روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

نوفيلا راهبة في عرين الشيطان الجزء الأول

اذهب الى الأسفل

نوفيلا راهبة في عرين الشيطان الجزء الأول

مُساهمة  هدى خورشيد في الأحد سبتمبر 30, 2018 9:36 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت مذ فترة قد وضعت بين أياديكم طفلتي الأولى كما أحب دوما تسمية أعمالي و فعلا لاقت نجاح كبير حتى ان البعض طالبني بإطالتها والبعض الأخر طلب أجزاء أخرى منها ولدي خبر عن هذا ساضعه هنا بشكل حصري بشأن الأجزاء الأخرى لراهبة , وقد كنت ممتنة جدا لتفاعلكم معها وبالطبع لإدارة جروب روائع الرائع والجميلة ضحى والمصممة المميزة وسام مصطفى I love you  
وبما ان المنتدى قد انشأ بهدف حفظ أعمال الكُتٌاب من مشاكل الفيس بوك والهاكرز وغيرها فأنا أحب مشاركة الأمر هنا Like a Star @ heaven  واتمنى كامل النجاح للمنتدى ومباركتي لفريق الأدارة على الجهد المبذول فيه

والآن بعد تفكير ومحاولات عسيرة في ايجاد قرار اخير قد قررت وضع جزء أخر من راهبة في عرين الشيطان ولن أعلن عن أسمها الآن ولكن مااريد قوله إنها مفاجأة من العيار الثقيل Twisted Evil Twisted Evil  بعكس الجزء الأول تماما Embarassed Embarassed  

ولم احدد معاد لنزولها فهي جاري العمل عليها حاليا مع رواية أخرى أقوى Twisted Evil Twisted Evil  لدي كامل الشر لتقديم شخصيات جنونية في الأعمال القادمة Suspect  

وبعد انتهائي من وضع الجزء الأول هنا سأحاول رفع الريفيوهات الممتعة عنها هنا Like a Star @ heaven Like a Star @ heaven

وبدون ثرثرة كثيرة أضعها بين اياديكم مجددا مكتوبة لتيسير القراءة وأيضا مرفوعة pdf واتمنى من دعمكم  ان يحتويها وان تلاقي الترحيب المناسب هنا كما لقته معكم في الجروب Embarassed I love you

Like a Star @ heaven  Like a Star @ heaven  Like a Star @ heaven
**أرفض تماما نقل النوفيلا أو الاقتباس منها دون إذن بذلك **
يتبع


عدل سابقا من قبل هدى خورشيد في الأحد سبتمبر 30, 2018 9:45 am عدل 2 مرات
avatar
هدى خورشيد
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 3
نقاط : 5
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نوفيلا راهبة في عرين الشيطان الجزء الأول

مُساهمة  هدى خورشيد في الأحد سبتمبر 30, 2018 9:42 am


راهبة في عرين الشيطان

أصبح الإحتلال واقع مرير نرى براثينه في حشا الوطن وأخشى ان أصبح يوما  فلا أجد الوطن ..
 كانت اصوات القصف تعلو أجراس الكنيسة عندما ركضتُ أكاد اسقط أرضا بثوبي الطويل المنسدل حتى قدميٌ , "إلهي لقد نسيتُ وشاحي" ولكني لم أكن ذاهبة لاصلي بل لألحق بأبي وقلبي يرتجفُ خوفا بين أضلعي من أن تسبقني صواريخهم اللعينة , الحركة كانت سريعة متخبطة راهبات وشيوخ , أطفال ومختمرات
الجميع يحاول أن يصل في عتمة الليل الي مسكنه أو إلى عزيزٍ يخشى عليه من قطار الموت الذي لايرحم ..
ركضت على سلم الكنيسة الحجري , أسقط درجة وأصعد آخرى , لم استطع ألتقاط أنفاسي ولكنٌي شكرت الرب أن اعمدتها لاتزال قائمة ..
إذا هو بخير ..
: أبي .. ! ,هدرت من بين أنفاسي المتقطعة
كان ضوء الشموع ما اتاح لي رؤيته راكعا بخشوع امام الهيكل يصلي
كم شعرت بالخجل من إقتحامي لبيت الله كعاصفة هوجاء, وقدرت عدم إلتفاته إليٌ , كان كافيا لي رؤيته بخير , خطوتُ إلى الداخل وأغلقت الباب العتيق خلفي ليصدر أزيزا ضعيفا , متهالكا قبل ان يوصد , لأمسك بشمعة ملساء اشعلها لتسكن بقرب أقرانها , نظرتُ لصورة العذراء وقد قبضتُ يداي امامي بتوسل علٌها تسمعني
: أيتها البتول ...
ولكن صوتي تحشرج وأعمتني غمامة الدموع قبل ان ترسم أثلاما رأسية فوق وجنتيٌ الشاحبتين , وبدأت البرودة تتسلل إلى سائر جسدي , فلم استطع سوى ان انتحب وصوتي يختفي تحت اصوات القصف العاصف كرعد بليلة شتائية معتمة , شهقت وبداخلي ألف دعوة ودعوة تتزاحم وتتكاتل حتى اختنقت بهم وعيناي تصرخ "فليستجيب الرب في ملكوته"
شعرتُ بأبي يربتْ على منكبي ويضغط فوقه بحنو , كنت أعلم بإنه يشعر بالعجز , عجز لم يفارقه مذ رحيلهم ..!
وقفت من ركوعي ,أنفض أدمعي بأطراف ثوبي الطاهر , فأخر شيء أريده هو زيادة همه ,التفتُ إليه وقد بدا اكثر عمرا مما كان عليه , لحيته البيضاء وعينيه الذابلتين تجسد اللون الكهنوتي الذي يرتديه بسواده الحالك والصليب الضخم الذي يحتل منتصف صدره..
قبلتُ يده في إجلال , فلطالما نظرتُ له بتقديس , تقديس إبنة لأبيها الذي نذر حياته لها و تقديس راهبة لمعلمها وقد سلكت دربه , لطالما اعتبرت ثيابه الكهنوتية بمثابة جدار صلب , حصن منيع يظهر عكس مايخفي , مهيب , متجلد باللون الوحيد الذي يستقبل الحزن بثبات ,وقتذاك عندما فقدتُ اسرتي - أمي واخويٌ الصغيرين -  في خضم قصف شرس أصاب البيت ومن بهِ وياليتني لم اغادر لاصلي ,حينها وقف أبي شامخا يشيع جثمانهم بثبات وصبر , دون أن يذرف حتى ولو دمعة واحدة ,ابتعلت غصتي وأنا اتذكر كيف ضمني حينذاك قائلا بصوت متماسك بقدر ماهي عليه ملامحه : " يا بنيتي إن الله يرسل أمانته لتؤدي رسالة ثم ينقضي الأمر ويستردها في ملكوته وأنا أؤمن بإنه رحيم وقد عفاهم من عذابٍ أكبر , أنا ايضا عليا أن اؤدي رسالة هذا الثوب إلى حين أجلي.."
حينها كنت راشدة كفاية لأقرر الإلتزام بثوب الإيمان واهبة نفسي لخدمة الله وعباده , كان شرودي مطولا ولم أفق إلا بعدما أنتهي أبي من رسم الرمز المقدس على جسدي محاولا أن يصلي ويباركني , قبل وجنتي حتي اجفلته ملوحة أدمعي ليمحيها بإبهامه ويده المرتجفة , المجعدة والحانية
: صلِ ياابنتي .. صلِ لكِ ولنا وللقُدس
تركني هائمة ليذهب مجددا بقلب منكسر , راكعا , يكمل صلاته..
هدأت أصوات القصف رويدا إلا ان صوت آخر قد كسر الصمت الذي خيم على ارجاء الكنيسة , صوت زمجرة عنيفة للباب العتيق يتبعه لهاث انفاس متلاحقة , ألتفتُ  جَفِلة  لأجد رجلا يماثل الثور البري قوة , يقف مستندا بظهره إلى باب الكنيسة بعد أن أغلقه وقد كاد أن يماثله في الطول , انفه حادة وعيناه كدت ارى فيهما مقتا لولا إنه أشاح بوجهه عني ليسترق السمع بدقة لما يحدث خلف الأبواب الموصدة
منحني وقتا لأقيمه ,  بدا في الثلاثين من عمره , هيئته تشبه المقاتلين و ملامحه بدت صارمة اكثر من كونها مليحة جعلتني ارتجف واتورد خجلا
 شعرت بالنيران تلهب وجنتيٌ وقد لُمت جرائتي , فها أنا في حصن طاهر اتطلع إلى رجل أكاد اقسم بإنه شق الشيطان في جاذبيته المحرضة , لم يكن يبدو عليه بإنه أتى ليصلي , ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أسأله : ماذا تريد ..!
أتى صوتي ضعيفا بل إنه اختفى كليا عندما عاد بنظره إليٌ , وترك جانب الباب ليتقدم نحوي , شعرت بالخطر بالرغم من حماقة الفكرة في أن ينقض عليٌ بمكان مقدس وبرفقتي أبي  , تراجعتُ قليلا  ليتوقف هو وقد فطن لخوفي اذ ظهر على ملامحه بعض اللين
: أريد الأمان
قالها أخيرا وقد نظر خلفي ولم أكن أعلم بأن أبي وقف مترقبا بوقار لمعرفة أمره
: من أنتَ ؟!
قالها أبي وقد شعرتُ بإن تم تهميشي , انزويتُ جانبا وقلبي وجل ولا أعلم ماهية هذا الشعور
أتى صوته بنفس الثبات : عيسى بوخليل أحد أفراد المقاومة الفلسطينية ..صمت برهة وكأنه يختبر ردة فعل أبي ليكمل : هناك من يطاردني
 ليقاطعه أبي برد بدا سريعا و حازما أجفلني من شدٌة نبرته : أرحل هذا ليس مكانك
وبرغم صدمتي من موقف أبي أمام مجاهد يطلب العون إلا أن رد الآخر كان  مناقض لتوقعي
: اتيتُ طالبا للأمان  , أليس هذا بيت الرب
باعث الأمن وموطن السكينة  !
كانت نظرته لأبي عابثة كأنه يتحداه في أن يخالف إحدى قوانين الرب القدير إلا أن أبي لم يبتلع الطعم وظل على رأيه الصارم : قلتُ أرحل
فزعت وقد شعرت بالخذلان فيما يستنجد بنا أحدهم
رجل جعل من نفسه درع حماية لوطن مغتصب ,أقتربت من أبي راجية : أبي , إنه في بيت الرب يطلب حمايته , كيف لك أن تطرده من باب رحمته ؟!
نظرة أبي لم ترأف بتوسلي , عيناي تسائلتْ وقد اختنقت مقلتاي بدموع الرفض : ألسنا خُدام عباد الله !!
ولكنه هدر بغضب وقد نسى بإننا في منزل مقدس :لن أخاطر بكِ يا سارة ويكفي ما لحق بنا
اتسعت عيناي وقد استعبتُ سبب رفضه , إنه يخشى عليٌ مما لحق بأخوتي وأمي , "لا ,ليس لديه حق , لن أقبل بهذا " التفتُ إلى صوت الخطوات الأخرى المغادرة , كدت أن اتفوه بأعتراضي ولكن صوت جلبة خلف الأبواب الموصدة قد وصل إلينا, ورأيت أبي يسرع الخطى بينما سقط قلبي بين قدميٌ حينما أمسك بذراع عيسى ..
نظر لي بصرامة , آمراً : أصعدي بهِ إلي غرفة الخادم  ,  الآن .. هيا .. أسرعا ..
ركضتُ أرفع ثوبي , أحاول قفز الدرجات واحدة تلو الأخرى وإبتسامة لم أستطع كبحها بالرغم من الخوف والقلق اللذان ينهشا في قلبي , "لقد عاد أبي إلى الحق , إلى ماعهدته فيه من تضحية وبسالة " أستمع إلى صوت خطوات المجاهد تلاحقني , وقد دلفنا أخيرا إلى الحجرة الضيقة فوق السقيفة , وما أن أغلق الباب خلفه حتى صعقتني رؤيته يستل سلاحه من خلف ظهره ويرفعه بيده اليسرى , متأهبا لأي هجوم , كدت أن اشهق ويفتضح أمرنا لولا نظرته الصارمة وقد أخرستني , هززتُ رأسي بالنفي ناكرة عليه تصرفه الخاطئ برفع سلاح في منزل الرب لينزله ويعيده مجددا حيث كان بعدما فطن لرفضي .., رأيته يميل على شق الباب محاولا أستراق السمع وبدأت أنا في تفحص هيئته , بدا ضخما , يحتل مساحة الباب بأكملها , خصلاته الكثيفة المتمردة , حاجبيه الشبه منعقدين بشعيرات خفيفة شقراء زادته وسامة و.. قبل ان تسقط عيناي فوق عينيه حتى تنبه إلي وكأنه يراني لأول مرة , شعرتُ بالخجل وتعثرت أنفاسي عن وتيرتها كمن ضبط بجرمٍ لايغفر , وأنتظرت أن يشيح بنظره عني إلا أنٌ نظراته الفاحصة تولت الدفة , وأخذت  تمر فوقي ببطء من رأسي حتى أخمص قدميٌ, مرورا يرسل قذائف من النيران على سائر جسدي , لم يعنهِ إرتجافي في شيء بل وكأنه تعمد أن يطيل مدة تعذيبي و تفحصه الجريء لي ,إزدادت انقباضات معدتي بشكل مفاجئ عندما قررت رفع نظري إليه وقد سقط على إبتسامته الودودة التي تسللت بزهو من بين شفتيه , ولوهلة نسيت الموقف بأكمله ومايحيق بنا من خطر
لم أستطع رفع عيني إليه مجددا ولكنني أيقنتُ بإنه أشاح ببصره عني إلى ذاك الشق , يراقب الوضع وهمس مطمئنا : لقد ذهبوا
ألحق حديثه بالفعل , وترك الشق يتسع رويدا ليتأكد  للمرة الأخيرة : يمكنكِ الخروج ..
لحقتُ بهِ مغيبة , شعرتُ بإنني على مشارف الإغواء
كان لحضوره هالة مسيطرة كادت تدفعني لنسيان ثوب الراهبة الذي أعتنقته
  "اتسائل كيف لرجل ان يجرفني بعيدا من لقاء قصيرٍ كهذا؟ !" او هكذا ظننتُ !
عندما خرجتُ وجدتُ أبي يحاوره بتفهم وقد بدوتُ متأخرة كثيرا عنهما  , كانت المودة مرتسمة على ملامح أبي والترحيب الحار في ضغطه على ذراع عيسي هذا الغريب المجاهد , أمرا دفعني للحيرة , "كيف لأبي أن يغير موقفه مائة وثمانون درجة بهذه السرعة !"  
 : سارة تقدمي يا بنيتي
حثني أبي مبتسما ,اقتربت منهما وأنا أرى فرق الطول بينهما شاسعا , قال مبشراً : سيبقى عيسى معنا
والغريب إنني لم اسأله عن السبب , ولا حتى طلبت تفسيرا لمودته المفاجئة لعيسى , بل شغلني أمرا آخر .. أمر لم أكن أتوقعه , "سعادتي" نعم , شعوري القوي بنبضاتي وهي تطرق كطبول حرب بين أضلعي وتلك الإبتسامة التي قاومتُ جماحها قبل أن تفلتْ من بين شفتيٌ ! , أتسائل "لمَ " , " لمَ شعرت بتلك السعادة الغامرة لمجرد إنه سيمكث معنا , وكأنني أعرفه مسبقا !" "أو وكأن بيننا موعدا ولم يخلفه " أنسللت من جوارهما بكلمات مقتضبة , حائرة , وخوف يسيطر عليٌ , خوف من شعور لم أختبره قط , شيء مجهول يتلاعب بي : سأصلي يا أبتي
ذهبت إلى الركن المنزوي , وركعت على الوسادة بركبتيٌ أمام شموع البتول وصورتها الزاهية بثوبها الابيض وعبائتها الوردية , يحيط بها الوشاح الازرق مكللا , وقد بدتْ الآن خلاف مارأيتها عند قدومي , بدتْ مبتسمة , مبشرة مباركة,  تلوتُ صلاتي بعين مغمضة , مستكينة , وتركت الطمئنينة تشع في قلبي محاولة طرد مخاوفي و صورته المغوية ولكنها أبت إلا أن تظهر بمجون لم اقصده
تجسد امامي بهيئته القتالية وطول قامته , عيناه الزيتونية التي تخالف لون بشرته القمحي , ارتجفتْ يداي وأنا عبثا احاول إغلاق عينيٌ بقوة وأدعو أن يغفر الرب خطاياي ولكن رائحة قوية لعطر ذكوري اقتحمتْ أنفي ,
دفعتني لفتح عينيٌ والنظر بجانبي , وصدمني وجوده راكعا بجواري يتلو صلاته شامخا بأنفه العربية , فبالرغم من ركوعه الخاشع إلا أنه بدا لا ينحني سوى للخالق , ورغما عني ابتسمتُ وشكرتُ الرب على كونه منشغلا في صلاته حتى لا يرى تحديقي المطول بهِ , عدتُ لصلاتي مجددا ولكن تلك المرة تغمرني بهجة طفولية ساذجة في مشاركته الصلاة , ولم ألحظ تلك النظرة التي ألقاها عليٌ ولا الإبتسامة التي زينت محياه قبل ان يعود هو الآخر للترتيل
مرتْ الأيام بيننا وقد قطن غرفة خادم الرب واحتل قلوبنا كما احتلها , عزفتُ عن أن اظهر تعلقي وشغفي بهِ , كنت أنظر إليه على إنه معلمي "المجاهد " الذي اشعر بالضآلة في حضرته , لم نكن نتبادل سوى كلمات قصيرة
كنتُ اتجنب ابتسامته وخفقان قلبي يدوي , أهرب من نظراته ويداي ترتجفان , ابتعد عنه قدر ما املك ونبرة صوته القوية تلاحقني كتعويذة شيطانية أحاطت بي ,  دفاعاتي كانت تسقط رويدا وحصوني تنهار تباعا ,  بينما أقر أبي بمحبته علنا وأشاد بخلقه ورجولته حتى سلم له الثقة سريعا وشعرتُ بأن بينهما أسرار يخفيانها عني فكلما استشعرا قدومي صمتا او تحدثا في أمور روتينية ولم يغب ذلك عني , ولكني لم ابالي كثيرا وكان يكفيني رؤيتهما متقاربين ...
وفي ليلة بينما افترشا الأرض لتناول العشاء أخذتُ بوضع الصحون أمامهما ولاحظت تجنب عيسى النظر إليٌ وجموده غير المبرر , لاأعلم لما شعرتُ بحزن يمزق أحشائي
وبقوة دفعت تركيزي في تحضير المائدة , حملت القارورة وكدتُ ان ادلف لولا صوت أبي الذي أوقفني متيبثة خلف الباب : سأخبرهم عن قدومك إلي لبنان حتى الكتائب هناك لاتسلم من صهاينة "أبو جميل" ,  وكل ليلة يتم تسليم  اسماء من المجاهدين وبالطبع يتم إغتيالهم ,  صمت برهة ليكمل : لذا نحن نحرص على السرية التامة وأنا أثق بك يا بني ..
ارتجفتْ اصابعي حول القنينة وعقلي يحاول استيعاب ما يقوله  "نحن " , "يسافر " , كادتْ ان تتهشم ارضا من رجفة سريعة إجتاحتني فأسرعت بدخولي لأضعها على الطاولة بقوة وتوتر دفعا عيسى لأن ينظر إليٌ لبضع ثواني قبل ان يتجاهلني مجددا , حينها تناسيت ما تشير إليه  "نحن" وسقط جل تركيزي على رحيله , كيف يرحل !
نظرتُ لأبي في صدمة ثم عدت بنظري إلى عيسى ألومه على جرم لم يقترفه , فكيف له ان يعرف ماقد فعله بقلبي ! ,كيف يعلم ماقد أشعله بداخلي !
لقد اعترفت للرب بإنني سوف أترك الرهبانية إن كان هو المعني ,إذا كان هو الذي سأقضي عمري معه
نعم هو لم يعطيني وعد صريح , لا لم يفعل , ولكن أليست  نظراته وابتساماته وعودا !! , ألم تكن ! , لقد أخبرتني بالكثير , أكثر من أى كلمة يمكن ان تقال , كنت أحادثه بنظراتي ولعله اكتفى من تجاهلي وأراد جلدي وبجراءة بادلني إياها , عجزت عن تفسيرها , شعرت بدوار دفعني لأن أجلس ,لمَ لم يتهرب الآن من نظراتي , إنه يعلم بتصنتي ! , أجل , أرى اللوم يومض في عينيه , كيف يحق له ذلك!! ,أليس الأحق أن ألقي بهذا اللوم في وجهه !! , والآن ماذا ! يالا السخرية , أرى في عينيه غضبا يدفعني إلى الضحك , الضحك على إنعكاس الآية بيننا ,عيناه تعصف بي وكأنني سبب رحيله ! , أو كأنني ذاك الشخص الذي دفعه من قمة أفيرست !
هربت منه ونظرتُ لأبي مستغيثة ولكنه لم يفطن إلى الحوار الحاد ,الخفي الذي دار بيننا" انا و "عيسى" وانشغل بلقيمات الخبز مبتسما , كيف له ان يبتسم !
"أبي قل له ان لايرحل , قل له إنه أتي ليسكن هنا وإن قلبي ليس للإيجار , قل له لقد تخلتْ سارة عن ثوبها المقدس ومحرابها المُزكى لإجلكَ , قل له ياأبتي ! "
ولكنهما بقيا صامتين وحدها دموعي من تحدثت في سيل هادئ ,أخفضتُ عينيٌ إلى الصحن -أمامي - وجلست أبتلع قطع الخبز كغصة متحجرة أرجوها أن تكتم شهقاتي , أتذوق مع كل لقمة ملوحة لاذعة ومرارة تكاد تدفعني لبصقها
أنامل باردة خشنة حطتْ على يدي , تضغط عليها بقوة .. أسفل الطاولة
اتسعت عيناي ولكني لم امتلك الشجاعة الكافية لأنظر إليه , فاضت دموعي كإنما أخذتْ الأمر لتنهمر دون توقف" ألم يكتفي ! ألم يألمني بما لا تحتمله نفسي ! " إنه يعلم ويطعني بهذا , يواسيني ! فأبدو كحمقاء ينثر عليها بعضِ من عطفه وشفقته !
وقفت منتفضة , وسحبت يدي بقوة من بين يده , لم أعر إهتماما لدهشة أبي ونداءه ,وركضت إلى الأسفل , إلى ملاذي الأخير , سقطت أمام الشموع ,أمام صورة العذراء الحانية وبكيت حتى لم أعد اسمع سوى شهقاتي التي تأججت داخل مرجل صدري
تشوشت رؤيتي حتى أصبحت أرى -الآن - البتول تبتسم إلي بشفقة لما آل له حالي
"لقد اعترفتُ لكِ بقلبي قبل لساني ,أنا المذنبة بذنب لاأريد توبته , لاتعاقبيني فيه ,أتوسلكِ "
شهقتُ وبقى الحديث في طيات قلبي لايتجرأ على عبور جدران صوتي إلا أن صوت آخر كان متمردا على مهابة الصمت وكإنما اعتاد على كسر الجدران كلما احتميت بها  
: ربما حان الوقت لأخذ خادمتكِ إلى عرين الشيطان
نظرت بجانبي من بين أدمعي ووجدته نصف راكع , كان يوجه كلامه للعذراء , إلى الصورة المعلقة ..
وقف ليشعل شمعة وقد ألجمت الصدمة لساني ناكرة ما وصلني من معنى
"لامستحيل "
وقفت بإنفعال مقررة تحرير لساني أخيرا من عقاله : هل تشفق عليً !
وضع الشمعة مكانها ولم  يصلب , ظل صامتا في وقفته مواليا ظهره إليٌ , قبل ان يقرر إجابتي وقد أتتْ كلماته مقتضبة , غاضبة رغم هدوء نبرته : والدكِ ينتظرك بالأعلى
 هدرت بأسمه للمرة الاولى لي بتوسل عساه ينظر إليٌ , يواجهني : عيسى!
التفتْ إليٌ بنظرة لاتقبل النقاش : نعم أيتها الراهبة ! ,أترين ما قد أوصلتيني إليه !
أنتي ببرائتك اللعينة " شهقت من ترديده للفظ اللعنة بين جدران الكنيسة " و تنهد أمام صدمتي بينما أنامله دفنت بين خصلات شعره يمررها بعصبية : تدفعيني الى الهاوية , جنون ان أقترن بكِ ولكنك أفقدتيني صوابي , أتظنين بإنني لم انتبه لرسائلك الساذجة , طفلة تقع بغرامي , يا إلهي !!
اقترب اكثر وتراجعتُ دون وعي مني ليمسك برسغي بقوة , كتمت شهقاتي المتألمة في خضم إقتراب انفاسه الحارقة فوق وجهي : وأنا مغرم بكِ حد السقم يا سارة , تزوجيني فالشفقة ليست مصطلح يعرفه أمثالي
وبالرغم من الألم والصدمة ودموعي التي إزدادت في غدقها إلا أن الإبتسامة وجدت طريقها فوق شفتيٌ , خفف قليلا من قبضته بينما قلص المسافة أكثر بيننا , بقدر دفعني إلى إغلاق عينيٌ عنه وعن أنامله التي أوشكت على أن تمر فوق وجنتي المشتعلة ولكنه تراجع في أخر لحظة , وحرر يدي وحرر انفاسي من عطره
:ســارة !
وصلني صوت أبي  من الاعلي - يناديني - رفعت رأسي إليه ولم يملك لساني القوة على الإجابة ولا أطرافيٌ على الحركة , ووجدته يضحك على خجلي ويتدارك الموقف :الأفضل ان تسرعي إذا مارغبتي في أن يغير موافقته  
غمز لي وقد جعل قلبي يقفز بينما هزة خفيفة أرجفت معدتي وجعلتني ألوذ بالفرار بعيدا عنه وقلبي يهرب إليه , دلفت إلى الغرفة بأعصاب متوترة وحمرة خجل فضحتْ أمري  وماهي إلا دقائق  معدودة حتى خرجت خلف أبي وقلبي يرقص طربا ..
"ها هو القدر قد قرر , ولن تمر سوى بضعة أيام قبل أن أحمل كنيته ! ,  سأقف بجواره ليرفع عني الوشاح , وسيتلو أمامي قسم الوفاء الأبدي "
مرت الأيام القصيرة وقد بدت لي بطيئة كقرون موحشة لا خلاص منها, وأتي اليوم الموعود وتزينت بالأبيض كاسرة لقاعدة الرهبانية  السوداء , تركت الحزن ومعه دفاعاتي فلم أعد خائفة ولم أعد بحاجه لجدار حديدي وهو بجانبي , سندي , رجلي  وحاميٌ ..
وقفتُ أخيرا بجواره كما تخيلتُ كل ليلة وأنا أشعر بإنني انتمي له , وطني ومآواي , وعندما رفع وشاحي وابتسم كما لم يبتسم من قبل قلت له بعينيٌ إنني أحبه كثيرا , كثيرا جدا , ووجدته يعبس ثم يبتسم مجددا كأنه ترجم أخيرا حديثي لتأتيني ابتسامته اللعوبة وقد جعلت وجنتيٌ تتوردا , وكل ماتحمله من معني حدث بالفعل حتي إنني تركت مدوامة الكنيسة لثلاثين يوما بلياليها وأنا في عرينه.
ابتسمت لذكرى ماقاله حينذاك لأضع فنجان القهوة أمامه وأجلس للمقعد المقابل : يبدو أنك صدقت في مصطلح عرين الشيطان
تبددت ابتسامته فجأة وقد اربكتني فكرة إنني أخطأت وأردتُ تصليح الأمر إلا أن الوقت لم يسعفني فقد قام وترك كلماته ترن بأذنيٌ : لقد تاب من اجلكِ
دلف إلى الغرفة وسمعتُ رذاذ المياة يهدر كمن يغتسل من جرح دامي , سرعان ما شعرت بالندم لزلة لساني , فأي شيطان يكون وقد ادخل البهجة على قلبي بعد طول إنقطاع , لقد جعلني انسى بإنني فوق أرض محتلة وتحت سماء احتضنتْ أثمن ماكنت أملكُ يوما ,أي جحيم اقترفتيه في حق زوجكِ ياسارة لتصفيه بالشيطان !
نظرت إلي بطني وابتسمتُ بمرارة امسدها بيدي
"الشيطان لايسلب ليمنح , وعيسى سلب طهري برجولة حانية ليمنحني روحا منه "  
أبتسمت  وأنا اتخيل أثر الخبر عليه كما خططت أن أفاجئه , حتى إنني خلقت سيناريو خاص لأخباره .
ومر أسبوع وقد شارفنا على ليلة الميلاد فقد تساقطتْ بلورات الثلج فوق قبة الصخر وفوق غصون الأشجار العارية لتمنحها قادسية لم تتلوث بإحتلالهم ,ورغم ذلك لم أشعر بالبرودة وأنا التصق بهِ كهرة مدللة يحاوطني بيده في حنان وحماية , نسير تحت مظلته إلي أبواب الكنيسة , نعم سأخبره في مكان لقائنا الأول عن بذرته التي تنمو في احشائي , عن ثمرة جنونه وعشقي
سنختار أسمه سويا , وسأصلي ليكون شبيها لأبيه , ابتسمتُ وشعرتُ بتملكه في تطويقي كأنه سمعني , صعدنا السلم الحجري لندلف , وما إن رأيت أبي حتى أحتضنته بقوة فقد اشتقتُ له ولكل ركن بالكنيسة وماتحمله من ذكرى في قلبي
تركتهما لأصلي وانزويت بعيدا حتى إنني اندمجت في ملكوتي بقدر جعلني استرجع تلك الليلة كإنها تحدث الآن - فعليا - سمعت أصوات خلف الأبواب وظننتها تخيلات لا أكثر وعدت لصلاتي مجددا إلا أن الباب قد صفع بقوة وفُتح على مصرعيه بصوت مدوي أشبه بالرعد جعلني أتأرجح في وقفتي , مذعورة وأنا أرى أقدامهم القذرة تلوث الأرض الطاهرة وأسلحتهم مرفوعة كالجبناء يخشون بطش الحق بهم , بحثت بعينيٌ عن عيسى لأجده قد اسقط هاتفه أرضا وركض اتجاهي , وقد تبددت ملامح صدمته لغضب يحرق من يقترب , حاوطني وكاد ان يهشم عظامي وأنا أرى  من بين صدره وذراعيه اللذين دفنت بينهما أعداد هائلة من الجنود الصهاينة يدنسون الحرم  "لن أسمح لهم بأخذ عيسى مني , ليس بعد الآن ".. ولكن...
أتي احدهم ليقترب منا , بدا كأنه أكبرهم رتبة لما تحمله شارته من نجوم داود , هرب اللون من وجهي وشعرت بالبرودة فجأة تسيطر على جسدي الغارق في احضانه وأنا أرى هذا الصهيوني يقدم لعيسى ..التحية العسكرية
رفعت نظري إليه لأجده يتجنبني ويتحدث  مع الرجل  بالعبرية , بضع كلمات قبل ان يسرعوا إلي أبي الواقف بنفس جمودي وصدمتي , يجتروه من ذراعيه الواهنة كالشاه المذبوحة وقد تاه لساني وهربت الأبجدية من عقلي , كانت عيناي وحدها تحاول ان تتعرف على من يضمني الي صدره! على من تزوج مني وزرع نسله فيٌ ! من يكون !!!
أمسكت بذراعه بيدٍ مرتعشة وعينين مشوشتين من سيل الدموع , قلبي يكاد يتوقف وصوتي قد تلاشى , ولكنني هززته كي ينطق على تسائل لم أطرحه ,ان يُكذب مايحدث , أن يخبرني بإنه عيسى المجاهد الذي وقع في حب راهبة وينتظرا مولودهما ..وليس .. !
أخيرا خرجت الكلمات مشتتة من بين شفتيٌ المرتجفتين :عيسى ! ,  أبي , أبي يا عيسى  ..
ولكنه أشاح بوجهه عني , كأنه لم يعرفني يوما , رغم لوهلة ظننت مامر في عينيه .. خوفا , حزنا , أو ربما ألم ولكن لا إنها قسوة لم أشهدها معه من قبل , مستحيل أن يشعر أمثاله
سمعت صرخة أبي بهِ , اتهامه له , لعناته عليه ,  ولكني لم أبعد عينيٌ عنه , وبكل مالدي من قوة ضربت صدره مرة تلو الأخرى : كيف ..؟ كيف لكَ .. أن تخون  .. لقد.. سلمتُ لكَ نفسي , وثقتُ بك ..( أحببتُك ) "صرخت بها عساه ان يفيق , لكنه امسك بكلتا ذراعيٌ وعيناه تلمع بمزيج من القسوة والندم : لم اخنكِ , لقد احببتكِ أكثر مما يلزم لرتبتي العسكرية , تخليت عن كل شيء يمكن ان يصيبك بأذى , ولكني لم اكن يوما انتمي لكم ولا لملتكم أنا احمي أهلي كذلك ياسارة
ولأول مرة اكره اسمي من بين شفتيه , وقتها تذكرت قوله لي ( الشفقة ليست مصطلح يعرفه أمثالي )  صرختُ وأنا أخمش وجهه الكاذب بمخالبي , ذاك القناع الذي أوهمني بهِ بكل ما لدي من قهر وألم , لقد لحقت العار بنفسي لقد اصبحت عبدة لشيطان , نعم , شيطان لعين , سلمتُ نفسي بملء إرادتي لقاتل وقد تدنس ثوبي , تركني أعبث ولكن شهقته المريرة جعلتني ابتسم له ساخرة بوهن , وهو يحاول ان يتلقفني بين ذراعيه الخائنتين والدماء ترسم خارطة تحت قدميه
: أترى لقد احتللتوا أرضنا كما احتللتني ولم تخلفوا سوى دمار و.. دماءً , ولكن هنيئا فتلك المرة الدماء من صلبك
: لمَ .. لمَ يا سارة !  لمَ لم تخبريني ! لقد كنت مجرما وتوبت لاجلكِ  , ألا تفهمين , لا , أرجوكِ أغفري لي , لا يا سارة ..لاتفعلي هذا .. أرجوكِ أفيقي
أفيقي وصلِ للقدس
ارتفعت أجراس الكنائس وارتفعت معها ارواح بريئة نزفت حتي الرمق الأخير .

avatar
هدى خورشيد
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 3
نقاط : 5
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نوفيلا راهبة في عرين الشيطان الجزء الأول

مُساهمة  هدى خورشيد في الأحد سبتمبر 30, 2018 9:50 am

avatar
هدى خورشيد
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 3
نقاط : 5
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى