيها: - أعتذر لأنني شغلتك عن
زفافك وأفسدت فرحتك.
أخذت ريم يدها وهي تقول: - كي تعرفي مكانتك في
قلبينا أنا وزبيدة.
قالت زبيدة بسرور: - هيا لنكمل حديثنا في الدار فقد
يستيقظ زيد في أي لحظة.
تبعتها الفتاتان ودخلتا الدار ليجتمعن في البهو.
قالت ريم: - يجب أن نتحدث فيما حصل يا سمراء.
تغيرت ملامحها وقالت بانزعاج: - لا أريد الحديث عمّا
حصل. دعينا الآن نهتم بزفافك الذي لم يبقَ عليه سوى
أيام.
هتفت ريم بجزع: - كفي عن التصرف بعناد يا سمراء.
يجب أن نتحدث.
هتفت سمراء بغضب وقد افلتت دموعها وتتابعت بالسقوط
على خديها: - لا أريد الكلام. ألا تفهمين؟
وهنا عرفت الاثنتان مقدار ما يحمل قلب سمراء الغض
الرقيق من مشاعر لمصعب، فلا هما ولا غيرهما - سوى
مصعب - رأى دموعها منذ وفاة شقيقيها. وبكاؤها أمامهما
بذلك الشكل دلّ على مقدار الألم الذي تشعر به.
في الحال، طوقتاها بقوة وهما تبكيان وكأنهما تريدان
حمايتها من ذلك الألم والحزن الذي ملأ قلبها ما دفعها
لأن تجهش بالبكاء وتطلق العنان لدموعها.
حين هدأت قليلا قالت ريم مازحة وهي تمسح دموعها:
- لقد جعلك الحب هشة يا فتاة. صرتِ تبكين مثلنا.
لم تتمالك نفسها من الابتسام قليلا فقالت زبيدة أخيرا:
- سمراء.. أن يحبك بهذا الشكل، فهذا يعني أن حبه لي
لم يكن صادقا.
أطلقت سمراء ضحكة قصيرة ساخرة وتساءلت رافعة
حاجبيها:
- أن يحبني بهذا الشكل. وهل عرفتِ خلال تلك الدقائق
كيف وكم يحبني؟ كفي عن مواساتي فلست بحاجة
لشفقة أحد.
هتفت زبيدة بامتعاض:
- لا أشفق عليك بل أقول الصدق. لست ساذجة وأستطيع
تفسير نظرة الرجل للمرأة. ونظرته نحوك كانت صافية
لا تنطق سوى بالحب.
قالت سمراء بصوت مرتجف وهي تقاوم تلك الدموع
الخائنة التي خرجت عن سيطرتها:
- كتلك التي كان يرمقك بها؟
شعرت زبيدة بغصة ألم في صدرها وهي ترى حزن سمراء
فقالت بصدق: - كلا. أقسم بالله يا سمراء أني لم أرَ نفس
النظرة في عينيه نحوي.
بدأ عناد سمراء يخف واستمعت باهتمام فأكملت زبيدة
محاولة شرح ما تريد قوله بدقة:
- حين أحبني عمر رأيت في عينيه نظرة مختلفة عن التي
كان يرمقني بها مصعب. نظرة صافية كتلك التي رأيتها
في عيني مصعب نحوك.
مسحت سمراء دموعها واستمعت وقلبها يأبى إلا الارتجاف
كلما خرج اسم مصعب من بين شفتي زبيدة.
- لقد اختلطت نظراته نحوي بالرغبة والتحدي يا سمراء
وليس الحب. ربما الشوق لفتاة أراد امتلاكها بقوة لكنها
بقيت عصية عليه، لكنها لم تكن نظرة حب خالص
أبدا كنظراته إليكِ.
وقالت ريم تساند زبيدة: - لو رأيتِ حزنه وأساه حين
غادرت.
أشاحت سمراء بوجهها رافضة الاقتناع بكلام زبيدة
فقالت الأخيرة بامتعاض:
- ألا تعلمين ما هي مكانتك عندي؟! هل سأكذب
عليك وأدعك تزدادين تعلقا برجل أعرف أنه يحبني أنا
ولا يحبك بصدق؟! هل تظنينني أفعل ذلك؟!
رمقتهما باستغراب وقالت:
- تحاولان بشدةٍ إقناعي بصدق حبه لي، أليس هو السيء
المولع بالجواري كما وصفته لريم؟! ألم أنكما تشفقان
عليّ؟ الفتاة التي عاشت هاربة من أنوثتها وكارهة لها،
أحبت أخيرا كالحمقى بعدما جاء وغد كبير واستطاع
انتزاع جلباب الرجال الذي كانت تخفي كل أنوثتها
خلفه. أما والحال هذه، فلا يجب أن نخيب أملها في
اختيارها. يجب أن نشجعها على المضي في سبيلها ولو على
حساب كرامتها.
تنهدت زبيدة وقالت بحدة وحزم:
- لقد عشت مع مصعب وعرفته، وعرفنا أنا وريم أمس
تفاصيل قصتكما. لذا أقول بثقة أنه يحبك فعلا.
رمقتهما باستغراب: - من أين عرفتما؟!
قالت زبيدة وهي تخطف الرسالة من يد ريم لتمدها نحو
سمراء:
- من زوجة رفيقه نوار فهي صديقة مودة وصديقتي. وقد
جاءت مودة البارحة وسلمتني رسالة منه لك.
نظرت سمراء للرسالة بغضب وكادت تأخذها لتمزقها
لكن يد زبيدة المرتجفة كانت أسرع منها حين أخفتها
خلفها وهي تحدق بذهول بالطيف الذي اقترب منهن دون
سابق إنذار.

نهاية الفصل السابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:34 pm

الفصل الثامن

نظرت سمراء للرسالة بغضب وكادت تأخذها لتمزقها
لكن يد زبيدة المرتجفة كانت أسرع منها حين أخفتها
خلفها وهي تحدق بذهول بالطيف الذي اقترب منهن دون
سابق إنذار.
تبعت الفتاتان اتجاه نظرات زبيدة المضطربة وهما
تلاحظان اصفرار وجهها لتجدا عمر واقفا عند باب البهو،
موليا ظهره لهن. ساد الصمت ليفضح أنفاس زبيدة
المتلاحقة حتى قطعه عمر بصوت شابه غضب لم يخف
على مسامع زبيدة:
- السلام عليكم. عذرا، لقد ألقيت التحية حال دخولي
الدار بصوت عالٍ وظننت أنكن سمعتنني.
لم تجرؤ سوى سمراء على الكلام وهي تشير لزبيدة بأن
تهدأ قليلا: - عذرا منك يا أبا زيد إن لم نسمعك.
ما إن همت زبيدة بإعطاء الرسالة لريم كي تخفيها حتى
قالت سمراء - دون انتباه منها - ذلك السؤال الذي ظنت
أنها ستصلح به الموقف وتبعد الشك عن عمر لو كان
سمع اسم مصعب عند اقترابه:
- لما الوقوف عند الباب؟! ادخل يا اخي.
ازداد اصفرار وجه زبيدة وهي تقبض على تلك الرسالة
ويدها خلف ظهرها محاولة إخفاءها. لكن الأوان قد فات
فقد انصبت نظرات عمر بتلك العينين المحمرتين غضبا
على عيني زبيدة التي ارتجفت أطرافها فلم تعد تقو على
الوقوف فجلست.
شفتاها ترتجفان وصدرها ضاق بأنفاسها المتلاحقة
وعيناها متسمرتان على عمر الذي تقدم نحوها وجذب
تلك الرسالة بعنف من بين يديها.
شهقة صدرت عن ريم وسمراء بينما تسمرت عينا زبيدة
عليه.
قال بصوت جاهد كي لا يخرج صراخا: - دعانا وحدنا من
فضلكما.
استنجدت نظرات ريم المضطربة بسمراء تستجدي منها
المشورة فما كان منها إلا أن قالت بصوت ثابت بينما نظر
عمر في الرسالة: - إنها تخصني يا أبا زيد.
التفت الثلاثة نحو سمراء فأكملت وهي تمد يدها مطالبة
بها وعيناها تشيحان عن عيني عمر الذي حدق بوجهها
لأول مرة هكذا: - أريدها، من فضلك.
سألها وقد ترك جانبا دماثة الخلق التي يتميز بها:
- وما دامت تخصك، لماذا تمسكها زوجتي؟
تلعثمت كلمات سمراء وعجزت عن الرد أمام ثورة عمر
التي يحاول بالكاد السيطرة عليها فنطقت زبيدة أخيرا
بصوت مرتجف:
- دعها تأخذها وتذهب، وسأشرح لك.
تمالك نفسه بصعوبة بالغة كي يحافظ على حسن
تصرفه أمام ضيفتيه فناول سمراء الرسالة ونظره موجه
إلى الأرض فأسرعتا بالخروج من الدار.
بدأت زبيدة الحديث فقاطعها صارخا: - ماذا ستشرحين؟
جفلت ونظرت إليه وقد ارتجفت شفتاها إيذانا بدموعها
التي ستنهمر في اي لحظة.
راح يتحرك والغضب والغيرة يهيجان في نفسه كبركان
خمد لفترة وتفجر فجأة.
- أتشرحين ذكرك اسمه أم إمساكك بذلك الخطاب
الذي أمسكته يده أم إخفاءك الأمر عني؟ وتلك
الحمقاء مودّة، كيف تجرؤ على إيصال خطابه إليك؟
قالت وهي تقف وعيناها دامعتان: - ليس لي بل.. لسمراء.
عاد يهتف: - أعرف. فقد سمعت حديثكن حين اقتربت
من البهو.
أمسك كتفيها بقوة فأغمضت عينيها فأضاف بغضب:
- سمعتك وأنت تخبريها بمعرفتك والوثيقة به. وأنت
تنطقين اسمه بشفتيك بكل سهولة. وأنت تذكرين
تلك الأيام السوداء التي توقد فيّ نارا حارقة كلما
ذكرتها.
كما تعرف مقدار عشقه لها، تعرف أيضا شدة غيرته
عليها. هو لم يكن غيورا بشكل غير طبيعي إلا عندما
يتعلق الأمر بمصعب.
كان يتحدث بصوت مختنق بالغضب والغيرة وهو يضغط
دون وعي منه على ذراعيها حتى لم تعد قادرة على
الاحتمال فصرخت متألمة فتركها في الحال وتراجع
لينظر الى كفيها الذين يفركان موضع قبضتيه.
صوت بكاء زيد أنقذها فأسرعت نحو غرفته وهي تمسح
دموعها.
ضغط على صدغيه بأصابعه بقوة وتمتم غاضبا من نفسه
وهو يذكر منظر آثار أصابعه على بشرتها الناصعة التي
تحمر بسهولة.
" لا بد أنني آلمتها كثيرا. يا إلهي.. ارحمني من هذه النار
التي تستعر بداخلي كلما تذكرت ذلك الرجل "
مع أن عمر كان متعبا وذلك هو سبب عودته الى الدار
مبكرا، إلا أنه خرج ولم يعد حتى وقت متأخر من المساء.
وحال وصوله دخل الغرفة المجاورة لغرفته. ولشدة إرهاقه
فقد نام بسرعة رغم طنين الأفكار في رأسه.
نزلت دموع زبيدة حين سمعته يدخل الغرفة المجاورة. إنها
المرة الاولى التي يغضب منها هكذا ويهجرها.
ريم وسمراء اللتان لم تجرؤا على الاقتراب من الدار، كانتا
بغاية القلق على زبيدة. حاولتا معرفة أي شيء بسؤال
فاطمة عنها فقالت سمراء بينما كانت ترتب أغراض ريم
في الصندوق الذي سيُنقل لدار الوليد:
- لقد انشغلت وريم بتجهيز أغراضها فلم نَرَ زبيدة طول
اليوم.
قالت فاطمة دون أن يبدو عليها القلق:
- هي أيضا كانت مشغولة بزيد وبعض الاعمال في الدار.
غدا ستذهبين معها يا سمراء في الصباح الباكر لدار
الوليد كما اتفقنا (ابتسمت) انسي جولاتك الصباحية
في الصحراء وتفرغي لزفاف ريم فلم يبق لدينا سوى
ثلاثة أيام.
ابتسمت سمراء وقالت بمرارة لم تخف على ريم:
- اطمئني يا خالتي، لا مزيد من تلك الجولات فقد
اكتفيت من الصحراء.
قالت فاطمة وابتسامة عدم اقتناع على شفتيها:
- لا اصدقك. أنت عاشقة للاختلاء في الصحراء منذ
صغرك، ولن تتغيري.
قالت والحسرة في صوتها: - لقد اكتفيت من صحراء
بغداد يا خالتي. اشتقت لصحراء البصرة ولكل ما فيها. لو
يعود أبي سريعا!
غصة استحكمت نبض فاطمة وهي تفكر بتركها
البصرة والاستقرار في بغداد. لكن ماذا ستفعل غير هذا
ما دامت ابنتيها هنا؟!

دخلت زبيدة الغرفة التي نام فيها عمر. تقدمت منه بهدوء
وتأملته فتململ ثم فتح عينيه وكأنما شعر بعينيها
المسلطتين عليه.
همست بصوت متعب: - صباح الخير.
ابتسم كعادته حين يبدأ يومه برؤية وجهها الحبيب،
وهمّ برفع يده ليلامسه لكنه استعاد كامل وعيه فتجهّم
وجهه ونهض من فوره.
تبعته الى غرفتهما فوجدته يحمل ثيابه ويتجه الى
الغرفة المجاورة من جديد ونظرته تقول " لا تتبعيني! "..
حالما دخلت الفتاتان الدار، سألتاها في غفلة من فاطمة:
- ماذا حدث؟!
تنهدت زبيدة بجزع وأجابت وهي تحمل زيد كي تذهب مع
سمراء لدار الوليد: - تفجرت براكين غيرته وغضبه. هذه
أول مرة يهجرني فيها ولا يكلمني.
سألتها سمراء وشعور بالذنب ينتابها:
- هل يظنني كاذبة، وأن خطاب مصعب موجه لك؟
هزت رأسها نفيا: - بل يعرف أنه لك. كما عرف بأمرك
مع مصعب فقد سمعني حين كنت أؤكد لك أنه
يحبك.
اكتسى وجه سمراء بحمرة الخجل بينما تساءلت ريم:
- لماذا خاصمك إذن؟!
قالت والابتسامة تعلو وجهها ونظرات الشغف نحوه تسكن
عينيها رغما عنها:
- ثارت ثائرته لأنني ذكرت اسمه وأيامي معه، ولأنني
أمسكت خطابا مسّته يده.
تنهدت ريم بإعجاب وقالت بابتسامة: - كم يعشقك!
ألهذه الدرجة يغار عليك؟
قالت وهي ترمق سمراء بحذر: - فيما يخص مصعب، نعم
وأكثر.
لم تعلق سمراء وسبقت زبيدة الى الخارج ولسان حالها يقول
" أعذر عمر وأفهم ما يشعر به. فمع حبي الكبير لك يا
رفيقتي، تستعر النار في قلبي حين أفكر بأيامكما معا "
سؤال حذر أطلقته زبيدة بينما سارت مع سمراء الى دار
الوليد: - هل قرأت الخطاب أم مزقتِه؟
رمقتها سمراء بحزن: - بعد كل ذلك الخوف والقلق في عينيك بسببه.. لم أستطع تمزيقه. لم أرد أن يذهب ذلك بلا طائل.
أخفت زبيدة ابتسامتها وهي تفكر " حجة واهية يا
رفيقتي. لما لا تعترفين برغبتك ولهفتك لقراءة
كلماته؟ "
لم تسألها زبيدة شيئا آخر حين لمست منها رغبة بعدم
الكلام، فساد الصمت بينهما وعقل سمراء يردد كلمات
مصعب في ذلك الخطاب..
(أحجيتي، حبيبتي.. أرجوك اسمعيني بقلبك لا
برأسك العنيد. لا أنكر أنني تعلقت برفيقتك وتعذبت
وأنا أراها تذهب لرجل آخر. حاولت نسيانها بشتى الطرق
دون جدوى. اشتريت جارية رائعة لكنني كلما رأيتها بل
كلما رأيت امرأة قفز وجه زبيدة أمامي ساخرا متحديا
وكأنه يقول بأن نسياني لها حلم بعيد. حتى التقيت
بك.. فتاة سلبت لبّي من قبل حتى ان أرى وجهها. الوحيدة
التي لم تخطر زبيدة على بالي وأنا معها والوحيدة التي لم
اقارن ملامحها أو صفاتها بها. لقد ملكت قلبي وفكري
حتى صرت لا اطيق النظر لسواك وأهملت جاريتي
لأجلك. الأمر الذي لم أفعله لأجل زبيدة. اتخيل
وجنتيك المتقدتين غيرة الآن لأنني اتيت على ذكر
زبيدة، لكنني فعلت ذلك كي تعرفي ما أدركته أنا..
أدركت حين احببتك أن ما كنت أشعر به تجاه زبيدة لم
يكن حبا ابدا. ربما كان تعلقا بفتاة ليست ككل
الفتيات اللاتي قابلتهن سابقا. فتاة صدتني بشدة ورغبت
بامتلاكها بأي طريقة. فتاة أسمعتني لا لأول مرة. وزاد
جنوني أكثر حين اخبرتني أنها توهمت حبي وأنها لم
تحب سوى ابن عمتها، فعشت كذبة اسمها عذاب بعدها
عني وغيرتي عليها. لكن جاء عشقي لك كي يفتح
عينيّ على الحقيقة. أقسم أنني لم أعشق سواكِ يا سمراء
كما لم يفتح قلبك لغيري فلا تضيعي هذا الحب بأوهام
وكبرياء لم تخدش أصلا ولم تمس بسوء. فقط دعيني
أراك واتكلم معك فقد اشتاق كلي إليكِ)
مسحت سمراء دمعة صغيرة ترقرقت في عينيها قبل أن
تطرق باب دار الوليد التي وصلتا إليها.
الجميع في دار الوليد كان يعمل بجد لتجهيز الدار
للزفاف. وانهمكت زبيدة وسمراء في مساعدة زينب وام
الوليد. وحين كان يبدأ زيد بالبكاء، تحمله ام الوليد
وتعتني به وهي تدعو الله له ثم تتخيل اللحظة التي
ستحمل فيها صغار الوليد وريم.
قبل ذهاب زبيدة وسمراء، قالت زينب وهي تقترب من
سمراء:
- سلمت أيديكما. لقد أنجزنا اليوم الكثير من العمل.
أظن أننا سننتهي غدا من تجهيز كل شيء.
ثم همست لسمراء وهي تضع في يدها خطابا:
- هذا من أخي العاشق المشتاق. أوصليه لريم وانقلي لها
سلامي.
ابتسمت سمراء وارتجف قلبها وهي تتذكر خطاب مصعب
لها. لكن شتان بين الاثنين. هذا خطاب من عريس
لعروسه أما ذاك، فخطاب من عاشق يفصله عن حبيبته
عقبات ومسافات.
دخلت سمراء جناح الضيافة وهي تحمل خطاب الوليد.
أسرعت إلى ريم التي كانت تعد ثيابها وأغراضها استعدادا
لزفافها بعد الغد وقد تلألأت الدموع في عينيها.
اقتربت سمراء وألقت التحية ثم قالت بمكر:
- لدي ما يجفف دموعك ويزرع ابتسامة عريضة على
وجهك.
رمقتها ريم باستغراب وهي تمسح دموعها فناولتها الخطاب
وهي تقول: - من المتيّم بحبك.
ابتسمت وخطفت الخطاب بلهفة ثم جلست قرب النافذة
لتقرأ الخطاب. ابتسمت سمراء وهي تراقبها حتى التفتت
ريم نحوها وقالت:
- آه. نسيت إخبارك أن عمي إبراهيم وصل ظهر اليوم.
التفتت سمراء لتخرج من الجناح وتذهب للدار لكنها
تراجعت.
- لن أستطيع مواجهة عمر بعدما حصل أمس وما عرفه عن
علاقتي بمصعب. سأنتظر أبي حتى يأتي إلى هنا فأراه.
قالت ريم: - بعدما أنهي قراءة الخطاب سأذهب للدار كي
يأتي عمي إلى هنا. لا بد أنه متعب من السفر ويود النوم
باكرا.
بدأت سمراء تعد الفراش لوالدها فسألتها ريم:
- ماذا ستفعلين مع مصعب؟
غاص قلبها وهي تتخيل أيامها بدونه لكنها حاولت القول
بصوت ثابت: - لا شيء.
طوت ريم خطاب الوليد الذي أنهت قراءته وسألتها
بامتعاض: - ماذا تعنين بلا شيء؟ قد تعودين للبصرة خلال
أيام. هل ستتركينه مُعلّقا هكذا؟!
هتفت بحنق كعادتها حين تهرب من تهديد دموعها
بالسقوط:
- نعم سأتركه. وإن أردتما فأوصلا له قراري بعدما أغادر
كي لا يبقى معَلّقا.
قالت ريم بامتعاض: - على الأقل واجهيه للمرة الأخيرة
وأخبريه هذا القرار بنفسك. أم أنك تخشين أن تضعفي
أمامه؟
تنهدت سمراء بحرقة وبقدر ما فيها من ألم الشوق لمصعب
فاقتربت ريم وقالت: - فكري جيدا يا سمراء ولا تتسرعي
باتخاذ قرار ستندمين عليه بالتأكيد.
رمقتها بحدة فقالت ريم بثقة:
- نعم ستندمين. ما دمت تعشقينه لهذا الحد فلا بد أن
تندمي وتتعذبي لفراقه. لذا فكري قبل أن تظلميه
وتظلمي نفسك.
أشاحت بوجهها وأكملت ترتيب الفراش فخرجت ريم
لتنهار هي وتخرج دموعها التي لم تتوقف حتى سمعت
خطوات والدها تقترب.
أسرعت إليه تعانقه بقوة تلتمس الراحة بين ذراعيه
فضمها بحنان وقال بلهفة:
- كم اشتقت إليك يا ابنتي. كيف حالك؟
- اشتقت إليك وافتقدتك كثيرا أبي.
نظر لوجهها وقال مبتسما وهو يمسح دموعها: - يبدو ذلك
جليا من خلال دموعك. هل افتقدتني لهذا الحد؟!
أومأت مبتسمة وقالت وهي تأخذ عباءته:
- لا بد أنك متعب. هيا لتنام وترتاح من عناء السفر.
تلك الليلة في دار عمر، لم ينم ملء جفنيه سوى إبراهيم
المتعب من السفر وزيد الصغير. وظلت باقي العيون عصية
على سلطان الكرى.
فذلك يزفر بشوق بسبب وجه يأبى مفارقة عينيه. وجه
زوجته التي تقبع في الغرفة المجاورة له، تبكي هجره
ومعاقبته لها ولنفسه التي تعلم أنها تتوق لها وتتعذب
لفراقها لكن كرامته وبراكين غيرته التي لم تخمد
حتى الآن تأبى عليه إنهاء الخصام الذي يقض مضجعيهما.
وتلك تبكي ابنتها التي ستتزوج في الغد وتفارق حضنها
إلى دار زوجها. صغيرتها التي تتمدد قربها تبكيها أيضا
رغم فرحها بزفافها ولهفتها على عريسها.
وأخرى في جناح الضيافة، كم ذرفت من دموع وهي
جالسة قرب النافذة تحدق في السماء وطيف حبيبها الذي
ستفارقه بعد يومين يأبى الزوال من خيالها!
نعم ستفارقه بعد غد حين تعود إلى البصرة مع والدها.

أيمكن أن يجتمع الفرح وغصة الألم في قلب واحد؟!
ذلك ما حصل لسمراء وهي تعانق رفيقتها وتقول: - أجمل
عروس رأيتها.
قالت ريم بابتسامة: - لو رأيت زبيدة يوم زفافها لما قلتِ
هذا. كانت رائعة الجمال ومبهرة. (أضافت بمكر) كما
هي الآن.
ابتسمت زبيدة وهي تتذكر حديثها مع ريم ليلة أمس عن
خطتها لهذا اليوم..
- إلى متى سيطول خصامكما يا زبيدة؟ ألم تحاولي
مصالحته والاعتذار منه؟
قالت زبيدة بحنق: - رأسه أصلب من الصخر ونيران غيرته
تأبى الانطفاء. إنه يتجنب حتى النظر إليّ.
- وهل ستستمر هذه الحال طويلا؟!
ابتسمت زبيدة وبريق المكر يلوح في عينيها وقالت
بلهجة تحدٍ: - سأنهيها غدا يوم زفافك. سأري ذلك
الغاضب أنه لا يستطيع الصمود أمام مكري ودهائي حين
أقرر استغلالهما حتى النهاية..
ألقت زبيدة نظرة رضا على صورتها في المرآة فقد بذلت ما
في وسعها لتبدو بأجمل صورة اليوم وتلك كانت بداية
خطتها.
سمعت صوته الحبيب ينادي فاطمة فخرجت بعدما نشرت
شعرها المموج على ظهرها وأخذت نفسا عميقا.
لم يستطع عمر منع عينيه المشتاقتين من التحديق بها
فابتسمت وقالت بصوت امتزج فيه الشوق واللهفة بالدلال:
- أمي تجهز زيد. مُرني بما تريد.
" آه منك يا ابنة الخال. أتنوين قتلي؟! أكان الجمال
ينقصك كي تتزيني بهذا الشكل المؤلم لكل
حواسي؟ وفوق هذا تطيبت بالعطر الذي أفضله. لكنني
لن أنجرف وراء شوقي وشغفي "
أبعد نظره وهو يقول بخشونة جعلتها تبتسم:
- سيصل الموكب بعد قليل وسنكون باستقباله أنا والعم
إبراهيم.
اقتربت منه وهي تقول بصوت ساحر متعمدة نطق اسمه
بتك الطريقة التي تطيح بصوابه: - سلمت يا عمر. أنت
بمثابة الأخ لريم.
حار في أي الراءين أجمل، تلك التي في اسمه أم التي في
اسم ريم ثم جاءت لمستها الدافئة على رسغه لتجعله
يجفل شوقا ولهفة ورفضا للاستسلام في آن معا. أبعد يده
وهو يقول بحدة: - أبلغي النساء وتجهزن.
ثم استدار لينهل من جمالها تحت ستار تلك النظرة الحادة
وأكمل: - اجمعي شعرك وغطيه جيدا.
همست بلهفة وابتسامة عذبة تزين وجهها:
- بأمرك يا حبيبي.
كتم آهة لوعة وارتجف قلبه لهذه الكلمة التي لم
تطرق سمعه منذ ثلاثة أيام فأسرع مبتعدا عن سحرها وهو
يفكر " ماذا ستفعلين بي بعد يا حبيبة القلب؟ "
بكت ريم مفتقدة والدها في تلك اللحظات بينما كان
إبراهيم يسلمها لعريسها الذي كان يتوق للتحديق بوجهها
الذي لم تفارق صورته خياله منذ آخر مرة رآها فيها.
قال عمر بابتسامة عريضة لريم ولهجة تهديد للوليد:
- لو تجرأت وأغضبتها فستواجهني.
ضحك الوليد وابتسمت ريم وهي تقول لعمر بخجل:
- دمت لي أخاً.
كانت زبيدة تقف على بعد خطوات، غير شاعرة بنفسها
كيف تحدق بعمر وهو يتكلم ويبتسم بتلك الطريقة
حتى نبهتها سمراء:
- كفي عن التحديق بزوجك بهذا الشكل فبعض النساء
يرمقنك باستنكار.
انتبهت زبيدة لنظرات بعض النسوة المستنكرة وقالت بلا
مبالاة يرافقها مكر لمع في عينيها:
- فليذهبن الى الجحيم. إنه زوجي ويحق لي التحديق به
كما أشاء.
هزت سمراء رأسها بيأس وهي تبتسم بينما استمرت زبيدة
في التحديق بعمر حتى التقت نظراتهما فذاب قلبها وقفز
قلبه شوقا لكنه أشاح بوجهه عنها وهو يسير مع موكب
الزفاف.
رقصت زبيدة مع زينب وكانت كل حين تبتسم لريم
وهما تتذكران كيف كانتا ترقصان بمرح في دارهما
في البصرة. كم تغيرت حياتها خلال عامين!

تزاحمت المشاعر في نفس الوليد وهو يتأمل من خطفت
قلبه وقد صارت عروسه. ابتسم وهو يهمس لها بمكر:
- اشتقت لرؤيتك.
غطت وجهها وغرقت بالضحك وحمرة الخجل تعلو وجهها
وهي تتذكر ذلك اللقاء بينهما يوم زفاف زينب. اقترب
وأبعد يديها عن وجهها وهو يقول بتوق:
- ليس معك اليوم ثيابي كي ترميها إليّ وتهربي.
أشاحت عنه نظراتها وهي تقول:
- كف عن إحراجي يا وليد!
همس وهو يمسك وجهها بين كفيه: - لا حرم الله
الوليد منك يا عشقه.
وغرقت نظراتهما في عيني بعضهما وهما يحمدان الله
الذي جمعهما معا.

قبل أن يدخل ابراهيم وسمراء الى جناح الضيافة بعد
عودتهم جميعا من عرس ريم والوليد، قال لعمر:
- سنرحل قبل الفجر، فلأودعك منذ الآن. شكرا على
كرم ضيافتك يا ولدي.
عانقه عمر وهو يقول: - لا تقل هذا يا عمي. لقد أنرتم
داري، وأتمنى أن تنزل فيها كلما جئت لبغداد.
- بارك الله فيك يا ولدي. أستودعكما الله.
قال عمر: - في حفظ الله يا عمي.
بينما قبلت زبيدة يد إبراهيم وعيناها غارقتان بالدموع
فربت على رأسها ثم اتجهت نحو سمراء التي كانت تقف
على بعد خطوات منهم. عشرات الكلمات تزاحمت في
فمها لكنها لم تقل سوى كلمة يتيمة بصوت مرتجف:
- سمراء..
عانقتها سمراء وهي تقرأ حرجها وحيرتها في نظراتها ثم
أبعدتها وقالت بحزم رغم ابتسامتها:
- كفى! تعرفين أنني لا أحب الوداع.
تجرأت زبيدة وهمست: - ولهذا لم تفكري بوداعه.
هزت رأسها وقالت قبل أن تتجه نحو جناح الضيافة:
- انتهى الأمر يا رفيقتي. سأشتاق إليك.
دخل إبراهيم خلف سمراء الى دار الضيافة فدخل عمر
الدار وخلفه زبيدة تقول لفاطمة بنبرة توسل:
- هل من الضروري أن تعودي للبصرة؟ ألا يمكن لعمي
إبراهيم تولي أمر الدار وباقي أمورك العالقة هناك؟
قالت فاطمة بنظرة حنين:
- ومدينتي التي عشت فيها عمري كله وجيراني
وصاحباتي، أليس لهن عليّ حق وداعهن ما دمت سأتركهن
للأبد؟
أومأت زبيدة إيجابا وهي تقول: - لكن لا تتأخري في
العودة.
مع إصرار فاطمة على وداع زبيدة منذ الليل كي لا
تستيقظ لوداعها قبل الفجر، إلا أنها نهضت حالما سمعت
حركتها حين خرجت من غرفتها.
قالت فاطمة معاتبة: - لماذا استيقظت لوداعي؟ ألم
أودعك مساءً؟
فكرت بمرارة " وهل غمض لي جفن كي أستيقظ؟ "
منذ خاصمها عمر والنوم لا يزورها حتى تصلي الفجر وتعد
له الفطور ثم تنسحب عائدة لغرفتها قبل أن يخرج
ويرمقها بنظرة جفاء توجع قلبها.
- أراحلة الآن يا أمي؟
ضمتها فاطمة وهي تقول: - لن أتأخر في العودة إن شاء
الله.
راقبتها زبيدة وهي تخرج ولوحت لها بيدها وهي تذكر
يوم ودعتها وريم وغادرت الى بغداد قبل أكثر من عامين.
انقبض قلبها لوداعها ورحيل سمراء وهي على تلك الحال
فدخلت غرفتها وهي تبكي. سمعها عمر الذي جفاه النوم
أيضا فشعر بالقلق وخرج ليطمئن عليها.
حالما سمعت باب الغرفة يفتح، نسيت حزنها وفكرت
فقط بعمر فزادت من نحيبها وقررت استغلال الموقف كي
تنهي ذلك الخصام الذي طال وعذبهما معا.

نهاية الفصل الثامن

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:36 pm

الفصل التاسع

حالما سمعت باب الغرفة يفتح، نسيت حزنها وفكرت
فقط بعمر فزادت من نحيبها وقررت استغلال الموقف كي
تنهي ذلك الخصام الذي طال وعذبهما معا.
حاول إخراج كلماته بحدة: - لا داعي للبكاء. ستعود
خالتي قريبا إن شاء الله.
نهضت والتفتت إليه وهي مستمرة بإطلاق تلك الشهقات
التي اعتصرت قلبه وجعلته يفكر برمي كل شيء وراء
ظهره وأخذها بين ذراعيه ليواسيها.
وزادت الطين بلّة نظراتها المتوسلة المتلهفة وهي تسأله:
- أيهمك بكائي؟
يا للسؤال الغبي! أيمكن أن يوجع قلبه سوى رؤية عينيها
الباكيتين؟! بلى يوجد. غيرته من ذكرها لذلك
المصعب. احتدت نظرته وقال وهو يشيح نظره عنها:
- كفي عن البكاء كالأطفال. ستوقظين زيدا.
رمقته خفية تتوعده ثم قالت بصوت تصنعت خروجه
متقطعا بشهقات ألم: - إذن زيد فقط من يهمك لا أنا.
وزادت شهقاتها وتنفست بصعوبة فاصفر وجهه، وأمعنت في
لعبتها حين تظاهرت بالدوار وبحثت يداها بحركات
مضطربة عن شيء تتمسك به فأسرع يمسك ذراعها
فتشبثت بذراعيه وهي ترمقه بنظرة حزن ودموع سلبت
لبّه.
خرج صوته متهدجا بقلق: - ماذا بك؟!
لم تجد خيرا من شعر ابن الأحنف، شاعرهما المفضل
لتعبر بكلماته عما تريد قوله.
إلى الله أشكو إنه موضِع الشكوى
فقد صدّ عني بالمودّة من أهوى

لانت ملامحه لصوتها العذب وهي تلقي عليه الشعر ثم
قست وهو يتذكر سبب غضبه منها فأبعدها لكنها عادت
لتمسك ذراعيه وهي تسأله بحزن وعينين دامعتين
خلخلت أسوار الخصام التي ضربها بينهما:
- إلى متى ستهجرني يا عمر؟! أنت تحرمني حتى من النظر
لوجهك. لقد ذبلت روحي بسبب خصامك.
قال وقد أبى قلبه إلا إكمال الحديث معها والنظر لعينيها:
- وهل ظلمتك بغضبي منك؟!
قالت بلهفة وهي تصر على التشبث به وإفشال محاولته
للابتعاد عنها: - كلا. لكنك لم تعطني المجال حتى
للاعتراف بخطأي.
ثم أضافت بلوعة: - ترفق بقلبي يا حبيبهُ وعاقبني بما
تريد إلا بهذا التجاهل الذي يقتلني.
أفلت يديها وأولاها ظهره فعادت لمواجهته فهتف بحنق وهو
يقبض على ذراعيها بشوق وألم أحسته في لمسته كما في
عينيه:
- وماذا تظنين أنه يفعل بي؟ ألا يقتلني أيضا؟ ألا يذيبني
وجدا وشوقا إليك؟
أحاطت وجهه بكفيها وهي تقول: - انْهِ هذا الخصام
القاتل إذن وأعد الحياة لنفسك. أولستُ نفسك كما
تسميني؟ أم أنني لم أعد كذلك؟
رفض أن تتهمه بنقصان مقدار حبه لها فأحاط وجهها
بكفيه هو الآخر وهمس بلهفة وعيناه تمران على كل
جزء في وجهها بنظرات شغوفة:
- ويحك. أتشكين بحبي لك؟!
هزت رأسها نفيا وقد غزت دموع الفرح عينيها هذه المرة
ورمت نفسها بين ذراعيه وهي تحيطه بقوة كي لا يفكر
بالابتعاد عنها.
يبتعد؟! وهل يستطيع وقد أذابه وجودها بين ذراعيه؟
لكنه قاوم بصعوبة كي لا يضمها. نظرت في عينيه
الحبيبتين اللتين اشتاقت للغرق فيهما وهي تقول بسرعة
لتمنعه من مقاطعتها:
- أقسم أنني تفاجأت بذلك الخطاب. ولولا مكانة سمراء
في قلبي لما تدخلت وسلمته لها.
تشنج جسده وتقلصت ذراعاه تحت كفيها فعادت لتشرح
بكلمات مبعثرة وسريعة: - إنها حمقاء وستضيع حبهما
بسبب كبريائها الفارغة. كنت وريم نحاول إقناعها
بأنه..
زمّت شفتيها لتصمت وهي ترى شرارة الغضب تطل من
عينيه وقد أوقدها ضمير الغائب ذاك الذي عنت به
مصعب. رمقته بعينين ذابلتين وقالت:
- أنا أحاول شرح الأمر فقط، فلا تغضب أرجوك.
سحب شهيقا عميقا ثم قال بامتعاض:
- الأمر واضح ولا يحتاج لشرح. يكفي ما سمعته ذلك
اليوم.
ضاقت عيناه متسائلا وقد رتب بعض الحوادث في رأسه ثم
قال بهدوء مريب:
- منذ تلك الجولة في السوق مع ريم وسمراء وأنت
مضطربة. وحين سألتك عن السبب أخبرتني أنه شجار مع
سمراء. أخبريني، ماذا حدث يومها؟
تغير لونها وهربت بعينيها من نظراته التي تنذر بعودة
غضبه ثم قالت قبل أن تجيبه:
- أردت أن أخبرك بما حدث، لكن كيف يمكنني؟!
عرفت أن براكين غيرتك ستتفجر وستخاصمني.
قال بصبر نافذ: - أخبريني بما حدث دون مراوغة!
قالت بسرعة قبل أن تجبن وهي تشيح بوجهها عنه
وتتخيل مدى غضبه حين يعرف بلقائها مصعب:
- لم تخبرنا سمراء بعلاقتها معه ولم نكتشف الأمر حتى
رآها صدفة في السوق فجاء يكلمها. وعندها..
لم تكمل ودعت الله أن يهدأ غضب عاشقها الغيور.
وبالطبع فهم عمر أن ما أرادت زبيدة قوله هو اكتشاف
سمراء لتلك العلاقة المشؤومة التي ربطت زبيدة
بمصعب. بعد أنفاس عنيفة، هتف بحنق:
- أخفيتِ الأمر عني. أخفيت رؤيتك له ثم قمت بدور
الحمام الزاجل لتوصلي ذلك الخطاب اللعين منه إليها.
همست بصوت مخنوق: - لقد خفت. خشيت إخبارك.
راح يتحرك بخطوات غاضبة يحوم حولها وهو يقول
بحدة:
- رآك ثانية، وطيلة تلك الأيام كنت تتحدثين عنه
لتقنعيها بصدق حبه لها. وكأنك تعرفينه حق المعرفة.
اتقد غضبه فضرب الجدار بقوة وشعور القهر والغيرة
يأكله فخدشت يده. أمسكت كفه وهي تتوسل إليه:
- ترفق بي وبنفسك ولا تدع الغيرة تخنقنا معا.
قبض على كفها وهو يسأل بحدة ويزفر أنفاسا غاضبة:
- وتجرئين على مطالبتي بعدم الغيرة!
قالت وهي تتمسك بكتفيه: - بل أسألك الترفق بي
وإنهاء الهجر الذي فرضته عليّ بسبب غيرتك.
أولاها ظهره واستغفر فهمست ليخفق قلبه شوقا لصوتها
الهامس الذي حرم منه لأيام:
- أقسم أنني لن أخفي عنك شيئا ثانية. سامحني يا
حبيب القلب فقد أضناني الفراق. عيناي تتوقان لنظراتك
العاشقة التي تذيبني وقلبي يتوق ليجن نبضه حين تهمس
بحبك لي. هجرك يعني سحب الروح من جسدي يا عمر.
استدار بسرعة نحوها وقد ارتجفت أوصاله للألم والشوق
في صوتها وكلماتها فاحتضن وجهها بكفيه وهو يهمس
بلوعة وشغف:
- سلمت روحك يا روح عمر وعيناه وقلبه وحبَّ عمره.

تقلب مصعب في فراشه وهو يعد الأيام التي تلت إرسال
خطابه مع بارقة.
" لماذا تأخرت في الرد؟ أم تراها ردّت لكن زبيدة رفضت
إيصال الرد؟ أتراها تفعل ذلك؟ كلا، كلا. إنها رفيقتها
المقربة ولا يمكن أن تقف في طريق سعادتها نكاية
بي. كما أنني لم أؤذها كي تنتقم مني "
لكن عقله راح يعرض له أفعاله مع زبيدة حين أراد
إجبارها على التنازل عن حريتها والقبول بحياة العبودية،
مذكّرا إياه بأن ماضيه معها لم يكن مشرقا.
تنهد واستغفر وهو يمسح جبينه ثم فكر " لكن زبيدة
طيبة القلب ولا يمكن أن تفكر بالانتقام مني. إن لم
يكن من أجلي فمن أجل سعادة سمراء، فهي بالتأكيد
عرفت كم تحبني رفيقتها. لكن ربما خشيت أن يعلم
زوجها بالأمر؟ لكن.. كان يمكن أن ترسل لي الرد عن
طريق رفيقتهما الأخرى. أم أن سمراء ما تزال غاضبة
وقررت عدم الرد عليّ؟! "
وبينما كان غارقا في أفكاره كانت غرام تذرع غرفتها
مستشيطة غضبا وغيرة، تفكر بطريقة تعيد بها مصعب
إليها وتنسيه الفتاة التي سلبت قلبه. لكن كيف وقد
فشلت محاولتها لقتل تلك الفتاة؟ لقد كانت فارسة
شجاعة واستطاعت التغلب على الرجل الذي أرسلته إليها.
فكرت باستغراب " لم يعد مصعب يذهب في تلك
الجولات الصباحية في الصحراء معها حسبما أخبرني
الرجل الذي يراقبه. ومن يومها وهو غاضب ثائر المزاج.
تراهما متخاصمان؟! ستكون هذه فرصتي لإعادته إليّ.
لكنه يحبها. لن أنسى بريق عينيه وهو يذكرها حين
سألته عن الدم فوق ثيابه في ذلك اليوم حين جرحها
الرجل. كانت نظرة عاشق. لن أرحمها لو عادت إليه من
جديد. سأقتلها بيديّ "

تنهدت مودّة وقالت بحزم ترد على تساؤل بارقة عن سمراء
ومصير الخطاب الذي أرسله مصعب لها:
- أرجوكِ يا بارقة، أبقِني وزبيدة بعيدتان عن هذا الأمر.
يكفي ما لاقته المسكينة من غضب عمر حين سمعها
تتحدث الى سمراء عن خطاب مصعب. حتى أنا كانت
نظراته نحوي تصفعني وترسل عتبا غاضبا لي لإيصالي
ذلك الخطاب.
قالت بارقة بإلحاح وهي تذكر كلام نوّار عن الحيرة
التي يعيشها مصعب بسبب جهله أي شيء عن سمراء سوى
علاقتها بزبيدة:
- من حق مصعب أن يعرف ردها على خطابه. فقط أخبريني
أين يقع دارها ومن هم أهلها وهو سيتصرف.
لم تجد مودّة بدا من إخبار بارقة الحقيقة:
- لقد عادت لدارها في البصرة.
هتفت بارقة بحنق:
- ولماذا لم تخبريني منذ البداية أن الفتاة هنا في زيارة
وأنها تقطن البصرة؟!
هزت مودّة رأسها وهي تقول بامتعاض:
- كي تخبري زوجك فيخبر مصعب أنها ضيفة لدى
زبيدة وعمر. ربما حينها ذهب ذلك المتهور إلى دار عمر
ليراها. لكان عمر قتلني.
قالت بارقة: - معك حق فهو يغار على زبيدة كثيرا.
حتى أنا لا أجرؤ على
زيارتها في دارها بسبب علاقة نوار بمصعب. لكن
أخبريني، ألم تعرف زبيدة منها ردّ فعلها على ذلك
الخطاب؟ هل قرأته أم لا؟
- قرأته. تقول زبيدة أن سمراء تحب مصعب وتعرف كم
يحبها لكنها تضع كرامتها فوق كل شيء.
هزت رأسها بيأس وتساءلت: - لما هي عنيدة لهذا الحد؟!
ما إن عادت بارقة لدارها وأخبرت نوار بما قالته مودّة حتى
ذهب إلى مصعب مسرعا ليخبره بما عرف علّ حيرته تنتهي
مع أن سمراء صارت عنه بعيدة.
استقبلته عاتكة بابتسامة وهي تقول: - مرحبا بك.
ردّ لها الابتسامة: - عمت مساءا يا خالة.
- أحمد الله على مجيئك، فولدي لا يرتاح ويهدأ إلا حين
تزوره وتجالسه.
رفع حاجبيه وهو يفكر " لن يهدأ اليوم بل سيشتعل
غضبا. "
- تفضل. مصعب في البهو.
انفرجت أسارير مصعب حين أطل نوار واستقبله بعناق
كالعادة. تململ نوار في مجلسه حين سأله مصعب بلهفة
وترقب:
- هل من أخبار نقلتها زوجتك عن طريق صديقتها؟
أومأ نوار فقال مصعب بنفاذ صبر: - هيا أخبرني إذن!
تنحنح نوّار ومسح جبينه كعادته حين ينقل خبرا غير
سار فسأله مصعب بقلق: - ماذا هناك يا نوّار؟ تكلم.
- لقد قرأت خطابك. وحسبما أخبرت به زبيدة قريبتها
فهي متأكدة من حبك لها وهي تحبك أيضا لكنها
غادرت مع والدها إلى البصرة.
حدق به مصعب بصدمة وهو يردد متسائلا:
- البصرة؟! ماذا تفعل هناك؟ ومتى ستعود؟
رفع نوار حاجبيه وهو يعلن: - هي أساسا تسكن في
البصرة. وقد جاءت لبغداد مع والدها في زيارة لزبيدة.
هتف مصعب بامتعاض: - لهذا كانت غامضة وترفض
إعطائي أي معلومات محددة عنها. وأنا لم أرد أن أتعجل
الأمر فلم ألح عليها في السؤال.
سأله نوار: - ماذا ستفعل الآن؟
زفر بنفاذ صبر لكن شفتاه انفرجتا عن ابتسامة رغما
عنه وهو يذكرها:
- لطالما كانت أحجية، ولطالما استطعت في النهاية فكّ
رموزها.
ضاقت عينا نوّار وهو يسأله: - ما الذي تنوي فعله يا
صاحبي؟
ابتسم مصعب بمكر وهو يقول: - لست أنا من سيفعل.. بل
أم مصعب.

كم كان صعبا عليها قطع المسافة من بغداد إلى
البصرة. فكل شيء في الصحراء الفاصلة بينهما يذكرها
بمن هربت منه. رمالها وشمسها الساطعة وهواؤها اللطيف
في ساعات الصباح الأولى، كلها تعيد ذكرياتها مع
مصعب في تلك اللقاءات في الصحراء أمام عينيها.
سألتها فاطمة بقلق حين كانتا تجلسان في الخيمة عندما
توقفت القافلة للراحة:
- ما بك يا سمراء؟ لا تبدين بخير يا ابنتي.
رسمت ابتسامة على شفتيها وهي تقول:
- أنا متعبة. تعرفين أنني لست معتادة على السفر لمسافات
طويلة.
وما دامت المسافة طويلة بينهما، فلماذا إذن تشعر بمصعب
حولها في كل مكان؟
تمددت على الفراش واستسلمت للنوم بعد فترة ليست
بالقصيرة وصورته كالعادة تتراقص أمام عينيها.

دخلت ريم البهو واكتست ملامحها بالاستغراب وهي تنظر
في وجه تلك الزائرة التي أخبرتها ام الوليد أنها تطلب
مقابلتها، والتي لم تكن قد رأتها قبلا.
نهضت المرأة حالما رأت ريم واقتربت منها وعلى وجهها
ابتسامة ودودة تنبئ بمعرفتها بريم التي زاد استغرابها.
همست المرأة وهي تعانق ريم: - أنا بارقة رفيقة مودة.
عرفت ريم الغرض من زيارة بارقة فابتسمت بارتباك وهي
ترى نظرات أم الوليد المستغربة من برودة ريم تجاه تلك
المرأة التي أخبرتها أنها صديقة لها.
جلستا قرب بعضهما فخرجت أم الوليد كي تترك لهما
الحرية في التحدث مع بعضهما. قالت بارقة والحرج واضح
على وجهها:
- أعتذر عن هذه الزيارة الغير مرغوب فيها لكنني
مضطرة.
قالت ريم بتهذيب: - لا تقولي هذا. أهلا ومرحبا بك.
- نوار لا ينفك يشكو حال رفيقه ويطالبني بأن أقوم
بدور الوسيطة بينه وبين تلك التي سلبت قلبه ولُبّه. وأنا
لا أقوى على رفض طلب لنوار.
ابتسمت ريم وقالت: - وأنا أفعل ما أستطيع لتجتمع رفيقتي
العنيدة بمن سلب قلبها.
قالت بارقة بسرور: - نحن متفقتان إذن. فليكن تعارفنا
خيرا لذينك العاشقَين.

دخلت سمراء إلى الدار بعدما أنهت عملها في دكان
العطارة الذي تشرف عليه منذ خمس سنوات حين قررت أن
تعمل فيه كما كان شقيقاها يفعلان.
نادت والدها كالعادة حال دخولها الدار لترى إن كان قد
عاد من السوق أم لا فجاءها صوته من البهو:
- لقد عدت ومعي ضيوف. تعالي يا ابنتي.
عدلت عن خلع عمامتها عن رأسها وسارت نحو البهو وهي
تتساءل عن هوية أولئك الضيوف.
وجدت امرأة أربعينية جميلة تجلس بجوار رجل ممدد على
الأريكة وكأنه لا يقوى على الحراك.
كانت سمراء تحب مساعدة الناس من خلال عملها في
الأعشاب المعالجة، تلك المهنة التي عرفت الكثير
عنها منذ صغرها بسبب مرافقتها الدائمة لشقيقيها ثم
تولى زيد والد ريم تعليمها باقي أسرار تلك النباتات
العجيبة في مفعولها وتأثيرها العلاجي. لكنها اليوم
مرهقة ولم يكن أحب إليها من الخلود للراحة بعد يوم
شاق.
نظرت لذلك الرجل المستلقي وظهره الى الحائط وهي
تفكر " أستغفر الله العظيم. منذ متى وأنا أؤثر راحتي
على واجبي تجاه شخص يحتاج مساعدتي؟ هذا الرجل
المسكين كما يبدو أشد مني حاجة للراحة. ترى ما
الذي ألم به حتى يقصد دارنا في ساعة الغروب هذه؟ "
- السلام عليكم.
تقدمت وهي تلقي التحية فنهضت المرأة وهي تقول:
- وعليكم السلام. حمدا لله على وصولك. ولدي متعب
جدا ويحتاج مساعدتك يا ابنتي. لقد سمعنا أنك من
أمهر العاملين في الأعشاب المعالجة.
قال إبراهيم: - إنهما بانتظارك منذ مدة.
اعتذرت عن تأخرها: - كان لدي الكثير من الأعمال
اليوم في الدكان يا أبي.
ثم قالت وهي تجلس قرب المرأة:
- اطمئني يا خالة. سأرى ما به وأعمل ما في استطاعتي.
كل داء له شفاء بإذن الله.
قالت المرأة وهي تتطلع الى جسد ولدها المتعب:
- ونعم بالله.
نهضت سمراء ثم اقتربت من الرجل الذي تحرك ليستدير
بجسده نحوها فأطلقت شهقة حين تبينت ملامحه.
كما خفق قلبه بعنف حين سمع صوتها، يخفق الآن
بجنون وهو يلتهم ملامحها بشوق. كم يوم مرّ دون رؤيته
لها؟ آه من تلك الأيام الصعبة التي قاسى فيها الحيرة
والشوق والعذاب. ابتسامة صغيرة تراقصت على شفتيه وهو
ينظر للعباءة والعمامة الرجاليتين، زيها الذي لا ترتدي
غيره خارج الدار. حتى هذه اشتاق لها.
وكم قتله الشوق لرؤية عينيها الحبيبتين وهما ترسلان
النظرات الحادة كما تفعلان الآن! وكم اشتاق لسماع
صوتها! واشتاق لتلك الندبة التي زينت فكها الأيسر
بدل أن تشوهه. تلك الندبة التي تجعله يشتعل غضبا من
ذلك الذي حاول إيذاءها.
" ماذا يفعل هذا المجنون في داري؟ كيف يأتي مدعيا
المرض؟ لكنه يبدو متعبا حقا. إنه مريض بالفعل. "
لانت ملامحها ورقت نظراتها وهي تمعن النظر في وجهه
الحبيب فتراقص الفرح في عينيه. سألتها والدته آمنة
حين طال تحديقهما ببعضهما: - هل مرض ولدي خطِر؟!
انتبه الاثنان واستدارت سمراء نحو آمنة وقالت بارتباك:
- لم أحدد بعد ما سبب علته. يجب أن أعرف مما يشكو
أولا.
تكلم مصعب أخيرا بصوت متعب بالفعل:
- أشعر بحمى شديدة، كأنها تذيب عظامي فلا أقوى على
الحركة.
ارتجف جسدها وهي تسمع صوته الحبيب الذي اشتاقت
أذنها لسماعه وغزت الدموع عينيها وهي ترى تعبه بسبب
المرض. أومأت برأسها تستحثه ليكمل فلم تجرؤ على
الكلام وفضح نفسها بذلك الصوت الذي لا بد أنه
سيخرج مرتجفا.
- لدي أيضا بعض بقع مائلة إلى اللون الأخضر. لا أنفك
أشعر برغبة في حكها.
امتدت يدها المرتجفة لترفع كم ثوبه وتفحص بعين
خبيرة تلك البقع بينما كان يتأملها ويكتم ابتسامة
سرور عريضة. أخيرا، هي قربه من جديد!
قالت بعدما سيطرت على صوتها: - هذا مرض تسببه نبتة
صحراوية.
قال مصعب وعيناه تلمعان كما عينيها حين تذكرت
صحراء بغداد: - أحب الخروج الى الصحراء كثيرا.
تكلمت مع آمنة وهي تبتعد عنه:
- هذه النبتة تسبب المرض بمجرد لمسها وهي منتشرة في
صحراء البصرة. اغلب الناس هنا يعرفونها ويتجنبون
ملامستها.
قال إبراهيم يكلم مصعب: - لا بد أنكما غريبان عن
البصرة.
- نعم يا عم. نحن من بغداد لكنني جئت إلى هنا للتجارة
ورافقتني والدتي رغبة منها بزيارة البصرة التي سمعت
الكثير عنها.
كانت سمراء تشعر بنظرات المكر في عينيه مع أنها لم
تكن تنظر إليه.
" تراه أخبر والدته عنّا؟ يا لخجلي! يا له من مجنون! "
قال إبراهيم: - أهلا ومرحبا بكما يا ولدي. ستقيمان في
جناح الضيافة حتى تتعافى وتعودان سالمين إلى بغداد.
قال مصعب بامتنان: - سلمت يا عم.
- سمراء..
التفتت نحو والدها بينما رفت أجفان مصعب وهو يسمع
اسمها كلحن جميل، حتى مع خشونة صوت إبراهيم.
- هيا لتعدي العلاج لمصعب بسرعة فهو متعب.
نهضت وهي تقول: - سأذهب إلى الدكان كي أعدها
هناك وأجلبها معي.
اعترض مصب بسرعة ما جعل قلب سمراء وآمنة يخفق
خوفا من أن يشك إبراهيم في رد فعلة:
- هل ستخرج في هذا الوقت؟
انتبه لانفعاله ولنظرات إبراهيم المنصبة عليه فقال
مستدركا: - لا أريد أن تعرض نفسها للخطر بسببي.
ابتسم إبراهيم برضا فتنفست سمراء الصعداء.
- الطريق آمن إلى الدكان، كما أن ابنتي فارسة شجاعة.
كتم مصعب حسرة في صدره وخفض عينيه وهو يفكر
" وهل ستخبرني عما اختبرته بنفسي؟ "
والتقت نظرات الاثنين وهما يتذكران تلك المبارزة
بينهما.

كم من سؤال محير دار في رأس سمراء وهي تعد خلطة
الاعشاب المعالجة لمصعب بينما كان هو يتململ قلقا
عليها، ينظر من نافذة جناح الضيافة المطل على مدخل
الدار.
قالت آمنة بمكر: - تمدد وكف عن القلق فجسدك
متعب وأنت بحاجة للراحة يا ولدي. ألم يخبرك والدها
بأن الطريق آمن إلى دكانها؟!
قال وهو يتذكر الحادثة التي تعرضت لها على يد ذلك
المجهول: - ليس بيدي يا أمي.
جلست قربه وقالت بمكر: - أحسنت الاختيار. الفتاة
جميلة رغم هيأتها الغريبة.
ضحك وهو يتذكر التعبير الذي ارتسم على وجه أمه
لحظة دخول سمراء البهو فقد كان ينتظر بلهفة وفضول
معرفة ردّ فعلها على هيئة سمراء بتلك الثياب الرجالية،
لذا راقبها خلسة فرأى الدهشة في عينيها وانفراج
شفتيها.
قال بابتسامة ونظرات لهفة: - وهل شدّني نحوها سوى
تلك الغرابة في هيأتها وشخصها؟
لمحها وهي تتقدم نحو الجناح فابتسم وتخيل كم
الأسئلة التي تدور في رأسها حول مرضه ومجيئه إلى
البصرة.
طرقت سمراء الباب وقلبها يضطرب، وزاد اضطرابها حين
دخلت مع آمنة. مع أنها في دارها إلا أنها تشعر وكأنها
طرقت باب داره هو ودخلتها.
" ترى كيف هي داره؟ ".. شعرت بحرارة الغضب والغيرة
حين تذكرت أنه يملك جارية. لقد تهرب كثيرا حتى
أجاب على سؤالها عن امتلاكه الجواري أم لا، حين سألته
مرة عن الأمر.
حلّ الامتعاض محل الغضب حين رأت ابتسامته العريضة
ونظراته المسلطة عليها وراحت تكلم آمنة عن طريقة
استعمال خلطة العلاج متعمدة تجاهله حتى قالت:
- ولا تقلقي يا خالة فالمرض لا يعدي.
- أعرف الكثير عن المرض.
أسرعت بالالتفات إليه وقد اتسعت عيناها دهشة وغضبا
منه ولأجله. لم تستطع الاحتمال أكثر فاقتربت منه
بحجة إعطائه بعض النصائح للتخفيف من الحمى.
خرج صوتها مهتزا غضبا:
- يجب أن تبقى دون غطاء كي لا تزداد حرارتك. وأن
تبلل وجهك وكفيك باستمرار حتى تخف الحمى.
ابتسمت آمنة وهي تراقب حوار النظرات بينهما وابتعدت
بحجة جلب قطعة قماش مبللة لوضعها على جبين مصعب
وكفية كي تخفض حرارته.
زمّت سمراء شفتيها وهي ترمقه بحنق ثم سألته بهمس:
- ما معنى هذا؟! كيف أصبت بالمرض إذن ما دمت تعلم
عنه الكثير؟!
وبدل أن يجيبها همس وهو يرمقها بنظرات شوق أذابتها:
- كل ما فيّ تاق إليكِ.

نهاية الفصل التاسع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:37 pm

الفصل العاشر

زمّت سمراء شفتيها وهي ترمقه بحنق ثم سألته بهمس:
- ما معنى هذا؟! كيف أصبت بالمرض إذن ما دمت تعلم
عنه الكثير؟!
وبدل أن يجيبها همس وهو يرمقها بنظرات شوق أذابتها:
- كل ما فيّ تاق إليكِ.
ارتجف قلبها وهربت بنظراتها المضطربة. تراه اشتاق لها
أكثر مما اشتاقت هي لكل ما فيه؟ جنونه حين يتحداها
وهدوءه حين يستمع إليها، قوته حين يأمرها وضعفه حين
تهيم نظراته بها حبا.
قالت بصعوبة لتجعل صوتها حادا: - أجب عن سؤالي.
قال بمكر وعيناه تأبيان الحياد عن وجهها الحبيب:
- عرفت أنك تعملين في مجال الأعشاب، وعرفت مكان
دارك واسم أبيك..
اتسعت عيناها وأكملت عنه: - فتعمدت ملامسة النبتة
والإصابة بالمرض كي تدخل داري.
أومأ برأسه وابتسامة عنيدة لم يستطع السيطرة عليها قد
قفزت لشفتيه فزادت من غيضها فقالت بحدة دون ان ترفع
صوتها: - هل جننت؟ كيف تفعل هذا؟
همس بلهفة وابتسامة ماكرة متسائلا:
- أتخافين عليّ لهذا الحد؟!
أحقا يسألها؟! ألا يعرف أن قلبها لم يخفق خوفا وقلقا من
قبل على أحد بهذا الشكل سوى والدها وشقيقيها؟!
ابتعدت متجهة نحو الباب لتهرب وقالت لآمنة:
- استعملي له الخلطة كما علمتك وسأغلي له خلطة من
الأعشاب كل صباح ليشرب منها، وسيتحسن خلال أيام.
- جزاك الله خيرا يا ابنتي. سلمت يداك.
أومأت برأسها ثم خرجت. وأثناء مرورها قرب النافذة في
طريقها إلى داخل الدار، أطل مصعب برأسه من النافذة
وقال لها: - سلمت يداكِ أحجيتي.
لم تلتفت نحوه لأنها لم تكن لتقدر على قمع ابتسامتها
العريضة التي أنارت وجهها الذي لم يبتسم هكذا منذ
مدة. كم اشتاقت أذناها لسماع ذلك اللقب منه!
دخلت إلى البهو فسألها إبراهيم: - هل أكملت الخلطة
لضيفنا يا ابنتي؟
- نعم. وقد سلمتها لوالدته وشرحت لها طريقة استعمالها،
كما أنني سأغلي له بعض الأعشاب صباح الغد كي
تساعد في شفائه.
- سلمت يداكِ يا ابنتي. يجب أن نهتم به كثيرا فله
حقّان علينا كونه مرضيك وضيفنا.
أومأت إيجابا وهي تفكر: " أتوصيني به يا أبتي؟! "
ظلت سمراء تلك الليلة ساهرة تفكر في سبب مجيء
مصعب ومعه والدته إلى دارها بتلك الحجة، وما سيؤول
إليه أمرهما بعد تصرفه هذا.
" ما دام عرف مكان داري واختصاص عملي من إحدى
الحمقاوين، زبيدة أو ريم فلا بد أنه عرف مكان دكاني
أيضا. لماذا لم يسعَ للقائي هناك؟ لماذا اختار أن يدخل
داري بتلك الطريقة؟ آه يا مصعب! ما الذي تنوي فعله؟"
ثم قطبت جبينها وتقوست شفتاها حزنا حين تذكرت
كم كان متعبا بسبب المرض.
- أحبك أيها المتهور.
همستها وابتسامة جميلة على شفتيها، وقلبها يتراقص
فرحا برؤيته.
حين استيقظت سمراء من نومها كان والدها قد خرج إلى
السوق كما أخبرتها الجارية ليشتري بعض الحاجيات.
- هل جهزت الفطور لضيفينا يا (سمية)؟
- نعم يا سيدتي لكنني لم آخذه إليهما بعد. خشيت أن
يكونا نائمين حتى الآن فأقلق راحتهما إن طرقت عليهما
الباب.
- سأغلي بعض الأعشاب لتأخذيها للمريض مع الفطور. لا
بد أنهما استيقظا الآن.
جهزت الأعشاب المغلية لمصعب وأرسلتها إليه مع الجارية،
ولم تذهب بنفسها رغم قلقها الشديد عليه ورغبتها
برؤيته.
لم تذهب سمراء إلى الدكان كي تقوم بواجب الضيافة
لوالدة مصعب وتسألها عنه لكن بعد أن ينتهيا من
فطورهما، فهي تريد تأجيل لقائه والحديث معه قدر
استطاعتها.
بعد قليل جاءت سمية ومعها آمنة فوثبت سمراء واقفة ثم
أسرعت نحوها تستقبلها والحرج بادٍ على وجهها.
- أسعد الله صباحك يا خالة. تفضلي. كنت سآتي
لرؤيتك بعد أن تنهي إفطارك. لماذا أتعبت نفسك
بالمجيء إليّ؟!
قالت آمنة بابتسامة: - لا فرق يا ابنتي.
- أهلا بك.
- سلمتِ. لقد أردت التكلم معك ما دمنا وحدنا ووالدك
في الخارج.
خفق قلب سمراء وتساءلت عما تريده منها.
- سمراء.. ولدي أغلى ما لدي في الدنيا. صحيح أن لي
ثلاثة أبناء وابنة سواه لكن مكانته في قلبي مختلفة.
إنه أول فرحة سكنت قلبي وأول ابنٍ حملته بين ذراعي.
قالت سمراء بارتباك:
- لا تقلقي عليه. سيتحسن بعد أيام.
قالت آمنة بتوتر: - لا أتكلم عن مرض جسده بل قلبه.
خفق قلبها فأضافت آمنة دون مراوغة:
- لم أرَ في عيني مصعب سعادة حقيقية وبريقا كالذي
شاهدته حين أحبك.
احمر وجه سمراء خجلا وخفضت رأسها بينما أكملت آمنة:
- ولم أرَ أيضا حزنا وحيرة كالذين سكناهما حين
ابتعدت عنه. تعرفين، هذه أول مرة يفتح فيها قلبه لي
ويحدثني عن شيء خاص كهذا. مع أنني دائما أشعر بما
يعتمل في صدره من مشاعر. لا يعرف الأبناء ما تملكه
الأم من إدراك لكل ما يخصهم. شكرا لأنه بسببك
حدثني عما يثقل صدره.
كان لسانها منعقدا بالخجل. هي التي لم تتحدث يوما مع
أحد عما يجيش في صدرها من مشاعر خاصة أيّا كانت
حتى مع رفيقتيها، تجلس الآن لتسمع والدة حبيبها
تتكلم عن عشقهما لبعضهما.
جذبت آمنة يد سمراء فنظرت لها.
- لا يحب المرء بصدق سوى مرة في الحياة. مصعب أحبك
بكل ما فيه، وأنت أيضا. لقد رأيت نظراتك نحوه
ولهفتك عليه رغم غضبك منه. لا تضيعي هذا من أجل
أوهام في رأسك يا ابنتي.
تكلمت سمراء اخيرا بنبرة ألم: - ليست أوهاما فقد كانت
لها منزلة خاصة في قلبه وقد بقيت في داره لشهور،
وتعذب لأجلها شهورا.
ابتسمت آمنة برضا وقالت: - قلت لها مكانة خاصة ولم
تقولي أحبها. نحن متفقتان إذن أنه لم يحب سواكِ.
أرادت الكلام لكن آمنة سبقتها:
- أتعرفين ما كانت زبيدة بالنسبة له؟ كانت فاكهة
محرمة تاق للحصول عليها. كانت أول شيء أراده ولم
يحصل عليه. ربما هذه غلطتي لأنني دللته كثيرا ووالده
أيضا كان ينفذ له ما يريد فاعتاد الحصول على أي شيء
بمجرد أمر صغير يطلقه. وكانت زبيدة اول من وقفت
بوجه رغباته. لم يكن مصعب ليجبر أنثى على ما لا
تريد، لم يكن ليفعلها حقا وإن هدد بها لذا صور له
خياله أنه يحبها وزاد ذلك الوهم بعدما ظنت صديقتك
أنها تحبه. ربما لأنه اول رجل دخل حياتها عن قرب.
كانت نظرات سمراء مستغربة ومتسائلة فأوضحت آمنة:
- لقد عرفت تفاصيل علاقتهما من عاتكة، المرأة التي
ربته والتي تقيم معه في داره. لقد أخبرتني عن الأمر
حين كلم مصعب والده عن خطبته لزبيدة. كان جابر
معارضا للأمر لأن الفتاة بيعت كجارية وإن كانت ذات
نسب طيب معروف. لذا جاءت عاتكة تطالبني بالتدخل.
بقيت أقنع والده حتى وافق، بعدما عرفت أن الفتاة مناسبة
وتمنيت أن تغير مصعب للأفضل. أما انت فالأمر مختلف
معك. لم تكوني مجرد جسد اراد الحصول عليه. لقد
تعلق قلبه بك حتى قبل ان يرى وجهك. لقد هجر
جاريته لأجلك، لأن قلبه اكتفى بعشقه لك وعيناه لم
تعودا تريان غيرك ويده لا تريد لمس سواك. حين يفعل
الرجل هذا، يكون قد وصل إلى درجة كبيرة من العشق.
أضافت بنبرة مرارة رغم كلمات المزاح:
- شيء لم يفعله والده قط. لا تفرطي بحب كهذا يا
ابنتي.
نهضت آمنة لتغادر فلم تستطع سمراء قمع فضولها فسألتها
والحيرة تتملكها:
- لماذا لم يقابلني في الدكان، ودخلتما داري بحجة
مرضه؟ وكيف وافقته على تعريض نفسه للمرض؟
ابتسمت آمنة وهي تسمع لهجة القلق في صوتها فقالت وهي
تخرج: - اعرفي كل ذلك منه هو.
تنهدت وهي تعاود الجلوس في مكانها وفكرت " متى
ينتهي تشوش الأفكار هذا ويتوقف طنين الأسئلة في
رأسي؟! لابد من الحديث معه لكن عليّ الانتظار فأبي
سيعود للدار في أي لحظة "
يوم آخر وليلة أخرى. فضول أكبر وترقب وحيرة أشد..
وحل الصباح أخيرا وخرج إبراهيم إلى السوق ككل
صباح فأسرعت سمراء بتجهيز الأعشاب وأخذتها لجناح
الضيافة الذي طرقته بيد مرتجفة.
فتحت لها آمنة الباب والابتسامة على وجهها بينما ارتسم
الخجل على وجه سمراء وهي تذكر حديثهما صباح
الأمس.
- أحضرت الأعشاب المغلية.
أجابها صوته وهو ينهض: - سلمت يداكِ. أسعد الله
صباحك.
تأملها بإعجاب والابتسامة تعلو وجهه فهذه أول مرة يراها
بثياب الفتيات بدل العباءة وخمار جميل يغطي شعرها بدل
العمامة. أما هي فازدادت وجنتاها احمرارا تحت تأثير
نظراته التي عرفت سببها.
همست لها آمنة: - تحدثا لتنهيا الأمر يا ابنتي.
ثم جلست قرب الباب بعيدا عنهما كي تمنحهما حرية
الحديث.
تقدمت بخطى يربكها الشوق والتوتر ثم ناولته إناء
الأعشاب فهمس بلهفة: - مع شدة مرارتها فأنا سعيد بشربها
ما دمت حضرتها بيديك.
جلست على بعد كاف منه وقالت بامتعاض دون النظر
إليه:
- لو لم تتعمد الإصابة بالمرض لما احتجت لشربها. لماذا
فعلت ذلك؟! لماذا دخلت داري بتلك الحجة؟! كان
يمكن أن تأتي لدكاني لتكلمني، فلا بد أن الثرثارة
ريم التي أخبرتك عن عملي ودلتك على داري قد
دلتك على دكاني أيضا.
كانت سمراء متأكدة انه استدل على مكانها عن طريق
ريم. فزبيدة لن تتدخل في الأمر بأي شكل بعد غضب
عمر منها بسبب الخطاب.
ابتسم مصعب وهو يشرح ما حصل ليرضي فضولها:
- لن أنسى مساعدة ريم وزوجة نوار لي. كانت مفاجأة
كبيرة حين عرفت أنك تقطنين البصرة لا بغداد وأنك
عدت إليها. ولم تكن هناك وسيلة لمعرفة شيء عنك
سوى عن طريق صديقة بارقة. هي من دلتها على دار ريم
فذهبت إليها وطلبت منها مساعدتي في الوصول إليك.
كتفت يديها وقالت بحنق بينما كان قلبها يرقص فرحا
بما فعلته ريم:
- وما نوع المساعدة التي قدمتها تلك الثرثارة؟!
أطلق ضحكة خافتة وقال بصوت متعب:
- أخبرتها بارقة أنني أريد دخول دارك والتعرف على
والدك وليس لقاءك وحسب.. فأخبرتها عن مجال
عملك وأن الطريقة الوحيدة لدخولي دارك ولقاءك
ووالدك معا هي أن آتيكما كمريض يحتاج العلاج ثم
أخبرتها عن تلك النبتة والمرض الذي تسببه وأنه ليس
معديا ولا خطيرا لكنه متعب بسبب الحمى الشديدة التي
يسببها.
قالت باستغراب: - كان يمكن أن تدعي أنك مريض
وتحتاج مساعدتي.
- خشيت أن يكتشف والدك أنني أتمارض ويشك في
السبب.
قالت باستغراب: - لكن الحمى شديدة والمرض متعب.
أطلق حسرة لوعة وقال: - لن تكون أشد من نار فراقك.
رفّ جفناها فأشاحت بوجهها. وماذا عن نار فراقه؟! ألم
تكن تأكلها وتذوي قلبها؟!
همس وهو ينظر في عينيها: - كل ما اشعر به من تعب
يهون أمام وجودي قربك في دارك لأيام وأخذي الدواء
من يديك.
ويح ذلك القلب الذي كاد يفضحها بصخب خفقاته.
أيعرّض نفسه لكل هذا الألم من أجلها؟! ألهذا الحد
يحبها؟
أشاحت بوجهها وسألته بصوت مرتجف:
- ماذا بعد كل هذا؟ أحضرت والدتك معك ودخلت داري
وتعرفت إلى والدي.
قال مصعب محتجّا على سؤالها:
- وماذا سيكون سوى ارتباطي بك لآخر نفس من أنفاسي؟
مجرد تخيل نفسها زوجة له، أسرى ارتجافا في أوصالها
لكن عنادها أبى إلا الحضور كعادته فنهضت وساقاها
ترتجفان وأسرعت بالهرب قبل أن تفضحها دموع الشوق
والوله.

في المساء وبينما كانت سمراء وإبراهيم يتحدثان عن
افتقادهما لفاطمة وريم، دخلت عليهما الجارية سمية
وهي تقول بسرعة: - سيدتي، الضيفة تريد مقابلتك.
تقول إن ولدها ليس بخير.
هوى قلب سمراء خوفا وهبت واقفة وهي تقول: - أدخليها.
دلفت آمنة بسرعة وهي تردد: - ولدي ليس بخير.
أخذت سمراء خمارها وهي تقول: - سآتي لأراه. لا تقلقي.
وكيف لا تقلق؟! وماذا عن القلق الذي سيطر عليها هي
حتى بدا صوتها مرتجفا؟!
خرج الثلاثة مسرعين نحو جناح الضيافة والمرأتان
تشعران بوهن في سيقانهما قلقا على الغالي الراقد في
الفراش وقد اتقد جسده بسبب الحمى.
من حسن حظ سمراء أن المساء قد حلّ ولم يكن ضوء
القنديل كافيا ليرى إبراهيم الدموع التي تجمعت في
عينيها حين رأت مصعب ممددا في الفراش يرتجف بسبب
الحمى.
قال إبراهيم وقد اقتربوا منه: - سلمت يا ولدي.
لم يستطع حتى الرد على إبراهيم فزاد قلق سمراء بينما
قالت آمنة:
- لقد بدأ يتحسن فلماذا عاودته الحمى هكذا؟!
وضعت سمراء كفها الأيمن على جبينها تخفي به دموعها
ونظرات الفزع في عينيها عن والدها. وحين سيطرت قليلا
على صوتها قالت:
- أحيانا تكون الحمى قوية ولا تنخفض الحرارة إلا بشرب
عشبة معينة.
قالت آمنة بنفاذ صبر: - لماذا لم تعطها له من البداية
إذن؟!
قالت بصوت مضطرب: - لأنها تسبب نحولا كبيرا في
الجسم بعدما تنخفض
حرارته، لذا لا أعطيها للمريض إلا إذا ارتفعت حرارته
بهذا الشكل.
قال إبراهيم: - هل العشبة موجودة هنا أم في الدكان؟
- في الدكان يا أبي. لم أظن أن الحمى ستعاوده بهذا
الشكل فقد كان وضعه جيدا هذا الصباح.
- سأذهب بسرعة لإحضارها. فقط أخبريني ما اسمها.
انطلق إبراهيم وعيون سمراء وآمنة تترقب عودته بجزع.
وتشاركت الاثنتان في وضع قطع القماش المبللة على
جبين مصعب وكفيه وقدميه كي تنخفض حرارته ولو
قليلا حتى عودة إبراهيم.
فتح مصعب عينيه بصعوبة فرآها قربه بينما آمنة تبلل
قطعتي قماش أخريين لتضعهما على ساقيه. ابتسم وهو
يلاحظ لمعان الدموع على خديها وقد انعكس ضوء
المصباح على وجهها.
خرج صوته متعبا جدا: - ما دمت تحبينني لهذا الحد..
فلماذا تعاندين؟
مسحت دموعها ووضعت قطعة القماش المبللة على جبينه
فقال:
- أتخشين عليّ من الحمى ولا تخشين عليّ من ألم قلبي؟
جلست آمنة ووضعت قطعة القماش على ساقيه وهي تقول
بنفاذ صبر: - كفاك يا مصعب. يكفي ما فعلته
بنفسك لأجلها. لو كانت تحبك حقا فلن تستطيع
الابتعاد عنك كما لم تطق أنت ذلك. وإن كانت لا
تحبك فهي لا تستحق ما تفعله بنفسك لأجلها.
لم ترد سمراء فهي موقنة بصحة كلام آمنة. لقد قست
على مصعب كثيرا. ابتعدت وتركته حائرا دون جواب
منها على خطابه. وحين جاءها مع والدته وقد عرض نفسه
للمرض كي يدخل دارها وفي نيته التمهيد للزواج بها، لم
ترحمه أو ترحم قلبها الذي كان يذوب شوقا مع كلماته.
إلى متى ستتمسك بكبريائها الذي لم يُمس بسوء أساسا
على حساب سعادتهما؟!
قال مصعب معترضا بصوت خافت: - أمي..
فهتفت آمنة بحنق: - ماذا؟! بعد كل محاولاتك لم
تقابلك سوى بالعناد.
بدأت سمراء بكاءً صامتا وسط دهشتهما معا وأراد مصعب
الكلام فأشارت له أمه بالنفي، فأحيانا يجب أن نقسو على
من نحب كي نحتفظ بهم.

كان تأثير العشبة قويا وسريعا فقد انخفضت حرارة
مصعب بعد قليل، وظل إبراهيم وسمراء قربه حتى تحسن
قبل الفجر.
قالت آمنة حين نهضا ليعودا إلى الدار: - شكرا لكما.
لقد أزعجناك يا أبا حاتم.
- لا تقولي هذا يا أم مصعب. المهم أنه بخير الآن.
قالت سمراء وهي تنظر لمصعب الذي كان يغط في النوم
كي لا تواجه نظرات آمنة: - سيشعر بتعب شديد وسينام
طويلا. لا تقلقي فهذا بسبب العشبة، كما أن الحرارة
أنهكت جسده. يجب أن توقظيه ليشرب الماء باستمرار.
وانصرفت مسرعة وخلفها والدها متمنيا الشفاء لمصعب.
حل الصباح بعد ليل طويل لم تنم فيه سمراء سوى ساعة
أو اثنتين. وعند الظهيرة، أخذت الطعام الخاص الذي
أوصت سمية بإعداده لمصعب ثم توجهت إلى جناح
الضيافة. وكما توقعت، وجدته نائما.
ناولت الطعام لآمنة وهي تحييها فشكرتها ودخلتا
متجهتين نحو مصعب.
- يجب أن توقظيه يا خالة كي يتناول الطعام حتى يقوى
جسده على مقاومة المرض.
استيقظ بصعوبة وساعدته آمنة كي يتكئ على الجدار
وبدأت تطعمه بيدها فاستأذنت سمراء وخرجت لتهرب من
رؤيته بذلك الوهن أمامها.
أذلك هو مصعب القوي الذي انتصر عليها حين بارزها؟
أذلك هو مصعب الذي حملها كل تلك المسافة ليجلسها
قرب الواحة حين جرحها ذلك الغريب؟!
" كل ما يعانيه بسببي. لولا عنادي لما فعل هذا بنفسه.
يا لي من حمقاء "
في المساء، كانت جالسة تفكر في وضع مصعب. كم
تمنت الذهاب لرؤيته لولا خشيتها أن يشك والدها في
قلقها الزائد ولهفتها. لكنها قررت الحديث معه:
- أبي، لماذا لا نذهب لنطمئن على مصعب؟ لقد فزعت
ليلة أمس من حالته. هذه
أول مرة أرى هذا المرض يتفاقم إلى هذه الحالة، من بين
كل المرضى الذين أصيبوا به وعالجتهم.
قال إبراهيم: - الحمد لله أنه تحسن. هيا لنراه.
على الرغم من ذبول وجهه وعينيه الغائرتين، إلا أنه كان
أفضل حالا من الظهيرة حين رأته. تقدمت منه بعدما حمد
والدها له السلامة وجلس قربه.
- حمدا لله على سلامتك. كيف تشعر الآن؟
نظرة قصيرة التقت فيها عيناه المشتاقتان دوما بعينيها
القلقتين ثم قال بصوت متعب قليلا:
- سلمتِ. لم ينته الألم لكنني أفضل.
بدا الندم في عينيها فهي تعرف أنه يقصد ألم قلبه لا
جسده.
جلست قرب والدها وتجنبت النظر إليه فقال:
- سلمتما يا عم. أخبرتني أمي أنكما لم تتركاني ليلة
أمس حتى زالت الحمى عني.
- لا تشكرنا يا ولدي. المهم أنك تحسنت.
قال مصعب وهو يسترق النظر ليدي سمراء اللتين تعكسان
توترها وانفعالاتها دوما ليرى تأثير ما سيقوله عليها:
- وبما أنني تحسنت والحمد لله فسنرحل صباح الغد.
ما فاجأه أن لسانها من عبر لا يديها حين قالت بسرعة:
- لا يجب أن ترحل.
التفت الثلاثة نحوها فقالت بارتباك دون النظر في عيني
والدها: - يجب أن تبقى يوما آخر على الأقل، حتى.. تنتهي
أعراض المرض. خاصة أنك ستسافر في طريق طويلة.
لا يعرف مصعب كيف استطاع إخفاء ابتسامته وهو يرى
شحوب وجهها ويسمع اعتراضها الذي كان يدرك أن لا
علاقة له بمرضه. وابتسمت آمنة وهي تتبادل معه نظرة
خاطفة.
لم يشك إبراهيم في شيء فهو يعرف حرص ابنته على من
تعالجهم وكذلك بسبب حالة مصعب التي ساءت ليلة
أمس، فقال مؤيدا: - لا تتعجل الرحيل يا مصعب. فلتبقيا
ليوم أو يومين آخرين ثم ترحلا في حفظ الله.
استطاع مصعب أخيرا التنفيس عن فرحه بابتسامة ولو
صغيرة، حين قال لإبراهيم: - سلمت يا عم. لقد غمرتنا
بكرمك.
وهنا خطرت ببال آمنة فكرة وهي تتخيل ردّ فعل زوجها لو
أخبره مصعب أنه يريد الزواج بسمراء.
- رجوتك يا أبا حاتم.
خفق قلب الاثنين، مصعب وسمراء وهما يفكران بما
ستقوله آمنة. أتراها ستخطب سمراء منه؟
وثب إبراهيم في جلسته وقال بنخوة العربي الذي لا يرد
من يطلبه في شيء: - مُريني يا أم مصعب.
قالت آمنة وهي تتخيل استغراب ولدها وسمراء مما ستقوله:
- حاشا لله أن آمرك. إنه رجاء يا أبا حاتم أن تزورنا
وسمراء حين تذهبا لبغداد. دعنا نستضيفكما في دارنا
ونكافئ بعض كرمكما معنا.
قال إبراهيم: - الفضل لله يا أم مصعب. لو ذهبنا لبغداد
فسنزوركما.
قالت آمنة بإصرار: - هي دعوة يا أبا حاتم. يجب أن تزورانا
في أول رحلة قادمة لك إلى بغداد.
أومأ إيجابا: - سنفعل إن شاء الله.
قالت وقد زال غضبها من سمراء بعدما تحسن مصعب:
- لقد أحببت سمراء كثيرا وأرجو لقاءها قريبا.
فكر مصعب " ليس بقدر حبي لها يا أمّاه. "
قالت سمراء بابتسامة خجولة: - وأنا أيضا أحببتك يا
خالة.
فقال مصعب بقلب خافق لإبراهيم: - لقد شعرت هنا كأني
في داري وسط عائلتي.
تكلم إبراهيم بصوت متحشرج وقد عادت آلامه تعتصر
قلبه وكأن الأمر لم يحدث منذ سنين:
- وأنا أحببتك يا بني. مع أنك لا تشبهه في الشكل،
لكن شيئا ما فيك يذكرني بولدي الأصغر سالم رحمه
الله.
نظرت سمراء نحو مصعب كأنها تريد التأكد مما قال
والدها، فهي لم تلحظ من قبل شيئا كهذا بينما ظهرت في
عيني مصعب نظرة حزن وهو يتذكر أول مرة حدثته فيها
عن مقتل شقيقيها. قالت حين تنبهت لذلك الشبه
الصغير وكأنها تحدث نفسها وقد امتلأت عيناها بالدموع
وارتجفت شفتاها:
- إنهما حاجباه الكثيفان يا أبي وطريقة تقطيبه لجبينه.
أومأ إبراهيم برأسه ثم قال وهو ينهض وقد بان عليه
التأثر: - حماك الله يا بني وأطال في عمرك. تصبحان
على خير.
وأسرع بالخروج فتبعته سمراء وهي تودعهما.
سألته آمنة وقد أحزنها حالهما: - هل مات ولداه منذ مدة
قصيرة؟
- بل منذ سنوات. لقد قتلا على أيدي اللصوص وهما
يمنحان الفرصة لسمراء كي تهرب منهم. إنها تحبهما
بشكل يفوق الوصف يا أمي.
قالت آمنة بحزن وقد ملأ الفضول نظراتها:
- فليرحمهما الله. أيكون سر ارتدائها لثياب الرجال هو
حبها الشديد لأخويها؟ أي أنها تقلدهما في الملبس؟!
رفع مصعب حاجبيه وقال دون إفصاح: - شيء مثل هذا.
هزت رأسها بيأس: - كم تشبه أباك حين لا يرضي
فضولي في بعض الإجابات!
جلس قربها وهو يقول ناظرا إليها بتمعن والحنق يلوح في
عينيه:
- أنت من يجب أن ترضي فضولي وتخبرني. ما سر طلبك أن
يزورنا العم إبراهيم وسمراء في بغداد. كنت أظن أنك
ستقنعين أبي بخطبتي لسمراء حال وصولنا لبغداد. تخبريه كم هما طيبان وكم هي فتاة رائعة ومناسبة لي
ثم نعود إلى هنا معه لخطبتها. ستطيلين انتظاري بتلك
الدعوة التي وجهتها لهما. وما أدراني بعد كم من الوقت
سيسافر العم إبراهيم لبغداد فيزورانا.
لوت آمنة شفتيها وهي تراقب مصعب ثم قالت حين صمت:
- هل أنهيت كلامك؟ اسمعني إذن.

جلست زبيدة عن يمين فاطمة وريم عن يسارها وقد
اجتمعتا بها كعادتهما كل صباح في دارها الصغيرة التي
تقع قرب داريهما. تبادلن الأحاديث حتى نهضت فاطمة
وهي تحمل زيدا لتطعمه الحساء الذي صنعته له. همست
ريم لزبيدة:
- هل سمعتِ أخبارا عن سمراء ومصعب عن طريق مودّة؟ ألم
تخبرها بارقة بشيء عنهما؟
- عرفت من مودّة أنه سافر إلى البصرة مع والدته منذ ما
يقارب الأسبوعين. لا شيء آخر حتى الآن.
ابتسمت ريم وهي تذكر زيارة بارقة لها وقالت:
- تفعل بارقة كل ما يطلبه منها زوجها. تزور امرأة لم
تلتقيها قبلا وتضع نفسها في موقف محرج، فقط لتعرف
أخبار محبوبة رفيقه.
قالت زبيدة وقد تعكر صفوها قليلا بذكر نوّار:
- إنها تعشق متجهم الوجه ذاك.
ضحكت ريم وسألتها: - أما زلت تذكرين وقاحته معك
ولسانه السليط؟
قطبت زبيدة جبينها تفكر ثم قالت بابتسامة:
- لقد صارت مجرد ذكريات مزعجة لفترة من حياتي.
- عمر!
قالتها ريم بعد شهقة فزع فانتفضت زبيدة واقفة وقد
استحال لون وجهها المشرب بحمرة كثمرة الليمون.

نهاية الفصل العاشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هل يخفق من جديد؟ الجزء الثاني من متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 9:38 pm

الفصل الحادي عشر

قطبت زبيدة جبينها تفكر ثم قالت بابتسامة:
- لقد صارت مجرد ذكريات مزعجة لفترة من حياتي.
- عمر!
قالتها ريم بعد شهقة فزع فانتفضت زبيدة واقفة وقد
استحال لون وجهها المشرب بحمرة كثمرة الليمون.
أطلقت ريم ضحكة عالية وهي ترى فزع زبيدة بسبب
كذبتها بينما ظلت زبيدة تتنفس بصعوبة وقد تسارع
نبضها خوفا.
وحالما استردت رباطة جأشها، انهالت على ريم بالضرب
والأخرى غارقة بالضحك وهي تقول:
- كم أنت جبانة! ترتجفين خوفا حين تلمحين فقط
لمصعب دون ذكر اسمه حتى. ألم تفكري بأن عمر لا
يمكن أن يدخل دار أمي دون استئذان؟
دخلت فاطمة وهي تقول بابتسامة رغم كلمات
الاحتجاج: - متى تكبران أيتها الطفلتان؟! أتتعاركان
حتى الآن؟
جلست زبيدة بعيدا عن ريم وهي ترمقها بحدة وقالت:
- هي من تتصرف كالأطفال وتغضبني.
وضعت فاطمة زيدا في حجرها وجلست أمامهما. تأملتهما
فدمعت عيناها وهي تتذكر مشاحناتهما المستمرة حين
كانتا صغيرتين بالرغم من حبهما الشديد لبعضهما
وانسجامهما معا. عرفتا ما تفكر فيه فعانقتاها معا.
- لا حرمني الله منكما يا غاليتيَّ ولا فرقنا ثانية.

أصغى مصعب لوالدته وهي تشرح له سر دعوتها لسمراء
ووالدها: - لو ذهبت لوالدك وأخبرته أنك تريد خطبة
فتاة عرفتها لأيام فقط وهي من بلدة بعيدة كالبصرة،
فماذا تظن أنه فاعلا؟
ردّ مصعب بثقة: - سيخطبها لي بعدما يسأل عنها هنا
ويتأكد من حسن اختياري.
هزت آمنة رأسها نفيا وقالت بابتسامة:
- بالتأكيد هو لن يوافق، خاصة بعد تجربتك مع زبيدة.
لا بد أنه سيتهمك بالتسرع في قرار مهم كالزواج. أم
أنك تريد إخباره بمعرفتك بها وحبك لها؟ عندها
سيصر على الرفض لأنه ما عاد يثق في اختيارات قلبك.
سألها وهو مقتنع بصدق ظنها: - وما الرأي إذن؟
قالت بابتسامة: - سيتعرف على سمراء وأبيها حين
يمكثان في ضيافتنا وسيعجب بهما، فهما يملكان من
الطباع ما يحب والدك، وحينها يكون الأمر أسهل.
سألها ونظرة إعجاب بذكائها في عينيه:
- ومتى خططت لكل هذا؟
- فجأة فكرت بأن والدك سيرفض، فخطرت ببالي هذه
الطريقة لجعله هو من يفكر بخطبتها لك.
ابتسم وهو يذكر كيف خطرت فكرة المبارزة وشرطها
بينه وبين سمراء على باله في لحظات، حتى يستمر في
رؤيتها والحديث معها فقال لوالدته:
- ما أشبهني بك يا أم مصعب في سرعة تدبير الأمور!
ارتسمت ابتسامة رضا على وجهها بينما قبل مصعب يدها.
في الصباح التالي، استعد إبراهيم للخروج. نادى سمية
وطلب منها أخذ الفطور لضيفيه ثم سأل سمراء:
- هل جهزت الأعشاب لمصعب؟
عرفت أنه يريد إرسال الأعشاب مع سمية فقالت كاذبة:
- ليس بعد. لقد نسيت إضافة عشبة جديدة إليها كي
تساعد في تخلصه من المرض تماما.
- حسنا، أعديها إذن وأرسليها مع سمية. سأذهب إلى السوق
لأنهي أمرا مهما.
- رافقتك السلامة يا أبي.
ما أقوى تأثير الكلمة! فكلمة قد تدخلنا الجنة وأخرى
قد تبعدنا عنها والعياذ بالله.. كلمة حقّ في شهادة قد
تنقذ شخصا وأخرى باطلة قد تقضي عليه.. كلمة قد
تحيي قلبا وأخرى قد تقتل مشاعره.
ويا لتلك الكلمة التي أطاحت بقلبه أسيرا للشوق حين
قرأها مع أنه كان يعرفها!
لم تستطع سمراء مواجهة مصعب وقول ما في نفسها وقلبها
فكتبت له كلمة.
كلمة وحيدة على ورقة دستها تحت إناء الأعشاب الذي
وضعته عند نافذة جناح الضيوف حيث ينام ويجلس دائما
حتى يجدها بسهولة.
لمحتها آمنة حين وضعت كأس الأعشاب خلسة وهي
تحرص على عدم رؤيتهما لها فقالت لمصعب الذي كان
يهم بالخروج لاستنشاق الهواء في حديقة الدار المحيطة
بالجناح:
- وضعت سمراء كأس الأعشاب عند النافذة وهربت.
قطب جبينه واستدار عائدا فقالت آمنة: - أعانك الله
عليها. تلك الفتاة عنيدة.
أسرع إلى النافذة لاحتساء تلك الأعشاب التي لا يستسيغ
طعمها. لكن ما دامت من صنع يديها فخاطره يطيب
بشربها. حمل الإناء ليتفاجأ بتلك الورقة الصغيرة.
فتحها وقلبه يخفق ترقبا لما كتبته له فيها.
قالت آمنة بمكر وهي تراقب ملامح مصعب والابتسامة
التي شقت وجهه:
- لم يعد وجهه يتسع لابتسامتك بُنَيّ. ماذا هناك؟
ناولها الورقة فحدقت بها آمنة وأطلقت ضحكة عالية ثم
قالت: - أضف لكونها عنيدة أنها مجنونة.
تنهد مصعب بشوق وهمس: - أجمل مجنونة.

ما أصعب أن ترى أحلامك بين يديك، قريبة لكنك لا
تستطيع لمسها. هكذا شعر مصعب وهو يقف في بهو دار
إبراهيم لحظة وداعه وأمه له ولسمراء.
زال الخلاف بينهما كما أعلنت كلمة " أحبكَ " التي
كتبتها له على تلك الورقة التي احتفظ بها، وعلاقة
طيبة ربطته بوالدها.
ومع هذا كان عليه المغادرة وتركها خلفه ثم انتظار
سفرها ووالدها لبغداد ثم طرح والدته فكرة خطبة
سمراء التي من المحتمل جدا أن يوافق عليها إبراهيم دون
اعتراض فقد أعجب بمصعب كثيرا.
قال مصعب بعدما عانق إبراهيم:
- غمرتنا بحسن ضيافتك يا عم إبراهيم حتى شعرنا
وكأننا في دارنا.
ربت إبراهيم على كتفه وقال: - حفظك الله يا مصعب.
لم أفعل شيئا.
عانقت آمنة سمراء ثم قالت: - سأشتاق لك يا ابنتي.
أتمنى أن نراكما قريبا في بغداد. شكرا لكل ما فعلته
يا أبا حاتم.
- رافقتكما السلامة يا أم مصعب.
لم يستطيعا حتى إطالة النظر لبعضهما فاكتفيا بنظرة
خاطفة جمعت حزن الفراق والشوق والأمل بلقاء قريب.

حال دخول مصعب داره وسماع غرام صوته، أسرعت بتغيير
ثيابها وتزينت ثم اتجهت إلى غرفته التي سمعت خطاه
تتجه إليها.
- حمدا لله على سلامتك يا حبيب الروح ومعذبها.
قالتها وهي تتقدم نحوه بخطى يربكها الشوق. عانقته
بقوة فربت على ظهرها ثم أبعدها بلطف ليقول بابتسامة
جميلة وهو يلامس خدها:
- سلمت روحك يا غرام. كيف حالك؟
قالت بهيام وحزن: - وكيف يكون في بعدك؟ لا يهنأ
لي العيش دون وجودك ورؤياك، حتى وإن كنت تحرمني
قربك وتقطع وصلك.
شهيق عميق ثم قال ردا على عتابها ونظرات الألم في
عينيها: - غرام، أنت امرأة رائعة. فاتنة وساحرة..
لم يكمل كي لا يجرح مشاعرها فهو يعي تماما كم
تحبه وتغار عليه.
التمعت الدموع في عينيها حين سألته ما تعرف جوابه:
- لماذا هذا الصد والجفاء إذن؟! لقد أضنيتني بهجرك يا
حبيبي.
أمسك كفها الذي تاق للمسة منه فارتجفت.
- لا أريد أن أظلمك. أعرف كم تحبينني لكن..
نفت وهي تحيط وجهه بيدين مرتجفتين:
- لا تعرف! لا تعرف كم يحمل لك هذا القلب الأحمق
من هوى مجنون يضيق به صدري. لا تعرف كم أقاسي
بسبب هجرك لي. كم شهر مرّ وكم يوم وأنت تتلف
روحي بهذا الصد؟! ألا تضع نهاية لعذابي هذا؟
قال بعدما قبل جبينها: - لن أظلمك معي أكثر لذا سأ..
أسكتته بوضع كفها على شفتيه كي لا يكمل تلك
الكلمة وقالت وهي تقاوم البكاء:
- أتقابل حبي لك بالموت؟! بنفيي وإبعادي عنك؟! ألا
تظن ذلك ظلما لي؟!
آذى قلبه رؤيتها بهذا الشكل فقال وهو يمسك يديها
ويجلسها ليجلس قربها:
- افهميني يا غرام فأنا لن أكون لك، ليس الآن ولا فيما
بعد.
اظلمت نظراتها وتمنت تلك اللحظة لو تمزق سمراء
بيديها. ألهذه الدرجة يحبها ولا يطيق التفكير حتى
بلمس امرأة غيرها؟!
راحت تنفث زفرات مضطربة حارة وعقدت عزمها على ألا
تسمح لمصعب بالتخلي عنها ونفيها من حياته لأجل
حبيبته. ما دامت فشلت في إعادته لها فعلى الأقل لن
تفشل في البقاء قربه. ستمنعه من إبعادها بأي طريقة.
قالت ودموعها تنهمر وتزيده حزنا عليها:
- أعرف أن هناك امرأة في حياتك.
لم يتفاجأ مصعب، فمن الطبيعي أن تفهم السر وراء تغيره
معها وإن أخفت معرفتها به. قالت متوسلة وهي تحيط وجهه
بكفيها:
- لكن هذا لا يجعلك تبعدني عنك وتنفيني من
حياتك. أبقِني قربك، فالبعد عنك هو الموت نفسه.
يكفيني قربي منك ورؤية وجهك الحبيب كل يوم،
وأعدك أنني لن أشكو هجرك لي مجددا.
لم يستطع أمام توسلها سوى القول: - كما تريدين.
عانقته بسرور وهي تقول: - سلمت روحك يا روح غرام.
خرجت مسرعة من غرفته لتعد له الطعام وهي تعد
الخطط في رأسها للتخلص ممن سلبته منها، وتلك غافلة
تجلس في حديقة دارها في البصرة. تنظر نحو جناح
الضيافة الذي شهد ذكرياتها مع مصعب وهي تبتسم
وتدعو الله أن يجمعها به.

كان نوار متلهفا لمعرفة ما آل إليه حال مصعب وسمراء
بعد ذهابه إليها، شأنه شأن زبيدة وريم فكل منهم ينشد
السعادة والراحة لرفيق العمر.
حين أقبل مصعب عليه بتلك الابتسامة التي تعكس
سعادته، احتضنه نوار بقوة وهو يقول:
- حمدا لله على سلامتك.
- سلمت يا صاحبي.
- هل أتعبتك الحمى؟ لقد نحل جسمك قليلا بسبب
المرض.
قال والسرور يضج في صوته ونظراته: - نسيت كل ذلك.
قال نوار وهو يتأمله بمكر: - وجهك ينبئُ بأن رحلتك
لم تذهب سدى.
جلس وقال بحماس وابتسامة عريضة: - لا أعرف كيف
أشكر زوجتك لما فعلته. لولا ذهابها لصديقة سمراء لما
استطعت الوصول إليها.
قال نوار مازحا: - فعلت ذلك من أجلي لا من أجلك فقد
أرهقت مسامعها بالحديث عن شقائك بسبب أحجيتك.
أطلق مصعب ضحكة عالية ثم قال:
- لك كل الشكر إذن يا صاحبي.
قال نوار بنفاذ صبر: - دعك من الشكر الآن وأخبرني بما
حدث في رحلتك.
تألقت عيناه وهو يستعرض تلك الأحداث في فكره
ويتذكر تلك الورقة والكلمة التي خطتها سمراء فوقها
بخط يصف اضطراب يدها.

أكان نبض قلبٍ أم قرع طبولٍ ما دوى في صدريهما لحظة
التقيا في دكانه؟
لحظات سكون ونظرات غلبت عشرات الكلمات. أحقا
تقف أمامه أخيرا؟ أسرع نحو إبراهيم يعانقه بحفاوة وهو
يقول: - اشتقت إليك يا عم إبراهيم.
قال إبراهيم بابتسامة: - وأنا كذلك يا ولدي. كيف
حالك؟
لم يجرؤ على الالتفات إليها وسؤالها عن حالها كي لا
يفضحه انفعاله فاكتفى بسؤال إبراهيم عنهما معا:
- أنا بألف خير. كيف حالكما أنتما؟ متى وصلتما
بغداد؟
- نحن بخير. لقد وصلنا قبل يومين.
همّ مصعب بسؤاله عن سبب تأخرهما في المجيء إليه
لكنه عدل عن ذلك حين تذكر الصلة بينهما وبين
زبيدة. لا بد أنهما أمضيا اليومين الماضيين معها ومع أختها
وأمها.
لم يفُت سمراء ذلك التساؤل الذي مات على شفتيه اللتين
انفرجتا ليتكلم، وعرفت أنه خمّن الإجابة فعدل عن
السؤال. لم تظن يوما أنها ستغار من زبيدة وبسبب رجل.
نعم تغار حين تتذكر أنه يوما تعلق بها. اشتاق لها وتمنّاها
زوجة له وخطبها.
قبل ثلاثة أسابيع، حين سألها إبراهيم وهما يتناولان
الغداء: - هل ترغبين بمرافقتي لبغداد؟
ترغب؟ وهل كان لها هاجس وسبب للصبر على فراق
مصعب سوى تلك الرحلة؟
حاولت عدم إبداء الحماس والاهتمام فقالت وهي تنظر
لطعامها: - ما رأيك يا أبي؟ هل أذهب؟
- هذه أول مرة سأسافر فيها بعد مغادرة فاطمة وريم
للبصرة. لم أكن أحمل همّ تركك لوحدك فقد كنت
تذهبين للمكوث في دار فاطمة. أما الآن فأنا قلق عليك
ولا أرغب بتركك وحدك.
قالت مازحة بابتسامة: - ومن يجرؤ على مجرد التفكير
بالاقتراب من دار فيها سمراء الفارسة؟
لم يشاركها الابتسامة وقال: - أنا قلق عليك يا ابنتي.
قررت عدم إلحاحها في تمثيل عدم الرغبة بالذهاب معه
فقالت:
- إذن أرافقك يا أبي كي لا تقلق علي، وكي أرى خالتي
فاطمة وريم وزبيدة.
رمقها بمكر وقال: - كنت أعرف أنك ترغبين برؤيتهن.
قالت بابتسامة حنين لرفيقتيها ونظرة شوق لحبيبها:
- لقد مرّ ما يقارب الخمسة أشهر على عودتنا من بغداد يا أبي.
وكم كان الطريق طويلا عليها حتى وصلت بغداد. ورغم
شوقها لرفيقتيها وفاطمة إلا أنها كانت تنتظر بلهفة
اللحظة التي تودعهما فيها لتذهب ووالدها للقاء مصعب
لزيارته وزيارة آمنة في دار والده كما وعداهما.
فتحت زبيدة الباب لتطلق شهقة سرور ودهشة لرؤية
إبراهيم وسمراء. وبعد ترحيب حار، قال إبراهيم: - أين
أجد عمر؟ أم أنه مسافر أيضا؟
قالت زبيدة بابتسامة: - هو في السوق مع والده أو في دار
أستاذه.
أرادت سمراء أن تتجنب لقاء عمر في حال عاد مع والدها
إلى داره فهي ما تزال خجلة من معرفته بما بينها وبين
مصعب لذا قالت:
- وأنا سأذهب مع زبيدة إلى دار خالتي فاطمة يا أبي.
- أبلغيها سلامي ريثما ألتقيها.
وحتى اليومين التاليين، قضتهما في دار فاطمة بينما ذهب
والدها إلى دار عمر.
صاحت ريم بحماس وأسرعت بمعانقة سمراء وكذلك
فعلت فاطمة. كانت سمراء ترشق ريم بنظرات عتاب
وتوعد فتبتسم تلك غير مبالية.
نهضت فاطمة متجهة الى المطبخ وتبعتها ريم لتساعدها
فقالت: - ابقي مع سمراء وزبيدة وأنا سأعد الغداء.
ولم تكد ريم تصدق فجلست قرب سمراء والفضول يقتلها
مثل زبيدة لمعرفة ما فعلت مع مصعب حين سافر إليها.
ضربة قوية تلقتها ريم على ذراعها من سمراء.
- كيف تتآمرين علي مع زوجة رفيقه وترسمي له تلك
الخطة لدخول داري؟
زمّت ريم شفتيها ثم قالت: - أيتها الكاذبة. وكأنك لم
تطيري فرحا لرؤيته، وتشكريني لأني فعلت ذلك.
قاومت سمراء لإخفاء ابتسامتها فلم تفلح فراحت الثلاثة
تضحكن ثم سألت ريم بلهفة:
- أظنك تعقلت أخيرا، أم أنني مخطئة؟
أشرق وجه سمراء بابتسامة وقالت: - بل محقة. لقد
تركت العناد أخيرا.
وهنا انهال وابل من الأسئلة على رأس سمراء من رفيقتيها
اللتين لم تتركاها حتى حدثتهما بكل شيء..
بعد يومين وبينما كانت زبيدة تقدم طعام الفطور
لإبراهيم وعمر، سأل إبراهيم:
- أتعرف مصعب ابن جابر؟
دهشة ثم نظرة حانت منه دون إرادته نحو زبيدة التي
اضطربت ملامحها بينما أضاف إبراهيم:
- لا بد أنك سمعت به.
احتدت نظرة عمر ثم قال بهدوء لإبراهيم:
- ما لك وله يا عمي؟
تغير وجه إبراهيم وهو يرى الانزعاج على وجه عمر
فسأله: - أتعرفه؟ هل فيه ما لا يحمد؟
توسلت إليه نظرات زبيدة بأن لا يحدث إبراهيم عن سمعة
مصعب مع الجواري أو يذمه بشيء، فذلك يعني نسف آمال
سمراء بموافقة والدها على زواجهما.
أخذ شهيقا ثم قال أول عذر خطر على باله:
- كلا يا عمي. أنا فقط استغربت معرفتك به مع فارق
السن بينكما.
- ولما الاستغراب يا ولدي؟ أليس تاجرا؟ وعملي مع التجار.
ابتسم عمر بارتباك فعاد إبراهيم للسؤال:
- هل تعرف أين يقع دكانه؟
اضطربت زبيدة " كفى يا عمي بالله عليك. ألم تجد
سوى عمر كي تسأله؟ "
ردّ عمر بصعوبة: - لا أعرف.
- لا عليك يا ولدي. سأسأل عنه في السوق. والآن
سأودعكما فبقاؤنا لن يطول في بغداد هذه المرة.
فرحت زبيدة لأجل سمراء التي ستلتقي بمصعب أخيرا
بينما قال عمر: - جئتما قبل يومين فقط يا عمي.
- ستعود القافلة سريعا هذه المرة...
وها هي سمراء بعد وداع فاطمة ورفيقتيها، واقفة أمام
مصعب في دكانه الذي لم تمكث فيه طويلا، فقد
خرجت ووالدها مع مصعب إلى دار والده.
جذب لجام رعد وقربه منها لتمتطيه بينما سيسيران هو
وإبراهيم، ولأول مرة كلمها منذ وصولها حين همس:
- اشتاق كلي لك.
لو أن للمشاعر لون تراه العيون، لبدت حولهما هالة بيضاء
ساطعة يراها حتى البعيد بالرغم من ضياء شمس النهار.
نبضات ونظرات شوق ولهفة وأمنيات كبيرة بلقاء أبدي لا
يتبعه فراق.
دخل مصعب داره مسرعا وسأل الجارية: - أين والداي؟
- سيدي في البهو، وسيدتي في المطبخ تشرف على تجهيز
الغداء.
- أبلغي والدي بقدوم ضيوف ثم أخبري والدتي.
- بأمرك يا سيدي.
عاد مسرعا لسمراء وإبراهيم وأدخلهما إلى البهو.
تقدم جابر لاستقبالهم والترحيب بهم فقال مصعب
بابتسامة عريضة:
- هذا هو العم أبو حاتم يا أبي وهذه ابنته التي عالجتني
حين مرضت في البصرة.
- مرحبا بكما. بارك الله فيك يا اخي. وسلمت يداك
يا ابنتي. لقد حدثني مصعب ووالدته عنكما.
ما كادوا يجلسون حتى دخلت آمنة البهو وهي تقول بسرور
وتتقدم نحو سمراء:
- أهلا ومرحبا بكما. حمدا لله على سلامتكما.
- سلمت يا أم مصعب.
قالها إبراهيم بينما عانقتها سمراء وهي تقول بابتسامة:
- كيف حالك يا خالتي؟
- اشتقت لك كثيرا يا ابنتي.
راقب جابر عن كثب تألق عيني ولده وابتسامته وهو
يكلم الرجل الذي تحدثا عنه هو وآمنة. لقد أسهبا في الحديث عن كرمه وحسن ضيافته هو وابنته. تلك الفتاة التي لم يفُت جابر رؤية إشراق وجه ولده وهو ينظر نحوها
خلسة.
قالت آمنة: - تفضلا إلى جناح الضيافة لتضعا أمتعتكما
ريثما يجهز الغداء.
وبالطبع تطوع مصعب لأخذهما إلى هناك.
قال وهو يشعر بخفقان قلبه الذي لم يهدأ:
- إن احتجتما لشيء فنادِ الحارس.
- سلمت يا ولدي.

في تلك الظهيرة عاد عمر متأخرا لداره. دخل ليجد
زبيدة بانتظاره وقد جهزت مائدة الغداء. تناولاه بصمت لم
يخلُ من غمغمة زيد وهو يعبث بثوب والده أو يده. لامس
خد الصغير فعبس وقال: - يبدو أنه يعاني الحمى.
- نعم. بسبب ظهور اسنانه. لقد أعطتني سمراء بعض
الوصفات لتخفف حرارته.
رفع يده عن الطعام ونهض، فكل من له علاقة بمصعب
يثير انزعاجه.
قالت زبيدة: - لم تكمل طعامك.
- الحمد لله.
" لا بد أنه ما يزال منزعجا من حديث العم إبراهيم عن
مصعب هذا الصباح. ولماذا يحملني أنا اللوم؟ حسنا، ما دام
الأمر هكذا وهو غاضب في كل الأحوال، فلأخبره بما
نويت "
بعدما استيقظ عمر وصليا المغرب معا، استدار نحوها وقال
بابتسامة جميلة بعدما قبل جبينها:
- تقبل الله يا أم زيد.
قالت وهي تنهض: - منّا ومنك.
نهض وأحاط كتفيها وهما يتجهان للجلوس على الأريكة
وحين شعرت أن عمر أحس بالذنب نحوها وعاد لصفاء
مزاجه، قالت بعد تردد والقلق باد في صوتها:
- أريد أن أحدثك بأمر.
قال وهو يأخذ يدها: - ماذا يا حبيبة القلب؟
- أقسم أولا أنك لن تثور ولن تخاصمني.
نهض وقد أطل الغضب من عينيه وهو يقول بحنق:
- عرفت الأمر فلا تتحدثي..
قاطعته وهي تقف أمامه: - لا تغضب بالله عليك يا عمر.
فقط اسمعني.
حدجها بنظرات حادة وسألها وهو يصر على أسنانه:
- لماذا تخوضين في أمر يغضبني ويثير جنوني؟
قالت وقلبها يرتجف خشية خصامه لها:
- لأجل رفيقة عمري.
هتف بغضب حتى فزع زيد وصرخ: - ما لكِ ولها؟
استغفر وزفر بينما حملت زبيدة الصغير لتُسكٍته ثم قالت
بانزعاج: - ألا يمكن ان نتحدث دون أن تصرخ؟
جلس وقال بصوت أخرجه هادئا بصعوبة:
- ما لنا ولها يا زبيدة؟ فلتفعل بحياتها ما تشاء بعيدا عنا.
قالت بحزن وحنق، ودموع أثرت فيه قد تجمعت في
عينيها: - ما عهدتك متسلطا تريدني تابعة لك دون
إرادة، وكأنني جار..
لم يسمح لها بنطق تلك الكلمة حين وضع كفه على
فمها ثم حدق بها بحزن وقال معترضا:
- أنا أعاملك أنت.. كيف تقولين هذا؟
وعادت ذكرى ذلك المساء الذي صفعها فيه عمها الفاروق
ونعتها بالجارية إلى ذاكرتيهما فنزلت دموعها فغاص قلبه
ولم يتمالك نفسه من ضمها ومسح دموعها.
قالت بصوت متحشرج:
- لم أقل إنك تعاملني هكذا بل قلت إنني لم أعهد ذلك
فيك لذا استغربته، لأنك الان تريدني أن ارمي حياتي
السابقة ورفيقة عمري وراء ظهري. لا أستطيع يا عمر.
أعرف أنك تغار عليّ بقدر عشقك لي. وأعرف أنني
أخطأت المرة الماضية بإخفاء تدخلي بالأمر عنك حرصا
على عدم إغضابك. لكنني هذه المرة أريد فعل كل
شيء بعلمك فاستمع لي.
تنفس بعمق لعدة مرات ثم قال على مضض:
- قولي ما تريدين.
- لقد نسيت سمراء بل كرهت كونها فتاة ولا أعلم لماذا.
كانت تلبس ثياب الرجال خارج دارها وتتصرف
كالرجال. ربما أرادت التعويض عن شقيقيها الذين
أحبتهما كثيرا. كانت تسخر من الحب والمشاعر دوما.
هل لك أن تتخيل فتاة كهذه حين يدق قلبها لأول مرة،
كم سيكون حبها قويا وكم سيكون فقده قاتلا
لقلبها؟! أنا وريم نريد فعل ما بوسعنا لنجعلها تسعد بحبها.
لا نريد لقلبها أن ينكسر.
تحدثه عن تلك الخفقة العجيبة التي تأسر القلب فجأة
وعلى حين غرة، وكأنه لم يشعر بها منذ أول مرة التقاها
بها في دار جدهما.
سألها باهتمام: - ماذا يدور في رأسك؟ كيف تريدين
مساعدتها؟
قالت بتوجس: - لو سألك عمي إبراهيم ثانية عنه.. فلا
تذمه أمامه.
عادت الحدة لنظراته وتساءل غاضبا: - أتريدين أن
أمدحه؟
قالت بسرعة: - لأجل سعادة سمراء. أرجوك وافق. كما
أنه.. بالنسبة للناس فاقتناء الجواري لا يعيب الأثرياء. ثم
إن صاحبة الشأن راضية.
لم يتمالك نفسه فقبض على ساعدها وسألها بغضب:
- أي أنك لا ترين فيه ما يعيب سوى ولعه بالجواري.
حدقت به بدهشة واستنكار وهي تنهض وكأن أفعى قد لدغتها.

نهاية الفصل الحادي عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى