روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

دروب الغفران شائكة

اذهب الى الأسفل

دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:35 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أنا ابتهال كاتبة الرواية دي ...إتمني تنال إعجابكم هي وجميع الروايات اللي في الجروب ان شاء الله.
الرواية بتحكي عن واحدة (حُسن) بتحب ابن خالتها ..وهو كمان بيحبها بس ?ما اعترفوش لبعض، ابن خالتها اللي هو ياسين بيبعد سنة كاملة ويرجع ومعاه أسرار كتييييير ، وكمان أبو البنت دي عايش في بلد برة وبيخون مراته ..ياتري هيكون نصيبه إيه ولا إيه اللي هيحصل؟؟؟
كمان معانا البنت صبا بنت عم حُسن ، بنت سمرة ومنبوذة حتي من امها اللي بتفضل تعايرها انها كبرت ولسه ما اتجوزتش وتعد تجيبلها هي عرسان وتهينها ، بتقابل واحد صاحب باباها عنده 40 سنة في فرح .. لا مايغركوش السن ده قمر ،وبتروح تشتغل مربية لبنته ، والراجل ده اسمه نائل. .مخبي أسرار كتييير جدا وبنته بتخاف منه .
تابعوا علشان تعرفوا.
(الفصل الأول)
(دروب الغفران شائكة)



"أهواك بلا أملٍ وعيونك تبسم لي ، و ورودك تغريني بشهيات القبل"

----------------

أزالت حُسن نظارتها الطبية وألقتها أمامها علي المكتب بإهمال وهي تفرك ما بين عينيها بتعب ، تراجعت بظهرها إلي الخلف لتكون في وضع مريح ،وأغلقت عينيها آملة في الاستمتاع بتلك الدقائق المعدودة التي تفرق بها في المذاكرة بين المادة والأخري ، فهي منذ السنة الأولي لها في الثانوية وهي تعاني من صعوبة المواد الدراسية فتضطر إلي الجلوس هكذا ساعات وساعات لكي تذاكر بجد .

وهي الآن في نهاية السنة الثانية لها ..قسم علمي ، وترجو أن تتفوق كما السنة السابقة .

أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته ، والتقطت يدها الهاتف تعبث به ، وتلقائياً دخلت علي صفحته بالفيس بوك !

أخذت تُقلب في الصور وهي تنظر بحالمية لصوره التي تملأ الصفحة ،ولم تدري كم من الوقت استغرقت ! ، فالتأمل بكل شيء فيه يأخذ وقتاً طويلاً .

أغلقت هاتفها ووضعته جانباً وهي تتنهد بضيق ..ألن تخرج من دوامة حبه أبداً؟!

فهي لم تكن يوماً تلك المراهقة التي تطمح بشاب وسيم ويملك ثروة لا تعد ولا تحصي يأخذها علي حصانه الأبيض ، بل كانت كل آمالها متعلقه به ..به وحده .

أفاقت من تفكيرها به علي صوت إشعار وصلها علي الهاتف ، فأمسكته بفتور وهي تنظر إلي الشاشة ..وفجأه هبت معتدلة في جلستها وابتسامتها تتسع رويداً رويداً ، وكأن ذلك الإشعار احتوي بين طياته مصدر سعادتها !!

(حدث ياسين البدري حالته )

جملة صغيرة كانت كفيله بقلب حالها ..من تلك البائسة من ضغط المذاكرة وحبها المستحيل ..إلي أخري تبتسم ببلاهة كأنه العيد .

فتحت الإشعار وقلبها يخفق بعنف بين أضلعها ، أوضع صورة أخري ؟! وهل ينقصها صورة أخري فهي لم تنتهي بعد من بقية الصور ! ،أسيقول شيئاً عادياً كما العادة أم شيء آخر ..كل تلك التساؤلات كانت تدور برأسها، وضعت يدها علي قلبها علها تُهدِّء من اضطرابه وأغمضت عينيها ..وكأنها تخشي من ماستقرأه الآن .

فتحت نصف عين وهي تنظر بتوجس فوقع نظرها علي صورة قلب فتنفست الصعداء وفتحت عينها الأخري ومررتهما علي تلك الكلمات مرات ومرات !.

(الحب عمره ما كان بالسن ولا هيكون ، وفيه ناس بتقدر تحسه من أقل حاجة وتحسس اللي حواليها بيه ، وفيه ناس تانية مهما عملتلها بيبقوا مش حاسين ولا مقدرين اللي بنعمله عشانهم)

دق عقلها إنذار الخطر !! ، وحدثت نفسها بخفوت

(هو قصده إيه بالجُمل دي ؟؟ ياتري بيحب واحدة وهي مش حاسه بيه؟! ، وطب وهي ليه مش حاسه بيه ؟ ، معقول يعني ماتحبش ده !! ، طب وهو قصده إيه إن الحب مش بالسن ؟ ، بس هو مش صغير علي الحب ولا حاجة !)

أحست بشرارات تجري في رأسها وعقلها يكاد ينفجر إرهاقاً من كثرة طرح الأسئلة ووضعت رأسها بين كفيهاولسان حالها يقول

(أرجوك يارب ..مش عاوزة أتعب أكتر من كده ، ماحدش غيرك يعرف بحبي ده وبـصدقُه ، وقد إيه أنا ممكن أنتظر الشخص ده ، بس مش عايزة أستني طول حياتي ، ومش عاوزة أفضل أجري وري أمل آخره سراب )

فما كانت لتتحمل حديث معذبها وساكن قلبها الوحيد عن أخري حتي ولو لم تعرفها !

أخرجها من حالتها تلك طرقات سريعة علي الباب ففزعت وأغلقت الهاتف بسرعة والذي قد غفلت عنه ، وحاولت أن يخرج صوتها طبيعياً وهي تقول

(أيوة مين ؟)

اتاها الصوت الآخر مستنكراً

(أيوة مين إيه هو فيه غيرنا في البيت ولا إيه يا حُسن وأبوكي مسافر بقاله خمس سنين هيكون مين غيري يعني)

رمشت حُسن بعينيها وهي لاتستوعب الخطأ الذي وقعت به ، ربما من اثر التعب !! ، كادت ترد ولكن أوقفها صوت أمها المتعجل والذي وصل إلي مسامعها خافتاً لابتعادها عن الباب


(حصليني يا حُسن بسرعة خالتك وولادها جايين وعاوزين نرتب ونجهز أكل يللا ...)

(خالتي !! ،ولادها !!)

خرجت تلك الحروف من فمها ببطيء مكونة كلمتين كانتا السبب في اضطراب دقات قلبها والتي هدأت ثورتها منذ ثوانٍ فقط ..وعاد للاضطراب مرة أخري ..ولكن بشكل أقوي ، حاولت لملمة شتات نفسها واستجماع قواها وقامت للحاق بأمها وهي تتمتم

(يارب هو ده كان وقته ! ،يعني كنت لسه بفكر فيه وجاي أهو عالسيرة ، وأنا اللي بقولك يارب تخرجني من اللي أنا فيه !!)

(مالك يا حُسن فيه إيه يا حبيبتي؟!)

أفزعتها كلمات أمها وانتفضت متوجسة ، فلم تأخذ بالها أنها وصلت إلي المطبخ شاردة وهي تحدث نفسها .

نفضت رأسها بسرعة وهي ترسم ابتسامة مزيفة علي ثغرها وتقول

(لا يا أمي مفيش حاجة ،المذاكرة بس تعباني وكده )

حركت أمينة رأسها بأسف وحزن ، وخرجت حروفها ترجو تلك التي أمامها

(يابنتي ماتتعبيش نفسك كده ، ذاكري آه بس مش أربعة وعشرين ساعة عالكتاب !! ، كده هتخسري صحتك )

تحدثت حُسن نافية لكلمات والدتها

(يا ماما لا ماتخافيش أنا كويسة ومش هيحصل حاجة ،وأهي كلها سنة واحدة ..السنة دي خلصت أهي وأخلص من الهم ده )

(ربنا يوفقك يارب يا حبيبتي ويرضيكي بفضله )

قالتها أمينة بصدق من قلبها ، فهي لاتملك سوي الدعاء لفلذة كبدها الوحيدة !

وبينما هما مستمرتان باعداد الطعام والترتيب وغيره ، دق جرس الباب معلناً عن وصول معشوقها وما سيترتب علي وصوله هذا من جراح لن تنساها أبداً، تركت ما في يدها بسرعة وهي تقول
(افتحي انتِ يا ماما)

وانطلقت بخطوات جامحة نحو باب غرفتها وأغلقت الباب خلفها وصوت دقات قلبها يدوي داخل أذنها !!

(مالها البت دي طلعت تجري كده ليه ؟! )

قالتها أمينة بملامح متعجبة بعد مشاهدة ذلك التصرف الغريب من ابنتها والذي لم تجد تفسيراً له وذهبت مسرعة لكي تفتح الباب .

-----------

بينما في الداخل ،وقفت حُسن مُلتصقة بـ باب الغرفة ترهف السمع علها تسمع نبرة صوته فيرفرف قلبها فرحاً..ولكن خاب أملها فلم تسمع شيئاً ،وأخذت تمني نفسها بأنها ستسمعه بعد قليل.

ثم فتحت الدولاب وأمعنت النظر إلي الملابس أمامها بحيرة وهي لاتدري أيهم ترتدي ! ، جلست بثقلها علي السرير وهي تمسح رأسها بعصبية

(يعني حبكت تيجي الوقتي ؟؟ ، مع إني هموت وأشوفك وماشبعتش من صورك بس أنا خايفة ..خايفة أوي أكون متعلقة بحاجة عمرها ماهتبقي ليا)

قالتها بحزن جلي صاحبه ارتعاشة صوتها ، ثم وقفت وفجأة ومدت يدها مُلتقطة فستان أخضر اللون يصل إلي كعبيها ،بأكمام طويلة ومطرز من عند الرقبة بخيوط متعددة الألوان

(أنا مش هفضل سنة أختار هلبس ايه ، ومش هبدأها بالمناظر كده ، لو حبني يحبني كده )

قال عقلها تلك الكلمات في محاولة لردعها عن ذلك الحب ، فقد أرهقه كثرة التفكير في ذلك الأمر والذي تخطي انشغالها به شهوراً، بينما ارتفع صوت القلب رافضاً لتلك الترهات التي يحاول عقلها اقناعها بها

(بس مفيش مانع برضه تبقي حلوة يعني ؟ لازم برضه المظهر يكون جزء من الحب ،وحتي شوفي انتي كمان من الحاجات اللي جذبتك ليه شكله المنمق ولبسه وحلاوته..ولا إيه؟! )

أخرجت الفستان من الشماعة الخاصه به ورمتها أرضاً معلنةً عن انتهاء ذلك الشجار والذي حتماً انتصر به قلبها ، وشرعت بارتداء الفستان وعكصت شعرها علي هيئة جديلة طويلة منمقة ، ثم نظرت لنفسها بالمرآة بغير رضا ...فهي في نظره مجرد طفلة قبل أن تمد يدها بارتعاش لمقبض الباب وهي تستدعي ثقتها وتناجيها بالحضور الآن فهي في أمس الحاجة إليها ، فهي لم تكن قبلاً هكذا ..أحبته صغيره وخشيته وتوترت منه وهي كبيرة ، ولكن متي بدأت هذه المرحلة التي هي فيها الآن!

فتحت الباب بعد صراع طويل وخرجت تقدم قدم وتؤخر الأخري حتي وصلت إلي غرفة الجلوس وطرقت الباب المفتوح برفق دلالة علي وصولها ودخلت مباشرةً وهي مسلطة نظرها علي خالتها دون النظر للبقية وسلمت عليها بحرارة واشتياق

( ازيك يا خالتو عاملة إيه )

قالتها باشتياق ولكنها لم تتناسي ذلك الذي يجلس الآن ولا تعرف مكانه حتي !.

(كويسة يا حُسن يا حبيبتي إنتي أخبارك إيه )

(الحمد لله يا خالتو كويــ ....)

وقبل أن تكمل كلمتها ،اندفع ياسر ذو الست سنوات يحتضنها باشتياق ، فقد كان يحضر شيئاً من المطبخ وفور أن وقع نظره عليها اندفع بين أحضانها

(يسوره حبيبي عامل إيه وحشتني جداً جداً )

قالتها حُسن وهي تربت علي شعر الصغير وتقبله فرحة بدخوله المفاجيء.

( ولما أنا وحشتك ماثألتيش "سألتيش" عليا ليه يا حُثن"حُسن)

قالها الصغير بثقل في لسانه ، فداعبت أنفة بخفة وهي تقول

(هو لسانك ده مش هيتعدل بقي يا ياثر "ياسر" )

قالتها بضحك مقلدة لكنته وتناست تماماً ذلك الذي ينظر إليها بشغف لم يلحظه أحد وقبل أن يرد ياسر وصل إلي مسامعها صوت أجش يغلفه نبرة عتاب رقيقة لامست قلبها الهش

(يعني أنا كخة يعني ومليش من الحب جانب؟)

لم تأتها تلك الجرأة التي تدفعها للاستدارة يميناً لمصدر الصوت الذي وقع علي أذنها كوقوع الندي علي أوراق الشجر ، فمن سيكون غيره!! ،وكأن خفقات قلبها ذكرتها الآن بما نسيته ..إنه هنا ، ويكلمها أيضاً ، حاولت تشجيع نفسها لكي لا تظهر بمظهر الفتاة شديدة الحياء وخرجت حروفها متلعثمة

(لا يعني أ أ..نا مش قصدي ..)

دوت ضحكات خالتها في المكان وهي تدفع حُسن برفق قائلة

(روحي يابنتي سلمي علي ياسين ده أخوكي برضه )

( أخويا !!،أخرتها يكون أخويا !)

قالتها بينها وبين نفسها بخيبة أمل ،و استجابت لدفعة خالتها وذهب يميناً مكان جلوسه ومدت يدها باستحياء فأخفي يدها الصغيرة بين يده وهي مطأطأة رأسها أرضاً غير قادرة علي رفع نظرها له ، وكأنما الفرصة قد أتته بانشغال أمه وخالته في الحديث ، فلم يحرر كفها من كفه وأخذ يمر بعينه علي قسمات وجهها يطالعها باشتياق .

حاولت سحب يدها ولكنه شد عليها أكثر ،وقال بهمس

(مفيش ازيك طيب ؟ ، عامل إيه يا ياسين ؟! ، ماشوفناكش من زمان ؟ ،ده انتي حتي مش راضية تبصيلي !)

بدأ صدرها يعلو ويهبط من اثر كلماته عليها ، وأحس بيدها ترتعش بين يده فابتسم ابتسامة لم تلحظها بالطبع !! وكيف ستفعل وهي لم تري وجهه إلي الآن !

(ارفعي وشك وألا هرفعهولك أنا )

قالها بجدية زائفة آملاً أن تنفذ طلبه ، وأتته الإجابة أسرع ما يمكن .. فقد رفعت رأسها فوراً بعد أن دوت تلك الكلمة الأخيرة في أذنها "هرفعهولك " ..هي لاتريد اقحام نفسها في ذلك أبداً .

وقعت عينيها في أسر عينيه التي تنظر لها بعشق يشع منه ، أهي تري تلك النظرة في عينيه حقاً أم أنها تتوهم ؟! ، وبدأ عقلها فوراً بطرح الأسئلة .. منذ متي وهو ينظر تلك النظرة ؟! وإذا كانت منذ فترة فلم لم تلحظها ؟!

فزعت وهو يهزها من كتفها برفق

(إيه يا ست الحُسن روحتي فين وسرحانة في إيه كده؟)

لم تخجل تلك المرة ،وإنما كانت مشغولة بذلك اللقب والذي وقع علي أذنها العطشة علي هيئة أمطار غزيرة
سقت ذلك العشق .

(ست الحُسن ؟!)

قالتها بابتسامة متسعة تخالف تلك الهيئة الخجلة التي تلبستها منذ دخولها الغرفة والتي لم تتركها إلا الآن .

(أيوة ست الحُسن ، عندك شك في كده ؟!)

قالها بحب وتعجب لتحولها المفاجيء ، وفتحت فمها لترد عليه ولكن أوقفها صوت أمها الضاحك

(إيه يا حُسن الوقفة عندك عجبتك ولا إيه ؟!)

ارتبكت بشدة وسحبت يدها غصباً من يده ، وهو يجاهد لكي لاتخرج ضحكاته فتفضح كليهما ، بينما ازدردت ريقها وهي تردف بتوتر

(لا يا ماما مفيش ده بس بيسألني عالمدرسة )

(مدرسة إيه ها ؟!)

قالها بخوفت خبيث حتي لايسمع أحد سواهما فـاارتبكت أكثر واستأذنت للخروج فارّة وكأنها تهرب من شبح مخيف ولاحقتها ضحكات أمها وخالتها بينما كان ياسر منشغلاً بلعب إحدي الألعاب علي الهاتف .

---------

استندت بيديها الاثنتين علي الرخامة الخشبية وهي تلهث من فرط التوتر والحرج وخرجت كلماتها تخاطب قلبها بعد أن سحبت يدها ووضعتها عليه

(خلاص اهدي بقي كل حاجة خلصت ، انت لو فضلت تدق بالطريقة دي كل ما تشوفه هتقف ، وبعدين ايه اللي هو عمله ده وإيه سر المعاملة دي ؟؟ ،معقولة أكون اتحررت من جملة أهواك بلا أمل؟!، )

حركت رأسها بعنف رافضة.. فمن المستحيل أنه يلاطفها ..إنه فقط يراها ابنة خالته

(مستحيل يكون اللي في بالي ومش بين يوم وليلة يعني مهو كان مش معبرني قبل كده وكأني حبيت حلوف لا يبالي ، بس يمكن عادي بيعتبرني اخته فعلا )

(يارب ريح قلبي يارب ، أنا ازاي هدخلهم تاني محرجة أوي)

قالتها بتنهيدة وهي تأخد صينية الطعام ووضعت عليها عدة أصناف وعادت مرة أخري بعد أن زال حرجها واستجمعت نفسها .. بشعور آخر ..غير الذي دخلت به قبلاً .

----------

فاقت من ذكرياتها وهي تتنهد بألم ، وتحدث عقلها بكلمات أفقدتها البقية الباقية من حبها له كما اعتقدت ولكن هل تتخلص منه حقاً؟ ، هل تنساه لمجرد خطأ أحدث جرحاً غائراً لا يلتئم داخل قلبها ؟؟...هل تنساه!.

(مش قولتلك ما تصدقيش النظرات والكلمات دي ؟! ،أديه أهو غايب بقاله سنة ..سنة كاملة وشهر كمان ماعبركيش ولا حتي حب يسمع صوتك ،وإنتي زي الهبلة لسه بتدخلي تشوفي صورة وتتابعي منشوراته وهو مش معبرك أصلا ولا هيعبرك ،طول عمرك هبلة وعبيطة ومش هتخلي عندك كرامة أبداً)

كانت تريد الصراخ علي عقلها لكي لا يذكرها بتلك الحماقات فيزيد ألمها، ولكنها لم تفعل شيئاً سوي إغمضاض عينيها بأسي وهي ترجوا أن تُمحي تلك الذكري مع غيرها من الذكريات والتي تتذكرها دائماً كأنها حدثت بالأمس ، ونفضت رأسها كأنها تفرغ عقلها من أي شيء آخر سوي ذلك العرس ..ولكن هل يفرغ قلبها ؟ ، ومدت يدها تلتقط حذائها ذو الكعب العالي وهي تنظر له بحيرة ..أترتديه أم لا ؟! ،ولكنها حسمت أمرها وارتدته سريعاً حتي لا تأتي أمها لتوبخها لتأخرها، ووقفت تطالع هيئتها الخاطفة للأنفاس مبتسمة برضا ، وخرجت من باب المنزل تنوي الاسترخاء والقضاء علي كل مايعيق متعتها .

------------------

نظر محسن في ساعة يده بتأفف ..تباً ألا تتحرك تلك العقارب !! ، رغم أنه لم يمضِ نصف ساعة علي تواجده في هذا المقهي المطل علي البحر إلا أنه يشعر بطول تلك المدة وثقلها ..ثقلها الشديد علي قلبه فلا يكاد يستطيع استنشاق الهواء ، منعته مؤرقات عقله ونومه من الإستمتاع بذلك المنظر والاستماع لصوت الأمواج .ولكن ماسمعه صوت كعب عالي آتٍ من خلفه يدق الأرضية المصقولة بانتظام محدثاً صوتاً يجعله يود لو يكسر ذلك الكعب علي رأس صاحبته ، وقفزت أمام عينيه صورته وهو يفعل ذلك ولكنه خرج من تخيلاته علي صوتها الناعم يقول وهي تهم بالجلوس

(إيه يا محسن سرحان في إيه ؟ ، وليه طلبتني الوقتي مع إني مشغولة أووي وأنت عارف بس اديني جيت عشان خاطرك )

قالت الأخيرة بابتسامة...ومدت يدها من علي الطاولة تتلمس يده ولكنه أبعدها فوراً إلي الجهة الإخري وكأنه يخشي لمستها !! وكانت تلك ردة الفعل الوحيدة لوجودها !

تقلصت عضلات وجهها حيرةً وضمت حاجبيها بغرابة ، ما به !!

(إحسان أنا نازل مصر ...)

قالها بجفاء وعينيه معلقه بذلك الطبق الذي يحوي طعام بارد ويديه مشبوكتان ببعضهما وكأنه يستجمع قوته ، وهي لم تنبس ببنت شفة ، بل أطبقت شفتاها فوق بعضهما اوأخذت نفساً عميقاً ..لاتريد الثورة عليه وإفساد كل شيء ..فحتماً كان سيقول ذلك يوماً، ولكنه أكمل غير آبه بما تعانيه الآن

(راجع لمراتي وبنتي ).

***
***
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:36 pm

💜💜💜

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:36 pm

I love youI love youI love youI love you💜

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:51 pm

(دروب الغفران شائكة)

(الفصل الثاني)



"وهل يحق لك طلب الغفران علي ذنب لم أعرفه حتي الآن !!.

---------

خرجت حُسن من المنزل،ومع أولي خطواتها في هذا الطريق الطويل ، المنيرة جوانبة بإضائة عالية تشق ظلمة الليل ، وصوت الموسيقي البعيد الذي يصل إلي أذنها خافتاً لشدة ابتعاده ،وتلك المقاعد المتراصة علي الجانبين ، مما أعطاه منظراً بديعاً لائق تماماً كعرس لابن عمتها الثري والذي لم يمكث في مصر إلا القليل وأقام عرسه بعد عودته من إحدي الدول الأجنبية مباشرةً.

شعرت بانتشاء يغزو روحها وابتسامة كبيرة تشق طريقها لثغرها الوردي ،وشعرها المتطاير خلفها بفعل نسمات الهواء الباردة بعشوائية تسر الناظرين ، فها هي تنهي امتحانات مشوار الألف ميل (الثانوية العامة ) بهذا العرس والذي جاء مفاجئة علي الجميع..وخاصةً عمتها التي كانت تدبر له زواجاً آخر ، ثم فجأة تذكرت صبا وكيف سيكون حالها !!فقامت بالاستعداد علي أكمل وجه ، كانت تعتقد أنها حينما تنتهي ستظل ماكثة في البيت إلي أن تظهر النتيجة ،تترقب وتترقب في خوف ، ولكنها الآن فرحة وسعيدة بهذا اليوم ، وجعلها ذلك الجو الرائع تنسي تلك الذكريات التي ترهقها .

وعندما وصلت إلي حيث تجمع الناس ، بدأ الصوت العالي يضايق أذنها وأحست بقدميها تؤلمانها فخلت حذائها ذو الكعب العالي وأمسكته بيدها ..وسارت حافية القدمين تبتسم بسعادة لكل من يقع نظرها عليه ، بالطبع هي ليست بالمجنونة !،وإنما فقط استعادت روحها المرحة والتي كانت قد فقدتها مؤقتاً بفعل ضغط الدراسة الشديد الذي وقع علي عاتقها ..بالإضافة إلي الضغط الذي تسببه لنفسها بعدم إخراجه من عقلها !

حاولت الدخول بين جموع الناس لكي تري ابن عمتها المنشود والذي لم تره قبلاً وهو كبير إلا مرات قليلة ولكنها قد عاصرت صباه عندما كانت صغير ، فوقفت علي أطراف أصابعها وهي تحرك رأسها بحذر فوقع نظرها عليه ، ثم حولت بصرها لتلك الجالسة بجوارة وهي تصفق بسعادة ..إو لا يحق لها القليل منها؟!، فقد كانت زوجة ابن عمتها جميلة بدرجة كبيرة ، عيون زرقاء وشعر أشقر وجسد ممشوق ...أجنبية كما سمعتهم يقولون .

قررت التقدم لكي تبارك لهم وهي بالكاد استطاعت السير بين كل أولئك الناس ، وعندما خطت أول خطوة لها علي خشبة المسرح العالي كادت تتعثر ولكنها استعادت توازنها بسرعة ،ولعنت ابن عمتها آلاف المرات علي إقامته العرس في هذا المكان ، ثم استمرت في السير إلي أن وصلت و أصبحت أمامهما مباشرة وهما يناظرانها بتعجب واستفسار .

أخذت تطالع هيئتة الرجولية بابتسامة وهي تحاول تذكر ملامح وجهه ..فهي لم تره منذ كانت صغيرة ،ثم نظفت حلقها وجاهدت لكي يخرج صوتها رقيقاً ووضعت حذائها أرضاً وهي تقول مادّة كفها إليه

(ألف مبروك يا أحمد ، وحمد لله عالسلامة ،أتمنالك السعادة من كل قلبي )

قبض علي كفها بهدوء ورتابة وهو لا يعلم من هي وقبل أن يسألها اندفعت محتضنة زوجتة (روز) وكأنها تعرفها منذ زمن وقالت بمرح

(إنتي بقي الأجنبية الحلوة اللي أكلتي عقل الولد ؟ ، والله ليه حق يتجوزك بعد ماينزل بيومين )

ضحك أحمد بسرور بعد مزحتها والتي لم تعي روز منها إلا كلمات قليلة قد علمها اياها أحمد ، وأخفضت رأسها خجلة وتوردت وجنتاها فاندفعت تقول

(إيه يا بنتي هنبدأها كسوف كده ؟! ، لا شوفي إحنا ما بنحبش النوع ده ، عاوزينك تفرفشي وتهيصي كده وتاخدي وتدي معانا )

ضيقت روز عينيها بغرابة ولم تستوعب كلمة من ما قالته ،ولكنها ضحكت بعد سماعها ضحكات أحمد فـ أدركت أنها ألقت دعابة .

(ماقولتليش ...إنتي مين بقي ؟!)

سألها أحمد باستفسار بعد أن هدأت ضحكاته ، فانتقلت من أمام روز ووقفت أمامه واخفضت نظرها أرضاً وهي تصطنع الحزن

(عندك حق ما تعرفنيش ، ما انت عايش بقالك اشي وشويات في فرنسا هتعرفني ازاي ، عموما ياسيدي أنا حُسن بنت خالك )

ابتسم أحمد وظهرت أمارات السرور عليه بعد سماع اسمها وقال

(أهلاً أهلاً يا حُسن ماكنتش أتوقع كده أبداً، كبرتي وبقيتي عروسة)

ابتسمت بخجل حقيقي وضحكت ضحكة صافية تواري بها خجلها ،فهي كما يقول الجميع ،أصبحت ست الحُسن.

(ربنا يكرمك يارب ويرزقكوا السعادة وألف ألف مبروك )

وبينما رزو تسأله عن معني ماقالته بعد أن رد تهنئتها لها ، أحنت حُسن جذعها والتقطت حذائها وهي تعود أدراجها وتنزل من المسرح .

بينما في ذلك الركن المظلم ، كان ياسين يقبع فيه بعيداً عن الحضور وهذه التجمعات التي تضايقه ، فهو يُضطر في مثل تلك المناسبات إلي توزيع البسمات بحماقة علي الجميع ، وقد يصل به الأمر إلي تقبيل شخص يكرهه بدافع وجودهم في عرس!! .

أخذ ينقل نظره بين الجميع علّه يجدها ..فهو عرس ابن عمتها وليس من المعقول ألا تحضر ، تنهد بخفوت وهو يتذكر ملامح وجهها ، وبينما هو يفعل ذلك وقع نظره علي حُسن والتي كانت في طريقها للنزول من علي خشبة المسرح ، توقفت أنفاسه لحظة وهو يتطلع إليها ببهوت غير مصدق أنها هي ! ،فرك عينيه بكفه بسرعة وهو يدعو أن يكون تخيلاً ولكن خابت ظنونه ! ، أهذه حسن ذات الجدائل الطويلة والجسد الطفولي ؟! ، هز رأسه يطرد صورتها القديمة من مخيلته وهو يطالعها بشغف ليحفر هيئتها في مخيلته، شعر كستنائي اللون بفعل صبغتها التي وضعتها لتكتسب مظهراً جديداً، زينة وجه خفيفة أعطتها مظهراً شبه طبيعي جذاب ،وأحمر شفاه وردي .

نزلت عيناه ببطيء إلي فستانها أسود اللون ،والواصل إلي ركبتها بالمليمتر ، وذلك الحذاء الأسود ذو الكعب العالي الذي تمسكه بيدها كالمتسولات !!

لقد اكتملت فتاته وأصبحت أنثي فائقة الجمال ..إنها حقاً حُسن .

أقسم علي غبائه ، فهو منذ سنة كان يراها مجرد طفلة لا تعي شيئاً رغم أنها كانت بالصف الثاني الثانوي وبالرغم من ذلك كان معجباً، فهي وُشمت باسمه ولن تكون سوي له ،إذن فما الذي يراه الآن ؟؟

حوّل نظره إلي الجهة الأخري وهو يزفر بضيق محاولاً إلهاء نفسه عنها ، فا هي عادت مرة أخري ولكن بشكل آخر يفقده صوابه ، أم أنه هو الذي عاد؟
، أجل فقد عاصر جميع مراحل حياتها ،طفلة وصبية وشابة يافعة الآن، يراها تنضج أمام عينيه كثمرة تفاح شهية لا تصلح لشيء سوي الأكل ، وعد غابت عن نظره عام كامل فهو قد انتقل إلي محافظة أخري .

قطع أفكاره مرورها من أمامه ولكنها لم تره فهو يقف في الظلام ، لم يعطي لعقله الفرصة ليفكر وانما اندفع جاذباً إياها من ذراعها ودفعها بسرعة ورفق إلي الخلف فأصبح ظهرها ملامساً للحائط .

لم يصدر عنها أي ردة فعل صوت لهاثها العالي ، فهي رغم شجاعتها وجرأتها تتسم بالتعقل في مثل تلك المواقف ، ورفعت رأسها تنظر بتساؤل وترقب لذلك الذي لم تري منه إلا عينيه بفعل بقايا ضوء قادم من بعيد ، انتابها الفضول لتعرف لماذا هي هنا ومن هذا الذي يأسرها؟! ، بينما كان هو مشدوه بكتلة الفتنة التي أمامه ، انحبس الهواء في رئتيه وجاهد لالتقاط أنفاسه وسحب يديه ببطيء من علي ذراعها وحاول أن يلملم شتات نفسه ،ولكن قبل أن تهم بسؤاله عن هويته قاطعها صوت تعرفه جيداً..لا عفواً بل تحفظه يقول بثبات

( راح فين لسانك الطويل يا أم ضفيرة؟!)

دوّت دقات قلبها بين أضلعها حتي أحست أنه يسمعها وارتفع صوت تنفسها ولم تقدر علي الحديث ، فقط تحتاج وقتاً لاستيعاب ما هي به الآن .

وعندما لم يجد رداً منها سوي صوت أنفاسها ابتسم ابتسامة خبيثة وحمداً لله أنها لاتراه ..إذن فقد عرفته ،فتأثيره عليها مازال كما هو ،فـ بالرغم من سلاطة لسانها إلا أنها كانت لا تقدر علي قول شيء في حضرته ، أو حتي تعنيفه كما كانت تفعل مع الجميع .
جاهد لكي يخرج صوته ثابتاً رغم مايجيش بصدره من مشاعر متضاربة وقال

(ألن أحظي يوماً بوابل من السباب الذي تلقينه علي الجميع ماعداي يا ست الحُسن؟!)

خفق قلبها أكثر وأكثر عند سماع ذلك اللقب منه ،بالرغم من أنه ربما يناديها أحد آخر به ..ألا أنها لا تشعر به من سواه ، وأدركت حينها أن ما تعيشه حقيقة وليس من نسج خيالها المشتاق .

وضعت يدها علي قلبها تحاول الثبات ، وبدر إلي ذهنها ذكرياتها الأخيرة معه ..رحيله دون توديعها ..سماع نبأ خطبته من أمها والتي نفت الخبر بعد ذلك ، كانت كل هذه الأسباب كفيلة بأن تجعلها تقف أمامه بثبات تواجهه ..وربما تعاتبه علي كل تلك الأخطاء التي ارتكبها في حقها .

خرج صوتها بارداً وهي تنوي رد الصاع صاعين ، وتجله يندم علي كل تلك الأيام التي اشتاقت له فيها ولم يطلب هو مكالمتها حتي عندما كان يطمئن علي أمها

(في الأول كده عشان نكون علي نور أنا مش أم ضفيرة ، وحضرتك زي ماشايفني الوقتي ألف مين يتمناني )

قالتها وهي تشير بيدها إلي نفسها ،ود في تلك اللحظة لو كان المكان مضيء ليراها عن قرب ويشبع نظره منها ،ولكنه لم يكن متعجباً من البرود الذي غلفت به صوتها وقال بمرح

(الظاهر إني عملت غلطات كتييير أوي للدرجة اللي تخلي ست الحسن مش طايقاني كده )

ضمت ذراعيها أمام صدرها وهي تعطيه جانب وجهها وتقول بنبرة مبطنة بالدلال

( والله كل واحد أدري بنفسه)

لم يحتمل كل ذلك الحديث الذي لا يري فيه وجهها ،فأخرج هاتفه من جيبه بعدوء وأضاء مصباحة ووضعه أرضاً فـ انعكست الإضاءة علي كليهما بشكل جذاب .

أخيراً وضحت له الرؤية ، ولكن كلا هي أخفضت رأسها أرضاً ،ملامحها التي إزدادت إشراقاً تجعل قلبه يخفق ،كان يمرر عينيه علي كل إنش بوجهها يحاول إقناع نفسه أن حُسنه ما ازدادت إلا حُسناً.

بالرغم من ذلك الحريق الذي ينهش بصدرها إلا أنها اشتاقته ،فرفعت وجهها ببطيء وأخيراً وقعت عينها علي عينيه فأنزلتها خجلاً فوراً وصاحبتها تلك الإبتسامة التي لم يرها منذ زمن .

تحدث وتأثيرها ما زال قائماً عليه

(أيوة اضحكي خلي الشمس تطلع ، ولو إنها مش ضحكة أوي بس أنا راضي بقليلي )

أخفضت رأسها أكثر وأكثر حتي التصقت ذقنها برقبتها ،فضحك مجلجلاً وهو يردف

(إيه يا بنتي كل الكسوف ده رقبتك كده هتتقطع ، للدجة دي غيبتي عملت كل ده؟!)

بعد أن كانت قد تناست هذا الأمر ولو مؤقتاً وتناست كل غضبها منه ..وتلك الكلمات التي ظلت تحفظها عدة شهور لكي تلقيها في وجهه عندما تراه ، وكأنه ألقي عليها تعويذة أنستها كل الأيام التي بكت فيها بسببه !! وجعلتها تفترس في ملامحه باشتياق ،رفعت رأسها فوراً وعينيها تشتعل كجمرتين متقدتين تشعان ناراً مشتعلة كاشتعال قلبها الخائن وأردفت بسخرية وهي تشير إليه

(انت عارف كويس ان غييتك مش فارقه ، فما تحاولش ترسم في دماغك حاجة غير كده )

لم يؤثر كلامها به ، فهو يدرك جيداً بأن قطته أصبحت تخدش وقررت معاقبته ، فقال بخبث

(أومال مالك عاملة زي الكتكوت المبلول ليه كده ؟؟)

فتحت فمها لترد ولكن الحروف فرّت من علي لسانها ،ورفهت سبابتها في وجه قاصدةً تعنيفه فلم تقدر ،وأغلقت فمها مرة أخري وهي تشعر بالحرج

بينما هو كان يبتسم ببلاهة ، لايدري ماذا فعلت به هذه الفتاة ، وقال بصوت ضاحك

(ها فيه ايه؟؟ ، الصراحة كنت خايف من صباعك اللي رفعتيه ده بس الحمد لله ماكملتيش تهورك ونزلتيه تاني )

كادت تبتسم ولكنها أمسكت نفسها غصباً وأكمل هو بمشاكسة

(شوفتها علي فكرة ، طلعي الضحكة دي بقي وحني عليا )

أدارت وجهها الناحية الأخري لكي لا يلمح ابتسامتها ، ولكنه أشار لفمها باصبعه وهو يقول

(شوفتي الحلاوة دي ، انتي اتخلقتي عشان تضحكي )

استمرت الابتسامة بالاتساع رويداً رويداً حتي تحولت إلي ضحكات متفرقة ،وشاركها هو الضحك بسعادة ثم توقفا معاً.

حاولت رد كرامتها المهدرة فأردفت بغيظ

(‏مش معني إن في حاجات وحشاني أبقي عايزاها ترجع، في حاجات إنتهت بالنسبالي بس لسه سايبه أثر مش هيتمحي بين يوم وليله ولا هيتنسي بسهوله، لكن رجوعها تاني في حياتي قصه وإنتهت)

بعد قولها أدركت الآن إنها قامت بدعس كرامتها وليس ردها وحاولت تصحيح هذه الأخطاء لكنه سبقها وقال

(يعني أنا فارق معاكي أهو أومال ايه بقي؟ ،ومعني كلامك ده اني كنت في حياتك!)

رفع يديه فجأه وكور وجهها بين يديه ، وسلط نظره علي عينيها وهو يردف بصوت أجش وهي مستسلمة
تماماً لم تبدِ أي ردة فعل سوي اهتزاز حدقتاها توتراً

(كلمة واحدة بس منك هتغير كل حاجة ، مسمحاني ؟!)

لم تستطع مقاومة سيل عاطفته الفياض ، وسلطت نظرها عليه هي الأخري وأردفت بتلاعب

(أسامحك علي إيه؟!...)

وقبل أن يتكلم فرت من أمامه بسرعة ،وضرب هو الحائط بيده .. وهو ينظر إلي طيفها. فيبدو أن طريقه معها سيطول وكثيراً وليس كما توقع !.

----------------------------

جلست حُسن علي أولي درجات سلم بيت العائلة وهي تلهث بعد أن ركضت مسافة كافية أرهقتها بدنياً ونفسياً ..فهي لم تتوقف ثانية عن التفكير به ، ..أو كان سيلحق بها !!، ، ما الذي أتي به ؟

(يا تري هو جه ليه ؟ ، عارف اني في الفرح؟، وجه يبوظ عليا فرحتي!! بصراحة مع ان فرحتي زادت بس وجوده مربك واللي عمله مش سهل ، ولا يكون جاي مجاملة لأمي ؟،وهو هنا من امتي ؟)

لم ينتظر عقلها حتي لتأخذ نَفَسها ..بل سارع يطرح العديد والعديد من الأسئلة ..وكأنه يتعمد إرهاقها أكثر

بالرغم من اهتمامها الشديد به ،إلا أنها لم تعرف إلي أين غادر ولمَ ، فقد كانت تتجنب تلك الجلسات التي يذكرون فيه اسمه بالرغم من حضورها النادر لانشغالها بالدراسة ، ولم تسمح لنفسها بمعرفه سبب مغادرته ، فقد استيقظت صباح يومٍ مشرق وهي تمني نفسها بلقائه ..فألقت أمها عليها خبر رحيله والذي كان فاجعة بالنسبة لها، حتي وإن كان ذهب لكوكب آخر فهذا لا يمنعه من الاطمئنان عليها .

(ياتري هو شدني ليه ؟ عشان احلويت واتغيرت ؟ ولا أنا فعلا وحشته!!)

(لا بصراحة أنا مش عارفة ليه وماعدتش هفكر في كده ..بس اللي متأكده من كويس إني غلطت أوي لما اتساهلت معاه ،،ماكانش ينفع أبقي سهلة كده أبداً ،غبية غبية )

قالت الأخيرة وهي تمسح علي شعرها بتوتر ، ثم توقفت يدها فجأة في منتصف رأسها ورددت بخفوت

(شعري ..شعري )

(يمكن هو ده اللي عجبه ، مهو أكيد المنطقة الراقية اللي كان فيها كانت مليانة بنات بيعملوا شعرهم كده ، وبعدين مش هيسيبني سنة ويرجع هيمان فيا ..هو بس لسه معجب ..والله أعلم هيحبني ولا لأ!)

أغلقت عينيها وزحفت خلفاً حتي استندت علي الحائط، وسحبت قدميها الإثنتين ومدددتهما علي السلم ، وهي تلوم نفسها علي هذا التساهل ، وقد قررت أنها ستظهر الوجه الخشبي له ولن تهدر كرامتها ، ولكن قفزت ملامحه فجأه أمام عينيها،ابتسامته التي تهيم عشقاً بها ..كل شيء به يجعل قلبها يخفق ولا تنكر أنها طارت فوق السحاب لرؤياه .

فتحت عينيها علي وسعهما وهي تسب مخيلتها التي حفظت صورته الجديدة ..الخاطفة للأنفاس والتي انضمت لتلك الصور التي تحفظها عن ظهر قلب ...لتراه أمامها متي اشتاقته ،.أهكذا ستظهر له الوجه الخشبي !!!

(ده أنا شويه وهروح أحضنه ايه اللي بفكر فيه ده )!!

قالتها وهي تهم بالقيام من علي السلم وصعدت إلي المنزل ..وهي تدعوا أن تكون أقوي في مواجهة أمواج حبه والتي لاتدري إلي أين ستجرفها !.

-------------

أمام خشبة المسرح ، وبينما تشارك العديد من النسوة العروس في الرقص ، رفضت صفية الصعود معم رفضاً قاطعاً ،وفشلت محاولات زوجها عمر باقناعها فلجأ للعصبية وهو يقول

(يعني جيتي فرح ابن غصب عنك ، ومش راضيه تروحي تباركيله ولا تعملي حاجة ،كان لازمتها ايه تيجي يعني؟!)

لم يضهر علي صفية أي تعبيرات سوي البرود وأردفت بجمود

(قولتلك مية مرة مليش دعوة بابنك ولا بمراته دي ، طالما جابها غصب عني خليه يتحمل بقي )

انفعل عمر أكثر من السابق ،ورد بصوت مختنق اثر غضبه

(يتحمل إيه بس يا شيخة إنتي ؟! ، هو ده مش حقه برضه أنه يختار شريكة حياته ولا أنا بيتهيألي؟!،وهو اختار دي وخلصنا بقي)

نظرت إليه صفية بإنفعال مستنكرة حتي حقه في الاختيار وردت بتعالي

(لا المفروض كان يختار اللي أقوله عليها ،أنا عارفة كويس أنا بعمل إيه ،وأديني اخترت لأخوه وهي زي الفل معانا ،رايح يجبلنا واحدة لا بنفهمها ولا هي بتفهمنا!)

(آه طبعاً زي الفل ما انتِ مشغلاها خدامة )

قالها بتهكم ..ثم رفع سبابتة في وجهها وهو يقول بتحذير

(بس من هنا ورايح مش هسمحلك بحاجة من دي أبداً )

ثم سكت برهة و أضاف

(وبراحتك بقي ..إنتِ اللي اخترتي تسيبي ابنك في يوم هو محتاجك فيه )

ثم تركها كالاعصار غاضباً ساخطاً بعد وصلة التوبيخ تلك ،وذهب ليقف بجوار ولده ، بينما هي عادت إلي وضعيتها السابقة وكأن شيئاً لم يحدث!

-------------

ارتفع صوت عليّ غضباً علي زوجته أسماء والماثلة أمامه ولا تعطيه أي اهتمام وتعبث بهاتفها ..وبجوارها ابنتها صبا والتي لا تستطيع استشفاف أي تعبير من ملامح وجهها.

تحركت أسماء من أمامه وجلست علي أحد المقاعد ووضعت هاتفها جانباً وهي تقول بسخط مشيرة إلي نفسها

(بقي عايزني أنا أسماء أروح فرح ابن أختك اللي رفض يتجوز بنتي عشان حتة عروسة لعبة !!)

مسح علي خصلات شعره بنفاذ صبر وأردف

(هو مش حابب يتجوز بنتك وعايز التانية نقوله لا ؟ وبعدين افتكري أن أمه اللي طلبت ايد سهي وهو كان مايعرفش )

ردت ببردوة الجليد

(لا هو كان مجبر يسمع كلام أمه وماينزلش كلمتها الأرض )

أدار علي وجهه الناحية الأخري وهو يتحرك باتجاه الباب . لايريد ارتكاب جريمة الآن، ومازال غير مصدق للكلمات التي تقولها زوجته المتعلمة كأنها سهام مسمومة ، وقال وهو يهم بالخروج

(لا هو مش مجبر ،الأولي إن أمه كانت تستشيره الأول قبل ما تاخد أي خطوة ،وعلي الرغم من إنها بنتك ..إلا إني بقف جنب الصح دايماً ، أنا رايح الفرح ولو غيرتي رأيك أهلاً وسهلاً)

وخرج آسفاً علي ما آلت إليه أحوال تلك العائلة المفككة ، وهي يكاد يختنق من موجوده كالمنبوذ بينهم ..لذلك الذنب ...، وترك خلفه أسماء التي وصل غضبها عنان السماء

أدارت أسماء وجهها لصبا والتي لازالت علي حالتها من الجمود وهي تكاد تنفجر غيظاً

(شوفتي يا صبا ؟؟ ،وبعدين هنروح نعمل إيه وهتوري وشك لابن عمتك إزاي بعد مارفضك ؟)

قالت صبا باختصار وعصبية محاولة لانهاء ذلك الحوار الذي يجعلها تشعر بالاختناق وكأن أحد يمسك برقبتهاولا يريد تركها وتريد قول أنا أختنق ولكن لا تستطيع!! ..كما تمسك أمها بمستقبلها وتتحكم به

(بابا عنده حق يا ماما ،وأنا ما ارضاش أفرض نفسي علي حد بالطريقة دي ، واعتقد دي مش حاجة تزعلك يعني ، وبعدين ما أعرفش انتِ متمسكة بيه ليه كده ؟ ولا علشان راجع من سفر وهيوفر لبنتك حياة كريمة ؟؟..لو كان كده فا أنا مش عاوزة حياة كريمة ولا نيلة أنا بس عاوزة أعيش سعيدة ، وأبوس رجلك نفسي تاخدي رأيي وتشوفي أنا عاوزة ايه)

تجمعت الدموع بعينيها ومدت إبهامها تمسحها ،وأخذت نفساً عميقاً تهدي به من روعها وأكملت باختناق

(مش كافية عرضتيني للرفض من كذا شخص كذا مرة ،مش كفاية إني ماشية بين الناس وأنا عندي 27ولسه ما اتجوزتش ، وكل اللي يشوفني يقولي مش هنفرح بيكي بقي؟!، أنا مش عايزة أي حد والسلام ...سبعة وعشرين سنة قاعدة هنا ماحدش فكر يدق بابنا غير اللي حضرتك عرضتي عليهم من أولاد صاحباتك ..ليه بقي نفسي أفهم ليه بيحصل معايا كده واللي قدي عندهم عيال!!)

أمالت أسماء رأسها قليلاً معطية إياها جانب وجهها وأردفت بسخط

(ما انتِ لو بتهتمي بنفسك ، وبتروحي كوافيرات وتحطي ميك أب ..لكن نقول إيه)

أغمضت صبا عينيها تستدعي هدوئها ..أمها لن تفهم يوماً مايقره باقي البشر ..أو نسبة منهم ربما ، لايعني تخطيها حاجز الخامسة والعشرون أنها أصبحت عانس!! ولم يعد لها فائدة ! ، فتحت عينيها مرة أخري وقالت بانفعال طغي علي هدوئها

(هي دي مقومات الجواز عند حضرتك ؟ الميك اب واللبس ؟؟ والكوافيرات وأغير لون شعري وألعب في بشرتي وأبوظها عشان واحد يجي يخطبني ويتخدع فيا ؟ ،الظاهر إن حضرتك ماسمعتيش عن حاجة اسمها حب الروح ،، صحيح ربنا مارزقنيش جمال الوش بس أنا قلبي صافي ونضيف ،ومش هقبل إني أخدع حد أبداً... ثم وقفت تلتقط أنفاسها وأكملت ..هفضل مستنية لحد ما ألاقي الشخص المناسب ..حتي لو هستني لحد مايبقي عندي أربعين سنة)

أثناء كل ذلك الكلام التي أخرجته صبا من فمها فانزاح حمل من علي قلبها ..لم تكن أسماء معطية بالاً لما تقول بل موقنة بشدة أنها تراهات لا يجب أن تستمع إليها ،ولكن اعتقدت لوهلة أن ابنتها أصابها مس ما ،فهي لم تكن تتمرد عليها يوماً فما الذي حدث الآن ، ولم تعلم بأن ذلك الكبت يولد شخصية غير متزنة لا تستطيع تحديد ما تريده ،حركت رأسها رافضة وتمتمت

(طب خلي جمال القلب ينفعك، وابقي قابلني لو حد عبرك وبص في خلقتك ياسودة )

ارتعش بدن صبا كاملاً وهي تستمع إلي كلمة أمها الأخيرة ..(سودة )، تلك الكلمة التي اشتهرت بها في العائلة لسمار بشرتها ولم تكن تعطي لهم بالاً ..ولكن الآن ، الوضع أصبح مختلفاً فقد ربطوا بين عزوفها عن الزواج وبين سمارها ..وهو ما يجعلها تشعر بالنبذ والوحدة ، حتي أمها تقولها دون أدني إحساس بما تفعله هذة الكلمة بها !، لم ترد الرد عليها حتي لا تنسكب دموعها مرة أخري والتي جفت تواً ولكن ليس تماماً وبقي أثرها ..ياتري هل ستتحرر من هذا الجحيم يوماً؟!، ثم أعطي عقلها الإشارة لجسدها بالتحرك وخرجت من الباب قاصدة العرس رغم اعتراضات والدتها الرافضة .

ومازاد ذلك التصرف أسماء إلا حنقاً وغضباً وتمتمت بعد أن اختفت صبا من مرأي بصرها

(هتفضلي عبيطة كده طول عمرك ، زي أبوكي اللي ماشفتوش من سنين)!!!!!

---------------

بدأ جموع الناس بالنصراف ، وقام العروسان يقصدان عش الزوجية والذي كان آخر دور بعمارة العائلة ،وهما يسمعان المباركات من الجميع ، حتي وصلا إلي البيت وأُغلق عليهما بابٌ واحد .

بينما كانت صفية مكفهرة الوجه وكأنه عزاء ابنها وليس عُرسه ، وعندما لمحت عمر قد أتي بعد توصيل العروسين نادته بحده

(عمر ، أنا طالعة أتطمن علي ابني )

تقدم ووصل حيث كانت ورفع حاجبه بسخرية مردفاً

(والله الوقتي بقي ابنك !! ومن شوية لما كان محتاجك جنبه !! ونظراته ليكي زي مايكون بيقولك انتِ إزاي قادرة تعملي كده؟ )

لم تبدِ أي ردة فعل سوي أنها تخطته متجهة لباب المنزل ، فتحدث وهو معطي ظهره لها

(والله والله والله العظيم تلاتة يا صفية لو طلعتي ماعدتي داخلة البيت ده تاني )

غلت الدماء في عروقها بعد سماع كلماتة الحانقة ، وهرولت للداخل وهي تسب وتلعن حظها وهو ، بينما هو اتجه للخارج هائم علي وجهه ..لعله يهدأ قليلاً!!

--------------

بعد انتهاء العُرس اتجه ياسين لبيت خالته ليُسلم عليها بعد غيبته الطويلة أم لأنه اشتاقها!! ،والأرجح بأنه كان ذاهب لكي يراها مرة أخيرة قبل ذهابه ويسلم علي خالته أيضاً ..ولكن رغبته الأولي كانت هي ..وكلما اختفت ابتسامتة حل محلها أخري حتي وصلت لضحكات ، فهو لا يصدق أن هذه حُسن ، أهي فعلاً أم أنه يتوهم !!.

هو لايدري لم لم يلحقها ؟! ، لم لم يخبئها بين أحضانه حتي لا يراها أحد غيره ، وعند تلك النقطة نسج عقله خيالات أفقدته صوابه ..أرآها غيره هكذا ؟؟ .

أغمض عينيه بقوة وكأنه يجاهد لمسح تلك الصورة ، ولكنه تذكر شعرها الجذاب وبالرغم من لونه الرائع إلا أنه يفضل شعرها أسود كما السابق ، وأخذ بعين اعتباره أن يمنعها من تلك الملابس التي تظهرها كعروس الباربي الشهيرة .

ثم تذكر بُعده عنها ،
وبادر بسؤال نفسه العديد من المرات ..ما الذي استفاده من تلك الغيبة ؟؟ بالطبع لاشيء يفرحها ..بل سيحطم قلبها إلي أشلاء .

حدث نفسه بتهكم بعد ان تغيرت حالتة بشكل غير طبيعي من شخص وصلت فرحته إلي السحاب ..إلي شخص نادم

(كان لازمتي إيه أبعد ، والله مازادني البعد حاجة ..نقصني وأخد مني ، ورجعت بذنب تاني عمرها ما هتغفرهولي أبداً ،ذنب مش عارف أنا ارتكبته إزاي ..إزاي قدرت أعمل كده وأنا عارف إن فيه واحدة هنا مستنياني )

انتهت كلماته بتنهيدة طويلة مع وصوله أمام باب عمارة العائلة لكبيرة المكونة من خمس طوابق ..الأول لجدتها والثاني لها ، والثالث لعمتها والرابع لعمها عمر ، والخامس للعروسين ،واتجه ليُسلم علي جدتها (أم والدها) في طريقه ، وصعد السلالم العارية من أي بلاط والتي تنم عن قدم ذلك المبني ، وذلك الطلاء الباهت والتي تشققت بعض جوانبه صعدبخفة وقلبه يدق ..أتكون قد بدلت ملابسها ؟، لا فهو يريد إمتاع عينيه بها مرة أخري ، وعندما صار أمام باب منزلها الخشبي طرقه بخفه ففتحت له خالته .

اتسعت عينيها فرحةً وهي تري ابن اختها الغائب أمامها ،وأصدرت شهقة مفاجئة واندفعت له تحتضنه باشتياق

(إزيك يا خالتي عاملة إيه ،وحشتيني جداً والله )

خرجت حروفة حنونة مشتاقة وهو مُندس بين أحضانها فإبتعدت عنه وهي تطالع وجهه باشتياق وسحبته خلفها إلي إحدي الأرائك

(كويسة والله بخير يابني الحمد لله ، المهم انت عامل إيه وجيت امتي ؟؟ ومامتك فين ؟)

ضحك ملء شدقتيه وأرجع رأسه إلي الخلف، ولم يدرِ بتلك التي تراقبه من خلف الستائر وقلبها يخفق لسماع ضحكته التي تعيد لها روحها ..ومرأي وجهه الوسيم الذي تنم كل ذرة فيه عن الرجولة ، وقد تناست تمامًا وعدها الذي قطعته منذ دقائق لنفسها ، ربما ستعامله بجفاء ولكن لا مانع أبداً من تأمله ..هكذا طمأنت نفسها ،بينما أردف هو بصوت متقطع اثر الضحك

(بالراحة عليا ياخالتو أنا لسه داخل أهو وهرتيني أسئلة )

ضربته علي كتفه بمزاح وهي تقول

(بس يا ولد جاوب علي كل سؤال لواحده ده انت واحشني أوي، بس الأول .. حُسن يا حُسن ..تعالي سلمي علي ياسين ابن خالتك جه أهو مفاجئة )

قالت الأخيرة بصوت واضح لكي تسمعها وهي تحاول مد رقبتها لتري موضع مكوثها فاستنتجت أنها ربما تكون في المطبخ لفراغ الغرف، بينما اضطربت حُسن فاهتز جسدها وتلك الستائر أيضاً والتي لاحظها ياسين فابتسم بخبث ..معذبته تراقبه إذن ،ثم مشت علي أطراف أصابعها إلي المطبخ كأنها لم تسمع شيء وهي تتمتم بغضب

(يعني كنت ناقصة يا ماما تندهي عليا يعني ،ده أنا فيا اللي مكفيني وكفاية إني من بعيد بموت عليه أومال لما يقرب هعمل إيه !)

ضمت أمها حاجبيها بغرابة متعجبة من عدم سماعها لها وكادت تقوم من مجلسها ولكن يد ياسين أوقفتها

(خليكي يا خالتي هروح أندهلها أنا وبالمرة أفاجئها )

الحقير ...يستغل كل فرصة وكأنها فرصته الأخيرة .

أومأت أمها وقد أشارت إليه أن يذهب إلي المطبخ وقامت للشرفة لتجمع الغسيل إلي حين عودتهما .

بينما في طريقه إلي المطبخ كان يحاول كبت ضحكاته بصعوبة بالغة ..فكيف سيكون وجهها حين تراه .

وصل إلي باب المطبخ وكان ظهرها مقابلاً له ، استند بجذعه علي حافة الباب وهو مكتف يديه أمام صدره مستمتعاً بهذا العرض المغري ،حدث نفسه لما لا يلهو قليلاً ..ثم سار ببطيء علي أطراف أصابعه حتي صار خلفها وهو يصعد ويهبط بعينيه بجنون ابتدائاً من شعرها وفستانها الذي لم تبدله بانبهار ، بينما كانت هي شديدة الإرتباك وتحرك يدها بعشوائية في الهواء وظهرها مقابلاً له ، وعقلها ينسج صورته أمامها لتزيدها ارتباكاً ، أتُراه رآها سهلة!! وأردفت متوجسة

(يارب بقي خرجني من اللي أنا فيه ..أكيد هتنده تاني وهضطر أطلع وأنا مش عايزه أبين له أنه وحشني أوي لأني مهما داريت هو هيفهمني من نظرات عيني الخاينة دي ، وقلبي اللي بيدق بسرعة أوي لما يكون موجود أو حتي لما أسمع اسمه بس ، بس لا أنا هديله الوش الخشب )

كل ذلك وياسين يستمع بانصات ..ألهذه الدرجة آلمها ..وسيظل !! ،أخرج زفرة حارة لم يستطع كبتها بداخلة فأحس بالمكان حوله يضيق عليه ،فالتفتت للخلف وقلبها يخفق بين أضلعها وياليتها لم تفعل..

تلك العيون المتسعة والتي تدل علي صدمتها الكبيرة ،ويدها المعلقة في الهواء وكأن خيوطاً وهمية ترفعها ، شفتيها المنفرجة قليلاً والتي أعطتها منظراً أشد إغرائاً مما سبق ..لوحة ..كانت لوحة مكتملة ، أما عن اضطرابها الداخي فـ حدث ولا حرج ، لم تستطع أن تحس ماذا شعرت في تلك الثواني المعدودة ، وكيف انتفض قلبها هلعاً ودق عقلها ناقوس الخطر وبالرغم من ذلك كانت تبدو ثابتة ..ثابتة بالنسبة لذلك الذي يحدث داخلها ولم يظهر إلا القليل منه ، فهي لم تكن تتوقع أن يأتي هو إلي هنا !!، وأخدت تبعثر أفكارها علها تجد طريقة ما للهروب ولكن كان ردة فعلها الوحيدة أنها ابتعدت بظهرها للخف حتي التصق ظهرها برخامة المطبخ ..وكأن كل تخيلاتها عن الهروب زالت باصطدامها بهذه الرخامة، وهي تفكر . .منذ متي وهو هنا ..أسمع ماقالته؟! تباً لغبائها ..وعند تلك النقطه أدركت أنها خاسرة لا محالة .

كل ذلك وهو يطالعها بنظرات شغوفة ، مازادتها صدمتها إلا جمالاً ، ويراقب حركاتها العفوية وردات فعلها المتوقعة بابتسامة عابثة ، أخذ يتقدم ويتقدم وذعرها يشد أكثر مع كل خطوة يخطوها ، بحثت بعينيها عن أي شيء تدافع به عن نفسها ..فنظراته الحميمة لها في ذلك الوقت كانت تدل علي أنه سيأكلها لا محالة وكأنها فاكهة لذيذة.

لم تجد شيئاً إلا عدة علب وُضع بها السكر والشاي وغيرهما ، فأمسكت برطماناً للفل الحار وفتحته وصوبته مائلاً ناحيته ..كأنه سيخاف !!!

لم يستطع ابتلاع ضحكاته والتي دوت في المكان وهو يراها ممسكة بعلبة الفلفل الحار تصوبها نحوه وكأنها بندقية ، ولكن نظرات عينيها الشرسة تلك كانت كفيلة بأن يقع صريعاً في حبها مرة أخري كما وقع قبلاً ، ولكن الفرق الوحيد أنه قبلاً وقع لنظراته الخجولة .

حاول تهتدئة روحه المشتعلة التي تطوق لقربها ،واسكات ضحكاته والتي أنهكت قلبه المرهق ، وتحدث بمرح مبطن بالغزل

(شكلك زي القمر وانتِ شرسة كده ..حلوة في كل حالاتك ، وبعدين مفكره إني هخاف كده يعني ؟؟ ، هخاف من برطمان شطة ؟!،يابنتي أنا ضابط وبمسك مسدسات حقيقية )

رفرف قلبها الخائن بين أضلعها لسماع عزله ..وتناست تماماً موقفها الذي هي فيه الآن ،وكادت ترتسم علي شفتها ابتسامة ولكنها كبتتها غصباً وملامحها تتحول مرة أخري للشراسة .

--------------------

دخلت صبا من الباب علي أطراف أصابها وهي تشعر بانهاك شديد يغزو كل خلية من جسدها ، وهي ترجو ألا تستيقظ والدتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء دون أن يُحدث صوتاً عالياً ،وانطلقت إلي غرفتها مسرعة وأغلقت الباب دون إصدار جلبة ، ثم استندت بظهرها علي الباب وهي تزفر براحة ..فحمداً لله أن والدتها نائمة.

فهي لم تكن تريد أن توبخها أمها ، فهي بعد انتهاء العرس ورغم تأخر الوقت سارت في الشوارع بلا وجهة بعد أن أحست بضيق في قلبها ،وحزنها يتثاقل ، وكلمة أمها وغيرها ممن قابلتهم تتردد داخل رأسها (إنتي سودة ..وحشة ..ماحدش هيحبك)
ثم تحركت باتجاه السرير وجلست عليه وهي ملتقطة حذائها الباهظ الثمن من قدمها والذي اشترته خصيصاً للعرس رغم اعتراض أمها ، ولكنها تذكرت شيئاً شغل عقلها منذ وصولها إلي العرس .

نزلت صبا درجات السلم بسرعة لكي تلحق والدها ..فهي لاتريد أن تكون منبوذة وتجلس وحدها بالرغم من وجود الكثير من أقاربها ..ولكن لا تريد سماع المزيد من الكلمات التي تقتل روحها ، وعندما وصلت إلي حيث العرس سارت بثقة بين الناس ، ثقة مصطنعة لاعلاقة لها بما يجيش بصدرها ،فهي من الداخل تنزف ولكنها تخفي ضعفها بقناع علمتها السنون احكامه جيداً عليها ، وأخذت تبحث بعينيها عن حُسن ولكن لم تجدها و لمحت والدها يقف مع بعض رفاقه وفكرت ...هل تذهب إليه أم لا ؟؟، ولكنها حسمت أمرها وتحركت بخطوات متثاقلة ..فلو كان ابن عمتها لم يرفضها لكانت جالسة مكان العروس الآن ..ولكنها راضية بما قسم الله ولن تعترض ، أخرجت زفرة متألمة تحرر بها ما في جوفها من آلام قبل أن ترسم علي وجهها ابتسامة تقابل بها أصدقاء والدها وعندما وصلت كانت الصدمة مسيطرة عليه ..فهو لم يتوقع أبداً حضورها ، ولكنها تقدمت إليه ووقفت بجواره في تلك الدائرة التي صنعها أصدقائه بتراصهم جوار بعضهم في مكان بعيد نسبياً عن تجمع الناس ،ومالت علي أذنيه قائلة بعد أن رأت صدمته الواضحة

(حضرتك عارف إن الكلام ده مايفرقش معايا ،وأنا أصلاً كنت لابسة وناوية أجي ..ونويت أكتر لما كلام ماما عصبني )

ابتسم علي بهدوء وهو يحمد الله علي اتصافها بالتعقل ، ومد ذراعه يحيط كتفها وهو يعرفها علي أصداقه والذين انصرفوا فوراً بعد التعارف ولم يبقَ إلا واحد لم تتعرف عليه لأنها بالاساس لم تراه فهو يقف بجوار والدها من الناحية الأخري وفي الظلام ، تحدث والدها معاتباً

(بقي كده ياصبا ما تسلميش علي نائل ؟)

ضمت حاجبيها بغرابة وهي تحاول استشفاف ماهية مايقصد وأتتها الإجابة فوراً وهي تراه يتحرك من جوار والدها إلي أن صار أمامها ، رجل طويل القامة بدرجة كبيرة تعدت والدها وهي التي كانت تعتقد أنها لن تري في طول والدها أي شخص ، شعر أسود منمق تتخلله بعض الخصلات البيضاء ، ثم نزلت بعينيها إلي بنيته القوية والتي توحي أنه لم يتعدي السابعة والثلاثين ربما ،
قطع تأملها صوت رجولي خشن ويد ممتدة تنتظر يدها فتحركت يدها بسرعة حتي باتت بين كفه ، وهو ينظر إلي عينيها نظرة أحست بأن روحها عارية أمامه ولم تستطع تفسيرها ..ومازال ممسكاً بيدها يأبي تحريرها .

شدت يدها بقوة فانفلتت من بين يده بعد أن أحست بطول مدة نظراته المتفحصة ..ولكنه كان يريد ذلك ، فلم تكن لتتغلب علي قوته أبداً ،وأنزلت رأسها في خجل وهو مازال علي تفحصه لها ، تحدث والدها مزيلاً تلك الشرارات التي كانت بينهم

(ده نائل الوالي ، يعتبر أخويا الصغير ..يعني هو مش صغير أوي ده 40سنة ، اتعرفت عليه لما كنت في رحلة بحرية علي يخت كبير وبينا مصالح مشتركة )

كل ذلك وحواسها متأهبة ..تريد سماع المزيد والمزيد ولا تعرف لمَ ، وشجعها قلبها علي النطق مرحبة به وهي تقول با ابتسامة مرتبكة

(أهلاً يا أستاذ نائل تشرفنا )

تحركت شفتاه الغليظة بحركة مستنكرة لذلك اللقب الذي ألقته الآن (أستاذ!!) ، وتعلقت عينيه بعينيها وهو يردف بغموض

(لا مش أستاذ ولا حاجة أنا نائل بس )

رمشت بعينيها عدة مرات وهي تري غرابة هذا الرجل أمامها ،مابه ؟! ،أو ربما ما بها هي !!؟ ولكن لماذا اعترض علي كلمة أستاذ؟!

أومأت برأسها بسرعة ولوت شفتيها تعجباًوهي توجه الحديث إلي والدها والذي كان غارقاً في سعادته بسبب حضورها

(أنا همشي أنا يابابا عشان ماحدش كده هيشوفني وهيقولوا اني ماجيتش الفرح )

أجل ..هي ستتحمل كلام الناس المسموم علي الوقوف هنا ثانية أخري.

وفرت هاربة قبل أن تسمع رده ، بينما نائل ينظر إلي اثرها دون ملامح علي وجهه.

فاقت من ذكرياتها وهي تلقي بالحذاء والذي بقي في يدها اثناء اعادة شريط ذكرياتها أمام عينيها ولم تعطي بالاً لذلك الأمر الذي ظنته عادياًإلا أنه مربك ، وقامت من السرير باتجاه الحمام لتأخذ حماماً ساخناً يريح أعصابها ويزيل آثار تعب اليوم لكي تستطيع النوم بعد هذا اليوم المرهق.

---------------------------

(مراتك وبنتك ؟!)

نطقتها إحسان أخيراً ببهوت ، بعد صمت مطبق دام لدقائق تستوعب فيه ما قاله ، وحاولت كبح جماح غضبها فولته اهتمامها ونظراتها المستنكرة ..والمطالبة بتفسير في نفس الوقت

طال صمته وهي لم تستطع السكوت أكثر ،فقالت بغضب بعد ان انفكت العقدة التي ربطت بها لسانها

(يعني إيه مراتك وبنتك ؟!! ، بقالك أربع سنين بتضحك عليا وأنت أصلاً متجوز؟! ، لا ومخلف كمان !،أربع سنين من غير حاجة رسمية بينا ! ، بس تعرف أنا اللي رخصت نفسي وقبلت عليها كده )

أثناء إلقائها لتلك الكلمات كان ينظر أرضاً لشدة ما يعانيه من الخزي ولا يقدر علي رفع عينيه لها ، ولكن موقفه الصامت من كلماتها أثار حنقها أكثر فنظرت له نظرات مستجدية كأنها تطالبه بتكذيب ما قاله الآن ،وعندما لم تجد رداً اندفعت هادرة بسرعة وتهكم

( إزاي كنت غبية كده وصدقت واحد زيك ، إزاي انت كنت بتقابلني عادي من غير ماتحس بتأنيب الضمير ..جالك قلب؟،جالك قلب تبص في وشي؟ بس انت عارف ..أنا مش زعلانة علي نفسي قد ما أنا زعلانة علي مراتك ..مراتك المسكينة اللي المفروض عارفة إن راجلها في الغربة هيكون راجل ..وقد الثقة ، مش يضحك علي واحدة أربع سنين ..واحدة مغفلة صدقته زي الهبلة وجرت وراه و وري حبه المزيف )

أغمضت عينيها بعد تلك الكلمات وقد تجمعت الدموع في عينيها ..هي لا تريده أن يراها بموقف ضعف ، ورغم الألم الذي ينهش قلبها والنار المستعرة داخل روحها..وعقلها الذي يطالبها بقتله الآن لتُرحم زوجته وابنته..وهي ، ثبتت حقيبتها أكثر في يدها فلم تخلعها منذ مجيئها وقامت من مكانها مدعية القوة ، وهي تتخطي طاولته دون أدني كلمة حتي خرجت من المطعم .

أشارت لتاكسي بالوقوف ليوصلها حيث تريد ولكن ندائه المستجدي لها أوقفها ، فالبرغم من كل ذلك لا تقدر علي تركه ..ولكنها ستفعل .

إلتفتت للخلف ووجها لايوحي بأي شيء سوي الجمود ، وأشارت للتاكسي بالانتظار قليلاً ، فأتي هو وهو يلهث من الجري ثم توقف وهو يضع يديه علي ركبتيه ،ثم صلب جذعه وهو يقول بتوتر

( انتِ مش عايزة تعرفي السبب ؟)

وجهت عينيها الناحية الأخري استحقاراً لا تعيره أي اهتمام وقالت بتهكم

(سبب إيه ؟!! )

ثم توقفت برهة ووضعت يدها تحك ذقنها بتفكير مصطنع وأكملت

(آه سبب خيانتك )

أغمض عينيه بألم وكلماتها تُغرز كخنجر بصدره ، وتحدث بخفوت

(أيوة )

(مش عايزة أعرف سبب حاجة ، الموضوع واضح أصلاً ، بس كل اللي أعرفه إني شايلة ذنب واحدة ..لو عرفت مش هتسامحني ليوم الدين )

قالتها بحده وهي تدير جسدها مرة أخري قاصدة التاكسي الذي كان ينتظرها وقلبها قد فُتت إلي أشلاء صغيرة ..وتركت خلفها رجلاً ينهشه الألم ويورقه الذنب .

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:53 pm

(دروب الغفران شائكة)

(الفصل الثالث)


*****************

كان عجبه سيد الموقف !!، فبعد أنا كاد يلمح ابتسامتها التي جاهدت لاخفائها لم يستطع ، فقد تحولت ملامحها للشراسة كأنها لم تكن قطة وديعة للحظات ،استمرت بالنظر إليه نظرات ثاقبة شعر بأنها اخترقت روحه..ولكنه يعلم أن هذا القناع ليس لشيء غير مداراة حرجها .

أغلقت برطمان الشطة بعجلة وقد زاد إحراجها ..فهذا ليس تصرف فتاة ناضجة مثلها .. وبالكاد التصق الغطاء بفوهة البرطمان بغير احكام ، وهي تنظر بطرف عينيها إلي باب المطبخ وهل ستستطيع الوصول دون أن يمسك بها ؟!

وضعت البرطمان علي الرخامة خلفها ، وهي مازالت تفكر في الهرب ،وتحولت نظراتها للبرود ..برود غير مُجدي وهو يعلم حقيقة الأمر تماماً ..وهي أيضاً تعلم ..كلا بل تحفظ .

كل ذلك وهو يبتسم ابتسامة ضايقتها ،لأول مرة تضايقها ابتسامته كأنها لم تكن بلسماً لجروحها قبلاً ،وكأنه يقول ..لقد سمعت كل شيء .

أخذت شهيقاً طويلاً تستدعي هدوئها لكي لاتنقض علي رقبته تخنق بعد اتساع تلك الإبتسامه المستفزة حتي ظهرت أسنانه اللؤلؤية ، وأغمضت عينيها وهي تُجلد نفسها بأنه لايفعل ذلك سوي لمضايقتها .

خرج صوته مرحاً أخيراً بعد تلك المشاحنة الصامتة التي استمرت لدقائق ، وحرب العيون الذي استُنزفت فيها قوتها ، وقال مشاكساً

(لو النظرات بتقتل كان فاتني الوقتي قتيل، لكن أصلا المسدسات ما بخافش منها هخاف من برطمان !!، ثم تحولت صوته الضاحك إلي آخر محب يقول بشغف ..بس أنا بخاف من نظراتك ، وبخاف أفضل أبصلك وأسرح فيكِ وأنسي اللي حواليا ،أنا مت من نظراتك ،مت فيها وفيكِ)

اصطبغ وجهها بحمرةلم تعرف من أين أتت وأحست بسخونة تخرج من وجنتيها ،وهدر قلبها بين أضلعها كأنها لم تسمع أطناناً من الغزل قبلاً، فقد وقعت كلماته كالأمطار علي أذنها الجرداء ، ولانت تلك النظرة الثاقبة قليلاًولكنها عادت للبرود مرة أخري ، فسارع يقول لها بمشاكسة

(بس إيه كل الحَمَار ده هو أنا قولت إيه ، يا أحمر يا جميل انت )

لم تدرِ كيف قطعت المسافة الفاصلة بينهما بسرعة وأصبح وجهها مقابلاً لوجهه لايفصل بينهما إلا سنتيمترات قليلة،ولكنها قد فقدت صبرها عليه وسارعت تقول بغضب

(علي فكرة أنا مش حمرة أوي ولا حاجة ، ده بس الغلاسة عالية في الجو شوية فظهرت كده )

قالت الأخيرة بتلاحق وأنفاس متسارعة ، وهو أغمض عينيه مستمتعاً بتلك الحركة الجريئة العفوية ،وأنفاسها الدافئة تلفح بشرته ، بينما هي انتبهت تواً لوضعها وتراجعت للخف بذهول وهي تلعن عقلها آلاف المرات علي غبائها ،وتناظرة بتوجس وهو مُغلق العينين .

فتح عينيه فجأة وقرب وجهه من وجهها كثيراً ،وهما لايفعلان شيئاً سوي تبادل الأنفاس ، فتراجعت بظهرها للوراء ولكنه أمسكها من كتفيها محاصراً إياها ، ثم تحرك بوجه ناحية أذنها اليمني وهمس بصوت خافت مثير

(انتِ اللي جيتي لي لحد عندي ،أرفض النعمة يعني؟!)

قال الأخيرة متظاهراً بالتفكير وهو يحك ذقنه بيده ،بينما هي ضمت كفيها الاثنين لبعضهما تتبادلان قوة ليست موجودة بالأساس ،وأحست بثقل تنفسها وانحساره في صدرها ،وأن المكان يضيق عليها رويداً رويداً ..ولم تنطق بحرف قط .

بينما هو حرر كتفيها من قبضته وهو يشعر بخطورة هذا القرب المهلك عليه ، وهو يضع يده في جيبه يتأمل ملامحها الفاتنة المتوترة ، ثم أخذ يدور حولها بحركة دائريةكأنه ينقصها توتر .. وكلما أصبح خلفها يحني جذعه العلوي ليشم عبير شعرها وهو مغمض العينين كأنه لايوجد سواها هي ورائحة شعرها ، ثم توقف فجأه أمامها وسألها بتلاعب

(نيجي بقي للموضوع المهم ، انتِ كنتي بتقولي إيه أنا داخل المطبخ ؟!)

لعنت عقلها الغبي لمرات أخري لا تعرف عددها ،فهنا يكمن توترها، وأخذت شهيقاً تستوعب به ذلك السؤال الذي ألقاه علي مسامعها ، وحاول عقلها نسج وإختلاق أي شيء ترد به كرامتها المهدرة فأردفت بغيظ

(لا دي واحدة صاحبتي كانت بتقولي إن أخوها عايز يتقدملي بس خايف من ردة فعلي ، وأنا طبعاً ما صدقت وكنت بقولها علي اللي في قلبي لان الموضوع متبادل يعني )

استطاعت بوضوح استشفاف تصديقه من ذلك العرق النافر في رقبته ، وملامحه المتهجمة التي لا تبشر بأي خير ، كأنه لم يسمعها تتحدث عنه بأذنه ،بل إن تخيلها تحب رجل آخر وتتكلم عنه يفقده صوابه ، وكادت تطمئن لأن الحيلة انطلت عليه إلا أنه تحول فجأه من الغضب إلي الإبتسام ، ثم قال بعبث

(اممم ..قولتيلي بقي ، وصاحبتك دي كنتي بتكلميها في الهوا؟؟ ،مش شايف أي موبايل يعني!!)

عند تلك النقطة وقع قلبها منها ،وأدركت إنها لا تملك عقلاً من الأساس ،كيف أمكنها قول ذلك ؟؟؟ ، ثم كاد يفتح فمه ليذيقها المزيد والمزيد فوصل إلي مسامعهما صوت أمها الذي قاطعته قائلة بصوت عال

(إيه ياياسين كل ده بتعمل إيه ؟؟ ،هات حُسن بسرعة وتعالوا البلكونة)

لم تجد ثانيتين حتي تشكر ربها علي هذا الإنقاذ من معركةكان محتوم عليها الخسارة بها ،وأطلقت العنان لساقيها فاندفت مسرعة من أمامه دون أن يستطيع الإمساك بها ، فابتسم هو في اثرها ابتسامة تخطف اللب وهو يزيح خصلات شعره المسدلة علي جبهته ،ووضع يده في جيبه متحركاً ببطيء نحو الشرفة كأنه لم يفعل شيئاً

وصلت حُسن إلي باب الشرفة واستندت بيدها اليمني علي حافته وهي تلتقط أنفاسها وتلملم شتات نفسها ، وتعدل من شعرها وهندامها حتي لا تلحظ أمها ،ولم تلك الجرأه علي الإلتفات ودخلت مسرعة وجلست يسار والدتها ،وعلي يسارها الباب ، وحمداً لله أن الليل قد أسدل جفونه فهي مازالت مبعثرة ولكن أمها لم تأخذ بالها، كادت والدتها تسألها عن مكان ياسين ولكنه منعها من السؤال حيث دخل كإجابة ،ومر من يسارها وهي أغمضت عينيها تحاول الثبات وعدم إفتعال الحماقات ، وهو جلس مقابلهما .. وامتدت يد أمينه تمسد كتفية بحركة أمومية وهي تقول

(وحشتنا جداً يا ياسن والله ،كنت فين يا ابني وليه كل الغيبة دي )

(وانتوا كمان وحشتوني أوي أوي ..قالها وهو ينظر إلي حُسن التي كانت مطأطأة رأسها أرضاً ،تلعب بأصابعه متظاهرة باللامبالاة رغم أنه كل اهتماماتها ، وشعرت هي في تلك اللحظة أن نظراته مصوبة نحوها فأخفضت رأسها أكثر ، ولكنه تهجم فجأه بعد تذكرة للشق الثاني من سؤالها والتي كانت تنتظر حُسن أن يجيب عليه بفارغ الصبر ..فكبرياؤها لن يسمح لها بالسؤال

(معلش يا خالتي مش عاوز اتكلم في الموضوع ده الوقتي بعدين إن شاء الله )

أومأت أمينة بتعجب وهي لاتريد الضغط عليه ،بينما رفعت حسن رأسها ووقعت عينيها أسيرة عينيه للحظات ، فهي ذُهلت من إجابته علي السؤال وخاب أملها .

حولت رأسها الناحية الأخري وهي ترمش بخجل ..وحنق من نفسها ،ثم صدمها صوت أمها المتسائل

(مالك كده يا حُسن مش بتتفاعلي معانا ، ينفع ماتضيفيش ياسين كويس ؟!)

أدارت رأسها تنظر لأمها ثم هو وهي تنقل نظراتها المتوتوة بينما ولا تدري ماذا تجيب ،ولكن ياسين سارع يجيب بعبث نيابة عنها

(لا لا ياخالتي دي ضيفتني كويس أووي وكفت ووفت )

قال الأخيرة وهو ينظر لها بنظرات ذات مغري فقابلتها بأخري قوية لم تعرف من أين أتتها ..ولكن هذا سيكون شعارها بعد الآن ..القوة .

(ماما معلش بستأذنكوا هدخل أنام جاية من الفرح تعبانة )

قالتها لكي تخرج من هذا الجو المليء بالشرارات ،فأتتها الإجابة سريعا من أمها التي قالت

(ماشي يا حبيبتي روحي ارتاحي )

تنفست الصعداء وقامت من مكانها ،وعندما خطت أول خطوة لها في طريقها لغرفتها ، سمعته يقول

(خالتي أنا دقيقة واحدة هشرب وجاي )

(ماشي يا حبيبي البيت بيتك )

كان ذلك رد أمها الذي جعل عقلها يعطيها إشارات تحثها علي التحرك ،فانطلقت مسرعة إلي غرفتها وهو ورائها ،وعندما كادت تغلق ..وضع قدمه حائلاً وهو يميل برأسه للداخل قائلاً بعبث

(هروب مُوفق)

ثم تركها وعاد مرة أخري لخالته والإبتسامة تتراقص علي شفتيه ،وبالطبع لم يشرب الماء فهذة كانت مجرد حجة .

أغلقت حُسن الباب وهي مستندة بظهرها عليه واضعة يدها علي قلبها المضطرب ، ثم اتجهت إلي خزانتها وأخرجت قميصاً بنفسجياً قصيرة وارتدته بالرغم من رغبتها في الاستحمام إلا أن التعب طغي عليها ، فما ارتكبته اليوم من حماقات كان كفيلاً بأن ترمي ثقلها علي السرير طالبة بعض الراحة ، ثم سحبت ملائة خفيفة وغطت نفسها ،وهي شاخصة ببصرها في السقف الحاوي علي مروحة تصدر هوائاً منعشاً، ..وهي تفكر في كل ماحدث وتشعر بالخجل من نفسها ،ثم عاهدت نفسها بأنه من اليوم لن تظهر له سوي القوة والبرود ..ولاشيء غيرهما .

*******************

ذهب ياسين مرة أخري إلي خالته ،وأخذا يتحدثان قرابة النصف ساعة وهي تسإله عن اخيه ووالدته ،وعندما استأذن هو للمغادرة ..رفضت خالته رفضاً قاطعاً لتأخر الوقت وأصرت علي مبيته هنا فرفرف قلبه فرحاً فهذا ماكان يريده تماماً ..وكم يطوق لرؤية ملامح وجهها عندما تُذهل من وجوده صباحاً ..مجرد التخيل يضحكه فما بالك بحدوثه ، ثم استأذن من خالته منصرفاً للنوم وهو لن يذوق نوماً.

*************

استيقظت حُسن بعد سطوع ضوء النهار،وفواح رائحة الصباح المنعشة ،ثم مدت يدها تلتقط هاتفها من الكومود الذي بجوارها فوجد الساعة السادسة ، وأزالت الغطاء حتي آخر قدميها وهي تتثآئب ، ثم دخلت الحمام بتثاقل وأدت فرضها ودعت الله بأن يرشدها للطريق الصواب

ثم طوت سجادتها ،ورتبت سريرها ،وفتحت النوافذ وهي عازمة علي إعداد الفطور وترتيب المنزل قبل استيقاظ أمها ثم امدت يدها وفتحت الباب وهي شبه مغلقة العينين ، وتحركت نحو المطبخ آلياً لتعد الفطور ، ولكن سقوط شيء خلفها أحدث صوتاً رناناً أوقفها عن إكمال المسير ، وتصلبت في مكانها وهي ترتعش خوفاً مثل طفل صغير..خوفاً من أن يكون عفريتاً أوقع هذا الشيء كما رسمت لها مخيلتها الطفولية!!

كانت تخشي الإلتفات ،ولكن دافعاً خفياً أجبرها علي الالتفات ببطيء شديد حتي باتت في مقابله !!!

توسعت عيناها هلعاً وتراجعت للخلف حتي إصطدمت بالحائط بقوة ويديها مفرودتان بجوارها علي الحائط ..وحالها حرفياً يرثي له .

في تلك اللحظة تمنت أن تختطفها العفاريت ،أو تنشق الأرض وتبتلعها ، واستمرت بالتحديق له بعدم تصديق لوجوده هنا !!

ابتسم ياسين بشقاوة ظهرت في عينيه اللامعة المائلة للزرقة ، وانحني حتي أصبح جالساً علي ركبتيه يلتقط السكين التي سقطت من علي الطاولة أرضاً ،ثم وضعها مكانها مرة أخري وهو يكمل مايفعله دون اهتمام بها وبما يجيش بصدرها الآن .!!

أحست هي بشدة غباء مافعلته وأنزلت يدها من الحائط وهي تعصر اسدالها بين يديها فحمداً لله أنها نست تبديله، ثم نزلت عينيها ببطيء إلي ما يفعله ، رص الأطباق بجوار بعضها وفرد منديلاً بجوار كل طبق ،وكان الوضع منمقاً بطريقة أبهرتها ، وتبعاً لمبدأ القوة الذي خططت له البارح اندفعت نحوه ببطي وسحبت كرسياً وجلست عليه ، ثم تحدثت بصوت متسائل خالٍ من أي مشاعر

(انت إزاي دخلت هنا وإيه اللي أنا شايفاه قدامي ده ؟!)

أنهي وضع الغطاء علي الطبق الأخير حتي لا يبرد ثم نفض كفيه وسحب كرسياً وجلس قبالتها ورد بصوت مرح

(حتة أنا دخلت إزاي فأنا نايم هنا من إمبارح ..أو الأدق بايت لأي ماعرفتش أنام ،وقولت بقي أعمل الفطار للناس اللي كانت تعبانة إمبارح دي )

أنهي كلامه بغمزة لم تبدِ لها أي ردة فعل حتي أنها لم تسأل عن سبب مبيته ،وأعطته ظهرها منصرفه دون جواب وهو الذي كان يتوقع خجلها وتوترها ..ولكن أتي مافعلته كصفعة له لتخرجه من عالم الأحلام ، بينما هي ابتسمت برضا وهي في طريقها إلي المطبخ فها هو ذُهل من قوة لم تُظهر إلي بوادرها فقط.

ملأت الكوب بالماء ثم شربته ،وبعد أن وضعته مكانه مجدداً وصل إلي مسامعها صوت شجار آتٍ من شقة عمها ،فاندفعت متجهة نحو باب الصالة وكلما اقتربت يزداد علو الصوت ، وبالرغم من أنه شيء عادي إلا أن عمتها شخص آخر ..فيجب إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لم تكن الوحيدة التي سمعت الصوت ،بل أمها كانت خارجة من غرفتها ولم تجد وقتاً لتسأل عن استيقاظهما المبكر ،وياسين فتح النافذة ليري من أين يأتي الصوت .

امتدت أناملها تفتح الباب وصعدت السلم مهرولة وتبعها ياسين وأمينة ،وطرقت باب عمتها بسرعة ففتح لها ابن عمتها الصغير محمد ،فزجته جانباً وهي تدخل غير مراعية لحرمة البيت ولكن الموقف كان يستدعي ذلك ، وقفت هي وياسين وأمين ينظران لعمتها التي تقف مقابل عمر زوجها ..وعلامات الغضب بادية علي وجهها ،ثم تحدث علي بصوت ساخط

(صحيتينا بدري وقولنا ماشي ، لكن عاوزة تطلعي الوقتِ لابنك ده اللي مش هسمح بيه أبداً )

ثم توقف برهةوتابع بحرقة وغضب

(اللي مايصدقوش عقل إنك عايزة تطلعي الساعة دي ،واللي مستحيل يخطر علي بال حد إنك طالعة لاتنين لسه متجوزين إمبارح تصحيهم من النوم )

صدرت شهقة من الجميع في وقت واحد غير مصدقين لما تريده ،ولكن صفيه تحدثت بقوة غير مبالية بوجودهم

(ابني وأنا حرة اطلعله إمتي ، وبعدين لازم نشوف شرف البنت اللي مانعرفلهاش أصل دي )

وضع عمر وجهه بين كفيه ، ثم رفعه وهو يشد علي خصلات شعره قائلاً

(شرف إيه يا شيخة انتِ حد لسه بيعمل الكلام ده أصلاً)

ردت عليه ببرود والجميع يتابع مايحدث بترقب

(أيوة أنا هعمل كده ، واعتبر دي الصباحية اللي أهلها اللي مانعرفلهمش أصل دول جاينلها )

تطاير الشرر من عيني عمر وكان شكله كأنه علي وشك ارتكاب جريمة ، فاندفعت أمينة جاذبة صفية من ذراعها رغم اعتراضها وجلستا علي كرسيين متجاورين ،وتحدثت أمينة بهدوء

(شوفي ياصفية ، الكلام اللي بتقوليه ما ينفعش أبداً ، أولاً إنك تطلعيله الوقتي ده شيء مش كويس ،وأصلا موضوع الصباحية دي المفروض مايكونش زي ما احنا مفكرين وبنعمل ،المفروض مامة العروسة وخالتها بس هم اللي يجوا مش الشعب كله ..ويكون بعد أسبوع مثلاً ويسيبوالهم أكل يكفيهم في التلاجة )

أومأت حُسن وياسين وعمر مؤيدين لكلام أمينة بينما
لوت صفية شفتيها اعتراضاً ،وألقت كلماتها كخنجر مسموم طعن أمينة

(هتيجي واحدة مش متعلمة زيك علي آخر الزمن تعرفني الصح من الغلط ؟! )

ابتلعت أمينة اهانتهادون كلام ..ولكن لم يظهر عليها أي علامات للاحراج ، وقامت صفية وذهبت إلي غرفتها وأغلقت الباب في وجههم كاسرةً كل أعراف وقواعد الذوق والأدب .

تنحنح عمر وهو يقول بأسف وحرج

(آسف جداً والله يا أم حُسن أنا نفسي مابقتش عارف أعمل إيه ، وماشاء الله عليكِ ماقولتيش كلمة غلط ربنا يخليكِ لنا )

برد كلام عمر قلب حُسن الثائر والتي غضبت أشد الغضب لنعت أمها بغير المتعلمة ، وابتسمت أمينة ابتسامة صافية وهي تهز رأسها قائلة

(لا ولا يهمك يا أبو أحمد ماتعتذرش علي حاجة مالكش ذنب فيها ،صفية وأنا عارفاها كويس ،وأنا ما عملتش إلا واجبي )

(إن شاء الله هتصرف )

قالها عمر بشرود وهو يفكر في خطوته التالية وما الذي سيفعله مع صفية ،بينما استأذنت أمين مغادرة وتبعها ياسين وحُسن ،وقبل نزولهم السلم رأوا صبا التي كانت تنزل هي الأخري وسألتهم عما يحدث ..فطمأنتها أمينة أنه لاشيء س‘ي الشجارات المعتادة، ونزلت وتبعها ياسين ..بينما ظلت حُسن تثرثر مع صبا قرابة الربع ساعة ، ثم عاد كل منها إلي شقته .

*********
فتحت صبا الباب وولجت إلي الداخل ،وتحركت باتجاه الغرفة لتكمل نومها ولكن ضيقاً في صدرها دفعها للاتجاه ناحية الشرفة وفتحتها ..فقابلها النسيم البارد يداعب خصلات شعرها الحالكة فأغمضت عينيها وهي تشعر بمرور التيار البارد بجوارها ،ولفت جسدها بذراعيها ..ولم تدري كيف قفزت صورة صديق والدها ذاك مرة واحدة أمام عينيها فنفضت رأسها يمني ويسري بسرعة كمن لدغها ثعبان لتتخلص من تلك الصورة الغامضة وتمحوها من مخيلتها ، ثم تذكرت أن عليها إعداد الطعام حتي لا تتعرض لتوبيخ والدتها التي لايعجبها شيء، ،وانطلقت باتجاه المطبخ .

أنهت صبا اعداد الطعام ورصته علي المائدة ،وانتظرت استيقاظ والدها ووالدتها وماهي إلا دقائق معدودة حتي خرجت أسماء وتبعها علي ليغسل كلا منهما وجهه .

جلست أسماء علي رأس الطاولة ومدت يدها تلتقط رغيف خبر وأخذت جزء منه ووقضعته في فمها غير آبهة بصبا التي تناظرها بحزن وقلبها ينفطر من معاملتها الجافة ، بينما جلس علي بعد أن قبل رأسها بحنو وهو يقول بلطف

(تسلم إيدك ياصبا علي الأكل الجميل ده )

ابتسمت صبا ابتسامة واسعة وتحول حزنها لفرح بعد إطراء والدها ،ولكن أسماء قصمت فرحتها بقولها

(ليه يا أخويا هي عملت موائد الرحمان ؟! ،ده حتة فطار لا راح ولا جه )

*موائد الرحمان: طعام كثير يعد لافطار الصائمين في رمضان فطوراً جماعياً*

رمقها علي بغضب وتحدث بحدة

(أنا أي حد بيعملي حاجة مهما كانت صغيرة بقدره ،بالك بقي الحد ده صبا ، والدنيا ماتمشيش من غير حب وتقدير ،وبما أنك مش عايشة في الدنيا بتاعتنا دي فاانتِ مش هتفهمي أنا هقول إيه أصلاً)

نظرت إليه أسماء بسخرية دون رد وأكملت تناول طعامها ،بينما ابتسمت صبا بامتنان لوالدها والذي بادلها بأخري محبة .

استمروا يتناولون الطعام بصمت حتي قطعه علي قائلاً

(صبا أنا اتعرض عليا حاجة حلوة جداً إمبارح وشايف إنك أكتر واحدة مناسبة ليها ..طيبة وحنينة وعندك خبرة كمان)

ظهر عدم الفهم علي وجه صبا وأيضاً أسماء التي مثلت عدم الاهتمام بالرغم من إلقائها لأذنها معهم ،فقال علي موضحاً

(نائل صاحبي عرض عليا إمبارح إني أدور علي واحدة تكون مربية لبنته ،وطبعاً هو مش عايز أي واحدة والسلام ، وأنا قولت الموضوع هيعجبك لانك هتروحي محافظة تانية وتفكي عن نفسك وتشوفي حاجات جديدة )

لم تدرِ صبا لم أحست بضربات قلبها تزداد منذ سماع اسمه ، وأخذت تتسائل أين روجته ،ولكنها تجاهلت الأمر مطمئنة نفسها بإنها فقط خشيت نظرته لها بالأمس ، وأخذت تفكر في عرض والدها والذي راقها كثيراً، ولكن بعض الأمور غير واضحة حتي الآن ، وتحدثت موجهة كلامها لعلي

(عرض كويس جداً وأنا موافقة ، بس إزاي هروح وآجي كل يوم ؟!)

رد علي علي تساؤلها قائلاُ

(لا مش هتروحي وتيجي كل يوم ولا حاجة ، هتروحي أول الأسبوع وترجعي لنا الجمعة ، بصي هو نائل ده عنده بيت كبير جدا في محافظة بعيدة عننا ..ثم توقف وهو يراعا متعجبة فأضاف قبل أن تسأل ..وعنده طباخين وخدم يعني ماتقلقيش مش هتبقي لواحدك، وهو أصلاً شخصية غريبة كده ومش هتتقابلوا إلا نادراً لأنه معظم وقته بيقضيه في الشغل ، وأنا واثق فيكِ أووي )

قال الأخيرة بابتسامة مشجعة لها ،فزال توترها الحادث بعد إخبار علي لها أنه شخصية غريبة ..ولكن ماذا ستعمل بشخصيته !! ،نفضت رأسها تُبعد تلك الأفكار عنها ، وكادت تعطي موافقتها النهائية إلا أن صوت غاضب قاطعها ساخراً

(ما شاء الله اتفقتوا انها تروح وتعد وتبات برة عادي كده وأنا قاعدة طرطور ؟؟ بنتي مش خارجة من هنا إلا مع عدلها اللي مش ناوي يجي ده، وبعدين جايلك قلب تسيبها تبات برة ازاي والله أعلم هتعمل إيه ولا هتروح فين)

أثناء كل ذلك الحديث المسموم ،كانت صبا واضعة وجهها بين كفيها تبكي بحرقة بسبب أمها وما تفعله معها ..وتلك الكلمات التي تجعلها تفقد ثقتها بنفسها ، ورمق علي أسماء بغضب وقام من مكانه وجذب صبا بين أحضانه وهو يربت علي شعرها لعلها تهدأ ،وقامت أسماء ساخطة من بكاء ابنتها الغير مبرر بالنسبة لها .

رفعت صبا وجهها أخيراً ومسحت دموعها بظهر كفها ،وأصدرت شهقات متقطعة ثم استكانت وعلي ينظر إليها باشفاق ، ثم تحدث محاولاً إصلاح ما أفسدته زوجته قائلاً

(ماتاخديش في بالك كلامها وماتركزيش معاها ،أنا مربيكِ صح وواثق فيكِ أكتر من نفسي )

ردت صبا بصوت مهزوز مرتعش

(بس أنا ماعدتش قادرة أستحمل كلامها ده ،وهي مصممة تكسر فيا )

رفع علي وجهها بيده وسلط نظره علي عينيها وهو يردف بقوة

(لا انتِ أقوي من أي حاجة ،وأنا متأكد إنك مش هتسيبي أي حد يأثر فيكِ، ودايماً خلي عندك ثقة بنفسك حتي لو إيه )

أومأت صبا برأسها باقتناع ، ثم جذبها علي وأدخلها غرفتها وطلب منها تحضير حقيبتها سريعاً حتي تصل مبكراً فنائل يريدها عاجلاً، والذي لم تعلمه بأن علي أخبر نائل عنها بالأمس حتي دون موافقتها ، لأنها ولو كانت رفضت فكان سيجبرها لكي تخرج من تلك القوقعة التي وضعتها أسماء بها .

أنهت صبا إعداد حقيبتها وأخذ كل مايلزمها من طعام وشراب أثناء الرحلة ،وانطلقت مع علي إلي محطة القطار رغم اعتراضات أسماء التي لم يلقي لها بالاً.

انتظر علي حتي تحرك القطار ، ومسح دمعة سقطت من عينيه وشرع يدعو لها من أعماق قلبه

بينما كانت صبا جالسة في القطار مسندة رأسها علي النافذة بجوارهاوهي شاردة..لا تصدق السرعة التي جري بها هذا الأمر ،ولكن رغم خوفها من مستقبل لايتبين منه شيء إلا أنها كانت فرحة لتحررها أخيراً وخروجها لاستكشاف الدنيا من حولها ، ومتسائلة ..هل ستلقي هناك من القهر مالقيته هنا ؟!.

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:55 pm

(دروب الغفران شائكة)
(الفصل الثالث)



دلفت حُسن إلي المنزل بعد حديثها مع صبا الذي انتهي علي وعد بلقاء آخر ، فوجدت والدتها وياسين جالسان علي المائدة يتبادلان أطراف الحديث ، تلبست قناع البرود واللامبالاة وهي تسحب كرسياً وتجلس بجوار والدتها ، هزت أمينة رأسها أسفاً وهي توجه كلامها لياسين وحُسن

(شوفتوا صفية بتعمل إزاي، مش بقول كده عشان تاخد عنها فكرة وحشة ياياسين ..هي آه عمتي أخت جوزي ..بس بصراحة مزوداها أوي وعايزة تبقي مسيطرة وتبقي هي الكل في الكل وتتحكم في تصرفات أي حد وخصوصاً ولادها ، وحاطة في دماغها إنها تعامل ولاد الزمن ده زي مثلاً ما اخواتها الولاد كانوا بيتعاملوا زمان ، وكانت عاوزة تجوزه واحدة غصب عنه ،،بس للأسف المبدأ ده غلط جداً)

أومأ ياسين برأسه اقتناعاً وأضاف

(أيوة فعلا عندك حق ياخالتو ، مستحيل أي ولد دلوقتِ يقبل علي نفسه التحكم من أي حد ،الزمن اتغير والتطورات كترت والنفوس ربنا أعلم بيها ...ثم صمت هنية وتحولت نبرة صوته من الجدية إلي المرح ، ثم اقترب بجذعة العلوي قليلاً من أمينة وهو يضيق عينيه قائلاً بمزاح

(ألا قوليلي بقي يا مُنمن ، جبتي كل المعلومات الحلوة دي منين )

ضربت أمينة كتفه بكفها ضربة خفيفة وهي لا تقدر علي التكلم من كثرة الضحك ،فأمسك ياسين كتفه متظاهراً بالألم وهو يقول بوجع مصطنع

(آآآه ..حرام عليكِ يا مُنمن بتشيلي حديد !)

خرجت حُسن من جمودها بعد تلك الجملة وابتسمت بشدة ولكنها وضعت يدها علي فمها تحجبها عنه ، فمنذ جلست وهي لم تشارك بشيء سوي الإستماع، ولكن ياسين رآها ونظر لها بخبث فعادت مرة أخري كما كانت .

تحدثت أمينة بعد انتهاء وصلة الضحك تلك وهي تقول بجدية

(خلينا نتكلم بجد بقي ياياسين ،صحيح انا اتجوزت بدري وما اتعلمتش بس اعرف حاجات كتير ،يعني قبل ما أولد حُسن كنت بروح محاضرات لتربية الأولاد وعرفت واتعلمت كتير جداً ، وكمان عندي ليكوا مفاجئة) .

قالت الأخيرة وهي تضم كفيها وتبتسم بسعادة ،فوجهت حُسن نظراتها لها بفضول كبير ،بينما قال ياسين

(أيوة بقي مفاجئة ،قولي بقي هي إيه؟!)

(بس ياولد اصبر ..قالتها أمينة بغضب مصطنع ثم أكملت.. أنا نويت أروح لمركز محو أمية )

قالتها وهي تنقل نظراتها بينهما لاستشفاف مايدور بخلدهما ..ولكن ردة فعل حُسن نمت عن سعادتها الشديدة فقد قامت تحتضن أمها بعد ثوان من الصدمة ففرحت والدتها بشدة وهنئها ياسين قائلا

(مبرووك ياخالتي ، بس معلش عاوز اسأل سؤال )

(اتفضل ياحبيبي)

قالتها وهي تصب نظراتها المهتمة عليه فقال

(ليه بعد السنين دي قررتي تتعلمي ؟!)

لم تتفاجيء أمينة من سؤاله ..ولكنها أرجعت ظهرها للوراء تستند علي الكرسي ،وقالت

(شوف يا ياسين ..أنا واحدة عند إمكانية إني اتعلم القراءة والكتابة ..وكمان استخدام التكنولوجيا ..يبقي ليه ما اتعلمش؟؟، ليه أحوج نفسي لحد وكل ما احب أكلم جوزي عالنت أجيب حد يفتحلي وحد يقفلي؟! ده أولاً ، ثانياَ بقي انت عارف محسن جوزي ..راجل له هيبته ومكانته والمفروض أكون لايقة بيه فهتعلم علشان كده ، وطبعاً هتسألني اشمعنا الوقتي بس فكرت إني لازم أليق بيه ؟!

ثم سكتت برهة وأجابت علي السؤال الذي سألته

(هقولك إني فكرت من زمان جداً ، بس من زمان كنت صغيرة ومفكرة إنه لو بيحبني يحبني كده ، ولما فوقت بقي قولت إني لازم أحافظ علي جوزي وما أسيبلوش أي ثغرة خالص ،وإني لازم أعمله كل حاجة علشان ما يبصش برة ، وكلام صفية فكرني بكدة بعد ماكنت تكاسلت ..بس كده ياسيدي )

كل ذلك وابتسامة ياسين تتسع رويداً رويداً كلما أضافت جملة ..جملة تذهله من شخصيتها ، وحُسن تشكر الله بسرها علي أنها ولدت من رحمها ، ولكنها فجأة نظرت لياسين ..فوجدته يبتسم وهو يسلط نظره علي والدتها ، فا استغلت الفرصة وأخذت تنظر له وفي عقلها إنه لايدري ! ، تنظر له بشغف كأنها ترسم صورته في مخيلتها ، وودت لو أن تلك الإبتسامة كانت شخصاً لتحتضنه ، ولكنها انتقضت فجأه بعد أن أدار ووجهه لها ، وظهر الإرتباك الشديد عليها وهي تعبث بكم اسدالها ، وهو مازال ينظر لها بحنو كاد يذيب جليد قلبها، ولكنها تماسكت وستتماسك ، ثم لمداراة حرجها احتضنت والدتها فجأة متمتة ببضع كلمات حب فيها .

وبالطبع سيستغل ياسين تلك الفرصة ...فهو استغلالي بطبعه ، فقام من كرسيه واتجه ناحية خالته الغارقة في أحضان حُسن ، وقال بغضب مصطنع

(يعني قاعدين تحضنوا بعض كده وناسيني ؟؟ طب أهو )

قال الأخيرة وهو يحني جذعه ليكون في مستوي جلوسهما ، وفتح ذراعيه الاثنين علي آخرهما وهو يأخذهما معاً بين أحضانه ..نعم حقيرٌ مُستغل .

ضحكت أمينة ملء شدقتيها ، ومدت ذراعها الآخر تحيط به كتفه والذراع الآخر تحيط به حُسن ..وهو ذراعه علي كلتيهما ،ووجه حُسن يقابل كتفه الأيمن، بينما حُسن تعالت ضربات قلبها بدرجة أفزعتها ،وتسارع تنفسها ، واهتزت حدقتاها توتراً وخجلاً وهي لاتدري ماذا تفعل ..ولكنها تشعر بشيء لم تجربه قبلاً ، فقررت الإنسياق وراء مشاعرها المطالبة إياها بالبقاء هنا بين أضلعه رغم ما يجيش بداخلها من خجل وتوتر.

وهو أحسن بالنعيم بين يديه ،يريدها أن تبقي هكذا للأبد ، ولا يصدق بأنها الآن بين أحضانه ..ساكنة تماماً لا يدل علي حياتها إلا شعوره بأنفاسها الدافئة المتسارعة التي اخترقت ملابسه واصلة إلي كتفه تعطيه شعوراً بالحياة، ثم مال برأسه وعرس أنفه بين خصلات شعرها ، يستنشق رائحته ويستنشق حتي امتلأت رئتاه بعبقها ، حتي كادت تبكي من فرط خجلها .

(إيه يا ياسين هو الوضع عجبك ولا إيه ؟!)

قالتها امينه وهي وهي تزجه برفق عنها وعن ابنتها التي صارت أشلاء من الخجل واصطبغ وجهها بحمرة قانية، وقالت بمزاح

(ده انت استحليتها أوي ياولا )

انفجر ياسين ضحكاً وعينيه مسلطة حُسن والتي ذهبت وجلست في كرسيها وهي تشبك يديها معاً بتوتر ...وهي تشعر بفراغ وبرودة ماحولها بعد أن كانت بين أحضانه ،وزاد توترها عندما شعرت بنظراته المسلطة عليها ، ثم وبدون كلمة عاد أدراجه مرة أخري وهو يبتسم بااتساع .

(إلا ماقولتوليش ..مين اللي عمل الأكل ده ،فاته برد )

قام ياسين بسرعة من مقعده وابتعد عنه ، وأحني جذعه العلوي بطريقة مسرحية وهو يقول

(معاكوا الشيف ياسين ..كل حاجة عمايل ايديا وحياة عينيا )

عادت امينة للضحك مرة أخري ، وظهرت ابتسامة واسعة تحولت إلي ضحكات متقطعة علي وجه حُسن والتي لم تستطع كبتها أبداً، فمنظره المضحك لا يُقاوم .

جلس مرة أخري وهو يقدم لهم الطعام ومازال منتحلاً شخصية الطاهي ..ثم قال بعملية وهو يشير إلي أحد الأطباق

(دي عجة بيض ..ثم سكت قليلاً بعد أن ظهر شبح ابتسامة علي ثغره وحُسن وأمينة ينظران إلي ما يشير إليه بتعجب واشمئزاز ..وأكمل ..هي صحيح قالبة علي قالب طوب بس مش مشكلة دي عجة وخلاص أهم حاجة الطعم )

وانفجر ضاحكاً بعد الجملة الأخيرة وشاركته أمينة وحُسن التي تخلت منذ دقائق عن مبدأ القوة والتي بدأت تطبيقة منذ مدة لا تتعدي الساعة!!

(طب دوقي بس كده )

قالها ياسين وهو يهم بأخذ قطعة خبز ويضع عليها بعض العجة ويقربها من فم أمينة التي ابتعدت فجأه برأسها كأنها ستأكل شيء سام .

(إيه يا خالتي دي عجة مش هتموتي يعني )

قالها بسخرية مصطنعة فاقتربت ببطيء من يده الممسكة بقطة الخبز ووضعتها في فمها وأغمضت عينيها وهي تمضغ بتقزز من طعمها المقرف

(بس ممكن تدخلي المستشفي عادي ) أكمل جملتة التي قالها قبل أن تضع اللقمة بفمها وانفجر ضاحكاً فنظرت إليه صفية نظرة أخرسته ، كل ذلك وحسن تراقب المشهد بقلب يدق بعنف ، أسيأتي دورها ؟؟حسناً لقد فهمت مايريد بألاعيبه تلك ولن تسمح له.

(لا يا حُسن خليكِ قوية زي ما انتِ وماتستسلميش ، حتي لو كان حبيبك ياسين اللي هيأكلك اللقمة دي )

قالتها في نفسها بتحسر ..فهي تريد هذا أكثر منه ولكن لتؤدبه قليلاً .

(يللا يا ست الحُسن افتحي بؤك )

لم تأخذ بالها أنا استفاقت من غفلتها إلا عند توترها الواضح لسماع لقبها المحبب منه ، ورفعت رأسها تنظر ليده المدودة أمامها باذبهلال ، وقررت التصرف
بسرعة وهي تلعنه في داخلها آلاف المرات .

(شكراً خليهالك )

كلمتان أخرجتهما ببرود شديد من فمها ابتسم هو لاثرهما كأنها قالت دعابة ، ثم بحركة مفاجئة أمسك مؤخرة ظهرها ووضع اللقمة في فمها غصباً فنظرت له بعضب كاد يحرقه ، وجاهدت لبلع ما بفمها بسرعة حتي تخرج ما بجعبتها من شتائم ، وعندما انتهت كان قد جلس مكانه مرة أخري وهو يلتقط قطعة خبز ويأكلها كأنه لم يفعل شيئاً ، وما أدراك ما فعل بها هذا التصرف، فقد زادت حوقاً وغضباً منه ومن استفزازه حتي كادت تبكي كالأطفال وهي لاتستطيع قول شيء،ونظر لها بطرف عينيه فوجدها تأكل في نفسها فاغتاظت أكثر .

(إيه ياسين كده تأكل البنت غصب عنها ،وبعدين من حلاوتها ده أنا هجيب اللي في بطني !)

قالتها أمينة وهي تلتقط صنفاً آخر تتذوقه ، فرد ياسين بفخر مصطنع

(يا خالتو بيتهيألك انتِ بس ،ده الأكل ده مايقدرش يعمله أكبر شيف في مصر )

هزت أمينة رأسها باحباط وهي تكمل طعامها ،ونظر ياسين لحُسن فوجدها تنظر له بغضب فابتسم لها فتأففت وقامت من كانها بسرعة وهي تتجه نحو المطبخ معطية ظهرها لهما قائلة

(ماما أنا هروح أعملي حاجة آكلها عشان لسه في عز شبابي ومش عايزة أموت ..وكمان لسه العرسان ماجوليش وماحسيتش بالفرحة دي )

قالت الأخيرة بتلاعب وهي تقسم بأنه الآن يخرج دخاناً من أنفه ، وهو كذلك ..توقف عن الأكل وهو ينظر لظهرها بعضب لو رأته لأتته معتذرة عن تلك الكلمة ، ثم فرت بسرعة من أمامهما حتي قبل أن تسمع رد أمها .

(يرضيكِ ياخالتي ما ترضاش تاكل من الأكل اللي عملته ،وبعدين والله فيه حاجات حلوة)

قالها بحزن مصطنع بعد أن تخلي عن غضبه ،وهو يأمل أن تنجح خطته فأتته الإجابة علي هواه سريعاً

(أيوة فعلا كفاية انك تعبت فيه ياشيف )

قالتها بمرح وهي تهم بالنداء علي حُسن

(حُسن عيب كده تعالي كلي من الاكل ده أو حتي اشربي لبن )

ضربت حُسن بقدميها أرضاً وهي تتأفف مثل الأطفال ، ولكن بدر إلي ذهنها شيء ..أفتعل تلك الخطة للحاق بها مثل المرة السابقة؟! ، ثم ركضت بسرعة إلي الخارج قبل أن يفعل ما فكرت به ..مفضلةً تناول طعامه علي أن يأتي ليأخذها .

ظهرت امارات الصدمة علي وجه ياسين حينما رآها ، وتجلت خيبة الأمل علي ملامحه الوسيمة وهو يراها تسحب كرسياً وتجلس عليه بابتسامة متلاعبة كالقطة المطيعة .

(خلاص يا ماما أيوة عيب فعلاً وأنا هعد آكل )

قالتها وهي تنظر له بخبث اكتسبته منه هو وهي تري علي وجهة ملامح الصدمة ، وكم فرحت لذلك .

أكملت طعامها علي نفس الوتيرة إلي أن انتهت ، وأمينة تنظر لها بتعحب جلي وقررت عدم التعقيب .

وبعد ان انتهوا جميعهم ، التقط ياسين هاتفه من جيبه ليخرج ضيقه فيه ، وعندما فتحه ظهرت علي وجهه معالم الصدمة وضرب جبهته بكفه وهو يقول

(آه ..نسيت خالص أطمن أمي وأهي رنت 22مرة أكيد الوقتي قلقانة )

توترت صفية وقالت بااستنكار

(يعني انت ماقولتلهاش انك بايت هنا؟! )

هز ياسين رأسه كعلامة للنفي ،فقالت صفية بثبات محاولة طمأنته

(ما تقلقش هي أكيد عرفت انك هنا بس حابة تتأكد )

كان ياسين قد طلب رقمها ، فأتاه من الناحية الأخري صوت قلق متوتر

(ازيك يا أستاذ ياسين ، ده موبايل مامتك أنا الحاجة هنية جارتكوا ،أنا آسفة يا ابني البقاء لله باباك عند ربنا)

وقع هاتفه أرضاً من هول صدمته ، ولم تظهر علي وجهه أي علامات سوي البهوت وهو ينظر في الفراغ ولا يصدق هذه الفاجعة ، بينما قامت حُسن مسرعة وقلبها ينفطر علي منظره المريب وردة فعله الغريبة وتحركت أمينة باتجاهه وقد بدأت بعض قطرات الدموع في النزول علي وجنتيها وقد أحست بانقباضه في صدرها ، ثم أخذت الهاتف الواقع أرضاً وهي تقول

(أيوة مين وفيه إيه ؟؟؟)

جائها الصوت الآخر مبحوحاً متوتراً

(والد ياسين البقاء لله )

وضعت صفية الهاتف علي الطاولة بصدمة ، وحُسن ورائها تنقل نظرها بينهما بقلق وتوتر وهي تعض علي شفتيها

(فيه إيه يا ماما بالله عليكِ ،وياسين ماله كده ؟!)

قالتها وهي علي وشك الانفجار في البكاء ،وقد صعب علي قلبها رؤيته في تلك الحالةوما كادت تكمل جملتها ، سقط ياسين علي الطاولة برأسه محدثة صوتاً كانت رد فعل صفية الوحيدة له شهقة خرجت منها وهي تضع يدها علي فمها وتري الدماء تنزل من رأسه ، وحُسن التي أحست بالأرض تدور حولها وبدأت الصورة تُحجب عنها.

***********

سار مُحسن بلا هوادة بعد رحيل إحسان وهو لا يصدق أي ذنب اقترفه ، ولماذا أفاق الآن خاصة ؟؟!
أم أن الإنسان يختار الإنسياق وراء قلبه وشهواته دون أن يأخذ باعتباره ماقد يأتي لاحقاً ، وها هو وُضع في الأمر الواقع .

جلس أمام البحر ووضع رأسه بين كفيه وتنهد بقلة حيلة ورأسه سينفجر من كثرة الأسئلة ، ماذا عساه يفعل ؟! ،وماذا ستكون ردة فعل ابنته وزوجته إن عرفتا ! وهل حقاً سيخبرهما !؟

عند نقطة الإعتراف تلك اشتد عليه ألم رأسه وهو يفكر ..هل ستفشي إحسان سرهما انتقاماً لنفسها !!

ولعجزه عن الإجابة عن كل تلك الأسئلة ، بدأت بضع قرات من الدموع بالإنسياب علي وجهه بهدوء كأنها تخبره بعاقبته ..وأن حياته ستصبح جحيماً بعد ذلك .

امتدت يده إلي جيبه والتقط هاتفه ، وهو يطلب رقماً يدري بأن صاحبه لن يفعل شيئاً سوي زيادة ألمه ..ولكن هل من ملجأ آخر !!

أتاه الصوت الآخر هادئاً رزيناً وهو يقول بنبرة عادية

(إزيك يا مُحسن خير مش بتتصل عليا إلا وقت المشاكل )

أغمض محسن عينيه ألماً وهو يجيب

(لا مش خير أبداً يا مهند ولا عمره هيكون)

ظهرت امارات التعجب والاندهاش علي مهند الذي حيرته نبرة محسن الفاترة ..المستكينة والمتألمة وقال بتوتر

(انت فين يا محسن قولي حالا هجيلك )

(لا مش عايزك تيجي )

قالها محسن وهو يشير بيده في الهواء وكأنه يتخيل وجود مهند أمامه ، فزاد قلق الآخر وهو يردف

(قاعد عالدكة قدام البحر صح ..ثواني وأكون عندك )

قالها بسرعة وأغلق الهاتف قبل أن يسمع رده ، فهو قد أدرك أن شيئاً ما قد حدث ، شيء كبير يجعله بتلك الحالة، وأخذ محسن نفساً عميقاً يهديء به من روعه ، فهو هاتَفَهُ ليشعر بالراحة وليس لاخباره ، فكيف سيخبره بأنه فعل شيئاً كهذا !؟

بعد دقائق قليلة لمح محسن مهند قادماً من بعيد ، فتعالت ضربات قلبه مثل طفل ينتظر عقاب الاستاذ علي خطأ اقترفه .

وصل مهند إليه وهو يراه بتلك الحالة المزرية ، ووضع كفه علي كتفه وهو يقول بقلق

(فيه إيه يامحسن مال ماتقلقنيش عليك )

أنهي جملته وهو يجلس بجواره وينظر إلي باهتمام منتظراً إجابته ، ولكن محسن لم يفعل شيئاً سوي الالتفات والنظر له ، فجاراه مهند في صمته والذي طال لدقائق .

تحدث محسن أخيراً بعد أن وجه نظره للبحر أمامه بشرود

(أنا هدخل في الموضوع علي طول رغم اني اتمني احذفه من ذاكرتي خالص ، أنا غلطت غلطة لايمكن تغتفر أبداً يا مهند ..أبداً إبداً )

تضاعف قلق مهند ورد بسرعة

(قول يا محسن فيه إيه ؟!)

رد محسن بنفس الشرود

(المفروض واحد زيي يكون مكسوف من نفسه ..لكن أنا لأ ، هكلمك عادي عن الموضوع وعايزك تقول كل اللي نفسك فيه )

(شوف يا مهند ، أنا خونت أمينة ..لمدة أربع سنين )

قالها بنبرة تبدو غير مبالية ولا تناسب العبء الذي يحمله علي قلبه ، وببساطة كأنه لم يعد لديه شيء يخسره أو يخاف منه .

ومهند ظهرت علي وجهه علامات الصدمة الكاملة ولم يتفوه بحرف قط ، وظل صامتاً كأنه يحاول استيعاب ماقيل أو ختي يمني نفسه بأن محسن قد قال شيئاً خاطئاً وسيصلح ذلك الخطأ ،ولكن صمت مخسن لم يدل علي ذلك أبداً ، فبعد أن خرج من حاله ذهوله أمسكه من تلابيبه وهو يهدر بشراسة

(يعني إيه خونت أمينة ؟! خونت مراتك اللي مستنياك ومستحملة غيبتك من خمس سنين ، ازاي قادر تقولها ببساطة كده ؟ ، إزاي قدرت تعمل كده أصلاً؟، مافمرتش في بنتك ؟! )

توقف لحظة يلتقط أنفاسه ثم تركه وهو يقول بقهر

(رد عليا يا ابني واكذب وقول ان الكلام ده غلط)

أوجعته نبرة مهند المصدومة به،وأخذ يتخيل ردة فعل أسماء عندما تعلم ولكن نفض رأسه ليخرج ذلك التخيل فلا ينقصه شيء آخر ، وأوما برأسه وهو يقول

(لا مش كذب يا مهند ،وأنا مش جايبك عشان تعملي دور المصدوم ده أنا عاوز حل دلوقتِ )

(حل )

رددها مهند عدة مرات كأنه لا يستوعب معناها ، ثم قال بجمود

(انت اللي وقعت نفسك في المشكلة حلها بنفسك ، أنا مراتي كانت بتخوني وهي علي ذمتي وانا عارف ورغم كده ما اتحججتش بخيانتها وروحت خونتها ..بالك انت بقي من غير أسباب؟!

(لا انت مش عارف أسبابي )

قالها باعتراض فابتسم مهند بتهكم وهو يقول

(أسباب إيه يا أبو أسباب انت !! ،، إكيد هتكون حاجة اختلقها عقلك تداري بيها علي خيبتك زي اللي عملوا كده قبلك ، وهتعد تجيب سبب من الشرق علي واحد من الغرب وبرضه مش هتكون جملة مفيدة، اللي أحب أقولهولك انك لازم تتحمل مسؤلية اللي عملته وتبقي مستعد تواجه العقاب ،مش تجري وتحاول تداري ، وحضرتك المفروض تكون اللي بتعلمنا الصح ما انت أخونا الكبير برضه ولا إيه !؟)

أدار محسن وجهه الناحية الأخري وهو يشعر بالخزي والعار ، ثم قال بصوت خال من الحياة

(أنا نازل مصر ولسه ماحدش يعرف )

رمقه مهند ببرود وهو يقوم من مجلسه عائداً إلي حيث أتي ..لعله يجد نفسه في حلم ، تاركاً ورائه رجل تلعب به الوساوس وتقذفه حيث تريد .

***********

نظر نائل من زجاج السيارة بشرود ، شرود لازمة منذ عام كامل ولم يتخل عنه يوماً ، وأخرجة من شروده صوت السائق يقول

(وصلنا يا باشا )

فتح نائل الباب بدون مساعدته فهو ليس بذلك الكِبْر ، ونزل بخطوات واثقة متجهاً نحو بيته الكبير ، ودخل من الباب واتجه نحو غرفته وهو يفك ساعته من علي معصمة

أتت إليه إحدي الخادمات مهرولة وهي تقول بتهذيب

(حمد لله عالسلامة يا باشا ، تحب الأكل يجي إمتي ؟؟)

(لامش هاكل يا سارة ، طلعيلي سُلاف فوق )

(حاضر )

قالتها وهي تتجه مرة أخري إلي حيث عادت ، وذهبت باتجاه إحدي الغرف وأحضرت فتاة صغيرة فائقة الجمال ،عيون زرقاء واسعة ورموش كثيفة ونظرة طفولية بريئة ، وسألتها الفتاة بخوف وصوت خافت

(هو إحنا رايحين فين ؟!)

طمأنتها سارة قائلة

(ماتخافيش يا سلاف رايحين لبابا )

(بابا !)

نطقتها الصغيرة بتوتر وكادت ترجع للوراء ولكن سارة أمسكتها وقالت بحنو

(ماتخافيش يا حبيبة قلبي بابا كان متعصب بس قبل كده ومش هيزعقلك تاني )

نظرت إليها سلاف مقتنعة بما قالته فهي طفلة ! ، وذهبت معها إلي حيث نائل .

طرقت سارة الباب بخفة وتركت سلاف التي كانت ترتجف خوفاً أمام الباب ، وعندما فتح نائل الباب وجدها تقف كالقطة المبتلة ففتح لها ذراعيه لتحتضنه ولكنها ظلت مكانها ولم تفعل ، فجذبها من يدها للداخل وأغلق الباب بضيق بعدما رأي عدم استجابتها .

(فيه إيه يا حبيبة بابا مالك ؟!)

ظلت سلاف صامتة خائفة ولم ترد ، فتأفف نائل بنفاذ صبر وهو يقول

(فيه مربية هتجيلك بكرة ،وهتعد معاكي كتير وتلعب معاكي في الوقت اللي مش بكون فيه هنا )

(بجد )

نطقتها الفتاة أخيراً وهي تصفق بيدها فرحاً ، ثم عادت لحالتها مرة أخري فاابتسم نائل بسخرية وهو يقول

(لازم أحاول أصلح الفجوة اللي بينا دي بأي طريقة)

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:56 pm

(الفصل الخامس)
(دروب الغفران شائكة)


شعرت حُسن بدوار اجتاحها فجأة ، فمشهد سقوط ياسين واصطدام رأسه بالطاولة ولّد لديها مشاعر من الخوف لم تعتقد أن تشعر بها يوماً ،لكنها استندت بيدها اليسري علي الطاولة لتحفظ توازنها ، وحاولت الثبات ومحو تلك الصورة الزجاجية الماثلة أمام عينيها لتتمكن من الرؤية ، وكانت أمينة في عالم آخر ، تبكِ وتبكِ علي مصيبتين متتابعتين لم تكونا بالحسبان ، فبعد كل هذا الضحك والمزاح صُدم بهذا الخبر ..ثم هاهو لا يحرك ساكناً وتتسابق الدماء للخروج من جرح جبهته .

حاولت أمينة تحريك ساقيها المتيبستين لمساعدة ياسين وأسرعت نحوه وهي ترفع رأسه بصعوبة لثلقها ، ووضعت يدها علي الجرح تمنع خروج الدماء منه فتلطخت يدها بلونٍ أحمرٍ قان ، وتصاعد خوفها وعقلها يطرح آلاف الأسئلة، ثم صاحت بحُسن التي تغرق في عالم آخر وتتطلع ببهوت في الفراغ غير مدركة لما يحدث حولها

(حُسن هاتي مناديل بسرعة نسد الجرح علشان مايتلوثش )

قالتها من بين خوفٍ كاد يفطر قلبها علي ابنها كما تسميه ، ولكن حُسن مازالت في حالة الشرود وكأنها أغلقت أذنها عن سماع أي شيء ، فـفردت أمينة ذراعها علها تصل إليها وحركتها بعنف وهي لا تدري ما أصابها

(حُسن فوقي أرجوكي كفاية ياسين هتبقي انتِ كمان )

استجابت حُسن ببطيء ليد والدتها التي تهزها ورمشت بعينيها العديد من المرات ودموعها تتسابق علي وجنتيها ، وقلبها العاشق مابين قلق وخوف جم لم تذق مثله قبلاً .

(حُسن أرجوكي بطلي عياط علشان نقدر ننقذه ،وروحي هاتي مناديل بسرعة وأنا هنادي علي عمو عمر وعمو علي )

قالتها أمينة بعد أن رأت استجابتها البطيئة حاثةً إياها علي المساعدة وعدم الانسياق وراء حزنها ودموعها ، فتحركت حُسن ببطيء حتي وقفت في منتصف الصالة وكأنها نسيت مكان المناديل ، ولكنها أغمضت عينيها تحاول الثبات ومدت إبهامها تسمح دموعها التي تعيق رؤيتها ، وانطلقت مسرعة لتحضر المناديل وتنقذ حبيبها !.

بينما فتحت أمينة باب المنزل ووقفت علي السلم وهي تصرخ طالبة المساعدة منهم بصوت عالٍ وأن يغيثها أحد ، فنزل عمر بسرعة تبعه علي وهما يسألان عن سبب كل هذا الصراخ وتلك الدماء التي تلطخ يدها ،فأخبرتهم أمينة بأن ياسين قد جرح ،ونزل عمر ليشغل السيارة لأخذه للمستشفي ، وذهب علي مع أمينة لمحاولة افاقته .

بينما حُسن أحضرت المناديل وعادت مرة أخري إلي حيث هو وهي تسمع نداء أمها المستغيث ، ثم وقفت تطالعه بعدم تصديق وبدأت دموعها بالهطول مرة أخري ، ولكنها تقدمت بسرعة نحوه ورفعت قدمها علي الكرسي الذي يجلس عليه وحاولت أن تحني جذعه العلوي للخلف لكي يستند رأسه علي قدمها ونجحت بذلك.

أخذت تضع المناديل علي الجرج الذي تشعر بخروج الدماء منه وهي حرفياً لا تري ، ودموعها لا تتوقف عن الهبوط من عينيها مستكينة علي وجهه الذي يقبع علي ساقها ، ثم انتهت من وضع المناديل وهي تضرب وجنته برفق علّه يستفيق ، وقالت برجاء حزين دامع وقد قاربت علي الانهيار

(ياسين أرجوك فوق ، أرجوك علشان خاطري وكل حاجة هتبقي كويسة، أنا آسفة إني عاملتك وحش وماعدتش هعمل كده تاني ، بس اصحي ..أرجوك )

قالت الأخيرة وهي تحني رأسها الناحية الأخري ومازالت واضعة يدها باحكام علي المنديل المغطي للجرح، ثم دخل علي ومعه أمينة، وسحب علي ياسين ببطيء وساعده عمر الذي أنهي تشغيل السيارة ، وأنزلوه ببطيء من علي السلم وهو في دنيا أخري ، وتبعهم أمينة التي نزلت بعباءة البيت بعد أن غسلت يدها وحُسن التي لم تتوقف عن البكاء ، وقابلا صفية في طريقها للنزول من السلم وهي تنظر لهم بتوجس ..ولكنها لم تكلف نفسها عناء السؤال عما يحدث وراقبتهم بفضول وهم ينزلون بجموح إلي الأسفل!!.

وضع علي وعمر ياسين المصاب داخل السيارة في مقعدها الخلفي نائماً بالطول ، وركب عمر أمام المقود وأمينة بجواره ، ولم يتبقي مكان لحسن التي أخذت تتوسل أن تذهب معهم فأجلستها أمينة علي قدمها ، وانطلقوا باتجاه المستشفي وتبعهم علي الذي رفض الإجابة علي مكالمات أسماء والتي بالطبع تريد معرفة مايحدث .

بعد وصول السيارتين إلي المشفي ، ترجل علي وعمر وفتحا الباب الخلفي وأسندا ياسين وأدخلوه إلي الداخل ، وصفية وحُسن في حالة يرثي لها .

(عاوزين دكتور بسرعة )

قالها عمر بصوت جهوري وهو يسند ياسين ، فحدثت جلبة بالمشفي لرؤياهم يسندون شخص ما ، وحضر إليهم الطبيب وبعض الممرضات ومعهم نقالة وضعوا عليه ياسين وذهبوا لغرفة الكشف ليتفحصوه ، وبقوا جميعهم بالخارج

جلست أمينة وحُسن وعلي وظل عمر واقفاً يسير ذهاباً وإياباً في قلق ، وحُسن كلما أحست بالتعب توقفت عن البكاء ثم تعود مرة أخري .

توقف عمر أمام أمينة التي تنتظر خروج الطبيب بقلق وتوتر وقال مستفسراً

(هو إيه اللي حصل يا أم حُسن ؟!)

ابتلعت أمينة غصة بحلقها وهي تجيب بتقطع واختصار شديد وعلي وحُسن ينتظران الإجابة بترقب

(اتصل يطمن علي مامته وحد رد عليه وقاله إن أبوه مات )

وضعت حُسن يدها علي فمها مكان شهقة خرجت منها وهي لا تصدق تلك المصائب وأن هذا سبب ماحدث لحبيبها ، وكأن سكيناً غُرز بصدرها وهي تتخيل الحزن الذي سيصيبه ، واستغفر علي وعمر ربهما وهما يدعيان له بالرحمة .

خرج الطبيب أخيراً وهو يخلع قفازاته ويمسح حبات العرق المتلألئة علي جبينه ، فسارع إليه الجميع يستفسرون عما أصابه .

(ماتقلقوش يا جماعة هو جرح بسيط يعني وخيطناه الحمد لله بأربع غرز ، وبالرغم من إن الموضوع بسيط الا انه أغمي عليه وأكيد ده من أثر صدمة ، وهيبقي كويس إن شاء الله ، بس هو فاق جوه أهو ومحتاج راحة لأنه مجهد جدا ، ويقدر يخرج وقت مايكون كويس)

لم تعرف حُسن كيف ركضت إليه بتلك السرعة بعد أن سمعت الطبيب يقول بأنه أفاق ، وفتحت باب الغرفة وولجت للداخل ووقفت علي بعد منه وهي تنظر إليه بحب يقفز من عينيها اللامعة بدموع فرحة رؤيته مفتح العينين مرة أخري .

بينما ذُهل الطبيب والجميع مما فعلت حُسن ، وكادت أمينة تدلف ولكن الطبيب أوقفها بإشارة من يده قائلاً

(لا ماينفعش الوقتِ يا مدام ، أنا قولت إنه مجهد ومحتاج يرتاح بس هي دخلت بسرعة ،وخمس دقايق وتخرج وبعد نص ساعة ولا ساعة ادخلوا انتم وامشوا كلكوا سوي )

حركت أمينة رأسها رافضة وهي تقول بتوسل

(علشان خاطري يا دكتور عاوزة أدخل الوقتي )

ارتفعت نبرة صوت الطبيب وهو يقول

(يا مدام اللي جوه ماكانش ينفع تدخل ،استنوا شوية وهتدخلوا )

أومأت أمينة بقلة حيلة وذهبت لتجلس مرة أخري فلم تكن قدماها تحتمل الوقوف ، منتظرة حُسن لتطمأنهم علي حالته.

بينما ظلت حُسن متجمدة في مكانها منذ دلفت ، وهي تطالعه باشتياق كأنها لم تره منذ سنين وهو ينظر ناحية النافذة بشرود ، ونظرت لجبهته التي وُضع عليها لاصق طبي وهي تشعر بتمزق قلبها لرؤيته هكذا ، وودت لو تكون مكانه تفديه بروحها وقلبها وجسدها، ثم نزلت عينيها تتفحص هيئة جسده ، وتقدمت ببطيء حتي وصلت إليه ووقفت بجوار رأسه ، وهو مازال لايشعر بها ، ثم مدت يدها بارتعاش نحو وجهه وكورته بين كفيها ، فاالتفت بعينيه بعد أن شعر بيد ناعمة تحيط وجهه ، ووقعت عينيها أسيرة عينية وأرسلت له ابتسامة معبئة بالدموع ، وهو أغمض عينيه مستمتعاً بتلك اللحظة التي يري فيها خوفها عليه ،وكأن تعبه كله زال بحركتها تلك ولمرآها، ثم تغيرت معالم وجهه فجأه وسقطت دمعة من عينيه مارة بوجنته حتي لامست أسفل كفها .

أغمضت عينيها وهي لاتدري ماذا تقول ، وكيف تواسيه علي موت والده ، ولم تجد شيئاً إلا أنها سحبت يدها من علي وجهه وأمسكت بيده الساكنة بجواره ..تعطيه الأمان والقوة بصمت وتخبره بأنها هنا بجواره .

وكأنه استجاب لحركتها تلك ، وأغمض عينيه بوهن يطلب الراحة وهو يشعر بخدر في كل جزء من جسده ولا يقدر علي تحريكه ، وشد علي يديها بقوة كأنه يخشي أن تفلت منه .

غفي ياسين وظلت حُسن بجواره تمسد شعره بحنان وهي تشكر الله بسرها أنه أنقذه فقلبها العاشق صور لها نتائج أخري ستأتي من مجرد أربع غرز، ثم ظلت تنظر لملامحة المتقلصة بألم حتي غفت هي الأخري جالسة ويدها مازالت أسيرة يديه كأنهما تستمدان القوة من بعضهما.

بعد مرور الفترة التي حددها الطبيب دخلت أمينة وكانت قلقة علي حُسن فهي لم تخرج ، ولكنها وجدت ياسين قد استيقظ وهو يسلط نظره في الفضاء أمامه ، وبجواره حُسن تمسك بيده وهي نائمة تماماً.

انتبه ياسين لوجود أحد فحول نظره تجاهه فوجدها خالته تنظر له بفرح ، ثم تقدمت منه وهي تقبل وجهه فرحة باستيقاظه ، ومدت يدها تحرك حُسن ببطيء حتي تستيقظ وقد تعجبت من نومها ولكن ليس وقت النقاش، فااستجابت لحركتها وقامت بتثاقل غير مدركة أين هي وماذا يحدث ، ثم أخذت تنقل نظرها بينهما بتعجب حتي أدركت ما يحدث ،وكادت تسحب يدها من يده بخجل إلا أنه شد عليها أكثر رافضاً أن يتركها ، وهم بالنهوض وهو مازال ممسكاً بيدها وهو يصدر تآوه متألم فساعدته أمينة علي الجلوس وهي تقول دامعة

(حاسس بايه يا حبيبي ؟!)

رد بصوت خال من الحياة

(الحمد لله )

أرهفت حُسن الاستماع له وهو يقول (الحمد لله) وأعادتها العديد من المرات بداخلها وكأنها لا تصدق عودة صوته له ،وودت لو يتعافي بسرعة ويخرج من حزنه ليعود لمشاكستها التي تعشقها ، ولكن عند تلك النقطة أخذت شهيقاً طويلاً فهي لاتدري ماذا سيفعل بعد .

(خالتي ..)

قالها ياسين بجمود وصمت منتظراً إجابتها فقالت

(نعم يا حبيب خالتك )

رد بضعف

(روحي اعدي مع أمي الوقتي منهارة جداً ،وطمنيها عليا وقوليلها إني في الطريق ، وأنا عشر دقايق هستجمع قوتي بس علشان هي لما تشوفني ماتحسش بحاجة غلط وهاجي علي طول ، ثم تحولت نبرته للحزن وهو يقول ..كان نفسي أكون جنبه)

ردت صفية باستنكار

(تيجي فين ياياسين ارتاح الأول ،انت عايز امك تتعب أكتر يعني )

ثم توقفت فجأة وكأنها تذكرت أختها الآن ..فيجب عليها الوقوف بجانبها

(لا مش حكاية ارتاح أنا كويس ، أنا بس هحاول ابقي ثابت علشان هي هتتأثر بي)

أومأت أمينة بسرعة لكي تذهب لاختها وقالت

(ماشي اللي تشوفه ، أنا ماشية وخليكِ يا حُسن هنا)

وخرجت أمينة قاصدة أختها ، وهي تتوقع أن تكون في حالة مزرية لموت زوجها .

بينما أدار ياسين وجهه الناحية الأخري ،وصورة والده الضاحكة ماثلة أمام عينيه ، ثم ابتسم بضعف وقهر وهو يدرك أنه لن يراه مرة أخري ، وشعر بضيق في صدره وكأن أحدهم وضع صخرة عليه ، ثم سحب نفساً عميقاً ببطء ودموعه تأبي النزول .

رأت حُسن بوضوع معاناته ، وقلبها ينفطر عليه، وللمرة الأولي لم تشعر بتوتر لوجودهما وحدهما ، وودت لو تستطيع إخراجه من حالته تلك ، ثم تحركت للناحية الأخري بعد أن سحبت يدها من يده علي حين غفلة منه ، وأصبحت أمامه فرفع نظره لها ، ثم نظرت إلي عينيه بقوة لم تعلم من أين أتتها وقالت بمواساة

(ياسين ..أنا عارفة كويس قد إيه انت زعلان بس ده قدر ربنا واحنا مالناش غير الصبر ، ادعيله كتير بالرحمة هو بقي عند الأحسن مني ومنك ومن كله ، وآخر حاجة بقولهالك ..عيط ..عيط خرج كل اللي جواك وماتفضلش ساكت كده ، انت ماتعرفش منظرك ده بيعمل فيا إيه )

قالت الأخيرة بتألم وخفوت ،وأغمض ياسين عينيه ودعي لوالده بالرحمة ، ثم تحرك قليلاً من مكانه وسحب حُسن من يدها وأجلسها بجواره ..وهي أغفلت من حركته تلك وتوترت ودق قلبها بعنف لهذا القرب المهلك ..ولم يكن هو أقل منها توتراً و..حزناً ، ثم قالت ببتلجلج وهي تضع يدها بجوارها تستند عليها

(نفسي أعملك حاجة تخرج من اللي انت فيه ، وعارفة انك هتاخد وقت علي اما ترجع ياسين القديم تاني والحزن ده يروح..ورجائي الأخير ليك ..عيط يا ياسين ما تفضلش ساكت وحابس التعب ده جواك )

سلط نظره عليها وهو يتأمل ملامحها التعبة ، وكلماتها كانت بمثابة مداواة ولجراحه ، ثم قال بصوت مختنق به بحة

(انت الوحيدة اللي تقدر تخرجني من اللي أنا فيه ، الوحيدة اللي ممكن أصبر عشانها )

دق قلبها بعنف لسماعه جملته ، وانتظرت بترقب حركته التالية.. ، فإذا به يرمي رأسه علي صدرها ويشرع في البكاء بعنف ، بكاء ربما لم يبكي مثله وهو صغير .

بينما هي ذُهلت من حركته تلك ودق عقلها ناقوس الخطر ، ثم سحبت يدها ببطيء وارتعاش وهي تحيط رقبته ورأسه وقربته منها أكثر بجرأة ولكنها حركة عفوية ، وتمرر يدها ببطيء علي ظهره محتوية إياه بين أضلعها ، وشعرت باانقباضة في صدرها وهي تسمع لبكائه الذي ارتفع صوته حتي ملأ الغرفة المعبئة بالحزن تلك ، فشاركته البكاء دون تحفظ ودموعها تنرل ببطيء علي كتفيه ، وهو غارق في عالم آخر بين أضلعها ، يشعر بأمان لم يشعر به قبلاً وهو يخرج جميع مابداخله من سلبيات استقبلتها هي برحبابة صدر ، ومنظرهما في تلك اللحظة يمثل معني المعاضدة وتبادل الآلام.

***************

غفت صبا أثناء حركة القطار ، ثم فاقت قبل الوصول بقليل وهي تدعوا الله بأن يكتب لها الخير ويوفقها ، ثم خطر إلي بالها شيء كانت غافلة عنه ، فأخذت هاتفها وطلبت رقم والدها بسرعة فأتاها الصوت الآخر متلهفاً وهو يقول

(إيه ياصبا وصلتي ولا لسه ؟)

ردت بهدوء

(لا لسه شوية ، بس عاوزة من حضرتك طلب ..)

(اتفضلي ياحبيبتي )

قالها بحنو وهو ينتظر طلبها فأردفت

(عاوزة أأجر شقة أعد فيها ، حتي لو تكون مثلا سكن طلبة أو كده لأني مش عايزة أعد في نفس البيت مع شخص غريب حتي لو هو مين )

هز علي رأسه بإعجاب وهو يقول

(ما شاء الله عليكِ يابنتي ،هكلم أي حد من معارفي يأجر شقة وهجبلك عنوانها وعلي بكرة كده تكوني فيها إن شاء الله )

كادت تتكلم لكنه أوقفها قائلاً

(النهاردة بس باتي هناك وابقي اقفلي الأوضة عليكِ ،لاني مش هقدر اجيب شقة النهاردة ،ولو اني خايف تبقي لوحدك في شقة بس ربنا معاكِ وحافظك وأنا واثق فيكِ)

أومأت صبا بقلة حيلة وقالت بشكر

(شكراً يابابا علي ثقتك وهبقي قدها إن شاء الله )

صمت علي برهة كأنه يخشي إخبارها ،لكنه حسم أمره قائلاً

(صبا تعرفي ياسين ابن خالةحُسن ؟! وقبل أن تجيب سارع يقول
(باباه مات والود ياعيني اتصدم ومش عارف حصل ايه كده اتجرح في جبهته وهو في المستشفي الوقتي )

عقدت الصدمة لسانها عن التحدث ، وهي تفكر الآن بحالة حُسن وأمها وحال ذلك المسكين طريح المشفي وقد شعرت بالألم لألمهم وودت لو تكون بجوارهم تشد من أزرهم ، ثم قالت بخفوت وحزن

(ربنا يرحمه يارب ويدخله فسيح جناته ، خليك معاهم يا بابا انت عارف عمو محسن مسافر ،ولو تقدر تتصل تقوله قوله )

دعي له علي بالمثل وقال مؤكداً

(أكيد هفضل جنبهم ، وهشوف حكاية محسن دي ، وأنا الوقتي هروح العزا وبعدين أرجع أشوفلك شقة )

(تمام يابابا ربنا يصبرهم يارب )

قالتها بصدق من قلبها وهي تشعر بما يعانوه الآن ،ثم أغلقت الهاتف بعد الاستئذان ووضعته في حقيبتها ، وأخرجت الورقة المطوية من حقيبتها المدون عليها العنوان وهي تقرأها بتفحص.

وصل القطار أخيراً إلي المحطة ، وترجلت صبا منه وهي تشعر بأنها تحررت من قيود كبلتها لأعوام ، وضايقتها تلك الشمس العمودية علي رأسها فوضعت كفها علي عينيها وهي تزفر بضيق ، ثم سارت قليلاً والهواء الحار يحفها من كل جانب .

وجدت أمامها العديد من المحلات المشهورة والتي كُتب اسم أحدهم في الورقة ، فتتبعت الطريق حتي وصلت إلي وجهتها المنشودة .

أنزلت عينيها من الورقة وطوتها ووضعتها في حقيبتها مرة أخري وهي تجر خلفها حقيبة ملابسها ، ووقفت تتطلع برهبة وقلب خافق للمنزل بديع الجمال أمامها ، بوابة كبيرة تتسع لسيارتين بجوار بعضهما ، ثلاث طوابق باللون البني القاتم ، وحديقة كبيرة مملوئة بالأزهار بنفسجية اللون .

أمسكت طرف كمها بيدها متوترة ، وسارت نحو البوابة الكبيرة وهي تُقدم ساق وتؤخر الأخري خوفاً من شيء قادم مبهم لا تري من ملامحه شيء ، ثم شجعت نفسها وصلبت طولها وأخذت تتقدم بثقة حتي دقت الجرس .

انتظرت بترقب أن يرد عليها أحد ، وعندما طال عدم الرد لم تدري من أين أتاها ذلك الإحساس الذي يدفعها لأخذ حقيبتها والعودة مرة أخري من حيث أتت ، وكأنما أتتها الإجابة بالرفض بعد أن فُتح الباب ولم يظهر خلفه أحد ، فأخذت تنظر بتوجس ولكنها لم تري أحداً ، فوضعت قدمها اليمني بالداخل ثم اليسري حتي صارت بالداخل ، ثم شهقت فجأة عندما أُغلقت البوابة من ورائها من تلقاء نفسها محدثة صوتاً قوياً .

أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته ببطيء وشجعت نفسها علي المضي قدماً ، ثم تأملت المكان حولها بانبهار ، فيحيط بها حديقة كبيرة جداً مملوئة بالزهور البنفسجية أيضاً ، وتسائلت في تعجب ..ماسبب ذلك اللون بالذات ؟ ثم نفضت الفكرة بعدم اهتمام وهي تسير بالمرر الطويل حتي وصلت إلي صالة فسيحة بها أثاث كلاسيكي باللون الذهبي والعديد من التابلوهات المعلقة علي الجدران .

لمحت إحدي الفتيات ترتدي زياً مشابهاً لزي التنظيف فا استنتجت أنها خادمة تأتي مهرولة من بعيد ووقفت أمامها وهي تقول با احترام مخفضة رأسها أرضاً

(اتفضلي يا هانم ، الأستاذ نائل مستني حضرتك فوق )

قالت الأخيرة وهي مازالت مطأطأة رأسها وتشير بيدها ناحية درج طويل يقود للطابق العلوي .

ضمت صبا حاجبيها بغرابة ومدت يدها ترفع وجه الماثلة أمامها فنظرت الأخري بتعجب إليها ، ثم قالت صبا باابتسامة

(انتِ مش مضطرة تقولي حضرتك ولا هانم ولا حاجة أنا اسمي صبا بس ، وارفعي وشك وانتِ بتكلميني احنا كلنا متساويين)

ابتسمت الأخري باتساع كأنها لاتصدق ماتقوله ، وكادت صبا تسألها عن اسمها إلا أن صوتاً خشناً بدا مألوفاً لها قاطعها قائلاً

(هنقضيها كلام ولا إيه ؟!)

إلتفت كل من صبا والفتاة الأخري ناحية الصوت القادم من أعلي الدرج ، ثم ظهر الذعر علي وجهه الفتاة وهي تحني رأسها بتهذيب وتكاد ترتجف من شدة الخوف ، بينما صبا ارتعشت ولم تدري لما ، وقد رأته مرة أخري وهو مرتدِ بنطالاً قطنياً باللون الرصاصي وتيشرت قطني ملتصق به أضهر عضلاته ، وشعر مبعثر تتهلله بعض الخصلات البيضاء .

كانت عيناه تمر ببطيء علي كل جزء تم ذكره وهي تري التناقض العجيب بين سنه ومظهره ، ثم نفضت رأسها بسرعة بعد أن أدركت أنها تتفحصه وأنه أمسكها بالجرم الشهود ، ثم ودون أي كلمة أخري أشار لها باصبعه أن تلحقه، وانصرفت الأخري وعادت إلي حيث أتت .

وضعت صبا قدمها علي أولي درجات السلم واستمرت بالصعود ، ووقفت تلتقط أنفاسها بتعب لطول السلم ، ثم أخيراً وصلت إلي ردهة طويلة وسارت فيها وهي تزفر بارتياح فقد انتهت السلالم .

وعند وصولها لآخر تلك الردهة ظهرت علي وجهها أمارات الصدمة وهي تري درج آخر ضعف طول ما صعدته منذ قليل ، وكادت تلفظ سبة بذيئة ولكنها كتمتها وهي تصعد بتأفف ، ماسبب وجود كل تلك السلالم !!

وعندما أنهت الصعود ، أحنت جذعها مستندة بكفيها علي ركبتيها وتلتقط أنفاسها ، فتلك السلالم مُتعِبة بحق .!!

كان أمامها ثلاثة أبواب مغلقة لثلاث غرف ، ووقفت تتطلع إلي السجاد الفخم الموضوع أمام تلك الأبواب ، ثم أخذت تنقل نظرها بينهم ولاتدري في أي واحدٍ تدخل ، ثم سارت مسقيمة للباب الأوسط ، ورفعت يدها لتطرق الباب ولكنها بقيت معلقة في الهواء من توترها.

أغمضت صبا عينيها تلملم شتات نفسها وتطمئنها بأنه لا يوجد داع للخوف ، ثم رسمت ابتسامة واثقة علي ثغرها وطرقت الباب طرقتين متتاليتين ..فأتاها الإذن سريعاً بالدخول .

وضعت يدها علي المقبض وفتحت الباب ، ثم ولجت إلي الداخل وتركت جزء منه مفتوحاً ، ونظرت أمامها مباشرة وقد لمحت كرسياً جلدياً أمام مكتب ضخم فذهبت لتجلس عليه بخطوات غير متزنة دون أن تنظر لنائل الجالس خلف المكتب أبداً، يعبث بأوراقه دون أن يعيرها أي اهتمام، حسناً هي لم تره ولكنها سمع تصوت الأوراق

طال صمت الإثنين وبدأ صبر صبا ينفذ ، فرفعت رأسها إليه وعينيها تشتعل غضباً من تجاهله لها وهدرت بحدة

(حضرتك جايبني أسمع موسيقي الصمت الجميلة دي ؟!)

ظهرت ابتسامة متهكمة علي زواية فمه وأردف بسخرية

(وأنا كنت جبتك من بيتك ودخلتك هنا ولّاحاجة؟! ،انتِ جاية برجليكِ ولسبب معين ،يبقي حضرتك تبدأي الكلام )

رفعت صبا حاجبها الأيسر وهي تقول بتهكم

(بس بسم الله ماشاء الله كرم الضيافة أبهرني )

نظر لها نائل ببرود منبعث من عينيه وملامحه التي ظهر عليها الغضب ،ثم قال وهو يسحب ورقة وقلم

(انتِ ما تعرفيش انتِ اتعديتي حدودك قد إيه ،مش أنا اللي حد يكلمني بالطريقة دي ، بس هغفرلك الغلطة لانك ماتعرفيش القوانين )

أغمضت صبا عينيها تستدعي هدؤها حتي لا تنقض عليه تشوه وجهه الجميل ، فهو صديق والدها وقد أخطأت عندما رفعت صوتها ، ثم فتحتها وهي ترسم علي وجهها ابتسامة منافية للغضب الذي يجيش بصدرها دون أن تتحدث .

مد نائل يده بورقه مطبوعة مملوئة بالكتابة ، فاالتقطتها صبا منه وهي تنظر لما كتب بها بتعجب .

أخذت مرر عينيها علي المكتوب بدون تصديق وانفرج فمها بصدمة قليلاً ونائل يراقب ردة فعلها ، ثم قال موضحاً

(دي القوانين اللي البيت كله بيمشي عليها ..ثم صمت برهة وأضاف ..البيت كله ماعدا أنا ..طبعاً مش قانون اللي يحكمني في بيتي)

استشاطت صبا غضباً من عجرفته الواضحة ، ولم تعطي أي اهتمام لكلامه وظلت تنظر للمدون بالورقة .

قرأت أول جملة بصوت عالٍ دليلا علي غضبها

(الأكل الساعة 1 ،واللي بيتأخر دقيقة بيتحاسب وبيتخصم منه )

ثم هبطت بعينيها إلي التي تليها

(ممنوع الخروج للحديقة لأنها خاصة بالأستاذ نائل )

(ممنوع الصوت العالي)

(لازم توطي راسك وانتِ بتتكلمي مع الأستاذ )

أنهت بسرعة قراءة كل تلك القوانين ونائل يحاول استشفاف ما يدور بخلدها ، ثم قرأت الملاحظة الأخيرة

(القوانين دي طبعاً لما يكون الأستاذ موجود ، غير كده كل واحد يتصرف براحته )

تنفست الصعداء بعد قرائتها الجملة الأخيرة فها هو منفذ للهواء ،فهي لم تأتي من سجن لتُسجن بآخر ،وكان سيحتم عليها تنفيذ تلك القوانين اللعينة .

رفعت نظرها إليه بعد أنا دارت علي علامات حنقها بابتسامة وهي تمد الورقة له قائلة

(تمام كده متفقين، بس أحب أعرف حضرتك إني مش هوطي راسي لك ، أحترمك فوق راسي لكن كده لأ )

لم تتغير معالم وجهه ولم يأخذ الورقة فقط أعطاها قلماً وقال بجمود وهو يشير إلي أسفل الورقة

(وقعي هنا )

أخذت القلم منه بهدوء علي عكس النار المستعرة داخل روحها من بروده المستفز الذي يجعلك تفقد عقلك ، بينما هو كان متعجباً من ثباتها الإنفعالي ولكن لم يهتم للأمر ، ثم أخذ الورقة منها وطواها ووضعها تحت كتاب ما من الكتب المرصوصة أمامه ، وفتح أحد الأدراج وتناول رزمة نقود ووضعها أمامها علي المكتب ، بينما هي فغرت فاها بتعجب جلي وهي تري كل ذلك المال ، ولكنها عادت لثباتها موة أخري حتي لا يلحظها .

طال صمته مرة أخري وهي تجاريه في لعبة الصمت تلك ، إلا أن نفذ صبره فتحدث قائلاً

(ده الراتب وبيبقي مقدماً علشان لو حبيبتي تشتري حاجة مع ان كل حاجة متوفرة هنا ، وليكِ أوضة تباتي فيها ، وكمان فيه قوانين تتعاملي بيها مع بنتي)

ارتسمت الدهشة علي ملامحها ثم قالت في عنفوان

(أولاً أنا مش هاخد إلا الراتب اللي أستحقه ،وكمان أهلي يقدروا يصرفوا عليا كويس ، وحضرتك أنا مش ببات في بيوت ناس غريبة ، وهحاول أجيب شقة قريبة من هنا وهضطر بس أبات هنا النهاردة ، وبنت حضرتك هتعامل معاها علي اساس ما انا عايزة وباحترام مش ناقصة قوانين في دي كمان)

ابتسم باتساع وكانت تلك من المرات القليلة التي يبتسم فيها ،وقد أعحبه استفزازها كثيراً ، ثم قال

(تمام براحتك أجّري بره بس لو اتأخرتي عن الساعة7هيبقي فيه خصم)

(خصم خصم خصم )

قالتها بتسارع في عقلها ، أيجلس هو علي البنك لكي يكرر تلك الكلمة ؟!

(متفقين)

قالتها بابتسامة مغتاظة ،ثم عدلت من وضع جلوسها ووضعت قدماً فوق الأخري وهي تقول

(أي أوامر تانية ؟؟ ،ممكن أنضف البلاعة لو تحب حضرتك )

نظر لها شزرًا بطرف عينيه وقد عاد للإنشغال بالأوراق أمامه ثم تركها وهو يسلط عينيه عليها وقال

(والله كل واحد عارف قيمة نفسه والشغل اللي يناسبه )

المعني الحقيقي لـ(ردت في صدرها قتلتها )

تخضبت وجنتيها بحمرة قانية وهي تشعر بالحرج ، بينما هو سألها بتعجرف

(أي سؤال؟)

ابتسمت باستفزاز وهي تهم بالقيام قائلة

(لا شكراً)

(تمام تقدري ترتاحي الوقتِ، وممكن تشوفي بنتي لو عايزة هتلاقيها في الأوضة اللي تحتي بالظبط في الدور الأرضي )

(ماشي)

قالتها بجفاء وهي تعطيه ظهرها في طريقها للخروج ،وأغلقت الباب خلفها بقوة ، بينما هو عاد لعمله مرة أخري .

نزلت صبا السلالم بسرعة فائقة وهي تفكر في تلك القوانين الصرامة وكلما تذكرت ردوده المستفزة تشتعل عينيها غضباً ،ولكن حسب ماقاله والدها وأنه ليس دائم الوجود فلت تلتزم بها طويلاً، ثم تذكرت والدها وأن عليها طمأنته ولكن ربما يكون في العزاء الآن ، وستنتظر إلي أن يصبح الوقت مناسباً .

بحثت عن الغرفة المنشودة ، وهي تتسائل ..أستحبها البنت أم لا ؟! وهل هي متعجرفة مثل والدها ..ولكنها صغيرة ؟! ، ثم نفضت تساؤلاتها وطرقت الباب بهدوء .

فُتح الباب وظهرت من ورائه طفلة صغيرة ، تحيطها هالة من البراءة تنظر لها بااستفسار من بين رموشها الكثيفة ، نظرت إليها اصبا باابتسامة وحدثتها برقة

(ممكن أدخل يا كوكو )

نظرت إليها الفتاة بتوجس فهي لأول مرة تراها ، ولكن صبا أسرعت تقول

(ماتخافيش ياحبيبتي أنا البنت اللي هاجي أعد وألعب معاكِ)

انفرجت أسارير الفتاة ،وحركتها دوافعها الطفولية لاحتضان صبا بشدة التي وقفت مذهولة من حالتها ، فهي منذ ثانيتين كانت خائفة والآن تحتضنها !!.

سارعت صبا بلف ذراعيها تحيطها ، ثم حملتها فجأة ودخلت وأغلقت الباب خلفها .

أنزلت صبا الفتاة ،فسارعت سلاف بسؤالها

(انتِ هتلعبي معايا بجد؟! ،مش هتضحكي عليا زي بابا؟ ،بيقولي هلعب معاكي ومش بيلعب )

قالت الأخيرة بحزن وهي تزم شفتيها بطفولية ، وأطرقت برأسها وهي تلعب بأصابع يدها .

تهجمت معالم وجه صبا وهي تدرك أنه حتي لايمارس واجباته الأبوية وأحضرها لتفعلها عوض عنه ، ولكنها ضحكت بخفة وهي تقول

(لا يا حبيبتي هو بيبقي مشغول بس ، قوليلي اسمك إيه بقي )

(سلاف)

(الله اسمك حلو أووي زيك )

قالتها وهي تمسك بيدها بعد أن أسدلت سلاف رأسها خجلاً، وسحبتها ورائها وجلست صبا علي أحد المقاعد وأجلستها علي قدميها ، ثم أخذت تعبت بشعرها وهي تقول

(بص أنا اسمي صبا وهنهيص خالص مع بعض وهلعبك كل حاجة)

أومأت الفتاة برأسها وهي تصفق بسعادة ، ثم نزلت من علي قدمها وركضت تريها ألعابها ، بينما تنهدت صبا وحمدت الله علي أن الفتاة لطيفة وستستطيع التأقلم معها ،ولكن بعض التساؤلات مازالت تدور برأسها وتفقدها تركيزها .

*******
أمسكت إسراء حافة الباب وهي واقفة علي أطراف أصابعها مخرجة جزء من رأسها لكي تري الزائرة، ولكنها انتفضت فجأة عندما لكزتها وفاء وهي خلفها بخفة وصاحت بها

(إيه اللي عملتيه ده ؟! ، انتِ مش عارفة أنا مين ؟!)

حركت وفاء رأسها يميناً ويساراً باإحباط وقالت بثقة

(إسراء بقولك إيه ،احنا كلنا خادمات هنا ،ومش عشان عينك خضرة وبيضة تطلعي لنا فيها ،عيشي عيشة أهلك)

نظرت إليها بضيق بعد أن أدارت جسدها لها ، وقالت بزهو أجوف

(بكرة تشوفي أنا هبقي إيه )

تحركت وفاء من أمامها وهي تقول

(طب لما يجي اليوم ده ابقي لبسيني نضارة عشان اعرف اشوف كويس ، ثم صاحت بحدة ..ويللا علشان نجهز الغدا ..أكيد مش عايزة الأستاذ يتعصب )

(طيب)

قالتها بتأفف ثم ضهرت نظرة خبيثة في عينيها وهي تحدث نفسها قائلة

(طبعاً مش عاوزاه يتعصب ،ده أنا هخليه يلف حوالي نفسه بسببي)

ثم اتجهت إليها لمساعدتها في تجهيز الطعام ،وعقلها لا يتوقف عن نسج خطط وألاعيب تبوء بالفشل كل مرة .

**************

كان محسن جالساً أمام مكتبه في العمل شارداً ..ولكن باله بعيد كل البعد عن أي شيء يخص العمل ، يستمر بالتفكير والتفكير للوصول إلي حل ولكن ما من سبيل ، وللآن لا يصدق كيف كان غافلاً أربع سنوات ..أربع سنوات كاملة يعيش علاقة محرمة تاركاً زوجته وابنته تنتظرانه ، ثم مسح علي خصلات شعره بعصبيه وندم ..ولكن هل يفيد!!

أخرجه من شروده صوت هاتفه الذي صدح بصوت عالٍ، فأخرجه من جيبه فوجده رقماً دولياً ، سحب علامة الإيجاب فأتاه الصوت الآخر مرحباً

(إزيك يا محسن عامل إيه )

ابتسم محسن باتساع فقد تعرف علي صوت شقيقه وقال بااشتياق

(الحمد لله يا علي إزيك انت ؟!)

رد علي بحزن لكي يهئه لسماع ما سيقوله

(الحمد لله بخير ، بس فيه أخبار مش حلوة)

أحس محسن بالتوتر فسارع يقول

(فيه إيه ياعلي خير ؟! )

(زوج أخت أم حُسن مات )

قالها دفعة واحدة أظهرت صدمة الآخر وجعلته يقول بغير تصديق

(انت بتقول إيه يا ابني ده بجد ؟!)

(للأسف أيوة أنا مش هضحك عليك يعني)

قالها بحزن وتهكم فترحم محسن عليه ثم قال بسرعة تخالف ما يجيش بصدره من توتر

(طب أنا هحجز أقرب طيارة وهنزل مصر ، وأنا أصلاً كنت نازل )

أومأ علي من خلف الهاتف وهو يقول

(تمام يا محسن ، طب ومهند ؟!)

قال علي الأخيرة بقلق ، ولكن محسن قال بجدية

(ما انت عارف يا علي ،مش هينزل لو عملت إيه ، ويللا اقفل بسرعة طولت عليك دي مكالمة دولية )

(تمام منتظرينك )

قالها وأغلق الهاتف في حزن ، فمهند لن يسامحه أبداً فما فعله ليس بالقليل.

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:57 pm

(الفصل السادس)

(دروب الغفران شائكة)

*
لم تستطع تفسير شعورها في تلك اللحظة، ولوأخذت قروناً فلن تفعل ، من تحبه هنا يسكن بين أضلعها ،تمرر يدها بهدوء طولياً علي ظهره كي يهدء ، تحاول فعل مابوسعها لإخراج ما بداخله من الألم ، وكم أحبت شعورها ذاك ، أنفاسه الغير منتظمة والتي وصلت حرارتها إلي بشرتها من وراء قماش إسدالها الخفيف ، ابتلال ماتحت رقبتها بدموعه ، تدفق تلك المشاعر بغزارة من كليهما ولّد لديها شعوراً غريباً اعتراها خاصةً مع رجفاته المتتالية بين أضلعها ، وشهقاته الخفيفة التي انقطعت وحل محلها صمت مطبق ، شعورك بأنك ملجأ لأحدهم حتي ولو لم يقل لك لا يمكن وصفه ، تراخي جسده بين ذراعيها لدرجة أنها نزعت ذراعيها عنه وأمسكت بكتفيه بتوتر تنظر إلي وجهه وليتها لم تفعل !! تلك الكسرة في ملامحه وشحوب وجهه جعلها غير قادرة علي تحمل ألمها وألمه معاً!!!

انطفاء روحه وذهاب بريق عينيه جعلها تتنبأ بأن أياماً مليئة بالسواد علي وشك القدوم ، ولكن شيئاً آخر أخافها .. ذلك القهر الذي تراه في عينيه ، تهربه من عينيها وهو ينظر خلفها إلي اللا شيء ، تلك القطرات المستكينة علي وجنتيه والتي كادت تجف .

لم تدري أين ذهب خجلها أثناء تلك اللحظات ، فقد غمرته بحنان أم وحب معشوقة متخليةً عن كل مباديء القوة الوهمية التي كانت تتبعها .

تسللت يدها لكفه الملقي بجواره ووضعته بين كفيها فوجدته بارداً وكأن الدماء لا تعرف طريقها إليه ، فكادت تضع يدها الأخري وتفرك كفه إلا أنه انتفض كالملسوع وأبعدها بحركة عنيفة فارتمت يدها بجوارها ووقفت هي مذهولة من فعلته .

اعتدل بجلسته مبتعداً عنها بعد تقاربهما الحميم وملامحه تتقلص بألم وهي تطالعه بأضعاف أضعاف ما يعانيه من آلام ، ثم قام من جوارها وهو يستند علي فراش المشفي يحفظ توازنه وهو يتحاشي النظر لها ، يخجل ..أجل يخجل من بكائه ، فقامت بسرعة تمد يده لتسنده ولكنها دفعها برفق رافضاً مساعدتها ، ويزداد تعحبها ..فيما أخطأت هي ومابه ؟! .

ولكنها حتماً لم تفكر كثيراً في ذلك ،ولا حتي كيف ألقي يدها من يده ، فكل ذلك مُباح له في حالته تلك، وقامت غير مبالية بكرامتها ووقفت أمامه وهي تقول بخفوت

(مالك يا ياسين فيه إيه ؟! ، رفضت ايدي اللي كانت عاوزة تساعدك ليه ؟!)

تحركت مقلتيه حتي باتت أسيرة عينيها اللامعة ولأول مرة منذ بكائه ، ثم حول نظره للفراغ ورائها وهو يردف بجمود

(مفيش حاجة ..كل الحكاية إني كنت محتاج حد أطلع معاه اللي جوايا وكنتِ انتِ في طريقي ، ولو أي حد مكانك كنت عملت نفس اللي عملته ، وأنا لعلمك مش ضعيف ولا حاجة)

ابتلعت ريقها من نبرتة الجامدة ، وغضت الطرف عن ذكر غيرها وما كان سيفعله ،ورغم ما شعرت به من ألم إلا أنها ردت بثبات بذلت الكثير لتحافظ عليه

(متأكد انك كنت هتعمل كده مع أي حد؟! ، وبعدين مين قالك ان العييط ضعف يا ياسين ، العييط ده قوة بنخرج بيها ضعفنا وكسرتنا )

ارتفعت زاوية فمه بابتسامه متهكمة وهو يقول باستهزاء متجاهلاً سؤالها الأول

(لا بالنسبة لنا الرجالة مفيش حاجة اسمها ضعف وبكاء لا ، احنا قوة وهنفضل طول عمرنا قوة )

لم تدري لمَ اعترتها رجفة لكلامه ، أو أن هذا التغير الجذري بشخصيته وطريقة حديثة جعلها تستشعر غرابته ، ولكنها حاولت مجاراته وهي تقول بحنو ناظرة في منتصف عينيه المتجاهلة لنظراتها تماماً

(أيوة انتوا قوة ، ولو ماكنتوش قوة ماكناش احنا هنتسند عليكم )

أخيراً نظر لعينيها مرة أخري ،ولكن مع نظرته تلك ودت لو لم ينظر لها أبداً ، وازددرت ريقها بتوتر وجف حلقها ، فقد شعرت بعري روحها أمامه وكأنه ينظر إلي عقلها يبحث بين طياته عن امارات صدقها !

( ياسين ..أرجوك ، ممكن تقولي فيه إيه ؟! واحد حزين علي باباه هيدي محاضرة في البكاء والرجالة ومااعرفش إيه !! ، ياسين ..اديني ايدك وسلملي روحك وقولي مالك )

قالتها برجاء وهي تمد كفها مفروداً نحوه ، وهي تنظر له بضعف ورجاء ألا يخذلها ، وهل كان سيفعل وهو يري كل ذلك الخوف والقلق يقفز من عينيها ؟! ، حاول إقناع عقله والذي يرفض إخباراها أي شيء البته ، ولكن قلبه بعد إحساسه بأن ظنها لو خاب به فلن يكون أمراً يحمد عقباه .

تحرك ذراعه ببطيء وهو يقاوم رغبة ملحة في الهروب من هنا والخلاص من الحياة ، ولكن قوة خفية دفعت كفه فااستقر بين كفها الدافيء ، فاابتسمت باتساع جعل الدفيء يسري في شرايينه ، كل ذلك يحدث بداخله ولم يظهر عليه سوي الجمود وهي صابرة لا تشتكي .

أطبقت أصابع كفها علي ظهر يده المستكينة بقلق بين يديها خوفاً من القادم ، ولكنها ضغطت عليها بحركة مطمئنة لنفسها أولاً فما زادته إلا سكينة.

سحبته من يده وعادت مرة أخري للسرير خلفها ، وجلست عليه وربعت قدميها وجلس هو مقابلها ينظر أرضاً وكفه مازالت أسيره كفها ، ثم حاول سحبها منها ولكنها رفضت قائلة

( لا يا ياسين سيبها ، سيبها علشان تحس وانت بتحكي ان حد ماسكك ومش هيسيبك ، ومش هطلب منك تبصلي ،اعمل نفسك متجاهلني ومش مهتم زي ما انت عايز براحتك ، أنا مش همشي من هنا إلا ما اعرف فيه إيه )

ما كل ذلك الإصرار المشع من حديثها ؟! تسائل بينه وبين نفسه بالسر ، فأتته الإجابة منها وهي تقول بحنو ضاغطه علي كفه تبثه الثقة

(يللا سامعاك )

ماهرةٌ هي وتدرك كيف تتعامل مع الرجال ! ، لم يكن ليذهب ويتركها دون الإعتراف بما يجيش بصدره وما يجعله في هذه الحالة المزرية ، توسلها ذاك ما جعله إلا متشوقاً ليقص عليها ما به لعله يلقي مواساةً بحجم ذلك الإصرار.

(مين قال إني زعلان علي أبويا ؟! )

قالها دفعة واحدة وقد أخذ قراره بإخبارها ..وإن لم يخبرها هي فمن سيخبر ؟! وهو لايدري أنه هيج فضوها ..وأثار دهشتها ..كلا بل جعل شفتيها منفرجة يكاد يُسمع صوت الهواء العابر خلالها ، فعاود يكمل

(أنا زعلت وتعبت جداً بسبب حاجة واحدة بس ، وصدمتي الكبيرة أول ماعرفت ماكانتش إلا لنفس الحاجة برضه ، أنا دعيت عليه ..دعيت عليه يموت في لحظة كان قلبي فيها ميت وماعرفتش عملت كده إزاي !)

توقفت حركت رأتيها مانعة عنها دخول الهواء وهي لا تستوعب أي كلمة مما قيل !! ، دعي عليه ؟؟ ، أحسن بالغرفة تضيق عليها فلا تكاد تستطيع أخذ شهيق ، وقبل أن تستفسر منه وجدته ينظر لها بألم ..ألم يندفع من عينيه وهو يهدر بشراسة

( أيوة مش زعلان ، إيه مش مصدقة ؟؟! ...قالها بتهكم وهو يري ملامحها المذبهلة ثم أكمل ..أيوة دعيت عليه ، ماتعرفيش أنا بكرهه قد إيه ، ماتعرفيش إزاي كان كل يوم يضرب أمي وأنا صغير ومش قادر أدافع عنها ، وإزاي كان بيحبسها في أوضة من غير أكل ولا شرب لمجرد أنها عملت حاجة هو شايفها غلط ..ثم تهدجت نبرة صوته وهو يكمل بتقطع ...ماتعرفيش كنت مقهور قد إيه لما اقوله بتضربها ليه يقوم خابط دماغي في الحيطة ..ماكانش بيهمني وجعي قد وجع أمي ، كل ده وأنا صغير ، ولما كبرت ماكانش بيقدر يمد إيده عليها بالرغم من محاولاته ، ماكانش بيقدر يعمل حاجة غير إنه يهينها ويقلل من قيمتها ويقولها كل شوية انها آداة للخلفة وللمطبخ وغير كده ماتعملش حاجة ، عمره مافكر يصاحبني او يهزر معايا ، بيعد بره بالشهور بحجة شغلته العسكرية ،وامي هي اللي عوضتني عنه )

تشربت هي الألم الذي يقطر من حديثه حتي بات وجعه وجعها وألمه آلاماً لها ، وهي لا تصدق أي ممايقوله ..كأنه شيء خاص بمادة الرياضيات يصعب عليها فهمه واستيعابه ، أوأن عقلها لم يعد يقبل المزيد بعد صدمته الأولي ، وقبل أن تتكلم هي سارع يقول بقهر وهو يحرك يده بعشوائية بعد أن سحبها منها ناظراً لمنتصف عينيها

(كان بيعد يضرب ويضرب ويضرب ، ولو أمي ماعيطتش يعد يضرب أكتر ..وأنا واقف وري باب أوضتي بسمع وقلبي بيتقطع عليها ، والمشكلة إنها كانت تزعل شوية وماتبينش ، وتقوم تعمل الغدا وتغدينا ولا كأن حاجة حصلت ، خنوعها ده كان بيقويه )

ثم صمت يلتقط أنفاسه بسرعة وهو يستشف ردة فعلها ، ولكنها مازالت مصدومة علي حالتها وكأنها لاتصدق ماحدث لخالتها!

ثم ضهرت المرارة علي ملامح وجهه وهو يقول بغيظ

(لازم تصدقي ،، لازم تصدقي المعاناة اللي أمي عانتها ، وهتلاقيها الوقتي أصلا بتعيط عليه )

أخذت شهيقاً أخيراً كرد فعل أول لاستيعابها ، وهي التي أصبح قلبها أشلاء طوال حديثه المُر ، ومدت يديها وأمسكت بكفه مرة أخري بمواساة صامتة وقد هربت الحروف من بين شفتيها فعاد يقول

(اللي مضايقني إنه مات ..مات قبل ما آخدلها حقها اللي هي مش عايزاه أصلا!! ، والمشكلة إني ماكنتش عارف هاخد حقها منه إزاي ؟! ، بس أنا حاسس بالذنب..حاسس بيه أووي وخايف أكون سبب موته وفي نفس الوقت جوايا صوت بيقولي لا انت مش غلطان ، عارفه انتِ العذاب اللي بتبقي فيه لما بتحسي بالشعور ونقيضه؟!)

لم تعد قادرة علي تحمل نبرة صوته التي تحمل آلام العالم أجمع ، بالإضافة لتخيلها منظر خالتها وهي تعاني جعلها غير قادرة علي لملمة شتات نفسها ، ولكنها قالت بحزن

(لا انت مش السبب ، بس ده مايمنعش انك مش غلطان ، ده قضاء ربنا بس ماينفعش ندعي علي حد في أي لحظة كانت لان الدعوة ممكن تُستجاب وساعتها إحنا اللي هنزعل، ومش قادرة اتصور ان كل ده حصل لخالتي وهي ساكته )

قالت الأخيرة وهي تحني رأسها ناظرة أرضاً لتجنب رؤية الألم المنسكب من عينيه ..ثم أكملت وهي علي حالتها تلك ..كل ده كنت شايلة في قلبك ومش سامح لحد يشيل معاك ؟؟

ابتسم بتهكم وهو يقول

(ولو قولت إيه اللي هيحصل يعني؟! هيفضل الوجع وجعي أنا برضه ، بس اللي كان بيخليني افقد عقلي انها صابرة بطريقة عجيبة لما يهينها.. بتخليني أخرج عن شعوري )

رفعت حُسن رأسها وهي تقول بجدية ممزوجة بشفقة

متجاهلة الجزء الأول من حديثه الذي يقول فيه بأن ألمه له وحده ..ربما لايشعر بما يجيش بداخلها الآن ، ثم قالت مامتك من الستات النادرة اللي بتيجي علي نفسها علشان تعيش )

اكفهر ووجه ومسح علي خصلات شعره بغضب وهو يهدر وقد علي صوته

(يعني إيه صابرة علشان تعيش؟؟! ، يعني ايه تسكت علي الظلم لمجرد انها ماعندهاش ثقة انها ماتعرفش تعيش من غير راجل !!)

ارتعدت اوصالها من نبرتة الغاضبة ، وقالت بتوتر

(وليه ما قولتش انها صابرة عشانكم ؟! كل اللي بتعمله عشانكم ؟!)

أعطاها ظهره وقد التفت للناحية الأخري واليأس يغلفه ، ثم وضع رأسه بين كفيه وهو يردد بجنون

(أنا السبب ..لو ماكنتش دعيت ...)

قاطعته وهي تمد يدها ترفع رأسه من بين كفيه فاستجاب بوهن لحركتها ، وسقطت دمعة خائنة من عينيه فمدت ابهامها تمسحها برفق وقد لامس قلبها كل حرف مما قاله ، ثم نظرت لعينيه االباكية وهي تقول بتوسل غير مبالية بمعني ماتقوله ولا زمانه أو المكان حتي

(خلاص ياياسين ..انت مش عارف جرالي إيه لما شوفتك مغمي عليك ، ولا حسيت بايه لما عرفت انك كويس ، ولا حتي إزاي مش حاسة بنفسي الوقتي لما حكيت عن خالتي)

أنهت كلامها بنظرة عطوفة متألمة اتسعت شفتاه بابتسامة حزينة علي إثرها ، ثم قال بتساؤل وهو ينظر إلي منتصف عينيها بثبات

(ليه ؟!)

كلمة واحدة كانت كفيلة بإفاقتها مما هي فيه ، وأشعرتها بشدة خطورة ما قالته ، فتلعثمت وسحبت يديها من علي رأسه وهي تلعب بأصابعها بتوتر قائلة

(هو.. إ..إيه اللي ليه ؟!)

تلك النظرة التي رماها بها أكدت لها أنه لامفر من الإجابة. .إجابة هي حتي لاتعرفها ، وكأنه يقول لها لا تكذبي لقد قلتِ كل شيء ولكني أريد سماع كلمة واحدة .

مازال ينظر لها بترقب وعينيه ترسل لها اشارات حب خفية افاقت هي علي اثرها ، ولامت نفسها علي ماقالته وودت لو لم يفتضح أمرها ولكنها قالت بثبات جاهدت لكي تظهر به

(علشان انت ابن خالتي والمفروض اكون واقفة جمبك ، بس خلاص أوعدك مش هقول لاي حد علي أي كلمة انت قولتها واعتبر انك ماقولتش حاجة )

كم آلمته تلك النبرة الغير مبالية التي أنهت بها حديثها ! أيخبرها لمجرد أنه يزيح حملاً من علي صدره أم شيء آخر ؟! ، ود لو يمسكها من كتفيها الآن ويسكت شفاهها تلك عن الكلام بفمه معاقباً إياه علي ماتلفظت به ..وعند تلك النقطة تحرك خياله يرسم له صورة غير مناسبة بالمرة لموقفه الآن ، ويخبرها بأعلي صوته أنه يرتاح فقط لرؤية ابتسامة منها فكيف بمواساة !!! ولكنه ودَّ ...ولن يستطيع !

استطاعت بوضوع الشعور بمعاناتة الآن ،وأنه يجاهد نفسه حتي لاينفجر في وجهها ولكنه أفضل لكليهما .

أومأ برأسه موافقاً بعد وصلة جنونه الداخليّ تلك وقال بثبات مناقض تماماً للنار المستعرة بروحه

(فعلاً شاكر ليكِ جداً وقفتك جنبي ، وإن شاء الله أردهالك في حاجة كويسة )

ازددرت ريقها بألم وأومأت بصمت هي الأخري فقال مقاطعاً صمتها

(يللا نروح علشان نشوف هنعمل إيه )

انتبهت جميع حواسها وقالت باهتمام جلي في نظراتها وهي تتفحصه بعينيها

(طب وانت بقيت كويس ؟؟ حاسس بحاجة بتوجعك ؟!)

ذلك التناقض بين أقوالها وأفعالها سيؤدي به للجنون حتماً ، أمسك مقدمة شعره وهو يكاد يقتلعه بين يديه بينما هي تعجبت من ردة فعله المبالغ بها من وجهة نظرها ، وقال هو منفعلاً

(آه بقيت كويس ، وبعدين حضرتك مش قولتي اني مجرد ابن خالتك وخلاص هتقفي جمبي ،مالك انتِ بقي بتعبي ؟!!!)

نظرت إليه باستنكار ممزوج بالغضب وكأنها تقول له لي الحق بكل شيء بك ،وكادت تفتح فمها لتقولها وهو انتظر حركتها التالية بفارغ الصبر فقالت محطمة أحلامه

(خلاص ماتزعلش عندك حق ،ماعدتش هسأل )

ثم انصرفت من أمامه والغضب يتراقص في عينيها ،تاركة إياه ورائها علي حافة الجنون .

سار خلفها بعد خروجه من الباب واتجه لخارج المشفي فوجدها تنتظر سيارة فوقف بجوارها وأشار لتاكسي بيده ، فانطلقت هي أولا وفتحت الباب ودخلت ، ودخل هو من الناحية الأخري وأملي العنوان علي السائق .

كانت متجاهلة له تماماً كأنها لم تكن هي التي بدأت بذلك الجنون ، وهو ينظر إليها بين الحين والآخر بشعور لا يستطيع تفسيره وهو يقول لنفسه بأنه ماكان عليها أن تتحدث هكذا بعد أن أخبرها بما يعانيه .

نظرت له بطرف عينيها فوجدته ينظر لها فأعادت نظرها للنافذة مرة أخري بتوتر .

أفاقا هما الاثنين علي صوت السائق يخبرهما بالوصول للوجهة المنشودة ، فنزلا بعد أن حاسب ياسين السائق.

نظر ياسين بغرابة لمنزله ، فلا يوجد أي مكان منصوب لاسقبال العزاء !! ولم يسمع إلي صوت القرآن قادماً من أي ناحية فما الخطأ ؟! ولم تقل حُسن دهشة عنه فأخذت تتطلع بغير تصديق ثم اندفعت مسرعة للداخل من الباب الذي كان مفتوحاً وتبعها ياسين مهرولاً .

عندما دلفت حُسن للداخل وجدت أمها وخالتها وامرأة أخري لا تعرفها يتسامرون ويحمدون الله وياسر الصغير يلعب بألعابه ، فزادت دهشتها ثم تقدمت منهم وهي تقول

(فيه إيه يا ماما ؟! )

قامت أمها بسرعة من مجلسها بعد سماعها صوتها ،واحتضنتها وهي تقول

(مفيش يا حبيبتي أبو ياسين ماماتش ولا حاجة ، هو بس اتصاب في مهمة وجابوا لنا خبر غلط ..وقبل أن تسألها عن ياسين دخل هو بطوله يعلن وجوده وهو يستمع إلي ماتقوله خالته بجمود ..وفرحة داخلية لم يدري سببها ..أم لأنه تخلص من ذنب أن يكون هو السبب؟! ،و زفر زفره طويلة كأنه يزيح حملاً ثقيلاً من علي صدره

قامت علا بسرعة تحتضن ياسين وهي تمرر يدها بين خصلا تشعره ببكاء قائلة بعد أن رأت ضمادة رأسه

(جرالك إيه يا حبيب قلب أمك؟! ومن إيه الجرح ده !؟)

(مش مهم يا أمي حاجة بسيطة ، المهم الوقتي الكلام اللي خالتي قالته حقيقة ؟؟!)

قالها بجمود بعد أن حررته علا من أحضانها ، فردت بسعادة ظاهرة

(أيوة صح الحمد لله كانت إصابة بس وهو في المستشفي الوقتي وهنروح نزوره )

أومأ ياسين بصمت وهويبتلع ريقه ،وقبل أن يسأل عن اتصال جارتهم قالت علا

(طنط اتصلت عليك ياابني بعد ماانا جالي تليفون وصرخت وجت هي ولقتني مغمي عليا وبعد ماصحيت خليتها ترت عليك ، وبعدها بشوية لقيت خالتك جاية وقالت إنك وراها ، بس الجرح ده من إيه ؟!)

قالت الأخيرة وهي تتلمس جبهته بحنان ، وهو غارق بدهشته ولا يصدق ما يحدث ، بينما حولت حُسن نظرها إليه لتعرف ردة فعله فلم تجد سوي الجمود ، ولاحظ هو نظراتها له فأرسل لها نظرة لم تفهمها ..كأنه يقول

(لست أنا السبب )

(ماتقلقيش يا أمي وقعت بس وكده يعني حاجة بسيطة )

قالها وهو يوجه نظرات محذرة لحُسن وخالته التي أومأت برأسها .

مدت علا يديها وجذبته من يده ليجلس ، وجلست حُسن وأمينة مقابلهما ، وحٌسن وياسين ينظران لبعضهما بين الحين والآخر ، واندفع ياسر يجلس بجوار حُسن ويلاطفها.

مدت أمينة يدها بجيب عبائتها تخرج هاتفها الذي اهتز معلناً عن وصول مكالمة ، وفتحتها وهي تقول

(أيوة مين معايا ؟!

أتاها من الجهة الأخري صوت اشتاقته كثيراً، واندفعت الدموع لعينيها والجميع يراقب مايحدث بتوجس وهو يقول بصوت جاهد لكي يظهر ثابتاً

(إزيك يا أمينة أنا في بقيت في مطار القاهرة وجاي أهو )

ابتسمت أمينة بااتساع وهي تمسح دموعها قائلة والسعادة تُقطر منها

( إيه المفاجئة دي ،حمد لله عالسلامة يا محسن ، توصل بألف سلامة يارب مستنيينك ان شاء الله)

ثم أغلقت الهاتف بعد وهي لاتريد سؤاله عن السبب ولكنها ستستفسر حينما يأتي ، ثم نظرت لهم بسعادة وقالت

(ده محسن بقي في المطار الوقتي )

، ولم يكن صعباً عليهم استنباط بأنه قادم إلي مصر، وقفزت حُسن بفرحة وهي تعانق أمها والكون لايتسعها ، ونظرت إليهم علا بفرحة أخري غير فرحة نجاة زوجها وقالت باابتسامة

(حمد لله عالسلامة)

بينما عاد الشعور ونقيضه يراودان ياسين مرة أخري ، وسعادته الداخلية تزداد بازدياد سعادة حُسن ، ولكن الألم عاد يغزوه مرة أخري وهو يتمني لو كان يحب والده هكذا !،وهو مازال لا يصدق حقيقة الأمر وكيف جري !

***************

أخذت صبا تلعب مع سلاف التي تعالت ضحكاتها فرحةً بأن هناك من يشاركها اهتماماتها ، بينما كانت صبا ينهشها الألم ، فكيف لطفلة في هذا العمر ألا تحصل علي من يلعب معها ؟! ولماذا لا يفعل والدها ذلك؟؟! .

نفضت رأسها بحيرة وهي لاتريد التفكير أكثر من هذا فما الذي سيعود عليها؟! وهاهي قد أتت تملأ تلك الخانة الفارغة عند الفتاة وكم يسعدها ذلك .

تركتها تلعب علي وعد بالعودة بعد خمس دقائق فوافقت سُلاف بسعادة ، وجلست صبا علي أحد المقاعد القريبة من النافذة وهي تطلب رقم حُسن لتطمأن عليها .

وضعت الهاتف علي أذنها تنتظر الرد وهي تنظر من خلال النافذة المغلقة ذات الزجاج الأبيض الشفاف فوقعت عينيها علي حديقة أخري ..تباً ماكل هذه الحدائق ، ومدت يدها لتفتح النافذة فهاجمتها نسمات الهواء محملة بعبق الزهور أشعرها بسعادة غريبة جعلها تغمض عينيها مستمتعة ، ولكنها فتحتهما مرة أخري بعد أن أتاها صوت حُسن قائلاً

(حبيبتي ياصبا إزيك عاملة إيه ؟!)

تعجبت صبا من نبرتها الفرحة الغير مناسبة لموت والد ياسين ، وردت بتعجب

(أنا اللي المفروض أسألك عاملة إيه ؟!)

(كويسة الحمد لله )

قالتها حُسن بتنهيدة ثم أكملت

(شكل عمو علي نسي يصححلك المعلومة ، أبو ياسين ما ماتش ولا حاجة ده كان خبر كاذب هو اتصاب بس )

وضعت صبا يدها علي فمها متفاجئة بما تقوله ، ولكن حُسن سارعت تسألها بغرابة

(إيه يابنتي مالك ، عمو علي روح من زمان ماعرفتيش إزاي !!)

ابتسمت صبا فرحة بنجاته وقالت بايضاح

(الأول حمد لله عالسلامة يارب ،ثانياً بقي أنا نسيت أقولك إني سافرت أشتغل )

صمتت حُسن متفاجئة مما سمعته ، ولكن صبا قصت عليها كل ما حدث .

(يارب تتبسطي عندك ، وابقي طمنيني علي طول ، ولما تروحي شقتك اقفلي عليكِ كويس)

قالتها حُسن بعد سماع ماقصته عليها صبا من أول لحظة لآخر لحظة ،،فأومأت صبا مبتسمة وهي تشكرها ثم سلمت وأغلقت الهاتف .

وضعت صبا هاتفها في حقيبتها وهي تتنهد براحة ، ثم وضعت كفيها الاثنين علي الشباك وهي تنظر للحديقة باابتسامة متسعة .

انتفضت فجأه كمن رأت شبحاً وماكان ذلك إلا لوقوع عينها عليه ..هو بشحمه ولحمه وكامل رجولته المفرطة وشخصيته المعقدة ، يجلس مستريحاً علي مقعد خشبي في أقصي ركن بالحديقة ، مرتدياً نظاره طبية جعلته منه يبدو كطبيب جامعي محترم، وذلك الحذاء البيتي الذي خلعه ووضعه علي الأرض العشبية بجانبه. ،مرتدياً تيشيرتاً باللون الأسود وبنطال من نفس اللون ، ويمسك بين يديه كتاباً يبدوا أنه منغمس في قراءته .

وكم ودت معرفة عنوان الكتاب وتحت أي تصنيف يندرج ، فشغفها بالقراءة يزداد منذ كانت بالخامسة عشرة ، وكأنما لاحظ هو تحديقها به، فرفع نظره فجأه وهو يزيل النظاره من علي عينيه وبحركة تلقائية اندفعت هي للوراء بجسدها مبتعدة عن النافذة كأنها ارتكبت خطئاً جسيماً.

(في إيه أنا مالي كده ؟!)

قالتها وهي تضرب وجنتها برفق مذهولة من ردة فعلها الغريبة ، أخافت هكذا لمجرد أنه نظر لها ؟!

ولكنها نفضت رأسها وهي تهديء ضربات قلبها التي بدأت بالتعالي ، ولبت نداء الصغيرة سلاف للعودة للعب .

وقبل أن تجلس علي الأرضية معها سمعت صوت طرقات علي الباب فنظرت له متوجسة ، فقامت الصغيرة تفتح الباب علي وسعه فظهرت من ورائه إحدي الخادمات تخبرهما بميعاد الغداء ، فأمسكت الصغيرة بيدها فرحة وقادتها نحو المطبخ .

دخلت صبا المطبخ وهي تتطلع نحو الطاولة الكبير التي جلس عليها ما يقارب العشر خادمات ، ورأت تلك التي قابلتها عندما دخلت تبتسم لها مشجعةً إياها علي الدخول .

دخلت صبا وجلست بالمقعد الفارغ بجوارها بتوتر دون النظر لأي شيء سوي الطعام أمامها ، وعندما رفعت رأسها وجدت الجميع ينظر لها بمودة سوي تلك الفتاة ذات العينين الملونة ، رشيقة القوام وتنظر إليها بااستحقار جعل صبا تنظر لملابسها لتري أين الخطأ .

لم تعطي صبا لها بالاً ، وسارعت وفاء تقول لها بمحبة وود ظاهرين

(إزيك يا أستاذة أنا وفاء ، ودول .....)

ثم أخذت تذكر أسماء البقية حتي وصلت إلي إسراء وتخطتها ذاكرة غيرها ،ومازالت تلك الإسراء تستمر بالنظر لها بااستحقار .

(أنا مش أستاذة ولا حاجة أنا صبا..هكون مربية سُلاف )

ابتسم الجميع بسعادة عدا إسراء ، فصبا يبدوا عليها الطيبة الشديدة ، وسارعت سُلاف تريد الجلوس علي قدميها فاانتبه الجميع تواً أنها هنا .

(إيه ده انتِ بتعملي إيه هنا ياسُلاف !!!)

قالتها وفاء غير مصدقة لوجودها بالمطبخ ، وظهر الإرتباك علي البقية وصبا لاتفهم أي شيء مما يجري!!

سارعت وفاء بالقيام من كرسييها ،وأمسكت بيد سُلاف وهي تقودها للخارج ، ولكن الصغيرة كادت تبكي وهي تمسك بيد صبا ولا تريد الخروج .

(فيه إيه يا وفاء ماتسيبيها؟!)

قالتها صبا وهي تجذب سلاف برفق نحوها فقالت وفاء بتعجل

(الأستاذ نائل ممكن يموتنا فيها ، دي لازم تتغدي هي معاه والمفروض إنه بياكل دلوقتِ )

نقلت صبا نظراتها بين سُلاف المستجدية لها بأن تظل معها ،ووفاء الخائفة من عقاب نائل ،وقال بتردد

(سيبيها يا وفاء أنا هقول له إنها قعدت هنا وأنا اللي قعدتها )

صفقت سلاف بسعادة و،طبعت قبلة طفولية علي خد صبا مماجعلها تبتسم بااتساع ..والجميع يراقب المشهد ، وقبل أن ترفض وفاء قالت صبا مطمئنة لها ..ماتخافيش هقوله إنها حبت تعد وهو مش هيعمل حاجة ، وبعدين شوفيها نفسها تفضل إزاي)

أومأت وفاء بتوتر وهي تشعر بأن الأمر لن يمر علي خير ، وعادت تجلس بمقعدها والأسألة تتهافت علي عقلها ..ماذا سيحدث؟!

عاد الجميع يتناولون الطعام بصمت ، ولكن سمعت صبا نداءًا باسمها فرفعت رأسها من طبقها فوجدتها إسراء ومازالت تلك النظرة ملازمة لها

(أيوة ؟!)

قالتها بتساؤل وهي تنتظر ماستقوله ، فخرجت حروف إسراء كسهام مسمومة ذكرتها بما تعانيه وهي تقول

(هو الأستاذ نائل مالقاش غيرك تربي بنته !!)

قالت الأخيرة وهي تحرك إصبعها في الهواء طولياً مشيرةً إليها ، فاذددرت صبا ريقها وهي تقول بثبات رغم مايجيش بداخلها

(أيوة أنا مالي يعني؟!)

ضحكت إسراء بصوتٍ عالٍ مما لفت انتباه الجميع ، ثم قالت باستهزاء

(انتِ مابتبصيش لنفسك في المراية ولا إيه ؟! مش شايفة لون بشرتك عامل إزاي ؟!! ولا الخط اللي علي جبهتك ده ، وكل الحبوب دي ؟!!)

شعرت صبا لوهلة بأن الأرض تدور بها ، ثم وضعت يدها علي وجهها تتلمسه ببطيء وهي تدرك بأن كل ماتقوله حقيقة ،فهي لم تنتبه لنفسها ولم تهتم بها بعد إحباط والدتها والجميع ،وجاءت إسراء تكمل عليها وكأنه ينقصها !!

بعدما رأت وفاء معاناة صبا الواضحة ، وضعت ملعقتها علي الطاولة بقوة فأحدثت صوتاً عالياً، وفتحت فمها لترد عليها ولكن صوتاً أجشاً أفزعهم جميعاً وهو يقول موجهاً حديثه لإسراء

(إيه اللي أنا سمعته ده !؟)

حدثت جلبة في المكان ، وقامت جميع الخادمات من مقاعدهم احتراماً لنائل الماثل أمامهم ، بينما صبا أصابتها رجفة لم تعلم مصدرها وقامت هي الأخري تفعل مثلما فعلوا والدموع معلقة بعينيها .

(أنا قولت إيه اللي أنا سمعته ده !؟)

عاد صوت نائل يهدر بغضب أكبر ، فمازاد الخادمات إلي طأطأة لرؤسهن ، وإسراء حرفياً تكاد تبلل ملابسها خوفاً .

(اللي قالت كده ..صبا ، حصلوني عالمكتب )

جملة واحدة قالها وهو يغادر المكان آخذاً معه كل غضبه كانت كفيلة بأن يتنفس الجميع الصعداء ماعدا إسراء التي شحب وجهها وجلست متهاوية علي المقعد .

انسحبت صبا للخارج بصمت تبعتها سُلاف المذعورة التي تخشي الصوت المرتفع ، وصعدت صبا السلالم بسرعة حتي باتت أمام باب المكتب بمسافة ليست بالقصيرة ولا الطويلة هي وسلاف .

تحدثت سلاف وهي تمسك كنزة صبا من عند خصرها تشدها للأسفل فااستجابت صبا لرغبتها وجلست علي ركبتيها أمامها.

(ماتزعليش خالص ، بابا ساعات بيزعقلي وأنا بعيط بس ماعدتش بعيط علشان أنا شاطرة )

قالتها الصغيرة وهي تمسح دموع صبا التي لم تستطع كبتها أكثر من ذلك ، وأمسكت صبا بكفها ووضعت عليه قبله دافئة وهي تبكي بغزارة .

خافت الصغيرة من فعلتها ،ولكنها مدت ذراعيها تحتضنها وهي تقول

(ماتعيطيش ..انتِ حلوة خالص )

ضحكت صبا من بين دموعها ، وربتت علي كتف الصغيرة ثم مسحت دموعها ورسمت علي وجهها إبتسامة تخفي بها وجعها

(تعرفي انك أول واحدة تقوليلي إني حلوة ؟! ،أول واحدة تطبطب عليا لما أعيط بعد أبويا ، انتِ حلوة علشان كده شايفة كل الناس حلوة )

ضحكت سلاف ودارت حول نفسها بسعادة وخجل في آن واحد ، فابتسمت صبا بسعادة حقيقية وقد وضعت في قرارة نفسها بإنها لن تضعف مرة أخري ..مهما حدث ومهما قيل .

قامت صبا ووقفت علي قدميها ، وبينما هي تمد يدها تسمك بيد سلاف أوقفها صورة نائل الذي ينظر لها تلك النظرة الغريبة التي لم تستطع تفسيرها ، وكم شعرت بالحرج !! ، منذ متي وهو يقف وهل رآها تبكي ؟!

ظلت عينيها معلقة بعينيه في حوار صامت دام لدقائق وسلاف تنقل نظراتها بينهما ، وصبا أصابتها موجة توتر لم تشعر بها قبلاً ، ومازال نائل لايبدي أي ردة فعل .

أشار لها باصبعه أن تلحقه وولج للداخل دون كلام ،بينما هي تحركت بخطوات مرتبكة حتي دخلت للداخل وجلست علي الكرسي أمامه وسلاف بجوارها .

(تعالي هنا ياسلاف )

قالها وهو يشير للصغيرة بالذهاب إليه فنظرت إلي صبا وكأنها تأخذ الإذن منها ..وكم تعجبت ، ما الذي يحدث هنا بالظبط؟!

كرر نائل نداءه فذهبت سلاف إليه بخوف ، فرفعها من خصرها وأجلسها علي قدمه وهو يقبلها من وجنتها ،كل ذلك وصبا تتأمل السجادة القابعة تحت قدميها ، وقلبها ينبض بعنف كلما تذكرت أنه رآها تبكي ، ولكن قطع تأملها قائلاً

(إيه اللي حصل بالظبط؟؟ أنا شوفت سلاف رايحة ناحية المطبخ وقولت هترجع تاني بس مارجعتش ، ولما روحت أجيبها سمعت خدامة بتسألك إذا كنتِ المربية بتاعة سلاف )

أومأت صبا بصمت مؤكده صحة حديثه وردت بعدما زادها تذكر هذا الموقف حزناً

(أيوة هو ده بس اللي حصل )

سمعوا طرقات علي الباب فسمح نائل بالدخول ، ودخلت إسراء مرتجفة يكاد يغشي عليها من فرط خوفها

(ماتعديش )

قالها نائل بجمود وغضب بعد أن كانت في طريقها للجلوس فأصابها إحراج شديد وهي لاتقدر علي رفع عينيها لصبا

(قولي ياصبا هي قالتلك إيه)

تحدث نائل موجهاً كلامه لصبا التي صعبت عليها إسراء ، فردت بتوتر

(اعتبرها ما قالتش حاجة يا أستاذ نائل لأني مسمحاها )

ولأول مرة منذ عرفته تري تعبيراً علي وجهه ، كانت الدهشة مسيطرة عليه بحيث لم يستطع إخفاء شعوره بها ، بينما إسراء تمتمت بغضب بداخلها

(أيوة هتعمل نفسها طيبة )

حول نائل نظره تجاه صبا وهو يسألها بهدوء طغي علي دهشته

(متأكدة ؟!)

أومأت برأسها دون تردد وهي تقول

(أيوة )

وجه نائل حديثه لأسراء قائلاً

(لو تقليل القيمة ده اتكرر تاني مش هتعرفي ايه اللي هيحصلك ، ثم إني حر في اختيار مربية بنتي ، وانا هسيبك لان صاحبة الشأن طلبت كده.

ثم أشارلها بالانصراف والتي تعجبت تماماً من الأمر ،فكانت تعتقد أن أقل عقاب لها سيكون الطرد فما الذي حدث!!! ، أترك صبا تأخذ قراراً!!!! ، ثم حمدت الله في سرها علي النجاة وهي تتوعد لنائل بأنه سيكون طوع أمرها .

بعد خروج إسراء شبك نائل كفيه معاً ووضعهما علي المكتب أمامه وهو يقول

(أقل عقاب كنت هعاقبها بيها هو الرفد ،،انا مااقبلش ان حد يهين حد جوة بيتي ، بس اسمحيلي اقولك حاجة...)

ارهفت صبا الإستماع وجميع حواسها متأهبة فأردف نائل

(بستصغر دايماً الشخص اللي يسيب حقه رغم إنه قادر ياخده، انتِ سمحتي لها تهينك وتوجعك ، وكل ماتسمحي لحد بكده هيزيد اهانة اكتر واكتر ،وهتبقي انتِ شخصية أضعف مايكون )

ثم صمت برههة وهو يري ردة فعلها فوجدها مشتتة وكأنه أصابها في مقتل ..وأضاف .. مش قصدي بتاخدي حقك انك تتعدي حدودك ..لا ردي عليها وعرفيها انك مش ضعيفة ..ما تسكتيش )

ثم رفع سلاف من علي قدمه وأنزلها أرضاً وهو يقول

( دول كلمتين حبيت اقولهم لك الزمن علمهملي )

وعندما اقترب منها أحني جذعه العلوي حتي بات وجهه مقابلاً لوجهها فعادت للخلف بحركة تلقائية متوترة من فعلته ، وقال بخفوت وأنفاسه الدافئة تكاد تصل لصفحة وجهها

(وبالمناسبة ..السمار مش نص الجمال ، السمار الجمال كله )

ثم ابتسم بخفة وهو يري نظراتها المتعجبة والمذعورة كردة فعل لما قاله ، وسار باتجاه الباب وهو يبتسم دون شعور .

بينما صبا كانت في دنيا أخري ولاتدري ما الذي أصابها ،هو محق بكل كلمة يقولها ولكن لم نصحها!! ، ثم وضعت يدها علي وجنتيها تستشعر سخونتهما وقابت بخفوت وهي غير مصدقة

(إيه اللي قالهولي في الآخر ده وقالي كده ليه ؟! وهوو بجد ممكن يكون السمار حلو ، حتي لو حلو هو ايه علاقته ؟! مش يمكن صعبت عليه لما عيطت ؟!)

ثم نفضت رأسها رافضة لكل تلك الأسألة التي يطرحها عقلها ، واندفعت سلاف الصغيرة مخرجة إياها من دهشتها وهي تقترب منها قائلة كأنها تقصد تذكيرها

(هو بابا كان بيقولك إيه ؟!)

**********

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 8:59 pm

(الفصل السابع)
(دروب الغفران شائكة)



************************

شعر ياسين بضيق ينهش داخله ، وهو يتسائل بينه وبين نفسه...أيمكن أن يشعر حقاً بالشعور ونقيضه في نفس ذات الوقت ؟! ، ولكن الإجابة أتته سريعاً علي شكل اضطراب غزاه وألم في رأسه لا يحتمل ، فكانت ردة فعله العاجلة احتواء رأسه بين كفيه والضغط علي جانبيها بابهاميه ..ولكن ما من راحة .

أصدر تآوهاً خافتاً ..يرسل إلي الجالسين بين طياته مدي وجعه ، وتآوه تبعه آخر وآخر لفت انتباههم، فتحركت علا بسرعة نحوه منتفضة وهي تقول بقلق ممسكه بكتفيه وأمينة تناظره بقلق

(مالك يا ياسين في إيه ، حاسس بإيه يا حبيبي ؟!)

قالتها وهي ترتبت علي كتفيه بلمسه حنونة ..قلقة ، فرد بخفوت وقد أزال يده من علي رأسه ينظر لها بضعف

(لا مفيش حاجة يا أمي مجرد صداع )

اذدردت حُسن ريقها وقد نفذ مخزون تحملها اليوم ، من رؤيتة مصاب ونائماً في المشفي وأخيراً ما يعانيه الآن ، فتسرب القلق لقلبها حتي خرج علي هيئة نظرات متلهفة ، فأدارت وجهها الناحية الأخري كأنها تحرم علي نفسها النظر له...أو الشعور بأضعاف أضعاف ما يشعر .

تنهدت بتثاقل وقد طفح الكيل من ضعف صوته ، وألمه المقطر من حديثه مع خالتها ، فأعادت رأسها مرة أخري كما كانت بعد شجار طويل دام بين عقلها وقلبها ، وناظرته بنظرات يقفز منها القلق ، بينما هو أخذ يغمض عينيه ويفتحهما طالباً الراحة ولكن كأنها لاتريد أن يشعر بها ، ثم نظر إلي حُست التي لم ولن يخطيء نظراتها تلك أبداً .

بات كمن سكن ألمه ، ولم يعد يشعر بشيء سواها ، وتلك النظرات التي ترسلها إليه بلسماً لجراحه فابتسم بحب ومازالت هي علي حالة قلقها ، ثم وقعت عينيها أسيرة عينيه ، أو ربما كانت واقعة من زمن ولكنها لم تنتبه لفرط قلقها ، فتحركت مقلتيها بتوتر وزاغت عينيها في المكان وهي تنظر لكل شيء عداه ، ودام الإتصال القائم بين أعينهما ثوانٍ حتي قطعته علا قائلة

(حُسن ، لو سمحتي يا حبيبتي هاتي برشام للصداع من التلاجة وكوباية ماية )

انتبهت علي صوت خالتها ، وقد شعرت بالغباء للحظة من كثرة ارتباكها فقامت بتعثر تتجه نحو المطبخ وهي تقول بخفوت

(أكيد يا خالتو ثواني)

عادت بعد ثوانٍ قليلة ، ممسكة بشريط به أقراص وكوب ماء بيدها الأخري ، وتقدمت ببطي نحوهما .

(تعالي يا حُسن مالك كده ؟؟!)

قالتها علا بتعجب وهي تلحظ حركتها البطيئة كأنها لا تريد التقدم ، ثم قالت تحثها علي الإسراع

(يللا علشان الألم مايزيدش عليه )

أومأت حُسن بصمت وقد عاد القلق يراودها مرة أخري ، وأحنت جذعها حتي باتت جالسة بجوارهما ، ومدت يدها لخالتها بالكوب فنظرت الأخري لها باندهاش جلي وقالت بصوت يغلفه التعجب

(اديهاله يا حُسن جايباهالي ليه ؟!)

اذدردت حُسن ريقها ببطيء وهي تدرك أنها وضعت أمام الأمر الواقع ، وظل كفها الممسك بالكوب معلقاً في الهواء حتي أصدر عقلها أمراً بالتحرك ، فتحركت يدها ببطيء ناحية اليمين ووضعته أمام فمه وهي تتحاشي النظر له

(اتفضل )

قالتها بجمود جعله يتسائل ...من المخطيء فيهما ؟! من الذي صنع تلك الفجوة بينهما عندما تفوه بالحماقات ؟!، ولكنه كان يدرك أنه مهما حدث فلن يترك الأمر بينهما هكذا، فمد شفتيه باابتسامة ، وأصدر تآوها مصطنعاً وهو يقول متظاهراً بعدم الإحتمال

(مغلش يا حُسن ممكن تحطي البرشامة في بوقي ؟!)

توسعت عيناها اثر صدمة لم تستطع تصديقها ، ورمشت بعينيها العديد من المرات المتلاحقة ومازالت ترفض التصديق .

عاد يصدر تآوهاً مرة أخري ..أكثر اصطناعاً ...فظهرت حقيقة الأمر بالنسبة لها ، ولم تأخذ كل من أمينة وعلا بالهما لانشغالهما بالحديث .

نظرت له حُسن نظرة ثاقبة ، تحمل فيها كل سخطها وقلقها ..ونفاذ صبرها ، وكادت تضع الكوب أرضاً ولكنه تدارك أن أمره قد فُضح ، فتحولت نظراته للجدية وهو يردف بسرعة مانعاً إياها من فعل ماتريده

(مش بهزر يا حُسن علي فكره تعبان جداً)

قال الأخيرة بألم حقيقي ...ولكن يشوبه شيء من الخبث ، وعاد يضغط علي رأسه بكلتا يديه وهو يقول

(يللا يا حُسن بسرعة مش هنفضل طول الليل يعني)

قال الأخيرة بغضب كادت تصدقه ، وظهرت أمارات الذعر علي وجهها وهي تمد يدها بتوتر نحو فمه وفي داخلها تردد بضيق(هو انت مشلول؟!) .

(افتح بوقك لو سمحت ، ولا تكون مش قادر وعايزني أفتحهولك ؟!)

قالت الأخيرة وهي تسلط نظرها علي عينيه ، فألقي نظرة خاطفة علي أمه وخالته فوجدهما منسجمتين تماماً في الحديث وكأنه أمه قد نسيت ما به ، ثم أعاد نظره لها مرة أخري وعلي وجهه ابتسامة خبيثة وهو يقول بتلاعب مقرباً ووجهه علي حين غرة أكثر مايكون إلي وجهها

(والله لو عليا كنت قولتلك افتحيلي بوقي )

ثم أغمض عينيه وهو يكمل كأنه يتخيل الموقف

(مش متخيل قد إيه هبقي حاسس بسعادة )

قال الأخيرة وأنفاسه الدافئة تلحف رقبتها البيضاء بعد أن أدارت وجهها خجلاً من حركته المباغتة ، ثم عاد هو مرة أخري لمكانه بعد أن أخذ شهيقاً من عطر عنقها وكأن شيئاً لم يكن ، وكأنه لم يتركها بعد أن بعثر كيانها .

علت وتيرة تنفسها وأصبحت تخرج زفيراً غير منتظماً ، ولكنها تماسكت وهي تجلد نفسها وقد بدر إلي ذهنها فجأه ما ارتكبه ، ومسامحتها الواهنة، وعند تلك النقطة توقفت قليلاُ وهي ترهف التفكير ، أحقاً تكون سامحته ؟! ، وقبل أن يطلب هو ؟! .

سامحته علي عامٍ كامل غاب فيها عن ناظرها ، ولم يكلف نفسه عناء الإطمئنان عليها ؟! ، عام كامل لاتعرف عنه أي شيء سوي أنه ترك البلدة ..تركها دون وداعٍ حتي !! ، تركها تعاني من فقده ، تعاني من عدم رؤيته ، تعاني من نقص شيء كان بالنسبة لها الهواء الذي تتنفسه ...ومازال ..وسيظل .

اعترفت بالأخيرة بينها وبين نفسها ، هي لا تدرك حقاً كيف تحبه بتلك الطريقة ، كيف تبرر أخطائه وتضع هي أعذاراً لها وتسامحه بكل تلك السهولة ؟! ، يرتكب خطأ فتضع هي عذراً ثم مسامحة فورية !! ،حمقاءٌ ورب الكعبة .!!

لا تزال تتذكر ذلك اليوم والذي كان بداية اندلاع الحب بينهما فهل تستطيع النسيان ! ، وتقصد هنا ظهور موقفه نحوها فموقفها محدد منذ زمن ، تتذكر اليوم بأدق تفاصيله وماحدث به ..لاتستطيع ..لاتستطيع النسيان مهما حدث ، هو كالدم يجري بعروقها ، ومن دونه حتماً لا تستطيع العيش .

حمقاء مغفلة ...عاد عقلها يكرر وهو يدرك عدم قابليتها للتعديل ، هي لاتفقه شيئاً سوي الإقسام بأغلظ الأيمان أنها ستضع حداً له ...لن تسمح له بالتلاعب بها وتحريكها علي هواه ..لن تسمح .

ولكن الظاهر كان أنها هي من تفعل ، هي من تسمح لنفسها بذلك ، والأدهي أنهي هي التي تحركه !!.

ضم حاجبية بغرابة وهو يستشعر سكونها التام ، تقلص عضلات وجهها كأنها تجاهد نفسها علي عدم فعل شيء ، نظراتها الشاردة في اللاشيء كأنها لاتسمع ولاتري جعلته يتأكد بأنها غارقة بما فعله ..وماذا سيكون سواه ؟!...وكم آلمه .

فاقت من غيبوبتها المؤقتة تلك علي لمسة من يده علي ذراعها ، فانتفضت وهي تنظر له والشرر يتطاير من عينيها فتجاهل هو نظراتها تلك ومد يده يلتقط الكوب من يدها وقد صار ألمه ألمين ، ألماً جسدياً بالإضافة لألمه الذي تألمه لألمها ..وهو الذي قد آلمها.

تركت الكوب من يدها له ، وتلامست الأنامل لمسة خفيفة كانت كفيلة بتوليد رعشة سرت بجسد كليهما ، وهي تنظر له بفاه مفتوح وتعجب ..ماذا حدث لتنقلب أحواله بتلك الحالة !!!

(هاتي البرشامة )

قالها مخرجاً إياها من صدمتها ، فانفرج فمها بابتسامة متهكمة وهي تتصنع اللامبالاة قائلة بجرأة لم تدري من أين أتتها

( لا افتح بؤك أحطهالك ما انت تعبان برضه ، وبعدين ما انت زي أخويا ولا إيه ؟!)

ابتلع غصة بحلقه ..أو بالأصح لم يفعل فهي لم تستطيع المرور ، وبدأت عيناه تزوغان في المكان وهو يتعجب لنبرتها تلك ، ولكن أليس هو السبب ؟! ، ومازاد جنونه تلك الكلمة التي تستمر بترديدها والذي يريد محوها تماماً من أي قاموس وُضعت فيه حتي لاتنطقها مرة أخري.

نعم كلاهما يعاني من تبدل أحوال الآخر ، تارة هو يكون حنوناً وتارة أخري جامداً غير مبالياً ، وهي تارة تنسي ألمها بسببه وتارة أخري لاتتذكر سواه ..وهكذا علي نفس الوتيرة .

(هاتي البرشامة )

قالها للمرة الثانية وقد أغمض عينيه بنفاذ صبر ، نفذت قوة تحمله ، يريد الصراخ علي الجميع وقول أنه يحبها ، بل يعشقها ، يتوق شوقاً لقبلة يقطفها من توت ثغرها ، الإنغماس بين أحضانها ، احتضان كفها ومشاركتها في كل شيء ، ولكنه ودَّ لو ..ولن يستطيع .

أتبعت ابتسامتها المتهكمة بأخري وهي تضع الحبة في فمه غصباً قائلة

(اتفضل بالشفا يارب )

قالتها بغل واضح ..اصطنعه قلبها المُفتت من الألم ، بينما ما بداخلها علي النقيض تماماً ، اشتعال ..إنه الوصف الملائم تماماً لما تشعر به ، اشتعال روحها بين نار الحب والكبرياء .

اتبع الحبة التي دخلت فمه برشفة ماء ، ثم وضع الكوب أرضاً ورفع عينيه للأعلي ينظر لها وقد استقامت ، وما زادته نظراتها إلا ألماً.

مال بظهره إلي الخلف حتي لامس الحائط فااستند عليه وهو يزفر نفساً ثقيلاً علي قلبه ، وقطع لحظته المؤلمة تلك صوت أمه قائلاً

(ها ياحبيبي بقيت كويس ؟!)

ابتسم بتهكم وهو يقول بداخله

(ده أنا لسه واخد البرشامة أهو )

ولكنه تحدث بزيف يغلب عليه الجدية

(زي ما أنا لسه بس الحمد لله محتاج بس أرتاح )

ثم أضاف وهو يهم بالقيام مستنداً علي الحائط

(هروح بس أنام شوية )

(ماشي يا حبيبي ، ارتاح انت ، وأنا هروح أنا وخالتك نزور أبوك ونيجي بسرعة علشان عمك محسن جاي ولسه ماجهزناش ولا عملنا حاجة ،وكان نفسي تيجي تشوف أبوك بس انت تعبان )

قالت الأخيرة بحزن جلي ، فحمد الله في سره وهو يقول بود مزيف

(شفاه الله وعافاه ربنا يقومه بالسلامة)

قالها وهو يحمل في قلبه شعورين ..الأول صدق دعوته حتي يذيقه ماكان يريد ويريه نتائج ما فعله بأمه ، والثاني بأنه يشعر بداخله بشيء من العاطفة ، رغم كل ذلك هو يحن إليه ، ولم يكن متعجباً من أنها تريد رؤيته فهو المُتوقع !!

بينما كانت حُسن عجبها سيد الموقف ، وقد ضمت حاجبيها بغرابة وهي تستشعر نبرة الحزن في صوت خالتها ، كيف لها أن تكون قد تحملت كل ذلك الألم ثم هاهي هنا تقلق عليه !!!.

أومأت علا برأسها في حزن ، وعندما كان ياسين في طريقه للدخول للغرفة استوقفه صوت حُسن الجامد يقول

(أنا كمان جاية معاكوا يا ماما )

زفر ياسين براحة ، فما يشعر به لا ينقصه وجودها فنظراته تلك ستستمر باختراق قلبه دون رحمة ، ولكن ماقالته خالته قطع عليه كل راحته تلك

(لا يا حُسن ماينفعش تسيبي ياسين لواحده ، أفرض لا قدر الله حصله حاجة مين هيلحقه؟؟! وبعدين كفاية إصابات لحد كده )

أخذت حُسن شهيقاً طويلاً تريد به تهدأة نفسها ،وقالت بداخلاها رغم مايعتريها من آلام لذكر تلك الكلمة

(يعني هيجراله حاجة من مجرد صداع. ، وبعدين إزاي يسيبوني معاه لوحدي مش عارفين اني بقيت كبيرة ماينفعش !!)

كانت تريد قولها علي ملأ منهم ، ولكن نظرات أمها الجدية في تلك اللحظة كانت كفيلة بجعلها توميء برأسها استسلاماً دون المحاولة حتي !! ، وكأن قلبها يرفض المغادرة ، بالرغم من أن مايلقاه من آلام لا يتساوي مع فرحته بوجود ياسين تحت ناظريه .

دلف ياسين إلي الحجرة بشعور مناقض لما يجيش بداخله ..ضيق مرتسم علي وجهه وفرحة عارمة داخل قلبه ..أيهما يصدق ؟! وألقي بثقله علي السرير ، واستلقي علي ظهره وأغمض عينيه يستدعي الراحة المفقودة ، ثم شبك ذراعيه علي صدره وبدأ تنفسه يثقل حتي غطّ في نومّ عميق .

ودعّت علا وأمينة حُسن وهي تلقي عليها الوصايا العشر .. ترك ياسين نائماً والإطمئنان عليه ، عدم الخروج من المنزل أواشعال الغاز ..وغيرها من الأمور التي لن تفعلها طفلة بالخامسة .

رسمت ابتسامة مصطنعة علي وجهها ، وهي تلوح بكفها في الهواء منهية إلقاء بنود تلك الوصية ، وأغلقت الباب خلفهما وهي تزفر بضيق .

أخذت تجول في جميع أركان الشقة ، ملل هنا وآخر هناك ، وأخذت تبحث عن شيء تسلي به نفسها وتلهيها عن الدخول إليه فهي حتماً لاتريد افتضاح أمرها أكثر من ذلك .

حسمت أمرها بمشاهدة التلفاز ، ثم جلست علي الأريكة الطويلة في غرفة المعيشة وأخذت تقلب بين القنوات بعشوائية .

مضت نصف ساعة أو أكثر ولم يزول الملل فلم يجذبها شيء ، ثم أخذت تنظر للخارج نحو غرفته تريد الإطمئنان عليه ..أأصبح بخير ؟! ،هل مازال يتألم ؟!

ثم فجأة ضربت جبتها بيدها بخفة ، كأنها تنقذ نفسها من دوامة هي غارقة فيها لا محالة ، وتركت جهاز التحكم يسقط من يدها وهي تتطلع إلي التلفاز بعدم تركيز ، تريد إلهاء نفسها بأي طريقة عن التفكير به ، ولكن هل تستطيع ؟؟

لم تدري كيف أحست بالظمأ الشديد فجأة ، فقامت مسرعة نحو المطبخ وهي تتحاشي النظر نحو غرفته .

روت ظمأها بكوبين من الماء ثم خرجت من المطبخ وحدثت نفسها لم لا تطمئن عليه ! ألم توصيها أمها وخالتها به ؟! إذن ما المشكلة ؟! ، تلك الكلمات اتخذتها حجة لقلبها الملهوف عليه ، وسارت علي أطراف أصابعها نحو غرفته حتي لا يستيقظ .

فتحت الباب بنفس الهدوء ، وحاولت عدم إصدار جلبة وهي تدلف إلي الداخل حتي باتت واقفة أمام السرير وهو نائم علي جانبه الأيمن معطيًا إياها ظهره ، بينما هي أخذت تتأمله بعشق ..لكم تحبه ! ، خصلات شعره المبعثرة جعلته جنونها به يصل إلي ذروته ، منظره المتكور وهي يضم ساقيه جعلها تشعر نحو بشيء من الأمومة ..غريب !! ، كان الأمر رائعاً ،تود لو تستمر بالوقوف هكذا ساعات وساعات وليس هناك سواهما ، ولكن كان ينقصها رؤية وجهه .

تسلل عطرها لأنفه منذ لحظة دخولها ، فهو كان مستيقظاً يدرس الأمر برأسه ، أيعترف لها وينهي الأمر أم لا ، أيخبرها بما فعله أم يتركها ؟! ، ولكن كيف يترك روحه؟

كان الصمت الذي حل علي المكان يطربه ، وهو يشعر بأن نظراتها تخترقه ، يشعر بحبها ، يراه في كل شيء حوله ، إذن لما الترفع ؟!

أدار جسده كاملاً حتي صار نائماً علي جانبه الأيمن بعد أن لاحظ حركتها البطيئة وهي في طريقها للخروج فشهت بصدمة وهي تضع كفها علي فمها ، تريد سب قلبها الذي سلك الطريق المؤدي إليه .

(حُسن استني ممكن تسمعيني؟!)

قالها برجاء حنون وهويعتدل في جلسته ، فتوقفت وهي معطيه ظهرها له وودت لو تقول لا ، وقد شعرت بفراشات بداخلها من نبرة صوته تلك ، ولكن تحدث لسانها بما يهواه قلبها وقالت بجمود

(فيه حاجة مهمة هتقولها ؟! لو مش هضيع وقتي اتفضل )

تلك المرة لم تشعر بالخجل من ضبته لها متلبسة تراقبه فقد فعلت الكثير من المرات في السابق ، ولكن الشعور المسيطر عليها في تلك اللحظة كان الفضول ، في ماذا يريدها ياتري ؟! ، وماجعلها تشعر بألم في رأسها كيف تتغير أحواله ..من شخص عابث إلي جدي إلي حنون ، هي الآن حتماً علي حافة الجنون .

عادت بظهرها خطوتين إلي الوراء ، ثم ودون النظر له جلست علي السرير المقابل له ولا يفصلهما عن بعضهما سوي خطوات قليلة .

اعتدلت في جلستها ظاهرياً، بينما بالداخل تشعر أنها تجلس علي جمر مشتعل يحرقها ويدفعها للركض خارجاً وترك الأمر برمته ، ومازال عقلها منشغلاً بما يريد قوله .

شبكت يديها معاً وهي تصنع حركات متوترة بسبابتيها ناظرة أرضاً وهي تستشعر نظراته المحدقة به ، فتدفق صوته الحنون راوياً ظمأ قلبها وهو يقول

(حُسن ممكن ترفعي وشك ؟! ممكن ماتحرمينيش حق اني أشوفه )

(حق إيه بالظبط يا أبو حق انت !!)

قالتها بانفعال بعد أن رفعت وجهها نحوه ،ويديها تتحرك في الهواء أمام وجهها بعشوائية وقد أبدت مهارة رائعة في الشجار السوقي(الشرشحة يعني😂😂) !!.

قهقه بجنون وهو يري انكماشها بعد وصلة الغضب تلك ، وقال من بين ضحكاته

(تصدقي طلع جواكي حُسن صغنونة بتعرف تردح كده )

(وهو يعني أنا كبيرة !؟)

قالتها بتساؤل بعد أن هدأت ثورتها ، تريد أن يطمئنها بقوله أنه لايراها صغيرة ، وهو فهم مقصدها تماماً ، فقال بعشق يفيض من عينيه وهو يسدل قدميه من علي السرير

(أكيد كبيرة ..علي الأقل في عيني ،مش مهتم إني أعرف سنك أو شهر ميلادك حتي ، هم حاجتين المهمين عندي ...انتِ واليوم اللي شرفتي الدنيا فيه )

أجفلت من حركته تلك ، ودق قلبها بعنف بين أضلعها وهي تسمع غزله الصريح كأنه لم يغازلها قبلاً ، وتبعثر كيانها وظهر ذلك جلياً في ارتعاشة صوتها الواضحة وهي تقول بصوت جاهدت لكي يخرج ثابتاً

(بس الحقيقة مش كده ..أنا صغيرة ولسه بدري علي أما أكبر ، محتاجة رعاية وحد يفهمني ويقدرني ويعاملني بسني حتي لو كان عقلي أكبر منه )

انفرجت شفتاه باابتسامة ، وتراجع بظهره وهو يضع كفيه ورائه مستنداً عليهما في وضع مريح وهو يدرك مغزي حديثها

(بس انتِ أكتر حد عارف إني هشيلك في عيني )

عند تلك الكلمة دق عقلها ناقوس الخطر ،وأحست بسكون حميع الأشياء حولها حتي لم يبقي سواهما يرسل لها نظرات عاشقة وهي تنظر له بتوجس ..تريده أن يكرر جملته حتي تصدق .

(إيه مش مصدقة ؟!)

قالها وهو ينظر لملامحها الشاردة ، ونظراتها المتعجبة ، ولكنها تداركت نفسها وقد عزمت علي الفوز بتلك اللعبة وقالت بجدية زغم مابداخلها من تخبط

(أيوة يعني تقصد إيه؟!)

مازالت تلك الإبتسامة محفوره علي ثغره ..يحفظها ويحفظ تفاصيلها ومغزي حديثها ، ثم بحركة مفاجئة قام من سريره وهو يجلس بجوارها وقبل أن تستوعب ما يحدث تسلل كفيه يكوران وجهها بينهما وهو يسلط نظره علي عينيها المرتعبة حرفياً كطفلة صغيرة لا تدري ماذا يحدث ، يشعر بملمس بشرتها الناعمة علي كفه الخشن ، ملامسه أطراف يده لبعض خصلات شعرها الذي يريد أن يشكل هجوماً ضارياً عليه يستنشقه حتي الصباح ، ذلك القرب المهلك خطر علي قلبه المتيم

(انتِ عارفة كمان أنا أقصد إيه كويس )

قالها بصوت مشحون بعاطفة فياضة ، وهو بالكاد يتمالك نفسه واذدردت ريقها وأحس هو بذلك ، وسلطت نظرها علي الفراغ خلفه تريد أن تفسح مجالاً لجسدها بالتأقلم مع حركته ولرئتيها بالتنفس قليلاً حتي لاتموت مختنقة وقد شعرت بنفاذ الهواء من الغرفة

(ممكن تشيل إيدك علشان نتكلم ..انت إزاي أصلاً تمسكني كده ؟!!)

قالتها معلنة ثورة عارمة ،بشرر يتطاير من عينيها وقد وضعت كفها علي كفه تحاول إزالة يده بالقوة ولم تفلح ، قاطع محاولاتها صوته الجاد يقول

(حُسن بجد عايزاني أشيل ايدي ؟؟ ، بصي في عيني وكلميني. قوليهالي في وشي ،عايزاني؟!)

رق قلبها لنبرة صوته تلك وهي لا ينقصها شيء من الأساس ، وهدأت قليلاً وصدرها يعلو ويهبط بسرعة وقد عم الصمت بينهما .

(مش هقدر موقفي من شخص إلا إذا كنت عارفة موقفه ناحيتي)

قالتها بجمود وقد أزالت يدها من علي يده ،كأنها تمنحه الموافقة المبدئة علي وجوده ،ولكنها مازالت متوترة من إحاطة كفيه لوجهها.

ابتسم بحب وهو يراها تجاهد نفسها ،وكأنه انتظر منها تلك الجملة، فسارع يقول

(عاوزة تعرفي إيه وأنا أقولك بجد ..اسألي اللي نفسك فيه )

رمشت بعينيها عده مرات وقد سنحت له الفرصة ،ولكنها لن تهدر كرامتها تلك المرة ،وعندما طال صمتها تحدث هو قائلاً

(عايزة تعرفي مشاعري ؟!)

ثم صمت هنيهة وأضاف بنبرة خافتة مثيرة

(ناحيتك !)

تلك بالضبط النقطة التي كانت تريد الوصول لها ..وها هي قد وصلت ..سحب اعتراف من فمه دون إراقه لكرامتها المراقه من الأساس ، وصمت آخر يضاف لحصيلتها .

(عايزة تعرفي بيجرالي إيه لما أشوفك ؟!)

تابع هو إنفعالاتها بقلب يرفرف لقرب محبوبته ، وأكمل وقد حثه موافقتها الصامتة قائلاً

(ماتعرفيش بيجرالي إيه لما أشوفك ، ببقي نفسي أخدك في حضني وأخبيكي عن الدنيا كلها ،وأقول لكل الناس انك بتاعتي واتكتبتي باسمي ، لما بكون قريب منك قلبي بيدق جامد ، بتعب لألمك وشايفك أحلي واحدة في عيني وهتفضلي)

أحس بارتعاشه جميع بدنها الظاهرة في رجفة وجهها بين كفيه ، وارتعاشة شفتها التوتية التي يناظرها بشوق ، ثم نفض رأسه وهو ويزيح نظرها عن شفتيها ينظر لعينيها ، مبعثرة تماماً وربما فرحة ، ولكن تلك ليست ردة الفعل التي توقعها !!!

شعر بخيبة الأمل وأحني وجهه أرضاً وبدأ كفاه بالتراخي من علي وجهها ، وانتبهت هي في تلك اللحظة فقد كانت غارقة في حلمها الذي تحقق ،ذلك الإعتراف الغير مباشر الذي ألقاه بوجهها دون أي ضغط منها ، حبه ..يحبها ..أجل يحبها هي !!

سارعت بتدارك الأمر ،ووضعت كفيها بسرعة علي كفيه تثبتهما علي وجهه وهي تنوي الإفصاح عن مكنونات قلبها فماذا سيفيدها العناد ؟! ونست كل معاناتها دونه ببضع كلمات قليلة!!

دق قلبه بعنف لحركتها تلك ، هي ردة فعلها التي توقعها ،يريد الشعور بفرحتها الداخلية ومشاركتها إياها ، يريد فعل الكثير والكثير .

تعلقت عينيه بعينيها في حوار صامت أبلغ من أي حديث ، ثم نظر لكفها المتشبثة بكفه باابتسامة وقد توقع ان تزيلها فكسرت كل توقعاته عندما تشبثت أكثر ، ثم نزل بنظراته نحو شفتيها ..يلتهمها بعينيه ، وأرادت هي أن تنشق الأرض وتبتلعها !!

تظاهر بثبات دفت الكثير للظهور به ، قم قالت برفق

(بس كل ده ليه؟!)

بالرغم من توقعه أن تعترف هي الأخري ، ولكن هذا السؤال أشعره بمدي خوفها ، فرسم ابتسامة علي ثغره وهو يزيح عينيه بصعوبة من علي شفتيها ، وأطرق أرضاً بحركة تلقائية ، فلحظة ماقبل الإعتراف يجتمع بها ارتباك الدنيا والآخرة ، ولكن لجرأته المعهودة. ...تخطي ذلك الإحساس بسرعة وأزال كفيه من علي وجهها فنظرت له بغرابة ، ولكنه احتجز كفها الصغير بين كفه فاارتعشت وهي تنظر له بترقب .

قرر التلاعب قليلاً ...ثم وضع يده الأخري أسفل فكه يتظاهر بالتفكير وقال بحيرة مصطنعة

(يا تري أنا بحس كده ليه؟؟ أعتقد تعبان وعاوز أروح المستشفي )

أنهي جملتة باابتسامة مستفزة ، فضيقت عينيها وهي تنظر له شذراً ..وكم كانت تريد مجاراته في لعبته ولكنها فضلت استمالته إليها فقالت بدلال غلف نبرة صوتها

(بس مفيش أي مستشفي تقدر تعالجك مني ، كل حاجة ليها حل إلا أنا )

كانت الثقة تقطر من حديثها ، فهو كان مفضوحاً من الأساس ، فنظر لكفها الذي مازال قابعاً بين كفه ورفعه ببطيء نحو فمه وعينيه مسلطة علي عينيها وهي تكاد ترتجف حرجاً.

تلاقي ثغره ببشرتها البيضاء في قبله رقيقة لامست شغاف قلبها ، ثم وضع يدها مكانها مرة أخري ودون إنذار مسبق وضع يده خلف رقبتها يقرب رأسها منه بحميمةفهو لن يستطيع الصمود أكثر ،وضع شفتيه الخشنة علي خاصتها ...يبثها حبه وجنون وهوسه ، في اعتراف ضاري أودي بمقاومتها الواهنة ، والصدمة مازالت،شعورها الأكبر وتلك العينين المتسعة كأنها رأت شبحاً.

كان يشعر بالنعيم بين يديه ..عفواً بين شفتيه ..أو بين كلاهما فقد انتقلت يده تمسك بخصرها وتجذبها نحوه ، ليونة شفتيها وحلاوتها بين شفتية جعله يغمض عينيه أكثر استمتاعاً بتلك اللحظة الجنونية ، ويديه علي مشارف ارتكاب خطأ ، وانتظر أن تبدي هي ردة فعل سوي الصدمة تشعره بتقبل الأمر ..ولكن ماذا إن لم تتقبل قبلته ؟! سيجعلها تتقبلها غصباً .

رفعت ذراعها ووضعتها علي منتصف ذراعه ..ردة فعل غريبة!! ، ولكن يكفيه أنها لم تبعده ..حتي الآن .

تحرك كفها فااستقر علي صدره وهي تضربه برفق طالبة بعض الهواء وهي تشعر بدوار اجتاحها ، كيف حلقت معه وكيف سمحت له ؟؟ فتركها غصباً مجبراً وعلامات الضيق بادية عليه ..ولكنه يشعر بمثل التحليق في السماء .

نظر إلي وجهها فوجده ملطخ بحمرة قانية وكم أحبها ، تفسها غير منتظم جعله يشعر بتأثير ما فعله عليها ، شفتيها الأقرب للتورم والتي رفعت إبهامها تتلمسها به وكم أثارته تلك الحركة .

(شيلي صابعك من علي شفايفك )

قالها بضيق واضح وهو ولن يتمكن من التحكم في نفسه أكثر ، فاامتثلت له وأزالتها ببطيء وظلت مطأطأة رأسها أرضاً.

(بحبك )

كلمة واحدة ألقي بها في وجهها وهو يتمني أن تنتهي تلك المسرحية التي شارك بها كلاهما ، ووضع يديه علي ذقنها يرفع وجهها فرأي تلك الغمامة البيضاء المتشكلة علي عينها فظهر الغضب عليه ، ثم قال بتحذير

(أوعي تعيطي ..اوعي ،انتِ ماتعرفيش دموعك ممكن تعمل فيا إيه !)

لم يعلم بأن تلك الدموع التي في طريقها للنزول ليست سوي من نتاج اعترافه، كم تمنت تلك الكلمة يوماً ..وها هي تسمعها منه أخيراً.

تسارعت دقات قلبها بدرجة غالية ،وأومأت برأسها أن لاتبكي ولكن المشاعر كانت أقوي منها فاانفجرت باكية وهي تلقي بنفسها علي صدره وهي تردد

(وأنا كمان بحبك ..بحبك أوووي ، أوي )

رددتها دون حواجز ..كأن لسانها لا يعرف غيرها وهي غير مصدقة لسرعج جريان الأحداث ..ونسيت تماماً سبب دخولها للغرفة وهو الإطمئنان عليه وانجرفت خلف مشاعرها ونسيت أيضاً ماسببه لها من ألم مقابل تلك الكلمات وحتي إن لم يطلب عفوها فيكفيها ما تشعر به الآن ، فرفع ذراعيه يحيطها وهو يربت علي ظهرها
وشعرها ، ثم اشتدت ذراعه عليها في عناقٍ عنيف ، وهي تخرج ما بجعبتها من حب بين أحضانه ، وهي لاتدرك كيف قالتها ولكن الوقت لايتسع للتمثيل أبداً.

(مش كنت ابن خالتك بس من كام ساعة !!)

قالها بمرح يخرجهما من توتر المشاعر ذاك ، فرفعت نظرها إليه وهي مازالت بين أحضانه ..تنظر له عينيها تتلألآن بشدة ، ثم ضحكت بخفة وهي تقول وأنفاسها تكاد تصل إليه فتبعثره

(ما ياذكي ابن خالتي يعني يعني تحل ليا ..مش أخويا في الرضاعة أو كده يعني )

(يالهوي ده أنا كنت غبي أوي ، كل ده كان تلميح وأنا اللي مافهمتش؟!)

قالها وهو يزيل إحدي ذراعيه من عليها ويضرب جبهته بحركة مسرحية فقهقهت بجنون وقع علي قلبه كوقوع الندي علي أوراق الشجر ، وأضاف وهو يجذب يدها نحوه

(حقك عليا يا ست الكل ..أو ست الحُسن ..ستهم كلهم )

أنهي حديثه وهو ويطبع قبلة دافئة علي يديها فازدردت ريقها ببطيء وهي لاتقدر علي استيعاب كم المشاعر تلك دفعة واحدة ، فاابتسمت بتوتر مكتفية بتلك الإجابة الصامتة ..وقد كثرت مثل تلك الإجابات اليوم .

لاحظ هو ارتباكها وخجلها ، وهي تداركت أنها مازالت بين أحضانه فرفعت جذعها حتي باتت جالسة كما كانت ، ثم تغيرت معالم وجهها فجأة وهي توجه كلامها إليه

(كنت فين ياياسين وليه غبت المدة دي كلها ..والمهم أنا كنت فين من كل ده ؟!)

لم تود أن تتطرق لذلك الموضوع وهما في ذروة سعادتهما الآن ،ولكنها تريد أن تعرف ،فتهجم وجه علي ذكر الأمر وبدت أمارات الضيق عليه ، ولم تدري هي أنها ذكرته بما ارتكبه ، وأنه ليس غاضباً من أمر سفره ..ولكن ماارتكبه هناك!!

تطلعت إلي ملامحه الغاضبة بااندهاش ،وانتظرت إحابته فقال مباشرة كأنه يزيح حملا من علي صدره

(أنا كنت كبير وقتها ،وانتِ كنتي صغيرة وعندك دراسة ،ومش دارية بمشاعرك وانك مراهقة والمشاعر دي هتتغير ، فسافرت ..سافرت أحوال أنساكي وأعرفك اني نسيت واشوف. ردة فعلك .كان غلط يبقي بينا حاجة وانتِ كنتِ كده ، مع ان الفرق بين الوقتي وساعتها سنة واحدة ..كنت حاسس إني ممكن إكون هستغلك وانتِ أنضف من كده ،وأنا في الوقت ده كنت ممكن أعملها )

توسعت عيناها اثر مايقول ،وفتحت فمها مأخوذة وهي متعجبة أشد العجب من ذلك السبب الذي آلمها بداخلها جزء يهبرها بأن تلك القصة مختلقة ،وودت لو لم تسأل من الأصل، بينما هو تابع حركاتها المتعجبة ثم أضاف بسرعة ينقذ الأمر

(رجعت ،رجعت ولقيتك لسه زي ما انتِ بس حُسنك زاد، وطلعت أنا الغلطان ،كنتي كبيرة من الأول وأنا اللي مش واخد بالي)

ابتسمت بخجل وكانت في حاجة لتلك الجمل وتبدل ضيقها بسرور وهي تنظر له بعشق ،فاذدرد ريقه وهو يقول بتوتر

(وفيه حاجة عملتها ثم توقف قليلاً وهو لايدري كيف يمهد للموضوع ، وموقن كل اليقين بأن ماسيحدث بعد دقائق سيكو ننهتية الأمر.. وأضاف بتلعثم

(صعب عليا أقولها صعب عليا أدمر السعادة دي ، بس لازم اعترف ومااخبيش )

كان يشاور عقله أيقول أم لا ؟! يفسد تلك السعادة !! ولكن إن لم يقل الآن متي سيفعل ؟! ، فحسم أمره بإخبارها .
بدت الحيرة علي وجهها وهي تري أنه يصعب عليه الحديث ، فكاد يكمل بنفس التوتر إلا أن جرس المنزل استوقفه فاارتبكت حُسن ، وقامت مسرعة بتلعثم وهي تعدل هيئتها وهندامها وتلتقط أنفاسها اعتقاداً أنها أمها ، وقبل أن يخبرها ياسين بأن ماسيقوله ضروري كانت قد اندفعت إلي الخارج لتفتح الباب .

فتحت حُسن الباب وجاهدت لتبدوا ثابتة ، ولكن لم تكونا أمها وخالتها ، بل فتاة أخري ترتدي زياً مكشوفاً يظهر أغلب ساقيها وجزء من نحرها ، تضع مساحيق تجميل خفيفة تبرز جمالها، فنظرت لها بغرابة فقابلتها الأخري بنظرات واثقة ، وظل الصمت سائداً للحظات ،فقطعته الفتاة قائلة

(هو ياسين موجود ؟!)

تعجبت حُسن من طلب تلك الفتاة لياسين فما عمله معها !! ، وقبل أن تجيب كان ياسين قد خرج من الغرفة ووصل إلي حيث حُسن ققد تأخرت كثيراً، وعندما وقعت عينيه علي الزائرة توقف به الزمن ، وانحسر تنفسه حتي أحس بااختناق في صدره ، ولم يصعب علي حسن الشعور بذلك !.

*****************

أنهي محسن كافة إجرائاته في مطار القاهرة ، ثم نظر في ساعته الثمينة ليعرف الوقت ، ثم توقف قليلاً علي جانب الطريق وهو ينتظر السيارة التي ستأخذه والضيق ينهشه ، فقد ندم أشد الندم علي عودته ، لقد كان يعتقد أنه سيتناسي الأمر ولو قليلاً في أجواء العزاء ولكن أخبره علي بأنه خبرٌ كاذب وود لو يعود مرة أخري .

كان عقله يطرح أسئلة لا يجد لها إجابة ..كيف سيكون شعوره وهو يسلم علي زوجته وابنته ؟؟ وهو،يقصد شعوراً آخر سوي تأنيب الضمير ، كيف سيعيش بينهما بهذا الذنب دون الإعتراف به ، وهل يقدر علي الإعتراف ؟! وإن فعل كيف ستكون ردة الفعل ؟!

أغمض عينيه بأسي وقد غفل عن إحسان ، أيعقل أن تفضح أمره ؟! تفتعل شيئاً للإنتقام منه ؟؟
لم يجد عقله إجابات لتلك الأسئلة ففضل أن يُسكت هذه الأصوات التي بداخله ، ثم توقفت أمامه سيارة خرج منها صاحبها وهو يسلم علي محسن بحرارة مرحباً بعودته إلي مصر ، ولكن لا هو ولا غيره يدرون بما يعانيه !!.

**************

انطلقت ضحكات صبا المرحة رغم ما تعانيه من صدمة وتوتر ..والكثير والكثير من التساؤلات حول شخصية نائل الغامضة ، فسؤال سُلاف الفضولي الذي ألقته عليها جعلها تخرج من موجة توترها وتفتح ذراعيها لها محتضنة إياها ، ثم أزالتها برفق من أحضانها وهي تقول من بين ضحكاتها

(إيه يا بنت يالمضة انتِ عاوزة تعرفي بابا كان بيقولي إيه ليه ؟!)

نظرت إلها الصغيرة ببراءة من بين رموشها الكثيفة فلانت ملامح صبا أكثر مايمكن ، وقالت سُلاف وهي تشبك كفيها معاً وتلعب بأصابعها

(أصلي نفسي أعرف ، بابا وطنط مروة كانوا بيتكلموا علي طول ويقولها حاجة في الأوضة ويخليني واقفة برة ، وبعدين طنط مروة بسمعها بتزعلقه وهو بيزعقلها ويخرج زعلان ومتضايق وماحدش بيرضي يقولي إيه اللي بيحصل )

تفاجئت صبا من قول الصغيرة ، ونظرت حولها كأنها تتأكد من عدم وجود أحد يسمعهما بالرغم من أن الغرفة مغلقة ، وشردت قليلاً ، أمر نائل هذا يحيرها حقاً ولكن ما زاد حيرتها من تلك مروة؟! ، ثم وجهت نظراتها لسُلاف الحزينة وسألتها بخفوت

(مين طنط مروة دي يا حبيبتي ؟!)

(دي بابا كان متجوزها ، وكمان ماكانش بيرضي يخليني أقولها يا ماما)

أجابتها الصغيرة بحزن وهي مطرقة أرضاً ، وشردت صبا في قولها (كان ) ثم رفعت صبا وجهها بكفها وهي تقبلها علي خدها قائلة

(ماتزعليش يا سُلاف أنا هنا تقدري تقوليلي اللي انتِ عايزاه وهقولك كل حاجة)

(بجد ؟)

قالتها الصغيرة وهي تقفز متعلقة بعنقها من فرط فرحتها ، وكم حزنت صبا علي طفولة تلك الفتاة الضائعة ولكنها حتماً ستعوضها ، وإجابة سلاف علي سؤالها لم تزدها إلا حيرة وفضولاً ..أين أمها ؟؟ وماذا حدث مع مروة تلك ؟! ، ولكن ماكانت تدريه حقاً بأن تلك الأحداث التي لا تعرفها شكّلت جزئًا كبيراً من نائل .

تذكرت صبا تواً أنه يجب عليها تحذير سلاف ، فأنزلت ذراعيها من عليها ووقت أمامها وهي تقول برفق

(سلاف يا حبيبتي مش انتِ شاطرة وعايزة تبقي مؤدبة أوي ؟!)

أومأت سلاف بغرابة فعادت صبا تكمل

(بس اللي قولتيه علي بابا وطنط مروة من شوية ده غلط ،البنت المؤدبة لما تسمع أو تشوف حاحة ماتقولهاش خاالص علشان ده غلط وهيعمل مشاكل ، وهيخلي كمان بابا يزعل منك )

ظهر الحزن علي وجه سلاف وهي تقول بطفولية

(يعني أنا كده بقيت مش مؤدبة ؟! ، وأصلاً بابا زعلان مني علي طول )

مازادت تلك الإجابة صبا إلا تعجباً، وقال مصححة

(لا يا حبيبتي انتِ لسه مؤدبة وكل حاجة ،بس اوعي تعملي كده تاني )

أومأت سلاف بطاعة وهي تقول بأدب

(حاضر)

(قوليلي بقي يا سلاف ..ليه بابا زعلان منك علي طول ؟!)

قالتها وهي تأمل أن تملأ جزئاً من فضولها ، ولكن الصغيرة قالت بحزن وارتعاشة في صوتها

(مش عارفة هو علي طول متضايق ومش بيلعب معايا ولا حتي بيضحكني ونهزر مع بعض ومش بيفسحني خالص )

ضمتها صبا إلي أحضانها وهي تستشعر معاناتها ، يبدوا أن ذلك النائل مر بشيء مُر حتي يصبح هكذا وينعكس ذلك علي ابنته ، ولكن وجودها هنا سيغير كل شيء وستعوضها هي ، ولكن لن تكون في محل والدها أبداً وستسعي هي أن تغيره لأجل الفتاة إولا ثم لنفسه .

ابتعدا عن أحضان بعضهما علي صوت نائل الأجش الذي فتح الباب وهو يقول بخشونة

(كل ده بتعملوا إيه في المكتب ؟؟ هتفضلوا هنا كتير؟!)

اجفلا من صوته ودخوله المفاجيء ، وارتبكت صبا وجذبت سلاف من يدها دون حديث ، ومرا بجانبه وصبا تكاد تذوب خجلاً من موقفها .

ارتسمت ابتسامة علي ثغر نائل للمرة الثانية اليوم !! ماذا به ؟! وضع يده علي جبهته كأنه يري ان كان هناك خطب ما ، وأحس كأن فكه آلمه من تلك الإبتسامة التي لم يُجدها يوماً ، ولكن يبدوا ان علاقة صبا السريعة بسلاف قد راقته.

عاد إلي وضعه الأول ...والمفضل بالنسبة له ألا وهو الجمود ، ثم أغلق باب المكتب ونزل لكي يتناول طعامه الذي تركه .

عندما نزلت صبا وسلاف إلي الأسفل مسرعتين ، اقتربت منها سلاف وقالت بخفوت

(هو انتِ كمان خايفة من بابا؟!)

انفجرت صبا في الضحك من منظر سلاف المضحك رغم موقفها المحرج مرة أخري ، ونظرت إلي الصغيرة وهي تغرس يدها بخصلات شعرها قائلة

(انتِ يابنت بتقولي حاجات فلتة كده بتضحكني جداً ده كفاية منظرك )

شاركتها سلاف الضحك بطفولة وهي لاتدري أنها تضحك عليها ، ثم لمحت صبا وفاء تأتي مهرولة ووقفت أمامها تلتقط أنفاسها وتقول بسرعة

(الأستاذ نائل قالي أقولك انك وسلاف تروحوا تكملوا غدا عالطربيزة بتاعته )

(الطربيزة بتاعته ؟!)

قالتها صبا بتعجب وهي تضم حاجبيها بغرابة ، فقالت وفاء موضحة

(أيوة قالي هتنضمي انتِ وسلاف ليه )

أومأت صبا بتعجب ، ولاحظت نظرات وفاء المتفحصة فقالت

(ماتقلقيش يا وفاء الموضوع عدي علي خير ،بس ياريت إسراء دي تخلي بالها من كلامها )

ردت وفاء بأسف حقيقي

(آسفة جدا والله بس هي دي طبيعتها ،وأي حد مكانك كان عمل حاجات كتير وزعل جدا )

استشفت صبا أنها متعجبة من عدم حزنها ، فارتسمت ابتسامة متألمة علي وجهها وهي تقول

(عادي متعودة )

عادي !!! تلك الكلمة التي نبرر بها أشياء كثيرة منهيين حواراً سخيفاً قد يطول طويلاً ، نواري بها ألمنا عن أعين الناس وهم يصدقون ، كلمة تدل أنك بخير وهي لاتحمل خيراً أبداً.

نظر تلها وفاء دون رد ، ثم استأذنتها وعادت أدراحها إلي المطبخ ، ووقفت صبا تحدث نفسها ، كيف أصبحت بتلك القوة ؟! كيف حزنت ثم عادت لطبيعتها مرة أخري وكأن شيئاً لم يحدث ؟ ولكن عندما تعتاد الألم سيصبح جزئاً من يومك ، تمر به دون أن تتأثر كأنك تنتظر الفاجعة الكبري ، ثم انتقلت لموضوع آخر ..بعد أن كانت تخشي نائل الآن تريد كشف جميع الأسرار التي يخفيها ولا تعلم لماذا ، وتشعر أنها تعرفه منذ زمن أو رأته قبل أول مرة رأته فيها ولكن لا تدري أين !.

نظرت إليها سلاف وقالت بضحك

(انتِ بتفكري في إيه ؟!)

(آه منك انتِ مش هتبطلي فضول بقي يالمضة )

قالتها صبا وهي تقرص وجنيها بمرح ، فسألتها سلاف

(دي تاني مرة تقوليلي لمضة ..يعني إيه بقي؟)

ضيقت صبا حاجبيها وهي تنظر لها بضيق مصطنع وضحكاتها تكاد تنفلت منها ، كيف أحبت تلك الطفلة وبهذه السرعة ؟! ، فردت صبا وهي تمسك بيدها

(يعني حلوة يا سلاف ، قوليلي بقي طربيزة بابا فين ؟!)

أشارت سلاف إلي شرفة كبيرة بحجم غرفة شاسعة ، فسارا نحوها وصبا تشعر بتعالي دقات قلبها ولاتعلم لماذا ، ثم دلفت سلاف ركضاً إلي الداخل وصبا المبهورة بماتراه متسمرة في مكانها .

طاولة طوييلة جداً ، تتسع لعشرين فرداً ربما ، سور الشرفة منخفض قليلاً يمكنك منه رؤية الحديقة ، الشرفة نفسها ممتدة بالطول ، والنخيل المطل من الحديقة يزينها ، رائحة الورود تقترب رويداً رويداً حتي تغلغلت داخل أنفها ، وماجذب انتباهها أكثر تلك المكتبة الصغيرة بالركن الأيسر ..ملوؤة بالكتب.

كانت مأخوذه بما تراه ،ثم جاء النسم البارد يلحف بشرتها وجسدها فضمت ذراعيها حول جسدها تحتويه ، وآخر محطة لعينيها كان نائل المبتسم القابع علي رأس الطاولة ..أجل المبتسم !!!

نظرت له بتوجس وحرج في آن واحد..كم مرة أُحرجت أمامه اليوم ؟! ولكن لا مشكلة ، المشكلة الآن تلك الابتسامة الساحرة التي تراها ، وذلك الكف الموضوع أسفل ذقنه يتأملها بتفحص ،وسلاف الصغيرة تجلس بجواره تناظرهما بتعجب .

يبتسم ؟! لازالت لا تستوعب الأمر ، أجل يبتسم. وينظر لها !! اذدردت ريقها ببطيء وأعطت لقدميها الأمر بالتحرك ، فسارت ببطيء وتعثر نحو الطاولة وجلست علي رأس الطاولة مقابلاً له ، وبينهما مسافة تقارب علي الأربعة أمتار .

مد نائل يده يرفع تلك الخصلة البيضاء المنسدلة علي جبينه ، وهو يمد يده يمسك بتلك الملعقة الموضوع بجوار الطبق وأخذ ملعقة من الطبق الذي أمامه ومضغها دون أن يعيرها أي اهتمام .

ازدردت ريقها للمرة الثانية ،وتلك الخصلة البيضاء التي انسدلت مرة أخري تجعلها تشعر بالجنون ورغبة عارمة في رفعها ، أي جاذبية يملكها هذا الأربعيني ..والثلاثيني في نظرها، ضربت جبهتها بيدها تحت أنظاره المتأملة وهي تقول بخفوت

(إيه اللي أنا بفكر فيه ده ؟! الأستاذ نائل صاحب بابا ، آه حلو وكل حاجة وجاذبية فظيعة وشعر الأبيض في اسود ده تحفة بس ماينفعش ،وبعدين يوم ما افكر اقع أقع كده ؟! اش جاب لجاب !)

قالت الأخيرة بتهكم ولم تلحظ أنها تمسك بالملعقة وتطرق بها علي الطاولة ، وأيضاً نظرات نائل المائلة للإبتسام ، وبالطبح سلاف الضاحكة .

فاقت علي حمحمته العالية ، ورفعت رأسها نحوه وهي منكمشة علي نفسها ..إحراج آخر سببته لنفسها بغبائها

(كده حضرتك هتعلمي البنت تكلم نفسها زي الملبوسين ، وتقف تبص عالحاجة نص ساعة !)

تغلغل صوته الرخيم الذي يشوبه السخرية إلي أذنها ، وبدت كالقطة المبتلة أمامه وهي لاتدري بما تجيب ، وكادت تنفلت ابتسامة منه كبتها غصباً وهو يتطلع إليها ثم قال

(ممكن حضرتك لو تكرمتي تقربي هنا شويه ،احنا مش هناكلك والله ، وبعدين مش كتير اللي حصله شرف إنه يعد معايا في نفس المكان فااغتنمي الفرصة )

نظرت له شذراًبجانب عينيها ، وهي تري ذلك الغرور مبالغاً فيه ، ثم قامت من مقعدها بحركة سريعة وقطعت المسافة الفاصلة بينهما وهي تجلس بجوار سلاف ممسكة بملعقتها وقالت بغل واضح ونظراتها مسلطة علي شعره دون وعي منها

(أهو بغتنم الفرصة أهو ، حصلنا القرف )

قالت الأخيرة بتقزز مصطنع ، ثم بدت عليها أمارات الخوف وهو ينظر لها بغضب كاد يحرقها ، وما أنقذها منه سوي صوت هاتفها الذي صدح عالياً يخبرها بضرورة الإجابة علي المكالمة .
**********

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دروب الغفران شائكة

مُساهمة  Pito في الجمعة سبتمبر 28, 2018 9:00 pm

(الفصل الثامن)
(دروب الغفران شائكة)



صمت مطبق التهم جميع حروفهم فلم يبقي سوي فتات أنفاس متسارعة ...لهاثه العالي كأنه في سباق اثر صدمته جعله يشعر بمدي حقارته ووضاعته ، اهتزت حدقتاه توتراً وهو يدرك أنها النهاية لامحالة وكانت ستأتي ولو بعد سنة .

لم يكن وضعه يسمح بالتفكير في سبب مجيئها وكسرها تلك الفرحة العارمة التي أصعدتهما إلي أعالي السماء ..ولكنه هو السبب الوحيد .

رسم ابتسامة مزيفة علي وجهه رغم مايجيش بصدره من آلام وعقله لايتصور أي حرب ستحدث ..أي كسر لقلبها وأي ألم سيسببه !.

لم يكن ليقدر علي الإلتفات لها ..رغم أنه يدري أنها الآن تسلط نظراتها المستفسرة عليه ..وحتمًا قد لاحظت ارتباكه، ولم كن لتأتيه الجرأة ليخبرها بالحقيقة ..وأيضاً لا يستطيع الكذب .

تنفس بعمق يغلغل الهواء داخله حتي يتمكن من التفكير ، ورسي أخيراً علي التمثيل حتي ينتهي هذا الأمر فليس بيده شيء ، ثم وأثناء تجاهله لنظرات حُسن تلك كانت هي تصوب تلك السهام المشتعلة التي تخرج من عينيها نحوه ..اعتقدت في البداية أنها شخص عادي ولكن مع طول مدة الصمت تلك جعل الوساوس تلعب بعقلها ، كادت تسأله عن هوية الفتاة بكل مايحمله قلبها من حنق وغيرة ولكن قطعتها مروة وهي تقول برقة ودلال

(إيه يا ياسو مش هتدخلني بقي ؟ ، كنت زمان كريم جدا في الضيافة إيه اللي حصل ؟!)

رفعت حسن حاجبها الأيسر ونظراتها تتحول للبهوت ..وهي تشعر بأن روحا تنزع منها بعد إطلاقها ذلك اللقب (ياسو) وودت لو تلكمها في فمها علي ماتفوهت به وهي تشعر بأنها انتهكت حقها فيه ..حقها وحدها دون إي أحد آخر.

أجل فقد اعترفت أخيراً ، هو لها بكل ماسببه لها وماسيسببه ، ولن تسمح له بالتسرب من بين يديها أبدًا ، ثم زادت قلبها اشتعالاً بفعل الغيرة ..يشتعل ويشتعل ولكنه لا يصل لأقصي درجة وبالطبع لاينطفيء ! ، ورسمت ابتسامة مستفزة علي وجهها وهي تنوي تلقينها درسًا حتي وإن كانت لا تعرف هويتها وهي تقول برقة مصطنعة قادتها الغيرة

(أكيد ياقلبي اتفضلي، بيت سينو هو بيتي ..اتفضلي )

شدت علي كلمة (سينو) ، وقالت الأخيرة وهي تشير بيدها للداخل فتحركت مروة بثقة وكعبيها يطرقان الأرض المصقولة طرقًا غير عابئة بما أطلقته عليه

لايزال ياسين يتجاهلها ..عمدًا ، يشعر أنه لو نظر لها ستحرقه نظراتها حتماً وهو يري تلك الشرارة اندلعت وستتسبب حتمًا بحرق المكان ، وتوقف قلبه وعقله عن العمل وهو يسمع منها (سينو) أ كل تلك غيرة عليه ؟؟ ، شعر بروحه أُنعشت مرة أخري واستعاد عافيته بعد تلك الكلمة كأنها سقطت بلسمًا علي قلبه ثم وأخيراً التفت لها بعينين زائغة متهربة تقطر عشقًا رغم مابها ..فقابلت نظراته بغضب مكتوم وتحذير يخرج من بندقيتيها ..ولكن يتغلل نظراتها ألم دفين وقد أدركت بأن هناك خطب ما ..ولن يمر علي خير .

سارت باتجاه مروة التي جلست بأريحية تمامًا علي الأريكة وهي تضع ساقًا فوق الأخري وهي تجز علي أسنانها بغيظ خرج علي هيئة تسارع في خطواتها حتي وصلت إليها ومازالت تلك الإبتسامة المستفزة مرتسمة علي وجهها وهي تقول بود مزيف ظهرت حقيقتة أمام الجميع

(أهلا بيكي بس ماقولتيش انتِ مين )

انتهت جملتها بنظرة تبدوا لامبالية ولكنها من الداخل تحترق شوقًا لتعرف من تكون ، فا ابتسمت الأخري وحدسها الأنثوي اشتم رائحة غيرة وقالت

(ياسو عارفني ..ولا لحقت نسيت ليالينا ياقلبي ؟؟)

توجهت نظراتها لياسين الذي كان يتقدم ببطيء وتثاقل وعندما سمع تلك الجملة شلته الصدمة لثوان وقد كان يعتقد أن جرئتها لن تصل لذلك الحد أبداً!

بينما أحست حُسن بتوقف قلبها عن العمل ، وهي تسمع جملتها تلك والتي أودت بآخر ذرة تعقل لديها ، وأحست بألم شديد اعتري قلبها فتجاهلته بصعوبة وهي تقول ببرود بعيد كل البعد عن اهتمام قلبها وكلمة ليالينا تتردد في أذنها بقوة وصوت مرتفع دون شفقة أو رحمة

( سينو ياقلبي ، هي بتقول إيه ؟؟ وبعدين شكلك كنت صايع من ورانا )

ألقت الجملة في الهواء وتركت ذلك السؤال معلقاً دون إجابة منه ، ثم أمسكت ذراعه بكفها بغيظ وغضب بدا رقيقًا لتلك المروة ، ونظرت نحو عينيه بقوة لاحظها هو ثم سرعان ماتحولت لرقة مصطنعة وهي تجذبه بيدها نحو الأريكة .

كان حقًا في موقف لا يحسد عليه ، وهو يتشرب امارات غيرتها الواضحة وضوح الشمس ..وألقابها التي بدأت تطلقها عليه مسببة انتشاء لقلبه ، ولكن قُتلت تلك السعادة برد مروة الذي أشعل المكان وهي تنظر نحو ياسين بتفحص

(ماتقولها ياياسو ولا بالعجل لحقت نسيت ؟؟ ، هو اللي تظبطه ريري يتنسي برضه ؟)

اذدرد ياسين ريقه بعصوبة وهو بين ألف نار وليس نارين ، وأفلت يد حُسن الممسكة به وهو يتجه للجلوس علي الكرسي بجوار الأريكة التي تجلس عليها مروة

(إزيك يا مروة ماتوقعتش أشوفك يعني )

نطق بها أخيرا بجمود وحسن التي ظنت أنه فقد القدرة علي النطق ، وزاد اشتعال حُسن أكثر من اللازمة وهي تشعر أن دوامة من الألم تجذبها نحوها تستقر بها .

شهقت حُسن بقوة وصوت عالٍ وصل إلي مسامعهم جميعًا بعدما قامت مروة مسرعة من مكانها وهي وهي تتلمس جبهة باسين المصابة وهي تجلس علي قدمه !!!

شعورها الآن لا يمكن أن يوصف بالكلمات...أو جمل أو حتي مجلدات ، نار ...نار مستعرة في روحها ستقضي عليها حتمًا .

قام ياسين بتوتر وهو يدفعها بقوة عنه ، فظهر الغضب علي مروة وهي تقول

(إيه ياياسين ماكنا حلوين؟؟ وانت عارف انا عندي ايه اقد اضرك بيه)

كفي ! قالتها بداخلها بصراخ ، وقد فقدت القدرة علي استيعاب كل ذلك ..من تلك ،وماذا تفعل هنا ؟؟ وبماذا ستضره ؟! وكيف تهدده !!

(إيه يا ياسين جايبلنا واحدة خارجة من بيت دعارة للبيت )

نطقت بها بااستفزاز والتحدي يتراقص بعينيها وهي عازمة علي الفوز ولاشيء غيره ، فصدم ياسين من قولها ونظر إلي مروة التي كانت علي وشك الإنفجار بوجهها .

(مش هتعرفنا يا ياسين مين الحشرة دي ؟؟ ولا تكون ست الحسن ؟؟)

نطقت بها مروة ببرود وهي تنظر لطلاء أظافرها ذو اللون المقزز غير محرجة من دفعة ياسين لها ، فأمسكها ياسين من تلابيب ملابسها وهو يهدر بشراسة أمام وجهها

(قولتي إيه سمعيني تاني كده معلش !! ، ايه اللي انت قولتيه ده ؟؟ اللي بتتكلمي عليها دي انتي ماتجيش في ضافرها حاجة )

افلتت مروة نفسها بصعوبة من بين براثنه وهي تعدل هندام ملابسها والغضب متمكن منها ، ثم نظرت إلي حُسن ولم تستطع استشفاف أي تعبير علي وجهها رغم فرحها الداخلي بدفاعه عنها ..هي فقط صامتة تنظر في الفراغ ببهوت !

أخرجت مروة ورقة مطوية من حقيبتها ووضعتها بقوة في كفه ، ثم وقفت علي أطراف أصابعها وقبلت جبينه برقة وقالت وهي تسير باتجاه الباب تاركة ورائها أربعة أزواج من العيون المصدومة

(اعرف بعدين دي سببها ايه وربنا يشفيك ، كان نفسي الضيافة تكون أحلي من كده بس بعدين بقي ، ده رقمي اعتقد انك مسحته من عندك ،لما تفوق وتروق رن عليا اشوف هقابلك فين والا هطلع بكل اللي عندي ...كله .)

أنهت حديثها وهي تقف علي عتبة الباب من الداخل ، ثم التفت وأرسلت غمزة له في الهواء وهي تخرج صافقة الباب خلفها .

تهاوي ياسين علي الكرسي خلفه وهو يضع وجهه بين كفيه بقهر وعجز ، فتحركت حُسن بآلية نحو إحدي الغرف وصفقت الباب بكل ما يعتريها من غيرة وألم .. بقوة محدثًا صوتا عالياً انتفض ياسين علي اثره .

أغمض عينيه بقوه يعتصرهما وهو يتراجع بظهره للخلف مستنداُ علي ظهر المقعد وهو يشعر بأنه تائه في غابه ولا يستطيع الوصول إلي المخرج، ثم قبض علي الورقة بيده بقوة حتي ابيضت مفاصله يخرج بها ما بداخله من مشاعر مختلطة ، ثم وضعها في جيبه بسرعة وقام مهرولاً نحو الغرفة التي دخلتها حُسن ..وكل شغله الشاغل كيفية ارضائها واقناعها..وعدم إحزانها .

طرق الباب بقوة وهو ينادي بانفعال وصوت عالٍ

(حُسن افتحي الباب هفهمك كل حاجة )

أتته الإجابة سريعاً علي هيئة شهقات متتالية ، وصوت بكاء حار زاد من تحطيم قلبه ، وتسارعت الدماء في عروقه وهو يشعر بالإختناق ..ماذا عليه أن يفعل ؟!

بينما في الداخل استمعت حُسن لندائه وألمها يتضاعف وبكائها يزداد ..لاتدري علي أي شيء تبكي هي ....هل علي قبلة تلك الفتاة له وجرأتها الزائدة معه والتي تنم عن معرفة قديمة ؟ أم علي ياسين الذي لم تسعفه ردات فعله فكان صامتاً طوال الوقت ولم يتفوه إلا بالقليل؟ ، ولكن الجزء الأكبر منها سيطرت عليه الغيرة والغضب في آن واحد بعيدا عن أي تساؤلات عن هوية مروة فهي لاتهمها ..وإنما تهمها تصرفاتها ، ثم كفكفت دموعها بظاهر يدها وقامت من علي الكرسي الذي كانت تجلس عليه ، وسارت بتثاقل نحو الباب وفتحته .

جذبها ياسين من ذراعها بقوه بعد أن فتحت الباب دون حتي أن ينظر لوجهها ..هو يريد احتواءًل. أكثر مما تريد هي... فسقطت بين أحضانه وشهقاتها مازالت تعلو وتعلو ، ثم أحاطها بذراعيه وهو يدفنها حرفياً بين أضلعه ، ويربت علي خصلات شعرها ويشتنشق عبقه وهو في دنيا أخري ، يشعر بقطعة من النعيم بين يديه ، وهي استسلمت له بضعف وخزي ، لماذا لم تأخذ موقفًا ؟؟ والإجابة أن مشاعرها قد انهكت وكانت بحاجة لصدر يستقبلها ..حتي ولو كان صدر معذبها.

(هش ..هششش )

قالها بخفوت ومازال يحتجزها بين ذراعيه ، ثم أكمل بنفس النبرة ولكن تلك المرة يغلفها عشق بيِّن

(ماتعرفيش دموعك دي بتعمل فيَ إيه !)

ثم صمت هنية وأمسكها من كتفيها يرفعها عنه حتي صار وجهها مقابل وجهه ..أنف أحمر وعيون مغرورقة بالدموع ، مد يده يزيل آثار دموعها وعينيه معلقة علي شفتيها الحمراء التي سلبت لبه ، ثم هز رأسه بحركة نافية لا يريد التهور مرة أخري وجذبها من يدها وأجلسها بجواره علي الأريكة.

(مين دي ؟!)

قالتها أخيراً ببرود بعد صمت دام لدقائق استعادت فيه نفسها ، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي توجه نظرها نحوه مكملة بسخرية تشبعت بها كل حرف من حروفها

(مين دي يا ياسو ؟!)

ابتلع سخريتها المريرة ، وهو يشعر أنه يتجرع علقمًا ، ثم اذدرد ريقه وهو يقول بثبات مصطنع

(دي زميلة قديمة ليا كنت أعرفها من زمان )

اصطنعت التفكير وهي تضع يدها أسفل ذقنها قائلة باستفزاز

(أها يعني مش حاجة تانية ..أصل بصراحة الحركات وكده زي ما انت فاهم يعني بتدل علي انها بنت مش كويسة )

(مليش دعوة هي كويسة ولا حلوة وإديكي شوفتي هي مشت من نفسها )

تجاهلت إجابته وقالت باستفسار

(ألا قولي ..حاجات إيه اللي هتقولها لو ما اتصلتش عليها ؟؟ )

نفذ صبره وهو يدير وجهه الناحية الأخرب ،وعينيه تفيضا قلقاًوتوتراً ..ثم أعادها كما كانت ومد يده يمسك كفها بين كفيه الكبيرين قائلًا بجدية

(حُسن ...انسي كل حاجة حصلت ، انسي أي حاجة انتِ سمعتيها أو شوفتيها ، دي حاجة مضت وخلاص ...)

اتسعت عينيها اثر ماقالته ،وقامت بعنف من مجلسها وهي تصيح ويدها تتحرك بعشوائية في الهواء

(يعني إيه أنسي ؟؟ أنسي انها جت قعدت علي رجلك ؟؟ وانها باستك ؟؟ وأهانتني ، وجاي تقولي زميلة قديمة ؟؟ بأي حق ... بعدين هي عارفاني إزاي أصلاً!!!)

أنهت حديثها وأنفاسها تتسارع وقلبها يخفق بعنف ، وهو أدار وجهه للناحية الأخري لا يدري بما يجيبها واكتفي بالصمت لثوانٍ ثم أضاف

(هو أنا اللي قولتلها تيجي تعمل كده ؟؟ ،وبعدين ما انتِ شوفتيني هزقتها عشان أهانتك اللي يجي عليكِ كأنه جه عليا ، وخلاص قولتلك اعتبري الموضوع راح وعدي )

أغمضت حُسن عينيها تستدعي هدؤها وعقلها يرفض التصديق ، لم لم يجب علي سؤالها كيف تعرفها تلك الفتاة ؟ ،ولكنها انتقلت إلي موضوع آخر قائلة بنبرة لينة

(اديني الورقة اللي ادتلك فيها رقمها ...)

اصطنع عدم المعرفة وعينيه تدور في المكان كأنه يبحث عن الورقة ، وقام ينظر علي الأرض وفي جميع الاتجاهات وقال

(مش عارف راحت فين مش فاكر أصلا !!)

أومأت حُسن دون ذرة شكٍ به وهي تقول بغيظ

(أحسن كده كده كنت هحرقها مش ناقصين !)

كم آلمه ثقتها العمياء به ..صدقته دون أدني شك وبكل سهولة كأن كلامه من الكتاب المنزل ، ثم وعلي حين غرة جذبها من يدها نحوه مرة أخري ولكن تلك المرة بين أحضانه وأطبق ذراعيه عليها كأنه يمنعها من هروب كانت ستلجأ إليه حتماً ، وهي زاغت عيناها في المكان بتوتر بعدما أجلسها في حضنه وهي تشعر مثل الطفلة الصغيرة التي يحملها والدها ، وتخضب وجهها بحمرة قانية وقد تشتت تركيزها تمامً غير قادوة علي النظر إلي عينيه ، وحاولت التملص من بين يديه ولكن هيهات فهو مطبق عليها بشدة .

(بصيلي يا حُسن )

قالها بهدوء وحنو وهو يرفع وجهها بيده نحو وجه فتلاقت نظراتهما ، ثم أكمل وأنفاسه الدافئة تلفح صفحة وجهها الأبيض ، فهمهمت بخفوت بنعم دون أن يفهمها فحثته استجابتها البطيئة علي المضي قدمًا فأكمل

(بتثقي فيا؟!)

عجبًا له ، يسأل السؤال وهو أدري الناس بالإجابة ، فهزت رأسها موافقة فعاد يكمل

(يبقي تسمعي اللي هقولك عليه ده .... سيبيني الوقتي شوية وانسي الموضوع وبعد كده هحكيلك كل حاجة بنفسي )

نظر لوجهها يريد استشفاف أي رفض ، ولكن ردة فعلها كانت بمثابة صفعة له ، حيث دق عقلها فجأة ناقوس الخطر وقامت مسرعة كمن لذغتها أفعي وقفت مستقيمة تلهث وهي تنظر له بغضب يقفز من عينيها .

ضم هو حاجبية بغرابة من ردة الفعل غير المتوقعة تلك ألم تكن مستكينة منذ قليل ؟ بينما هي أخذت تمطر نفسها بوابل من السباب ..ألم تكن هي التي سمحت له بالتمادي ؟؟

(فيه ايه يا حسن ؟؟ قومتي بسرعة كده ليه ؟؟؟)

قالها بتعجب وهو يري ملامحها التي تقلصت باشمئزاز فأتته الإجابة كخناجر غُرزت في صدره

(أنا عمري ما ههين نفسي ..صحيح ضعفت واستسلمت كام دقيقة بس لا مش هسمح بكده تاني ، أنا مش قليلة الادب ولا بايعة نفسي زي اللي كانت هنا من شوية دي ، والله اعلم انتوا عاملين ايه وجايين تمثلوا عليا ...)

توقفت قليلاً تلتقط أنفاسها التي تحشرجت بفعل ما أصابها من آلام .. وهو لم يؤذه كلامها مثلما آذاته نظراتها وعادت تكمل

(انت اللي انسي ..انسي أي حاجة حصلت ، انسي اعترافنا واللحظة الحلوة اللي عشناها ، بس افتكر حاجة واحدة وهي حكاية البنت دي ، يوم ماتفكر تضحك عليا وتستخف بعقلي وتقول الحقيقة ابقي تعالالي ..وساعتها هشوف انا هعمل إيه )

ثم تركته وخرجت إلي خارج المنزل دون أدني تشبث منه ، وقلبها ينفطر وهي تشعر بألم في جميع أنحاء جسدها ،وجلست في الشرفة الخارجية تناجي حزنها وشجونها .

بينما هو وقف مبهوتاً من حديثها.. أتلك هي حسن ؟؟ ولتلك الدرجة عاملها كصغيرة طوال الوقت؟؟
تنفس بعمق وهو يدرك ما أوقع نفسه به ، كان يشعر بشيء يشبه البكاء ولكنه لا يبكي !!.

كان يريد أن يقوم ويصلح كل شيء ..يخبرها بالحقيقة ويعيدها مرة أخري لأحضانه ..ولكنه خائف من مرارة الفقد إلي الأبد ، خائف من يوم لايري فيه وجهها ولا يسمع صوتها ..يوم لا يكون يومًا من دونها .

سمع صوتاً قادمًا من الخارج ..واستنتج أنه صوت أمه وخالته ..فخرج يقابلهما وقد قرر شيئًا في قراره نفسه ..قرارًا مفتجئاً لايمت لأي شيء بقلبة بصلة..لن يبرر شيء ولن يصالها ..أن كانت تحبه فلتفعل هي !!

(باباك كويس الحمد لله يا ياسين ، وهيجي قريب ان شاء الله وهنروح نزوره تاني وماقعدناش لان ماينفعش نفضل في المستشفي مفيش مكان )

قالتها علا مطمئنة إياه وهي تري ملامح وجهه المستكينة ، فهز رأسه بايمائه خفيفة دون أن يتكلم ..وبالطبع لم يشعر بألمه سوي حسن التي كانت تراقب الموقف .

(يللا بقي يا حبيبي غير هدومك علشان هنروح ننضف ونطبخ مع خالتك ونسلم علي عمك محسن ونرجع )

جحظت عيناه وهو يدرك أنهما سيجتمعا في مكان واحد ..وهو لايريد أن يضعف أمامها ..ولكنه حتمًا لن يستطيع الإعتذار ،فعاد يوميء برأسه بصمت مرة أخري .

عادوا إلي المنزل وكل من حسن وياسين يشعران نفس الشعور ..هي تنتظره منه تفسيرا والفضول يأكلها لكنها لن تسأله ، وهو لن يذهب لها مهما حدث .

******************
صعدت صفية درجات السلم والغيظ يأكلها لأنها لم تري ابنها في الصباح ، ثم طرقت علي الباب عدة مرات فأطل أحمد من خلف الباب وهو يقول بابتسامة

(أهلا يا أمي اتفضلي )

قالها مجاملة كما يفعل من هم مثله ..ففاجئته بخلع جذائها والدخول كأنه شيء عادي وأنها لا تدخل علي عرسان جدد .

شهقت روز بقوة عندما قابلت صفية في منتصف الصالة وكانت ترتدي قميصاً قصيراً فأسرعت إلي الغرفة لتبدله وقد كساها الخجل ، بينما لوت صفية شدقتيها حنقًا وغيظًا وهي تجلس علي الأريكة براحة تامة .

تنحنح أحمد بحرج وهو يفرك رقبته من الخلف بكفه ، ثم جلس مقابلها وهو يقول بترحيب

(إزيك يا أمي ايه الأخبار ؟)

(كويسة الحمد لله انت لللي عامل إيه ؟؟ مبسوط يا حبيبي ؟)

أجاب بابتسامة

(أيوة الحمد لله )

في تلك اللحظة خرجت روز من الداخل مرتدية فستانًا جميلاً ، ثم مدت يدها لتسلم علي صفية فتجاهلت يدها تمامًا وهي تقول موجهة كلامها لأحمد

(مش عايز أي أكل يا حبيبي أو نفسك في حاجة معينة أعملهالك ؟)

أعادت روز يدها بجوارها مرة أخري بحرج طفيف ، ثم اتجهت تجلس بجوار أحمد المتعجب من ردة فعلها الهادئة ..ومدت أناملها لأذنها تعدل سماعة الترجمة الفورية التي وضعتها لتتمكن من فهم صفية وقالت بابتسامة باللغة الإنجلزية المخلوطة بالعربية

(شكراً ليكي يا أمي ..بس أنا دلوقتي بقيت مراته ومسؤله عن أكله وشربه وكل حاجة..وهو لو عايز حاجة يقولي أنا ومش هتأخر عنه أبداً)

قالت الأخيرة وهي تمسك بذراعه وتنظر داخل عينيه بعشق ، فبدالها النظرات بأخري ممتنة وهو ينظر لصفية ليري ردة فعلها فوجدها لم تفهم إلا القليل فأخبرها بماقالته .

بدي الضيق واضحًا علي قسمات وجهه صفية وهي تنظر لها باستنكار ، ثم قامت من مجلسها
وهي تقول لها بتحذير مبطن

(هو ابني واللي عايزه يطلبه مني أنا )

قالت الأخيرة مشيرة لنفسها وهي تشد علي كلمة أنا ، فقابلتها روز بابتسامة فاغتاظت صفية أكثر وعادت تكمل

(ماتنساش تبقي تنزل تعد معايا شوية يا حبيبي )

ثم أكملت المسير حتي وصلت إلي الباب وخرجت منه .

نظر أحمد لروز بأسف وخجل في آن واحد ، لايدري ماذا يقول أو كيف يشكرها علي عدم الاشتباك مع والدته ، وقال بحنو

(آسف جدا ياروز معلش استحملي أمي ، مع الأيام هتحبك أكييد ، وشكرا ليكي جدا لانك ماعملتيش مشكلة )

رسمت روز علي ثغرها ابتسامة بعد أن عبست للحظة من أقوال حماتها ، ونظرت له بعشق قائلة بلهجة مختلطة بين العربية والإنجليزية

(أنا اخترتك ومستعدة أحارب معاك ..مش من أول اختبار هعمل مشكلة ...وهستحمل وهحاول احببها فيا )

لم يدري أحمد ماذا يقول وفرحته قد بلغت عنان السماء بعد أن رزقه الله بروز ..حب حياته ، وزوجة متفهمة ، وجذبها لأحضانه يكبلها بين يديه شاكرًا إياها بصمت مرة أخري

*************

أخرج محسن هاتفه من جيبه ينظر إلي الساعة ، ثم زفر يضيق وهو يضعه مرة أخري ، مازال الإحساس بالذنب يلازمه ، وهو يتسائل ..كيف سيشعر وقد اقترب موعد اللقاء المحتوم ؟؟ ماذا سيفعل وكيف سيتصرف ؟؟ والأدهي ماذا ستفعل إحسان التي لم يسمع منها شيئًا بعد أن عرفت ؟؟ ، ثم أغمض عينيه وهو يستند برأسه علي نافذة السيارة ..يريح عقله من توقعات ترهقه .

************
سحبت صبا زر الإيجاب وحدقتاها تهتزان توترًا من نظران نائل الشرسة نحوها ، وازدردت ريقها وهي تضع الهاتف علي أذنها تقول بخفوت

(أيوة يابابا آسفة نسيت اتصل عليك ، آه أنا الحمد لله واصلة من زمان ...)

حولت نظراتها لنائل فوجدته يأكل ولا يعيرها أي اهتمام ، فوضعت يدها علي فمها وهي تقول بنبرة أكثر خفوتًا كأنها ستقول سر خطير

(إيه يابابا لقيت شقة ولا لسه ؟؟)

تعجب علي من نبرتها الخافتة وسألها

(حد جمبك ولا إيه ممكن تروحي تتكلمي في مكان تاني )

(حاضر)

قالتها بتسارع وهي تهم بالقيام من كرسيها ،فتفاجئت بنظرات نائل المصوبة نحوها وهو يشير بعينه مرة أخري نحو الكرسي ، ولم تدري لم شعرت بالخوف فعادت تجلس مرة أخري ..تخاف من نظرة من عينيه!!

اذدردت ريقها وهي تسمع التفاصيل من والدها ، ستسكن في شقة قريبة من بيت نائل ، يملكا ابن صديق علي ، وحاليًا فارغة لانها سكن للطالبات.

أغلقت صبا الهاتف بعد أن ودعته واستأذنت منه للإغلاق ، ودون أدني كلمة جذبت طبقها نحوها وهي تبدأ بالأكل مسلطة نظرها علي الطبق ..تخاف من ردة فعل نائل بعد أن اهانته قبل أن تحدث والدها .

طال الصمت وهي تنتظر العقاب كطفل صغير ، تأكل بسرعة دون أن تنتبه لاتساخ ملابسها ، فأشارت سلاف نحوها وهي تضحك قائلة

(انتِ بوظتي هدومك خالص وأنا شاطرة إزاي )

قالت الأخيرة وهي تفرد كنزتها النظيفة أمامها ، فشعرت صبا بالغباء للحظة وهي تحدق بها ، ثم سرعان ما تسللت الحمرة لخديها والإرتباك أدي لرعشة يديها ..وقد وضعت في موقف محرج آخر أمامه .

تحدث نائل وهو يقول بسخرية واضحة

(علميها ازاي تاكل ياسلاف )

نظرت له والشرر يتطاير من عينيها ولم تقدر علي الرد ففاجئتها سلاف قائلة

(أعلمها بجد يابابا؟؟)

كانت نظرةصبا لسلاف في تلك اللحظة كفيلة بجعلها تخاف ، فتراجعت للخلف وعادت تأكل دون صوت .

(أما تخلصي حصليني عالمكتب يا صبا )

استمعت لاسمها الذي يخرج من بين شفتيه بهيام ، ثم تفضت رأسها وهي توميء بصمت ، فعاد يهدر

(سمعتي قولت ايه؟؟)

(أيوة سمعت )

قالتها بحنق بداخلها تردد جملته مقلدة لكنته ، فتركها وذهب وهي تغلي من الغيظ والحرج .

أنهت هي وسلاف الطعام ، وقامت متجهة نحو غرفة المكتب بعد أن قالت لسلاف أن تذهب لغرفتها .

سارت بتوتر حتي صارت أمام الباب ، وطرقته بهدوء فأتاها الرد بالدخول ..ماحكايتها مع هذا المكتب ؟؟

دخلت بقوة وهي ترفع رأسها بشموخ لمداراة ذلك الحرج بداخلها وذلك الضعف الذي رآها به ، وهو استطاع أن يري بوضوح اصطناعها لتلك الثقة ..وجلست أمامه علي الكرسي .

أخذت تمعن النظر في نظارته الطبية ولسان حالها يقول (هتاكل منك حتة )
ثم عادت تنتفض بداخلها وهي تدرك أن نظرها اتخذ مجري آخر ، وتنحنحت تجذب انتباهه بعد أن كان منصباً علي الأوراق أمامه وهو يتجاهلها مرة أخري !!

ظل الصمت سائدًا لدقائق بينهما وروحها تشتعل من الغضب ، ثم أخيراً رفع رأسه وهو يقول بجدية ممسكًا بمبلغ من المال يمده إليها

(ده الراتب وزي ماقولت مقدمًا ،وانا شوفت انسجامك مع سلاف علي طول وده عجبني ، واتمني البنت تتعلم سلوكيات حلوة وتبعد عن البحلقة للناس)

كان بالطبع يقصدها هي في الجملة الأخيرة ، فتوترت وهي تمد يدها تأخذ المال وقالت بثقة استعادتها فورًا

(أكيد طبعا ما تقلقش ..كل حاجة كويسة هتتعلمها ..)

قالت الأخيرة بابتسامة مستفزة ..وكالعادة لم يعيرها أي اهتمام وهو يقول

(حضرتك عندك أوضه تنامي في النهاردة ، اللي بعد سُلاف بأوضتين )

ضمت حاجبيها بغرابة ..وبداخلها تتسائل ..كم عدد الغرف في هذا البيت ، ثم أومأت وهي تمني نفسها بأنها لن تبقي هنا طويلا هي ليلة واحدة فقط ، واستقامت وسارت في طريق الخروج حتي استوقفها صوته الخشن يقول بتعجرف

(أنا سمحتلك تخرجي ؟؟)

توقفت في منتصف المسافة بين الباب والمكتب ،وأغمضت عينيها حتي لاتحرق المكان بما سيخرج من غضب منهما وتذهب تكسر رأسه ، ورسمت ابتسامة مستفزة علي وجهها بشق الأنفس وهي تلتفت إليه نصف إلتفاته قائلة

( مش معني اني سمحت لحضرتك انك تتدخل تحت وسمعت كلامك وقعدت لما شاورت ليا ..بس أنا مفيش قوانين ولا حد بيحكمني طالما محترمة المكان اللي أنا فيه )

أنهت حديثها وهي تكمل السير بثقة حتي خرجت وتركت ورائها نائل يشتعل غضباً وهو يلوم نفسه ويسألها سؤالا واحدًا لم يجد له إجابة ...لم لم يعنفها ؟؟

نزلت صبا درجات السلم مهرولة وبداخلها فرحة عارمة ، وطرقت باب غرفة سلاف بجنون وريثما فتحت دخلت للداخل وأغلقت الباب وهي تقفز علي قدميها مثل الأطفال مرددة (انتقمت )

نظرت إليها سلاف بغرابة ،وتعالت ضحكاتها بعد أن رأت تصرفها الطفولي ..وشاركتها القفز وهي متشبثة بطوف ثوبها .

استكانت صبا أخيراً وهي تلهث وسلاف تنظر لها بابتسامة ، ثم ضمتها صبا لأحضانها وهي تقول بصراخ

( انتقمت لكرامتي من أبوكي يا سلاف وماعرفش يرد عليا عااااا)

قالت الأخيرة وقد تركتها من بين أحضانها ورفعت ذراعيها ترسم دوائر وهمية في الهواء كأنها حققت انتصاراً عظيمًا ..دون أن تدري أنه تركها بكامل إرادته .

لم تفهم الصغيرة شيئًا من قولها ، ولكن ضحكت بسعادة ، وعندما هدأت ثورتها نظرت لسلاف بابتسامة وهي تقول

(يللا يا سلاف خليكي في اوضتك احنا بقينا بعد المغرب ، مش عارفة غدا ايه اللي بيخلص بعد المغرب ده !! ..المهم وانا هروح أوضتي عشان استعد للنوم لاني مرهقة جدا من السفر )

ظهرت امارات الحزن علي وجه سلاف وقالت باستعطاف

(ينفع تلعبي معايا شوية وتنامي جنبي ؟ انا نفسي حد ينام جمبي )

كادت عيناها تدمع شفقة علي سلاف ،ولكنها تماسكت وهي تربت علي شعرها قائلة

(ماشي يا حبيبتي ..هجيب هدومي وهاجي )

وانطلقت للخارج وهي لاتدري كيف وافقت علي ذلك، ولكنها حتمًا لن تحطم قلبها.

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
Pito
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 13
نقاط : 17
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 28/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى