روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

وردة ورق ( هالة حمدي )

اذهب الى الأسفل

وردة ورق ( هالة حمدي )

مُساهمة  هالة حمدي في السبت سبتمبر 29, 2018 10:45 pm



ازيكم يا رائعات .. اليوم اضع بين ايديكم تجربتي الثانية

وردة ورق



ملخص الرواية ..

التربية واهميتها .. التربية مش اكل وشرب وتأمين مستقبل ولادنا بس

التربية بناء شخصية متوازنة .. التربية اهتمام ودعم وتقبل ..

اتمني روايتي الجديدة تنال اعجابكم .. اليكم رابط الرواية الاولي قلوب آثمة

http://raw2e3.yoo7.com/t8-topic

الفصول في المشاركات القادمة ..


رابط التحميل


mediafire.com file/brr1mds11tyjhts/وردة_ورق_هالة_حمدي_-_روائع_الروايات_الرومانسية.pdf

" />
avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: وردة ورق ( هالة حمدي )

مُساهمة  هالة حمدي في السبت سبتمبر 29, 2018 10:49 pm

مقدمة



أراقب عبر شاشة التواصل الاجتماعي ، صورا تتبدل يوميا ، هذه الأميرة الجامحة ، تضع صورة لأمرأه تفتح فمها تنظر لأعلي في ميوعة و أغواء ، يعلو شفتيها لونا صارخا يثير الناظر اليها ، و تلك الأنوثة المتفجرة ، تضع صورة لفتاة شبه عارية ، يظهر ثوبها أكثر مما يخفي ، نهدين ملتصقان بارزان عبر حمالة صدرها المغطاة بالدانتيل الذي يظهر ثدييها بسخاء ، فستان ناعم ذو حمالة واحدة ،فخذاها البيضاوان  يشعان بريقا عبر فستانها المفتوح عن آخره .

صور كثيرة من هنا وهناك ، أغلقت هاتفي الجديد الذي نلته بالصراخ والضجيج لكنه بحوزتي الآن .

جلست علي أريكتي المفضلة لأراقب شاشة التلفاز ، لتكتمل لوحتي الغناء التي تعرض علي ناظري ليل نهار ، مسلسل تنافسنا فيه الهند بعري نسائها وابتذال مشاهدها التي تقوم علي تأجيج  المشاعر ، ها هو البطل يقترب من البطلة ليرسم علي شفتيها قبلة ناعمة وتجول يديه علي جسدها بحرفية شديدة ، وها هي البطلة تسبل جفنيها مستثارة من شدة شوقها اليه .

أغلقت شاشة التلفاز و أحاسيس غريبة تغزو جسدي ، منذ بلغت لم أشعر يوما بما أشعر به الآن ، ذهبت ا لي غرفتي ، أغلقت بابها بالمفتاح ، تناولت من خزانتي قميصا شفافا يشبه ما اراه علي النساء خارج منازلهم  سرقته من أمي ، نزعت صدريتي ، أرتديت القميص لتظهر مفاتن جسدي الممتلئ ، طولي المتوسط ، سيقاني الناعمة ، جسدي الشبه عار بمفاتنه التي لم تبلغ سوي خمسة عشر ربيعا .


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الأول

مُساهمة  هالة حمدي في السبت سبتمبر 29, 2018 10:52 pm

الفصل الأول



بدأت الأمطار بالهطول مخلفة بركا من المياه ، ووحلا من الطين الأسود يعلو طرقات  المدينة، أعادت الستائر الي طبيعتها
" ألا زالت تُمطر ياسمين ؟ "
لملمت قطع الملابس المفرودة بعناية علي طاولة السفرة لتجف ، وشرعت في ترتيبها وتنسيقها فوق بعضها
" أجل ، أمي "
تثائبت والدتها لتقول
" هيا أعدي نفسك لتقومي بأحضار مستلزمات الغداء لليوم "
لم ترفع ياسمين  عينيها عن الثياب أمامها لتجيب
" برك الوحل تملئ شارعنا ، كيف سأسير ، قد أسقط بما أحمله فتكوني خسرت مالكِ وطعامكِ ، سنأكل أي شئ أنا و مازن  "
أولتها والدتها ظهرها بلا مبالاة لتتوجه نحو غرفتها
" أيقظيني حالما تنتهي من أعداد الأي شئ هذا "
تنهدت لتترك ما بيدها ليسقط أرضاٌ ، عادت الي  غرفتها لتجلس علي سريرها وشُعورا بالخواء يفتك بها ، نظرت لساعة الحائط ، فقد تأخر الوقت ولم يعد أخيها للآن ، ولم تنتبه والدتها كعادتها بمن ذهب ومن عاد ، فالنوم أنسب سبيل لها للهروب من مسئوليتها نحوهم .
بعد قليل
" لقد تأخرت عن موعد عودتك مازن ، أين كنت ؟ "
" في درس العلوم ياسمين  "
ثم أكمل بسخرية
" هل انتبه لغيابي أحد ! "
أجابه الصمت ، فلم  ينتبه لغيابه أحد سواها.
كانت قد أنتهت من أعداد الطعام البسيط المناسب لهذه الأجواء ، شرعت في سكب الحساء لها ولأخيها متجاهلة تلك النائمة بغرفتها
" ليس لدي رغبة في الطعام الآن ياسمين ، سأنام قليلا ، اختباري غدا، علي الأستعداد له جيدا "
تناولت طعامها بهدوء تراقب  أخيها الذي التقط  زجاجة خمر في زاوية الصالة مهملة منذ زمن ، ليتجرع آخر قطرة علقت بها مستمتعاً بمذاقها فهي لم تكن مرته الأولي علي كل حال ، حُجة مذاكرته تلك لا تُصدقها فهو راسب يُعيد سنته الفائتة ، لا تذكر يوما رأت والدتها تًذاكر له ، أو نهرته يوماً لعدم اهتمامه بدروسه ، بل لا تذكر كيف وصلت هي لعامها هذا دون رُسوب ، ربما هي أذكي قليلا من مازن فأرادت كَظم غَيظِها ، وصب غضبها فوق صفحات كتبها محصلة لدروسها.
ليلا
أمسكت هاتفها ، لتتصفح حسابها الشخصي ، جذب أنتباهها كلمات انحدرت أسفل صورة لأمرأة رخيصة
لا تعرف لما أثارت الكلمات فضولها ، فبدأت بالبحث عنها ، وهالها ما رأت ، أتسعت عيناها صدمة ، تسارعت ضربات قلبها ، إرتَعشت أطرافها ، لم تُكمل مشاهدة الفيديو الذي ظهر في نتائج البحث ، أغلقته مسرعة ، رغم إنجذابها وفضولها لمعرفة المزيد ، إلا أنها شعرت بالإرهاق مما رأت ولم ترغب في الاستزادة .

تأخر الوقت كثيراً فقد أنتصف الليل ، هواءه البارد يحمل رائحة الأرض المبللة بماء الامطار ، لكم تحبها !، تُذكرها بأيام كان المرح حليفها ، وبراحة طفولية ناعمة  ليتها تعود .
أقتربت من غرفة أخيها علها تنسي ما رأت منذ قليل ،  لتختلط رائحة هوائها النقي برائحة دخان ، حاولت فتح  الغرفة لتجدها موصدة من الداخل  فلم تستطع الولوج .
قطبت تفكر ، هل يدخن مازن !
تبلور الخاطرة  برأسها لم يصدمها كثيرا فلقد رأته يتجرع الخمر ، فقد اتخذ من والده قدوة فاسدة يتحسس طريقها ، زمت شفتيها وهي تدور حول نفسها لتعود الي غرفتها ، فهي لم تكن أفضل منه حالا ببحثها عن مقاطع يندي لرؤيتها الجبين ، فأستلقت علي سريرها تكتم حسرتها بقلبها علي حالها ، وحال أخيها .
ألم تشتم أمها الرائحة ؟
ألن تهتم يوماً بوقت عودته من الخارج ؟
ألن تبحث يوما عن صِغار قد يَتِيهون بلا عودة ؟
بين دروب مُتفرقة مُشتتين مُبعثرين بلا حماية  أو نصيحة !



اليوم الأخير  لأختباراتها ، اجتهدت في تحصيل دروسها ، لم تنس صوت والدتها القلق
" صبي جل تركيزك سدن في فهم السؤال جيدا ، طالما فهمته ستجيبي بسهولة "
تحسست حقيبتها المحشُوّة بشطائر الجُبن التي صنعتها لها والدتها صباحا ، لكم تُحبها فهي توأم روحها ، ليس لديها أصدقاء مُكتفية بصحبتها عن الجميع ، كما أن والدتها تحتوي قلبها ، ووجدانها ، وأفكارها ، فلم تجد خيرا منها صديقة تُشاركها كل شئ .
أيقظتها اليوم تُدللها وتساعدها في اعداد حقيبتها ، أقلامها ، هاتفها ، شطائر لافطارها ، كل التفاصيل تتشاركها معها ، ثم طمئنتها بكلمات رقيقة
" لا يهمني تفوقك سدن قدر ما أهتم لِثقتك بنفسك ودعمها ، كوني صبورة ، دعي القلق جانبا ، وركزي دوما علي هدفك "
فكان أن أكمل والدها من خلفها
" أهتمي بالاثنان سدن ، التفوق والثقة بالذات ، والأهم ألا تعودي بتلك الشطائر حتي لا تقذفها بوجهكِ تلك الهادئة صغيرتي "
ثم ذهب الي الحمام ليستعد لايصالها الي مدرستها .
ظهرا
تسللت أشعة الشمس الي عينيها فضيقتهما عابسة ، حالما خرجت من لجنتها لسعتها الشمس بأشعتها الحارة  ، التقطت هاتفها تجيب اتصال والدتها المتلهفة
" أجل أمي ، كل شئ علي ما يرام ، ومعي صورة  الامتحان لنراجعه سويا ، و أجل  أنا في طريق العودة "
لوحت لاحدي زميلاتها بكفها ثم أعادت الهاتف مكانه داخل حقيبتها ، تابعت زميلتها بنظرات حانقة وهي تراها متشابكة الأيدي مع زميلها الآخر ، مشهد ضد ما تربّت عليه ، عَدلت حجابها ممتنة لوالدتها التي علمتها معني الطهر والبراءة فلا يمسها أحد ولا تستجيب الي اطراءات زملائها الشباب ، وكلماتِهم المعسولة ، تربت علي أسس أبداً لن تنساها لأنها ببساطة شكلت كيانها .
استقبلتها أسما بود لتكمل دلالها الذي بدأت به يومها
" مرحبا بعودتك "
ابتسمت سدن معانقة والدتها
" لم أكن علي سفر أمي كفي عن معاملتي كطفلة "
" لا زلت في الخامسة عشر ، اذا أنتِ طفلة "
تنهدت بتعب
" أريد الخروج ، لقد أنهيت اختباراتي وأجازتي تبدأ الآن "
" دعيني أسأل والدكِ عن موعد إجازته السنوية لنخرج معاً "
شعرت بالسرور أخيراً فالخروج بصحبتهم ممتع وسيزيل عن كاهلها الكثير من التعب وإرهاق الإختبارات .



طَوت بِِساط غرفتها تهم بتنظيفها ، سمعت صوتاً ذكورياً يتحدث الي والدتها ، تسائلت  مَن يا تُري !، فمنذ سُجن والدها لم يَطرق بابَهم رجلاً سوي خالها .
القت البِساط أرضا ليسقط بترابه معفرا شعرها ، ركضت الي الخارج ، أندفعت نحوه بحب حقيقي
" أشتقت اليك ، أين سدن  ؟ "
نهرتها والدتها علي إندفاعها نحو أخيها فكاد أن  يسقطا معا  
" أعدي الشاي لخالكِ ياسمين  بسرعة "
شدد خالها من أحتضانها ثم رفعها اليه بحنو ليدور بها قليلا
" أنا أيضا أشتقت اليكِ ياسمين  ، كيف حال أختباراتك ؟ "
" أنهيتها كلها وأبشرك بالدرجات النهائية"
" واثقة أنتِ "
ثم تصنع التفكير
"اذا اليكِ المكافأة "
جذبته لتجلسه بقربها
" وما هي ؟ ، هيا أسرع ، كلي آذان صاغية  "
ضحك عاليا وهو يقول لأخته
" ما رأيكِ أن نقضي يوما معاً زينب ؟ "
نظرت زينب اليه بحيرة فقال
" لا تقلقي سأتدبر أمر كل شئ ، جئت لأنال موافقتكِ "
شعرت زينب بالامتنان له
" شكرا لك عابد ، وهل أستطيع رد طلبك ! "
تهللت أسارير ياسمين  وظلت تقفز في مرح غاب عنها كثيرا ، أخذت تصرخ بشده
" مازن ، هيا ، سنخرج أحضر حلة السباحة خاصتك "
كان مرحها وضحكها سببا لسعادة زينب وعابد معا ، فياسمين   ليست مرحة علي الدوام ، الا عندما تنال ما تريد.
بعد مرور يومان
المياة دافئة ، ارتدت ياسمين  ثوبا يليق بجسدها الغض ، نزلت بجانب عابد وهي ترفص بقدميها وتنثر الماء علي وجه من حولها ، تعلقت بعُنقه بسعادة ، تُراقب سدن التي تقف قبالتهم خائفة من المياة .
رفع عابد كفه الي ابنته
" هيا سدن ، لا تخافي ، المياة دافئة ، وأنا جواركِ لا تخشي شيئا "
التفتت الي المسبح الخاص بالأطفال حيث مازن
" أظنني سأسبح هناك أبي "
شعرت فجأة بجسدها يطير في الهواء لتسقط داخل المسبح مُخلفة مياهاً وفيرة خارجه ، وصوت الضحكات حولها تصُم أُذنيها ، تلقاها عابد بين ذراعيه ، ثم التفت ليشكر زوجته علي فعلتها ، التي لولاها لما ذاقت سدن مرونة المياة ونعومتها .
كانت تسبح كالفراشة الحالمة ، تشعر بالماء يحملها بخفة يُمنةً ويساراً ، تتأرجح بقوة وهي تعلوه ، اثر دفع البعض له ، شعرت فجأة بيد تجذبها داخل المياة ، يد قوية تجذبها بشدة نحو العمق ، بأصرار وثبات ، حاولت الصراخ فكان أن ابتلعت الكثير من الماء .
صرخت أسما عاليا بأسم ابنتها التي كانت تراقبها عن بعد وهي تجالس زينب  
" سدن ! "
أنتبه عابد لصرخة زوجته فالتفت ليجد سدن تخبو داخل المسبح جواره وكالبرق أمسك كتفيها  وجذبها عاليا نحو السطح ، لم ينتبه لمن أبتعدت مسرعة ، تجر أذيال الخيبة لعدم نجاح مُخططها ، لكن عيني أسما التقطتها وعلِمت جيدا من تكون !
بعد قليل ، تخلص الجميع من توتر الحادث ، الا أسما التي رغم تماسكها بدت قلقلة وهي تقول
" هيا صغيرتي الي الحمام لتبدلي ثوبك "
امتثلت سدن لكلمات والدتها ، غادرن المكان ، في حين وجهت ياسمين  حديثها نحو زينب التي تجلس جوار خالها تتناول طعامها
" ألن تأت معي لأُبدل ثوبي ! "
" لا ، خذي أخاك معكِ ، أهتمي لأمره "
تهدلت كتفاها وهي تبحث عن أخيها ليذهبا سويا لتبديل ثيابهم ، تُراقب الصغار ، كلاً مع والديه ، وهي وأخيها بمفردهما ، أما تُخفي ابنتها بجسدها لتُبدل ثوبها ، و أخري تسدِل فستاناً فوق رأس ابنتها بعد أن نزعت ثوب السباحة  عنها، كانت تشاهد الجميع وغُصّة تتجمع بِحلقها ، حاقدة ، ساخطة ، ليس لها أما مثلهم ؟ فقد باتت تتسول الاهتمام والاحتواء  .
صفّ سيارته أمام منزلها ليودعهم
" كان يوما لطيفا زينب لا بد أن نستعيدُه قريباً "
هبط من السيارة ليودعهم ويعانق ياسمين  ، يعلم بشوقها لوالدها ، لكن ما باليد حيلة ، لقد شَقّ طريقه نحو اللا رجعة ، لا تعلم شئ عن ظروف سجن والدها تظنه حبيساً لقضية سياسية ربما ، لكنها لا تعلم الحقيقة المرة التي يُخفيها ووالدتها عنها .
شدد من عِناقها ، مُمسكا وجهِهِا بين كفيه
" اعتني بنفسك يا صغيرة لأجلي "
مر الوقت و ذكري الفيديو الذي شاهدته لا تفتأ أن تتركها ، أرهفت السمع ليواجهها سكون وهدوء ، لا تعلم أين والدتها ، ولا تعلم لمازن أرضاً ، أخرجت هاتفها لتبحث عن ذاك الفيديو لتُكمل مشاهدتُه ، مر أـوله ، مُنتصفه ، آخره ، سقط الهاتف من يديها المرتجفة ومشاعر مُهلكة تجتاح جسدها ، وقلبها ، حاولت إبتلاع ريقها ، لكنه جَف ، حاولت أن تقف ، لكن قدماها كالهُلام ، أغلقت الهاتف ، تبِعته بأغلاق عينيها ، علّ طنين أذنيها يخف ، ووجيب قلبها يتوقف .
تزوي وتذبُل يوما بعد يوم ، وحيدة ، بعيدة عن كل شئ ، آثرت الأنفصال عن الواقع والمُذاكرة والهموم .
عشقت عالماً صغيراً بنته بلبناته الهشة بعيدا عن مراقبة أخطاء من حولها.
عالما بعيداً عن الأفكار واللوم واسقاط الأخطاء كلاً علي كاهل الآخر .
بدأت بتنفيذ كل ما يطلب منها بصمت لتختلي ليلاً بمتعتها الخاصة التي تنهكها وتصيب قلبها بمسكن يجعلها تتحمل اليوم التالي بمساوئه.



" هيا سدن ، أسرعي "
" لن أفعل أمي "
" بل ستفعلين "
" لقد التهب جلدي ، لو كنت تسلقين دجاجة لكانت نضجت ، منذ الصباح وأنتِ تقومي بتنظيف بشرتي ، هل أخبركِ أحدا بأني عروس "
قامت أسما تحمل منشفة دافئة مبللة
" هذا آخر قناع ستقومين به ، أُقسم لك "
" بيكربونات الصودا "
" أجل ، للتفتيح "
أغلق عابد الباب فور ولوجه المنزل ، أسرعت سدن بالاختباء خلفه
" أبي ، أرجوك أغثني ، لقد جُنت زوجتك ، تظنني كعكة لتضع علي جسدي مُكونات الكعك ، أنظر ماذا فعلت بي ! "
رفعت قميصها القطني ليري قدميها باللون الأحمر ، ناعمة ، مشرقة ، قال غامزا لأسما
" هيا أكملي عملكِ ، النظافة من الايمان "
أسرعت سدن تركض نحو غرفتها لتغلقها ورائها
" يا ويلي ليس لدي أحد ينصفني بهذا البيت تباً ، تباً "
سمعت ضربات والدتها علي بابها
" لن تنجين بفعلتك سدن ، لن أسامحكِ الا اذا أنهينا هذا القناع "
شعرت بقرب عابد منها هامسا
" ما رأيكِ بطفل جديد توليه أهتمامكِ أسما ، وتبتعدي قليلا عن سدن "
" لم أفكر هكذا من قبل ، لكن أجعلها تنه الأمر أولاً عابد "
" لا فائدة منكِ "
تناول منها المنشفة
" ستقومين أنتِ بعمل القناع لنفسك يا زوجتي "
ركضت من أمامه صارخة
" لا ، لا عابد هو لهاااا "
كانت تستمع لما سيئول اليه حديثهم ، قفزت مراراً شامته في والدتها وترغب بشدة في رؤية وجهها الذي تعلوه الحمرة نتيجة قناعها الفاشل .



" ياسمين "

أنا المنبوذة ، المحرومة
أنا العالقة بين ماض ليس بيدي ، ومستقبل أخترته بحماقتي
أشتاق لعناقٍ يحشو خواء روحي
أرنو الي كلمةٍ تُنير دربي نحو النقاء .
أزَلتُ عن جبيني عرقا ثَقَب مساماتي وخرج مُندفعا ، أُحاول السيطرة علي اضطراب قلبي ، أمسكت بطرف غِطائي لأستر جسدي الذي بدأت بالعبث به ، لم يتوقف الأمر عند مُشاهدتي ، بل بدأت بتنفيذ ما أُراقبه عن كثب ، الفيديو تلاه آخر ، لم يكن يجذبني أيا مما أشاهده بل أصبحت منتقاة ، حتي شعرت يوما بيدي وقد تجرأت علي جسدي لأنتهكه ، الأمر منافي لطبيعتي لكنه يرضيني .
أين أمي ! لم أعُد أهتم ، قد تكون نائمة ، أو ترتاد أحدي مواقعها علي الأنترنت ، وقد تكون بين أروقة قسم الشرطة تبحث عن أذن لزيارة أبي ، حقا لم أعُد أهتم .
تظُنُني حمقاء أتجرع كذبها دون كشفه ، أعلم جيدا بأنه مسجون بسبب المخدِرات ، فقد رأيتُه مراراً يتعاطاها ، بل كُنت أُساعده .
تظنني حزينة لسَجنه ، الا أنني سعيدة ، بل في غاية سعادتي فقد ارتاح قلبي من صوت صِراخها وهو يضربُها لأتفه الأسباب .
ليته لا يعود فدنيانا هكذا أفضل .
صخب قلبي وانفعاله يُشوش أفكاري ، أتذكر والدي يوما يُغازل جارتنا ويُلامس جزءاً حساساً من جسدها فتُبادله اللمس بحركة جريئة ، كلماته الفجة التي يُلقيها علي مسامع والدتي ، و أنا أُنصت بترقب ، لامست شفتاي بأصبعي أدفعها بقوة لداخل فمي لأعضها بقوة وقد نال مني التشتت مبلغه .
ما علاقة هذا بذاك ، لا أعلم ؟
ملامستي لجسدي ووالدي ونِساءه وأمي ، أين الترابط ؟
لا أعلم !
أين يكمُن الخطأ ؟ هل نفسي العليلة ؟ هل أُنفس عن غضبي بفعلتي ؟
حقا لا ، لا أعلم !
لماذا أشعر بالكره نحو ذاتي بعد انتهائي من العبث بجسدي !
لماذا أشعر بالضيق ، الخوف ، التيه بعد كل مرة ؟
ليتني يوماُ أعرف الجواب!



" سدن "

عَلَت يداي أذني ، لقد حَلّ علينا ضيفاً كريماً بعد تسعة أشهر من حمل أمي ، " مالك " أخي الصغير ، بعد أن كنت مدللة المنزل ، أصبحت امرأة تناهز المائة عام بكتفين متهدلتين وعينان يَملؤها الأرهاق
" دلليه قليلا سدن "
وهل ما أقوم به الآن تدليك ، أم تسليك ، رحماك ربي ، لقد أشتقت لهدوء عالمي
أُهدهد الصغير بين يدي عَلهُ ينام حتي تنهي أمي الطعام ، اللعنة ، انه يشبهني ، عينيه السوداء الواسعة ، شعره الناعم الملتف حول نفسه مشكلا دوائر صغيرة ، ثغره الصغير الذي يشبه الزيتونة ، تبا ، لم يترك شيئا مني الا وأخذه ، قبلته بعد نومه ووضعته في مهده ولحقت بأمي لأساعدها قليلا .

التفتت اليها بعد أن وضعت التوابل داخل الاناء
" لقد نام  "
نفضت والدتها يديها لتحتضنها بحب
" لم أكُن أجرؤ علي هذا الأمر دون ثقتي بكِ وبدعمكِ لي ، سدن ، أنتِ لست ابنتي فقط ، أنتِ أختي وأمي وكل عالمي "
لوت سدن شفتيها فوالدتها وحيدة والديها رحمهم الله  
" أثق بذلك "
تلقت ضربة خفيفة فوق رأسها
" أحضري طلاء الأظافر خاصتي و أنتظريني خارجا ، لنحظَ ببعض المرح حتي ينضج الطعام "
" لا أُريد ، سيستيقظ مالك ويُفسد المتعة "
" بل أنتِ المفسدة للمتعة ، هيا سريعا ، اللون الأحمر القاتم ، والوردي أيضا فهو يليق بكِ "
بعد قليل
تصرخ بوجهها
" أيتُها الحمقاء ، لقد شوهتِ يداي سدن "
حاولت سدن السيطرة علي ضحكاتها
" لقد استيقظ ، ألم أخبركِ قبلا ، لقد أوشكتِ علي الخمسين وأنا من يوجهكِ "
" أيتها البلهاء ، أنا في التاسعة والثلاثين ولستِ خمسينية سدن وأنتبهي لقولكِ "
تركا الصغير وصراخه وبدأن في التراشق والثرثرة
" سأحضر مالك الذي أفزعني و أعود لتكملة يدكِ الأخري "
أشارت أسما بيديها
" بل الأثنتين ، فهذه لا تروق لي بعد أن شوهتها بفزعك من صراخه ، سيطري قليلا علي انفعالكِ فهو في شهره السابع حبا في الله "



لون أحمر داكن يعلو سريرها ، بقعة صغيرة نفذت عبر ثوبها الخفيف الي ملائتها ، لقد إنتهت للتو من مداعبة جسدها لكنها اليوم إستزادت في غِيها و إثمها ، عَبست قليلا لتُفكر ، هل هذه دماء بكارتها !
هل فضت غشائها وهي تمارس فجورها ؟
هل هذه البِكارة التي يتشدق بها الجميع عبر المسلسلات والأفلام والبرامج التليفزيونية ؟
هي السلوفانة الحريرية التي تدل علي شرف الأنثي وحسن سيرها ؟
من ينتظره الزوج يوم زفافه ليشعر برجولته وقوته ليزيد تنمرا عليها ؟
قامت دون أكتراث لتبدل ثوبها وهي تُحدث نفسها
" ومن يهتم ، أنا ، أمي ، أبي ، زوجي ، أنا لن أتزوج ، لقد كرهتُ هذا الجنس عن آخره ولم يتبق بقلبي ذرة شفقة أو أحترام نحوه ، سحقا لزوج يبحث عن الشرف ، سحقا لمجتمع يحكم علي طهارتي عبر بكارتي ، سحقا لأم لا تهتم ، ولأب أفني عمره بين الخمر والنساء والمخدرات ، سحقا لكل شئ "

في المساء

" ياسمين "

أقف أمام مرآتي ، أقص الشعرة الاخيرة التي تفصلني كن كوني أنثي ، أنزِع آخر شئ يربِطني بهذه الكُنية ، لماذا لم أُخلق ذكرا ؟
أنا من أتنمر
أنا من أعبث بجسد النساء دون لوم أو رثاء !
أنا من أسهر خارجا ، لا تحكمني قوانين مجتمع معاق !
أنا الرجل .. أقسو ، أضرب ، أغتصب ، أصرخ ، أفعل ما أريد دون حساب !
لماذا لا أنزع لباسي وقتما أشاء مثله !
أو أعتلي دراجة و أسبح بين نسمات الهواء كما يفعل !
يَعلو صوتي ، أتبجح !
تركت المقص لألتفت أُواجه نظراتِها وصدمتِها مما أفعل .

صَرخت والدتها وهي تقترب منها تاركة كل شئ من يديها ، فقد عادت للتو من زيارتها لزوجها حاملة زيارته التي لم تستطع تمريرها له لتأخرها
" ما الذي فعلته ! "
واجهت نظرات والدتها ببرود
" قصصت شعري "
" تُشبهين الصبية "
" وهل تهتمي !"
أمسكتها من ذراعها بقسوة لتقول بأنفعال
" ومن يهتم اذا !"
نفضت يدها بقوة لتُوليها ظهرها صارخة بما يَفيض به قلبها
" أنتِ يا صاحبة الفضل والتربية تهتمين ! ، لقد أحنيتِ ظهري بمهامكِ ، أنا من أجلب مستلزمات الطعام وأطهوه ، أنا من يهتم لأمر أخي ، أنا من أهتم  بنفسي ،و  دروسي ، و طعامي ، نظافة ثوبي ، أحمل فوق كاهلي بيتك ونظافته ، نظافة صحونكِ ، تلميع تراب منزلكِ ، أتحمل إهانة زوجك وضربه لكِ ، معرفته للنساء وكلامهن حتي الصباح "
جثت علي ركبتيها ولا تعرف من أين إبتل صدرها بدموعها لتستطرد
" أثقلتني الهموم وأنا في الخامسة عشر من عمري ، غيري يمرح ويلهو ولا يحمل للدنيا هم ، غيري في كنف أب يدعمه ، وأم تدلله ، تحاسبيني علي قصة شعر قد تحد من مللي وإنزوائي عن العالم ، تُبدل حالي للأفضل أو للأسوأ ، بِتُ لا أعرف شئ ، لا أفهم شئ ، لقد أنهكتني دنياي وأنتِ وهو السبب "
غطت وجهها بكفيها تنتحب بشدة لما وصلت اليه ابنتها من إنهيار
" هل أغضبكِ شعري المتناثر علي الأرض ، ولم يزعجكِ زجاجات الخمر التي افترشت أركان بيتنا ، أخبركِ سراً ، ولدكِ مازن كان يلتقطها ليتجرع آخرها ، طفلكِ الصغير ذو السنوات العشر يدخن "
هالها ما تسمع ، هل الدنيا تميد بها أم يهيأ لها ، أرتدت للخلف ذهولا مما تسمع ، صغيرها يدخن و يشرب الخمر .
لطمت وجهها وهي تثرثر كمن مسّه جن
" أبني أنا ، صغيري ، ماذا فعلتَ بنا حامد ، ماذا فعلت "
هاجت حالما استمعت لأسم والدها يخرج من بين شفتيها لتصرخ بقوة وهيستريا لا تعلم من أين واتتها
" لا أريد سماع أسمه ، أنا أكرهه ، حمدا لله علي سجنه لقد أراحنا بغيابه ، وأنتِ ، أراحنا الله منكِ ، أنا اكرهكم ، اكرهكم كلاكما "
أنهت كلمتها بصراخ قوي وطنين يعلو أذنيها وسوادا يزحف إليها ، حاولت التشبث بعالمها لكنه خذلها وتركها وحيدة للظلام .


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثاني

مُساهمة  هالة حمدي في السبت سبتمبر 29, 2018 10:55 pm

الفصل الثاني



ينظر لوجه أخته الشاحب ، يشعر بأن هناك الكثير مما لا يعرفه
" ما الذي أوصلها لهذا الحال زينب ؟ "
دموعا ساخنه تحفر تجاعيد وجهها ، لا تعلم أين صغيرها للآن ، ولا تعلم ما تعانيه ابنتها التي كانت كالقنبلة التي نُزع عنها صمام الأمان ، لم تكن تتخيل يوما أن ما يحدث بينها وبين زوجها سيكون سببا في أنهيار ابنتها علي هذا النحو ، لقد كانت هي أيضا بأهمالها  سببا مباشرا لإنهيارها بهذا الشكل .
وماذا تفعل وهي منهكة الروح والجسد ، هل ترمم جدار صغارها وروحها مهشمة ، لم تحظ يوماً بالإهتمام رغم أن زواجها منه كان محض إختيارها ، ولطالما رفض عابد ووالديها رحمهما الله هذا الزواج إلا أنها قبلته بدافع الحب .
وهل الحب يكسر !
هل يذِل !
هل يمحو الأسم والهوية !
هل يُهلهل الروح ويثقُبها !
" ما الذي حدث بينكم زينب ؟ "
كرر سؤاله مجددا لينال جواباً ، لكنه لاقي الصمت .
خلل أصابعه بين أطراف شعرها القصير  ، ولا يعلم سببا لفعلتها ، يبدو أن أهمال أخته سببا في ذلك ، لطالما تحدث إليها عن ضرورة أحتواء ابنتها في هذا السن ، إلا أن سلبيتها امتدت الي عالم الصغيرة .
" أعدي حقيبتها زينب ، سآخذها الي بيتي ، عل مالك يبدل مزاجها ويملأ فراغها  قليلا "
نظرت الي الأرض وهي تستعد للوقوف ، تركته مستجيبة لطلبه ، شعر بحركتها تحت أصابعه
" حبيبتي ، صغيرتي ، من تتفنن في إنهاك قلبي ! "
تبع كلماته بقبلة فوق شعرها المشوه ، شعر بدموعها الرطبة تلامس كفه فقال هامساً
" هشش ، سأخطف صغيرتي الي عالمي الخاص ، غرفة ملونة مزينة بصور روبانزل بشعرها الذهبي الطويل الملتف حول جسدها ، سندريلا بفستانها السماوي البراق الذي ينافس السماء بأتساعها ، وحذائها الكريستالي المتلألأ في قدميها "
إبتسمت من بين دموعها
" والأميرة النائمة بين طيورها المغردة والطبيعة الخلابة حولها "
" حيث صراخ مالك وتسلط أسما وتأفُف سدن "
إتسعت إبتسامتها وهي تحاول نَصب جسدها أمام خالها ، وما إن فعلت حتي ضمها الي صدره ، مشدداً من ضمه إليها حتي إستمع لشهقاتها تعلو وتعلو ، إنتظر حتي هدأت بين يديه ليقول بهدوء
" ما رأيك بجولة صغيرة بسيارتي قبل الذهاب لبيت العنكبوت "
إبتسمت تلعق شفتيها وتكفف دموعها
" موافقة "



أستلقي علي بطنه فوق السرير الطبي مستسلماً لأيادي طبيه ماهرة ، تغلغلت يداه بين عظامه وفقراته لتزيل عنها الألم بحرفية ، كان يكتم آهاته وألمه فهو يشعر بعظامه تئن خلال نومه ، فما بالها في صحوه .
" تتحسن حالتك مراد! "
يعلم جيدا أنه لم يتحسن قيد أُنمله وإنما علاجه الطبيعي يسكن قليلا من الألم
"  تعطيني دوما الأمل بالحياة "
مرر الطبيب جهازا دافئا فوق فقراته العلوية قائلا
" هذا الجهاز يعمل علي تدفئة الفقرات كما تعلم ، لتقوم بعملها كما يجب "
إستمع الي كلمات الطبيب في ملل فقد ألقاها علي مسامعه مراراً دون جدوي ، لا بأس من تقليل الألم ولو للحظات ،لكنه يعي جيدا بأنه ليس علاج نهائي لمرضه.
لامست أصابع الطبيب يديه القوية المتألمة ، ظل يفردها ويثنيها بلطف
" هل تمارس الرياضة كما أتفقنا ؟ "
تجاهل الطبيب إصبعه المتورم وقد بدأ مرضه في تشويه عظامه ، عدل من وضعية جسده ليواجه الطبيب بصدره
" أجل ،  القليل و ببطئ كما أمرتني "
ساعده علي النهوض
"  نحن نريد تقوية العضلات لا إنهاكها "
التقط قميصه ليرتديه بهدوء ، منصتا الي طبيبه
" أراك  بعد غد في موعدنا "
عاد الي منزله منهك القوي ، يجلس شارد الذهن ، يعاني صدقا من مرضه ، يتألم نفسيا وجسديا ، عمله ، حياته ، مستقبله ، كل شئ أصبح رهينة لمرضه .
" مرحبا مراد ، كيف حالك ؟ "
" بخير أبي "
تفرس في وجه ولده
" هل زرت الطبيب اليوم ؟ "
اومأ برأسه ، فاستطرد والده
" هل من جديد !"
تنهد بيأس ليجيب
" لا ، سأنام قليلا "
أوقفه والده قائلا
" أود الحديث إليك "
" أسمعك أـبي ، تحدث "
جذبه والده ليجلسا سويا متجاورين يحفه بحنانه ودعمه
" أرغب بتزويجك بني "
أجابه بسخرية
" ومن تلك التي ستوافق علي مريض مثلي ، أبي أنا أُعاني من صعود الدرج ، أتألم من فتحي لزجاجة مياة ، أصابعي تتألم من لفة مفتاحي داخل رتاج الباب ، كيف سأتزوج لأتحمل مسؤلية أمرأة وأطفال ، أنتهينا من هذا الموضوع أبي ، لا تفتحه مجدداً ، فيكفي ما نالني من الزواج حتي الآن "
" أنت بحاجة لمن يرعاك ، لمن يهتم لأمرك "
" يكفيني أنت ! "
" لن أدوم لك بني "
قبل رأسه بحنو
" بل ستدوم أبي "
الأفكار تنهشه وتؤرق مضجعه ، يخشي عليه من الوحدة فليس في العمر بقيه ، لو تنصت اليّ مراد ، سأبحث عن زوجة لك ، ستتزوج وإن إضطررت لتكبيل يديك .



" ياسمين "

أنا ملكة الاضداد
أنا الليل والنهار
أنا السعادة والإنكسار
الخوف والاطمئنان
الإرتعاد والسكون .

" أفسح يا هذا ، أقسم أن أنهش وجهك إن إقتربت مني مجدداً "
صرخت بوجه زميلها بالجامعة بشراسة ، تدافع عن جسدها الذي لامسه بطريقة مبتذلة ، لكم تكره الرجال وتترسخ الفكرة بقوة داخل عقلها بمرور الوقت .
تهادي الي سمعها صوتا خشنا يهدر بقوة
" عُد الي قسمكَ في الحال ، وأنتِ هيا الي محاضرتكِ "
فض الإعتصام المقابل له بهدوء وعينيه تراقب إنزواء جسدها المغطي بكامله ، ترتدي حجابا ساتراً لجميع جسدها وكأنها تُخبأه عن نظرات الرجال ، يظن أن حجابها ليس بغرض العفة وإنما ليخفيها  عن الأعين ، وإلا لالتزمت الهدوء قليلا ، هذه المشادة الرابعة التي يقوم بفضها منذ أن إنتقل لهذه الجامعة وتكون هي بطلتها ، الطالب الرابع الذي تتهمه بالتحرش ، تري ما قصتكِ ياسمين ! .
" دكتور مراد  لقد تأخرت علي موعد المحاضرة "
التفت الي احدي تلاميذه ليسير خلفه حتي وصل الي طلابه ليبدأ في شرح مادته .
تشابكت نظراتهم أثناء المحاضرة ، هي طالبة مجتهدة لا شك في ذلك ، أن تصل للسنة السادسة من كلية الطب بتقدير ممتاز يدل علي ذكائها وإستحقاقها هذه الكلية عن جدارة بلا أدني شك ، أن يَعلق إسمُها بذاكرته لتفوقها أمر يُحسب لها .
ليلا
يملأ فنجانه بالمياة الساخنة لتمتزج مع حبات الشاي الداكنة وتُخرج لونها بصفاء
" هل تناولت دوائك بني ؟"
" أجل أبي ، عام مر علي تناولي إياه ولا اشعر بتحسن بل الأمر يسوء فمَعِدَتي بدأت تُؤلمني "
يعلم بمعاناة ابنه ، فهو من يسمع أنينه ليلا ، يراه وهو يعرج قليلا عند إستيقاظه ، يشهد لحظات إمتناعه عن الطعام ليتجنب آلام معدته .
ربت علي كتفه
" لا بأس بني ، لا بأس "
تناول شايه بصحبة والده ، وبداخله شفقة نحوه ، فما فعله قديماً يُشعره بتأنيب الضمير ، بينما نسي والده الإساءة بل ويشعر بالمسؤلية تجاهه ويرغب في تزويجه ليطمئن قلبه .
تذكرعندما طلبت زوجته الطلاق منحها اياه سريعا دون مماطله فلم يشأ أن يكون عبئا عليها ، مجنبا والده كل شئ متحملا كافة العواقب ،رغم إعجابه بها واستقرار حياته معها ، لكن الحياة دوما لا تعطينا ما نريد.
إستمع لضحكات والده وهو يشاهد برنامج ساخر علي إحدي القنوات ، يشرد في ضحكته ، فهو من تبقي له في هذا الكون بعد وفاة والدته ، إبتعاده عن العائلة - بسبب عمله وإنشغاله بين التدريس وعيادته - جعل والده بطله الوحيد الذي يهون كثيرا من مصاعب الحياة عليه .



" هذه الحياة لا تروقني أدهم "
جلس جوارها يستمع لكلامها الذي تردده دوما حالما تراه
" أريد جيراني في حيي القديم ، أبحث عن ضوضاء المشاجرات تحت نافذتي ، هذا الهدوء سيقتُلني "
" ألا يكفيكِ ريان الصغير وصخبه أمي ! "
شرعت في تشغيل كرسيها المتحرك لتهرب من عينيه
" لقد أنتزعتني من موطني وبيتي ، أبعدتني عن مكان سكن بداخلي عمرا بأكمله ، أتنفس هواءُه فيُنعشني ..."
لم يستطع الصمت أكثر من ذلك فقاطعها منفعلا
" عن أي هواء تتحدثين ؟، عن هواء يعبق برائحة المُخدِر ، أم جيران طامعين في المال دون أكتراث حلالا أم حراما ، لن أعود لهذا المكان مجددا ، لقد عانيت كثيراً حتي أـصل لِما أنا فيه ، أتودين تورط صغيركِ أيضا في أعمال مشبوهه ، ألا يكفيكِ واحدا أمي ؟ "
دلك مؤخرة عنقه وقد أنهكته الكلمات ، والدته تصر دوما علي تذكيره بما يحاول نسيانه ، لازال يحاول أن يُطهر روحه التي إنغمست في مستنقع القاذورات قديما
" أين الصغير ؟ "
" ذهب لصديقه يقطن في البناية المقابلة "
" قلت لا أريد إختلاط "
" هل ستسجنه في بيته "
" لا ، وإنما أخشي عليه من كل شئ "
يشعر دوما بالإرهاق حين يحادثُها ، تُرهق قلبه وعقله ، لا تترك لقلبه متنفسا ليحيا سليما معافي بقربها
" هل خِفتِ أنتِ يوما عليّ !، لقد ألقيتني بأرادتك بين براثن المدمنين ، حتي شربت مهنتهم ، وتعلقت روحي بالمال والنساء ،  ولولا ستر الله لزلت قدمي وصرت مثلهم مدمناً و ليس تاجراً فقط "
تذكر صديقه تيم ، مَن زلت قدمه في مستنقع موغل لم يستطع منذ وقتها إزالة قدمه عنه ، لم تُمهله الكثير ليغوص بذكرياته
" ومن كان سيطعمنا ، بعد أن جئت للدنيا رحلت بسمتي مع رحيل والدك ، فكان يوم ولادتك يوم وفاته "
" تعاقبيني علي موته ! "
" لا بل أُعاقبك علي تمسكك بدراستك رغم عملك الذي يدر علينا المال الوفير ، أُعاقبك علي مالاً لم يعد كما كان ، تحسب أن ما تلقيه بوجهي من فتات يملأ عيني ويلبي إحتياجاتي ، تبا لك أدهم "
إبتسم بسخرية محدثا نفسه " ألم تكن دراستي سببا في زيادة إدرار المال ! "
تفرس وجهها ببرود
" من أختار أسمي بالمناسبة ؟ "
شعر بسخطها عندما حاول أن ينهي كلامها الذي لا آخر له ، بل يكون دوما بداية لكل سوء يتبعه
" والدك من أختاره لك ، تمني أن تكون حاذقا و أصيلا ، ليته يري مدي غبائك الآن ، ليته يعلم بما آل إليه الحال "
هم واقفاً ، لا يستطيع تحمل المزيد ، نظر من النافذة ، شاهد أخيه ذو العشر سنوات يركض خلف صديقه والبسمة تزين وجهه ، إطمئن قليلاً عندما رآه بخير ، إلتفت اليها يُعطيها المال ، ما إن رأته وتبدل حالها من  القسوة الي اللين
" أريد المزيد أدهم ، لم يعد يكفيني "
أعطاها المزيد مقبلا جبينها ، لينصرف في هدوء ، كما جاء .



إلتفا حول طاولة الطعام ، صوت الملاعق وهي تُداعب الصحون يعلو كلمات مالك
" موعد حفظي اليوم أمي ، أدهم سيحضر ليلاً "
أجابه عابد مداعبا رأسه
" نحن في إنتظاره بني "
ثم وجه كلماته الي سدن
" و أنتِ هل حفظت وردكِ ؟ "
" أجل أبي ، كاملاً بكافة أحكامه "
" وأنتِ ياسمين ، لا تحسبي أني غافل عن حفظكِ ، لكني أنتظر انتهائكِ من الامتحانات لتبدأي معه ، حتي تنتهي دار تحفيظكم من التجديدات "
أجابت ببرود
" أنا أكره هذا الأدهم ، لا يروقني "
قاطعتها سدن
" كيف تتحدثي هكذا عن رجل يحمل كتاب الله في قلبه ، إنه معلمك ياسمين "
" لم يُصبح بعد ، ولماذا تدافعين عنه هكذا ، هل عبث بعقلك الفارغ هذا ؟ "
" توقفن في الحال "
كانت كلمات أسما تود أغلاق الجدال اليومي والشجار المتبادل الذي يبدأ كل يوم وعلي أتفه الأسباب ، إستطردت
" ياسمين ، لا يَصح أن تتحدثي هكذا علي أدهم ، هو جارنا قبل أن يُصبح معلمكم تأدبي قليلاً "
أنهي عابد طعامه
" عمتكِ قادمة اليوم سدن هي ومازن ، أرغب بتأجيل الحفظ اليوم ، ما رأيكِ ؟ "
" كما تشاء أبي "
تعالي صراخ الصغير
" لا ، أنا حفظت و أود أن أنال مكافئتي "
علت علامات الدهشة علي وجه عابد
" أية مكافأة !"
" حلوي سيحضرها لي معلمي لقد أخبرني ريان "
" سأُحضر لك مثلها "
شاركتهم أسما النقاش
" لا بأس عابد ، زينب من العائلة لا ضير من درس اليوم ، سأجلس مع زينت حتي تنتهوا من حلقتكم ، نحن علي موعدنا مالك  فلنري إن كنت ستحظي بالحلوي أم لا"
علت علامات التفكير وجهه
" يُصر أدهم علي حضوري معهم ، لقد عانيت حتي وافق علي تحفيظ سدن و أسما بشرط حضوري معهم ، لكن لا بأس لن أُلغيها اذاً "

ليلاً

" أدهم "

إستمع الي صوتها المرن أثناء تلاوتها ، تنظر أرضا في خجل ، تنساب آيات الله عبر شفتيها بقوة وتناغم يسحر القلوب ، لماذا وافق علي تحفيظها ، يكفيه أخاها، لم يستطع رد طلب والدها عندما تقابلا بالمسجد القريب خاصةً بعد قبوله لشرطه .

أعطي الحلوي للصغير الذي خرج مسرعا بسعادة لوالدته ليطلعها علي حلواه  ، يعلم بوجوب غض بصره عنها لكنه لا يستطيع ،  عيناها تأسر حدقتيه لا يستطيع ترك سحرهما ، فمها الدقيق وصوتها الوردي يداعب أذنيه
" هل أنتهينا !"
لم تغفل عن نظراته التي تواجهها دوما بالخجل ، تشعر بأضطراب قلبها وعقلها أمامه ، فتهرب منها الكلمات ، تستجمع الحروف لترتبها وتستذكر الآيات لتتلوها ، مرددة بداخلها "حبا في الله إخفض بصرك عني" .

في اليوم التالي ظهرا

عيناها تشق صفوف الرجال الذين انتهوا تواً من أداء صلاة الجمعة ، ها هو والدها بجواره أدهم بقميصه الطويل الذي حيك خصيصاً لأجله علي ما يبدو ، قميص يبرز ملامح جسده القوي ، وصدره العريض ، ساعة كبيرة ذكية تعلو معصمه رأتها حالما رفع يده مصافحا والدها .
دلف والدها الي المنزل بينما راقبت عيناها وجهه وهو يرتفع قليلا وعيناه ترصد مكانها بدقة .
كان يشعر بطيف روحها حوله ، خيالها يداعب نافذة غرفتها ، طيفها يجوب عقله وقلبه ، سعادة خفية تصاعدت من قلبه الي عيناه نحو نافذتها ليواجهها بنظرة خاطفة ، تيقن منها بأن ما يحمله في قلبه لها حقيقياً وأنها تبادله نفس الشعور .
" أجهل سبب إعجابك بهذا الأدهم سدن "
إلتفتت إليها سدن ، أغلقت النافذة ، جذبت الستارة اللبنية التي تعلوها لتمنع ضوء الشمس قليلا عن أعينهم ، جلست علي سريرها المقابل لسرير ياسمين
" ومن قال أنه يعجبني ، كنت أبحث عن الهواء قليلا، الطقس حار "
" تغلقي المكيف لتبحثي عن الهواء خارجا ، عن أي شئ تتحدثين ! "
زمت شفتيها ، تُزعجها ياسمين كثيرا بكلماتها التي ترشق بها أدهم ، تزعجها بمراقبتها لها عن كثب ، تكرة تتدخلها في شئونها ، وتبغض لسانها السليط ذاك .
" أبي ينتظر رأيك في الخاطب الجديد "
" لست موافقة "
" هذا الخاطب الخامس الذي ترفضينه ياسمين ، ما السبب ! "
" هي نفس أسبابك للرفض "
" لم يتقدم لخطبتي سوي واحد ، ثرثار ، متعلق بأمه "
أبتسمت ياسمين عندما تذكرت خاطب سدن الثرثار هذا ، أرادت مضايقتها
" لقد كان جميلا ، يتحدث بلا توقف ، كان سيُقصي التلفاز والإم بي ثري وكل شئ ناطق عن منزله ليتكفل هو بإزعاجك "
" جميل ، حقا !، منذ متي تتغزلين بالرجال يا صاحبة العقد "
جذبت وسادتها تلقيها بوجهها
" أنا معقدة يا رقيقة القلب ، يا من تلقين بالورود علي الجميع ، يا حالمة "
" هل هذا سباب ، أم اطراء ياسمين ؟ "
قذفتها بالوسادة الأخري ، تلقت سدن الوسادة بوجهها بصلابة أدت الي بعثرة شعرها ، فقامت من فورها تنظر الي المرآة
" تبا لك ياسمين ، لقد فردت دوائره للتو "
أولتها ياسمين ظهرها لتحدث نفسها
" تافِهة "
استمعن الي صراخ أسما فيهن طلبً للمساعدة
" أعلف في إثنتان من البقر الهولندي لأتولي أنا كل شئ ، تعالين الي حالا للتنظيف"
نظرن الي بعضهن
" دورك في جلي الصحون "
" ودورك في تنظيف النوافذ "
قمن متمهلات بكسل فما ينتظرهن الكثير مما خططت له أسما علها ترتاح قليلا.



أعشاب خضراء رفيعة تخرُج من الأرض عبر تُربتها المُبللة لتملأ المكان راحةً وانتعاشاً ، الشمس مالت قليلا نحو الغروب ، الطقس حار ، قطرات العرق تعلو جبينه ، أنفاسه تضيق ، يكرة زيارة هذا المكان ، لكن حنينا خالصا هو ما يُحركه.
" سيد أدهم ، مرحبا ، السيد تيم تُمنع عنه الزيارات "
أخرج ورقة صغيرة من جيبه ليفردها أمام عينيها
" هذا أذن زيارة كتابي من المدير ، استميحك عذرا ! "
تنحت الممرضة جانبا وتركته يدلُف الي صديقه .
بالداخل، سرير صغير يكفي شخص واحد للنوم ، وكرسي جذبه ليجلس أمام السرير
" تيم ، هل أنت مستيقظ ! "
تسارُع أنفاسه تَنُم عن إستيقاظه ، لكنه لم يجب ، أستطرد
" أعلم أنك مستيقظ ، تسمعني ، تلعنني بسرك ربما .."
قاطعه تيم بأن هب واقفا بعيون حمراء ، و غضب مستعر يتطاير حوله ، جفنيه أسودان ، أنفه حمراء ، وكأن جرعة مخدرات تناولها تغادر جسده
" أجل ألعنك أدهم ، سراً و علناً ، لماذا تُصر علي المجئ إليّ ، أنا أكره شفقتك ، أكره كلماتك التي تُلقيها علي مسامعي فور مجيئك ، أكره يوما حالكاً جمعني بك "
تراجع أدهم بالكرسي للخلف ثم وقف يواجهه
" بل أنا من أكره كل من جمعني بك تيم ، أنت سبب لما أنا فيه ، لم تكن صديقا حقيقيا لي ، لكني صديقا وفيا لك ، لن أتركك هكذا ، لن أشهد موتك وأنت علي هذا الحال "
بدأت قوي تيم تخور ، وبدأ بحك أنفُه ورأسه
" أَعطيني جرعة واحدة أدهم ، أرجووك ، إنتهي مخزوني منه ، كن رحيما بي "
صُعِق مما سمع ، هل يتناول جرعته من المخدر كما كان يفعل خارج المصحة ، هل يدفع له بالالآف لكي يحظي بالمُخدر داخل مقر علاجه ، هكذا بمنتهي السهولة .
لم يُمهله تيم وقتا للحصول علي إجابات لأسئلته ، بدأ بضربه ، لكمه في أنفه فاهتز أدهم  مبهوتا مما يحدث ، أمسك جسده بيديه ودفعه نحو الحائط ليلتصق بثقله علي الجدار بقوة آلمته ، لحظات قليلة وعي أدهم حينها أنه يتعرض للهجوم ، ماكان منه أن أستعاد عقله وبدأ برد الهجوم وتلجيم تيم الذي أصبح بأضعف حالاته.
" أتركني أيها الاحمق مدعي الأخلاق ، لم تكن يوما لي صديق ولن تكن ، تريد إراحة ضميرك نحوي ، تود نسيان ما فعلناه سويا ، ترغب في محو ذنوباً لن تندمل يوما ، هذا في أحلامك أدهم "
كان يقاومه ، يحاول تشتيت قوته بكلامه الا أن أدهم صرخ بقوة  دافعا إياه علي سريره
" أنا لا أُريد الراحة فأنا لم ولن أحظ بها أبداً ، الأشباح تطاردني ، أرواحا كنا سببا في ازهاقها تفزعني ليلا ، أريد أن أدعمك فلم أجد من يقف جواري ويدعم عودتي عن طريق مظلم سرنا به معا ، سأكون صديقا حقيقيا لك .. سأنتشلك مم أنت فيه تيم ساعدني "
سالت دموعه بقوة ، يحاول السيطرة عليها وسائل أنفه ، الصداع يعصف برأـسه يموت لأجل جرعة هيروين واحدة فقط .
أمسك بكف صديقه
" أرجوك ، أقبل يديك ، أنا صديقك كما قلت ، جرعة صغيرة توقف ألآم رأسي وجسدي ، خذني من هنا وقلل المخدر من جسدي بالتدريج ، أرجوك أدهم ، أرجوك"
حضر الطبيب والممرضة أخيراً إثر صراخهم ، ساعدهم في الأمساك به ، ظل يدفعه والممرضة بعيدا حتي نجحا في الإمساك بذراعه ليحقن الطبيب المهدئ عبر شريانه ، بدأ في الهدوء قليلا حتي نام تماما .
إلتفت إليهم والعرق يتصبب فوق جبينه ، سيل دافئ من المياة يتخلل ظهره حتي بلله
" من يجلب له المخدر! "
ارتعدت الممرضة ومن ثم الطبيب الذي أجاب سريعا
" أي مخدر سيد أدهم !"
أمسك الطبيب من أعلي معطفه الطبي ليدفع به للخلف ضاربا ظهره بالباب مغلقا اياه
" أنا أدفع الكثير من المال لأجل علاجه ، من يحضر له المخدر الي غرفته ؟  أـخبرني "
قالت الممرضة من خلفه مرتعدة تخشي غضبه
" هناك من يحرص علي تناوله جرعته في موعدها "
ترك الطبيب والتفت بهدوء الي الممرضة
" أعيدي ما قلتِ ؟ "
نظرت أرضا ولم تجب ، فوجهه يُنذر بالشر ، قالت متلعثمة
" رجل يأتي علي فترات بالمخدر "
صرخ بوجهها
" وكيف يدخل اليه ، هل المصحة للعلاج ، أم للتعاطي ! "
حاول التماسك قليلا ليقول
" أريد تصريحا له بالخروج "
ثم ألقي بحفنه من المال بوجه الطبيب ليُكمل
" حالاً "
ثم خرج حانقاً ، غاضباً .
من الذي يجلب المخدر لتيم !
من ذاك الحريص علي تدميره !
لقد إبتعد ، كثيراً ، جداً ، عن كل شئ حتي يتعافي صديقه ، ركض مسافات طويلة ليهرب من ماضٍ يُصر علي الظهور رغم كل محاولاته لطمسه .
ماضٍ أسود ابتلعه لسنوات ، ومازالت آثاره عالقة بقلبه .
لقد حرص علي إخفاء هويته ، إمتنع عن ترك أي بيانات للمصحة حتي لا يصل اليه أحدهم ، يأتي علي فترات متباعدة تجنبا لأي فرصة للعودة الي الخلف ، ما الذي يتوجب فعله كي تهدأ نفسه ، كي ينسي ، كي يشفي تماما من مرض روحه .



يُراقب نشاطها عبر نافذة غرفته ، تحمل الوسائد وترتبها فوق سريرها ، يري غرفتها بدقة من موقعه ، صور كارتونية تعلو جدرانها ، الألوان المبهجة أهم ما يميزها ، يعلم بحالميتها ورقتها ، يعشق خجلها ونظرتها المتلهفة ، يهوي إبتسامة تعلو ثغرها عندما يخبرها
" أحسنتِ سدن "
تعليقاً علي حفظها ، يهيم بأدبها في الحديث مع والدها عندما يتدخل لمعرفة مدي تقدُم أبنائه في الحفظ ، يُحبها ويُحب من يُحبها ، والدها ، والدتها ، أخيها الصغير ، ياسمين المتعجرفة المتسلطة التي تقطن منزلهم منذ قدومه لهذا العقار .
ما الذي يمنعني عنها ، لم لا اتقدم لخِطبتها !، أملك المال ، والسيرة الطيبة الحسنة ، أملك قلبا نابضا بحبها وكفي .
ذهب لوالدته بالخارج ، عاجلها قائلا
" أمي ، أريد أن أتزوج "
جذبتها كلماته
" ممن ؟ "
" جارتنا سدن "
" ياسمين أقرب لك ولطبعك "
" ولكني أحب سدن "
تميل الي شخص ياسمين بقوتها ومشاجراتها الدائمة مع مالك الصغير التي يرويها لها ريان فور عودته من بيتهم ، تعشق صراخها وتذمرها الدائم ، تفرست وجهه طويلاً ، ها هو ولدها يطلب الزواج لينفصل بحياته عنها ، ها هو الحب يطرق قلبه ليفتح له بابه علي مصراعيه ، لقد حان الوقت كي يكمل طريقاً بدأه منذ وقت قريب ، لينساها ويبتعد ، ففضلت مؤازرته حتي لا تكسب عداوته منذ الآن .
" مبارك بني "
إبتسم فور موافقة والدته
" سأذهب لمعرفة رأيهم في بادئ الأمر ومن ثم أخبرهم بقدومكِ"
" تعلم أني لن أفعل "
" لأجلي "
إستدارت بوجهها عنه
" قدمي لم تتخط هذا المنزل منذ سنوات "
تفهم قولها مربتاً علي كتفيها ، ثم ذهب ليستعد لرؤيتها وخِطبتها ، بينما هي تُراقب مضيه ، لتمضي هي الأخري نحو ذكريات حبستها وجردتها أمانها ، فأصبح أدهم هو درعها الحامي .
ماض كان سببا في شقائها وهروب ولدها وتخفيه ، حيث الطغيان والظلم ، تحن نعم ، لكنها لا تجرؤ علي العودة .
بين جيرانها وصحبتهم وطعامهم في إناء واحد ، حيث الجميع يعرف عن الجميع كل شئ والأبواب لا تغلق .
تنهدت ترثي أياماً تحن إليها ، حانقة علي ما نالته منها .



جلست جوار أسما تشاهد برنامجا ثقافيا يعدد من مخاطر العادة السرية علي الشباب والفتيات ، جذب الحديث خيوط عقلها وتمعنت في الكلمات
" يسبب برودا جنسيا مع الزوج ، عدم السعادة مع الزوج ، العزوف عن الزوج "
تقفافزت الأفكار بذهنها تدور حول فكرة واحدة وهي الزوج ، ليتوغل داخلها رفضاً قاطعاً وعزوفاً مستمراً عن الزواج ، فهي بلا بكارة ، زواجها سيكشف كل شئ حرصت علي إخفاؤه حتي هذه اللحظة .
أنتبهت لكلمات أسما
" الكارثة ليست جسديا فقط ياسمين وإنما دينيا أيضا فهي تؤثر علي الأعصاب والتركيز فوجب التحريم "
حدثت نفسها
" لابد ان أسما تعلم شيئا ، لماذا تتحدث اليّ هكذا وتستفيض في شرح الأمر ، أم أنني من كشفت نفسي من شدة إنتباهي للأمر، بعد أن ظل الأمر في طي الكتمان كل هذه السنوات ، يُفتضح الآن "
أنتهي البرنامج فور خروج سدن من حلقتها
" أمي أدهم يريد أبي "
" في غرفة النوم سدن أخبريه ، لازال يتحدث بالهاتف "
اليوم بدا غريبا ، يرتدي بنطالا من القماش باللون الماروني ، تعلوه بلوزة صيفية خفيفة تبرز ترتيب عضلاته وموضعها وحجمها ، لامعاً وكأنه إنغمس في برونز براق جعله مشعاً بالسعادة ، رائحة عطره الثقيل أزكمت أنفها ، عطراً قوياً مثل شخصه .

" سدن "

تزداد ضربات قلبي جواره ، أشعر بسخونة جسدي بقربه ، يزداد الطقس حرارة من نظرته .
هل الأعين تتحدث !
هل تخاف وتعشق وتتردد !
حديث عينيه اليوم مختلف
عيناه تغشاها سحابة الفرح
تبرق بلمعة الترقب
تري ، لماذا يريد والدي !

بعد قليل
" لقد فاجئتني أدهم ، أنت تكبرها بالكثير "
" ثمان سنوات فقط "
" أترك لي مساحة للتفكير ! "
نظر لساعته سريعا ثم قال
" أمامك عشر دقائق تستشير بها أهل بيتك ، وتعرف ردها "
أبتسم عابد بعذوبة ليقول
" عشر دقائق فقط !، هذا كرم منك"
" أنا جاركم منذ سنوات عمي ، هل رأيت مني ما يُنفرك أو شئ يستدعي رفضك لي ، أنا مُنجذب نحوها ، لن أُغضب ربي بالإنتظار وقلبي يرنو اليها ، أنا مستعد للزواج منذ الغد ، منزلي معد بمنطقة راقية ومعي ما يكفي من المال لترتيب الأثاث "
إتسعت أبتسامة عابد
" أهدأ قليلا ، أمهلني وقتا ،أنال موافقتها علي الاقل "
موافقتها ، تاء التأنيث المرتبطة بها تجعل قلبه يقرع طبولا ، كل ما يخصها يهيم به ، يحلم ببيت يجمعه بها لينظر اليها باريحية بعيدا عن تلصصه .
يحلم بيوم يضمها اليه ويخبرها بحبه ، لولا الله لما تردد في تقبيلها الآن ، لولا الله لما تعجل قربها حتي لا يأثم علي القرب منها دون زواج .
" ستتوقف حلقة الحفظ اذاً حتي أنال موافقتها "
قطب عابد لا يفهم ، فأردف أدهم باقتضاب حتي لا يثير حفيظة والدها
" لن أمنع بصري عنها  "
ضحك عابد ، هل الخاطب خجول ، أم يخاف الله ، أم وقع في الحب حتي كبله غرقاً !
" حسنا ، كما تريد "
ثم قام مغادرا ، وقلبه يحمل الأمل في قربها ، يتمني لو أجبرها علي الزواج منه ليستفيض في شرح حبه آجلا.



ركض مسرعاً عندما التقطت أُذناه صوت ضجيج داخل غرفته ، فتح الباب ليلج الي الغرفة مبهوتا
" يا الهي ماذا فعلت ! "
" ما توجب علي فعله منذ زمن أبي ، ليس هناك فائدة ، لقد مللت الدواء ، أنا طبيب وأعلم جيداً أقوالهم ، يجب علي التعامل مع مرضي ، لن أُعالج أمراً علي حساب الآخر "
يمسك بطنه ألما ، فقد كان يصارع غثياناً مقيتاً فور تجرعه دواء عظامه ، لم يستطع النوم ليهب مكتسحا الدواء جميعه ويلقيه أرضا مهشماً اياه ، جلس جواره
" بني ، كل شئ مع الوقت سيزول "
إستعاد سيطرته قليلا لتهدأ أنفاسه ، أمسك كتفه متألما
" لن يزول أبي هو مرض مزمن ، لن يزول "
ربت علي كتفه مهدئا له ، وهو يرغب فيمن يفعل معه بالمثل ، يخاف سئماً يحاوط روحه فيعزف عن الدواء نهائيا كما فعل من قبل .
في اليوم التالي
يجلس متصفحا مرجعا علميا بين يديه، رفع وجهه حالما فتح باب غرفة التدريس بالجامعة ودلف تلميذه المجتهد ، عاجله بأبتسامة
" مرحبا أشرف ، هل أنت بخير؟ "
" أجل ، أخجل من طلبي أستاذي لكن .. "
شعر بتردده فقام ليجلسه أمامة ويقول بود
" ما الأمر ؟"
" أود تغيير مجموعتي في التدريب العملي "
" لماذا ، أنت مع مجموعة متفوقة تتناسب مع ذكائك ونشاطك "
" شكرا لك ، لكن .. ياسمين ، أقصد هي شخصية مهلكة في التعامل معها ، غير متعاونة ، تري كل من يقترب منها متحرشا ، ولا يعجبني الأمر "
أبدي تفهمه للأمر ووعد تلميذه بتلبية طلبه علي الفور .
شارف النهار علي الانتهاء

" مراد "

أستند برأسي الي كرسيّ المريح ، من ياسمين هذه ! ، ما قصتها ! ، هل تري الجميع طامعين بها ، أم حقا يتجاوزون معها !، أسلوبها الوحشي التهجمي الذي  شاهدته أكثر من مرة في مشاجراتها ينم عن شخصية مثيرة غنية وغامضة تحتاج الي فك لغزها.
لا أعلم لم أفكر بها دونا عن باقي النساء والطالبات والقريبات التي أراهن ، تثير داخلي العديد من المتناقضات .
من هي !
أهي أنثي!
أبقايا أنثي!
من ساهم في تكوين شخصية محيرة مثلها ؟
غموض يكتف زواياها و أركانها وحصونها !
أستشعر رغبة في فك طلاسمها ، ذات العيون البنية التي تشبه الاثاث في صلابته ، والطين بمرونته ، والفخار بسخونته .


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثالث

مُساهمة  هالة حمدي في السبت سبتمبر 29, 2018 10:57 pm

الفصل الثالث



توسط عابد الجلسة يعلو قدمه مالك الصغير بينما النساء حوله عن يمينه ويساره سدن وياسمين وزينب وأسما .
تعالت ضحكاته وهو يري الإحمرار يغزو وجنتيها ، وإبتسامة مترددة تغزو وجهها ، وصوتها المرتعش يهمس
" ما رأيك أنت أبي ؟ "
قالت ياسمين ببرود
" أنا رافضة وبشدة ، لا أشعر بالراحة تجاهه "
إرتفع صوت سدن
" وما شأنك أنتِ ياسمين ؟ ، المهم أنا "
قال عابد بمكر
" أري أن خجلك زال الآن ، أعطيني جوابا صريحا الرجل يود الزواج من الغد "
علت ضحكات أسما ، وإزدادت غيرة زينب ، وإضطراب ياسمين كاد أن يقضي علي ما تبقي من عقلها .
وماذا الآن ، بعد موافقة سدن وزواجها لن يتبق سواها ويبدأ الإصرار والمثابرة حول إقناعها هي الأخري بالزواج ، لقد رفضت الكثير ، ستثار التساؤلات من حولها ، بماذا وكيف ستجيب ! ، السر يتصدع بين جنباتها والخوف يزداد بقلبها كما لم يحدث خلال سنواتها الماضية .
" أنا موافقة "
كان هذا رأي أسما التي أسهبت
" معلم قرآن ، مهندس ديكور ، شباب ومال ، سيرة طيبة ، جار لنا منذ أعوام ولم نر منه سوي الخير ، يأتي إلينا بعلمه وأدبه .. "
هاجمتها ياسمين
" ينفرد بها في غرفة ليعلمها كتاب الله "
إلتفتت اليها أزواج متعددة من العيون تنهرها لقولها ، تولي عابد الرد
" ألا يكفيك وجودي معهم بالغرفة ياسمين ؟"
لا زالت علي عنادها
" تخرج كثيرا وتتركهم خالي "
فقالت زينب
" ألن يكف لسانكِ عن قذف الحمم في وجوهنا ؟ "
واجهت والدتها بنظرات حارقة ، ثم إنصرفت مخلفة الصمت من ورائها .
مرر عابد يديه فوق شعر صغيره شاردا ، لم تتجاوز ياسمين ماضيها حتي الآن ، أحيانا يشعر بالفشل في إحتوائها رغم هدوئه وعدله في التعامل معها ومع أبناءه ، يتغاضي عن الكثير مما تفعل وكذلك أسما حتي لا تتأذي مشاعرها ، ورغم هذا وذاك لم تتخلص من نبرتها التي تهاجم بها الجميع وتبادر في جرحه بأظافرها الشرسة.
أسما التي شاركته  الحمل منذ سنوات وتحملت مسؤلية فتاتين وصبي في عمر الزهور ، تحملت مشاجراتهم ، بكائهم ، ضحكهم ، لعبهم ، تحلت بالهدوء والصبر داعمة ياسمين لمعرفتها بما تمر به ، وبعد مشاهدة وجهها حينذاك فهبت لتزود عن طفلة لم تنل يوما الحب  .
" أنا أيضا موافق أبي ، أنا أحب أدهم "
قبل رأس مالك لقوله ثم إلتفت لابنته ينتظر جوابها
فقالت بشرود مما تفعله ياسمين
" أوافق بعد موافقتك أبي ، بالأذن "
" لا إنتظري ، أُتركيها بمفردها قليلا "
جلست جوار والدها بينما قالت زينب
" أعتذر عنها سدن حبيبتي ، هي محترفة في إفساد الأوقات السعيدة منذ زمن ، مبارك حبيبتي ، أستأذنكم علي المغادرة "
بادر عادل بالقول سريعا
" إنتظري مازن ، ألن يأت لأصطحابك ؟ "
" لا ، سيسهر مع أصدقائه قليلا "
قام ليوصل أخته الي منزلها ، بينما نساء بيته يتطابقن في شرودهن كلا منهن في عالمها.



ممدداً فوق سريره ، برودة المكيف تنخر عظامة ، تحكم بدرجته ليجعلها القصوي في التبريد ، يرتدي بنطالا قطنيا فقط ، الغرفة محكمة الظلام .
توفي والده ، لم يتبق له من العالم شئ ، الطبيب المعيد الناجح لم يتبق له شئ سوي الوحدة والمرض ، مغمض العينين ، شارد الفكر ، بقلب غير نابض ، أطراف باردة ، جسد أنهكه المرض والألم والشوق لجسد واراه الثري .
هل أنتهي العالم !
توقف بلا عمل !
هل توقف الوقت فلا يمر !
الشمس غربت بلا شروق منتظر !
الليل الحالك بسواده سيدوم بلا صباح يبعث الامل !
أين أنا ، أين أكون !
في السماء !
أم علي الأرض !
أم في العدم مكثت !
إمتنَع عن الذهاب الي الجامعة ، حجب نفسه عن العالم أجمع ، أعمامه كثيرا ما يهتموا لأمره بأتصال أو سؤال ، عيادته مغلقة ، مرضاه بأنتظار عودته وكثيري السؤال عنه كما أخبرته مساعدته.
بعد مرور أسبوع
بدأت الإختبارات بعد عدة أيام من وفاة والده ووجب عليه العودة مرغماً، صفّ سيارته أمام مبني الجامعة الضخم ، ترجل منها والألم يسكن محياه بعد أن إمتنع تماما عن دواءه .
وجوب مواصلة عمله وحياته أصبح منهكاً ، يود أن يعتزل الكون بأسره ، يعتزل نظرات تلاميذه التي تصرخ بشفقتهم تجاه حركته ، قدمه تؤلمه ، يعرج قليلاً ، أمتدت آلامه الصباحية الي منتصف اليوم .
تناول مسكنا قويا ليضبط حركته ، فلم يعد يحتمل نظراتهم أو ربما هو من يتوهمها .
رصدته عيناها حال هبوطة من سيارته السوداء الأنيقة ، تسائلت بتعجب
" هل هذا دكتور مراد ؟ "
" أجل ، هو ، لقد توفي والده منذ وقت قريب "
لم تدرك أنها تسائلت بصوت مرتفع إلا بعد أن أجابتها صديقتها التي أردفت
" مريض بالروماتويد ، يحتاج لمن يهتم بأمره أشفق عليه لقد صار وحيدا الآن بعد موت والده  "
" وهل هو رضيع يحتاج لمن يهتم لأمره ! "
ثم أضافت بسخرية
" من أين لك بتلك المعلومات ، هل حاز علي إعجابك ؟ أم ترغبيه عريسا هدي !  "
" أمي تتابع بعيادته ، ومساعدته كثيرة الكلام ، أنا ليس لدي وقت للحب والزواج لست ككل الفتيات "
رددت شاردة
" و أنا أيضاً "
لاحظت عرجه البسيط ، يتسلل إليها شعورا بتماسكه ، هل يعاني وحدة وملل ؟ ، هل يشعر بحالة رثاء الذات حيث لا أحد يهتم لأمره ؟ ، هل آذي جسده تمرداً علي قدر الله ، لابد وأنه يبكي ليلاً ولا يجد من يرأب صدع قلبه ! قد يكون له عائلة أخري تحتوي ألمه ؟ ، لا لا ليس كل العائلات مثل خالها عابد ، نفضت عن رأسها الأفكار سريعا وهي تبتعد بعيناها عنه ، وما شأنها بتماسكه أو إنهياره ، ببكاءه ورثاءه ، لماذا ينتهك أفكارها و عقلها ، فلقد عانت هي الأخري ، فهي مثله بلا والدين ولكن حالتها أصعب منه فهم علي قيد الحياة ، لا شفقة تحملها بقلبها لأي أحد فلم يكن هناك من يشفق لحالها آنذاك.

لم أستطع وقف زواج سدن و أدهم ، حيث تنامي الي علمي مقدار حبهما المتبادل، رغبتُ في زعزعة الأمر ليبتعدا لكني لم أنجح .
الخناق يضيق حولي ، ماذا لو تقدم اليّ خاطب جديد .
ماذا لو علموا بأمري ؟
خائفة ، أرتعد خوفاً من ألماً أُخلفه لخالي ؟
فزِعة من نظرته اليّ وإهتزاز ثقته بي !
هو الوحيد من أهتم لأمره !
بل وأسما !
سدن!
مالك!
يبدو أني أهتم لأمر الجميع سوي والدايّ .
بدأت ثقتي تهتز ، عالمي المنمق يرتبك ، أصبحت خائفة من الغد وما يحمله لي .



تَقدمَت اليه تحمل صينية تعلوها قهوته وقطعة حلوي مغطاة بالشكولاته ، وكأس الماء الشفاف كقلبها .
شعرها الأسود مفروداً علي كتفيها ، غرة تعلو عينيها مُقسّمة لجزئين وفقاً لحركتها ، حاجباها لم ينزع عنهما شعرة واحدة فبدت ببرائتها التي يشاهدها دوما بها .
وضعت الصينية أمامه وجلست جواره ، رفعت عينيها السوداء إليه ، لون أخضر يغزو عينيها لا يعرف سببا له ، لا تضع عدسات ملونة فهو خبير ، راقب خلجاتها مستشعراً توترها ، هي المرة الأولي التي يراها دون حجاب ، يري وجهها الأبيض البراق ، عيناها السوداء الواسعة يملؤها الخجل ، اليوم أكتملت صورتها التي ترافقه في أحلامه .
رفع إصبعه مشيراً الي عينيها
" عيناكِ خضراء ! "
" إنه كحل "
" يليق بها الأسود ليزيد من إتساعها سدن "
خرج أسمها من شفتيه ساخناً من فرط عمل تلك المضخة الكامنة بصدره .
نظرتها تقتُله ، تأثِره ، تصرَعه .
أمسك كفها بين يديه الكبيرة الخشِنة ، أغلق أصابعها ببطئ يستلذ من نعومتها ، قلبه يوشك علي التوقف إنهاكاً وتعباً وهلاكاً من مرآها .
خاتمه يزين يدها ، وعنقها مزدان بهديته الذهبية ، تجوب عيناه كلها ، وجهها ، جسدها ، بريقها ، كل شئ ، فقد أصبحت ملكا له .
تستمع الي لهفة كلماته ، تري تنفسه من فمه ، تسمع تنهيداته ، أشعل بها حبا مستترا كانت تخفيه عن الأعين لئلا يفتضح أمرها .
رفع كفها الي شفتيه ليقبل باطنها ، وينفي ما قاله منذ قليل
" جميع ألوان الكحل تليق بكِ "
سحبت يديها بخفة وخجل
" القهوة ، ستبرد "
" أبداً لن تبرد ، ستظل ساخنة ، سأحرص علي ألا تبرد سدن "
يتلاعب بالكلمات وهي بريئة لا تفهم ما يرمي إليه ، إستمتع بعبوسها ، تمتد يده ليتناول قهوته .
شاهدت قدوم والدها
" مبارك لكم "
" شكرا لك أبي "
" مبارك عمي "
جلس جوار أبنته لتقترب من أدهم وتلامس فخذه فخذها ، ضمها إليه ليوجه كلامه الي زوج ابنته
" لقد وافقت عجلتك في عقد قرانكم أدهم ، لكن الزفاف إمنحني وقتا حتي تنهي ياسمين إختباراتها "
شعر بالغيرة من والدها فهي بين يديه يضمها بأريحيه بينما هو لا
" وما شأننا بياسمين ، ستُخرّب الزفاف علي كل حال "
أبتسمت وأبيها الذي قال
" هي تبادلك نفس الشعور بالمناسبة "
" أعرف ، يبدو أن كرهها لي واضح للعيان ، هي شخصية معقد..."
لم يكد يكمل كلمته حتي قاطعته ياسمين بصراخها
" أنا معقدة أيها المختل "
عاجلها دون أن ينظر إليها زاماً شفتيه
" من تجلس نهاراً بنافذتها تُلقي ملاقيط الغسيل علي رؤوس البشر هي المختلة "
بلغ غضبها منه مبلغا
" أيها .. ال .."
كان أدهم هو الوحيد القادر علي أمتصاص غضبها ، وإلزامها حدها ، خبطت قدميها بالأرض منصرفة الي المطبخ حيث كانت وجهتها ، غير قادرة علي مجاراته فهي تعلم بحدة ردوده.
قوته وجرأته في صد موجات وذبذبات لا يقبلها من ياسمين كانت تعشقها ، فكم من مرة حاولت إثنائها عن الزواج منه ، كانت تستشعر دوما رغبة ياسمين في إيقاف زواجها.
تذكرت ذات يوم سمعتها تتحدث الي نفسها
" أنا أكرهه ، لابد أن ينته الأمر"
كانت تخبرها دوما أن أدهم هذا لا يريحها وتشعر بأنه يخفي شيئا ، دوما ما توجه لها أسئلة عن طبيعة عمله وأنه يتعامل مع الكثير من النساء الراقيات فقد يلتفت إليهن .
لكن ثقتها في أدهم دوما كانت تجعلها تضع كلمات ياسمين لتقف عليها بقدميها لتعلو وتزداد في تعلقها به .



صرخات بصوت لا يستطيع تفسير حروفها قادمة من المدرج الكبير بالجامعة ، اليوم الأخير في الاختبارات ، الجامعة شبه فارغة من العاملين ، ولولا آلامه لما كان هنا الآن ، إنتظاره مفعول المسكن ما جعله ينتظر قليلا قبل أن يُغادر.
" أيها الوغد عديم الشرف ، سأقتص منك ، ألا تعلم من أنا ، ألم يخبروك بما أنت مقدم عليه ؟ "
إستمع لهذه الكلمات بوضوح ، صوتها الغاضب وصرخاتها جذبته نحو المكان بدقة ، إحدي طلابه يحاول الإعتداء عليها و هي تقاومه ، إندفع راكضا الي الداخل ليمسك هذا الوغد من قميصه ويقيد حركته ، وهاله ما رأي .
خدوش بلون الدم أسفل عينه ، أربعة خدوش من أظفارها تحفر مكانها في وجهه ، دماء تنزف من أنفه ، شفتيه مجروحة
" هي تستحق ، لقد تطاولت مراراً ، لابد من حجب سلاطة لسانها بقصه "
عاجلته بصرختها
" تتنمر علي بقوتك ورجولتك لأجل لساني ، هل تسببت كلماتي في ذبحك يا هذا ، لترد إسائتي بملامستي وإنتهاك جسدي ، تباً لك "
ثم تهجمت عليه و مراد ممسك به ، تحاول جذب شعره بيديها بينما  يخفيه مراد خلف ظهره ، وفي لحظات ركض خارجا يخشي علي عينيه الأخري .
جاء كي ينقذها فوجد أن الآخر من كان بحاجة للإنقاذ ، بعد ما رآه من جروح وجهه يقسم علي أنها مفترسة تأكل لحوم البشر.
وقف يواجهها بصمت ، يراقبها وهي تعدل حجابها وملابسها ، رفع يده يمسك دبوسا أوشك علي وخزها ، أرتفعت يديها تمسك معصمه بقوة لتمنعه من مسها
" لا تلمسني "
" أنتِ من تلمسني "
ثم أشار الي يده التي تقبض عليها ، فتركتها بهدوء ، وبحركة سريعة نزع الدبوس عنها
" كنت سأنزِع هذا "
تنظر إليه بصمت يزلزل روحه ، يود إستكشاف خباياها ، يجهل كيف يجعلها تبوح قليلا بما داخلها ، فاجئته بعد صمت  طويل جابت عيناها وجهه بدقة
" لقد تحرش بي ، آذاني "
رفع كفيه في إشارة لها كي تتوقف
" ألا تُصدقني ؟ "
" وهل سيغير رأيي شيئاً ! "
" لا"
همت بمغادرة فأوقفها صوته
" أصدقكِ "
إلتفتت إليه ببطئ ، خفضت بصرها حيث قدمها ، وجد دماء تعلو حذائها المصنوع من القماش ، إنخفض سريعا لينزع عنها حذائها ويعالج جرحها ، إلا أنها إبتعدت خطوة للوراء ، تبعها هو بخطوة للأمام في إصرار
" ياسمين ، أنا طبيب "
لا تعرف لم إستسلمت لقوله ، جلست علي كرسي بالقاعة ، فك حذائها ليجد جرحاً يفيض دماً
" لحظات وأعود إنتظريني هنا "
بعد دقائق قليلة ، عاد يحمل صندوقا صغيراً يحوي مواد طبيه ليطبب جرحها  
" كيف حدث ذلك ؟ "
" حاول لمسي وعندما قاومته دفعني فسقطت ، حاول إيذائي وإنتهاكي ، هاجمته فإنتقم مني بحشر قدمي بين هذه القوائم الحديدية "
كانت تحدثه بقوة ، أبية الروح ، عزيزة النفس ، تدافع عن جسدها وحرمته بدمها
أردفت بهدوء وهي ترتدي حذائها بعد أن إنتهي من تضميده لجرحها
" لقد أخذ جزاء فعلته ، أقسم إن رأيت وجهه العام  المقبل لأُشوّه عينه الأخري "
" تعلمين أن جرحه لن يطيب بسهوله هو الآخر "
" أعلم ، سيترك أثرا بوجهه ، لِئلا يكررفعلته مجددا"
نصب جسده ليقف فتقف معه
" كيف ستعودين لمنزلكِ "
" المواصلات العامة "
" دعيني أوصلكِ "
" أبتعد ، لقد ضمدت جرحي وإنتهينا "
غادرت في الحال دون أن تنظر خلفها ، ودون كلمة شكر .



عاد مازن الي المنزل متأخراً كعادته ، يترنح من تأثير الخمر ، حتي إرتطم بزجاج المرآه القابعة أمام منزلهم فتهشمت ، خرجت زينب منزعجة من تأخره ، ومن مظهره المقزز ، يسير علي نهج والده بدون نقصان
" ما الذي فعلت ؟ "
" لقد تهشمت وحدها زوزو ، لست أنا من فعل "
ثم ترنح مجدداً حتي سقط علي أقرب أريكة ملقياً  بجسده فوقها ، فتحت فمها تحدثه لكن شخيره أقفل فاها عن الكلام ، أقتربت منه ترفع قدميه عن الأرض ، وتعدل من وضعية رأسه.
جلست أمامه تتأمل وجهه ، لم يترك شيئا من والده ، ملامحه ، طباعه ، عجرفته ، إلا أن ولدها حنون .
تساقطت دموعها ترثو حالها ، بين ابنه ناقمة عليها ، وابن في طريق الضلال ليس له رادع .
أمسكت هاتفها لتتحدث الي ابنتها ، أتاها صوتها الجاف
" مرحبا "
" ياسمين ، كيف حالك ؟ "
" بخير "
تلعثمت زينب قليلا ، لا تعرف لما ذا تتحدث معها هي دون غيرها .
سمعت بكائها الهادئ الذي تحاول إخفاءه عنها .
" ما الأمر ؟"
جاوبتها زينب علي الفور ، وكأنها سعدت باهتمامها
" مازن ، أخيك ياسمين ، يشرب الخمر كثيرا ، لا يعود إلا فجراً ، أنا خائفة يا ابنتي "
" وما الجديد ، ألم يكن يشرب القليل منه ويدخن منذ كان طفلاً ، هذا ما جنت يداك يا أم مازن "
إزدادت دموعها ونحيبها مع زيادة جفاء ابنتها وحدة قولها
"  ماذا فعلت لكم ، لقد أفنيت عمري عليكم ، تحملت الكثير لأجلكم "
" أجل ، الكثير "
لم تلقبها يوما ب " أمي " منذ مواجهتهم الأخيرة قبل ذهابها مع عابد ، وكأنها تتنصل منها وتتبرأمنها ومن إنتمائها لرحمها ، تعلم بغضبها وتمردها الداخلي لكنها لا تقو علي مجابهته أو التعامل معه ، ففضلت الإنزواء وترك عابد يتحمل همها.
" هل أخبر خالي بالأمر "
" لا "
شعرت بالحرارة تغزو جسدها غضبا من رفض والدتها فقالت بأنفعال
" لأنه رجل تخشين أن يفضح أمره ، لأنه رجل يفعل ما يشاء دون حساب ، يعثوا في الأرض فساداً دون زاجر ، يطغي عليكِ وعلي ذاته ، من أي عصر قدمتِ أنتِ يا امرأة ، سحقا لكِ "
ثم أغلقت الهاتف ، صدرها يعلو ويهبط انفعالاً ، لا تستطيع الحزن لأجلها ، حزينة هي لأخيها ، من جمعهم بيتاً ، وطعاماً ، لقد كان صغيراً عندما غادرت المنزل ، يأتي إليها من الحين لآخر ، يلعب معها ومع مالك الصغير ، وبمجرد بلوغة ابتعد عن الجميع ليعبر عن تمرده هو الآخر بطريقته .
مسحت وجهها ، زفرت هواءً حاراً من فمها كاد أن يحرق صدرها ، الي أي طريق تسير مازن ؟ ، ليحفظك الله يا أخي.
لماذا نعاقب علي أفعال لم نرتكبها !
تقسو الأيام وتعاقبنا علي ذونوب ليست لنا
هل نؤخذ بطغيان آبائنا!
علام نعاقب !، أختياراتنا ، أم إرثهم و أفعالهم



أشعر بالملل يتسلل الي روحي فيكيل لي الأفكار ضربا ، جسدي منهك من الخروج يوميا لشراء مستلزمات العروس ، مللت من رؤية وجه أدهم كل مساء ، يأتي متنحنحا بصلافة وجهه ، لكم أكرهه.
" هيا سنتأخر "
" لن أذهب معكم اليوم ، أشعر بالتعب سدن "
جلست بقربها تضع يديها فوق جبينها
" مم تشكين ؟ "
أزاحت يديها برفق ، تنظر لعينيها بتردد ، سدن تخشي عليها المرض ، تشعر بحقيقة خوفها ، ليتك أمي سدن لتهتمي لأمري ، ليتها سألتني يوما ما بك ، ليت الأيام تعود والعقارب تختلف دقاتها ، نظرت أرضا لتقول
" أنا بخير سدن أشعر بالإرهاق قليلاً "
" سيحزن أدهم إن علم بتعبك "
" سيشمت تقصدين ، هو يود موتي وليس مرضي "
وقفت سدن وهي تضحك بحب
" الآن أنتِ بخير ، إطمئننت علي لسانك وتبجحك ، لا بأس فلتحظي بالراحة اليوم فقط ، تعلمين أن الزفاف بعد أسبوع من الآن ، أحتاج لكل دجاجة وقطعة لحم تناولتها هنا لتساعديني أنا و أمي في ترتيب منزلي "
تمددت تسند رأسها علي وسادتها
" سدن ، أغلقي الباب ورائك "
ضحكت سدن بمرح لتغادر ، فلديها الكثير اليوم  .
إنتبهت لرنين هاتفها
" ياسمين ، كيف الحال ؟ "
" بخير هدي ، وأنتِ ؟ "
" سعيدة ، الجامعة أعلنت عن رحلة صيفية الي منطقة ساحلية خلابة  تعلمين نحن في إجازة، القائم عليها دكتور مراد  بنفسه ، سجلت إسمينا بها ، ما رأيك ؟ "
" تسألين عن  رأيي بعد أن قررت هدي ، أود العزلة قليلا عن العالم أجمع ، سيكون هناك شباب وأنا أكره مضايقاتهم "
" الرحلة يومان فقط ، معظمنا فتيات ، تعلمين أن ميول الشباب في إجازات الصيف تختلف عنا "
" أنا منشغله مع سدن زفافها بعد أسبوع "
" الرحلة بعد أسبوعا آخر من زواج قريبتك ، فكري بالأمر ياسمين ، دعينا نمرح قليلاً "
بعد أن أنهت إتصالها غطت في نوم عميق لم تهنأ به منذ زمن ، لم تفكر في أي شئ ، فقط النوم ، فقد ناحت عظامها الما من حمل أشياء سدن ، اللعنة عليها وعلي هذا الأدهم .
.


avatar
هالة حمدي
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 20
نقاط : 24
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى