روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية خيوط القدر (الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )

صفحة 1 من اصل 4 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

رواية خيوط القدر (الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )

مُساهمة  sara elmasry في الثلاثاء سبتمبر 25, 2018 4:14 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته


يبقى للقدرالكلمة الاخيرة التى لا يعقبها حرف واحد ،نقترب ونبتعد ،نحاول ونيأس ، نخطط ونحلم ، لكن ترى هل سيجعلنا القدر نحيا بقصة لم يكن من المفترض تماما ان نحيا بداخلها ، ادهم ،ندى ،سليم ،مرام ،عمر ،احمد ،ياسمين .
كلا منهم يحيا قصته الخاصة فكيف سيجمع القدر الجميع فى قصة واحدة ، كيف سيتقبل كل شخص فيهم دوره الجديد فى تلك القصة ،كيف سينسج القدر خيوطه ليجمع الشرق والغرب والشمال والجنوب دون اى مقدمات ، مشاعر انسانية صادقة ،تجارب بعضها حقيقية ،شخصيات تحيا بيننا
كل هذا وأكثر سنتعرف عليه فى رواية خيوط القدر
أتمنى ان تنال اعجابكم ❤️❤️



الفصل الاول

ارتمت على فراشها فى إرهاق واضح ،أخذت نفسا عميقا ملأت به صدرها وكأنها تزيح به إرهاق اليوم كله ، رفعت قدميها واخرجتهما من الحذاء وهى تلقى به فى عشوائية ، وفى تكاسل مدت يدها لتشد الرباط الذى يجمع شعرها لتشعر وكأنه عاد ليتنفس من جديد بعدما اختنق طيلة اليوم بهذا الرباط الانيق ، مررت يدها على ازرار بذلتها الرسمية التى لم تعتد عليها بعد وفكت أول ازرارها ،كاد النعاس ان يغلبها من شدة الارهاق ولكنها فتحت عينيها  من جديد وهى تحاول تشجيع روحها ، لاداعى للتعجب ، ستعتاد كل شىء مع مرور الوقت كما اعتادت ماهو أصعب ، لا يجب عليها ان تتهم نفسها بالكسل والتراخى فالبدايات دائما صعبة ومرهقة ، الآن اصبحت فى الثالثة والعشرين من العمر وصارت اكثر نضجا وتكيفا مع الظروف ، عليها ان تثبت للجميع مهارتها وقدرتها على تحمل المسؤلية وخاصة انها تعمل فى مجالها الذى تعشقه هندسة الديكور وفى مكتب من أكثر المكاتب شهرة ونجاحا ،ذلك المكان الذى لعب الحظ دوره فى التحاقها للعمل به وقبولها من بين العشرات الذين تقدمو للحصول على الوظيفة ذات الراتب والمكانة المميزة .
رن جرس هاتفها فنظرت الى حقيبتها فى تعب وجذبتها من حزامها الطويل حتى قربتها اليها ،مدت يدها بداخلها تبحث عنه حتى لامسته اصابعها وتعرفته فى اعماق الحقيبة ، نظرت الى اسم المتصل ”عمر ” اقرب الناس الى قلبها ، فتحت المكالمة فى صوت متعب فجاءها صوت ضحكته من الجهة الاخرى "  من أولها كدة ” ، ضحكت بدورها وهى تقول ” أول يوم ..بس بعد كدة هتعود ”
ـ وايه اخبار اول يوم ؟؟
قالت وهى تعبث بخصلات شعرها الكستنائى الناعم ” ماشى الحال ...محتاجة وقت على ما افهم الدنيا ماشية ازاى ..بس عامة ده المجال اللى بحبه ” صمتت للحظات وتذكرت أنه اليوم الاول له ايضا فى مشفاه الجديد الذى انتدب ليعمل به فقالت فى اهتمام ” وانت اخبار اول يوم عندك ايه ”
سمعت تنهيدة طويلة منه قال بعدها:ـ انا يادوب غيرت هدومى وخارج ..بس مش هتفرق كتير الطب كله شقا والجديدة مش هتفرق عن القديمة
قالت وهى تضم ركبتيها الى صدرها فى حزن ” كلنا كنا محتاجين بداية جديدة يا عمر عشان ننسى اللى فات ”
سمعت تنهيدة  أخرى حزينه منه وهو يقول ” احنا اتفقنا مفيش كلام فى اللى فات تانى يا ندى ” ولما لم يجد منها ردا هتف فى قلق ” ندى ؟؟“
فتنبهت من شرودها القصير وقالت ” معاك حق يا عمر ”
ـ طيب قومى غيرى هدومك عشان متنسيش وتنامى بيها
نطرت ندى الى ملا بسها قائلة ” عرفتى منين انى لسة مغيرتش ”
ضحك عمر قائلا ” اللى ربى خير من اللى اشترى ..انتى دلوقتى نايمة على السرير بهدومك ومتنحة فى السق..“ وقطع جملته فجأة وهو يقول ” اووووه ” ، ولحظات وعاد اليها من جديد قائلا ” ندى هكلمك تانى سلام دلوقتى ” ولم يعطها فرصة للرد وأغلق المكالمة ، اعتدلت ندى جالسة وهى تنظر الى الهاتف مقطبة حاجبيها فى قلق ، وهمت ان تعاود الاتصال به من جديد لولا ان شعرت بالباب يطرق فى رفق وتفتحه امها ، ابتسمت ندى لوالدتها التى لم تبادلها الابتسام بل أخذت تتطلع اليها من قدميها الحافيتين مرورا بملابسها الغير مرتبة وشعرها المبعثر ، أشارت امها بسبابتها من أعلى الى اسفل قائلة ” ايه المنظر ده ..لحد دلوقتى مجهزتيش ” ، قالت ندى وهى تتثاءب ” اجهز لايه  ” ، ردت امها فى غيظ ” هوا انا مش قايلالك انى فى عريس جاى يقابلك النهاردة ” ، أدارت ندى حدقتى عينها كأنها تحاول التذكر وقالت ” نسيت ..معلش خليه ييجى يوم تانى ..تعبانة جدا ”
قالت أمها فى غضب ومن بين أسنانها ” ندى ”
نظرت ندى الى أمها بعينين نصف مفتوحتين وهى تقول ” ايه يا ماما ..فعلا تعبانة ”
مالت امها الى الامام وقالت فى غضب ” امبارح تعبانة ..وأول امبارح وكل يوم ” واضافت وهى تشير بسبابتها ” خالك بدأ يتضايق على فكرة ”
وكأن أمها قد ضغطت على جروحها اذ قامت ندى وقالت ” والله خالى لو زهقان منى ممكن اروح اعيش مع عمر اخويا ..انا خلاص بقيت بشتغل واقدر اصرف على نفسى ” وجلست أمام مرآتها تقاوم التوتر وهى تلتقط  فرشاة تمشط به شعرها
نظرت امها اليها فى المرآة وهى تقول ” خالك عايز مصلحتك يا ندى ..عاوزك تتجوزى وتبقى فى عصمة راجل يحميكى ..مش معنى كدة انه زهق منك ..أبوكى نفسه لو عايش كان زمان..“
قاطعتها ندى وهى تشير اليها بالفرشاة فى غضب ” مفيش حد زى بابا ”
قالت امها وهى تمسك بكتفيها فى رفق ” يا بنتى افهمى انا عاوزة مصلحتك ..عاوزة اطمن عليكى ..كفاية اللى حصل لحد دلوقتى ..انتى مش وش بهدلة ”
عاودت ندى النظر الى المرآة وواصلت تمشيط شعرها فى عصبية متحاشية النظر الى أمها ، فتح الباب من جديد وتمنت ألا يكون خالها ،ولم يكن هو بل رنا ابنته التى تطيق اى كائن حى فى هذا العالم وتتقبله الا ندى ، حدقت بها رنا بنظرة لم تفهم ندى لها معنا ودون القاء سلام حتى قالت ” بابا بيقولكو الضيف وصل ومستنى بقالو كتير ”
ابتسمت ام ندى وقالت ” قوليلو نازلين حالا يا حبيبتى ”
نظرت رنا الى ندى من جديد فى غيظ وأغلقت الباب ، تطلعت ندى الى الباب للحظات قبل ان تلقى بالفرشاة  وهى تغمغم ” ناقصاكى هيا انتى كمان ”
اما امها فمسحت على شعرها قائلة ” يلا يا ندى ..قابليه على الاقل وبعدين قررى ” ”
لم تجب ندى فواصلت امها فى رجاء ” عشان خاطرى يا بنتى مش هتخسرى حاجة ”
ضغطت ندى بأسنانها الامامية على شفتها وقالت ” حاضر يا ماما هروح أقابله ” ووضعت جبينها بين سبابتبها وابهامها وهى تضيف ” ممكن بقا تسيبينى اجهز ، تهللت أسارير أمها اخيرا وربتت على كتفها قائلة ” ربنا يهديكى يا حبيبتى ” ، راقبتها ندى حتى اغلقت الباب ، متى ستنتهى من هذا ، لماذا لا يريد احد ان يفهم انها لا تريد الزواج بتلك الطريقة ؟، لماذا الضغط المستمر؟ ، تنهدت فى الم لو لم يحدث كل ماحدث لما تجرا خالها على التدخل فى حياتها على هذا النحو ، نظرت الى صورتها فى المرآة فى تحدى حسنا ستنهض لتقابله وتمارس هوايتها المفضلة فى ”تطفيش العرسان ”، وخالها العزيز يستحق هذا الاحراج مع ضيوفه ، طالما يصر باستمرارعلى التدخل فى شئونها .
*********************************************************************************
أنهى عمر المكالمة سريعا مع شقيقته حين اصطدم بفتاة تحمل بيدها كوبا ساخنا من الشاى وقد  سكبت محتوياته علي ملابسه التى أخذ ينظر اليها وقد اغرقها الشاى تماما ، رفع عمر نظره الى الفتاة الواقفة امامه وهى تحمل الكوب الفارغ بيدها وتتطلع الى ملابسه بدورها فقال  وهو يبسط كفه امامه محاولا الا يسبب لها الحرج ” ولا يهمك حصل خير ” ، عقدت الفتاة حاجبيها فى ضيق وهى تقول ” انا معتذرتش على فكرة ..سيادتك اللى ماشى نايم ” ، تأملها عمر فى دهشة من رد فعلها الغريب وهتف ” افندم ” ، واصلت الفتاة بلهجة قاسية ولا تحتمل التردد ” بعد كدة لو مبتعرفش تركز وانت بتتكلم فى التليفون ابقى اقف فى جنب لحد ما تخلص ” ، تراجع عمر فى دهشة اكبر من كلماتها ، فهو من سكبت عليه شايها الساخن واغرقت ملابسه ، وهو الاولى بتعنيفها ، وحين وجدت الكلمات مخرجها الى شفتيه، كانت الفتاة قد اختفت من امامه ، رآها فى آخر الممر تلقى بالكوب فى سلة المهملات لتختفى بعد ذلك فى طرقة من طرقات المشفى ، تنهد بعمق محاولا ان يرخى اعصابه من تصرف تلك الفتاة الغريب والبعيد عن اللياقة تماما ، نظر الى ملابسه التى تحتاج الى تغيير وهو يتمتم ” شكلها بداية مش حلوة خالص ” ، عاد الى غرفة الأطباء من جديد ليبدل ملابسه ، من الجيد أنه احضر ملابسا اضافية تحسبا للظروف ، نظر الى ساعته وزفر فى ضيق لا يريد ان يتأخر فى اول يوم له .
دخل عمر غرفة الاستقبال الخاصة بالأطفال فوجد هناك شاب انيق يكتب روشتة لحالة ويشرح لها طرق العلاج وتتابعه الام فى اهتمام ، انتظر حتى انتهى من عمله وحياه وهو يعرفه بنفسه ، عرفه الآخر ببنفسه ” مصطفى ..زميلك هنا ..“ وأضاف وهو يميل عليه بابتسامة ” ايه اللى رماك ع المستشفى دى ” ، وضع عمر يده فى جيبه وابتسم بدوره قائلا ” وزارة الصحة ..بيقولو عندكو عجز ” ابتسم مصطفى وهو يخلع معطفه الابيض قائلا ” ده حقيقى وفى كل التخصصات كمان ..احنا هنا اطفال ..بس ساعات بننزل نسد العجز فى الاستقبال العام ” رفع عمر حاجبيه وخفضهما وهو يصطدم بالواقع فابتسم مصطفى وهو يلوح بكفيه ” مع الوقت هتتعود ” وأضاف وهو يتجه الى الباب ” انا كدة خلصت نبطشيتى ..استلم انت بقا وفيه دكتورة كمان معاك ” ، دخلت فتاة فى العشرينيات من العمر ترتدى زى التمريض وحيت مصطفى فبادلها تحيتها وأشار بعينيه الى عمر وهو يقول ” دكتور عمر جديد معانا هنا ”
حيته الفتاة ورحبت به وهى تقول ” ان شاء الله ترتاح فى المستشفى معانا هنا يا دكتور ” ، ربت مصطفى على كتفه وهو يقول ”دى أسماء الممرضه اللى معاك فى الشيفت ” ، هز عمر رأسه وحياها بدوره فطوى مصطفى المعطف الخاص به وهو يقول ” استأذن انا بقا ..سلام ”
تابعه عمر حتى خرج وجلس على المكتب وهو يقول لأسماء التى اخذت تعبث بالورق أمامها ” مش فيه دكتورة معايا المفروض ..مجتش ليه ؟؟“
ردت أسماء ” لا هيا موجودة من بدرى ..بس راحت تتابع حالة فى العناية ” ثم واصلت ترتيب الاوراق امامها وألقت نظرة الى الباب ثم اليه وهى تقول بصوت منخفض ” دكتورة ياسمين على اد ماهى شاطرة ..على اد ماهى غريبة ” ، حك عمر جبينه بيده قائلا ” غريبة ازاى يعنى ؟؟“ لم ترد أسماء فرفع عمر نظره اليها مستفهما فوجدها تنظر الى الباب وتقول بابتسامة ” دكتورة ياسمين جت ” ، ثم توجهت برأسها الى عمر قائلة ” دكتور عمر جديد معانا هنا ” ، استدار عمر فى هدوء ليواجهها فأصابه الذهول حتى انه نهض من مكانه ، لم يعد بحاجة الى اجابة اسماء عن سؤاله لقد عرف الاجابة بوضوح فلم تكن ياسمين سوى الفتاة الفظة التى سكبت عليه الشاى وعوضا عن الاعتذار عنفته كطفل ، وجدها تقول فى روتينيه ودون ان تكلف نفسها حتى ان ترسم ابتسامة على شفتيها ” اهلا وسهلا ” ، لم يرد عليها ولم يظهر عليها اى ضيق من هذا ، جلس على مقعده من جديد وزفر فى ضيق وأيقن انها بداية غير مبشرة تماما ، اذ انه سيتعين عليه ان يقضى مع غريبة الاطوار هذه جل أوقاته .
**********************************************************************************
قابلت ندى خالها فى طريقها الى غرفة الصالون الانيق بفيلته الخاصة التى تعيش فيها مع والدتها ، ابتسم لها خالها واقترب ممسكا بكتفيها وهو يقول ” المرة دى عايزين اخبار حلوة ” ، أشاحت ندى بوجهها الى الجهة الاخرى وعادت تواجهه وهى تتصنع الابتسامة وتقول ” على حسب يا خالو ” ، أنزل خالها ذراعيه من على كتفها وتلاشت ابتسامته قائلا ” كل مرة على حسب ..مش عاوزين نبطل دلع ولا ايه ” عقدت ندى ساعديها وهى تقول ” والله لو حضرتك شايف ان مستقبلى بالنسبالك دلع فانا مش شايفاه كدة خالص ” ، أشار خالها بسبابته الى الباب وهو يقول ” اللى جوا ده اى بنت فى مصر تتمنى بس انه يبصلها ” ، هزت ندى كتفيها وقالت ببساطة ” خلاص لو انا رفضته يتجوز اى واحدة منهم ” ، ضرب خالها قبضته بكفه الآخروهو يقول ” مش وقته الكلام ده ..الراجل جوة من الصبح ” ، هم بالمغادرة فسألته ندى ” هتسينى معاه لوحدى ” ، تابع خالها طريقه وهو يلوح بكفه قائلا ” انتى عارفاه ” ، مررت ندى يدها فى شعرها وهى تردد ” عارفاه ؟؟“ ، راقبت خالها حتى اختفى وتنهدت فى حزن قائلة ” الله يرحمك يا بابا ” ، لم تعرف ندى حنانا من بعد أبيها ، موته المفاجىء وكل ما تلا موته لم يكن أبدا بالصدمة الهينة ، لو كان الى جوارها ما تجرأ خالها ولا غيره على التدخل فى حياتها على هذا النحو ، نظرت الى باب الصالون واتجهت اليه لتفتحه فى رفق فوجدت شخصا يقف فى الشرفة موليا اياها  ظهره ، طرقت الباب ليستدر لها وهى تقول ” مساء الخير ” ، تراجعت من المفاجأة  وهى تراه امامها ” أدهم ” ،وادهم هو ابن اقرب الاصدقاء الى أبيها رحمه الله وتعرفه منذ سنوات ولقد اخبرته مرارا انه مثل عمر تماما حتى ظنته مل منها ، ولكن ماهذا الذى يفعله اليوم ولماذا لم يخبرونها انه هو ؟، ابتسم ادهم وهو يتأمل تعبيرات وجهها قائلا ” المفاجأة حلوة ولا ؟؟“ ، لم ترد ندى وعقدت ساعديها امامها فى غضب ، حك ادهم جبينه بيده وهو يقول ” يبقى ولا ”
اقتربت منه ندى خطوة وهى تقول ” انت بتهزر يا أدهم ؟؟“
التقط زهرة من باقة الزهور التى احضرها قائلا ” انتى شايفة كدة ؟؟“
واصلت ندى فى لهجة صارمة ” انت ليه مقولتليش انك جاى ..وهما كمان محدش فيهم عرفنى انه انت اللى ..“
أخذ ادهم يعبث بالزهرة فى يده وجلس قائلا فى هدوء مستفز ” كنت عايز اعملهالك مفاجأة ”
امالت ندى رأسها الى الجهة اليمنى قائلة ” بقا كدة ؟؟...بتحطنى قدام الامر الواقع ..ماشى يا ادهم انا مش موافقة ..وبكررهالك تانى وتالت انت زى عمر ”
استرخى ادهم فى مقعده فى ثقة وكأنه كان يتوقع كلماتها فاستفزها اكثر ، تذكرت ندى نظرة رنا التى رمقتها بها قبل قليل الآن عرفت السبب ، رنا مولعة بادهم وحاولت بكل السبل لفت نظره دون جدوى ، وندى كانت شبه واثقة ان ادهم يعلم بمشاعر رنا تجاهه ويتجاهلها فالتقطت نفسا عميقا وهى تقول فى هدوء ” ادهم ..ايه رأيك فى رنا ؟؟“
ادار ادهم حدقتى عينيه يمينا ويسار وقال ” مالها ؟؟“
تمشت ندى خطوتين حتى وصلت الى كرسى قريب استندت عليه بكفها وقالت ” يعنى بنوتة جميلة ورقيقة وبنت ناس ” ، وأضافت بابتسامة ” وبتعزك جدا ”
ضحك ادهم وهز رأسه قائلا ” رنا دى عيلة مش فاهمة حاجة ”
انحنت ندى الى الامام وهى تقول ” رنا مش عيلة رنا عندها تسعتاشر سنة ”
قطب ادهم حاجبيه فى مزاح وهو يقول ” والله ...كنت فاكرها عندها تمنتتاشر ونص ”
ضربت ندى الكرسى بيدها وهى تقول ” انت مبتعرفش تتكلم جد أبدا ”
وضع ساقا على الاخرى وهو يقول ” ده انا اللى بهزر المفروض مش انتى ” ، أشاحت وجهها عنه فى ضيق فنهض ادهم وجلس على المنضدة المقابلة لكرسيها قائلا ” ندى ” وأطرق ارضا ليرفع رأسه من جديد وهو يقول فى جدية امتزجت بقلق غريب ” انتى ..فيه حد فى حياتك ” ، تفاجأت ندى بالسؤال وازدردت ريقها وشعرت بحرارة شديدة تسرى فى جسدها ولكنها قاومت كل ذلك وتنفست فى عمق قائلة ” لا طبعا ” ، انفرجت أسارير ادهم وقال وهو يبسط كفيه ” هايل ” ثم نهض وتمشى فى المكان حتى وصل الى الشرفة قائلا ” لو اتحديتك فى حاجة تقبلى التحدى ؟؟“
رفعت ندى حاجبيها فى دهشة وهى تقول ” اتحداك فى ايه ان شاء الله ”
التفت لها قائلا بابتسامة ” تقبلى خطوبتى ليكى دلوقتى ” حاولت ندى مقاطعته فأشار لها بكفه لتصمت وهو يواصل ” وانا متاكد ان هخليكى تحبينى وهتيجى بنفسكك وتعترفيلى بده ”
تاملته ندى للحظات قبل ان تنفجر فى الضحك وقالت وهى تحاول السيطرة على نفسها ” ادهم انت مجنون ؟؟..ايه الكلام اللى انت بتقوله ده ؟“
هز ادهم كتفيه وهو يقول ” يا ستى انا مجنون خدينى على قد عقلى ”
مسحت ندى بيدها الدموع التى نتجت عن الضحك وهى تقول ” انا عن نفسى مش بجنانك ده ”
اقترب ادهم منها وانحنى قليلا ليقول ” لو واثقة ان مشاعرك مش هتتغير ليه خايفة تتحدينى ”
ابتسمت فى سخرية وهى تقول ” خايفة !!“
قال فى تحد ” اومال ايه ؟؟“
لوحت بكفيها  وهى تمط شفتيها قائلة ” هيا مش حكاية خوف ..بس الكلام مش منطقى خالص ”
زفر ادهم وجلس على مقعده من جديد وهو يقول ” لو انا خسرت التحدى وانتى محبتنيش خلاص اوعدك ان كل حاجة بينا هتنتهى وهخرج من حياتك للابد ..بس ادينى وادى نفسك فرصة ”
قامت ندى وتمشت فى المكان قليلا وهى تقول ” فرصة اد ايه ”
راقبها قائلا ” زى ما تحبى ...زى ما استنيتك فى اللى فات مش صعب استناكى فى اللى جاى
التفتت اليه قائلة ” ولو خدت وقت طويل واكتشفت وقتها انى مش قادرة ”
ابتسم وقال فى بساطة ” ننهى كل حاجة ومش هبقا زعلان ” ، تمشت ندى فى اتجاه الشرفة ووقفت وهو يقف خلفها واضعا يده فى جيب سترته الانيقة قائلا ” هوا ده الديل يا ستى ...ها ايه رأيك ”
شردت ندى للحظات ربما كانت فرصة جيدة للتخلص من خالها وتحكماته وللهروب من نظرات امها العاتبة دوما والاستجمام من الاشخاص الذين يفرضون عليها للجلوس معهم والحديث اليهم لتختار منهم زوجا كما يخبرها خالها ، هى موقنة انها لن تحمل اى مشاعر تجاه ادهم رغم اصراره وثقته التى لا تعلم من اين جاء بها ، التفتت اليه فوجدته يمد يده لها بالزهرة التى كان يعبث بها فابتسمت وهى تلتقطها منه قائلة ” موافقة يا ادهم ..قبلت أشارككك جنانك ده واتحداك ” .
*********************************************************
” لسة فيه حالات برة ” ، قالها عمر وهو يشرأب بعنقه محاولا ان يسلل نظراته عبر الباب ، فقالت أسماء وهى تراجع الاوراق فى يدها ” متهيألى خلاص كدة ..الدنيا هتبدأ تهدى شوية ”
مط عمر ذراعيه فى تكاسل وهو يختلس النظر الى ياسمين التى أخذت تعبث فى هاتفها ، فكر ان يذيب الجليد بينهما ويبدأ هو معها الحوار متناسيا ما فعلته منذ ساعات ، دق بأصابعه على المكتب باحثا عن أى كلمات ثم قال بابتسامة وهو يلتفت اليها ” دكتورة ..حضرتك فى المستشفى هنا من زمان ؟؟“ ، صمتت لحظات كأنها لم تسمعه وبعدها ردت دون أن ترفع نظرها من  الهاتف ” من سنة تقريبا ” ، ورغم برود ردها أراد ان يمنحها فرصة أخرى فقال محاولا الحفاظ على ابتسامته ” انا برضه مستلم من سنة ..يعنى أكيد احنا دفعة واحدة ” ، رفعت نظرها اليه هذه المرة ورمقته بنظرة أغاظته قبل ان تهز رأسها معاودة النظر فى الهاتف من جديد وهى تقول ” ممكن ”
تلاشت ابتسامة عمر وهو يحك جبينه بيده ، ليس هناك أمل على الاطلاق ، أخرج هاتفه بدوره ليضيع الوقت ، وما أن اخرجه حتى رأى ثلاث مكالمات فائتة من ندى شقيقته وتذكر انه اغلق الهاتف فى وجهها دون ان يخبرها بالسبب ولابد انها قلقة للغاية ، استأذن منهن ليجرى مكالمته ، حين خرج الى ردهات المشفى لم يكن هناك اى تغطية لذا فقد خرج الى الحديقة ليجرى اتصاله ، لم تعط ندى الهاتف فرصة ليرن اذ فتحت المكالمة سريعا وهى تقول فى قلق ”عمر ..انت فين وتليفونك مغلق ليه ”
رد عمر وهو يجلس على احد المقاعد فى المشفى ”المكان هوا اللى مفيهوش شبكة انا مقفلتش التليفون ولا حاجة ”
قالت فى قلق :ـ ايه اللى حصل عندك
تنهد عمر وهو يسترخى فى مقعده قائلا ” ابدا شكلها مش بدايه مشجعة خالص ”
ـ ليه ؟؟؟
امتعض وجهه وهو يقول ” شخصية سخيفة كدة اتفاجأت انها زميلتى فى الشغل ”
ـ وايه يعنى انت هتصاحبها دى مجرد زميلة
هز عمر رأسه قائلا ” تمام ..قوليلى انتى ايه اللى لسة مصحيكى لدلوقتى ..انا قولت زمانك شبعتى نوم ”
صمتت ندى للحظات وسمع صوت تنهيدتها وهى تقول ” ادهم ”
اعتدل عمر قائلا ” ماله ؟؟“
ـ انا وافقت على خطوبته
رفع عمر حاجبيه فى دهشة وصمت لحظات قبل ان يقول ” وافقتى على ايه ؟؟؟“
ـ زى ما سمعت يا عمر
زفر فى ضيق وقال ” وايه الللى اتغير بقا ان شاء الله عشان توافقى ”
قصت ندى له كل مادار بينها وبين ادهم وما ان انتهت حتى قال وهو يضغط بيده على الهاتف فى غضب ” على فكرة انا من حقى انبهك ”
ـ تنبهنى ..وكأن ادهم مش أقرب صاحب ليك
واصل فى جدية وكأنه لم يسمعها ” ممكن جدا تكون الخطوبة دى لاسباب تانية
ـ أسباب تانية ؟؟؟
قال فى جدية :ـايوة ..هروب مثلا ....هروب من ضغط خالك وماما“ وصمت لحظة قبل ان يضيف ” ومن كل اللى فات ”
لم ترد ندى فقد قرأ عمر ما يدور بداخلها كأنه تسلل الى أفكارها وجوارحها ، ولكن هكذا هو دائما ماذا عساها ان تفعل
واصل عمر فى صرامة ” سكوتك معناه ان كلامى صح ..ندى بلاش تظلمى ادهم ”
رفعت ندى صوتها وهى تقول ” انا مظلمتوش يا عمر ولا كدبت عليه ..مش عاوزها تحدى ..هدخل التحدى وهوا هيخسره ومش هيفكر فيا تانى ويبعد عنى ويشوف حياته كدة احسنله ”
عاد عمر بظهره الى المقعد قائلا ” مشاعر الناس مش لعبة يا ندى ”
حاولت ندى بشتى الطرق ان تشرح لعمر ما يدور فى خلدها ولكنه كان مصرا على رأيه الذى لم يفرضه عليها كعادته فهو صديقها الوفى منذ الطفولة وهى أقرب الناس اليه وهو يحاول ان يعوضها باستمرار فقدانها لابيها وابتعاده عنها بعد وفاته ، فقد أخذ قراره بعدم الاقامة فى بيت خاله واستأجر لنفسه شقة صغيرة وظاهر الاسباب هو الا يقيد حرية بنات خاله فى بيتهن ، اما باطنها فهو كراهية عمر لدور السيطرة الذى مارسه خاله عليهم منذ وفاة ابيهم بحجة حرصه على صالحهم ، ولقد فكر فى أخذ ندى لتقيم معه ولكنه تراجع فهى لم تألف الحياة البسيطة مطلقا ، فقد تعودت منذ نعومة أظافرها على الحياة الرغدة المنعمة والخدم ولكن كل هذا قد انتهى ومرو جميعا بتجربة أليمة .
لم يدر كم مر عليه من الوقت ، كان يحتاج بشدة لهذه الجرعة من الهواء النقى ، وبعضا من الاسترخاء ليستعد نشاطه ويكمل نوبته الليليه ، نظر الى هاتفه ليعرف الوقت ، لقد قضى ما يقرب من ساعة ونصف فى هذا المكان ، نهض من مكانه ومط يديه فى كسل عائدا الى غرفة الاستقبال ، وبمجرد ان اقترب سمع صوت جلبة وشجار ، سارع الخطوات أكثر فوجد ياسمين واسماء يتشاجران مع بعض اقارب المرضى ، ومن الحديث أدرك ان هناك احدا حاول تجاوز دوره ، تدخل عمر وفض الاشتباك بحكمة ، بينما رمقته ياسمين بنظرة غاضبة لم يلحظها وهو يجلس على مكتبه ويطلب من أسماء بان ترتب الحالات بينهما من جديد لينتهى الأمر ، وبعد ساعتين عاد الهدوء من جديد للمكان ، تفاجىء عمر بياسمين تقف امامه وتقول بصوت أشبه بالصراخ ” هوا حضرتك جاى هنا ليه ؟؟“
تفاجىء عمر بالسؤال وتفاجىء اكثر بالطريقة فقال فى دهشة ” أفندم !!!!“
فواصلت وهى تضغط على أسنانها فى غيظ ” المفروض انك جاى هنا تشتغل ...عشان المرضى مش عشان تسيب المكان وتخرج ومنعرفش روحت فين ”
شعر عمر بغضب حقيقى من لهجتها فنهض لمواجهتها قائلا ” انا لما خرجت مكنش فيه حد هنا وهيا مجرد ساعة ..وياريت يا دكتورة تكلمينى بطريقة احسن من كدة ”
ابتسمت فى سخرية قائلة ” عاوزنى اكلمك ازاى واهل الاطفال كانو هيكسرو المستشفى علينا ”
هنا ضرب عمر المكتب بيده وهو يقول ” عاوزة تفهمينى انك مش بتخرجى من الاوضة تماما ..مش بتاكلى مش بتشربى مش بتردى على تليفونك ”
هنا تدخلت أسماء لتحسم الخلاف وقالت بصوت لطيف مرتعد ” دكتور عمر ..معلش دكتورة ياسمين قصدها يعنى لو كنت سيبت رقم تليفونك هنا ..بحيث لو خرجت وحصلت مشكلة نقدر نكلمك ”
وجه عمر نظرة اخيرة لياسمين حوت كل مايحمله لها من غضب ونظر الى أسماء وسألها اين يمكنه ان يسجل رقمه ، وقف على الباب لحظات وبعدها استدار لاسماء من جديد قائلا ” مفيش حالات برة والمكان هنا يخنق ...انتى معاكى رقمى لو جت اى حالة رنيلى ”
وقبل ان يغادر ألقى نظرة على ياسمين التى كانت تتابعه فى غيظ  وكأنها ستقول شيئا او ستعترض ولكنه لم يمهلها وذهب .

*************************************



رابط الفصول

الفصل الأول أعلاه

الفصل الثاني






sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية خيوط القدر (الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )

مُساهمة  sara elmasry في الثلاثاء سبتمبر 25, 2018 4:16 pm

  الفصل الثانى
أخذت مرام ترصف الملابس فى الخزانة فى نظام حين خرج سليم من المرحاض وهو يجفف رأسه بمنشفه ويتابعها بابتسامة هادئة وما إن شعرت به حتى التفتت له قائلة فى حب ” حمد لله ع السلامة يا حبيبى ” ، ألقى سليم بالمنشفة جانبا ووقف أمام المرآة يمشط شعره وهو يقول ” عجبتك الفيلا ؟؟“ ، ابتسمت وهى تحتضنه من ظهره قائلة ” اى حاجة بتعملها او بتختارها دايما بتعجبنى ” ، استدار لها وقبل وجنتها قبلة سريعة قبل ان يفتح خزانة الملابس ليبحث عن شىء يرتديه وهو يقول ” الشغل هنا فى القاهرة هيكون احسن وافضل من اسكندرية بكتير ” ، ابتسمت مرام وجلست على حافة الفراش قائلة ” مفيش حد غيرك كان ممكن يخلينى اسيب اسكندرية ابدا ولو حتى مين ” ، وضع سليم الملابس جانبا وجلس الى جوارها قائلا وهو يضع رأسها على صدره ” صدقينى يا حبيبتى كدة احسن ” ، اعتصرت مرام عينيها لتتجاوز ألما بداخلها وقالت ” هنفتتح الشركة امتى ؟؟“
هنا رفع سليم حاجبيه وهو يقول ” آه فكرتينى فى حاجات كتير لازم تطلعى عليها قبل ما ننفذها ”
تنهدت مرام وهى تستند بكفيها الى حافة الفراش قائلة ” سليم انا قولتلك قبل كدة أعمل اللى انت عاوزه وعاملالك توكيل عام ”
ابتسم سليم قائلا ” بس دى فلوسك يا مرام ولازم تعرفى كل قرش فيها بيروح وييجى فين ”
رمقته مرام بنظرة عاتبة وهى تقول ” تانى يا سليم ..مش قولنا ميت مرة فلوسى هيا فلوسك وبعدين لولا مجهودك وتعبك كان زمان كل الفلوس دى ضاعت بعد وفاة بابا الله يرحمه ”
لوح بكفيه قائلا ” بس يا مرام دى مسئ..“
قاطعته وهى تضع سبابتها على فمه قائلة ” خلاص بقا ..انا مش عاوزة يكون ليا اى صفة فى الحياة غير انى أكون مراتك وحبيتك وبس ..كدة كفاية عليا اوى ”
ابتسم سليم وهو يمرر يده على جانب وجهها قائلا ” بس انا عاوز حاجة كمان مراتى وحبيبتى وأم ابنى او بنتى ”
تلاشت الابتسامة من على وجه مرام وأطرقت أرضا فرفع سليم وجهها بسبباته قائلا ” مالك يا حبيبتى ؟؟“
أشاحت مرام بوجهها قائلة ” مفيش..بس مش ملاحظ انك مستعجل اوى ”
مرر يده فى خصيلات شعرها الاسود المسدل قائلا ” احنا بقالنا تسع شهور متجوزين وانا نفسى اشوف ولادى منك بقا ”
هزت مرام رأسها ونهضت الى الخزانة من جديد لتعيد رصف الملابس قائلة ” ان شاء الله ”
سمعته يناديها فى حنان ” مرام ”
التفتت اليه فى بطء فقال وهو ينهض ليقترب منها ويحيط خصرها بذراعه فى تلقائية ” آسف لو كنت ضايقتك بس عايزك تعرفى انى بحبك انتى وعايز أخلف منك انتى مش عاوز اخلف وخلاص ”
رفعت مرام رأسها اليه وسددت نظراتها الى عينيه فى دقة وكأنها تقيده بهما فلا يستطع الافلات وقالت ” سليم انت بتحبنى ؟؟“
أطرق سليم برأسه فى دهشة وقال ” مرام ايه السؤال ده ؟؟“
وضعت وجهه بين كفيها لتثبت نظراتها عليه أكثر كأنها تختبر صدقه ” بتحبنى يا سليم ؟؟“
شعرت بأنفاسه الساخنة تكاد تحرق وجهها وهو يرد ” طبعا يا مرام بحبك ومقدرش أتخيل حياتى من غيرك ”
اتسعت حدقتيها وثبتت رأسه اكثر بكفيها وهى تقول ” يعنى عمرك ما هتسيبنى أبدا ”
صمت سليم للحظات وهو ينظر الى عينيها يحاول ان يبحث عن سبب لتلك الحالة التى تعتريها دون ان يرد فهتفت ” سليم ”
رد بسرعة ” عمرى يا مرام ..مقدرش أصلا ”
تشبثت بملابسه ونقلت يدها من على جانبى وجهه لتحيط بها خصره وهى تقول بصوت يشوبه البكاء والضغف ” اوعى تسيبنى يا سليم اوعى انت بقيت كل حاجة فى حياتى ”
احاطها بذراعيه وضمها أكثر ليبثها الامان متعجبا من حالتها ، مرام دائما قوية وهذا ما جذبه اليها ، لم يرها على هذه الحال الا نادرا ، ترى مالذى أصابها ؟؟

********************************************************************************
تعلقت العيون بها وهى تخطو فى ثقة هادئة الى عملها ،لم تتعمد يوما ان تلفت الأنظار ولكن كيف تغض الابصار عنها ، فهى جميلة بشكل يفوق الطبيعة ، بشرتها بيضاء بنعومة ورقة وصفاء بشرة الأطفال  ، عينين واسعتين زرقاوين صافيتين كالسماء تكاد اهدابها من طولها تصطدم بحاجبيها ،شفاة رقيقة فى لون الكرز، وشعر كستنائى فاتح طويل ومسدل ، هى أشبه بلوحة فنية فريدة يكاد يجزم كل من يراها على انها أجمل انثى وقعت عليها عيناه وعلى الرغم من ان الجمال يفتح كل الابواب الموصدة الا انها كانت تشعر بالضيق من تعامل الكثيرين معها على انها مجرد دمية جميلة بلا روح تستحق ان تعشق أكثر ، تربت مع اخيها عمر فى مدارس أجنبية الا انها اختارت اللحاق بجامعة القاهرة كتجربة جديدة لتدرس  بكلية الهندسة ، ربما كان قرراها صائبا فلو لم تفعل لما استطاعت ان تواصل دراستها فى جامعتها الخاصة بعد تلك الازمة المالية التى لحقت بأبيها وتسببت فى موته بعد ان فقدو كل ما يملكوا ، البيوت والسيارات والمجوهرات كل شىء ، فقدت الاسرة العائل والمال فى آن واحد ، لم يكن امامهم سوى الانتقال الى بيت خالهم الذى كان ثريا بدوره ، انتهزها فرصة للنيل من ابيهم الذى لم يكن يكن له اى حب وتدخل فى حياتهم بشكل لم يفعله حتى والدهم الراحل ، لم تكن ندى تثقل عليه ولا تشعر برغبتها فى طلب اى شىء منه فعاشت حياة اقرب الى التقشف ، لم تعد ترتدى الملابس باهظة الثمن ولم يعد بامكانها تصفيف شعرها كل فترة عند صالون التجميل ذى التكاليف الباهظة ولكن بدأ كل ذلك يتغير حين التحقت بعملها الجديد وأصبح لها راتب شهرى يمكنها العيش به ليس كحياتها السابقة بالطبع ولكن حياة تستطيع التلائم معها .
*******************************************************************
ألقى عمر بسماعته الطبية  فى عصبية على المكتب فرفع مصطفى رأسه له مبتسما ” ايه مالك السهرة لسة مبدأتش ؟؟“
حك عمر رأسه للحظات واستدار ليواجه مصطفى قائلا ” بقولك ايه يا درش ..متقدرش تخدمنى فى حاجةكدة ؟؟“
ضيق مصطفى عينيه للحظات ليدقق النظر فى وجه عمر ثم أطلق صفيرا عابسا قال بعده ” لا انسى كله الا ده ”
ضرب عمر كفيه ببعضهما قائلا ” انت عارف انا هقول ايه الاول ؟؟“
ابتسم مصطفى ابتسامة أقرب الى الضحك وهو يقول ” عايزنى ابدل النبطشيات واخد مكانك صح ؟؟“
تراجع عمر فى دهشة وهو يقول ” وعرفت منين ؟؟“
ضحك مصطفى بصوته كله قائلا ” ما هو أسبوع شغل مع ياسمين لازم ده يكون طلبك ”
جلس عمر وهو يعبث باوراق أمامه فى عصبية قائلا ” طيب انا مستعد اشيل اى شغل اضافى بس حد يشيل بدالى الشفت ده ”
قال مصطفى وهو يخلع معطفه الابيض ” مفيش حد هيوافق يبدل معاك ..ريح نفسك بقا وارضى بنصيبك ”
مط عمر شفتيه فى دهشة قائلا ” للدرجادى هيا وحشة ”
قطب مصطفى حاجبيه وهو يقول ” وحشة ؟؟..مين دى اللى وحشة ؟؟...انت نظرك ضعيف ولا ايه ..دى صاروخ أرض جو ..دى قمر يا بنى ”
صمت عمر للحظات كأنه يتعجب من عدم ملاحظته ذلك وعدم تحققه من ملامحها وواصل فى احتجاج ” ولما هيا قمر وصاروخ وطيارة وكل ده مش عايز تروح وياها ليه وتبدل معايا ”
رد وهو يهز كتفيه ” عشان اللى انت شوفته منها فى أسبوع ده يخلى اى حد يستغنى عن جمالها ”
هز عمر رأسه فى يأس وأخذ يخدش على الورق فى عشوائية ، ربت مصطفى على كتفه وقال مشاكسا ” معلش مضطر اسيبك ..بس دقيقة وهتلاقى ياسمين هنا تونسك ” واطلق ضحكة عالية عابسة أغاظت عمر فالتقط حاوية الاقلام أمامه ورماه بها فأخطأته وسقطت على بعد سنتيمترات قليلة من قدم ياسمين التى كانت على وشك الدخول ، انتفضت انتفاضة خفيفة تخلصت منها بسرعة وشدت قامتها من جديد ، ازدرد مصطفى ريقه فى توتر وابتسم فى خجل قائلا ” آسف ” وابتعد بسرعة من أمامها وبعد خطوات التفت الى عمر من جديد وكانت ياسمين تعطيه ظهرها فابتسم وهو يخرج لعمر لسانه ، هنا ضحك عمر فوصل صوت ضحكته الى ياسمين ، لترمقه بنظرة عبوس لم يعرف غيرها منها منذ ان رآها ،التفتت الى مصطفى الذى كان لايزال واقفا يشير الى عمر بكفيه بحركات طفولية ، رفعت حاجبها ورمقته بنظرة صارمة فتراجع فى خطوتين الى الخلف واعطاها ظهره وبدأ فى المشى بسرعة ، هنا عادت هى الى مكتبها بعد ان نظرت الى عمر وهزت رأسها فى سخرية.
جاءت ممرضة جديدة لم يرها عمر من قبل وياسمين لم تهتم بتقديم كل منهما للاخر كما كان يفعل مصطفى  ، قالت الممرضة بصوت خفيض وهى تنظر الى عمر بغرابة ” مساء الخير ” ، ردت ياسمين دون ان ترفع عينها من الاوراق التى كانت معها بينما ابتسم عمر قائلا ” مساء النور انا دكتور عمر ..جديد هنا على فكرة من أسبوع ”
ابتسمت الممرضة قائلة ” اهلا يا دكتور انا سمية ”
وأضافت وهى تدقق النظر به ” نورت هنا يا دكتور ان شاء الله ترتاح معانا و..“
قاطعتها ياسمين قائلة ” سمية رتبى الورق ده يلا وابدأى دخلى العيانين ”
نظر لها عمر فى غيظ ، حقا لديها قدرة غريبة على الاستفزاز بل وتفتقد لأبسط قواعد اللياقة والأدب ، ولكنها أيضا ...جميلة كما أخبره مصطفى ، تأملها دون قصد ربما ليكذب ادعاء زميله ويؤكد لنفسه ان مخلوقة بهذه الفظاظة لا يمكن ان تمتلك اى جمال يذكر ، ولكنها حقيقة واضحة وضوح الشمس ، لم تكن تضع أيا من مساحيق الزينة حجابها كان بسيطا تماما كملابسها ،عينيها على مايبدو عسليتان وانفها دقيق وبشرتها بيضاء نضرة ، تطلع الى يديها فى روتينية وابتسم فى سخرية حسنا الجمال وحده لا يكفى فليس هناك أحمقا فى هذا العالم يستطيع احتمال فظاظتها تلك وان كانت حتى اجمل جميلات هذه الدنيا .
مر الوقت سريعا هذه المرة فضغط العمل كان أصعب من كل ليلة ، نظر عمر الى ساعته لقد انتهت النوبتجية ولم يتبقى سوى حالة واحدة اشارت لها سمية بالدخول ، نظر الرجل الى ياسمين وهى تخلع معطفها فاتجه بطفله الى عمر الذى كان قد فحص هذه الحالة من قبل من أيام ، تفاجىء ان الطفل يتناول علاجا غير الذى وصفه له وحين سأله عمر فى ضيق اخبره الرجل ان ياسمين هى من قامت بتغيير العلاج ، لم يحتمل عمر هذا لقد تجاوزت هذه الفتاة كل الحدود ، شعر بالغيظ ولحق بها قبل ان تغادر وناداها فالتفتت له وقالت فى نفاذ صبر ” افندم فيه حاجة ”
تجاوز قلة ذوقها التى اعتاد عليها وقال وهو يشير بالروشته فى يده ” ممكن افهم حضرتك ازاى تدخلى فى شغلى وتغيرى العلاج لحالة مريض متابع معايا انا ؟؟“
تناولت ياسمين الورقة من يده ومالبثت ان ان قرأتها حتى اعادتها اليه وهى تبتسم فى سخرية ” العلاج اللى انت كاتبه مبيجيش معاه نتيجة غير ان المريض عنده حساسية من البنسلين ..الطفل ده انا عارفاه من اول ما جيت هنا وعارفة كل الادوية اللى خدها ”
قال وهو يعقد حاجبيه وغيظه يزداد حتى ليكاد يفتك بها وابتسامتها الساخرة تزيد حنقه أكثر ” حتى لو كدة ..حضرتك كان لازم ترجعيلى وتفهمينى ده مش تغيرى للمريض العلاج من غير ادنى احترام لزميلك ..فى حاجة اسمها آداب مهنة ”
أشاحت ياسمين بوجهها للحظات وقالت وهى تعقد ساعديها وتنظر اليه من جديد ” لو مبتعرفش تاخد تاريخ مرضى من الحالة فدى مشكلتك انت مش مشكلتى ...وانت وزميلك المحترم بحركاتكو المكشوفة دى اخر اتنين تتكلمو عن آداب المهنة ”
طوى عمر الورقة بيده واطبق عليها بشدة حتى  كورها تماما  قائلا ” بصى يا دكتورة ..انا معرفش انتى بتتعاملى معايا كدة ليه ..وانا حاولت انى اغير الشفت او حتى المستشفى بس معرفتش ..فياريت التعامل بينا يكون افضل من كدة ..احنا فى الاول وفى الاخر المفروض ان احنا زملا ”
رآها عمر تتنهد وللحظات ظنها ستعتذر وانتظر هذا منها الا انها وجهت له نظرة خالية من اى معنى وذهبت ، رمقها فى دهشة مشوبة بغيظ وحنق ماهذه الفتاة ؟؟، لم يسبق له ان تعامل او رأى مثلها ، كيف تستطيع العيش وسط كل هذا الحنق والجفاء من زملائها ، وتنهد فى ضيق الا يكفى كل ما مر به حتى تأتى تلك المجنونة وتفسد عليه لحظاته ، انه لتوه قد خرج من الم فقدان الثروة والاب والحبيبة ، لم يكن ليستفق من ضربة حتى يتلقى الاخرى ، لقد قبل العمل فى هذا المكان فقط ليبتعد عن كل شىء ،عن نظرات الناس التى تمتلىء بالشفقة على حاله ، على حال ابن العز والثراء الذى كان يمتلك سيارة فارهة من احدث طراز ويبدلها كل عام بأخرى ، اصبح الان يرتاد المواصلات العامة ويسكن فى شقة صغيرة بالايجار تاركا شقيقته ندى لتحيا مع امها فى فيلا خالها ، فهى لن تستطع تحمل ما يتحمله هو ابدا ، لكم تمنى ان يأخذها للحياة معه ولكن ما كان بيده حيلة ، تحمل غياب شقيقته وأقرب الناس الى قلبه عن ناظريه لتحيا الحياة التى تعودت ان تحياها فى بيت ابيها .
حين ذهب الثراء ذهب معه الكثير ، الحياة المنعمة والعديد من الاصدقاء ، وحبيته ريم ، تلك التى احبها منذ عامه الاول فى الجامعة وبادلته هى المشاعر ، كانت ثرية مثله تماما وحين مر بهذه الازمة وضاع من ابيه كل شىء ، كان عمر وريم فى بداية حياتهما المهنية ، ومقرر لزواجهما بعد شهور ، وبعد ان تغيرت الظروف كان لزاما عليها ان تتزوجه فى شقته الصغيرة وأن تركب مثله المواصلات العامة ، لم تحتمل مجرد التفكير فى هذا وعرضت عليه ان يساعدهما والدها ولكنه رفض بعزة نفس ، أبت عليه كرامته بشدة ان يفعل ، وخيرها اما ان تقبل بالحياة معه على هذا الوضع او ينتهى كل شىء ، وتفاجىء باختيارها ، اخبرته انها لن تستطع ان تغامرفى حياة كهذه ابدا ، لن تقوى على العيش فى مستوى لا يمكن مقارنته بما تحيا عليه ، لن تدخل تجربة الزواج وتقامر بمجرد مشاعر ستموت حتما بمجرد اصطدامها بالواقع ، تمنى حقا لو اختلفت عن اصدقائه المتملقين ولكنها لم تختلف ، اختلف العذر والنتيجة واحدة ، تخلت عنه بعد حب دام لسنوات ، لم ينهر امامها ولم يعنفها ، بل ابتسم متمنيا لها السعادة مع اخر ، واختفى من امامها محاولا اخفاء جرح الخذلان التى تسببت له فيه ، لم يشا ان ترى بعينها اثار صدمته فيها فالصدمة تكون على مقدار الحب وكم أحبها !!، ارادها ان تظن انها كانت له كما كان لها مجرد تجربة عاطفية رفعت رايتها البيضاء وهزمت فى اول مواجهة مع الظروف .
*******************************************************
نظرت مرام الى سليم المستغرق فى نومه الى جوارها ، تأملت ملامحه ومررت يدها فى سلاسة على شعره ، لو يعلم كم تحبه ، لو يعلم ماذا يمثل لها ، لو يعلم انه الرجل الوحيد الذى هزمها وجعلها تسلم أمامه ، مرام الجميلة ابنة احد اكبر رجال الاعمال والذى كان سليم يعمل مهندسا فى أحد مصانعه ولعب القدر دوره واوقعه بها ، ولا تدرى اى اختلاف فيه جعلها تسقط صريعة غرامه بهذه السرعة وتسلمه أحلامها ومستقبلها ، لاتدرى اى قدر جعلها تراه غير كل الرجال وتؤمن بمشاعر ظنتها طيلة عمرها تخالف المنطق والعقل ، لم تشعر بحبه فى البداية وربما حتى الآن ، لازالت تذكر ما اخبرها به فى بدايه علاقتهما معا انها تذكره بفتاة أحبها ذات يوم ولم يكن القدر منصفا فافترق كل منهما فى طريق ونساها ، هكذا اخبرها او هكذا ادعى وربما ادعت هى ايضا لتكذب على نفسها وتتجاهل تلك الصورة الواضحة فى عينيه ، ربما تكون اختفت من حياته ولكنها لم تختفى من احلامه ، لم تختفى من شروده المستمر، مرام الذى علمها والدها كف تكون قوية وكيف تواجه العالم بأسره ، فقدت كل قدراتها امامها ، فأصبحت ضعيفة هشة تحمل ذعر أنثى عاشقة تخشى ان تستيقظ ذات صباح ولا تجد حبيبها الى جوارها ، انها تحبه ولا تحتمل لحظة فى الحياة دونه ، ليتها تستطيع ان تتحول الى حبيبته المجهولة ايا كانت صورتها وايا كانت هيئتها حتى تنعم معه بلحظات حب خالصة حقيقة ، ليتها تعرفها ليتها تقابلها لتعرف من هى التى سلبت لب وقلب زوجها ، لتعرف أى قوة تملكها لتجعل من غيابها اقوى من حضورها هى ، لا تدرى ماذا تفعل وهذا الهلع ينتابها كل ليلة  دون ان تدرى كيف تتخلص منه .
*********************************************

“ انا اللى جبته لنفسى ”
قالتها ندى فى سرها وهى تلقى قلمها وتنظر الى هاتفها فى ضيق ، بهدوء فتحت المكالمة ” مساء الخير ”
رد ادهم فى سعادة ” مساء النور ..عاملة ايه يا ندى ؟؟
أغمضت ندى عينيها لتحبس الغيظ بقدر المستطاع ولا تفلت منها كلمات نافرة غاضبة من بين شفتيها ، توازنت أخيرا وقالت ” أدهم انت لسة مكلمنى من ساعتين ..أكيد محصلش حاجة جديدة فى الدنيا ”
صمت للحظات وقال ” أخبار الديكور ايه طيب اللى انت شغالة فيه ..خلصتيه ولا لسة يا ندى ؟“
أجابت وهى تترك الهاتف بين أذنها وكتفها وتمد يدها بالقلم الرصاص لتضيف بعض التعديلات على رسم امامها ” لسة بشتغل فيه ..صاحب البيت كلمنى من شوية وطلب منى شوية تعديلات ”
ـ حاجة رخمة فعلا يا ندى
عادت ندى لتمسك الهاتف بيدها قائلة ” بقولك ايه يا ادهم هو انت ليه طول الوقت بتكرر اسمى بعد كل جملة ...ندى ندى ندى ”
ابتسم قائلا ” يمكن عشان بعشقه فبحبه يفضل على لسانى على طول ”
كلماته كانت كفيلة باذابة مشاعر أى فتاة الا هى لم ترد فواصل هو قائلا ” الا لو كان يضايقك ”
تنهدت ندى قائلة ” كل حاجة بالمعقول كويسة يا ادهم ”
ـ معاكى حق تمام ..انا وصلت القسم خلاص ...هكلمك بعدين ..سلام يا حبيبتى
اغلقت ندى المكالمة دون ان ترد سلامه وألقت بالهاتف جانبا ، ماالداعى لان يحدثها كل دقيقة ، لا جديد ليتحدثا فيه ، ومالجديد الذى من الممكن ان يكون بينهما ، ادهم سيظل ادهم ولن يصبح شخصا آخر ، لن يصبح ....أحمد ، تنهدت وهى تلقى القلم من يدها واتجهت الى احد ادراج مكتبها فتحته لتجد الكراس القديم الذى كان احمد يشرح لها فيه ايام الدراسة ، مررت يدها تتلمس أوراقه وهى تتذكر طريقته فى الشرح والحديث وطريقته فى كل شىء ، أغلقت الكراس فجأة وأغلقت معه شريط الفيديو القصير الذى أخذ يعرض ذكرياتهما معا فى رأسها ، عادت الى عملها وهى تتنهد من تلك القصة التى كتبت فيها كلمة النهاية من قبل حتى ان تبدأ .
سمعت طرقا خفيفا على الباب ، ارتعدت قليلا وشيئا ما جعلها تظن ان الطارق هو ادهم ، هذا ما كان ينقصها ، ادهم فى الهاتف ، ادهم فى المنزل ، وربما الان على باب غرفتها ، نظرت الى اوراقها واسندت جبينها بكفها وقالت فى عصبية ” ادخل ” .

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الأربعاء سبتمبر 26, 2018 9:44 am

الفصل الثالث

سمعت طرقا خفيفا على الباب ، ارتعدت قليلا وشيئا ما جعلها تظن ان الطارق هو ادهم ، هذا ما كان ينقصها ، ادهم فى الهاتف ، ادهم فى المنزل ، وربما الان على باب غرفتها ، نظرت الى اوراقها واسندت جبينها بكفها وقالت فى عصبية ” ادخل ”
” وحشتينى يا مجنونة ”
تسللت نبراته المحببة الى أذنيها فرفعت رأسها بسرعة اليه فى سعادة ، قفزت من مكانها بسرعة وفى لحظات كانت تلقى نفسها بين ذراعيه وهى تهتف فى جذل واضح ” عمر ” ، تعلقت بعنقه وهى تشب عن الارض ليرفعها عمر  ويدور بها كما تعود ، أنزلها بعد لحظات وقبل جبينها وابعدها عنه فى رفق قائلا ” وحشتينى يا بت ..ايه الحلاوة دى كلها ؟؟“
جذبته ندى ليجلس على طرف الفراش الى جوارها وهى تقول ” المستشفى الجديدة خدتك مننا ولا ايه ..اسبوعين بحالهم مشوفكش يا عمر ”
نظرت الى جسده فى روتينية وقالت وهى تقطب حاجبيها ” مالك خاسس كدة ليه ...انا بقول برضه الشغل الخاص والحكومى كتير عليك ”
هم عمر ان يرد فواصلت ندى وكأنها آلة للحديث فقط ” وشك ماله مرهق كدة ليه وعينيك تحتها سواد انت مش بتاكل كويس ؟؟“
فتح عمر ثغره لينطق فلم تعطه ندى الفرصة وواصلت وهى تضع يدها على صدرها فى اشفاق ” يا لهوى كل ده من اسبوعين اومال هترجعلى بعد كام شهر عامل ازاى ؟؟“
هنا لم يجد عمر فرصة للحديث الا بعد ان وضع كفه على ثغرها وهو يكتم صوتها قائلا فى مزاح ” اسكتى شوية ..اسكتى بقا ..خلينى اعرف اتكلم ..انتى عاملة ايه الاول ”
،تركها واخذ يتمشى فى الغرفة الى ان  وصل الى الاوراق التى تقوم فيها برسم الديكور الخاص باحدى الفيلات ،اخذ يتأملها وهى تقول ” ماشى الحال ..بدأات اتعود على الشغل والناس.. وكمان رجعت اروح جيم ”
نظر لها فى حنان قائلا ” مش محتاجة فلوس ولا حاجة ”
ابتسمت ندى وهى تقول فى خيلاء ” لا يا سيدى انا باخد مرتب محترم ” واضافت وهى تنحنى قليلا لتغيظه ” وبعدين روح كدة انت لاقى تاكل أصلا ”
لم يبتسم عمر وندمت ندى بشدة على ما قالته حين رمقت نظرته الحزينة التى حاول التخلص منها بسرعة بالنظر الى الاوراق من جديد ، ضغطت ندى على شفتها وقد أدركت انها جرحته ، ربما تكون ذكرته بما اصبح عليه وضعه او بالسبب الذى تركته من اجله ريم ، أرادت ان تعتذر ولكن طريقتها مع اخيها فى الاعتذار مختلفة ، اتجهت الى الاوراق وقالت وهى تمسك بذراعه ” عجبك شغلى ؟؟“
ابتسم فى حزن وقال ” وانا افهم ايه فى شغلك ؟؟..وبعدين كلنا عارفين ان طول عمرك موهوبة ”
هزت ندى كتفيها وقالت فى مزاح ” اه طبعا ما انا عارفة ..قولى انت بقا أخبار شغلك ايه ..مرتاح هناك ؟؟“
وضع عمر يديه فى جيب بنطاله وهز رأسه بالسلب وبدأ يقص لها عن كل ما قابله فى المشفى وعن ياسمين بالاخص ومواقفها الغريبة معه وحين انهى كلامه قالت ندى وهى ترتمى على مقعد فى احدى زوايا غرفتها وتضيق عينيها فى تفكير ” بص البنت دى يا اما فعلا قوية جدا ..يا اما فعلا ضعيفة وجدا برضه ”
نظر لها عمر فى تعجب فواصلت ندى ” ممكن تكون اللى بتعمله ده غطا او قناع بتدارى بيه حاجة جواها ..بتدارى ضعفها اللى مش عايزاه يظهر ”
ضحك عمر قائلا ” لا مفتكرش خالص ..دى جبروت يا بنتى ..دى محدش يستحمل يقعد معاها خمس دقايق ”
هزت ندى رأسها وقالت فى بساطة ” ما هو فى ناس بتمثل لدرجة تبهرك ..الضعف احساس وحش اوى محدش بيحب بيبنه ..فبيكون ادعاء القوة لدرجة تخوف ..مجرد قناع زى الاقنعة اللى كلنا بنلبسها عشان ندارى بيها وش مينفعش الناس تشوفه ”
أضافت فى نبرة مريرة ” زى قناع الرضا اللى انا وانت لابسينه يا عمر ..عشان محدش يشمت فينا ..بس فى الحقيقة احنا لحد دلوقتى مش قادرين نتقبل اللى احنا وصلناله ولا راضين بيه وبنتمنى لو ترجع بينا الدنيا سنتين ورا عشان نعيش الحياة اللى اتعودنا عليها ”
مرر عمر يده على شعر ندى كأنه يصدق على ما قالته دون رد ، رن جرس هاتفها أمامها فالتقطه وما ان رأت الاسم حتى ألقت به على منضدة الى جوارها فى عنف كاد ان يكسره وهى تخرس صوت رنينه قائلة فى غضب ” مش معقول كدة والله ..كدة كتير ”
نظر عمر الى الهاتف قائلا ” مين ؟؟“
رفعت ندى كفيها وكتفيها فى ان واحد وهى تقول ” هيكون مين ..ادهم بيه ...ادهم باشا ..اللى لسة قافل معايا من ربع ساعة ..هوا مبيزهقش ماعندوش أصحاب معندوش أهل ..ماعندوش شغل ”
ضحك عمر لعصبية شقيقته التى احمر وجهها فبدت كطفلة متذمرة وقال ” يا مفترية ..ادهم ده متلاقيش زيه ..ده اى بنت تستنى منه اشارة ”
أشاحت ندى بوجهها قائلة ” طبعا مين هيشهدله غيرك ..مش صاحبك ”
أمسك عمر بكتفيها وادارها له قائلا فى جدية ” هوا صاحبى وبعزه جدا ..بس انتى اختى ومعنديش اغلى منك فى الدنيا ..لو حاسة ان انتى وادهم مش هتقدرو تكملو مع بعض ..بلاها يا ستى انتو لسة ع البر ”
رن هاتف عمر فنظر اليه ثم رفع رأسه الى ندى بابتسامة فقالت وهى تشير باصبعها ” متقوليش انه هوا ؟؟“
ضحك عمر وهو يسكت صوت هاتقه قائلا ” هوا ”
أخذت ندى تذرع الغرفة مجيئا وذهابا وهى تقول ” لا لا لا ..مش ممكن اكيد مكنش قصده هيخلينى احبه ...كان قصده هيخلينى ازهق من عيشتى كلها واكره اليوم اللى اتولدت فيه ”
وقف عمر أمامها ليوقفها عن السير وهو يقول ” تاخدى منى كلمة حق....رغم الاوفر اللى ادهم فيه ورغم انى مش عارف هوا بيعمل كدة ليه لان دى ما اعتقدتش انها طريقته ..بس عمرك ما هتلاقى حد يحبك زيه ”
فتحت ندى ثغرها لتنطق فلحقها عمر وهو يوقفها بكفه قائلا ” ومبقولش كدة عشان هوا صاحبى ..انا من الاول قولتلك مليش دخل بقرارك ولا علاقتك بيه ..عايزة تكملى معاه كملى ..مش عايزة براحتك ..انا اصلا مش فاهم انتو ازاى مرتبطين وانتو مش لابسن دبل ولا محددين معاد للخطوبة ”
قالت ندى فى توتر ” احنا قرينا فاتحة وبعدين نوع الارتباط ده هو اللى اختاره مش انا ...مش هوا اللى قال عليه مجرد تجربة يا نجحت يا فشلت ”
زفر عمر فى ملل وقال ” والله انتو الاتنين مجانين وتستاهلو بعض ”
فى تلك اللحظة فتحت لبنى امهما الباب وقالت وهى تفتح ذراعيها لعمر وبلهجة عاتبة ”كالعادة طبعا اول ما تدخل البيت تدخل جرى على اختك ولا كأن ليك ام هنا ” اتجه عمر بسرعة الى امه وقبل رأسها ويدها واحتضنها فى حنان قائلا ” هوا انا اقدر يا ست الكل ” ، لبنى شخصية هشة للغاية وضعيفة وهذا واضح من تحكمات اخيها فيها حتى انها أعطته الحق فى التدخل فى حياتها مع زوجها فى الماضى وهنا كانت مربط المشاكل ، وحين اراد ممارسة سلطته على ابنيها لم تعترض وهو مالم يحتمله عمر وخاصة انه يشعر بداخله ان لخاله يد فى خسارة ابيه لامواله ومن بعدها حياته ولانه لم يكن يملك دليلا واحد على ذلك فقد احتفظ بمشاعره لنفسه ، وآثر الابتعاد مدعيا انه فعل ذلك من اجل ابنتى خاله ” رنا ومريم ” ، حاولت ندى ان تذهب معه ولكن خاله رفض ودفع امها لتمنعها بشتى الطرق وعمر لم يتمسك ابدا باقامتها معه ، فندى لم تتعود على حياة بسيطة كهذه فى شقة صغيرة بلا خدم وبلا حديقة تخرج اليها لتتنسم الهواء بين الحين والآخر ، ولكن لم يخطر بباله ان ندى تقضى اغلب وقتها فى غرفتها فلم تشعر يوما بأن هذا بيتها ، بل شعرت انها مجرد ضيفة وزاد من احساسها مضايقات رنا لها بين الحين والآخر وخاصة بعد ارتباط ادهم بها ، لم تعد رنا تطيق مجرد النظر فى عينيها وتتعمد مضايقتها فى أى موقف ، ورغم ان ندى لم تكن بالشخص الهين وتعرف كيف ترد وتأخذ حقها الا ان رنا ومعاملتها الجافة زادت من شعورها بالغربة بداخل هذا البيت .
عمر وندى كانا صديقين منذ الطفولة ، كان يدللها كثيرا حتى ان من لا يعرفهما يظن انهما حبييبن وليسا شقيقين ، لم تكن تعرف كيف كانت ستجتاز الازمة الاخيرة لولا وجوده ، هو سندها الحقيقى وصديقها الوحيد الذى لم يخذلها ابدا.
اتفقت ندى مع عمر على الخروج للتنزه وتناول الايس كريم الذى تعشقه ، ولكن نزهتهما قد أضيف اليها شخص آخر على غير المتوقع ” ادهم ”
*******************************************************************
تعلقت عينا رنا بالباب والخادمة تفتحه ،ألقت كتابها من يدها وطارت من على الاريكة كفراشة صغيرة بمجرد ان رأته أمامها ، اسرعت الى الباب وصرفت الخادمة بنظرة منها ، مدت يدها لتصافح ادهم الذى صافحها فى روتينية ملامسا كفها فقط وسحب يده بسرعة ، قالت رنا وهى تزيح خصلة من شعرها خلف أذنها ” ازيك يا ادهم ”
وأشارت بذراعها قائلة ” اتفضل ”
دخل وهو ينظر بعينيه يمينا ويسارا قائلا ” شكرا ”
أشارت رنا بيدها الى الاريكة ليجلس فنظر الى الاريكة واستند بيده الى ظهرها قائلا ” هيا ندى موجودة ؟؟“
زمرت رنا  شفتيها فى حنق وغيرة وتنهدت وهى تهز رأسها قائلة ” ايوة موجودة ”
ابتسم ادهم قائلا ” كويس ..افتكرتها برة ونسيت الفون ..بكلمها مش بترد ”
ابتسمت فى سخرية وقالت ” غريبة ..عمرها ما سابت الفون من ايدها ”
اكتفى ادهم بنظرة ولم يعلق واخرج هاتفه من جيبه وحين هم ان يتصل بها وضعت رنا يدها على يده الممسكة بالهاتف قائلة ” ادهم انت بتحب ندى ؟؟؟“
نظر ادهم الى يدها وتفاجىء بجرأتها للحظات ومالبث ان سحب يده من تحت كفها وقال متحاشيا النظر فى عينيها ” اومال خطبتها ليه ”
جلست رنا على الاريكة ونظرت الى اليمين واليسار وأخذت تضغط على شفتيها فى حنق وقالت ” بس هيا مبتحبكش ”
هنا دقق ادهم النظر فيها وقال ” هيا قالتلك كدة ؟؟؟”
رفعت نظرها اليه وهى تضيق عينيها قائلة ” مش لازم تقول ..تصرفاتها كلها بتتكلم قدامك ” ونهضت من جديد لتواجه ادهم مواصلة“ ممكن كمان يكون فيه حد فى حياتها ”
هنا رفع ادهم حاجبه الايسر وتنهد فى عمق قبل ان يميل اليها قائلا ” بلاش يارنا الطريقة دى معايا ..بلاش ”
تراجعت رنا خطوتين وقالت ” طريقة ايه ؟؟“
ابتسم وهو يضيف ” انتى عارفة وانا عارف ..انتى لسة صغيرة باين عليكى ”
وتقدم الخطوتين التى تراجعتهما هى ونظر لها نظرة ارعبتها وهو يقول ” لو كررتى الكلام الفارغ اللى انتى بتقوليه ده تانى على ندى ..لا ردى ولا تصرفى هيعجبك ..هيضايقك..واوى كمان يارنا ..انتى فاهمة ..خلينا اخوات احسن ”
ازدردت رنا ريقها ودمعت عيناها وقد حز فى نفسها ان حبيبيها يهددها على هذا النحو من اجل اخرى تثق انها لا تحمل له معشار ما يحمل لها من مشاعر ، طأطات رأسها ارضا حتى انتبهت الى صوت ادهم وهو يحيى عمر .
*******************************************************
هبطت ندى درجات السلم الى جوار شقيقها وهما يتمازحان ويتعاليا بالضحك ، وحين رأيا ادهم يقف وامامه رنا التى وجهت ظهرها لهما ، تبادلا نظرة طويلة تحررمنها عمر بسرعة ليلقى التحية على صديقه ، وقبل ان يتحرك من جوار ندى ضغطت على ذراعه وهى تهمس له فى غضب ” انا هنتحر خلاص مش قادرة ” ، كتم عمر ضحكته بصعوبة بالغة واتجه الى ادهم وعانقه فى ود ، بينما ظلت ندى تتابعهما وقد تسمرت على السلم للحظات الى ان وجه لها ادهم نظراته الباسمة قائلا ” عشان كدة مبترديش عليا مين لقى احبابه بقا ” نظرت ندى الى درجات السلم مطولا قبل ان تبدأ بالهبوط وهى تجاهد لترسم ابتسامة على ثغرها حتى وصلت اليهما ، كانت رنا لازلت تقف عاقدة ذراعيها على صدرها ترمق ندى بنظرات اعتادتها ندى منها فلم تعد تبالى بها
وضع ادهم يديه فى جيب سترته وهو يتأملهما قائلا ” كنتو رايحين فين ”
اجاب عمر وهو يحيط كتفى ندى بذراعه ” ابدا كنا خارجين نتمشى وندى طلبت معاها تاكل ايس كريم ”
رفع ادهم حاجبيه قائلا ” ايس كريم ..تصدق والله نفسى فيه ”
عضت ندى على شفتيها فى غيظ ونظرت الى ادهم الذى شعرت انه يتلذذ بغيظها هذا فأغاظها اكثر ونظرت الى رنا التى كانت لاتزال واقفة وقد احمر وجهها بشدة من الغضب والغيرة  وقالت ” وانتى يا رنا مش عايزة تيجى معانا انتى كمان ”
نظرت رنا الى ندى من اعلى لاسفل عدة مرات قبل ان تفر فى ضيق وملل وتذهب دون ان ترد ، تابعها عمر بحركاتها الطفولية وهو يقول ” ودى مالها دى كمان ؟؟“
ابتسمت ندى وهى تهز رأسها قائلة ” هيا كدة على طول سيبك منها“
لم يكن اليوم سيئا كما ظنت ندى ، بل اضاف ادهم اليه الكثير من مرحه ، فقد ترك سيارته امام الفيلا واستمتعو جميعا بالمشى فى الهواء الطلق وتناول الايس كريم اللذيذ من المحل الذى اقترحه ادهم وكان الذ ايس كريم تناولته ندى فى حياتها ، ادهم كان لديه حسا فكاهيا ومرحا على عكس ما يبدو عليه من صرامة بحكم عمله كضابط شرطة ، لم تستطع ندى ولا عمر كتمان الضحك طيلة السهرة وهو يقص لهما ما يتعرض له من فكاهات فى قسم الشرطة وفى مهامه ايضا ، كما حكى عمر عن عمله وما يواجهه من مرضاه وبالطبع شاركت ندى وقصت عليهم ما تلاقيه بدورها وعن الاخطاء التى وقعت فيها من البداية حتى اصبحت محترفة فى عملها عن حق .
كانت امسية سعيدة على الرغم من ان ندى كانت تحتاج الى الحديث مع اخيها على انفراد الا ان وجود ادهم لم يضايقها ابدا ، وقد تعلمت مما حدث اليوم ان عليها ان ترد على مكالماته  وان كثرت والا فستجده امامها بنفسه فى لحظات فى العمل او فى المنزل او فى اى مكان ورغما عنها شعورا بالزهو تملكها فى تلك الليلة لان شخص كادهم والتى تعرف كم فتاة تتمناه يملك لها مشاعرا بهذه القوة والصدق رغم صدها له .
******************************

دلف سليم الى غرفته وهو يمسك جبينه بسبابته وابهامه مقاوما صداعا بشعا الم به ، ألقى بحقيبته جانبا وخلع سترته وبدأ فى فك رباط عنقه فى ارهاق ، انتبه الى صوت المياه فى المرحاض، فعلم بذلك ان مرام بالداخل ، جلس على طرف الفراش واخذ ينبش فى محتويات الدرج الذى بجواره عن اى مسكن ، وقعت عيناه على شريط فرفعه الى عينه ليعرف ماهو ، وما ان علم بماهيته حتى انتفض واقفا واتسعت عيناه التى كادت ان تغلق تماما منذ قليل بفعل الارهاق والالم ، فالاقراص التى كانت بيديه كانت لمنع الحمل ، اذن مرام تستخدمها وتخدعه ولاتريد الانجاب منه ، ولكن لماذا ؟، لطالما اخبرها انه يريد طفلا منها ، لطالما اخبرها بحاجته الى عائلة تلتف حوله بعد كل المشاق التى عاناها ، لما تحرمه من كل ذلك ؟؟، الازالت تشعر انه اقل منها بكثير وانها تنازلت حين قبلت الزواج منه  وهو بالنسبة اليها مجرد موظف يدير لها اموالها ولكن برتبة زوج ،الكثير من الهواجس والافكار داهمت رأسه ، حتى انها انسته الصداع الذى الم به ، جلس على طرف الفراش من جديد وهو يقبض على الشريط بيده وينتظرها .
خرجت مرام من المرحاض وهى تجفف شعرها بمنشفة ، رأت سليم جالسا على طرف الفراش معطيا اياها ظهره ، تفاجأت للحظات فهو ليس موعد عودته ، القت بالمنشفة جانبا واقتربت منه وهى تضع كفيها على ظهره قائلة ” حبييى جيت بدرى النهاردة يعنى ..انت كويس ”
لم يرد عليها ولم يلتفت لها فاستدارت لتجلس امامه القرفصاء وهى تضع يدا على طرف الفراش والاخرى تمررها على جانب وجنته قائلة ” مالك يا سليم ؟؟“
رفع سليم عينيه التى احمرت غضبا اليها فتراجعت للخلف قليلا من القلق ، اما هو فاخذ نفسا عميقا وهو يخرج شريط الاقراص ويرفعه لها قائلا فى هدوء ” ايه ده يا مرام ؟؟؟“
اتسعت عيناها فى ذهول وقلق وازدردت ريقها ونهضت لتجلس على طرف الفراش وهى تطأطأ رأسها ، نهض هو وانحنى ليواجهها قائلا بلهجة حادة ” ايه ده بقولك ؟؟“
لم ترد مرام فأمسك سليم بكتفيها وهزها فى عنف بعد ان القى الشريط جانبا ” مش عاوزة تخلفى ” ورفعها لتنهض وهو يضيف فى غضب ” منى ؟؟“
زاد من قبضته على كتفيها وهو يهتف صارخا ” ليه يا مرام ؟؟“
لم ترد سوى بسيلين من الدموع على وجنتيها وهى تغمض عينيها من قوة قبضته التى بدأت تؤلمها ولكنها لم تفتح ثغرها لترد ، فواصل فى غضب ” لو مش عايزة حاجة تربطك بيا قولى ..لو مش عايزة تعيشى معايا وشايفانى مش اد المقام وندمانة على جوازنا اتكلمى ..لكن تخدعينى ليه يامرام ..ليه ”
هنا نطقت مرام وحاولت تجميع جملتها من بين شهقاتها ” الموضوع مش كدة ”
دفعها سليم لتسقط على الفراش وهو يقول ” اومال ازاى ؟؟“
وواصل وهو يتجه للخزانه ويضربها بقبضته كأنه يفرغ فيها كل الضربات التى تلقاها فى حياته قائلا ” اومال ازاى ؟؟..واحدة مش عاوزة تخلف من جوزها ده ليه معنى تانى ؟؟ ..يا اما ما بتحبوش ..يا اما مش عاوزة تعيش معاه ..قوليها صريحة ..لكن تخدعينى ليه ؟؟؟“
هزت مرام رأسها بشدة وهى تنهض من على الفراش لتسقط من جديد وكأنها فقدت جل قوتها بينما يقف سليم محاولا التقاط انفاسه ليهدأ ، التفت الى مرام وقال بنبرة اكثر توازنا ” ماشى يا مرام ..انا هريحك من كل ده ”
ولم يعطها فرصة لتنطق ، خرج من الغرفة سريعا وهو يلتقط سترته ويصفق الباب بعنف خلفه ونادته هى بصوت ضعيف لم يسمعه ، لاتريده ان يذهب ، لاتريده ان يتركها ، انها خائفة من فقدانه ، خائفة من كل شىء ، هل يبحث حقا عن رباط يجمعهما ، وماذا عن الحب المرضى الذى تكنه له انه اقوى من لو انجبت له عشرة أطفال ، رباط لاسبيل له ولا لها من الفكاك منه ، نظرت الى الباب الى حيث ذهب ، لابد ان يعود ، لا يمكنه تركها لمخاوفها اللعينه تقتلها ، ستفعل كل مايريده فقط فليعد ، نهضت فى ضعف لا تعرف الى أين فمنعها الدوار ان تخطو خطوة واحدة وسيطر عليها تماما فشعرت ان الارض تبتلعها فجأة وبأن الظلام يحيط بها وهى تخاف الظلام ،تخاف الوحدة ،تخاف فقدانه ، سقطت أرضا وهى تهمس باسمه فى ضعف وكأنها تستنجد به قبل ان تستسلم تماما للظلام حولها .

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الأربعاء سبتمبر 26, 2018 9:48 am



الفصل الرابع
رفعت ندى سماعة الهاتف لتستقبل مكالمة من مديرها يخبرها فيها بأن هناك عميلا مهما فى الطريق الى مكتبها ، كانت تضع اللمسات الاخيرة لديكور امامها وتضيف بعض التعديلات ، لذا أرادت ان تستغل تلك اللحظات قبل أن يأتى العميل فى مراجعته حتى تتفرغ تماما لعملها القادم ، دققت النظر فى رسمها وهى تضع القلم فى فمها وانتبهت بعد لحظات على صوت يحييها ” صباح الخير ” ، أخرجت ندى القلم من فمها ورسمت على شفتيها ابتسامة عمل روتينية وهى تنهض لترحب بالعميل ، وما ان وقعت عيناها عليه حتى انتفضت وتراجعت قليلا قبل ان تتسمر فى مكانها وتمسك بطرف مكتبها لتقاوم تلك الرجفة التى أصابتها،ارتبكت بشدة حتى انها لم تلحظ كفه الممدود لها ليصافحها ، لقد كان احمد ، لامست يدها كفه وسحبتها بسرعة حتى لا يشعر بارتعادها ، عادت لتجلس على كرسيها من جديد كأنها تغوص فيه ، اغمضت عيناها للحظات استرجعت بها مشاهد بعيدة منذ عامين او يزيد ، احمد كان معيدا فى الجامعة، تعرفت عليه فى عامها قبل الاخير ، كان يراها طالبة مجتهدة او ربما كانت تلك هى الحجة المناسبة لاقترابهما من بعضهما البعض ، ساعدها كثيرا فى دراستها ونشأت بينهما صداقة او هكذا اسمياها ، لم يخبرها احمد بمشاعره ولا هى، ولكن النظرات كانت تشى بكل شىء ، استمرت علاقتهما لشهور طويلة الى اليوم الذى اقيم فيه حفل ترفيهى لدفعة ندى ، دعت احمد الى الحفل والغريب انها حينما دعته هاتفيا اخبرها ان هناك امرا هاما يود اخبارها به ، لم تستطع ندى النوم ليلتها وهى تفكر فى الطريقة التى سيخبرها به عن مشاعره ونظراته وخجله وتلعثمه، جعلت تتدرب على كتمان رد الفعل حتى لاتظهر عليها السعادة المفرطة الكافية بجعلها تضمه على الفور ، وفى منتصف الحفل تركها أحمد لدقائق ليحضر لها الايس كريم الذى تحبه ، وفى تلك اللحظات سمعت ندى احدهم يناديهافى مكبر الصوت لتصعد على المسرح ، كادت ندى ان تطير من السعادة اهكذا اراد ان يخبرها بما يحمله نحوها ؟، صعدت الى المسرح فى خجل فكانت المفاجأة، ادهم هو من كان من يقف أمامها يحمل باقة زهور كبيرة ويتحدث بكلمات لم تع منها شيئا من صدمتها ويطلب منها الموافقة على الزواج به ، الصدمة الجمت لسانها تماما ، فنظرت الى أدهم فى غيظ وحنق وطلبت منه تأجيل الحديث الى وقت آخر ، هبطت بسرعة سلم المسرح غير منتبهة لنظرات الهيام الموجهة من زميلاتها الى ادهم ودهشتهن فى ان ترفض شخصا كهذا او حتى تتردد ، بحثت عن احمد فى المكان كله فلم تجده وحين عادت الى المكان الذى تركته فيه وجدت عبوتى الايس كريم مسكوبتين على الارض ، ركلت الارض فى ضيق وواصلت بحثها من جديد دون جدوى ، أخذ احمد اجازة من الجامعة اسبوعا كاملا علمت بعدها انه ترك الجامعة بأسرها وذهب الى جامعة اخرى ، ومن هذا الوقت لم تعرف عنه شيئا الا حين وجدته امامها الان ينظر لها بتمعن وابتسامة هادئة على شفتيه ، جلس بدوره وهو يقول ” ازيك يا ندى ”
ازدردت ريقها وهى تتظاهر بالنظر فى احدى الاوراق ” الحمد لله ”
اضاف فى تعجب ” كنت فاكرك هتشتغلى مع والدك ”
هزت ندى رأسها فى أسف وهى تقول ” فى حاجات كتير اتغيرت بعد ما انت ..“ ولم تكمل الجملة امسكت بقلمها وقالت فى عملية ” تحت امرك ..اقدر اساعدك فى حاجة؟؟ ”
ابتسم وهو يشبك اصابعه قائلا ” اكيد ..انا جاى اصلا ليكى ”
رفعت ندى حاجبها فى دهشة فواصل مصححا ” اقصد انى جاى للمهندسة ندى ”
ادارت ندى حدقتى عينيها يمينا ويسارا ثم قالت وهى تشير بقلمها ” اه ..انت العميل اللى قالولى عليه ”
قال باسما ” بالظبط ”
هل هذه مصادفة ، ام ان الاقدار تأتى احيانا فى صورة مصادفة ، لماذا يعود الان ؟؟، تأخر كثيرا ، هل سيتعاملان معا برسمية كأن لم يجمعهما شىء فى يوم ما ، ولكن مهلا مالذى جمعهما من الاصل؟؟ ، لم تخبره ولم يخبرها بشىء ، انتهى الامر بينهما كصديقين لا اكثر ، لا داعى للتوتر ، فلتعامله كأى شخص عادى ، لم تكن هناك قصة بدأت لتنتهى ، لم يكن بينهما وعد لم يبر به ، عليها ان تتعامل على هذا الاساس ، هكذا فكرت ندى واتخذت قرارها وبدأت اعصابها ترتخى شيئا فشيئا، وسكنت الرعدة التى المت بها وان كانت نبضات قلبها لازالت تتزايد ، نظرت له فى جدية وهى تعطيه ورقة وتقول ” تمام ..هنبدأ شغل ..حضرتك هتكتبلى العنوان ..اه نسيت هوا بيت ولا مكتب ولا ايه بالظبط ”
قال بلهجة بدت عليها الضيق من طريقتها ” فيلا ”
نظرت له ندى فى دهشة ”فيلا ” لم يكن احمد ميسور الحال لهذه الدرجة ، لم يكن يمتلك حتى سيارة من اين له بالفيلا ؟؟، ولكنها تنهدت وهى تلوم نفسها وما شأنها هى فليسكن فى اى مكان وليملك ما يملكه ، أضافت وهى تعطيه القلم متحاشية النظر فى عينيه ” حضرتك هتكتبلى مساحتها والمبلغ اللى انت مش عاوز تزود عنه كمان ”
واضافت وهى تخرج كارت صغير ” ده رقمى هتكلمنى فى اقرب وقت عشان ناخد العمال نشوفها وناخد فكرة ”
بدا الضيق واضحا على وجهه اكثر ولكنها لم تأبه به ونهضت لتقول فى رسمية ” فرصة سعيدة جدا يا فندم ”
نظر لها احمد فى عتاب قائلا ” فى ايه يا ندى ؟؟“
**************************************************************
سمع عمر صوت ضحكات تصدر من غرفة الاستقبال قبل ان يصل اليها ، تعجب عمر وقطب حاجبيه متسائلا هل جاءت طبيبة اخرى غير ياسمين هنا ، اختلس النظر بعين واحدة وهو يختبىء خلف الباب الذى كان شبه مفتوح ، فوجد ياسمين مع اسماء الممرضة وللدهشة كانت تضحك ، عقد حاجبيه للحظات يتأملها ، انها جميلة حقا ، ابتسامتها رائعة ، لايدرى هل هى هكذا حقا ام لانه لم يرى سوى وجهها العابس فأوحى له خياله جمالا لابتسامتها ، ولكن لا ..عينيها كانت تبرقان كنجمتين لامعتين فى سماء مظلمة ، لماذا تحرم هذه الحمقاء وجهها من تلك الاشراقة الرائعة ، انتبه عمر فجأة الى نفسه والى الابتسامة التى ارتسمت على ثغره وهو يراقبها ، مالذى يفعله ؟؟، .
طرق الباب والقى التحية وما ان وقعت عينه على ياسمين حتى لمح بقايا ابتسامة على ثغرها بدأت فى التلاشى تدريجيا ، وعاد لوجهها العبوس الذى اعتاده منها ، بعد قليل دخل طبيب أكبر سنا وهو يرتدى قناع ويطلب منهم ارتداء اقنعه مثله وهو يقول ” اشتباه فى التهاب سحائى ..البسو ماسكات ” ، ارتدى عمر وأسماء الاقنعة الخاصة بهم بينما لم ترتدى ياسمين شيئا ، ظن عمر انها لاتملك واحدا فناولها واحدا من علبة امامه لترتديه ، تنهدت وهى تأخذه منه وتهز رأسها شاكرة قبل ان تلقى به على المكتب دون ان ترتديه .
لم يعقب عمر على تصرفها فقد اعتاد منها هذا ، على كل حال هى ليست طفلة ، بل طبيبة وتعرف جيدا خطورة الوضع وما يجب عليها ان تفعله بالضبط ، انتهى الطبيب من فحص الحالة وامر بتحويلها الى مشفى آخر ليتم عزلها . لم تكن هناك حالات اخرى فاستأذنت ياسمين لدقائق لتجرى مكالمة فلم يستطع عمر مقاومة فضوله فسأل اسماء ” هيا ملبستش الماسك ليه ؟؟”
رفعت أسماء حاجبيها قائلة ” بتقول بتتخنق منهم ”
مط عمر شفتيه فى دهشة ،رآه مبررا واهيا ، تعرض نفسها للخطر من أجل انها تتضايق من قناع ، نظر الى الباب حيث خرجت وهو يتمتم ” فعلا انسانة غريبة ”
سمعته أسماء فقالت فى لهجة دفاعية ” بس طيبة جدا على فكرة ”
نظر لها عمر فى دهشة فواصلت أسماء ” هيا ممكن تكون عنيفة فى ردودها شوية ..بس ليها مواقف كتير شوفتها بعينى بتقول انها انسانة رقيقة جدا ”
كان عمر يريد منها ان تستفيض أكثر وتحكى كل ماتعرفه عن ياسمين ولكنه خشى من ان تلاحظ اسماء اهتمامه ، ولكن هل هو حقا مهتم ؟؟، لقد استفزته هذه الفتاة للغاية استفزازا لذيذا بدأ يتخلى به عن ضيقه وحنقه منها ، والحقيقة ان كلام اسماء كان يبدو منطقيا فقد رأى بعينه تعاملها المتناهى الرقة مع المرضى وصبرها واحتمالها فى تكرار اسئلتهم وثرثرتهم احيانا فى الاشياء المهمة والغير مهمة ، كان لديها احتمالا لا يملك هو جزءا منه .
انتهت نوبتجية هذه الليلة التى كانت هادئة الى نوع ما ..خلعت ياسمين معطفها وألقت التحية وذهبت فى الوقت الذى أوقفت اسماء عمر للحظات لتسأله عن بعض الاشياء الخاصة بمريض لها ، لمح عمر ” الاى دى ”الخاص بياسمين وقد نسيته على المكتب ، ترك اسماء بسرعة ليلحق بها ويعطيه لها ، وجدها تقترب من باب المشفى ، فأسرع ليلحق بها قبل ان تغادر ولكنها انحرفت الى طريق آخر ، الى الحديقة ، فضوله تجاهها جعله يبطء من خطواته ليتبعها ليعرف الى اين تذهب ، كانت تنحرف من طريق الى طريق ولا يعرف اين وجهتها حتى وصلت فى النهاية الى مكان تحيط به الاشجار من كل اتجاه ، جلست على شىء اشبه برصيف صغير ، مالذى تفعله هنا فى هذا المكان البعيد المخيف ، وقف بعيدا خلف احدى الاشجار يراقبها ، تفاجىء بها تخلع حذائها وتستند بظهرها الى الشجرة الكبيرة وتمد يدها تحت حجابها تدلك رقبتها ، قبل ان تمد يدها الى الهاتف لتدير موسيقى هادئة وتغمض عينيها فى سكينة ، نظر عمر الى صورتها فى ” الاى دى ” ثم عاد اليها لينظر لها وهى تسترخى بهذه الطريقة وفى هذا المكان البعيد عن الانظار ، ثم توقف عن التفكير وربما حتى عن التنفس حين رأى دموعا تنساب من عينيها المغمضتين ويديها تمر على جسدها كأنها تربت على روحها ، امسك بالشجرة حتى كادت اظافره تغرس فيها ، نظر الى صورتها من جديد وهو يتساءل ياسمين من تكون ؟؟
*****************************************************************
فتح سليم الباب بببطء والساعة تقترب من الواحدة صباحا ، عم السكون التام أرجاء المنزل منذ ان تركه صباحا ، نظر الى الطابق الاعلى وزفر فى ضيق وهو يتذكر ماحدث ، اتجه الى غرفة مكتبه لم يكن يرد مواجهه اخرى تفقده أعصابه اكثر ، لقد تركها صباحا خشية ان يؤذيها ففى غضبه لا يرى أمامه ، انشغل بجهاز حاسوبه يراجع عليه بعض الاعمال بعد ان طلب من الخادمة احضار فنجان قهوة ، بعد دقائق كانت أمامه ، وضعت القهوة ولاحظ انها أطالت الوقوف فرفع نظره اليها متسائلا ، فقالت الخادمة وهى تحتضن الصينية التى قدمت عليها القهوة فى توتر ” مرام هانم يا سليم بيه ..مخرجتش من اوضتها من الصبح ”
انتفض سليم واقفا وهو يقول ” مخرجتش من الصبح؟؟..ازاى ؟؟“ ، واندفع يجتاز السلالم قفزا حتى وصل الى الغرفة ليجدها ملقاة أرضا دون حراك ، هزها بقوة وهو يخشى ان تكون عاودت محاولتها السابقة فى الانتحار ، فتحت عيناها فى صعوبة وتنفست فى صعوبة اكبر وهى تغلق عينيها من جديد ، أخذ سليم يضرب على وجهها فى عنف وتوتر بالغ وهو يناديها دون استجابة ، أخرج هاتفه بسرعة وطلب من اكرم مساعده احضار طبيب على الفور ، بينما حملها هو الى الفراش وظل يكرر محاولاته دون جدوى ، بعد اقل من ربع ساعة كان اكرم عنده يستأذن فى دخول الطبيب ، سمح له سليم بفحصها والقلق يلتهمه بشراسه ، كان يقرض أظافره ويهز جسده وهو ينظر الى وجهها الشاحب وشعرها الرطب الذى انتفش .
أخذ يلوم نفسه لما لم يأخذها المشفى مباشرة ، التوتر والقلق شل تفكيره تماما ، ماذا لو كانت محاولة انتحار بالفعل ؟؟، ضرب جبينه فى عنف فلو كان مايفكر به صحيحا فكل لحظة ستمر ستدفع مرام من حياتها الثمن ، انهى الطبيب فحصه وقال وهو يضع ادواته فى حقيبته وينظر الى سليم القلق قائلا ” خير ان شاء الله ..ضغطها انخفض شوية الظاهر انها زعلت ولا حاجة ”
لم يعقب سليم على كلامه بل قال وهو يضم كفيه اليه قائلا ” يعنى مفيش حاجة خطيرة ..انا خايف تكون خدت حاجة كدة ولا كدة ”
قال الطبيب وهو يكتب رشتة طبية ” لا ابدا متخافش ..انا عاوز حد يجيبلى المحاليل والادوية دى دلوقتى بس ”
ناول سليم الروشتة الطبية لاكرم الذى كان يقف خارج الغرفة وهو يصف له مكان صيدلية قريبة ، بينما ظل هو الى جوار زوجته .
*************************************************************************
أخذت ندى تخدش على اوراقها بالقلم فى عشوائية وهى تضع ذقنها على كفها الايسر وتحملق فى النافذة ، تفكر فى كل ما مر اليوم ، وما مر قبل اليوم وما حدث منذ عامين ، كل شىء حتى أصغر التفاصيل ، تفاصيل اول لقاء اول ابتسامة اول كلمة ، كل نظرة عابرة حملت اى معنى ، تفاصيل اللقاء الاخير بكل ما فيه ، هزت ندى رأسها لتستفيق من عالمها هذا ، مالذى تفعله ؟؟، لقد انتهت تلك القصة ، ثم اى قصة ؟؟؟، لم تكن هناك قصة من البداية نشأت لكى تنتهى ، حين انفصلا آخر مرة كانا مجرد صديقين ، فلتعامله اذن بشكل طبيعى ليس فيه اى جفاء فلم يكن حبيبا غدر بها او وعدها وأخلف وعده ، يجب ان تعامله على انه مجرد معرفة قديمة ، شعرت بالرغبة فى التحدث الى عمر عنه ، ولكنها تراجعت وهى ترى ان تضخيم الامور من شأنه ان يجعل لها قيمة من العدم ، فلا يجب ان تعطى الامر حجما من الاساس ، ربما كان هذا اختبارا لتعرف انها تجاوزت كل ما مضى وتخوض التحدى مع ادهم بكامل ارادتها متجاوزة كل العقبات واولها عقبة الماضى .
قررت ان تبدأ العمل معه بدون اى ضغط ، بل انها ستفعل معه ما تفعله مع اى عميل ، اخرجت الورقة التى كتب فيها رقمه واتصلت به لتأخذ موعد لبدأ العمل ولكن لم يأتيها اى رد منه .
بمجرد ان انتهى الرنين ، رن جرس هاتفها برقم أدهم ، لم تعد تشعر بالانزعاج من تكرار مكالماته بل فى بعض الاحيان تشعر انها تفتقدها ، فتحت المكالمة بابتسامة وتحدثت معه لما يقرب من ساعة ، وحين وردتها مكالمة من احمد على الانتظار لم تعبأ به ، كان ادهم يتحدث وهى تسمع او تتظاهر انها تسمع لتشتت انتباهها بأى نبرة صوت تخرجهها مما هى فيه ، انهى ادهم مكالمته لها متمنيا أحلاما سعيدة ، استقبلت بعدها مكالمة من احمد الذى اعتذر عن عدم رده فى البداية لانشغاله ، واتفق معها على بدء العمل بعد أسبوع لوجود امور عالقة فى عمله .
لم تشأ ندى ان تطلق مسميا على الحالة التى تشعر بها ، بل انها أصرت ان تكون بهذا القرب من احمد حتى تثبت لنفسها انها تجاوزته قبل ان تفتح صفحة اخرى مع ادهم او غيره ، كان اختبارا حقيقيا لمشاعرها الغير متوازنة فى هذا التوقيت ، مامر خلال عامين لم يكن هينا ابدا ربما بدل بداخلها كثير من الاشياء ، ولكن لم يبدل من حبها للتحدى وتحدى ذاتها هو أكثر انواع التحدى الذى تعشقه فماذا ستكون نتيجة تحديها هذا ؟؟.
*************************************************************
”مع السلامة يا حبيبتى ”
انهى ادهم مكالمته مع ندى فى الوقت الذى طرقت امه الباب برفق وهى تحمل بيدها فنجانا من الشاى ، نهض ادهم ليأخذه منها وهو يقول ” بنفسك يا ست الكل ...“ ، نظرت امه الى الهاتف فى يده فجلست على طرف الفراش وهى تقول ” كنت بتكلمها برضه ؟؟“
وضع ادهم فنجان الشاى على المنضدة وهو يقول لامه مشاكسا ” شغل الحموات من دلوقتى ولا ايه ؟؟”
تجاهلت امه دعابته وواصلت فى سخرية ” والست هانم بقا مش هتتكرم وتحدد معاد الفرح ولا هتفضل تدلع كدة على طول...ليها حق ماهى لاقية اللى مستحملها ومجاريها ”
تنهد ادهم وكأنه اعتاد هذا من امه وقال ” وبعدين ياماما مش اتفقنا كل حاجة فى وقتها ؟؟“
نهضت وهى تقطب حاجبيها قائلة فى غضب ” كل حاجة فى وقتها كل حاجة فى وقتها ..انت بقالك كام سنة يا بنى بتجرى وراها ..ايه يعنى حلوة شوية ماالحلوين كتير ”
قال ادهم لامه معاتبا ” انتى برضه تعرفى عن ابنك انه يحب واحدة لمجرد انها حلوة ”
واصلت امها كانها لم تسمعه ” كان مالها ريهام بنت خالك ..حلوة وبتحبك وبتتمنالك الرضا ترضى ..فيها ايه التانية زيادة عنها ”
نهض أدهم وتأهب ليرد على الحوار الذى لا ينتهى كل يوم ” فيها اللى مش موجود فى اى حد ..انى بحبها ومش عاوز حد تانى غيرها ”
قالت امه فى رجاء ” بلاش ريهام لو حاسس انى بفرضها عليك ...شوف واحدة تانية اى واحدة غير اللى ملوعاك ومطلعة عينك دى ”
هنا سمع ادهم صوت ضحكات ايمن اخيه وهو يستند الى باب غرفته قائلا ” متقلقيش عليه يا ماما ..ده لو عايز واحدة تانية ميت واحدة هتجرى وراه ..سى كازانوفا معجباته كتير بس هوا اللى غاوى حب ومرمطة ”
نظرت له امه وقالت فى غضب ” انت تكرمت وجيت اخيرا يا ايمن باشا ”
ضحك ادهم وهو يغمز لايمن بمعنى ان الحوار سينتقل اليه هو الان فقالت امه وهى تبدل النظر بينهما ” ربنا واعدنى باتنين واحد غاوى جرى ورا واحدة ملوعاه والتانى غاوى يعيش على الاطلال ”
ابتسم ايمن فى حزن واضح نفضه سريعا وهو يقول مازحا ” لا انا اروح انام احسن واسيبك تتلقى وعدك انا مالى انا ”
رمقته أمه فى غيظ بنما عاتبها ادهم فى حنان مدركا الالم الذى اثارته امه بداخل اخيه حتى وان أخفى هذا كما تعود ليثبت للجميع انه اصبح بلا مشاعر قائلا ” ليه كدة يا ماما ”
التفتت اليه امه وواصلت حديثها بين اللوم والنصيحة ، حديثا مطولا استمع له ادهم بارهاق وقد فقد الامل فى اقتناع امه بوجهةنظره فتركها تقول ما يحلو لها وهو يرتشف الشاى ويتابعها تتحدث عن هذه وتلك ، وعن ضرورة الزواج بالعقل لا القلب ، وعن كم الزيجات التى فشلت لا عتمادها على الحب فقط فالحب وحده لا يمكنه ان يعمر بيتا وهكذا حتى ان انتهى ادهم من فنجان الشاى فنظر الى امه وهو يضعه على المنضدة قائلا ” تسلم ايدك يا ست الكل ” وبحركة سريعة استلقى على الفراش وسحب الغطاء حتى غطى رأسه فقالت امه فى غضب وهى تشد الغطاء ” هوا انا بكلم نفسى ؟؟“
اقترب ادهم من يدها وقبلها قائلا ” ماما ...مفيش فايدة من اللى بتعمليه ابدا انا مش هتجوز غيرها ...تصبحى على خير ”
*******************************************************************************
جلس سليم على كرسى قريب من فراش مرام يراقبها وهى غارقة فى النوم ، نظر الى ضعفها والى المحلول المغذى الذى يتسرب الى وريدها ، انتتبه أنه لم يبدل ثيابه ، فخلع سترته وفك رباط عنقه والقاه جانبا ، انحنى ليقترب أكثر من وجه مرام، نظر للاعلى وهو يتنهد متذكرا كلام والدها قبل ايام من وفاته ” أنا امنتك على كل حاجة يا سليم ..كل حاجة املكها لو عايزنى حتى اكتبلك كل حاجة بيع وشرا معنديش مانع ..بس اغلى حاجة عندى ومتتقدرش بمال هى مرام ...بعد موتى مش هيبقا ليها حد ,,اوعى تتخلى عنها او تسيبها يا سليم لاى سبب ..بنتى امانة فى رقبتك ”
قام سليم من على كرسيه وخلع حذائه وتمدد على الفراش الى جوار مرام وسحبها الى صدره وهو يمسح على شعرها فى حنان بالغ ، انها مرام التى اعطته كل شىء ، مشاعرها وحبها واموالها واحلامها ولو امتلكت المزيد لاعطته اياه ، انها مرام التى وقفت الى جواره ونقلته الى عالم آخر ، عالم الثراء والبورصة ، مرام التى فضلته على ابناء السفراء والوزراء .
فكر فى انه لابد وان يكون هناك سببا قهريا لما فعلته ، ربما كان الخوف ما كان ينبغى عليه ان يشك فى حبها ولو للحظة ، شعرت بانفاسه ففتحت عينيها ونظرت حولها كأنها تحاول تذكر ما حدث ، وبنظرة دامعة قالت فى ضعف ” انا اسفة يا سليم ..ارجوك ما تسيببنش انا كنت ه...“ وضع يده على ثغرها قائلا ” هشششششششش“ وقبل رأسها وهو يضعه على صدره من جديد لتواصل النوم وهو يشعر براحتيها تستقران على صدره وبالنوم يتسلل الى جفونها سريعا ، فأسند رأسه الى رأسها واغمض عينيه محاولا معها تناسى كل ما حدث .

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 10:57 am



الفصل الخامس
كان الجو ممطرا وعاصفا وامتلئت الارض ببرك المياه الصغيرة فى الوقت الذى كانت فيه ياسمين فى طريقها الى المشفى تسرع الخطا بقدر استطاعتها لتتجاوز هذا الطقس ، السيارات كانت تمر الى جوارها بين الحين والآخر فتتناثر المياه على ملابسها ، قررت ان تصعد الى جانب الطريق حيث التربة الطينية لتبتعد عن برك المياه ، ولكن اختيارها لم يكن جيدا ، فالتربة الطينية كانت رطبة جدا وغير منتظمة وكادت ان تسقط ارضا فى بركة مياه صغيرة الى جوارها لولا ان تشبثت باحدى الاشجار ، حاولت العودة من جديد الى الطريق الاسفلتى ولكن قدمها انزلقت فتشبثت بالشجرة مرة اخرى وهى تضرب عليها بقبضتها فى غيظ ، سمعت صوتا يحييها من الخلف فى هدوء ” صباح الخير“ ، نظرت فى توتر الى مصدر الصوت الذى ألفته قائلة باقتضاب ” صباح النور ” ، نظر عمر الى وضعها وقال وهو يمد يده تجاهها ” خلينى اساعدك ”
ابتعدت بحركة حادة وهى تتشبث بالشجرة أكثر وتقول“ لا مش عاوزة ”
أعاد عمر ذراعه الى جواره وهو يقول ” هتتزحلقى تانى لو سيبتى الشجرة ورجعتى للطريق..خلينى اساعدك احسن ”
رمقته بنظرة صارمة دون ان ترد ، هز عمر كتفيه فى يأس ونظر الى يدها المشبثة فى الشجرة وهو يقول ” انتى حرة..خليكى طول اليوم واقفة كدة ”
حاولت ان تعود الى الطريق من جديد فكادت ان تسقط للمرة الثالثة فلم تجد حلا سوى ان تناديه قبل ان يبتعد فهتفت فى خجل ” استنى ”
كتم ضحكته بصعوبة قبل ان يستدير لها ولوضعها المضحك وقد تشبثت بالشجرة بكلتا يديها ، عاد اليها وامسك بيدها وهو يشعر ببرودتها الشديدة وارتجافها ، تساءل فى نفسه تدعى القوة وتخشى من موقف كهذا يا لها من فتاة ، ساعدها فى العودة الى الطريق من جديد وسحبت يدها من يده بسرعة ، نظرا معا الى السماء حيث توقفت عن المطر ، قال عمر بابتسامة ” بطلت ..طول عمرى بحب المطر بس بعد ماجيت المنطقه دى وشوفت المطر بيعمل فيها ايه غيرت رأيى ”
أخفض عمر نظره من السماء اليها ، كانت تبتسم ، تبتسم له ، هذه حقيقة ، أكثر من ثلاثة أشهر يعملان سويا ولم تكلف خاطرها بابتسامة واحدة فى وجهه ، ابتسامتها كضحكتها التى رآها من قبل جميلة مشرقة تشعر وكأن الشمس قد غلبت الغيوم وعادت لتتوسط السماء من جديد ناثرة ضوئها ودفئها على العالم ، نظر لها من جديد وهى تمسح حبيبات المطر من على وجهها وقال فى جرأة لم يعرف من أين اتى بها ” لسة باقى على معاد الشفت بتاعنا نص ساعة تقريبا ..ايه رأيك لو خدنا حاجة سخنة فى الكافيتريا اللى هناك دى ” قال ذلك وهو يشير بيده الى مقهى قريب وكانه أدرك ماقاله وتأثيره على شخص مثل ياسمين فصمت قليلا وهو يشعر بالندم ولم يشأ ان ينظر الى وجهها فأقل ردة فعل هى نظرة ازدراء ولكنه تفاجىءبها تتنفس فى عمق وهى تنفخ فى يدها لتحصل على الدفء قائلة ” فعلا الجو برد محتاجين نشرب حاجة سخنة ” لم يصدق أذنيه ماذا فعلت بها الامطار ، ابتسامة ووموافقة على عرض كهذا فى يوم واحد ؟؟ماذا الم بها اليوم ؟؟، بل انه شك فى نواياها وظن انها ربما ستدخل معه لتسكب عليه الشاى من جديد ليس أكثر ، غامضة هى ولا يستطع ان يحدد فيما تفكر بالضبط ولكن فضوله دفعه ليكمل ما بدأه ويحاول ان يفك شفرات تلك الشخصية الغريبة ، ابتسم وهو يتخيلها تدخل معه وتسكب عليه الشاى من جديد بالفعل وتصرخ به“ ده عشان تفكر تتجاوز حدودك معايا تانى ” ، نفض عن رأسه الفكرة وتنفس فى عمق قائلا ” يلا بينا ” .
*************************************************************************
رفعت رأسها فى تثاقل عن صدره ، نظرت الى وجهه والى الساعة لتعرف كم من الوقت مر وهو الى جوارها هكذا ، فتح عينيه بدوره حين شعر براسها ترفع عن صدره فنهض وهو يمط ذراعيه فى تعب قائلا ” صباح الخير يا حبيبتى ..ايه الاخبار دلوقتى ”
هزت رأسها قائلة ” كويسة أحسن كتير ”
ترك الفراش فى تثاقل وهو يقول ” هخليهم يجيبولك فطار لازم تاكلى وغصب عنك كمان ” وأضاف بحب ” انا مش مستغنى عنك ” وقبل ان يبتعد أمسكت مرام بكفه فنظر اليها ولم يعلق فقالت بصوت مختنق وهى توشك على البكاء ” انا آسفة ”
احتضن سليم كفها بين يديه وهو يقول ” خلاص يا مرام .اهدى بس دلوقتى ”
افلتت دمعة من عينها وقالت وهى تبادر لمسحها ” انا بحبك يا سليم فوق ما تتخيل ..الموضوع مش زى مانت فاكر ابدا ”
ساعدها سليم لتنهض وجلس على طرف الفراش فى مواجهتها قائلا فى حنان ” مرام انا عايزك تعرفى حاجة مهمة اوى مهما حصل بينا مهما حصل مش ممكن اتخلى عنك او اسيبك ابدا ..سامعانى يا حبيبتى ”
قالت وهى تحتض وجهه بكفيها ” حقيقى يا سليم ؟؟“
امسك بكفها وقبله قائلا ” حقيقى يا مرام اوعى يكون عندك شك فى ده ابدا ..امبارح يمكن اتعصبت واتفاجئت ومشيت عشان متصرفش بجنون او اعمل تصرف يضايقك بس فى الآخر رجعتلك ...انا ممكن اه ازعل واتعصب بس مستحيل اسيبك ابدا فاهمانى ...مرام انتى مش بس مراتى ..انتى كل اهلى وانا مليش غيرك ”
قالت وهى تضع رأسها على صدره ” وانا كمان يا سليم هعملك اللى انت عاوزه هبطل اللى باخده و...“ ضمها سليم اليه قائلا ”وقت ما تحسى انك مستعدة للخطوة دى وتحبى تعملى ده ...انا مش مستعجل ..احنا لسة صغيرين ..انا بس اتضايقت انك خبيتى عليا ”
واضاف وهو يمرر يده فى خصلات شعرها ” كل اللى انا عايزه منك دلوقتى انك ترجعى مرام اللى حبتها ..بلاش تحبسى نفسك فى الحالة دى اللى انتى عايشة فيها من بعد موت باباكى ..اخرجى روحى نادى ..اعرفى اصحاب جداد متحبسيش نفسك كدة ”
نهض من جديد وطلب من الخدم احضار الافطار الى الغرفة وأخذ يطعمها بيده ويتبادل معها الاحاديث والمواقف المضحكة التى حدثت لهما منذ بداية تعارفهما ، شعر بهذه الضحكات تعيد الى مرام وجهها النضر من جديد وتذهب ذبوله الذى رافقه منذ شهور من بعد وفاة أبيها وما تبعها من صدمة ، كانت شديدة التعلق به ووفاته كانت مفاجئة للجميع وعاشت من بعده فى حالة سيئة جعلت سليم يتخذ قراره بترك الاسكندرية بأسرها وبدء حياة جديدة لهما معا فى القاهرة بعيدا عن اى ذكرى مؤلمة .
***************************************************************
نظر اليها وهى تضع كوب الشاى بين كفيها ، تنظر اليه وتدلك يدها فيه لتحصل على الدفء، ترفعه بين الحين والاخر لترتشف منه ، قال محاولا قطع هذا الصمت بأى كلمات ” انتى بردانة اوى للدرجادى ؟؟“ ، نظرت اليه نظرة خاطفة وعادت تنظر الى كوب الشاى من جديد قائلة ” يعنى مش اوى ”
نظر الى كوب الشاى بين كفيها قائلا بابتسامة ” انتى مش بتشربى حاجة غير الشاى خالص ؟؟“
ابتسمت بدورها وهى تتذكر يوم أن سكبت عليه الشاى فى أول مرة تقابلا فيها وقالت ” تقريبا أه ”
قال وهو يرشف اخر ما تبقى من كوب النيسكافيه الخاص به ويلقى نظرة من خلال النافذة ” مبقتش بحب فصل الشتا ”
قالت وهى تنظر الى النافذة بدورها ” ولا انا ”
أمال عمر راسه الى اليمين فى دهشة قائلا ” غريبة ...اغلب البنات بشكل عام بيكتبو قصايد غزل فى حب الشتا ”
ارتشفت من كوبها وابتسمت من جديد قائلة ” ده حقيقى !!!...بس انا عمرى فعلا ما حبيته ..غيام ومطر جو يجيب اكتئاب ”
هزعمر كتفيه قائلا ” بصراحة معاكى حق ..انا طول عمرى بحب الصيف اكتر وخصوصا اجازتنا كانت بتبقى فيه اكيد عارفة طب ومذاكرته وامتحاناته اللى تخنق ..كان الواحد مابيصدق يهرب ”
ابتسمت من جديد دون ان تعلق فواصل عمر متسائلا ” انا حاسس ان احنا كنا دفعة واحدة ..انتى جامعة القاهرة مش كدة ؟؟؟“
ـ ايوة اتخرجت من تلات سنين
ضرب عمر المائدة فى رفق وهو يقول ” ايوة صح انا قلت شكلك مش غريب ..احنا فعلا دفعة واحدة ..بس انتى حرف ى وانا ع فأكيد مكناش فى نفس المكان ”
ضيقت ياسمين عينيها وقالت ” بس انا كنت اعرفك ”
رفع عمر حاجبه قائلا ” حقيقى ؟؟؟“
واصلت وهى تبسط كفيها ” طبعا انت كنت من الناس المشهورين فى الدفعة ..والناس كانوبيشوفوك انت وخطيبتك من اشهر الكابلز اللى موجودين ”
تلاشت الابتسامة من على وجه عمر وطأطأ ارضا للحظات وعاد ليرفع رأسه محتفظا بشبح ابتسامة خفيف وأمسك بكوب النيسكافيه وقبل ان يصل الى شفتيه تذكر انه فارغ فاعاده فى خيبة امل ، نظر الى ياسمين التى بدا عليها الحرج من وقع كلماتها عليه فحاول تجاوز الامر قائلا ” دكتورة ياسمين انا فى حاجة محيرانى ...انتى ليه ملبستيش ماسك فى وجود حالة معدية لللدرجادى ؟؟“
تنحنحت ياسمين ونظرت الى ساعتها لتجد االمخرج قائلة ” يااااااه ...خلاص معاد الشفت بتاعنا يدوبك نوصل ”
ابتسم من محاولتها للهرب ولكن لم يحاول ان يثنيها عن ذلك ، نهض وهو يحمل حقيبته على ظهره وسار خطوتين قبل ان يسمعها تناديه ” دكتور عمر ”
كانت المرة الاولى التى تناديه باسمه ، ولم يعرف سر هذه الابتسامة التى ارتسمت على شفتيه وحاول اخفائها سريعا وهو يلتفت اليها
فقالت بعد ان نظرت ارضا للحظات وعضت شفتها ” انا متشكرة على كل حاجة واسفة على كل حاجة برضه ”
ابتسم عمر وهو يشد على حزام حقيبته قائلا ” اسفة على ايه ؟؟؟“
نظرت ياسمين الى الاعلى وتنفست فى عمق قائلة ” صدقنى انا مش جافة ولا قليلة الذوق زى ما انت ممكن تكون متخيل ”
قاطعها عمر محاولا تصحيح الفكرة الا انها واصلت وهى تضع كفها بينها وبينه لتوقفه عن الكلام ” او زى ما يكونو موصلينلك ..انا عارفة كويس اللى بيتقال عنى ”
رفع عمر حاجبه فى دهشة ، فابتسمت ياسمين ابتسامة بدت له مختلفة وهى تواصل ” انا عارفة كويس فكرة كل واحد عنى عاملة ازاى ”
فتح ثغره محاولا قول اى شىء فلم تسعفه كلماته بغير قول ” ياسمين ” ، تنحنح فى احراج قائلا ” دكتورة ياسمين ” وهز رأسه دون ان ينطق ، سارت امامه خطوتين قبل ان تستدير له قائلة ” تقدر تقولى ياسمين عادى ...احنا زملا ” ، نظرت الى ساعتها مجدد وهى تقول ” بعد اذنك انا هسبقك ”
شىء ما كان يجذبه بقوة تجاهها ، ربما اختلافها ، ربما كونها لغز يريد ان يفضه ، ربما فضوله فى ان يزيح الستار عن الشخصية الحقيقة التى يشعر انها تخفيها خلف هذا الوجه المتجهم العابس والذى بدأ يرى بعضا من ملامحه عن قرب ، لقد ابتسمت له وقبلت دعوته ونادته باسمه كل ذلك فى يوم واحد ، شىء يعتبره عمر انجاز ، شعر بسعادة أخذ يستنكرها على نفسه ، الا انه مصر وبشدة ان يعرف من تكون يا سمين الحقيقية ، هل هى ياسمين التى رآها تبكى وتخفى المها عن الجميع ، ام ياسمين التى ابتسمت وتحدثت معه بكل ادب الآن .
******************************************************************
زادت مرام من سرعة جهاز المشى اكثر واكثر لتستطع ان تسبق افكارها وتتركها خلف ظهرها فلا تراها مطلقا ولا تلتفت اليها ، حاولت تهدئة نفسها وهى تفكر لقد قضى ليلته الى جوارها يمسح على شعرها كالاطفال ، لقد انساه قلقه عليها كل غضبه ، لقد وعدها الايتركها ابدا ولكن ماذا عن الاخرى ؟؟،، تلك التى يهلوس باسمها ويناديها فى احلامه ، هل سيعود يوما للبحث عنها ، هل سيتركها من أجلها ، سبقتها أفكارها هذه المرة فشعرت بالدوار وعدم قدرتها على مواصلة الركض ، أمسكت برأسها وانخفضت للاسفل محاولة المواصلة دون جدوى ، شعرت بشبح يقف امامها ويوقف الجهاز ثم يعود بسرعة ليمسك بيدها ، رفعت رأسها لتجد فتاة بالغة الحسن تسألها فى قلق واضح ” انتى كويسة ؟؟“
تنهدت مرام وجلست على حافة الجهاز وهى تهز رأسها وتمسك بجبهتها لترفع نظرها الى الفتاة من جديد التى وجدتها قد جلست بدورها على حافة جهاز المشى المجاور لمرام وهى تمد يدها بعلبة عصير قائلة ” اشربى ده لو حاسة انك مهبطة ”
رفضت مرام فى البداية ولكن حينما ألحت عليها أخذته منها وقبضت عليه بين كفيها ،رشفت منه رشفتين ووضعته الى جوارها ، مدت يدها الى الفتاة الجالسة الى جوارها لتصافحها بابتسامة متعبة ” متشكرة اوى ..انا مرام ”
مدت الفتاة يدها مصاقحة وهى تقول ” وانا ندى ”
ـ اهلا وسهلا فرصة سعيدة يا ندى
استندت ندى بكفيها الى حافة الجهاز وهى تقول ” انا اسعد ...دى اول مرة ليكى فى الجيم ”
التقطت مرام المنشفة لتجفف عرقها قائلة ” انا من اسكندرية اصلا وفى القاهرة بقالى تلات شهور ..اول مرة انزل الجيم ده ..انتى بتيجى هنا كتير ؟؟؟“
هزت ندى رأسها قائلة ” مرتين او تلاتة فى الاسبوع ولولا ظروف شغلى كنت جيت كل يوم ”
ابتسمت مرام قائلة ” ياريتنى اكون نشيطة زيك كدة ”
شبكت ندى كفيها وهى تقول ” وليه لا ..الرياضة حلوة وبتطلع الطاقة السلبية اللى جوانا ”
استمر الحوار بينهما وتبادلت كل منهما الحديث عن حياتها ، ولان النساء ماهرات فى صنع العلاقات فقد نشأت بوادر صداقة بين مرام وندى ، وتبادلتا ارقام الهاتف متواعدتين على اللقاء مجداا
*************************************************************
” ايه رأيك فى المكان ؟؟“
قالها احمد وهو يشير بذراعيه حوله ، التفتت له ندى وهى تضم النوت الخاص بها اليها ” حلوة اوى الفيلا ..بس بعيدة يتقتل فيها القتيل ما يحسوش بيه زى ما بيقولو ” ،ضحكت قليلا فضحك أحمد قائلا ” يعنى شوية خصوصية بعيد عن الدوشة والزحمة مش هيضرو ”
ابتسمت ندى وهى تدون شيئا فى اوراقها حتى سمعت احمد يناديها ” ندى ”
رفعت رأسها اليه فقال وهو يعقد ذراعيه ويتأملها ” بطلتى تكلمينى برسمية سخيفة بس لسة عاملة حاجز بينا ”
انتفضت ندى انتفاضة خفيفة وهى تتفاجىء بكلماته ولكنها اخفتها بسرعة ولم ترفع رأسها من النوت التى تدون فيها ملاحظاتها وقالت ” ممكن نبدأ تفرج على الاوض دلوقتى ؟؟“
هز احمد رأسه واقترب خطوتين وقبل ان يحاول الحديث نظرت ندى الى رضا مساعدها الذى كان يأخذ بعض المقاسات بعيدا وقالت ” يلا يا رضا عشان نشوف الاوض ”
نظر أحمد اليه واليها فى نظرة عاتبة لم تبالى بها وبدات فى عملها ، تفقدت غرف الفيلا الكثيرة والواسعة والفضول يتملكها من اين لاحمد بكل هذه الاموال ، فمستواه المادى لم يكن جيدا الى هذا الحد ، الحديث بينها وبينه كان عمليا بحتا ، كانت تسأله عن الاثاث الذى يفضله وتريه بعض الصور على التاب الخاص بها وتبدى رأيها دون تدخل فتتفاجىء باصراره على ما تراه هى وتفضله ، كانت تدون فى النوت كل شىء وهى تشعر بنظراته تخترقها ، تحيطها وتقيدها وتمنعها حتى من التنفس ، تمنت لو فرت من امامه لتتخلص من هذا العبء ، بعد ان انتهيا من الغرف ، اتجها معا الى الحديقة الخارجية للفيلا ، اغلقت ندى جهازها ونوتها وتنهدت ايذانا بانتهاء العمل قائلة ” بالنسبة للجنينة دى مش اختصاصى فى مهندس زراعى بكرة هييجى يهتم بيها ويشوف ايه اللى هنقدر نعمله ”
نظرت ندى الى رضا بالداخل ولم يكن قد انتهى من عمله فقررت تركه لينتهى من اخذ المقاسات وتذهب هى وقبل ان تفتح فمها لتناديه ، وجدت احمد يقول ” ندى ” ، التفتت اليه وهى تحاول السيطرة على اعصابها المتوترة ، الم تختر المواجهة فلتواجه اذن ، تتنهدت بقوة لتوازن انفاسها المتسارعة وقالت بصوت متقطع ” نعم ”
كان مرتبكا بدوره فوضع يده فى جيب بنطاله قائلا ” انا آسف ” ، مطت ندى شفتيها فى تعجب لم يصدر منه شىء اليوم يستحق الاعتذار ، تمنت الا يكن يقصد ما مضى فهى لا تريد ان تنبش فيه من جديد ، قطع افكارها صوته ” مش بعتذر عن اليوم اللى مشيت فيه من قدامك من غير مقدمات وبس ..انا بعتذر عن كل اللى حصل معاكى فى السنين اللى فاتت وانا مكنتش جنبك فيه ”
اذن فقد علم بكل شىء ، وفاة ابيها وفقدانهم للثروة ولكن هل علم بالخطبة او شبه الخطبة بينها وبين ادهم ، لم يخبرها فى السابق وحتى تركها دون ان تعرف تحت اى اسم كانت تندرج علاقتهما ، فلو اختار هذا التوقت ليخبرها بشىء فهو مخطىء تماما ، قالت محاولة اثناءه عن اى عزم بداخله او اى نية لاخبارها بأى مشاعر يحملها تجاهها ” انت نسيت عمر ؟؟؟...كان جنبى دايما فى كل حاجة ..وبعدين انت وقفت جنبى كتير وكنت صديق واخ ومازلت ”
رد باستنكار ” صديق واخ ”
ازدردت ريقها وشردت للامام بعيدا عن عينيه قائلة ” ايوة .ومقدرش انكر وقفتك معايا ايام الكلية ”
يبدو ان جهدها فى اقناعه لم يكن مجديا وان لغة الجسد التى يجيدها احمد كانت تفضحها لذا نظر الى الامام مثلها وقال ” معنى كلامك انك لسة زعلانة ”
امسكت ندى بحقيبتها وضغطت عليها بقوة لتخفى بعضا من توترها وتبحث عن اى كلمات او اى رد فعل عاقل وغير مندفع تهرب به من ذلك الموقف ولكنها لم تجد ، فواصل احمد حديثه بنبرة واثقة ” مش عاوزة تعرفى كنت عاوز اقولك ايه يوم مامشيت ”
التفتت اليه فجاة والدم يندفع الى رأسها وقلبها يكاد يتوقف من النبض ، ليس هذا بالوقت المناسب ابدا ، منذ عامين او اكثر كادت ان تحترق شوقا لسماع تلك الكلمة منه اما الان فهى لا تريد شيئا ، تريد ان تعرف ماذا تريد ندى من الحياة اولا ، وفجأة خطر على بالها سؤال يخرجها من الموقف فتنفست فى عمق قائلة ” عاوزة اعرف حاجة تانية ...فلوس الفيلا دى جبتها منين ؟؟“
عقد احمد حاجبيه فى ذهول وانتقل ليقف امامها مباشرة وهو ما اربكها اذا اعطاه الفرصة لرؤية خديها الذين احمرا بشدة ، دقق النظر الى عينيها للحظات ثم الى اصابعها التى تتشيث بالحقيبة قبل ان يقول ” مش فلوسى ..انا بدير كل االاموال دى وباخد مرتب ونسبة محترمة والفيلا دى كانت مجرد مكافأة ”
هزت ندى رأسها وهى تقول ” اكيد واثقين فيك جدا ”
لم يعقب أحمد بل قال من جدبد ” مش عاوزة تعرفى كنت عاوز اقولك ايه ؟؟“
هنا كان المخرج رن جرس هاتفها فاخرجته بسرعة ، كان المتصل هو عمر ” اهلا عمر ..ايوة هجيلك فورا ” ، ونظرت الى احمد قائلة ” معلش لازم امشى عشان الحق عمر ..احنا كدة خدنا المقاسات المرة الجاية العمال هيبقو معايا عشان نبدأ الشغل ” ولم تمهله ندى اى فرصة وانطلقت تأخذ اول سيارة اجرة قابلتها ، وهى تضع يدها على صدرها تواجه اضطراب انفاسها ، المواجهة ليست سهلة ابدا كما ظنت ، والفوضى التى سيطرت على حياتها فى العامين السابقين جعلتها تفكر جيدا قبل اتخاذ اى قرار ، ثم ان هناك شىء ما بداخلها يرفض مسامحة احمد على اختفائه المفاجىء ودون ابداء اى مبررات ، شىء ما يريد ان يعاقبه ، شىء ما يمنعها من المجازفة من جديد بمشاعرها معه او مع اى شخص ، ارادت ان تخرج من هذه الدوامة واتخذت قرارها بان تطلب من مديرها ان ينقل العمل منها فى فيلا احمد الى اى زميل اخر.
**************************************************“
” تجيلى فين يا مجنونة ” ، ” مجنونة وغبية دى ولا ايه ؟؟“ قالها عمر وهو يلقى هاتفه فى غضب ، والتفتت اليه ياسمين وهى تمسك المعطف الخاص بها وقد دخلت الغرفة قبل لحظات دون ان يلاحظها، لاحظ نظراتها الجامدة فرفع كفيه قائلا ” أكيد مكنتش اقصدك ”

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 11:00 am

مساء الخير

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية خيوط القدر (الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 11:48 am

الفصل السادس
“ تجيلى فين يا مجنونة ..ندى ” ، القى عمر بالهاتف فى عصبية وهو يتمتم ” مجنونة وغبية ” ، رفع نظره ليجد ياسمين وقد التفتت الى صوته وهى ترتدى المعطف الخاص بها ، رفع كفيه قائلا ” أكيد مش قصدى انتى خالص ”
ابتسمت ياسمين من ارتباكه قائلة  ” سمعتك بتقول ندى متخافش ”
ضحك عمر بدوره ، كانت ياسمين تعلم ان ندى شقيقته ولكنها استغلت الموقف لتعرف لماذا ترك عمر خطيبته  فاحتالت  قليلا فى السؤال قائلة  ” بس مش هيا كان اسمها ريم على ما اظن ”
تلاشت ابتسامة عمر وتنحنح قائلا ” لا ندى دى اختى ..ريم كانت خطيبتى ”
رفعت حاجبيها فى دهشة قائلة ” كانت ؟؟“
قام عمر من مكانه متسائلا  ” فين أسماء ؟؟...ولا حد غيرها معانا فى الشيفت ”
ردت ياسمين وقد ندمت على طرح السؤال بعد ان شعرت بمحاولته للهروب ” معاها نص ساعة على ماتيجى ..بتجهز شوية حاجات قبل مانبدأ الشيفت ”
نظر لها عمر فى فضول ، هل حقا يهمها ان تعرف لماذا ترك خطيبته ، لم يعد يزعجه امر ريم مطلقا ، كل مايزعجه انه يذكره بكيف كان يعيش وكيف ضاع كل شىء ، وكيف تخلى عنه الجميع ، وكيف اضطر للابتعاد عن شقيقته وامه وتركهم لخاله يتحكم فى مصائرهم ، أما ريم فحتى شعوره بالانزعاج ناحيتها بدأ يتلاشى تدريجيا مع الوقت ، جلس على كرسيه قائلا وكأنه يواصل ما بدأه ” انا وريم سيبنا بعض من حوالى تلات سنين ..بعد تخرجنا على طول ”
وضعت ياسمين يدها على خدها بعد ان جلست على كرسى امامه قائلة ” بعد الحب ده كله ..الناس فى الجامعة كلها كانت بتضرب بيكو المثل ”
ابتسم فى سخرية قائلا ” الناس بتشوف قربنا من بعض بس عمرهم ما قدرو يقرو اللى جوانا ”
فرك عمر جبينه وتناول قلما يعبث به بين اصابعه قائلا ” بعد الازمة اللى حصلتلنا بعد وفاة بابا وضياع الثروة والمستوى الاجتماعى ..مقدرتش تستحمل كل ده ”
شعرت ياسمين بالاشفاق عليه فقالت ” معقول اتخلت عنك ؟؟؟“
هز كتفيه فى بساطة قائلا ” ممكن تكون معذورة ..مش هتقدر تتنازل عن مستوى الحياة اللى اتعودت عليه من يوم ما اتولدت ..مش هتقدر تركب تاكسى او ميكروباص وميبقاش عندها عربية احدث موديل ...مش هتقدر تخرج فى افخم مطاعم ..ولا تشترى براندات اللبس اللى بتيجى من برة ”
قالت ياسمين وهى تلوح بكفها فى اعتراض ” انت بجد شايفها معذورة ؟؟...انا شايفة انها لو بتحبك كل ده كان هيبقى كلام فاضى ”
ابتسم عمر ، ياسمين تتحدث عن الحب ، شرد فى وجهها للحظات فأطرقت فى خجل ، فتنفس فى عمق مواصلا ” هيا حبتنى ..بس الحب درجات ..فيه حب ممكن يخليكى تدى روحك لللى بتحبيه ..وحب كل اللى تقدرى تعمليه ليه هوا شوية مشاركة فى مشاعره مش أكتر..هيا بقا حبها مكنش بالدرجة اللى تخليها تضحى بكل حاجة عشانى ”
كان هناك سؤالا قرأه عمر فى عين ياسمين ، وقرأ ايضا خجلها من قوله ، كان يريد ان يعرف ماذا ستقول ولماذا التردد فى طرحه بهذا الشكل ولكن دخلت أسماء فجأة لتفسد اللحظة وهى تقول ” فى حالة معدية اشتباه فى التهاب سحائى زى المرة اللى فاتت ..الدكتور جاى ورايا ..ياريت نلبس الماسكات ”
ناولتهم أسماء الاقنعه ، فاخذته ياسمين وألقته على المكتب كعادتها ، راقبها عمر وهى تفعل ذلك بينما هو يحكم غلق قناعه على انفه وفمه ، التقط القناع الخاص بها واقترب وهو يمد يده به اليها قائلا ” ياسمين ”
التفتت اليه ونظرت الى القناع فى يده فى دهشة والى نظرة الالحاح والرجاء فى عينيه وهو يقول ” ارجوكى البسى ده ” ، مدت ياسمين يدها فى تردد وتوقفت قليلا فى منتصف الطريق الا انها واصلت حتى أخذته منه وهى تبتسم وترتديه ، ابتسم عمر وشعر بسعادة بالغة لشعوره بأن ياسمين فعلت ذلك من أجله ، حانت منه التفاتة الى أسماء والطبيب معها وهما ينظران الى ياسمين فى دهشة وهى ترتدى القناع الخاص بها وينظرا الى بعضهما البعض ، نظر الى ياسمين من جديد وهو يتنهد ويتساءل فى نفسه ترى الى اين ستأخذه هذه الفتاة ؟؟
*******************************************************************
عادت ندى من عملها والقت الحقيبة فى غيظ على الفراش ، لقد رفض مديرها ان يستلم احد زملائها العمل عوضا عنها فى فيلا احمد ، لم تجد اى مبرر تسوقه اليه حين سألها عن سبب لما تفعله ، اذن فعليها من الغد ان تقضى اغلب وقتها فى الفيلا حتى ينتهى العمل ، وأحمد هذا أليس لديه عمل يذهب اليه ؟؟ام انه سيظل يأتى كل صباح ليتابع العمل فى الفيلا بنفسه ، وخطر على بالها سؤال آخر اليس لديه عائلة ؟؟، الم يتزوج الى الان ، لم تلحظ بيده دبلة للزواج ولو كان فعلها لما تقرب منها بهذه الطريقة ، ولكن عليها ايضا ان تخبره بارتباطها بادهم ، تنهدت وهى تردد فى نفسها "ادهم" ، أخرجت هاتفها فوجدت العديد من المكالمات الفائته منه فلقد نسيت الهاتف على وضعية الصامت ولم تنتبه له  ، وقفت امام مرآتها للحظات وهى تفكر ، العقل والمنطق وكل شىء يخبرها ان ادهم هو الأنسب ، ولكن هذا القلب الملعون لما لايزال يرتجف هكذا دون اى قرار ، مالذى يحدث له حين يقترب أحمد ، مالذى فعله ليذكيه عن أدهم ، هزت رأسها وهى تنفى ، لا ، انها لاتحبه ، هو مجرد ذكرى ، وقصة لم ولن تبدأ ابدا ، وهذا الارتباك الذى تشعر به طبيعى للغاية ومع مرور الوقت سينتهى ، رفعت هاتفها وتحدثت الى ادهم وطلبت منه أن ياتى فقد قبلت دعوته على الغداء ، قررت اخيرا ان تعطى الفرصة لأدهم وليس احمد .
****************************************************************
” اوكى يا حبيبتى انا جايلك ”
قالها ادهم بينما يقود سيارته ويضيق عينيه  ليتعرف على فتاة وقفت على جانب الطريق  ، وما ان تأكد حتى اوقف سيارته ، لقد كانت رنا ، نقر نفير السيارة لتلتفت له ، فابتسمت بمجرد ان رأته، سألها عن سبب وقوفها هكذا فأخبرته ان سيارتها معطلة وقد اضطرت لأخذ سيارة أجرة  ، دعاها ادهم للركوب ليقوم بتوصيلها ، فجلست الى جواره فى سعادة من هذا الاهتمام البسيط وهى تقول ” معلش هتعبك ”
ادار ادهم السيارة من جديد وهو يقول ” انا رايح عندكو على كل حال ”
ضغطت رنا على شفتها فى خيبة أمل واشاحت بوجهها الى النافذه وبعد دقائق من الصمت قالت ” انتو ليه لحد دلوقتى محددتوش معاد للخطوبة رسمى ”
قال ادهم دون ان ينظر لها ” براحتنا ..انا عن نفسى مش مستعجل ”
تنهدت فى حزن ،كيف يقسم القدر الحظوظ ،ندى لاتحمل له معشار ما تحمله هى له ومع هذا يهيم بها عشقا  ، قطع افكارها ادهم وهو يقول ” لسة زعلانة منى ؟؟“
ردت وعيناها فى النافذه لتتجنب مواجهته ” من ايه ؟؟“
هز كتفيه قائلا ” يعنى ..اخر مرة كنت عصبى معاكى شوية ”
تذكرت رنا هذا اليوم وتهديده ووعيده لها فاحتقن وجهها وارادت ان تنفجر بتلك الكلمات التى لم تستطع ان تقولها فى هذا الوقت فنظرت اليه قائلة ” ادهم انت عارف انت ايه بالنسبالى ”
تنهد ادهم فى عمق وهو يصف سيارته جانب الطريق قائلا ” بلاش يارنا ”
واصلت رنا وهى تمسح دمعة نافرة من عينها ” بلاش ايه ..بلاش اقولك انى بحبك يا ادهم ”
هتف ادهم فى حدة ” رنا !!!“
ابتسمت رنا فى سخرية حزينة ” حاول تتجاهلها زى ما انت عاوز .بس ادينى قولتهالك فى وشك على الاقل مش هيجى يوم اندم فيه انى مقولتهاش ”
امسك ادهم بجبينه بين سبابته وابهامه قائلا ” رنا ...انتى لسة صغيرة وياما هتشوفى وهتقابلى ..واوعى فى يوم تغلطى الغلطة دى ..اوعى تصارحى حد بمشاعرك ومن غير ما تتأكدى انه شايلك جواه قدها مليون مرة ”
وأضاف وهو ينظر لها فى جدية ” او على الاقل مش شايل جواه مشاعر لحد تانى ”
لم تستطع رنا ان تحبس دموعها اكثر فسالت على خديها غير عابئة بارادتها من عدمها لتقول فى حرقة ” ليه حبيت ندى ؟؟...عشان فيها ايه مش موجود فيا ؟؟“
امسك ادهم بعجلة القيادة وهو يقول ” وانتى لما حسيتى انك بتحبينى كان فيا ايه زيادة عن اى حد تانى ”
هزت رنا رأسها فى الم وهى تقول ” انا اصلا مبشوفش حد تانى غيرك ”
ابتسم قائلا ” وانا كمان مبشوفش حد تانى غيرها ”
أخذ ادهم عدة محارم ورقية وناولها لرنا وهو يقول ” شوفى يا رنا ..كويس ان الموضوع ده اتفتح عشان منرجعش نتكلم فيه تانى ..انتى هتفضلى زى اختى ..وعارف انى بوجعك بكلامى بس دى الحقيقة ومش هينفع اضحك عليكى ..انا بحب ندى وده شىء مش هيتغير ابدا مهما حصل فحاولى انتى كمان تحبيها ومتضايقهاش ”
واصلت رنا البكاء فى حرقة فرفع ادهم رأسه للاعلى يفكر كيف يخرج من هذا الموقف الذى وضع نفسه فيه فقال محاولا ابداء تعاطفه معها ” رنا انا آسف ..بس كان لازم اقولك كدة عشان افوقك وعشان متستهلكيش مشاعرك مع الشخص الغلط ..مسيرك يوم ه...“
قاطعته رنا فى حدة قائلة ” كفاية ..انا حافظة الكلمتين دول ..متتعبش نفسك ..من فضلك عاوزة اروح ”
شعر ادهم بالشفقة عليها ، ولكن شعوره بالراحة كان أقوى ، فمنذ ان علم بفطنته ان رنا تكن له مشاعر خاصة تظهر من خلال ابتساماتها ونظراتها ومعاملتها الجافة لندى وهو لم يفعل اكثر من ان تهرب منها وتجاهلها  لتصرف نظرها عنه ، ولكنها هى من فرضت عليه اليوم ان يتحدث معها بصراحة لينهى ذلك الامر العالق بالنسبة لها ، دموعها كان يراها بطرف عينه وهو يقود سيارته ، كان يحزنه صوت نشيجها ولكن كل ماكان بحوزته من كلمات التعاطف قد استنفذها ، ولا يريد ان يؤذيها بنظرة شفقة منه تجرح كرامتها .
****************************************************************
انتبهت ندى على صوت ادهم وهو يناديها ويشير الى طبق الايس كريم امامها والذى تحول الى سائل من تقليبها فيه دون ان تأكل ، نظرت ندى الى الطبق فى خجل ، لم تنطق بحرف منذ ان أتت معه ، كان هو من يتحدث وهى تهز رأسها وتبتسم بعينين شاردتين وهى لاتعرف ماذا يقول ، كان عقلها فى مكان آخر مع شخص آخر مهما حاولت ان تبعده عن خيالها او تزيحه يعود بقوة ليظهر امامها كأنه يتحداها، تحاول دائما الهروب منه فى العمل كلما حاول الاقتراب منها بتوجيه تعليماتها الى العمال او بخلق محادثة مع اى شخص على الهاتف ، ورغم ذلك تراقبه عن بعد دون ان يشعر وربما دون ان تشعر هى الاخرى بما تفعله ، تشعر بسعادة غريبة تنكرها على نفسها وهى تراه يبتسم او يأكل او يشرب متذكرة تلك اللحظات التى كانا قريين فيها بشدة ، عادت بصوت ادهم الى الواقع من جديد وسمعته يقول ” مش عاجبك ...انا قولت نغير المكان بس ”
ابتسمت وقالت فى توتر ” لا ده حلو جدا ..بس باين انا اللى سرحت شوية ”
قال بنظرة حانية ” ايه اللى ممكن يزعلك وانا موجود ”
حنانه ورقته وعطفه يجعلها تشعر بالخجل من روحها ، لاحظت الارهاق الذى بدا على ملامحه حين رفعت وجهها لترد عليه فقالت فى اشفاق ” ادهم ...شكلك تعبان اوى ”
هز رأسه فى تعب وهو يقول ” اكيد اللى حصل امبارح والنهاردة مش شوية ”
قطبت حاجبيها فى استفهام قائلة ” وايه اللى حصل امبارح والنهاردة ”
نظر لها ادهم فى دهشة وقال ” ندى انا كنت بقول ايه من الصبح ؟؟“
تنحنحت ندى فى خجل ، لقد كان يقص لها عن مشاكله وتعبه وهى فى واد آخر غير عابئة به فقالت محاولة اخفاء خجلها ” اسفة يا ادهم ...انا كمان مرهقة جدا ومتوترة شوية ...معلش ممكن تستحملنى وتقولى ايه اللى حصل ؟؟“
اخذ ادهم نفسا عميقا وهو ينظر الى الاعلى قائلا ” ماما تعبانة شوية ..وكان عندى مشاكل فى الشغل ”
شهقت ندى وهى تضع يدها على ثغرها ” مالها يا ادهم ؟؟؟ومقلتليش ليه عشان اجى اطمن عليها ”
ـ محبتش اقلقك ..ماما مرضها بالقلب مزمن ..ومشاكل الشغل خلاص بقت روتين يومى اتعودت عليه ”
قالت فى أسى ” ربنا يشفيها يارب ” ثم نظرت اليه فى ابتسامة قائلة ” بس انت امبارح كلمتنى عادى ولا كأن الدنيا مدربكة حواليك ”
انحنى قليلا وهو يقول فى جدية ” وهوا الدنيا لما تتدربك ده مش هيخلينى اطمن عليكى ؟؟...هو انت فيلم ولا مسرحية اشوفها بس لما اكون فاضى ...انتى اهم حاجة فى حياتى يا ندى ..انتى قبل الشغل وقبل اى حاجة ”
كانت تريد ان تضع يدها على ثغره حتى يتوقف عن الكلام ولا يشعرها بالذنب اكثر ، رفعت عينها الى عينه فوجدت الحب باديا ساطعا كسطوع الشمس ، نكست من رأسها لتهرب من الحقيقة فامتدت انامل ادهم لترفع وجهها اليه قائلة ” مالك يا ندى ؟؟“
ردت بتلقائية غريبة ودون وعى وبهمس ” خايفة ”
سحب يده وتاملها للحظات صامتا ونظر الى النافذة قبل ان يقول فى تردد ” ندى ...انتى عاوزة تتراجعى ؟؟؟“
تفاجأت ندى بكلماته وشعرت وكأنه يكشف النقاب عما تخفيه وعما يدور فى عقلها فقالت محاولة اخفاء توترها ” ايه التحدى خلص ؟؟؟“
ابتسم قائلا ” لسة حتى ما ابتداش بس لو مش عايزة تكملى فيه وحاسة انى بضغط عليكى ..بلاش ”
ضمت ندى يديها الى بعضهما البعض واستندت بذقنها عليهما وهى تقول ” شكلك انت اللى زهقت وخايف تخسره ”
رفع حاجبيه وخفضهما قائلا ” بالعكس انا واثق انى لو كملت هكسبه من غير شك ”
ضحكت ندى وقالت ” والثقة دى جايبها منبن ؟؟“
قال فى حب ” من مشاعرى يا ندى ..اللى جوايا ليكى مفيش راجل على وجه الارض يقدر يشيله ناحية ست ..واثق ان مفيش حد ممكن يحبك ولا يخاف عليكى قدى ”
وكأنه يخبرها ان تلك المشاعر نادرة الوجود والتى تتمناها اى امرأة من رجل مثله هى الآن بين يديها ، لها القرار فى  ان تحافظ عليها او الا تعطيها بالا وتذهب لتبحث عن اخرى تحتاج زمنا لتثبت مصداقيتها ، حديثه زاد حيرتها وزاد من شعورها بالذنب ، تعلق ادهم بها يزداد مع هذا القرب وعليها ان تضع له حدا ، وجدت نفسها تقول وهى توجه نظرة واثقة الى عينيه ” ادينى شهر ..بعده هقولك نكمل ولا لا ”
الشهر الذى اختارته هو المدة التى سينتهى فيها العمل فى فيلا احمد ، حينها ستنهى بيدها اى علاقة لها بالماضى او تواصل الماضى بالحاضر بعيدا عن كل شىء ، حينها ستقرر هل حقا استطاعت تجاوز الماضى وأصبحت بحاضرها ومستقبلها كله مع ادهم ام ماذا ؟؟.

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 12:41 pm



الفصل السابع
توقفت سيارة فارهة أمام مقر مجموعة الالفى الشهيرة والتى تعد امبراطورية اقتصادية عريقة وقوية ليس فى مصرفقط بل فى الشرق الأوسط بأسره ، أسسها محسن الالفى الذى كان له دور فى بناء الاقتصاد الوطنى منذ عشرات السنين وورث الامبراطورية من بعده ولده الوحيد عبدالرحمن الذى تطورت الشركات على يده وتشعبت أعمالها اكثر ، وكان لعبد الرحمن ولدين الاكبر أيمن والاصغر ادهم ، فوقع العبء على الأول ليتجهز لادارة الامبراطورية العظيمة من بعد والده ، خاصة بعد ان اختار ادهم ان يبتعد عن كل هذا ويسلك طريقا منفردا خاصا به ، فزاد الحمل اكثر على ايمن الذى أدخله والده الى سوق العمل وهو بعد لم يتجاوز الثامنة عشر ، وما أثار دهشته هو النجاحات التى كان يحققها أيمن فى هذا العمر الصغير ، حتى كان يحسده كل منافسيه على ولده الذى اخذ يؤهله ليكون نسخة أخرى منه تستطيع المحافظة على كل هذا المجد الاقتصادى الواسع ، وبالفعل أصبح ايمن ينتقل من نجاح الى آخر وازدهرت المجموعة تحت ادارته اكثر واكثر ، وأضحت هى الأولى بلا منازع ، وبات الجميع يهاب أيمن ويقيم له الف حساب .
دار السائق حول السيارة ليفتح الباب لأيمن الذى هبط فى خطوات واثقة الى باب المجموعة حيث كان فى انتظاره آخر حمل حقيبته واتجه معه الى المصعد ليفتح الباب له ويستقله معه ، خلع أيمن نظارته الانيقة والتفت بحركة تلقائية الى المرآة ليتأكد من هندامه وقبل ان يبتعد بوجهه عنها ، ثبت نظراته للحظات وهو يدقق الرؤية جيدا ،لقد كان يراها هى ، بعد مرور اكثر من ثلاثة عشر عاما لا زال يراها فى كل مرآة تماما كما رآها لاول مرة ، بعد ان انتهى كل شىء وانتهت مشاعره واصبح نسخة اخرى من والده لازال يراها حتى أصبح يكره اى مرآة ، فهى تذكره بأنه فى يوم ما كان انسانا يملك بعض المشاعر ، قبل ان يتلقى الضربة القاصمة ، تنهد وهو يعود بذاكرته للقاء الاول منذ اكثر من عشر سنوات ، كان فى الثالثة والعشرين من العمر ، كان يقف ايضا امام مرآة يجرب سترة فى احدى المحال حين وجد انعكاس صورتها فى مرآته وهى تبتسم كملاك قائلة ” حلو اوى يا فندم ..المقاس مظبوط ؟؟؟ولا تحب نغيره ” ، تأملها للحظات فى المرآة قبل ان يلتفت اليها قائلا ” انتى مين ؟؟“ ، تنحنحت فى خجل قائلة ” انا بشتغل هنا فى المحل ..اسمى شهد ”
لا يدرى كيف ولماذا تنازل عن جديته وهو ليس من النوع الذى تفقده فتاة عقله ايا كان جمالها وهى لم تكن صارخة الجمال ، بل كانت ملامحها هادئة وبريئة للغاية ، ابتسم فى رقة تناسب برائتها وهو يقول“ وانا ايمن ” ، ومن هذه اللحظة اصبح ايمن يراها فى كل مرآة ينظر اليها و...“ أيمن باشا ” ، انتبه على نداء الساعى فخرج من المصعد وكأنه يخرج من ذكرياته ليعود الى واقعه من جديد ، ليعود الى ايمن رجل الاعمال الناجح الذى حمله أبوه منذ نعومة أظافره مسئولية الحفاظ على الامبراطورية ايا كان الثمن وتحمل معها مسئولية اخيه وامه الذى لم يعد يربطه بدنيا المشاعر والحب شيئا غيرهما .
******************************************************************************
الايام والظروف المتشابهة والوحدة كل تلك العوامل كانت كافية لصنع صداقة بين مرام وندى ، خرجت صداقتهما عن حدود الجيم فأصبحا يلتقيا فى اكثر من مكان ويتسوقا سويا ويبثا بعضهما البعض الهموم ، بدأت مرام الحديث فى هذا اليوم بينما كانا يتناولان الطعام فى احدى المطاعم قائلة فى مرح ” بحس يا ندى ان عندك حكاية ..مخبياها جوة عنيكى دى ”
قالت ندى وهى تلتهم طبق السلطة امامها ” وانتى يا مرام ..شكلك عندك حكاية اكبر ”
قالت مرام وهى تعبث بشوكتها ” ومحتاجة احكيها لحد وميقوليش انى مجنونة ”
تركت ندى الطعام وقالت ” مجنونة !!!...للدرجادى ”
هزت مرام رأسها وهى تقاوم البكاء قائلة ” انسى ..هتحكيلى انتى الاول ”
شعرت ندى ان مرام بحاجة اكثر الى الكلام فالكلمات كانت على طرف لسانها ولكنها تراجعت فقالت فى صوت حنون ” مرام ..عاوزة اسمعك انتى الاول ”
تنهدت مرام ونظرت الى ندى نظرة طويلة ثم عادت لتنظر الى طبق المعكرونة امامها وهى تعبث به بالشوكة قائلة ” انا اتعس زوجة فى العالم .“
شهقت ندى فى دهشة وقالت ” معقول ...برغم كل اللى بتحكيه عن اهتمام وحب جوزك ”
واصلت مرام ” ندى ارجوكى سيبنى اتكلم من غير ما تقاطعينى ..يمكن دى المرة الوحيدة اللى هقدر اتكلم فيها واطلع اللى جوايا ”
هزت ندى رأسها فواصلت مرام ” مفيش ست فى الدنيا اتعس من انها تعيش مع جوزها وتحس ان غيرها بتشاركها فيه وهيا مش موجودة ...يعنى عدم وجودها اقوى من وجودى ..اول مرة حسيت ان سليم بيحاول يقربلى لقيته بيقولى انتى بتفكرينى بواحدة حبتها زمان ..وانا قولت اكيد بعدها كل حاجة اتغيرت ...اكيد كبرنا ونضجنا ومبقاش فيه مكان لاحلام المراهقة والطفولة ..بس ماطلعش حقيقى ”
نظرت مرام الى ندى التى كانت تحافظ على صمتها احتراما لرغبتها فواصلت مرام بعد ان مسحت دمعة حارقة على خدها ” عارفة يعنى ايه تبقى متجوزة واحد وحاسة ان فيه حد واقف بينكو ..عارفة بعنى ايه جوزك وهوا نايم جنبك ينادى عليها فى احلامه .انا ببقى حاسة كأنى شامة ريحتها ..كأنها بتبقى نايمة بينا احنا الاتنين ...وبالرغم من كل ده مقدرش أتخلى عن حبه جوايا ..كل يوم حبى بيزيد ليه أكتر وخوفى بيزيد اكتر واكتر ..ندى انتى متخيلة انى مش خايفة من انه يكون بيخونى ...متخيلة انى حتى مش عاوزة اتأكد او ممكن اكون خايفة اتأكد ...انا كل اللى بيرعبنى انه يسبنى ويروحلها ..انا مقدرش اعيش من غيره ..انا مريضة بحبه وعشانه ممكن اعمل اى حاجة ..من غيره حتى مش بقدر اتنفس ..بتخنق ”
لم تستطع مرام المواصلة فأخفت وجهها بين كفيها لتخفى دموع ضعفها وقلة حيلتها عمن حولها ، نظرت ندى الى الناس لتتأكد ان احدا لم يلحظ هذا ، ورفعت يدها تربت على كف مرام قائلة فى اشفاق ” مرام حبيبتى اهدى ”
وانزلت كفيها من على وجهها ونظرت اليه بعد ان اغرقته الدموع وهى تقول ” هيا مش موجودة ...هيا انتهت من حياته ..انتى دلوقتى اللى بتشاركيه كل لحظة فيها ..انتى الواقع وهى مجرد خيال ”
ابتسمت فى سخرية قائلة ” ومن فينا مبيحبش يعيش مع الخيال اكتر من الواقع ”
قالت ندى فى جدية ” بس فى الآخر لازم يرجع للواقع ويعش الحياة اللى المفروض انه يعيشها ..هيا انتهت مبقتش موجودة ..الوقت والزمن هيحولوها لمجرد ذكرى ”
قالت مرام فى قلق ” ولو فى يوم اتقابلو او شافها ”
هزت ندى كتفيها قائلة ” اكيد مش هيضحى بحياته معاكى يا مرام عشان شوية ذكريات ...واكيد هيا كمان مش هتكمل معاه على حساب مراته ”
ـ تفتكرى يا ندى
قالت ندى فى عطف ” اى واحدة محترمة متقبلش تربط سعادتها بتعاسة حد تانى ..اى واحدة محترمة متقبلش انها تبنى بيتها على انقاض بيت تانى هيتخرب فوق راس واحدة غيرها ”
نظرت مرام الى النافذة وهى تقول فى مرارة ” وانا ياترى هقبل ان حياتى تكون متعلقة بقرار حد تانى ”
قالت ندى محاولة زرع جو من التفاؤل ” وليه نسبق الاحداث ..وليه نتخيل وجود حاجات مش موجودة ..مرام اللى بتحكيه عن جوزك ميعملوش غير راجل بيعشق مراته فعلا ...كل التفاصيل دى ميعملهاش غير حد بيحب بجد ”
مررت مرام يدها على وجهها وقالت ” او حد حاسس بالذنب لأنه مش قادر يكون معايا بقلبه فبيحاول يعوضنى ويعوض نفسه فى نفس الوقت وهوا بيتخيلنى حبيته فى كل حاجة بيعملهالى ”
تراجعت ندى ورفعت حاجبها فى اعتراض قائلة ” لا بقا انتى خيالك واسع زيادة عن اللازم ”
اغلقت مرام عينها للحظات حاولت بعدها الابتسام وهى تقول ” للاسف يا ندى فى حاجات محدش يقدر يحس بيها غير اللى عايشها ولو كل اللى حواليه شايفينها وهم ” حاولت التخلص من تلك الحالة ونظرت الى ندى محاولة تصنع المرح قائلة ”وانتى بقا هتقوللى حكايتك ؟؟“
تفاجئت ندى بالسؤال هذه المرة وللحظات فكرت فى ان قصتها قد تكون متشابهة مع اختلاف الادوار فربما تبدو لمرام و كأنها مكان زوجها المتعلق فى ستائر الماضى ناسيا حاضره ، ولكنها فى حيرة فالماضى امامها ليل نهار والمستقبل والحاضر امامها ايضا وهى عاجزة عن الاختيار ، لذا فلم تخبر مرام اى شىء عن قصتها حتى لاتراها فى مكان زوجها لا محالة ،ستراها ظالمة ، وربماكان هذا حقيقيا وان رفضت الاعتراف بينها وبين نفسها ، تهربت من السؤال واستغلت حالة مرام وقتها ووعدتها انها ستقص لها قصتها فى يوم آخر وهى تعلم جيدا انها لن تبر بوعدها ابدا .
*********************************************************
تبقى ما يقرب من ساعتين على انتهاء النوبتجية الليلية وبدأت الاجواء تهدأ نوعا ما ، استأذنت اسماء لحظات لترد على هاتفها ، اختلس عمر نظرة الى ياسمين التى بدا عليها الارهاق بشدة ، كان يتمنى اى فرصة يستطيع بها الحديث معها على انفراد ويعرف انه من الصعوبة ان يتكرر موقف كموقفف المطر من جديد ، لذا فحين خرجت اسماء شعر بان هذه فرصة جيدة ، ولكن تاهت كلماته ولم يعرف حقا من اين يبدأ فقال ” شكلك تعبانة اوى ”
ردت ياسمين وهى تحرك رأسها يمينا ويسارا فى ارهاق واضح ” فعلا كانت نبطشية مرهقة جدا ”
نظر الى ساعته قائلا ” خلاص اهى هانت والدنيا هديت خالص ” ، وتنفس فى يأس وهو يرى اسماء تدخل من جديد وقالت وهى تنظر الى هاتفها قبل ان ترفع نظرة سريعة الى وجه ياسمين ” دكتورة فى حد عاوزك برة ”
لوى عمر فمه فى انزعاج بينما نهضت ياسمين فى كسل وهى تتساءل ” مين يا اسماء ”
هزت اسماء رأسها فى لا مبالاة وهى تقول ” مش عارفة يا دكتورة والله ..ممكن حد من اهل الحالات عايز يطمن على ابنه ولا حاجة ” .
تابعها عمر وهى تخرج من الغرفة ورمق اسماء التى كانت تطالع هاتفها وتمنى لو خنقها بيده ، استرخى فى مقعده واخرج هاتفه ليعبث به وبعد دقائق عادت ياسمين وما ان وطأت قدمها ارض الغرفة حتى تبعها طبيب من الاستقبال والطوارىء ، اخبرهم بعد القاء التحية ، ان هناك حادث بالقسم وهو بحاجة الى مساعدتهم لسد عجز الاطباء كالعادة ، زفر عمر فى غيظ وهو يتمتم ” انا عارف انها ليلة باينة من اولها ” ، ورمق اسماء التى كانت تعبث فى هاتفها وقال فى مزاح لم يخفى منه غيظه ” يلا يا اختى انتى كمان بتليفونك ده ” .
وفى استقبال الطوارىء كانت هناك العديد من الحالات التى تحتاج الى رتق للجروح ، بدا عمر وياسمين العمل مع باقى الاطباء ، انتهى عمر من ثلاثة حالات بينما وقفت ياسمين على نفس الحالة وهو ما اثار دهشته فياسمين ماهرة وسريعة جدا والحالة قد رآهاا لا تحتاج لكل هذا الوقت ، لذا فحين انتهى من الحالة الاخيرة ولم يتبق سوى الحالة التى تعالجها ياسمين ، اقترب منها وفى الزحام لم تستطع ان تشعر بوجوده ، واستطاع هو ان يلحظ ارتعاد كفها وشرودها الذى تحاول التغلب عليه بهز رأسها بين الحين والآخر لتستفيق ، شعر بعدم قدرتها على مواصلة العمل ، فأراد ان يخفف عنها العبء فلازال يحتفظ بطاقته ، ولكنه خشى فى الوقت نفسه من رد فعلها ، ولكن فجأة استدارت ياسمين له وكأنها تشعر بوجوده منذ ان جاء ولم تتفاجىء به ، مدت يدها له بالادوات قائلة ” دكتور عمر ..انا تعبانة اوى ..ممكن تكمل انت ”
نظر عمر فى قلق الى عينيها التى تفتحها فى صعوبة والى بشرتها الشاحبة وهو يتناول منها الادوات قائلا ” اكيد طبعا ممكن ت...“ولم يكمل جملته فقد اختفت من امامه .
عاد عمر الى غرفة استقبال الاطفال من جديد ، وقد تبقى على انتهاء النوبتجيه حوالى ربع الساعة ، بحث بتلقائية عن ياسمين بمجرد دخوله فلم يجدها ، وجد فقط اسماء تفرك عينيها كعلامة يومية على اقتراب انتهاء النوبتجية ، ازداد قلق عمر ولم يكن لديه الوقت ليلم نفسه كالعادة على اى مشاعر تجاهها فحالتها التى رآها عليها قد اربكته ، تنهد وهو شبه متاكد من المكان الذى تتواجد فيه ، يريد فقط الاطمئنان عليها من بعيد وسيذهب ولن يفسد خلوتها بنفسها .
ولكن حين وصل الى باب المشفى توقف للحظات وهو يفكر لماذا هو قلق عليها الى هذا الحد ؟؟، من تكون ياسمين هذه بالنسبة اليه ؟؟، لماذا اصبحت تشغل تفكيره فى الاونة الاخيرة ؟؟، لم يعد الامر مجرد فضول او مجرد لغز يريد فك طلاسمه ، بل هو شىء اكبر من ذلك ، هز عمر رأسه فى قوة لينفى هذا الهاجس ويزيحه تماما من عقله ، وواصل طريقه محاولا اقناع نفسه بأى شىء ، حتى زال كل شىء وتحدثت فقط مشاعره وقد كاد ان يقفز من مكانه فى تلك اللحظة التى رآها على الارض مغشيا عليها وقد سقط حجاب رأسها عنها ، ركع عمر فى هلع على ركبيته ورفع رأسها قليلا واخذ يضرب على وجهها ويناديها دون جدوى ، أحس نبضها ضعيف للغاية ، وبيديها باردتين وبالشحوب يزداد ويزداد ، نظر الى حجابها الذى تهاوى على كتفيها فأخذ طرحتها ووقف ينظر لها فى حيرة ، لا يعرف كيف يلفه حول رأسها ، فندى شقيقته ولبنى والدته لايرتديا الحجاب ، ولكن فى النهاية لفه حول رأسها كما كان يلف الشال على رأسه فى رحلات السفارى وكان هذا جيدا اذ استطاع ان يخفى شعرها بأكمله ، حملها عمرعلى ذراعيه دون تفكير ، وهو يحاول ان يسارع الخطى بقدر المستطاع وقبل ان يصل الى باب المشفى توقف وهو يفكر انه لايعقل ان يدخل بها هكذا على ذراعيه بين زملائه ، لمح امامه احد الاسرة المتحركة فنادى من كان يدفعه ووضعها عليه واخذها بسرعة الى غرفة الاستقبال .
****************************************************************
” تطلبى حاجة يا بشمهندسة ..احنا هنجيب فطار بس عشان حضرتك نزلتينا بدرى اوى وملحقناش ” ، قالت ندى وهى تجلس على كرسى فى الشرفة المطلة على الحديقة ” لا يارضا متشكرة ” ،الح رضا كعادته ولكن فى النهاية تركها وعاد الى زملائه ، اخرجت ندى التابلت الخاص بها واخذت تتصفح صور الاثاث التى اختارتها مع أحمد ، ابتسمت فى رضا فالعمل يسير بشكل جيد وقريبا سيتم تسليم المنزل ، كانت تشعر بالقلق احيانا الاتقوم بعملها بشكل جيد فيقلل ذلك من قيمتها امام أحمد ويشك فى موهبتها ، رفعت نظرها من على التابلت وهى تردد اسمه بداخلها ” احمد ” ، لقد حاول مرارا وتكرار طوال الفترة الماضية التحدث اليها وهى تصده بكل الطرق ، ربما للحد الذى جعله ييأس ولا ياتى لمتابعة العمل طيلة الايام الماضية ، ورغم شعورها بالراحة لتخلصها من نظراته التى كانت تشعر انها تقيدها الا ان شعورا بافتقاده كان يزعجها ، نظرت الى التابلت من جديد وفتحت حسابها على موقع التواصل الاجتماعى ووجدت نفسها تتجه الى خانة البحث وتكتب اسمه الاول احمد ، بعدها توقفت لتتذكر ماذا كان لقبه وهل يكتب حسابه باسمه ولقبه ام باسمه واسم ابيه ، تفاجأت بصوت من خلفها يقول ” مليش اكونت على الفيس وانتى عارفة كدة من زمان ”
انتفضت ندى وهى تضع يدها على صدرها وسقط التابلت فى حجرها فسارعت من جديد وامسكت به وضمته الى صدرها فى توتر ، خرج أحمد من خلفها ووقف الى جوارها قائلا ” خضيتك انا آسف ...انا كنت ...“
قاطعته ندى بسرعة وكانها تنفى عن نفسها تهمة ودون حتى ان تنظر الى عينيه ” انا مكنتش بدور عليك على فكرة ” وواصلت فى حدة ” هوا محدش فى الدنيا كلها اسمه احمد غيرك ”
ابتسم احمد ابتسامة أغاظتها ووقال ” خلاص ..انتى متضايقة ليه ؟؟“ ، ونظر الى العمال وهم يفترشون الارض ويتناولون افطارهم وقال ” انتى مش عاوزة تفطرى انتى كمان ؟؟“
ردت فى عصبية ” مش عاوزة ..انا اصلا مبفطرش ”
كانت تشعر وكأنها ضبطت متلبسة بتهمة ولذلك كانت تتحكم فى اعصابها وانفعالها بصعوبة وحين رفع هاتفه قائلا ” لا انا هطلب اكل ليا وليكى ”
صرخت فى عصبية ” قولت مش عاوزة ”
نظر احمد وندى مباشرة الى العمال الذين التفتو الى صوتها فقالت فى احراج وهى تنهض من على كرسيها ” انا آسفة بعد اذنك ”
وقالت وهى تعطيه ظهرها ” محتاجة بس اتابع شوية حاجات ”
وجدت احمد يقترب ليقف امامها قائلا ” هروبك المرة دى مش هيفيدك انا مصر اتكلم معاكى ” ، ازعجتها كلمة هروب ، هل لازال يظن انه بداخلها او انها تخشاه ، قالت فى تحد وبابتسامة ” اهرب ..اهرب من ايه وليه ؟؟“
رد احمد وهو يشير بكرسى لها لتجلس ” خلاص اقعدى واسمعينى مادام مبتهربيش ولا خايفة ”
ابتلعت كلمته التالية بصعوبة وجلست وكلها اصرار ان تواجه ماتهرب منه حقا وتنهيه ، جلس احمد فى كرسى مقابل لها وقال ” وهو يشبك اصابعه وينظر لها ” ندى ..انا عارف انك زعلانة لانى مكنتش موجود معاكى فى اى حاجة فاتت و...“
وقبل ان يواصل قاطعته ندى ” انت ليه مصر تتكلم فى ده ..احنا مكنش فيه بينا حاجة تحتم عليك تكون موجود ..احنا كنا مجرد زملا او اصدقاء وعادى يعنى محدش من اصحابى وقف جنبى فى اللى انا كنت فيه ”
قال فى الم ” ندى ..انتى عارفة زى ما انا عارف ان احنا ماكناش لبعض مجرد زملا او اصحاب ”
ازدردت ندى ريقها ووضعت يدها تدلك رقبتها فى توتر فواصل احمد ” اليوم اللى قولتلك فيه عاوزة اقولك على حاجة ومشيت ..عارفة كنت عاوزة اقولك ايه ..عارفة ليه مشيت ”
نهضت ندى بسرعة ووقفت تستند الى جدار الشرفة وانحنت للامام قليلا وهى تتنفس فى عمق لتزيح توترها فتبعها احمد بدوره وقال ” كنت عاوز اقولك انى ...“
قاطعته ندى ” احمد ” فواصل دون ان يبالى بها ” كنت هقولك انى بحبك ولسة بحبك وكأن كل اللى فات معداش ..انتى فاكرة انى روحت مكتب الديكور صدفة ..مش عايز اقولك انا فضلت ادور عليكى اد ايه ”
أغمضت ندى عينيها وقالت بصوت مختنق ” خلاص يا احمد كفاية كدة ”
قطب أحمد حاجبيه وقال وهو يقترب منها اكثر ” ليكى حق تزعلى وما تبصيش فى وشى تانى ..بس لازم تعرفى ان السنين اللى فاتت دى معدتش عليا بالساهل ..كنت بفكر فيكى كل يوم وكل دقيقة وكل لحظة ..فى كل حاجة كنت بعملها ..كنت بشوفك فى وش كل بنت ببصلها ..بغلط باسمك مع اى واحدة اناديها ..كنت فاكر انى لما ابعد هنسى ..وكل يوم كان بيعدى كنت بتوحشينى اكتر من اليوم اللى قبله ..ندى انا كنت قربت اتجنن “
احتقن وجه ندى وشعرت بحرارة تكاد تحرق وجنتيها وسؤال حبسته بداخلها طويلا واطلقت عنانه اخيرا فى لهجة الم وعتاب ” وانت ليه مشيت ؟؟“
نكس احمد رأسه فى الارض وهو يزفر فى الم فواصلت ندى وهى تهز رأسها فى ألم ” عشان سوء ظنك ...عشان افتكرت ان فيه حاجة بينى وبين ادهم ..مش كدة...مشيت من غير ما تفكر حتى تسألنى ”
رفع رأسه من جديد وتنهد قائلا ” مش بس كدة ”
عادت ندى الى الطاولة حيث اعطت ظهرها لاحمد وعقدت ذراعيها قائلة ” ومبقتش عايزة اعرف حاجة ..انا حاليا فعلا مرتبطة بادهم ”
قال دون ان يتحرك من مكانه ” عرفان وامتنان لوقوفه جنبك ..بس انتى عمرك ما حبتيه ”
التفتت اليه قائلة ” اديك قولتها هوا وقف جنبى وقت انت ما سبتنى لوحدى ..هوا دايما معايا حتى وهوا عارف انى مبحبهوش عمرى فى لحظة ما هبقى خايفة انى هيسيبنى ويمشى زيك ...حب من غير احساس بالامان ملوش اى قيمة ”
خطا باتجاهها قائلا ” وامان من غير حب ميخلقش سعادة يا ندى ”
شعرت ندى بأن كلماتها وطاقتها بأكملها قد نفذت وعقلها بدأ فى التشوش ، لم تستطع ان تبقى فى مواجهة عينيه اكثر من هذا وأيقنت انها خسرت تحديها وأنه لازال بداخلها مهما حاولت الانكار والتجاهل .

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية خيوط القدر (الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 12:47 pm



الفصل الثامن

طرق عمر باب استراحة الطبيبات فى رفق قبل ان تفتح له اسماء وهى تتثاءب فى ارهاق ، فقد طلب منها ان تظل الى جوار ياسمين حتى تسترد وعيها ، قال عمر وهو يتراجع للخلف ” اخبارها ايه دلوقتى فاقت ؟؟“ ، هزت أسماء رأسها وأشارت به الى جانبها حيث ظهرت ياسمين تحمل حقيبتها وتستعد للذهاب ، وجهها قد استرد بعضا من حيويته ولكن بقايا من الشحوب زادته جاذبية ، تذكر عمر حين حملها بالامس ولف الحجاب حول رأسها بيده لن يخبرها بذلك أبدا حتى لاتخجل منه ، قال بابتسامة وهو يخفض رأسه ” حمد لله على سلامتك ”
قالت وهى تلقى نظرة على أسماء وتخرج من الغرفة مغلقة الباب خلفها لتعطيها فرصة لتبديل ملابسها ” الله يسلمك ” وبدأت فى السير بعيدا عن الغرفة وهو الى جوارها قائلة ” هوا ايه اللى حصل امبارح بالظبط ..انا مش فاكرة حاجة ”
رد عمر وهو يضع يده فى جيبه ” كان عندك هبوط ..نسبة السكر كانت واطية جدا فاغمى عليكى ”
وقفت ياسمين وقالت فى تردد ” ومين اللى جابنى هنا ؟؟“
ارتبك عمر هل يخبرها بأنه يعرف ذلك المخبأ الذى تذهب اليه ، لم يشأ ان يفعل هذا ولا يعرف لما ؟؟، كعادة كل افعاله معها منذ ان عرفها فقال وهو يسبقها بخطواته ” انا ..لقيتك وقعتى فجأة ”
سمعها تقول فى دهشة ” على باب المستشفى ؟؟؟“
توقف لحظة دون ان يلتفت اليها قائلا ” ايوة ” ثم نظر الى الاطعمة والعصائر التى احضرها وقد نسى امرها تماما فاستدار لها قائلا ” ده اكل وعصير ..انتى لازم تاكلى كويس وتهتمى بصحتك اكتر من كدة ”
ابتسمت ياسمين من اهتمامه وقالت ” انا عامة مروحة دلوقتى وهاكل واشرب واعمل كل حاجة ”
قال عمر وهو يتراجع الخطوتين التى تقدمتهما ” ياريت تاخديهم وبلاش تهملى فى صحتك تانى ..انتى مشوفتيش حالتك امبارح كانت عاملة ازاى ”
لاحظ عمر اضطراب وجهها وهى تقول ” كنت عاملة ازاى ؟؟؟“
صمت للحظات يتأملها وعاد ليقول ” كنتى تعبانة اوى ..سكرك كان قليل جدا وده معناه انك مبتاكليش كويس بقالك فترة لو كان قل عن كدة كان ممكن تدخلى فى غيبوبة ..انتى دكتورة ومش محتاجة حد يوعيكى ” مد يده بما يحمله لها فتناولته فتقدم عنها خطوات وتوقف فجأة فى ذهول وهو يسمعها تناديه باسمه المجرد لاول مرة ” عمر !!!!“ لا يعرف ماسر السعادة التى ارتسمت على شفتيه حينها فى صورة ابتسامة شقية ، لا يعرف لما شعر ان اسمه قد أصبح له معنا آخر بعد ان نطقته بنبرتها المتعبة ، لم يلتفت الاحين عادت له رزانته من جديد وحاول اخفاء ابتسامته بقدر المستطاع فوجدها تخفض رأسها ثم ترفعه من جديد بخجل كاد ان يذهب بعقله وهى تقول ” شكرا يا عمر ..شكرا على كل حاجة ”
*************************************************************************
لم تجد ندى شخصا تبثه احزانها وحيرتها فتقابلت مع مرام ولكنها لم تخبرها بشىء ، ترددت كالعادة ، فذهبت الى شقة اخيها عمر وهى لم تقرر هل ستخبره ام لا ، ولكن مجرد حديثها معه فى أى شىء يريح بالها ويخفف عنها ، ربما أيضا كانت فى شوق للحديث معه عن تلك الياسمين التى لم ينهى الحديث عنها فى المرة السابقة ولكنها لحظت اهتماما غير مسبوق فى لهجته وهو يتحدث عنها ، وصلت ندى الى الشقة وفتحتها بنسخة مفتاح كانت معها ، حملت اقراص البيتزاالتى احضرتها معها الى المطبخ ، نظرت فى ساعتها وهى تتنهد بقيت ساعة على عودته ، تمددت على الاريكة وادارت التلفاز لتضيع الوقت ريثما يأتى ، وفجاة انقطع التيار الكهربائى وساد الظلام المكان ، ندى كان لديها خوف مرضى من الظلام منذ طفولتها ، ووجودها وحيدة اصابها بالذعر ، تحسست المنضدة تبحث عن هاتفها لتستخدم الكشاف الخاص به فلم تستطع الوصول اليه ، انكمشت على نفسها وهى ترتعد خوفا وتدعو الله الا يطول هذا او يأتى عمر، وبعد دقائق شعرت بالباب يفتح فنهضت من مكانها مسرعة وهى ترفع ذراعيها امامها تضرب الهواء حتى تصل الى اخيها وحين تحسست جسده صرخت وهى تلقى نفسها فى حضنه ” عمر ...نور اى حاجة الكهربا قاطعة ..انا خايفة ” تشبثت به ولفت ذراعيها حول وسطه وهى ترتعد ، شعرت به بعد دقيقة يحكم ذراعيه حولها ويربت على ظهرها وهو يسند ذقنه على رأسها ، هتفت فى ذعر ” نور اى حاجة يا عمر بسرعة ”
وقبل ان تنهى جملتها عاد التيار الكهربائى من جديد فاغلقت ندى عينيها للحظات لتتحاشى أذاه وهى ترفع راسها عن صدر اخيها وبدأت تفتح عيناها فى بطء قائلة ” مش عمالة اقولك نو.....“ وقطعت جملتها وهى تشهق فى ذهول وتتراجع للخلف ، لم يكن هذا الذى ارتمت بن ذراعيه عمر ، بل كان ادهم ، تعلقت يدها فى الهواء وهى تشير اليه دون ان تنطق ، فقال ادهم وهو يقترب الخطوة التى ابتعدتها ” انتى كويسة ؟؟“
ازدردت ندى ريقها وقالت وهى تحاول ان تقاوم الذهول الذى اعتراها ” انت ..انت معاك مفتاح للشقة من امتى ؟؟“
رد ادهم بسرعة ” انا مش معايا مفتاح ...انا عمر عدى عليا فى الشغل وبعدين جينا على هنا سوا ..بس هوا بيشترى حاجات من السوبر ماركت اللى تحت وادانى المفتاح اسبقه على ماييجى..أكيد مكنش يعرف انك هنا ”
أدارت ندى ظهرها لادهم فى خجل وهى تقول ” فعلا انا مقولتلوش انى جاية ”
اقترب منها ادهم قائلا ” انا آسف لما لاقيتك خايفة مقدرتش ابعدك ”
دون ان تنظر ندى اليه اتجهت الى الباب وفتحته ووقفت تنظر الى السلم قائلة ” هوا عمر بيشترى ايه ده كله ؟؟“
ولم تنتظر الرد اذ رأت عمر فجأة امامها وهو يقطب حاجبيه من الدهشة قائلا ” ندى ؟؟...انتى هنا من امتى ؟؟“
ردت ندى بلهجة عاتبة ” كنت فين ياعمر ؟؟؟“
اشار عمر بالاكياس بيده وهو يقول ” بشترى شوية حاجات ” تجنبت ندى النظر فى عينى ادهم ومرت من جواره الى مائدة الطعام قائلة ”طيب تعالو يلا ..انا كنت جايبة بيتزا ..هدخل اجيب أطباق ” دخلت ندى او فرت الى المطبخ وهى تبحث عن الاطباق فى توتر ، كانت تعرف مكانها ولكن ماحدث منذ دقائق افقدها تركيزها ، هذه هى المرة الاولى التى يقترب منها شخص بهذه الطريقة غير عمر ووالدها رحمه الله ، وتساءلت فى نفسها كيف لم تفرق بينه وبين عمر ، لقد احتواها بنفس طريقة اخيها وشعرت بأمان غريب وهدأ ذعرها تماما وهى بين ذراعيه ولم تشعر ابدا انه يستغل الموقف بشكل آخر ، لقد كانت ترتعد وترتجف وادهم ليس بالغلظة التى تجعله يدفعها بعيدا عنه ، شعرت بحبه فى هذه اللحظة اكثر من اى وقت آخر وابتسامة غير واضحة داعبت شفتيها الجميلتن تلاشت سريعا وهى تتذكر احمد والخناق الذى يزيد عليها يوميا فى مواجهته .
حملت ندى الاطباق واتجهت بها الى الصالة فوجدت عمر جالسا يعبث بشعره كعادته ان شرد ، بحثت بعينها عن ادهم فلم تجده فقالت وهى تضع الاطباق على المائدة ” ادهم راح فين ”
رد عمر وهو يفتح علب البتزا ” اصر انه يمشى ” ، تنحنحت ندى وهى تجلس تقاوم خجلها قائلة ” اومال كان جاى ليه لما مشى ؟؟”
هز عمر كتفيه قائلا ” ابدا ..انا عديت عليه وقعدنا مع بعض شوية وبعدين هوا وصلنى وحس انه مرهق وعايز يرتاح فمشى ”
تظاهرت ندى بقضم قطعة من البيتزا وهى تقول محاولة صرف نظرة عمر المتفحصة عنها ” مالك يا عمر ..حاسة ان فيك حاجة ”
ولكن محاولتها فى المراوغة لم تفلح معه كالعادة فنظر الى طبقه ثم اليها قائلا ” مالك انتى ؟؟“
ابتسمت ندى دون ان ترد وهى تواصل التهام البيتزا فواصل عمر ” لسة برضه مااخدتيش قرار فى موضوعك انتى وادهم ”
ازدردت ندى الطعام بصعوبة قائلة ” احنا ادينا بعض مهلة شهر وفات منهم اسبوعين لحد دلوقتى ”
نهض عمر من على المائدة وهو يهز رأسه متجها الى الاريكة التى جلس عليها وهو يمدد قدمه على المنضدة ، فقامت ندى اليه وهى ترمقه بدهشة وقالت ” عمر انا عارفة ان ادهم صاحب عمرك بس دى حياتى وانا لازم ا...“
قاطعها عمر وهو يعتدل قائلا ” انتى مجنونة..انا متضايق عشانك انتى ..لحد دلوقتى مش عارفة تاخدى قرار ..عين فى الجنة وعين فى النار ..عايزاه جنبك وفى نفس الوقت بتبعديه ...لازم تاخدى قرارك ياندى عشانك وعشانه ..انا اى نعم بقولك انك مش هتلاقى راجل يحبك ويخاف عليكى زيه ..بس تأخرك فى اتخاذ قرار ده بيعلقه بيكى وبيقربه منك اكتر واكتر وبيخلى جرحه اصعب لو فى يوم بعدتى ..وافتكر انه معملكيش حاجة تستاهل منك الجرح ده ..بالعكس طول عمره واقف جنبك وجنبى ” ، وكأن عمر يشد وثاقها اكثر دون ان يشعر ودون ان يعرف ما تخفيه ، لم تستطع مقاومة دموعها فاتجهت الى المائدة وجلست وهى تدفن وجهها بين كفيها ، تنهد عمر وقال وهو يمسح على رأسها“ حبيتى انا عارف ان الموضوع صعب عليكى ....انتى بتعزى ادهم ومش عايزة تضايقيه ولا تجرحيه ..بس لو انتى حاولتى تحبيه ومقدرتيش يبقا كفاية والموضوع لازم ينتهى لحد كدة ...وعايزك تعرفى انى على طول جنبك ومعاكى فى اى قرار تاخديه ” نهضت ندى لتذرف ما تبقى من دموعها على صدر اخيها ، الكلمات كانت على حافة لسانها ولكنها لم تستطع ان تخبره بها ، ستكون حقيرة وتافهة امامه كما ترى هى نفسها الأن ، ولقد اكتشفت الآن انها قد تورطت بالفعل فقرار الابتعاد عن ادهم ليس بالسهولة التى تظنها ، فجرح مشاعره ليس بالامر الهين عليها ابدا ، انه ادهم الذى ظل الى جوارها دائما فى ازماتها ، والذى قبل ان تحلم بشىء يسخره هو من اجلها ، ندمت على انها وافقته من البداية على خوض تلك اللعبة ، فهى حين تنتهى ستنتهى بجرح قلب من ارق القلوب التى صادفتها .
*************************************************************
ويقر ادهم انها كانت اكثر لحظات حياته سعادة ، وانه فر من امامها حتى لاترى تلك البهجة العارمة التى كادت ان تجعله يقفز ليلامس النجوم بيده ، انه ادهم الذى احب ندى منذ زمن والذى حمل بصدره تجاهها مشاعر لايمكن لرجل ان يحملها تجاه امراة ، ورغم علمه بأنها قد لا تبادله نفس المشاعر الا انه قد عزم ان يضخ مشاعره هذه الى صدرها وينبت حبا له فيه ، فقلبها الخاوى هو اولى بكل نبضة من نبضاته ، نعم قلبها الذى شعر بدقاته حين ارتمت اليه ولا تعرف من يكون ، لقد تلجم تماما ولم يستطع حتى التنفس وهى تتشبث به هكذا ، شعر ان هذا مكانها الذى لا يجب ان ترحل منه او تهجره ابدا وانه على استعداد ليدفع كل ماتبقى من عمره لتظل هكذا بين ذراعيه ، شعر بأن قدرته على التخلى عنها او عن حبها لم تكن بالسهولة التى وعدها بها ، سيظل يحاول الوصول الى قلبها بكل الطرق ولن يترك الفرصة لغيره ليستولى على نبضه واحدة من نبضاته ، ليتها تعلم الى اى حد يحبها .
*************************************************

اخذت مرام تقلب فى قنوات التلفاز بعشوائية وهى تراقب الساعة بين الحين والآخر وقد تجاوزت الواحدة والنصف ، لقد أصرت فى نفسها اليوم ان تتحدث اليه ، فتقريبا منذ شهور ربما منذ ان حدث بينهما ماحدث لم يدر بينهما اى حوار كامل ، يعود فى المساء مرهق ليخلد الى النوم دون حتى ان يتناول طعامه ويستيقظ صباحا قبل حتى ان تستيقظ هى ، لو حاولت ان تشغل كل ذرة من تفكيرها بأى شىء آخر سيطرد كل شىء من خيالها ليبقى هو المنفرد بتلابيب عقلها وفكرها ، أصبحت على يقين بما يخفيه وهى لن تتنازل عن وجوده مهما كلفها الامر ، تنفست فى عمق وهى تسترخى فى المقعد تماما ، رن جرس هاتفها فنهضت لتلقطه وقبل ان تصل كان قد انقطع رنينه القصير ، نظرت الى اسم المتصل لتجده ندى ، ابتسمت وهى تعاود الاتصال بها من جديد فتحت ندى المكالمة فقالت مرام ” اهلا يا ندى ازيك ”
ـ انا كويسة ..صحيتك من النوم ؟؟
لاحظت مرام ارهاقا واضحا على صوتها فقالت ” فيه حاجة يا ندى ؟؟؟صوتك ماله ”
عادت الحيوية فجأة الى صوت ندى قائلة ” لا ابدا عاوزة انام بس ”
تعجبت مرام ان كانت تريد النوم لما حدثتها ، قالت ندى ” كنت عاوز اطمن عليكى شكلك كان تعبان الصبح ”
نظرت مرام الى السقف وهى تقول ” بس كدة ؟؟“
ـ ان ..انتى كويسة ؟؟
مطت مرام شفتيها فى تعجب وقالت ” اه انا تمام و..“ وحملقت مرام بباب الغرفة وقالت بسرعة لتنهى المكالمة ” هكلمك تانى ونشوف ...تصبحى على خير ”
رمقته مرام بنظرة سريعة قبل ان تسرع اليه وتمسك بكتفه قائلة ” سليم حبيبى حمد لله ع السلامة ” ، قبل سليم جبينها قبل ان يلقى بالحقيبة على مقعد قريب منه ويبدأ فى خلع سترته ، التقطت مرام السترة منه فأعطاها لها فى دهشة لحظية اكمل بعدها تبديل ملابسه بينما اتجهت هى لتضع السترة فى خزانة الملابس بنظام ، وحين استدارت وجدته قد انتهى وألقى بالبنطال والقميص على حافة الفراش فى عشوائية وجذب الغطاء ليخلد للنوم ، تأملته مرام للحظات وهى تضع يدها فى خصرها فى غيظ ، اقتربت وجلست الى جواره على الفراش وهى تضع يدها على كتفه قائلة ” سليم ..انت هتنام ” ، قال والنوم يملؤ صوته ” امم ..اليوم كان متعب اوى ”
قالت محاولة ابداء الهدوء فى نبراتها ” انا عاوزة اتكلم معاك شوية ..انت كل يوم بترجع من الشغل تنام والصبح بتصحى وتمشى ومبلحقش اقعد معاك ”
قال بصوت مرهق ” طب معلش اجليها لبكرة واطفى النور ده ..اليوم كان طويل وانا مش عارف افتح عينى ”
قالت مرام محاولة الاتضيع الفرصة التى تشبثت بها ” لا يا سليم ارجوك ..محتاجة اتكلم معاك دلوقتى ”
كان سليم يضع يده على عينه ليمنع الضوء من التسلل اليهما فسمعته مرام يتنفس فى عمق فنادت فى ضجر ” سليم ”
هنا نهض سليم وجلس على الفراش قائلا ” نعم يا مرام ..فى ايه مش نافع يتأجل للصبح ”
شعرت مرام بضيقه من محاولتها التحدث معه فصمتت ، فهز رأسه وهو يهتف فى تأفف“ لو عندك حاجة قوليها عشان بجد انا تعبان ”
هنا نظرت له بعينين دامعتين وقالت ” وانا كمان يا سليم ..تعبانة ..مش بشوفك ولا بتكلم معاك خالص ”
مسح سليم وجهه وقال فى نفاذ صبر ” وكل ده عشان مين ..مش عشانك ..مش الشركة دى لازمها حزم من الاول عشان تقدر تثبت وضعها ..ولا المفروض ندور نخرج ونتفسح ونتصرمح كل يوم ونسيب فلوسنا للى ينهبها ”
نظرت له مرام فى خيبة أمل وقالت ” نتصرمح ؟؟“ وصرفت نظرها عنه فشعرت به يدير وجهها اليه وهو يقول ” معلش يا حبيبتى ضغط الشغل كتير عليا ”
نظرت الى عينيه كأنها تستشف صدقه وقالت ” واحنا مش ناقصين فلوس يا سليم ..احنا عندنا اللى يكفينا وزيادة مش محتاجين نضيع حياتنا كلها عشان نعمل غيرها ”
سحب سليم الغطاء بقوة لينهض قائلا ” يعنى انتى عايزة ايه ؟...اقعد جنبك عواطلى لاشغلة ولا مشغلة عشان ترتاحى ”
نهضت لتواجهه وهتفت بنبرة باكية ” هوا انا لما اطب حقى فيك كأى زوجه يبقى عايزاك تبقى عواطلى ؟؟؟“ واقتربت منه خطوتين وهى تضيف فى خفوت ” سليم حس بيا انا انسانة ...لو بتعمل كل ده علشانى انا مش عاوزاه ..مش عاوزاه ..انا عاوزة جوزى وحبيبى وبس ..اللى فلوس الدنيا دى كلها متساويش لحظة بيبعدها عنى ”
اندفعت مرام بعدها الى حافة الفراش وأفرغت دموعها بين كفيها ، شعرت به وهو يطرق المنضدة بقبضته ويذرع الغرفة جيئة وذهابا للحظات دون هدف واخيرا جلس الى جوارها وازاح اناملها فى رقة وهو يقول ” مرام ارجوكى متعيطيش ” ، ضغطت على شفتها السفلى بأسنانها ، كل مرة لاتريد ان تظهر بهذا الضعف امامه وتفشل ، لم تكن هكذا ابدا من قبل ان تعرفه ، لم تكن دموعها تسيل هكذا دون حساب ، بل انها تتذكر كم مرة بكت قبل ان تعرفه ربما مرة او اثنتان ، لقد اهدرت معه من الدموع فى عامين مالم تهدره فى عمرها كله ، لم تفلح يوما فى اظهار قوتها معه وان حاولت ظهرت بضعف لم تألفه فى نفسها من قبل ، لقد أخذ قوتها وعقلها وقلبها وكل شىء ، شعرت به يمسح دموعها ويضع رأسها على صدره قائلا فى حنان ” مرام انا عارف انى قصرت معاكى كتير الفترة اللى فاتت بس اول الشركة ماتاخد وضعها كل حاجة هترجع زى الاول ” وعاد ليرفع رأسها من على صدره ويحتضنه بين كفيه قائلا ” وبعدين انا كام مرة طلبت منك ترجعى الشغل وانتى مبتواققيش..فاكرة يا مرام كنت بتديرى مصنع باباكى ازاى ..فاكرة المناقصات اللى كنتى بتكسبيها من اكبر حيتان فى السوق ” وأعادها الى صدره وهو يمسح على شعرها قائلا ” هوا انا حبيتك من شوية ”
لماذا يذكرها بما كانت عليه وبما أصبحت ، أيظنها لا تعرف ماذا فعل بها حبها المريض له ؟؟، ألصقت رأسها بصدره اكثر ، وكأنها تريد ان تدخل الى قلبه لتتبين صدقه ، اوتتسرب الى خلايا مخه لتعرف من يشغلها تنفست فى هدوء ، انه حبيبها هى وحقها هى وستعود بكل قوتها لتدافع عن وجوده ان حاولت اخرى السيطرة عليه ،وبأى طريقة ستدافع عن وجودها فى حياته فكل شىء فى الحب مباح .
*************************************************************
نظرت ندى الى الهاتف فى يدها بعد ان اغلقت مرام المكالمة وتنفست فى ارتياح ، كانت على وشك ان تخبرها بكل شىء فى رأسها الذى كاد ان ينفجر منذ لحظات ، وكأنه كرة يتبادلها ادهم واحمد بالركلات بينهما فى كل لحظة تمر ، لو وضعت ادهم واحمد فى كفتى ميزان فلاشك ان كفة ادهم سترجح دون شك ، ولكن شعورها بالذنب لان تفكيرها باكمله ليس ملكه ، بل انها فى بعض الاحيان تشعر انها لا تحتمل فقدانه ، هى تعرف كم يحبها ادهم وهذا يصعب الامر عليها كثيرا ، وتعرف انه حتى ولو ادعى تقبل فكرة ابتعادها عنه وخسارته لتحديه فأنها ستترك فى مشاعره النبيلة جرحا لا يحتمل ، لقد كانت انانية من البداية ولم تفكر فى هذه النتائج ابدا ،
فتحت ندى هاتفها فى تلقائية وقلبت فى الصور بلا وعى ، نظرت الى بعض الصور التى جمعتها بادهم ، والابتسامة تعلو ثغرها وثغره ، كانت ابتسامة حقيقية فهى لم تزيف يوما ابتسامة واحدة فى وجهه، فجأة اغمضت عينيها وسألت نفسها سؤلا واحدا ” ولما لا ؟؟“ ، لماذا تبتعد عن ادهم وهو الاختيار الانسب والاصوب ، لماذا تشغل نفسها بمجرد قصة انتهت قبل ان تبدأ ، هذا ان كان بالامكان اطلاق عليها قصة ؟؟، العديد من صديقاتها امتلكن العديد من التجارب وواصلن حياتهن فى سعادة مع آخرين دون الالتفات للماضى ولو للحظة ،ومنهن من واصلت حياتها مع من احبت وفشلت ، فترى هل هى غاية المحب حين تتحقق بالبقاء الى جوار حبيبه تذهب معه اللهفة والشوق وربما الحب أيضا ؟؟، وان وجد التفاهم استمرت الحياة ، واحمد رحل فى لحظة سوء فهم ولم يعد ، وهى رفضت ادهم اكثر من مرة و لم يتخلى عنها ابدا وتمسك بها وبحبه ، فلماذا تدفعه لتبقى الآخر ، لماذا لا تبدأ حياتها بالعقل والمنطق بعيدا عن جنون الحب واوهامه ، بعيدا عن العشق الذى يتأرجح دوما ما بين الذروة والقاع ، تماما كنبضات القلب التى تتزايد وتهدأ دون مبرر وربما تتوقف يوما ما .
امسكت هاتفها فى حزم وهى تتخذ قرارها ، تحدثت الى مديرها وتظاهرت بالمرض ولحسن الحظ انه صدقها ، وطلب منها الاتصال باحدى زميلاتها لتباشر عملها ، وهنا هدأت انفاسها وخلدت الى نوم عميق .
***************************************************************
” متأخر عن معادك نص ساعة يا دكتور ”
قالها مصطفى فى مزاح معتاد فضرب عمر على كتفه قائلا ” معلش يا سيدى متعوضه المرة الجاية ”
نهض مصطفى ليخلع معطفه قائلا ” وياسمين كمان مجتش ..انا لو منك اخدها مخالفة واطلع عليها اللى بتعمله فينا ” ، انزعج عمر من طريقة مصطفى فرفع حاجبه فى لوم وقال ” ياسمين تعبانة ...ومش هتقدر تيجى النهاردة ”
ابتسم مصطفى وقال ” تعبانة ..هيا دى بتتعب ؟؟؟“ ، لم يستدر عمر لمصطفى هذه المرة وبدأ فى اغلاق ارزارالمعطف الخاص به فهو لا يحب ان يواصل الحديث معه عن ياسمين بهذه الطريقة ، فواصل مصطفى قائلا ” ده غير انى شوفتها من كام يوم كانت واقفة بتتخانق مع واحد برة ”
هنا تذكر عمر الحالة التى انتابت ياسمين من يومين وفقدانها للوعى فقال فى اهتمام وهو يلتفت لمصطفى ” امتى ده يا مصطفى ”
ادار مصطفى عينه لاعلى وهو يتذكر ” متهيألى اول امبارح اما انا كنت فى الداخلى وانتو كنتو فى الاستقبال ”
اذن كان اليوم ذاته ، اقترب عمر من مصطفى الذى حمل حقيبته واستعد للذهاب وقال ” متعرفش كانت بتتخانق مع مين ”
لوح مصطفى بكفيه وهو يقول ” وانا اعرفلها بقا ...ماهى على طول بتتخانق مع دبان وشها ايه الجديد ..مجنونة اصلا ” ، من حسن حظ مصطفى انه اختفى من امام عمر سريعا قبل ان ينال من غضبه ما يكره ، فلم يلحظ وجه عمر الذى احمر من الغضب وكفه الذى قبضه بقوة ، حتى انه لم يرد تحيته حين ذهب ، فمن الواضح انه كان على عجلة من امره ، ازردرد عمر ريقه وجلس على مكتبه وأخذ يفرك جبينه بيده ويفكر مع من كانت تتشاجر ؟؟وترى هل كان ما حدث لها مجرد نوبه انفعال ؟؟، رفع رأسه وهزهها بقوة لماذا يفكر فيها هكذا ؟؟، لماذا يهتم بكل شىء يتعلق بها ، لماذا يشعر بأن كل شىء تفعله يسحره ، حتى حين تصرخ به فانها تجذبه اكثر ، لماذا يشعر انه يفتقدها ؟؟، هل ما قصده ادهم حين قص له كان حقيقيا ، لقداختصر ادهم كل شىء بجملة واحدة انه ربما يحبها ، ولكنه انكر ، بل ضحك وكأنها مزحة ، لم يكن يرد ان يسمى ما بينهما حب ، ولكن بما يسميه اذن ؟؟، كيف يسمى حالة الهلع التى انتابته حين رآها مغشيا عليها على الارض وكأنه ليس بطبيب يصادف ما هو اكثر هولا ، شعوره يختلف عما شعر به تجاه ريم ، فاما شعوره ليس حبا او انه لم يحب ريم من الاصل وكانت مشاعره وقتها مجرد مشاعر فرضتها ظروف حياته فى هذا الوقت وطبيعتها ، فحين تعرف على ريم كان فى الثامنة عشر من العمر ، كانت فتاة من نفس الطبقة التى كان ينتمى اليها ، كانت تناسبه بكل المقاييس ، تناسبه كحبيبة وصديقة ومستقبلا زوجه لن يعترض عليها ايا من افراد عائلته ، لم يكن هناك ايا من المستحيلات التى تبتلى هذا الحب لتعرف معدنه او تتعرف على وجوده حتى من عدمه ، ظلت ريم معه حتى انتهت الدراسة لم يفكر ولو لمرة فى مراجعة شعوره نحوها ، ربما كان يحتاج لمن يشغل تلك المساحة فى حياته ، حتى حينما انتهى بينهما كل شىء وتخلت عنه ريم فى أضيق الظروف ، وجد لها المبرر ولم يلمها ، فكر بعقله ، والحقيقة التى ادركها مع مرور الوقت ان العاشق لا يفكر بعقله أبدا ولا يمكنه ان يجد منطقا لتخلى حبيبه عنه ، فهى فى قواعد العشق خيانة ، والخيانة لا تبرر .
هز رأسه ليستفيق من عالمه الذى شرد اليه وفتح حقيبته ليخرج سماعته وادواته ، وبينما يمد يده اكثر لامست يده شيئا بلاستيكيا اخرجه ببطء حتى أصبح يراه ، انه الاى دى الخاص بياسمين ، ابتسم وهو يتذكر انه تناسى اعطاء ه لها ، نظر الى صورتها والى شبح الابتسامة على ثغرها والى وجهها بقسماته البريئة الملائكية ، مر على خاطره سريعا كل شىء وكل لحظة جمعتهما منذ ان سكبت شايها الساخن على ملابسه مرورا بمعاملتها الجافة ، اول مرة نادته باسمه ، اول مرة ابتسمت له ، خجلها وهى تشكره ” دكتور ..ادخل الحالات ” نبهه صوت اسماء الى واقعه فابتسم محاولا اخفاء شروده وقال ” يلا بينا ” ، القى نظرة على الاى دى قبل ان يضعه فى الحقيبة وينظر الى الكرسى الذى كانت تجلس عليه ويعترف بينه وبين نفسه ولأول مرة انه يحب ياسمين .
************************************************************************
وقفت ندى امام المرآة تجرب الاشياء التى اشترتها من السوق مع مرام ، هوسها فى شراء الملابس هو الشىء الوحيد القادر على تعديل مزاجها ، اصبح الآن بمقدورها شراء كل مايلزمها بعد ان اصبح لها راتبا مميزا من عملها ، فى الماضى كانت تبتاع كل ما يلزمها دون ان تنظر الى ما يوضع عليها من أسعار ، اما الآن فقد أصبحت تهتم بهذا الامر جيدا ، ولم يعد عندها رفاهية شراء الملابس والتخلى عنها ان لم ترق لها بعد ان ابتاعتها كما كان يحدث فى الماضى ، لم يبدو الامر مزعجا ابدا ، فقد اصبحت تشعر بقيمة المال وقيمة عملها ، وشعورها بالمسئولية عن نفسها وعن قراراتها ، رن جرس هاتفها فوضعت الثوب جانبا فى عناية ونظام ، وما ان نظرت الى الاسم حتى اغمضت عينيها فى ضيق ، ظنت انها ستهرب منه بهذه الاجازة وهو لايتوقف عن ملاحقتها بمكالماته وهى لاترد ولا تجيب ، ماذا يريد منها الآن فعمله انتقل الى زميلة اخرى ، تناولت الهاتف وجعلته على وضع الصامت بعد ان انزعجت من تكرار رنينه مرة بعد مرة ، ولكنها جلست على طرف الفراش تراقبه ، ارتعدت رعدة خفيفة وهى تنظر الى هاتفها يستقبل رسالة ، أغمضت عينيها فى قوة ، والتقطت الهاتف بكلتا يديها فى توتر وفتحت الرسالة لتقرأ مافيها وبالطبع كانت منه ” افتكر ان فى بينا شغل ولما احب استفسر عن حاجة ..المفروض انك تردى ”
اندهشت ندى من طريقته الجافة ولكن ربما كان يتصل بها لامر يتعلق بالعمل فعلا ، احتضنت ندى الهاتف بين يديها واخذت تجىء وتذهب فى الغرفة بلاهدف وهى تفكر كيف ستتحدث اليه وبأى طريقة ؟، كانت تضغط على شفتيها تارة وتعبث فى شعرها تارة اخرى ، القت هاتفها على الفراش ووضعت ثوبها الجديد فى خزانة الملابس وعادت من جديد لتحمل هاتفها وتتصل برقم أحمد ، جاءها رده ربما حتى قبل ان يأتيها صوت رنين الهاتف ، كان صوته هادئا على عكس المحتوى الجاف لرسالته ، ولكن ندى حاولت ان تكون عملية فى طريقة حديثها فقالت بعد فتح المكالمة مباشرة ” خير يا فندم ..ايه المشكلة اللى عندك ”
ـ انا المفروض ازعل منك مش انتى
ازدردت ندى ريقها قائلة ” أفندم !!!!“
ـ بتهربى منى ليه ياندى ؟؟؟
تفاجأت بالطريقة والسؤال فلم ترد وتلعثمت فواصل أحمد ” ندى ارجوكى محتاج اتكلم معاكى حتى لو لآخر مرة ”
هل حقا يعنى هذا ؟؟، هل ستتخلص منه ومن حيرة امرها الى الابد ، ولكن لما انقبض قلبها هكذا حين اخبرها بهذا ، اليس هذا ما سعت اليه وتمنته ، الم تتخذ قرارا فى المضى فى حياتها مع ادهم وعدم الالتفات اليه ، مالذى حدث اذن ، ربما كانت هى الفرصة وقد جاءتها لتنهى كل شىء وتقول كل ماتمنت ان تقوله قبل الوداع الاخير ، وجدت صوته ينبهها ” ندى من فضلك ”
ردت ندى بصوت شارد ” فين وامتى ؟؟
جاءها صوت صمته فترة قبل ان يقول ” انا تحت البيت ياندى ”
نهضت ندى من الدهشة قائلة ” انهى بيت ؟؟“
ـ بيت خالك ..هتلاقى عربيتى واقفة قدامه
قالت فى توتر ” من امتى ..واقف عندك من امتى ؟؟“
ـ هقولك على كل حاجة بس ارجوكى تيجى
بعد دقائق كانت الى جواره فى سيارته ، علمت منه انه وقف لساعات فى انتظارها وكذلك فعل بالامس واول امس ، وحين رآها تعود الى المنزل اليوم كاد ان يفقد اعصابه ويدخل خلفها ، كان توتره واضحا والاوضح انه عانى كثيرا فى الايام الماضية التى قررت ان تبتعد عنه فيها ، نعم ستنهى كل شىء ، مالذى تغير ؟؟، مالذى بدأ يتحرك بداخلها من جديد ، كيف سمحت لنفسها ان تكون الى جواره دون ان تعرف الى اين يذهب بها ، اين ذهبت قوتها التى كانت عليها فقط منذ دقائق ، حاولت ان تجمع كل ماتاه منها لتقول وهى تقبض على حقيبتها بقوة ” وقف العربية حالا ..دلوقتى ”
نظر لها احمد فى دهشة وهو يقول ” انتى كويسة ؟؟“
لم تكن بخير ابدا ، اشارت له بيدها ان يتوقف ففعل وهو لايرفع نظراته الهلعة عنها ، اقترب من كفها ليربت عليه قائلا ” ندى انتى ...“
لم تمهله وقاطعته وهى تهتف فى عنف ” اوعى تلمسنى تانى ..انت فاهم ” ، كانت تنظر الى النافذة تحاول تنظيم دقات قلبها التى تضرب صدرها كأنها تعنفها على ماتفعل بنفسها ، تنفست بعمق ونظرت اليه قائلة ” انت عاوز منى ايه ..رجعت فى حياتى تانى ليه ..وليه دلوقتى بالذات ..مشيت ليه من الاول ”
لاحظت دمعة لمعت فى عينه وهو يقول ” عشان مقدرتش ..كنت يا هتتجنن يا هموت ”
قالت بالم ” ورجعت عشان تجننى وتموتنى معاك ”
قال بسرعة ” انا اموت مليون مرة قبل ما شعرة واحدة فيكى تتمس ياندى ..ادينى فرصة اشرحلك كل حاجة ”
صرخت فى غيظ وصل الى ذروته قائلة ” اتفضل ..ايه اللى مانعك ”
أمسك بعجلة القيادة ونظر الى الامام قائلا ” مش هنا ”
ـ اومال فين ؟؟؟
أغمض عينيه وقال“مجتش من الكام دقيقة دول ..اعتبرينى مجنون وخدينى على قد عقلى ” .
ولم تكن تعرف ابدا ان جنونه قد يصل الى هذا الحد .

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 1:56 pm



الفصل التاسع

ماهذا ؟؟..هل جن احمد ؟؟؟، بعد ثلاث سنوات وفى المكان نفسه الذى افترقا فيه، اخذها اليه وقد تزين بنفس الزينة التى كانت عليه منذ سنوات وكأن الزمن قد توقف او قد عاد للخلف ، حتى عربة الايس كريم تقف بعيدا فى نفس مكانها ، تركته وأخذت تتجول فى المكان الذى اخلاه احمد تقريبا الا من نادل او اثنين مع عمال المطعم ، مشاعر شتى جالت وصالت بداخلها دون ان تشعر بقدرتها على السيطرة ، نظرت الى المسرح الصغير الذى وقف عليه ادهم ليعلن للناس عن حبه لها وهى تظنه احمد ، كأنها تسمع صوت الضحكات وتتذكر كم الامانى التى تمنتها فى هذا اليوم ، عادت الى المكان بعد ثلاث سنوات ومعها احمد الذى ظلت تبحث عنه يومها ولم تجده ، تفاجأت به يقف امامها ويحمل كوبين من الايس كريم ويمد يده بواحد لها ، ابتسمت وهى تنظر الى ثلاجة الايس كريم وتلتقط منه الكوب قائلة وهى تنظر الى العشب ” انا يوميها لقيته هنا مدلوق على الارض وقعدت ادور عليك ملقتكش ..مهما اوصفلك احساسى يوميها مش هقدر اوصلهولك ”
وضع احمد كوب الايس كريم الخاص به على الطاولة المجاورة له قائلا ” انا آسف ”
هزت ندى رأسها وقالت فى سخرية ” هتفضل تقول انا آسف ..آسف ..لو ده كل اللى عندك فأنا خلاص سمعته ومفيش داعى نفضل هنا اكتر من كدة ” كانت قد ملت ويأست من صمته وبدأت تفقد السيطرة تماما على مشاعرها فى هذا المكان ، لقد فرت من كل شىء يتعلق به ويأتى هو بكل بساطة ليعيدها الى تلك اللحظة وكأن الزمن لم يمر ، وضعت كوبها على الطاولة وقالت فى حزم ” انا ماشية ” ، امسك احمد بمعصمها ليمنعها من الذهاب قائلا ” ارجوك يا ندى ” ، نظرت الى يده التى تمسك معصمها في صرامة وكأنها تعيد له تحذيرها منذ دقائق بألا يلمسها فترك يدها فى رفق ودس كفه فى جيبه واخرج منه علبة صغيرة فتحها امامها وقال ” معايا من تلات سنين ..مقدرتش اتخلص منها ..كان المفروض يومها انزل على ركبتى كدة واعرض عليكى الجواز ”
وركع على ركبته بالفعل وهو يمد يده بالخاتم لها ، ذهلت ندى لما رأت ووضعت كفها على ثغرها فابتسم قائلا ” وانتى كنتى هتتخضى كدة برضه ”
استند احمد بيده على الارض لينهض من جديد قائلا وهو يمد يده بالدبلة اليها لتجد اسمه منقوشا عليها وتاريخ اول لقاء لهما ، ودبلة اخرى معه اعطاها لها فوضعت يدها على صدرها وهى تقرأ اسمها عليها ، مالذى يريد صنعه بها ، لما يوقظ تلك المشاعر التى خمدت منذ زمن ، هل يريد ان يكون الوداع موجعا ، ام يريد تعجيزها عن اتخاذ قرار ، سقطت من عينها دمعة وهى تتخيل كم كان سيتغير كل شىء لو حدث هذا فعلا ، ولكنها اعتصرت عينيها فجأة وسؤال واحد يراودها لماذا لم يحدث ؟؟، نظرت اليه وهى تقبض على الدبلة وتقول ” وانت ليه مشيت ؟؟“
استند احمد على كرسى امامه ووضع يده على رقبته يدلكها كأن الكلمات قد حشرت فيها فواصلت ندى فى عصبية ” عشان فكرت ان فيه بينى وبين ادهم حاجة ..فكرت انى حقيرة لدرجة انى اكون بحب بنى ادم واقرب منك فى نفس الوقت وبالطريقة دى ”
قال دون تردد ” لا ياندى ..مفكرتش كدة ابدا ”
نفذ صبرها حقا فقالت وهى تشد على حزام حقيبتها ” انا زهقت وتعبت وانت مش عاوز تجاوبنى ...جبتنى هنا ليه ؟؟..عشان تفكرنى باللى كنت عاوز تعمله ومعملتوش ...عايز توجعنى ولا توجع نفسك ”
وقف احمد امامها ليمنعها من المغادرة وقال فى حزم ” ندى انا متفاجئتش باللى حصل ..انا اتفاجئت بادهم نفسه ”
نظرت ندى حولها فى حيرة وقالت ” ادهم...قصدك ايه ”
جلس احمد على الكرسى فى تعب وقال ” ادهم يبقى صاحبى يا ندى ..طول الوقت كان بيحكيلى عن بنت بيحبها بس عمره ما قال اسمها ..وقبل الحفلة بأيام قالى انه قرر يفاجئها ..كانت آخر حاجة تيجى فى بالى انى الاقيه واقف هنا ..والبنت دى تكون انتى ”
شعرت ندى بقواها تخور فارتمت على الكرسى وهى تقول فى شرود ” ادهم يبقى صاحبك ”
هز احمد رأسه فى ألم وهو يدفنها بين كفيه قائلا ” من وقت ما كنا فى ثانوى ..هوا دخل شرطة وانا دخلت هندسة وفضلنا اصحاب لحد ...“ فواصلت ندى الجمله عنه قائلة ” لحد ما اكتشفت انه بيحبنى ” هزرأسه وواصل ” وقتها معرفتش اعمل ايه ..حسيت انى مخى اتشل ...لهفتك وجريك ناحية المسرح وقتها عمانى ...وظهور ادهم سود كل حاجة فى وشى ...وقتها هربت منه ومنك ومن البلد كلها ..صممت اقتل نفسى فى الشغل عشان اقدر انساكى ..وبعدت عنه هوا كمان ”
نهض من مكانه وهو يواصل فى أسى ” مكنش سهل ابدا يا ندى مكنش سهل ..كنت بفكر فيكى فى كل لحظة مع كل نفس وانا صاحى وانا نايم وانا بتكلم مع زمايلى فى الشغل ...وقتها عرفت انى اخترت لنفسى اقسى عقاب ممكن تتخيليه ..وانى اموت مليون مرة وانتى قدامى وشايفك مع راجل تانى اهون من بعدك عنى ولو للحظة ”
كانت ندى تحاول استقبال الصدمة وهى تضع رأسها بين كفيها وعجزت حتى دموعها عن اسعافها ، سمعته يناديها فى رقة ” ندى انتى بخير ؟؟“ ، لم يعد شىء بخير بعد الآن ، لقدأصبح الامر اكثر صعوبة من اى وقت مضى ، ادهم واحمد صديقان ، لقد اختلف كل شىء وانقلبت موازينها من جدبد .
*******************************************************************************
كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحا حين وصل عمر الى حديقة المشفى ليجد ياسمين وقد وقفت تتشاجر مع رجل ، لم يستطع تبين ما تقوله جيدا ولكن تلويحها بيدها وملامحها العابسة توحى بأن هناك امر ما ، وقف للحظات يتأمل الامر عن بعد ، ولكن دون وعى أسرع اليها حينما كانت تهم بالذهاب وامسك هذا الرجل معصمها ليمنعها ، اقترب عمر وامسك بيد الرجل قائلا فى عصبية ” سيب ايدها انت اتجننت ” ، ترك الرجل يد ياسمين وحملق بعمر الذى كان يرمقه بنظرة حادة غاضبة فقال الرجل وهو يطالعه بغضب مماثل ” وانت ايه حشرك ..انت مين اصلا ”
رفع عمر حاجبه وقال فى سخرية ” لا والله ..انا اللى مين ..انت ازاى تتكلم مع دكتورة ياسمين كدة ..انت قليل الادب وعايز تتربى ”
أطرق الرجل ارضا وتنفس فى عمق وعاد ليرفع رأسه الى عمر وهو يطرق كتفه بظهر يده قائلا ” خليك انت بعيد أحسن ”
استفز عمر بشدة فأمسك يده قائلا وهو يقبض عليها بقوة ” ايدك دى لو اتمدت تانى عليها او على ا ى حد هنا هقطعهالك ”
صفر الرجل فى تهكم قائلا ” تقطعهالى مرة واحدة ” ونظر الى ياسمين التى كانت تراقب الموقف بقلق أعجزها عن النطق وقال ” انت ايه رأيك يا دكتورة فى اللى بيقوله ده ..تحبى نجرب ونشوف مين هيقطع ايد مين ” واستدار وهو يدفع عمر بكلتا يديه فكاد ان يسقط لولا ان حافظ على توازنه فى اللحظة الاخيرة وعاد اليه ليسدد لكمة حملت له كل غضبه ، رفع الرجل قبضته ليسدد لعمر لكمة مماثلة وهو يتحسس بيده الاخرى اثر لكمته عليه ولكن ياسمين وقفت امامه فجاة وامسكت بذراعه قائلة ” كفاية ” والتفتت الى عمر وهى تصرخ به ” كفاية لحد كدة ” ، انزل الرجل ذراعه وهو ينظر الى عمر فى حنق وغل وهو مالم يبال به عمر تماما وتوجه بالكلام الى ياسمين مباشرة وهو يشير اليه باصبعه ” مين ده يا يا سمين ”
لم ترد ياسمين وتراجعت من مكانها خطوتين فكرر عمر سؤاله بغضب ، فصرخت ياسمين به ” وانت مالك...مين سمحلك تتدخل فى حاجة ما تخصكش ...لو هترتاح ده يبقى قريبى ”
تفاجىء عمر بطريقتها ولكنه حاول ان يقول فى توازن ” قريبك وبيكلمك بالطريقة دى وبيشدك من دراعك ”
واصلت ياسمين صراخها وهى تقول ” قولتلك ملكش دعوة ...واتفضل بعد اذنك ” قالتها وهى تشير بذراعها ليذهب ، نظر عمر الى ياسمين فى دهشةغير مصدق انها توجه له هذا الكلام ، لقد ظن انها ..ولكن لم يجد شيئا ليقوله سوى ان يقول فى لهجة شابتها خيبة الامل“ آسف ...حقيقى اسف ” ، وتركها مع من تدعى انه قريبها وهو يحمل تجاهها كل غضب الدنيا ، لقد اعترف لنفسه للتو بانه يحبها ولكن ما تفعله يعود به الى نقطة الصفر من جديد ، فلا يوحى بأن هناك املا فى وصوله الى مشاعرها مطلقا ، لقد طردته هكذا وهو من كان يدافع عنها ، كان هناك الف طريقه لصرفه غيرالصراخ والطرد على هذا النحو ، حسنا هى من أرادت هذا ، ولن يتدخل فى حياتها من جديد وسيتجاهل اى مشاعر ولدت بداخله تجاهها ،سيئدها بيده قبل ان تنمو ويصعب السيطرة عليها .
انشغل بالعمل طيلة اليوم ولم يلتقت لها رغم انه كان يشعر بطرف عينه انها تنظر اليه بين الحين والآخر ولكنه لم يهتم بها او بالأحرى منع نفسه بصعوبة من الالتفات للتأكد انها تنظر اليه هو ، كان غاضبا بشدة من تحولها هكذا الى النقيض فى وقت قصير ، كان يمنى نفسه بأنها ستعتذر له عما بدر منها ولكنها لم تفعل .انتهى اليوم والقت السلام وذهبت دون كلمة واحدة ، اذن فقد عادت ياسمين المتجهمة والعابسة دائما من غيبتها واستبدلت مكان ياسمين صاحبة الابتسامة الساحرة ولكنه لن يحاول من جديد ، فحتى فضوله تجاهها قد فتر .
**************************************************************************
ارتمت ندى على فراشها فى ارهاق جسدى ونفسى كبير ، كل مافرت من اصبحت عليها الان مواجهته ، لم يعد لديها شك بأن مشاعرها تسير صوب احمد ، وبأن ضميرها يجلدها مع كل نبضة قلب له من اجل ادهم ، مالذى فعلته فى حياتها لتستحق هذه الحيرة ، هل تترك ادهم فى النهاية لتتزوج صديقه ؟؟، كيف تجرحه وتهينه بهذه الطريقة ؟؟، انه فى النهاية ادهم اكثر من ساندها ووقف الى جوارها وجوار عمر فى ازمتهما ، لا يمكنها حتى ان تخدش مشاعره ، ولكن كيف تستطيع ان تصم اذنيها عن كل ماسمعته اليوم ، كيف تواصل مع ادهم ومشاعرها مع صديقه ؟؟، وماذا ان تزوجته والتقى الثلاثة فى مكان واحد يوما ما ، كيف ستواجه نفسها وهى تحمل مشاعر تجاه صديق زوجها وهو مثلها تماما ، كيف ستقبل ذلك على ادهم ، امسكت رأسها لتقاوم الصداع الذى نتج عن كثرة التفكير وهى تحاول ان تجد مخرجا لكل هذا ، فلم يكن هناك سوى حل واحد وهو الابتعاد عن الاثنين ، ادهم من البداية يعلم ان تحديه وتجربته معها قد تحتمل الفشل اكثر من النجاح ، احمد أيضا ستحرق صفحته تماما من حياتها مهما كلفهاالثمن فلن تصبح زوجة لصديق ادهم ابدا ، لن تستطع ان تكون جرحا فى قلبه ابدا فليكن الجرح فى قلبها هى ، استقرت على هذا القرار واطمئنت له ونامت فى هدوء حتى دون ان تبدل ملابسها .
***********************************************************************
امسك ادهم الهاتف فى غضب وهو يحاول الاتصال بندى دون جدوى ، اتصل بهاتف والدتها فأخبرته انها نائمة فاطمئن باله ، أخذ نفسا عميقا وهو يستند على احد الكراسى بقاعة الانتظار فى المشفى ، والدته حالتها ساءت اليوم واضطر الاطباء لنقلها الى غرفة العناية المركزة ، ظل ادهم طيلة اليوم الى جوارها فى قلق وزاد من قلقه تلك الندى التى لاترد على مكالماته ، شعر بشخص يجلس الى جواره ، التفت ليجده أيمن ، تنفس فى عمق وهو يقول فى عتاب ” لسة فاكر حضرتك ؟؟.....فينك من اول اليوم ”
ألقى ايمن بسترته على الكرسى جواره وقال وهو يتثاءب فى ارهاق ” والله يادوب خلصت فى المجموعة وجيت ..ولا كلت ولا نمت من امبارح ..اخبار ماما ايه ؟؟“
رد ادهم فى تعب ” الدكتور قالى من شوية ان الحالة مستقرة ”
ربت ايمن على كتف اخيه قائلا ” طيب يا ادهم لو عايز تروح ترتاح شوية وانا افضل معاها روح انت ..شكلك ميت اصلا ”
تنهد ادهم فى حزن ” انا مش هتنقل من هنا غير لما اطمن عليها ”
قال ايمن فى الحاح ” يابنى قعدتك ملهاش لازمة ..شكلك منمتش بقالك كتير ”
قال ادهم وهو يمسك بجبهته ” ده حقيقى ...انا بقالى يومين منمتش ..بس مش هيجيلى قلب اروح وهيا تعبانة كدة ..لازم اطمن عليها الاول ”
هز ايمن كتفيه قائلا ” خلاص براحتك ” وقال مغيرا الموضوع ” اخبار ندى ايه ؟؟“ رفع ادهم رأسه وقال فى دهشة ” وانت من امتى بتسأل عنها ؟؟..مش بالعادة يعنى ؟؟“
ضحك ايمن قائلا ” تصدق والله انا غلطان لاهلك ..يعنى سألنا نستغرب ماسألناش تقول مبتطيقوهاش ”
قال ادهم وهو يعقد ذراعيه ” لا مش الفكرة ..بس ايه اللى فكرك بيها ؟؟“
تنحنح ايمن قائلا ” كنت مع خالها النهاردة
زفر ادهم فى تأفف قائلا ” برضه عملت اللى فى دماغك ودخلت معاه فى الصفقة دى ”
ضرب ايمن كفيه ببعضهما وهو يقول ” والله مش فاهمك انتى مش بتطيقه ليه ”
قال ادهم فى غضب ” العوبان يا ايمن ..مش سهل ابدا انتى ناسى عمي حسام الله يرحمه ابو ندى وعمر خسر كل فلوسه من تحت راسه ”
هز ايمن رأسه قائلا ” ياسلام ..ولما هوا كدة رايح تتجوز بنت اخته ليه ؟؟“
رفع ادهم يده فى اعتراض قائلا ” لا انا بتجوز ندى البنت اللى بحبها ...بنت حسام عمران اقرب صاحب لابونا الله يرحمه واخت عمر صاحب عمرى ”
مط ايمن شفتيه وقال فى سخرية ” وبرضه بنت اخت صفوت صديق ..ولا ناوية تتبرى منه ”
لوح ادهم بيده فى تأفف فواصل ايمن بلهجة حازمة ” طب اقولك على حاجة ...خالها ده نفسه كان هيموت ويجوزهالك عشان يقرب بالنسب ده مننا ونقبل الشغل معاه ..ده طبعا لما ملقاش امل انك تبص لبنته اتمسك بجوازك من ندى عشان يحقق اللى هوا عايزه بأى تمن ”
قال ادهم بابتسامة ساخرة ” على اساس الحاجات دى تفرق معاك ؟؟“
هز ايمن كتفيه قائلا ” لا طبعا ولا يفرق معايا الكلام ده بتلاتة تعريفة ..البزنس مفيهوش عواطف ولا مشاعر ولا مجاملات ده اول درس اتعلمته من ابوك ...الصفقة دى هنطلع منها بمكاسب هايلة طبعا من غير شرح لانك متعرفش حاجة عن شغل المجموعة ..بس مختصر الكلام انا مبدخلش صفقات خسرانة ”
نظر له ادهم وقال محذرا ” طب بص بقى واسمعنى الراجل ده حرص منه على قد ما تقدر خلى اللى عمله فى حسام عمران قدام عنيك على طول ”
قهقه ايمن وهو يضع يديه خلف رأسه ويسترخى فى مقعده ” لا باينلك نسيت اخوك يبقى مين ..انا ايمن الالفى يا ادهم ..اشتغلت فى البيزنس ده وانا مكملتش ستاشر سنة ..اكبر حيتان فى البلد مقدروش ياخدو منى حق ولا باطل ..يعنى صفوت صديق ده يوم ما اعوز العبه ع الشناكل ...بس ما تجيش انت وقتها تقول خال مراتى ومش عارف ايه ”
زفر ادهم قائلا ” لا بص طلعلى ندى من الحوار ده ...ندى بعيد عن خالها وبعيد عن اى صفقات او بيزنس ..فاهمنى يا ايمن ؟؟“
صمت ايمن للحظات وتامل شقيقه قائلا ” اشمعنا ندى يا ادهم ”
قطب ادهم حاجبيه لللحظات فواصل ايمن ” اشمعنا هيا اللى مجنناك اوى كدة ..فيها ايه زيادة عن نص بنات مصر اللى يتمنو منك اشارة ”
صرف ادهم نظره عن اخيه الى الفراغ وقال فى سخرية ” هيا امك عشان عيانة بتاخد انت دورها ؟؟“
وقف ايمن امامه قائلا ” بحس فعلا ان معاها حق يا سيدى اتجوزها محدش قالك حاجة ..بس حبك الزيادة ليها ده غلط عليك ”
فرك ادهم وجهه وتطلع الى اخيه فى تمعن وبنظره فهم منها ايمن كل شىء قال ادهم ” انت شايف كدة ؟؟“
لم يفعل ايمن سوى ان جلس الى جوار شقيقه واسند رأسه مغمضا عينيه عائدا بذكرياته بعيدا مسترجعا يوما مر عليه ثلاثة عشر عاما بالتحديد فى مكتب ابيه وصوت صرخات والده يتعالى ”انا سايبك على راحتك لحد دلوقتى وقولت مسيره يزهق منها بس جاى دلوقتى تقولى عايز تتجوزها انت بتتكلم جد ؟؟”
رد ايمن فى حزم ” ايوة يا بابا فعلا بحبها وعاوز اتجوزها ”
لوح والده بكفه قائلا ” عاوز تتجوز واحدة بياعة فى محل وهيا اهلها مش لاقين ياكلو وعايشين فى حارة ..انت اتجننت يا ايمن ”
اخفض ايمن رأسه خجلا وعاد يرفعه قائلا فى صرامة ” بحبها وهتجوزها مهما كان التمن ”
وقبل ان يرد رن جرس هاتف ابيه فتنهد قائلا ” دخليها ” ، ورمق ولده بنظرة غريبة وهو يشعل سيجارته ويجلس على رأس المكتب ، تفاجىء ايمن بشهد حبيبته تدخل فى تردد فقال والده بصوت ساخر ” قربى تعالى ..متتكسفيش ” ، اقتربت وهى تنظر الى ايمن كأنها تلوذ به ، وهو لم يكن يعرف ماالذى ينوى عليه والده ، أخذ والده نفسا عميقا من سيجارته وتأملهما بهدوء حتى قال لشهد وهو يدور بكرسيه ” بتحبيه ؟؟“ ، نظرت شهد الى ايمن وقبل ان تنطق كان سؤال عبدالرحمن التالى ” تاخدى كام وتبعدى عنه خالص ..الرقم اللى انتى عاوزاه هديهولك ..ها تاخدى كام ..مليون اتنين تلاتة ..قولى ما تتكسفيش ”
ضغطت شهد على شفتها السفلى لتقاوم دموعها ورفعت راسها قائلة وهى تنظر الى ايمن ” ولا فلوس الدنيا كلها تساوى عندى لحظة واحدة معاه ”
ابتسم ايمن وتمنى لو ضمها بين ذراعيه ولكن والده استمر فى حديثه فى لهجة باردة قائلا ” حلو اوى جو الافلام ده ..يعنى انتى مش عايزة الفلوس ...“ وتوجه بنظره الى ايمن قائلا ” وانت بقا مش فارق معاك حاجة برضه ؟؟؟“
طالعه ايمن فى حيرة وحين هم ان ينطق نهض والده قائلا ” كل حاجة وليها تمن يا ايمن بيه ...انا مش هعمل فيها شرير الرواية وادور افرق بينكو واروح اولع فى يبتهم واقتل فى عيالهم والجو الاهبل ده ..انا مؤمن بالاختيار اوى ..انت اختار لو اتجوزتها مش هتطول مليم واحد من مجموعة الالفى حتى لو مت مش هتطول قرش واحد ...رجلك مش هتخطى جوة المجموعة تانى ...ياريت بقا تنسى حياتك الى فاتت كلها وتنسى احلامك واسمك اللى عملته واللى الناس بتتحاكى بيه ومش مصدقين ان فى حد فى عمرك يقدر يعمل اللى انت بتعمله ..انت مكملتش تلاتة وعشرين سنة وعملت اسم يشيب حتان فى السوق ..انسى ده كله وروح اتجوزها وعيش معاهم فى الحارة ..واشتغل بقا اى حاجة عجلاتى ميكانيكى اى حاجة ..انت ورزقك بقا ”
شعر ايمن بقسوة والده وهو مادفعه للتحدى قائلا ” هتجوزها وهعيش معاها ومش عاوز اى حاجة تانية ”
تعلقت شهد بذراعه فى سعادة وتأمله والده فى برود قبل ان يقول ” بما انك قررت يبقا اتفضل برة ...من النهاردة ملكش مكان هنا مفاتيح عربيتك وموبايلك وكل كروت الفيزا تسيبهالي انا ..ومن النهاردة انت لا ابني ولا اعرفك ”
كان يعلم انه يقسو عليه بشدة ولكن هذا قدره فهو الابن الاكبر له ، هكذا فعل معه والده وعلمه ان المشاعر لادخل لها فى عالم التجارة والاعمال ، كان لابد وان يعرف ان الامبراطورية التى صنعها ابا عن جد يجب ان تبقى الاختيار الاوحد ، كان يعلم فى قرارة نفسه ان ولده سيستسلم ويعود لاحلامه وعمله ، لن يتحمل تلك الحياة المقدم عليها ابدا ، ولكن كان عليه ان يقدم اول تضحية فى سبيل المجموعة ، تلك التضحية ستقتل مشاعره تماما وتجعله لا يقدم على مثلها من جديد ، ستحوله الى مجرد عقل فقط وهو ما يريده منه .
عاد ايمن من افكاره على صوت ادهم الهلع "ايمن " نظر بسرعة ليجد ممرضة تركض الى غرفة والدته ومعها طبيب ، نظر ايمن الى شقيقه فى هلع وقلق ، ولم يستطع ادهم الانتظار فدخل خلف الطبيب ،اتسعت عيناه فى خوف وهو يراه يحاول تنشيط قلب والدته بجهاز الصدمات دون جدوى ، اغمض عينيه بقوة محاولا التماسك وشعر بايمن اخيه وهو يمسك ذراعه وعينيه معلقتين بامه ، لم يطل الوقت اذ استدار الطبيب اليهما بعد دقائق وبنظرة حملت معنا واحدا "البقاء لله " .


sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خيوط القدر( الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا (

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 1:58 pm



الفصل العاشر
فتحت لبنى غرفة ندى لتجدها مستغرقة فى النوم وهى تضم احدى الوسائد الى صدرها ، هزتها امها بقوة وهى تقول ” اصحى يا بنتى بقا ” ، فتحت ندى عين واحدة وقالت فى ارهاق واضح ” ايه يا ماما ..فى ايه كدة ع الصبح ؟؟“
رفعتها امها من على الفراش قائلة ” اصحى كدة وفوقى ..ام ادهم تعيشى انتى ” ، شهقت ندى ووضعت كلتا يديها على ثغرها وهى تقول ” امتى حصل الكلام ده ؟؟“
أغمضت امها عينيها فى حزن قائلة ” امبارح باليل ..انتى مبترديش على تليفونك ليه ؟؟..اخوكى كلمك ميت مرة وادهم كمان قبله ”
اتجهت ندى الى حقيبتها وأخرجت هاتفها ،ضربت على جبهتها فى حزن حين وجدت عشرات المكالمات الفائتة من ادهم وعمر فقد نسيت الهاتف على وضعية الصامت ، لامت نفسها بشدة انها لم تكن الى جواره ،دائما مايزيد شعورها بالانانية فقد أخذت منه الكثير دون مقابل ،اختطفت امها الهاتف منها وهى تقول ” يلا يا بنتى غيرى هدومك بسرعة ” ، نهضت ندى بسرعة وتركتها امها لتبدل ثيابها ، وضعت يدها على صدرها تقاوم انقباضه وحزنه فعى تعلم كم يحب ادهم والدته ويتعلق بها ، تذكرت يوم وفاة والدها وكيف لم يفارقها لحظة ابدا رغم رفضها له ، تناست تماما ما حدث بالامس وما عزمت عليه من قرارات ، كل ما فكرت فيه ان تكون الى جوار ادهم فقط ويحدث بعد ذلك ما يحدث .
ذهبت اليه فوجدت عمر قد سبقها الى هناك ، الحزن كان باديا على كل قسمة من قسمات وجهه ، الدموع كعادته محبوسة خلف جفونه لايراها مخلوق ، ولكن حين اقتربت لتصافحه مواسية شعرت لاول مرة ببرودة انامله وارتعادها ، احتوت كفه بين راحتيها فى عطف تحدثت كثيرا ولكنه كان لا يسمعها حتى وان تظاهر بالعكس ، تألمت من اجله وودت لو كان بامكانها ان تضمه اليها ولا تتركه فى حزنه هذا ابدا ، لم تكن تعرف انها تكن له كل هذه المعزة فى قلبها .
أيام مرت وهى تحاول بكل طريقة ان تخرجه مما هو فيه ، لم تفارقه لحظة فاما معه او تحادثه هاتفيا ، اهملت مكالمات احمد ولم ترد عليها ، فقرارها قد اتخذته بالابتعاد عن كليهما ولكن لا يمكنها الابتعاد عن ادهم فى ظروفه الحالية ابدا ، فلن تحتمل ان تضيف وجعا جديدا الى قلبه وجرح وفاة امه لم يبرأ بعد ، كل ما فكرت فيه هو كيف تخرجه من تلك الحالة التى يعيش فيها .
***************************************************************************
اما الوضع بين ياسمين وعمر فلم يطرأ عليه اى تغيير ، كل منهما يتجنب الآخر ولا يتحدث اليه الا فى أضيق الحدود ، وفى يوم جاءت ياسمين الى عملها وبعد ان القت التحية ببرود كعادتهاوبعد ان منع عمر نفسه بصعوبة من الالتفات اليها وملىء عينيه من ملامحها التى اشتاقها ، جلست لتباشر عملها وحين عم الهدوء المكان ، سمع عمر اسماء الممرضة تقول ” دكتورة يا سمين ..ايدك بتنزف ” ، ودون وعى وبقلق التفت عمر اليها ونظر الى يدها التى لفتها بقطعة من الشاش بدأت الدماء تبلله ، ، نظرت ياسمين الى يدها وهى تجفف وجهها المتعرق الذى لاحظ عمر شحوبه قائلة ” معلش يا اسماء ..ممكن تجيبيلى شاش وبيتادين بس عشان اربطها تانى ”
قالت اسماء وهى تنهض بسرعة ” حاضر يا دكتورة ....بس حضرتك متأكدة انها مش هتحتاج خياطة ..كميه الدم دى بتقول انه شكله جرح مش عادى ”
قالت ياسمين وهى تضغط على جبهتها فى ارهاق ” روحى يا اسماء هاتى اللى قولتلك عليه ..انا مش قادرة اجادل ولا اناقش ”
كان عمر يراقب انفعالاتها وحديثها مع اسماء التى تعجبت من صمته ولكنه لم يطق صبرا اكثر من هذا فقال وهو يقترب منها ” استنى يا اسماء ” ، رفعت ياسمين نظرها اليه فى دهشة فواصل غير مباليا بها ” هنشوف جرح الدكتورة الاول يمكن يكون محتاج خياطة ” قالت ياسمين فى غضب ” انا قولت ...“ ، ولكن عمر لم يمهلها فرصة للكلام فقد التقط يدها بالفعل ولم يعطها فرصة للفكاك منه وبدأ فى فك الرباط من عليها ، دهشت لدرجة اعجزتها عن النطق ، وظلت تتابعه فى صمت ، قال بعد ان رفع نظره اليها وهو يهز رأسه فى سخرية ” انتى ازاى دكتورة وسايبة الجرح بالمنظر ده ..ده محتاج ست غرز على الاقل ” وقبل ان تفتح ثغرها لتنطق نظر الى اسماء قائلا ” معلش يا اسماء هنخيط الجرح هاتى اللى هنحتاجه هنا ” ، قالت ياسمين فى انفعال ” انا مش ه...“ ، قاطعها عمر بلهجة قاطعة ” يلا يا اسماء ”
خرجت اسماء سريعا لتحضر ما طلبه منها ، بينما القى عمر الشاش فى سلة نفايات طبية الى جواره واحضر منديلا ليكتم به لياسمين الدم وهو يضع يدها بين كفيه ويضغطها بقوة ، سحبت ياسمين يدها بسرعة وقالت ” انت فاكر نفسك ايه ؟؟...انت مالك ..اعالج جرحى ولا معالجوش ولا اولع بجاز ..انت مالك ؟؟؟“
ابتسم عمر فى هدوء أغاظها ووترها فى الوقت ذاته فقالت وهى تتلاشى النظر فى عينيه ” انت ليه مصر تتدخل فى اللى ملكش فيه ؟؟“
قال عمر وكانه لايسمعها ” انتى ايه اللى عورك كدة ”
نهضت ياسمين وقالت فى حنق ” وانت مالك ”
يبدو انه كان مستمتعا بتوترها وارتباكها هذا فقال ليوترها اكثر ” كنتى بتتخانقى مع قريبك ده ولا ايه ”
لاحظ عمر دمعة بعينيها تمنى لو مد انامله ومسحها ، نظرت اليه نظرة طويلة لم تنظرها له من قبل ، لم تهرب من عينيه ولا من نظراته بل اطالت التمعن فيهما وهو قرأ فى نظراتها رجاءا لا يفهمه ، رجاءا بالايطيعها ويبتعد ، رأى حزنا مزق فؤاده ، رأى نظراتها تتشبث به وتطلب منه النجاة من كل شىء ، اقترب منها اكثر ليقول شيئا فدخلت اسماء فجأة تدفع منضدة متحركة عليها اللازم لرتق الجرح ، ارتدى عمر قفازه سريعا ومد يده الى ياسمين فاعطته كفها فى استسلام وعيناها شاردة فى اتجاه وعالم آخر تمنى لو شاركها فيه ، لم يستغرق وقتا طويلا فى رتق جرحها وبعد ان انتهى احتوى كفها لا اراديا بين كفيه قائلا فى حنان ” سلامتك ” ، وأشار لاسماء لتخرج تلك الاشياء ثانية ، اما ياسمين فكانت على شرودها حين قطعه عمر قائلا ” انا آسف لو ضايقتك ” ، التفتت له ياسمين وسحبت يدها من يده وهى تقول بنظرة دامعة وبضعف ” ارجوك ..ابعد عنى ”
نظر عمر الى عينيها التى حملت رجاءا غيرهذا وحزن لا يحتمل وقال فى صوت حنون ” ياسمين ” ، سمحت لدمعتها ان تفر من عينها وفرت معها تاركة المكان وتاركة عمر الذى ظل فى مكانه على صدمته ، لقد طلبت منه الابتعاد وعيناها تترجاه ان يبقى ويقترب اكثر ، شىء ما شعر به بداخلها تجاهه ولكنها ترفضه ولا تسمح بتطوره ابدا، مالذى يخيفها منه وماالذى تخفيه خلف تلك الدمعة التى سقطت ، لقد ادرك فى هذه اللحظة ان ياسمين تحمل له مشاعر مثلما يحمل لها تماما ولكنها ترفض وجودها ولا يعلم السبب ، وهو اصر ان يعرف فلم يعد لديه ذرة شك واحدة ان ياسمين هى حبه الحقيقى التى لن يستطع ان يتخطاه ابدا .
كان يعرف الى أين ستفر ، الى اين ستهرب بدموعها من العالم كله ، وقف من بعيد يراقبها وهى تجلس تحت احدى الاشجار فى مكانها المميز وتدفن وجهها بين كفيها وتبكى فى حرارة ، تمنى لو ضمها الى صدره واحتوى خوفها وربت على كتقها حتى تهدأ ، بكائها بهذه الطريقة الموجعة كان يدمى قلبه ، تردد كثيرا فى التقدم اليها ولكن حينما واصلت بكائها على هذا النحو فقد السيطرة على نفسه .
كانت ياسمين تخفى وجهها بكلتا يديها وحين شعرت بخطوات تقترب منها رفعت رأسها لتجده امامها ، انتفضت ياسمين فى فزع واخذت تمسح دموعها فى توتر وقالت فى صوت حاولت جعله متماسكا ” انت بتعمل ايه هنا ؟؟“ ..وعرفت المكان ازاى ”
حاولت الوقوف فى مواجهته قائلة ” انا مش قلتلك ابعد عنى ..عاوز منى ايه ؟؟“
رد وهو يعقد ذراعيه امامه ” عاوزانى ابعد عنك فعلا ؟؟؟...وانا بس ولا كل النا س..وعايزة تبعدى ليه ؟؟“
لم تجد ياسمين ردا واستمرت دموعها فى الانحدار دون سيطرة منها فواصل عمر ” القناع اللى انت على طول لابساه مش لايقلك ابدا ..القسوة والجبروت اللى بتحاولى ترسميهم طول الوقت مش طبعك ...انتى ارق من كدة ...مقدرتش اصدقك ابدا ”
صرخت ياسمين وكانه قرأ ما بداخلها فحاولت نفيه قائلة ” بس انا كدة ..لو مش قادر تصدق اللى انت شايفه دى مشكلتك ”
اقترب منها خطوتين وهو يدقق النظر فى عينيها قائلا ” لا انتى مش كدة ...لما قربت منك كنتى انسانة تانية خالص ..كنتى على طبيعتك وفجأة اتبدلتى وحاولتى بكل الطرق تبعدينى عنك ” اخفض رأسه وهو يتنهد مواصلا ” بس مهما تعملى يا ياسمين انا مش هبعد ”
جلست ياسمين بعد ان شعرت بقواها تتلاشى وهى تقول بصوت ممزق ”انت عاوز منى ايه ...سيبنى فى حالى ..ليه عاوز تفتح صندوق مقفول وتنبش فيه ...دموعى دى ياما حبستها عن الدنيا كلها واديك جيت وشوفتها ..عاوز توصل لايه ها ..انى مش قوية ..اديك عرفت ..انا مش قوية ..انا اضعف من اضعف حد ..انا لابحب الحياة ولا عايزة اعيشها وكل يوم بعيشه بتمنى يكون آخر يوم فى عمرى ..ده اللى انت كنت عايز تعرفه ...ده اللى يرضى فضولك ويخليك مرتاح ”
كان طيلة حديثها مصدوما مما تقوله ومن يأسها من الحياة ولكن حين اتهمته بالفضول قال مدافعا وهو يرفع كفه ” مش فضول ابدا ..مش فضول ”
قالت من بين اسنانها فى الم ” اومال ايه ”
عض على شفته السفلى وزفر طويلا قبل ان ينظر لها ويقول بكل صدق ” عشان حبيتك يا ياسمين ..ايوة حبيتك ومش عارف ازاى ولا ليه ”
قاطعته ياسمين بصوت خفيض وهى تشير الى صدرها ” انت بتقول ايه ؟؟؟...بتحبنى انا ؟؟“
وقبل ان يرد واصلت فى لهجة يائسة ” لو اللى بتقوله ده فعلا حقيقى فريح نفسك انا مبقاش عندى قلب من اصله ولا قادرة حتى احب نفسى عشان اقدر احب حد تانى ” واشارت بسبباتها اليه قائلة ” انت حابب تتوجع ..حابب تدخل دايرة مقفولة مش معروفلها اول من آخر ...تعرف عنى ايه عشان تقول انك بتحبنى ”
رد عمر فى حزن ” لو لقيت لحبى سبب يبقا ما حبتكيش ”
ابتسمت فى وجع وقالت ” لو الحب ملوش سبب فالكره ليه اسباب كتيرة ”
هز رأسه قائلا ” قصدك ايه ”““
رفعت كفها بينها وبينه قائلة ” قولتلك خليك بعيد ..خليك بعيد احسن ..دور على حد تانى حبه واديله مشاعرك ...حد يكون لسة جواه مشاعر ..حد مش منتهى ”
تراجعت خطوتين للخلف وقالت ” انا هنسى كل اللى انت قولته وانت كمان هتنساه واعتبر ان احنا متقابلناش هنا ولا شوفتنى ”
وقبل ان تذهب ناداها عمر فنظرت له فقال ” ياسمين ..انا مش عايزك تنسى اى كلمة قولتها ..وانا كمان مش هنسى حرف واحد نطقته ”
أعطته ياسمين ظهرها وسارت بخطا اقرب الى الركض ولاول مرة تشعر بسعادة داخلها وتشعر بقلبها يدق فى عنف ولكنها ستقطع دابر كل ذلك بعد لحظات فهى ليست على استعداد لمواجهة ماضيها من جديد بعد ان اغلقته ، لقد فقدت الامل فى الحياة بأسرها حتى ظهر لها عمر فعلقها به، وحين أدركت وشعرت بقلبها يخفق له حاولت ابعاده بكل الطرق ولكنه لم يبتعد ، وها هو يخبرها بأنه لن يذهب ،جزء بداخلها سعيد ولا تستطيع مقاومته ، لا يستطيع كل هذا الحزن والخوف واشباح الماضى التى طالما طاردتها ان تسيطر عليه ، ولكن الخوف الذى لا زال متعلقا بكل ذرة من كيانها والذى تحاول اخفاءه خلف كل تلك الاقنعة يرفض الاعتراف بانها احبته ، تخشى على نفسها من فتح جراح الماضى من جديد ليست على استعداد لمواجهته مرة اخرى ، عمر هو من جاء بكل بساطة وسلب قناعها التى تخفى به حقيقتها ، كان هو اول من رأى دموعها ، اول من تحدثت له من قلبها ، اول من ابتسمت له ، ورغم انكارها هو اول من خفق قلبها بحبه ، هى حقيقة لا مناص منها ، وهى لاتفر منه بل تفر كل ما يجرحها او بامكانه ان يجرحها ، تفر من كل شىء .
**********************

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية خيوط القدر (الجزء الأول من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )

مُساهمة  sara elmasry في الخميس سبتمبر 27, 2018 2:15 pm



الفصل الحادى عشر

راقبها من النافذة الزجاجية لغرفة العناية المركزة بقلب ممزق وعينين دامعتين ، يستعرض كل مامرا به وكل لحظاتهما سويا ، لم يتخيل ولو للحظة ان يراها هكذا أقرب للموت من الحياة وهو عاجز عن صنع اى شىء لينقذها ، شعر بيد تربت على كتفه فاستدار ليجد ادهم غارقا في حزنه بدوره ،تنهد وهو يسأله فى ألم ” اخبارها ايه ”
تنهد عمر وهو يكتم دموعه فاختنقت نبرته وهو يقول ” زى ماهيا . ... مسألة وقت و..“ أخفض رأسه مع سقوط دمعة من عينيه وهو يضيف ” واضح انى خلاص هخسرها هيا كمان زى ماخسرت أختى ”
أمسك ادهم بكتفيه وقال فى صرامة ” انت ليه يائس ومستسلم كدة ..خلى عندك امل فى رحمة ربنا لآخر لحظة ..حبيبتك جوة لسة عايشة مخسرتهاش وندى مماتش يا عمر ..ندى عايشة لازم تعرف ده كويس ”
نظر عمر الى ادهم وقال فى عطف فهو يعرف كم العذاب الذى يعانيه ولكن عليه ان يتقبل الحقيقة التى أصبح هو وحده من يرفضها ” ادهم ندى ماتت ..لازم تعرف ده وتفوق من الوهم اللى انت بقالك سنة بحالها عايش فيه ”
شدد ادهم من قبضته على كتفيه وهو يقول ” لا مماتش انت فاهم ”
تنفس عمر فى عمق وواصل فى محاولة لاقناعه ” ندى دى تبقى اختى يا ادهم على فكرة واغلى مخلوقة على قلبى بس لازم نسلم كلنا بالحقيقة ..مش كل شوية نشعبط نفسنا بشعرة ونرجع نعيش حزننا ووجعنا عليها من تانى ...كل الأدلة بتقول انها ماتت ”
دفعه ادهم وقال فى حدة ” والدليل الوحيد على موتها بالنسبالى مش موجود ..جثتها فين يا عمر ؟؟“
تأمله عمر فى حزن بالغ وقال فى الم يحيا به ” متخليش حبك ليها يعيشك فى وهم يا ادهم ”
قال ادهم وهو يحدق بعمر ” حبى ليها هوا اللى بيدلنى على الحقيقة يا عمر ...احساسى بندى عمره ماخاب ابدا ..انا مؤمن بارادة ربنا وصدقنى لو ماتت كنت هسلم بقدره بس ندى مماتش يا عمر مماتش ..وهفضل ادور عليها لحد مالاقيها او أموت انا ”
نظر له عمر فى يأس وعاد لينظر الى ياسمين التى غابت عن العالم ليعيد النظر الى ادهم من جديد وكأن كل منهما يسأل الاخر سؤال صامت ، ماالذى حدث لنا ؟؟، شرد كل منهما فى عالمه الخاص يتذكران كل مامر بهما وكل ما خسراه فى الطريق ، خسارة كل منهما كانت فادحة فهناك حلم قد انتهى وحلم آخر يلفظ انفاسه الاخيرة بعد ان كاد يخطو أولى خطواته ويتحول لواقع ملموس .
***************************************************************************
مر شهر على وفاة والدة ادهم والحياة بدأت تسير بشكل طبيعى اكثر لديه ، لم تفارقه ندى طيلة هذه الفترة ، حاولت ان تعوض جزءا من شعورها بالذنب ، وجزءا مما فعله معها بعد وفاة ابيها ، عاد ادهم الى حالته الطبيعية وبدأت ندى تفكر جديا فى انهاء كل شىء بينهما وتنفيذ ما عزمت عليه من قبل وفاة والدته .
خرجت معه ومع عمر فى ذلك اليوم في محاولة لتشتيته عن حزنه بناء على رغبة عمر ، تبادلو كعادتهم احاديثهم عن ذكريات الماضى والعمل وكل شىء ورأت بعينيها ابتسامة ادهم من جديد وعودة روحه المرحة وان شابها بعض الحزن الذى يحاول ان يتجاوزه ويتخطاه ، نظر ادهم الى عمر الذى شرد قليلا عن الحوار وأشار برأسه لندى اليه فلوحت ندى بيدها أمامه قائلة ” هيييه ...رحت فين يا عمنا ”
رد ادهم نيابة عنه ” اكيد معاها ”
سألت ندى فى لهفة ” مين دى ها ..مين مين ”
بسط ادهم كفيه امامه وقال ” ياسمين ” ونظر الى عمر قائلا بابتسامة عابثة ” مش اسمها ياسمين برضه ” ، قطب عمر حاجبيه لادهم ليصمت الا ان ادهم لم ينتبه له ، فسألت ندى ” لا افيدونى بجد ..ياسمين مين ؟؟“
وفتحت ثغرها للحظات قبل ان تضرب جبينها بكفها قائلة ” افتكرت ..اوعى تقولى البت اللى رخمت عليه اول ماراح المستشقى ”
ضحك ادهم قائلا ” ايه ده هوا هو انتى لسة عند مرحلة الرخامة ده الموضوع اتطور ..وحصل افلام بعدها ..اخوكى وقع باين عليه ..مش شايفة قاعد ازاى ..بس هيا شكلها مش معبراه ”
هزت ندى كتفها فى مزاح وقالت ” هيا مين دى ؟؟؟هيا تطول عمر حسام عمران يبصلها حتى ” وواصلت الضحك فضحك معها ادهم ونظر الى عمر الذى كان يعقد ساعديه امام صدره ويتابع حوارهما فى غيظ قائلا ” خلصت انت وهيا ولا لسة ؟؟؟“
تنحنح ادهم قائلا ” ايه ده هيا ندى مكنتش تعرف ؟؟“ ..غريبة دى كاتم الاسرار بتاعك ”
هز عمر رأسه وهو ينحنى الى ادهم قائلا ” انت من امتى بقيت فتان والكلام بيقع من بقك كدة يا سيادة الرائد ”
لم تمهل ندى عمر فرصة للفرار فواصلت الحديث وهى تشد طرف قميصه قائلة ” سيبك من ادهم خالص وركز معايا ..انت فعلا بتحبها ”
نظر عمر الى ادهم الذى هز كتفيه قائلا فى ضحك ” رد عليها انا مليش دعوة ”
تنفس عمر فى عمق وهو يعود للخلف قائلا ” للاسف اه ”
رفعت ندى حاجبها وقالت ” للاسف ليه !!!...من عينة ريم هيا كمان ولا ايه ”
شبك عمر أصابعه قائلا ” مش عارف ..اغرب مخلوقة قابلتها فى حياتى ..معاها مبقاش فاهم حتى نفسى ..لغز حقيقى مش عارف اوصله ...مش عارف هيا بتفكر فى ايه ”
قال ادهم وهو يرتشف من القهوة امامه ” ولزمته ايه وجع القلب ده بقا ..فكك منها خالص ..مش من قلة البنات يعنى ”
ابتسم عمر وهو ينظر الى ندى ثم اليه قائلا ” مابلاش انت ...هوا احنا اللى بنختار القلب يدق لمين ”
نظر ادهم الى ندى بدوره وقال ” فى دى معاك حق ”
صرفت ندى نظرها عن ادهم فى خجل ،رن جرس هاتفها لينقذها ، فتحت المكالمة لتتفاجىء بصوت أمها الصارم " ـ ايوة يا ندى انتى فين "
ـانا فى النادى يا ماما فى ايه
ـارجعى البيت فورا
ـفى ايه ياماما
ـبقولك تعالى البيت حالا
واغلقت لبنى الخط
نظرت ندى الى الهاتف وهى تمد شفتيها فى دهشة،العصبية المفرطة تلك ليست من طباع لبنى مطلقا ،أخبرت عمر بما حدث فخشى ان يكون سوءا قد الم بوالدته فانطلق الجميع الى الفيلا ومعهم ادهم ليطمئن بدوره .
************************************************
اطمأن عمر على صحة والدته وهو فى الطريق فلم يستطع ان يطق صبرا حتى يصل ، نظر الى ندى قائلا ” واضح انك عاملة عاملة منيلة على دماغك ”
ضحكت ندى وهى تهز رأسها فى خفة ” طب كويس ..بصو بقا انتو الاتنين انتو هتيجو معايا عشان لو فيها ضرب ولا حاجة تحوشو عنى ...بس بقولكو ايه استنونى تحت ولما تسمعو الصوات اطلعو ”
ضحك ادهم وعمر على حديثها ، وحين وصلو الى الفيلا صعدت ندى مباشرة الى غرفتها ، بينما انتظر ادهم وعمر بالاسفل ، وما ان دلفت الى المكان حتى وجدت لبنى جالسة على طرف الفراش تبكى وخالها يقف الى جوارها يطالعها فى غضب والى جواره رنا تنظر لها في شماتة ، لم تفهم ما سر هذا ولكنها اندفعت الى امها تقول ” ماما حبيبتى مالك بتعيطى ليه ”
أمسك خالها بذراعها لتقف امامه وكادت ان تسقط مغشيا عليها حين عرض عليها صور مع احمد لها فى الحديقة التى اخذها فيها ،أخذت تحملق بها فى فزع دون ان تنطق ،لم يمهلها خالها فرصة اذا صرخ بها وهو يقرب الصورة من وجهها ” ايه علاقتك بالراجل ده ؟؟“
تراجعت ندى فى صدمة وهى عاجزة عن استيعاب ما يحدث فصرخ فى وجهها وهو يقبض على ذراعها فى قوة ” انطقى ..ايه علاقتك بيه ..ايه اللى يربطك براجل متجوز زيه ”
لم تستطع ندى مقاومة صدمتها بتلك الكلمة فرفعت رأسها الى خالها قائلة ” متجوز ؟؟؟“
ترك خالها ذراعها وقال فى غضب وكأنه سينقض عليها ” علاقتك بيه وصلت لحد فين اتكلمى ؟؟“
الذهول والصدمة اذهلاها تماما ولم تشعر الا وكف خالها يدوى على وجنتها صارخا ” انطقى ”
صرخت امها ، كما صرخت ندى وهى تبكى وتسقط ارضا متحسسة الم اللطمة ولكنها تشعر بالما آخر يعتصر كيانها ، ألما يعزلها عن العالم ويحيطها بسياج صلب مانعا اياها حتى عن التنفس ،جذبها خالها من ذراعها من جديد وهو يقول ” على آخر الزمن هتيجى انتى وتوطى راسى وتبوظيلى كل حاجة ” صرخت امها ” كفاية يا صفوت ..ندى اتكلمى قولى ان الكلام ده مش مظبوط ”
قال صفوت وهو يلقى الصورة بعيدا ” الجواب باين من عنوانه مش محتاجة تنطق ” ورفع يده ليلطمها مرة اخرى فى اللحظة التى دخل فيها ادهم وعمر الى غرفة ندى ، صرخ ادهم باسمها حين رآها على الارض وخيط من الدم يسيل من جانب شفتيها ، هرع اليها وساعدها ،وضع رأسها على صدره وهو يصرخ ” ايه اللى بيحصل ”
صرخ عمر بدوره وهو يتجه لندى ” ماما فى ايه ”
ترك ادهم ندى مع اخيها وذهب الى صفوت صارخا فى غضب ” انت ازاى تمد ايدك عليها كدة ؟؟؟...انا لولا مراعى سنك وشيبتك انا كنت دفعتك تمن عملتك دى غالى ”
لم يعرف صفوت بما يرد فلم يكن يعرف بوجود ادهم من الأساس ، وسيخسر كل شىء اذا علم ادهم بالامر وترك ندى ، بالطبع سيصفى شقيقه اى عمل بينهما ، احتضن عمر ندى وهى ترتعد وترتجف دون ان تنطق وصرخ من جديد ” حد ينطق ويقول فى ايه ؟؟“
هنا ظهرت رنا محاولة استغلال الموقف فقالت ” ماهى مش عاوزة تدافع عن نفسها بابا هيعمل ايه يعنى ”
نظر لها عمر وادهم فى اهتمام فاقتربت من ندى وهى تقول ” قوليلهم يا ندى ان ده مش صح ..قولى ان اللى قال عليكى كداب ”
وقفت لبنى وصرخت فيها ” رنا ”
الا ان ادهم نهض ليواجهها قائلا ” كلام ايه يا رنا قولى ”
أغمض صفوت عينيه فى خوف وقد علم ان ابنته الغبية ستنهى كل شىء الان
قالت رنا فى خبث وهى تعقد ذراعيها محاولة ابداء التعاطف مع ندى ” واحد حقير باعت لبابا ع الايميل بتاعه صور لندى وبيقول انها على علاقة بواحد متجوز ”
تسمر ادهم للحظات حتى صرخ فى وجه رنا فجأة قائلا ” انتو اتجننتو ؟؟“ وأشار الى صفوت باصبعه قائلا ” انت اتجننت ..انت خال انت ..كل الكلام اللى وصلك ده كدب ..ده ما بدل ما تفرم اللى بعتلك الكلام ده تحت رجلك جاى تمد ايدك عليها ”
شدد عمر من احتضانه لاخته وهو يقول ” انتو اكيد اتجننتو ”
هنا حاول صفوت ان يحسن من موقفه فقال متلعثما ” هيا مردتش ولا دافعت عن نفسها وده جننى ”
قال ادهم فى غضب واضح كاد ان يعصف بمن حوله ” ودى حاجة يترد عليها ..انت متخيل ان بنت اختك بالاخلاق دى ..وبعدين صور ايه يا ابو صور ..متعرفش انه فى اختراع اسمه فوتو شوب ..ده انت اكتر واحد عارفه ” ، كان صفوت يشعر بالراحة لرد ادهم هذا فقد كان ما يخشاه ان تصل هذه الصور اليه فينهى علاقته بندى وينهى شقيقه أيضا العمل معه وكأن ادهم قد قرأ افكاره فقال مسرعا ” اه ويكون فى علمك انا ممكن بسهولة جد اخسرك كل حاجة لو فكرت مجرد تفكير تعمل اللى عملته ده تانى ”، كلمات ادهم كانت وجع ندى الحقيقي وقتها ، آخر ما توقعته ان يفعل ادهم هذا وان يدافع عنها وهى مدانة،هي لا تستحق حبه لاتستحق حنانه الذي يغدقه عليها بلا حساب ، لم تستطع التحمل اكثر من هذا فتأوهت فى ضعف ، التفت لها ادهم وركع على ركبتيه امامها قائلا ” ندى انتى كويسة ”
تشبثت ندى بعمر وقالت ” عمر خدنى معاك ..مش عاوزة افضل هنا ارجوك ”
ربت عمر على كتفيها وهو يقول ” حاضر يا حبيبتى ..بس اهدى عشان خاطرى ”
حاولت ندى ان تنهض فلم تستطع فساعدها عمر وهى تقول ” يلا ياعمر دلوقتى حالا ”
وقبل ان تخطو خطوة واحدة سقطت مغشيا عليها.
*************************************************************************
وضع عمر رأس ندى على صدره واحاط كتفيها بذراعه وضمها اليه وهي تغمض عينيها فى هدوء فى المقعد الخلفى لسيارة ادهم الذى كان يختلس النظر اليها بين اللحظة والاخرى حتى قال له عمر وهو يدق على كتفه باصابعه ” بص قدامك يا ادهم ..مش ناقصة حوادث فى الليلة السودا دى كمان ”
تنهد ادهم وهو يقول فى قلق ” انت متأكد انها مش محتاجة تروح مستشفى ؟؟“
رد عمر فى سخرية ” ده على اساس انى بشتغل ايه انت كمان ..هيا بس الصدمة ..مقدرتش تستحمل ” ومسح على وجهها وهو يضيف ” ندى ارق بكتير من انها تستحمل اللى حصل النهاردة ..عمر بابا حتى ما زعقلها ..ولا كان بيخلى حد ييجى جنبها ”
ضرب ادهم على عجلة القيادة وهو يقول ” والله لولا انى مراعى شيبته وانه خالكو انا كنت وريته اللى عمره ماشافو ”
نظر عمر الى ندى وقال فى حيرة ” تفتكر مين اللى ممكن يعمل كدة ..مين اللى كاره ندى للدرجادى ”
صمت ادهم للحظات وقد ردد الاجابة بداخله ولكنه احتفظ بها لنفسه وقال ” مش عارف ..اكيد ندى لما تفوق هتعرف وتقولنا ..بس بقولك ايه متحاولش تفتح معاها كلام عن الموضوع خالص النهاردة ..سيبها تتكلم هيا وقت ما تحب ..عشان مترجعش تنهار تانى ”
ابتسم عمر من مشاعر ادهم وقال ” هوانت للدرجادى بتحب ندى يا ادهم ..مشكتش فيها ولو للحظة ؟؟“
اوقف ادهم السيارة جانبا ونظر الى عمر فى عتاب واضح قائلا ” انا محبتش فى حياتى كلها غير ندى ومعنديش حد فى الدنيا اغلى عندى منها ..وطبعا مشكتش فيها ..ومش هسمح للى حصل انه يحصل تانى ..ومحدش هيأذى ندى طول ما انا عايش وفيا نفس ”
وصل ادهم الى بيت عمر الذى حمل شقيقته الى غرفتها ودثرها جيدا ، وقف ادهم على باب الغرفة يتابعها فى حزن وهى ترتجف وتنتحب وتمنى لو أخذها بين ذراعيه حتى تهدأ وليذهب كل شىء الى الجحيم ، ظل واقفا حتى هدأت بين ذراعى عمر ونامت ،اقترب ليطمئن عليها بنظرة أخيرة قبل ان يذهب منطلقا بسيارته الى فيلا صفوت من جديد وغضب العالم يستعر فى اعماقه .
***********************************
انطلق ادهم بكل حنقه وغيظه يطوي الطريق بسيارته ، وكأن نيران غضبه وثورته هما وقودها الذى وصل بها الى اقصى سرعة ، لم يحتمل ان يرى حبيبته على هذا الضعف والخوف ابدا ، لم يحتمل ان يرى أى انسان على وجه الارض يؤذيها ، لم يحتمل رؤيه دموعها ، هى نداه بكل نقائها وبرائتها ،نداه التى يريد ان يحتويها عن اى شىء بامكانه ان يعكر صفو بسمتها ، وصل الى الفيلا ووقف امامها ،ترجل من سيارته وهاتف رنا لتأتى اليه وماهى الا لحظات حتى كانت تتحرك للقائه فى سعادة بالغة ، كان ادهم يقبض كفه الايمن بالأيسر محاولا السيطرة على غضبه بكل طريقة وما ان رأى رنا حتى اقترب منها وامسك ذراعها فى قوة لتتأوه فى الم وتقول ” ادهم سيبنى ..فى ايه ؟؟“
لم يعبأ ادهم بها ليقول ووجهه قد احمر من فرط الغضب ” انا كام مرة حذرتك وقولتلك الا ندى ..كام مرة ؟“
أفلتت رنا ذراعها بصعوبة بعد أن كاد ادهم يعتصره في قبضته الحديدية وقالت بلهجة باكية ” وانا بقا عملتلها ايه ”
ابتسم فى سخرية وغضب مخيف يطل من عينيه ” مين اكتر حد بيكرهها ؟؟...مين اكتر حد بيتمنى انى اسيبها غيرك ..ردى ؟؟“
لم ترد رنا بل تركت لدموعها الفرصة فى الاجابة فواصل ادهم فى حدة وهو ينحنى تجاهها ” اسمعينى بقا ..عشان تريحى نفسك خالص ..انتى آخر حد فى الدنيا ممكن افكر فيه ..حتى لو انا وندى مكملناش مع بعض ..فمتحاوليش وتتعبى نفسك ..انا بحب ندى ومش هحب غيرها فى عمرى كله ومش حتة عيلة زيك بحركة عبيطة وتافهة زيها هتبعدنى عنها ”
واصلت رنا البكاء فقال ادهم وهو يضع يديه فى جيبه متابعا لها ” اتمنى تكون دموع ندم ع الللى عملتيه ؟؟“
هزت رنا رأسها وهى تقول ” انا معملتش حاجة تصدق او ما تصدقش دى مشكلتك ..بس انا فعلا معملتش حاجة ”
واقتربت منه خطوتين وهى تقول فى ثقة ” اما من جهة اقدر اعمل فانا اقدر اعمل كتير ..النار اللى جوايا بتخلينى عاوزة احرقها واحرق الدنيا كلها ..بس عمرى ما أذيتها مش عشانها ..عشان مش عاوزة اوجعك انت عليها وانا بحبك ومقدرش اوجعك ”
نظر لها ادهم وقال فى تهديد ” جربى كدة اذيها او ضايقيها تانى وشوفى انا هعمل فيكى ايه انتى وابوكى ..اللى مانعنى عنكو انه هوا خال ندى وعمر مش اكتر ”
دفعته فى صدره وهى تقول ” كفاية بقا ..انت ايه ..مش فارق معاك اى حاجة ..حبك ليها عماك للدرجادى ..مفكرتش انه...“ قاطعها وهو يمسك كفيها التى تدفعهما به من على صدره مع كل كلمة قائلا ” انت اتجننتى ؟؟“
تركت كفيها بين يديه وهى تقول فى خفوت ” مصدر ثقتك فيها ايه ؟؟...هيا بتحبك ؟؟..عشان قلبها ميكونش مع غيرك لازم تكون بتحبك انت الاول ..هيا بتحبك يا ادهم ..رد..عمرها قالتهالك ؟؟...ولا ثقتك اتبنت على مشاعرك انت وبس ..سلمتلها عقلك مع قلبك ومبقتش قادر تفكر ”
ترك ادهم كفيها فى عنف قائلا ” عارفة بنتها على ايه ..على اخلاقها اللى معندكيش انتى حتى ربعها ”
اغمضت رنا عينيها فى الم وهى تتلقى اهانتها من اكثر شخص تحبه فقالت وهى تضغط على شفتها السفلى ” متشكرة جدا يا سيادة الرائد ..لو معندكش تهديد او اهانة تانية ..اسمحلى ان امشى ”
تركته رنا وركضت الى الداخل وصوت بكائها يصله ، وأثر كلماتها لا زالت بداخله ، بالفعل ندى لم تخبره حتى الآن انها تحبه ، ولكنه تعاهد معها من البداية ان تنهى كل شىء حالة وجود اى مشاعر تجاه آخر ، لقد مرت الفترة التى اتفقا عليه دون ان تفتح معه الامر مطلقا ، فهل تكون احبته حقا ؟؟ وتحتاج وقتا لتخبره بهذا ؟؟، لام نفسه ان كلمات رنا قد أثرت به لهذه الدرجة ، وقرر ان يعطى الفرصة كاملة لندى وان يثق بها حتى النهاية .
******************************************************************************
فتحت ندى عينيها وهى تشعر بصداع بشع ، نظرت حولها لترى نفسها فى غرفة غير غرفتها ، عرفت على الفور انها غرفة اخيها فى شقته وتذكرت أيضا كل ما حدث بالامس فوضعت يدها على وجنتها تتحسس ألم اللطمات وسؤال طرأ على بالها فجأة ” متجوز ؟؟“ ، بحثت عن هاتفها الى جوارها فلم تجده ، نهضت في ضعف الى حقيبة ملابسها التى احضرها عمر ، فتحتها وهى تلقى بالملابس فى عشوائية وتنبش عن الهاتف حتى وجدته ، ادارت رقمه فجاءها صوته ” ندى مش مصدق ..أخيرا رديتى عليا ” ، كان صوت أنفاسها المتلاحقة يصل اليه فقال ” ندى ..انتى كويسة ؟؟“
استجمعت كلماتها اخيرا وقالت ” انت متجوز ؟؟“ صمت ولم يرد ، فواصلت ندى بصوت حاد ” انت متجوز ..رد عليا ؟؟“
ـ ندى اسمعينى الاول ارجوكى
قالت فى الم وصدمة ” انا مش عاوزة اسمع حاجة ..وكلمة واحدة انت متجوز ولا لا ”
صمت من جديد فصرخت فيه ” رد عليا ”
ـ اه يا ندى متجوز ..بس ادينى فرصة افهم...“
لم تمهله ندى اى فرصة للكلام اذ صرخت فيه ” حقير ..سافل ..واطى ..انت احقر انسان شوفته فى حياتى ”
والقت بالهاتف فى الحائط لتتناثر اشلائه في المكان ،وضعت وجهها بين كفيها تبكى فى حرقة وتصرخ في الم ، هنا دخل عمر على صوت بكائها ،هرع اليها يحتضنها وهو يقول فى فزع ” ندى ..اهدى يا حبيبتى ..مالك ..كنتى بتحلمى ؟؟“
احتضنت ندى اخيها كأنه طوق نجاة القى لها وهى تلفظ آخر انفاسها واصلت بكائها على صدره فى مرارة ، لم تكن سوى مجرد نزوة فى حياة رجل متزوج ، للمرة الثانية يخدعها ، ليس صديقا لادهم فقط ، بل متزوج ايضا ، كانت حمقاء بلا عقل فمن يأتى الى حبيبة صديقه ليخبرها بحبه هو خائن للعهد ، ومن يخون صديقه يخون زوجته ، تذكرت كلمات ادهم وهو يدافع عنها وتألمت ، هى لا تستحق هذا منه ، لا تستحق معشار رجل كادهم ، لا تستحق ذرة واحدة من مشاعره ، لقد خانته وخانت ثقته بينما هو وقف يدافع عنها امام الجميع ، وقف ليحميها كما تعود ان يفعل ، عذاب الضمير قد بدأ مشواره معها ، ظلت تبكى وعمر الى جوارها يربت على كتفها حتى هدأت ونامت .
*************************************************
فى الصباح اتجه ادهم الى شقة عمر وهو يحمل معه افطارا ليتناولونه سويا ، فتح له عمر الباب فدخل وهو يضع الطعام على المائدة وسأل مباشرة دون حتى ان يلقى التحية ” اخبار ندى ايه ؟؟“
فرك عمر عينيه قائلا ” طول اليل كوابيس وعياط ”
زفر ادهم فى الم قائلا ” طب هيا صاحية ولا لأ عشان تفطر معانا ..عايزة اطمن عليها قبل ما امشى ”
نظر عمر الى غرفتها وذهب ليتفقدها بينما بدأ ادهم فى رصف الطعام على المائدة حتى جاء عمر وهو يحيط كتفي ندى بذراعه فابتسم ادهم مخفيا المه لرؤية وجهها الذابل ومقلتيها المتورمتين من البكاء ، كان يعرف انها أرق بكثير من كل مامرت به ، اما هى فكادت ان تهرب منه بمجرد رؤيته فهى تشعر بذنبها الذى لايغتفر فى حقه ، قادها عمر الى المائدة فجلست وجلس ادهم فى المقابل وهو يقول ” اخبارك ايه النهاردة ”
هزت ندى رأسها فى استسلام قائلة ” كويسة ”
نهض عمر وهو يقول ” بقولكو ايه انا هعمل قهوة مش قادر الصداع هيفرتك دماغى اعملكو ايه معايا ”
نظر ادهم الى ندى فى حنان وهو يقول ” ندى بتحب النيسكافيه يا عمر ..اعملنا احنا الاتنين نيسكافيه ”
مسح عمر على شعرها وهو يقول ” ماشى يا عم نعملكو نيسكافيه ”
نظر ادهم الى وجه ندى المرهق والى آثار صفعات خالها فشعر برغبته فى قتله ، مد انامله فى تردد الى وجهها قائلا فى الم ” حقك عليا انا يا حبيتى ...اوعدك محدش يأذيكى كدة تانى ”
كلماته كانت تقتلها ، اه لو يعلم ذلك ، سالت دمعة على وجنتها فمسحها بابهامه وهو يقول ” بلاش عشان خاطرى ...دموعك دى بتحرقنى ”
انزل يده وقال محاولا تغيير مجرى الامور قائلا وهو يشير الى الطعام ” بقولك ايه بقا ..انا مفطرتش وحالف ما احط لقمة فى بقى قبل ما تاكلى انتى ”
ومد يده اليها بالطعام قائلا ”عارف بتحبى باتيه الجبنة الرومى قد ايه ” قالها وهو يقربها من فمها فرفضت فواصل بصوت حنون ” عشان خاطرى ” ، كم يعذبها هذا ولكنها فتحت فمها امام اصراره وقضمت قضمةصغيرة منه ، جاء عمر وهو يحمل القهوة قائلا فى غضب مصتنع ” ايه ده ان شاء الله انت وهيا ..اعملو حساب لوجودى طيب ”
ضحك ادهم قائلا ” وانت مالك انت عاوز ايه دلوقتى ”
جلس عمر على طرف احدى الكراسى قائلا ” ايه اللى عايز ايه دى ...اختى دى اللى انت بتاكلها وبعدين من امتى الحنية دى ..ده انا لما كنت عامل حادثة وايدى متجبسة من اربع سنين مهانش عليك تأكلنى كدة زيها ”
نهض ادهم وهو يعقد ذراعيه قائلا بضحك ” وانا اكلك فى بقك ليه ..ده اللى كان ناقص داهيه تقرفك ”
كانا يتبادلان الحوار بهذه الطريقة وهما ينظران الى ندى بين الحين الآخر فى انتظار ان تشاركهم الضحك او الكلام ولكنها لم تفعل ، بل لم يعد بمقدورها تحمل رؤيته اكثر من هذا ، حنانه معها التى تشعر انها لا تستحقه يؤلمها ، نهضت بسرعة واتجهت الى غرفتها ، نظر ادهم الى عمر وقال فى حزن وهو يراقب مغادرتها ” مش حاسس انها كويسة ابدا ” واضاف فى غيظ ومن بين اسنانه ” عارف انا نفسى فى ايه دلوقتى ..نفسى اروح لخالك ده مسيبوش غير لما روحه تطلع فى ايدى ”
نهض عمر قائلا ” خلاص يا ادهم ..متكبرش الدنيا ..اهو عدى وخلاص ”
اشار ادهم الى غرفة ندى قائلا ” انت مش شايف حالتها عاملة ازاى ”
رد عمر فى اهتمام ” ده لان ندى طول عمرها حساسة زيادة عن اللزوم وبقت حساسة اكتر بعد موت بابا ..انت عارف كان مدلعها وبيحبها قد ايه ..تدخل خالى طول الوقت فى حياتها واللى حصل امبارح ..خلى نفسها تصعب عليها لان دى اول مرة حد يمد ايده عليها ..وخالى معملهاش الاوباباا مش موجود ..فهمتنى ؟؟“
تنهد ادهم وعينيه معلقة بباب غرفتها ” فهمت وطول ما انا عايش مش هخليها تحس بده تانى ”
كلماته كانت تصل اليها من خلف الباب ، وضعت يدها على أذنيها حتى لا تسمع وكأنها تريد ان تصرخ وتطلب منه الرحمة ، كفاه جلدا لها بكلماته هذه ،رقته تلك هي قمة المعاناة بالنسبة اليها ، الايكفيها صدمتها حتى يزيد عليها عذاب الضمير ، انها لا تستحقه ، لا تستحقه وستبتعد عنه هذه المرة ليس لانها لاتحمل تجاهه مشاعر بل لانها لا تستحقه ، وجوده فى حياتها قد اصبح اكبر عذاب وعقاب .
..........................................................................................
وقفت ياسمين تراقب احدى الاطفال فى الحضانة بعد ان انهت عملها معها ، نظرت الى ملامحها الهادئة وابتسامة ارتسمت على ثغرها دون وعى ، ربما تمنت ان يكون لها طفلة مثلها ، تمنت بغريزة الام التى زرعها الخالق فى كل انثى حتى لو شعرت انه من المحال ان يحدث ”حلوة اوى مش كدة ” انتفضت وهى تشعر به الى جوارها فنظرت اليه في غيظ ،واصل وهو يراقب الطفلة ” اكيد دلوقتى واقفة تتمنى يكون عندك واحدة زيها ” ، قراءة افكارها بهذه الطريقة اصبحت تخيفها منه قالت وهى تنظر حولها ” انت بتعمل ايه هنا ”
ضحك عمر قائلا ” حلوة اوى بتعمل ايه هنا دى ؟؟؟..شغلى يا دكتورة زى ماهو شغلك ”
تنحنحت ياسمين فى حرج وقالت فى عصبيتها التى اعتادت استخدامها لاخفاء توترها دوما ” طيب مادام شغلك يبقا اتفضل شوف وراك ايه ..بدل ما انت واقف كدة ”
كان عمر يدقق النظر فيها محافظا على ابتسامته وقد استمتع بارتباكها فقالت فى تأفف ” انت فعلا انسان مستفز ”
وضع عمر يده فى جيب معطفه قائلا ” امم انا عارف ”
هزت ياسمين رأسها فى غيظ فواصل عمر ” على فكرة وانتى متعصبة كدة ببقى شكلك زى القمر ..فبلاش تتعصبى عشان متحلويش ”
احمر وجه ياسمين خجلا ،للمرة الاولى يغازلها احد دون ان تشعر بحاجتها لصفعه ولكنها دفنت كل هذا بداخلها ورفعت رأسها اليه قائلة فى غضب ” انت مش بس مستفز ..انت قليل الادب ووقح كمان ”
أغاظها حقا استمراره فى الابتسام واتسعت عيناها دهشة وهو يخرج من جيبه شيئا ويضعه فى جيب معطفها قائلا ” طب انا هقولك على حاجة ..دى شوكولاته بتزود السيروتينين ..هرمون السعادة عارفاه ..يمكن لما تتبسطى متبقيش حلوة اوى كدة ..بعد اذنك ”
نظرت اليه فى دهشة والتقطت الشوكولا من جيبها ونظرت اليها بابتسامة ، مشاعر متناقضة تسيطر عليها ، تشعر انها تريد ان تدفعه بعيدا وان تلقى نفسها بين ذراعيه ، تفتقده ان غاب وتفر منه فى وجوده ، تشعر بأمان غريب يحيطها كلما اقترب منها ، شعور بالامان افتقدته فى حياتها بأكملها لم تشعر به الامعه ، هو اول شخص فى هذه الدنيا تحدثت معه دون قناعها الذى ترتديه مع كل البشر ، لا تجد لكل ماتشعر به تفسير ، ولكن الخوف الذى لازمها طيلة عمرها لازال يقف بينها وبينه ، تخشى منه وتخشى عليه ، وستزيحه عن طريقها بكل الطرق فربما ما تشعره تجاهه هو الحب الذى يتحدثون عنه وهى تجربه معه للمرة الاولى ، نظرت الى الجرح الذى فى يدها والذى قام بمداوته وتساءلت هل بامكانها اخباره كيف جرحت ، هل تملك الشجاعة لاخباره بقصتها كاملة ، هل بامكانها تحمل عذابات الحب فوق ما تعانيه من عذاب والاجابة كانت واضحة لا والف لا ، لن تتحمل، ستواصل حياتها كما بدأتها، لا تعلم اى معلم من ملامح الحياة تحمل وهى تتمنى الموت مع كل يوم يبدأ فيها .
.............................................................................
مر أسبوعان وندى تحاول تجاوز الصدمة بكل مامنحت من قوة ، تحاول ان ترهق نفسها فى العمل لتتوقف عن التفكير فى كل شىء ، قرارها بالابتعاد عن ادهم لم يتغير ولكنها فى حاجة لبعض التوازن مما مرت به حتى تستطيع ان تواجهه ، انهت عملها فى ذلك اليوم ونظرت الى هاتفها الذى احضره ادهم لها عوضا عن هاتفها الذى حطمته ، تذكرت انها لم تضع به الشريحة بعد ، وضعتها وفتحته وبمجرد ان اضاء وجدت العديد من الرسائل بمكالمات لم تصلها ، تجاهلته وهى لا تريد ان تعرف من حاول الاتصال بها فهى تعرف انه سيطاردها بكل طريقة ، ولذلك لم تمانع ادهم حين طلب منها ان يأخذها من العمل ليوصلها للمنزل يوميا ، لم تكن لتدع له اى فرصة للاقتراب منها وتحامت بادهم كعادتها رغم انه يعذبها بقربه هذا الا انه وضع مؤقت حتى تستطيع المواجهة .
نسخت الاسماء من الشريحة الى الهاتف ووضعته فى حقيبتها وقبل ان تصل الى باب الشركة كان هاتفها يرن ، ابتسمت وهى تنظر الى المتصل فقد كانت مرام ، اشتاقت اليها حقا، فتحت المكالمة فجاءها صوتها العاتب ”“لا لا لا انا زعلانة منك ..كدة تختفى الفترة دى كلها ولا حس ولا خبر ”
ابتسمت ندى قائلة ” كنت تعبانة شوية معلش ...طمنينى انتى عليكى ”
ـانا كويسة بقولك ايه انتى فين دلوقتى ؟؟
ـ انا لسة خارجة من الشغل
ـ طب ايه رأيك تعدى عليا ؟؟
قالت ندى فى دهشة ”اعدى عليكى فين ؟؟“
ـ فى البيت انا قاعدة لوحدى ..وانتى عمرك ما جتيلى قبل كدة ..تعالى نتغدى سوا ونرغى شوية
صمتت ندى ربما كانت فى حاجة لهذا حقا وبحاجة للعودة الى حياتها بالتدريج ، جاءها صوت مرام ” قولتى ايه يا ندى ”
قالت ندى وهى تتنهد ” ماشى يا مرام ادينى العنوان وانا هجيلك ”
أعطتها مرام العنوان وهى تتجه الى الخارج حيث كان ادهم فى انتظارها امام سيارته ، ابتسم وهو يفتح لها الباب كعادته ، جلست الى جواره فسألها فى اهتمام محب واضح ” ها ايه الاخبار النهاردة ”
ردت فى ملل ” عادى زى كل يوم ”
أدار ادهم السيارة قائلا ” على فكرة انا معنديش شغل النهاردة لو تحبى نخرج فى حتة قبل ما تروحى
قالت وهى تنظر الى هاتفها ” لا ما هوانا مش هروح دلوقتى ..فيه واحدة صاحبتى كلمتنى وانا هروح اشوفها ”
عقد حاجبيه فى اهتمام قائلا ” صاحبتك مين دى ؟؟“
ـ دى واحدة متعرفهاش ..انا ممكن اخد تاكسى على فكرة المشوار بعيد عليك
رفع حاجبيه فى تذمر ” انتى اتجننتى ..تاكسى ايه اللى تاخديه ..هوصلك طبعا وبعدين انا سبق وجبتلك عربية فى عيد ميلادك وانتى اللى رفضتى تاخديها ”
حنان ادهم المبالغ فيه يصيبها بالاختناق فقالت ” انا مش عاوزة حاجة يا ادهم ..ولو سمحت اطلع لو هتوصلنى ..عشان متأخرش عليها ”
بدأ ادهم القيادة قائلا ” خلاص يا ستى ..طلعنا اهو ..قوليلى بقا ساكنة فين صاحبتك اللى معرفهاش ”
اعطته ندى العنوان وبعد نصف ساعة كانت عند مرام التى قابلتها بحفاوة ” واخيرا نورتينى ونورتى بيتى المتواضع ”
فتحت ندى ذراعيها وهى تنظر الى الاثاث الفخم قائلة ” ده متواضع ...احب اهنيكى على ذوقك الهايل ”
ضحكت مرام قائلة ” من جهة الذوق فده ذوق سليم مش ذوقى خالص ” وجذبتها من يدها وهى تقول ” تعالى جوة فى الصالون ” ، جلست ندى الى جوار مرام يتبادلان الحديث الذى كانت ندى تشرد عند منتصفه فقالت مرام فى اهتمام ” مالك يا ندى ..سرحانة فى ايه ” ، تظاهرت ندى بارتشاف العصير وقالت ” لا ابدا معاكى اهو ”
وضعت مرام يدها على كتفها قائلة ” انتى مش سرحانة بس انتى شكلك مطفية ودبلانة كدة ..انتى تعبانة ”
حاولت ندى ان تخفى توترها خلف ابتسامتها قائلة ” لا خالص ..هوا جوزك فين صحيح ..طفشتيه من البيت ولا ايه ”
تراجعت مرام على كرسيها وهى تقول ” امم شكلك بتهربى من سؤالى ..ماشى مسيرك هتقرى لوحدك ”
شعرت ندى بضيق مفاجىء وبحاجتها للعودة الى المنزل لتنال قسطا من الراحة ، حاولت مرام ان تبقيها اكثر ولكنها اصرت ، وبينما تحمل هاتفها لتضعه فى الحقيبة ، سمعت مرام صوت باب الفيلا يغلق ، فابتسمت قائلة ” ده اكيد سليم ..كويس اوى هعرفكو على بعض ”
لم تكن ندى فى حالة تسمح لها بالتعارف او غيره ولكنها ستفعل من اجل مرام ، انتظرته حتى وصل الى غرفة الصالون ، كانت تنظر الى هاتفها تطالع الوقت حين نادتها مرام ” ندى ..اقدملك سليم جوزى ” ، رفعت ندى وجهها بابتسامة تعارف روتينية الا انها كادت ان تصعق مما رأت ، وبالكاد استندت على الكرسى المجاور لها حتى لاتسقط ، هى ليست بالطبع داخل رواية بوليسية سخيفة ، الصدمات تتوالى وتتوالى والذى يقف امامها الآن لم يكن سوى أحمد .

sara elmasry
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 46
نقاط : 54
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 4 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى