روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:27 pm

الفصل الثاني عشر

- زبيدة!
جعلها صوته الغاضب ترتجف ورمقها مصعب بدهشة قبل أن
يلتفت نحو عمر.
تقدم عمر نحوهما فخافت زبيدة أن يشتبكا معاً فأسرعت
الخطى نحو عمر وقالت: - لنذهب.
لكنه تقدم نحو مصعب والشرر يتطاير من عينيه.
تبعته زبيدة وقالت وهي تمسك ذراعه:
- أرجوك يا عمر!
اتقد مصعب غضبا وهو يرى يدي زبيدة تمسكان ذراع
عمر. لم تفعلها يوما معه وتلمسه.
نفض عمر يديها وقال لمصعب بغضب وقد وصل قربه:
- ماذا تريد منها؟
ثم أمسك بثوبه يهدده: - لا تقترب منها ثانية.
نفض مصعب يد عمر بعنف وهتف: - أبعد يدك!
لكن عمر لكم مصعب على وجهه وأعاد مصعب اللكمة
لعمر بكل قوته وقد جنّ جنونه حين أدرك أنه يحب
زبيدة.
صاحت زبيدة ويديها على وجهها وجسدها يرتجف خوفاً
وهي تراهما يتبادلان اللكمات:
- ستفضحانني. ماذا سيظن الناس حين يرونكما تتعاركان
بسببي؟
تعقّل الاثنان من أجلها وابتعد عمر سائراً نحوها وهو يقول
لمصعب بنظرات نارية: - لا تفكر حتى بلقائها ثانية.
وجذب يدها بعنف واتجه إلى بوابة الدار فسارت مسرعة
كي لا تتعثر وتركا مصعب خلفهما مع نيران غضبه
وغيرته.
طوال الطريق إلى بيت جدهما، كانا صامتين لكنه كان
كبركان على وشك الانفجار. دخلا إلى دار الحارث فأشار
لها لتتبعه وسار نحو النافورة لأن المكان هناك بعيد عن
داخل الدار.
كانت زبيدة تشعر بالرد فاحتضنت ذراعيها لتشعر بالدفء
وهي تنتظر ما سيقول.
بقي صامتاً لفترة وهو يحاول السيطرة على غضبه ويتنفس
بعمق ويشيح وجهه بعيداً عنها حتى قال أخيراً:
- ما الذي جاء بذلك الرجل إلى العرس؟ وما الذي
أخرجك إلى الحديقة؟ ولماذا تكلمتِ معه؟
كان غضبه يزداد وصوته يعلو مع كل سؤال فسألته زبيدة
بغضب: - هل تظن أنني خططت للقائه؟!
التفت نحوها بعنف حين علا صوتها فشهقت فزِعةً فسألها
بانزعاج:
ـ ماذا فعلت لك الآن كي تفزعي هكذا؟!
لم تجبه وغمست طرف خمارها في ماء النافورة ثم رفعت يدها نحو وجهه وهي تقول:
- وجهك ملطخ بالدم.
وأخذت تمسح الدم عن خده بينما راقب يدها بنظرات
عكست ذوبان قلبه.
قربها ونظراتها القلقة وعبيرها الذي نقله الهواء إليه
ليزكم أنفه، جعلت قلبه يخفق بجنون.
لامست يدها وجهه دون قصد وهي تمسح عنه الدم فرف
جفناه وصدرت عنه زفرة شوق فرفعت زبيدة نظرها نحوه
وهي تبتعد قليلا لترى تلك النظرات التي تفيض حبا
وشوقا وولها بها فأحنت رأسها خجلا.
سألها بلهجة لينة وهو ينظر لعينيها: ـ ألم تكوني تعلمين
بوجوده في الحديقة حين خرجتِ؟
قالت بانزعاج:
- لو أردتُ لكنتُ الآن زوجته، لذا فأنا لست بحاجة
لملاقاته خلسة.
سألها أخيراً السؤال الذي كان يؤرقه ويتلهف لمعرفة
جوابه: - لماذا رفضته؟ خوفا على جدي أم خوفا عليه من
خالي الفاروق؟
تنهدت وأجابته وهي تنظر للبعيد:
- لا هذا ولا ذاك. لقد رفضته بملء إرادتي. في تلك
اللحظة الفاصلة حين صار زواجي به وشيكا، لم أعد أراه
نفس الشخص. لقد تغيرت نظرتي له وكنت خائفة من
إكمال الطريق والزواج به.
شعت عيناه أملا وسرورا وسألها ليتأكد: - هكذا فجأة؟
رفعت كتفيها وقالت: ـ ليس لدي تفسير سوى أنني كنت
وأهم نفسي لذا قررت رفضه، ولست نادمة.
شعر بارتياح وسرور وقال وهو يرمقها بلهفة: ـ أنت طفلة لا
تعرف ما هو الحب.
قالت لتهرب من نظراته: ـ لا داعي لكل ما فعلته يا عمر.
تبادلت معه اللكمات وكأنكما فتَيان. لكن ما الذي جاء
بك أنت؟ كنت بانتظار ياسر كي يوصلني.
- حين عاد ياسر ومودّة مع والدتي لدارنا، شعر بالتعب
فذهب لداره وطلب مني أن أعيدك.
(لم تكن نية ياسر ومودة خالية من المكر فقد تعمدا
تدبير الأمر للتقريب بين عمر وزبيدة)
قال عمر بهدوء وهو يرمقها مبتسما:
- لا تغضبي، فقد جن جنوني وأنا أراه يقف قربك
ويحدثك.
قالت وهي تتحرك بانفعال وقد عاودها ذلك الخوف وهي
تراهما يتشاجران: - لم نتحدث سوى بضع كلمات. كان
يشك أن أهلي من رفضوه لا أنا.
- وماذا قلتِ له؟
- ناديتني قبل أن أخبره شيئاً. لو كنت أعلم أن هذا
سيحدث لما ذهبت. أصلاً لم أرد الذهاب للعرس كي لا
ألتقيه ولو صدفة.
سألها وقد عاد الغضب لقسماته: ـ وهل كنتِ تعرفين
بوجوده هناك وذهبتِ؟
انزعجت لأن لسانها زلّ بتلك الكلمات وأجابت وهي تبعد
وجهها: - نعم، فزوج بارقة رفيقه المقرب.
واجهها وضاقت عيناه وقال والغيرة تأكله:
- إذن بارقة وحبيبها من دبرا لقاءكما في السوق وربما دبرا
رؤيته لك اليوم.
هتفت بعصبية وقد اتقدت غضبا وانفعالا هي الأخرى:
- يا لذلك اللقاء! لقد انتهى الأمر برمته فكفى أرجوك.
قال بحزم: - لا ترفعي صوتك.
رمقته وهي منزعجة وقالت: ـ وأنت لا تحدثني ثانية عن
مصعب وذلك اللقاء. ولا أسمح أن تشك بي وتحاسبني.
ثم قالت وهي تتركه لتسير نحو الدار:
- لا تتدخل بي ثانية. وإن أردت فأخبر جدي عن ذلك
للقاء المشؤوم وخلصني.
أغضبته كلماتها وأثرت بنفسه كثيراً فتبعها بسرعة
وجذب ذراعها لتواجهه وقال بحدة:
- لو كنت أريد إخبار جدي لأخذتك في حينها إليه
وأخبرته. مع كل احترامك لي واعتزازك بي كما
تقولين دائما، فأنت تتهمينني بالوضاعة.
آلمتها قبضته فسحبت ذراعها وقالت وهي نادمة:
- تعرف أنني لا أقصد هذا.
رمقها بحدة ممزوجة بالحزن ثم غادر.
ندمت وتضايقت لأنها تفوهت بتلك الكلمات. أرادت
مناداته والاعتذار منه لكن كرامتها أبت ذلك فدخلت
الدار وهي تزفر غضبا رغم السعادة الغريبة التي شعرت بها
بسبب غيرته عليها.
وكم مرةً هاجمت ذكريات أحداث ذلك المساء فكرها
قبل ان تغفو والابتسامة على وجهها.
في الصباح التالي استيقظت زبيدة وهي تشعر بألم ونحول
في جسمها فلم تنهض من السرير.
دخل جدها غرفتها وقال مبتسماً: - أسعد الله صباحك يا
ابنتي.
نهضت قليلا وقالت: - وصباحك يا جدي.
جلس أمامها على المقعد وقال مستغربا: - لم تخرجي من
غرفتك مبكرا كعادتك فقلقت عليكِ.
تنفست بصعوبة وقالت:
- أشعر بنحول في جسمي، كما أشعر بالبرد.
جلس جدها قربها ولمس جبهتها ثم قال بقلق:
- جسمك ساخن قليلا.
رغما عنها قفزت الابتسامة الى وجهها فأخفتها بضم
شفتيها ثم قالت:
- لقد شعرت بالبرد ليلة أمس. ربما أعاني حمى خفيفة.
قال الحارث وهو ينهض: ـ ارتاحي إذن حتى تتحسني.
لكن زبيدة لم تتحسن في اليوم التالي بل ازدادت لديها
الحمى وصارت تسعل بشدة.
دخلت عليها عفراء ظهر اليوم التالي وقالت:
- سيدي الحارث أحضر معه الطبيب ويريد أن يراك.
ابتسمت وهي تقول: ـ جدي كثير القلق علي. ناوليني
خماري يا عفراء.
دخل جدها يتبعه الطبيب وعمر. لم ينظر عمر إليها ووقف
بعيداً لكن القلق كان واضحا على ملامحه.
تقدم الطبيب وقال وهو يجلس قربها على السرير:
- مما تعانين يا ابنتي؟
قالت وهي ترمق جدها بحنان:
- أنا بخير لكن جدي شديد القلق علي.
وهنا انتابها سعال قوي جعل عمر يلتفت نحوها فقال
الطبيب وهو يلامس جبينها:
- سنرى. حرارتك مرتفعة وسعالك شديد.
وهنا نظر عمر إليها بقلق فتلاقت نظراتهما فأبعد وجهه.
سأل الحارث بقلق: - هل حالها سيئة؟
قال الطبيب: - نزلة البرد أثرت على رئتيها لكنها
ستتحسن.
شكر الحارث الطبيب فقال:
- لا داعي للشكر يا أبا الفاروق. عمر، تعال معي إلى الدار
كي أعطيك الدواء والأعشاب.
أومأ عمر برأسه وخرج الثلاثة فظلت زبيدة تتذكر ما دار
من جدل بينها وبين عمر، وشعرت أنها قست عليه لكن
كان يجب أن تحسم ذلك الأمر.
دخل جدها الغرفة بعد ذهاب الطبيب وعمر وقال معاتباً:
- بسبب عنادك ساءت حالتك. منذ الأمس أردت إحضار
الطبيب لكنك كنت تعاندين.
قالت مبتسمة: - وقد فعلتَ ما أردتَ وأحضرت الطبيب.
قال جدها مبتسما:
- لست من أحضره بل عمر فهو أستاذه. قابلت عمر في السوق
وأخبرته بمرضك فاقترح أن يراكِ أستاذه وأسرع إليه.
أومأت مبتسمة وهي تفكر " لم يعد غاضبا مني إذن "
عاد عمر بالدواء بعد فترة وأراد إعطاءه لجده لكن الحارث
كان خارج الدار فذهب إلى غرفة زبيدة مع عفراء.
- سيدتي، جلب سيدي عمر الدواء وهو ينتظر عند الباب.
وضعت خمارها بسرعة وقالت والابتسامة تعلو وجهها: ـ
ليتفضل.
دخلا فقال عمر لعفراء وهو يضع الأعشاب والدواء على
الطاولة دون أن ينظر لزبيدة:
- ستأخذ من هذا الدواء مرتين، ولتكثر من شرب الأعشاب.
قالت زبيدة وهي تحاول السيطرة على ابتسامتها:
- شكراً على إحضار الطبيب والدواء. أتعبتك يا ابن
عمتي.
خفق قلبه لذلك اللقب الذي يسمعه منها لأول مرة لكنه
لم يبدِ ما في نفسه بل رمقها شزراً وقال بلهجة ساخرة:
- آسف لأني تدخلت بشأن من شؤونك. لكن جدي أراد
جلب الطبيب لك فأحضرت أستاذي.
قالت لتشاكسه وفي عينيها نظرة ماكرة:
- لكن جدي أخبرني أنك أسرعت بإحضار الطبيب قبل أن
يطلب منك ذلك.
انسحبت عفراء بهدوء وهي تستغرب ذلك الجدل الهادئ
وأخذت الدواء والاعشاب معها.
اتجه عمر نحو الباب ليخرج دونما كلمة فنادته:
- عمر..
يا لتلك الراء في اسمه التي تخرج من فمها بتردد وعلى
استحياء لتسبب الجنون لخفقاته!
توقف دون الالتفات اليها فأضافت بصوت هادئ:
- أنا آسفة. تعرف أني لم أقصد ما قلت لكن الكلام عن
مصعب صار يوتّرني.
رمقها بنظرة سريعة ثم خرج فلوحت بيدها وهي تتمتم:
- أف، فليغضب وليفعل ما يشاء.
بينما كانت الابتسامة تعلو وجهه والخفقات تصدح في
قلبه وهو خلف الباب يسمع كلماتها الحانقة.


جاءت مودّة لزيارة زبيدة حين سمعت بمرضها ومعها هاجر
وخديجة. وحين جلست زبيدة منفردة مع مودّة قالت لها:
- لو تعلمين ما حدث حين أعادني عمر من عرس بارقة!
رمقتها مودّة والفضول يتملّكها وسألتها: - ماذا حدث؟
واستمعت وهي تضحك تارة وتترقب أخرى ثم قالت وهي
بالكاد تقاوم بالضحك:
- إذن تلك اللكمات على وجه عمر لم تكن بسبب
مشاجرته مع لصٍ كما ادعى.
ضربها زبيدة على ذراعها وهي تقول:
- كفي عن الضحك! كاد قلبي يتوقف خوفا حين
رأيتهما يتشاجران بعنف.
تنهدت مودّة بطريقة حالمة وقالت: - المهم أنك مسحتِ
الدم عن وجه شقيق زوجي العزيز بخمارك.
هتفت زبيدة بحنق: - لا تكوني سخيفة يا مودّة!
فقالت مودّة بجدية: - إنه يذوب فيكِ ويغار عليك بجنون.
قالت زبيدة بعد حسرة: ـ يزعجني شعوري بالذنب تجاه
الاثنين، فقد أحبّاني بصدق.


دخل الحارث البهو ومعه ولده الفضل فنهضت زبيدة تسلم
عليهما، سعيدة بقدوم عمها الذي تحب مجالسته والاستماع
لأحاديثه. بعكس الفاروق الذي لا تشعر بالراحة بوجوده
فهي لم تنس بعد صفعه لها ونعتها بالجارية.
أثناء حديثهم، قال الفضل: - يحزنني وضع عمر يا أبي.
ترقبت نظرات زبيدة وسأله الحارث بقلق:
- ما به يا ولدي؟
تنهد وهزّ رأسه بيأس: - إنه يوقف حياته على الدراسة
فقط. العلم رائع لكن ليس لدرجة أن يهمل حياته. إنه إلى
الآن لا يفكر بالزواج لأنه لا يستقر بسبب سفره المستمر
لطلب العلم.
شعرت زبيدة بالحزن وفكرت " وصرت أنا سببا آخر لرفضه
الزواج "
قال الحارث باستغراب: - لكنه قال لي أنه سيستقر أخيرا
بعدما استقر أستاذه في بغداد.
هزّ الفضل رأسه وقال:
- سيسافر ثانية يا أبي مع أستاذ آخر إلى الشام لعدة أيام. لو
كان له زوجة وعائلة لما تنقل هكذا.
خفق قلب زبيدة وسألت عمها: - هل سيسافر إلى مكان
قريب من حلب يا عمي؟
ابتسم جدها وسألها: - أتريدين رؤية أخوالك؟
لمعت عيناها وقالت بلهفة: ـ نعم يا جدي.
أومأ لها: - حسناً، سأكلم عمر كي يأخذك معه.
ابتسمت بسرور ثم ادمعت عيناها حزنا على والدين حرمت
منهما قبل أن تعي الدنيا.
ربت الفضل على كفها وقال: - أنا والدك يا ابنتي،
ولديك أيضا جدّ يفضلك على الجميع.
قالت بصوت متحشرج وهي تنهض لتهرب لغرفتها:
- سلمت يا عمي.
تنهد الحارث وتمتم: - ليتني أستطيع تعويضها عما خسرته
وما لاقته من ألم في حياتها.
قال الفضل: - أنت تفعل ما بوسعك يا أبي ولم تقصر معها
في شيء.


جلس الحارث قرب زبيدة فأخذت تفرك يديه وذراعيه
كما تفعل عادة حين تراه متعبا. قال بابتسامة حنون:
- ليرضى الله عنك يا ابنتي.
- ويحفظك لي يا جدي.
قطب جبينه وهو يقول بمكر: - هل لديك ثياب
سميكة تقيكِ البرد؟
استغربت سؤاله وقالت: - نعم لكن الجو ليس باردا يا
جدي.
أومأ وقال بجدية يكتم ابتسامته بينما كانت مستمرة
بالنظر إليه لتعرف ما يريد من حديثه:
- صحيح. لكنه بارد في حلب.
شهقت وسألته بلهفة: - هل وافق عمر؟ ظننت انه سيرفض،
أو أن وجهته بعيدة عن حلب.
قال جدها مبتسما: - عمر لا يرفض لي طلبا. ستسافران بعد
يومين.
ابتسمت بسرور وقالت: - سأستعد منذ الآن.
صباح يوم السفر، استيقظت زبيدة بوقت مبكر. ارتدت
ثيابها وحملت أغراضها ثم جلست في البهو بانتظار عمر.
تقدم جدها منها وسألها:
- ألهذه الدرجة تتلهّفين للقاء أخوالك؟
ردت بابتسامة خجولة: - نعم يا جدي.
طرق عمر الباب ففتحت له الجارية وادخلته. رمقها بنظرة
خاطفة فخطفت قلبه ثم التفت لجده وهو يقول:
- السلام عليكم.
ردا له التحية فقال: - يجب أن ننطلق الان.
نهضت زبيدة واقتربت من جدها وقالت:
- سأشتاق إليك يا جدي.
ضمته بقوة فقال: - وأنا كذلك. أوصلي سلامي لجديكِ
وخالك إن التقيتِ بهم.
- حاضر يا جدي.
- رافقتكما السلامة.
تبادل عمر العناق مع جده ثم خرج مع زبيدة.
وفي طريقهما إلى باب الدار، التفت الاثنان صوب النافورة
وابتسم كل منهما خفية عن الآخر. في ذلك المكان
تشاجرا مرتين. في اول لقاء لهما ويوم أعادها من عرس
بارقة.
قالت لتكسر الصمت: ـ شكراً لأنك ستوصلني لأخوالي.
قال دون النظر صوبها: - لم أفعل شيئاً. لست ذاهبا إلى
الشام من أجلك.
قالت بمكر وقد شابت الضحكة صوتها:
- لكنك ستضطر لتحملي لعدة ايام.
رمقها خلسة وهو يفكر ويكتم لوعة في قلبه:
" لو تعلمين كم أعشقك أيتها المجنونة التي سلبتني
عقلي! "
اخذ عمر أغراضها ووضعها في الهودج ثم نظر إليها ليرى
الخوف فقال: - فقط تمسكي جيدا.
ابتسم وهو يراقبها كيف تغمض عينيها بقوة وتكرر
البسملة بينما تنهض الناقة عن الأرض.
سارت القافلة حتى الليل ثم توقفوا ليستريحوا الليلة ثم
يتابعوا المسير في الصباح.
وضع عمر أغراضه قرب خيمتها لينام هناك فيكون قربها
إذا احتاجت شيئا.
- هذه خيمتك، وانا هنا بالقرب منك. هل تحتاجين
شيئا؟
قالت بابتسامة لتنهي ذلك الجمود على وجهه:
- كلا، سلمت يا ابن عمتي.
ابتسم بعدما أشاح بوجهه عنها كي لا تراه.
بعد فترة، سمع عمر صرخة زبيدة بينما كان يسير قرب
خيمتها وقد جفاه النوم فأسرع إليها خوفاً من أن تكون قد
لدغتها أفعى أو عقرب، لكنه وجدها نائمة في فراشها.
تمتمت باسم سهيل ومصعب فربت على ذراعها لتستيقظ
وهو يناديها: - زبيدة، استيقظي.
فتحت عينيها وهي ترتجف وتتنفس بصعوبة وكانت
تبكي. جلست وهي تستعيذ بالله بينما أسرع عمر بإحضار
الماء لها لتشرب.
جلس أمامها وناولها الماء فشربت ثم سألها وهو يبعد بصره
عنها فقد كانت بلا خمار:
- ماذا رأيتِ حتى فزعتِ هكذا؟
قالت بأنفاس متقطعة:
- رأيت سهيل.. يركض خلفي وأمسكني فصرخت بأعلى
صوتي لكنه لم يتركني. ثم رأيت مصعب وهو يحبسني.
بدا الكابوس وكأنه حقيقة. أعوذ بالله.
سألها باهتمام: - من هو سهيل؟
- النخاس الذي باعني.
- لابد أن سيرك في قافلة وسط الصحراء، أعاد لك
ذكرى اختطافك فرأيتِ ذلك الكابوس.
لم تستطع منع شهقة البكاء وهي تذكر تلك الأيام
السوداء من حياتها فالتفت نحوها وقال بلهفة:
- لا تبكِ.
وتاهت عيناه فيها وتناسى ما يصح ولا يصح أمام شعرها
المتموج الذي يراه لأول مرة، وأفقدته عيناها الدامعتين
رشده..

نهاية الفصل الثاني عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:30 pm

الفصل الثالث عشر

وتاهت عيناه فيها وتناسى ما يصح ولا يصح أمام شعرها
المتموج الذي يراه لأول مرة، وأفقدته عيناها الدامعتين
رشده فهمس والشوق يقطر من صوته:
وشَعرٌ كليلٍ حاقَ بضياء قمر
وعينانِ حار في لونهما النظر
بالأمس كانتا كموج البحر
واليوم كفيروز مُخضَر

لم يكن شعرا متقنا ما جرى على لسانه لحظتها وهو
يتأملها. لكن تلك النظرات الهائمة في تفاصيل وجهها
وذلك الصوت الهامس بعشقها، جعلت خفقان قلبها يعلو
ويديها ترتجفان حتى أنها لم تقو على أخذ خمارها ووضعه
على شعرها حين نبّهها شِعره أن شعرها مكشوف. بل لم تقو
أجفانها على الانغلاق فظلت تحدق به بينما كانت نظراته
تفيض شوقا ولهفة.
خاف من المشاعر والرغبات التي تملكته تلك اللحظة
فتعقل ونهض مسرعا وخرج.
ظل قلبها يخفق بقوة لدقائق بعد خروجه وهي تحدّق في
أثره. تمددت وحاولت أن تنام لكن عبثا، فقد جفاها النوم وسكنت صورة عمر وهو يرمقها بهيام خيالها.
نهضت وأزاحت مدخل الخيمة الصغيرة وتنهدت وهي تنظر
لعمر خلسة وهو يسير وحيدا.
" ويحي ماذا جرى لي؟! لقد سمعت منه كلمة أحبكِ من
قبل ورأيت نظرات الهيام في عينيه لكنها لم تؤثر بي. بل
كانت تؤثر بي ولكن بشكل مختلف وليس كما الليلة،
حتى أنني لم أكن قادرة على أخذ أنفاسي "
ثم تمددت في فراشها ولم تنم حتى قبيل الفجر.
في الصباح، استأنفت القافلة سيرها. وهذه المرة لم تنظر
زبيدة لوجه عمر وهو يساعدها في ركوب الهودج
وكذلك فعل هو.


وصلا أخيراً إلى حلب وسأل عمر عن بيت جدها (عبد الله)
وعن خالها (رباح).
وبعد سؤال عدد من الرجال، عرف خالها رباح أحدهم فقال:
- العم عبد الله توفي منذ بضع سنوات.
قال عمر وهو يرمق زبيدة: - رحمه الله.
قال الرجل: - سآخذك الى دار رباح. إنه قريب من هنا.
على الرغم من شعورها بالحزن على وفاة جدها إلا أنها
فرحت بعثورهما على خالها.
شكر عمر الرجل حين وصلا إلى دار رباح ثم التفت نحو
زبيدة فوجدها مضطربة فهمس بصوته الذي يعطيها
الأمان: - اهدئي يا زبيدة.
أومأت برأسها وهي تمسك أغراضها بقوة للتخفيف من
توترها.
بخلاف ما تصورت، خرج رجل في أواخر العقد الثالث من
العمر وتحدث مع عمر: - تفضل يا أخي، بما أخدمك؟
حاول عمر إيصال الخبر إليه بهدوء فأخوال زبيدة يظنون
أنها ماتت مع والديها.
- أنت رباح ابن عبد الله؟
أومأ برأسه وهو يحدق بزبيدة التي كانت تنظر إليه
والدموع في عينيها، فقد كانت تشبه شقيقته كثيراً.
تقدم نحوها وهو يجيب بنعم.
تأملت ملامحه وهي دامعة العينين، وحين سألها بلهفة:
- من أنت؟
تساقطت دموعها ولم تستطع الكلام فنظر رباح لعمر
بدهشة فقال عمر: - اهدئي. هلا دخلنا يا أخي؟
أومأ رباح: - بالطبع. حياكما الله يا اخي.
وأسرع لداخل الدار كي يعلم زوجته بقدوم ضيوف.
- ما بك يا رباح؟ تبدو مضطربا. من هؤلاء الضيوف؟
قال وهو يعود لعمر وزبيدة مسرعا: - لا شيء يا (لبنى).
أدخلهم وجلسوا في إحدى الغرف، وهو ما يزال يتأمل زبيدة
ثم سألها بقلب متلهف متأمل:
- من انت بالله عليك؟
اسرعت لتجلس قربه وهي تقول:
- أنا زبيدة، ابنة اختك يا خالي.
عانقته وهي تبكي فضمها بقوة وقال:
- ابنتي الغالية. لكن.. أين كنت كل تلك السنوات؟
لقد ضننا أنك متت مع والديك.
قالت وهي تمسح دموعها: - لم أمت يا خالي، وها انا
قبالتك.
ضمها من جديد ثم قال: - لقد ماتت جدتك حزنا على
والدتك وعليكِ. لماذا لم يخبرنا اهلك حين وجدوك؟
- إنها قصة طويلة. سأخبرك بها لاحقا يا خالي.
نظر رباح -نحو عمر وقال: - من أنتَ؟
- أنا عمر، ابن عمة زبيدة.
- حيّاك الله. زبيدة، تعالي لتتعرفي على زوجتي.
أخذها إلى داخل الدار لتلتقي بعائلته وهو يرمقها كل
لحظة ولا يكاد يصدق وجودها حية أمامه.
ـ تعالي يا لبنى. هذه زبيدة ابنة أختي.
حدقت لبنى به ثم بزبيدة: - ابنة أختك التي ظننت أنها
ماتت مع والديها؟
قال مبتسما وهو يحيط كتفي زبيدة بذراعه:
- نعم. كانت مفقودة.
تقدمت لبنى وعانقتها وهي تقول: - حمدا لله على
سلامتك.
قال رباح مبتسما: - سأعود لمجالسة عمر ريثما تعدين
الغداء يا لبنى.
- سأجهزه بسرعة.
أصرت زبيدة على مساعدة لبنى في إعداد الطعام وتحدثتا
كثيرا ريثما أنهتا عملهما.
قالت لبنى: - أنت متعبة يا زبيدة، ما كان يجب أن تتعبي
نفسك وتعملي معي.
قالت وهي تربت على رأس ابن خالها الصغير:
ـ لست متعبة، انا سعيدة جداً لوجودي معكم خاصة مع
هذين الصغيرين.
كان لخالها رباح ابن في السادسة وبنت في الرابعة.
ابتسمت لبنى وقالت وهي تضع يدها على بطنها: ـ والثالث
في طريقه إلينا.
باركت لها زبيدة ودعت لها بسلامة الولادة.
أدخلت زبيدة طعام الغداء لخالها وعمر حيث كانا يجلسان.
رمقها خالها بسرور وقال:
ـ لو لم تكوني تشبهين والدتك لما صدقت أنك زبيدة
(أمسك يدها) كم أنا سعيد بك يا غالية.
وقبل أن تخرج قال لها عمر:
ـ زبيدة، سأذهب بعد الغداء إلى حمص لألتحق بأستاذي ثم
أعود بعد أسبوع أو أكثر لنعود لبغداد.
رمقته بدهشة وسألته: ـ ظننت أن حلب هي وجهتك!
ابتسم فوجهت له نظرة امتنان وخرجت والابتسامة على
وجهها وقلبها يخفق كما قلبه.
جلست مع ولدي خالها في حديقة الدار الصغيرة تنتظر
خروج عمر. تقدمت نحوه حالما خرج مع خالها من الغرفة
وهو يحمل أغراضه.
قال رباح: - كان بودي لو بقيت معي أكثر يا عمر.
ابتسم عمر وهو يمنع نفسه بصعوبة من التحديق بزبيدة:
- وأنا سعدت برفقتك لكن لدي اعمال مهمة.
- وفقك الله. سأحضر لك بعض الطعام كي تتزود به في
رحلتك.
حالما ابتعد خالها نظرت إليه فعاودها ذاك الارتجاف الذي
لازمها مؤخرا كلما نظرت إليه. ولتكن صادقة مع نفسها
الان بعدما زالت عنها غمامة حبها الكاذب لمصعب،
فذلك الارتجاف كان يرافقها منذ وقت طويل كلما رأت
عمر لكنها كانت تفسره كنوع من الاحترام والمهابة
له. أما الآن فهو شيء تعرفه لكنها تخشى الاعتراف به.
قالت بصوتها الذي يطرب أذنيه:
- أتعبتك. ستذهب إلى حمص ثم تعود الى هنا لأخذي.
نظر في عينيها واللهفة تشع من عينيه وقال:
- أذهب حتى آخر الدنيا لأجلك.
خفضت نظرها وقد علا وجيب قلبها وهي تقول:
- تذهب وتعود سالماً إن شاء الله.
همس بشوق: - سلمك الله يا ابنة خالي.

قضت زبيدة ساعات مع رباح ولبنى تحدثهما عن حياتها
السابقة وما حدث معها حتى لاقت أهلها، وعما جرى
لوالديها كما أخبرها به زيد وفاطمة.
تنهدت لبنى وقالت وهي تمسح دموعها: - يا حبيبتي، كم
تعذبت!
وعلق رباح وفي قلبه غصة على شقيقته:
- وكأنها قصة من الخيال. حمدا لله على عودتك

لأهلك.
قالت وهي تبتسم: - وحمدا لله أني رأيتكم.
مرت الايام الجميلة التي قضتها زبيدة في بيت خالها
سريعا. ومع استمتاعها بكل ساعة فيها، إلا أنها اشتاقت
لبغداد وساكنيها ودارها، واشتاقت أيضا لعمر.
تنهدت وهي تفكر وصورته في خيالها.
" كيف لم أدرك قبلا أنني منذ التقيت به، صار محور
حياتي بكل ما يفعل ويقول؟ أعطيته حقوقا لم أعطها
لغيره فأنا أخشى غضبه مني وأتألم لتجاهله إياي وأطلب
رضاه وأسعد بغيرته التي جعلتني أصرح له رغم خجلي عن
محاولتي قتل مصعب وقتل نفسي كي لا ينالني. هل كنت
عمياء لهذه الدرجة كي لا أرى حبي الحقيقي الماثل
أمامي كضوء النهار؟! لقد أعماني إحساس كاذب نحو
مصعب اسميته حبا. قد يكون تعلقا أو انجذابا نحو أول
رجل تقرب مني لكنه لم يكن حبا. أقولها الآن دون خوف
أو تردد، من أحبه بصدق هو عمر. فما أشعر به نحوه يختلف
عما شعرت به نحو مصعب "
خرجت زبيدة في الصباح مع زوجة خالها إلى السوق الذي
كان عامرا بالبضائع والمصنوعات المحلية.
- لبنى، أريد شراء بعض الهدايا لجدي وعمتيَّ وابنة عمتي.
أريد أشياء مميزة وخاصة بحلب.
قالت لبنى وهي تقودها لأحد المنعطفات في السوق:
- هناك دكان ستجدين فيه ما تريدين.
وبينما كانتا عائدتين بعدما اشترت الهدايا، لمحت دكانا
مليئا بالكتب.
توقفت وسألت البائع عن ديوان شعر لابن الاحنف.
سألتها لبنى: - أتحبين الشعر؟
قالت زبيدة وهي تناول البائع ثمن الكتاب:
- كثيرا. وخاصة شعر ابن الأحنف. واحفظ الكثير أيضا.

عاد عمر من حمص مساءاً فأسرعت زبيدة للقائه حين
سمعت صوته القوي المميز يكلم خالها.
اقتربت فخفق قلبه وتعمد عدم النظر إليها كي لا
تفضحه نظرات الشوق أمام رباح.
تكلمت بصوت لم يخف عليه اضطرابه كما لم يخف
عليه الشوق في عينيها حين ودعته، فكان ذلك الموقف
سلواه في ليالي بعده عنها في حمص.
- حمدا لله على سلامتك يا عمر.
فكر وقلبه يفيض شوقا " لهف قلبي على هذه الراء
الخجلة وهذا الصوت وصاحبته. "
ثم قال بكل اتزان دون النظر إليها:
- سلمت يا ابنة خالي.

انسحبت بينما دخل هو مع رباح الى غرفة الضيوف
المنعزلة عن باقي الدار.
قضت زبيدة الليل ساهرة مع خالها ولبنى فتلك آخر ليلة
لهم معا. قالت لبنى بحزن:
- لقد اعتدت وجودك معي يا زبيدة. يحزنني فراقك.
وقال رباح: - عودي لزيارتنا، ولا تنقطعي عنا.
قالت وهي تغالب دموعها: - إن شاء الله يا خالي.
عند الفجر، ودعت رباح ولبنى وخرجت مع عمر عند شروق
الشمس ليعودا إلى بغداد.
وعند بوابة مدينة حلب، وقفا بانتظار وصول القافلة
العائدة من حمص والتي ستعيدهما لبغداد.
أخرجت زبيدة من بين أغراضها ديوان الشعر الذي اشترته
وناولته لعمر. أخذه وجبينه مقطب بتساؤل ثم قرأ العنوان
فابتسم فقالت بارتباك: - أحضرت هدايا لجدي ومودّة
وعمتيّ. رأيته فأردت إهداءه لك.
رمقها بسرور وقال وهو يتأمل عينيها اللتين تاق للغرق فيهما:
- أغلى هدية تلقيتها طوال عمري.
ابتسمت وأحنت رأسها فأخذ يقرأ من ديوان شعر ابن الأحنف
وهو يتأمل وجهها تحت أشعة شمس الصباح الذهبية.
يدُلّ على ما بالمُحِبّ من الهوى
تقَلّبُ عينيهِ إلى شخصِ من يهوى
وإن أضمرَ الحبّ الذي في فؤادِه
فإنّ الذي في العينِ والوجهِ لا يَخفى

كانت زبيدة تهرب من نظراته لكن صوته الهامس
حاصرها وتسلل إلى أعماقها كلحنٍ جميل.
أتيناكم وقد كُنا غِضابا
نُصالِحكُم وما نبغي العِتابا
وقد كُنّا اجتَنَبناكُم فَعُدنا
إليكُم حينَ لم نُطِقِ اجتِنابا

أدارت وجهها عنه وقلبها يخفق لتلك الرسائل الصريحة عن
كشفه لمشاعرها نحوه. فلم تكن تلك قراءة للشعر بل
ترجمة لما يشعران به نحو بعضهما، فهو أصلا لم يكن
يقرأ من الديوان بل كان ينشدها مما يحفظ من ابيات.
لاحت لها القافلة فقالت باضطراب:
- وصلت القافلة.
ابتسم عمر وهو يسمع اضطرابها جليا في صوتها.
في الليلة التي قضتها القافلة في الصحراء في رحلة
العودة، ظلت زبيدة ساهرة تتقلب في فراشها وتذكر
تفاصيل ليلة الاستراحة في رحلة الذهاب الى حلب. حين
أجبرتها ردود أفعال قلبها على الاعتراف بما كانت تخشى
الاعتراف به.
" نظراته وتلك الأبيات من الشعر، تقول انه لاحظ التغيير
الذي حصل لي. لماذا لا يكلمني صراحة إذن؟ لكن ماذا
سيقول؟ هل أحببتِني أخيرا يا زبيدة؟ ليس عمر من يفعل
هذا "
تنهدت وظلت جالسة على فراشها.. وبقي عمر هو الآخر
يذكر تلك الليلة وهو يسير حول خيمتها والابتسامة
تعلو وجهه.

دخل عمر وزبيدة دار جدهما ليجداه في مكانه المعتاد في
البهو وقربه الفضل والفاروق.
علا تنفسها فحانت نظرة من عمر نحوها وقد شعر بتوترها
لتذكرها صفعه لها ونعتها بالجارية. التفتت إليه لترى في
عينيه دعمه لها كعادته منذ عرفته، فامتلأت نظراتها

عشقا فذاب قلبه شوقا.
تقدما وألقيا التحية ثم أسرعت زبيدة نحو جدها تعانقه
بقوة وهي تقول: - اشتقت إليك يا جدي كثيرا.
قال الحارث بعدما قبل رأسها: - لن اسمح لك بمفارقتي
ثانية. حمداً لله على سلامتكما.
اقترب عمر ليعانق جده وخاليه. ابتسم الفضل وقد لاحظ
انسجاما بين عمر وزبيدة.
قال الحارث: - حدثاني عن الرحلة. هل وجدتِ أخوالك يا
زبيدة؟
قالت زبيدة بحماس:
- أجل يا جدي. خالي رباح يبلغك سلامه. أما جدي فمات
منذ ستّ سنوات وجدتي ماتت بعد وفاة والديّ بوقت قصير،
حسرة وحزناً على والدتي.
قال الحارث: - فليرحمهما الله.
استأذن الفاروق والفضل في الذهاب بعد قليل وبقي عمر
بعد إصرار جده على تناوله الغداء معه. وبينما أعدت
الجارية الغداء، تحدث الثلاثة عن تفاصيل لقاء زبيدة
بخالها وعائلته.
في اليوم التالي لم تُطِق زبيدة صبراً فذهبت لزيارة مودّة
التي اشتاقت إليها كثيراً.
قالت مودّة وهي تضمها بقوة: - كم اشتقت لك!
- وأنا أيضا. اشتقت إليك ولجدي كثيرا.
جلستا فسألها زبيدة وهي تضع يدها على بطنها:
- ما اخبار الشقي؟
تنهدت مودّة وهي تقول: - بقي شهران تقريبا.
ناولتها زبيدة هديتها فقالت مودّة:
- سلمتِ. إنه ثوب جميل. هل أحضرتِ هدايا للجميع، أم
أنكِ خصصتِني بهذا الأمر؟
ابتسمت زبيدة وتساءلت:
- إن كنتِ تغارين عليّ لأنني رفيقتك لهذا الحد، فماذا
تفعلين مع ياسر ولأي درجة تغارين عليه؟
قالت مودّة بعد ضحكة عالية: - لو كان بيدي لحبسته
في الدار. لم تجيبي على سؤالي.
ردّت زبيدة مبتسمة لتقطيب جبينها الذي توقعته:
- أحضرت عباءة لجدي وثوبين لعمتي خديجة ووالدتك
وديوان شعر لعمر.
ضاقت عينا مودّة وهي تردد بمكر:
- ديوان شعر لعمر؟ هو أصلا من أخذكِ في الرحلة، فلماذا
تحضرين له هدية؟
قالت زبيدة وهي تبعد نظرها:
- لأنه أخذني معه. وجهته كانت حمص لكنه أوصلني
لحلب وسافر لحمص ثم عاد ثانية إلى حلب لأجلي. ألا
أهديه شيئاً بعد هذا العناء؟
اقتربت مودّة منها أكثر وقالت:
- عمر يحبك، وهذا تصرف طبيعي. لكن ما ليس طبيعياً
هو هروب عينيك من عينيّ وارتجاف صوتك وأنت
تتكلمين عنه. ما الذي لا أعرفه يا فتاة؟
احمر وجه زبيدة وقالت وهي ترمق مودّة بعينين لامعتين:
- لا أعرف يا مودة. لكن..
ابتسمت مودّة بسرور وقالت وهي تتكئ في جلستها:
- آه.. كل الأشياء تختبئ خلف كلمة لكن. لقد تكلم
بريق عينيكِ ونظراتك بما دار في خاطري. لقد أحببته
يا زبيدة.
تنهّدت زبيدة وقالت بحماس وتأكيد:
- بل كنت احبه دوما. لقد تسلل إلى قلبي فملكه بكل
تلك الصفات الرائعة التي تميزه. هدوءه وتهوره، رضاه
وغضبه، لهفته وتجاهله.
قالت مودّة وهي تهز رأسها متوعّدة: - تكلمي، تكلمي!
فقد صرتِ تكتمين عني الكثير.
ابتسمت زبيدة وقالت: - ربما لم أرد الإقرار بحبي له حتى
أمام نفسي خوفا من أن أكون واهمة هذه المرة أيضا.
سألتها مودّة بسرور:
- أتذكرين يوم رآك عمر في السوق، حين سألتك إن
كان ممكناً أن تحبيه؟ كان حزنك وحرصك على رضاه
يثير الشك في نفسي.
تنهدت وهي نادمة على كل لحظة لم تدرك فيها عشقها
لعمر:
- خروج مصعب من حياتي جعلني أرى أموراً لم أكن أراها.
لقد آلمني غضبه عليّ حين تشاجرنا يوم عرس بارقة،
وحاولت مصالحته واعتذرت له لكنه عنيد. ربما أخذ
تلك الصفة من خاله الفاروق.
ضحكت الفتاتان ثم اعترفت زبيدة: - لقد جاء موضوع
سفره لحلب هدية على طبق من فضة، كي نتصالح.
شهقت مودّة وقالت مازحة:
- أيتها الكاذبة! أتتخذين من زيارة أخوالك ذريعة
لمرافقته في الرحلة؟
وضربت زبيدة على ذراعها وهي تقول:
- كل هذا وأنا لا أعلم.
وعادتا للضحك ثم قالت زبيدة بابتسامة عريضة:
- صدقيني، أنكرت ذلك حتى أمام نفسي لكنني في
أعماقي كنت أريد الذهاب في الرحلة لأكون قربه،
ولأرى أخوالي أيضاً.
- المهم أنكما تصالحتما في الرحلة، فهذا ما يبدو.
تنهدت زبيدة بشوق وقالت: - وأيّ صلح يا مودّة!
اعتدلت مودّة في جلستها وقالت بفضول وحماس:
- تكلمي ولا تتركي اي تفصيل.
وصل ياسر إلى البيت بعد الظهر وقد تأخر عن موعد عودته
وكان بمظهرٍ مضطرب.
سلم عليهما فسألته مودّة: - ما بك؟ تبدو مضطربا، ولِمَ
تأخرت في العودة؟
جلس ياسر وقال بصوت قلق:
- كنت مع عمر. لقد تعرض محل نجارة في السوق لحريق
وكان عمر قريباً فهبّ للمساعدة، فسقط عليه لوح خشب
ثقيل.

نهاية الفصل الثالث عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:31 pm

الفصل الرابع عشر

جلس ياسر وقال بصوت قلق:
- كنت مع عمر. لقد تعرض محل نجارة في السوق لحريق
وكان عمر قريباً فهبّ للمساعدة، فسقط عليه لوح خشب
ثقيل.
شهقت الاثنتان وخفق قلب زبيدة خوفا على عمر بينما
سألته مودة: - هل تأذّى؟
أجاب ياسر: - كسرت يده وأصيب ببعض الحروق أيضاً
فأخذته إلى الطبيب لوضع الجبيرة ثم رافقته إلى دار أبي.
سألته زبيدة بلهفة: - هل حروقه شديدة؟
قال ياسر بتأثر: - بعضها شديد. لو كان اللوح سقط على
رأسه..
لم يكمل ياسر جملته فقالت مودّة:
- حمداً لله على سلامته.
قال ياسر: - مودّة، سنذهب لدار أبي بعدما أغير ثيابي
لأبقى قربه.
أرادت زبيدة الذهاب معهم لرؤية عمر فأومأت لمودّة ففهمت
وقالت لياسر: - لنذهب حالا ولتأت زبيدة معنا ثم يوصلها
حارس دار والدك.
في الطريق، همست مودّة لزبيدة:
- وجهك ينبئ عما في قلبك. اهدئي وإلا علم الجميع
بمدى حبك له.
أومأت والقلق يتملكها على عمر.
كان عمر مستلقياً في بهو منزله حين دخلت زبيدة خلف
ياسر ومودّة، وقربه والديه وشقيقتيه هند وشيماء. ألقوا
التحية على الجميع وأسرعت مودة نحو عمر:
- حمدًا لله على سلامتك.
- سلمتِ يا زوجة أخي.
وتقدمت زبيدة نحوه وفي عينيها نظرات القلق وقالت:
- سلمت من كل سوء.
قال وهو يرمقها بسرور وقد لاحظ قلقها ودموعاً خفيفة في
عينيها: - سلمكِ الله يا ابنة خالي.
كان ياسر ومودّة يرمقانهما وهما مسرورين وبالكاد يخفيان
ابتسامتيهما.
قالت زبيدة بعد قليل: - هل يمكن أن يوصلني الحارس إلى
دار جدي؟
قال عليّ: - ابقي هنا يا ابنتي وسيأتي جدك بعد قليل.
لابد أن الفاروق والفضل أخباراه بما حدث، فقد علما
بالأمر.
- لكن يا عمّاه..
قاطعها عليّ: - إن لم يحضر بعد فترة فسنرسل الحارس
ليخبره أنك هنا، فلا تقلقي يا ابنتي.
كم تمنت زبيدة أن تجلس قرب عمر وتسأله عن حاله
لكنها كانت تتجنب حتى النظر إليه وهما جالسين بين
الجميع.
وفعلا صدق ظن عليّ فقد وصل الحارث بعد قليل ومعه
الفاروق والفضل، وكان قلقاً جدا على عمر.
- حمداً لله على سلامتك يا ولدي.
أراد النهوض احتراما لجده لكن الحارث منعه فقال مبتسما:
- أنا بخير يا جدي. لا تقلق.
سأله الحارث: - هل تؤلمك الحروق وكسر يدك؟
أومأ إيجابا فقال الحارث: - سلمت يا ولدي.
وقالت زبيدة وقلبها ينبض ألما لألمه:
- أعرف وصفة للحروق تعلمتها من أبي زيد رحمه الله. إنها
ناجحة جداً. فلتأخذني إلى السوق يا جدي لأجمع ما يلزم
لها وأحضّرها.
قال الفاروق: - أخبري عامر بما تريدين فيحضره لك.
شعرت بالغضب والتمعت دموع خفيفة في عينيها لأن
الفاروق يخشى لقاءها بمصعب في السوق رغم أنها رفضته
بنفسها وانتهى ذلك الامر. أما عمر فقد قرأت غيرته في
نظراته.
شعر جدها بانزعاجها فقال مبتسماً ليشاكسها ويخرجها من
حزنها: - لا بد أن أستاذك يا عمر يعرف تلك الخلطة،
فهو طبيب.
ونجح جدها في استفزازها فقالت باعتزاز:
- هذه خلطة خاصة بأهل البصرة، ولن يعرفها أستاذه حتى
بعد مئة عام.
ابتسم عمر وتاه في حركاتها وملامحها الحانقة بينما
ضحك الحارث وقال:
- كم تحبين البصرة وأهلها!
قالت وقد أدمعت عيناها: - كانوا خير أهل لي يا جدي.

كانت زبيدة تكتب أسماء الأعشاب التي تحتاجها لخلطة
الحروق حين اقترب منها جدها وقال وهو يأخذ الورقة
منها:
- اذهبي مع عامر إلى السوق بنفسك يا ابنتي.
رمقته بامتنان وقد أسعدتها ثقته بها فقبّلت يده مبتسمة
ثم استعدت للذهاب.
بحثت زبيدة في أكثر من دكان لبيع الأعشاب حتى
وجدت ما تحتاجه في أحدها. استأذنها عامر في الخروج
ليكلم صديقا ناداه فأذنت له وراحت تجمع المواد التي
تحتاجها.
جفلت حين سمعت صوت مصعب يقول:

- فقط أخبريني لماذا!
استدارت ورمقته بدهشة فقال:
- لا تخافي فلن يحضر حارسك الأمين. لقد جعلت أحد
العاملين عندي يناديه بعدما رأيتك، فمتجري أمامك.
ثم تساءل بسخرية والغيض يلوح في صوته:
- أم أنك تخشين أن يرانا قريبك كذلك اليوم، حين
جئتِ تقابليني خلسة لتطمئني علي؟
انزعجت من تلميحه وظنته تهديدا فقالت بسخرية:
- أو كيوم عرس بارقة، حين ضربك.
احتدت نظرته فقدرت غضبه منها وحنقه فقالت دون أن
تنظر إليه: - لقد أوضحت لك سبب رفضي وتغيري فيما
نقله نوار إليك من كلامي.
سألها بحسرة: - وهل صار ما بيننا كلام ينقله الآخرون لنا؟
قالت والشعور بالذنب يؤلمها:
- لقد توهمت حبي لك. ولأنني لا أريد إيذاءك فقد
أنهيت الأمر حين أدركت الحقيقة. لم أستطع الاستمرار
في الأمر.
رمقها بحزن وحسرة وقال:
- تمنيت أن يكون ما نقله نوار لي كذبًا. أن تكوني
كذبتِ خوفاً من أهلك. لكن بعد تلك الليلة في عرس
نوّار..
تاهت كلماته فترك جملته معلقة فقالت:
- يشهد الله أنني أشعر بالذنب لما سببته لك من ألم دون
قصد مني.
ردّد بألم وغضب وقد علا صوته: - تشعرين بالذنب؟ أيعقل
أن تكتشفي فجأة أنك كنت واهمة؟ ما هذا الهراء؟
قالت باستياء وحدة وهي تبتعد عنه:
- لا تصرخ بوجهي! هذا ما حدث وما شعرت به.
ثم عادت لهجتها للين وهي تضيف امام عدم اقتناعه الذي
رأته في نظراته:
- كل ذلك العذاب لفراقك وكل ما شعرت به نحوك
كان يبدو لي حقيقا جدا وآلمني جدا. لم أكن كل
تلك الشهور أتسلى او أسخر من مشاعرك بل كنت أتألم
ويشهد الله.
سألها بحدة رغم انخفاض صوته: - كيف إذن تنقلب
مشاعرك في لحظة؟
قالت بنفاذ صبر: - والله لا أعرف كيف! ما إن صار زواجي
بك وشيكا بعدما وافق جدي حتى تغير فيّ نحوك كل
شيء. هذه هي الحقيقة.
سألها أخيرا وهو بالكاد يخفي نبرة ألم في صوته:
- هل تحبينه، ابن عمتك ذاك؟
أجابت وهي تبتعد عنه: - نعم.
سخر من نفسه وغضب لعدم استطاعته لجم رغبته في
الحديث معها حين رآها تدخل الدكان مع حارسها، وندم
لطرحه ذلك السؤال عليها.
" يا لذلك السؤال الغبي! كيف لا تحبه؟ ألم تكن
نظراتها له في عرس نوار تفصح عما في قلبها؟ لم تنظر إليّ
يوما بتلك النظرة التي تجلى فيها الخضوع والحب والقلق،
كما رمقته وهي تحاول إقناعه بعدم المشاجرة معي خوفا
عليه. كان كل شيء واضح لكنني أبيت التصديق،
تمَسّكا مني بحبها "
عادت زبيدة لجمع ما تحتاج إليه بسرعة بعيدا عن مصعب
ثم اقتربت من البائع وأعطته الأغراض ليحسب ثمنها فما
كان من مصعب إلا أن خرج من المتجر بعدما ألقى عليها
نظرة أخيرة والغضب والدهشة تعتريان ملامحه.
كانت زبيدة طوال طريق العودة لبيت جدها منزعجة،
غاضبة من مصعب ومشفقة على قلبه الذي كسرته دون
قصد منها.
حضرت زبيدة خلطت الأعشاب وتركتها ليلة كاملة حتى
تجهز، وفي الصباح التالي جاءت تستأذن جدها وقلبها قلق
من عدم موافقته.
- جدي، هل أذهب لبيت عمتي خديجة كي اعطيها خلطة
الحروق؟
- لماذا لا يأخذها عامر؟
قالت تخفي اضطرابها: - يجب أن أذهب بنفسي لأشرح
لعمتي طريقة استعمالها يا جدي فهي صعبة.
- حسناً، إذن ليوصلكِ عامر وينتظركِ هناك ثم
يعيدك.
قالت مبتسمة: - حسناً يا جدي.
لم تكن الخلطة بتلكَ الصعوبة لدرجة أن عامر لن
يستطيع حفظها وشرحها لعمتها، لكن زبيدة كانت تتوق
لرؤية عمر مرة أخرى والاطمئنان عليه.
استقبلتها خديجة بحفاوة وقالت وهما تدخلان البهو:
- أتعبناكِ يا زبيدة.
قالت بخجل: - لا تقولي هذا يا عمتي.
ألقت التحية على عمر الذي تفاجأ بقدومها وردّ مبتسما
بسرور وهو يعتدل في جلسته: - مرحبا بك.
قالت خديجة مبتسمة بمكر وقد لاحظت أول أمس نظرات
ولدها نحو زبيدة:
- لقد أحضرت لك خلطة علاج الحروق بنفسها.
أسرعت زبيدة بالقول كمن يبرر تصرّفه:
- إن طريقة استعمال الخلطة صعبة قليلاً لذا كان يجب
أن آتي لأعلمكِ إياها يا عمتي.
أومأت خديجة برأسها وهما تجلسان ثم أخذت زبيدة تشرح
لعمتها طريقة استعمال الخلطة وهي تشعر بنظرات عمر
المنصبة عليها.
أرادت الذهاب بعدها فقالت خديجة:
- لن تذهبي. ستتناولين الغداء معنا.
- لكن جدي ينتظرني.
قالت خديجة بإصرار وهي ترى نظرات ابنها ورغبته ببقاء
زبيدة: - لا عليكِ. سأرسل عامر ليعود ويخبر أبي أنكِ
ستبقين عندنا.
وأضافت هند التي دخلت البهو لتوها بلهجة عتاب:
- أم أنكِ لا تطيلين البقاء إلا في دار ياسر مع مودّة؟
قالت زبيدة بخجل وارتياح في نفس الوقت:
- كلا يا هند، لكن..
قالت خديجة بحزم: - لا تجادلي واجلسي!
جلست زبيدة وخرجت خديجة لتكلم عامر بينما قالت
هند: - سأحضر شيئا نشربه ثم آخذكِ لغرفتي. أريد
رأيك في بعض الاغراض التي اشتريتها.
خرجت هند وساد صمت قصير علا فيه وجيب قلبيهما
ليقطعه عمر:
- أتعبتكِ يا زبيدة. سلمت يداك.
قالت وخفقاتها تسبب الاضطراب لصوتها:
- لا تقل هذا. المهم ان تتعافى. هل تؤلمك يدك؟
- نعم. وحروق قدميّ أيضاً.
قالت بلهفة: - سلمت يا عمر. هذه الخلطة ستجعل الحروق
تشفى بسرعة.
أومأ ثم سألها مبتسما سؤالاً مختلفاً تماماً عما كان يفكر
به: - هل جلب لك عامر كل المواد التي احتجتها؟
عرفت أنه يتساءل في نفسه إن كانت ذهبت بنفسها إلى
السوق أم لا. وإن ذهبت، فهل صادفت مصعب هناك؟ لكنه
لا يريد أن يسألها صراحة فقررت أن تماطل ولا تخبره
مباشرة بما أراد معرفته.
تحدثت بلهجة طبيعية تخلو من المكر الذي كان
يسكنها تلك اللحظة:
- طلب مني جدي أن أذهب بنفسي إلى السوق.
أومأ بابتسامة ولم يقع في فخ إجباره على طرح السؤال
بصراحة فخاب أملها. وبعد لحظات صمت لم يرتح فيها
الاثنان، قالت:
- جاء مصعب الى دكان بيع الاعشاب حين رآني أدخله..
توقفت حين اعتدل عمر في جلسته والغضب يعلو وجهه ثم
أكملت: - جاء يسألني عن سبب رفضي له فأخبرته بما لم يسمعه مني تلك الليلة في عرس بارقة.
سألها بانزعاج والغيرة تأكل قلبه:
- ولماذا تخبريني بالأمر؟ لا يحق لي التدخل بشؤونك.
رمقته بعتاب وقالت: - ألن تنسَ ذلك الشجار؟
كان يشعر بالغيرة فقال بعصبية وقد نسي قوله للتو بأنه
لا يحق له التدخل بشؤونها:
- مجرد رؤية ذلك الرجل لك تغضبني.
كتمت ابتسامة رضا بسبب غيرته وقالت:
- كان يجب أن يسمع الكلام الذي قلته له اليوم كي لا
يبقى معلقاً بالأمل، فلا أريد الشعور بالذنب تجاهه لبقية
عمري. لست فتاة تتسلى بمشاعر رجل أحبها بصدق ثم
تتركه بلا مبالاة.
علّق باستياء وسخرية: - نعم، أحبك بصدق ولذلك
أرادك جارية له.
كتمت سرورها وقالت تشاكسه دون أن تنظر إليه:
- لقد أحبني، صدّقت ذلك أم لا. وكان واجباً عليّ شرح
الأمر له (رمقته) هل تفهم قصدي؟
ظل الانزعاج واضحا في صوته حين قال:
- اعرف بما تشعرين تجاهه لكنني لا أتحمل أن ينظر
إليكِ.
قالت بانزعاج كاذب وقلبها يخفق سرورا بسبب غيرته: ـ
لتكن هذه آخر مرة نتكلم عنه.
قال هامساً وقد أذعن خافقه لملامحها العابسة:
- ليس الأمر بيدي فأنا أحبك وأغار عليك.
هوى قلبها وجنّ لهفة وعشقا امام نظراته وكلماته ثم
نهضت لتهرب ووجهها يشع خجلا. وكادت تصطدم بهند
وهي تهم بدخول المطبخ.
بعد الغداء جاء عامر ليعيدها إلى بيت جدها فودعتهم
وقالت لعمر: - معافى إن شاء الله.
رد بنظرة عشق لم يستطع منعها مع أن الجميع حولهما:
- عافاكِ الله يا ابنة خالي.
خرجت وهي تبتسم. كم تحب مناداته لها بابنة خالي!

خلال الفترة التالية، كانت زبيدة تطمئن على عمر من
خلال كلام جدها عنه.
كم اشتقت لرؤيته! لكنها لم تعد تملك حجة للذهاب
إلى داره. فكرت بذريعة زيارتها لهند شقيقته لكن ابنة
عمتها كانت مشغولة بالتجهيز لزفافها القريب.
وبقي الاشتياق يؤرقها حتى كانت ذات يوم في دار ياسر
تتحدث مع مودة عن استعدادهما لزفاف هند الخميس
القادم.
دخل ياسر وألقى التحية فردتا عليه فقال لمودّة:
- البسي الخمار يا مودة.. تعال يا عمر.
قفز قلب زبيدة وأخفت ابتسامتها بينما رمقتها مودّة بمكر.
دخل عمر وألقى التحية فردتا عليه وسألته زبيدة:

- هل شفيت حروق قدميك تماماً؟
ابتسم وهو يقول: - الحمد لله. لقد ساعدت خلطتك في
تعجيل شفائها وتخفيف آلامها.
قالت زبيدة تكتم لهفتها: - أبعد الله عنك الألم.
تساءل مفكرا " وآلام بعدك وشوقي إليك، كيف ابتعد
عنها؟ "
وجّه عمر السؤال لمودّة: ـ كيف حال ابن أو بنت أخي؟
- أتعبني هذا الشقي أو الشقيّة.
رمق ياسر زوجته بحب فاحمرّ وجهها فقال:
- سيشرفنا قريباً.
ذهب ياسر لغرفته وذهبت مودّة إلى المطبخ فابتسمت زبيدة
وهي تنظر في أثرهما فسألها عمر:
- هل لي أن أعرف سرّ ابتسامتك؟
قالت بنظرات حميمة: - تذكرت يوم جئت ووالداك
لتكلموا جدي عن خطبة ياسر لمودّة. وها هما الآن
ينتظران طفلهما. كم يمر الوقت سريعًا!
رمقها عمر بنظرات ماكرة وقال:
- ولهذا ذهبتِ إليها عصر اليوم التالي لتنقلي لها الخبر..
ثم تصالحنا هناك.
التقت ابتسامتاهما ونظراتهما لتعيد ذاكرتها مدى سرورها
بكلماته ذلك اليوم، وتضطرب دقات قلبه كذلك
اليوم وككل مرة يراها فيها.
سألها رافعا حاجبه بمكر: - أما زلتِ تذكرين أول مرة
التقينا فيها؟
ضحكت فأطربت أذنيه وعزف قلبه لحنا يشابه ضحكتها.
- مثلها حادثة لا تنسى. كم غضبت منك حينها! وزاد
انزعاجي حين شعرت بمكانتك الخاصة عند جدي.
همس وعيناه تتلهفان لسماع جوابها:
- والآن؟
اضطرب قلبها وتاهت حروفها.
أيطالبها باعتراف بحبه أم هو سؤال عادي؟

نهاية الفصل الرابع عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:33 pm

الفصل الخامس عشر والأخير

همس وعيناه تتلهفان لسماع جوابها: - والآن؟
اضطرب قلبها وتاهت حروفها. أيطالبها باعتراف بحبه أم هو
سؤال عادي؟
دخول مودة وهي تحمل اكواب العصير أعفاها من الإجابة.

كانت هند مضطربة تخشى ان لا تجهز قبل وصول موكب
عريسها، والفتيات حولها يضحكن بمكر.
أما مودّة فكانت مودّة منشغلة بما تعانيه من آلامٍ منذ
يومين. وها هي لا تستطيع الثبات والراحة في جلوس أو
قيام.
سألتها والدتها: - مودّة، ما بك؟
- أعاني آلامًا شديدة يا امي.
بعد قليل وصل موكب العريس وتعالت زغاريد النساء وهن
يسرن بالعروس الى بهو الدار بينما علت صرخة ألم من
مودة وضاعت بين الزغاريد.
أسندتها والدتها وزبيدة واعادتاها الى غرفة هند. قالت
هاجر بقلق:
- اهدئي حبيبتي. سأرسل أحدا ليحضر القابلة. زبيدة،
اذهبي انت الى العرس يا ابنتي ولا تخبري عمتك. لا
نريدها ان تبقى هنا. فلتذهب مع هند لعرسها.
قالت زبيدة بإصرار: - لن اترك مودّة يا خالتي.
اعترضت هاجر بإصرار وهي تتحرك بسرعة لتجهيز
الغرفة:
- لن تفعلي لها شيئا. لن ادعك اصلا تدخلين الغرفة.
- أعلم. لكنني لن اخرج من الدار. سأبقى قريبة من
الغرفة.
تنهدت هاجر بيأس وقالت: - حسنا. اذهبي وأخبري إحدى
الجواري لتحضر القابلة واحدا ليخبر ياسر.
أسرعت زبيدة بالخروج وهي تقول: - حاضر.
واسرعت هاجر الى المطبخ لتجهز ما يلزم.
حاولت زبيدة إيجاد حارس الدار أو أحدا من العبيد
والجواري دون جدوى فالكل مشغول بالعرس. شعرت بالقلق
فهي لا تعرف الطريق لدار القابلة ولا تستطيع البقاء مع
مودّة لوحدها ريثما تحضر عمتها القابلة فربما تلد في أي
لحظة.
راحت تدور في أروقة الدار حتى عثرت اخيرا على جارية
قرب إحدى المداخل المؤدية للحديقة.
صاحت بصوت مرتبك:
- أسرعي الى دار القابلة فزوجة ياسر تلد.
اسرعت الجارية وهي تومئ برأسها: - حاضر يا سيدتي.
عادت زبيدة الى غرفة هند لترى إن كانت عمتها هاجر أو
مودة تحتاجان شيئا.
جلست قرب مودّة تمسح عن جبينها العرق وتشجعها مع أنها
ترتجف خوفا. وحاولت هاجر التصرف بهدوء لكن خروجها
كل لحظة من الغرفة لترى إن كانت القابلة قد وصلت،
عكس اضطرابها وقلقها.
دخلت القابلة أخيرا وقالت لزبيدة:
- اخرجي الآن. (التفتت لهاجر) وأنت ساعديني.
ظلت زبيدة قريبة من الغرفة، تتألم وهي تسمع صرخات
مودّة.
التفتت لياسر الذي تقدم مسرعا فقالت بصوت باكي:
- حمدا لله على مجيئك. مودّة تلد.
- اعرف فقد جاءني عمر وأبلغني.
سألته مستغربة: - كيف عرف؟! لقد بحثت في الدار عن
أحد يبلغك لكني لم أجد فالكل كان مشغولا بموكب
العرس.
أجاب ياسر وعيناه معلقتان بالباب الموصد للغرفة وأذناه
تسمع صراخات حبيبته:
- كان عائدا للمنزل لأخذ شيء نسيه بينما سبقته ووالدي
الى دار عمي. صادف الجارية التي بعثتِها للقابلة فأخبرته
بالأمر.
خرجت هاجر وحدجتهما بحدة وهي تقول:
- ابتعدا من هنا.
قال ياسر بإصرار: - لن اترك زوجتي يا خالتي.
وقبل ان تعترض زبيدة وتطلب البقاء، قالت هاجر بلهجة
آمرة: - لن تبقي هنا لتسمعي صراخها وتنتحبي.
قال ياسر: - اخرجي الى الحديقة الامامية لتطمئني عمر،
وأنا سأبقى هنا.
أومأت برأسها وخرجت الى الحديقة لتجد عمر جالسا
هناك.
سألها بقلق: - هل من جديد؟
هزت رأسها نفيا ونزلت دموعها فقال مبتسما ليخفف قلقها:
- ألهذه الدرجة تحبين مودّة؟
نظرت إليه فذاب قلبه لحزنها واحمرار عينيها لكثرة ما
بكت. وكم تمنى لو يمسح تلك الدموع!
قالت لتشرح سر بكائها الذي استغربه الجميع:
- لقد ماتت جارة لي في البصرة وهي تلد. ماتت وطفلها.
ومنذ تلك الحادثة وأنا أخاف كثيرا حين أرى امرأة تلد.
قال عمر مطمئنا:
- ستكون بخير إن شاء الله فلا تقلقي وادعِ لها.
بعد فترة صمت سادت بينهما، خرجت القابلة فهرع الاثنان
إليها فقالت لعمر بسرور: - صرت عمّا. لقد أنجبت صبيا.
ابتسمت زبيدة بسرور واسرعت الى الداخل بينما أعطى عمر
القابلة كيس نقودٍ فرحا بسلامة مودّة وولادة الطفل ثم
ذهب الى دار عمه لينقل البشرى لوالده.
دخلت خديجة الى الدار وسمعت اصوات ولديها وزوجها
وصوت صراخ قوي جعل قلبها يهوي فأسرعت الى غرفة هند
حيث مصدر الصوت.
ابتسم الجميع في وجهها الذي كان يجمع القلق والسرور
والدهشة وهي تنظر لذلك الصغير الذي لم يكف عن
الصراخ. ضحكت والدموع في عينيها واسرعت تعانق ياسر
ومودّة.
- متى حدث هذا؟
قالت هاجر مبتسمة رغم التعب والقلق الذي مرت به:
- عند وصول موكب العرس بدأت تتألم فأحضرتها الى هنا
وطلبت من زبيدة أن لا تخبرك.
عاتبتها خديجة: - كيف ذلك يا هاجر؟
- كان يجب أن تذهبي مع هند.
قالت خديجة: - لقد شعرت بالقلق لأنني لم أراكِ أنت او
مودّة أو زبيدة في بيت العريس فأسرعت بالعودة وقد توقعت
ولادة مودّة.
قال عليّ: - لقد مر الامر على خير يا ام عمر.
جميلة هي لحظات الفرح بعد كل ذلك القلق.
ضجت الغرفة بأصوات الضحكات مختلطة بصوت ذلك
الصغير الذي ولد في لحظة فرح فبدأت حياته ببدء حياة
عمته هند مع زوجها.
قالت زبيدة وقد أدركت تأخرها فقد بدأت الشمس
بالاصفرار إيذانا بقرب مغيبها:
- يجب ان أعود إلى الدار الآن.
قال عمر وهو: - سأوصلك.
أومأت وودعت الجميع وباركت من جديد لياسر ومودة وعليّ
وعمتيها فقال عمر وهو يكتف يديه ويرفع حاجبيه:
- انا ايضا عم الصغير واستحق المباركة.
لامست رأس الصغير بحذر ثم ابتسمت وقالت وهي ترمقه
بنظرات مشاكسة: - وانا خالته.
رفع حاجبيه فابتسمت ثم غادرا بينما راقبهما الوالدان
الجديدان بسرور.
تساءل ياسر باستغراب يهمس لمودّة وهو لا يعلم أن شقيقه
نطق منذ زمن:
- لماذا لا ينطق شقيقي ويطلبها للزواج؟
لم تخبره مودة بالحقيقة وقالت بمكر تذكره بصمته
الطويل:
- يبدو أن هذا الأمر وراثيّ في عائلتك.
أطلق ياسر ضحكة عالية جعلت الجميع يلتفت نحوه
فصمت لحظة ثم غرق في الضحك هو ومودّة من جديد.


في الطريق، كان عمر وزبيدة صامتين لكن قلبيهما لم
يتوقفا عن إصدار النبضات المضطربة. وحين دخلا إلى دار
الحارث سار عمر نحو الحديقة بدل الاتجاه الى داخل الدار،
ما أسعدها وزاد اضطراب خافقها.
نظر إليها وهي تسير الى يساره وقال:
- سأسافر بعد يومين.
سألته تخفي حزنها: - إلى أين هذه المرة؟
- الى الكوفة.
خفق قلبها واضطربت أنفاسها فتلك مدينة لا تبعد
كثيرا عن البصرة. شعر بما دار في فكرها فقال:
- لو سافرت الى البصرة فسآخذك معي، إذا وافق جدي
طبعاً.
أخذت نفساً متقطعا فسألها: - ألهذه الدرجة مكانتهم
كبيرة في قلبك؟
قالت بعينين دامعتين: - إنهم أهلي.
قال بمكر: - وأنا من أهلك.
لم تنطق وفكرت " فداك قلبي! وهل في اهلي من هو
مثلك؟ "
توقف قرب الشجرة المعمرة الضخمة في حديقة جده
والتي يحب الجلوس عندها منذ صغره.
سألته بخجل وصوت مرتبك بعد تردد:
- هل.. ستتأخر في سفرك؟
لم يضيع الفرصة فسألها وهو ينظر في عينيها:
- هل ستفتقدينني؟
رمقته باستغراب وقد فاجأها سؤاله ثم خفضت بصرها
وقالت باضطراب:
- جدي يحزن لكثرة سفرك وابتعادك عن بغداد.
قال بمكر: - لا أسأل عن جدي.
همست بخجل ونظرها موجّه إلى الأرض: - سأفتقدك.
ابتسم متسائلا: - لماذا؟
ردت بكلمات متعثرة: - أنت.. ابن عمتي. بالطبع
سأفتقدك.
اقترب وهو يهمس: - لا تجيدين الكذب عليّ!
همست معترضة بصوت ضعيف على اقترابه الذي أربك
نبضاتها وانفاسها: - عمر..
فهمس بلهفة وترقُّب: - قولي يا نفس عمر.
كانت أنفاسها المضطربة مسموعة وحالها يجيب عن
سؤاله بألف كلمة لا واحدة، لكنه أراد أن يسمعها منها.
بلعت ريقها وخفضت رأسها أكثر كي تتجرأ على الكلام
وقالت بصوت مرتجف أبياتا من شعر ليلى العامرية:
تُبلّغنا العيونُ بما أرَدنا وفي القَلبينِ ثمَّ هوىً دَفينُ

ما إن تحركت لتهرب حتى اقترب أكثر واضعا يديه على
جذع الشجرة الكبيرة إلى يمينها ويسارها لمنعها من الهرب
فرمقته بدهشة وقد استغربت جرأته ولم تنجح في إخفاء
ابتسامتها فاصطدمت بنظرات الشوق والهيام في عينيه.
أبعدت عينيها عن عينيه وعرفت أنه لن يتركها حتى
يسمع ما تتوق نفسه لسماعه منها وتتوق شفتاها لقوله.
علت انفاسها وتخبط خافقها بنبضاته المجنونة حين همس
مكررا ذاك السؤال الذي يعرف إجابته:
- لماذا ستفتقدينني؟
همست أخيرا بصوت مرتجف: - لأنني.. أحبكَ.
أشرقت ابتسامته وهمس بصوت يخنقه الشوق:
- أعيديها!
همست بخفوت: - لا أستطيع.
اقترب أكثر وهمس حتى شعرت بأنفاسه على جبينها:
- أعيديها يا زبيدة بالله عليك!
همست بأنفاس متقطعة وهي مغمضة العينين:
- أحبك.
ابتعد قليلا وتنهد بارتياح فباغتته وأبعدت يديه وهربت
مسرعة إلى داخل الدار وقلبها يقرع كالطبول حتى أنه
أصم أذنيها بينما ابتسم برضا وهو يتبعها بخطوات سريعة.
حين دخل عمر البهو، كانت زبيدة تقول لجدها وهي تسير
خارجة أو هاربة الى غرفتها قبل وصوله:
- لقد أسماه والده (عبيدة).
وقبل أن تخرج، ألقى عمر السلام بصوت عالٍ قبل أن يتقدم
فقال الحارث بسرور وهو يفتح ذراعيه:
- مبارك يا عمّ عبيدة.
اصطبغ وجه زبيدة باللون الاحمر وهربت مسرعة دون ان
تنظر صوب عمر أو بالأصح اختفت خلف مدخل البهو
متوارية عن أنظار جدها وعمر.
كان قلبها يخفق شوقا للاستزادة من صوته وكلماته،
فوقفت هناك تستمع لحديثهما ولم تتوقع ما سيقوله عمر
الذي لم يُطِق عمر صبرا بعدما حدث، فما كان منه إلا أن
جلس قرب جده وقال وهو يحاول السيطرة عل انفعاله
وابتسامته: - جدي.. هل..
قطب الحارث جبينه وقال مستغربا:
- ما بك تتلعثم يا ولدي؟ قل ما تريد.
قال دون النظر لعيني جده: - زوجني زبيدة.
خفق قلب زبيدة وكتمت شهقة سرور بينما قال الحارث
بحزم بعدما نهض: - ألم ترفض الزواج بها سابقا؟
غاص قلبه وقلبها من خلف ستار المدخل وهما يسمعان
الحدة والغضب في صوت جدهما.
نهض عمر ليواجه جده ويقول: - ليس الامر كما بدا
حينها يا جدي.
قال الحارث بوجه متجهم: - كيف هو إذن؟
" ما الذي تفوهت به لتوي؟ كيف سأشرح لجدي دون ان
أقحم زبيدة في الامر؟ "
- جدي، الأمر.. الأمر أنني..
استدار جده نحوه أخيرا ليقاطعه ويرحمه من الارتباك
والتلعثم ويرحمها من القلق حين أطلق ضحكة عالية
جعلت عمر يحدق به.
وضع يده على كتف عمر وقال: - الامر أنه لا أحد فهم
الامر مثلي.
قطب عمر جبينه وزادت دهشته هو وزبيدة حين قال
الحارث:
- أيها الذكي، ألم ترَها كيف تنظر إليك وتتصرف
معك؟ كيف صدقت بأنها فعلا تحب غيرك؟
اتسعت عينا زبيدة دهشة وهي تسمع كلام جدها وحدق
عمر بجده فأطلق ضحكة خافتة وقال:
- كنت أتمناك لغاليتي فليس غيرك يليق بها. وفرحت
حين شعرت بسقوطك على وجهك منذ البداية.
كتمت زبيدة ضحكتها. كم تحب جدها الذي عوضها
الله به عن والديها!
ضحك عمر وقال بلهفة:
- صدقت يا جدي فقد قلبت كياني من أول لقاء لنا.
رمقه جده بسرور وقال:
- لم أصدق أبدا أنها تعلقت بذاك الرجل، فلا تستطيع
الفتاة المحبة النظر لرجل آخر كما كانت هي تنظر
إليك. لكنها ساذجة وخُدِعت بسرعة.
كم ادهشتها حكمة وقوة ملاحظة جدها الذي أضاف:
- وأنت أحمق فلم تلحظ حبها لك.
كتمت زبيدة ضحكة عالية تمنت إخراجها وهي تتخيل
رد فعل عمر على كلام جده.
رفع عمر حاجبيه اعتراضا فابتسم الحارث وسأله:
- لماذا رفضت الزواج بها مع حبك لها؟
قال عمر بعد حسرة:
- وهل كان أحب إليّ من الزواج بها يا جدي؟ لكنها عندي
أكبر قدرا وأعز كرامة من أن أتزوجها بتلك الطريقة.
ولي كرامة ومروءة لا أفرط بهما حتى على حساب قلبي.
ربت الحارث على كتفه وهو يتأمله بإعجاب ونزلت دموع
زبيدة وهي تدعو الله ان يجمعها بحبيب قلبها ولا يفرقها
عنه.
وراحت تشتم نفسها نادمة على كل يوم فرطت فيه بذلك
الحبيب لأجل وهم.
" لست ساذجة فقط يا جدي بل غبية وعمياء ايضا. آه كم
أحبك يا عمر! "
قال الحارث: - اعلَم أني اريد موكبا كبيرا لخطبتها، وآخر
أكبر يوم زفافها.
قبّل عمر يد جده وقال بلهفة وسرور:
- بأمرك يا جدها...
همس عمر متسائلاً ليعيدها من تلك الذكريات الجميلة
إلى الحاضر الاجمل:
- بماذا تفكرين يا حبيبتي؟
استدارت نحوه وابتسمت. لم تجب بل أنشدته من شعر ابن
الأحنف وهي تتطلع لعينيه الواسعتين وابتسامته الجميلة:
يا زَينَ مَن وَلدَت حَوّاءُ مِن وَلَدِ
لَولاكَ لَم تَملُحِ الدُنيا وَلَم تَطِبِ
ابتسم وهو يسمعها تتغزل به لأول مرة فرفع خمارها ولامس
شعرها الحريري المموج وهو ينشد لابن الأحنف أيضا:
إِذا لُمتُ عَينَيَّ اللَتَين أَضَرَّتا
بِجِسمِي فيكُم، قالَتا لي لُمِ القَلبا
فَإِن لُمتُ قَلبي قالَ عَيناكَ هاجَتا
عَلَيكَ الَّذي تَلقى، وَلي تَجعَلُ الذَنبا
وَقالَت لَهُ العَينانِ أَنتَ عَشِقتَها
فَقالَ نَعَم، أَورَثتُماني بِها عُجبا

رمقته بابتسامة عذبة وأنشدت لابن الأحنف ثانية:
رُبَّ لَيلٍ قَد سَهِرتُه رُبَّ دَمعٍ قَد أَفَضتُه
رُبَّ حُزنٍ لي طَويلٍ مَعَ حُبٍّ لي كَتَمتُه
طبع قبلة على جبينها جعلت قلبها يرتجف وهمس ينشدها
بشوق:

وَما غابَ عَنّي وَجهُها مُذ رَأَيتُها
وَلا مالَ بي عَنها إِلى غَيرِها قَلبي
وَلا اِختَلَفَت حالايَ في وَصلِ حَبلِها
لا أقطَعُهُ في البُعدِ مِنها وَفي القُربِ

تأملته بشغف ثم قالت بدلال أطاح برشده:
- أريد ان تنشدني شعر عمر ابن عليّ.
ابتسم ورمقها بلهفة وقد عادت ذكرى تلك الليلة في
طريقهما لحلب الى خياله:
- لكنه ليس كشعر ابن الاحنف.
تأملته بلهفة وهي تقول: - بل شعره أروع، وقد قلبت
كلماته كياني وارتجف لها قلبي.
أحاط وجهها بكفيه وهو يهمس كتلك الليلة:
وشَعرٌ كليلٍ حاق بضياء قمر
وعينانِ حار في لونهما النظر
بالأمس كانتا كموج البحر
واليوم كفيروز مُخضَر
وتاه أحدهما في عيني الآخر وهما يتذكران رحلة حبهما
الطويلة والغريبة التي توجها الزواج اخيرا..

ولنا لقاء آخر مع..
هل يخفق من جديد؟
الجزء الثاني من سلسلة: متاهات القلوب

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  امة الله في الجمعة ديسمبر 07, 2018 11:25 pm

بجد مبسوطة جدا من الرواية رجعتنى لزمن جميل قيم الحرية الشرف المرؤة الحرية التى لاتقدر بثمن ومش حاسيين بها ازى قلبى انقبض مع مشاعر زبيدة وهى فى لحظة بتتباع جارية وكلمة الجارية الاخرى انها بتتنقل من سيد لسيد قمة المهانة والشعور بالعجز الحمد لله الذى خلقنا احرارا اللهم احفظ امننا واعراضنا واعراض المسلمين صحيح النعم لا تعرف الا بفقدها
شكرا رواية رائعة

امة الله
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 2
نقاط : 4
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/11/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى