روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 7:55 pm

طابت أوقاتكم أعزائي وطبتم..
سلسلة من ثلاث قصص. أنقلكم من خلالها عبر الزمن لأعود بكم ونفسي إلى ماض جميل وغريب.. مليء بأسرار لا نعرفها عن زمان مضى..
حاولت جاهدة تخيل الحياة في ذاك الزمان فوصفتها في سطوري التي تروي لكم قصة فتاة أبت كرامتها إلا الوقوف في مواجهة الرق والاعتزاز بحريتها..
ثلاث قصص من بلاد الرافدين أيام العصر العباسي.
تدور أحداثها في حاضرته، بغداد وإحدى أكبر مدنه، البصرة.
رحلة ممتعة أرجوها لكم على جناح صفحاتي وقصة ( زبيدتي )..
الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب

وانتظروا الجزء الثاني ( هل يخفق من جديد؟ )
والجزء الثالث ( قد ننسى! )


الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:00 pm

الفصل الأول

وقفت (زبيدة) حائرة ومذهولة. أيمكن أن يكون ذلك
حقيقة؟ وجهت نظرة لوالدتها (فاطمة) تستجدي منها قول
شيء يخالف ما سمعته من والدها (زيد) لكن والدتها لم
تحد عن صمتها ومسحت دموعها التي أخذت تتساقط.
قالت شقيقتها (ريم):
- أبي، أمي ما هذا الكلام؟ لا يمكن أن يكون هذا
صحيحًا.
قال زيد بصوت ضعيف: - وهل يكذب المرء وهو ينازع؟
قالت ريم وهي تشعر بوخز مؤلم في قلبها:
- العفو يا أبي لكن ما تقوله.. زبيدة ليست شقيقتي
وابنتكم، كيف ذلك؟!
وسألته زبيدة ودموعها تتساقط تباعا وفي داخلها شعور
غريب لا تستطيع تحديد ماهيته. شعور بالذهول والألم
والحيرة: - ابنة من أنا إذن؟
قال زيد بصوت متعب: - آسف يا ابنتي، لم أرِد إيلامك
وإخبارك بهذا السر بعد كل تلك السنوات.. لكنني لم
أحتمل الاستمرار في كتمان الأمر عنك وأخذ هذا الذنب
معي إلى القبر.
كررت زبيدة سؤالها وهي تشعر أن الألم يعتصر قلبها
ويجعل أنفاسها تتقطع:
- ابنة من أنا؟ من هم أهلي؟ ولماذا تركوني؟ هل..
علت ملامحها سحابة سوداء واختنق صوتها وكأنه يرفض
الخروج لتقرير حقيقة مرة. بلعت ريقها وأردفت:
- هل أنا ابنة حرام؟
هتف زيد وفاطمة معاً: - كلا!
ثم قالت والدتها وهي ترى الإنهاك باديا على وجه زيد:
- سأخبرك بكل شيء. قبل أكثر من عشرين سنة، خرج
والدك مع (إبراهيم) في قافلة تجارية متجهة إلى بغداد
ومنها الى الشام. في طريق عودتهم من الشام الى بغداد،
انضم إليهم رجل وزوجته ومعهما طفلتهما التي كانت في
أشهرها الأولى. أغار عليهم لصوص الصحراء وأخذوا ما معهم
من نقود وبضائع لكنهم طمعوا في المرأة لأنها كانت
جميلة.
أرهفت زبيدة سمعها أكثر وقد عرفت أن الرجل والمرأة هما
والديها وأن الطفلة الصغيرة كانت هي.
- أخذوها من والدك بالقوة بينما كان باقي الرجال
مشغولون بقتال باقي اللصوص فقاتلهم والدك لكنهم
طعنوه ثم طُعِنت والدتك بسيف أحدهم أثناء مقاومتها
لهم وماتت من فورها.
أخذت زبيدة تبكي بحرقة على والدين لم ترهما أو تعلم
بوجودهما قبلا، وعلى حياة كانت مجرد كذبة كبيرة.
قال زيد بصوت متعب: - لقد أدرك إبراهيم والدك قبل أن
يموت..
سألته زبيدة بلهفة مقاطعة إياه: - ماذا قال له؟ هل ذكر
له اسمه؟
أجابها زيد بصوت متعب: - أخبره أنه من بغداد واسمه هو
(عاصم) ثم استحلفه بالله أن يعتني بك، ومات وهو يردد
" زبيدة أمانة في عنقك".
قالت زبيدة بصوت يخنقه البكاء والمرارة:
- على الأقل، اسمي حقيقي وغير مزيف مثل حياتي.
كانت دموع ريم تتساقط وهي تنظر لزبيدة التي كانت
شقيقتها وصديقتها وأغلى شخص لديها.
قالت فاطمة وهي تمسح دموعها:
- كنا متزوجين منذ ثلاث سنوات ولم نرزق بطفل بعد
فأخذناكِ وربيناكِ كابنة لنا. لم نخبر أحدا بالحقيقة
غير والدينا. وظن الناس والأقارب أنني أخفيت أمر حملي
خشية ان أفقدك قبل ولادتك. وأخبرنا الناس أنني
تركتك عند إحدى المرضعات خارج البصرة لأنك
مرضت عند ولادتك ونصحنا الطبيب بإبقائك في البادية
عدة أشهر.
تذكرت زبيدة مواقف في طفولتها لم تكن تفهمها أو
تعرف سببها في حينها وقالت:
- لهذا كان أجدادي يعاملونني بطريقة مختلفة. لأنني
غريبة ودخيلة عليهم ولست حفيدتهم مثل ريم.
قالت فاطمة: - رحمهم الله جميعاً. لكننا لم نفرق في
المعاملة بينك وبين ريم. ولم يتغير حبنا لك بعد ولادة
ريم فأنت ابنتنا أيضاً.
اعترضت زبيدة بمرارة: - ما زلت تقولين ابنتكم.
ضمتها فاطمة بقوة وهي تبكي وتقول: - نعم ابنتنا. لقد
أرضعتك مع ريم حين ولدت بعدما وجدناك بعام واحد
وشهرين. أنت ابنتي يا زبيدة.
ابتعدت زبيدة وسألتها وهي حزينة وغاضبة:
- لماذا لم تعيداني إلى أهلي في بغداد؟ كان من الممكن
أن تسألوا عنهم وتجدوهم.
أجابها زيد بصوت متعب: - لقد أحببناك ولم نقوَ على
مفارقتك.
قالت باستياء وهي تبكي: - لقد جعلتما حياتي كذبة
كبيرة. كيف استطعتما فعل ذلك؟!
صاحت بها فاطمة وهي تمسك ذراعيها:
- ليست كذبة. حبنا لك ليس كذبة، سهري عليكِ
وقلقي أن يصيبك مكروه ليس كذبة.
هتفت زبيدة بحنق: - لقد جعلتماني أعيش حياةً ليست
حياتي مع والدين ليسا بوالديّ وشقيقة..
اختنق صوتها ولم تستطع أن تقول ليست شقيقتي، لأن ريم
بالنسبة لزبيدة أكثر من شقيقة أو رفيقة بل هي قطعة
من قلبها وروحها.
وبسرعة ضمتها ريم وهي تصيح: - اخرسي! أنتِ شقيقتي.
بللت دموع زبيدة كتف ريم ثم أبعدتها وركضت خارجة
إلى حديقة الدار فقد شعرت بالاختناق وبالنار تشتعل
داخلها.
ظلت تسير في الحديقة وهي تائهة ومشتتة المشاعر. لقد
شعرت بالفراغ وبالغضب من والديها، أو من كانت تظن
طوال حياتها أنهما والداها.
سمعت صراخ فاطمة وريم فنزلت دموعها وقد عرفت أنها
فقدت زيد، الوالد الوحيد الذي عرفته في حياتها.



ثلاثة أسابيع مرت على وفاة زيد والحزن ما زال يخيم على
الدار. كانت تلك الأسابيع بالنسبة لزبيدة مختلفة عن
كل سنوات عمرها التي قضتها في منزل زيد. شعرت انها
غريبة وفي مكان ليس بمكانها، وظلت التساؤلات
والأفكار عن والديها وباقي أهلها الحقيقيين تطاردها ولا
تهدأ ليل نهار. وبعد أيام، قررت أن تحدث فاطمة وريم فيما
عزمت عليه رغم صعوبته.
خرجت زبيدة ظهراً على فاطمة وريم بينما كانتا
جالستين في الفناء. جلست بعيدة عنهما قليلا وقالت
مباشرة: - سأذهب إلى بغداد لأبحث عن أهلي.
رمقتها فاطمة بدهشة وحزن وسألتها ريم وقد لمعت عيناها
بالدموع: - هل ستتركيننا يا زبيدة؟
قالت زبيدة دون أن تنظر إليها كي لا تبكي:
- لو كنتِ مكاني، أما كنتِ ستبحثين عن أهلك؟
سألتها فاطمة بلهجتها الحانية وهي تقاوم دموعها: - ألم
نكن أهلك طوال حياتك؟
جعلتها كلمات فاطمة تختنق بغصة البكاء وأجابت وهي
تغالب دموعها:
- كنتم خير أهل لي. لكن يجب أن أجد أهلي وأعرف
هويتي ولمن أنتمي (عادت للمعاتبة) لماذا فعلتما هذا بي؟
لم تعيداني لأهلي منذ البداية ولم تتركاني على جهلي
بالأمر.
لم تجد فاطمة تبريراً لما فعلاه هي وزيد فصمتت ونكست
رأسها بينما قالت زبيدة:
- رغم عزمي على لقاء أهلي إلا أنني أتمنى لو لم تخبراني
الحقيقة. على الأقل كنت سأكمل حياتي بصورة طبيعية
حتى وإن كانت مزيفة.
أمسكت ريم يديها بقوة كما تفعلان لبعض حين تتوتر
إحداهما، وقالت فاطمة:
- لقد أتعبنا هذا السر لسنوات لكن..
أكملت زبيدة بحدة: - لكن أبي أخبرني به قبل موته
ليريح ضميره. كلّ يفكر في نفسه. أردتماني ابنة لكما
فكتمتما الأمر عني، وفجأة تخبراني به بكل بساطة لأن
أبي لا يريد حمل ذاك السر معه للقبر.
قالت فاطمة وهي تبكي: - لا تقسي علينا وتظلمينا يا
زبيدة. يكفي ما أعانيه مع كل نظرة منكِ منذ
أخبرناكِ الحقيقة.
مسحت زبيدة دموعها وقالت:
- سأتكلم مع العم إبراهيم كي يأخذني معه عندما
يسافر إلى بغداد.
بعد لحظات صمت قالت فاطمة: - ليسامحنا الله على ما
فعلناه ويوفقك لإيجاد أهلك. لكن.. إن لم تجديهم
فعودي إلينا يا ابنتي.
لم تعلق زبيدة وذهبت إلى غرفتها بينما ملأ الحزن قلب
فاطمة وريم على فراق زبيدة منذ الآن. وذلك ما كانت
تشعر به زبيدة أيضاً. فرغم غضبها من زيد وفاطمة إلا أنهما
يبقيان الوالدان اللذان ربياها وستظل تحبهما لآخر عمرها.


جاء إبراهيم لزيارة عائلة صديق عمره زيد وتفقد
طلباتهم. جلست زبيدة أمامه وقالت بلهجة جافة دون النظر
إليه مباشرة، فهو الآخر مشترك في إخفاء الحقيقة عنها:
- أريد أن تأخذني لبغداد في أقرب رحلة لك.
كانت دهشته كبيرة وهو ينقل نظره بين زبيدة وفاطمة
فقالت زبيدة:
- لقد أخبرني أبي بكل شيء قبل موته.
شعر إبراهيم بالخجل أمام نظرات الاتهام التي بدت في
عيني زبيدة نحوه وقال لها:
- سأساعدك على إيجاد أهلك يا ابنتي وسأسأل عنهم
بنفسي حتى أجدهم. لقد أخطأنا بحقك كثيرا لكن
أرجو أن تسامحينا يا ابنتي لأننا أخفينا الحقيقة عنكِ.
أومأت برأسها وأدارت وجهها عنه كي لا تستمر بتوجيه
نظرات العتاب نحوه، فقد كان دوما بمثابة العم لها وهي
تعرف أنه فعل ما فعل تلبية لرغبة زيد.


وقفت زبيدة عند باب الدار وهي تنظر لأغراضها وثيابها
التي جمعتها والدموع تتساقط من عينيها. فقد قضت تلك
الساعة بين بكاء وعناق مع ريم. أما فاطمة فكانت
مختبئة في غرفتها.
كانت تضع كل قطعة من ثيابها وتطوي معها ذكرياتها
فيها مع ريم. ذاك ثوب ارتدته وهما تتجولان في السوق،
وآخر كانت تتناوب في ارتدائه معها وثالث ارتدته حين
حضرتا عرس إحدى جاراتهما ورابع لبسته وهما تزوران ابنة
إبراهيم.
أخذت ريم الثوب الذي كانت ترتديه زبيدة واستبدلته
صباحا، وضمته وهي تقول باكية:
- دعيه معي لأشم فيه رائحتك كلما اشتقت إليك يا
شقيقة روحي.
ضمتها زبيدة وهي تبكي وفكرت جديا بالعدول عن
السفر والبقاء مع فاطمة وريم في ذاك البيت الدافئ حيث
قضت عمرها.
خرجت فاطمة مسرعة وعينيها حمراوين من أثر بكائها
الطويل حالما سمعت صوت طرقات إبراهيم على الباب.
قالت وهي تأخذ يدي زبيدة بين يديها:
- سامحينا يا ابنتي. لقد فعلنا ما فعلناه حباً بك.
قالت زبيدة وهي تقاوم البكاء بصعوبة:
- رغم كل شيء فأنتما والداي اللذان ربياني وعاملاني
كابنتهما. سامحيني أنتِ أيضاً لأنني جرحتكِ بكلامي.
وضمّت فاطمة بقوة وهي تشهق بالبكاء ثم قالت لريم:
- وأنتِ يا شقيقة نفسي..
وهنا انهارت الفتاتان بالبكاء وهما تضمان بعضهما
وتتمنيان لو يقف بهما الزمن فلا تفترقان.
قال إبراهيم وهو يمسح دمعة ترقرقت في عينيه: - هيا
كي لا نتأخر يا زبيدة.
حملت زبيدة أغراضها واستدارت نحو الباب فنادتها فاطمة:
- زبيدة! انتبهي لنفسك فبغداد مدينة كبيرة.
أومأت زبيدة ومشت فنادتها فاطمة ثانية:
- زبيدة! تمسكي جيداً وأنتِ في الهودج فأنتِ تخشين
ركوبه.
ابتسمت وأومأت لفاطمة وهي دامعة العينين وقبل ان تغلق
الباب نادتها فاطمة مرة ثالثة: - زبيدة!
قالت والبكاء يخنق صوتها: - نعم يا أماه؟
- زورينا يوماً يا ابنتي.
لم تستطع الكلام ومنعتها دموعها من الرؤية فرفعت يدها
لتودعهما ثم أغلق إبراهيم الباب. ألم اعتصر قلبها، وكأنه
أغلق الباب على ذكرياتها وسنوات عمرها كله لتبدأ
رحلة تجهل مستقرّها.
انطلقا وظلت زبيدة تنتحب طوال الطريق كما كانت
فاطمة وريم في دارهما.
قال إبراهيم بابتسامة محاولا التخفيف عنها:
- الآن أدركت أن (سمراء) محقة بعدم مجيئها لوداعك.
ابتسمت زبيدة وقالت: - أعرف كم تخجل من إبداء ضعفها.
إنها تخشى أن تفضحها دموعها وتنزل بغزارة حين وداعي.
قال إبراهيم والحزن يشوب صوته: - إنها حزينة جدا
لفراقك.
- بلغها سلامي حين تعود سالما الى هنا (تنهدت بحرقة) إن
كان لنا نصيب فسنلتقي ثانية.
ركبت زبيدة الهودج وقد أنساها ألم ذكرى توصيات
فاطمة خوفها.
نظرت إلى مدينتها التي راحت تتلاشى وتزداد بعدا وهي
تبكي وتودعها وشعرت بالحنين والشوق لفاطمة وريم منذ
تلك اللحظة.


انقضى نصف الطريق إلى بغداد وكانت لهفة زبيدة للقاء
أهلها تزداد، وكذلك قلقها كلما قرب أوان اللقاء بهم.
غفت زبيدة ليلاً وهي تفكر بحياتها السابقة وحياتها
المجهولة التي تنتظرها ثم استيقظت وهي تشعر بيدين
قويتين تقيدان حركتها وأخريين تربطان فمها لكتم
صوتها.
عادت لذاكرتها على الفور قصة اختطاف والدتها لكن
الأمر اختلف معها، فقد نجح اللصوص في أخذها بعيداً عن
القافلة ولم يفلح إبراهيم في اللحاق بهم حين استيقظ
ورآهم. لقد ظن انهم سرقوا المال لكن حين دخل خيمة
زبيدة ليطمئن عليها ولم يجدها عرف انهم سرقوها هي.
وكم كانت فجيعته بتلك التي ظلت أمانة في عنقه مذ
تركها والدها ورحل عن الدنيا وهي ابنة أربعة أشهر.


قضت زبيدة أياماً صعبة متعبة في الصحراء. كانت مقيدة
اليدين ومربوطة الفم أحياناً كي لا تصرخ فيسمعها أحد،
ولم يفك اللصوص قيدها إلا عندما كانت تتوسل إليهم
كي تتوضأ وتصلي أو حين تأكل بعض اللقيمات الصغيرة.
وصلوا اخيراً إلى بيت متطرف في ضواحي إحدى المدن
فنزل الرجل الذي كان يجلس أمامها على الجواد ثم فك
الرباط الذي كان يربطها به كي لا تسقط. طرق أحد
اللصوص الباب فخرج عليهم رجل لا توحي ملامحه
بالطمأنينة. تأمل زبيدة مليّاً ثم قال لكبير اللصوص: -
لنرَ ما أحضرت لي هذه المرة.
مدّ يده نحو زبيدة فتراجعت للوراء وظهر الخوف والغضب
عليها فقال الرجل:
- يبدو أنها شرسة وستتعبني.
سأل أحد اللصوص الرجل: - أتريد المفاصلة في ثمنها يا
(سهيل)؟
وقال آخر: - أنظر إلى جمالها يا رجل. ستبيعها بثمن مرتفع.
قال كبير اللصوص: - عليك اللعنة يا سهيل! نحن
متعبون. فلندخل أولاً.
ضحك بخبث ثم قال: - لن نختلف. تفضلوا.
سحبها سهيل إلى الداخل وتبعهما اللصوص ثم أدخلها إلى
غرفة صغيرة فتملكها الخوف من مصير مجهول ينتظرها.
فك رباط فمها فقالت محاولة ً التأثير عليه:
- أرجوك، هؤلاء اللصوص اختطفوني من القافلة. أعدني
لأهلي وسيعطونك ما تريد. تبدو رجلاً شهماً و..
قاطعها بضحكة عالية ساخرة جعلتها تجفل ثم قال:
- أنا ماذا؟! الشهامة كلمة لا أحبها ولم أتصف بها يوماً.
شعورها باليأس والغضب من خسته جعلها تقول بحدة: -
عرفت أنك وضيع منذ رأيتك.
عاد للضحك ثم صفعها فزفرت وحدجته بغضب. اتجه إلى
الباب وقبل أن يخرج قال:
- لا تفكري في الهرب فلن تنجحي. ولا تصرخي طلباً
للنجدة لأنك ستفقدين صوتك قبل أن يسمعك أحد.
جلست على الأرض منهارة ودموعها تتساقط لتبلل خمارها
وتمتمت: - يا ويلي! صرت جارية تباع وتشترى.


قضت زبيدة أياماً وهي تبكي أغلب الوقت وتتضرع إلى الله
ليخلصها مما هي فيه، ولم تكن تأكل حتى ينال منها
الجوع فتكاد تسقط.
جاء النخاس وسحبها من يدها ظهر أحد الأيام وهو يقول:
- تعالي لتغتسلي وتغيري ثوبك.
نظرت زبيدة إلى الثوب الأزرق الذي يحمله سهيل في يده
ونهضت معه دون اعتراض فقال مسروراً رغم استغرابه:
- أحسنتِ. يبدو أنك تعلمتِ الطاعة.
لم يكن هدوءها طاعة أو استكانة لكنها عرفت أنه
ينوي بيعها في السوق وهو ما انتظرته منذ أيام. لقد قررت
أن تستغل فرصة انشغاله وهما في السوق قبل أن يبيعها
وتهرب منه.
في تلك الأثناء كان إبراهيم يجوب أسواق بغداد، يسأل
كل من يصادفه عنها حتى فقد الأمل وقفل عائدا الى
البصرة.
" كيف لي أن أبلغ فاطمة وريم الخبر؟ كيف سأخبرهما
أنني ضيّعت الأمانة؟ آه يا ابنتي! ما حالك الان وفي أي
أرض أنت يا ترى؟ "
تساؤلات أرقت إبراهيم وحسرة لم تفارق قلبه على زبيدة
التي طالما اعتبرها ابنته الثانية.
في صباح اليوم التالي وصلت زبيدة برفقة سهيل وعبده
(يسار) إلى سوق كبير فسألت العبد: - أين نحن يا يسار؟
- نحن في سوق بغداد يا زبيدة.
تنهّدت وفكرت في نفسها " أسافر قاصدة ًبغداد لكنني
أصلها بطريقة ما كانت لتخطر على بالي. هذه إذن مدينة
أهلي ".
تأملت السوق المزدحم وشعرت بحنين أحرق قلبها لوالدين
لم ترَهما وأهل تتمنى لقاءهم.
شجعت نفسها وبدأت بتنفيذ أول خطوة في خطتها فقالت
لتبعد يسار: - أريد طعاماً فأنا أشعر بالجوع.
رمقها يسار مستغرباً وقال: - هذه أول مرة تطلبين فيها
الطعام.
قال سهيل بحدّة: - لا تثرثر وأحضر ما لدينا من طعام.
قالت زبيدة معترِضة: - طعامك فاسد. أريد طعاماً من هذا
السوق.
تأفف سهيل وقال: - اذهب واشترِ لها الطعام لتأكل كي لا
تسقط في السوق فيزهد فيها السادة. متى أبيعك لأرتاح
من عنادك.
فكرت وهي ترمقه بحدة " يا نخاس السوء. فوق كل هذا
أنت من يريد الخلاص مني؟ "
راقبت سهيل وانتظرت فرصة مناسبة لتهرب قبل عودة
يسار.
قال سهيل بذاك الصوت الخشن الذي يقشر له جسمها
كلما سمعته يهدر:
- تقدمي إلى وسط السوق كي يراكِ السادة.
خافت أن تذهب خطتها هباءً وتضيع فرصتها في الهرب إذا
اشتراها أحدهم فقالت: - لن أتحرك حتى يأتي يسار
بالطعام. سأسقط من الجوع ولا أقوَ على الحركة.
قال لها بحدة وهو يصر على أسنانه:
- وهل أمنع عنك الطعام يا لعينة؟ أنتِ من تمتنع عن
الأكل.
ابتعد قليلا ليضيف: - حسناً، لتأكلي أولاً كي تحسني
الوقوف أمام السادة علّك تعجبين أحدهم. مع أنني أشك
في ذلك. لقد طغى شحوبك وذبول وجهك على
جمالك.
اقترب رجل من سهيل وسلم عليه ثم تأملها بإعجاب فخافت
أن يشتريها لكن سهيل بدد مخاوفها حين قال له:
- لا تفكر في الأمر حتى، فأنتَ لا تقدر على ثمنها.
لوى الرجل فمه ثم قال وهو يقترب من زبيدة ويرمقها
بلهفة:
- لو كنت أملك المال ما تركتها. حسناً، خذ. هذا ما
أدين به لك يا سهيل.
ألقى لسهيل كيسا من المال وانصرف وهو يستدير كل
حين ليرمق زبيدة بحسرة بينما شعرت هي بالراحة وبأن
الوقت المناسب قد حان وهي ترى عبد المال ذاك منشغل
بعد النقود. إنها فرصتها الوحيدة للهرب.
ركضت بأسرع ما استطاعت رغم تعبها الشديد واتجهت إلى
زقاق ضيق مزدحم في السوق علّها تفلح في تضليل سهيل
فيفقد أثرها في الزحام.
ركض سهيل في أثرها وهو يصيح: - عودي يا جارية
السوء!
كانت تركض وتلتفت للوراء كل حين كي تتأكد أنه
ما زال بعيدا عنها. قلبها كان يخفق بعنف خوفا من أن
يدركها، وجسدها بدأ يخونها ويبطئ حركته مطالبا
بالراحة.
لكن سهيل لم يدركها بعد فقد كانت حركته بطيئة
بسبب امتلاء جسده وكبر سنه الذي ناهز الخامسة
والستين. حمدت الله وظلت تركض وهي تلتفت كل
لحظة للوراء حتى اصطدمت بأحدهم..

نهاية الفصل الأول

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:01 pm

الفصل الثاني

لم يدركها سهيل فقد كانت حركته بطيئة بسبب
امتلاء جسده وكبر سنه الذي ناهز الخامسة والستين.
حمدت الله وظلت تركض وهي تلتفت كل لحظة للوراء
حتى اصطدمت بأحدهم.
التفتت إلى الرجل الذي أمسك ذراعيها حين صدمته
ونفضت ذراعيها لتحررهما من يديه فتأملها. كانت تلهث
وتنظر إليه بعينين خائفتين شاردتين جعلتاه يشرد فيهما.
التفتت بفزع للوراء وأفاق (مصعب) من شروده وكف عن
الغوص في عينيها حين سمعا صوت سهيل يصيح:
- أين أنتِ يا جارية النحس؟
سألها الرجل الواقف الى يسار مصعب: - أهاربة من سيدك؟
هزت رأسها نفياً وأجابت بأنفاس ما تزال متقطعة:
- ليس بسيدي. خلصاني منه أرجوكما.
أخذت دموعها تتساقط فقال مصعب لرفيقه معاتباً:
- أخفتها يا (نوّار).
قال نوّار بامتعاض وعدم ارتياح: - ألا ترى أنها كاذبة؟ إنها
جاريته يا مصعب.
قالت وهي ترمق نوار بحدة: - لست جارية أحد.
اقترب سهيل فزاد شحوب وجه زبيدة وقالت متوسلة بمصعب
والرعب يملأ عينيها اللتين طغت الزرقة عليهما بسبب
فستانها وخمارها الأزرقين:
- أجرني منه أرجوك. لا تدعه يأخذني.
قال لها مصعب بحزم مطمئناً إياها: - لا تخافي واهدئي.
وصل سهيل قربهم وصاح حين رآها: - تعالي يا لعينة.
اختبأت خلف مصعب لتحتمي به وقد لمست منه تصديقاً
لها بعكس رفيقه نوار بينما قال سهيل:
- يا سيداي، هذه الجارية هربت مني.
صاحت به من خلف مصعب بصوت متعب وهي تشعر بالإعياء
وقد بدأت تتصبب عرقا: - لست جاريتك، قتلك الله.
جذبها النخاس من ذراعها فهوت لكن مصعب أمسك
ذراعيها.
كانت تعاني الاعياء وقد غدا وجهها شاحبا وراحت الأرض
تدور بها. أجلسها مصعب وأحضر نوار الماء فساعدها مصعب
على شربه ثم ناولها ثمرة تمر وهو يقول:
- ستُشعِرُكِ بالتحسن.
ثم التفت للنخاس وسأله بحدة: - أكنت تمنع عنها
الطعام؟ إنها شاحبة ولا تقوَ على الوقوف.
قال سهيل بانزعاج: - هي من كانت تمتنع عن الطعام لأنها
عنيدة ومتمردة. هيا تعالي!
أراد سهيل جذبها بينما كانت تمسح وجهها بالماء الذي
اشعرها ببعض التحسن فقال له مصعب بحزم:
- انتظر! هذه الفتاة استجارت بي ولن تأخذها حتى أعلم ما
أمرها معك.
قال سهيل بحدة: - إنها جاريتي ولن تمنعني من أخذها.
هتف نوار بسهيل: - ويحك! ألا تعلم من يكون؟ إنه مصعب
ابن (جابر) أكبر تجار بغداد.
ندم سهيل على تسرعه واقترب من مصعب وأخذ يتملق له
وهو يقول:
- آسف لأنني لم أعرفك يا سيدي فأنا لم ارك من قبل.
لكن صيتكما أنت ووالدك ذائع في بغداد كلها.
قال مصعب وهو يرمقه بانزعاج: - ما حكاية الفتاة معك؟
أسرعت زبيدة بالقول: - لقد أخذني من اللصوص الذين
اختطفوني في الصحراء.
فقال سهيل: - إنها كاذبة يا سيدي. لقد اشتريتها وهي
جاريتي، وهذا كتاب رقّها.
قالت له زبيدة بانفعال وهي تقف فلم تعد قادرة على البقاء
جالسة مع كل ذلك الغضب من سهيل:
- اشتريتني من اللصوص الذين سرقوني وليس من سوق
الرقيق. لست جارية بل حرة يا نخاس السوء.
تغاضى سهيل مجبرا عن كلامها وسبابها ليصل للهدف
الأهم:
- إن أعجبتك فاشترِها مني لكن ثمنها مرتفع فهي..
هتفت زبيدة مقاطعة إياه: - تبيع من، قتلك الله؟
قال نوار لسهيل بحنق وسخرية: - لو أراد لاشتراك وما
تملك أيها النخاس.
ابتسم مصعب وهو يقول: - سامحك الله يا نوار. وما حاجتي
لوجهه العكر هذا؟
قال سهيل: - إنها عنيدة قليلا لكنك لن ترَ جارية مثلها.
إنها الآن شاحبة بسبب عنادها وعدم إقبالها على الطعام
لكنها في الحقيقة فاتنة كما انها عذراء.
أبعدت زبيدة وجهها خجلا وهي تتمنى ضرب سهيل لكن
خجلها منعها من الرد عليه.
مدّ سهيل يده نحو وجهها وهو يقول مُتِمّا عرضه:
- انظر لهاتين العينين الساحرتين.
وكأن مصعب لم ينظر إليهما ويؤخذ بسحرهما مذ وقعت
عيناه عليهما.
ضربت زبيدة يد سهيل وصاحت: - أبعد يدك القذرة عني.
همس نوار لمصعب بمكر: - إنها فرس جامحة.
قال مصعب ونظرات الإعجاب في عينيه: - بل هي فعلاً
حرة، كما قالت يا صاحبي.
قال سهيل بحدة: - دعي السيد يراكِ يا جارية!
هتفت زبيدة وهي تحاول التماسك: - لست جارية يا وضيع.
قال مصعب بحزم لسهيل وهو يرفع يده:
- لا داعي لذلك. كم تريد؟
اعترضت زبيدة ونظرات الدهشة والخوف تملأ عينيها وهي
تقول بصوت متحشرج وعينين تجمعت فيهما الدموع
لتزيداهما سحرا وتزيد مصعب إعجابا:
- أخبرتك قصتي معه، فهل صدقت تلك الورقة التي
يسميها كتاب رقّ؟
نظر إليها بعينيه الناعستين الكحيلتين وقال بصوت هادئ
وابتسامة واثقة: - لا تخافي، سأخلّصك.
شعرت براحة وهي تسمع نبرة صوته وكبُر الأمل داخلها
بالخلاص من محنتها. وربما ساعدها هذا الرجل الشهم في
العثور على أهلها. ابتسمت له ولاحت دموع الفرح في
عينيها.
دفع مصعب مبلغاً كبيراً لسهيل وأخذ منه كتاب رقّ زبيدة
فانصرف سهيل وهو سعيد بالتخلص من عناد زبيدة وبيعها
بذاك المبلغ الكبير الذي لم يكن يتوقعه.
جلست زبيدة لترتاح وقد عاودها دوار خفيف وقالت وهي
تنظر بامتنان لمصعب:
- لا أعرف كيف أشكرك.
ابتسم مصعب وجلس قريبا منها بينما كان نوار متكئا
على أحد أعمدة الدكان وهو يكتف ذراعيه ويراقبهما
بصمت مع ابتسامة مكر على شفتيه.
- ما اسمك؟
سألها مصعب مبتسما فترددت لحظة في الإجابة لأنها
كادت تذكر اسم زيد وهي لا تريد ذلك، بل تريد قول
اسم أبيها الحقيقي عاصم فنظر إليها نوار باستغراب وسألها
بمكر: - أتجهلين اسمك أم اسم أبيكِ يا جارية؟
وجّهت نحو نوار نظرة حادة وقالت: - لولا معروف رفيقك
معي لعرفت كيف أرد عليك. اتقِ الله يا هذا.
صاح نوار بغضب: - الزمي أدبك.
ردت عليه بحدة هي الأخرى وغضبها يزداد على هذا الرجل
الذي لم يرتح لها منذ رآها ولا تعلم لماذا:
- من يرمي الناس بالفجور هو من عليه التزام الأدب ومخافة
الله.
قال نوار لمصعب: - أدّب هذه الجارية يا مصعب.
نهض مصعب ليقف قرب نوار وهمس له:
- لقد تماديت يا نوار. ما لكَ ولها؟
بينما قالت زبيدة لنوار بسخرية وقد اشتعل بحر عينيها
غضبا ما جعل مصعب يحدق بها مأخوذا:
- تنعتني بالجارية. عجبت لسيد لا يُمَيّز الحرة من الأمة.
لم يستطع مصعب كتم ضحكته القوية فحدجه نوار
بحنق وهو يزم شفتيه وأراد الابتعاد فجذبه مصعب بعدما
سار خطوة وهو بالكاد يكتم ضحكته ليهمس بصوت
يهزه أثر الضحك: - اعذرني يا صاحبي لكنها أفحمتك
فلم تستطع الرد عليها.
قال نوار بعدما زفر بغضب: - لو لم تكن جاريتك
لكسرت رأسها.
رمقته زبيدة شزرا من تحت اهدابها الكثيفة وتبادل معها
نظرات الغضب بينما رمقه مصعب باستغراب وهو يقول:
- منذ متى ونحن نضرب النساء؟! اهدأ يا صاحبي.
قال نوار بانزعاج:
- سأذهب فلا طاقة لي لاحتمال مزاحك.
نظرت زبيدة لنوار وهو يبتعد وسألت مصعب:
- ما به رفيقك؟ لم يحتملني منذ رآني.
قال مبتسما: - دعك منه ولنذهب لداري فأنت متعبة.
ظهر الخوف على وجهها وترددت. عرف مصعب سبب خوفها
فقال ليطمئنها:
- أقيم في دارٍ فيه جاريتان وامرأة كبيرة في السنّ وهي
التي ربتني.
اطمأنت ووثقت به فسارت معه حتى توقف أمام جواد عربي
رشيق. استدار وقال مشيرا للجواد: - هيا يا.. ما اسمك؟
أجابت وهي ترمق الجواد الضخم وقلبها يخفق خوفا فمع
حبها للجياد إلا أنها تفزع من مجرد التفكير بركوبها:
- زبيدة ابنة عاصم.
ابتسم لها وقد عرف سر خوفها الذي بدا جليا في نظراتها.
قال وهو يربت على عنق الحصان:
- رعد جواد هادئ رغم مظهره الذي يوحي بالصلابة
والشراسة، ولن تشعري بخوف وانت على ظهره.
هزت رأسها بالنفي وهي رافضة للفكرة وقالت:
- المشكلة ليست في جوادك. لم أمتطِ جوادا في حياتي
إلا حين خطفني اللصوص، وكاد الخوف يقتلني حتى
انتهت الرحلة.
ضحكة هادئة ثم قال: - جربي أن تلامسيه وتتحدثي
معه. سيشجعك ذلك قليلا. كما أني سأكون معك. لا
تخافي.
اقتربت غير مقتنعة بكلامه ولامست الجواد بحذر وهي
تقول: - لا داعي لأركب الجواد. سأسير حتى منزلك.
هز رأسه بيأس مبتسما من جبنها وقال:
- ستقعين بعد عدة خطوات. أنت متعبة كثيرا ولن
تحتملي السير في هذا الحر. هيا لتركبي وكفي عن
الهلع.
راحت تلامس عنق الحصان وهي تبتسم مستمتعة جدا
بذلك ولتؤخر لحظة ركوبها لرعد فراقبها مصعب
بابتسامة متلهفة ثم قال: - سأركب قبلك كي تطمئني.
استدارت نحوه ورمقته بحدة واستغراب وقد انعقد حاجباها:
- تريد أن نركب الجواد معا؟ لم أفعلها إلا حين كنت
مخطوفة ومجبرة.
احتقن وجهه بحنق استطاع كتمانه بصعوبة وقال دون أن
ينظر إليها: - اركبي وسأسير أنا.
تقدمت والخوف يجعل نبضات قلبها تسرع لكنها يجب ان
تصعد على ظهر ذلك الحصان فيبدو أن داره تبعد عن
السوق وهي لن تحتمل السير كما قال. أمسكت طرف
السرج بقوة ووقفت على جذع النخلة المقطوع لترتفع عن
الأرض وتستطيع امتطاء الجواد.
تحرك الحصان فخافت وتشبثت بالسرج أكثر ثم قالت
وهي ترمق مصعب بنظرات فزع وقد استحال لونها كلون
ثمرة الليمون: - تمهل أرجوك. لا تجعله يسرع.
زال عنه الانزعاج ورفع رأسه نحوها وقال وهو يبتسم:
- يا لك من جبانة!
قالت بانزعاج وصوت بدا فيه الارتجاف: - نعم انا جبانة.
ابتسم ولم يكن يعلم ما ينتظره من شجاعتها التي كانت
تتلاشى فقط عند اعتلائها ظهور الدواب.
بادرت بسؤال عرفت إجابته مسبقا:
- هل تبعد دارك كثيرا من هنا؟
لم يجبها بل ابتسم وأكمل سيره وهو يمسك بلجام رعد.
شعرت زبيدة براحة كبيرة حين توقف الحصان أخيراً وقد
جف حلقها خوفا وفزعا أكثر من جفافه بسبب حرارة الجو
في تلك الظهيرة التي تغيرت بعدها حياتهما للأبد.
مدّ مصعب يديه ليساعدها في النزول لتقف على حافة
النافورة الجميلة التي كانت تتوسط حديقة داره
الصغيرة، ولم تستطع فعل ذلك دون الإمساك بكفه
الممتدة نحوها وهو ينظر في عينيها الواسعتين
المرتبكتين اللتين بادلتاه النظرات للحظة قد زادت من
ارتباكها. أفلتت يده وابتعدت بسرعة حالما لامست
قدماها الأرض أخيرا.
كان الترف واضحاً في أركان الدار التي لم تكن واسعةً
جداً.
جاءت فتاة شقراء جميلة مسرعة الخطى نحو مصعب ورمقت
زبيدة بانزعاج وهي تقول: - أهلاً بعودتك يا سيدي.
- أهلاً يا (ورقاء). أين الخالة (عاتكة)؟
قالت وهي تتأمل زبيدة بنظرات حادة: - سأناديها حالاً.
بعد قليل جاءت امرأة كبيرة في السن على وجهها ابتسامة
دافئة بشوشة وقالت لمصعب:
- مرحباً يا ولدي. هل طلبتني؟
قال مصعب مبتسما وهو يرمق زبيدة: - لدينا اليوم ضيفة.
اهتمي بزبيدة فهي متعبة جداً.
أومأت عاتكة وتقدمت من زبيدة وهي تقول:
- أهلا بك يا ابنتي.
ابتسمت زبيدة وردت لها التحية ثم قالت لمصعب قبل أن
تذهب مع عاتكة: - شكرا لك.
أومأ لها مبتسما وممنّيا نفسه وهو يستمع لذلك الصوت
العذب ويرمق تلك العينين الخجولتين الساحرتين.
قالت عاتكة لزبيدة عند باب الحمام وهي تناولها ثوباً
نظيفاً: - سأعد الغداء ريثما تستحمين.
- شكراً يا خالة.
شعرت زبيدة براحة بعدما استحمت لكن الثوب لم يعجبها
ففتحة الصدر واسعة والاكمام قصيرة.. لكن مادامت
ستبقى مع النساء ولن يراها مصعب فلا بأس.

خرجت متجهة إلى حيث كانت النساء مجتمعات في
الغرفة. كانت هناك فتاة شابة سمراء جميلة إضافة
لورقاء التي رأتها حين دخلت. كنّ يجلسن إلى مائدة الغداء
عدا ورقاء التي كانت ترمق زبيدة بانزعاج لم تعرف سببه.
قالت الشابة مبتسمة: - مرحباً بك. أنا (حسناء).
أومأت لها زبيدة مبتسمة بينما قالت ورقاء بتباهي:
- وأنا حبيبة سيدي.
رمقتها زبيدة باستغراب كأنها تقول لها " وما دخلي أنا؟ "
ثم جلست لتأكل مع النساء.
بعد الغداء قالت عاتكة: - هيا لآخذك لغرفتك يا
زبيدة.
سألت ورقاء باستياء وهي تتخصر: - هل ستقيم في غرفة
وحدها؟ لمَ لا تقيم معك أو معنا أنا وحسناء؟
قالت عاتكة وهي تكتم ابتسامتها فهي تعرف جنون
ورقاء في غيرتها على مصعب:
- سيدك أمر بذلك.
حين ابتعدت زبيدة مع عاتكة تساءلت ورقاء بقلق:
- من أين أتت هذه المصيبة؟
قالت حسناء لتغيض ورقاء أكثر وهي تكتم ابتسامتها:
- ستقيم في الغرفة الخالية في جناح سيدي مصعب.
استشاطت ورقاء غضباً وقالت: - لما كل هذا؟ إنها حتى
ليست جميلة وملامحها شاحبة كأنها من الموتى.
- بل هي جميلة. لكن يبدو أنها لم تأكل وتنم جيداً منذ
فترة.
حدجت حسناء بنظرات حادة غاضبة ثم تمتمت بغضب
ونار الغيرة تأكلها: - فلتنم في جهنم.
كانت الغرفة جميلة ومريحة فارتمت زبيدة على السرير
ونامت من فورها لساعات متواصلة فقد أرهقها السهر وقلة
الطعام خلال الأيام الماضية.
عاد مصعب للدار بحلول المساء وقد اعتذر لنوار عن السهر
معه تلك الليلة فقد اتقد شوقه لتلك التي فتنت عينيه
منذ وقعتا عليها. ولم يسلم طبعا من لسان نوار وسخريته.
- اراك متشوقا للقاء سليطة اللسان تلك.
ابتسم مصعب وهو يمسك لجام جواده وقال لنوار بمكر:
- سليطة لسان ام ذكية استطاعت إسكاتك؟
هتف نوار بحنق وهو يبتعد عن مصعب:
- ما بال السخف يأبى مفارقتك هذا اليوم؟!
أطلق مصعب ضحكة عالية زادت من استفزاز نوار وغضبه
فهتف وهو يبتعد أكثر: - أحمق!
وضحكة اخرى تلتها لم يستطع نوار إلا الابتسام حين
سمعها لكن خفية عن مصعب.
نوار هو الصديق الأقرب والوحيد الذي لازم مصعب منذ
كانا غلامين صغيرين. يفهم ويحب أحدهما الآخر لدرجة
لا تسمح لأي شيء أن يفرق بينهما.
دخل مصعب الغرفة التي تنام فيها زبيدة التي كانت تجهل
أنها تقع ضمن جناحه الخاص في الدار.
جلس على السرير يتأملها وهي تغط في النوم. شعرها
الداكن المموج، شفتاها الحمراوين، وجهها الأبيض
الممتلئ رغم ذبوله، رموشها الكثيفة التي تغطي عينيها
الواسعتين المغمضتين اللتين سحرتاه منذ رآهما.
لامس شعرها ووجنتها ففتحت عينيها بكسل وهي منزعجة
ثم شهقت وشدت الغطاء على جسدها حتى عنقها وصاحت
بفزع حين رأته: - ما.. ماذا تفعل هنا؟

نهاية الفصل الثاني

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:03 pm

الفصل الثالث

فتحت زبيدة عينيها بكسل وهي منزعجة ثم شهقت وشدت
الغطاء على جسدها حتى عنقها وصاحت بفزع حين رأت
مصعب: - ما.. ماذا تفعل هنا؟
ظهرت في عينيه نظرات لم ترها قبل الآن، نظرات مكر
ولهفة. وهمس بلهجة تكشف عن نيّته وهو يقترب:
- أنت جاريتي وقد جئت إليك وكلي شوق.
التصقت بالحائط وعلت أنفاسها وانعقد لسانها فلم تقو على
الكلام، وتناولت الخمار لتضعه بسرعة على رأسها.
رمقها بلهفة وقال موضحاً: - لقد اشتريتك لتكوني لي
يا ذات العينين الثائرتين الخائفتين. يا لجمال عينيك
ومكرهما. لقد صارتا بلون الفيروز بعد ارتدائك اللون
الأخضر.
قالت بصوت مخنوق وهي تشعر انها دخلت متاهة جديدة
أقسى وأشدّ من الأولى: - لكنك قلت إنك ستخلّصني.
ابتسم بمكر وقال: - وقد خلّصتك من ذلك النخاس الوضيع.
لامس تلك الخصلات التي تفلتت من خمارها الذي لفته
على رأسها على عجل فأبعدت رأسها ونهضت عن السرير
بسرعة وقالت وهي تستر شعرها بحرص ثم تمسكت
بالغطاء جيدا كي لا يظهر شيء من جسمها:
- افهم أرجوك، أنا لست جارية.
اقترب منها وقال هامساً بلهفة: - أعرف. وهل للجواري هذا
الحياء والصدّ؟
رمقته بدهشة وقد صدمها تناقضه مع الرجل الذي التقته
قبل ساعات وكان يتصرف معها بكل شهامة فظنته
كريم خلق ولم يخطر ببالها أنه اشتراها لتكون له.
سألته بدهشة وحنق: - ومع أنك تعرف أنني حرة، تريدني
لك. ألا تخاف الله؟!
قال بمكر لوهن حجتها: - منذ اشتريتك بمالي صرتِ
جاريتي، تحلين لي.
قالت بإصرار وعيناها تتقد غضبا: - لن أكون جارية لك
أو لغيرك!
جذب خصلة من شعرها ببعض القوة وعبث بها وهو يقول:
- بالتأكيد لن تكوني لغيري. أما أن تكوني لي فهذا أمر مفروغ منه.
عبست بوجهه واجتمع الخوف والقلق والغضب في ملامحها
بينما ابتسم بمكر وقال بصيغة تهديد وهو يقبض على
فكها بقوة:
- مع أن هاتين العينين الثائرتين تزيدان لهفتي عليك، إلّا
أنني سأمهلك حتى تتقبلي الأمر.
تركها بعنف وخرج فهوت جالسة على الأرض وأجهشت
بالبكاء وهي تفكر:
" متى سينتهي هذا العذاب؟ من ظننته منقذاً اتضح أنه
مجرد ثري أعجبته فتاة فاشتراها لنفسه مع علمه أنها حرة
لا جارية. وكأنني قطعة أثاث أو دابة تباع وتشترى. لعنة
الله على الرّق! "


دخلت زبيدة المطبخ صباحا حيث كانت النساء الثلاث
هناك. ألقت التحية وجلست وهي شاردة تفكر فيما آل
إليه حالها. لكن حواسها تنبهت حين سمعت عاتكة
تذكر شيئا عن سفر مصعب. سألتها لتتحقق من الأمر دون
السؤال المباشر عن مصعب:
- هل كنت تتحدثين اليّ يا خالة؟
أجابت عاتكة مبتسمة: - بل كنت أخبر حسناء عن سفر
مصعب قبيل فجر اليوم في رحلة تجارية مع والده.
سألت حسناء: - كم سيغيب يا خالة؟
قالت عاتكة بسرور فهي تفتقد مصعب كثيرا حين يغيب
عنها: - ليس كثيرا. ربما يومان أو ثلاث.
شعرت زبيدة بارتياح ودعت الله ألا يعود مصعب أبداً من
تلك الرحلة لتتخلص منه.
عند المساء وبعد نوم الجميع، بحثت زبيدة في صندوق
خشبي في الغرفة عن شيء تغطي به شعرها وذراعيها
فوجدت عباءة ارتدتها مسرعة وتسللت خارج الدار.
بحثت في سور الدار الخارجي المرتفع علّها تجد جزءاً
منخفضاً تستطيع تسلّقه والهرب منه فالحارسان يتناوبان
على حراسة بوابة الدار ولن تستطيع الخروج منها. بحثت
طويلا لكن دون جدوى.
مرت قرب النافورة فتذكرت حين أنزلها مصعب عن الحصان
وهو ينظر إليها بتلك النظرات التي بعثت الطمأنينة في
نفسها، حين ظنته المنقذ الشهم.
- ماذا تفعلين هنا في هذا الليل؟
جفلت حين سمعت صوت أحد حارسي الدار وهزت رأسها نفياً
دون أن تنطق بكلمة ثم عادت مسرعة إلى داخل الدار
وقد تبددت أحلامها بالهرب بوجود الحارسين والسياج
المرتفع الحصين للدار.
قضت زبيدة الأيام الثلاث الماضية وحيدة في غرفتها أغلب
الوقت. تبكي وتفكر بمصيبتها وتتمنى لو أنها لم تغادر
البصرة وتبتعد عن فاطمة وريم لكنها أحياناً كانت
تتكلم مع عاتكة التي ارتاحت لها ورأت فيها حنان وهدوء
فاطمة.
عاتكة هي من ربّت مصعب منذ ولادته وهو يحبها ويقدرها
كثيراً لذا أعتقها وأحضرها معه حين استقل عن دار والده.
في المساء، جلست زبيدة أمام النافذة وقد تملكها الحنين
لفاطمة وريم ولحياتها الهادئة الآمنة في البصرة.
وتذكرت كيف كانت تقضي الساعات مع ريم وهما
تلقيان الشعر أو تغنيان بعض القصائد فبدأت تغني شعراً
لعمر بن أبي ربيعة:
كتبت إليكِ من بلدي كتاب مُوَلّهٍ كَمِد
كئيبٍ واكفِ العينين بالحسراتِ منفردِ
يُؤرّقهُ لهيبُ الشوق بينَ السَحرِ والكبِدِ
فَيُمسكُ قلبهُ بيدٍ ويمسحُ عَينه ُ بيدِ

- وصوت جميل ايضا.
نهضت فزعة من دخوله المفاجئ ووضعت أقرب خمار على
رأسها ثم مسحت دموعها بينما اقترب منها وقال ساخراً وهو
يسحب الخمار ليتناثر شعرها على وجهها فيزيدها جمالا
ويزيده توقا.
أطلق تساؤلا ساخرا: - أتسترين شعرك من سيدك الذي
يملكك بالكامل؟
جذبت منه الخمار بعنف ولفت شعرها به من جديد وهي
ترمقه بانزعاج.
- لست سيدي. ولا يملكني سوى خالقي سبحانه.
لم يعقب على كلامها وسألها وهو يكتم غيضه من احتمال
صحة ظنونه: - لمن كل هذه الدموع والأشواق؟ لحبيبٍ هو
السبب في صدّك لي؟
قالت دون أن تنظر إليه: - سبب صدي لك هو عزة نفسي،
فأنا لست جارية ذليلة ولن أكون.
تجاهل كلماتها وسألها مجدداً: - إذن لمن هذا الحنين؟
- لأمي وأختي، لحياتي الآمنة التي فقدتها.
ابتعدت حين لامس وجهها وقال: - جيد، فلو كان لك
حبيب تحنين إليه لقتلتك.
رفعت رأسها وقالت ساخرة:
- لو كنت أعرف نيتك لكذبت وقلت أن لي حبيباً.
سألها بدهشة وهو يقطب جبينه:
- أتفضلين الموت على حياتك معي؟!
سألته بدورها بمرارة:
- وهل سأكون حية حقاً لو صرت جارية رخيصة؟
قال بصوت هامس وعينان يشع منهما بريق التوق والترقب
وهو يقترب منها:
- لن تكوني رخيصة بل ستكونين سيدة الدار والمقربة
مني، وسأمنحك السعادة والأمان.
أخذ كفّها فسحبته بسرعة ونظرت إليه باستياء تسأله
بسخرية: - بماذا تحاول إقناعي؟ أتظنني خرقاء متيمة
بك كتلك الجارية الشقراء؟!
زفر وقد بدا عليه الغضب واحمرت عيناه ثم قبض على
ذراعيها بقوة حتى تألمت وقال بحدة: - أنا لا أقنعك فأنتِ
ملكي وأفعل فيكِ ما أريد.
ظهر الرعب في عينيها وخافت مما سيفعله. حاولت
التماسك ولم تعلم كم كانت نظراتها فزعة.
آه من تلك العينين الفزعتين اللتين لاح فيهما توسل أبى
فمها أن ينطقه! تلك العينان اللتان أجبرتاه على تركها
وعدم إثارة المزيد من الرعب في نفسها فقال وهو يمسك
معصمها بقوة بينما تحاول تحريره منه:
- لا تطمعي في صبري كثيرا لأنه ينفذ بسرعة.
ثم نفض يدها بعنف وغادر.
مسحت ذراعيها بقوة وكأنها تريد محو آثار أصابعه، وبكت
وهي تشعر بالعجز والذل ثم جلست على السرير تفكر
بتهديده وما ستفعله لو أراد أخذها بالقوة.
سمعته ينادي ورقاء بصوت عالٍ فجاءته جاريته مسرعة
وهي تقول: - بأمرك يا سيدي وحبيبي.
فكرت زبيدة " ليته يرسل إليها كل ليلة ويتركني
بحالي. "
في اليوم التالي عاد مصعب ليلاً بعد سهرة قضاها مع نوار،
وحالما سمعت زبيدة باب الجناح يفتح، فرشت سجادة الصلاة
ووقفت لتصلي.
فتح مصعب باب غرفتها فوجدها راكعة فوقف في
مكانه. سجدت وأطالت السجود وهي تدعو الله تعالى أن
يخلصها من مصعب وابتلاء الرق.
رمقها بانزعاج وفكر " هل ستسجدين طيلة الليل يا
ماكرة؟ "
جلس على السرير مستندا على كفيه وهو يرمقها بمكر،
بانتظار أن تنهي صلاتها بينما كانت تدعو الله ودموعها
تتساقط.
سلمت بعد الركعة الثانية فنهض مصعب لكنها كبّرت
لتصلي من جديد فتنهّد وقال لها وابتسامة مكر قفزت الى
محياه:
- لن تهربي مني يا ماكرة. لن تصلي الليل بأكمله.
سمع صوت ورقاء التي نادته بعدما دخلت غرفته ولم تجده
هناك: - أين أنت يا سيدي الحبيب؟
تنهد وفكر بحنق " مادامت أتت باحثة عني فستدخل إلى
هنا. لا أريدها أن تراني جالساً بانتظار زبيدة. آه.. ما الذي
أتى بتلك الحمقاء الآن؟ "
وبذلك اضطر مصعب للخروج بسرعة والذهاب لغرفته
لكنه قال لزبيدة عند الباب بينما كانت تتلو التشهد في
صلاتها:
- لقد نفذ صبري واكتفيت من متعة صدك لي. لديك
يومان فقط لتودعي حريتك.
حين أنهت زبيدة صلاتها أخذت تحمد الله لأنه أنجاها هذه
الليلة من مصعب ثم فكرت برعب بما قاله.
" هل حقا سيسلبني شرفي وحريتي بعد يومين؟ هل سأسمح
له بذلك؟ كلا! أموت قبلها. نعم، أقتل نفسي قبل أن
أستسلم له.. لكنني سأموت كافرة. ماذا أفعل إذن؟ أقتله
هو! نعم أقتله. لن يحاسبني الله إذا فعلتها لأنني أدافع عن
عرضي. فذلك الماجن يريدني له مع معرفته بأنني حرة
ولا أحل له. "
في مساء اليوم التالي كانت زبيدة جالسة على سريرها
تترقب وتنصت بقلق، وقلبها لا ينفك يزعجها ويزيد من
فزعها بوجيبه.
سمعت صوت باب الجناح يفتح فاقتربت من باب غرفتها
وألصقت أذنها عليه لتسمع ما يحدث.
كانت ورقاء تسأل مصعب بصوت رقيق يملأه الدلال
كعادتها: - هل أعد العشاء يا سيدي الحبيب؟
جاءها جواب مصعب:
- كلا. لقد أكلت عند نوار. فقط أريد النوم لأرتاح فقد
كان اليوم مليئا بالعمل.
قالت بدلال بعد قبلة على خده سمعتها زبيدة:
- أراحك الله دوما يا سيد نفسي وحبيبها. تصبح على
خير.
- تصبحين على خير.
اقتربت خطوات مصعب من غرفتها وهو يسير نحو غرفته
فتراجعت وهي خائفة فتعثرت بسريرها وأطلقت صيحة لا
إرادية.
فتح مصعب الباب بينما كانت تنهض فرمقته بفزع فقال
بمكر وسخرية مستمتعا برؤية القلق والذعر في عينيها:
- أنا لا أخلف وعدي. موعدنا ليلة الغد. لكنني سمعت
صيحتك فجئت أرى ما بك.
رمقته شزرا وقالت وقد اطمأنت قليلا: - أكون بخير فقط
إن تركتني.
أطلق ضحكة خافتة ثم قال بنفس اللهجة الساخرة
الماكرة المستفزة وهو يغلق الباب:
- أراك ليلة الغد يا ذات العينين الثائرتين.
لو كان في نفس زبيدة بعضا من تردد أو تهيب لقتله فقد
قضى عليه مصعب بذلك التهديد الناعم الذي أطلقه.
همست بغضب وانفاس مضطربة: - قتلك الله وأراحني
منك. تبا لك من عديم مروءة!
قضت زبيدة الوقت في قلق بانتظار سكون الحركة في
الدار ونوم الجميع. وراحت تضع خطتها محاولة التغلب على
ارتباكها وارتجاف جوارحها.
" بعدما أقتله، سأبحث عن صك الرق اللعين ذاك وأمزقه
ثم أخرج إلى الحديقة وأختبئ هناك حتى الصباح. وحين
يكتشفون مقتله، سينشغل الجميع به فأستغل الفرصة
وأهرب من بوابة الدار بسهولة "
وجاءت تلك اللحظة فارتدت زبيدة عباءتها وخمارها
بيدين مرتعشتين ووجه مصفر، تعلو جبهتها القطرات
الندية. ترددت كثيرا قبل الخروج بهدوء من غرفتها
والتسلل الى غرفة مصعب بخطوات مضطربة.
أمسكت مقبض الباب بقوة وهي تفتحه بهدوء كي لا
يصدر أي صوت. تفقدت الغرفة بنظراتها ثم تأكدت أن
مصعب نائم من صوت أنفاسه العميقة المنتظمة فتقدمت
بحذر وخطوات مرتجفة وتناولت السكين من صحن
الفاكهة الذي لا تخلو منه غرفته أبدا. رفعت يديها
المرتجفتين اللتين تقبضان على السكين بقوة كي لا
تسقط منهما لتطعنه بها في صدره.
ظلت تردد " أستغفرك ربي، سامحني فهو من اضطرني لهذا.
أنا أدافع عن عرضي وأنت تعلم "
أغمضت عينيها بقوة وهي تتذكر تهديده ونظرات
الوقاحة في عينيه علها تستمد منها القوة وتتغلب على
خفقان قلبها الخائف الذي خيل إليها أنه سيخرج من
صدرها لقوة نبضاته..

نهاية الفصل الثالث

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:05 pm

الفصل الرابع

أغمضت عينيها بقوة وهي تتذكر تهديده ونظرات
الوقاحة في عينيه علها تستمد منها القوة وتتغلب على
خفقان قلبها الخائف الذي خيل إليها أنه سيخرج من
صدرها لقوة نبضاته..
كادت السكين أن تسقط من يدها فابتعدت وأعادتها
لمكانها وهي تجاهد كي لا تتعثر بتلك الساقين اللتين
ما عادتا تقويان على حملها لشدة ارتجافهما ثم أسرعت الى
غرفتها قبل أن يستيقظ مصعب من نومه العميق.
أغلقت الباب خلفها وهي تلهث وترتجف وقطرات العرق
البارد تكسو جبهتها.
أسرعت لتجثو قرب الشباك، تنظر للسماء ودموعها
تتساقط وهي ترتعش فزعا وتناجي الله:
" سامحني يا رب. كيف فكرت بقتل إنسان؟ أنا أقتل؟!
حتى لو كان ذلك الحقير. "
ظلت تنتحب وهي تدعو الله أن يغفر لها وينقذها مما
ينتظرها ليلة الغد، فها هي قد جبنت وتراجعت عن تنفيذ
خطتها بقتله.
- ما بك؟
ارتجفت وهي تسمع صوته وظلت جالسة كما هي لا تقوى
على الحراك. اقترب منها ففزعت ونهضت من فورها لتبتعد
عنه لكنه أمسك معصمها وسألها:
- لماذا تنتحبين في هذا الليل؟
أمسك وجهها ليجبرها على النظر إليه فحدق بها مندهشا
وهو يرى شحوب وجهها وارتجافها وعينيها المحمرتين من
البكاء. سألها مستغربا:
- ما هذه الحال؟ منظرك مروع وجسدك بارد وترتعشين.
ولماذا ترتدين عباءتك وخمارك في هذا الليل؟
بلعت ريقها بصعوبة حتى شعرت وكأن بلعومها قد جرح
فقد جف حلقها. ابتعدت عنه وحاولت أن تتحدث بغضب
كي لا يشك بشيء: - وما شأنك بي؟
جَبُن صوتها وخذلها حين خرج مرتجفا فسألها مصعب بحدة
وهو يمسك ذراعها: - أجيبي!
حاولت اختراع عذر فقالت وهي تحرر ذراعها من قبضته:
- كنت.. أصلي فارتديت العباءة والخمار.
- وماذا عن ارتجافك؟ حتى صوتك يرتجف حين
تتحدثين.
نجحت في تصنع الحنق ونفاذ الصبر وهي تقول:
- ربما أعاني الحمى. ما أدراني؟!
أطلق ضحكة عالية ماكرة ظنت أنها ستوقظ ساكنات
الدار وقال: - لن أصدق كذبك.
رمقته بفزع وخشيت أن يكون رآها وهي خارجة من غرفته
فشك في شيء، لكنه همس بلهفة وهو يقترب منها:
- حتى لو كنت محمومة، فلن أتوانى عما عزمت عليه.
ابتعدت عنه وهي عاجزة عن مجادلته تلك الساعة
لكنه جذبها ليقربها منه ويهمس في أذنها بشوق:
- غدا سأمتلكك.
وغادر بعدما رماها بابتسامة ماكرة.
رمت العباءة والخمار وتمددت على سريرها ودثرت نفسها
جيدا علها تتخلص من تلك البرودة التي تقتحم جسدها
وذاك الارتجاف الذي يأبى مفارقة أوصالها ثم استسلمت
لنوبة من البكاء من جديد.
في الصباح استيقظت زبيدة بعد نوم متقطع، فقد كانت
تصحو كل حين وهي فزعة. نهضت وهي تشعر بألم في
رأسها لكثرة ما لاقت من فزع ليلة أمس.
دخلت المطبخ ووقفت قرب حسناء التي بادرتها بالتحية
وتلك الابتسامة اللطيفة التي تميزها. سألتها زبيدة
باستغراب وهي تراها قرب الموقد:
- أراكِ تعدين الطعام، أين الخالة عاتكة إذن؟
لوت حسناء شفتيها باستياء ثم قالت:
- لقد تأخرت في السوق وتركتني مع هذه القدور.
ابتسمت زبيدة وقالت باستغراب: - لمَ أنتِ مرتبكة؟ أنتِ
تجيدين الطبخ بالتأكيد.
- نعم لكن سيدي مصعب لا يقبل بأن تطبخ له غير الخالة
عاتكة. كما انه طلب اليوم نوعاً من الطعام لا اُجيد
طبخه مثلها.
قالت زبيدة بابتسامة مُطَمئنة: - إن كنت أجيده
فسأطبخه بدلاً عنك فلا تقلقي هكذا.
تعلمت زبيدة الطبخ من فاطمة وكان الجميع يشهد لها
بأنها طباخة جيدة. حين أنهت زبيدة الطبخ قالت لها
حسناء: - جعلتك تعملين مع أنك تبدين متعبة.
- دعيها تعمل. أهي جارية أم سيدة الدار؟
التفتت الاثنتان نحو ورقاء التي قالت تلك الكلمات بحنق
وسخرية وهي تقف عند الباب واضعة يدها على خصرها
وترمق زبيدة بانزعاج كعادتها. تنهّدت زبيدة وضاقت ذرعاً
بتصرفات ورقاء فقالت لتغيظها وهي تنهض لتسير نحوها:
- في هذه الدار لست جارية ولا سيدة البيت لكنني.. ألقى
معاملة خاصة لأن سيدك أمر
بذلك. إن لم يعجبك هذا فاذهبي إليه واعترضي.
سألتها ورقاء وهي مغتاظة: - كاذبة! من قال هذا؟
أجابت زبيدة بهدوء مع أنها تنفعل جداً حين تناقش أحداً
مستفِزاً كورقاء: - الخالة عاتكة أخبرتني.
تغير لون ورقاء ولم تعرف بماذا ترد على زبيدة فخرجت
مسرعة وهي تشتعل غيضا بينما تبادلت زبيدة وحسناء
ضحكة خافتة وقالت حسناء: - تحرقها الغيرة.
هزّت زبيدة رأسها وقالت: - إنها حمقاء.
سمعتهما ورقاء فزفرت بغضب وتمتمت:
- يجب أن أتخلص منك يا لعينة.
على الغداء قالت عاتكة لزبيدة بابتسامة رضا:
- طبخكِ لذيذ جداً وقد أعجب سيد الدار الذي لا يأكل
إلا من طبخ يديّ.
قالت زبيدة خجلة من عاتكة: - مهما كان طبخي شهياً
فلن أكون بمهارتك.
قالت عاتكة مبتسمة: - لولدي مصعب رأي آخر فهو
يريدك أن تعدي العشاء له ولرفيقه نوار هذه الليلة.
انزعجت زبيدة وهي تذكر تصرفات نوار معها لكنها أومأت
إيجاباً ولم تعلق.
وكالعادة كانت ورقاء ترمق زبيدة بغضب وأبى لسانها
السليط عدم السخرية من زبيدة فقالت:
- كلنا نجيد الطبخ. لم تصنع معجزة.
قالت عاتكة بلهجة حازمة: - كلنا نجيد الطبخ، لكن
هذه اول مرة يرضى فيها ولدي عن طبخ غيري.
احتقن وجه ورقاء وهي تشعر بتحيز عاتكة لزبيدة وحبها
لها فخرجت وهي تحدج زبيدة بنظرة غضب اعتادتها منها.
تنهدت زبيدة وهزت رأسها ساخرة من غيرة تلك المتيمة
بسيدها والتي لا تعلم أن آخر ما يهم زبيدة هو التفكير
بإرضاء سيدها وكسب ودّه.
كم تمنت أن تمتد السهرة بمصعب ونوار فينام ويؤجل ما
نوى على فعله بها وتؤجل هي ما عزمت عليه، فهي لن
تستسلم له مهما حدث. حتى بعد الذي عاشته ليلة أمس، لن تكف عن حماية نفسها من مصعب بكل الوسائل. لذا
أخذت سكينا من المطبخ كي تهدده أو تهاجمه به إذا
فقدت أي وسيلة أخرى تجعله يتركها.
بعدما اكملت زبيدة إعداد الطعام وسكبه اتجهت إلى
غرفتها وكان لابد أن تمر بالبهو حيث كان مصعب ونوار
يجلسان.
تبادلت مع نوار نظرة حادة فتساءل نوار ساخراً يكلم
مصعب:
- كيف تحملت وجهها العابس لعدة أيام يا رفيقي؟
رمقته زبيدة بحدة وقالت ساخرة هي الأخرى:
- كما تحمّلك لعدة سنوات.
كتم مصعب ضحكته بصعوبة وهو يضع كفه على فمه
كي لا يغضب نوار مثل ذلك اليوم في السوق. وبالكاد
استطاع إخفاء ضحكته وهو يقول لزبيدة بصوت لم يخرج
حازما جدا كما اراد له: - هيا اذهبي من هنا.
قال نوار: - يجب أن تؤدب هذه الجارية يا مصعب. إنها
سليطة اللسان.
ابتسم مصعب وقال: - لكنك تستفزها جداً.
أسند نوار وجهه على ظهر كفه الأيمن وقال بريبة وهو
يتأمل مصعب بعينين ضيقتين:
- لم يغادر الكبر نظراتها ولهجتها. أظنك لم تحض بها
بعد وتكسر كبرياءها. تلك المتعالية ترفض الاستسلام
لك، وبالتأكيد كررت على سمعك لعشرات المرات
عبارة " أنا لست جارية ".
تفاجأ مصعب بكلام نوار فقال الأخير: - يبدو من صمتك
أن كلامي صحيحاً.
قال مصعب بضجر: - دعنا منها الآن.
لكن نوار قال باستغراب وانزعاج:
- مصعب الذي تتمناه الجواري والحرائر، تتمنع عنه فتاة
كهذه؟! وكيف صبرت عليها حتى الآن؟ إنها ملك
يمينك. أم.. أنك تريدها أن تقتنع أولاً؟
قال مصعب وهو منزعج من لمحة السخرية التي طغت على
سؤال نوار الأخير:
- الأمر معها مختلف. هي لم تكن جارية تباع وتشترى قبل
أن يبيعها ذلك النخاس لي.
رمقه نوار بريبة وقال وهو يغير جلسته:
- تراك صدقت قصة اختطافها؟
- أياً كانت قصتها فهي لم تكن جارية، لهذا منحتها بعض
الوقت.
-هممم. وهل ستصبر عليها طويلا؟ ذلك سيزيدها صلفا.
قال مصعب بانزعاج: - لن نستمر بالحديث عنها كل
الوقت.
ابتسم نوار لتهرب مصعب من إكمال الحديث وقال:
- معك حق.


أغلقت زبيدة باب غرفتها بالمزلاج وخبأت السكين التي
أخذتها من المطبخ تحت وسادتها. وبعد فترة لم يزرها النوم
خلالها، طرقت عاتكة عليها الباب ونادتها:
- زبيدة، ولدي مصعب يريدك. زبيدة، زبيدة؟
عادت عاتكة لغرفة مصعب لتقول له وهي تستطلع ردة
فعله: - يبدو ان زبيدة نائمة.
قطب جبينه وتساءل باستغراب: - لماذا لم توقظيها يا
خالة؟
أجابت بارتباك: - لم أستطع الدخول.
تجهم وجهه متسائلا: - ماذا تعنين؟
أجابت بحذر: ـ الباب كان مقفلاً.
اعتدل في جلسته وأومأ برأسه وقد بدا عليه الغضب ثم
قال: - حسناً، اذهبي وأغلقي باب جناحي.
شعرت عاتكة بالقلق على زبيدة فهي تعرف مصعب حين
يغضب، ودعت لها " يا رب، احمها من غضبه ".
اتجه مصعب إلى غرفة زبيدة وهو يفكر والغضب يتصاعد
داخله " تغطين إذن في النوم يا كاذبة! "
ناداها من خلف الباب بصوت حازم: - افتحي الباب فأنا
أعرف أنك لستِ نائمة.
وقفت زبيدة وسط الغرفة وهي خائفة وتمنت أن ينصرف
ويتركها مع أنها تدرك جيداً أنه لن يفعل.
عاد مصعب يناديها بغضب وحدّة وهو يضغط على أسنانه:
- لم أقف يوماً على باب جارية فافتحي الباب وإلّا كسرته.
ظلت جامدة في مكانها لا تعرف ماذا تفعل وتساءلت إن
كانت أخطأت بإقفال الباب فيبدو أن ذلك زاد من غضبه. لكن ماذا كانت لِتفعل؟ إنها تريد حماية نفسها منه بأي
وسيلة.
دفع مصعب الباب مرتين بقوة فانكسر القفل وصُفِعَ الباب
بقوة فصاحت زبيدة لا إرادياً وغطت وجهها بكفيها..
تقدم مصعب نحوها بخطى سريعة فتراجعت وهي خائفة
من ملامحه الغاضبة وعينيه اللتين رمتاها بسهام غضب
عارم حتى اصطدمت بالحائط.
أمسكها من ذراعيها بقوة فتألمت وأطلقت أنّة ألم.
سألها بغضب وحدّة: - أظننتِ أن قفلا سخيفاً سيحول بيني
وبينك؟
مع خوفها وارتجاف صوتها قالت بثقة وهي تقاوم دموعها
التي تنذر بالنزول: - بل الله سيحول بيني وبينك.
تأثر بكلماتها للحظة فاستغلت ذلك وفرّت منه لتتجه إلى
فراشها حيث تخبئ السكين تحت وسادتها لكنه أمسكها
قبل أن تصل إليها وقال:
- يا حمقاء. أنت ملك يميني، وليس فيما أريده منك
معصية لله.
قالت وهي تنفض يديه عن ذراعيها بقوة:
- لست ملكك. أنت لم تأخذني سبية في معركة وأنا
لست جارية تباع وتشترى بل أنا حرة كما قلتها مرة
بنفسك، فكيف تحل لنفسك ما تريد مني؟
كان مستمتعا بمقاومتها العنيفة التي جعلته يلهث وهو
يحاول تقييد حركتها التي لم تهدأ، حتى أن خمارها سقط
عن رأسها فتناثرت تلك الخصلات الثائرة كصاحبتها
وزادته هوسا بامتلاكها.
قال بأنفاس متقطعة والرغبة بالضحك تشوب صوته:
- لم أغنمك في معركة لكنني أيضا لم أشتريك ممن
خطفك. لقد اشتريتك من النخاس الذي اشتراك منهم.
أي أنك شرعا ملك يميني، فلا تحتجّي عليّ بهذا.
حاولت التملّص منه لتصل إلى السكين بعدما أيقنت أن
كلامها لن يثنيه عما يريد لكنه طوقها بيديه بقوة.
ركلت ساقه فتأوه ثم ظهر الغضب عليه ودفعها إلى السرير.
شعرت برجفة هلع تسري في عروقها فأخرجت السكين
بسرعة رغم ارتجاف يديها ونهضت عن السرير وهي
ترتجف.
خطى نحوها فشهرت السكين في وجهه. رمقها بدهشة
وغضب لثواني ثم انفجر بالضحك بينما حاولت السيطرة
على يديها ومراقبة حركاته كي لا يأخذ السكين منها.
أخيراً تكلم بسخرية رافعا حاجبيه:
- إذن أعددتِ الطعام اليوم كي تسرقي هذه السكين
لتقتليني بها.
قالت لتهدده مع أنها كانت مرتعبة وهي تذكر محاولتها
قتله أمس:
- أفعل أي شيء كي لا تتمكن مني، فأنا لست جاريتك
ولن أكون يا عديم المروءة.
رمقها وعلى وجهه ابتسامة ساخرة وقال:
- لو لم تكن سذاجتك، وقلة خبرتك بالحياة واضحة
عليكِ، لشككت أنك تتعمدين هذا التمنّع لتزيدي
ولعي بك.
رمقته بدهشة مستغربة فكرته ثم قالت:
- ابتعد الآن فأنا لا أمزح. لن أتردد بفعل أي شيء.
- مثلك لا تقوَ على القتل. وحتى لو حاولتِ فلن تقدري
عليّ.
رمقته بحدة وهي تتمنى ألا تخونها شجاعتها مثل الأمس
بينما همس هو بلهفة:
- دعي هذا السكين وتعالي إليّ يا ذات العينين
الساحرتين.
نظرت في عينيه اللتين ملأهما الإصرار والرغبة، وفي
لحظة ضعف ويأس.. سيطرت عليها فكرة مجنونة وقالت:
- معك حق..
تهللت اساريره واقترب ظنا منه انها استسلمت لكنه توقف
وحدق بها حين أضافت وهي توجه السكين نحوه:
- سأتردد كما فعلت البارحة لأنني لا أستطيع قتل شخص،
وإن كان عديم مروءة مثلك.
سألها وكأنه لم يصدق ما سمع: - أحاولتِ قتلي البارحة؟!
هتفت بفخر وبلا خوف: - نعم. تفعل الحرة أي شيء لتحفظ
شرفها. والآن سأقتل نفسي إن لم تتركني.
جعلته المفاجأة يشعر بالضيق وفكر " ألهذا الحد
تكرهني؟ لدرجة أن تحاول قتلي وتفكر بقتل نفسها؟
كلا لن تفعل. فإذا جبنت عن قتلي لن تجرؤ على أذية
نفسها "
وليحبط من عزمها تساءل وهو يرفع حاجبيه ساخراً:
- ألا تعلمين يا من تخوفينني بالله أن قتل نفسك يجعلك
تخلدين في النار؟
تأثرت بكلامه لكنها قالت وهي تمسك السكين بقوة
حتى تشنجت يداها:
- اقترب أكثر وسترى أنني لا أمزح. وستحمل إثمي لأنك
أجبرتني على هذا فأنا أدافع عن شرفي وليس لي وسيلة
أخرى لأحميه منك.
تحرك بسرعة وحذر ليأخذ منها السكين لكن قبضتها
كانت محكمة فنفذت تهديدها ووجهت السكين نحو
صدرها فانغرست في جهة اليسار قريبا من كتفها..

نهاية الفصل الرابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:07 pm

الفصل الخامس

تحرك بسرعة وحذر ليأخذ منها السكين لكن قبضتها
كانت محكمة فنفذت تهديدها ووجهت السكين نحو
صدرها فانغرست في جهة اليسار قريبا من كتفها..
لكنه سحب يدها بسرعة كي لا تنفذ السكين أكثر.
صاحت زبيدة من الألم وأخذ جرحها ينزف وتهاوت فَلفّ
مصعب يده اليسرى حولها، وباليمنى تفحص الجرح وهو
يقول بخوف: - مجنونة! ماذا فعلتِ بنفسك؟
نعم خاف، وكثيرا. وزاد خوفه حين فقدت وعيها فمددها
على السرير وهو يصيح عاليًا:
- خالة عاتكة. تعالي بسرعة.
تناول خمار زبيدة عن الأرض وضغط به على الجرح بخفّة
محاولاً إيقاف النزف.
جاءت عاتكة فزِعة بسبب صراخه وزاد فزعها حين رأت
زبيدة ملقاة على السرير وهي تنزف فسألته بوجه شاحب:
- ماذا حدث؟
لم يجب على سؤالها بل قال: - فليذهب (ربيع) بسرعة
ويحضر الطبيب. ليذهب بجوادي رعد.
وكانت تلك المرة الأولى التي يسمح مصعب فيها لأحد
بامتطاء رعد.
أسرعت عاتكة إلى الحارس ربيع وبعد قليل عادت إلى
الغرفة وجلست على الطرف الآخر من سرير زبيدة قبالة
مصعب وسألته وهي متألمة لأجل زبيدة:
- ماذا حدث يا ولدي؟
أجاب وهو يرمق زبيدة بقلق: - الحمقاء، طعنت نفسها.
توقعت عاتكة ما حدث فقد سمع الجميع صوت باب غرفة
زبيدة وهو يُكسَر. أحضرت قطعة قماش ومسحت بها جبين
زبيدة. ربت مصعب على خد زبيدة لتستفيق ففتحت عينيها
ورأت في وجه مصعب الخوف.
قالت عاتكة: - سيأتي الطبيب وستكونين بخير.
كانت تتألم وتتصبب عرقاً ومع هذا قالت لمصعب وهي تراه
يضع القماش على جرحها: - أبعد يدك عني.
وأدارت وجهها عنه ودموعها تتساقط ألما وغضبا فنهض وقال
لعاتكة:
- أمسكي قطعة القماش وسأذهب لأنتظر الطبيب.
كانت الدار ساكنة رغم استيقاظ ورقاء وحسناء لكن
إحداهما لم تجرؤ على الخروج لمعرفة ما يحدث.
ظل مصعب يقطع البهو ذهابا وإيابا بخطى قلقة وصورة
زبيدة وهي مضرجة بالدماء لا تفارق خياله. دخل ربيع
ومعه الطبيب فاستقبله وأدخله سريعا الى غرفة زبيدة.
فحص الطبيب جرحها وسألها: - كيف أصبت يا ابنتي؟
لم يتكلم مصعب ونظر لزبيدة فأجابت عاتكة:
- جُرِحت بسكين المطبخ حين سقطت أرضا وهي تحملها.
سأله مصعب ليمنع أي أسئلة أخرى: - ما حالتها؟
قال يخاطب زبيدة مُطمئنا: - الجرح ليس عميقاً. أنتِ
محظوظة يا ابنتي فلو كان الجرح بمكان أوطأ لنفذ من
بين ضلعين ولما نجوتِ.
وضع الطبيب اسفنجة مبللة بسائل مخدر على أنفها ثم
نظف الجرح وكواه فأطلقت زبيدة صرخة ألم عالية تقطع
لها قلب عاتكة وسالت دموعها. وشعر مصعب بغصة تعصر
قلبه وبالذنب نحوها.
قال الطبيب بينما كانت عاتكة تمسح جبين زبيدة
وتدعو لها بالشفاء:
- يجب أن ترتاح لفترة وتهتم بغذائها فجسمها ضعيف.
شكره مصعب وقاده إلى الباب ثم عاد مسرعا لغرفة زبيدة.
كانت مستيقظة، تمسك بيد عاتكة وتبكي من الألم
وحين رأته أدارت وجهها عنه فخرج من الغرفة وصدره
يختنق ألما.
دخل غرفته وتمدد على سريره ورأسه يسترجع ما حدث.
وعاد قلبه للانقباض وهو يذكر صرخة زبيدة وبكاءها
من الألم.
" ألهذه الدرجة تكرهني فتقدم على قتل نفسها كي لا
ألمسها؟ أم أنها عزة النفس التي تجعلها تفضل الموت على
حياة العبودية؟ "



كانت حسناء تشعر بالقلق وتقف قرب باب جناح مصعب،
تنتظر ذهابه لغرفته كي تذهب لغرفة زبيدة وتطمئن
عليها.
دخلت غرفة زبيدة بعد مغادرة مصعب وشهقت بقلق وهي
ترى قطعة القماش الملتفة حول عنق زبيدة وكتفها
لتثبت ضمادة الجرح. سألت عاتكة التي كانت جالسة
قرب زبيدة تمسح على شعرها وتتلو بعضا من أدعية الشفاء:
- ما بها زبيدة يا خالة؟
تنهدت عاتكة وقالت بوجه حزين:
- كان عازما على عدم تركها الليلة فطعنت نفسها
بالسكين كي لا يتمكن منها.
وضعت حسناء يدها على فمها وراحت تبكي ثم قالت
بحنق:
- لماذا يفعل هذا بها؟ لِمَ لا يتركها؟ أول مرة أراه هكذا،
مهووسا بجارية لدرجة أن يصبح عديم مروءة.
تساءلت عاتكة بابتسامة باهتة:
- ألهذه الدرجة أحببت زبيدة؟ هذه اول مرة تذمين فيها
مصعب.
لامست شعر زبيدة وأجابت: - انت تعلمين مكانته في نفسي
لكن ما يفعله معها لا تقبله المروءة.
- لقد جُنّ لأنها صدته.
طبعت حسناء قبلة على جبين زبيدة ففتحت عينيها
بصعوبة ثم ابتسمت لها فقالت:
- حمدا لله على سلامتك يا زبيدة.
بعد الفجر استيقظ مصعب بعدما غفى لوقت قصير، وذهب
من فوره ليتفقد زبيدة. دخل الغرفة فوجد عاتكة تصلي
فجلس قرب زبيدة ولامس جبينها الذي كان يشتعل من
الحمى ويتصبب عرقا. حتى انفاسها كانت تشتعل حين
لفحت كفه.
ولشدة إرهاقها لم تعترض حين بدأ مصعب بوضع قطعة
القماش المبللة على جبينها لتنخفض حرارتها.
في الصباح لم يخرج مصعب من البيت فقد كان متعباً وظل
نائما. وعندما استيقظ ذهب إلى غرفة زبيدة ليطمئن عليها
فوجدها نائمة. وحين عاد لغرفته وجد ورقاء بانتظاره وهي
تحمل الطعام. كانت بكامل زينتها والابتسامة على
وجهها لكنه دخل غير مبالٍ بها إلى الغرفة.
وضعت الطعام وجلست قربه وقالت بدلال:
- هل أطعمك بنفسي يا سيدي؟
رمقها باستغراب وقال: - كلي ثم اخرجي.
- لم آت لآكل بل جئت لأجلك.
قال بضجر: - وأنا لا اريدك الآن.
نهضت وقالت منزعجة والغيرة تتملكها:
- هي فعلت هذا بنفسها فلماذا تزعج نفسك لأجلها؟
رمقها بنظرة أخافتها وقال بحدة: - اغربي عني الآن.
انسحبت ورقاء والغيض والغيرة تشتعلان داخلها وخرجت الى
الحديقة تحاول التنفس بحرية وقد شعرت بالاختناق،
وتفكر بطريقة للتخلص من زبيدة.
دخل مصعب ليلا إلى غرفة زبيدة ليطمئن عليها. كانت
نائمة وكذلك عاتكة التي لم تفارقها إلا نادرا.
جلس بحذر على طرف السرير قرب زبيدة ومدّ يده إلى
شعرها ليبعد خصلاته عن جبينها.
فتحت زبيدة عينيها فأطلقت شهقة خوف حين رأت يده
على شعرها فسحب يده بسرعة.
رمقته بريبة بينما كانت نظراته مختلفة، لم تلمحها
زبيدة في عينيه قبلا. ليست ساخرة ولا حادة ولا ماكرة أو
راغبة.
تأملها مليا وهو يحمد الله في سره على نجاتها ثم همس:
- لا تفعلي هذا بنفسك ثانية.
وانصرف ليترك زبيدة مع حيرتها في تفسير نظراته.


تحسنت زبيدة خلال أسابيع، ورغم الحمى التي عانتها
بسبب الجرح في الأيام الأولى لإصابتها إلّا أن اللون الوردي
عاد لوجهها وزاده جمالاً وامتلأ جسمها قليلاً بسبب إلحاح
عاتكة عليها في تناول الطعام والراحة.
كانت حسناء تطمئن عليها باستمرار أما ورقاء فلم تزرها
في غرفتها ولم تحمد لها السلامة حين التقتها في البهو.
شعرت زبيدة بالخوف من عودة مصعب لأفعاله السابقة
وتحول الاهتمام والرقة اللتين كان يعاملها بهما إلى قسوة
من جديد بعدما أخبره الطبيب الذي زارها صباحا انها
شفيت تماما.
في المساء، دخل عليها مصعب فخفق قلبها وتملكها الخوف
من تحوّل هواجسها إلى حقيقة. كانت جالسة على السرير
ولم تقو على التحرك حين جلس قربها.
رمقته خلسة من تحت رموشها الكثيفة فبدا هادئاً
كعادته في الأسابيع الاخيرة فأشعرها ذلك بالارتياح.
كان يعرف سر توترها فقال بابتسامة ليشاكسها قليلا:
- أخبرني الطبيب اليوم أن جرحك شفي تماماً.
أومأت وهي قلقة وقد عاد الاضطراب لملامحها وظنت أنه
سيعود رويدا رويدا لتصرفاته السابقة. لكنها فوجئت حين
تحدث في أمر لم يخطر ببالها:
- لك صوت حنون. هل تغنين دائماً؟
لم تستطع منع حاجبيها من الانعقاد فوق جبينها بدهشة
فابتسم مستمتعا بتقلب ملامحها.
كرر سؤاله فأجابته وفي عينيها دموع خفيفة:
- كنت أغني كثيراً مع أختي، وكان أبي يوبّخنا ولا يقبل
ذلك ويقول " الغناء والرقص للجواري وليس لكما ".
قرر أخيرا إرضاء فضولها لمعرفة سبب سؤاله وحديثه عن
صوتها فقال:
- كنت برفقة نوار وتذكرت غناءك وأنا أستمع لغناء
جارية صوتها جميل.
ابتسمت ساخرة وهي تذكر متجهم الوجه سليط اللسان
ذاك.
- أظن أن رفيقك أكثر من سُرّ بإصابتي.
أطلق مصعب ضحكة خفيفة وتذكر كلام نوار حين
أخبره عن إصابة زبيدة...
قال نوار مستغرباً قلق مصعب على زبيدة:
- هل هذا شعور بالذنب أم شيء آخر يا مصعب؟
ردّ مصعب بعدما تنهد: - لا أعرف ما أصابني يا نوار حين
رأيتها تنزف بين يدي وخطر ببالي أنها قد تموت.
ابتسم نوار بمكر وسأله:
- أيعقل أن تحبها خلال أيام؟! أنت الذي لا تريد الوقوع في
حب امرأة لتظل حراً.
هزّ مصعب رأسه وقال مستغربا تلك المشاعر التي غزته
منذ تلك الليلة: - لا أعرف.
قال نوار مستاءً من زبيدة:
- تلك المجنونة! كيف تحاول قتل نفسها؟ ألهذه الدرجة
هي مُعتَزّة بكرامتها وحريتها؟
لاحت ابتسامة صافية على وجه مصعب وقال:
- وهذا ما يجذبني لها ويزيدني ولعاً بها...
قالت زبيدة ساخرة وحانقة على نوار لتعيد مصعب من
شروده: - يبدو أنه شمت بي حقاً فقد ابتسمت.
ابتسم لها وقال:
- لم تطيقا بعض منذ التقيتما. لكنه لم يشمت بك.
هو فقط قال ما قلته أنا عنك حين طعنت نفسك.
سألته وقد استاءت من نوار قبل أن تعرف حتى ما قال:
- ماذا قال عني؟
أطلق مصعب ضحكة خافتة وأجاب: - قال إنك مجنونة.
زمّت شفتيها فقال وهو يكتم ضحكته:
- دعك منه الان. أريدك أن تغني لي مما تحفظين من الشعر. من يعجبك من الشعراء؟
- أحب شعر ابن الأحنف.
طلب وهو ينظر لها برقة: - إذن غنِ لي ما يعجبك من
شعره.
بعد تردد وخجل بدأت تغني بصوت خافت وهي تفكر
بريم وفاطمة.
هذا كتابٌ نحوكم أرسلتهُ
يَبكي السميعُ لهُ ويَبكي من قَرا
فيه العجائِبُ من مُحِبٍ عاشقٍ
أطفاهُ حُبّكِ يا حبيبَة فانطـفا
وصبرتُ حتى عَيلَ صبري كلّه
وهَوَيتكم يا حُبّ نفسي للشَقا
وكتمتُ حبكِ فاعلمي واستيقني
والحبُ من غيركِ فديتكِ قد أبى
أفما لهذا حرمة ٌمحفوظةٌ؟
أوَ ما لهذا يا فديتكِ من جَزا؟

تساقطت دموعها ولم تكمل الغناء فأبعدت وجهها لتمسح
دموعها فأدار مصعب وجهها إليه وهمس متأثرا:
- لابد أنكِ تذكّرتِ والدتك وشقيقتك.
همست بصوت مخنوق: - لا أنفك أذكرهما.
ولم تستطع الاحتمال أكثر فأجهشت بالبكاء فما كان
منه إلا أن مد يديه محاولا مسح دموعها لكنها ابتعدت
عنه قليلا فأبعد يديه.
كانت المرة الاولى التي تبدو أمامه بذلك الضعف،
تبكي بحرقة ودموع غزيرة. كانت تشعر بالحنين
لفاطمة وريم منذ أيام وهذا الشعر أخرج كل ما حبسته
من دموع ولم يهمها لو بكت امام مصعب.
لكن مهلا! من الأضعف بينهما؟ فتاة تبكي أهلها الذين
تاقت نفسها لهم، والبكاء لا يعيب النساء فهو غريزة
تلازمهن؟ أم ذاك العابث الذي كان لا يلوي على شيء سوى
جلسة ممتعة مع جارية فاتنة، ليجلس الآن متأثرا متجهم
الوجه لحزنها وتصير أقصى متعته معها هي مشاكستها
ورؤية تقلبات وجهها الفاتن وهيجان أمواج عينيها إن استاءت
أو غضبت؟
مسحت دموعها حين هدأت قليلا فتأملها وسألها فجأة:
- أخبريني بقصتك. كيف وقعتِ بيد ذلك النخاس؟
أجابته مستغربة:
- أخبرتك سابقاً يوم التقينا أول مرة.
- نعم، لكن أخبريني بتفصيل أكبر.
خافت أن تخبره بأنها لا تعرف أهلها الحقيقيين فيظن أنها
كذبت عليه وأنها جارية فعلاً فيعود لأفعاله السابقة معها،
لذا سألته بدل أن تجيب:
- وهل يهمك الأمر؟ هل ستعيدني لأهلي لو أخبرتك من
هم وأين يقطنون؟
نظر إليها للحظات وهو صامت ثم نهض وغادر لكن الحيرة
لم تغادرها. وظلت تفكر بتغير مصعب الكبير خلال
الأسابيع الماضية.



منذ إصابة زبيدة، ساد الهدوء الأجواء بينها وبين مصعب،
لكنه لم يتركها ويبتعد عنها بل العكس فالوقت الذي
يتواجد فيه في الدار، يقضي أغلبه برفقتها. يأكلان معاً
بعدما جعلها تعد له الطعام يومياً، وفي المساء تجلس معه
في غرفته تنشده الشعر أو تغنيه له، وأحياناً تقص عليه ما
تحفظ من القصص.
لم يكن لدى زبيدة اعتراضا على كل ذلك مادام مصعب
لا يجبرها على نفسه. بل إنه حتى لم يعد ينزع عن رأسها
خمارها كلما رآها كما كان يفعل سابقا. مع أنه كان
يتوق لرؤية تلك الخصلات الثائرة المموجة. لكن ماذا
يفعل؟ سيكتفي برؤية عينيها اللتين تموجان كبحر تارة
وكزمرد تارة أخرى.
ذلك التغيير الكبير الذي حصل لمصعب منذ طعنت
زبيدة نفسها، جعلها ترى فيه شخصاً آخر غير الذي عرفته.


ذات مساء وبينما كانت زبيدة ترتب ثيابها، نظرت إلى
الثوب الذي اشترته لها عاتكة مؤخراً ثم ارتدته.
تذكرت كيف كانت ترقص مع ريم في غرفتهما خفية
وشعرت برغبة في الرقص فتزينت ومشطت شعرها وتركته
ليغطي ظهرها وكتفيها وبدأت ترقص وتغني بصوت
منخفض.
فجأة توقفت عن الرقص والغناء حين استدارت. شعرت
بحرارة وجهها المشتعل خجلاً وهي ترى مصعب واقفًا عند
الباب يحدّق بها ويبتسم.
أولته ظهرها وأسرعت بارتداء خمارها وهي تدعو أن
ينصرف.
أحنت رأسها وهي تكاد تبكي لشدة خجلها بينما
تقدم مصعب نحوها ثم أدارها نحوه ورفع وجهها بأصابعه.
أحنت رأسها وهي تكاد تبكي لشدة خجلها بينما تقدم
مصعب نحوها ثم أدارها نحوه ورفع وجهها بأصابعه.
همس وهو ينظر إليها بشغف:
- زبيدتي.. وجهك جميل لكن الزينة زادته جمالاً.
اضطربت فأحنت رأسها..
لا تعرف ما حدث لها حين رمقها بتلك النظرات وأسمعها
كلام الغزل فقد تاهت وسط مشاعر تختبرها لأول مرة.
ربما تأثرت لأنها تسمع هذا الكلام من رجل لأول مرة وربما
لأنها صارت ترى في مصعب رجلا آخر.
أسعده تأثيره عليها وكم تمنى ضمها بقوة لكنه لم يرد
أن يتعجل فيفسد كل شيء، فقد كان لصبره ورقته تأثير
السحر عليها.
همس ليسألها إن كانت نظرتها نحوه تغيرت:
- زبيدتي، هل..
قاطعه طرق على الباب فعادت زبيدة لرشدها وابتعدت
لتجلس على المقعد فتنهّد بانزعاج وأذن للطارقة
بالدخول. دخلت عاتكة فقال مصعب بامتعاض لمحته
عاتة في عينيه: - لو كانت غيرك لما سامحتها.
حاولت عاتكة إخفاء ابتسامتها وهي تقول:
- آسفة، لكن سيدي جابر أرسل إليك من يبلغك أنه
ينتظرك فجر اليوم عند البوابة الجنوبية لبغداد. يقول
إنكما ستسافران لأجل بضاعة كنتما بانتظارها، والرجل
ينتظر ردّك.
- انتظرنا هذه البضاعة طويلاً. ليخبر أبي أني سألاقيه
فجرًا.
ذهبت عاتكة فأغلق الباب واقترب من زبيدة فقالت له دون
أن تنهض أو ترفع رأسها:
- بما أنك ستسافر فجر اليوم، فيجب أن تنام مبكراً.
ابتسم وعرف أنها تريده أن يذهب فلم يعترض رغم رغبته
الشديدة في البقاء قربها.
قال بمكر وهو يتأمل رأسها المُطرَق:
- ستطول الرحلة كثيرا. ألن تودعيني؟
تمتمت دون أن تنظر إليه: - رافقتك السلامة.
تلكأ قليلا واقترب وهو يصارع شوقه نحوها لكنه غادر
بعدما تمتم: - تصبحين على خير.
لتتنفس الصعداء أخيرا وتغير ثيابها ثم ترتب الغرفة
لتهرب بذلك من مشاعرها التي تقاذفتها قبل قليل.


جلست زبيدة مع عاتكة في حديقة الدار عصر أحد
الأيام وأخذهما الحديث نحو مصعب كعادة عاتكة التي
لا تنفك تذكر ربيبها الغالي خاصة حين يسافر وتشتاق
له.
- بخلاف ما يبديه مصعب من قسوة وغضب فهو يتمتع بقلب
حنون.
لوت زبيدة فمها معترضة فضحكت عاتكة وقالت:
- أنا أعرفه أكثر من الجميع. إنه أكبر أشقائه وقد كان
ذو شخصية متحكمة منذ صغره. يأمر فيُطاع ويطلب
فيُلبي الجميع طلباته.
قالت زبيدة: - إذن كنتُ أول من قال له لا. ولهذا جنّ
جنونه.
رمقتها عاتكة بمكر بعد ضحكة مؤيدة وقالت:
- نعم. لكنه جنّ أيضاً حين طعنتِ نفسكِ. لو رأيتِ قلقه
وخوفه عليكِ!
قالت زبيدة باستياء: - إنه الشعور بالذنب، فقد أقدمت على
قتل نفسي بسببه.
سألتها عاتكة وهي تتمنى لو يلين قلبها لمصعب فيسعد
معها. فهذه اول مرة تلمح الحب في نظراته نحو امرأة:
- وبعدما شفيتِ تماماً وانتهى شعوره بالذنب، هل عاود
تصرفاته الأولى معك؟ اعترفي أنه تغير فالجميع قد
لاحظ ذلك.
تنهدت زبيدة وتساءلت لتغلق النقاش رغم إدراكها لصحة
كلام عاتكة فهي اول من لاحظ تغيّره معها:
- هل سنظل نتحدث عن مصعبك الغالي طوال المساء؟
ابتسمت عاتكة وقالت والحنين واضح في صوتها لمصعب
الذي لم يغِب في سفره سوى اسبوعا واحدا:
- يعلم الله أنه أغلى ما لدي. إنه ولدي الذي لم أنجبه.
تذكرت زبيدة فاطمة وزيد وريم فسقطت منها دمعة رغماً
عنها فسألتها عاتكة:
- ألن ينتهي هذا الحزن الذي في ملامحكِ وعينيكِ يا
ابنتي؟
تنهدت زبيدة وقالت: - ما عشته في الفترة الماضية لم
يكن سهلا يا خالة. أحياناً أعجب من احتمالي لكل ما
حدث.
ربتت عاتكة على كفها وهي تقول:
- إن أردتِ التحدث فأنا أسمعك.
هي تثق بعاتكة رغم معرفتها كم تحب مصعب، لذا بدأت
تحدثها عن كل ما مرت به منذ أخبرها زيد بالحقيقة
حتى اشتراها مصعب من النخاس.
- حكايتك غريبة يا ابنتي. أعانك الله على ما لاقيته.
سألتها بلهفة وهي تأمل ان تسمع منها ما يطفئ نار قلبها:
- ألم تسمعي بقصة والديّ يا خالة؟
- كلا يا ابنتي. بغداد مدينة كبيرة ولا يعرف الناس فيها
بعضهم أحياناً.
قالت ترجو عاتكة: - لا تخبري مصعب بما قلته لكِ يا
خالة. لا أريده أن يعرف أنني أجهل من هم أهلي فيكون
هذا مأخذاً علي. قد يشك انني أكذب وأني جارية حقا.
ابتسمت عاتكة وقالت:
- لن أخبر مصعب أو غيره بقصتك.
لكن غيره قد سمع!

نهاية الفصل الخامس

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:11 pm

الفصل السادس

فتحت زبيدة صندوق ثيابها لتأخذ واحدًا منها فلمحت بينها
الثوب الذي ارتدته حين رآها مصعب ترقص.
شردت في ذكريات ذلك الموقف فخفق قلبها. تنهدت
وأخذت ثوباً آخر ثم أغلقت الصندوق ونهضت لتوقف سيل
الذكريات والأفكار.
وفي ليلة بينما كانت زبيدة قرب النافذة تنظر إلى السماء
التي يزينها قمرٌ في أسبوعه الثالث، وجدت نفسها لا إرادياً
تحسب المدة التي غاب فيها مصعب. لقد سافر منذ شهر
تقريبا. زفرت باستياء وغضبت من نفسها فأغلقت النافذة
لتغلق عقلها عن التفكير في مصعب.
كانت حسناء في الحديقة فتقدمت زبيدة وجلست قربها
وبدأتا الحديث عن أمور مختلفة. لمحتا ورقاء تتقدم
نحوهما لكنها ابتعدت إلى ركن آخر من الحديقة حالما
لمحت زبيدة قرب حسناء.
هزت زبيدة رأسها وهي تبتسم ساخرة فقالت حسناء:
- لقد زادت غيرتها منك بعدما زاد تعلق سيدي بك.
سألتها زبيدة بابتسامة وهي مستغربة:
- وأنتِ، لما لا تغارين عليه مني؟
تنهّدت وظهر الحزن في عينيها وأجابت:
- السنوات التي قضيتها في التنقل من سيّد إلى آخر أقفلت
قلبي عن الحب فصار لا يتعلق بأي سيّد يملكني، ومن لا
يحب لا يغار.
تأثرت زبيدة بكلام حسناء وهي تذكر أمنياتها وأحلامها
عن الحب فضمتها بحنان وهي دامعة العينين وقالت:
- كم أكره الرق! متى سينتهي هذا البلاء من الدنيا؟
ربتت حسناء على كتف زبيدة لتعبر عن شكرها وقالت
وقد عادت لمرحها المعتاد: - وأنتِ يا زبيدة؟
قطبت جبينها مستفهمة وهي تسأل: - أنا ماذا؟
سألتها بمكر لاح في عينيها الجميلتين:
- أتحبين سيدي مصعب؟
فاجأها السؤال فصمتت لبضع لحظات فقالت حسناء
بابتسامة ماكرة:
- ما دمتِ ترددتِ في الجواب فأنتِ تحبينه.
اعترضت زبيدة بشدة: - كيف أحبه؟ أيحب المسجون
سجّانه؟
رفعت حسناء كتفيها وكأنها تشكك في اعتراض زبيدة
وقالت: - لكن ذلك السجّان يحبكِ.
قالت بانزعاج: - مثله لا يعرف الحب. إنه فقط يجدني
مختلفة لأنني لم أمكّنه من نفسي.
أطلقت حسناء ضحكة عالية وقالت:
- وهذا دليل حبه لكِ. أنتِ لا تعرفينه. هو لا يطلب ولا
ينتظر السماح من أحد لأخذ ما يريد. إنه فقط يأمر
فيحصل على ما يريد. ولو أرادك بالقوة لأخذ منكِ ما
يريد منذ زمن.
علّقت زبيدة وهي مستاءة من تلك الحقائق التي تضعها
حسناء أمامها: - وقد أراد ذلك لكنني حاولت قتل نفسي.
تنهّدت وانعكس الندم على وجهها:
- ما زلت أستغفر الله على ذلك لكنني حينها كنت
يائسة ولم أجد غير ذلك السبيل.
لم تكف حسناء عن مجادلتها:
- وقد شفيتِ. لكنه لم يعاود الكرّة معك. لقد تغير
معك منذ طعنتِ نفسكِ. لا تنكري.
لم تكن تنكر بل تكابر وتشكك في نواياه وتغمض
عينيها عن محاسنه كي لا يميل له ذلك الخافق الاحمق.
تساءلت بعدم رضا:
- ما بالكِ أنتِ والخالة عاتكة؟ قبل مدّة حدثتني بنفس
الأمر، وقالت كلاماً مقارباً لكلامك.
قالت حسناء بلهجة ماكرة:
- الجميع لاحظ التغيير الذي طرأ عليه بسببك. أنا عنده
منذ ثلاث سنوات وهذه ميزة خاصة بي فهو يغير الجواري
باستمرار.
ابتسمت زبيدة وقالت: - يحتفظ بك لأنك هادئة
ومطيعة، أليس كذلك؟
أومأت بالإيجاب ولم تدخل في تفاصيل علاقتها الغريبة
بمصعب، وقالت:
- لم أره مرة يدخل على جارية بل نحن من نذهب إليه. لم
يسهر مع إحدانا ليالٍ متتالية كما فعل معك لمدة شهر.
يقضي ساعاتٍ معكِ مكتفياً بالحديث والمسامرة فقط. إنه
يعاملكِ كسيدة لا جارية. حتى السيد نوار عاتبه على
انشغاله عنه بسببك. لقد سمعتهما بنفسي. لقد كان
سيدي مصعب يقضي المساء معه يومياً تقريباً.
علّقت زبيدة بانزعاج وقطبت جبينها كعادتها كلما جاء
ذكر نوار:
- لم يُطِقني ذلك النوار منذ رآني. آه، كفى كلاماً عنه
وعن رفيقه وحدثيني عن بغداد فانا لم أرَ منها شيئاً إلا
جزءا من سوقها.
قالت حسناء بمكر: - تهرّبكِ من الحديث دليل على أنني
محقة في كلامي. أنتِ تحبينه.
هتفت زبيدة بعصبية وهي تنهض: - ما الذي يجلسني مع
معتوهة مثلكِ؟ سأترككِ وأدخل.
جذبت حسناء يدها وقالت: - حسناً، لن أتكلم ثانية.
ووضعت يدها على فمها فابتسمت زبيدة وجلست لكن رأسها
أزعجها بترديد سؤال حسناء " هل تحبينه؟ "


كانت زبيدة جالسة مع الأخريات في بهو الدار عصراً حيث
كنّ يتحدثن وهن ينجزن بعض الأعمال. كانت عاتكة
تحدثهن عن أيامها في دار جابر والد مصعب وعن الولائم
التي يقيمها باستمرار فيقف كل من في المطبخ على قدم
وساق.
تساءلت زبيدة بعد تردد: - لماذا لا يزوره أحد من أهله؟
قالت ورقاء التي كفت في الفترة الاخيرة عن مضايقة
زبيدة على غير عادتها:
- ماكرة! تظهرين كرهه ثم تسألين عن أشياء تخصه.
رمقتها زبيدة شزراً ولم تعلّق بينما أجابت عاتكة:
- هو من يذهب إليهم باستمرار. لقد طالت غيبته واشتقت
إليه.
لم تكن عاتكة الوحيدة التي اشتاقت لمصعب فورقاء
يؤرقها الشوق لسيدها وحبيبها، وحسناء وإن لم تعشقه فهي
تحمل له محبة كبيرة في قلبها وتشتاق له بالطبع. لكن
الغريب أن زبيدة شعرت أيضاً أنها تفتقده.
افتقدت أمسياتهما معاً، وإعدادها الطعام له ليتناولاه في
غرفته، وضحكته العالية التي تجعلها تجفل احيانا.
هزت رأسها لتوقف تفكيرها به وأكملت ترتيب الوسائد
وانشغلت كلّ بعملها.
- اسقِ رعد يا (قيس) وأطعمه جيداً.
ضغطت زبيدة على الوسادة وهوى قلبها حين سمعت صوت
مصعب، وزاد خفقانه حين أطل عليهن.
حالما لمحته تذكرت خمارها الذي انساها اضطرابها
ارتداءه فأسرعت بوضع اول قطعة قماش وقعت يدها عليها
فوق رأسها.
في الحال ركضت إليه ورقاء وقالت بلهفة: - حمداً لله على
سلامتك يا سيدي الحبيب.
وضعت يدها على ذراعه فقال وهو ينظر لزبيدة بلهفة
جعلت عيناه تشعان: - السلام عليكن.
ردّت عليه النساء وحمدن عودته سالماً إلا زبيدة، فقد
خشيت أن يخرج صوتها مرتجفاً كما يرتجف جسدها.
خفضت بصرها وحاولت التحكم بوجهها كي لا تعلوه
ابتسامة عريضة مرتبكة فتبادلت عاتكة وحسناء
نظرات المكر.
سألته ورقاء: - هل أحضّر لك الطعام يا سيدي؟
قال وهو ما يزال يحدق بحركات يدي زبيدة التي دلت على
اضطرابها: - كلا. حضري لي الحمام.
رمقتها عاتكة وحسناء وهما تبتسمان وهمست لها حسناء
بمكر: - ارفعي رأسكِ يا زبيدة وإلا آلمكِ.
وجّهت زبيدة لحسناء نظرة عتاب ثم أسرعت بالخروج من
المكان حالما خرج مصعب.
لاقتها ورقاء في طريقها لغرفتها ونظرت إليها بخبث وهي
تحمل ثياب مصعب لتأخذها إليه في الحمام.
دخلت زبيدة غرفتها وأغلقت الباب وهي تشعر بالغيرة على
مصعب من ورقاء.
نعم، إنها تغار عليه وتشتاق إليه ولم تعد تراه كسيدٍ
اشتراها وأرادها بالقوة بل كرجل بدأ قلبها يخفق له.
" ماذا يحدث لي؟ تراني أحبه؟ نعم.. لقد أحببته "
جلست على سريرها وهي تفكر بما سيحدث بين مصعب
وورقاء، وجاءها الجواب على سؤالها حين سمعت صوت باب
الحمام يُفتح بعد قليل فشعرت بالراحة.
خرج مصعب من الحمام واقتربت خطواته من غرفتها
وتوقفت عند بابها فنهضت وأدارت ظهرها للباب وتشابكت
أصابعها وهي متوترة.
فتح مصعب الباب فلم تستدِر فاقترب ووقف خلفها وهمس
بشوق: - اشتقت إليكِ، زبيدتي.
صوته هامساً اسمها جعل قلبها يخفق بقوة حتى خشيَت أن
يسمع ضرباته. أما انفاسها التي فضحت اضطرابها، فقد
حاولت إخفاءها دون جدوى.
أدارها نحوه فتأملت وجهه للحظات وعكست عيناها ما
كانت تحسّه.
رفع رأسها وسألها وهو مسرور، سؤالاً عرف جوابه مسبقاً من
نظراتها وأنفاسها المتوترة لكنه تمنى سماع الإجابة منها:
- هل افتقدتِني؟
لم تجبه وخفضت بصرها فنزع الخمار عن رأسها وأمسك
ذراعيها واقترب كثيراً وهو يهمس: - زبيدتي..
تراجعت للوراء وجذبت الخمار منه بعنف لتغطي شعرها
وهي تقول بحدة:
- لا تعاملني كجارية لأنني لن أكون يومًا.
قطب جبينه وسألها بانزعاج: - هل تتلاعبين بي؟ تظهرين
لي الاشتياق ثم تبعدينني.
رمقته بانزعاج وقالت وهي تشعر بوخز مؤلم في قلبها:
- لا أتلاعب بك. لكنك لا تهتم إلا بنيل مرادك.
تأملها بغضب ثم خرج وصفع الباب.
أخذت تبكي وهي ممزقة بين حبها له وكرامتها. ها هو
يطلبها كجارية من جديد. هل أحبها حقا أم أن الجميع -
وهي منهن - توهمن ذلك؟
بعد قليل سمعت صوت ورقاء تناديه بصوت بدا كأنه أعلى
مما يجب، وكأنها تُسمِع زبيدة كلامها:
- سيدي الحبيب، هل أدخل؟
وسمعت بعد دخول ورقاء ضحكاتها الماجنة فشعرت
بغضب وغيرة أحرقت قلبها.


نام مصعب إلى الليل فقد كان متعباً من السفر واستيقظ
على طرقات الباب. أيقظته عاتكة لتخبره أن نوار وصل
وهو بانتظاره في البهو.
بعد التحية والعناق سأله مصعب: - كيف علمت بعودتي؟
- التقيت بشقيقكَ في السوق فأخبرني. كيف كانت
التجارة؟
- بخير. ما أخباركَ أنتَ وماذا فعلت في غيابي؟
رمقه نوار مليا فعرف مصعب أن في رأس رفيقه اسئلة لن
يتنازل عن سماع اجوبة لها.
- دعكَ مني وأخبرني عن قلبكَ، فأنا أرى أنكَ لست على
ما يرام.
تنهّد مصعب وقال: - لا أريد الحديث.
هزّ نوار رأسه وقال: - ما الذي حدث هذه المرة بينكَ وبين
تلك العنيدة؟
قال مصعب وهو منزعج وتأبى حَمِيّتُهُ أن يتكلم عما يدور
بينه وبين زبيدة لرفيقه:
- أخبرتكَ أنني لا أريد الكلام.
تأمله نوار وركز نظره في عينيه وهو يهتف باستغراب
كمن اكتشف شيئا غاية في الاهمية:
- أنتَ تحبها حقاً يا رجل! تتصرف وكأنها زوجتك لا
جاريتك.
ردّ مصعب بانفعال: - هي ليست جارية.
وهنا انفجر نوار بالضحك طويلاً حتى صاح به مصعب
بغضب: - كفاكَ سخفاً يا نوار وكف عن الضحك!
قال نوار بكلام يقطعه الضحك: - اعذرني يا رفيقي فأنا..
لا أصدّق أنك أخيرًا وقعت.
سأله مصعب بانزعاج: - ألم تقع أنتَ؟ ألست تحب ابنة
قتيبة؟
أجاب نوار بثقة ودون تردد: - بل أعشقها. لكنني أعرف
أهلها وحَسَبَها، وسأخطبها منهم قريباً إن شاء الله. أنا فقط
أنتظر أن يتزوج أخي الأكبر.
نظر مصعب لنوار وشرد يفكر في كلامه ثم تنهد وقال:
- لنخرج قليلاً يا نوار.
قال نوار يمازحه: - ألا تريد أن أتناول العشاء في دارك. ما
هذا البخل يا رجل؟!
رمقه مصعب بصبر نافذ ثم ابتسم ونادى عاتكة وطلب
منها إعداد العشاء لهما.


مع أول خيوط الفجر، استيقظت زبيدة وخرجت إلى
الحديقة لتستنشق نسيم الصباح علّه يغسل ما في قلبها من
هموم.
جلست قرب النافورة الصغيرة وسارت أصابعها على الماء
وهي شاردة الذهن لكن صوت مصعب أيقظها:
- أسعد الله صباحكِ.
لم ترد عليه بل أومأت برأسها ثم نهضت لتعود إلى الدار
لكنه أمسك يدها ونظر إليها ليرى الغضب في ملامحها،
فزبيدة أسوأ من يخفي مشاعره. وكأن وجهها مرآة تعكس
ما في داخلها.
- ما بكِ؟ لِما أنتِ غاضبة؟
- ليس بي شيء.
خرج صوتها حادًا ليؤكّد غضبها وانزعاجها فقال نادما:
- انسي ما قلته لك أمس فقد خرج ذلك الكلام دون
وعي مني.
رمقته باستغراب فأوضح والشوق في عينيه:
- لقد كنت في منتهى الشوق لك، وأنت أوقدته أكثر
بتلك النظرات الرائعة والأنفاس المضطربة والابتسامة
الساحرة، فلم أتمالك نفسي وقد تملكتني الرغبة
بضمك.
أشاحت وجهها الذي شع خجلا فاقترب وهمس:
- بعد ذاك الأمل الذي وهبته لي، صددتني بشدة فغضبت
ساعتها. لكن لم يدر ببالي شيء مما ظننت.
رمقته بطرف عينها فسألها مبتسما: - أما زلت غاضبة مني؟
قالت بانزعاج وهي توليه ظهرها وصوتها يرتجف غيرة:
- وهل يهمك غضبي؟ لا تقل إنك قضيت الليل حزينا
لأنك أغضبتني!
قال مبتسمًا:
- لكنني فعلاً لم أنم حتى ساعة متأخرة من الليل.
قالت بانفعال: - لأنك نمت كثيرًا أول المساء.
ضاقت عيناه وهو يشعر بالغيرة في صوتها وفهم تلميحها
فهمس قرب أذنها متسائلا:
- هذا الغضب الذي يزيدك جمالاً، هل له علاقة بورقاء؟
من ارتباكها ودهشتها لتخمينه الأمر، عرف الجواب على
سؤاله فأطلق ضحكته العالية التي صارت تعشقها ثم
همس بمكر وشوق:
- لو أنّ رضاكِ بقدر غيرتكِ.. لكنتُ أسعد الرجال.
ابتعدت عنه بسرعة ولعنت غضبها الذي جعله يكتشف
مدى غيرتها عليه.
جذب ذراعها وقال مبتسما: - تعالي معي.
سألته بوجه عابس: - إلى أين؟
لم يجبها وسار بها حتى وصلا قرب جواده رعد فقالت
محتجة بقوة:
- ليس ثانية! ولا تقل لي لا تخافي لأنني اموت خوفا حين
أكون على ظهر جواد.
أطلق ضحكة خافتة ورفع السرج عن ظهر رعد ثم قال
وهو يجذبها لتقف على مقعد صغير بالقرب من رعد:
- كفى جُبنا!
قالت بحزم: - لن أركب معك.
فقال هو الآخر بحزم ونفاذ صبر:
- لقد رفعت السرج عن ظهر رعد كما رأيتِ، ما يعني أنك
تستطيعين الابتعاد عني في جلستك.
سألته وقد خفت الحدة في صوتها: - لِمَ لا نذهب سيرا؟ ألا
تتنقل إلا بجوادك؟
- المكان بعيد. هيا الآن.
مدت له يدها واعتلت ظهر الحصان ولامسته بلطف ثم
تمسكت بعنقه. ركب مصعب خلفها وقال ليشاكسها:
- لا تتمسكي برعد بقوة وإلا صار جامحا وأوقعنا عن
ظهره.
ابعدت يديها عن رعد وهتفت بخوف: - أنزلني!
أطلق تلك الضحكة العالية وقال:
- أمازِحك فقط. لكن لا تمسكيه بقوة.
في بقعة خالية من أطراف المدينة الشرقية، بدا الشروق
رائعاً وشاهداه بصمت وهما على ظهر رعد. وما دام الحصان
ساكنا لا يتحرك فزبيدة غير فزعة. بل كانت هادئة
ومستمتعة بتلك الشمس التي ترتفع عند الافق رويدا
رويدا كفتاة خجولة مترددة.
أدار رأسها لتنظر في عينيه الواسعتين الكحيلتين وهمس:
أَيا زبيدةُ لَو أَبصَرتِني ما عَرَفتِني
لِطولِ شُجوني بَعدَكُم وَشُحوبي
وَأَنتِ مِنَ الدُنيا نَصيبي فَإِن أَمُت
فَلَيتَكِ مِن حورِ الجِنانِ نَصيبي
ابتسمت لتغييره اسم (فوز) في شعر ابن الأحنف الى اسمها
ثم سألته مستغربة:
- هل صرت تحفظ الشعر؟
همس بشوق: - لأنك تحبينه.
قالت بعينين دامعتين وقد اجتمع في قلبها السرور لاهتمامه
بها والحزن لأنه ما زال راغبا بها كملك يمين:
- لكنني لست جاريتك لأكون نصيبك في الدنيا.
هزّ رأسه نفيًا وقال: - وأنا لا أريدك جارية.
رمقته بسرور وهي دامعة العينين وقلبها يطير فرحا. ها هو
يصرّح لها أنه يريدها زوجة لا كجارية.
ابتسم وهو يمر بعينيه بشغف على ملامحها التي أشرقت ثم
قال:
- سألتكِ مرة عن قصتكِ فلم تجيبي ولم أصرّ عليكِ
لأنني حينها لم أرد أن تبتعدي عني. فلو عرفت مكانهم
كان لزاما عليّ أن أعيدك إليهم. لكنني اليوم أصرّ على
معرفة من هم أهلك وقصة اختطافكِ فربما نعثر عليهم.
هذه المرة لم تكن زبيدة خائفة من معرفة مصعب
للحقيقة فأخبرته قصتها وهي تدمع مرة وتبكي أخرى.
قال وقلبه متألم لكل ما مرّ بها:
- ما دام اهلكِ في بغداد فلابد أن نجدهم. ألا تعرفين غير
اسم والدك؟
هزت رأسها نفياً فقال:
- لنعد الآن وسأبدأ البحث عنهم منذ اليوم.
رمقته بابتسامة وهي فرحة وقالت: - أشكرك يا مصعب.
ابتسم وتألقت عيناه ببريق خاص وهو يسمع اسمه منها لأول
مرة وقال بلهفة:
- بل مصعب هو الذي يشكرك، لأنكِ علّمته أن الرجل لا
يعيش بالجسد فقط.
حين وصلا إلى الدار، أسرع قيس حارس مصعب نحوهما
وقال: - سيدي، هناك رجال ينتظرونك في بهو الضيافة.
لقد أصروا على انتظاركَ وقالوا إن الأمر مهم.
- حسناً يا قيس. أخبرهم بأني سآتي لرؤيتهم.
سار بالحصان حتى نافورة الماء. نزل عن ظهر جواده
وأمسك يديها لينزلها فتقف على حافة النافورة فتذكرا
يوم اشتراها وأحضرها إلى هنا حين كانا في نفس
الموقف. لكن نظراتهما الآن مختلفة وتبوح بالكلمة
التي لم تنطقها شَفَتا أحدهما للآخر.
تقدما نحو الدار وقبل وصوله بهو الضيافة المنفصل عن
باقي الدار خرج إليه الرجال الثلاثة الذين كانت وجوههم
تعكس التوتر والقلق.
كان كبيرهم رجل مسن والآخران يبدوان في العقد
السادس من عمرهما تقريباً.
سأل الرجل المسنّ بصوت بدا فيه الاضطراب وهو يحدق
بوجه زبيدة: - أأنتَ مصعب ابن جابر؟
ردّ عليه إيجابا وهو يدقق في ملامح الرجلين الآخرين التي
لم تكن غريبة عليه فسألهما: - ألم نلتقِ قبلا؟
قال العجوز: - أنا (الحارث ابن شهاب) وهذان ولداي..
أكمل عنه مصعب: - (الفاروق) و(الفضل). شرفت بلقائك.
لم ألتقِ بك قبلا، لكن من في السوق لا يعرف الحارث أبا
الفاروق؟
كانت زبيدة واقفة خلف مصعب ولم تتحرك فقد هابت
منظرهم وخشيت عليه منهم لكنه قال لها وقد انزعج
حين لاحظ تحديق الحارث وولديه بها:
- ادخلي الى الدار.
وهنا قال الفاروق بلهجة بدت فيها الحدة: - انتظري!
رمقته زبيدة بدهشة وقد هابت نظراته الصارمة بينما
حدجه مصعب بنظرات حادة وسأله:
- ماذا تريد منها يا ابا العباس؟
لم يجب مصعب وسأل والده الحارث وقد بدأ غضبه يزداد:
- أليست تشبهها كثيرا يا أبي؟
ما يزال قلب العجوز يرتجف كلما ذكر ولده وزوجة ولده
التي تكاد تكون نسخة عن هذه الحائرة الواقفة امامهم.
قال الفضل: - لا بد أنها هي يا أبي.
تبادل مصعب وزبيدة نظرات الاستغراب وقال الحارث وقلبه
يخفق: - أنتِ زبيدة ابنة ولدي عاصم.
خفق قلب زبيدة بقوة وهي تسمع اسم أبيها. عقدت
المفاجأة لسانها وتبادلت نظرات الدهشة مع مصعب فقال
الرجل وقد تجمعت الدموع في عينيه:
- أنا جدك وهذان عمّاكِ.
اضطربت زبيدة وتسارعت أنفاسها وسالت دموعها دون ان
تشعر بها. أحقا وجدت اهلها؟ هكذا ببساطة وقد أتوها
بأنفسهم؟
احتارت.. أتركض نحو جدها الذي رأته توّا وما علمت
بوجوده قبلا أم تبقى في مكانها؟
غصة اعتصرت قلب مصعب وهو يفكر بدنوّ الفراق.
جال بنظره بين الوجوه الغاضبة المضطربة وبين وجهها
الحبيب المنذهل الذي بللته دموعها.
جن جنون الفاروق وهو يرى نظرات ابنة أخيه تستنجد
بذاك الذي اشتراها فصاح غاضبا وشهر سيفه بوجه
مصعب: - سأقتلك يا عديم الشرف.

نهاية الفصل السادس


الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:12 pm

الفصل السابع

جن جنون الفاروق وهو يرى نظرات ابنة أخيه تستنجد
بذاك الذي اشتراها فصاح غاضبا وشهر سيفه بوجه
مصعب: - سأقتلك يا عديم الشرف.
صرخت زبيدة ووضعت كفيها على وجهها وصاح الحارث:
- إيّاك يا فاروق! ما هكذا تحل الأمور.
وأخذ السيف من ولده ثم قال لمصعب: - فلدخل.
تقدمهم مصعب وهو يكظم غيضه احتراما للحارث وتقديرا
لموقف الفاروق. فما من رجل يتحمل أن يباع عرضه
ويشترى. وراح ضميره يؤنبه لأنه حاول جعل زبيدة جارية
له وأعمته نزوته وهَوَس امتلاكها عن التصرف الصحيح
لأي رجل له مروءة.
دخلوا خلفه ثم دخلت زبيدة خلفهم وهي ترتجف لشدة
خوفها على مصعب.
قال مصعب متسائلاً والحرج يملأ صوته: - كنتم امامي
طوال الوقت دون أن يخطر ببالي أنكم أهلها.
قالت زبيدة اخيرا بصوت مرتجف: - كيف عرفتم
مكاني؟ لقد قطعت الصحراء باحثة عنكم.
أجاب الحارث: - وصلنا خطاب فجر اليوم يقول إن حفيدتي
الضائعة جاءت تبحث عنا فاختطفها اللصوص وقد صارت
جارية عند ابن جابر، فأسرعنا بالمجيء لنتأكد من الأمر.
لقد ظننا كل تلك السنوات أنكِ متت مع والديكِ.
تمتم الفاروق: - ليتها ماتت ولم تجلب لنا العار.
رمقت عمها برعب وتساءلت عن شكل الحياة التي تنتظرها
معهم. هذا إن كانوا سيبقونها على قيد الحياة، فقد يقتلها
هذا الرجل الثائر.
سألت جدها ثانية: - من سلمكم الخطاب؟ إنه يعرف كل
القصة وانا لم أخبر أحدا بها.
- امرأة تضع النقاب على وجهها، سلمته للحارس وانصرفت
بسرعة.
وهنا تذكرت زبيدة " الخالة عاتكة تعرف قصتي. هل
يمكن أن تكون هي؟ "
وجه الفاروق سؤاله لمصعب بغضب وهو يمنع نفسه من
ضربه بصعوبة:
- كيف تشتري بنات الأشراف لتجعلهن جوارٍي عندك؟
قال مصعب وهو يشعر بالحرج: - ومن أين لي أن أعلم ابنة
من هي، إن كانت هي نفسها تجهل أهلها؟
سأله جدها بحدة: - ألم تخبرك بأنها اختُطِفت؟
وقال الفضل: - كان يفترض بك أن تبحث عن أهلها ولا
تبقيها جارية عندك.
وهنا قالت زبيدة لتمنع عن مصعب أذى أهلها وتخفف من
سخطهم عليه: - أنا لم أخبره بقصتي.
رمقها الرجال الثلاثة بدهشة فقالت وقد استغربت سرعة
بديهتها في ترتيب الكلام وسهولة كذبها في جزء كبير
مما قالته:
- حين أخبرته أنني اختطفت وأنني لست جارية، عاملني
باحترام.. فخشيتُ أن أخبره بأني أجهل أهلي الحقيقيين
فيظنني كاذبة وأني جارية بالفعل. لقد سألني عن مكان
أهلي فأخبرته أنهم بعيدون عن بغداد.
قال الحارث بريبة:
- وإن كانوا بعيدين! ألم تستطع يا صاحب المروءة أن
ترسلها إلى أهلها أينما كانوا؟
فكر والندم يملأ قلبه على كل افعاله المخزية السابقة
مع زبيدة " ألهذا الحد تحبينني؟! كل هذا الكذب كي
تدفعي عني غضب أهلك "
ثم قال لجدها ليكمل كذبتها ويحاول تحسين صورته
أمامهم كي لا يحرموه منها بعدما يأخذوها:
- لم أكن لأرسلها مع أحد. كان يجب أن أسلمها لأهلها
بنفسي، وقد كنتُ مضطراً للذهاب في رحلة للتجارة مع
أبي. لقد سافرت لأكثر من شهر ولم أصل إلا عصر أمس.
سألها الفاروق بغضب:
- ماذا كنتِ تفعلين معه خارج الدار؟
قالت بارتباك دون النظر لوجه عمها الغاضب:
- لقد.. أردت أن أحكي له قصتي كاملة بعدما وثقت به
وبعدما أراد أن نسافر ليعيدني إلى اهلي، فخرجنا لنبتعد
عن الدار كي لا يسمع أحد كلامنا.
قال مصعب وقد تمكن الحرج منه خاصة مع كل ذلك
الكذب:
- أعتذر منكم عن كل ما حدث، وها هي ابنتكم عادت
إليكم حرة كما كانت دوماً.
تمتم الفضل بحسرة: - كيف كما كانت وقد بيعت
واشتُريَت؟
وقال الفاروق وهو يحاول التخفيف من ثورته:
- اللّهم صبرًا على هذا البلاء!
قال الحارث: - اهدأ يا أبا العباس. وأنت (خاطب مصعب)
أحضر كتاب رقّها.
خرج مصعب متجها إلى الدار فرمق الفاروق زبيدة بغضب
والقهر في عينيه بينما رمقته زبيدة وهي خائفة تفكر بما
ينتظرها من أهلها.
اقترب عمها الفضل ليجلس قربها وسألها بهدوء وصوت
منخفض:
- أخبريني يا ابنتي ولا تخافي، هل تعرض لك ذلك
الرجل بسوء؟ هل عاملك بطريقة.. أقصد هل..
فهمت سؤال عمّها فقالت بخجل: - لقد عاملني بمروءة ولم
أكن جارية له.
أومأ الفضل بينما رمقها الفاروق بعدم اقتناع وغضب.
مرّ مصعب قرب غرفة زبيدة. تنهد وذاب قلبه لفكرة
ابتعادها عنه ثم خرج عائدا الى بهو الضيوف حيث ينتظره
الجميع.
دخل مصعب يحمل كتاب الرق فخطفه منه الفاروق ومزّقه
بغضب فقال جدها وهو ينهض: - هيا يا بنا.
شعرت زبيدة بغصة البكاء تحرق قلبها. لم تظن أن ساعة
لقائها بأهلها ستكون مؤلمة هكذا، فهي تعني فراقها
لمصعب. لم تجرؤ على النظر إليه وخرجت قبل الجميع
يتبعها جدها وعمّاها ثم مصعب.
وجدت النساء ينتظرنها في الخارج حتى ورقاء. عانقتها
حسناء وهي دامعة العينين وقد عرفت قصتها قبل لحظات
عندما دخل مصعب الدار وأخبرهن بقصتها على عجل.
- سأشتاق إليكِ. لكن الحمد لله أنك اجتمعت بأهلك
أخيرا.
بينما قالت ورقاء بشماتة: - هذا أسعد يوم في حياتي.
رمتها زبيدة بنظرة حادة فقالت عاتكة وهما تبتعدان عن
الجميع بضع خطوات: - دعكِ منها.
سألتها زبيدة: - هل أنتِ من أخبر أهلي بمكاني يا خالة؟ لا
أحد يعرف قصتي غيرك.
أجابت عاتكة مندهشة هي الأخرى:
- كلا يا ابنتي. خذي هذه. أحضرها مصعب من رحلته وأراد
إعطاءها لكِ اليوم.
نظرت لتلك الهدية الغالية، أول هدية منه ثم عانقت
عاتكة.
غادرت مع أهلها الدار التي شهد أسوأ وأجمل ايام حياتها.
وبالكاد استطاعت حبس دموعها طوال الطريق.
أراد عمها الفاروق الحديث معها حالما دخلا دار الحارث
لكن جدها قال: - دعها يا ولدي. ما نريد معرفته منها
سألها عنه الفضل سابقا.
قال الفاروق متشككا بانفعال:
- وما ادرانا أنها تقول الحقيقة؟
أجهشت بالبكاء فقد نفذت طاقة احتمالها وقالت من بين
شهقاتها:
- كفاك يا عمي وارحمني فقد عانيت ما لا يُحتمل. ما
ذنبي أنني اختطفت في طريقي لبغداد حين جئت باحثة
عنكم، ليبيعني نخاس حقير؟
قال الحارث بحزم: - دعها يا ابا العباس واذهب لشأنك!
لانت قسمات عمها قليلاً أمام دموعها وكلماتها وقال:
- أنتِ لا تعرفين ما يعني للرجل أن يباع عرضه.
ردّت وهي ما تزال تبكي: - وأنتَ لا تعلم أيضاً ما تشعر به
الحرة وهي تباع وتشترى.
سألها لكن بلهجة لينة هذه المرة: - إذن اصدقيني القول
ولا تخافي مني.
هتفت وقد نفذ صبرها: - والله ما كنت جارية له أو لغيره.
والله لم يمس شرفي بسوء.
وهنا أغمض الفضل عينيه وهو يحمد الله هامسا وزفر
الفاروق بارتياح بينما جذبها جدها وقبّل جبينها فلم
تستطع منع نفسها من ضم جسده الضخم والبكاء بحرقة
وارتياح في الوقت نفسه وكأنها تعوض حنان أهلها الذي
تاقت له منذ عرفت بوجودهم وقد لمسته أخيرا في عناق
جدها.
ضمها الحارث بقوة وحنان وعيناه تدمعان، وكأنه يضم فيها
والدها الغالي الذي فقده ثم راح يمسح على رأسها.
تركته أخيرا ليرمقها بابتسامة دافئة ثم يقول لولديه:
- اذهبا لشأنكما الآن ثم عودا مساءً مع زوجتيكما
وأولادكما. وبلّغا ابنتي لتحضرا أيضا.
قال الفاروق لشقيقه الأصغر وهما يسيران الى بوابة الدار:
- أبي يظهر حنانا زائدا تجاه ابنة عاصم رحمه الله. لا
يجب أن يدللها منذ البداية.
قال الفضل مبتسما:
- يا أخي، لقد عانت المسكينة كثيرا. الله أعلم بما
لاقته طوال حياتها. كما أنها ابنة عاصم، فقيده وولده
الاصغر الغالي.
خصص الحارث لزبيدة أجمل غرفة في الدار وراح يخبر
جواريه وعبيده بعودة سيدتهم الغائبة، وأظهر لها وجها
غير الذي توقعته. جلس معها لساعات وهو يحدثها عن
والديها وتحدثه عن حياتها السابقة.
- كيف كان والداي يا جدي؟
ابتسم جدها بسرور وهو يمسح بيده على رأسها وقال:
- لي واحد وعشرون حفيداً، وما أكثر ما سمعت كلمة
جدي، لكن وقعها كان مختلفاً حين ناديتِني بها.
ابتسمت له وقبّلت يده فقال:
- كان والدك أصغر أبنائي الذكور وهو شبيه بالفاروق
في سرعة غضبه وعدم سيطرته على انفعاله. أما والدتكِ
فأنت تشبهينها كثيرًا.
- لهذا كنتم تحدقون بي حين رأيتموني.
أومأ جدها وقال بحزن: - رغم السنوات، لم ننسَ وجهيهما
الغاليين.


اجتمع أبناء الحارث وأغلب احفاده في داره مساءا ليتعرفوا
على تلك القريبة الغائبة منذ سنوات ويرحبوا بها.
سلمت عليها زوجة عمها الفاروق بوجه طلق وكانت سيدة
هادئة ودودة بعكس عمها.
قال الفاروق بصوته الجهوري مشيرا لزوجته ثم اولاده
الخمسة:
- هذه أم العباس زوجة عمك. وهؤلاء أولاد عمك.
قالت أم العباس: - لم تستطع ابنتاي المجيء. ستلتقين بهما
فيما بعد إن شاء الله.
أومأت لها بابتسامة وسلمت على اولاد الفاروق.
قال الفضل لزوجته بنظرته الهادئة التي تبعث في النفس
بعضا من الطمأنينة بعكس شقيقه الأكبر:
- هذه غائبتنا الغالية.
سلمت عليها زوجة الفضل بابتسامة: - حمدا لله على
عودتك. فليحفظك الله، ما اجملك!
احمرت وجنتي زبيدة ككل مرة يمدحها أحد فيها ثم
سلمت على أولاد الفضل الاربعة وابنته.
أما استقبال عمتيها لها فكان مؤثراً جداً، فقد ضمتاها
وهما تبكيان لأنها ذكرتهما بشقيقهما الذي فقدتاه منذ
زمن. عمتها الكبرى (خديجة)، قدمتها لأبنائها وهي
تقول:
- هذه ابنتي هند ولها شقيقة لم تحضر فهي في بلدة
اخرى. وهذا ولدي الأصغر ياسر. أما الكبير فهو مسافر.
أومأت زبيدة لياسر وعانقت هند.
عمتها الصغرى (هاجر) لها أربعة اولاد وبنتا، قدمتها لهم
وهي تقول:
- منذ الآن صرتِ أختا لابنتي (مودّة) التي حرمت من
الشقيقة.
ابتسمت لتلك الفتاة التي تقاربها في العمر وهي تلمح
الدموع في عينيها. لقد كانت مودّة متأثرة بقصة زبيدة
فعانقتها بحرارة وكأنها تعرفها منذ سنوات وراحت تبكي
فبكت زبيدة هي الأخرى فهي لا تستطيع حبس دموعها
في المواقف المؤثرة بينما رمقهما الجميع بدهشة.
بعد ذلك اللقاء العائلي، ومع سرور زبيدة بأهلها والألفة
التي شعرت بها من قبل بعضهم خاصة عمتيها ومودّة، إلا
أنها أحست بتشوش واضطراب لمقابلتها ذلك العدد من
الأقارب دفعة واحدة.
تنهدت وهي تأوي لفراشها أخيرا وتساءلت بحزن:
- تراك نائما الآن أم أن النوم جفاك مثلي وتفكر بي؟
كيف للعاشق أن يهدأ باله وينام ملأ جفنيه وحبيبه بعيد؟
كان مصعب ساهرا مثلها يفكر بفراقهما الذي حدث فجأة
ليتركه مبعثرا كقطع زجاج مكسور.
تقلب هو الآخر في فراشه كثيرا تلك الليلة دون ان
يستطيع النوم، فذهب الى غرفتها يلتمس فيها السكون
والاضطراب، الراحة والشوق، والسلوى والشغف.
ونام تلك الليلة على سريرها وهو يستنشق ما بقي من
رائحتها على وسادتها.


في الصباح، استيقظت زبيدة وفي داخلها مشاعر غريبة.
سعيدة لأنها وجدت أهلها وقلقة بشأن عمها الفاروق وتشعر
بالحنين لفاطمة وريم وبالشوق لمصعب والحزن على فراقه.
دخلت البهو فاستقبلها جدها بابتسامة حنون وسألها:
- كيف أصبحتِ في بيت جدكِ؟
قالت وهي تجلس قربه وترفع حاجبيها:
- أحس بشعور غريب لكنني سعيدة. سعيدة جدا بك يا
جدي.
تنهد بارتياح كمن أدرك غايته أخيرا وقال:
- وأنا سعيد بك يا بُنَيتي، سعادة من كتب الله له النجاة
بعدما واجه الموت فرُدت إليه روحه.
لامس شعرها والابتسامة على وجهه مضيفا:
- جزاهم الله من حرموني منكِ طوال هذه السنوات.
طالبته وهي دامعة العينين:
- لا تدعُ عليهما يا جدي فقد كانوا خير أهل لي طوال
حياتي. وسأظل أحنّ إليهما ولريم ما حييت.
أغلق الحارث عينيه وهو يفكر بغرابة ما حدث ثم حمد
الله على عودة زبيدة إليه.


علاقة وثيقة وألفة وارتياح، جمعت زبيدة بمودّة ابنة
عمتها هاجر فقد شعرت نحوها بارتياح منذ رأتها.
كانت سلوتها الوحيدة وملاذها حين يتعبها شوقها لمصعب
فتبقى تحدثها عنه. وكم أعادت على سمعها كثيرا من
الأحداث والمواقف التي مرت بها مع مصعب.
كلما اشتاقت زبيدة لمصعب أخرجت الهدية التي جلبها
لها من رحلته لليمن ولم يعطها لها بنفسه. فستان وعطر
وكحل هي كل ما بقي بين يديها من ذكريات مصعب.
تتساءل كثيرا باستغراب ولوعة " لماذا لم يأتِ لخطبتي
حتى الآن؟ هل تراجع عن رغبته في الزواج لأن كرامته
تأبى أن يخطب فتاة اشتراها كجارية، وإن كانت ابنة
أصل ونسب؟ أم أن أهله يرفضون زواجه بي؟ ".
وتظل تفكر حتى يغالبها النعاس.
قالت مودّة بامتعاض بينما كانت جالسة مع زبيدة في دار
جدّهما تتحدثان:
- لقد تعبت من ابن الخالة ذاك الذي لا ينطق.
ضحكت زبيدة وقالت بمكر: - المهم أنه ينظر. فهو
يسترق النظر إليكِ كلما التقيناه في منزله حين نزور
هند أو منزلكِ حين يأتي لرؤية شقيقك، وما أظنه آتيا إلا
لرؤيتك أنت وليس شقيقك.
لوت مودّة فمها باستياء وتساءلت: - وماذا أفعل بنظراته؟
أريد سماع كلام يشفي صدري.
قالت زبيدة بنظرة هائمة وهي تفكر بمصعب:
- لا يحتاج الحب إلى كلام فهو واضح. المهم أنكما
تعرفان بحبكما لبعضكما.
قالت مودة بشك وهي تضع إبهامها بين أسنانها:
- لست متأكدة بأنه يعرف بحبي له.
قالت زبيدة بمكر وسخرية: - أنا متأكدة. لأنكِ حين
ترينهِ تصبحين كالبلهاء.
ضحكت مودة وهي تضرب زبيدة ثم قالت زبيدة بجدّية:
- أظنه لا يريد التحدث بشيء معك حتى يتزوج شقيقه
الأكبر فيستطيع هو الزواج بعده.
تنهّدت مودة وقالت وقد تغير وجهها:
- ويحي! إن كان ذلك صحيحا فلن أتزوج ياسر يوماً.
سألتها زبيدة بدهشة: - لماذا؟
تنهدت مودّة بيأس وأجابت وهي تعتدل في جلستها:
- أنت لا تعرفين شقيقه (عمر). إنه زاهد في النساء، عاشق
للعلوم. لكثرة محاولات خالتي خديجة الفاشلة في
إقناعه بالزواج، عرضت عليه أن يشتري جارية خاصة له
على الأقل لكنه رفض.
قطبت زبيدة جبينها: - أمره غريب.
اكملت مودّة مسترسلة: ـ الرجال في عمره يملكون جارية
واثنتين وربما ثلاث لكنه قال لوالدته أنه لن يشتري روحاً
خلقها الله كي تكون أداة لمتعته فقط. وراح يحدثها عن
حث الدين لنا على عتق الرقاب.
فكرت زبيدة في مصعب وولعه بالجواري وتساءلت إن كان
استبدل ورقاء بجارية اخرى او اشترى جارية جديدة،
وعادت الغيرة تؤلمها وهي تفكر بأنه لاهٍ مع جواريه بينما
تتعذب هي لفراقه وانتظاره.
أوقفت ذكرياتها وقالت بابتسامة إعجاب تعلق على كلام
مودّة: - يا لهذا الفكر الرائع!
رمقتها مودّة بدهشة ومازحتها قائلة:
- تقولين هذا مع عشقك لرجل مولع بالجواري.
تنهدت زبيدة بشوق وهي تبتسم وقالت:
- وهل في الحب اختيار؟


ذات مرة ذهبت زبيدة إلى بيت عمتها هاجر برفقة (عامر)
حارس منزل جدها الذي يرافقها حين تخرج، بعدما أرسلت
مودة في طلبها لتلتقي بها هي وصديقتها (بارقة) التي
صارت صديقة لزبيدة أيضاً.
دارت بين الفتيات أحاديث كثيرة ثم تحدثت بارقة أمام
زبيدة عن رجل تحبه. سألتها زبيدة بحماس:
- وهل هو صامت مثل ياسر أم بينكما لقاء وكلام؟
قالت بارقة بحماس: - بل نحن نلتقي بين فترة واخرى في
السوق.
فكرت زبيدة بمنع جدها لها من الذهاب إلى السوق، فمنذ
البداية أوضح لها أن الذهاب إلى السوق ممنوع. لم يقل
السبب صراحة لكنها تعرف أنه يخشى لقائها بمصعب
صدفة هناك.
سألتها بارقة لتوقف افكارها: - هل أحببتِ يا زبيدة؟
تبادلت زبيدة مع مودّة الابتسامة وأجابت:
- نعم يا بارقة، وقصة حبي غريبة جدًا.
التمع الفضول في عيني بارقة وهي تقول:
- شوقتِني لمعرفتها، إن أردتِ إخباري طبعًا.
قالت زبيدة مبتسمة: - بالتأكيد. ألم نصبح صديقتين؟
وحدثتها بقصتها مع مصعب فسألتها بارقة:
- لم تقولي اسم حبيبكِ حتى الآن.
أجابت زبيدة وعينيها تشعان بالشوق: - اسمه مصعب، ابن
تاجر كبير يدعى جابر.
اتسعت عينا بارقة دهشة فسألتها زبيدة ومودّة بصوت
واحد: - هل تعرفينه؟
أومأت وقالت لمودّة: - إنه رفيق نوار المقرّب.
تساءلت زبيدة بدهشة: - أي نوار تعنين؟ ذلك العابس
المتجهم؟ أهو شقيقك؟
أجابت مودّة مستغربة صغر هذه الدنيا وتشابك الصلات
فيها: - بل حبيبها. لقد ظننت أنه تشابه اسماء لا أكثر
ولم أتوقع أن يكون نفسه رفيق مصعب الذي لم يكن
يطيقك.
حدقت بهما بارقة وقالت: - أخبراني بكل شيء على مهل
كي أفهم كلامكما.
قَصّت زبيدة ومودّة على بارقة كل شيء فأخذت تضحك
ثم قالت: - نوار عصبي المزاج لكنه طيب القلب. كما أنه
رائع الوجه وسيم القسمات وليس متجهّما.
قالت زبيدة بمكر:
- ربما لا يتجهّم وجهه أمامكِ أنتِ فقط.
ضحكت بارقة والشوق في عينيها لنوار ثم سألت بجدية:
- هل أبلغه شيئاً يوصله لمصعب؟
ردّت زبيدة بسرعة وانفعال: - كلا! فليس عندي ما أقوله
له يا بارقة.
قالت مودّة بابتسامة ماكرة: - كاذبة! أنتِ فقط غاضبة
منه لأنه لم يأتِ لخطبتكِ كما قال.
قالت بوجه عابس:
- نعم. ولهذا لا أريد أن تخبري نوار شيئاً يا بارقة.
رفعت الفتاة كتفيها وقالت: - كما تشائين.


كانت زبيدة تسير حول النافورة الكبيرة في دار جدها
وابتسامة حالمة تزين وجهها وهي تذكر ذلك الصباح
حيث كانت تجلس فجرا قرب النافورة الصغيرة في دار
مصعب، حين تجلت غيرتها الشديدة على مصعب من ورقاء
فلمعت السعادة في عينيه.
قطع حبل افكارها ذاك الغريب الذي تجرّأ على الدخول
الى دار جدها. كان الطريق الى داخل الدار يمر بالنافورة،
لذا لمحته من بعيد وهو يسير نحو الدار.
أصلحت خمارها وتبعته لتسأله باستياء وهي ترميه بنظرة
حادة:
- كيف تجرؤ على دخول الدار هكذا أيها الغريب؟
وكيف سمح لك الحراس بالدخول؟
التفت إليها وهو بقطب جبينه متسائلا ومستغربا ثم لاح
على شفتيه طيف ابتسامة وقال والتحدي يلوح في عينيه:
- جئت أقابل الحارث.
تركها واقفة وأكمل سيره نحو الدار فزمّت شفتيها
وصاحت به: - ألا ترعى حرمة البيوت يا هذا؟
لكنه لم يتوقف فتبعته بسرعة لتجاري خطاه الواسعة
بذلك القوام الضخم الطويل.
صاحت به وقد وقف عند باب الدار حين وصلت قربه:
- أكلمك ايها الوقح!
استدار نحوها وهو يقطب جبينه استياءً من وصفها له
بالوقاحة، ومع ذلك كان هناك بريق سرور في عينيه لم
يخفَ عليها.
قالت وهي تقف عند باب الدار قبالته:
- من انت لتدخل دار جدي هكذا؟ ما هذه الجرأة؟!
تنهد وهو مستمتع لأول مرة بمشاكسة فتاة ورؤية ثورتها،
وتساءل في نفسه مستغربا تصرفه معها.
" ما بالي أسعى لمشاكستها بالمزاح؟ لم أفعلها يوما مع فتاة
سوى شقيقتيّ "
لكنها لم تكن أي فتاة. ليست كأي فتاة رآها من قبل على
الأقل.
قال وهو يشير الى باب الدار: - اذهبي لتخبري جدك أنني
أريد مقابلته.
هتفت بانفعال وقد أغاضها غرور ذلك الغريب:
- لست جارية عندك لتأمرني.
اتسعت ابتسامته رغما عنه فصاحت به وقد انفجر غضبها:
- ما أوقحك!

نهاية الفصل السابع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:14 pm

الفصل الثامن

هتفت بانفعال وقد أغاضها غرور ذلك الغريب:
- لست جارية عندك لتأمرني.
اتسعت ابتسامته رغما عنه فصاحت به وقد انفجر غضبها:
- ما أوقحك!
خرجت (عفراء) إحدى جواري الحارث لترى ماذا يحصل
حين سمعت صوت زبيدة الغاضب.
قالت بابتسامة مهذبة تحدث الرجل:
- اسعد الله صباحك يا سيدي.
سألها الرجل وفي عينيه ابتسامة لرد فعل زبيدة حين
التفتت مندهشة نحو عفراء: - هل سيدك هنا يا عفراء؟
أومأت عفراء إيجابا فدخل الرجل من فوره.
وهنا وقفت زبيدة مستغربة ومتسائلة عن هوية هذا الرجل.
لا يمكن لعفراء أن تدخله لو كان غريبا، لكان جدها
قتلها.
سارت خلفهما والفضول يتملكها لمعرفة هوية ذلك
الرجل حتى قال جدها بحماس حالما رآه:
- أخيرا عدت يا عمر!
انفرجت شفتاها دهشة وحدقت به فلم يستطع منع نفسه
من النظر لوجهها الذي اكتسى بعدة ألوان بين حمرة
الخجل وصفرة المفاجأة.
تلاقت نظراتها الخجلة والغاضبة في الوقت نفسه بنظراته
التي شعّت مكرا وسرورا استفزها فاحتدت نظراتها واتجهت
مسرعة نحو غرفتها لكن نداء جدها اوقفها.
أغمضت عينيها داعية ألا يطلب جدها منها العودة للسلام
عليه. وهكذا كان! فقد قال لها الحارث مستغربا هروبها:
- ألن تسلمي على عمر ابن عمتك خديجة؟ أنتما لم
تلتقيا قبلا.
زفرت بصوت وصل سمعهما فاستغرب الحارث وابتسم عمر.
استدارت وأومأت لعمر فقال بمكر:
- لقد تعارفنا في الخارج يا جدي.
احتدت نظراتها ثم اشاحت وجهها عنه فأومأ الحارث وهو
يشم رائحة مكر في كلام حفيده ثم قال وهو يعانقه
بينما سارت زبيدة خارجة من البهو:
- اشتقت إليك. متى تنتهي أسفارك يا ولد؟
- انتهت يا جدي فقد استقر استاذي في بغداد.
بدا السرور في صوت الحارث وهو يقول: - رائع. وما..
ولم تسمع زبيدة باقي الحديث فقد خرجت من البهو
لغرفتها وهي تتمنى صفع ذلك القريب المغرور لتختفي
نظراته الماكرة وابتسامته المستفزة.
جلست على السرير وهي حانقة.
" يا له من مخادع! لماذا لم يخبرني بهويته من البداية؟ يا
للخزي! لقد نعتته بالوقح أكثر من مرة وصحت بوجهه.
ولكن ما دخلي انا؟ هو المخطئ لأنه اخفى هويته عني.
كان مستمتعا بكوني كالحمقاء، أشتعل غضبا من جرأته
وانعته بالغريب. هه، وتقول عنه مودّة أنه هادئ ومتزن! "


بينما كان الحارث يجالس زبيدة، دخلت عليهما إحدى
الجواري لتخبره أن خديجة وزوجها وعمر يستأذنونه
بالدخول.
حالما سمعت زبيدة اسم عمر، شعرت بالامتعاض واسرعت
بالذهاب لغرفتها بينما استعد الحارث لاستقبالهم.
لم تكن تود الخروج لكنها مجبرة على ذلك كي تسلم
على عمتها وزوجها (علي)، الرجل الطيب الذي لا ينفك
يلاطفها كلما رآها في منزله تزور هند مع مودّة.
توقفت خطى زبيدة عند باب البهو فقد سمعت ما جعل
قلبها يخفق.
كان علي زوج خديجة يقول: - تعرف يا عميّ أن هذا
العنيد لا يريد الزواج الآن، فما ذنب ياسر لينتظر طويلا
كي يخطب ابنة خالته؟ انت جدهما وانت عمي وبمثابة
والدي رحمه الله. اريد مباركتك.
ابتسمت زبيدة بسرور وتمنت لو تطير حتى دار عمتها هاجر
لتبلغ مودّة الخبر.
سمعت ذلك الصوت المرتفع النبرة الواضح المخارج، والذي
عرفت صاحبه:
- وانا لا امانع ابدا يا جدي بأن يتزوج ياسر قبلي.
وهنا كتمت زبيدة ضحكتها وهي تتذكر كلام مودة
الغاضب وتوقعها أن عمر لن يتزوج يوما.
قال الحارث باستياء:
- ولماذا ستعترض ما دمت مضرباً عن الزواج؟ لما هذا العناد
يا ولدي؟ لقد قاربت الثلاثين.
ابتسم عمر وهو يقول: ـ دعك مني الآن يا جدي ولنزوج
أخي المسكين الراغب بالزواج.
تنهّد وهو يرمق عمر باستياء ثم قال: - حسنًا، متى
ستكلمان هاجر وزوجها في الأمر؟
أجاب علي: - غداً إن شاء الله يا عمي.
قال الحارث مبتسما لابن اخيه وزوج ابنته:
- على بركة الله.
خطت زبيدة داخل البهو حين قال عمر وهو يقبل يد
الحارث: - لا تغضب يا جدي. سأتزوج يومًا ما.
تساءل الحارث بامتعاض: - متى يا ولد؟
أطلق عمر ضحكة خافتة وقال:
- حين أجد فتاة تستحوذ على قلبي أكثر من العلوم.
وصلت زبيدة قربهم وألقت التحية فالتفت الجميع نحوها
وردوا بابتسامة.
عانقت عمتها وسلمت على علي بحفاوة فقال لها عمر
بابتسامة ودودة: - كيف حالك يا زبيدة؟
قالت بابتسامة باردة وقد عاودها الامتعاض من تصرفه في
اول لقاء لهما: - الحمد لله.
كتم زفرة في صدره وفكر " لقد ازعجتها كثيرا على ما
يبدو. لماذا تصرفت معها بتلك الطريقة؟! "
وبعد قليل غادرت زبيدة البهو وعيني عمر معلقتين بها.
في اليوم التالي وبينما كانت زبيدة تتناول الفطور مع
الحارث، قالت له: - أريد الذهاب لرؤية مودّة يا جدي.
وعلى غير عادته قال: - لا تذهبي اليوم.
رمقته باستغراب وقالت:
- لماذا؟ لم تعارض يوما ذهابي إليها.
قال بابتسامة: - أنا لا أعارض. فقط أقول لك اذهبي غدا
وليس اليوم.
قالت متسرعة وهي تفكر بانزعاج بعدم إبلاغها مودّة
بالخبر السعيد الذي انتظرته طويلا:
- لكن يجب ان أذهب إليها الآن.
ابعدت وجهها عن عيني جدها المتفحصة بينما لاحت
الابتسامة على وجهه وهو يقول: - ولماذا يجب؟
قالت بارتباك: - أعني.. أنني اشتقت إليها كثيرا وأود
زيارتها الآن.
ضيق عينيه وهو يقول بمكر: - بل تريدين إخبارها بما
سمعت مساء أمس.
اتسعت عيناها دهشة فقال جدها بابتسامة:
- وجهك مرآة لما يدور في رأسك، فلا تحاولي الكذب يا
بنت لأنك لن تجيدينه.
ضمت شفتيها خجلا وهي مطرقة الرأس فقال جدها
بابتسامة:
- حين يعود عامر من العمل الذي ارسلته فيه، سيوصلك
إلى دار هاجر.. لتخبري مودّة بما تريدين.
نهضت وقبلت جدها ثم أسرعت لغرفتها تجهز نفسها بينما
رمقها جدها بمحبة وهو يلامس مكان قبلتها على خده.
" لا املك إلا تحقيق كل رغباتها. وهي قانعة لا تطلب
الكثير. غيرتني تلك الصغيرة وأعادت لي البهجة "
ذهبت زبيدة إلى مودّة قبيل العصر، فقد تأخر عامر في
عودته لدار الحارث.
وحالما اختلت بها في الحديقة قالت لها بحماس:
- أعطِني البشارة يا فتاة. ستأتي خالتك خديجة
لتخطبك اليوم.
- ماذا؟!
صرخت مودّة ثم وضعت يدها على فمها خشية أن يسمع
أحد صرختها فضحكت زبيدة وقالت:
- لقد سمعت عمتي وعمي عليّ أمس يكلمان جدي في
الأمر، فأردت أن أكون أول من تبلغك. حتى أن عمر قال
لجدي أن لا اعتراض لديه على زواج ياسر قبله.
رغم سرور مودّة لم يخفَ عليها الانزعاج في صوت زبيدة
حين أتت على ذكر عمر.
- أنت لم تري عمر قبلا فماذا فعل يوم أمس لتستائي منه
وتتغير ملامح وجهك وانت تتحدثين عنه؟
وهنا انفجرت زبيدة: - بل التقيته قبل ثلاثة أيام. أهذا من
تصفينه بالجدية والاتزان؟!
بدت الدهشة على وجه مودّة وسألتها: - ماذا فعل؟
تربعت زبيدة وتنهدت ثم راحت تقص على مودّة تفاصيل
لقائها الاول بعمر، فراحت مودّة تفتح فهمها وعينيها دهشة
تارة، وتضحك تارة أخرى وهي تتخيل وجه عمر الساخر
ووجه زبيدة المتقد غيضا كما يتقد الان وهي تقص عليها
ذلك الموقف.
قالت بجدية وحيرة حين انهت زبيدة كلامها:
- أنا مندهشة مما فعل. هذه ليست تصرفاته ولا طبيعته.
قالت زبيدة قبل أن تضم مودّة: - دعينا منه الان. مبارك
لك يا حبيبتي.
قالت مودّة بسرور: - سلمتِ. أتمنى أن أشهد معك أيضاً
اللحظة التي ستكونين فيها لمن تحبين. سيأتي مصعب يا
زبيدة، سترين.
شعرت زبيدة بغصة في صدرها وقالت:
- لا أظن يا مودّة. لقد مر شهران ولم يتحرّك. ربما لا يريد
هو أو أهله هذا الزواج لأنه اشتراني كجارية.
أجهشت زبيدة بالبكاء فضمتها مودّة وقالت باستياء وهي
ترى الم رفيقتها:
- هو من تصرف بلا مروءة وركض خلف رغباته فأبقاكِ
عنده كجارية رغم اعترافه بأنك حرة. هو وأهله لا
يصلون إلى نسبك وصيت جدك.
قالت وكأنها لم تكن تسمع كل ذلك:
- لقد اشتقت إليه كثيرًا.
- ماذا هناك؟ لِما تبكيان؟
جفلت الفتاتان وهما تسمعان صوت خديجة ثم نهضتا
وسلمتا عليها وعلى عليّ وعمر.
قالت مودّة بارتباك: - لا تقلقي يا خالتي. لقد كانت
زبيدة.. تحدثني عن الناس الذين عاشت معهم في البصرة
فأخذت تبكي وأبكتني معها.
ابتسمت لها عمتها بحنان وقالت: - سنعوضك عن كل ما
فات يا حبيبتي.
ابتسمت لعمتها وهي تمسح دموعها فسألت خديجة:
- مودّة، هل والداكِ في الداخل؟
ردّت مودّة وقد بدا عليها الارتباك: - نعم يا خالتي.
قال عليّ بابتسامة: - أخبريهما إذن بمجيئنا.
قالت مودة وهي تتجه للدار: - تفضلا الى بهو الضيوف
وسأناديهما حالا.
وهنا قالت زبيدة: - سأذهب انا الآن يا مودة.
سلمت على عمتها وعلي واستدارت لتخرج الى حيث
ينتظرها عامر عند بوابة الدار الرئيسية لكن صوت عمر
الذي ظل مكانه أوقفها: - انتظري من فضلك.
سألته دون النظر إليه وهي تكتف ذراعيها: - ماذا تريد؟
- أعتذر منك يا ابنة خالي.
نظرت إليه مستغربة سهولة نطقه الاعتذار فأضاف:
- لو علمت أنك ستغضبين لهذا الحد لما مازحتك.
تقوست شفتاها باستياء فتأملها وعلى وجهه ابتسامة بينما
قالت بامتعاض: - لم يكن مزاحا بل سخرية.
هبّ مدافعا عن نفسه: - كلا والله! ما سخرت يوما من أحد
لأسخر منك يا ابنة خالي.
قطبت جبينها متسائلة ولم يهدأ حنقها عليه:
- ماذا تسمي ما فعلته إذن؟
تنهد، تلعثم، وحار في شرح ما دفعه لما فعل.
" ما بالكَ كلما رأيتها لا تعود تشبه نفسك يا عمر؟ "
لكن ليس مثله من يعجز عن صياغة حديثه، لذا اختار
البدء بأجمل الكلمات وقعا على فتاة مثلها، بكبريائها
وقوتها. كلمات تشرح نيته الحقيقية وراء ما فعل وتذهب
بغضبها في الوقت نفسه:
- لقد شعرت بالفخر وانا أستمع لقصتك، قوتك وعزة
نفسك. لذا تملكتني..
قاطعه صوت والده يناديه من بهو الضيوف فأجابه:
- قادم يا أبي.
التفت إليها ثانية فوجدت نفسها تحثه على المتابعة وقد
أُخِذت بتلك الكلمات التي قالها لها بكل اعتزاز:
- تملكتك؟
ابتسم برضا لرؤية بريق السرور والفضول في عينيها
الساحرتين وقد اختفى الغضب منهما.
- تملكتني رغبة لاختبار تلك القوة والكبرياء.
لم تستطع منع ابتسامة زينت شفتيها ودموع تجمعت في
عينيها فأربكت خافقه ثم غادرت مسرعة قبل سقوط
دموعها ولم تتمكن من شكره حتى.
أول مرة تشعر بأن رجلا من عائلتها فخور بها. فالكل عدا
جدها يعتبرها عار لحق بالعائلة لأنها بيعت كجارية.
حتى إن لم يقلها أحد صراحة سوى عمها الفاروق لكنها
قرأتها في نظراتهم حين اجتمعت بهم. ومن لم تكن
نظراته حانقة عليها، كانت تحمل الشفقة وذلك آلمها
كثيرا.
لولا جدها الغالي وتدليله لها لندمت على اليوم الذي
غادرت فيه البصرة باحثة عن جذورها.


بعد موافقة أهل مودّة على خطبة ياسر لها، جرت
الاستعدادات للزواج بسرعة.
كانت زبيدة ملازمة لمودّة كي تساعدها في تجهيز دارها
فشقيقتي ياسر مشغولتان بتجهيز دار والدهم لحفل الزفاف.
حضر عمر لأكثر من مرة مع ياسر الى داره الجديدة لينجزا
بعض الأعمال فيها. وكان كلما التقى زبيدة يتبادل معها
ضحكة مكتومة وهما يذكران لقاءهما الاول.
ومع تلك الضحكات المكتومة على شفتي عمر، نبض
يأبى إلا أن يصدح داخل صدره وسرور يُسري في نفسه
ارتجافا تاق للشعور به.
نعم تاق لذلك الشعور. وما عزوفه عن الزواج تلك
السنوات إلا لأنه لم يجد من يصيب مرآها نبضه بالجنون
وأنفاسه بالارتجاف عشقا.
أرسلت خديجة بعض الأغراض مع عمر إلى دار مودّة وياسر
فتقدمت زبيدة لحمل الصندوق الذي أحضره لكنه تقدم
أيضا لحمله فتلامس كفيهما صدفة فابتعدت مرتبكة
بينما قال عمر هامسًا: - دعيه فهو ثقيل.
ابتعدت أكثر وأشاحت بوجهها فسألها:
- أين أضع الصندوق؟
أشارت بيدها وتمتمت: - في تلك الغرفة.


تمتمت مودّة بقلق وهي ممدّدة قرب زبيدة التي جاءت لتبيت
معها قبل زفافها بيوم: - زبيدة، أنا خائفة.
ابتسمت زبيدة وراحت تحدثها وهي تمسك يديها:
- طبعًا تخافين في ليلة كهذه فغداً تنتظركِ حياةٌ
جديدة. لكن ما دمتما تحبان بعضكما فلا داعي للخوف.
وعادت زبيدة لتتذكر كل موقف جمعها بمصعب ودموعها
تنساب بصمت حتى غفت فتنهدت مودّة وهي تمسح لها
دموعها بحذر خشية ان تستيقظ.
في اليوم التالي حين وصل موكب زفاف ياسر ومودّة، قال
الحارث لعمر ممازحا:
- لقد سبقكَ أخوكَ الأصغر وتزوج، فمتى تتزوج أنتَ يا
عنيد؟
ابتسم عمر ووجّه نظره نحو زبيدة وهو يقول:
- قريبًا يا جدي.
في حديقة دار عليّ، اجتمع الرجال بينما اجتمعت النساء
داخل الدار للاحتفال بالزواج.
غنت الجواري شعرا مشهورا غنته زبيدة مرة لمصعب
فأسرعت بالخروج إلى حديقة الدار الخلفية وأخذت تغني
معهن وهي دامعة العينين.
ما أنصفَ المعشوقُ من عاشقٍ ينامُ والعاشق يبكيه
يَبيتُ هذا ساهراً باكياً وينامُ ذا، لا يباليه
ما ضَرّ لو واساه؟ لكنهُ يرى حراماً أن يواسيهِ
يُميتُهُ بالصّدِّ عنهُ وما بغيرِ وَصلٍ منهُ يُحييهِ

- صوتكِ جميل وحنون.
مسحت دموعها ولم تستدر نحوه كي لا يرى آثار البكاء
في عينيها.
اقترب عمر وهو يقول: - آلمني رأسي بسبب ضوضاء المعازف
فذهبت لتفقد طعام الوليمة لكن صوتكِ تناهى إلى
سمعي فجئتُ إلى هنا.
استدارت نحوه وقالت بصوت استطاعت إخراجه بثبات:
- هربت من الضوضاء لتجد ضوضائي.
أطلق ضحكة خافتة ثم تساءل ساخرا وعيناه تأبى
مفارقة وجهها:
- إن كان صوتك ضوضاء، فما يكون صوتي الهادر؟
ابتسمت دون أن تعلق وأرادت الدخول لتبتعد عنه فهي
تلاحظ نظراته نحوها وتشعر بما يكنه قلبه لها ولا تريده
أن يتعلق بها دون جدوى لكن صوته أوقفها:
- هل تحبين شعر العباس ابن الأحنف مثلي؟
أومأت برأسها إيجابا فسألها مبتسما وقد لاحظ استغرابها:
- ظننتِ أنني لا أهتم سوى بالعلوم.
رمقته بخجل وهي تفكر " لماذا يقرأ معاني نظراتي
بسهولة؟ أيحبني لهذه الدرجة؟! "
تساءل مبتسما: - ألا يملك الباحث في العلوم خيالاً وقلبًا
يحس الشعر ويتذوقه؟
قالت بارتباك: - لا اقصد هذا، أنا آسفة.
أطلق ضحكة مرحة وقال: - لا عليكِ، فلابد أن الجميع
يصفني أمامك بدارس العلوم المنعزل عن الدنيا.
قالت بابتسامة صادقة تقابلها أخرى شغوفة:
- بل الجميع يقول عنك كلاماً طيباً. بعد إذنك.
واستدارت لتدخل لكنه ناداها وقلبه يأبى الصمت:
- زبيدة!
توقفت لكنها لم تستدر نحوه وقد أنبأتها غريزتها
الأنثوية بما سيقول.
غدا صوته الذي وصفه بالهادر همسا يقطر شوقا آلم قلبها
حين قال: - منذ رأيتك.. شعرت بشيء يشدني إليكِ، وهذا
يحدث معي لأول مرة.
قاطعته بصوت مرتبك: - أرجوك..
لكنه قاطعها بصوت هامس وهو يواجهها ويشير لقلبه:
- منذ رأيتك، أعلمني هذا العنيد أنه سيكون لك شأن
معه.
استدارت عنه وعلت حمرة الخجل وجهها وشعور بالذنب
نحوه سيطر عليها.
- أريدك زوجةً لي يا زبيدة.
فاجأها كلامه فسألته دون النظر إليه سؤالا لم تستطع منع
نفسها من طرحه:
- أتريد الزواج بي مع أنني اشتُريتُ كجارية؟
وقف أمامها وقال بفخر:
- أريد وأتشرف بذلك يا ابنة خالي.
كان للهجة الفخر والتقدير في كلماته نشوة، ولعشقه
إرضاء غرور. لكنها أبت إلا أن تقطع عليه الطريق الآن
كي لا يعذبه الأمل، فهو لا يستحق هذا.
لذا قالت وهي تشعر بالإحراج: - وطلبك شرف لي لكن..
همس عمر ظنا منه أنها متفاجئة وخجِلة:
- لكن ماذا؟ أنا أحبك يا زبيدة.
اضطربت وسالت دموعها امامه ولم تستطع سوى الهرب
إلى داخل الدار وهي تقول: - آسفة، لا أستطيع القبول.
تلك الكلمة التي تاقت لسماعها منذ زمن من حبيب ما،
لم تأتِ على لسان من تمنت سماعها منه. كم هو مؤلم
حصولنا على الأشياء في الوقت غير المناسب أو من الشخص
غير المناسب!
ظل عمر يحدق في أثر زبيدة ويفكر بسبب رفضها له
والألم يعصف بقلبه. أيعقل أن يتسرب ذلك الحب الذي
انتظره طويلا من بين يديه بكل بساطة؟ أيفقدها بعدما
وجدها أخيرا؟
جلست زبيدة قرب بارقة فسألتها وهي ترى تغير وجهها
واحمرار عينيها:
- ما بكِ يا زبيدة؟ كأنكِ كنتِ تبكين.
رمقتها مودّة وهي على بعد خطوات عنها وتساءلت بنظراتها
كأنها تقول لزبيدة " لستِ على ما يرام ". هزت رأسها نفيا
لتجعلها تطمئن لكن بارقة سألتها:
- ما بكِ يا زبيدة؟
حكت لبارقة ما دار بينها وبين عمر وكم تمنت لو كان
مصعب مكانه فتنهدت بارقة وقالت بعد تردد:
- أعرف أنكِ ستغضبين مني لكن يجب أن أخبركِ. لقد
أخبرت نوار عنكِ.
سألتها زبيدة بغضب: - لماذا فعلتِ هذا يا بارقة؟ ألم
أوصيكِ بعدم ذكر شيء أمامه؟!
قالت بارقة تبرر زلة لسانها لتقع في أخرى أشد وطأة على
سمع زبيدة:
- لقد زلّ لساني باسمك بعدما أخبرني وهو حزين عن
إصابة مصعب بسهم من قطاع طرق.
شهقت زبيدة وقد تملكها الخوف وسألتها:
- ويح قلبي! متى حدث هذا؟

نهاية الفصل الثامن

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:20 pm

الفصل التاسع

قالت بارقة تبرر زلة لسانها لتقع في أخرى أشد وطأة على
سمع زبيدة:
- لقد زلّ لساني باسمك بعدما أخبرني وهو حزين عن
إصابة مصعب بسهم من قطاع طرق.
شهقت زبيدة وقد تملكها الخوف وسألتها:
- ويح قلبي! متى حدث هذا؟
قالت وهي توجه نظرة نحو مودّة التي لن تغفر لها إخبارها
لزبيدة بالأمر:
- منذ أسبوعين تقريبا. لقد خرج مع والده في قافلة دون
حماية كبيرة على غير عادتهما فهاجمهم عدد من قطاع
الطرق، وأثناء اشتباكه معهم أصابوه بسهم في بطنه.
أخذت ترتجف ونزلت دموعها فقالت بارقة:
- أرجوكِ تماسكي فهو بخير. النساء يحدقن بكِ.
تقدمت هاجر منهما وقالت لزبيدة بابتسامة رغم انها
الأخرى دامعة العينين لفراق ابنتها:
- لا تحزني على فراق مودّة فهي لن تبتعد عنكِ كثيراً.
أومأت برأسها وهي تمسح دموعها وأومأت ثانية لمودّة كي
تطمَئن أنها بخير.
خرجت بعد قليل مع بارقة لتتحدثا فقالت زبيدة متوسلة
بصوت هامس: - أريد رؤيته يا بارقة. كلمي نوار ليفعل أي
شيء. يجب أن أراه وأطمئن عليه.
قالت بارقة بخوف:
- هل أنتِ مجنونة؟ كيف وأين ستقابلينه إن كان جدكِ
يمنع عنكِ الذهاب للسوق خشية أن تريه صدفة؟ سنعرف
أخباره من نوار. وربما وجدنا طريقة لتريه لكن ليس الآن،
فهو يلازم داره حتى يتعافى.
قالت زبيدة وهي تبكي:
- كان مصاباً وأنا كنت ألومه على عدم مجيئه لخطبتي.
آه يا حبيبي!
ربتت بارقة على ذراعها وهي تقول: - لا تقلقي فهو بخير.

جاءت بارقة لزيارة زبيدة في دار جدها فاستبشرت زبيدة
بأخبار عن مصعب، فبارقة لم تزرها من قبل بل كانتا
تلتقيان عند مودّة.
سألتها زبيدة بعدما جلستا قرب بعضهما: - هل من أخبار؟
همست لها بارقة خشية أن يسمعها أحد:
- أخبرني نوار أن مصعب تحسن وسيذهب إلى السوق منذ
الغد. لم يخبره أنكِ ستذهبين لتريه كي لا يرفض خوفاً
عليكِ.
تساءلت زبيدة وقلبها يخفق شوقا: - وكيف سأذهب للسوق؟
قالت بارقة وهي تراقب مدخل البهو خوفا من دخول أحد
وسماعها:
- لقد اتفقت والدتي وعمتكِ هاجر على الذهاب غداً إلى
السوق وانا معهما ثم نذهب من هناك لدار مودّة لنزورها.
ستتوسلين عمتكِ أن تأخذكِ إلى السوق معناً بحجة
شرائكِ هدية لمودّة بنفسِك.
تساءلت زبيدة وكأن ذهابها الى السوق مؤكد أصلا:
- وكيف سنجدهم في السوق؟ إنه كبير.
- سأستدرج والدتي وعمتك للمكان الذي نلتقي فيه أنا
ونوار ثم نبتعد عنهما قليلاً لتري حبيب القلب الذي
سيحضره نوار إلى هناك.
ابتسمت بسرور وعانقت بارقة وهي تقول:
- لا أعرف ماذا أقول وكيف أشكرك.
قالت بارقة مبتسمة بمكر: - شكري نوار فهو سبب هذا
اللقاء.
قالت زبيدة محتجّة: - أنا لا أحمل شيئاً ضده. هو من كان
يزعجني بكلامه كلما رآني. آه، لا أصدق أنني سأرى
مصعب يا بارقة.
ضحكت بارقة ثم قالت: - ستريه يا زبيدة..
في المساء ذهبت زبيدة لبيت عمتها هاجر بحجة السؤال
عنها فهي بالتأكيد تشعر بالوحدة بعد زواج مودّة قبل
أربعة ايام وقد أسعد جدها سؤالها عن عمتها، ولم يعلم
أنها ذاهبة لتحدثها في أمر خروجها للسوق.
وكم كان إقناع هاجر بذلك صعبا! كم توسلت حتى
وافقت هاجر على أخذها للسوق معها فهي تخاف أن يراها
أحد أقاربها أو الحارث هناك. وتلافيا لذلك الأمر،
اشترطت هاجر أن تضع زبيدة النقاب على وجهها كي لا
يتعرف عليها أحد.
قالت زبيدة وهي تقبل هاجر: - سأفعل ما تريدين يا عمتي.
ضحكت هاجر وتساءلت: - ألهذا الحد اشتقت لمودّة؟
كتمت زبيدة ضحكتها وقالت:
- طبعا. وكيف لي أن أصبر وأنا أعلم أنك وبارقة عندها
وأنا لست معكما؟
ولم تدر تلك العمة أن من اشتاقت له حد الوجع هو
حبيبها.
لم تستطع زبيدة النوم جيدًا تلك الليلة فقد ظل طيف
مصعب يطرد النوم عن عينيها.
وعند الصباح استيقظت مبكرة وخرجت مع عامر ليوصلها
إلى بيت عمتها فقد أخبرت جدها أنها تريد الذهاب مع
عمتها لبيت مودّة مبكرا وأخفت عنه ذهابهما للسوق.
كانت مرتبكة جدا وشعرت بالذنب وهي تكذب على
جدها الذي لا ينفك يحرص على إسعادها. لكن ماذا
تفعل بذاك الشوق والحنين الذي أحرق قلبها؟
كلما توغلت زبيدة وباقي النساء في السوق زاد اضطرابها
وفركت أصابعها وافتقدت يداها يديّ ريم اللتين كانتا
تمسكانها بقوة عند ارتباكها.
أخذن يقتربن من المكان المنشود ثم لمحت زبيدة وبارقة
حبيبيهما فقبضت زبيدة على يد بارقة بارتباك فهمست
لها: - اهدئي يا زبيدة.
ثم خاطبت هاجر ووالدتها: - سنرى ذلك الدكان فزبيدة
تود شراء قطعة قماش لمودّة.
قالت والدة بارقة: - لا تتأخرا.
وقالت هاجر بقلق: - انتبهي يا زبيدة.
أومأت زبيدة برأسها ولم تتكلم كي لا يفضحها صوتها ثم
تقدمتا بحذر وتقدم نوار هو الآخر وهو يقول لمصعب:
- لنرَ ذلك الدكان يا مصعب.
قطب مصعب جبينه متسائلا: - ماذا سنفعل في ذلك
الدكان؟ أتريد شراء القماش؟
قال وهو يحثه على الإسراع: - نعم. هيا بنا.
صارا على بعد خطوات فنظرت زبيدة لمصعب وقلبها يذوب
شوقا فانتبه لتلك الفتاة ذات النقاب التي تحدّق به.
وحالما ركز النظر على عينيها همس:
- زبيدة؟!
رفعت النقاب وهي مسرورة لأنه عرفها فاقترب أكثر بحجة
رؤية أحد الأقمشة.
قالت وانفاسها متقطعة اضطرابا وشوقا:
- لم أظن أنكَ ستعرفني.
ظهر الشوق في صوته وهو يقول:
- وهل يمكن أن أنسى أغلى عينين؟
- حمداً لله على سلامتك يا مصعب.
همس وهو يتأمل بشغف كل تفاصيل وجهها:
- كم اشتقت لسماع صوتك الهامس باسمي!
أرغمها الخجل على خفض بصرها وهي تسأله:
- كيف أصبحت الآن؟
فهمس مطالبا: - أنا بخير حال الآن ولكن ارفعي رأسك ولا
تحرميني النظر لوجهك.
نظرت إليه ليتيه أحدهما في عيني الآخر ثم سألها:
- من أين عرفت بما حدث لي؟
أطلقت ضحكة قصيرة وقالت: - لن تصدق. من نوار.
التفت إلى رفيقه الذي كان مشغولاً بالتهامس مع بارقة
وقال: - إذن فهذه ليست صدفة وهو لقاء مدبّر. تلك إذن
ابنة قتيبة.
ثم التفت إليها متسائلا بامتعاض:
- لكن كيف تخاطرين بالمجيء لرؤيتي؟
قالت بلهفة: - لم أستطع إلا المجيء لأطمئن عليك.
ابتسم وهو يتأملها ثم سألها: - هل فعل لك عمك الغاضب
أو أحدا من أهلكِ شيئاً يسوؤك؟
هزت رأسها نفياً فعاد ليسألها: - هل أنتِ مرتاحة عندهم؟
- أنا بخير، وأنت؟
أطلق بحسرة وقال: - لست بخير منذ تركتِني.
لم تستطع منع نظرة عتاب وجهتها له فقال وقد عرف
قصدها:
- أعرف أنكِ توقعتِ مجيئي لخطبتك منذ زمن. لكن
كان يجب أن أنتظر حتى يهدأ غضب أهلك. لو كان
بيدي..
- زبيدة!
جمدت زبيدة في مكانها ولم تستطع تمييز صوت الرجل
الذي ناداها وقطع كلام مصعب فالتفتت وهي مرتعبة.
تقدم عمر نحوها والغضب في عينيه يوزع نظراته بينها
وبين مصعب الذي ابتعد حالما سمعا صيحته.
سألها بحدة: - ماذا تفعلين هنا وحدك؟
اقتربت منهما بارقة وسلمت على عمر لكنه لم يجبها
وحدجها بنظرة انزعاج ثم نظر لزبيدة فقالت وهي تعيد
النقاب على وجهها وتخرج من الدكان:
- لست وحدي. جئت وبارقة مع والدتها وعمتي هاجر.
خرج صوتها مضطرباً وتلفّت عمر وقال وقد صار الثلاثة
خارج المحل تتبعهم عيون مصعب ونوار القلقَين:
- لكنني لا أراهما.
وهنا تكلمت بارقة: - لقد تركناهما عند دكان السجاد
لنشتري القماش.
أومأ برأسه رغم عدم اقتناعه وقال لبارقة:
- ستلتحق بكُنّ زبيدة بعد قليل.
تركتهما بارقة لتعود إلى والدتها وهاجر وهي قلقة من
ملامح عمر التي تنم عن شكه في كلامهما.
نظر في عينيها بغضب مع أنه يذوب شوقا.
تبا لشوقه الجارف لتلك العينين متغيرتي الألوان كتغير
دقات قلبه كلما نظر إليها! يشتاق لها حتى وهي امامه،
حتى وهو في قمة سخطه عليها.
خرج صوته عاكسا غضبه:
- لماذا كنتِ تكلمين ذلك الرجل؟
تظاهرت بالاستغراب حتى تمنح نفسها الوقت لتجد ما
تقوله لعمر فمن الواضح أنه رآها تكلم مصعب.
قالت له بلهجة حاولت ان تبدو طبيعية:
- ذلك الرجل.. كان تاجرا يروج لبضاعته.. يقول إن
لديه أقمشة جميلة.
قال بلهجة ساخرة بعكس ملامحه الغاضبة:
- وبالتأكيد سيعطيكِ القماشَ هديةَ، لقاءَ المعرفة التي
بينكما.
رمقته بدهشة وحاولت الإنكار وهي تظهر الحدة في
لهجتها: - أية معرفة؟ أنا..
قاطعها وقد امتزج الغضب بالألم في نظراته:
- لا تكذبي أكثر فأنا أعرفه. أليس هو مصعب ابن جابر؟
ارتسمت الدهشة على وجهها وعقدت لسانها فلم تتوقع أن
عمر يعرف مصعب.
سألها وهو ينظر لرأسها الذي تنكسه أمامه:
- لماذا تكلمين من اشتراك جارية له؟ اين عزة نفسك؟
رفعت عينيها إليه وهي ترتجف من قسوة كلماته لتصطدم
بنظراته التي عكست الازدراء.
راحت دموعها تتساقط وقلبها يغص بالألم، فهي وإن لم
تكن تحبه إلا أنها تحترمه كثيرًا ولا تريد أن تفقد
احترامه لها.
أما عاشقها المتيم فقد أشاح بنظره بعدما عصفت دموعها
بقلبه.
قال بلهجة بدا فيها الحزن: - انت تحبين ذلكَ الرجل.
حاولت الإنكار فقالت بانفعال: - ما الذي تقوله يا عمر؟
عاد لسؤالها بحدة لكن بصوت منخفض:
- هل تحبينه يا زبيدة؟ لا تكذبي! كان واضحا أن
لقاءك به مدبر. ولهذا ترتدين النقاب. كي لا يراك أحد
وأنت تتحدثين معه.
قالت معترضة:
- ارتديت النقاب لأن جدي يمنعني من الذهاب للسوق.
قال بمرارة: - يبدو أن جدي منعك كي لا تسعي للقائه
كما فعلتِ الآن. لهذا رفضتني إذن.
رمقته والدموع في عينيها وقالت بصعوبة:
- والله يا عمر..
استدار نحوها مندهشا ظنا منه أنها ستقسم كذبا بأنها
التقت مصعب صدفه فأراد مقاطعتها وهو غاضب لكنها
أكملت:
- لو كان الأمر بيدي لما نظرت لرجل سواك.
تقدمها مسرعا كي لا ترى ذوبان روحه في عينيه ثم قال
وهو يسير: - هيا لتعودي إلى خالتي هاجر، ولا تقلقي فلن
يعرف أحد بما حدث.
سار وهو مثقل بآلامه وآماله التي تحطمت حالما بدأ برسمها.
الفتاة الوحيدة التي حركت مشاعره وخفق قلبه لها منذ
رآها، تحب رجلا غيره.
وسارت زبيدة وهي تمسح دموعها حزنا على ثقته واعتزازه
الذين شعرت أنها فقدتهما.
أسرعت بارقة نحوها حالما ابتعد عمر وقالت وهما تعودان
لوالدتها وهاجر: - ما أسوأ حظك! هذه أول مرة تريه فيها
فيمسكك قريبك بالجرم المشهود.
تنهدت زبيدة بحزن: - والمصيبة أنه تعرف على مصعب.
لكن لا تقلقي فهو لن يتكلم.
سألتها بارقة بقلق: - هل أنتِ متأكدة يا زبيدة؟
أومأت بثقة: - نعم، فقد وعدني وأنا أثق به.
قالت بارقة بارتياح: - حسنٌ إذن.
حالما رأت زبيدة ابنة عمتها مودّة، احتضنتها وأخذت
تبكي فبكت مودّة هي الأخرى فقالت هاجر:
- كفكما بكاءً! لم تفترقا سوى بضعة أيام.
ضحكت والدة بارقة وسألتها: - فلماذا تبكين أنت إذن؟
ضمت هاجر ابنتها وهي تقول:
- أول مرة أفارقها، وكم هو صعب ومؤلم عدم وجودها معي
طوال الوقت كالسابق.
حين استأذنت والدة بارقة وابنتها للذهاب، قالت هاجر:
- سأذهب أنا أيضاً فعلي على وشك العودة للدار.
قالت مودّة معترضة: - لكنك لم تمكثي عندي كثيراً.
وأنا مشتاقة لكِ جداًيا أمي.
قالت هاجر: - لا بأس يا حبيبتي، سنتقابل ثانية.
كان اشتياق مودّة لوالدتها كبير لكنها أيضاً كانت
متلهفة والفضول يسيطر عليها لمعرفة ما بها زبيدة فقد
شعرت بتغيرها منذ رأتها، لذا طلبت منها المكوث عندها
فترة اطول.
قالت زبيدة: - لكن جدي لا يعلم انني سأتأخر عندك يا
مودّة.
قالت هاجر: - لا بأس يا زبيدة. ابقي انت وسأرسل من
يعيدك لدار أبي.
سألتها مودّة بقلق وهما تجلسان قرب بعضهما:
- ما بكِ؟ منذ رأيت وجهكِ عرفت أن أمراً خطيراً حدث
معكِ. ماذا حصل في غيابي؟
كان على زبيدة سرد الأحداث منذ البداية كي تفهم
مودّة ما حدث فأخبرتها أولاً بإصابة مصعب فقالت مودّة
بانزعاج: - طلبت من بارقة عدم إخباركِ كي لا
تنزعجي.
تنهدت زبيدة: - لقد ذاب قلبي قلقا عليه وأردت رؤيته.
سألتها مودّة بدهشة: - وهل رأيتِه؟ أين وكيف؟
أخبرتها زبيدة باتفاقها مع بارقة فقالت مودّة والغيرة تلوح
في عينيها:
- غبت عنكما فصرتما تخططانِ من دوني. ما كان يجب أن
أعرفكما على بعضكما.
لم تبتسم زبيدة فتركت مودّة المزاح وقالت:
- ماذا بك؟ هل مصعب بخير؟
قالت بابتسامة: - نعم. لقد عرفني ما أن نظر في عيني،
وأخبرني كم اشتاق إلي. لكن عمر رآنا.
شهقت مودّة وحدّقت بزبيدة وهي تلطم وجهها ثم سألتها:
- ولكن كيف تعرّف عليكِ وانتِ ترتدين النقاب؟
- رفعته عن وجهي وأنا أكلم مصعب. لقد كنا في الدكان
ولم أظن أن أحداً سيراني.
- أين يقع ذلك الدكان؟
- إنه دكان أقمشة يقع قرب دكان لبيع السجاد.
ضربت مودّة ساقها وهي تقول:
- يا حمقاء! بيت أستاذه يقع قرب ذلك الدكان بالضبط.
لابد انه لمحك أثناء مروره. كيف تخلعين النقاب وانتِ
ذاهبة خلسة إلى السوق لمقابلة حبيب القلب؟
قالت زبيدة بحدّة: - لا تلوميني يا مودّة فيكفي ما حدث.
مسحت مودّة على كتفها وقالت: - لا بأس فلن يتكلم عمر
عما رأى. أنا أعرفه.
قالت وهي تمسح دموعها: - أعرف يا مودّة فقد وعدني
بذلك.
سألتها مودّة باستغراب: - إذن لِما هذا الحزن؟
أخذت تقص على مودّة ما حدث بينها وبين عمر ثم قالت
وهي تمسح دموعها:
- لو رأيتِ النظرة التي رماني بها عمر حين تحدّث معي. بعد
كل الاحترام الذي أظهره لي منذ رآني، وذلك الفخر في
كلامه ونظراته حين طلبني للزواج.
وهنا صاحت مودة:
- ماذا؟! لِماذا لم تخبريني بهذا منذ البداية؟ هيا أخبريني
متى حدث ذلك.
تنهدت وقد أرهقها فضول مودة: - يوم زفافك.
حين أنهت زبيدة سرد ما حدث، قالت مودّة بدهشة:
- لم أظن أن لعاشق العلوم ذاك كل هذه الرقة.
قالت زبيدة بامتعاض: - لا تسخري منه. إنه رجل بحق.
عضّت مودّة شفتها المبتسمة ثم قالت وهي ترمقها بمكر:
- هل يمكن أن.. تنسي مصعب لتحبي عمر؟
ضربتها زبيدة على رأسها وقالت:
- مجنونة! أنا أحترمه ولا أريد خسارة احترامه وتقديره لي.
تجمعني بعمر علاقة مختلفة.

ذات يوم جاءت مودّة وبارقة معاً إلى بيت الحارث لرؤية
زبيدة. جلست بينهما وقالت بسرور:
- كم اشتقت للقاءاتنا معا!
قالت بارقة بمكر: - لقد انشغلت مودّة عنا بعد زواجها فما
عدنا نلتقي نحن الثلاثة.
أومأت زبيدة إيجابا وأضافت: - سرقها ابن عمتي منا.
قالت مودّة بسرور وهي تضع يدها على بطنها:
- وسيسرقني شخص آخر من ياسر.
عانقتها الفتاتان بسرور وباركتا لها حملها ثم قالت مودّة
لزبيدة: - لدى بارقة خبر سعيد آخر.
قالت بارقة: ـ لقد خطبني نوار ووافق أبي.
ضمتها زبيدة بحماس وهنأتها ثم سألتها:
- ومتى ستتزوجان؟
قالت بارقة وهي ترمق زبيدة بمكر: - تسألين عن موعد
رؤيتك لرفيق نوار المقرب وليس عن زواجنا.
خفق قلب زبيدة وهي تتصور أنها ستلتقي بمصعب مجددا
لكنها رمقتها بعتاب فضحكت بارقة وقالت:
- أمزح معك. سيتأخر زفافنا قليلاً حتى يكمل نوار ما
يلزم، فهو لا يملك جميع نفقات الزواج.
قالت مودة بحماس: - المهم أنك خُطبتِ له يا فتاة!
وقالت بارقة بابتسامة: - العقبى لك يا زبيدة.
شكرتها وهي تحس بنار الشوق لمصعب تحرق قلبها.

كانت زبيدة جالسة في غرفتها عصرا حين جاءتها
الجارية عفراء لتناولها ورقة وتقول:
- سيدتي، هذه الورقة أرسلتها لكِ جارية.
سألتها زبيدة وهي تفتح الورقة: - أية جارية؟
- يقول عامر أنها حضرت مع ثلاثة رجال. هم طلبوا رؤية
سيدي الحارث وهي ناولته الورقة كي يوصلها لكِ ثم
انصرفت.
ما أن قرأت زبيدة ما في الورقة حتى خفق قلبها وسألت
عفراء بسرعة: - أين أولئك الرجال الآن؟

نهاية الفصل التاسع

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:21 pm

الفصل العاشر

ما أن قرأت زبيدة ما في الورقة حتى خفق قلبها وسألت
عفراء بسرعة: - أين أولئك الرجال الآن؟
أجابت عفراء وهي تستغرب تغير وجه زبيدة ولمعان عينيها
بالدموع:
- أدخلهم عامر إلى بهو الضيوف وخرج سيدي الحارث إليهم.
قالت زبيدة وهي تتناول خمارها:
- اذهبي انت الآن.
عادت للنظر إلى الورقة وهي تحسّ بارتجاف جسدها
وأكملت سيرها نحو بهو الضيوف المنعزل عن باقي الدار.
لم يكن مكتوباً في تلك الورقة سوى بضع كلمات
لكنها قلبت حال زبيدة فهي تعني الكثير بالنسبة لها
وقد فهمت منها الكثير..
هذا كِتابٌ نَحوَكم أرسلتُهُ
يبكي السميعُ له ويبكي مَن قَرا

وقفت زبيدة قرب أحد شبابيك البهو من الخارج تستمع لما
يدور من حديث وقلبها يخفق ترقبا وخوفا من ردّة فعل
جدها.
قال الرجل الأكبر سنا بين الرجلين الآخرين للحارث:
- لنا عندك حاجة يا أبا الفاروق.
قال الحارث: - سأقضيها مهما كانت بإذن الله.
ابتسمت زبيدة واغمضت عينيها وهي تتخيل وجه مصعب.
ما أن قال الرجل وهو يزيح عن وجهه اللثام الذي كان
يضعه كي لا يعرفه الحارث:
- جئتُ أطلب حفيدتك لابني.
حتى ثارت ثائرة الحارث ونهض عن مكانه والغضب
يتملّكه وقال:
- لو لم تكونوا في بيتي لكان لي تصرف آخر معكم!
تبخرت ابتسامة زبيدة وبدأت دموعها بالتجمع في عينيها
موقنة بضياع أملها في موافقة جدها على زواجها بمصعب.
قال والد مصعب محاولا تهدئة الحارث:
- لم يفعل ابني سوءاً لابنتكم. اشتراها دون أن يعرف من
هي ومن أهلها، وحالما أخبرته الحقيقة أراد البحث عنكم
ليعيدها إليكم.
هتف الحارث:
- لا تكرر على مسامعي القصة فأنا أعرفها ولا زلت اشعر
بمرارتها في حلقي.
قال جابر بهدوء: - أعرف أن الأمر صعب وأنا أقدر موقفك
لكن ابني لم يخطئ. وهو يريد الزواج بها لما رآه منها من
صفات تنبع من طيب وكرم أصلها.
بعد صمت طويل اخترقه شهيق وزفير الحارث العنيف، قال
لجابر: - حاجتك ليست عندي.
كتمت زبيدة شهقات ودّت الخروج للتنفيس عن تلك
الحسرات التي تخنق الهواء في صدرها.
نهض جابر وقال باستياء:
- أتحنث بوعدك يا أبا الفاروق؟ ألم تقل إنك ستقضي لنا
حاجتنا عندك؟
قال الحارث بثقة حيّرت جابر وشقيق مصعب وعمه:
- لم افعلها يوماً ولن أفعلها الآن لكن هذا الأمر يخصّ الفتاة
ويجب أن أشاورها وأردّ عليكم.
استغربت زبيدة كلام جدها فهي تعرف أنه لن يوافق فلماذا
يريد مشاورتها في الأمر؟ لا بد أن في نفسه غاية من تلك
المشاورة!
نهض جابر ومن معه وقال:
- ما أخطأت فذلك واجب. سنعود بعد ايام لنعرف ردك.
أسرعت زبيدة بالعودة الى داخل الدار دون أن يراها أحد
وبقيت في غرفتها تفكر وهي قلقة من موقف جدها
وعمّيها خاصة الفاروق حين يعلمان بهذه الخطبة.
تمتمت بابتسامة:
- آه يا حبيبي! خفت عليّ بعد رؤية عمر لنا في السوق
فأرسلت أهلك لخطبتي.
ثم قالت بعبوس وقد غادرتها الابتسامة: - لكن ما دام
يستطيع المجيء لخطبتي، لماذا لم يفعل ذلك طول
الفترة الماضية؟ عمر الذي لا يعرف إن كنت أحبه أم لا،
لم يتردد في طلبي للزواج والإفصاح عن حبه لي. فلماذا
تأخر مصعب في خطبتي مع علمه بحبي له؟
بعد المغرب، دخلت عليها عفراء وقالت:
- سيدتي، سيدي الحارث يطلبك.
نهضت لتخرج فقالت عفراء وهي تناولها الخمار:
- سيدي عمر في البهو أيضاً.
استغربت زبيدة وشعرت بالقلق وخرجت مسرعة إلى البهو
وهي تتساءل " ما سر وجود عمر الآن؟ ام أنه جاء صدفة؟ "
دخلت البهو لتجد عميها جالسين هناك. الغضب على وجه
الفاروق لا يكاد يطيق الثبات في
مجلسه، والحيرة والهم على وجه الفضل فعرفت ان جدها
أخبرهما بخطبة مصعب لها.
ألقت التحية فردّ الفضل بصوت خافت وكذلك عمر دون
أن ينظرا إليها بينما رمقها الفاروق بحدة.
جلست بعيدا عنهم في اول البهو فقال جدها:
- جاء اليوم والد مصعب يطلبك زوجة لولده.
أضاف الفاروق وهو يرمقها بغضب وكأنها من اختارت ما
حدث لها:
- الخسيس الذي اشتراك.
رمقها عمر والحسرة في عينيه وقد عادت لذاكرته
صورتها وهي تكلم مصعب وعلى وجهها الابتسامة ثم عاد
ليبعد بصره بينما أحنت رأسها كي لا يظهر التوتر على
ملامحها.
قال الفضل: - أخبر جابر جدك أنه يقصده في حاجة دون
ان يقول من هو فوعده بتلبيتها. أراد إحراج جدك وأخذ
وعدٍ منه لكن أبي أذكى منه وسيرفض الطلب دون أن
يرجع في كلمته.
كانت على وشك البكاء وقد عرفت أن جدها قصد
الخلاص من وعده حين قال لوالد مصعب أن القرار بيدها.
أضاف جدها:
- لقد أخبرتهم انكِ صاحبة الشأن وأن الموافقة بيدك
وبذلكَ حللت نفسي من الوعد الذي أعطيته له. وها انا
أشاورك رغم معرفتي برفضك له.
ضاق عمر ذرعًا وهو يشعر بالرغبة في الخروج، فقد
تملكته الغيرة وهو يشعر بحزن زبيدة فبدت السخرية على
وجهه وهو يفكر "كم تجهل رغبات حفيدتك يا جدي! "
ثم قال وهو ينهض:
- عذرًا يا جدي، هذا الأمر يخص زبيدة وقراره بيدكما،
فلماذا أرسلت إلي؟
قال الفضل مبتسما: - اجلس يا ولدي ولا تتعجل.
وقال الفاروق: - ما دام تقدم رجل لخطبتها، وجب العرف
إخبار أبناء أعمامها فلربما لدى أحدهم الرغبة في الزواج
بها.
رمقت عمها بفزع وظنته يريد تزويجها أحد أبنائه
المتزوجين لكن جدها أضاف:
- لم يبق من أبنائنا من لم يتزوج سواك يا عمر.
لحظة رفعت فيها زبيدة رأسها ليعكس وجهها وعيناها
الفزع، فغاص قلب عمر بالوجع.
لم تستطع الكلام وشعرت بالحرج والخوف بينما تضاربت
المشاعر داخل عمر، من حزن وشوق وخيبة أمل.
أكمل الحارث بسرور وهو الذي شعر بميل حفيده الغالي
نحو زبيدة:
- أنتما الاثنان لكما محبة خاصة في قلبي. إن تزوجتما
فستسعدان معا وتُسعداني. كما أنكما متفاهمان كما أرى.
رمق الاثنان بعضهما فلمح عمر في عينيها الخوف من تسارع
الأحداث بطريقة لم تتوقعها ولمحت زبيدة في عينيه حب
وألم.
فكرت زبيدة في بخوف " ماذا سيفعل عمر؟ أيعقل أن يوافق
مع معرفته أنني أحب مصعب؟ أيمكن أن يجبرونني على ما
لا أريد؟ آه، ليتني لم أغادر البصرة! "
انتظر الجميع ردّ عمر وهم ينظرون إليه.
حدقت به زبيدة وهي خائفة من أن يخيب ظنها فيه ويتغلب
قلبه على عقله ومروءته فيوافق على اقتراح جده وخاليه
الفاروق والفضل.
نظر لهم والحَرَج باديا عليه ثم نظر لزبيدة ولاح الحب في
عينيه فذلك ما تمناه منذ أحبها وتعلق قلبه بها، أن
تكون له طوال العمر.. ونظرت إليه بترقب وقلق وتوسلت
إليه نظراتها أن يخلّصها فهو أملها الوحيد الآن.
قال عمر بعد صمت حسبته زبيدة طويلا وهو يشيح بوجهه
عنها:
- ابنة خالي يتمناها أي رجل لكنني لا أريد الزواج الآن.
اعذروني.
تنفّست زبيدة الصعداء أخيرًا بينما قال الحارث:
- لكنك أخبرتني أنك ستتزوج يا عمر!
- لقد استجدت أمور مع أستاذي فلم تعد خطوة الزواج
مناسبة الآن.
قال الفضل باستغراب: - العلم لا ينتهي يا ولدي فهل ستبقى
دون زواجٍ طوال عمرك؟
أرادت زبيدة إنهاء الموضوع فقررت أن تتكلم. هم لن
يشكوا بأنها حزينة على رفضهم زواجها من مصعب بل
سيظنون أن كرامتها جُرحت لرفض عمر الزواج بها.
لكن الضغط والترقب والحزن جعلها تتكلم بلهجة حادة
ندمت عليها ونزلت رغماً عنها دموعٌ لم ترد لها النزول:
- تزوجونني من تريدون وترفضون من تريدون. ترسمون
حياتي دون أن تتركوا لي المجال للكلام وكأن الأمر لا
يخصّني، وكأن هذه ليست حياتي. الكل انتظر جواب
عمر لكن لم يسألني أحد عن رأيي أنا.
رمقها الجميع بدهشة وفكر عمر بقلق " أيتها الحمقاء!
جلبت لنفسك المصائب ".
سألها الفاروق وهو ينهض ويخطو نحوها سريعا:
- ما هذا الكلام يا بنت؟ وهل كان لك اعتراض على
عمر؟ أم تراكِ أردت ذلك الرجل زوجًا لكِ؟ أتراكِ
كذبتِ علينا حين قلتِ إنه لم يلمسكِ؟
أجهشت بالبكاء وقالت وهي في قمة الحزن والحرج من
كلماته خاصة امام عمر: - والله ما لمسني!
سألها جدها بقلق وقد بدت الحدّة في صوته:
- لماذا تبكين إذن؟
قال الفاروق بعصبية:
- الأمر واضح، يبدو أن الجارية أحبت سيدها.
رمقت عمها بدهشة وهي تشعر بالألم ثم مسحت دموعها
وسيطر عليها الغضب هي الأخرى وقالت غير مبالية بغضب
الفاروق وصوته العالي:
- تنعتني بالجارية؟ أتعيّرني لأنني اختطفت وباعوني في
السوق؟ هنيئاً لكَ إذن يا عمّ الجارية.
تأثر جدها كثيرا، وضرب الفضل جبينه وهو حانق على
شقيقه الذي تفوّه بما لا يصح، وخاف عليها عمر من غضب
خاله الفاروق فاقترب منهما.
ومع اعتراف الفاروق لنفسه بأنه أخطأ بقوله، إلّا أنه صاح
بها وهو يصفعها: - قليلة التهذيب.
وقف عمر بينهما من فوره ليحميها وقال وقلبه يؤلمه
وكأنه من تلقى تلك الصفعة:
- لماذا يا خالي؟
قال جدها بحزم وهو حانق: - كفى يا فاروق!
بينما قالت زبيدة بمرارة وألم وقد عادت دموعها للتساقط:
- يحق لك فعل هذا فليس لي أبٌ يحميني.
استدار عمر نحوها وقال بنظرات حزن ولهفة:
- أحميك بروحي يا ابنة خالي.
رمقه الفاروق ابن أخته بحدة بينما شعر الحارث بأن الالم
اخترق قلبه بسبب كلامها فاضطربت انفاسه ونبضه وسألها
بصوت متعب: - أوَلست والدكِ يا ابنتي؟
قال الفاروق بجزع: - أبي، أنتَ تزيدها صَلَفا.
توعّك الحارث وهوى في مقعده فأحاط به الجميع وأسرع
عمر ينثر الماء على وجهه وأخذت زبيدة تفرك يده وهي
جاثية عند قدميه فقال بصوت متعب:
- خذوني لغرفتي.
أخذوه إلى الغرفة ليرتاح في فراشه فقال:
- أذهبوا لبيوتكم.
اعترض الفاروق شاعرا بالقلق: - لن نتركك يا أبي.
لكن الحارث أصر بانفعال: - قلت اذهبوا!
فقال عمر:
- اذهبا يا خالي وأنا سأبقى معه حتى أطمئن عليه.
قال الفضل وهو يجذب الفاروق ليخرجا:
- هيا يا أخي ولا تجادل أبي الآن.
جلس الاثنان في غرفة جدهما يراقبان وضعه حتى نام
بهدوء، دون تبادل كلمة او نظرة. كلّ منهما غارق في
همومه.
خرج عمر من الغرفة ليذهب لداره فتبعته زبيدة ونادته.
أغمض عينيه وتوقف. ذلك الصوت الهادئ يسحره بأي
كلمة ينطقها فكيف لو نطق اسمه؟
- شكرًا على كل ما فعلته اليوم.
رمقها مستغرباً وقال بسخرية وحزن وقد أتعبه السكوت:
- تشكرينني لأنني لم أستغل الموقف وأوافق على أكثر
شيء أتمناه؟ أم لأنني منعت عنكِ صفعة ثانية من خالي
بعدما شعرتُ بألم الأولى في قلبي؟
نزلت دموعها وهي تشعر بوجعه وتراه يفيض من عينيه
كلما نظر إليها.
- بالرغم من كل شيء.. وقفت بجانبي اليوم وأشعرتني
بالأمان فزاد احترامي لك واعتزازي بك.
أدار وجهه عنها كي لا ترى ضعفه ونظرات الحب في عينيه
فواجهته من جديد وقالت بعينين دامعتين:
- لا أريد أن أفقد احترامك لي. لا تعاملني بجفاء هكذا
فأنا لم أرتكب جرماً لأنني كلمت مصعب في السوق، بين
الناس.
رمقها بحسرة وهو يتخيل أشياء وأشياء قد تكون حدثت
بينها وبين مصعب عندما كانت في داره، ملك يمينه ثم
احتدت نظراته وصوته وأفقدته الغيرة رشده:
- وأنتِ لا تفقديني عقلي وتتحدثي عنه أمامي. افهمي أنني
أحبكِ وأغار عليكِ، وأتعذب كلما أفكر فيما حصل
وأنتِ ملك ذلك المعروف بولعه بالجواري.
تصاعد الغضب والشعور بالظلم داخلها لأنه يظن أنها
استسلمت كجارية فتركت خجلها جانباً وبدا الانزعاج في
صوتها حين قالت: - في البداية، حاول مصعب..
لم تكمل حياءً فتمنى عمر أن يوسع مصعب ضرباً والغيرة
تنهشه على حبيبته والحميّة توجعه على ابنة خاله.
أدارت زبيدة رأسها خجلاً ثم أكملت:
- لم أجد وسيلة تمنعه عني إلا الموت فحاولت قتله وهو
نائم لكنني هِبتُ الأمر وعظُم في نفسي، وخفت عذاب
الله. ثم هددته بالقتل لكنه لم يبالِ فطعنت نفسي
بسكين كي أحفظ نفسي.
استدار ورمقها بدهشة فأكملت وهي تضع يمينها على
مكان الجرح أعلى صدرها:
- وما زال هذا الجرح شاهداً على كرامة وشرف لم أفرط
بهما.
تجلى حبه ولهفته في نظراته وهو يرمقها ويتمنى ضمها بين
ذراعيه، وخانته يداه لتنفذا ما يتوق له فأمسك ذراعيها
وهو يرمقها بشوق. نظرت ليديه باستغراب فأبعدهما وهو
خجل فأضافت: - حتى بعدما أحببته، لم أرضَ بأن أكون
جارية رخيصة له.
سألها مستغربا والغيرة والغضب يأكلانه:
- هل أرادكِ كجارية حتى بعدما أحبك؟ أيّ حبّ هذا؟!
قالت تدافع عن مصعب: - كلا! لقد تغير منذ طعنت
نفسي. لكن ما أعنيه..
تلكأت في كلماتها فقال عمر بمرارة:
- بالتأكيد ستدافعين عنه.
رمقته وهي دامعة العينين وقالت:
- لا أريد رؤية الحزن في عينيك يا عمر، فأنتَ لا تستحق
هذا. ستحظى بمن هي أفضل مني. ستجد من تستحق قلبك
النقي وحبك.
ابتسم بمرارة وقال: - وهل يمكن أن أعشق ثانية؟ قلبي
العنيد لم يفتح بابه إلا لكِ.
أسرع بالخروج فمسحت زبيدة دموعها وهي تعود لغرفة
جدها كي تكون قربه إذا احتاج لشيء. وظلت أحداث
اليوم وشعورها بالذنب نحو عمر والحزن عليه تؤرقها وتمنع
عنها النوم لساعات.
حين استيقظت لم تجد جدها فأسرعت إلى البهو ورأته
جالساً هناك يتناول فطوره.
جلست قربه وقبلت يده: - كيف أصبحت يا جدي؟
ربت على يدها وقال: - أنا بخير، لا تقلقي. هيا كلي معي.
وبعدما أنهيا الطعام قال لها: - سيأتي والد مصعب بعد أيام
لأعطيه الجواب. بماذا أجيبه؟
أحنت رأسها وبلعت ريقها وهي مضطربة وسعيدة لأن جدها
سألها.
قال لها: - ارفعي رأسكِ وأجيبي، فها أنا أسألكِ عما
يخصّك.
خجلت وقالت: - ماذا أقول؟
- ما تريدين قوله يا ابنتي. حسناً، سأسألك.. هل تريدين
مصعب زوجاً لكِ؟
سالت دموعها واستدارت فقال جدها بصوت يقطر حنانا:
- لقد فقدتكِ عمراً وعدتِ إليّ بعدما مررتِ بأمور قاسية.
لن آتي الآن لأكون سببا في عذاب آخر فأفقد محبتي في
قلبك.
سألته بقلق: - لكن عمي الفاروق..
قاطعها بحدة: - أنا جدك وأنا من يقرر. أعرف كيف
أتعامل مع ذلك الغاضب. فقط أخبريني، هل أنت متأكدة
مما تريدين؟
ابتسمت بسرور وسالت دموعها ثم انحنت لتقبل يد جدها
بامتنان فقال: - مبارك إذن يا ابنتي.


في الصباح استيقظت زبيدة وهي تشعر بيدين تدغدغانها
فقالت بكسل دون أن تفتح عينيها: - كفى يا مودّة!
- من مودة هذه؟
انتفضت زبيدة لتجلس على السرير وحدّقت بريم وفاطمة.
لم تَكَد تصدق عينيها بينما انحنت ريم نحوها تعانقها
فانفجرت بالبكاء وهي تضمها بكل قوتها كأنها في حلم
تتمسك به وتخشى استيقاظها منه.
تمتمت ريم بصوتها الباكي: - آه يا شقيقة نفسي كم
اشتقت إليك.
اقتربت فاطمة وجسدها يرتجف شوقا ولا تكاد تصدق
انها اخيرا رأت صغيرتها بخير فارتمت زبيدة في حضنها وهي
تقول: - كم اشتقت إلك يا أمي.
قالت فاطمة وهي تنظر لزبيدة بشوق ولهفة: - وكم
اشتقت لسماع كلمة أمي منك.
دفنت زبيدة وجهها في حضن فاطمة تعوض ما فاتها من
حنانها وتشم رائحتها التي افتقدتها.
قالت فاطمة بصوتها المرتجف الباكي:
- كدنا نجن حين أخبرنا إبراهيم بما حدث لك. يعلم
الله كم عانينا خلال الشهور الماضية ونحن نجهل
مصيركِ وأيّ خبر عنكِ. لقد سألنا كل القوافل الوافدة
من بغداد عنك لكن دون جدوى.
أبعدت زبيدة لتنظر في وجهها:
- وكأن روحي غادرتني ولم تعُد إلي حتى وصلني خبر
عنك.
قالت ريم وهي تلوي شفتيها: - لقد تشاجرت امي مع العم
إبراهيم وقاطعته واتهمته أنه لم يحافظ عليك.
قالت زبيدة بحزن: - لماذا يا امي. إنه قدري فما ذنبه هو؟
لقد اشتقت له ولسمراء كثيرا.
قالت فاطمة: - لقد تصالحت معه حين ذهبت أخبره
بوصول أنباء عنك، فأنا اعلم انه قلق عليك مثلنا. لكنه
ما زال غاضبا لكرامته من قطيعتي معه، لذا لم يأت معنا
هو وسمراء.
ابتسمت بوجه فاطمة ثم سألتهما: - لكن كيف عرفتما
مكاني؟
أجابتها فاطمة: - أرسل جدكِ من يحضرنا إلى هنا. كان
من المفترض أن نصل قبل يومين لكننا تأخرنا قليلاً في
الطريق.
قالت ريم بحماس: - المهم أننا وصلنا كي نحضر عرسك
بعد غد. مبارك يا حبيبة قلبي.
وقالت فاطمة: - مبارك يا ابنتي.
أدمعت عينا زبيدة ونهضت وهي تقول: - سأعود إليكما.
ذهبت إلى البهو حيث يجلس جدها. أسرعت إليه وارتمت في
حضنه تعانقه بقوة، بقدر شوقها الذي رواه لريم وفاطمة.
ربت على ظهرها ثم قال وهو يشعر بدموعها تبلل كتفه:
- كفى يا بنت!
ابتعدت لتمسح دموعها وتقول:
- هذه أغلى هدية تقدمها لي يا جدي.
قال وهو يربت على ظهرها: - كل ما يهمني هو رؤيتك
سعيدة. وما كنت لتسعدي وأنت تتزوجين دون حضور أمك
وأختك.
قالت وهي ترفع حاجبيها: - لهذا سألتني عنهما كثيرا قبل
مدة. إنها أحلى مفاجأة يا جدي.
حضرت مودّة حسب موعدها مع زبيدة كي تساعدها في
الاستعداد لعرسها غدا.
انتابتها الغيرة قليلا وهي تراها ملتصقة بريم وقربهما
فاطمة وهي تحدثهما عن كل ما مر بها منذ اختطفها
اللصوص، مع الاحتفاظ ببعض التفاصيل التي تخصها
ومصعب لترويها لريم فقط فيما بعد.
ابتسمت وهي تتقدم لتسلم عليهما ثم جلست الى يسار
زبيدة ملاصقة لها وقالت ولم تخفَ على زبيدة الغيرة في
صوتها وعينيها:
- أنت إذن ريم. حدثتني زبيدة عنك كثيرا.
قالت ريم بابتسامة وقد شعرت هي الاخرى ببعض الغيرة
من مودة: - وحدثتني عنك ايضا يا مودّة.
حركت زبيدة راسها يمينا ويسارا لترمقهما بنظرة ماكرة
وقالت: - كفّا عن الغيرة وتعاليا لتساعداني في الاستعداد
لعرسي.
الليلة الأخيرة لها في بيت جدها، قضتها زبيدة قرب
ريم تتحدثان حتى غلبهما النعاس.
لبست زبيدة فستانها وتزينت وخرجت فرمقتها جميع
قريباتها بإعجاب وقالت عمتها هاجر:
- ما شاء الله. تبدين رائعة الجمال يا حبيبتي.
وعانقتها مودّة وهي تقول: - هي دائما فاتنة.
تقدمت زبيدة من جدها والحزن يعتصر قلبها لخروجها من
داره ومفارقته بعدما اعتادا على بعضهما خلال الأشهر
الماضية.
قبل جبينها ونظر إليها بعينين غارقتين بالدموع وقلبه
يخفق شوقا لها منذ الان. ها هي ستغادر داره بعدما ملأتها
وملأت قلبه سعادة.
- لقد عشتِ بعيدة عني ومررتِ بمصاعب كثيرة. كم
تمنيت تعويضكِ عن كل ما فات! وتمنيت أن أحظى
ببقائك معي وقتا أطول.. لكن ماذا افعل؟ ها هو زوجك
سيأتي ليأخذكِ مني من جديد.
ابتسمت والدموع في عينيها وقالت:
- لقد عوضتني عن كل ما مررت به يا جدي. منذ جئتُ
إلى هنا وأنتَ تفعل كل ما يرضيني ويسعدني.
ذهبت زبيدة لتجلس بين النساء في البهو فقالت فاطمة:
- لقد فعلت بنا معروفاً لا يُجازى يا أبا الفاروق.
قال بنبرة عتاب:
- مع أنكم حرمتموني منها لكن يجب أن أشكركِ لأنكِ
ربيتِها كأفضل ما يكون.
قالت فاطمة وهي تشيح ببصرها عنه:
- أرجو أن يتسع كرمك لتسامحنا يا أبا الفاروق.
تنهد ثم قال: - يكفي حب زبيدة لكما والسرور الذي أراه
في عينيها كلما نظرت إليكما انت وريم.
وصل موكب العريس وخفق قلب زبيدة بشدة وانسابت
دموعها فرحا للقائه وحزنا لفراق جدها ودارها التي قضت
فيها ما يقارب العام. عاشت فيها أياما بحلوها ومرّها وتغير
خلالها في نفسها الكثير.
بعدما ودعت جدها بدموع وعناق آلم قلبه، أمسكت أخيراً
بيد عريسها وقلبها يخفق حين سلمها جدّها له وهو يقول:
- لن أوصيك بها لأنني أعرف أنك ستصونها وتحفظها.
قال ولم يستطع منع نفسه من التحديق بوجهها الفاتن:
- أحفظها بروحي.
ساعدها على صعود الهودج فتبادلت ابتسامة مع ريم
وفاطمة وقد تذكر الثلاثة خوف زبيدة من الصعود في
الهودج.
دخلت زبيدة إلى بيتها الجديد ورمقت عمر.
نعم، عمر وليس مصعب.
تأملته وهي تستعيد ما مرّ بها من أحداث قلبت حياتها خلال
الأشهر الماضية...

نهاية الفصل العاشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: زبيدتي - الجزء الأول من سلسلة متاهات القلوب بقلمي الاء العزاوي

مُساهمة  الكاتبة الاء العزاوي في الإثنين أكتوبر 01, 2018 8:23 pm

الفصل الحادي عشر

دخلت زبيدة إلى بيتها الجديد ورمقت عمر. نعم، عمر
وليس مصعب.
تأملته وهي تستعيد ما مرّ بها من أحداث قلبت حياتها خلال
الأشهر الماضية...
قبل أشهر سبع وتحديدا في ذلك الصباح حين وافق جدها
على زواجها بمصعب، دخلت غرفتها وسؤال جدها يتردد في
رأسها " هل أنت متأكدة مما تريدين؟ "
ذلك السؤال جعلها تفكر بعمق.
" هل ما أريده هو قضاء حياتي مع مصعب؟ بماذا أهذي؟ إنه
حبيبي... حبيبي؟ "
تساءلت وهي تعيد شريط ذكرياتها مع مصعب. ولا تعلم
لماذا اختلف شيء داخلها نحوه. لم تكن ككل مرة
تفكر به. كان هناك شيئا داخلها غير مرتاح.
كيف ولماذا، لم تعلم ولكنها شعرت بالانقباض وهي
تتخيل نفسها زوجة لمصعب.
لم يكن خوفا من ولعه بالجواري فهي تعلم انه أحبها
وسيخلص لها. ولم يكن غيضا منه لأنه تأخر في خطبتها.
كان شعورا خفيا لم تستطع تحديده لكنه أبعد ما
يكون عن الارتياح والسعادة.
آلمها رأسها لكثرة التفكير وتلك الأسئلة التي لم تجد
لها إجابات.
حاولت تخيل نفسها سعيدة مع مصعب لكن كانت صورته
وهو يحاول النيل منها تهاجم عقلها فينقبض قلبها ثم
تذكرت كيف أغضبتها وأزعجتها لمسته يوم عودته من
السفر. لم تكن غاضبة منه فقط لأنه عاملها كجارية
لحظتها بل كان هناك عدم تقبل للمسته لم تعترف به
حينها لكنها الآن تراه جليا أمامها.
استدعاها جدها فذهبت الى البهو وجلست قربه. سألها
بقلق:
- ما بك يا ابنتي؟ منذ تحدثنا صباحا وانت حبيسة
غرفتك؟ حتى طعام الغداء لم تشاركيني فيه وأخبرت
عفراء أنك لست جائعة.
وكأن دموعها كانت تنتظر المؤازرة من أحدهم لتنطلق
وتتجمع في عينيها. رمقها باستغراب وسألها وهو ينظر في
عينيها الدامعتين: - ما بك؟ تكلمي!
قالت والحيرة بادية على وجهها:
- لا أعرف. أشعر بأني تائهة وقلبي منقبض.
قطب جبينه وسألها: - لماذا؟
رفعت كتفيها ولم ترد التحدث عن شيء وقالت:
- لا أعرف.
نظر إليها بتفحص وهو يقول: - ظننت أنك الان سعيدة.
ارتجفت شفتيها وهي تقاوم البكاء فضمها جدها وقال:
- أطلقي العنان لدموعك يا غالية جدك لترتاحي.
وفعلا بدأت تبكي لبعض الوقت حتى سألها جدها ثانية:
- ما بك؟
قالت وهي تمسح دموعها: - أشعر بالتوتر والحيرة. لا أشعر
بالراحة يا جدي.
تنهد وقد فهم ما تريد قوله فذلك ما توقعه ثم قال لها:
- ارتاحي وخذي وقتك بالتفكير. وادعِ الله أن ينير
قلبك وعقلك لتأخذي القرار الصائب.
خرجت الى الحديقة وهي شاردت الفكر لكنها انتبهت
حين سمعت صوت عمها الفاروق يكلم الفضل. لم ترد
الظهور أمامهما الآن فابتعدت كي لا يرياها. ولم تدخل
الدار حتى غادرا بعدما اطمأنا على والدهما.
لم يكن حالها في المساء بأفضل منه في الصباح. فقد
قضت ساعات صعبة بالتفكير، وكأن من ستتزوجه ليس
الحبيب الذي انتظرت الزواج به منذ أحبته.
" كيف أتردد هكذا؟ ولماذا أشعر بالخوف وكأنه شخص
غريب عني ولا أعرفه؟ ربما يكون هذا خوفاً من الزواج
نفسه وبدء حياة جديدة.. لكن كيف أخاف إن كنت
سأبدأ هذه الحياة مع من أحب؟ "
في اليوم التالي، استأذنت جدها في الذهاب لبيت مودّة
علّها تساعدها على الخروج من حيرتها. سألها جدها: ـ هل
ستتأخرين عند مودة؟
- نعم يا جدي فأنا لم أرها منذ مدة.
- حسنا يا ابنتي، سيعيدك عامر قبل صلاة الظهر.
- حاضر يا جدي.


حالما جلستا، سألتها مودّة بقلق:
- ما بك؟ وجهك متعب والحزن واضح في عينيك.
- حدث الكثير في اليومين الماضيين. جاء والد مصعب
لخطبتي.
حدقت بها مودّة بقلق: - بالتأكيد طرده جدي ورفض
طلبه، ما دمت حزينة هكذا.
تنهدت وراحت تقص على مودّة ما حدث قبل ليلتين.
وكم حزنت مودّة وغضبت لتصرف خالها الفاروق لكنها
استغربت ملامح زبيدة التي لم تعكس السرور وهي تخبرها
بموافقة جدها على مصعب فسألتها:
- ما بكِ؟ لا تبدين سعيدة. هل تخشين خالي الفاروق؟
هزّت زبيدة رأسها نفياً ثم حدثت مودّة عما يدور في رأسها
وما تعانيه من تشوش المشاعر والأفكار فقالت باستغراب:
- حين خطبني ياسر طرتُ فرحاً، مع أن ارتباطنا ببعضنا لم
يكن صعباً كما في حالتكما فياسر ابن خالتي ولن
يعترض أحد. لقد تصورت أنك ستفقدين وعيكِ من الفرح
لو حدث ووافق جدي على زواجكِ من مصعب.
قالت زبيدة وهي الأخرى مستغربة من انقلاب حالها:
- وأنا أيضاً ظننت هذا يا مودّة لكن حين تحقق الأمر
وأخذت أفكر في قضاء حياتي معه، كل الأفكار انقلبت
لدي. حتى أنني شعرت بالاختناق وصرتُ أدعو الله أن
يهديني للصواب ويخلصني من هذه الحيرة.
سألتها مودّة: - تراكِ تخشين استمرار ولعه بالجواري حتى
بعد زواجكما؟
- كلا. لقد أحبني بصدق ومن يحب لا يرى غير حبيبته.
- إذن ما سبب هذا التردد والخوف؟
- شيءٌ فيّ نحوه تغير ما إن صار زواجي به وشيكاً. لا أعلم
السبب لكن هذا ما حدث.
سألتها مودّة:
- ولِما لا تقبلين به زوجاً حتى لو شككتِ بحبكِ له.
اعتبريه رجلاً مناسباً جاء لخطبتك فقبِلتِ.
- لا أستطيع يا مودّة. كيف يتغير تفكيري نحوه
وإحساسي به فجأة ثم أعتبره كأي رجل تقدم لخطبتي
فأوافق؟ هكذا سأكذب عليه وعلى نفسي.
بعد صمت قالت زبيدة:
- تُراني خدعت نفسي وتوهمتُ حبه؟ لقد كنت استمع
للشعر وقصص الهوى وأتمنى ان أعيش الحب. ومصعب كان
أول رجل يقترب مني. يسمعني الغزل وأرى الحب في عينيه.
نعم.. لقد خدعت نفسي بحبه لأعيش الحب، ولم أحبه هو
فعلا.
قالت لها مودّة: - نعم يا زبيدة. أنتِ لم تحبيه، فلا يوجد
حبيب يتردد في قضاء باقي عمره مع من يحب. والآن ماذا
ستفعلين؟
تنهدت وهي تشعر بالذنب وأجابت: ـ سأخبر جدي بأنني
غيرت رأيي ولا أريد الزواج بمصعب.
تفحّصتها مودّة بعينين مستغربتين:
- ستفعلين ذلكَ حقاً؟ ألن تندمي أو تغيري رأيكِ ثانية؟
قالت بثقة:
- كلا يا مودّة. لقد تغير فيّ شيء نحو مصعب ولم أعد أشعر
أنه ذاكَ الحبيب. كأنه كان مجرد حلم صعب المنال
لكن حين تحقق صار كأنه كابوس من الحيرة والقلق
وعدم الراحة. وكأن الحقيقة كشفت أمامي فجأة. لن
أستطيع الكذب على نفسي أكثر والإقدام على الزواج
منه.
مساءا وقبل أن يذهب جدها للنوم، قالت له: - جدي.. لا
أريد الزواج بمصعب.
لم يتفاجأ جدها إلا بسرعة اتخاذها القرار لأنه كان
يتوقع ذلك.
- القرار لك، هل أنت متأكدة؟
ابتسمت وأكدت له: - الآن أنا متأكدة مما أريد يا جدي.
حين فكرت بعدما أعطيتني موافقتك، وجدتني خائفة
وقلقة من هذا الزواج.
قال جدها وقد ارتاح لقرارها: - كما تريدين يا ابنتي.
قبلت يد جدها وتمنت له نوما هانئا ثم ذهبت إلى غرفتها
بقلب هادئ.


لم يكن ارتياح جدها بقدر ارتياح الفاروق حين أخبره
الحارث أنه سيبلغ والد مصعب رفضه للخطبة.
قال الفاروق لوالده بارتياح: - بصراحة يا أبي، لقد خفت أن
يرقّ قلبكَ لها وتوافق.
وقال الفضل: - خاصة وأنكَ تحبها جدا وتدللها.
ابتسم الحارث وقال لولديه: - لقد حدث ما خشيتماه، فقد
قررت الموافقة على الزواج.
حدق به الاثنان بدهشة فابتسم وأضاف: - زبيدة هي التي
رفضت.
زادت دهشتهما وسأله الفاروق بانزعاج:
- أحقاً وافقتَ على الزواج يا أبي؟
- نعم. من أجل سعادة حفيدتي.
سأله الفضل: - لكن لما رفضته زبيدة؟ لقد لمسنا كلنا
رغبتها في الزواج به.
قال الفاروق بحنق: - لولا احترامي لك يا أبي لكسرت
رأسها.
زجره الحارث غاضبا: - ليست ابنتك لتكسر رأسها. أنها
ابنة عاصم الغالي وهي أغلى احفادي.
قال الفضل وهو يقبل يد والده: - اهدأ يا ابي ارجوك كي
لا يسوء حالك.
قال الحارث وهو يرمق الفاروق: - لم ترفضه خوفاً من أحد،
لكنها لم ترتح للزواج به.
تساءل الفاروق بانزعاج: - هل قصدت تلك البنت ان
تتحدانا وتفرض رأيها علينا، وحين وافقتها يا أبي غيرت
رأيها؟
هز الحارث رأسه بيأس وقال:
- بل رفضت لأنها لا تريده حقا. ربما توهمت ذلك بسبب
بقائها عدة أشهر في داره.
قال الفاروق بامتعاض: - لا تذكرني يا ابي.
فقال الحارث بحدة: - كفى يا أبا العباس. لم أنس بعد
أنك نعتت ابنة أخيك بالجارية وصفعتها بحضوري. لو لم
تكن عمها لرددت لك تلك الصفعة امامها.
حدق به الفاروق غير مصدق بينما شرح لهما ما حدث:
- لقد أخبرتها بقبولي وتركت لها الاختيار لتستطيع اتخاذ
قرارها الصحيح والذي توقعته سلفا.
سأله الفضل باستغراب: - لماذا توقعت رفضها؟
ابتسم وهو يرد: - لا توجد امرأة في قلبها رجل، وتلتمع
عيناها حين تنظر أو تتحدث لرجل غيره كما تفعل هي مع
عمر.
استغرب الفاروق وقال الفضل بإعجاب:
- سنظل نتعلم منك يا أبي. أنا لم أنتبه لها لكنني شعرت
بأن عمر يميل إليها.
في اليوم التالي كان عمر خارجا من بيت أستاذه ظهرا
فالتقى خاله الفضل وهو عائد لبيته بعدما أغلق دكانه.
- ما أخبار جدي يا خالي؟ هل زرته اليوم؟
- لقد ذهبت مع خالك الفاروق صباح ألامس وكان بحال
جيدة ثم زرناه صباح اليوم أيضاً لنطمئن عليه.
سأله عمر بقلق: - هل تجادل معه خالي الفاروق ثانية؟
ابتسم الفضل وهو يقول:
- كلا يا ولدي فقد حُسِم ذلك الموضوع.
شعر عمر بوخز في قلبه وتوقع موافقة جده على زواج
زبيدة من مصعب فقد لمس تعاطفه الكبير معها لكن
الفضل الذي كان يشعر بميل عمر لزبيدة فاجأه بالقول
وهو يبتسم بمكر:
- لقد أخبرنا أبي صباح اليوم برفض زبيدة الزواج من ابن
جابر.
تساءل عمر وقد اختلطت في نفسه مشاعر الدهشة
بالسرور: - أهي من رفضت الزواج؟!
- نعم يا ولدي. لقد استغربنا مثلك حين أخبرنا أبي
بالأمر. يقول إنها لم تعد مرتاحة للزواج بمصعب.
أبعد عمر عينيه عن عيني خاله كي لا يرى السرور الذي
ملأهما وقال متظاهراً بعدم الاهتمام: ـ المهم أن الأمر انتهى
على خير. حسناً يا خالي، سأذهب الآن.
وعاد الحزن والقلق يساوره بينما كان يسير لداره.
" لا أصدق ما قاله خالي الفضل. لا يعقل أن ترفض الزواج
به هكذا فجأة. لابد أنها خافت على صحة جدي بسبب
جداله المحتمل مع خالي الفارق أو خافت على مصعب منه
فرفضت الزواج "


جاءت بارقة لزيارة زبيدة وحالما انفردت بها قالت والدهشة
تنضح من ملامحها:
- لم أصدّق حين أخبرتني مودّة أنكِ رفضتِ مصعب. لماذا؟!
- كما أخبرتك مودّة، لأنني لم اعد أراه الحبيب الذي
أريد تمضية عمري معه. حالما صار زواجي به محتوما
انكشفت الحقيقة أمامي.
سألتها بارقة وهي مستغربة ومستاءة: - ومصعب، ما ذنبه؟
لمعت عيناها بالدموع فهي لم تُسئ لأحد في حياتها من
قبل:
- لم أقصد إيذاءه لكنني دون شعور مني كنت أوهم نفسي
بحبه فآذيت نفسي كما آذيته. لذا لم اوافق على الزواج به
كي لا أؤذي كلينا أكثر.
تأملتها بارقة باستغراب وقالت: - أنتِ غريبة يا زبيدة.
تنهدت وقالت توصيها:
- إن التقيتِ بنوار فأخبريه بما قلته لك ولينقل هذا
الكلام لمصعب، فلا بد أنه يظن أن أهلي من رفضوه.
سألتها بارقة باستغراب:
- ألا تحملين أي مشاعر نحو مصعب الآن؟
- كل ما أكنه الآن لمصعب هو الشعور بالذنب.
لم تكن دهشة أيّ أحد ممن سمع برفض زبيدة لمصعب
توازي دهشته هو حين نقل له نوار الخبر. وظل يعاني الحزن
والغضب والشعور بالغدر وفي رأسه ألف سؤال عن سر تغيرها
المفاجئ.


كانت زبيدة في حديقة الدار، تجلس قرب نافورة للماء
فتذكرت تلك النافورة التي في حديقة دار مصعب.
استغربت من نفسها ومن خداع قلبها لها تلك الفترة بحب
مصعب، وفكرت كم تغير إحساسها خلال شهر. لقد
تحولت تلك الأيام إلى مجرد ذكريات تختزنها في عقلها.
وصل جدها الحارث ومعه عمر الى الدار وتقدما نحوها
فنهضت وسلمت عليهما والابتسامة على وجهها.
قال الحارث:
- لم يزرنا عمر منذ مدة طويلة فأحضرته معي لنتناول
الغداء معا حين رأيته في السوق.
ابتسمت زبيدة بسرور وقالت: ـ حسناً فعلت يا جدي.
لم يدخل عمر دار جده منذ تلك الليلة حين استدعاه
ليعرض عليه الزواج من زبيدة. وحين علم أنها رفضت
مصعب لم يحاول لقاءها لمعرفة إن كان ما فعلته بدافع
الخوف كما ظن، رغم حيرته وفضوله القاتل لمعرفة
الحقيقة.
تناولوا الطعام وكان عمر يتجنب النظر لزبيدة فحزنت
لأنه ما يزال غاضبا منها. نهض جدها ليغير ثيابه فقالت
زبيدة: ـ إلى متى ستبقى غاضبا مني يا عمر؟
قال بوجه متجهّم: - لست غاضبا.
تساءلت بلهجة حزينة أذابت قلبه:
- كيف، ونظراتك تعكس غضبك؟ لقد انتهى هذا
الأمر برمته، فلا داعي لتبقى غاضبا مني.
ترددت قليلا ثم قالت: - أظنك عرفت أنني رفضت..
صمتت عند دخول جدها البهو بينما كتم عمر ابتسامته
ونبضه يرقص فرحا لحرصها على رضاه، وغُرِس في قلبه أمل
بأن تكون الحقيقة هي ما سمعه من خاله الفضل ذاك
النهار.

لم تكن زبيدة راغبة بحضور عرس بارقة لأن مصعب
بالتأكيد سيكون حاضراً فخشيت أن تراه صدفة أو يسعى
هو لمحادثتها هناك، لكنها اضطرت للذهاب بعدما
توسلت إليها بارقة فقد أتت لدعوتها مع والدتها.
جدها الحارث لم يعترض فهو لا يعرف أن زوج بارقة رفيق
مصعب وإلا ما كان ليوافق.
ذهبت زبيدة إلى العرس مع مودة وعمتها هاجر وأوصلهنّ
ياسر إلى هناك على أن يعود لأخذهن بعد فترة قصيرة لأن

مودة كانت تشعر بالإرهاق إن جلست لفترات طويلة بسبب
حملها.
جاءت إحدى الجواري بعد فترة لأخبار مودة أن ياسر جاء
لأخذهن فقالت بارقة معترضة وهي ترى زبيدة ومودة
تنهضان:
- لا تقولي إنكما ذاهبتان. لم يمضِ على حضوركما سوى
القليل من الوقت.
قالت مودة: - تعرفين أنني هذه الفترة متعبة يا بارقة. لا
أستطيع البقاء أكثر.
- ولماذا تذهب زبيدة معك؟ فلتبقَ مع خالتي هاجر ثم
يوصلهما حارسنا.
قالت هاجر: - لكن يا بارقة حتى أنا عليّ الانصراف. لا
أستطيع البقاء أكثر.
ثم نظرت لزبيدة ولمست رغبتها في البقاء فقالت:
- ابقي أنت يا ابنتي وسأطلب من ياسر العودة لأخذك من
هنا.
قالت زبيدة: - كلا يا عمتي لا أستطيع. سيغضب جدي
مني، كما أنني لا أريد أن أثقل على ياسر.
قالت هاجر:
- لا عليكِ. أخبري أبي أنني من أصر على بقائك.
وقالت مودّة: - ولا تقلقي بشأن ياسر فهو لا يتثاقل من السير
أبداً. استمتعي يا عزيزتي قبل أن تتزوجي وتُقَيّدي.
ضحكت زبيدة وبارقة ورمقتاها بمكر ثم همست زبيدة
تسألها:
- هل أصبح زواجك من ياسر قيداً؟ من يسمعك الآن لا
يسمعك قبل أشهر.
ضحكت مودة وقالت: - أقصد هذا الكائن الصغير المُتعِب
وليس ياسر.
قالت هاجر: - هيا يا مودة فزوجك بانتظارنا.
بينما كانت زبيدة تكلم بارقة، لمحت عاتكة تقف
عند أحد الأبواب فخفق قلبها وطارت فرحا. نهضت من
مقعدها بجانب بارقة مسرعة نحو عاتكة لتعانقها بشوق
وهي تبكي فمسحت عاتكة دموعها هي الأخرى وقالت:
- ابنتي الغالية. اشتقت إليك. كيف حالك؟
- أنا بخير. ما الذي أتى بك إلى هنا؟
- جئت مع والدة مصعب.
أومأت زبيدة برأسها فقالت عاتكة:
ـ لنخرج إلى الحديقة كي نتحدث بعيدا عن أصوات
المعازف العالية هنا.
سارتا في الحديقة وقالت عاتكة بابتسامة:
- كم اشتقت إليك يا ابنتي!
قالت زبيدة وهي تضمها من جديد: - وأنا أيضاً يا خالة،
فأنت أكثر من أحببت في دار مصعب.
- ومصعب؟ ألم تحبيه؟
التفتت زبيدة لترى مصعب يتقدم نحوهما فالتفتت نحو
عاتكة وفي عينيها نظرة عتاب وغضب:
- لماذا فعلتِ هذا يا خالة؟ لقد استدرجتِني عمدا إلى هنا.
قالت عاتكة بخجل: - تعرفين كم أحب ولدي ولا أرد له
طلبا.
قال مصعب لعاتكة: - اتركينا الآن.
ابتعدت عاتكة عائدة الى الدار فتأمل زبيدة التي أبعدت وجهها عنه وقال بسخرية ممزوجة بالغضب:
- ألهذه الدرجة لا تطيقين رؤيتي؟
استدارت نحوه تسأله: - ماذا تريد؟
تأملها بنظرات اختلط فيها الغضب والعتاب والشوق:
- أريد أن أعرف لماذا رفضتني. أم أنك لم ترفضيني وقلتِ
ما قلتِ لبارقة خوفاً من اهلك؟ أليس كذلك يا حبيبتي؟
قالت والشعور بالذنب يزعجها: - مصعب..
قاطعها بصوت مضطرب وهو يرمقها بشغف:
- كم اشتقت لمناداتك لي باسمي! كم اشتقت لوجهك
الحبيب!
أدمعت عيناها وقالت: - أرجوك لا تصعب الأمر عليّ.
صدقني، لم أكن اتلاعب بمشاعرك لكن..
حاولت انتقاء كلماتها لتجيب تساؤل مصعب عن سر
انقلابها بينما يتطلع هو إليها بنفاذ صبر.
- زبيدة!
جعلها صوته الغاضب ترتجف ورمقها مصعب بدهشة قبل أن
يلتفت نحو عمر.

نهاية الفصل الحادي عشر

الكاتبة الاء العزاوي
عضوة في فريق التصميم
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم  كاتبة رائعة

المساهمات : 109
نقاط : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى