روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

لست أبي (الجزء الأول من سلسلة حكايات بنات) بقلمي آيه طارق

اذهب الى الأسفل

لست أبي (الجزء الأول من سلسلة حكايات بنات) بقلمي آيه طارق

مُساهمة  Aya Tarek في الخميس سبتمبر 27, 2018 10:24 pm

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام

مساء الخير على شعب روائع الكرام
يارب تكونوا بألف خير حبيبات قلبي

طبعاً الموضوع باين من عنوانه، معاكم آيه طارق، صاحبة رواية (لست أبي) و بالمناسبة هي أولى رواياتي..
الرواية هي الجزء الأول من سلسلة حكايات بنات، أتمنى إنكم تستمتعوا بيها، و الأهم تطلعوا بإفادة منها.



لست أبي مش مجرد رواية، دي تجسيد لواقع بنعيشه، و بنات بتشيل ذنب مالهاش يد فيه، لكن برضه مننكرش إن الرواية فيها بعض الخيال!
في لست أبي هتلاقوا
حب العائلة.. الأخ.. الصديق.. الحبيب
هتلاقوا الحزن اللي مبيستمرش كتير
هتلاقوا مشاعر صادقة من غير أي تزييف..

هتعيشوا مع بنات دار الأيتام
(لارا، تسنيم، ريناد، ياسمين)
هتحسوا بمعاناتهم في الدار، و بعد الدار!

هتعيشوا مع أسيل، البنت اللي فقدت طفولتها من بدري، و اضطرت تعتمد على نفسها..

و هتعرفوا هبه و تحطوا نفسكم مكانها..

و هتقابلوا نشوى البنت الدلوعة و مراحل تغييرها..

و هتتفهموا ظروف ليندا و أسباب حياتها الصعبة..


أتمنى من كل قلبي إن الرواية تنال إعجابكم و تطلعوا منها و لو بإفادة صغيرة.

و اعتذر عن وجود بعض الأخطاء الإملائية و اللغوية في الفصول

Aya Tarek
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 3
نقاط : 5
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لست أبي (الجزء الأول من سلسلة حكايات بنات) بقلمي آيه طارق

مُساهمة  Aya Tarek في الجمعة سبتمبر 28, 2018 9:26 pm


طفلة هى و لكنها ليست كباقى الاطفال ، اقتحمت حياته فجأة فأربكتها ... غيرت أفكاره و معتقداته ... حركت مشاعره ...
أصبح لها الأب و الأخ و الصديق و الحبيب .. حتى أنها تمنته زوجاً !
و لكن ماذا عنه هو ؟
هل يبادلها مشاعرها هذه ؟
أم أنها بنظره مجرد طفلة !



الفصل الأول
وقف مع والده فى المطار، ينتظر وصول عمه بعد غربة دامت حوالي عشرين عاماً، أشار له والده باتجاه أحد الأشخاص، وهو يقول بلهفة:
"انظر طارق، إنه أخي، أخي عبد الله".
ثم تركه، و هرول إلى أخيه، ليحتضنه باشتياق، ودموعه تسيل رغماً عنه، ثم قال بصوت متحشرج:
"عبد الله، اشتقت إليك يا أخي، وأخيراً عدت".
ابتعد عنه قليلاً ليُمسك بوجهه، ثم تنهد بقوة، وأردف:
"آاه، إلهي، لا أصدق أنك هنا، وأني أراك ثانية".
انحنى عبد الله، ليُقبل يديه، وهو بقول بندم:
"سامحني أخي، صدقني أنا نادم على كل لحظة قضيتها بعيداً عنكم".
أبعد شقيقه يده، ليسحبه مرة أخرى إلى أحضانه.
حينها اقترب طارق منهما، و هتف: "حمداً لله على سلامتك عمي".
ابتعد محمد عن عبد الله، لينظر الأخير للشاب الماثل أمامه بتركيز، ثم همس :
"طارق".
و احتضنه بشوق و هو يقول: "يا إلهى لقد مرت فترة طويلة، اذكر أخر مرة رأيتك فيها، كنت في المرحلة الإعدادية".
ليقول محمد بفخر: "هذا كان في الماضي، إنه الآن الدكتور طارق".
ابتسم له عبد الله، في نفس اللحظة التي وصلهم صوت طفولي متذمر.
" أبي أنا متعبة، ألن نذهب من هنا؟"
ليقول عبد الله بتأنيب: "حيِّى عمك وابن عمك أولاً يا أسيل".
تأففت بملل، و هي تقترب من عمها، لتمد له اطراف أصابعها، و تهتف بنبرة باردة:
" أهلاً عمي".
ثم فعلت المثل مع طارق، لتعود وتحمل حقيبتها الصغيرة، ثم تقول:
"هل يمكن أن نغادر الآن".
ثم تبعت قولها بالسير أمامهم.
ليتنحنح عبد الله بحرج، و يقول: "اعذراها، إنها فقط مرهقة، فالرحلة كانت طويلة".
"لا مشكلة يا أخي"، قالها محمد بتسامح.
ثم نقل نظراته بين أسيل الواقفة على بُعد خطوات منهم، تنظر إليهم بضجر، و شقيقه الماثل أمامه، ليسأل باستغراب:
"أين زوجتك؟، ألم تأتي معك؟"
ليرد عليه شقيقه بغموض: "لا، ستأتى الأسبوع القادم إن شاء الله".
"هيا إذاً، لنذهب إلى البيت، فأم طارق من الصباح و هي واقفة في المطبخ من أجلكما".
ابتسم له عبد الله، وقال بشوق: "هيا، فأنا مُشتاق كثيراً للأكلات المصرية".

سار فى الحديقة، وهو يأكل أحد السندوتشات الذى اشتراه من مطعم للوجبات السريعة، تطّلع حوله لترتسم الابتسامة على شفتيه، وهو يرى الأطفال تلعبن وتضحكن بسعادة، ليتذكر طفولته، وكم كان والده رحمة الله عليه قوياً و حازماً فى معاملته، ولكنه ايضاً كان حنوناً، وحاول أن يُعوّضه عن غياب والدته، التى تُوفيّت وهو في العاشرة من عمره.
أفاق من ذكرياته على أصوات بكاء عالية، تطّلع حوله ليجد طفلة تبلغ حوالى التاسعة من العمر، لا يظهر منها سوى كفيها الصغيرين الممسكين بشعر طفلة أخرى- فى نفس العمر تقريياً - وتشده بقوة، وهى تصيح بكلمات غير مفهومة، بينما تبعثرت خصلات شعرها الكيرلى لتلتصق على وجهها.
ومن حولهما الأطفال تبكين، بينما تدّخلت إحداهن محاولة الإبعاد بينهما دون جدوى.
اقترب منهما، ليلتقط يد الطفلة، و يُبعدها عن شعر الطفلة الأخرى، وهو يصيح بغضب:
"ما الذى تفعليه يا فتاة؟، ستُقطّعين شعرها".
رفعت الطفلة عيونها العسلية الواسعة، والتى قد تحوّلت إلى اللون البنى من غضبها، لتنظر إلى الرجل الماثل أمامها بحدة، سُرعان ما تحولت إلى سعادة و لين!
تخلصّت من خصلات شعر صديقتها الملتصقة بيديها، ثم رفعتهما لُتبعد شعرها عن وجهها وعيونها، تنفست بعمق، ثم همست بنبرة طفولية، تحمل الكثير من البراءة، و عيناها تنظران إلى السندوتش الذى يحمله بجوع:
"أنا جائعة، أعطنى هذا السندوتش، أرجوك".
رفع الرجل أحد حاجبيه، وهو ينظر لها باستغراب من تحوُلها المفاجئ، لكن نظراتها إلى جعلته يُشفق عليها، ليعطيه لها، و هو يقول بحنو:
"هل تريدين أن آتي لكِ بواحد أخر؟"
أخذته منه بسعادة، وقالت: "لا شكراً، هذا يكفينى".
لتقضم منه قطعة كبيرة، و تردف بتلذذ:
"إنه لذيذ جداً".
ابتسم لها، ثم نظر للطفلة الأخرى، والتى كانت تمسح على شعرها بألم، و دموعها تسيل على وجنتيها..
اقترب منها، و ملّس على شعرها، و هو يبتسم لها بحنو، و قال:
"لا تبكي صغيرتي".
ثم أردف وهو يُشير إلى أحد الباعة، الذى يحمل حقائب بلاستيكية متعددة الألوان، تحتوى على حلوى غزل البنات:
"هل تريدين أن اشترى لكِ؟"
مسحت دموعها بكفيها الصغيرين، وابتسمت بسعادة وهى تُأومأً إيجاباً.
لتتسع ابتسامته، و يهتف بداخله بتعجب:
"كم هو سهل رسم السعادة على وجوه الأطفال!"
" وأنا، وأنا أريد".
صدح صوت لارا عالياً..
فالتفت إليها، ليجد شفتيها ملطخة بالطعام، بينما هى ممسكة بالسندوتش بقوة، وكأنه كنزها الثمين.
"وسأشتري لكِ أنتِ أيضاً، ولكن عِدوني اولاً ألا تتشاجرا ثانية".
لتصيح عندها تسنيم بغضب: "هى المخطئة، و أيضاً ضربتنى بقوة".
لترد عليها لارا بغضب مماثل: "تستحقين هذا".
لتُبادر تسنيم هذه المرة، وتقترب منها بغضب، وهي ترفع يدها استعداداً لضربها، ليقف إسلام بينهما، و يقول بصرامة:
"كُفا عن ذلك، و إلا لن اشترى لكما الحلوى".
حينها اقتربت منهم إمرأة تبدو في منتصف العقد الخامس من عمرها، ممتلئة القوام، يبدو على ملامحها القوة والحزم، بصحبة إحدى الأطفال، والتي على ما يبدو كانت قد ذهبت إليها وأخبرتها عن أمر المشاجرة، لتهتف حينما وصلت إليهم:
"ما الذى يحدث هنا؟"
ثم نظرت إلى لارا، وهى عاقدة حاجبيها بغضب، لتهتف بعصبية، وهى تسحبها من ذراعها:
"كان يجب أن أعلم أنكِ السبب، أتمنى أن أرى مرة مشكلة ولا تكونين طرفاً فيها".
صاحت لارا مبررة: "هى المُخطئة".
و هتفت تسنيم مُستعطفة: "انظري ماذا فعلت بي خالتي".
مررت المرأة نظراتها على تسنيم بتفحص، لتجد شعرها مبعثر بعشوائية، و وجهها أحمر يظهر عليه بعض الخدوش، وملابسها غير مهندمة، لتلتفت إلى لارا و تضربها على كتفها بعنف.
"حتى لو هى المُخطئة، لا يجب أن تضربى أختكِ هكذا، انظرى كيف أصبح شكلها، والجروح التى تملأ وجهها ، هل يُعجبكِ هذا؟"
عقد الرجل حاجبيه باستغراب، فكيف تنادى تسنيم المرأة بخالتي ، بينما هي الآن تقول للارا أختها؟
وما حكاية كل هؤلاء الأطفال؟
"اعتذر سيدتي ، لكن ماذا تقربين لهن؟"
انتبهت المرأة أخيراً إليه، فسألته بضيق: "و مَن تكون أنت؟"
فرد عليها بسخرية: "أنا مَن تدّخلت لفضّ الشجار، عندما كُنتِ أنتِ تلهين لا أعرف أين، و تاركة هؤلاء الأطفال لحالهن!"
ثم أشار إلى لارا، التي ما زالت مُمسكة بالسندوتش، وأردف: "و مَن تبرع لطفلة منهن بسندوتشه المُفضّل".
حينها انتبهت السيدة للسندوتش الذى تحمله لارا، بينما قبضت الأخيرة عليه بقبضتيها الصغيرتين بخوف.
مدّت السيدة يدها لتسحبه بعنف وسط اعتراضات الطفلة، و قالت:
"خذ هذا سندوتشك؛ أما بالنسبة لسؤالك".
و تابعت وهي تشير للأطفال اللاتى تنظرن إليهما بفضول: "أنا مشرفة بدار الأيتام الذى يضم كل هؤلاء".
ثم عادت بنظراتها إلى لارا، و قالت بغضب: "و أنتِ حتى نعود للدار و نُعاقبِك كما تستحقين، لن تُكملي الرحلة معنا".
هتف إسلام سريعاً مُحاولاً تهدأتها: "لا داعي لهذا سيدتي، إنه شجار عادي بين اطفال".
هتفت المشرفة بفظاظة: "وما دخلك أنت؟"
لتقوم بعدها بدفع لارا للأمام، باتجاه إحدى الأشجار الكبيرة.
أجلستها تحتها، وهتفت بنبرة صارمة:
"لا تتحركي من هنا حتى ننتهي ونعود إلى الدار، فهمتي؟"
هزت لارا رأسها عدة مرات، و هي ترمش بعينيها بسرعة كعادتها عندما تخاف.
لتقول السيدة بنفس النبرة التي لا ترحم: "لا اسمعكِ".
همست لارا بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع: "فهمت".
عادت المشرفة إلى الأطفال، لتقول بصوت قوي:
"هيا عودن للعب، لم يعُد لدينا الكثير من الوقت للعودة".
تنهد إسلام بحزن، وكاد أن يغادر، لولا صوت تسنيم الذي اوقفه، عندما قالت وهي تُشير إلى البائع:
"سيدي، ألن تشترى لنا؟"
نظر باتجاه ما تُشير إليه ليتذكر البائع، ثم عاد بنظراته إليها، ليجدها تنظر إليه برجاء، فابتسم لها، و اتجه إليه ليشترى منه الحلوى.
لتتبعه جميع الأطفال بسعادة،
نظر إليهن باستنكار، فهو قد وعد اثنتين منهن فقط!
ولكنه لم يُرِد أن يزِل البسمة من على وجوههن، فاشترى جميع ما يحمله البائع من حقائب بلاستيكية، وأعطاها لهن، ليقفزن بسعادة ويعودن ليُتابعن لعبهن.
أما هو، فحمل اثنتين، وسار باتجاه لارا، ليُعطيهما لها.
لكن المشرفة قطعت عليه الطريق، هاتفة بحنق:
"إلى أين ستأخذهما؟"
عبس بشدة من أسلوبها الفظ، ليهتف باقتضاب: "سأعطيهما إلى لارا".
زفرت السيدة أنفاسها بضيق، و وبخته قائلة: "ألا تفهم يا سيد؟، إنها مُعاقبة".
"و ما دخل العقاب بالحلوى؟"، سألها باستغراب.
و لكنها لم تستمع إليه، و سحبت الحقائب من يده، واتجهت عائدة للأطفال، فاستوقفها قائلاً:
"عفواً سيدتي، ولكن ما أسم الدار التابعين لها؟، فأنا أفكر في التبرع لكم".
ويا للعجب!
حينما سمعت السيدة حديثه، ارتسمت على ملامحها ابتسامة سعيدة واسعة، و كأنها ليست هي مَن كانت توبخه منذ ثواني!
و هتفت بنبرة تملؤها السعادة :
" طبعاً وسأعطيك العنوان أيضاً، سجل معي".

نظرت لارا إلى أخواتها، لتراهن يلعبن سوياً بمرح، وبعدها أخذن يأكلن الحلوى بسعادة، وهن يتلذذن بطعمها الشهىّ.
عضت على شفتيها بقوة تُحاول منع دموعها من الهبوط، حركت وجهها لتتطاير خصلات شعرها الكيرلى بفعل الهواء، ثم بدأت باللعب بأرضية الحديقة، مُظهرة اهتمامها بما تفعله، و رسمت على وجهها ابتسامة كاذبة، كانت كافية لتُوصّل لهن أنها غير عابئة بهذا العقاب!
**********
دلفوا إلى البيت، لتقترب منهم سعاد، قائلة بفرحة: "حمداً لله على سلامتك يا عبد الله، اشتقنا إليك".
ليرد عبد الله بفرحة مماثلة: "سلّمِك الله يا أم طارق..
كيف حالِك؟"
"أصبحت بخير عندما رأيتك من جديد"، قالتها بحب أخوى
ثم اقتربت من أسيل وقبلتها بسعادة.
"هذه أبنتك، ما شاء الله، حفظها الله لك، وأراك إياها عروساً".
هتف بأمل: "أمين".
تطلعت حولها باستغراب، و هي تلاحظ عدم وجود زوجته، فسألته بفضول: "أين زوجتك؟"
ليرد عليها باقتضاب: "لم تأتي".
"لِمَ؟، لقد كنا متشوقين لرؤيتها و التعرّف عليها، يكفى أننا لم نراها من قبل إلا بالصور".
تنهد عبد الله بضيق، لقد فهم كلمات زوجة شقيقه الخفيّة، و تأنيبها له على عدم زيارتهم خلال السنوات الماضية التى قضاها بغربته، حتى أنهم لم يروا زوجته و لا ابنته من قبل، إلا من خلال بعض الصور التى كان يرسلها إليهم.
لاحظ محمد ضيق شقيقه من تغيّر ملامحه، هو يعتب عليه بالطبع، فمنذ أن سافر للدراسة فى بريطانيا قبل عشرين عاماً، و بعدها زواجه من إمرأة بريطانية، لم يعد للوطن ولو لمرة واحدة، حتى لو زيارة سريعة، لقد أغرته الحياة هناك، ليكتفي بالاتصال بهم و الاطمئنان عليهم.
لكن لا مجال للعتاب الآن، المهم أن عبد الله عاد، حتى لو بنية زيارة قصيرة لا تتعدّى بضعة أسابيع!
"زوجته ستأتي الأسبوع القادم يا أم طارق، و الآن اتركيهم ليرتاحا، و حضّرى لنا الطعام".
لتهتف سعاد بتأنيب لنفسها: "نعم بالطبع، بالتأكيد أنتما مُتعبان من الرحلة، اذهبا لترتاحا حتى أعدّ الطعام".

أدخلتها زوجة عمها إلى غرفة صغيرة لترتاح فيها.
نظرت إلى الغرفة بتقييم، والتى كان يغلب عليها اللون الوردي، كانت الجدران مطلية باللون الابيض، ويتوسط الغرفة سرير وردي، ودولاب من نفس اللون بأحد الاركان، ومكتب صغير بمقعده أيضاً من اللون الوردي احتلوا المكان المجاور للسرير، وباب جانبى خمّنت أنه يؤدي إلى الحمام، بينما افترشت الأرضية بسجاد من اللون الوردي والأبيض، وامتلئت الجدران أعلى السرير بصور متعددة لعمها وزوجته وابنه وفتاة غريبة لم تراها بعد، ولكنها علمت أنها أبنة عمها من حديث زوجة عمها.
"إنها غرفة أبنتي، هى من عشاق اللون الوردي، لذا ستجدينه محتل الغرفة".
لمع التساؤل في حدقتي أسيل، فقالت: "و أين هي؟"
ردت عليها سعاد: "إنها متزوجة، ستأتي لزيارتكما اليوم إن شاء الله، و ستتعرفين عليها".
ثم أردفت وهي تغادر الغرفة: "سأترككِ لترتاحين".
فتحت أسيل حقيبتها، لتلتقط ملابسها و تدلف إلى الحمام.
خرجت بعد فترة، لترتمي على السرير و هي تتأفف بملل!
لم تحب هذا المكان، وكم هي غاضبة من والدها لإصراره على أن تأتي معه، ولا تمكث مع والدتها و تأتى معها.
هى تعرف والدها جيداً، وتعلم أنه يُخطط لشئ، و إلا ما السر وراء إصراره على زيارة الوطن فى هذه الفترة تحديداً، و عدم انتظار والدتها حتى تنهى أعمالها و تأتى معهما؟
أمسكت بهاتفها، لتقوم بالاتصال بوالدتها عن طريق إحدى برامج التواصل الإجتماعى، هتفت عندما جاءها صوتها :
"مرحباً أمي".
صمتت تستمع لحديث والدتها ثم قالت: "نعم لقد وصلنا، نحن الآن في بيت عمي".
انتظرت قليلاً لتهتف: "عادى، لم يحدث شئ مهم، لقد رحبوا بنا، وبعدها أخذونا إلى الغرف لكى نرتاح".
لترد بعدها على سؤالها: "لا، أبي في الغرفة الأخرى".
لتبتسم بعدها و تقول: "حسناً، سأُحدّثِك ليلاً و أُبلغِك بما سيحدث".
لتغلق الخط بعد هذه الجملة، مقررة أخذ غفوة حتى ينادوها للطعام.

على الجانب الأخر
كان والدها يُرتِّب أفكاره بشأن ما سيفعله، وكيف سيقنع أخيه وأبنه بما يريده؟
فمنذ أن اكتشف مرضه وهو لا يفكر سوى في أبنته، وكيف سيكون مصيرها من بعده؟
لذا خطط جيدا،ً لتأمين مستقبلها والاطمئنان عليها بعد وفاته! وسيفعل المستحيل حتى لا تعيش أبنته مع والدتها مستقبلاً!
هو لا ينكر أنه كان يحب زوجته- والدة ابنته سوزان كثيراً - و لكنه ايضاً لا ينكر أنه خُدِع فيها!
فلقد سحرته منذ أول مرة رآها فيها فى جامعته، ليبدأ بعدها تتبُّعها، و التقصى عن أخبارها، غير مهتم بديانتها المختلفة عن ديانته!
حتى واتته الجرأة ذات يوم، و ذهب و أخبرها عن إعجابه بها..
و لكنه لم يكن يعلم أنها كانت تُحرّكه كما تشاء، تظهر أمامه فجأة و تختفي فجأة، حتى تجعله يجن بها، و لكى تستطيع السيطرة عليه و على تفكيره!
للأسف كل هذا لم يكتشفه إلا بعد زواجهما، بدءً من تعنّت زوجته على أصدقائه العرب و احتقارها لهم، و عدم موافقتها على العودة معه إلى وطنه بعد أن أنهى دراسته، مخبرة إياه أنها لن تقبل أن تعيش بمجتمع متخلف مثل مجتمعه، و تترك التقدم و الرقىّ الذى يملأ مجتمعها!
يذكر حينها أنه سألها:
"و إن كنتِ ترين أنني من مجتمع متخلف كما تقولين، لِمَ وافقتِ على الزواج بي؟"
أخبرته وقتها بكل البرود الذى تحمله بدمائها: "لأنك أعجبتني، و أردتك أن تكون لى، كما أنني كنت و مازلت واثقة أنك لن تتركني لتعود إلى وطنك".
تتابعت وقتها مشاعره بين الكره و الغضب و الأحتقار، ولكنه لم يُرِد أن يدخل معها في جدال عقيم، عن إنجازات العرب و تقدمهم الذى يفوق تقدم مجتمعها الذى تفخر به، فهو متأكد أن أمثالها لا يعرفون عن العرب سوى عبارات فارغة حفظوها و هم صغاراً، و عندما كبروا، بدأوا بترديد هذه العبارات إرضاءً لغرورهم.
وقتها كل ما استطاع قوله هو:
"سننفصل، أنا لا أستطيع إكمال حياتي مع زوجة تحتقرني أنا و وطني".
لتبتسم هى بسخرية، و تخبره بلؤم: "و ستتخلى عن صغيرك حبيبى، فأنا حامل".
لتقترب منه، و تضع يديها على صدره تحركها بإغواء، و تقترب بوجهها، حتى لامست شفتيها أذنه، فهمست بفحيح:
"انسى وطنك حبيبي، فلنعش هنا سوياً، أنا و أنت و طفلنا القادم،فى بلد يُقدِّر العباقرة و الموهوبين، صدقنى ستستفيد كثيراً هنا، ستجد مَن يُدعّمك و يقف بجانبك، و يوفر لك كل ما تحتاجه، و ستستطيع تحقيق ذاتك و طموحاتك".
ليستسلم لها من أجل طفله القادم، و بعدها يعشق الحياة هناك و ينجرف فيها، ناسياً وطناً وُلِد و تربّى فيه..
ليأتي مرضه يُذكّره بما نساه- وطنه و عائلته - فيقرر العودة له بعد غياب دام لأكثر من عشرين عاماً، مع القسم بأنه لن يجعل ما حدث له أن يحدث مع أبنته، و أنها ستُتابع حياتها بوطنها و وطن والدها، رغماً عن أنف زوجته!
**********
ستون.. سبعون.. ثمانون.. تسعون.. مائة
ليصدح بعدها صوت طفولي عالياً: "سأفتح عيناي".
ليتحرك بعدها من مكانه، و يبدأ فى البحث عن أصدقائه.
لمح أبن خالته من بعيد، ليهرع إليه و يقوم بإمساكه، و هو يهتف بسعادة:
"أمسكت بك".
ليكرر بعدها هذه العملية عدة مرات، حتى أمسك جميع الاطفال الذين يلعبون معه، إلا واحدة، قام بالبحث عنها، و هو يصيح:
"رنيم، أين أنتِ؟"
و أردف بتصمبم: "سأمسِك بكِ أينما كنتِ".
ليركض بعدها، و هو يجول بنظراته بتركيز باحثاً عنها، حتى رآها أخيراً، ليهرع إليها و هو يصيح بسعادة.
تعالت ضحكاتها عندما رأته، لتركض بعيداً عنه، حتى أنها لم تنتبه إلى بوابة المنزل المفتوحة، و وجود عمال غرباء ينقلون بعض الأغراض، لتتخطاها هرباً من القادم خلفها.

توسّعت عيناه بفزع، عندما رأى الجسد المتحرك أمامه، ليضغط على مكابح سيارته بسرعة، مُحاولاً إيقافها، و لكن للأسف فات الآوان، لقد طار جسد صغير فى الهواء، ليصطدم بعدها بالأرضية الصلبة بقوة، و تحيط به الدماء بغزارة.
**********
حضّر له بعد الطعام الخفيف، فهو لا يحب أن يأكل كثيراً ليلاً، بدأ فى الأكل، ليتذكر الطفلة التى رآها فى الصباح، فتسائل كيف تشعر الآن؟، وماذا فعلوا بها؟، هل عاقبوها حقاً؟
تنهد بقوة وهو يتمنى فقط أن تكون بخير.
"لارا".

أدخلتها المشرفة إلى غرفة صغيرة مظلمة، و هتفت:
"ستبقين هنا حتى الغد دون طعام او ماء، كى تستمعين إلى الأوامر و لا تُخالفيها مرة أخرى".
ثم أحكمت إغلاق الباب عليها، لتمنع عنها الضوء الوحيد الذى كان يأتي إلبها من الخارج.
جالت بنظراتها المكان، وهى تحاول أن تبحث عن نقطة ضوء..
لتسقط دموعها دون سابق إنذار وهي ترتجف بخوف..
هي تخاف من الظلام، بل ترتعب منه، هتفت مُترّجية وسط شهقاتها:
"أرجوكن افتحن لي، أعدكن سوف استمع لحديثكن، ولن أخالف أى أمر لكن، ولن أفتعل المشاكل مرة أخرى، لكن لا تتركونى هنا، أرجوكن أنا أخاف كثيراً".
انتظرت لتحن عليها إحداهن وتفتح لها الباب، ولكن كان نتيجة رجائها الصمت.
استلقيت على الارضية الباردة، تضم جسدها مُتخذة وضعية الجنين، ثم أغمضت عينيها بقوة، وهى تهمس لنفسها:
"لا تخافي لارا، سوف تنامين، وعندما تستيقظين سيكون الضوء انتشر في المكان، وستخرجين من هنا، فقط نامى لتنتهي هذه الليلة".
وأجبرت نفسها على النوم، والخوف يسكن ملامحها، والدموع تجد طريقها على وجنتيها.

هتف عبد الله بصدمة، وهو يرى الطعام المرصوص أمامه على المائدة:
"ما هذا؟، مَن سيأكل كل هذا؟"
لترد علبه سعاد، بينما تضع أمامه المزيد من الصحون الممتلئة بأشهى المأكولات:
"لك بالطبع، بالتأكيد اشتقت لطعامنا".
ثم أردفت، وهى تنظر باتجاه أسيل: "وأنتِ حبيبتى، ماذا تريدين أن أضع لكِ؟"
لترد عليها الطفلة بسخرية: "وكأنني أعرف أى نوع"
لتقول سعاد: "انظرى هذه تُدعى الملوخية، وهذا طاجن بامية باللحمة، تذوقيهما سيُعجبوكِ".
تذوقتهما، لتنقلب ملامحها، وتُبعدهما عنها، وهي تقول: "لم أحبهما".
لتقول أريج: "جربي أنواع أخرى إذاً".
ثم أردفت، وهى تُقرّب منها أحد الصحون: "تذوقي هذا إنه".
ولكن أسيل لم تدعها تُكمل حديثها، حيث غادرت المائدة، وهي تتأفف.
نظرت أريج باتجاه عمها عبد الله، و قالت: "ما بها؟، هل أخطأنا في شئ؟"
ليرد عليها عبد الله بحرج: "لا حبيبتي، لكنها ليست معتادة على هذا الطعام، ستتعّوَد مع الأيام".

بعد فترة
طلب عبد الله من محمد وطارق أن يتحدث معهما في موضوع هام، فأخذه محمد إلى غرفة المكتب.
جلسوا صامتين لبعض الوقت، ليقطع محمد الصمت، قائلاً:
"خير يا عبد الله".
تنهد عبد الله، و قال: "اعلم أن ما سأقوله صعباً، ولكن أتمنى أن توافقا على ما سأطلبه، خاصة أنت يا طارق، فطلبي يتعلق بك".
ظهرت الحيرة والقلق على ملامح طارق، فما الذى يريده منه عمه؟!
ليتابع عبد الله بجمود: "أنا مريض بسرطان الدم، ونسبة شفائي ضئيلة، لأننى اكتشفته متأخراً، وللأسف السرطان انتشر بجسدي".
ثم اردف بقلق: "أنا مؤمن بقضاء الله، ولست خائف من الموت، ولكن كل خوفي على ابنتي، لا أريدها أن تُكمِل حياتها ببريطانيا، لا أريدها أن تعيش مع والدتها".
ونظر باتحاه طارق، وقال: "لذا طارق، سأكون ممتناً لك إن قبلت الزواج من أبنتي".
اعتلى الغضب ملامح طارق فور أن سمع طلب عمه، كيف له أن يطلب منه هذا؟
هل جاء ليُزوّجه أبنته، و يقلب حياته؟
ألهذا السبب فقط عاد بعد غربته الطويلة؟
"عمي، هل انت جاد بطلبك هذا؟"
ليهتف عبد الله ببرود: "نعم".
زادت عصبية طارق، بسبب برود عمه و بساطة حديثه، و كأنه متأكداً من موافقته!
"كيف تطلب مني هذا؟، ثم أبنتك طفلة، هل تعي معنى طفلة؟ كيف تريد تزويجها و هي في هذا العمر؟"
لم تعجب محمد طريقة حديث أبنه مع عمه، فقال بصرامة: "طارق، تحدث بأدب، لا تنسى أنك تتحدث مع عمك".
التفت طارق إلى أبيه، و هتف بنبرة عالية: "ألا تسمع ما يقوله؟"
ليهتف محمد بنبرة أعلى محذرة: "طارق".
نقل طارق نظراته بينهما، و الغضب بداخله يتفاقم، و مع ذلك قال بهدوء مزيف:
" اعتذر عمي، ولكن طلبك مرفوض، فأبنتك مازالت طفلة، كما أننى أحب أبنة خالتى، و سأتزوج منها".
أنهى حديثه، ثم سار خارجاً من الغرفة.
صُدِم عبد الله مما قاله، و شعر بفشل خطته قبل أن تبدأ
"أرجو ألا تُخبِر أسيل بحديثنا هذا، فهى لا تعرف عن مرضي، و لا عن نيتي بتزويجها، لقد أردت أن أعرف رأيك قبل أن أخبرها بأي شئ..
و أتمنى أن تفكر مرة أخرى و تقبل أن تتزوجها".
نظر له طارق بسخرية، ثم خرج صافعاً الباب خلفه، غير مبالي بما يقوله عمه.

تساءلت أريج عندما وصلتها الأصوات العالية من داخل غرفة مكتب والدها:
"لِمَ أصواتهم عالية هكذا؟"
لتهتف سعاد بقلق: "لا اعلم، سأذهب لأرى ما بهم".
نهضت متجهه لغرفة المكتب، ليُفاجئها خروج طارق، و وجهه محتقن من الغضب، فسألته:
"ما بك حبيبى؟، و ماذا يحدث بالداخل، و جعل أصواتكم تعلو بهذا الشكل؟"
زفر أنفاسه بضيق، و قال: "لا شئ أمي".
ليتحرك بعدها إلى غرفته، إلا أنه اصطدم بأسيل في طريقه، ليصيح بغضب:
"هل أنتِ عمياء؟"
فردت عليه ببرود: " أنت الأعمى، ألا ترى أمامك؟"
" انا مَن لا أرى أمامى أم أنتِ!
فأنتِ تحدقين بهذه الآلة التافهة بتركيز، و كأن مستقبلكِ معلق بها".
و تبع حديثه بسحب هاتفها الممسكة به، و ألقاه بقوة ليصطدم بالجدار، و يسقط متفككاً إلى عدة أجزاء.
"هذا لتنظرين أمامكِ عندما تسيرين".
بقت أسيل للحظات، تنقل نظراتها بينه و بين أجزاء هاتفها الملقاة على الأرض، لتستوعب ما حدث، و يتحول وجهها للون الأحمر، و تتوّسع عيناها من الغضب، و كادت أن ترد عليه رد يُعرّفه مَن هي، و يجعله يفكر أكثر من مرة قبل أن يتحدث معها بهذه الطريقة ثانية، لولا تدّخُل سعاد.
"اهدأ حبيبي، اذهب أنت لغرفتك الآن".
و أمسكت بذراع أسيل، و سحبتها بعيداً رغماً عنها، و هي تحاول أن تُهدّأ من غضبها.
" اعذريه أبنتي، لقد حدث شئ أغضبه، و عندما يغضب يتصرف بحماقة".
صاحت أسيل بحنق: "و ما دخلى انا بغضبه!
أنا لم أفعل له شئ".
هتفت سعاد بتوتر: "نعم .. نعم، أنتِ محقة، و لكن اعذريه، بالتأكيد حدث شئ كبير أزعجه، فلم يعد يُميّز مَن أمامه".
اقتربت منهما أريج، و هي تحمل هاتف أسيل، بعد أن قامت بتجميعه و تركيبه، قائلة بابتسامة ودودة:
" و هذا هاتفكِ سليم، لقد قمت بتركيبه و تشغيله".
أخذته منها أسيل شاكرة لطفها، و توعدت طارق بداخلها على رد صياحه عليها، فهى التى لم يُعنّفها والدها من قبل، حتى لو كانت مخطئة، يأتي هو و يرفع صوته عليها من دون ارتكاب أي ذنب!
و لكن صبراً و ستُريه مَن هى أسيل!

"ألا يوجد أملاً للعلاج؟"
تنهد عبد الله، و قال: "لا اعتقد، فحالتي متأخرة".
ليقول محمد بسخرية: "ولولا مرضك لم تكن لتتذكرنا وتعود إلينا، أليس كذلك؟"
نظر له عبد الله بغضب، مع أنه بداخله يدرك أن ما قاله شقيقه صحيحاً!
"كيف تقول هذا أخي؟
بالتأكيد كنت سأعود يوماً، فبالنهاية لم أكن لأرتضي أن أموت و أُدفن في بلد غريب".
ليقول محمد بسخرية أكبر: "ولكن ليس الآن، ولولا مرضك لم تكن لتعود".
"أُفضِّل ألا نتحدث فى هذا الموضوع الآن، فكل ما يُهمني أبنتي، أريد أن اطمئن عليها قبل وفاتي".
ليهتف محمد سريعاً: "بعيد الشر عنك يا أخي، لا تقل هذا، إن شاء الله ستتعالج وتشفى، الطب تطور كثيراً، و علاج هذه الأمراض ليس بالصعب الآن".
تنهد عبد الله بتعب، فعلى الرغم من الآلام الحادة التى يشعر بها دائماً، و تحذيرات الطبيب الذى اكتشف حالته، إلا أنه لن يُعرِّض نفسه لعذاب العلاج و انتظار أمل مستحيل للشفاء
"لا أريد أخي، العلاج لن يجدى نفعاً في حالتي، و أنا لا أريد أن أتعالج كيميائياً و أتعذب بلا فائدة، فأنا أشعر بقرب موعدي، كل ما أريده هو الاطمئنان على أبنتي".
إلا أن محمد لم يقتنع بأي من كلماته، واثقاً بالله تعالى، و بقدرته على شفاء شقيقه.
"لا سنذهب إلى الطبيب ليراك، و ستتّبع كل تعليماته في العلاج، و ستشفى إن شاء الله".
ثم أردف ليطمئنه: "أما عن أبنتك فستتزوج من طارق، فأنا لن أجد له أفضل منها".
هتف عبد الله باستغراب: "كيف وهو يرفض؟، و يقول أنه يحب أبنة خالته".
ليقول بتصميم: "لا تقلق بهذا الشأن، وستجده غداً يأتى إليك ليطلب يدها منك".
هتف عبد الله بشك: "هل تعتقد ذلك؟"
نهض محمد من على مقعده، ليقترب منه، ويُربِّت على كتفه قائلاً:
"بل أنا متأكد، لا تقلق واذهب لترتاح، و غداً إن شاء الله سنذهب إلى الطبيب".
ليقول بسأم: "و لكن أخي، أنا لا أريد الذهاب إلى أى طبيب".
"لا يا عبد الله، ستذهب إليه، و لا نقاش فى هذا الموضوع"، قالها بصرامة.
ليقف عبد الله و يغادر غرفة المكتب، مصراً على عدم الذهاب إلى الطبيب..
و متمنياً أن يفي محمد بوعده، و يقنع طارق بالزواج من أسيل، و إلا سيضطر أن يبحث عن شاب أخر، و يعرض عليه الزواج من أبنته!
تنهد محمد بعد خروج شقيقه بأسى، بالتأكيد لن يسمح لأبنة شقيقه أن تعود إلى بريطانيا وتعيش مع والدتها فى حالة إن توفّى شقيقه، فهو من البداية لم يكن موافق على زواج شقيقه من إمرأة أجنبية تحمل ديانة مختلفة عنهم، و لن يكن مطمئناً على أسيل معها لحالهما.
ومن ناحية أخرى، هو لا يريد أن يتزوج أبنه من أبنة خالته، ليس لعيب فيها، فهى فتاة محترمة و ذات أخلاق عالية، ولكنه يراها غير مناسبة له، لذا سيُدّعِم زواج طارق من أسيل بكل قوته!

دلفت إلى غرفة شقيقة زوجها، وابتسامة شامتة تعتلى ملامحها.
"هبه، لا تنسي غداً سنذهب إلى عرس سمية أبنة جارتنا".
نظرت لها هبه بنظرات باردة، وهمست بهدوء: "لا تقلقي، لن أنسى".
ابتسمت مشيرة بسخرية، وهى تنظر لها بنظرات ذات معنى، لتخرج بعدها من الغرفة.
تنهدت بهّم، فمنذ طلاقها و زوجة شقيقها لا تكُف عن الاستهزاء بها، وتستغل الفرص لتشمت فيها، هذا بجانب معاملة شقيقها لها، و التى تغيرت مائة وثمانين درجة..
شدته عليها، وعصبيته الغير مبررة، فها هى تكاد لا تخرج من البيت إلا للذهاب إلى عملها، الذى يريد شقيقها أن يمنعها عنه، معللاً بأنها يجب أن تجلس فى البيت، حيث أن ألسنة الناس لا ترحم، و هم الآن يترصدوا لها أى خطأ!
و إن حدث و خرجت للتنزه معه هو و زوجته في أى مكان، فلا تسلم من نصائحه عما يجب أن تفعله، و ما لا يجب أن تفعله، مُرفقاً بين النصيحة و الأخرى جملة ( لا تنسي أنكِ مطلقة ) و كأنها بطلاقها جلبت لهم العار!
انتهى الفصل قراءة سعيدة

Aya Tarek
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 3
نقاط : 5
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لست أبي (الجزء الأول من سلسلة حكايات بنات) بقلمي آيه طارق

مُساهمة  Aya Tarek في الجمعة سبتمبر 28, 2018 11:02 pm


الفصل الثانى
دخل طارق غرفته، و هو يزفر أنفاسه بضيق، يعلم أن أبيه لن يتركه إلا بعد أن يتزوج من هذه المدعوّة أسيل، فبالتأكيد لن يتركها تعيش مع والدتها طالما عمه لا يوافق على ذلك.
اشتعل الغضب بداخله أكثر، عندما وصلت أفكاره إليها، كيف له أن يتزوج من هذه الطفلة؟
يا إلهي، لم تمر أربعة و عشرون ساعة منذ وصولها، و ها هي بدأت فى إرباك حياته، فماذا سيحدث له إن مكثت معه أسبوع مثلاً؟
أنّب نفسه على أفكاره هذه، فالفتاة ليس لها ذنب بما يحدث، هي حتى لا تعلم بمرض والدها، لا يصّح أن يضع اللوم عليها.
حرّك رأسه بقوة مُبعداً هذه الافكار عنه، مُقرراً أنه لن يتراجع عن رأيه، و لن يتزوج من هذه الطفلة، و يترك حبيبته مهما حدث!
حبيبته، و ها هى مشكلة أخرى تظهر أمامه، فإن علمت برغبة عمه و موافقة والده سيجّن جنونها، و وقتها لن يضمن ردة فعلها، لذا يجب عليه إنهاء هذا الأمر قبل معرفتها به!
التقط هاتفه ليتصل بأبنة خالته، ليهمس بحب عندما وصله صوتها:
"السلام عليكم حبيبتي، كيف حالكِ؟"
على الطرف الأخر
ابتسمت نشوى بدلال، وهي تستلقي على سريرها، وتعبث بخصلة من خصلات شعرها، وقالت:
"وعليكم السلام، حبيبتك غاضبة".
"مَن أغضبكِ؟"، سألها بضيق.
لتهتف بمشاكسة: "أنت".
لمعت عيونه بإدراك، و هتف بمرح: "و لِمَ حبيبتي غاضبة مني؟"
فردت بنبرة معاتبة: "لم تهاتفنى اليوم، ولم تبعث لي حتى برسالة واحدة تُطمئنى فيها عليك".
رد بهدوء: "تعلمين أن عمي وأبنته جاءا اليوم، وكنت مشغولاً معهما".
تملكتها الغيرة، و سألته: "و كيف هي أبنة عمك؟"
ليبتسم بعبث، مُدركاً ما تشعر به، و يرد بنبرة بريئة : "الحمد لله، تبعث لكِ السلام".
فصاحت بحنق: "طارق، أنت تفهم سؤالي جيداً، لا تراوغني في الحديث".
تعالت ضحكاته المستمتعة بغيرتها عليه، و همس بعبث:
"حبيبتي الغيورة، هل تخافين أن تأتي صغيرة وتأخذني منكِ؟"
فقالت ببساطة: "لا.. لا أخاف، لأنك إن نظرت فقط مجرد نظرة لأنثى أخرى سأقتلها، واقتلع عينيك الجميلتين كي لا تستطيع النظر بهما ثانية".
كتم ضحكاته بقوة، و هتف بخوف مصطنع: "يا إلهي أخفتيني".
لتقول بجدية: "قل ما تشاء، ولكن ثق أننى لن أسمح لأخرى أن تأخذك مني".
كاد أن يرد عليها، إلا أن طرق على الباب، وصوت والده قاطعه.
"طارق، ألا زلت مستيقظاً؟"
رد عليه: "نعم أبى، تفضل".
ثم قال لنشوى: "حبيبتى، سأُهاتفكِ لاحقاً، أبي يريدني".

عندما يحين قدر الله..
فنفقد قطعة من قلبنا دون سابق إنذار..
يكون الألم، كلمة قليلة على ما نشعر به!
أبنتي..
تخيّلتكِ عروساً ترتدين فستانكِ الأبيض..
و زوجِكِ يحملكِ إلى بيتكِ..
و لكننى اليوم أراكِ مُغطاة بالكفن الأبيض..
و أباكِ يحملكِ إلى الجنة!

أمام غرفة العمليات
قلوب تنتفض بخوف، و ألسنة لا تكُفّ عن الدعاء، آملين أن يستجيب الله لهم، و ينقذ صغيرتهم.
خرج الطبيب و هو يزفر أنفاسه بتعب، إثر العملية الصعبة التى كان يُجريها، لتقف أمامه عائلة الطفلة، ملامحهم ترسم من الألم الكثير، و من الأمل أكثر!
انتظر حتى يسأله أحدهم عنها، و لكن جميعهم كانوا صامتين، لا يجدوا الجرأة على السؤال، خوفاً من الإجابة، التى من الممكن أن تقضي على أملهم.
ليبدأ هو الحديث مُنهياً هذه اللحظات الصعبة، فقال بنبرة عملية باردة:
"فعلنا ما باستطاعنا، و لكننا للأسف لم نستطع إنقاذها، حالتها كانت صعبة، البقاء لله".
صياح، دموع، هتافات غير مصدقة، انتشرت فى أرجاء المستشفى.
لقد فقدوا صغيرتهم، مَن كانت تملأ البيت بمرحها و شقاوتها.
"لا،رنيم- أبنتي - لا".
صاحت والدتها، ليقترب منها زوجها، و يضمها إلى صدره، و دموعه تهبط على وجنتيه دون خجل، و كيف يخجل؟، وهو فقد طفلته، زهرة حياته، مَن كانت ترسم البسمة على شفتيه بكلمة منها!
بينما أخذت زوجته تهذي بانهيار، و هي تصفع نفسها:
"لقد ماتت، ماتت، لن نرى ضحكتها ثانية، لن نرى تذمرها عندما لا نوافق على طلب لها، لن نرى مشاكستها لشقيقها، لن نراها ثانية".
لتصيح بصوت عالي، يُعبّر عن حرقة قلب أم فقدت صغيرتها للتو:
"ماتت، أبنتي ماتت، رنيم ماتت".
لتبدأ بعدها ببكاء يُمزِّق القلوب، و الناس حولها تنظر لها بشفقة.

استند على الحائط وراءه، و هو غير مُدرك لما يحدث أمامه!
شقيقته ماتت، هل يعنى هذا أنه لن يلعب معها مرة أخرى؟
لن يصيح عليها عندما تشاكسه؟
لن تنام بحضنه بعد الآن؟
ليهمس بتأنيب لنفسه: "أنا السبب، أنا مَن قتلها..
لو لم ألعب معها..
لو لم أركض ورائها و أصمم على الإمساك بها..
لو لم تتخطّى البوابة..
لكانت معنا الآن!"
و تستمر ( لو ) دون فائدة، فأمر الله قد حان، و لن يستطع أحد رد قضاءه.

دلف محمد إلى غرفة طارق، ليقول طارق بجدية فور أن رآه:
"أبي، أرجوك، إن كنت قادماً لتُحدّثنى عن موضوع أسيل هذه، فأنا أعلنت قراري ولن اُغيرّه، أنا لن أتزوج منها، أنا أحب نشوى، ولن أتزوج غيرها".
ليهتف محمد بصرامة: "أيُمكنك أن تسمعنى اولاً!"
ثم أردف مُحاولاً إقناعه: "لِمَ تنظر إلى الموضوع على أنه زواج فقط؟ألا ترى عمك وخوفه على أبنته؟
هل تريده أن يموت وهو يشعر بعدم الاطمئنان عليها؟
لم أعهدك قاسي هكذا، لقد كُنتَ وما زلت تساعد الجميع.
فلِمَ لا تريد أن تسعد عمك وتجعله يشعر بالراحة؟"
تأفف بنفاذ صبر، قبل أن يقول: "ولكنها حياتي أبي ، حياتي وعمري الذى سأعيشه، وأنتم تريدون أن تُقَيدونى بفتاة لا اريدها".
ثم أردف بسخرية: "يا إلهي أى فتاة هذه، إنها طفلة، طفلة لم تتجاوز الخامسة عشر من عُمرِها بعد".
ليقترب من والده، ويجلس أسفل قدمَيه، هاتفاً بتوسُل:
"أرجوك أبي، لا تُجبرني على شئ، دعني اختار شريكة حياتي، و أتزوج من الفتاة التي أريدها".
ليقول والده بنفس نبرة ابنه: "و أنا أرجوك أن تفكر مرة أخرى، وألا تحرجني مع أخي".
ثم أردف بحزن: "و مَن يعلم، من الممكن أن يكون هذا أول و أخر طلب يطلبه منك، فلا تخذله".
ربّت على وجنته، ثم نهض ليغادر، تاركاً أبنه مُتخبطا بين قلبه الذى يخبره ألا يهتم لهما و يختار حبيبته، و بين ضميره الذى يصدح صوته مطالباً بتلبية رغبة عمه، وجعله يشعر بالراحة!

فتحت عينيها، لتجد أشعة الشمس مُنتشرة بالغرفة، من خلال الشرفة الزجاجية التى تحتل جزء كبير من أحد الجدران، نهضت من على الأرض، وهي تفرك عينيها بقوة، لتتجّه نظراتها نحو الباب، استقامت وسارت باتجاهه، لتقوم بفتحه، فيُفتح معها!
قفزت بسعادة، لتركض إلى المطبخ و تطلب الطعام، فهى تشعر بالجوع.
" انا جائعة، أُيمكنكِ أن تصنعي لي بعض الطعام؟"
لتقول الطاهية بصرامة: "لقد انتهى وقت الطعام يا صغيرة، لِمَ لم تلتزمي بالموعد؟"
بررت برجاء: "لقد كنت مُعاقبة، ولقد حبسوني في الغرفة المظلمة، ولم أخرج إلا الآن، أرجوكِ أعطيني سندوتشاً واحداً، فأنا جائعة".
فقالت الطاهبة بقسوة: "هذا لأنكِ طفلة مشاغبة، لا تحترمين أحداً، تستحقين العقاب".
ردّدت بحزن: "نعم، انا طفلة سيئة، واستحق العقاب، لكننى أريد أن آكل".
هتفت الطاهية بتهديد: "أخبرتكِ أن وقت الطعام انتهى، فلتنتظري موعد الغذاء، وإن لم تخرجي الآن، سأخبر المشرفة عن طلبكِ للطعام في المواعيد الغير مخصصة له".
تهدّل كتفيها بحزن واستسلام، لتهتف بصوت مختنق: "لا ، لا تخبريها، سأذهب".
ثم غادرت باتجاه غرفتها، التي تتشاركها مع ثلاثة من الأطفال، اتجهت إلى سريرها، لترتمي عليه، ويعلو صوتها باكياً.
اقتربت منها صديقتها ريناد، و احتضنتها هاتفة:
"لارا، لِمَ تبكين؟"
فقالت وسط شهقاتها: "لقد حبسوني أمس في الغرفة المظلمة، وتركوني فيها، واليوم لم يوقظوني بموعد الطعام، وعندما ذهبت إلى الطاهية، وأخبرتها أننى جائعة، لم توافق أن تعطيني شيئاً لآكله".
مسحت ريناد دموع لارا بيديها الصغيرتين، وهى تهتف بحماس:
"لا تبكي، لقد لاحظت عدم وجودكِ، لذا أخفيت سندوتشاً لكِ".
نظرت لها لارا بسعادة، ممزوجة بعدم تصديق، و قالت: "حقاً؟
ولم يروكِ؟"
لترد عليها بفخر: "بالطبع لا، و لقد ساعدتنى تسنيم أيضاً في تشتيت انتباههن".
احتضنتها لارا بقوة، وهي تقول: " أحبكِ ريناد، أين السندوتش؟"
ضحكت ريناد، ثم نهضت و اتجهت إلى سريرها، لتُخرِج من وراءه حقيبة صغيرة من البلاستيك.
عادت إليها لتُعطيه لها، و قالت:
"إنه ليس كبيراً، ولن يكفيكِ، لكن هذا ما استطعت أن أُخفيه".
هتفت لارا، قبل أن تلتهم قطعة كبيرة منه: "لا مشكلة".
نظرت ريناد باتجاه الباب، و قالت: "حسناً، أنا سأذهب و أقف عند الباب أُراقب الطريق، حتى لا تأتي إحدى المشرفات وتراكِ، وأنتِ حاولي أن تأكلين بسرعة".
هتفت لارا، وفمها ممتلئ بالطعام: " حسناً، لا تخافي".

استيقظ على طرق على باب شقته، كان يرتدي سروال البيجامة فقط، بينما صدره عارياً، وشعره الاسود مشعثاً، فتح الباب، ليجد طارق يقتحم الشقة، و يرتمي على الاريكة، وهو يتنهد بقوة.
نظر إليه بصمت، ثم اتجه إلى غرفته، و ارتدى قميصه، ليعود بعدها إلى طارق، فيجده يستتد برأسه على ظهر الأريكة، و ملامحه يظهر عليها الإرهاق.
فقال، بينما هو يتجه إلى المطبخ: "سأحضّر شيئاً لنأكله".
أوقفه طارق، هاتفاً: "لا أريد شيئاً".
رفع حاجبيه، وهو يراه بهذا الشكل، ليتجّه و يجلس بجانبه، التقط وسادة متوسطة يستند عليها بيديه بكسل، و قال:
"ماذا حدث؟"
أغمض طارق عينيه بقوة، و قال: "أبي يريدني أن أتزوج أبنة عمي".
اعتدل إسلام في جلسته، و قال بصدمة: "أبنة عمك! كيف؟، ماذا عنك أنت ونشوى؟"
فهمس بحزن: "عمي مريض بسرطان الدم، ويقول أنه يريد الاطمئنان على أبنته قبل وفاته".
رفع إسلام أحد حاجبيه، و سأله باستغراب: "و أين والدتها؟"
ليزفر بضيق، ثم يقول: "والدتها بريطانية غير مسلمة، و عمي غير موافق على أن تعيش الفتاة معها، إن حدث له مكروه".
فنظر له إسلام بشك، وقال: "و ما رأيك أنت؟"
صدرت من طارق تنهيدة قوية، قبل أن يقول: " لا اعلم، أنا لا أريد الزواج سوى من نشوى، ولكنها أيضاً أبنة عمي وأنا أخاف عليها، و لا أريد أن ارفض طلب عمي، فحالته لا تحتمل أى حزن أو إجهاد".
ابتسم إسلام ببرود، وقال: "تزوجها إذاً".
ليهتف طارق بغضب: "و اترك نشوى؟ مستحيل".
"مشكلتك صعبة يا صديقي".
قالها ثم زفر أنفاسه بقوة، وعاد بظهره إلى الوراء، ليستند على ظهر الاريكة.
حينها انتبه طارق له، وشعر أن هناك خطب ما، فهتف بتساؤل:
"هناك شئ يزعجك، صحيح؟"
رد إسلام بشرود: "لا اعلم".
نظر له طارق بتركيز، و قال: " لا تعلم!، إذاً هناك شئ، وشئ كبير أيضاً، أخبرني ماذا حدث؟"
قص له إسلام ما حدث بالأمس فى الحديقة، ليقول طارق باستغراب:
" لم أفهم، ما الذى يُزعجك في هذا؟"
ليهتف بحنق: "ألا تفهم طارق؟، أخبرتك أنها عاقبت الفتاة، و حرمتها من رحلتها".
ليقول طارق ببساطة: "و ما المشكلة في ذلك؟، نحن نسمع كل يوم عن دُور الأيتام وما يحدث فيها، إهمال.. ضرب.. اغتصاب ،للأسف ليس كل مَن يعمل في هذه الأماكن لديه قلب، و يُشفق على هؤلاء الأطفال".
ليعقد إسلام حاجبيه بضيق، ويهتف: "و لكن ما ذنب هؤلاء الاطفال، يعيشون هكذا و يُحرمون من أقل حقوقهم؟"
" ليس لديهم أى ذنب، الله اختار لهم هذا"، قالها طارق ببرود.
ليُسارع إسلام بحنق: "و لكن الله لا يرضى بالظلم".
استغرب طارق من انفعال صديقه الغير مبرر، فسأله: "ما الذى تريد أن تصل إليه؟"
ليقول إسلام بدون وعي: "أريد أن أكفل هذه الطفلة".
صمتا قليلاً، و إسلام يحاول استيعاب ما قاله!
لم يُفكر من قبل في هذا الموضوع، صحيح هو يُشفق على الأطفال الأيتام، ويشعر بهم، خاصة أن والدته توفت وهو صغير، فيعرف معنى اليُتم، ومعنى أن يتمنى الطفل حنان ولا يلقاه، ولكن أن يكفل طفل، فكرة لم تخطر على باله من قبل!
قطع الصمت صوت ضحكات طارق العالية، ليهتف بسخرية:
"حقاً؟، وكيف ستكفلها؟!"
ليرفع إسلام أحد حاجبيه، و يقول ببرود: "ما المضحك بالذي أقوله؟"
ليقول طارق بنفس السخرية: "تقصد ما المنطقي بالذى تقوله!
هل تعتقد أن الموضوع بهذه البساطة؟"
نظر له إسلام بحنق، ليردف طارق قائلاً:
"أخبرني كيف ستكفلها و أنت غير متزوج؟"
ليهتف إسلام باستغراب: "و ما دخل الزواج بهذا الموضوع؟"
لتتوسع عينا طارق بدهشة من عدم معرفة صديقه بالقوانين، و يقول: "الزواج هو الموضوع، لن تستطيع كفالة طفل إن كنت غير متزوج".
" ليس شرطاً أن أكون متزوجاً، سأبذل كل جهدي لكي أُسعدها و أُعوضها عما لاقته فى الدار"، قالها إسلام بعناد، و هو مصمم على كفالتها.
ليهتف طارق بنفاذ صبر: " إلهي، ألا تفهم؟، المسؤلون لن يُوافقوا على أن تكفلها، يجب أن تكون متزوجاً".
صمت إسلام مفكراً في كلام صديقه، بينما تنهد طارق، وهو لا يعرف ماذا يفعل مع عمه وأبنته!

وُضِع الطعام على المائدة، أمام ما يصل إلى عشرين طفلة، بدأن بعض الاطفال في الأكل بنهم، بينما تذمر الآخرين بداخلهن من قلة الأنواع الموضوعة، وعدم حبهن لها، ولكن لم تكن لديهن الشجاعة الكافية ليُعبروا عما بداخلهن، وحدها لارا َمَن كانت تمتلك تلك الشجاعة، لتهتف بتذمر طفولي:
"ألا يوجد قطعة لحم أو دجاج؟"
لترد عليها الطاهية باقتضاب: "لا".
زمت شفتيها بضيق، و تابعت بنفس النبرة: "و لا شيء غير الأرز و الفاصولياء؟"
ردت المشرفة بحدة خفيفة: "لا".
كادت لارا أن تُكمل تذمرها، لولا تسنيم التي قاطعت الحديث، وهي تضغط على يد لارا بقوة، وتنظر لها بتحذير.
"و ما بهما الأرز والفاصولياء لارا؟!
إن طعمهما لذيذ جداً، سلمّت يداكِ خالتي".
ابتسمت لها الطاهية بحب ثم نظرت للارا، و قالت: لا اعرف كيف أنتما الاثنتان صديقتان؟!"
ثم غادرت، عائدة إلى المطبخ، لتقترب تسنيم من لارا، هامسة:
"ماذا؟، هل تريدين أن يُعاقبوكي و يحرموكي من الطعام ثانية، كُلي و أنتِ صامتة، ولا تتذمري أمامهن".
لتهمس لها لارا بنبرة تحمل من الحزن والحرمان الكثير: "و لكنني مللت، كل يوم نأكل الأرز و الفاصولياء فقط، على الأقل يطهون لنا نوعاً أخر".
لتهمس تسنيم بشدة هذه المرة: "إن أخبرتيهن بهذا، ستجدينهن يصنعن لنا الفول، احمدي الله على النعمة و كُلي".
تنهدت لارا بقوة، ثم حملت ملعقة كبيرة من الأرز، و وضعتها في فمها، وهي تتمنى بداخلها أن يأتي اليوم الذى تتذوق فيه طعام مختلف.

عبس عبد الله بملامحه بضيق، لقد أصر شقيقه على أخذه إلى الطبيب، و لم يستطع أن يثنيه عن قراره، و ها هو الآن يتنقل من غرفة إلى أخرى، يقوم بإجراء التحاليل و الإشاعات التي طلبها منه الطبيب.
نظر محمد للطبيب بأمل، يتمنى أن يخبره أن شقيقه سيحيا، لن يحدث له مكروه، أن العلاج سيجدى فى حالته.
كاد الطبيب أن يبدأ حديثه، و لكن عبد الله سبقه قائلاً:
"أيها الطبيب، لقد أجريت فحوصات عديدة في الخارج، و أعلم عن حالتي، لذا لا داعي أن تخفى شيئاً".
كان من الواضح للطبيب أن عبد الله يعلم خطورة حالته، و يبدو اليئس من شفائه جليّاً على ملامحه، فحاول بث بعض الأمل في حديثه:
"حالتك خطيرة سيد عبد الله، و لكن هذا لا يعنى أن العلاج لن يجدى معك، إن اتبعت التعليمات التي سأخبرك بها، و انتظمت على العلاج، ستصبح بخير.. إن شاء الله".
ابتسم عبد الله بسخرية، لم يُخيّب هذا الطبيب ظنه، فقد ردد الكلمات التافهة التي يرددها أي طبيب، و هو يعلم بداخله أن نسبة شفاء مَن هم في مثل حالته مستحيلة.
شكر محمد الطبيب، واعداً إياه أن شقيقه سيبدأ العلاج معه من الغد، بينما عبد الله ظل صامتاً، و كأنهما يتحدثان عن شخص أخر.

"ستبدأ علاجك من الغد يا عبد الله، و لا أريد أي اعتراضات".
تجاهل عبد الله حديثه، و سأله بلهفه :
"هل وافق طارق على الزواج من أسيل؟"
رد عليه بثقة: " ليس بعد، ولكنه سيوافق، لا تقلق".
تنهد، ثم قال بضيق: "لِمَ أنت متأكد هكذا؟"
فقال محمد بتأكيد: "لأنني سأفعل المستحيل من أجل زواجهما، و لكنني أحتاج مساعدتك".
ليعقد عبد الله حاجبيه بتساؤل، و يقول: "كيف؟"
ليهتف محمد بغموض: "سأخبرك ، و لكن عدني أنك ستبدأ في العلاج".
ليهتف عبد الله بمراوغة: "أعدك أنني سأبدأ العلاج عندما اطمئن على أبنتي".

وصلا عبد الله و محمد إلى البيت، في نفس الوقت الذى وصل فيه طارق ، ليهتف عبد الله فور دخولهم:
"طارق، هل يمكننا أن نتحدث؟"
"بالطبع عمي ، سأبدل ملابسي، و آتي إليك"، قالها طارق و هو يتجه إلى غرفته.
ليقول عبد الله: "سأنتظرك في غرفتي".
دلف طارق إلى غرفته، وهو يزفر أنفاسه بضيق، لقد فكر بالموضوع مليّاً، لو لم يكن يحب نشوى ويريد الزواج منها، لكان وافق على طلب عمه بدون تفكير، فبالأخير هي أبنة عمه، وهو لن يجد أفضل منها ، ولكن حبه لنشوى هو ما يمنعه عن الموافقة، فكيف له أن يتزوج من فتاة، بينما قلبه مُعلّق بأخرى؟!

هتف حالما دخل إلى الغرفة: "اعتذر عمي عما حدث أمس، لقد كنت منزعجاً بعض الشئ".
ابتسم عبد الله بتفهم، و قال: "لا عليك، أي شخص مكانك كان سيفعل ما فعلته و أكثر".
هتف بندم: "و لكن لم يكن علىّ أن ارفع صوتي في وجودك انت و أبى".
و تابع: "المهم الآن، كيف حالك؟، و بما تشعر؟"
"صدقني طارق، لا يهمني حالي و لا مرضي، كل ما يهمني أن اطمئن على أبنتي"، قالها عبد الله بلا مبالاة.
"لا تقل هذا عمي، صحتك مهمة بالنسبة لنا".
ليتجاهل عبد الله كلماته، و يقول: "أعلم أن ما أطلبه منك صعباً، و لكنني أطمع في موافقتك".
ليتنهد طارق، و يهتف بمراوغة: "فلنفترض أني وافقت، مَن سيُزوِّجنا؟، فأبنتك تحت السن القانوني، ولن يسمح أحد بزواجها في هذا العمر".
شعر عبد الله ببدأ علامات القبول لدى طارق، فهتف بهدوء يُحاول إقناعه: "سوف تتزوجان عرفي".
ردد طارق بعدم تصديق: "عرفي؟"
"نعم، لا توجد سوى هذه الطريقة".
هتف طارق بتلعثم: "و لِمَ تفعل بها هذا؟، أعنى.. هكذا زواج و هي في هذا العمر، لن يكون مناسباً لها ، من رأيي لا داعي له، و لا قدّر الله إن حدث لك مكروه، فلتعيش هي مع والدتها".
ليعترض عبد الله بحزم: "لا، والدتها لا، سأفعل المستحيل لكي تبتعد أسيل عنها".
فتساءل طارق باستغراب: "لِمَ ؟، بالأخير هي والدتها، و بالتأكيد لن تفعل ما يضرها".
ضحك عبد الله بسخرية، ثم قال: " أنت تقول هذا لأنك لا تعرف سوزان، لقد قضيت معها ستة عشر عاماً في جحيم، لولا أسيل، لكنت طلقتها منذ زمن، و لكن وقتها كانت ستأخذ أسيل للعيش معها، فهي تحمل الجنسية البريطانية، و السلطات هناك لم تكن لتسمح لها بالعيش معي".
سأله طارق بحيرة: " لِمَ تزوجتها إذاً؟"
فأجابه عبد الله بتبرير: "وقتها كنت شاباً طائشاً، مبهور بالعالم الجديد الذى دخلته، و هي كانت إمرأة فاتنة.. ذكية.. استطاعت أن تجعلني أقع في حبها، و أتزوج منها".
تنهد و هو يتذكر أيام شبابه، و اعتقاده بحب سوزان، و أردف:
"و بعد الزواج، ظهرت على حقيقتها، لا أستطيع أن أُحدّثك عنها، فأنا اشمئز من مجرد التفكير فيها، يكفى أني كنت احمقاً، و لم انتبه لتصرفاتها الغريبة قبل زواجنا، و عندما قررت الانفصال عنها فاجئتني بخبر حملها، لتربطني بها إلى الأبد".
بدأ طارق بالميل للموافقة على الزواج، فحتى هو بدأ يخاف من بقاء أسيل مع والدتها، و مع ذلك، هتف مُحاولاً اختراق تفكير عمه:
"وإن لم أوافق على الزواج منها، ماذا ستفعل؟"
قال عبد الله ببرود: "سأعرضها على أي شاب أخر ليتزوج منها، وفق شروط أضعها أنا كي لا يظلمها".
توسعت عينا طارق بذهول من بساطة حديث عمه.
"بهذه البساطة!".
" نعم، إن كنت لا تعلم، فالمال يفعل أي شئ يا دكتور".
عمّ الصمت المكان، وحيرة طارق تزداد أكثر، هل يرفض ويُسّلِم أبنة عمه لشاب أخر من الممكن أن يستغلها؟
أم يوافق، و وقتها بكل تأكيد سيخسر نشوى!
وفجأة تراءت أمامه صورة صديقه، ليهتف وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه:
"إسلام".

في نفس الوقت
وصلت أريج إلى منزل والدها، لتقوم بتقبيل والدتها و السؤال عن حالها، ثم سألتها :
"أين البقية؟"
"أباكِ خرج مع عمكِ، و عندما عادا، خرج مرة أخرى و لا أعلم إلى أين، و أخاكِ يجلس مع عمكِ في الغرفة".
و أردفت بضيق: "و أسيل لا تجلس سوى في غرفتها، لا اعلم ما خطبها؟، و لِمَ لا تتقبلنا؟"
هتفت أريج بتبرير: "لقد عاشت خمسة عشر عاماً من عمرها بعيداً عنا، لم تكن تحدثنا، و لا تعلم عنا شيئاً، ستحتاج إلى بعض الوقت لكى تعتاد علينا".
و تابعت: "المهم أن تبعدي طارق عنها، فإن فعل معها ما فعله أمس مرة أخرى، سيزداد كرهها لنا بدلاً من أن تحبنا". ثم قالت و هى تنهض متجهة إلى غرفتها السابقة: "سأذهب لأتحدث معها".
**********
طرقت على باب الغرفة، لتدخل جزء من وجهها، و تقول:
"هل يمكنني الدخول؟"
أبعدت أسيل هاتفها لترى ابنة عمها، فهتفت ببرود:
"تفضلي".
"كيف حالكِ؟"، سألتها أريج، بينما هي تجلس بجانبها على السرير.
"بخير"، ردت أسيل باقتضاب، لتسألها أريج:
"هل لازلتِ غاضبة مما فعله طارق أمس؟"
تحولت ملامح أسيل إلى الغضب، و هتفت بحدة: "نعم، و إن كنتِ قادمة لتتحدثي عنه فمن الأفضل أن تذهبي".
لم تغضب أريج من حديثها، بل على العكس قالت محاولة كسب ودها:
"لا جئت لأجلس معكِ لنتحدث".
و تابعت باقتراح: "ما رأيكِ أن نخرج و نجلس بمكان هادئ؟، و فرصة لترين البلد".
و لأول مرة تشعر أسيل بالحماس منذ عادت إلى وطنها، فوافقتها بسعادة ، لتخرج أريج و تتركها لتبدل ملابسها، متمنيّة أن تستطيع كسر الحاجز بينها و بين أبنة عمها.

لم يُفكِر بالزواج من قبل، ولكن منذ أن أخبره صديقه عن ضرورة الزواج لكفل طفل، والفكرة لا تخرج من رأسه.
"لارا".
لا يعلم كيف أثرت به هكذا، كيف استطاعت أن تسرق قلبه في لحظات، كل ما يعلمه أنه يريدها، يريد أن يُعوّضها عن كل ما لاقته.
لتنتظر لبعض الوقت، و سيُحضرها للعيش معه، ومع زوجته!
صدح رنين هاتفه النقّال ليقطع عليه تفكيره..
فتح الخط، ليصله صوت طارق:
" إسلام أريد أن أراك الآن، سأنتظرك في المقهى القريب من بيتي".
رد عليه، وهو ينهض ويلتقط مفاتيحه: "حسناً".
هبط سريعاً ليستقل سيارته مُتجهاً إليه، فبالتأكيد هناك جديد في موضوعه مع عمه، و من الممكن أن يكون صديقه يحتاج إلى مساعدته.

ومن شرفتها، نظرت إليه وهو يغادر بسيارته، لتبتسم بألم وهى تدعو الله أن يحفظه، تعلم أنه من المستحيل أن ينظر شاب مثله إليها، ولكنها لا تكُف عن التمنِّي، و أن يأتي يوماً و يراها، و يقبل أن تكون هي.. كل شئ له.
همست لنفسها بسخرية: "أجُننتي يا هبه؟
هل سيرضى بكِ و أنتِ عقيم؟
لا تكوني حمقاء، ليس هناك رجلاً يرضى بإمرأة مثلكِ".

دلف إسلام إلى المقهى، ليجد طارق بصحبة أحد الرجال، يحتلا طاولة جانبية بأخر المقهى، اقترب منهما، وهتف:
"السلام عليكم".
وقفا طارق و عبد الله ليُحيُّيانه، لينظر الأخير إلى عبد الله باستغراب، و يهتف طارق:
"إسلام، إنه عمي عبد الله".
ابتسم له إسلام و قال: "حمداً لله على سلامتك عمي".
ابتسم له عبد الله، وهو ينظر إليه بتركيز، متأملاً إياه بدقة، جسد عضلي نوعاً ما، وشعر أسود يصل إلى أول عنقه، وعينان بنيتان، يظهر فيهما حنان كبير، وجهه يبعث الراحة في النفس، ربما هو يعرف أخلاقه فقط من حديث طارق و شقيقه، ولكنه ارتاح له.

قبل ساعات
تساءل عبد الله باستغراب: "إسلام؟"
اتسعت ابتسامة طارق بالتدريج، ليقول بسعادة، واجداً حلاً لهذه المشكلة أخيراً:
"نعم، طالما أنت تريد أي رجل أن يتزوج أبنتك، فليس هناك أفضل من إسلام".
و أردف وهو يشرح له فكرته: "إنه صديقي منذ أيام الدراسة شخص محترم جداً وأخلاقه عالية، كما أنه يعمل في بنك مشهور وله دخل ثابت، أنا متأكد أنه سيكون الأفضل لأسيل".
نظر له عبد الله بشك، ليتابع طارق حديثه:
"فكّر معي، أنا أحب أبنة خالتي، وغير مستعد للتضحية بالزواج من غيرها، خاصة أنها شديدة الغيرة، و إن علمت بما تخطط له، لا أعلم ما الذى ستفعله لأسيل!"
و أضاف مُحاولاً إقناعه: "لكن إسلام غير مرتبط، ستكون مشاعره ملكاً لأسيل فقط، وعندما تُكمل الثامنة عش، نُوثّق زواجهما و يُصبح رسمياً".
رفع عبد الله أحد حاجبيه بتفكير، و سأله: "وهل أنت واثق منه؟"
ليجيبه: "بالتأكيد، و إن لم تصدقني، يمكنك سؤال أبي، فهو يعرفه ويحبه كأبن ثانٍ له".
و أردف بسخرية: "كما أنه أفضل من أن تأتي بأي شاب لا نعرفه، و تُزوّجه بها".
فقال عبد الله باقتناع: "أريد أن أراه إذاً".

جلس إسلام، ليلتفت إلى طارق، و يسأله:
"ماذا هناك يا طارق؟"
نظر طارق إلى عمه، ثم أعاد نظراته إلى إسلام، وهتف:
"لقد أخبرتك أن عمي مريض، و يريد أن يُزوّج أبنته ليطمئن عليها".
ثم صمت، ليهتف إسلام حاثاً إياه على إكمال ما يريده:
"نعم، شفاه الله وعافاه".
ليهتف طارق، و هو يتأمل ردة فعل صديقه بتركيز:
"و هو سيكون سعيداً إن وافقت أن تتزوج منها".

اتصل محمد بنشوى، و أخبرها أنه يريدها في موضوع هام، و أنه ينتظرها أسفل بيتها في سيارته.
دارت نشوى حول نفسها بسعادة، وهى تقول:
"بالتأكيد هو قادم ليتحدث معي في موضوع زواجي من طارق، وألا ننتظر حتى أنهي دراستي، حبيبي طارق، بالتأكيد لجأ إلى والده عندما لاحظ إصرار والدي على إنهاء دراستي أولاً، سأخبره أن يتحدث مع والدي و يقنعه".
ارتدت ملابسها، وهى تدندن بإحدى أغانيها المفضلة..
خرجت من غرفتها، و أسرعت باتجاه الباب، و هى تصيح:
"أمى، سأذهب لأشتري غرضاً من السوبر ماركت".
و فتحت الباب، و خرجت دون سماع رد والدتها..
وقفت أسفل البناية، و جالت بنظراتها الطريق بتفّحص، لتبتسم ابتسامة واسعة، عندما رأت سيارة زوج خالتها، اتجهت إليها، و فتحت بابها، لتصعد، و تقول:
"السلام عليكم".
"وعليكم السلام، كيف حالكِ يا نشوى؟"
ابتسمت له، و هتفت: " الحمد لله، كيف حالك أنت يا عمي؟، و كيف حال خالتي؟"
رد علبها بهدوء: "الحمد لله".
صمت للحظات، ليختار كلماته بعناية، ثم هتف بحذر:
"نشوى تعلمبن أنني أحبك كأريج تماماً، و يشهد الله أن غلاتك عندي من غلاتها".
ابتسمت بخجل، وهمست: "و أنا ايضاً عمي، أحبك و احترمك كثيراً، و اعتبرك كوالدي".
ابتسم لها محمد بحب، و قال: "أنا أعلم أنكِ تحبين طارق، وهو يبادلِك المشاعر".
احتقنت وجنتي نشوى بخجل، و أصبحتا باللون الأحمر القاني، لتخفض رأسها أرضاً، بينما هي تسمعه يُضيف:
"ولكن صغيرتي، الحياة لا تعطي الإنسان كل شئ، و لابد أن يكون للقدر رأياً مخالفاً لما نريده، و في النهاية كما يقولون، الزواج قسمة و نصيب".
صُدمت بكلماته، لترفع وجهها، و تنظر بعيونه، و تهتف بتردد: "ماذا تقصد عمي؟"
تنهد محمد، و قال: "بالتأكيد طارق أخبركِ أن شقيقي عاد من غربته أمس".
"نعم أخبرني بذلك".
نظر محمد من نافذة سيارته، يتطّلع للمحلات أمامه بشرود، ثم همس بحزن:
"شقيقي مريض بالسرطان يا نشوى، و أيامه في الدنيا أصبحت معدودة".
شهقت نشوى، لتقترب منه، و تضغط على يديه بتدعيم، و تهمس: "لا حول ولا قوة إلا بالله، لا تقل هذا يا عمي، إن شاء الله سيتعالج و يُصبح بخير، الطب تطور كثيراً".
أكمل محمد حديثه: "إن شاء الله، ولكنه لديه طفلة صغيرة".
ثم أدار وجهه ناحيتها، و نظر في عينيها، و هتف: "تخيّلي إن لم يُجدى العلاج معه، ماذا سيكون مصير أبنته؟
لن نطمئن عليها إن عاشت مع والدتها، فهي أجنبية تحمل ديانة مختلفة عنّا".
نظرت له بحيرة، فما دخلها هي بكل هذه القصة؟!
"أنا لا افهم عمي، ما دخلي أنا بكل هذا؟"
ليقول: "أنتِ فتاة طيبة يا نشوى، و لديكِ قلباً كبيراً، أنا متأكد أنكِ ستتفّهمين ما أريده".
همست بتوجّس: "خير يا عمي".
هتف، و هو يراقب ردة فعلها بتركيز: "نحن نريد أن يتزوج طارق من أبنة شقيقي، حتى لا قدّر الله إن حدث له مكروه، لا تستطيع زوجته أخذ أسيل للعيش معها".
صدمة!
شعرت فجأة بنصل حاد يُغرز في صدرها، و ألم كبير في قلبها..
طارق حب الطفولة و المراهقة، سيتزوج من أخرى!
لن تكون له و لن يكون لها..
و ماذا عن أحلامهما و تخطيطاتهما لمستقبلهما؟
أيُعقل أن تكون الحياة قاسية عليهما إلى هذا الحد؟
ظهر الألم بوضوح على ملامحها..
و سمعت عمها يقول:
"طارق غير موافق على الزواج منها من أجلكِ، لذا أتيت إليكِ على أمل أن تقنعيه أنتِ".
يكفى لا تريد سماع المزيد، أيطلب منها أن تقنع حبيبها بالزواج من غيرها؟!
هي مَن كانت تهدّده بقتل أي فتاة ينظر إليها، يريد عمها أن تذهب إليه، و تخبره أن يوافق على الزواج من أبنة عمه!
كيف بحق الله؟
أغمضت عينيها بقوة، و دمعة يتيمة هبطت على وجنتها البيضاء، و هتفت بتمنِّى:
"ولكن عمي، ألا يوجد حل أخر غير زواجهما؟"
تنهد محمد بإشفاق، لا يريد أن يجرحها، ولكن هذا لمصلحتهما!
فهو يرى أنهما غير مناسبين لبعضهما، و أنهما إن حدث و تزوجا، فسيكون مصير زواجهما الفشل.
"للأسف لا، الحل الوحيد هو زواجه من أسيل".
فهتفت بملامح مبهمة: "أنا موافقة، لنذهب إلى البيت لأرى أسيل، و أبلغ طارق بقراري!"
ابتسم لها بسعادة، و هو يقوم بتشغيل سيارته، و يقول: "بالطبع صغيرتي، شكراً لكِ".
انتهى الفصل قراءة سعيدة

Aya Tarek
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 3
نقاط : 5
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لست أبي (الجزء الأول من سلسلة حكايات بنات) بقلمي آيه طارق

مُساهمة  sasososo في الثلاثاء نوفمبر 06, 2018 10:12 pm

جميلة وشكرا للكاتبة

sasososo
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 1
نقاط : 1
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/11/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى