روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:13 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

معكن هبة عماد من مصر عمري 21 سنة بدأت قراءة من سنتين لأول مرة في حياتي وكانت نوع من تخفيف ضغط نفسي في الفترة دي وبعد كده حبيتها جداً وبدأت أكتب
مش كتير شجعني أكتب بالعكس كان الموضع محل إستنكار من الجميع بس واحدة قربتي وأكتر من أختي هي إلي خلتني أستمر بعد ما إعتقدت إن الموضوع تافه على حسب أقوال إلي حواليا ومع كل كلمة الموضوع بقا شغف رغم إن الموضوع في بدايته معايا كان محاولة لهروب من نوع ما حاجة بحبها وفي نفس الوقت بعيدة عن أرض الواقع
وأحب أوجه شكر كبير لجروب روائع ولكل أدمن فيه بجد ساعدوني ولولاهم مكنتش بدأت أنشر


تعريف برواية عثرات قلب ( سبق نشرها في جروب روائع الروايات الرومانسية )
أحداث الرواية محورية أكتر حول البطلة إلي هي ورد بتدور الأحداث الأولى بزواج ورد التقليدي من حسن وبعد كده حبته بس حماتها سيئة معاها وبتفسد عليهم حياتهم وبقية الأحداث بتدور بعد ثلالث سنوات وورد ساقرت تشتغل في مكان ما خارج بلدها وهناك هيحبها صاحب الشغل وكل فصل متقسم لجزئين ما بين حياة ورد القديمة وحياتها الحالية
الرواية رومانسية وبتناقش حالة الست المطلقة في المجتمع وفي نفس الوقت إستغلال الخوف ده بأكتر من وسيلة والخوف من خوض التجربة بزواج أخر مش هعرف أتكلم كتير بس إن شاء الله تعجبكم


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

المقدمة

هل حقاً توجد إمرأة دميمة ؟!
وجه وجسد لا يلقيان إستحسان فينفر منهما الجميع ؟!
والكلام المعتاد عندما يبحث الإبن عن عروس
" ألا تعرفين عروس جيدة لإبني ؟ "
وكأن هناك ندرة في الفتيات فيصبح البحث عنهن أصبح فجأة معضلة فيشارك في حلها الأقارب الأصدقاء الجيران حتى البائعون وسائقي السيارات الأجرة التي يستقلون وبالطبع لا بأس بسيدة تجلس بجوارالأم في أحد الأعراس تجود بكل ما تستطيعه من معرفة
" أنتِ تأمرين حبيبتي "
تتوافد الفتيات هنا وهناك .. قريبات للعروسين صديقات أو جزء من عائلتيهما .. تتهادين بأجمل ما يمتلكن .. زينة منمقة وإبتسامات توزع دون نفاذ والمرأة تشير بعينيها فقط وتتهامس في لؤم
" هذه هناك .. ذات الفستان الأزرق .. ما رأيك إبنة الحاج فاضل عم العريس ؟ .. لا جمال أكثر من هذا "
تقييم سريع ويعبس وجه الأم بامتعاض كنبرتها وهي تقول
" لا .. أنفها كبير .. كما إنها تبدو كبيرة بالعمر وأنا أريد له فتاة صغيرة تكون ربيبة يده "
ودون تعليق تبدأ الأخرى بالإشارة لأخرى
" وهذه .. صديقة العروس إبنة السيد شاكر "
إستحسان بسيط تليه شهقة إستهجان سريعة وهي تعترض هاتفة
" إبنة شاكر ؟! .. لا .. فلديه إبناً لا يترك الشارع ومعروف بشربه للممنوعات .. لا لا أنا أريد لإبني نسب يشرفه "
فتدور عيني الأخرى بتركيز لتقع عينيها أخيراً على أخرى فتقول بإنتصار
" وتلك هناك .. إنها إبنة الشيخ عامر .. لا نسب أفضل من هذا فلديهما من السمعة الحسنة والأموال ما يكفي لتشريف بلد بأكملها "
يزداد التركيز ويطيل التفكير حتى تقول بدون إقتناع
" لا .. إنها لم تتحرك منذ بداية العرس وتبدو هادئة للغاية .. أنا أريد لأبني فتاة تلهب عقله فتجعله لا يرى غيرها أما هذه فلن تملئ عينيه "
تلوي المرأة شفتيها بملل بينما تشير لأخرى تقول
" هذه إذن لا إعتراض عليها "
فتمتعض الأم فوراً قائلة
" ما هذا يا إمرأة ؟!! ... إنها لم تتوقف عن الرقص منذ بداية الزفاف أنا أريدها نغشة لكن ليس لتلك الدرجة .. أخرى أخرى "
تنشغل المرأة بالبحث عندما لكزتها الأم لتنتبه لها وهي تشير لإحدى الفتيات قائلة باستحسان
" وتلك ذات الفستان الوردي .. إبنة من ؟ "
تبتسم السيدة قائلة
" إنها ورد أخت العروس "
تبتسم الأم تنظر لها بتقييم ثم تخرج هاتفها .. تضغط عدة أزرار تضع الهاتف على أذنها وهي تقول
" حسن .. تعالى إلي قليلاً يا حبيبي "



تمزق إحدى الدجاجات تضع قطعة منها أمام إبنها وهي تقول بحنان
" كُل يا حبيبي .. يجب أن تتغذى فأنت على وشك الزواج "
تضع قطعة أخرى أمام عروس إبنها وقد بهتت نبرتها وهي تقول
" وأنتِ حبيبتي .. تناولي تلك فلقد أصبحتِ لحماً على عظم وكأن أهلك لا يطعمونكِ "
والتضحيات لا تبدأ بالزواج بل تبدأ منذ لحظة تلقيبها بالعروس .. وإن كانت عروس مرتقبة
تضحية ببعض رغباتها وجزء من كرامتها أمام حماتها لن يضر فالأهم أن يبقى القارب سائراً
تُوَزع إبتسامات المودة المصطنعة ووالدتها تقول بلطف لا تشعره
" ستكون لديكِ يا حاجة سعاد إطعميها كما تشائين "
تنظر ورد لحسن ليبتسم بمودة فتشعر بالأمان !!
شهور بسيطة منذ خطبتهما ورغم مضايقات حماتها التي لا تنتهي إلا أنها لا تنكر أنها تعيش أقصى أحلامها روعة
تحبه تعشقه تندمج به وتنصهر بحنايا قلبه فيصبحا واحداً .. حزنه حزنها فرحه فرحها وبالتأكيده والدته والدتها !!
أليس من الطبيعي أن يتحمل المرء طباع والدته مهما بلغت عِظم قبحها ؟!
فلا بأس ببضع كلمات قد تسمم الجسد تدمي الكرامة وتنحر الروح


سيارة فارهة تتقدم خلال البوابة العالية بفخامة .. تتجمد برداً في تلك المنطقة الجبلية لكن عيناها لا تتوقفا عن إتساعهما المنبهر وهما تتجولان على كل شبر من تلك الأرض الشاسعة التي تعجز عينيها عن تحديد نهايتها
الخضرة تعم المكان سوى من ممر أنيق تعبره السيارة .. تبتسم بانبهار وهي ترى عدة خيول رائعة تعدو في منطقة محاطة بسياج من الخشب بشكل دائري
دقائق ليست بقليلة حتى توقفت أمام بيت يغمره اللون الأبيض قمته مثلثية كما تعلمه عن طابع المنازل بتلك الدول الأجنبية الباردة يعلو قمته عمود حديدي تنفذ منه الأبخرة الدخانية فتتصاهر مع الهواء بانسيابية تمنحها قشعريرة بسيطة بدفئ لم يطأ جسدها
" تفضلي سيدتي "
قالها السائق ذو الحلة السوداء الرسمية وهو يقف أمامها يفتح الباب بطريقة أحرجتها
ترجلت تنظر للبيت الكبير نسبياً .. راقي هادئ ومريح
ذراع السائق تُفرد للأمام وهو يقول بهدوء
" من هنا سيدتي "
تتحرك في حياء وهي تبتسم لنبرته .. عربية ثقيلة يطغو عليها اللكنة الغربية فتبدو حروفه لطيفة مدللة
تنظر للخادمة التي فتحت الباب الخشبي المثقول بعناية .. ترتدي فستان يصل لما فوق ركبتيها بنصف أكمام وفوقه مريول أبيض تتخلله فراغات ناعمة تبتسم لها وهي تقول بلكنة تشابه خاصة السائق لكن بنعومة
" مرحباً سيدتي "
تبادلها الإبتسام وهي تنظر لساقيها العاريتين باستغراب
ترتدي ما لا ترتديه هي بأسوأ نهار الصيف الحار في بلدتها بينما هي تكاد لا تظهر من كومة الملابس التي تغطيها
خطوتان تحركتهما للداخل فينغلق الباب لتجد السائق قد رحل بينما الخادمة تمد يدها إليها
للحظات لم تستوعب ثم تذكرت تلك الأفلام التي تراها فتنزع النساء معاطفهن قبل دخولهن للحفلات وببديهية فعلت المثل .. تبتسم بإثارة التجربة وهي تشعر بالفعل أنها بطلة بتلك الأفلام القديمة التي تراها
تتناول منها الخادمة المعطف بابتسامتها الرقيقة ككل ما فيها .. جسد رقيق ضئيل ببشرة منيرة شعرها قصير للكتفين ناعم بوجنتين ورديتين وعينين ضيقتين مسحوبتين .. تبدو فلبينية صينية يابنية شئ من هذا القبيل
تقول بنبرتها اللطيفة
" السيد حمزة سيكون هنا بعد ساعات حتى تستريحين من السفر "
تبتسم وهي تومئ برأسها بنعم فتقودها الخادمة إلى الغرفة التي ستقيم بها تلك الفترة التي ستقضيها هنا


غرفة بسيطة في فخامتها
فراش واسع يتوسطها  وأمامه مقعد عريض طويل بيدين مائلتين من المخمل الأبيض طاولة رقيقة للزينة تلتصق بها مرأة دائرية شرفة متوسطة الحجم بابها زجاجي شفاف تغطيه ستائر بيضاء ناعمة
تحين منها إلتفاتة فتعقد حاجبيها بوجوم .. يوجد بها حمام لكنه مكشوف .. بل إنه يشغل أحد أجزاء الغرفة ومحاط بزجاج شفاف يكشف ما بداخله !!
شعرت بالخادمة تتحرك في إتجاه معين فانتزعتها من وجومها وهي تراها تسحب الحائط ؟!!
بل الحائط كان عبارة عن خزانة للملابس .. خزانة كبيرة تتخذ الحائط كاملاً ببابين متداخلين !!
تحركت تساعدها فاعترضت الخادمة بأدب
" لا سيدتي .. أنا سأفعل "
إبتسمت ورد وهي تقول بمودة حقيقية
" أنا لا أحب أن يخدمني أحد "
شعرت الخادمة بالحيرة ما بين وداعة إبتسامتها وغرابة جملتها فتقول
" لكن أنا هنا لذلك "
فتقول ورد ببساطة
" أنا أحب أن أنجز أشيائي وحدي "
تضيف الخادمة بحيرة أكبر
" وأنا ماذا أفعل سيدتي ؟! "
تبتسم بينما تقول
" تساعديني "
عقدت الخادمة حاجبيها بتفكير وهي تراها تخرج الملابس من الحقيبة لتضعها بالخزانة ثم تلتفت لها فتقول
" لم تخبريني إسمك "
تبتسم الخادمة وهي تشعر بلطف تلك المرأة تقول
" سو مينامي هون "
تدير ورد رأسها ببطئ وترفع إحد حاجبيها مصطنعة الدهشة قائلة باستنكار
" هل هذا إسمك بمفردك ؟! "
تبتسم الخادمة وهي تبدو كمن تعود على ردود فعل مماثلة فتقول ضاحكة
" تستطيعين مناداتي بسو "
ظهر عليها عدم الرضا فتقول مقترحة
" حسناً أنا أكره كل دلال يبدأ بسو هذا .. كسوسو مثلاً .. ما رأيك أناديكِ مينام ؟ "
لم تهتم الخادمة بما قالته في البداية وهي تقول ببساطة
" إنه لطيف "


تنحني تمسك بقطعة قماش تمسح زجاج الطاولة تدندن بأغنية ما تعود لأصولها الكورية لتشهق مجفلة وهي تستقيم بينما الأخر يتهاوى بهدوء على الأريكة المقابلة ببساطة !!
تعمل لديه منذ عامان ولم تعتاد طريقته الغريبة في الترحيب بعد !!
تضع يديها على مؤخرتها وهو يقول بعربيته التي يرفض التحدث بغيرها حتى أصبح أغلب من يتعاملون معه في المزرعة يدرك الكثير من لكنته
" هل أتت الضيفة ؟ "
هدوئه يثير دهشتها وكأنه لم يصفعها منذ لحظات على مؤخرتها كبديل لكلمة مرحباً !!
تقول بهدوء وهي تبعد يدها
" نعم .. إنها تنام الأن "
يمسك بجهاز التحكم يفتح التلفاز يتجول بين المحطات قائلاً
" هل أخبرتك بما أريد كغداء لليوم ؟ "
حركت رأسها بلا بينما تخرج قلم ودفتر صغير من جيب مريولها قائلة بحرفية
" تفضل يا سيدي "
_______________________________

ينتظرها على المائدة منذ دقائق .. هو ليس من مقدسي المواعيد الدقيقة لكنه سريع الملل من تلكع النساء
" عفواً .. هل تأخرت ؟! "
نظر على يمينه حيث يأتيه الصوت .. لم يشعر بخطواتها .. بدى هادئاً وهو يجيبها بابتسامة عملية
" أبداً .. تفضلي "
تحركت بهدوء خجول أدركه هو بوضوح لكن ما جذب إنتباهه أكثر هو خطواتها الصامتة بفعل جورب من الفرو على شكل كلب مبتسم بلون بندقي !!
يعرف الأن لماذا لم يسمع صوت خطواتها
تضع الخادمة الطعام على المائدة فتتلاقى أعينهما فتبتسم لها مينام بمودة بينما تقول بلطف
" شيئاً أخر سيدة ورد ؟ "
تميل شفتيه بعملية وهو يقول للخادمة ممازحاً بهدوء محاولاً تفتيت خجلها الواضح
" تعارفتما بشكل سريع يا سو ! "
تبتسم الخادمة فتنبها ورد بلطف
" مينام "
نظر لورد باستفهام لم تلتقطه لأنها ببساطة تنظر للخادمة التي قالت معتذرة بخجل
" أسفة .. ورد "
تبتسم لها ومينام تتحرك مغادرة فيقول بهدوء
" تفضلي "
أمسكت ورد بشوكتها تحركها بتردد وهي تراه يتناول طعامه بهدوء حتى لاحظ عدم تناولها للطعام فيقول باستغراب
" هل لا يعجبكِ الطعام ؟! "
بللت شفتيها بينما تقول بتوتر دون أن تمعن النظر إليه
" أنا لن أكون ضيفة ثقيلة أعدك سيدي .. كما.. "
قاطعها بعملية بسيطة
" أنت ضيفة أخي .. وقد أوصاني عليكِ كثيراً نظراً لقرابتكِ لياقوت .. ناهيكِ عن أخي يكفي أنكِ أمانة ياقوت ..  لذلك أريدك أن تشعري بالراحة وتقضي فترة زيارتك كأحد أفراد العائلة .. وأنا لا أشعر أبداً بالضيق من عائلتي .. كما أنكِ هنا في عمل قد يساعدكِ في إصقال دراستكِ الجامعية لذا لا تفكرين في غير هذا "
إبتسمت له بامتنان فيقول منبهاً بمزاح هادئ
" كما أن إسمي حمزة .. قد لا أحبذ سيدي منكِ .. ورد "
إسمها قاله مجرداً بمخزى فحركت رأسها متفهمة تتناول طعامها الذي لم يخلو من نقاشهما
قد تكون هنا حقاً في عمل متأكدة هي من أنه لن يفيده بل سيفيدها ولكنها كانت الحجة الأمثل التي إستغلتها ياقوت إبنة خالتها صبا لدفعها للبدء من جديد في أحد الأشياء التي تحبها أو ربما هي فعلت ذلك لتعطيها فرصة جديدة حتى تعيد بناء نفسها المحطمة مرة أخرى
_________________________

" ورد "
قالها مؤنباً وهو يجلس بجوارها على الفراش بينما هي تستلقي علي بطنها تتدفن وجهها بالوسادة التي تبللت بالدموع
يلامس شعرها الأسود الحريري الذي يصل لمنتصف ظهرها ينحني يقبل رأسها قائلاً بحزن يتدفق من عينيه البنيتين
" أرجوكِ لا تبكي .. أنا لا أستطيع رؤية دموعك .. حسناً لن أسافر لكن لا تبكي "
يزداد بكائها فيديرها إليه عنوة حتى إستلقت على ظهرها تخفي وجهها بين كفيها فينزعهما ينظر لوجهها وتلك الدموع تغرقه فيقول بحزن
" أنت تؤلميني هكذا "
تفتح عينيها ببطئ تنظر له من خلف غشاوة دموعها قائلة بصوت مختنق
" أنا فقط سأفتقدك "
يبتسم بحب وتخالط نبرته الحزن
" وأنا سأموت شوقاً إليكِ "
تلومه عيناها وكفها يغطي شفتيه تهمس ببكاء
" لا تقل هذا أبداً "
تشعر بابتسامته تحت باطن كفها الذي قبله برقة يمسك به يضعه فوق صدره وهو يقول بصدق
" أنت تعلمين لا عمل بالبلد هنا .. وإلا ما كنت لأتركك أبداً بعد شهرين من زفافنا وأتغرب للعمل .. لكن لقمة العيش هي التي تضطرني للغربة حتى أستطيع العمل بشهادتي "
تماسكت قليلاً وهي تقول مواسية
" وستعود بخير إلي بإذن الله "
يبتسم بشجن وهو يرى محاولاتها المضنية لكتم دموعها التي تغرق عينيها ينحني يقبل جبينها قائلاً بخفوت
" أدامك لي الله زوجة العمر وحبيبة الروح "
ترفع كفها الأخر تحيط جانب وجهه فوق ذقنه السمراء المشذبة تقول باختناق
" سأشتاقك حسن .. سأشتاقك كثيراً "
يترك كفها وهو يقترب شفتيه تلامس شفتيها الرطبتين بالدموع يهمس عليهما
" وأنا سأشتاق .. شفتيكِ "
تبعده فجأة فينظر لها مجفلاً وهي تقول بغيظ
" فقط شفتاي من ستشتاق ؟! "
يضحك وهو يقترب لتقبيلها قبل أن يقول مشاكساً
" لا هناك الكثير .. لكنني أحب القول بالترتيب "
تدفعه بغيظ بينما هو يضحك صارخاً فيها مصطنعاً الصرامة وهي لا تتوقف عن الضرب الغير مؤلم فوق صدره
" تأدبي ورد .. ورد "

" ورد "
جلست شاهقة تبتلع ريقها وهي تنظر للغرفة حولها تقع عينيها على مينام التي تنظر لها مجفلة فتبلل شفتيها وهي ترتب شعرها بكفيها للخلف قائلة بهدوء متغاضية عن جفاف حلقها
" لا تقلقي مينام .. كان مجرد حلم "
تبتسم مينام متفهمة وهي تتحرك لخزانة الملابس تخرج منها شيئاً وهي تقول لورد
" كان سيئاً ؟ "
نفضت ورد الغطاء الثقيل عنها قائلة بشرود
" لا أعلم "
تقترب منها مينام وهي تقول باستغراب
" كيف ؟! "
تقف ورد وتأخذ منها ما أخرجته من الخزانة دون أن تدرك ماهيته قائلة بنبرة غامضة بعيدة
" عندما يختلط الماضي بالحاضر يكون الواقع سراب والحلم ملموس  .. متاهة هي .. والمتاهة لغز حتى في الشعور بها "

نهاية المقدمة

رابط التحيمل


mediafire.com file/8gj4r1o6m733m9f/رواية-عثرات-قلب-_-هبة-عماد.pdf


heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:19 pm


الفصل الأول

العمل لا ينتهي .. بيت عائلة من طابقان مدخل واسع وسطح كبير كل هذا تحمله هي فوق عاتقها
تستيقظ قبل الفجر تقوم بتنظيف سريع وإعداد الإفطار الذي لا تتناوله بالطبع لتأخرها على جامعتها .. تنهي من محاضراتها وتعود للمنزل لتجده في حالة فوضى .. لتعد الطعام وتقوم بالتنظيف مرة أخرى
تأتي شقيقات حماتها مصطحبات أحفادهن وقبل ذهابهن بالتأكيد هناك تنظيف ثالث وباستثناء كل ذلك تأتي حماتها بأصعب إيذاء نفسي لها .. تتبرم من عملها التنظيفي طعامها الذي ينقصه شيئاً دائماً وسفر إبنها الذي تُحملها سببه .. فلولا مطالبها الكثيرة ما تركها وسافر !!
تمسك بكتبها لتدرس فلا تجد سوى الدموع التي تتساقط تشوه الأحرف .. لا يوجد ما يطيب كل ذلك سوى مكالمة حسن كل يوم ليطمئن عليها
تمسح دموعها وهي تطالع إسمه على شاشة الهاتف تبتلع ريقها ثم تجيب بعتاب رقيق
" متأخر ثلاثة دقائق كاملة يا أبو علي "
لم ترى إبتسامته على الجانب الأخر كلما لقبته بهذا الدلال وقد قررت إن رزقهما الله بطفل لن تتوانى عن تسميته علي لكنها إستشعرت بسمته وهو يهمس بشغف
" ويالحظ أبو علي العاثر وهو يسمع صوت الكروان ولا يستطيع أن ينظره "
تبتسم بخجل عندما أكمل بشغف أكبر
" أو يلمسه "
تزيح بعض خصلات فحمية تهادلت على جانب وجهها
" طال الغياب يا حسن "
تعاتبه وهي تعلم أن لا بيده حيلة لكن لمن غيره ستشكي ؟
" أمي تضايقك "
لم يكن سؤال بقدره إقرار فتقول كاذبة
" ليس بقدر إبنها "
جميلة داخلياً وخارجياً يحمد الله كل يوم لأنه رزقه بجوهرة كورد قد ندر وجودها تلك الأيام
" وماذا فعل الأحمق إبنها لكِ "
تبتسم وهي تستلقي على الفراش تقول بتنهيدة حارة
" جعلني أحبه "
صوت تنفسه الحار وصلها وهو يقول بغضب مكتوم
" لا تخبريني أنكِ إستلقيت للتو على الفراش "
تدارى إندهاشها من معرفته وهي تقول بنعومة
" بلى فعلت "
سمعت صوت إرتطام شيئاً ما بعنف وهو يقول بضيق
" اللعنة على تلك الغربة .. كم أريد الأن .. "
قاطعته بخجل ألهب وجنتيها
" حسن !! "
سمعت صوت تنهيدته الناعمة كنبرته وهو يهمس
" قلب حسن أنتِ "
تمسك بصورة له بجانب الفراش تنظر لها بهيام تهمس بما يصل لأذنه
" كم أحبك "
أنفاسهما الهادئة يحاوطها صمتاً عاشقاً يربت على قلبيهما معاً
" غني لي "
تبتسم تقول بمشاكسة
" ما أجواء الستينات تلك ؟ "
تحلق سعادة وهو يقول بصدق
" قد تكون الستينات فترة طرب لن يُكرر .. لكن أبداً لم يكن هناك كرواناً "
تقول بخفوت
" وهل أنا بكروان ؟ "
يجيب مؤكداً
" بل ناااي "

___________________________

" لمن هذا الناي ورد ؟! "
إختطفت ورد الناي من يد مينام التي تقف أمام الخزانة فأجفلتها وهي تشعر بأن سؤالها كان خاطئاً لسبب ما خاصة وهي ترى ورد تسرع وتضعه بين ملابسها وتعيد غلق الخزانة بحزم فتسمع صوت مينام يأتيها من الخلف خافتاً
" أسفة .. لم أقصد التفتيش في خصوصياتك "
رمشت ورد عدة مرات تحاول جلب الهدوء لوجهها لتستدير لمينام تقول بعبوس لم تستطع السيطرة عليه
" هناك ورد أخرى بداخلي حكم القدر علينا بالفراق وأنا لست على إستعداد لمقابلتها حالياً "
عقدت مينام حاجبيها بعدم فهم قائلة بغباء
" هل تكون أختك ؟! "
إبتسمت ورد تقول بهدوء يشوبه حزن
" لا ليست أختي .. لكن قد أعرفكِ عليها قريباً "
لكن هل حقاً قد تفعل ؟
هل ستقابل ذلك الجزء ثانية ؟!
طوته حتى تستطيع الإستمرار .. تناسته حتى تستجمع قوتها للتخلص من نتائجه الدامية عليها
" أنا سأذهب لرؤية المزرعة بما أن السيد حمزة لم يأتي بعد "
إستدارت لترحل عندما إلتفتت فجأة تقول متذكرة
" أخبرتيني هو أين ؟ "
" يجري .. هو معتاد صباحاً على ممارسة الرياضة .. يعدو ويمتطي الخيل "
حركت رأسها بتفهم عندما وجدت مينام تتحرك إتجاه الحمام فتقول بوجوم
" مينام أنا نظفته .. أخبرتك من قبل أن لا أحب أن يخدمني أحد "
توقفت مينام تستدير وتنظر لها تقول بحزن لما أوصلها له عقلها
" ورد إنني جيدة بأعمال البيت .. كما أنني نظيفة .. لما لا تتركيني أنجز أعمالك ؟! "
حقاً تشعر بالملل من كثرة التفسير تتسع عينيها بدهشة ومينام تسألها بحزن
" أم أنكِ تخافين مني العبث بأغراضك .. أو أخذ.... "
هتفت ورد بدهشة
" مينام أيتها المجنونة .. أين ذهب بكِ عقلك الصغير هذا ؟! .. ماذا قد أخاف منكِ أن تأخذيه ؟! .. جواربي المضحكة والتي سمعت السيد حمزة يسخر عليها بالأمس معكِ أم أحد سراويلي والتي تحتاج ضعف قامتك القصيرة تلك ؟! "
شعرت بالحرج من أمر الجوارب وقد جعلتها كلمات السيد حمزة لا تتوقف عن الضحك بسببها فقالت متهربة
" أنا لست قصيرة لتلك الدرجة .. فقط أنتِ هي الطويلة .. إنتِ تكادين الوصول لطول السيد حمزة الفارع سوى من بضعة سنتيمترات "
تحرك ورد كتفيها ببساطة قائلة
" نساء عائلتنا جميعهن هكذا "
تستدير مغادرة بينما تقول
" الغرفة لديكِ إفعلي ما تريدين .. لكن لن تجدي شيئاً فقد نظفتها جيداً "

_____________________________

يدها على مقبض الباب واحد إثنان ثلاثة .. هيا ورد تستطيعين فعلها
تفتح الباب يقابلها الهواء العاصف فتسرع تغلقه بقوة ترتكن بظهرها إليه وهي تفرك كفيها المغطيان بقفزات سميكة تحرك رأسها بلا وعينيها تتسعان وهي تهمس
" لن أستطيع .. لن أستطيع "
تتنفس بسرعة وهي تغمض عينيها وتحرك يديها بهدوء تتحدث إلى نفسها تقنعها
" تشجعي ورد .. تشجعي فقط سيكون برد بالبداية فقط وستعتادين "
لم تلتفت وهي تضع يديها على المقبض تحركه وتبتعد قليلاً ورأسها فقط من إلتفت ليواجه الهواء البارد في الخارج من تلك الفتحة الضيقة التي فتحتها فتغلقه بسرعة وهي تضرب الباب بقبضتيها بجانب فخذيها تقول متذمرة
" لا لن أعتاد .. إنني أكاد أتجمد .. سامحكِ الله يا ياقوت "
محاولة شجاعة أخرى وهي تسحب كمية كبيرة من الهواء فتعيد زفرها على تمهل وهي تبتسم بثقة ستفتح الباب وها هي ستلتفت لكن كفاها من صعدا لوجهها تخفيه فيهما وهي تحرك رأسها بلا يائسة
لم تدرك الواقف هناك يتابعها منذ البداية .. كوب الماء في يده موضوع على شفتيه لا يتجرعه فعلياً فقط حاجبيه من يرتفعا في دهشة مما تفعله ولا يتحرك ساكناً
وبلحظة كانت تلتفت تفتح الباب بعزيمة متحركة للخارج بإصرار وباللحظة التالية كانت تعود للداخل جرياً وهي تغلق الباب خلفها ترتكن له بظهرها متسعة العينين لا هي لا ترتكن عليه بل تدفعه وكأنها تمنع أحد الدخول قائلة بفاجعة
" مااا هذااا ؟! .. ماااا هذااااا ؟! .. لا أنا سأرحل لن أبقى هنا حتى أتحول لمثلجات فراولة "
صوت ضحكات مألوفة أتتها من بعيد فنظرت لإتجاه الصوت لتجده هناك .. يمسك بكوب ماء في يده يهتز من كثرة ضحكاته بينما وجهه أحمرمنخفض قليلاً يسعل من الضحك
لحظتان تجمدت فيهما ثم إبتسمت بعملية وهي تقترب .. تتصنع الغباء تقف أمامه وهو يضحك تحرك ساقها اليمنى التي تسندها على أطراف أصابعها .. ساعديها معقودان خلف ظهرها وهي تقول مصطنعة الهدوء رغم وجنتيها اللتان تلونتا بالخجل من الإحراج
" مرحباً "
يحاول تمالك نفسه بصعوبة .. ينظر إليها فتبدو كطفلة إرتكبت خطأً وتتمسك بالثقة وهي تحاول إقناع نفسها قبل الجميع بأن لا أحد رأى فعلتها فلا يستطيع سوى الإستمرار بالضحك
تأففت وهي تلقي بكل ثقتها الواهية تقول بحنق وإن كان منشغلاً بالضحك لكن بدى له لذيذاً
" الجو شديد البرودة وأنا هنا منذ أيام لا أستطيع الخروج .. ماذا أفعل ؟ "
خفتت ضحكاته تدريجياً لكنها لم تختفي وهو يقول ممازحاً
" أي شئ .. غير هذا العته "
هي بسيطة قد تتقبل المزاح من أي أحد ولا يكون هناك سابق معرفة به .. لكنها نظرت إليه بحنق شاعرة بالإستياء من كلماته وإن كان محقاً في أن ما تفعله ليس سوى عته
يجذبها من رسغها يتحرك بها إلى غرفة الطعام وقد هدأت ضحكاته أخيراً قائلاً
" تعالي .. سنتناول الإفطار أولاً ثم نذهب سوياً "
جلست على المقعد المقابل على جانبه الأيسر متبرمة بينما مينام تتقدم قائلة
" هل ستتناولين الإفطار ورد ؟! "
حركت ورد رأسها بلا قائلة
" أخبرتك أنا لا أتناول الإفطار .. لكن قد أشرب بعض العصير "
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر للإبريق الزجاجي الممتلئ بالعصير تضع منه القليل بكوب فيأتيها صوت حمزة هادئاً رغم مزاحه
" تناولي إفطارك ورد .. فأخي أخبرني إن عودتي ناقصة كيلو جراماً واحداً قد ترتكب ياقوت بنا جريمة "
إبتسمت بخجل تقول
" أنا حقاً لا أحب تناول الإفطار "
خفتت إبتسامتها تدريجياً وهي تشعر بألم يتخلل صدرها وهي تتذكر تلك الأيام عندما كانت تتلوى أمعائها طوال اليوم جوعاً وهي حتى لا تجد الوقت لتناول الطعام لتكون أول وجباتها بعد الظهيرة وقد عادت من الجامعة
" إعتدت عدم تناوله "
نبرتها الشاردة جذبته وهي تتلون بحزن سرعان ما إنقشع عن وجهها قبل أن يلمحه
تبتسم وهي تقرب كوب العصير من شفتيها فعقد حاجبيه بوجوم تحول لبسمة مرحة وهو يراها تبعد العصير تتجرع ما بفمها بصعوبة ووجها يتغضن يظهر عليه علامات إمتعاض تشير بسبابتها لإبريق العصير على المائدة تقول
" إن الليمون بدون سكر "
حرك كتفيه ببساطة وهو يعود لتناول طعامه بينما مينام تقول لها ضاحكة
" السيد حمزة يشربه هكذا "
وقف حمزة فجأة يقول وهو يأخذ ملف به بعض الأوراق الخاصة بالعمل كان قد وضعه على الطاولة
" سأبدل ملابسي .. إنتظريني "
كاد أن يتحرك عندما إنحنت مينام تجمع أطباق الطعام فتشهق معتدلة عندما فاجأها حمزة بصفع مؤخرتها بالملف الذي طواه في شكل إسطواني بينما يقول
" أحضري بعض السكر لورد لكن أتركي بعض منه دون تحليه لي "
تحرك مينام رأسها بنعم معاتبة رغم الإبتسامة فوق شفتيها !!
كاد أن يتحرك عندما نظر لتلك المندهشة في إستنكار يرفع حاجبيه يتعجب باصطناع
" ماذا ؟! .. تلك طريقة ممازحتي مع مينام "
ظهر عليها الإمتعاض عندما قال ممازحاً
" لا تقلقي إنها طريقة خاصة بمينام .. لا أتعامل بها مع الباقي "
حركت رأسها بتفهم وهي تبعد وجهها عنه وهو يتحرك مبتعداً مقررة بأنها تركته يمسك رسغها منذ قليل لكنها لن تتركه يفعل هذا ثانية !!

_________________________

" هيا ؟ "
قالها وهو يتحرك إتجاه الباب فودعت مينام وهي تتبعه عندما فتح الباب يقابلها الهواء البارد فيرتعش جسدها وعينيها تتسع في وجل فيبتسم وهو يمد يده إليها
تنبهت ليده الممدودة فتحركت للخارج دون أن تتمسك بها يستغرب فعلتها للحظة وبالأخرى كان يغلق الباب ليجدها تقف وهي تزفر في كفيها المغطيان بقفزات داكنة فيقول وهو يتحرك دون النظر إليها
" توقفي عن إقناع نفسك بأنك تشعرين بالبرد .. إنك تدفئين يديكِ قبل أن يبردا ورد "
شعرت بحماقتها فتنزل كفيها وهي تتبعه حتى وصلا سيارته فصعدها يأمرها بالصعود إليها هي الأخرى فتتردد للحظة وتلعن نفسها في اللحظة الأخرى .. إنها تعيش معه بنفس البيت والأن تخاف الركوب معه في سيارة واحدة ؟!

________________________

تنظر من زجاج النافذة جسدها كله ملتف إليها .. تحين منه إلتفاتة صغيرة كل فترة إليها
لطيفة .. هكذا يراها .. يكره الوحدة والإبتعاد عن أهله لكن روحه معلقة بتلك المزرعة بأعمالها وخيولها منذ كان فتى صغير يأتي مع جده إلى هنا حتى أصبح شاباً وكان عليه أن يتولى أعمال عائلته الكثيرة مع أشقائه لكنه أراد البقاء هنا
لا يحب حياة رجال الأعمال المليئة بالتوتر الربح والخسارة التضحيات والمؤامرات أراد حياة هادئة بين جمال الخضرة وأصالة الجياد وعائلته لم ترد طلبه رغم عدم الرضا من الجميع
أو ربما هو ببساطة فعل ما أراده من زمن .. أو قد يكون أدرك أخيراً أنه لم يكن ليستطيع البقاء مع كل تلك القيود التي تلتف حول أعناق الجميع وإن لم ينتهي الأمر بموتهم ينتهي بموت أخرين !!
لكن تظل الوحدة منفرة قد يلطفها بمشاكساته لسو في البيت أو العمال في العمل أو حتى بفتاة قد يتعرف عليها يقضيان بعض من الوقت .. لكنه لا يشبع أبداً لا يكتفي من الناس وتلك الفتاة تعطيه نوع من الشعور بدماء العرب الحارة .. أحاديثهم وحضورهم الرائع على خلاف متجمدي الدماء من الأجانب حتى وإن كانا من دولتين مختلفتين ولكناتهم لا تتفق في القليل
لطيفة .. كررها بداخله وهو يهبط بعينيه لحذائها الذي يستطيل حتى قبل ركبتيها معطف ثقيل بلون صحراوي وقبعة صوفية بلون مماثل تغطي رأسها وتترك خصلاتها الفحمية مسترسلة على ظهرها
" سأذهب بكِ أولاً لتتعرفي على العمال "
إلتفتت له تحرك رأسها بنعم ثم تعيد إنتباهها للحقول الرائعة المتناسقة بالخارج
" هل أنتِ دائماً طفلة هكذا ؟! "
نبرته حملت مزاحاً لطيفاً لم يتوقع أن تقابله هي بنبرة تشبه لحد كبير نبرتها الغريبة ذلك الصباح
" كنت .. ولم أعد "
عقد حاجبيه وقد نالت الكثير من إهتمامه وهو يشعر بالضيق لعدم رؤيته وجهها الأن فهمس
" ورد "
إلتفتت له وللعجب لم يرى سوى تلك الإبتسامة الناعمة ونظرتها الطفولية التي تبرق من زمرد عينيها .. كحيلتان واسعتان كلوزتين تحيط بهما أهداب داكنة كثيفة وطويلة
للحظة خطفته عينيها ونسي ما أراد قوله ليبدله بأغبى جملة وأكثرها حمقاً
" إسمك جميل .. يشبهكِ "
ذهول عينيها لم يغير من هدوءه رغم شعوره بالارتباك وهذا الشعور أغضبه لسبب ما
وبنفس الهدوء قال ببساطة
" فأنا لا أصدق أن يشبهك لدرجة أن تعملين بتخصص الورود "
إبتسامتها إرتبكت وهي تلعن نفسها من تفكيرها الذي إنحرف بها لما هو سئ كل هذا من فعلته الوقحة مع مينام صباحاً !!

_______________________

" هل كانت ياقوت ؟ "
سألها بهدوء وهي تجده يجلس على الأريكة أمام التلفاز إحدى ساقيه مثني أسفل الأخرى ذراع توضع فوق ظهر الأريكة والأخري يمسك بجهاز التحكم وهو يغير المحطات
وضعت الهاتف في جيب بنطالها وهي تجلس على مقعد مقابل
أحياناً كثيرة تشعر بالخجل من أريحته هذه وللأن لا تستحسن البقاء في منزله لكنها لا تستطيع البقاء بمساكن العمال وهم جميعاً أجانب لن تستطيع التعامل معهم نظراً لطبيعتهم المتحررة فتعود وتقنع نفسها بكلمات ياقوت المعهودة
" لستما وحدكما مينام معكما "
كما أن الحق يقال .. الرجل أكثر من مراعي وأكثر من محترم بل إنها تشعر إتجاهه بنوع من الأخوة قلما شعرته إتجاه أحد
دماء شرقية تشعرها به ولا تحتمل تكذيب خاصة وهي تعرف إنها إن كانت من دولة وسطية العادات فهو ليس كذلك بل إنها أحياناً كثيرة تستغرب إستقباله لها والأكثر طبيعته التي تميل للتحرر
" لا كانت الخالة صبا "
سألها دون إهتمام حقيقي وهو يتابع تغيير المحطات
" تلك والدة ياقوت ؟ "
تحرك رأسها بنعم وهي لا تدرك أنه لا يراها بينما لإنشغاله بمتابعة التلفاز تقول
" أنت لا تعرف ياقوت ؟ "
يجيب ببساطة
" أعرفها "
ترى مينام التي تقترب تضع طبق من المكسرات على الطاولة وهو يكمل ببعض التحفز مبتسماً لها
" ساحرة "
تبتسم وهي تقول غير مستغربة اللمعة التي بدت في عينيه وإن شابها بعض من تفكير لم تهتم به
تشرد بغموض بدى له جذاباً
" تراها فتبدو كخيال .. أسطورة .. سابية عربية تحمل بين جنباتها دفئ الشمس فتستحوذ على القلوب بجمال محياها .. أما هي ... "
عينيها تحفزت بشكل مثير تلتمع فتبدو كزمردتين حقيقتين
" نيرااان .. تلتهب تشتعل تجذبك فتحترق تذيقك لهيب النار وهي تضعك في جبل جليدي .. حيرة هي .. حيرة رائعة "
إنتهت تنظر له تقابلها نظراته الهادئة يقول بسخرية طفيفة
" أنت تحبين فيها ورد .. لقد بدأت أخاف على سو منكِ "
تضحك مينام بينما تنظر له ورد بتساؤل تجاهله وهو يعيد إنتباهه للتلفاز
نعم هي لم تُعجب بأحد قدر إعجابها بياقوت من قبل .. كم تتمنى أن تصبح مثلها يوماً
إتسعت عينيها بعد لحظات وقد أدركت مغزى جملته السابقة فوقفت شاهقة تمسك بوسادة من خلفها تقذفه بها وهي تتحرك مبتعدة بغيظ فيوقفها قوله
" لقد أخبروني أنكِ جيدة بالتدريب .. لذا سأتي لأرى ما وصلتي إليه غداً "
لم تهتم وهي تتحرك متابعة طريقها ومينام تلحقها وهي مازالت تضحك حتى صعدا الطابق العلوي فرمى هو كل تماسكه الهادئ وهو ينظر للوسادة التي رمته بها بعبوس ويده رغماً عنه ترتفع لذلك الذي يصطدم بصدره بقوة أكبر من المعتاد !!

_____________________

مر شهران على وجودها هنا وللأن لا تعتاد ذلك الحمام المزعج .. إنه يبدو كجزء من الغرفة وذلك الزجاج اللعين المحاط به لا فائدة منه !!
تأففت بانزعاج وقد إنتهت من تمشيط شعرها بعد أن أخذت حمام دافئ أبعد عنها تعب يوم طويل في العمل
فتحت باب الغرفة الذي أوصدته بالمفتاح .. هكذا تفعل في كل مرة تستخدم ذلك الحمام .. الأمر قد تحسن عن السابق فلقد كانت توصد بجانب الباب النوافذ والشرفة جيدا حتى طلبت تغيير زجاج الشرفة الشفاف بأخر زجاجي ولكنه لا يسمح لمن بالخارج بالرؤية فيبدو كمرأة من الخارج .. حركت رأسها بحنق تحدث نفسها بالقول الساخر وهي تغادر الغرفة تهبط للأسفل
" أي بيت هذا المكشوف من كل صوب وجهه ؟! .. مهما كان التحرر لا يكون بجعل الحمام في منتصف الغرفة وباب الشرفة من الزجاج .. لا وماذا أيضا ؟ .. الشرفة يغطيها ستائر بيضاء وشفافة !! "
وجدت مينام تقف بالمطبخ تحضر الطعام فتقول ساخرة
" يبدو أن مصمم هذا البيت كان لديه عقدة نفسية من الأماكن المغلقة "
تسألها مينام وهي تنشغل بعمل الطعام
" لماذا ورد ؟ "
أخذت ورد خيارة مغسولة موضوعة بأحد الأطباق تقضمها وهي تقول محركة كتفيها ببساطة
" هكذا "
تقف بجانب مينام تبتسم وهي تقول بلطف وإستعطاف
" ميناااام .. حبيبتي "
ترد مينام بنبرة قاطعة
" لا ورد "
تقف ورد خلفها وهي تحتضن كتفيها تستند بذقنها على رأسها لفارق قامتيهما قائلة باستعطاف أكبر
" أرجوكِ .. لأجلي "
تحرك مينام رأسها بسأم وهي تقول
" ألا تملين ؟! "
فتقول ورد برقة
" لا .. أنا أعلم أنكِ لن ترديني أكثر من ذلك "
تلتفت لها مينام برأسها وهي تقول بحذر
" هل حقاً تجيدين تحضير الطعام أم إننا سنذهب جميعاً للمشفى غداً ؟! "
تبتسم ورد بانتصار تقول
" سترين بنفسك "
تنهدت مينام بتعب قائلة باستسلام
" إذن سأعطيكِ الفرصة لتصنعي أنتِ طعام الغد "
إبتهجت ملامح ورد تضع الخيارة بفم مينام التي قضمتها دون أن يفارق ذراعها الأخر كتف مينام
" ما هذا ؟! "
الجملة المندهشة منه جعلتهما ينظران إليه .. ورد تعقد حاجبيها بتساؤل بينما مينام تجيب وهي تمضغ الخيارة ببساطة
" الغداء "
حاجبيه يرتفعان في بطئ حذر وهو يرى ورد تقبل وجنة مينام وهي تقول مبتسمة
" شكراً مينام حبيبتي "
تضيق عينيه قليلاً وهو يراها تقترب منه لتغادر المطبخ عندما سألها بغموض
" لماذا تشكرينها بالضبط ؟! "
تجيب مبتهجة
" لأنها تركت لي الفرصة لأعبر ... "
قاطعها بذعر
" تعبرين عن ماذا ؟!! "
عقدت حاجبيه باستغراب قائلة بحذر
" عن مهاراتي في إعداد الطعام "
ظهر عليه الشك وهو يتسأل
" مهاراتك في إعداد الطعام فقط ؟! "
حركت رأسها بنعم حذرة تقول
" حمزة .. أأنت بخير ؟! "
اللعنة عليها وعلى حرف الحاء منها !!
إعتاد النطق الأجنبي حتى أصبح يكره إسمه وجميع من بالمزرعة ينادوه بهمزة .. فتأتي هي تناديه بإسمه صحيحاً فيبدو غريباً وكأنها هي من تتفرد بتلقيبه بإسم خاص به و.. بها
" حمزة "
تعيد ندائه بتوجس وهي تلاحظ شروده فيتحرك مبتعداً وهو يدمدم بكلمات غير مفهومة بينما هي تنظر لمينام تقول مستغربة
" ماذا به هذا ؟! "
بينما هو يستبدل لعنات ندائها لإسمه بلعنة على ذلك الشعر المبلل !!
يلقي بنفسه على الفراش يفرك وجهه متأففاً شعرها فحمي تزيد المياه من إسمراره .. رطب ناعم فتبدو كوردة متفتحة في بداية الصباح يبللها الندي وتتساقط قطراته بنعومة من وريقاتها !!
ليست المرة الأولى التي يعترف فيها لنفسه أن عيناه تُكثر من خيانته وتتسلل لتتشرب من جمالها دون إكتفاء !!
ضيفته وأمانة لديه .. لم يكن يوماً متمسكاً بعادات وتقاليد سائدة في مدينته لكنه لم يكن يوماً خائناً للأمانة
ينهي عينيه عنها ولا تستجيبان .. ينتهي كل المنطق في حضرتها ويبدأ في تأنيب نفسه بعدها .. يلطف الأمر بشعور مختلف يشعره إتجاهها دون كل النساء .. شعور أبداً لا يحمل دنائة رجل إتجاه إمرأة لكن كل هذا لا ينفي بشاعة ما يفعله .. وروعة ما يشعره
هذا خطأ لكن لماذا لا يشعره كذلك ؟!!


نهاية الفصل الأول











heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:25 pm


الفصل الثاني

تحاول السيطرة على شهقات البكاء التي تحرق حنجرتها بقسوة مؤلمة لكن دموعها تتحرر دون قيد تلتمع تحت ضوء الشمس على وجنتيها .. تمسح وجنتيها بظاهر يدها وهي تحاول التركيز على ما تفعله
تنحني تمسك بقطعة ملابس من إناء كبير تضعه أرضا ثم تستقيم وهي توشك على وضعها على الحبل
" ألم تنتهي بعد ؟ "
إلتفتت تنظر لسعاد ذات النبرة المتبرمة وهي تقف خلفها فتنظر لها تجيب بحشرجة
" أوشكت على الإنتهاء "
تمصمص حماتها شفتيها وهي ترى الدموع تلطخ وجه ورد فتقول ممتعضة
" أما زلتِ تبكين ؟ .. أولم يرسب غيركِ بالدنيا ؟ "
شعرت بتلك الغصة بحلقها تزدادد حريقاً وهي تشعر الإستهانة في كلمات سعاد لتقول باختناق
" إنه عامي الثاني وأرسب فيه بعد أن حصلت على تقدير مرتفع بالعام الأول .. إنني للأن مازلت لا أستوعب "
تحرك سعاد كفيها متنهدة وهي تتحسر قائلة
" إنه من حظ إبني التعس .. يبقى في البلاد متغرباً بينما أنتِ لا تدرسين فتضيع أمواله هباءً "
تضرب كفاً على ظاهر الأخر ثم تكمل قائلة
" لا أعرف ما الذي دهانا ونحن نخطب فتاة جامعية ندفع في دراستها دم قلوبنا بينما هي فاشلة غير مبالية بشقاء من حولها "
تتسع عينيها مع كل كلمة .. طاقتها في التحمل أصبحت محدودة وحالتها لا تسمح بمزيد من التقريع
وللمرة الأولى تكتسب نبرتها الطائعة بعض الحدة وهي تدافع بشموخ قائلة
" مصاريف دراستي إبنك لا يشارك فيها بقرشاً واحداً .. بل والدتي من تدفعها من مالها الخاص ... "
قاطعتها سعاد وهي تضع يدها على صدرها باستنكار قائلة بحدة
" هل تتنمرين علينا ببضعة قروش تضعها المحروسة والدتك في تعليمك ؟! "
شمخت بأنفها تقول وهي تتماسك بشق الأنفس كي لا تبكي مكملة
" لا .. لقد كان إتفاقنا بأن مصاريف دراستي ملزومة من والدتي حتى أنتهي .. تلك الأصول .. أنا فقط أخبرك أنني حتى لو بقيت عمري كاملاً أدرس فليس من حقك التدخل بالأمر "
تتسع عيني سعاد بصدمة من جرأة حديثها للمرة الأولى وهي تقول دون تصديق
" هل تردين علي ؟!! "
كبرياؤها ينزف ولا بأس ببضع كلمات تقطب جرحه حتى وإن لم يتوقف الألم
فتجيب ورد بلا تفكير
" بل أصحح أخطاء حديثك "
" أخرسي يا عديمة التربية "
كلمات سعاد الصارخة أتت موازية لكفها الذي إرتفع بنية الهبوط على وجه ورد فأمسكت به الأخرى تدفعه قبل أن يمسها وهي تصرخ بنفاذ صبر وصل لنهايته
" كفى "
عيني سعاد ثائرة غاضبة تلفحها نيران إندلعت على حين غرة ولم تهتم هي لتتخطاها وأمام عينيها كانت تترك البيت

_________________

" لقد طفح الكيل يا أمي "
قالتها ببكاء من بين شهقات طال إخفائها مراعاة لمشاعر الجميع
تحتضنها والدتها بقوة مربتة على ظهرها بحنان لا يزيدها سوى بكاءً وهي تتشبث بملابس والدتها تستمد أكبر قدر من المواساة وأمها تقول بانفعال متألمة لأجل إبنتها
" لقد تمادت سعاد كثيراً ولن تعودي إلى ذلك البيت مرة أخرى إلا بعد عودة حسن من سفره "
شهقة مذعورة أجفلتهما فينظران لزهرة التي كانت تجلس على المقعد أمامهما تتابع ما يحدث منذ قدوم ورد الباكي تقف تقول بتوتر تؤنبهما
" ماذا تقولين يا أمي ؟! .. لا تضخمي الأمور "
ثم توجه حديثها لورد مكملة
" وأنتِ ورد هل تريدين أن تُقلقي زوجك بغربته ؟! .. عودي لبيتك ولا تتركيه لها .. ثم أين ستمكثين ؟ .. غرفتك قد أعطيناها لعمرو إبني ولم يعد لكِ مكان هنا "
عيني زهرة كانت أبعد ما تكون عن قلق أخوي .. كانت تشبه نظرات سعاد بطريقة ما .. خلت من كره لكن لم يمسها حنان
شعرت ورد بجسدها في لحظة يبرد
حانت إلتفاتة متألمة من والدتهما لورد شاعرة بجسد إبنتها تجمد بين ذراعيها صدمةً فتنظر لزهرة قائلة بصرامة تستنكر حديثها
" بيت والدها رحمه الله سيظل مفتوحاً لها دائماً .. ومكانها به محفوظ "
تتوتر زهرة من التوبيخ الواضح بعيني والدتها .. فتتدافع بعدة كلمات سريعة بينما عيني ورد مسلطة على أختها وهي لا ترى سوى ذلك الرفض الذي لم يتزحزح عن عينيها لتواجدها هنا
منذ أن تزوجت زهرة ونظراً لظروف زوجها المادية السيئة تعيش في بيت والدهما رحمه الله وعوضاً أن تشعر هي وزوجها بالإمتنان ببقائهما فيه .. أصبحت ورد تشعر أنهما يتعاملان معها كثقل عليهما بل إنهما أصبحا يران والدتها كذلك وكأن البيت بيتهما وهما ضيفان غير مرغوبان فيه !!
شعرت بكف زهرة على كتفها تنتشلها من صدمتها وهي تنصحها بابتسامة صفراء
" أنتِ لديكِ بيت كبير ولكِ فيه شقة خاصة .. هل ستتركين لها كل هذا ؟! .. يا مجنونة تعقلي .. ليتني أنا مكانكِ ما كنت تركت البيت أبداً حتى ولو رمتني بماء كاوي وليس صفعة وأنت أوقفتيها في الهواء "
بصمت الدموع كانت تغرق عينيها تغشيان الرؤية سوى من تلك الغيرة التي تنضح بها كلمات أختها .. غيرة بدأت منذ زواجها وكأنها تبدلت وأصبحت أخرى غير تلك الناعمة الطيبة التي تشاركها أسرارها قبل الجميع
بهدوء أبعدت ورد يد زهرة عنها لا تريد لمستها .. بل نفرت منها
تتلقى إهانات حماتها بصمود دون أن تنبس بحرف .. ترى الرفض بكل نظرة منها لكنها لم تشعر بالألم قاسي كصقيع يجمد أحشائها ويثقل نبضها كذلك الرفض الذي تواجه الأن من عيني من تشاركها الدماء !!
الخذلان قد يكون مؤلم لكن من أقرب الأقربين فهو قاتل
تنظر لوالدتها فيتضاعف الألم .. ذراعي أمها حولها كطوق نجاة يعدها بعدم تفريط .. وجهها الشاحب من الألم وعينيها المنحورتين بشعور العجز !!
تناقضات لا تجتمع إلا بضيعف يستميت لدفاع لكنه يعلم مسبقا بأن قوته لن تكفي
إبتعدت قليلاً عن ذراعي والدتها تمسح دموعها التي تلتمع بمقلتيها وتبتسم !!
جسدها يرتعش لكنها تتماسك لتقف قائلة بصمود فشلت حتى في إصطناعه لتظهر حروفها مرتعشة منحورة تختفي من حلقها في نهايتها
" أنتِ محقة "
تتفادى النظر لوالدتها .. لن تزيد من ألمها !!
إمرأة في الشيب تصاحبها عدة أمراض وليست تلك الصامدة التي ربتها بعد وفاة والدها .. يكفيها إبنة بين ليلة وضحاها أصابتها قسوة جمدت قلبها ولم تعد تبالي بسنون عمر قضتها في نشأتهما !!
هي أكثر من الجميع أعلم بمعاملة زهرة السيئة لوالدتها .. أنجبت منذ أشهر وإعتقدت أن الأمومة ستعيد لها رحمة فقدتها من سموم زوج طامع أعماها حبها له .. لكن وللأسف قلبها مازال عاقراً
" هكذا هي أختي العاقلة "
قالتها زهرة بارتياح جلب سخرية مريرة بأحشائها
مجنونة هي إن صُدمت من قسوة أختها عليها .. من تفرط بأمها فهل تترفق بأختها ؟!!
شعرت بكف يحتضن كفها وينافسه برودة فنظرت لوالدتها التي كادت عينيها تقطر دموع الهوان فتبتسم وتجلس جوارها تقبل كفها وتتصنع الإقتناع بحديث زهرة وبداخلها تبكيه وليس للمرة الأولى
" ليتك حياً يا أبي "


___________________________

" أتريدان مني شيئاً أخر قبل أن أصعد لشقتي ؟ "
تضع سعاد حبة سوداني مقشورة بفمها وهي تلوي شفتيها تقول باقتضاب
" لا "
وعندما كادت أن تجيب فاطمة الجالسة بجانب سعاد رأتها ورد تمسك بكف فاطمة في إشارة تحذيرية تمنعها ذلك فاكتفت المرأة بحركة من رأسها متوترة ومشفقة
تعبيران إعتادتهما مع كل من له علاقة بسعاد .. إمرأة قاسية ولا تهتم بأحد حتى شقيقاتها تخافانها
ببراعة تغلبت على الشعور المؤذي من نظرات فاطمة المشفقة لتقول بهدوء قبل أن تتحرك
" حسناً تصبحن على خير "
بالتأكيد لن تتمنى سعاد لها خيراً مماثلاً وإنهاك جسدها طوال اليوم لا يسمح لها بالتفكير في مثل تلك الترهات
لكن هذا لم يمنع صوت حماتها الذي يأتي متبرماً وهي تقول لشقيقتها فاطمة التي ستبيت معها اليوم على غير العادة
" كما ترينها هكذا يا فاطمة .. تنتظر قدوم الليل بفارغ الصبر حتى تصعد لشقتها وتتركني وحدي وأنا أصبحت كبيرة بالعمر وأستوحش البقاء والنوم بمفردي "
كادت فاطمة أن ترد عندما وجدت ورد تعود إليهما تقول ويبدو عليها كمن لم تسمع ما قيل رغم تعمد سعاد رفع صوتها وهي تشكوها لأختها
" هلا أعطيتني هاتفك ماما سعاد .. أريد مهاتفة حسن .. هاتفي نسيته عند والدتي "
ومصمصة الشفاه المعتادة جاورت إعطائها الهاتف مع تنبيه صارم
" تحافظين عليه أكثر من عينيكِ هاتان "
وببساطة تلقته منها بابتسامة .. تلك الفتاة ستقتلها .. باردة ولا شئ يجدي معها !!
___________________


لا أروع من حمام دافئ يزيل عنها ألام اليوم مع مكالمة بصوته هو
تفتح الهاتف وتوشك على مكالمته عندما عقدت حاجبيها بعبوس وهي ترى رقمه وقد هاتفته سعاد بالأمس مكالمة تعدت مدتها الساعة !!
قلبها دق بعنفٍ قلق .. بالتأكيد تشكوها له .. منذ ذلك اليوم الذي كادت أن تصفعها فيه وهي تتبع معها أسلوب أقسى من ذي قبل ولكنها تتحمل صامتة .. لكن مالا تستطيع تحمله هو تسميم أذنيه عنها
" إشتقتك "
تقولها بصدق بدى كرجاء كاحتياج مضني لعودته
" وأنا أكثر "
نابعة من أعماق قلبه بعشق يستولي على قلبها وقلبه معاً
" هل أخبرتك والدتك شيئاً عني ؟ "
متوجسة هي وفقدانه قد يكون نهاية عالمها
" تخبرني كل الخير .. لكني لا أحبه سوى من بين شفتيكِ "
تبتسم وهي تعلم أن سعاد لا تنتهي من شكواها ولكنه يخفي بقلبه لا يريد ألمها كما تخفي هي .. فما يؤلمه يؤلمها
" شهر كثير على عودتك .. يبدو أبعد من إحدى عشر شهراً مضوا "
ولم تكن تخبره بل تهمس بها لنفسها بعد أن أنهت المكالمة
كثير من الأشياء ستتغير عند عودته .. هي متأكدة من هذا !!
عينيها شردتا في الفراغ وهي تفكر في أول ما ستقوم بتغييره ...
والدتها
زهرة تمادت ووالدتها تخفي في قلبها لا تشكو ظناً منها أنها ستزيد من همومها .. شجارات مستمرة بينها وبين شقيقتها لأجل والدتهما حتى إن الأمر تخطى ذلك فأصبحت تتشاجر مع زوج أختها أيضاً
قد تكون متخاذلة في الدفاع عن نفسها مع سعاد لكن هذا فقط لأجل حسن .. أما والدتها فلا تتهاون ولو مقدار ذرة في الدفاع عنها
تتذكر ذلك اليوم الذي زاد الأمر عن حده وأصبحت لا تطيق فلم تجد سوى حسن تشكو له ليفاجئها بأروع ما قد يفعله لأجلها يوماً وهو يخبرها بأن تطلب من والدتها أن تنتقل للعيش معها !!
أيام طويلة تحاول إقناع والدتها وحسن لا يتوقف عن مهاتفاته لإقناعها أيضاً لكنها ترفض وباستماتة
تنهدت ورد بتعب وهي تعلم سبب رفضها جيداً وإن لم تفصح به والدتها .. فالإهانة من زهرة أرحم لديها من إهانة الغريب .. أرحم من سعاد
يؤلمها هذا بل ينحرها .. لذلك توقفت عن التحدث إليها في هذا الأمر .. تنتظر فقط قدوم حسن وعندها سيضع قواعد صارمة لسعاد كما أخبرها حتى لا تؤذي والدتها ولو بكلمة وسيتولى هو إقناع والدتها لتقبل
ورغم القلق كانت السعادة تتخلل قلبها .. هي ووالدتها في بيت واحد من جديد .. في بيته هو .. هل هناك أروع من هذا ؟!!
تنهدت بتعب وهي تسمع رنين هاتف سعاد تهاتفها من هاتف فاطمة تطالبها بإرجاع هاتفها وكأنها تخاف أن تلتهم منه قطعة فلا تقوى على الإنتظار لأخذه صباحاً .. هبطت للأسفل تعيده لها عندما أمرتها سعاد قائلة
" ستذهبين لسوق الطيور بالغد .. لذا إستيقظي مبكراً "
وهل هناك أبكر من الفجر ؟!
ثم تضيف بصلف
" أنا وفاطمة نريد حمام على غداء الغد "
______________________

" أنا لن أرتكب تلك الجريمة .. إنه طائر السلام "
تعترض مينام بصدمة فترد ورد ببساطة
" توقفي عن تلك التعابير المندهشة .. إن الحمام إحدى وجباتنا المفضلة "
تحرك مينام رأسها مستنكرة ما تفعله وهي ترى ورد تغمس إحدى الحمامات بإناء ماء مغلي ثم تخرجه وتزيل عنه الريش قائلة بملامح متجهمة
" وكيف حصلتي عليه ؟! "
تنفخ ورد في أصابعها من الحرارة قائلة دون النظر لمينام
" أخبرت السائق وأتى به لي ثم قمت بذبحه "
قفزت مينام من فوق المقعد المرتفع حيث كانت تجلس
عينيها ضيقتان بطبيعتهما لكنهما تتسعان الأن بشكل بدى مخيفاً وهي تقول مصدومة
" ذبحتيه ؟!! .. أين وكيف ؟! "
تضع ورد الحمامة في أحد الأطباق جانباً وقد أصبحت بلا ريش وتمسك بأخرى تغمسها في الماء المغلي قائلة بانشغال
" في الحوض "
تنظر مينام بهلع للحوض وورد تكمل ببساطة
" أذبحه ثم أضع صينية كبيرة على الحوض تغطيه حتي يتوقف عن الحركة وقد مات وهكذا حتى إنتهيت وقمت بتنظيف الحوض بعدها من الدماء جيداً "
الفزع يزداد مع كل كلمة تتردد بأذنها ذبح دماء ومات !!
تضحك ورد من إنفعالاتها وقد ألقت على وجهها نظرة سريعة فتقول ساخرة بمزاح
" ماذا ؟ .. هل تأكلون الطيور حية ببلدك ؟ "
تهمس مينام وهي تقترب بخطوات حذرة خائفة لترى ما تفعله ورد بالطائر المسكين
" بل نصعقها كهربائياً .. كما أننا نشتريها جاهزة للطبخ مبا.. يا إلهي "
قالتها مينام بذعر وهي تجري للخارج وقد رأت ذلك الشق بعنق الطائر فتلوي ورد شفتيها ثم تعود لما تفعله وهي تقول مستنكرة
" وكأنه أغرب من أكلاتكم الغريبة ؟! .. ينقصكم فقط أكل الكلاب المارة بالشوارع ! "
ثم تبتسم وهي تنظر للحمامة قائلة بتلذذ
" كما أن ما به الحمام ؟! .. إنه رااائع .. أنظفه فقط وأحشيه بالأرز وسترين وأنت تلتهمين أصابعكِ معه "
تعقد حاجبيها وهي تسأل نفسها بتفكير
" هل أجد بعض الزبدة هنا ؟ "

______________________

تأخر وكان متقصداً
أراد عدم رؤيتها !!
وتمنى أن تنتظره !!
عصت إرادته ولم تتبع أمنيته ببساطة .. هي لم تنتهي بعد
تجلس على مقعد حول منضدة طويلة رخامية نصف دائرية هي الحدود التي تفصل المطبخ عن خارجه
تغطي أحد الأطباق ثم تلتفت بظهرها عندما شعرت بخطوات خلفها فتبتسم له
" حماتك تحبك .. لقد كنت أدعو الله أن تتأخر قليلاً "
تقف تُحضر الأطباق وكأنها إنتهت الأن فقط
رغبة حارقة ملحة لسؤالها إن كانت ستنتظره إذا تأخر أم لا ؟!
وبداخله سخر .. بالتأكيد كانت ستفعل .. اللياقة تستوجب هذا وهي أكثر من قابلهن كياسة
جلس على أحد المقاعد يراقب تحركاتها دون حديث
لا تنظر له .. لا تهتم لكنها أيضاً لا تتجاهله
تتلاقي الأعين بهدوء باعتيادية بلا تعبير
" ما رأيك أن نأكل هنا ؟ "
سألته ولم يهتم
اللعنة
لم يعترض !!
يكره تناول الطعام في المطبخ .. لماذا لم يعترض ؟!
تسأله قائلة بملامح مبتهجة
" خمن ماذا أعددت ؟ "
لطفها أريحيتها تسعده .. تغضبه .. تزعجه !!
علاقة هادئة .. وبلا مشاعر
" لا أعرف "
وإجابته هادئة لا تشبه ذلك التحفز بعينيها وهي ترفع الغطاء عن أحد الأواني فيبتسم بعملية قائلاً
" حمام ؟ "
تجلس مقابله وتسأله
" وماذا إعتقدت ؟ "
تضع حمامتان بطبقه وهو يجيب
" لا أعلم .. لم أفكر كثيراً "
ترفع حاجبيها باستنكار وهي تراه يمسك بشوكته وسكينه يحاول شق بطن الحمام المنتفخ
حانت منه نظرة لها أرادها مسروقة ولكنها كانت تنظر له !!
تعلق بعينيها دون أن ينتبه لكفيها اللذان قاما بتقسيم الحمامة نصفين وهي تقول
" هكذا يؤكل .. لا أعرف كيف تتناولنه في بلدكم لكن في بلدي نأكله بالأيدي هذا أسهل "
نزع عينيه عنها بل سلخهما
يتناول الطعام دون شهية لكنه أبداً لم ينسى الإطراء من حين لأخر
" ألمك كثيراً ؟ "
للحظة شعرت بالإجفال من سؤاله لتنظر له وتسأله بحذر
" ماذا ؟! "
لن ينظر لعينيها .. لن تفضحه عيناه
يتشاغل بتناول الطعام قائلاً ببساطة
" موت والدتك ؟ "
عقدت حاجبيها تستغرب سؤاله لكنها أجابت
" بالتأكيد .. لكن قد مر عليه الكثير .. لمَ تسأل ؟! "
والإستغراب هنا كان من نصيبه وتعلق بعينيها للمرة الثانية
" أخبرني أخي أنكِ هنا تبتعدين عن بلدك لموت والدتكِ "
تداركت حديثه فأجابت ببساطة وهي تنشغل بتناول طعامها
" تركت بيتي وسافرت لخالتي صبا بعد موت والدتي بالكثير .. لكن هناك ألام لم يستطع ذلك البعد البسيط مداواتها .. فسافرت لما هو أبعد "
" هلا أسبهتِ بالتفسير "
شعر بتوتر عينيها التي تتجول دون وجهة محددة بعد سؤاله لتجيب بعد لحظات كمن تُحضر إجابة في ذهنها قائلة
" خالتي صبا وأمي شبه منقطعتان حتى مرضت والدتي فأتت لزيارة أمي .. ولا أعرف تحديداً كيف علمت بمرضها وقد أوصتها أمي بي وبأختي .. أختي وزوجها يعيشان ببيت والدي ولم أستطع التأقلم معهما لذا قررت السفر .. الرحيل لمكان أوسع أستطيع إيجاد عملاً فيه بسهولة وبقيت في بيت خالتي لكن ألام الماضي لم تلتئم رغم محاولاتي .. فقررت الإبتعاد أكثر "
" تهربين "
لم يكن سؤالاً عما تقصه بل إقراراً عن عينيها التي تسترت على شيئ أثار فضوله
وإجابتها لم تكن ما أراد وهي تقول
" لا أحد يهرب من حقيقته .. فقط أحاول التفكير بحياة أخرى أعيشها بعد أن أثبتت الحياة الأولى فشلها وبجدارة "
هم بالسؤال قائلاً
" لا .... "
فقاطعته وهي تقف تقول مبتسمة
" لقد شبعت "
ينظر لها بغموض بفضول أدركته وفي نفس اللحظة تجاهلته راحلة وهي ترسم إبتسامة مصطنعة
إشارة واضحة ألزمته بصمت
الماضي من حقها الإحتفاظ به وحدها ولا لأحد الحق بنبشه

_____________________________

تلك البرودة لم تعتادها لكن أصبحت تحبها شروق الشمس التي تختفي خلف الغيوم الكثيفة .. يتسرب بعض من دفئها فيبدو كانتصار تظفر بما يصلها منه
رأته من بعيد يعدو كعادته كل صباح .. بنطال رياضي كحذائه يعلوه .. كنزة خفيفة ؟!!
هل هي الوحيدة التي تشعر بالبرد هنا ؟!
تبتسم بلطف مستندة بمرفقيها لسور شرفتها .. وسيم بل إنه وسيم للغاية بنية رياضية يهتم بالحفاظ عليها كما يبدو خصلات سوداء ناعمة قصيرة بشرة حنطية مائلة للبياض .. ملامحه راقية جذابة خاصة عينيه .. دخانتين غامضتين في الكثير من الأحيان
تجهم وجهها في لحظة لتلتفت بسرعة تغادر الشرفة عائدة لغرفتها عندما ترأى في قلبها عينين أخرتين .. عسليتين دافئتين وبسيطتين تناقض هالة الكبرياء التي تراها في عينين رماديتين لا يقاربان دفئ !!

_____________________

" إلى أين ؟ "
النبرة لاهثة تأتيها من الخلف تلتفت فتجده يقف ورائها .. كفيه في منتصف خصره خصلات ندية كبشرة وجهه
لم تشعر بقدومه بل يبدو أنه كان يتبعها عدواً .. كانت شاردة
" إلى العمل سيدي "
بمرح مصطنعة العملية أجابت
ماهرة هي في التغلب على مشاعرها والفضل لياقوت .. فلولاها لما أصبح من السهل رسم تلك الإبتسامة اللطيفة وقتما تشاء متغلبة على كل دواخلها .. دواخل لا تحمل سوى صاحب النظرة الربيعية الدافئة !!
يسألها بهدوء
" لمَ لم تنتظريني لنذهب سوياً ؟ "
طويلة القامة وهذا كل ما يستطيع إستشفافه من كومة الملابس التي لا تنتهي .. حذاؤها الطويل المعطف الثقيل القبعة الصوفية والقفازات .. وكالعادة تنفخ فيهما
تجيب مبتسمة
" شعرت بالملل "
لطيفة جميلة ورقيقة .. صوتها ناعم يشعر به يلامس كل عصب بجسده فيجعله تلقائياً يسترخي وبنفس اللحظة يتحفز !!
أنف صغير أحمر من البرودة وشفتين رفيعتين تقاربان نفس اللون .. وجنتيها ورديتين لا يعلم هل بسبب البرودة أم تلك طبيعتهما ؟! .. يحيره الأمر خاصة مع بشرتها الفاتحة للغاية وكأنها لم تعرف شمس الشرق يوماً .. لامعة ولا يبدو عليها تأثراً بجفاف الشتاء
" حسناً ... ألقاكِ بعد قليل "
بادلته الوداع ثم إلتفتت لترحل
إنه يتعمق بتأملها كلما وقفت أمامه !!
لا يعلم إن كان ما يشعره يثبت أنه يحبها أم إنه مجرد إنجذاب لا أكثر ؟!
يحب الجمال .. ويحب رؤيته .. لكن رؤيتها هي تتعدى عينين تشتهيان جمال خلاب أو إمرأة محط إعجاب رجل
رؤيتها تشبه طاقة يشعرها بعد عدو أميال .. تشبه فرحة نجاح .. أو عودة للحياة
يرغب بمصارحتها بما يشعر لكنه يريد فقط التأكد ..
التأكد من مفهوم شعوره بها .. شعور أكثر من مجرد لهفة عودة للحياة .. بل هي نوعاً ما تبدو إليه حياة !!

______________________

مراقبتها متعة لا يمل منها لا بالعمل أو بالبيت .. كالأن
تجلس على الأرض أمام المنضدة التى تقابل التلفاز تثني ساقيها أسفلها وهي تضع بعض من مسحوق أبيض في مزهرية زجاجية
" ما هذا ؟ "
شهقت مجفلة وهي تضع يدها على صدرها قائلة بعتاب
" توقف عن الظهور فجأة هكذا .. قلبي سيتوقف يوماً ما بسببك "
لا يعلم لكن جملتها الأخيرة سببت تسارع في نبضات قلبه لسبب ما ..
ليت له مِثل هذا التأثير على قلبها !!
يجلس على الأريكة وعينيه ثابتة تطالب بإجابة فتقول وهي تنشغل بما تفعل
" إنه ملح خشن .. يوضع لإطالة عمر الزهور "
عقد حاجبيه وهو يراها تمسك بمقص تشطب أغصان الزهور بسهولة بينما تقول شارحة
" هذا ليسهل دخول الماء للزهرة "
حرك رأسه متفهماً لتنتهي فتبدأ بإزالة الأوراق الموجودة على الساق مكملة
" وهذا لكي لا تتعفن في الماء "
فيقول ساخراً
" يبدو أنكِ نسيتِ أنني أمتلك أراضي مليئة بالزهور "
ترتب الزهور في المزهرية وهي تقول بتهكم
" إعتقدت أنك من لا يعرف ذلك .. فلا أجد وردة يتيمة في البيت بأكمله "
" أنتِ هنا "
حروفه حملت إرتعاشاً لم تدركه وهو لم يحاول إخفاءه !!
يراها تكمل وضع الأزها بالمزهرية قائلة بمزاح
" لا أرتاح لكثرة المجاملات تلك "
لا تنظر له كثيراً أثناء حديثهما .. ربما لو فعلت لفهمت .. لوشت به عينيه
لكنه يعترف بأنها أكثر براءة من فك شفرات عينين كخاصته
تقف فتظهر قدميها ذات الجوارب المضحكة .. التي لم تعد مضحكة
كل شئ بها أصبح مؤرقاً من نوع خاص ومبهجاً في نفس الوقت !!
مراقبته لها أصبحت إدمان إفتتان لا يُحمِله وزر .. يعترف أنه مفتون بأصغر تفاصيلها .. إفتتنان لم تناله إمرأة قبلها ولم يشعر به موجود داخله إلا عندما وجدها
يرى إبتسامتها الصافية وهي تنظر للأزهار البيضاء ذات الزائدة الصفراء على جانبها ليسألها بعد أن إنتهت من تنظيمها في المزهرية
" تحبين زنبق الكالا ؟ "
تنظر للزهرة التي ذكر إسمها قائلة ببساطة
" نعم .. لكني أفضل الداليا كما أعشق الماغنوليا "
لا تنتظم دقات قلبه أبداً
" أزرع لكِ حقل ماغنوليا كاملاً .. ولا أنسى الداليا "
ترفع وجهها تنظر له بتحفز وهي تقول بحماس
" وهل يصلح زراعتهما بهذا الطقس قارس البرودة ؟ "
يبتسم بهدوء لا يشعره قائلاً
" هذا تخصصكِ أنتِ .. هل يصلحا ؟ "
يظهر عليها علامات التفكير الجدي فيسمعان الباب يدق دون أن تحيد بأفكارها أو تحيد عينيه هو عن تأملها
" حمزة "
والحاء مستبدلة بالهاء
وليس هذا ما جعله يقف مجفلاً بل صاحبة الصوت التي جذبت ورد من تفكيرها تنظر لها
صهباء بيضاء البشرة حمراء الشعر ولديها عينين زمردتين كخاصتا ورد .. جسد مدمر في نظرها هي كإمرأة .. نحيف لكن إنحنآته تُبرز بإغواء من خلال ملابسها الضيقة المكشوفة في هذا الطقس البارد !!
وللمرة المائة تتسأل ....
هل هي الوحيدة من تشعر بالبرد هنا ؟!!
يمد يده بترحاب متوتر .. حركة غبية ويعترف
حروفه قلقة خوفاً للمرة الأولى في حياته
" مرحباً نتالي "
ونتالي لم تعبأ بيده الممدودة .. بل هي لم تراها أصلاً وهي تلقي بجسدها بين ذراعيه اللتان تلقفاتاها كرد فعل تلقائي بينما هي تقبل .. شفتيه ؟!!


نهاية الفصل الثاني

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:27 pm


الفصل الثالث

أمور الحب معقدة
عودة ......
باب تنتظر بجانبه منذ بداية اليوم
نظرة ......
فتسيل الدموع دون صوت
إحتضان ......
فتتعلق رائحته بصدرها تأبى المغادرة رغم مضي ساعتان منذ أبعدتها سعاد من بين ذراعيه لتسكنهما هي ومن ثم تتوالى خالاته عماته وأقاربه ....
يجلس بجانبهم متململ تشعر به وهو ينظر لها باستعطاف أن تنقذه من بين براثنهن لكنها تكتفي بابتسامة متشفية يقابلها هو بأخرى متوعدة حنونة .. مشتاقة !!
كم إشتاقها .. كم إشتاقته
لا يهم الأن سوى أنه أمامها
" إبنتكِ أصبحت عروساً جميلة يا سوسن "
قالتها سعاد بنبرة متلاعبة لم تريحهما معاً
وسوسن ما هي إلا قريبة من الدرجة السابعة ولا يعلم حقيقة لمَ هي هنا ؟!
والجمال لدى أمه يمثل إبنة سوسن بكل معانيه .. وجه دائري بشرة بيضاء رقبة قصيرة تكاد تلتصق بجسدها فيختفي مفهوم العنق لديها بجسد ملفوف يكاد يقترب للسمنة
" ليتني لم أتعجل وأخذتكِ لحسن "
أكملتها ووجهت نظرة أفعوانية لورد مصاحبة لتربيته على فخذ حسن
لاحظ الشحوب المفاجئ الذي إحتل وجه ورد وهي تخفض رأسها دون جواب
قلبه تألم بل شعر به يتمزق .. وأين إبنة سوسن من جمال زوجته ؟!!
حنانها رقتها وجهها الطفولي الذي يناقض جسد أنثوي مثالي ليست رفيعة كممثلات التلفاز ولا هي تمت للبدانة بصلة .. تدمج الطابع الغربي الرشيق بالشرقي ذو الإنحنآت الجذابة بل المهلكة
فليحترق كل هذا .. يكفيه أنها ورد
" عفواً يا أمي .. لكنني لم أكن بمجنون لأضيع عروس كورد .. إن الله راضي عني ليرزقني بزوجة مثلها "
دون إهتمام بسوسن وإبنتها الممتقعتان قالها وهو ينظر إليها بعشق لا ينفذ
ترفع وجهها إليه تنظر له بامتنان يخالطه الحب .. ولكنه لم يرد لتلك الفجوة بينها وبين والدته أن تكبُر فيحني رأسه يقبل كف والدته بحب قائلاً ببشاشة
" كما أنها إختيار الحاجة سعاد .. فهل هناك أكثر من هذا رضا ؟ "
تشعر بالفخر بهذا الزوج الرائع وهي تتيقن بأن الله سيرزقهما بولد بار بهما كما هو بوالدته
وبداخلها تصميم .. هي لن تكون أبداً كوالدته .. على الأقل لن يتحول وجهها لقطعة من سواد لمجرد أن إبنها دافع عن زوجته بعدة كلمات لا تضرها في شئ كما سعاد الأن
ولكن التساؤل الذي يملؤها حيرة حقاً
إن كانت هي إختيار والدته فما الذي تغير ؟!
لماذا تعاملها كمنافسة لها وليست كإمرأة تقدس الأرض التي يخطيها فلذة كبدها ؟!!

تبرر أفعالها كثيراً بأم لم تُرزق سوى بإبن وحيد تعيش الحياة به وله .. دون منافس دون مشارك وفي لحظة تجد إبنها يهيم عشقاً بزوجته فتخشى الحب بقلبه إتجاها
أم تسعد لسعادة إبنها .. وأم تقلق لمنزلتها في حياة إبنها
وسعاد ليست الأولى ولا الثانية .. بل تضخم الأمر حتى أصبح الخوف يُخشي قلبها بسواد جعلها لا تدرك أنها تؤذي إبنها قبل أن تؤذيها هي
سعاد ليست أمٌ قلقة .. بل إمرأة أعماها الكره فلم تعد تفرق بين مشاعرها أو أفعالها
ملامحها وجمت أثناء التفكير ولم تعود لطبيعتها إلا وهي تدرك أحد الأطفال يجذبها من فستانها الصيفي فترسم إبتسامة حقيقية وهي تنحني له تحدثه بعدة كلمات لطيفة ثم تقف لتتلاقى عينيها بخاصتي سعاد
ينقبض قلبها من مقدار الحِلكة المتوعدة داخلهما فلم تشعر سوى بشفتيها تهمسان في تضرع
" فلتجيرنا يا الله من سواد الأنفس "

____________________

إبتسامتها ملازمة لشفتيها منذ الأمس .. تعترف أنها بقيت تبكي مدة لا بأس بها بعد أن صعدت غاضبة من فعلة سعاد الطفولية معها البارحة لكن سرعان ما إختفى كل الغضب كل الحزن وكل الألم
إنه هنا .. لقد عاد
تخرج الطعام من البراد بشقة حماتها وهي تنوي إعداد إفطاراً ملكياً له اليوم
شهقت وذراعان قويان يرفعانها عن الأرض من الخلف حتى كادت توقع الطبق من يدها إجفالاً لتجد نفسها تُدفع للمكان الضيق بجانب البراد والمنضدة .. تنظر له متسعة العينين بلهاث خفيف وهو يضغط أسنانه بغيظ رافعاً كفيه يسندهما على الحائط بجانبي رأسها
" لا أرى إبتسامتك المتشفية الأن ؟ "
يخدعها بغضب مصطنع بينما عينيه تصرخ شوقاً لها !!
إستعادت هدوئها ببطئ وهي تعض شفتها محاولة إخفاء إبتسامتها لكن خفقات قلبها كانت تفضحها أمامه دون أي خجل وهي تقول بعينين تلتمعان بالشقاوة
" والدتك أرادتك أن تنام معها لأنها إشتاقتك .. فهل أقول لا ؟! "
يرد بغيظ متهكماً وهو يحرك رأسه
" لااااا "
فتحرك كتفيها ببساطة تضايقه وهي تضع الطبق بيدها على الطاولة بجانبها قائلة ببراءة
" أرأيت ؟ "
كم إشتاقت تلك اللمعة المميزة بعينيه .. مزيج الحنق بالعبث والعشق
تهتز إبتسامتها وعينيها لا تقبل فكاك من عينيه
" هيا يا أبو علي إبتعد .. دعني أعد الطعام "
قالتها وكفيها يرتفعان لصدره تبعده بقوة لا تكفي لكنه كان متسمراً .. على شفتيه إبتسامة صغيرة وعينيه تائهة في زمردتين تتألقان تحت دفئ نظرته
يده تحركت .. كفه على جانب وجهها وإبهامه يلامس وجنتها بنعومة جعلتها تحمر رغماً عنها وهي ترى بسمته تزداد إتساعاً وإنبهاراً وكأنه يشعر بروعة ملمس بشرتها للمرة الأولى
" خسرتِ بعض الوزن "
جملته متحشرجة هامسة وهي لا تشعر بالإرتياح
" وأنت أيضاً "
أرادت قولها وكادت تنطقها لكنه لم يسمح وهو يدحر نيتها بشفتيه .. يديها على صدره تحاول دفعه وقد فاجأها .. تتسع عينيها وهي تحاول النظر لباب المطبخ .. سعاد قد تأتي بأي لحظة
كلماتها مكتومة بين شفتيه لا يسمعها وضربات كفيها على صدره ليست سوى تربيتات من حنان
هو فقط يشعر بها بين ذراعيه .. أنفاسها تصبح أنفاسه نعومة شفتيها بعد عام كامل حرمان تعود ملكه
هي هنا
" والدتك يا مجنون "
قالتها بتعثر بارتعاش وقد حررها بصعوبة ينظر لشفتيها وهو لا يسمع كلماتها حقاً .. لحظة إثنان ثلاثة خمسة لا حديث سوى من أنفاسهما وكفه الذي أحكم تطويق رسغها يسحبها خلفه للخارج وهي تهمس بذعر
" إلى أين ؟! "
فيقول بتعجل واجم وهو يترك شقة والدته
" إلى الأعلى "

_________________________

يلعن ذلك الرنين المتواصل على الباب وكلاهما يدركان أنها سعاد تنوي إفساد لحظتهما معاً
يضرب الأريكة بعنف هامساً بغضب
" اللعنة "
تحاول تنظيم تنفسها وهي تراه ينزع نفسه عنها .. يعدل من وضع كنزته بحنق وهي تجلس على الأريكة التي تتوسط الصالة يرتجف كفيها وهي ترفع حمالة بلوزتها بكف بينما الأخر يجذب سترتها التي رماها أرضاً بعد أن نزعها عنها وقد غلبه شوقه فلم ينتظر حتى وصولهما غرفتهما
" ماذا ؟ "
قالها بعنف لم يتقصده وهو يفتح الباب فتنظر والدته لشعره المشعث وملابسه الغير منتظمة تلوي شفتيها وتقول ببرود
" حماتك ماتت "
لم يستوعب ما تقوله للحظة إلى أن إندفعت ورد من خلفه تصرخ
" ماذا ؟! "
فتتنهد باستعطاف مصطنع قائلة
" البقاء لله "
__________________________

يجذب حقيبة سفره الموضوعة على الفراش يضعها أرضاً ويستقيم فتبتسم بهدوء .. كفه على وجنتها وأنامله تلامس شعرها
" سأشتاقك "
إبتسامتها مازالت تتلون بالحزن على فقدان والدتها بل إن عينيها لا تجفان للحظة لكنها قالت بصدق
" وأنا أكثر "
ينحني يقبلها فتبتعد برأسها تقول بفتور تذكره
" حسن .. مازلت بحداد "
يتنهد بتعب يخفي ضيقه عن عينيها .. أجازته تنتهي اليوم وهي تحتفظ بحدادها لا تكسره .. يحاول تفهمها لكن هذا لا يزيل حسرته على أجازته التي لم يستطع تحقيق أي من أحلامه بها
تبتلع ريقها بصعوبة وهي تراه يحمل حقيبته فتشعر بصدرها يضيق بالإختناق
والدتها رحلت .. تركتها وحيدة تعاني قسوة الفراق
كان القدر رحيماً بوالدتها كفاية لتنام ليلتها وفي الصباح كانت قد إبتعدت عن هذا العالم .. لا ألام على إبنة تعاني في حياتها ولا خذلان إبنة عاق بكيت عليها عدة أيام ثم لا شئ
رحلت له .. كما تمنت دوماً
تُزوجها هي وزهرة وتُدفَن بجانب زوجها .. الرجل الذي عشقت وتركت العالم كله لأجله
لكن هي لمَ لا يشفق عليها القدر ويخفف وطأة هذه الألام فوق صدرها
رحل والدها ثم والدتها والأن هو يرحل
تبتسم بصعوبة تحاول إخفاء دواخلها .. لن تحزنه قبل سفره يكفيها أجازته التي مضاها يواسيها فقدان والدتها وهو يعلم مقدار ما سببه من فجوة بداخلها خاصة وقد كان قلبها مفعماً بالحياة قبلها لأن والدتها ستنتقل لتعيش معها .. يعلم أن ألمها الأكبر ربما لأن والدتها ماتت بقلب معذب وهي لم تستطع فِعل شيئاً
الأمر تعدى فقدانها لوالدتها وهذا وحده لم يكن بالسهل خاصة على قلب كخاصة ورد ومدى تعلقها بوالدتها
يربت على كتفها بحنان يقول بنبرة شبه صارمة
" ينتهي الأربعين وتنزعين الأسود "

__________________________

" لماذا ترتدين الأسود ؟! "
سؤاله أتاها بنبرته الهادئة من الخلف دون أن يخفى عليه جسدها الذي تجمد فور سماعها صوته
تقف بمشتل الورود متهربة منذ الصباح من رؤيته
لا تعرف إن كان لرؤيتها قبلة تلك الصهباء له بالأمس أم من هروبها المسرع المصدوم لغرفتها وقد صعدت الدرج في لحظتان لتبقى هناك منذ الأمس
ما كان عليها رؤية هذا ولا أن تتصرف بحماقة كهذه !!
" اليوم الذكرى السنوية لوفاة والدتي "
بهدوء وعملية مبالغة قالتها بعد لحظتان من صمت لتأتيها نبرته مواسية وهو يقول
" البقاء لله "
تكتفي بتحريك رأسها بنعم دون أن تلتفت له
" تشعرين بالبرد ؟ "
جملته وازت وقوفه بجانبها .. سؤاله كان به نوعاً من الإقرار .. ولمَ لا ؟!
فهي لم تجد ملابس سوداء لديها سوى ذلك البنطال الضيق .. سميك لكنه يظهر إلتفاف ساقيها بسهولة وتلك البلوزة الصوفية القصيرة التي تلامس بدايته لم تخفي مفاتنها .. ناهيك عن ضيقها الواضح حيث تلتصق بها ولكثرة أعمالها اليوم إرتدت حذاء أسود رقبته عالية قليلاً ومريح
" قليلاً "
نبرتها تأتيه هادئة فيقول بنبرة متحشرجة ممازحة وهي لم تنظر له بعد حيث تصطنع الإنشغال بالورود الموضوعة بإصيص أعلى المنضدة أمامها
" لا ترتدين قفازات ؟ "
القبعة الصوفية فوق رأسها سوداء وشعرها مسترسل يغطي جانب وجهها فيمنعه متعة رؤيتها
تقول بهدوء
" نزعتهما حتى أستطيع العمل بحرية "
كلمتها الأخيرة خرجت بنفس وقت سؤاله
" متخاصمان ؟ "
وأخيراً نظرت إليه تقول باقتضاب
" لا "
ليتها لم تنظر !!
وجنتيها متوردتان أكثر من المعتاد شهية أكثر مما يجب !!
في أقل من لحظة حادت بعينها بعيداً لشئ وهمي خلفه لا تقوى مواجهته .. بالكاد تستطيع الوقوف أمامه
تنفسه توقف للحظات .. وهو يرى تلك الفتحة المثلثية لبلوزتها !!
ليست كبيرة بل متوسطة بياض بشرتها يناقض سواد الصوف فيظهره رائعاً !!
والحمد الله أن عينيها تهربت .. فعينيه كعادتها معها تتمرد وترفض إنصياع !!
تنحنح بخشونة وهو يحك خلف رأسه ناظراً يميناً ويساراً بلا داعي وقد نجح أخيراً في إبعاد عينيه الوقحتين
أخفض يده وإكتسبت ملامحه جدية خطيرة وكاد يتحدث ولكن ....
اللعنة على عينيه !!
إبتلع ريقه بصعوبة وفعل مثلها !!
فعينيه تركزتا على الحائط خلفها
يضع كفيه في جيبي بنطاله يشمخ برأسه وكاد أن يتحدث عندما إنخفضت مقلتيه !!
واللعنة على عينيه مرة أخرى
ستقع كارثة ويجب عليه رحيل .. كاد يتحرك ويحمد الله للمرة الثانية فهي من إلتفتت تلك المرة لتُكمل ما تفعله
رمش .. إبتسم وسخر
فعينيه تركت الفتحة وعادت للتدقيق الذكوري المنبهر بجسدها الذي تخلى للمرة الأولى عن الملابس الثقيلة
عندما دخل المشتل في البداية بقي دقائق مفتوناً بها دون أن تراه !!
أزعجه تدقيقه لها في بداية الأمر وتحرك ليقف بجوارها مؤنباً نفسه لدناءة تفكيره
وللعجب الأن لا يشعر بذلك التأنيب بل إن إنبهاره بجمالها خفت في مواجهة إنبهاره بذلك الشعور بها !!
إنه يشعر بكل ما يخصها داخله وكأنها لا تقف أمامه بل تسكن جزء من جسده !!
إنها المرة الأولى التي يفقد فيها السيطرة على نفسه مع إمرأة بتلك الطريقة
فرك جبهته .. إبتسامته تزداد وعينيه تلك المرة حملت لمعة .. دقة قلب وشعور لذيذ
إنه سعيد بفقدان السيطرة هذا .. سعيد بدرجة يستغربها هو نفسه !!
إقترب منها وترك إبتسامته خلف قلبه تقفز تحفزاً
يقف بجوارها وتحيد عينيه ليديها المتلاعبيتين بالورود .. تبالغ في الإهتمام بها
أطراف شعرها تتعلق بالصوف الأسود عند منتصف عضدها تستفزه ليلمسه !!
حسناً ترك النظر والأن اللمس .. بعد قليل لا يستبعد أي شئ !!
" نتالي كانت .. صديقة .. سابقة "
توقفت يدها عن ما تفعله تبعد بعض خصلاتها عن وجهها بأصابع متوترة
خفت تحفزه وباتت خفقات قلبه تزعجه ......
توتر أدركه ......
خجل .. بإحباط أقره
اللعنة هي لا تهتم .. هي حتى لا تريده أن يبرر لها .. هي فقط تشعر بالخجل لوجودها بلحظة خاصة كتلك .. فليفعل ما يشاء لكن هي لا تكن موجودة
" ليس هناك داعي للشرح .. إنه بيتك وأنا ضيفة به "
بساطتها أغضبته .. أزعجته
كان يتوقع هذا منذ البداية وكذب نفسه !!
فاجأته نتالي بالأمس فتجمد في موقعه فقط رأسه هي من إلتفتت تدرك خيال ورد الذي إختفى في أقل من لحظة أعلى الدرج
هروب إمرأة تخجل وليست إمرأة تغار
وهل يريدها حقاً أن تغار ؟!
" لا أريدك أن تفهميني خطأ "
وبداخلها تسخر .. أي خطأ أكثر من تقبيل صديقة وسابقة له ؟!
" إننا أنفصلنا منذ مدة .. لكنها ظنت أنها بذلك تحيي العلاقة من جديد "
تلك المرة قابلته بعينيها قائلة بضيق
" حمزة .. أنا حقاً لا أريد أن أعرف "
وضيقها أثار حروب من نيران بداخله !!
لا يرى سوى فتاة بسيطة ترى وضع يخجلها فتفر هاربة وتظل شاعرة بالضيق كلما ذُكر الأمر أمامها
ضيق خجل وليست غيرة عاشقة !!
وهل يريدها حقاً عاشقة ؟!!
تجذبه تشغله وتؤرقه بشكل غير مألوف يرغبها .. وأكثر مما يجب .. لكن أهذا يعني أنه يريدها عاشقة ؟!!
" كما أنني قررت الإنتقال لمساكن العمال "
هكذا ببساطة تقولها وتتحرك مبتعدة تقف أمام إحدى الطاولات وهي تعطيه ظهرها
قد يكون يريدها عاشقة أو لا لكنه أبداً لا يريد لها الرحيل
كفه إلتف حول رسغها أعلى بلوزتها التي تستطيل حتى منتصف كفها يديرها إليه ....
تجفل وتستغرب ذلك التعبير بعينيه
خوف ذعر لهفة !!
لا تعلم
" هل تظنيني رجلاً سيئاً الأن ؟.. أأصبحتِ تخافين المكوث معي في نفس البيت ؟ "
لا تنكر أنها تشعر دائماً بعدم صحة وجودها معه بنفس البيت لكنها تعود وتقنع نفسها بأنها إضطرت لهذا
لكن الأمس بالذات قررت أنها لن تبقى .. ليس لخوفها منه بل لأنها شعرت بضرورة ذلك .. فإن كانت تخاف البقاء مع أفراد لا يحملون طباعها الشرقية فمن تمكث معه إكتشفت أيضاً أنه أبداً لا يمت للطباع الشرقية بشئ !!
" أنا فقط لا أريد أن أبقى عازلاً "
تقولها عابسة وهي تحرر يدها فيفلتها مدركاً .. يبتلع ريقه ويقول بهدوء دون أن تتخلى عينيه عن ثورتها
" نتالي بقيت بإحدى غرف الضيوف .. لقد أوضحت لها الصورة كاملة .. وهي ستسافر اليوم "
شيئاً قوياً يدفعها للبقاء على قرارها .. شيئاً قد يكون أقوى من عادات .. شئ قد يكون شك بخلقيات أو حتى شعور بخوف !!
هي وحدها ببلد لا تعرفه وببيته .. كان عليها عدم طاعة ياقوت منذ البداية !!
" لكني مصممة "
عقدة حاجبيه لا تنفك وشعور مخيف مقيت يرهبه يحذره من إبتعاد قد لا يكون سوى بضعة أمتار عن بيته !!
" كوني صريحة معي ورد .. ما الأمر ؟! "
وضعت مقصاً كبيراً كانت تمسكه على المنضدة الخشبية خلفها تقول ببساطة دون أن تتخلى نبرتها عن النعومة أو اللطف
" أرى ذلك مناسباً "
عينيه تعطي ألف تعبير بالثانية ألف شعور وألف حالة عارية عن أي غموض تخلى عنه
غبية ولم تفهم .. عمياء ولم ترى !!
" ولم يكن مناسباً سابقاً ؟! "
رماديتين عيناه لكنهما داكنتين أكثر من المعتاد .. تشعر بأن هناك شيئاً غير مريح
" إنها رغبتي حمزة .. فأنا أشعر أنني سأكون مرتاحة هناك أكثر "
" حسناً "
هكذا ببساطة أخبرها .. بهدوء شديد وعملية بحتة هو لم يعتاد الترجي ولن يعتاده لأجل أحد حتى وإن كان هذا الأحد .. هي !!
وبكل لطف تجيب
" شكراً "
" حمزة "
والحاء هاء والهاء متميعة من صهباء لا تعاني برودة طقس بتلك التنورة التي لا تغطي سوى نصف فخذيها وساقيها مغموران بحذاء بني يصل لقبل الركبة وسترة من فرو صحراوي
تتقدم تقف بجانب حمزة تلقي ترحاب باللغة الإنجليزية التي أصبحت ورد شبه تتقنها بعد مكوث أشهر في تلك البلد
ترد ورد التحية وهو لا
" ورد أليس كذلك ؟ "
تتسأل نتالي بلطف تبادله ورد بالمثل قائلة
" نعم "
عيني نتالي تتجول بالمشتل باعجاب وهي تسألها
" هل تعملين هنا ؟ "
تبتسم ورد وتجيب
" نعم "
تسألها ورد بما تستشفه من نظرات إعجابها بلكنة إنجليزية
" هل تحبين الأزهار ؟ "
فتجيب نتالي بحماس
" وهل هناك من لا يفعل ؟! "
تناست وجوده تماماً تناست حديثه وقد تكون تناست غضبه .. لتلك الدرجة لا تهتم ؟!!
بل إنها تقف وتتحاور بكل تلك الأريحية مع إمرأة من المفترض أنها غريمتها
اللعنة هي حتى ليست غريمتها
قبضتيه تنغلقان بعنف لا تظهره هدوء ملامحه
" أتريدين أن أخذكِ بجولة في المكان ؟ "
تلقي بعرض تتلقفه نتالي متحمسة وهو يبتعد بكل هدوءه الذي يحترق تاركاً المشتل
لا نتالي بقلبه حتى تحزن ولا ورد حبيبته حتى تغار
حقيقة هو لا يغفلها

_________________________


الغروب محبينه كُثر لكنه يظل رمزاً للرحيل .. خلاباً فنحتضن الذكريات المؤلمة التي يدفعها لذاكرتنا نعانقها ولا يتركنا إلا بعد حفر أثرها في قلوبنا
الشمس تتعرج بين السحب الكثيفة فتظهر كنصف قرص تبرز أشعته البرتقالية التي تميل للأرجوانية
" أرأيت ما أهدته لي ورد "
أتت بها نتالي لمنيش الجياد .. تعلم كل مكان بالمزرعة .. ولمَ لا أليست صديقة سابقة ؟!!
تقفان أمامه فينظر لمجموعة الأزهار الملونة بيد نتالي وردي أزرق برتقالي
" قرنفل ؟ "
سألها بفتور فتقربها نتالي من أنفها وهي تقول مغمضة العينين تشمها
أحببت رائحتها "
لن ينظر إليها لن يفعل
" إختيار رائع "
وهو يتظاهر بالهدوء ولن ينظر إليها
" ورد إختارتها "
ونظر
واللعنة على إسمها الذي جعل ذكره يفعل .. واللعنة على إبتسامتها الهادئة وكأنهما لم يخوضان حديثاً كارثياً أثاره لا تتركه بعد عدوه بجواده لساعتان كاملتان !!
" كنت أريد إعطائها من الزنبق البنفسجي .. لكنها أحبت رائحة القرنفل "
قالتها ورد وردت نتالي ببساطة
" يبدو أنكِ تحبين الزنبق البنفسجي "
ترد ورد مبتسمة
" أحبه .. فهو أجمل الزهور هنا "
ليست عادته رمي الكلام لكنه فعل ونبرته إكتسبت تهكم غاضب قاسي
" فاللأسف نحن لا نزرع الماغنوليا "
واللعنة إنها تخرجه عن كل طور حضاري راقي هو عليه
نبرته كانت ساخرة وإستشفت منها غضبه والذي بالتأكيد لأنها ستغادر .. لا تعرف كيف ستقنعه أنها حقاً لا تظن به السوء فيتوقف عن غضبه هذا ؟!!
" حمزة .. أريد إمتطاء جواداً "
قالتها نتالي بميوعة جعلت عيني ورد تدور بعيداً تتحاشاهما وهو لم يعد يبالي بها حقاً
اللعنة .. هو يبالي !!
يلوي شفتيه ببساطة وهو ينادي السائس الذي أتاه مهرولاً وقد تجرع عصبيته النادرة منذ الصباح وقبل أن يوجه الحديث له كان يتصنع اللامبالاة وهو يوجه الحديث لورد
" أتريدين جواداً "
إبتسمت تجيب بتحفز
" حسناً .. لكن لا يكون جامحاً "
لماذا هي سعيدة هكذا ؟!!
يخبر السائس بمطلبه وكل تركيزه منصب على حديث الفتاتان حيث نتالي تبدأ قائلة
" أين تعلمتي ركوب الخيل ؟ "
" بمدينتي .. كان هناك مكان لتربية الجياد مالكه كان صديق لأحد أقاربي وكنت أذهب إليه أحياناً "
" إذن تفعلي منذ الكثير ؟ "
" عدة أعوام فقط "
تحرك رأسها الأحمر متفهمة فتسأل بعد قليل متنبهة وهي تنظر لملابس ورد
" لماذا ترتدين الأسود ؟ "
تراقب السائس الذي يأتي ممسكاً بلجام جوادين .. أحدهما أسود يتخلل مقدمة رأسه وإحدى أقدامه بياض ناصع وشعره كثيف كشعر ذيله الطويل يتشابه في ذلك مع الأخر ذو اللون العسلي الذي يتخلله البياض أيضاً
" من عاداتنا فعل ذلك كل ذكرى وفاة لشخص قريب لدينا "
حزنت ملامح نتالي تقول بمواساة
" وهل اليوم ذكرى موت عزيز لديكِ "
هي لا تبغضها لكن فقط لا تحب نظرات الشفقة من أحد فتجيب باختصار
" نعم "
أخذ حمزة الجوادين من السائس الذي عاد لداخل الإسطبل فيوجه حديثه لنتالي
" سيأتي بجواد لكِ بعد "
" أأستطيع أخذ جوادي ؟ "
والتساؤل لورد والجواب الحذر له
" نعم "
يده تمتد بلجام الجواد الأسود فتجذبه منه بحماس .. لقد أحبته أكثر من الأخر منذ رؤيته
يسألها بشك
" هل ستستطيعين وحدك ؟ "
إبتسامتها الواثقة كانت الجواب وهي تتحرك بالجواد لداخل المنيش بينما هو يقف بجوار نتالي يُمسك بجواده العسلي وعينيه لا تتركانها قلقاً
يقف يقابل جانب وجهها حيث ظهرها للغروب
نبضاته تزداد وهو يراها تميل برأسها .. جبينها يلامس جبين الجواد عينيها مغمضتين للحظات ثم تفتحهما ببطئ تواجه عيني الجواد لا تحيد عنه وهو متسمراً وكأن الأمر يروقه !!
بدت سعيدة .. وشعر بالسعادة !!
" تفضل يا سيدي "
جذبته نبرة السائس الذي أتى بالجواد فيأخذه منه ونتالي تعطي السائس باقة الأزهار تصعد جوادها بسهولة وهو لجواده .. عينيه تحيد لها ثانية فتتوقف هناك .. تسمر تجمد وقلبه ينبض وينبض لا يتوقف .. مأخوذ بأشعة الشمس الساقطة على وجهها
ظهرها الذي إنتصب على الجواد تواجه الغروب بكبرياء
تودع لطفها طفوليتها وبساطتها .. عينيها جريحتان !!
تنظران للشمس الغاربة تضفي بريقاً لزمردتيها بدى شاحباً خافتاً منطفئاً ككبرياء إمرأة محطمة تستحوذ على قوتها من أنقاض الألم !!
لا يعلم متى ساقيها أمرتا الجواد بالتحرك ففي لحظة كان يعدو بها شعرها يتطاير للخلف بقوة مستديرة عن الشمس لكنها إلتفتت تعطيها نظرة أخيرة .. نظرة تحرر عجيبة ورأسها عاد للأمام مرة أخرى
إستحسن لطفها
أحب إبتسامتها
أثارته طفوليتها
حفزته أفعالها
وإستوحش بعدها
لم يكن بحاجة لتفكير
لم يكن يلزمه كل هذا الوقت ليدرك
الأن .. الأن فقد أدرك أنه وقع صريع العشق !!
عشق عينيها

_________________________


" أصبحتِ جيدة "
تبتسم وهي تنظر له
يدها تمسك بلجام جواد أبيض يتحرك بها بسهولة بينما هو يمتطي جواد بني داكن يسير جوارها
" لدي مدرب ممتاز "
يشمخ قائلاً بابتسامة مغترة
" أعرف "
تحرك رأسها يميناً ويساراً بيأس تقول تشاكسه
" مغرور "
يتحرك الجوادان بهدوء بجوار بعضهما
" كما أنني طالبة ممتازة لأتعلم ركوب الخيل بأسبوعان فقط من بدء تعليمك لي "
تغيظه بالقول المغتر فيرفع إحدى حاجبيه يقول مستنكراً
" تهضمين حق المعلم ؟ "
توقف جواده فهبط يساعدها على الهبوط .. كفيه على خصرها لا يتركها حتى بعد نزولها عنه
" أنا سعيد لنجاحك "
المرة المئة التي يعيدها بتلك السعادة على مسامعها فتشعر بالفخر وكأنها أصبحت عميدة الكلية وليس فقط تجاوزها الإختبارات وتأهلها للمرحلة الثالثة
تبتسم عينيها وهي تقول
" وأنا سعيدة لأنك تحتفل بنجاحي معي "
والدتها توفت وأختها لا تهاتفها سوى بكل شهر مرة وهو يبتعد عنها بدول .. فلا يوجد لها غير دراستها .. أصبحت تصعد لشقتها تنهي كل ما يتعلق بدراستها ثم تترك بقية اليوم للتنظيف متغاضية عن تقريع سعاد وشكواها الدائمة ونظراتها الممتعضة المتوعدة طيلة الوقت
" جيد أن صديقك مازن فتح تلك المزرعة "
تقولها وهما يسيران بجوار بعضهما .. كفه الأيمن يتشابك بكفها الأيسر والكفين الأخرين يمسكان بلجام الجوادان اللذان يسيران خلفهما
" كنت أعلم أنكِ ستحبينها .. لذلك لن أتوقف عن إحضارك هنا حتى تملين "
تنظر له تبتسم وتقول
" لا أمِل "
حنان نبرته شارك دفئ نبرتها وهو ينظر لها قائلاً
" أحببتيها لتلك الدرجة ؟ "
ترد
" بل أحب صُحبتك "
لسانها فصيح ولسان عينيها أفصح

___________________________

يخوض الرجال الحروب بالأسلحة
الدول بالسياسة
والنساء بالدموع
" ستتركني وترحل ثانية .. لقد كبرت يا حسن وأصبحت أخاف البقاء وحدي "
والجملة يتبعها تعلق طفولي بقماش قميصه الذي إبتل معظمه بالدموع .. يربت على ظهرها ويواسيها كطفلة
" ورد معكِ يا أمي .. أنتِ لستِ وحدك حبيبتي "
وورد تجلس بجوار والدته تفرك كفيها توجساً ولا تصدق دموع التماسيح تلك
" ورد طيلة اليوم بجامعتها أو بشقتها .. وأنا أبقى معظم الوقت .. وحدي "
والأية ستبدأ في الوضوح
" دراستها صعبة حبيبتي وتتطلب الكثير من المذاكرة .. لا نستطيع جعلها تتهوان بها وإلا نكون نظلمها "
قالها حسن وهي تعرف أنه يحاول إقناع والدته .. يخيفها بكلمات عن ظلم ويثير فيها يقظة ضمير وهو لا يعلم ما تمارسه عليها من أهوال !!
" ولمَ لا تبقى معي هنا بنفس الشقة ؟ .. وأنا أقسم ان لا أشغلها عن دراستها أبداً "
شعرت بتصلب جسد إبنها رغم محاولاتها المضنية بصبغ جملتها بالبراءة المستعطفة وجمود كلامته المتوجسة أقلقها
" لا أعلم أمي إنه قرار يرجع إليها .. لا أستطيع تقييد حريتها "
شعورها بالإمتنان إنتهى لحظياً ووالدته تنتفض بجسدها السمين تقف أمامه تقابله بالقول المصدوم باستنكار من بين دموعها
" وهل وجودها معي سيقيد حريتها ؟! "
كفها يرتفع لصدرها بارتعاش وبكائها يزداد تعاتبه
" لم يكن العشم يا حسن .. لم يكن العشم يا إبن بطني .. لم أتخيلها منك يا وحيدي "
يقف يمسك بكفها يقنعها بقوله الحنون
" لم أقصد يا حبيبتي لـ.... "
قاطعته وهي تجذب كفها منه قائلة ببكاء
" أو تقصد .. لم يعد مهماً .. فلقد أصبحت رجلاً مسئولاً عن بيت وزوجة .. من حقك أن تركن والدتك التي ربتك وسهرت الليالي على راحتك على الرف الأن "
" أمي أنا.... "
وتعتمد هي على سياسة الأخذ بالصوت
" ربي يُسعدك .. قلبي راضي عنك رغم ذلك "
ولم تترك له فرصة الحديث فتبتعد مهرولة لغرفتها بكائها يتبعها وهو يلحقها بينما ورد تجلس بوجوم دون أن تتحرك وهي تشعر بأن القادم أسوأ

____________________

سماء داكنة تخلو من القمر ولا تهديها النجوم زينة .. وكأن كل ساكينها نفروا منها فقرروا الرحيل
رأسها يستند لظهر مقعد خشبي واسع بالشرفة تجلس عليه بذراعين معقودين .. أجفلت تعتدل في جلستها عندما وجدته يجلس القرفصاء أمام ساقيها يفك عقدة ذراعيها ويحتضن كفيها بين كفيه قائلاً بابتسامة حزينة
" أرجوكِ تفهميني ورد .. إنها والدتي ولا أريدها أن تغضب علي وأنا مسافر "
تنظر له بصمت تتفهمه لكنها لا تظن أنها قد تصمد أمام والدته أكثر من ذلك ولا تريد أن تنفجر
" أفهمك "
قالتها بعد تنهيدة طويلة حارة ومتعبة .. يرفع كفيها لشفتيه يقبلهما برقة ثم يقول
" لكنكِ حزينة "
تبتسم بحزن وتقول
" لأن أجازتك أوشكت على الإنتهاء "
كانت تكذب ولم تكن تتأمل عينيه .. لا تريد .. قليل هو تجمع الحزن والعشق بعيني رجل !!
كفه يلامس بطنها .. حركة لا يتوقف عن فعلها منذ قدومه من السفر
تهبط عينيها لموضع يده ونبرته بدت شاردة متمنية
" كم أريد أن أحصل على طفل منكِ .. ينال شكلي وطيبة قلبكِ الحنون "
وهي لا تحب الأجواء الحزينة تبحث بكل الطرق عن الجلسات السعيدة حتى ولو كانت تحترق حزناً
" ولماذا لا ينال شكلي ؟! .. فهل يكون هناك جمال مثلي ويتركه ؟ "
ونبرتها المغترة أثارت رغبته في مشاكستها فيرفع وجهه لها يقول باستخفاف
" سيكون من العار أن يكون ولداً ويكون جميلاً هكذا "
تشعر بالزهو فتقول معاندة
" ولمَ لا تكون فتاة ؟ "
يقف وهو يقول معانداً أكثر
" لا أنا إستقريت على علي "
يجذبها لتقف تقابله بتعنت
" فتاة وأسميها أنا "
يجذبها للداخل بهدوء قائلاً بتفكير
" إمممم .. لا صبي وأسميه علي "
تراه يغلق باب الشرفة فتعترض بطفولية
" أريد البقاء بالشرفة "
يستدير لها وتلك النظرة بعينيه تجلب تورداً طفيفاً لوجنتيها .. ترفع كفيها أمامها قائلة بتوجس
" ماذا ؟! "
يقترب ببطئ فتبتعده هي وهو يقول متظاهراً بالبرأة
" ماذا ؟ "
تقول بتوتر وبحروف سريعة
" أنا متعبة وأريد النوم "
وبلحظة كانت تستدير لترحل عندما أوقفها يديرها إليه وذراعيه يطوقان خصرها قائلاً بنبرة ملتوية
" إلى أين تذهبين ؟ "
ترفع سبابتها في وجهه محذرة
" حسن .. لا .. أتركني "
يتقدم بها فتكاد تتعثر وهي تحاول مواكبة خطواته التي تتراجعها للخلف
" أنتِ غبية ولا تعرفين مصلحتك "
يقولها ممازحاً بنبرة عالية فتعترض بصرامة
" بلى "
ساقيها إرتطمت بالفراش خلفها فتسقط عليه جالسة ينحني إليها دون أن يفلت خصرها يقابل إعتراضها بأخر
" لا "
كفيها أمام كتفيه تمنعه إقتراب وإحدى ذراعيه يتحرك ليلامس بكفه بطنها وعبثه يخفت وراء خفوت نبرته الجادة
" إن حدث لن تتأخري لحظة حتى تخبريني "
تشعر بقلبها يخفق بسرعة وهي ترى لهفته في حصوله على طفل منها .. تخفي تأثرها وهي تقول مشاكسة بعناد
" وإن لم يحدث ؟ "
شعرت بالندم لجملتها الحمقاء وهي ترى ذلك الخوف يتسلل لعينيه لكنه أجاد إخفائه وراء نبرته العبثية
" لذلك أنا أتخذ إحتياطاتي منذ الأن "

__________________________

تقف أمام الجواد الأبيض يراقبها باستمتاع وهي تتلفت حولها بينما تخرج كيس بلاستيكي صغير من جيب بنطالها فيقول ضاحكاً
" إن أمسك بكِ مازن لن يتوانى عن طردنا معاً "
لا تهتم بينما تخرج بعض مكعبات السكر تضعها في راحة يدها والجواد يلتهما بتلذذ عندما أتتها جملة حسن منبهة
" ورد لا تكثري من إطعامها السكر .. مازن نهانا عن ذلك .. ورد يكفي "

_______________________

" ورد يكفي .. السكر يسبب البدانة للخيل "
يقولها حمزة منبهاً بينما هي تعيد كيس السكر بإحراج لجيبها وتنظر للجواد الأسود باستعطاف قائلة
" ماذا أفعل ؟ .. أحب تدليلها "
لم تنتبه لذلك التعبير في عينيه جراء كلماتها الناعمة فعندما إلتفتت له بادرها بالقول العملي
" متى ستنتقلين لمساكن العمال ؟ "
كادت أن تجيبه عندما شعرت بالجواد ورائها يتمسح بكتفها من الخلف
قلبها دق تأثراً وهي تلتفت له تحتضن عنقه تقول بطفولية
" حبيبتي فُلة .. ماذا أفعل وهم يمنعوني إطعامك ؟ "
جلى حنجرته يضع كفيه بجيبي بنطاله الداكن ويقول بخشونة زائدة
" ليس هناك أماكن فارغة .. لكنني أبني مجمعاً جديداً .. بالتأكيد رأيتيه .. سيأخذك السائق لهناك لترين إن كان يناسبك أم لا "
تتحس عنق الجواد برقة وهي تقول دون النظر إليه
" سيناسبني لا تقلق "
حسناً هو لا يقلق بل يموت قلقاً
هناك بضعة أماكن فارغة بالمجمع الحالي لكنه اغلقهم مدعي بأن المياه لم تصل لهم بعد وكاد أن يخبرها بذلك وينهي أمامها الفرصة للإنتقال لكنه فضل أن تذهب وترى المبنى الجديد حتى يُنهي كل شك قد يراوض عقلها
تُقبل عنق الجواد فيضغط أسنانه مدعياً التماسك
ربما لو قتلها الأن لن يؤنبه ضميره ولو للحظة
لا تتوقف يدها عن التربيت على عنق الجواد فيقول وهو يخرج كفه الأيسر من جيبه ينظر لساعته بتعجل
" أنا سأضطر للذهاب الأن .. عندما تنتهي أخبري السائس بأن يعيد فُلة للداخل "
تحرك مبتعداً .. لحظة أخرى وحركة من حركاتها المتدللة تلك ولن تكون العواقب جيدة أبداً !!
يومان فقط منذ رأت فُلة وهناك علاقة سرية تربطهما ببعض وكأنها عندما نظرت لعينيها ذلك اليوم ألقت بتعويذة عليها تلتقتها الأخرى طائعة
حانت منه إلتفاتة أخيرة لها فيرتفع حاجبيه باستمتاع وملامحه تبتهج وهو يراها تعيد إطعامها قطع السكر فيلتفت يكمل طريقه وهو ينادي بصوت مرتفع
" ورد "
أجفلت وهي تلتفت تنظر إليه تخفي كيس السكر خلف ظهرها فتجده يسير يواليها ظهره وسبابته ترتفع تتحرك يميناً ويساراً بتنبيه معترض ثم يعيد إنزالها
تبتسم لحركته عندما شهقت مجفلة وهي تلتفت لفُلة التي إنحنت بعنقها تحاول جذب كيس السكر بفمها وهي منشغلة بالنظر لحمزة فتضحك بصوت مرتفع وهي تراها لا تتوقف عن محاولاتها فتحتضن عنقها بقوة هامسة عليه
" لقد أفسدك الدلال يا فوفو "
بينما هو هناك يقف مبتسماً منذ أن أجبرته ضحكتها على الإلتفات .. يراها تدفن وجهها بعنق الجواد وقبل أن تبتعد وترى تدقيقه بها كان يرحل مفكراً أنه ربما يعشقها في كل مرة تضحك هكذا !!

_______________________

المبنى شبه مهجور بل هو مهجور تماماً فقط أساسيات البناء ولا شئ أخر .. لا طلاء للحوائط لا كهرباء ولا حتى النوافذ قد أُقيمت بعد
حذائها إتسخ من الرمال المتناثرة أرضا وملابسها كذلك .. تنظر للسائق تسأله باستغراب بإنجليزية صحيحة
" هل أنت متأكد أن ذلك هو المكان ؟!! "
ودون أن يفهم سبب سؤالها أجاب
" نعم سيدتي "
تنظر حولها مرة أخرى بعبوس وهي تردد مندهشة
" نعم سيدتي !! "

_____________________

" هل تمزح ؟! "
أجفل وهو يراها تقتحم مكتبه تلقي بكلماتها المتبرمة وتجلس على المقعد أمام مكتبه بضيق ولسبب ما شعر بنشوى غريبة تملؤه فيسألها ممازحاً بهدوء
" تلك الذوابع لا تطمئني .. ماذا حدث ؟ "
كان يعلم سبب غضبها لكن إدعاء الجهل في هذه الحالة هو أفضل تصرف
" المبنى الذي ذهبت إليه .. إنه حتى لم ينتهي مبدئياً .. فكيف لي المكوث فيه ؟!! "
يحرك رأسه مصطنعاً التفكير يخفي إبتسامته وهو يتابع حنقها تستدير له تشرح بكفيها عينيها وبكل طرق الإيضاح الممكنة
هل يوجد أمتع منها ؟!!
يُرجع ظهره للخلف وبعد أن إنتهت قال بعملية
" أنا أردت منكِ رؤية الوضع علي الطبيعة .. لكن إطمئني فإنه ليس بذلك السوء .. ثلاثة أشهر فقط وينتهي "
تتسع عينيها بصدمة وهي تقول مرددة باستنكار
" ثلاثة أشهر ؟!! "
يلوي شفتيه مصطنعاً التعاطف قائلاً
" وذلك أقل تقدير "
ملامحها الجميلة تبتأس بحيرة فيعتدل بجلسته .. ذراعيه يستندان لسطح المكتب الزجاجي يشابك كفيه ويقول مُرغباً
" لكن هناك حل "
تحمست وهي تتسأل في لهفة
" حل ماذا ؟ "
وبعملية يجيب
" المبنى القديم به عدة أماكن فارغة .. لكن بدون إمداد بالماء "
تتسأل دون أن تفقد حماسها
" وكم تحتاج وقتاً لتستطيع حل تلك المشكلة ؟ "
يجيب بتقدير عملي
" شهران "
فقدت الحماس مرددة بيأس
" شهران ؟ "
فيجيب بهدوء
" لكنها قد تقل عن ذلك عدة أيام "
تتنهد بتعب ثم تنظر له تقول بإحباط
" وماذا أفعل أنا الأن ؟ "
يجيبها بعملية
" تستطيعين البقاء بالمنزل حتى ينتهي أحدهما .. وأعدك بمحاولة التعجل "
حركت شفتيها بتبرم وهي تقف تقول مضطرة فلا حل لديها سوى الإنتظار
" حسناً "
وما أروعه شعور الإنتصار
رأها تتحرك لترحل فناداها
" ورد "
تستدير تجيب بفتور
" نعم "
يسأل بجدية
" إلى أين ؟ "
وبكل فتور تجيب
" إلى البيت "
يقف قائلاً
" حسناً إنتظريني هنا .. دقائق أنهي عملي ونرحل معاً "
وقبل أن تعترض كان يتحرك يخرج من المكتب فتجلس على مقعدها ثانية متنهدة بتعب .. كانت تتمنى أن تنتقل من بيته بأسرع وقت لكن القدر لا يساق حسب أمنياتنا
وهي أعلم الناس بهذا !!
عينيها تجولت في المكتب حولها .. فخم ككل ما يوجد بالمزرعة .. مكتب كبير مائل للبني سطحه زجاجي عليه عدة تحف وإطارات للصور
فضولها غلبها لرؤيتهم فتحركت تقف خلف المكتب وقبل أن تلتقط الأشخاص في الصورة جذب نظرها شيئاً أخر
جواز سفر ......
أمسكته تنظر له تفتحه وتقلب أوراقه دون إهتمام حقيقي
" تفتشين في أغراضي "
قالها يشاكسها وهو يقف عند الباب .. يراقبها كعادته دون أن تدرك
إبتسمت بإحراج وهي تعيده على سطح المكتب تقول
" ستسافر ؟ "
يتقدم للداخل يمسك بجواز السفر يضعه بجيب بنطاله الخلفي قائلاً
" نعم .. اليوم .. الزيارة المعتادة "
حركت رأسها بتفهم وهي تتذكر أنه بنهاية كل شهر يسافر يقضي بعض الأيام مع عائلته
ينظر إليها ويبدو كمن ينتظر شيئاً ما !!
تعقد حاجبيه باستغراب قائلة
" ماذا ؟! "
إبتسم وقال ممازحاً
" لا يوجد تصل بالسلامة ؟ "
أحمق .. ما الذي إنتظره .. أن تتمسك بملابسه وتترجاه عدم الرحيل مثلاً ؟!!
للمرة الثانية يحرجها فتعوضه بابتسامة واسعة وعينين متألقتين وهي تقول
" تعد بالسلامة "
قلبه إخترق صدره !!
وسيموت بقلب متضخم بسببها يوماً ما


نهاية الفصل الثالث

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:30 pm

الفصل الرابع

حالة مزرية !!
هذا أقل ما يقال عن الصالة حيث تجلسان .. أطباق وأكواب كثيرة فوق الطاولة تحتوي على بقايا طعام .. أكياس وعلب فارغة وكأنهما بقيتا لأيام تأكلان دون توقف
تستلقي على أريكة مقابلة للتلفاز ومينام على الأريكة المقابلة .. كلاهما تلتحف بغطاء سميك سوى من أيديهن الممسكة بأكياس من رقائق البطاطس تضعانها بفمهن وعينيهما مركزة بشدة على مسلسل الدراما الكورية الذي تتابعه مينام وإن كان تركيز كل منهن إختلف عن الأخرى
" لماذا تضربه تلك .. ألم تعترف بحبها له منذ دقائق ؟! "
والسؤال الممتعض لورد وهي تنظر لبطلة المسلسل عندما أتاها صوت مينام موضحاً بهدوء
" لم يكن هو بل كان صديقه "
حادت بمقلتيها لمينام ثم نظرت للتلفاز بامتعاض وهي تضع شريحة بطاطس بفمها تقضمها بقوة محدثة صوتاً
ذلك المسلسل ليس ممتعاً أبداً .. إنها حتى لا تعرف التفرقة بين الممثلين وبعضهم من كثرة التشابه .. بالكاد تعرف البطلة من تسريحة شعرها المميزة
" ميمو .. من تلك ؟ "
وميمو دلال مينام الذي هو دلالاً من الأساس .. لم تجيبها مينام فأدارت رأسها تنظر لمينام التي كانت بدورها تنظر لها بأعين مغتاظة وهي تقول بضيق
" تلك البطلة يا ورد .. أرجوكِ توقفي عن تلك الأسئلة الغريبة فأنا لا أستطيع الإستمتاع بسببك "
لوت ورد شفتيها وهي تعيد عينيها للتلفاز .. ما ذنبها إن غيرت البطلة تسريحة شعرها فبدت تشبه الأخريات ؟!!
دقائق وكانت ورد تقول ببساطة
" أتعلمين .. إنني أتمنى أن تتزوج هذا البطل في النهاية .. إنه أفضل من السابق "
قالتها وهي تنظر لمينام التي أدارت رأسها مجفلة إليها تقول بعدم إستيعاب
" ورد .. إنه الشرير "
رمشت ورد مرتان ثم نظرت للتلفاز تقول بتركيز
" حقاً ؟!! .. بدى لي مختلفاً "
وشريحة أخرى كانت تقضمها لتقول بعدها ضاحكة
" حسناً مينام أنتم جميعاً متشابهين .. أقسم أنني إن ذهبت معكِ لبلدك تلك قد أصحب أخرى في عودتي ظناً مني أنها أنتِ "
ومينام لم تجاري مزحتها وهي تقول ببساطة دون أن تحيد بعينيها عن التلفاز
" أنتم أيضاً تبدون متشابهين لدينا "
كادت ورد أن تتحدث عندما أتتها كلمات مينام مترجية
" ثم أرجوكِ أتركيني أركز "
زفرت ورد بيأس .. هل تلك صحبة الفتيات التي تمنتها ؟ .. تقسم أن حمزة كان أفضل !!
أنهت الرقائق المقرمشة ورمت بالكيس الفارغ على الطاولة وهي تقف تُنحي الغطاء بعيداً فتسألها مينام باستغراب
" هل ستنامين الأن ؟!! "
ولا تعرف هي لمَ هذا الإستغراب والضوء بدأ في الظهور ؟! .. لكنها قالت متحركة إتجاه المطبخ
" بل سأحضر لنا بعض المشروبات الدافئة .. ولا تنسي ستنهين هذا المسلسل وسيحين دوري .. أريد مشاهدة فيلماً عربياً قديماً "
لم تهتم مينام وورد تكمل
" سأعد الشوكولاة الساخنة "
حسناً صحبة الفتيات ليست سيئة على الإطلاق

إنقضى يومان منذ غادر حمزة وتبقى ثلاث حتى يعود وهي ومينام تستغلان ذلك أفضل إستغلال
تشاهادن التلفاز حتى الصباح تتجولان بالمزرعة وخارجها وتبقيان مدة طويلة في المطبخ لإعداد طعام يكفي السهرة التي تطول أمام التلفاز
ما أجملها صحبة الفتيات
تخرج من المطبخ وهي تمسك بصينية موضوع عليها كوبين يتصاعد منهما الأبخرة
توقفت ...

ليست المرة الأولى التي تتوقف أمام تلك الصور العديدة
صورة كبيرة ضخمة معلقة على الحائط بإطار رائع
كهل كبير بملابس رسمية سوداء يجلس على مقعد فخم بهيبة محببة .. عينين رماديتين لكنهما دافئتين
غريب أن يجتمع الدفئ في عينين غيميتين كخاصته .. كخاصة حمزة !!
كان يقف خلفه بحلة رسمية سوداء لا يرتديها عادة .. بدت جذابة عليه وبجواره كانوا هناك ...
مخيفون !!
كانت هذا أقل ما يقال عن بقية عائلته
شابان يفوقان حمزة في البنية رغم أنه لا يعاني منها أبداً .. أعين حالكة .. زوج غامض وزوج قاسي وبالأخير كان الرجل الذي يتوسطهما
بدى والد حمزة .. أكثرهم رعباً .. لم يسبق أن رأت مقدار تلك التعابير الحالكة في عينين كهذه .. مدى الشموخ في وقفته وكم القسوة فوق ملامحه !!
ثم بقية الصور
إبتسمت ...
حمزة وأخر تجمعهما العديد من الصور المضحكة .. يبدوان صديقان متقاربان للغاية خاصة وذلك الأخر تبدو ملامحه بهذا التجهم من مشاجرات حمزة له الذي يتحملها مغتاظاً كما يبدو عليه
بالنسبة لكثرة الصور لاعتقدت أنه شقيقه لكنه لا يظهر في أي صورة مع عائلة حمزة .. حسناً هذا صديقه
وصور أخرى كان ذلك المتجهم ينفجر فيها ضحكاً !!
وصور لحمزة وهو صغير مع رجلاً بدى لطيفاً كحمزة
صورة تضم أصدقاء كُثر بملابس التخرج .. كان أقل وسامة عن الأن وهو شاب !!
صور عديدة له مع شقيقيه أهله وأصدقائه ولا صورة لوالدة أو شقيقات .. قد يكون تقليد في بلده أو لعائلته

صور وصور في أماكن كثيرة من المنزل لأشخاص ليسوا بقلائل أبداً .. وهو هنا يقبع في المنتصف الأخر للكرة الأرضية لا تجمعه بهم سوى بعض صور فوق الحائط وعدة أيام في الشهر !!
غريب
يبدو إجتماعياً للغاية .. لا تعرف لمَ يبقى وحده !!

كادت في مرة أن تسأله لولا خشيتها أن يفعل المثل ويسألها عن عائلتها هو الأخر
تفتقده !!
وإبتسمت إبتسامة صافية تخصه هو من بين جموع الأشخاص
صوت مفتاح في الباب وإلتفت رأسها
لمح البسمة فوق شفتيها واللمعة في عينيها !!
" حمزة !! "
وإستبدلت البسمة بإندهاش حقيقي .. وكم إشتاق إسمه من بين شفتيها واللعنة على قلب يكاد يتوقف من شدة الخفقان
إبتسم وفي نظرته حنين
" لماذا عدت "
قالتها وحل بين حروفها قلق لم يعرف كيف أسعده هكذا ؟!!
عينيه تلتمع
إشتاق
وكاد يتفوه بها دون أن يراعي خوفها
" أرحل أم ماذا ؟ "
وكانت مشاكسة ممازحة وبعينين تبرقان سعادة طمأنتها
إبتسمت ولم تُحرج كعادتها من مزاحه .. وكأنها إعتادته !!
أصابعه مازالت فوق المفتاح ويقسم أنه يفعل لكي لا يتهور ويحتضنها
تُحرك كتفيها ببساطة ثم تقول بمشاغبة وهي تنظر للصينية في يدها
" سأعد لك كوب معنا "
وفي لحظة كانت قد إستدارت وفي التالية كان يتنفس هو ويده تترك المفتاح أخيراً ليضرب بها فوق صدره يقول بسخرية مستمتعة
" إهدأ أيها الأحمق .. غلبك الشوق وجلبتني إليها فلا تفضحني "
أغلق الباب ونظر للصور على الحائط دون أن يتحرك أنملة
مستحيل عليه أن يغفل هذا أو ينساه حياته كاملة
يغيب عنها لا يتحمل بُعد ويأتي فيجدها هناك .. تقف أمام صوره وفي عينيها لهفة لعودته !!
يا إلهي كم يعشقها !!


____________________



صغيرة بألوان تدرج من الأزرق الذي يميل للبنفسجي والوردى الداكن تتحرك في إناء زجاجي دائري يستقر في قاعه العديد من الأحجار الملونة أصفر أحمر برتقالي أبيض أزرق
تبتسم وهي تطرق بإصبعها على الإناء من الخارج فتتحرك في الماء بسرعة أكبر
" يالحظك العاثر يا إبني .. أنا السبب .. فالجسد أغراني ولم أدرك أنه يعلوه رأس بلا عقل "
وسعاد تندب كعادتها .. تقف على باب الغرفة التي أصبحت ورد تسكنها منذ عام بعد أن وافقت على البقاء معها بشقتها
لا ترد بل حتى لا تنظر إليها
" هل ستظلين طوال اليوم بجوار المحروسة ؟ .. ألن نأكل في يومنا هذا ؟ "
والمحروسة التي تثير كل تلك الذوابع ما هي إلا سمكة بحجم إصبعين إشترتها من أحد المتاجر وقد عصفت بها الوحدة
" حسناً "
تقف تستعد لمغادرة الغرفة لكنها تذكرت .. تمتد يدها لكيس بلاستيكي تضعه في درج الكومود بجانب فراشها حيث تضع عليه الإناء الزجاجي .. تخرج منه ثلاث حبات دائريات وتضعهم في الماء
" تافهة "
والكلمة الممتعضة من سعاد وازت مصمصة شفاه ورحيل ساخر وهي تبتسم للسمكة !!
ترى السمكة ترتفع بسرعة تلتقط إحدى الحبات بفمها للحظات ثم تعيد لفظها فتناغشها ورد مبتسمة
" هل مازالت جافة يا أبو علي ؟ "
وأبو علي هو دلال سمكتها التي أطلقت عليها إسم حسن
سمكة لطيفة صغيرة بألوان حالمة وتدعى حسن !!

_________________________

ضحكاته لا تتوقف وهو ينظر للسمكة الصغيرة على الكومود بشقتهما وقد قرر الإنتقال إليها خلال فترة أجازته
ذراع حول خصر وأخر أطراف أنامله تمسك بذقنها
" وهل أخبرتي أحداً بإسمها ؟ "
تبتسم بطفولية وهي تحرك رأسها بلا حماسية فتعلو ضحكاته يتخللها قوله الصارم
" إياكِ أن تفعلي "

____________________

لا يسمح لها بابتعاد .. ذراعه يلتف حول كتفيها الدافئين فترتكن برأسها لصدره العاري وكلا كفيها متمسكان بأطراف الغطاء حتى نهاية عنقها
" كم أنتِ جميلة .. رائعة "
مغازلة تتخلل لهاث أنفاس لم تستقر بعد ووجنتيها لا يزالان يحترقان خجلاً حتى بعد مرور ثلاثة أعوام من زواجهما
والمرأة تخجل فتبتسم .. تتورد وجنتاها .. وتخفض عينيها بصمت
وهي كالعادة تتبع الإستثنآت القليلة .. تواري الخجل خلف أي جملة حمقاء يسمح بها عقلها المرتبك
" جميع نساء عائلتنا جميلات .. إنها وراثة "
يبتسم وهو ينظر إليها ظهر كفه يلامس وجنتها الحارة ونبرته أجشة رقيقة
" هكذا أنتِ وفتياتك لن تتخطين حدود البيت "
تخفي وجهها الخجول وهي تخفضه ونبرته تأتيها متلهفة بشوق أخر
" تلك المرة ستحملين إبني .. الله لن يخيب ظني تلك المرة "
ويجب أن تسعد لكلماته لكنها شعرت بالعكس !!

تتذكر وهي تهاتفه بعد أجازته الماضية بأسابيع يسألها عن نتائج إختبارات الحمل
نبرته كانت مفعمة بالحياة باليقين .. قابلتها هي بصمت فهمه فصمت فعلمت أن الجواب قد وصله ليخرجها بعدها من طور حزن سكنه وسكنها وهو يسألها بكل حنانه المعهود عن أحوالها

" حسن "
والنبرة خافته هامسة توازي تملصها من ذراعه تجلس تقابله وكفيها لا يتركان الغطاء
" أريد السفر معك "
طلب تكرر كثيراً الفترة الماضية يقابله هو بصمت لحظات ويقرنه بعدها بالقول الهادئ الناعم
" ووالدتي نتركها وحدها ؟ "

قلب حنون وضمير يقظ يُحذرانها .. تضع نفسها بمكان سيدة عجوز يتغرب إبنها فتبقى وحيدة .. لتكون أقصى أمانيها أن تظل زوجة إبنها تلبي أبسط متطلبات تستدعيها حاجة الشيخوخة
لكن هي ليست سعاد .. هي لن تكون
" ثلاثة أعوام منذ زواجنا .. ثلاثة أعوام لا تربطنا سوى أحاديث هاتف وأجازة شهر بكل عام .. أليس هذا كثيراً لأتحمله ؟ "
نبرتها حزينة تجعله يفكر بكلامه جيداً حتى لا يجرحها
" ودراستك ؟ "
وهو يغريها بدراسة عام أخر وتنتهي
وهي ملت .. هي لم تعد تتحمل
" لا يهم .. أكملها بعد إنتهاء عقد عملك "
لن تستسلم حتى وإن إستغل حنانه وإن حاول التأثير على ضميرها كالأن .. يحاوط جانب وجهها بكفه ويهمس
" وأمي ورد .. هل تريدينها أن تغضب علينا ؟ "
هي لا تحب معارضته لكنها الضرورة
" وأنت .. ألا تريد لأحد أن يرعاك بغربتك ؟ .. تجلس بمكان نظيف تأكل طعام جيد تجد مؤنس لوحدتك ؟ "
وهو سيضغط بكل ما يملك
" ذكراكِ مؤنسي "
كف يحتفظ بالغطاء والأخر يزيح كفه عن وجنتها لتقول ببداية بكاء وقد أوشك هدوئها على النفاذ
" ولم ذكراي وأنا موجودة ؟!! "
" ورد ... "
وكانت محاولة أخرى قطعتها هي بقرار لن تتراجع عنه
" أنا لا أريد البقاء هنا .. أريد السفر معك .. ولن أقبل بغير ذلك "
ذلك التعبير الجامد على وجهه تراه للمرة الأولى !!
عينين يصطبغ بهما الدهشة بالغضب والغموض والنبرة قاطعة أكثر مما إعتقدت أن تكون
" وأنا لن أجعل والدتي تغضب علي بأخر أيامها .. أنتِ ستكونين أماً في يوم من الأيام .. ضعي نفسك محلها "
الغصة بحلقها مؤلمة وحبس البكاء إعتادته مع الأيام
ونبرتها باتت جافة قاسية أكثر مما أرادت
" حسناً "
وكانت تجذب الغطاء حولها بسرعة رغم إرتعاش أصابعها حوله
تبتعد عنه وتغادر الغرفة دون أدنى إهتمام به

_____________________

تأخرت بالحمام وقد أقلقته فتبعها .. يستبدل قلقه ببوادر غضب وهو يجد الحمام فارغ وقدميه تتدلانه على غرفة خاصة للأطفال بابها موصد على غير العادة .. يفتحه بحدة فيجدها هناك تستلقي على فراش صغير مدثرة جيداً
يفتح النور وهو يبعد الغطاء عنها فتفتح عينينها .. يستغرب ذلك البرود فيهما !!
" سأنام هنا "
وبرودة نبرتها أثارت ذوابع غضبه فيقول بجمود يبدو أنها ستعتاده
" لن تجبريني بهجرك فراشي ورد "
تجذب الغطاء منه تدثر به وهي تلتف تعطيه ظهرها قائلة بجمود
" وأنا لا أفعل "
يشعر بحريق صدره الغاضب يزداد ويعلم أنه إن ناقشها الأن فستصل الأمور لما لا يريد وبتفكير بسيط كان يغلق الأنوار بهدوء ينافي صوت الباب الذي أغلقه بقوة أرعدت قلبها الذي لم يقوى على التماسك دون بكاء مدة أطول

_____________________

ثلاثة أيام وهي تخاصمه وهو لا يتوانى عن محاولات مصالحاتها
لا يعلم متى أصبحت بجمود القلب هذا ؟!!
حذر والدته من معاملتها الجافة لها فأصبحت أكثر ليناً معها وهو يرى ذلك بوضوح ويرى إستغراب ورد نفسها من ذلك أيضاً
لم تتطأ غرفتهما منذ تلك الليلة سوى عدة مرات لتأخذ شيئاً منها تريده .. حتى السمكة خاصتها نقلتها لغرفة الأطفال حيث تمكث

" أين حسن ؟ "
أخفى إبتسامة متسلية ببراعة وهو يجلس على الفراش بغرفته يشاهد التلفاز عندما إقتحمت الغرفة تسأله بذلك الغضب الجلي
ينظر لها وهو يستقيم .. عينيه تتوسل السماح ونبرته تشاكس برقة
" أمامك "
تعقد ذراعيها بحنق .. نظرتها غاضبة ونبرتها أيضاً
" حسن سمكتي .. ليس بالغرفة "
وهو يدلل نبرته بعتاب يستعطفها
" وحسن زوجك .. أصبح إبن البطة السوداء الأن ؟! "
وبداخلها تسخر فإبن سعاد يظلم البطة السوداء
" حسن "
والسين طالت والنظرة محذرة وهو لن يستسلم
" عيونه "
والتحذير فقد متعة الغضب .. واللعنة على قلبها العاشق !!
" سمكتي "
وكتفيه يتحركان ببرأة قائلاً
" تصالحيني أولاً "
نبرته عملية تناقض صبيانية أفعاله فتتصنع الملل قائلة
" إنها لم تأكل بعد .. فهلا أوقفت هذا المزاح وتخبرني أين هي ؟ "
خطوة تفصلهما يقتربها فجأة فتجفل تتراجعها وهي تسمع نبرته الحارة قائلاً
" أنا جائع منذ ثلاثة أيام "
قلبها الخائن يسعد بلهفته ويرقص متأثراً بمحاولاته المضنية لينال رضا عينيها
" مسكيييين "
وتصنعت تعاطفاً بارداً فهي أبداً لن تسمح لإبتسامتها بالظهور
وحرارة نبرته تصبح أقوى
" جداًاًاً "
يتسلى وهي ستوقف ذلك
" أتعلم ؟ .. لم أعد أريدها "
كاذبة وإبتسامته الساخرة أخبرتها بأنه يعلم لكنها لم تتوقف مُكمِلة
" إبقيها معك .. لكن طعامها ملزم منك وإلا تُحاسب عليها "
أراد السخرية ولكنها إلتفتت تغادر وكمحاولة أخيرة يائسة قال مُحبطاً
" حسناً قبلة .. وأحضرها "
ولم يرى إبتسامتها التي جمدتها بسهولة وهي تلتفت له تقول معاندة
" لا "
واللعنة عليه وما يفعله بقلبها .. واللعنة عليها وما تفعله به !!

_________________

جسدها تيبس والدموع بمقلتيها تتحجر
تتمدد على إحدى جانبيها على المنضدة بمطبخ سعاد
" لم أقصد حبيبتي .. فلقد أحضرها لي حسن لأبقيها هنا .. وجدت المياه بالإناء عَكِرة وعندما كنت أقوم بتغييرها قفزت مني .. ظلت تتلوى مني وعندما تمكنت من إمساكها كانت الروح غادرتها "

الموت .. الحقيقة الكبرى الأعظم الأقسى ببساطة فراق حتمي مؤلم و .. دائم
والأمر لم يتعلق فقط بسمكة .. بل إنها شعرت بموت شئ بداخلها فارقها مع سمكتها .. شئ لن يعود .. شئ لم يخص حسن أو سعاد .. شئ خصها
شئ أحبته .. ورغماً عنها إنتُزع منها !!

كفه يلامس كتفها يواسيها
" لا تحزني .. لم تكن سوى سمكة "

ومهما بلغ صغر الفقدان يبقى ألمه واحد يُحفر بعمق ما يمثله في قلوبنا

" لا تحزني زوجة إبني الغالية .. هذا عمرها "
للأشياء عمر .. للحظات عمر .. وللإنسان أيضاً .. حقيقة نسلم بها وبنفس الوقت نرفض وجعها
أدارها ينظر إلى عينيها المختفيتن وراء غيمة دموع لم تُعجزها عن رؤية نظرة الإنتصار في عيني سعاد وهي تقف خلف حسن تحمل رسالة معينة
أن لا شئ تغير .. لا شئ سيتغير
ونبرته ناعمة شعرتها خاوية
" تُحضرين غيرها "

_____________________

" ماذا ستسمينها ؟ "
ومينام تسأل بينما تنظر للبرتقالية التي تتخللها خطوط صفراء وبنية فاتحة .. نشيطة تتحرك بسرعة في المياه داخل الإناء الزجاجي الدائري
" جوجو "
والإجابة بإبتسامة مرحة فتنظر لها مينام وتسألها
" ولماذا جوجو ؟ "
تنظرورد  للسمكة التي إبتاعتها من أحد المتاجر خارج المزرعة وهي تقول
" لا أعلم .. لقد ناديتها بهذا الإسم دون تفكير عند رؤيتها فأعطيته لها "
" يبدو أن خروجك كان مثمراً "
والنبرة المرحة قالها وهو يتجه إليهما ينظر للسمكة ثم لورد ويقول
" تبدو لطيفة "
تميل رأسها بطفولية وهي تنظر للسمكة تقول بتأثر ناعم
" كثيراً "
هل يوجد ألطف منها ؟!!
والتساؤل الصامت خاص به
" ألم تنتهي أعمال المبنى بعد ؟ .. لقد مر أكثر من شهران "
والسؤال ليس لطيفاً تماماً
" يبدو أن المهندسين سيحتاجون المزيد من الوقت للإنتهاء "
تلوي شفتيها بملل وهي تنظر له تسأله
" كم ؟ "
يجيب ببساطة عملية وهو يجلس على أحد الأرائك
" لم يحددوا "
زفرت بضيق ملول وهي تعيد إنتباهها للسمكة
تنحني بجذعها تبتسم لها وتضرب الزجاج بأناملها فتهرب السمكة وإبتسامة سخيفة ترتسم على وجهه هو !!

______________

زهرة شاذة خاطفة بجمالها بين حقول تملؤها العديد من الأزهار مختلفة الأشكال والألوان والروائح لكن عطرها هو المسيطر الوحيد هنا

بعملية شديدة تشير بيدها للبعيد قائلة
" وهناك منطقة فارغة أفكر بزراعة الورد البلدي فيها "
وهو خلفها تماماً .. تلك الرائحة يعرفها جيداً لكنه يجهل ماهيتها
" ستكون رائعة بألوانه الزاهية "

رأسه يميل للأمام حتى لامست طرف أنفه خصلات شعرها دون أن تشعر هي وعينيه تتسع بصدمة تمتعه !!
يفقد الشعور بكامل جسده سوى من بعض شعيرات تلامس أنفه !!
كل يوم يكتشف شعوراً جديداً معها يفاجأه ويسعده !!
هي بطريقة ما أصبحت تمثل كل سعادته

" ما رأيك ؟ "
تستدير وعقله تدارك في جزء خاطف من الثانية .. وكانت إنقاذه من كارثة !!
أجفلت وهي تراه خلفها تماماً .. تتراجع بتلقائية بينما هو يبادر بالقول العملي
" لكن الورد البلدي يحتاج الكثير من العناية في الطقس البارد "
تبتلع ريقها بتوتر جلي وكل ملامحها مجعدة بوجوم
لا يتجاوز حدوده ولكن لا يلزمها أيضاً !!

دماء شرقية تمنعه التمادي وطابع غربي يبيح له تخطي المسافة بينهما .. تعرف أنه لا يتقصد هذا ولا يخفي داخله نية سوء لكن أصبح الأمر يضايقها خاصة بالفترة الأخيرة وقد تكرر أكثر من مرة !!

" سأباشره كل يوم "
قالتها بوجوم ملقية بصعوبة أفكارها بعيداً
تستغرب إشتعال عينيه فجأة بتعبير غريب فتضئ كنجمة لامعة تتحدى دكنة الليل
" أريد ياسميناً "
ونبرته كنظرته غريبة .. مريبة !!
والتوتر عصف بها فتخرج حروفها متلعثمة
" الياسمين يزرع بالمناطق الإستوائية .. لا ينمو بالباردة "
وإبتسامة جانبية خشنة وازت أجشية صوته وقوله الواثق قبل أن يرحل
" مخطئة "
فالعطر المحير لم يكن سوى الياسمين !!


_______________


" ورد "
لم يكن ندائه الأول لتلك الشاردة تمسك بشوكتها تعبث بطعامها بتفكير غامض !!
تجفل فتقع شوكتها .. تنظر له بتساؤل دون أن تنبث بحرف فيسألها واجماً وهو يلاحظ عقدة حاجبيها الأسودين لا ينفكان منذ قدومها
" سو تسألك عن الغداء الذي تريدينه بالغد "
ترمش وهي تحاول إستدراك جملته فتنظر لمينام الواقفة بجانب حمزة حيث يتناولان الطعام
تنظر لها مينام تنتظر الإجابة فتقول بلا إهتمام بعد لحظات
" أي شئ "
تعود لطعامها وهي تبدأ أخيراً بتناوله والوجوم مازال يزين محياها وعينيه لا تفارق تلك التقطيبة العابسة على جبينها
" ما رأيك بالسمك ؟ "
وكانت محاولة منه لجذب إنتباهها لكنه فشل وهي تجيب دون النظر له
" حسناً "
فضوله إزداد وهو يقول لمينام بنبرة بدت مازحة في ظاهرها وعينيه مسلطة على ورد
" حسناً مينام سمك .. ولا تنسي شي جوجو معكِ "
تبتسم مينام لدعابته بينما ورد تجفل وهي تنظر له .. ينظر لها !!
صدرها يضيق وشعور عدم الإرتياح الذي يلازمها في الفترة الأخيرة منه يزداد
" الحمد الله "
دمدمت بها وهي تقف فيعبس بالقول
" أنتِ لم تأكلي شيئاً "
ذلك الغموض لا يليق بها .. تنظر له وتقول بنبرة لم تعجبه
" أنت الذي لم ينتبه "
يشعرها تؤنبه بطريقة ما فيقول بمواربة
" بل إنتبهت "
ولا يعلم لماذا خفت ضياء عينيها بالقول الباهت
" أدركت هذا "
يتابع صعودها الهادئ للدرج حتى إختفت فيقول وعينيه مازالت في إثرها
" وأنا إنتهيت "

_____________________________


طبق ملئ بأنواع مختلفة من المكسرات تكبدت فيها العناء لإزالة قشورها .. فسعاد تفضل تقشيرها بالبيت وبنفس الوقت تمل ذلك فترمي بالمهمة عليها
" أتركني أر كي "
العبارة التي حفظتها عن ظهر قلب من ذلك المسلسل الهندي الذي تتابعه سعاد
البطل يعذب البطلة وهي تتحمل كجبل لا ينحني حتى يدرك خطئه فترفض البطلة مسامحته وهكذا بلا نهاية وبلا ملل
سعاد وفاطمة أختها تسهران اليوم أمام الإعادة الأسبوعية للمسلسل .. تدققان في التلفاز بتركيز كبير لا يقطعه سوى إبتسامات ساذجة كالمراهقات وهن يمضغن المكسرات باستمتاع غريب وكلاهما ترتدي نظارات زجاجية غليظة لضعف نظرهما
" شيئاً أخر أمي ؟ "
وهي أبعد ما تكون عن لقب الأمومة لكنها الضرورة .....
" إجلسي شاهدي معنا المسلسل عزيزتي "
وبالتأكيد الجملة ليست لسعاد التي لوت شفتيها بتهكم من طيبة فاطمة الغير مألوفة مع ورد .. لكن بعض الشفقة التي تخللت قلبها لأفعال سعاد التي لا تنتهي أبداً لا بأس بها .. ففي النهاية هي لم تُجرد من الرحمة كلياً كأختها
" أتريدينها أن تجلس معنا ؟! "
والإستنكار الصلف من سعاد والإحراج نال ورد وفاطمة تتنحنح تقول
" وماذا بهذا يا سعاد ؟! .. إجعليها تخفف عن نفسها قليلاً "
" عن إذنكما "
وإنسحابها كان حلاً سليماً لتهرب من التقريع الذي لن ينتهي
" ليس لكِ الحق يا سعاد .. الفتاة هكذا ستترك لكِ البيت وتهرب "
وسعاد تسخر
" وهذه لأين ستهرب ؟ .. ليس لها مكان تذهب إليه حتى أختها أصبحت تتملل من زياراتها النادرة "
لا تعلم ما الذي جعلها تقف بعيداَ تستمع لحديث تعلم أنه سيؤلمها رغم أن التلصص لم يكن يوماً أحد طباعها
" أتعلمين ؟ .. لقد قامت بيننا مشكلة كبيرة منذ شهران فتركت البيت ورحلت وبعدها بيومين عادت ككلبة ضالة لم تجد ما يأويها "
الذل مؤلم .. شعور الإهانة حارق لروحها ليتركها رماداً يدثُر كل جميل ورائع بها
" إنها كالمثل .. أطردها من الباب تأتي من النافذة "
لم تتحمل فتهرع لداخل غرفة ليست غرفتها .. تدفن وجهها في الوسادة تكتم بكائها القاسي

تتذكر أختها زهرة ومعاملتها الجافة لها خلال اليومين التي بقيت فيهما لديها .. تأفف زوجها مستكثر وجودها ببيت والديها حتى أتت أختها ببداية اليوم الثالث تتعرق تتلعثم وبكل إحراج تخبرها أن تترك البيت لأن زوجها لا يريد لها البقاء !!

مهانة ذل ضعف وعجز

هاتفها يرن فترفع وجه باكي ذابل تنظر لإسمه ينير على الشاشة .. تخفض رأسها وتضع الوسادة على رأسها .. لن تجيب لا تريد
الرنين لا يتوقف وهي تريد الشكوى تريد أن يسمعها أحد فيطيب جراحها بحلو الكلمات
لا هي ملت الكلام
رنين أخر وهي ترفض الحضن الوحيد الباقي لها في هذه الحياة
لماذا لا يتوقف ؟!
أغلقت الهاتف بعنف تلقيه على الفراش وهي تشعر بعد سنوات من موت والديها للمرة الأولى بـ .. اليتم

___________________

" أنتِ كاذبة "
تصرخ بها سعاد بقسوة وحشية
" أخبرتك أنه كتاب صديقتي وأنا لست مسئولة عما يُكتب بداخله "
والصراخ تقابله ورد بصراخ أقوى .. لا تصدق أنها تتهمها في أخلاقها لمجرد عدة قلوب تحتوي على إسم شاب ما في كتاب صديقتها وقد إستعارته منها !!
" إذن هاتفي صاحبة الكتاب الأن لأتأكد منها "
تتسع عينيها بعدم تصديق وهي تصرخ بها
" هل تريدين لي فضيحة بين صديقاتي ؟!! "
وبكل صلف ترد
" أليس أهون من أن تفتضحي إبني بين الناس ؟!! "
تتلقى الصدمات وهي تشعر بأنها ستقع مغشياً عليها من وقع كلمات سعاد البغيضة لها
" أفضحه ؟!! "
وترددها مصدومة وهي لا تشعر بساقيها تحملانها وبكل رغبة حمقاء لإثبات صدقها وسلامة أخلاقها كانت تهاتف صديقتها تعطيها الهاتف وتضحل شكوكها

الدموع بعينيها ترفض الهطول بكبرياء وهي تسترد هاتفها تقول بحشرجة
" إذا كنتِ فتحتِ أول صفحة بالكتاب كنت سترين إسم صديقتي وليس إسمي "
تصدر سعاد صوتاً ساخراً تقول
" لا تعيشي دور الضحية .. فلو كنتِ محترمة حقاً لما كنتِ صادقتِ فاجرة كتلك .. لا تبالي بالجهر بحبها لشاب لم يسبق لها إرتباط به "
والسخرية تلك المرة من حقها هي وإن كانت مريرة
" إنه خطيبها "
ولبجاحتها لم تهتم وهي تستدير لترحل عندما وصلها صوت ورد محذراً
" إنها المرة الأخيرة التي تفتشين فيها بأغراضي "
فتلتفت سعاد تقول بغرور تستخف بها
" إنه بيتي ولي حق التفتيش في كل شبر به "
تسرع ورد تقول
" إذن أتركيني أصعد لشقتي "
تبتسم سعاد تقول بشر متلذذة
" بعينكِ يا ورد .. بعينكِ "
أعصابها تفلت فتصرخ حانقة
" عندما يعود حسن سيعيدني لشقتي "
وكالعادة لم تنل سوى سخرية سعاد المتهكمة وهي تقول
" إنتظري ستة أشهر حتى عودته "

_______________

رأسها يكاد ينفجر وهي تنظر في مرأة الحمام لعينيها الحمراوتين
المفترية أصبحت تبتكر طرقاً جديدة لتعذيبها
تأتي سعاد لغرفتها ليلاً متعللة باستوحاشها النوم بمفردها فتستلقي ورد على الفراش الأخر بالغرفة وتبدأ معاناتها من أصوات شخيرها التي لا تنتهي فتستيقظ على تلك الحالة البائسة لعدم إكتفائها من النوم كما أنها لا تسمح لها حتى بالنوم ولو ساعات قليلة بمنتصف اليوم

كادت تفتح صنبور المياه عندما أتاه صوت رنين الجرس فتحركت مسرعة وهي تكاد تتعثر من شدة ترنحها .. لا تريدها أن تستيقظ الأن .. فقط لتبتعد عنها ولو لبضع دقائق أخرى

ترفع سماعة الجرس تضعها على أذنها وهي تجيب
" من ؟! "

تضغط زر فتح بوابة المنزل لعامل التصليح الذي صعد ألقى التحية في إحترام ومن ثم تتدله على طريق المطبخ

تمسد جبينها بارهاق وهي تقف خلف العامل الذي ينحني أسفل حوض المياه وصوت معداته المعدنية تزيد من ألم رأسها
" إنتهيت "
قالها العامل وهو يمسح جبينه المتعرق بكم قميصه ينظر إليها وهي تترنح فيقول بقلق
" هل أنتِ بخير يا إبنتي ؟! "
تحرك رأسها بنعم ثم تقول والرؤية أمامها تتشوش قليلاً
" كم حسابك ؟ "
يجيبها العامل بحذر وهو يتابع بوجوم حركاتها المرهقة
تتحرك مبتعدة فتتعثر بأدواته الموضوعة في الحقيبة أرضاً فيسرع يتلقفها بين ذراعيه وهو يقول بقلق
" بسم الله .. قفي يا إبنتي "
" ياللفضيحة .. ماذا تفعلان عندكما ؟!! "
صرخت بها سعاد بهلع وهي تضرب صدرها بعنف أجفل العامل وهو يقول بتوتر دون أن يترك ورد التي تترنح غير مدركة لما يحدث
" لقد تعثرت .. وأنا ... "
قاطعته وهي تنتشلها منه بقسوة تصرخ فيه بعنف
" أخرج من هنا أيها الحقير "

وببداية يومه هو بغنى عن تلك فضيحة فيلملم حقيبته ويسرع للخارج غير عابئ بتلك التي تتمسك بالحوض تحاول البقاء على وعيها

تلتفت لها سعاد وهي ترفع يديها تسقط بعنف على وجهها فتقع ورد مغشياً عليها .. رأسها يرتطم بحافة البراد بقسوة فتشهق سعاد بذعر وهي ترى تلك الدماء تتسلل منها تلوث الأرض

__________________

أنميا حادة فقر دم رأس مقطب وسائل يسري بأوردتها .. كل هذا لم يمنعها من الإستماع لكلمات سعاد وهما بغرفة المشفى تهمس لفاطمة
" وما الذي أدراني أنه عامل التصليح ؟ "
فتنهرها فاطمة
" توقفي عن أفعالك تلك يا سعاد .. خافي الله يا إمرأة "
تلوى سعاد شفتيها بغير رضا ثم تقول بذعر
" لقد إرتعبت أن يكون سبب ضعفها هذا أن تكون حاملاً "
فتتسأل أختها باستغراب
" حاملاً كيف وزوجها مسافر منذ أشهر ؟!! "
فتهمس سعاد
" لذلك خفت .. الله أعلم إمرأة وحيدة وزوجها لا يراها سوى شهر واحد بالعام .. أولاد الحرام كثر وهي جميلة وصغيرة قد يغويها أحدهم "

تحرك فاطمة رأسها بعدم فائدة وهي تشعر بالشفقة على تلك التي أوقعها حظها العاثر مع إمرأة كسعاد
" إتقي الله يا سعاد وإحمديه لأن شيئاً لم يصيبها وإلا كنتِ بين القضبان الأن "
إنقباضة ذعر تملكتها فترتعش شفتاها بالقول
" حتى وإن حدث .. كنت سأتصرف .. فلا أحد سيسأل عنها "
الدموع تسيل من جانب عينين مغمضتين محترقتين
يالقبحه اليتم من شعور

_____________________

مشكلة كبيرة بينها وبين سعاد فتركت لها البيت دون إهتمام حتى بإخبار حسن في الهاتف

تجلس على حقيبة ملابسها أمام مبنى بيت والديها تخفض رأسها الذي فكت تقطيباته منذ ساعات قليلة .. تخرج هاتفها من جيبها لتعيد مهاتفة أختها
" متى ستصلين يا زهرة إنني أمام البيت منذ الكثير "
تتنهد بتعب وأختها تعيد حديثها للمرة المائة لكن ورد تجيب بإصرار
" لا زهرة لن أعود .. إنها مريضة .. لقد إتهمتني بأنني أنظر للطبيب نظرة سيئة .. لقد أصابتها الشيخوخة بالهلاوث "

ترفع رأسها للأعلى بضيق عندما عقدت حاجبيها وهي ترى نور غرفة أختها المطلة على الشارع حيث تجلس يُضاء فينقبض قلبها بشعور مؤلم
" أنتِ عند أخت زوجك بالبلد المجاور زهرة .. أليس كذلك ؟ "

وجهها يشحب وهي ترى خيال شخصاً يتحرك أمام الشرفة المغلقة ذات الأبواب التي تتخللها الفتحات .. لم يكن إثبات كذب أختها الوحيد بل أيضاً نبرتها التي أتتها متلعثمة مرتبكة مغلفة بتأنيب ضمير !!
ودون أن تسمع ورد كلمة أخرى كانت تغلق الهاتف في وجهها تضغط عليه بقوة وكل جسدها يحترق بنيران الخذلان .. تقف مسرعة وهي تحمل حقيبتها هامسة بنبرة مقتولة
" وداعاً زهرة .. وداعاً "

تتجول بالشوارع المظلمة .. الجميع يرتكن ببيته ولا يبقي سوى الكلاب المتجولة سواء حيوانية أو بشرية وللسخرية هي تخاف الإثنين .. تدعو الله بصمت .. دموعها لا تتوقف وألم قلبها لا يرحم
رن هاتفها وشاشته تنير بإسم خالتها مقترن بسيارة أجرة لحسن حظها كانت تمر بجوارها فارغة فتشير لها وهي تسمع كلمات خالتها على الهاتف

_________________

" حسناً يا خالتي .. إلى اللقاء حبيبتي "
تضع الهاتف بجيب بنطالها وهي تجذب شقي الشال الثقيل على كتفيها تتابع سكون الأراضي الخضراء أمامها تلفحها برودة الطقس القارس .. برودة أصبحت تحبها !!
" مع من كنتِ تتحدثين كل ذلك الوقت ؟ "
ساعديها مرتكزين على سور الشرفة لا تنظر إليه وتجيب باقتضاب
" خالتي صبا "

صبا .. ذلك الإسم الذي ندر ذكره منذ طفولتها .. خالتها التي رأتها للمرة الأولى بعزاء والدتها تخبرها أنها قبل موتها بأيام هاتفتها وأوصتها الخير بإبنتيها وخاصة هي .. وكأنها كانت تعلم ما سيصيبها

توالت الأيام ولم تزورها صبا ثانية لكنها حافظت على مهاتفتها كل يوم رغم تحفظ ورد الشديد في الحديث معها ليأتيها إتصالها في تلك الليلة كإستجابة من الله لدعائها

لا تعلم لمَ لم تفكر بالذهاب إليها سابقاً رغم أنها كانت شديدة الود معها ؟! .. ربما لم تشعر بها قريبة لدرجة أن تحمل عنها عنائها .. خافت أن يُغلق باب أخر في وجهها وهي لن تقوى على دعس كرامتها أكثر من ذلك .. لم تكن تعلم أنها أول من ستفتح الأبواب لها
" أصبحتِ كثيرة الشرود "
لم تنتبه لحديثه فتضيق عينيه قليلاً وهو يقف بجوارها ذراعيه ينعقدان ناظراً للفراغ .. اليوم البرودة شديدة للغاية
" ما أقسى الشتاء  "
وجملته خافته لم تُوجه إليها
" ما أروعه !! "
ونبرتها كانت خافتة وكأن روحها هي من تتمم كلماته .. شجن ناعم منبهر وراقي
" تحبينه ؟ "
لم تجد أذنيه جواب وعينيه تنسحر بخصلات ناعمة يحركها الهواء للخلف تغتصب رائحة ياسمينية تنشرها حوله فيمتلئ بها صدره
" هو يحبك "
وعبارته خافته لامست أذنها .. لا أنفاسه من لامستها !!
وأول ما تداركته ساعدان قويان بجوار ساعديها تلتفت بسرعة فتتسع عينيها تشلها الصدمة فلا تتحرك
وجهه يقابل وجهها .. أنفاسه على بشرتها وعينيه تستحوذ عينيها فلا تستطيع الفكاك .. جسدها يطرد البرودة لتحتله حرارة مفاجأة أنفاسها تخفت ورائحة عطره لطالما أعجبتها لكنها الأن خنقتها !!
" ورد ... "
وهمسه كان السوط الذي سقط بكل قوة على عقلها ييقظه فتتدفعه مجفلة مذعورة تحرك رأسها بنفي لم يفهمه وتتخطاه مبتعدة .. لتهرب !!

نهاية الفصل الرابع


heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:35 pm

[cenالفصل الخامس



لماذا ؟!!
سؤال يتخبط داخل جدران عقله منذ ساعات
هربت ؟!
هي إمرأة خجولة
ذعرت ؟!!
ولا يجد جواب
أو ربما الجواب لا يعجبه
تخافه !!
نيران بكامل جسده وهواء شرفة يتناولها ذهاباً وإياباً لا يفيد
لحظة ......
معطف ثقيل قبعة صوفية وصاحبتهما تتحرك تحت الشرفة في الظلام تواجه الرياح فتصبح حركتها أصعب والثلوج تتساقط عليها بغزارة
المجنونة تتجه لإسطبل الخيل !!

__________________

يخطو داخل الإسطبل جسده يكتسب قليلاً من دفئه وهو ينفض بعض الثلوج العالقة بملابسه
نور خافت ينبعث من أحد الجوانب الخاصة بالجياد وهو يعرف أي جواد تحديداً

قشعريرة خفيفة مرت بجسده قبل أن يتحرك وصوت ناعم تسلل لأذنه فارجف قلبه .. خطواته بطيئة هادئة خافتة ولا يعلم هل يتبع النور أم الصوت ؟!!

عصا خشبية رفيعة بين شفتين ورديتين أنامل تتحرك بانسيابية على فتحاتها الدائرية مغمضة العينين
ضوء أصفر خافت أمام الجزء الخاص بفُلة .. تجلس أمامه على كومة كبيرة من القش
صوت الناي الحزين يتخلل قلبه فيشعر بكل مفاصله تنساب معه
خصلات تتعلق بها بعض رقائق الثلج وإحدى الرقائق تتعلق كالغريق في بحور من حزن على أطراف رموش سوداء

فُلة تستمع وهو يُسحر
الناي يبكي .. يشارك صاحبته دمعة ناعمة تخلت عن موطنها فتشرد على وجنة وردية وتقع
على ملابسها تتشربها .. تُخفيها عن عينيه

تتذكرة جملة قوية من عينين بشراسة الضواري تُحفزها
" لا تسمحي للألحان أن تضيع منكِ يوماً "
حزن الناي ينقشع .. يتشرب بالكبرياء بالصمود .. بالإصرار
كيف سمحت لألحانها أن تتوه منها بين أطلال الماضي ؟!!
ولحن الحياة توقف
لهاث طفيف يخرج من بين شفتيها كأبخرة ناعمة تذوب في الهواء

الشفاه تبتسم واللسان يشكر صاحبة الفضل وصورتها ترتسم بكل عنفوانها أمام عينيها المغمضتين
ياقوت !!
تلك الفتاة التي حلمت أن تشببها يوماً .. تلك الفتاة التي مست الصلابة فيها .. مستها وتجمدت يدها من قوة ما إستشعرته .. إرتعبت .....
وفي اليوم التالي طاق جسدها قبل قلبها ليمسها مجدداً .. حتى أصبح شعور القوة ينبع من داخلها هي دون أن تستمده من غيرها

أنفاسه سُلبت وقلبه وقع صريع عشقها مرة أخرى عندما إنفرجت الشفاه بما لم يتوقع
أهة طويلة ناعمة وعذبة
وصوتها ناي أخر
تفاصيل أخرى
ألة مفتردة بها ولها
ليدرك أخيراً أن لحن الحياة لم يتوقف


____________________


جسد يتهاوى على أريكة ورأس يستند لظهرها ينظر للفراغ بإنهاك
عينين خاويتين تظللها هالات سوداء ووجوم يخيم على محياه
" لا أخبار ؟ "
تقولها سعاد وهي أخر من يريدها أن تسأل
" أتركيني وحدي أمي "
الغضب يعصف بها

تختفي المدللة وتغلق هاتفها لتجد حسن يقف أمامها بعد يومين وقد قدم موعد أجازته .. لا يمل من خصامها وإلقاء اللوم عليها لرحيل ورد الذي قارب الثلاثة أسابيع !!
" حسن إسمعني يا حبيبـ... "
وقاطعها يقف يصرخ غاضباً
" أنتِ السبب .. هل تلك الأمانة التي أمنتكِ عليها ؟ "

ليالي يقضيها في البحث عنها .. أختها أصدقائها حتى إنه لم يدخر محاولات الوصول إليها عن طريق هاتفها لكنها لم تفتحه .. أراد إبلاغ الشرطة لكن تخيل بسيط لما قد يقال عنها من لغط جعله لا يفعل !!

سبابته ترتفع وهي ترى غضبه عليها للمرة الأولى
" فقط أجدها .. ولن تبقى هنا لحظة أخرى .. سأخذها لتعيش معي بعيداً عنكِ "
دموعها تتساقط تؤنبه
" حسن "
لكنه لا يهتم وهو يترك البيت في محاولة أخرى لإيجادها عندما رن هاتفه فيخرجه من جيبه يجيب بلهفة
" هل إستطعت الحصول على عنوان خالتها ؟ "

______________________

أخر ما توقعته أن تجد ما حرمت منه في ربوع بيت لم تتوقع أن تتدخله يوماً
الإحتواء و.. الأمان
" إذن ماذا قررتِ حبيبتي ؟ "
والنبرة الحنون لخالتها صبا
تضع كفها على فخذ ورد وهي تجلس بجانبها على الأريكة في الغرفة التي خُصصت لها
" لن أعود حتى موعد أجازة حسن .. وسأبحث عن عمل في الغد .. فبالتأكيد لن أظل ثقلاً على كاهلك كثيراً "
تجذبها خالتها لأحضانها توبخها بحنان
" أي ثقل أيتها الغبية ؟! .. أنا لن أسمح لكِ بإنفاق قرشاً واحداً وأنت في بيت خالتكِ "
وصبا كانت الإحتواء التي تمنت دوماً من بعد والدتها
" ستبقين هنا تنالين العزة التي قُدرت لمن تحمل دماء القاصي .. معززة مكرمة حتى يأتي سبع الرجال .. وستعودين معه فقط عند تلبية الشروط "
والنبرة ليست للخالة صبا الناعمة بل كانت جادة واثقة .. تحين منها إلتفاتة للجالسة بكبرياء أمامهما شامخة بهيبة لا تناسب عمرها
والأمان كان ياقوت .. الأمان الذي حُرمت منه منذ موت والدها وللأن لم تكن قد وجدته

فتاة تصغرها بسنوات لكن عينيها حصدت عقود من قسوة والغريب أعجبتها !!
ورد الحالمة جذبتها القسوة في عينين .. بل وتمنت المثل لخاصتها !!
اللعنة على تلك أيام تُبدلنا وتجعلنا ننشد ما كنا نمقته يوماً

" لكن حتى تلك الفترة سنذهب بالغد حتى نرى أمور جامعتك "
وكانت كلمات أخرى من ياقوت فلم تجد سوى شعور مقيت يتسلل لها وهي تتخيل مقابلتها لتلك الشمطاء غداً

______________

تتمسك بذراعه تمنعه الحركة وهي تقول معترضة
" ومن أخبرك أنها هناك ؟ "
يقف بتملل يقول متعجلاً
" لا أحد .. لكنها قد تكون هناك "
يبتعد وهو يتجه للباب عندما حانت منه إلتفاتة لسعاد فيقول محذراً
" سأعود بها يا أمي ولن تغضبيها ولو بحرف "
رنين هاتفه جاء من رقم غير مقترن بإسم فيجيب
" نعم إنه أنا .. متى ؟!! "
إنتفض قلب والدته ذعراً وهي ترى شحوب وجه إبنها الذي يصرخ في الهاتف
" ماذا ؟!! "
عينيه تغيمان وهو يقول بصدمة بعد لحظات وقد أغلق الهاتف
" شيماء ماتت بحادث سير "
تضرب صدرها بكفها وهي تهتف بذعر
" شيماء زوجتك ؟! "
فيحرك رأسه بنعم تائهة فتضيف بهلع
" وإبنك ؟! "
كفه يرتفع يمسح شعره قائلاً بخفوت
" لم يكن معها "
وتنهيدة مرتاحة صدرت عنها تنافي طواحين القلق التي إستبدت به

___________________

يجلس على أحد مقاعد المشفى يحمل إبنه ذو الخمسة أشهر بين يديه .. ينظر لوجهه النائم .. يشبه شيماء كثيراً

إمرأة تعرف عليها بالبلد التي يعمل بها .. مطلقة بلا أطفال ترتضي بأي عمل قد يُكسبها بضعة نقود حلال
تزامن تعرفه عليها بعد سفره ببضعة أشهر
عادية لم تجذبه كإمرأة يرغبها ولم يفكر للحظة بالإرتباط بها لكن القدر هو من دفعها في طريقه

لا أهل لها سوى من بضعة أقارب من الدرجة العاشرة لا يعرفون شكلها حتى ولا هي تعلم عن بعضهم سوى أسمائهم الأولى .. كانت مواصفات مثالية لتبقى معه في تلك البلد دون معرفة أحد .. ولولا توافق وقت إختفاء ورد المفاجئ بتعب أصابها لكان تركها هناك ولم يأتي بها لتلاقي حتفها هنا !!
لظل الأمر سراً لا يعرفه غيره ووالدته وهي كانت ستحتفظ به طالما تجد سقفاً يحميها شرور النفوس
إنحنى يقبل إبنه وهو يتمنى لو أنها أطاعة رغبته ولم ينجبا منذ البداية .. لما كان طفله الأن يتيماً وما كان هو عاجزاً عن التفكير في القادم

________________________

أرادت بعض الأوراق من البيت لتنهي بعض الأمور المتعلقة بجامعتها
للحظات شعرت بالخشية من الصعود ورؤية سعاد لا لشئ غير أنها لا تريد أن تفقد ذلك الشعور بالسكينة التي تحصلت عليها بصعوبة منذ بقائها في منزل خالتها
ترجلت من السيارة تنظر للبيت .. صدرها يضيق تتنهد وكادت تتحرك عندما ترجلت ياقوت هي الأخرى تتحرك بجوارها وهي لا تفكر للحظة في الإعتراض

" تفضلي ياقوت "
قالتها ورد بمودة وهي تفتح باب شقة حماتها فتتقدم ياقوت بخطوات محسوبة
لحظات وكانتا في الصالة حيث تجلس سعاد وبجوارها فاطمة تحمل طفلاً رضيعاً
للحظة تفاجأت من كم الإتساع الذي أصاب أعينهما وجههن يكستب هذا الشحوب الغريب !!
هل تمنتا عدم عودتها أم ماذا ؟!!
" مرحباً "
قالتها بهدوء بملامح عابسة وهي تراهما تنظران لبعضهما وكأنها شبح خرج للتو من تحت الأرض !!

تبتلع ريقها بصعوبة وهي تتماسك لتقف .. ألم تجد سوى هذا الوقت وتعود ؟!!
تمالكت صدمتها دون أن يغادرها شحوب !!
ستسيطر على الموقف هي متأكدة
سنوات بقتها تكسر في شوكات تلك الورد فإذا علمت بحقيقة لا تجد جهداً لتثور !!
سنوات تقتات على كرامتها قبل روحها فلا يبقى لديها سوى فتات من كبرياء لترضى بالواقع صاغرة !!

تنظر لتلك الواقفة خلف ورد بخطوات ....
فقط لتغادر تلك مهما كانت من هي حتى لا تُثار فضيحة بين جيرانها ثم ستتصرف !!

تكتسب ملامحها قسوة وهي تقول متهكمة
" أهلاً بالهانم إبنة الأصول .. أتذكرتي أن لكِ عائلة الأن فقط ؟! .. أم مللتِ الشوارع التي أتينا بكِ منها ؟! "

لم تتوقع سوى هكذا ترحاب لكن كلامات سعاد نزلت كصاعقة فوق رأسها ليشحب وجهها فجأة وهي لا تقوى حتى على الرد أو النظر لياقوت
ليت الأرض تُشق وتبتلعها الأن قبل أن تنظر لتلك القابعة خلفها تسمع تلك الكلمات السيئة عنها !!

" أمـ .... "
نطقت بها بصعوبة فتصرخ سعاد بقوة
" إخرسي يا حقيرة ولكِ العين لتتفوهي بكلمة أيضاً ؟!! "
تصرخ تقسو وتشتم .. كلمة أخرى وتلك الواقفة خلفها سترحل دون حتى أن تتكبد عناء وستترك تلك الورد لها وحدها !!

" تعودين بعد أسابيع من غياب وزوجك يبحث عنكِ في كل صوب وجهة حتى أكل الجميع وجهه .. من مثلك لا يجب لها أن تبقى في بيته ولو للحظة "
ورغم كل الذعر الذي تملك منها جوار الخزي كانت تتسأل بدهشة
" حسن هنا ؟!! "
تتهكم سعاد بملامح بغيضة
" ولا يريد رؤية وجهكِ هذا "
يا إلهي ماذا قالت له تلك الحية ؟!!
لا حسن لن يُصدق عليها ولو كلمة سيئة
" ومن تلك المحروسة خلفك ؟! "

إتسعت عينيها بذعر وهي تلتفت تنظر لياقوت التي تقف بملامح شديدة الهدوء تنظر لسعاد دون إنفعال بساعدين معقودين !!
عينيها تتأسف بل ترجو العفو لكن ياقوت لم تلتقط منها شيئاً لأنها وببساطة لا تنظر سوى لسعاد !!
شعورها بالذعر يزداد وهي تتأكد من أن كلمة واحدة من سعاد لياقوت وستفقد يد العون الوحيدة المتبقية لها في هذه الحياة

" إبنة خالتها .. لتلك "
قالتها بهدوء شديد وبلهجتها الغريبة قليلاً عن خاصتهن

سعاد يستبد بها قلق .. الأمر يسؤ .. تلك الملعونة أصبح لها مُساند وخططها قد تُفسد
ورد تشعر بالخزي خاصة وياقوت كانت توجه لها كلمتها الأخيرة بنبرة حملت تقريعاً إنغمس في خيبة أمل فتخفض وجهها في إنكسار
وفاطمة مازالت تحمل الرضيع تجلس على الأريكة وتراقب ما يحدث بملامح وجلة

" ظهر لكِ أهل أخيراً "
قالتها سعاد متهكمة فتنظر لها ورد تقول برجاء
" أمي أرجوكِ "
تقدمت ياقوت تقف بجوار ورد دون أن تنظر لها لتقول بسخرية
" هل أنتِ هكذا دوماً .. أم هناك مناسبة لا أعرفها ؟ "
لم تقوى ورد على رفع وجهها من الخزي حتى بدأت الدموع تتجمع في عينيها
سعاد تنظر لياقوت بحقد وهي تستشعر فيها هذا الغرور .. أبداً لن تجعلها تفسد ما تريد !!


" أنتِ يا فتاة .. تقفين في هذا البيت لا .... "
لم تهتم ياقوت بما تقوله سعاد وهي تسأل ورد ببساطة
" هل تلك الشئ .. دوماً ثرثارة هكذا دون توقف ؟ "
إتسعت عيني سعاد في صدمة وهي تسمع تقريعها بأذنها لتصرخ في غضب عارم

" ثرثارة ؟!! .. أوتجرؤين على قولها أيتها .... "
أجفلت سعاد عندما إشتعلت عيني ياقوت بشراسة ألجمتها وهي تقول بتهديد قاسي دون أن ترفع صوتها مشيرة بسبابتها لها
" أخرجيها من فاهك يا إمرأة وأقسم أن أقطع لسانك وأطعمه لكِ "

في وقت أخر ربما لو قال لها أحدهم المثل لانهالت عليه بالسباب دون توقف .. لكن ذلك الشر الذي ينبعث من عيني تلك الفتاة جعلها تفكر قبلها
" أحضري أوراقكِ هيا .. سنغادر "

إتسعت عيني سعاد بقلق وهي ترى ورد تحرك رأسها في طاعة تُلبي ما تقوله ياقوت فلم تدري بنفسها إلا وهي تصرخ
" إياكِ ومس شيئاً من هذا البيت "
تتحرك سعاد غير مبالية بياقوت وهي تقصد ورد وصراخها يزداد قسوة
" ثم أنكِ لن تتحركي من هذا البيت ولو على جثتي .. أفـ..... "

كف قوي إلتف حول رسغها السمين يمنعها التقدم أكثر تنظر لصاحبته بشر وهي تحاول جذبه منها عندما جذبتها ياقوت لتسقط بعنف على الأريكة جوارها ثم تقول بهدوء دون أن تبعد نظرها عن سعاد
" هيا ورد "

تستشيط سعاد غضباً وكادت تقف عندما إنحنت ياقوت تجذب سكين كان موضوعاً أعلى طبق الفاكهة على منضدة الصالون ترفعه لعنق سعاد التي تجمدت ذعراً وهي تشعر بقساوة النصل الحديدي على عنقها وكأنها تنوي قتلها حقاً !!

تسمع صراخ تلك السيدة التي كانت تجلس صامتة منذ البداية وورد خلفها تهدئها بكلمات لا تهمها بينما هي تستمتع بهذا التعبير في عيني سعاد لتهمس بنبرتها الأجشة بملامح تفيض هدوءً
" من تحمل دماء القاصي لا تُنعت بالحقيرة .. والشوارع أنتِ من تعلميها جيداً "
لا تنتبه سعاد من هول الذعر لحديثها وياقوت تكمل بفحيح سمعته سعاد جيداً تلك المرة
" حقاً سأستمتع برؤية هذا الفم الخلاب دون لسان .. أو أخبرك .. ما رأيك بجسد دون عنق "
تبعد ياقوت السكين وقبل أن تأخذ سعاد أنفاس الراحة كانت ياقوت تشير به ببساطة على وجهها مكملة
" ننزع هذا الرأس البغيض ونضع مكانه رأس حمار "
تتسع عيني سعاد وياقوت تكمل بنفس الطريقة وهي تضع رأس النصل على بطن سعاد المنتفخ
" رأس حمار .. بجسد بقرة .. ما رأيك ؟ "
قالت جملتها الأخيرة وهي تضغط بالنصل أكثر حتى كاد يخترق بطنها حقاً بينما فاطمة تصرخ والطفل يبكي على يديها خائفة أن تقترب من تلك المجنونة فتصيب سعاد بالخطأ
" إجعليها تتوقف يا ورد .. ستقتلها "

تستقيم ياقوت وهي تنظر بهدوء لسعاد التي تسمرت مكانها شاحبة وعينيها جاحظتين
تسمع تنفس فاطمة المرتاح وهي تسأل سعاد عن حالها بينما ورد تمسك بذراعها من الخلف تعاتبها لكنها لم تهتم وهي توجه كلماتها لسعاد بشموخ قاسياً
" ياقوت منذر علام .. تذكري هذا الإسم جيداً .. وإحترميه .. لفظ خاطئ قد أقتلكِ عليه وأواريكِ أسفل تلك الأريكة "
ثم تلتفت تنظر لورد تقول ببساطة
" هيا أم ماذا ؟ "

لم تعرف ياقوت أكان القلق ما ينتابها أم الفرحة ؟!!
سعاد .. تلك التي أذقتها المر تلك الهالة المتجبرة تلك التي لم يستطيع عليها أحداً .. بسهولة هكذا تظهر ذعراً لم ترى مثيله قبلاً من مجرد فتاة ؟!!
إبتسامة منفلتة إرتسمت على وجهها وهي تحرك رأسها بالإيجاب تتحرك بسعادة لداخل الغرفة التي كانت تقطن بها
سعادة لم يتخللها خوفاً من ردة فعل حسن عندما يعلم بما حدث أو حتى قلقاً على حزنه !!

كادت سعاد أن تتحرك عندما أشارت لها ياقوت بالسكين لتبقى مكانها فاستجابت مجبرة وهي تنظر لفاطمة التي ترتعش في وجل بغضب جم

تخرج ورد من الغرفة فتتحرك ياقوت تضع السكين على المنضدة دون أن تلقي نظرة لأحد
" إياكِ أن تعتقدي أنكِ إنتصرتي يا ورد "
لم تبالي بها الإثنتان وهما يتجهان لباب الشقة فيسيطر الغضب على سعاد

لا .. تلك الفتاة لن تترك البيت هكذا بسهولة وأخر ذكرى لها هزيمة على يد قريبتها
سواء عادت أم لا تلك لن تكون تلك هي النهاية !!

" ألا تريدين أن تعرفي لماذا أتى حسن ؟ .. ألا تريدين معرفة من هذا الطفل ؟ "
فاطمة تمسك بيدها وتهمس برعب
" كفاكِ يا سعاد "
تبعد سعاد يدها في حركة نافرة وهي تنظر لكلتيهما بحقد قائلة بصوت مرتفع
" الأن أو بعد ذلك ستعرف .. لمَ لا يكون مني أفضل من الغريب "

شعور مقيت بالخوف تسرب إليها جعل خطواتها تخفت وهي تنظر لياقوت التي تفتح الباب دون إهتمام
" هذا الطفل إبنه لحسن "

البرودة إحتلت جسدها فجمدت خطواتها
عينيها هادئة بملامح متحجرة
لحظة إثنان ثلاثة وإلتفت تحت عيني ياقوت الغامضتين

تقف أمام سعاد التي إسترد وجهها الدماء تمتلئ عينيها بالحقد وهي تسمع تلك النبرة المقتولة من ورد
" حسن من ؟!! "

بالكاد شفتيها شكلت الحروف لتخرج مبحوحة وكأنها على وشك فقدان القدرة على الحديث
تتهكم  سعاد وهي تنظر لها بملامح متشفية تقول
" سلامتكِ يا زوجة الغالي .. وكم حسن لدينا "

طنين أذنيها لا يتوقف وهي ترفع يد مرتعشة لصدرها تقول بشفتين بيضاويتين
" حسن زوجي .. أنا "
وهي لم تستوعب هي لن تستوعب !!

تحركت ياقوت لتقف بجوارها وسعاد توجه تلك المرة الكلمات المتشفية لياقوت نفسها
" عفواً أراد أن يخبرها بنفسه لكنه ليس متفرغاً الأن .. يدفن زوجته فقد ماتت بالأمس "
لم تجد سعاد تلك السعادة وهي لا ترى سوى الهدوء أعلى وجه ياقوت وكأنها تُلقي عليها التحية

مقلتين مقتولتين تحركتا من على وجه سعاد للطفل بين ذراعي فاطمة التي تنظر لها بشفقة ثم لياقوت
جفنيها يتثاقلان وجسدها يصبح أضعف على أن يتحمل و....
تهاوت لتتلقفها يدي ياقوت ببساطة كمن توقعت هذا !!
تضعها على الأريكة بكل بساطة رغم شهقة فاطمة القلقة ونظرات سعاد التي لفحتها شماتة !!
تستقم ياقوت تنظر لسعاد بهدوء جليدي تقابل عينيها فتدحر سعادتها وهي تقول بأعلى درجات ضبط النفس دون أن تتحرك
" أحضري قنينة عطر .. نسيت خاصتي "

________________

صمت .. تردد .. مواجهة .. بوح .. ففراق

كفيها بين كفيه تنظر له ولا تراه .. الدموع تتجمع بمقلتيها دون حرية في حراك والهدوء المطبق يصم أذنيها
" لم أكن أنوي فعل ذلك أقسم لكِ "
يبرر يقبل الأيدي يحتضنها ويتوسلها المغفرة !!
" لقد مر أكثر من عام لم أقربكِ .. حتى بأجازتي الأولى والدتك توفت.. كنتِ بحداد .. كنت أحتاج لإمرأة .. كنت مشوشاً ضعيفاً .. فقط فكري لبعض الوقت .. لقد تزوجتك وبعدها بعدة أسابيع كنت أسافر لم أستطع صدقيني .. الوحدة كانت مؤلمة .. لم أتحملها "
عذراً أقبح من ذنب

" كنت لديك "
النبرة منها مقتولة جامدة وبنفس الوقت مرتعشة .. يبعدها عن حضنه يحيط وجهها بكلا كفيه ينظر لعينيها يتوسلها التفهم لكنهما كانتا قاسيتان حد الألم وهي تضيف بنبرة متذبذبة
" ولكنك تركتني هنا لوالدتك .. أخدمها وأحمل أعبائها .. تكافئني بالإهانة والمذلة فأصمت .. لم أرد إحزانك بغربتك وأنت .. أنت كنت مع غيري .. تشاركها الضحكات وأنا لا أجد من يشاركني الدموع .. والدتك تدعس كرامتي وأنت تذبح قلبي "

عينيه ينهشهما القلق ويديه حول وجهها كقطعتين من ثلج
" أقسم أنني لم أرد .. والله لم أرد "
تبعد يده بقسوة صارخة بهياج
" ولماذا فعلت ؟!! .. لماذاااا ؟! "
إنفعالها يشله وعينيه لا تقوى على المواجهة لكنها تعاند فيهمس بخفوت
" لقد هددتني إن لم أفعل "
نبرته مرتبكة مثلعثمة ومذنبة وكادت تسخر لكنها تنبهت للمعنى
معنى لم يُكن ليخبرها به لكن ردة فعلها فاجأته فلم ينتبه لحديث
" وبمَ هددتك ؟ "
تطالب بإجابة هي حقاً لا تريدها
" بمَ حسن ؟ "

عينيه تتهرب
عينيه قلقتين
عينيه مذنبتين !!

الشهقة لم تغادر حلقها وأناملها تشكل ستار أمام شفتيها لا تريد الجهر بما ينطقه لسانها
" لقد خنتني ؟! "
والدموع كانت تغادر عينيه هو تلك المرة يهمس بعذاب
" لحظة ضعف .. أقسم أنها كانت نزوة .. كنت بحاجة إليكِ .. ولم أدرك ما يحدث "

تتراكم الصدمات فوق صدرها وكثرة الألم جمد قلبها كنبرتها أيضاً .. وكأن الصدمات لم تعد تشل التفكير كالسابق بل تُسرع للعقل فتُترجم دون إخفاق
" ورضيت بالبديل "
" ورد "
عينيها زجاج صامد ونبرتها قاطعة
" أتركني "

_______________________

" تأخر الوقت .. تعودين معي أم اعود وحدي ؟ "
والنبرة هادئة من الواقفة بجانب الباب .. تنظر لها ورد صامتة وكأنها لم تسمعها
" إن أردتي البقاء فأنتِ حرة هذا قرارك .. لكن عليكِ معرفة أن بيت خالتكِ مفتوح لكِ مهما حدث "

لا تجد ياقوت رداً منها لكن عينيها كانت ذكية كفاية لترى ذلك التوسل بعيني ورد تطالبها بإنقاذ .. تترجاها نطق عدة كلمات معينة فتلبي ياقوت قائلة ببساطة
" وإذا أردتي العودة معي .. فلا تخافي .. لن يستطيع أحد أن يمنعني آخذك "
تحرك ورد رأسها بالإيجاب بتشتت  ليكون هذا جواباً للتي مدت يدها بهدوء تسندها لتتحرك معها للخارج وهي تشعر بكل جزء بجسدها يتمزق ألماً وتعباً

__________________

" متعب كيف ؟! "
تسألت ورد بقلق فتجيب مينام بحزن
" كنت أيقظه منذ قليل ووجدت حرارته مرتفعة .. الطبيب أخبرني بأنه محموم وسيكون جيداً بعد إنخفاض حرارته .. يحتاج فقط لبعض الكمدات بالإضافة إلى الأدوية "
تحركت ورد مسرعة للمطبخ ومينام تتبعها وهي تسأل
" ومما أتته الحمى ؟ "

تجذب ورد إناء زجاجي تملؤه بالمياه ومينام تجيب ببساطة
" قد يكون لأنه عاد متأخراً من إسطبل الخيل بالأمس "
أجفلت تنظر لها وهي تسألها بوجوم
" إسطبل الخيل ؟! "
تجيب مينام ببساطة
" نعم فالسائس أخبرني صباحاً أنه تبعكِ لهناك وخرج بعدكِ بساعات "
تعقد حاجبيها وهي تسألها عابسة
" هل كان بالإسطبل معي ؟!! "
" ألم تريه ؟ .. ورد .. المياه "
نبهتها مينام وهي ترى المياه تفيض من الإناء وقد نسيت الصنبور مفتوحاً .. تجفل تغلقه وهي تقول بوجوم مقتضب
" أريد بعض القطع القطنية "

_______________

تجلس على طرف الفراش بجانبه تضع القماش الرطب على جبينه الحار بعملية وملامحها لا يتركها الوجوم
يستلقي مغمض العينين وشفتيه ترددان الكثير من الأشياء أغلبها إسمها !!

شكوكها كانت صحيحة
تبعها للإسطبل
إحتل خصوصيتها
سمع عزفها
وغناء طال
كل هذا سراً ؟!!

تعقد حاجبيها بتفكير
الياسمين ؟!
إنه عطرها

إنتقالها كان هو من يعيقه
هل كان الأمر يحتاج كل ذلك الذكاء لتدرك ؟!
يعشقها
أو يرغبها !!
يردد
" ورد .. ورد "

تتنهد بتعب وهي تنزع القطعة المبللة وتستبدلها بأخرى .. عينيها تمشط ملامحه المرهقة باستعطاف وتهمس متعبة
" ورد سام .. سامة أنا يا صاحب الجياد "

___________________

تستند بظهرها للحائط خلفها عضدها يلامس برودة زجاج باب الشرفة الذي يمتد بطول الحائط جوارها .. القمر يتوسط السماء دون غيوم فيبدو صافياً كليلة صيفية ببلدها
" مازالت مستقرة "
قالتها مينام متنهدة براحة فنظرت لها ورد تراها تمسك بمقياس الحراراة في يدها تبتسم وتقول
" تستطيعين الذهاب لغرفتكِ الأن ورد فقد بقيتِ معه طوال النهار وسأبقى معه أنا الليل كما إتفقنا "
حانت منها نظرة إليه عندما تحركت مينام وهي تجمع بعض الأشياء المبعثرة على الكومود بجانب الفراش قائلة
" سأضع هذه الأشياء فقط في المطبخ وأعود .. لن أتأخر "

وجهه مرهقاً لكنه أفضل من الصباح
إستندت برأسها للزجاج بجانبها تعقد ذراعيها وعينيها ترتفع للسماء ببطئ
زمردتان تزدادان بريقاً تحت ضوء القمر الفاتن كفتنتها
بشرتها صافية ملامحها راقية ونظرتها حزينة
لوحة صامتة تصرخ بالألم وتطالب بالحياة
" تشبهينها كثيراً "
أجفلت تنظر له وقد إستيقظ .. عينيه ذات البريق المألوف والذي علمت الأن بأنه ليس سوى بريق العشق !!
" حمداً لله على سلامتك "
بهدوء تقولها وهي تتقدم منه دون أن يتوقف عن كلماته الخافتة من التعب
" ناعمة .. حزينة .. وذات كبرياء عظيم "

هادئة طبيعية .. غامضة !!
" ألا تريدين معرفة من هي ؟ "
يسألها وهو يراها تمد يدها بعدة أقراص قد أخرجتهم من عبوات الأدوية بجانبه
" تناول تلك اقراص "
قالتها ببساطة فيحاول الإعتدال بجلسته .. تقترب تساعده وتعدل من وضع الوسادة خلفه
يغمض عينيه وصدره يختزن عطرها المحبب لقلبه هامساً
" ياسمين "
تبتعد فجأة وهي تعطيه كوب الماء فيتناوله .. يستغرب تجاهلها لما يفعله.. بل هدوئها هو ما حيره !!

" تشبهين الياسمين كثيراً "
يقولها ويبتلع الأقراص يتبعها بكوب الماء دون أن يحيد بعينيه عنها أو تحيد هي !!
تأخذ منه الكوب تضعه بجانبه وتقول
" بالشفاء "
دخلت مينام تنظر له بسعادة فتلتفت ورد تقول قبل أن تتفوه مينام بكلمة
" تصبحان على خير "
ترد مينام وهو يكمل متحدياً
" لا أحد يفلت من بين سحر عبقها "
لا تجيب وهي تغادر الغرفة فيبتسم بغموض
هي تعلم !!


___________________________


المرأة .....
إبنة صالحة .. زوجة طائعة .. أوأم حنون ؟
قاعدة شذوذها طفرة
ويقول شكسبير أن
المرأة مثل الزهرة إذا إقتلعت من مكانها تتوقف عن الحياة
فهل هي حية ؟
هل هي ميتة ؟
هل إقتلعت من مكانها ؟
وماذا كان ؟!
بيت والديها وقد سلبته أختها منها فلم يبقى سوى ذكرياته السعيدة ؟
قبلة والدها قبل النوم ورائحة طعام والدتها في منتصف اليوم ؟
أو بيت زوجها وقد سلبته سعاد فلم يبقى سوى ذكرياته الحزينة ؟
مكنسة قماش تنظيف وعدة لقيمات مريرة تتجرعها بروح ذليلة
أو قد يكون قلب ؟!
رجل توجها على قلبه ملكة وبلحظة ...
سقط التاج
بخست جواهره
وبيعت ملكته جارية بقلب نازف
أم إنها من البداية بلا مكان ؟!!
جذور لم تُقتلع بل ضُمرت بموت والدين وإعلان شهادة يُتم دون رحمة

" حبيبتي .. إشربي هذا "
دفئ يد الخالة صبا فوق شعرها لا يزيل برودة تحتل حتى أطراف خصلاتها
الحروف تحتك بأذنها تحمل عطف ولا يمنحها مواساة

" ورد "
إسمها خرج متحشرجاً ببداية بكاء .. فالخالة صبا إمرأة رقيقة ولا تتحمل ألم قلب تحمله هي في صدرها بكل أوجاعه

" إتركيني معها قليلاً أمي "
مقلتيها تحركتا تنظر للواقفة بجانب الفراش ولا تعلم متى أتت ؟
تقف والدتها مربتة على كتفها بحنان لا يناسب متلقيته ثم تغادر

جلوس راقي على طرف الفراش ساق توضع على الأخرى ورأس يوجه لها بألية
" على الأقل تستطيعين الجلوس  "
النبرة أجشة ومضمونها تقريع
تعتدل ورد تجلس على الفراش بصعوبة ترتكن بظهرها للخلف والنبرة العملية تأتيها بهدوء
" مر الكثير من الوقت .. وأظن أنه حان إتخاذ قرار "

وهي لم تكن تفكر بقرار
هي ببساطة كانت تحاول إستيعاب !!
وصمتها إجابة الأخرى لا تعترف بها وهي تقول ببساطة

" زوجك سافر "
ونالت إهتمام كامل
العين تمتلئ بالدموع
ومرارة الحلق أصبحت لا تطاق
وعملية ياقوت قاسية حد تفتيت العظام
" لم يفعل جديد .. فلا حاجة للصدمة "
تنخفض عيني ورد في شبه إنكسار أصبحت تعتاده وياقوت تضيف في شبه ملل
" أنا لست متفرغة لمواساة عطف أو شفقة .. فأنا لا أستسغيهم .. أنتِ تستطيعين التمتع بميزة عائلة في صفك الأن "
وتسخر ورد بمرارة متحشرجة
" وماذا ستفعل لي العائلة ؟ "
وبعملية تجيب ياقوت
" تساعدكِ فيما تنوين "
والحيرة تقاتل الحزن بعينيها وياقوت تكمل
" تبقين أو تغادرين "
وورد عينيها تطالب بإيضاح والأخرى ترد
" تبقين زوجته .. أو تغادريه "
والمرارة تُقر
" لن يطلقني "
وياقوت تواجه
" تريدين الطلاق ؟ "
وتجيب بصدق
" لا أريد الماضي .. وهو لن يقبل بطلاقي "
فتعرض ياقوت
" خلع ؟ "
وهي تفكر بألف عقبة وأخرى وتعبر متوترة
" إنني وحدي بمدينة صغيرة .. أختي لا تحب بقائي معها .. وسعاد لن تتركني أخلع إبنها وتصمت .. لن تتوانى في تحويل حياتي لجحيم .. كما أنني لم أعد أعرف إن كان سيسمح لها بذلك أم لا "
وبكل ثقة ياقوت ترد
" أنتِ أمانة بعنق والدتي والحفاظ عليها واجبي .. لذلك ستعطيني قرارك ولا دخل لكِ بالباقي .. كما ستتبعين ما أريده .. كالعمياء "
وجملتها الأخيرة كفيلة بإثارة تفكيرها وقلقها .. لكن السلخ لا يضير الشاه بعد ذبحها .. فهي حالياً لا شئ لديها قد تخسره
" أريد رفع دعوى خلع "
وقرارها كان قاطعاً ونبرتها ببطريقة ما أصبحت قاسية

_______________________

تضحي المرأة .. تقدم عمرها قرباناً لمن تحب
ولكل قربان إيمان
وإيمان المرأة الوحيد في أي علاقة تضم الجنس الأخر هو العشق
وهي منذ بداية علاقتهما تضحي بكل ذرة من روحها المحطمة على صخرة الغد الأفضل
ألمتها خيانته
مزقتها
أحرقتها
وبظروف أخرى قد تتغاضى .....
نزوة زوج !!
فالحياة دونه جحيم
لكن بعض الرتوش أجبرتها ألا تفعل
رتوش أخبرتها أن الذل أبداً ليس بتضحية
رتوش أثبتت أن الحياة أهم من الحب
رتوش جعلت الحياة معه جحيم
لكن المؤلم حقاً .. أنها بدونه ليست جنة !!

لم تتوقع أن تتعافى بتلك السرعة !!
سحر هو تلك الدفعة التي تحركك للأمام بعد ركود أعوام خاصة عندما تكون الفاعلة .. ياقوت
شهر مر على تلك الحادثة وها هي تجلس بحديقة منزل خالتها صبا .. تركيزها الأكبر مسلط على الكلمات في سطور كتبها الجامعية
هواء ناعم لكنه بارد .. الملطف الوحيد للنيران في قلبها
تتألم
لكنها تريد التعافي
تريد التقدم
ولا تريد النسيان
لن تنسى

عينيها إرتفعت تنظر لياقوت التي جلست بهدوئها المعتاد على المقعد أمامها تدفع بأطراف أناملها مظروف وضعته على المنضدة فيصبح أمام ورد .. تعقد حاجبيها وتتسأل
" ما هذا ؟ "
ترد ياقوت وهي تشير بعينيها إليه
" إفتحيه "
مدت ورد يدها تفتحه بتوتر لتجد حفنة كبيرة من الأموال بداخله فتنظر لها بتساؤل وبعملية كانت  ياقوت تجيب
" الخلع لن يعطيكِ أي من حقوقكِ كزوجة .. لكن أنا لا .. تلك حقوقك "
لا تفهم وياقوت تضيف
" زوجك الأن بمخفر مدينتكما "
إرتفع حاجبيها مندهشة والألم بقلبها يزداد .. لا تعلم إن كان قلقاً عليه أم لذكر إسمه !!
" يقدم شكوى عن مجموعة سارقين إقتحموا منزله اليوم صباحاً عندما كانت والدته في المطار تستقبله وقاموا بسرقة شقته العلوية "
تميل ورد رأسها قليلاً بتساؤل أكبر فتكمل ياقوت بعملية
" الإنفصال الزوجي مهما كانت طرقه فأكثر ما يحرق قلب الزوج هو بعض أثاثات و أشياء مادية يعيرها أكبر إهتماماته "
ترمش ورد وهي تقول بشك
" ياقوت أنتِ من سرقتي شقته ؟! "
فتجيب ياقوت ببساطة
" بل السارقين "
تقف ياقوت وهي تقول بهدوء
" تلك الأموال ثمن أثاثك وقد بيع اليوم .. وأنتِ حرة بما ستفعلينه بهم "
تقف ورد وهي تنظر لها لا تصدق ما قالته .. ما فعلته !!
تمد ورد يدها إليها بالمظروف قائلة باعتراض
" لا ياقوت .. أنا لا أريد أي شئ منه .. كما أنه ليس من حقي لأنني من أريد الطلاق "
وبكل برود قالت ياقوت
" إعتبريهم أجر خدمتك لوالدته طوال تلك السنوات .. أم إنكِ إعتدتِ أخذ أجرك ذل ومهانة فقط ؟ "
عينيها إشتعلتا بالغضب فتبادر ياقوت تقول بنبرة قاسية
" لا تطفئي غضبك ولا تتناسيه .. الغضب يكون بأوقات كثيرة هو الدافع للتقدم بالحياة .. وتذكري .. إن جار عليكِ أحدهم بيوم ووهبتِ الفرصة للإنتقام .. لا تترددي ثانية .. نالي أحشائه على يديكِ "

الحب غذاء للروح والغضب أيضاً .. ولكن لروح غير سوية .. كروحها الأن !!
وبكل لذة وجدت نفسها تتقبل الأموال .. بل لو وجدت ما هو أكثر لقبلته
وكادت أن تتحرك ياقوت
" لماذا عاد ؟ "
فتجيب ياقوت سؤالها بلا إهتمام
" لا يهم .. لكنكِ ستجدينه هنا قريباً "

وجهها شحب
نيران .. نيران تشتعل ولا تخفف من ألم قلبها
" أعلم "
والإجابة مقتولة

هو لن يعود ليسترد كرامة مُهانة بدعوى خلع وصلت لبيت والدته فأخبرته بها
بل سيعود لأجلها .. سيعود لذلك اليقين بداخلها بأنه لن يتمكن من تركها !!
يحبها
يعشقها
وموته دونها !!
كانت تعلم ذلك مسبقاً
والأن تتيقن منه !!
فهي بطريقة أو بأخرى للمرة الأولى تشعر بأنها تعرفه


_____________________
يتبع ...........

ter][/center]

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:39 pm

باقي الفصل الخامس


يجلس على المقعد بالحديقة حيث كانت ياقوت بالأمس وهي تجلس مقابله .. كوبان من عصير منعش أمام كليهما .. فالخالة صبا تجيد إكرام ضيفها حتى وإن كان غير مرغوب فيه !!
عينيه متوسلتين بشكل غريب وجهه مهموم ونقص بعض الوزن .. غصة بحلقها مؤلمة وعينيها هادئتين !!
وكأن الدموع نضبت من كثرة ذرفها !!
" لمَ لا تفهمين أنها كانت نزوة ؟ "
وبكل بجاحة يبرر !!
يعتقد أنها ثارت لأنه شاركها أخرى في زواجهما وأنها لم تهتم بخيانة !!
وهي لا تعلم حقاً هل زواجه ما ألمها أم خيانته ؟
وبداخلها تسخر .. فالإثنين جاءا مجتمعان
" نزوة ترقت لزيجة وأنتجت طفل لم أحصل عليه أنا "
وهدوئها يشتته .. يقلقه ويرعبه
يعيد توسله بنبرة مترجية
" أرجوكِ ورد .. لم تكن سوى لحظة ضعف .. أقسم أن لا أخرى بقلبي غيرك"
وتسخر
" ولماذا لم أضعف أنا ؟ "
وملامحه تشتد .. عينيه تغيمان بغضب عاصف ويجيب بقطعية صارمة
" الرجل غير المرأة "
لم تعترض يوماً على حقيقة أنها تعيش في مجتمع ذكوري .. لم تجد في هذا مشكلة ولم تعلم أنه سيكون أقسى ما قد تقابله يوماً
وترد بعملية
" الخيانة واحدة "
وكاد أن يتكلم لكنها أكملت
" لكن وإن أردت فحبك بقلبي كان سيمنعني .. لكن حبي بقلبك كان أضعف من أن يفعل .. وأنا لستُ بحاجة لمثل ذلك حب "
تغلق أمامه كل طرقات الرد فلا يجد سوى جيناته الذكورية تسيطر على نبرته المستبدة وهو يقول بقوة
" أنا لن أترككِ ورد .. أنتِ زوجتي .. لن أفعل "
كلمة واحدة كانت نهاية هدوء جاهدت للتمسك به

تقف فتصرخ بكل وجع الليالي وظلم الأيام
" زوجتك ؟!! .. لا لم أكن زوجتك كانت هي زوجتك .. هي من شاركتك كل لحظة سعيدة أو حزينة هي من أصبحت أم لإبنك هي السيدة التي كانت تنام بجوار زوجها تحتضن إبنها على فراش ببيت يخصها .. هي لم تكن خادمة لوالدتك المستبدة .. هي لم تتجرع الذل والهوان .. هي ليست المرأة التي لم تمثل شيئاً بحياتك سوى شهر من كل عام تخدعها بعذب الكلمات لتنال جسدها بضمير مرتاح "

تلهث بعنف وجسدها بأكمله يرتعش .. صراخها فاجأه فلم يقوى على الحراك .. عينيها تمتلأن بدموع الحسرة وهي تضيف بضعف بدى مناقضاً لصراخها
" لكن أتعرف ؟ .. هي لم تحبك بقدري .. هي لم تضحي بكل سعادتها لأجلك .. ولم تكن على إستعداد لتهبك حياتها دون حتى أن تطلب "
ترفع يد مرتعشة لصدرها هامسة باختناق
" تتعلل بالقلب ؟! .. أنت خنت ثقتي يا حسن .. وكانت الشئ الوحيد الأهم من حبي لك "

كفيه إستندا ليدي المقعد يدعمانه للوقف يتحرك باختناق يقف أمامها .. كفيه باردين يحيطان كفيها المرتعشين يهمس ودموعه بدأت تتجمع في عينيه
" سامحيني ورد .. أرجوكِ .. ترفقي بقلبي وقلبك .. عينيك تموت ألماً كما قلبي "
بعض التماسك لمسها .. تبتلع ريقها بصعوبة ألمت حلقها لتقول بكبرياء مجروح
" عندما غدرت .. وغادرت .. سُلب مني حق الألم "
لم يتصنع عدم الفهم وكفه يلامس وجنتها هامساً
" غادرت لأجلك .. كان يجب علي مد أجازتي حتى أعود وأستطيع إقناعك بمسامحتي "
كيف لم تفهمه من قبل ؟!
كيف لم ترى تلك العيوب ؟!!
هل أعماها حبها لتلك الدرجة ؟!!
عينيها تشكل كل حسرة الدنيا لتقول مشمئزة بملامح مغضنة
" كم أنت أناني "

تتراجع للخلف تبتعد عن حيزه وإشمئزازها يزداد وأمام صدمة عينيه تكمل
" أناني لدرجة تريد بها كل شئ .. زوجة تلقي بالهموم على كتفيها وتريدها أن تتحمل .. تقوم بخدمة والدتك فتريح ضميرك من ناحيتها .. ولكنك كرجل تريدها لرغباتك .. لقضاء حاجاتك .. لحماية لك من الوحدة .. فتتزوج أخرى .. ولا تبالي بجرحي قدر مبالاتك بعمل قد يضيع منك تضعه في الخانة الأولى وأنا الثانية .. فأنا مضمون البقاء أما هو فلا "
يبتلع ريقه بتوتر فتكمل
" لكنني لم أعد مضمونة يا حسن "
يقترب وهو يترجاها بحب
" ورد لا تتركيني .. عودي إلي .. لن تستطيعي العيش بدوني "
ذلك البريق المنتقم بعينيها أخافه وهي تقول بقوة شامخة بأنفها
" أموت ولا أفعل "
وكرجل له كرامته لم يستطع التوسل أكثر من ذلك فيقول بجمود بعد لحظات صمت
" لا قاضي سيحكم لكِ بطلاق .. أسبابك ليست مقنعة .. أنا تزوجت وهذا من حقي شرعاً "
" والخيانة ؟ "
تقولها قاسية فيجيب ببجاحة
" أثبتيها "

" لن نحتاج "
والجملة أتته من الخلف وصاحبتها سبق معرفته بها .. فهي من أوقدت حريقاً ذلك اليوم عند إكتشاف ورد الحقيقة فقط لتأخذها معها حتى أنها كادت تستدعي الشرطة
تضيف ياقوت وهي تقف بجوار ورد
" الخلع قضية إجرائية .. يكفيها أن تبرأك من حقوقها فتنال الطلاق "
وهو يعلم ذلك لكنه يعاند بالقول
" لكن هذا ليس حلالاً شرعاً "
وبسخرية كانت ورد من تقول بقسوة
" لا تتحدث أنت عن الشرع .. فأنت أبعد ما تكون عنه .. وإن كنت تعرفه حقاً لعلمت أن إستمرار زيجة إمرأة كارهة هو المخالف للشرع "

لم تشعر بمثل هذا الإنتشاء منذ قدومه كالأن !!
رأسه تراجع للخلف كمن تلقى قبضة عنيفة في وجهه الذي أصبح يحاكي الموتى وهو يردد مصدوماً
" كارهة ؟!! "

وجود ياقوت جوارها كان يمدها بالقوة لكن تلك اللحظة خاصة لم تحتاج تلك القوة وهي تقول بقسوة ربتت فوق روحها المنحورة
" نعم يا حسن .. كارهة .. كارهة لدرجة أشعر بها بالإشمئزاز من نفسي لمجرد أنني مازلت في عصمتك "

أمتعها حقاً ما يحدث .. ورد الخانعة التي تتمرد بل وتنتشي ببوادر قسوة
تنتشي .. شعور أدركته ياقوت فيها .. شعور جعلها تعلم أنها ستخرج من تلك الحرب رابحة بكل تأكيد
شعور جعلها تحذر من تأثيره !!
غبية .. تستعمل قسوتها على نفسها قبله !!
يلزمها المزيد بعد .. لكن الجيد أنها سريعة التعلم !!

عقدت ياقوت ذراعيها وبثقة كانت تقول منتشلة الإثنين من حديث أعينهما الصامت
" زوجتك تطلب الطلاق لأن العشرة بينكما أصبحت مستحيلة وفي تلك الحالة الطلاق عليك واجب .. أي تثاب على فعله وتعاقب على عدم فعله .. فهذا يكون إمساك بغير المعروف المأمور به في شرعنا .. هذا فيما يتعلق بالشرع أما فيما يتعلق بالقانون فكما أخبرتك سابقاً .. إنها قضية إجرائية "

الغضب إحتل عينيه فجأة من فرط شعور الخسارة .. العبوس يظلل محياه وياقوت توجه حديثها لورد ببساطة
" هكذا أخبرني المحامي "
يرفع سبابته في وجههما معاً يقول بشر
" حتى وإن حدث .. فلن أترككِ ورد .. أبداً "
وأبداً كانت مخيفة قاسية ومتملكة تتبعها إستدارة ورحيل !!

تنظر ياقوت لورد عينيها تنساب على شحوب وجهها والذعر الذي غمر كل تعبير لها
" ما هو إلا بعوضة .. لا تخافي "
تنظر لها ورد بضعف ونظرتها تشكو .. تطالب عون وترجو مساعدة فتقول ياقوت ببساطة
" يحكم القاضي لكِ .. قد تواجهين بعض المشكلات وستنتصرين بلا شك .. بضعة أشهر يشتد عودك .. وأبعثكِ بعيداً تبحثين عن حياة جديدة "
علامات القلق لم تختفي عن وجهها فتكمل ياقوت بغموض
" قوية أنتِ يا ورد .. فقط تريدين إدراك هذا لتواجهين العالم "

عينيها حادت لكوبي العصير على المنضدة بكل برود العالم مما جعل ورد تتجهم بغباء وياقوت تأخذ أحدهما ترفعه لفمها وهي تقول ببساطة
" جيد أنه لم يشرب العصير "

_____________________

" وكيف أشربه وهو بدون سكر ؟ "
تجيب عرضه ببرود دون إهتمام به وقد إعتاد ذلك منها منذ أيام

يجلس على المقعد الخشبي بالمشتل أمام منضدة خشبية يوضع عليها العديد من الأواني الفخارية التي تخص الأزهار يرفع كوب الليمون لفمه يشرب قليلاً وهو يقول ببساطة
" أنتِ لم تجربيه .. فلا تحكمي عليه بالسوء "

ترتدي قفازاتها الجلدية بهدوء وهي تقول دون أن تنظر له
" هناك بعض الأشياء لا نحتاج معها تجربة لنحكم عليها "
ثم تستدير تقول بنبرة لم تعجبه
" الجواب يظهر من عنوانه "

هادئ أكثر من المعتاد يبتسم بغموض مستمتع وكأنه على وشك تفجير قنبلة ما وهو يقول ببساطة
" تخدعكِ العناوين ورد "
متحفزة وإجابتها شاردة
" كثيراً "

رنين هادئ من هاتفها جعلها تجذبه من على الطاولة ترفعه لأذنها وهي تستدير لتستند للطاولة تجيب وهي تنظر له
" مرحباً خالتي "

عينيه تتابعانها دون خجل دون قيود وكأنه في تحدي معها لأن تمنعه لأن تغضب عليه أو ببساطة هو يريد فقط مشاكسة تُنتج أي ردة فعل غير ذلك البرود الغريب منها
" بخير .. وأنتِ "
يرفع كوب العصير لفمه ببطئ دون أن يحيد بعينيه عنها !!
تعقد حاجبيه بوجوم من تدقيقه متظاهرة بالجهل وهي تتهرب بعينيها بعيداَ وهو فقط يستمتع !!
" أجل .. متى ؟! "
عينيها تضيقان فتصبح غامضة .. غاضبة
" ولماذا أعطيتيه رقمي ؟! "
تزفر بضيق
" يالطيبة قلبك خالتي .. وماذا بها إن توسل ؟! "
ساقها اليمنى أصبحت تتحرك بتوتر وإحدى ذراعيها توسط خصرها وهي تقول بعصبية رغم هدوء نبرتها
" غداً خالتي .. وإن هاتفكِ حسن لا تخبريه "
لحظة
حسن من ؟!

إستقام يتحرك إتجاهها يسمعها تودع خالتها بعدة كلمات مقتضبة ثم تضع الهاتف بجيب معطفها
" لماذا تضايقتي هكذا ؟ .. ومن حسن ؟! "
وهي بحالة لا تسمح لها بالحديث
لن تتظاهر ببرود ولن تتجاهل كالعادة

وجهه مقابل وجهها يعلوها بعدة سنتيمترات عينيه تحمل شعاع من الغيرة والمسافة بينهما تحمل حميمية ليست من حقه
" حسن زوجي "

هاجمته بها وإنتظرت إنفعال !!
رأسه حمل تراجع طفيف وعينيه على هدوئهما وإن أصبح لونهما أقرب للسواد
" كيف ؟! "
والنبرة جامدة مصدومة مقتولة أجشة وكأنها تحتك بجدران روحه

هو رجل ككل الرجال يحمل أنانيتهم وغرورهم
لكنها لا تنتقم
لا تحمل عقدة تجربة سابقة
ولا ثأر تراه في كل الرجال
هي فقط وببساطة لا تريد أي مما يريده هو أياً كان ماهيته
" ألم تكن تعلم ؟ "

تعلم أنه لا يعرف
لكنها أجادت براءة السؤال
صفعته بالماضي دون إهتمام
" أنا قررت السفر وطائرتي فجر الغد "
وتجلده بالمستقبل دون ذرة من ندم
وقسوة جملتها جعلت مقلتيه يهتزان بإدراك طفيف

عدة أيام كانت
تبتعد
تقسو
ولا تبرر
وإعتقدها حائرة
خائفة حياة مختلفة
أو رجل مر بتاريخ نسائي طويل
لكنها كانت تهرب !!
وهو أعطاها فرصة للتفكير
طالت المدة التي إعتقد
وكان سينهيها اليوم
لكن المدة لم تكن لتنتهي
لم تكن لتبدأ
فهي ببساطة
تهربت
لأنها ملك .. أخر !!
جفنيه نالا إغماض لحظي
الهواء على صدره مازال محرم
والصمود لم يتزحزح عن عينيه
ونبرته هادئة
" تصلين بالسلامة "


______________________________


قد تأتي بحياتنا تلك اللحظة التي تعيد تشكيلنا فننحرف بمسارنا المعتاد إلى أخر
قد يكون أكثر قسوة أو أكثر لين أكثر قوة أو أكثر ضعف أكثر عشوائية أو أكثر ترتيب
يحمل دوماً الصفة ونقيضها
مسار لا نستمر به نحن .. لا نعود كما كنا ولا يصبح لمسمى الفطرة به مستقر
تلك اللحظة التي تدفعنا لها الظروف لكن قرار خوضها لا يتسرب من بين أصابعنا
لحظة قد نلقبها بداية أو ندعوها نهاية لكنها في الحقيقة قرار
قرارنا لأن نبقى .. لأن نرحل .. لأن نختار الحياة التي نستحق وليست التي نتمنى
تلك اللحظة دائماً تصادفنا كحدث
حدث قد يدعى .. ياقوت

مدينة كبيرة لا أحد يعلم بها الأخر
ولا أحد قد يلوم فتاة مثلها تعيش في أحد المباني بمفردها
سوى بواب ذو أصول ريفية يتابعها بنظرات محتقنة تعلم معناها جيداً !!

شقة قد إختارتها لها ياقوت بالقرب من عمل هي من أحضرته لها أيضاً
الجميع يهتم بها .. والمدير أوصى بها كثيراً .. فأصدقاء ياقوت على ما يبدو كُثر
عمل بيت وأموال تحصل عليها بكرامة .. تناقض أي أحلام سابقة لها عن أطفال وأسرة لكنها تشعر وكأنها تمتلك الدنيا بين كفيها !!

ألمها مازال ينبض لكنه لا يوقفها بل على العكس يدفعها
فالمرأة الكائن العاطفي الرقيق وجه أخر للإنتقامي الإيجابي

قدميها حافيتين تتحرك بنعومة في شقتها الصغيرة التي تدفع إيجارها بنفسها
أموال أثاثها المُباع قد أنفقته كله على دراستها وبعض إحتياجاتها الشخصية بعد أن سمحت لها خالتها بذلك بشق الأنفس
أموال إرثها من والدها والتي تتمثل في نصف البيت الذي تعيش فيه زهرة قد حصلت عليها قبل سفرها بعد أن دفعها لها زوج أختها مقابل شراء حقها فيه .. وهذا بالتأكيد بعد بعض التهديدات من ياقوت التي وصلت حد المحاكم وقد أراد أن يسلبه منها !!
هذا بالإضافة للأموال التي تحصل عليها من عملها الحالي

تركت بلدتها وهربت !!
هربت ولا تخجل منها
هي ليست بتلك القوة التي تخولها التصدي لمعتقدات أجيال وهمسات في الأذن من وراء ظهرها فقط لأنها إمرأة دون أهل ودون زوج !!
صيد سهل
تكاد تقرأها في أعين رجال يعرفون ماضيها
خاطفة رجال
ولا تحتاج لذكاء لتفهمها من نساء يتمسكن بأزواجهن وكأنها ستلتهم منهم قطعة .. حتى وإن كان هذا الزوج ليس سوى جسد مربع يتدلى منه بطن ممتلئ تنحصر الشعيرات من رأسه وتصلها رائحته عفنة كمن لم يغتسل لسنوات !!
هي ببساطة لم يناسبها الوضع فلم تستنفذ طاقتها في محاربات تجذبها للقاع بل رحلت تبحث عن حياة ترفعها للسطح
من حقها السعادة .. من حقها الحياة .. وليس لأحد الحق حرمانها هذا

تفتح باب الشرفة وهي تبتسم بنشوى الشمس التي تسقط على جسدها المحاط بفستان قصير حتى الركبتين .. لا تصدق أنها تنفق من أموالها الخاصة الأن بل وتحتفظ بالقليل من الأموال في المصرف كضمان للقادم
الإستقلالية .. لهي أمر رائع
تفتح التلفاز المتوسط الحجم تغير المحطات حتى تستقر على محطة للأغاني الإنجليزية فتزيد الصوت بشكل مبالغ
تقف أمام الثلاجة التي تحتوي على القليل من طعام يكفيها
تلتقط عدة زيتونات تلقيهم معاً بفمها وهي تحرك كتفيها وتردد بفمها المحشو كلمات الأغنية ذات اللحن السريع
تغلق الثلاجة وهي تتحرك دون أن تتوقف عن الغناء

كيف توقفت عن الغناء ؟!!
كيف سمحت لضغوطات الحياة أن تُوقِف نبع روحها الموسيقي
تحب المسيقى
تحب نايها الخشبي .. هدية والدها بذكرى مولدها الحادي عشر
يومها أخبرها أن صوتها مثله حنون ناعم له نغمة خاصة وقد تصبح رائعة مثله إن إكتسبت بعض الثقة في مشاعرها
وهي الأن على ثقة تامة بكل شعور قد يدق قلبها وتسمح له بالعبور
الثقة ليست في المشاعر فقط بل بالمقدرة على التحكم بها

يرتفع صوتها العذب مع النوتة العالية للأغنية .. تنتهي الأغنية فتنظر حولها بطريقة مسرحية ترفع حاجبيها قائلة باستنكار
" لا تصفيق ؟ "
تحرك رأسها بخيبة مصطنعة وفي نفس اللحظة كان جسدها يتحرك وهي تستعيد نشاطها مع الأغنية التالية مستعدة للذهاب للعمل
الحرية ما أجملها من شعور

_______________________

حذاء ابيض أنثوي أرضي يعلوه بنطال من الجينز وقميص وردي رقيق .. خصلاتها أبقتها متجمعة في ذيل فرس مرتفع وحقيبة بيضاء تعلقها على كتفها بيد طويلة .. تهبط الدرجات الخاصة بمدخل العمارة بنشاط
" السلام عليكم "
تلقيها مبتسمة للبواب الجالس على أريكة خشبية يشيح بوجهه عنها بنفس النظرة العابسة ولن تهتم كعادتها لكن ...
اليوم مزاجها عبثي !!

تقف أمامه تقول مبتسمة
" عم كارم "
يقف البواب إحتراماً وهو مازال متجهماً يقول بخشونة
" أمرك سيدتي "
تبتسم بوداعة وهي تنظر لشاربه الكبير الكث .. يناسب جلبابه والعمامة فوق رأسه
" هل أنت متفرغ اليوم ؟ "
ينظر إليها والتساؤل يشارك عبوسه
" لماذا سيدتي ؟! "
وبكل براءة تظلل عينيها الخضراوتين اللتان تبرقان كالقطط قالت
" لقد بحثت عن طبيب أذن لك جيد .. سأحجز لك موعد بالهاتف وتذهب له ليلاً "
يستغرب كارم فيقول موضحاً بجدية
" لكن أذني سليمة .. تسمع خطوة النملة "
ترمش ببرأة وهي تبتسم قائلة
" إذن لماذا لا تجيب سلامي لك ؟ "
يستعيد وجومه فيقول ببعض الحرج لكن بخشونة
" وعليكم السلام سيدة ورد "
تتسع إبتسامتها وتقول
" كيف حالك عم كارم "
يعقد حاجبيه ويقول
" الحمد الله سيدة ورد "
تزداد نبرتها مرحاً
" والأولاد ؟ "
تنحنح يجيب
" بخير سيدتي "
تمسك بحقيبتها تفتحها .. تنظر له بشقاوة بينما يدها تندس تتحس ما بداخلها وهي تقول بتلاعب مشاكس
" أنظر ماذا أحضرت لك ؟ "
وكارم بدأ يتوتر بل ويقلق .. حاجبيه باتا مخيفان وهو يراها تلوح له بلوح شوكولاة كطفل صغير فيتسال بخشونة
" ما هذا ؟!! "
تمد يدها إليه وهي تقول بمودة مرحة
" النبي قبل الهدية "
فيرد بحذر معترض
" عليه أفضل الصلاة والسلام .. لكن هذا ؟! "
تقاطعه بعشم
" لا ترد يدي يا عم كارم "
يتردد في قبولها ليأخذها منها يضعها بسرعة في جيب جلبابه وهو ينظر حوله خوفاً من رؤية أحداً له قائلاً
" هدية مقبولة سيدة ورد "

وجهها خلى عن كل إصطناع وهو يكتسب جدية بشوشة لا تخلو من إبتسامة عذبة لتقول بلطف
" السلام لله عم كارم .. وتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة "
شعرت بالإحراج لإحراجه بتلك الطريقة حيث إحمر وجهها بشكل ملحوظ فودعته وهي تفكر بأنه رجل طيب أكثر مما إعتقدت

____________________

بنطال بيتي كحلي يلتصق بساقيها يعلوه بلوزة فضفاضة قصيرة بلون رمادي شاحب شعرها معقوص للأعلى بكعكة غير منظمة ينفلت منها عدة خصلات بفوضاوية
علبة بلاستيكية تحتوي على سائل أزرق في يدها اليسرى تُخرج رذاذها على المرأة أمامها بينما اليمنى تمسك بصحيفة قديمة تحركها بحماس على المرأة تنظفها
تبقى معدية .. ماتسلمش عليا .. طب ينفع كده ..لأ لأ
لسانها يردد كلمات الأغنية الشعبية بصخب بينما خصرها يتحرك بشكل مضحك مع يديها !!
أذنيها إلتقطت نشاذ بسيط عن الأغنية .. ترهف السمع فتجده رنين جرس الباب .. تتحرك مسرعة دون أن تترك مابيدها أو حتى تخفض صوت الأغاني المنبعثة من التلفاز تضع أذنيها على الباب تقول بصوت مرتفع
" من ؟ "
الطارق يجيب لكنها لا تحدد فتعيد السؤال بنبرة أعلى والطارق يفعل المثل ليتهادى لأذنيها صوت أنثوي بنبرة ممطوطة قليلاً
" فتحية يا سيدة ورد .. فتحية زوجة كارم البواب "
إبعدت أذنيها بسرعة تفتح الباب تنظر لفتحية .. عباءتها البيتية الواسعة وغطاء رأسها الداكن غير المرتب تبتسم فتبادلها ورد الإبتسام قائلة بمودة
" مرحباً فتحية "
تجيب المرأة الترحاب ثم تتنحنح تقول بإحراج
" أريد أن أحدثك قليلاً "

تخفي ورد إستغرابها خلف الإبتسامة الناعمة وهي تبتعد عن الباب تفسح الطريق فتتقدم فتحية بهدوء عينيها تدوران في الشقة .. صالة كبيرة تنقسم لنصفين .. الغرف والحمام والمطبخ يبعدان عنها
" عذراً فتحية .. البيت في حالة فوضوية .. فاليوم أجازتي وأنا أقلبه رأساً على عقب لتنظيفه "
قالتها ورد مبررة الحالة الفوضوية للشقة متحركة تغلق التلفاز بينما فتحية تجلس على أحد مقاعد الصالون تنظر للجزء الأخر من الصالة بحالته الفوضوية
المقاعد تتجمع في مكان واحد بجوار بعضها دلواً من الماء يوضع على الأرض ينسكب منه القليل والسجادة قد وضعت مطوية واقفة بجوار الحائط وسلم خشبي طويل يوضع أسفل الثرية الكرستالية

تضع ورد ما بيدها على منضدة الصالون وهي تتخذ أحد المقاعد مجلساً وتبتسم قائلة
" ماذا تشربين يا فتحية ؟ "
تنتبه فتحية فتنظر لها تقول مبتسمة
" لا شئ .. أكرمك الله سيدة ورد "
فتعترض ورد وهي تقف تقول بمرح
" كيف هذا ؟ .. إنتظري لقد حضرت بعض الأرز باللبن ستأكلين أصابعكِ وراءه "
ودون أن تنتظر ردها كانت ورد تتحرك للمطبخ بينما فتحية تنظر للنصف الأخر من الصالة حيث تجلس
الثرية تلتمع كرستالاتها فتبدو وكأنها جديدة السجادة نظيفة والمنضدة يتراص عليها بعد الأنتيكات البراقة
" تفضلي "
قالتها ورد بمحبة وهي تضع الطبق الزجاجي على الطاولة أمام فتحية فتبتسم الأخرى تقول بإعجاب
" بسم الله ما شاء الله سيدة ورد .. تبدين من النساء محبات النظافة "
تجلس ورد تقول بمرح
" أنا والأتربة لا وفاق بيننا أبداً "
تلتمع عيني فتحية ببريق تستغربه ورد والأخرى تسألها بطريقة ملتوية
" لكن الشقة مازالت كبيرة لتنظيفيها كلها وحدك "
تنتبه ورد للجريدة ومنظف الزجاج على الطاولة فتضعهم أرضاً قائلة ببساطة
" ليست كبيرة لتلك الدرجة .. كما أن صحتي البدنية جيدة وأستطيع تنظيف ما هو أكبر منها "
ودون رغبة منها كانت تستجمع عدة صور لها وهي مسئولة عن تنظيف بيت كامل سواء كان يحتاج أو لا فسعاد لم تكن لتتركها تجلس هكذا دون عمل .. حتى الدرج كانت تجعلها تقوم بتنظيفة بالماء كل يوم مرتان من أول درجة به حتى نهايته
" وهل تجيدين إعداد الطعام ؟ "
أدركت أنها شردت فانتبهت لفتحية تجيب
" أحكمي بنفسك "
كانت تنظر لطبق الأرز باللبن أمامها فابتسمت فتحية تمسكه وهي تأخذ ملعقة صغيرة تضعها بفمها لتتوالى الملاعق وهي تنظر لورد تقول منبهرة
" بسم الله ما شاء الله .. سلمت يديكِ سيدة ورد .. أنا لم أتذوق بمثل طيابته منذ وفاة والدتي رحمها الله "
تبتسم ورد بمودة تقول
" رحمها الله .. كلما صنعت منه سأبعث بعدة أطباق لكِ وللعم كارم والأطفال "
شعرت فتحية بالإحراج فوضعت الطبق على الطاولة تقول متوترة
" لم أقصد لقد .... "
تقاطعها ورد بمرح لتخخف من إحراجها
" لا تخجلي يا فتحية .. يعلم الله مقدار غلاوتك لدي "
تضع فتحية كفها على صدرها تقول
" يديم الله المحبة "
ثم تتنحنح تقول ببعض الإحراج وهي تشير للجريدة على الأرض
" لكن عفواً سيدة ورد .. لماذا تنظفين الزجاج بالجرائد .. ألا تملكين بعض القماش القطني ؟ "
تبتسم ورد تجيب
" لا أملك .. لكن الجرائد أفضل تزيد اللمعان ولا تترك أثار على الزجاج "
ظهر على المرأة التفكير عندما تنبهت لسؤال ورد اللطيف
" لكن فيما أردتِ التحدث معي ؟! "
تذكرت فتحية فجأة تسألها
" ما عمرك سيدة ورد ؟ "
إستغربت ورد السؤال لكنها أجابت بحذر
" أربعة وعشرون "
إتسعت عينيها وهي ترى تلك السعادة على وجه فتحية تردد بفرح
" يا حلوة يا حلوة "
إبتسامتها إتخذت بعض الحذر دون أن تجيب عندما إتخذت فتحية وضعية تحفز تقول ببساطتها اللطيفة ونبرتها الريفية المحببة
" إسمعيني إذن سيدة ورد .. المثل يقول يا حظ من وفق رأسين في الحلال .. وإخطب لإبنتك ولا تخطب لإبنك .. وكما تعلمين ستر الولايا عند الله أجراً كبيراً "
حذرها لم يتراجع وهي تخمن القادم تقول مصطنعة البلاهة
" ستر الولايا ؟! "
تظهر الجدية مبالغة في نبرة فتحية وهي تجيب ببساطة
" معلوم "
ووجه فتحية تحفز لتقول مسهبة
" كما أنني لا أحب اللف والدوران .. إسألي عني كل المبنى يقولون لكِ فتحية إمرأة ولا كل النساء .. لا أحب كثرة المقدمات ولا أعرفها لذلك سأفاتحك فما أتيتكِ صراحة "

لا تعلم ما الذي يجعلها تريد الضحك حتى الدمع .. عينيها تكتم إبتسامتها بشق الأنفس رغم ما قد تواجهه مما يحدث
" إبن عم زوجي يدعى مكرم .. رجل ولا كل الرجال .. أدب وأخلاق وتربية .. لا وأحذري ماذا أيضاً ؟ .. مقتدر .. يريد الزواج من فتاة متعلمة وجميلة من المدينة .. ومستعد لأن يجلب لها كل ما تريد "
ألجمت ضحكتها وهي تشعر بتسلية أكبر من المعتاد تضع مرفقها على يد المقعد وتستند بوجهها لراحة يدها تقول مصطنعة الإنبهار
" بسم الله ما شاء الله .. وماذا أيضاً ؟ "
تبتهج تعابير المرأة كمن وجدت علامات إستحسان منها لتصطنع التبرم قائلة
" لكن لا يعجبه العجب .. كثيرات من الفتيات أتينا له بهن لكنه يرفضهن .. يريد فتاة جميلة للغاية ورغم أن جميعهن جميلات إلا أن لا واحدة منهن إستحسنها "
ثم تبتسم تقول بخبث
" لكن إحذري ماذا ؟ "
تصطنع ورد المفاجأة تنحني للأمام قليلاً تسألها
" ماذا ؟ "
بدت وكأنها ستخبرها بسر دولي وفتحية تهمس بنظرات متلاعبة
" لقد أتى بزيارة لنا منذ يومان ورأى فتاة تهبط من المبنى وأعجب بها كثيراً وأراد مني أنا وكارم محادثتها .. بل قال أنه لن يتزوج بغيرها "
تتنهد ورد بحالمية وتقول بسذاجة عاطفية
" يا إلهي ما ألطفه .. ومن سعيدة الحظ تلك ؟ "
تضحك المرأة بخجل وهي تضرب فخذ ورد مازحة تقول بلؤم
" أمممم .. ألا تعرفين ؟ "
ترد لها ورد الضربة بمرح مبتسمة ببلاهة وهي تقول
" لا .. لم أعرف .. إنتظري هل هي الفتاة بالطابق الثالث .. لا أتذكر إسمها "
تمتعض ملامح المرأة وهي تقول
" نسرين ؟! .. تلك المدللة التي لا تعرف حتى تقشير البطاطس ؟! "
ثم تلوي فمها تكمل
" كما أنني أخبرتك بأنه لا يعجبه العجب .. ففكري أنتِ بإمرأة جملاها يفوق العجب "
لتتباطئ حروفها تقول بمواربة
" فكري .. جميلة .. متعلمة .. نظيفة .. محترمة .. وماهرة بإعداد الطعام "

تظهر علامات التفكير المصطنع على وجه ورد .. تتأفف فتحية من مدى ثقل فهمها فتقول بإنعدام صبر
" والأرز باللبن الذي تصنعه أكثر من رائع "
تتصنع ورد المفاجأة لتقول بمرح سعيد
" مثلي ؟! "
وهنا وصل صبر فتحية لنهايته فتقول صراحة
" إفهمي يا فتاة .. إنها أنتِ .. وأنا أريد عنوان والديكِ ليسأل عنكِ "
إصطنعت ورد الدهشة بعينها المتسعتين عندما أتاها صوت فتحية كنوع من الترغيب
" كما أنه لا يعارض على بقائك بمفردك .. رغم عدم إستحسان ذلك في عاداتنا "

تجاهلت ورد ما تقوله فتحية وهي تقول بصدمة
" ماذا تقولين يا فتحية ؟! .. كيف يجرؤ على النظر إلى إمرأة متزوجة ؟! "
والغباء هنا كان لفتحية التي تسألت واجمة
" من تلك المتزوجة ؟!! "
ونبرتها جدية
" أنا "
وكأن أحد قد ألقى بدلو ماء بارد على فتحية فتتهرب من الإحراج بالقول الممتعض
" وكيف يترككِ تسكنين وحدك ؟!! "
تتظاهر بالحزن تقول بقلة حيلة
" لقمة العيش .. فهو مسافر في عمله ولا أراه سوى في الأجازات فقط "
تقف المرأة فتقول دون أن تتخلى عن إمتعاضها وكأنها توبخ نفسها وتوبخها معها
" ولماذا لا تبقين لدى أهلك حتى يعود ؟ "
تقف ورد وجهها ينخفض تقول مصطنعة الحزن وإن كان بعض منه لامسها حقيقة
" إنني يتيمة .. ولا أحد لي "
رق قلب فتحية لها فتتفاجئ ورد بها تحتضنها وهي تقول متأثرة
" حبيبتي .. لا تحزني .. أنا وعمك كارم في محلهما "
تبتعد ورد عن حضنها تقول بخفوت رقيق حزين
" شكراً لكِ يا فتحية "
تنظر لها فتحية بتلك الملامح الرقيقة الجميلة لتتنهد متحسرة فتبدو مضحكة وهي تقول محبطة
" يالسوء حظك يا مكرم "
تكتم ورد ضحكاتها وهي توصلها للباب لتنفجر في الضحك بعد رحيل فتحية

تتجه للتلفاز تفتحه ليعلو صوت الأغاني وهي تتحرك بحركات راقصة بلهاء ورغم إمتلاكها لمقومات راقصة ممتازة إلا إنها لا تنجح فيه أبداً
تمسك بالجريدة والمنظف ولسانها يتحرك مع الأغنية الصاخبة لكن بنشاط أكبر
فرتكة فرتكة

ثلاثة أعوام مضتها تتجرع في كل لحظة الشقاء كؤوساً
تشعر أنها قد شاخت فيهم وكأن عمرها قفز للأمام أضعافاً وأضعافاً
حقيقة واحدة تدركها الأن
أن الزمن لا يعود للخلف
ولا يجعلنا نفعل
لا نستطيع نسيان ألام الماضي ولا تجاربها مهما حاولنا
فقلبها ما زال يحمل نفس الوجع .. نفس الإختناق .. نفس المرارة
كما يحمل نفس حبها له
حسن !!
مالك قلبها الأول

لكنه وللعجب حب باهت فقد لهفته ولم تعد نعومته فارقة وكأن بشرتها تجلدت بالجراح فأصبحت خدلة دون شعور

هل كان حبها إليه ضعيفاً هكذا ؟!!
الحب يبهت وألمه لا ؟!!
هل أحبته أقل مما ألمها ؟!!
أم أن لكسره ثقتها ضريبة ؟
وهي إختارت أن تكون الضريبة هي الحب !!

فالحقيقة تبقى كما هي
الزمن لا يعود
ولكنها لا تشعر به يمضي أيضاً
وكأنه كان رحيماً كفاية ليتوقف
ينتظرها حتى تشتد تقوى وتسرع
فتلحقه
وجملة قالتها ياقوت تتردد في أذنها
" قلائل هم من يحفرون أسمائهم في ذاكرة الزمن .. فإن سقطوا يتوقف العالم حتى يعودون للسباق .. الفائز ليس الواصل أولاً بل من يدرك خط النهاية مهما تأخر "
وهي ستلحقه .. ستدركه وإن كانت أخر الواصلين

عينيها حادت لباب الشقة وهي تدرك نداء أخر للجرس فتتحرك ساخرة .. يبدوا أن الوافدين سيكثرون تلك الفترة
شعور بداخلها يخبرها بأنها فتحية وقد نسيت أحد تساؤلاتها لتي ستكثر كما تعتقد ففتحت الباب دون أن تسأل من
تجمدت ....
ذهول هو أو شئ لم يدق أبواب عقلها يوماً !!

الوقفة مسترخية رأسه منخفض وكلا كفيه يرتفعان يسندهما إلى جانبي الباب الخشبي
لم ترى وجهه
لكن أنفها كان أول من أدرك رائحته !!
يرفع رأسه ببطئ .. عينيه لونهما فاتح أكثر من المعتاد ولا تحيدان عن عينيها المندهشتين ولكنها تشعر بهما يجريان على كل جزء منها !!
مسترخي هادئ وفكه يشتد بقسوة وأغبى ما تقوله
" حمزة ؟!! .. هل كنت تطرق منذ فترة ؟!! .. أسفة لقد .. كيف أتيت ؟!! "

كم إشتاق نعومة صوتها ؟!!
حنانه ودفئه في أقسي الليالي الباردة
وفي حرارة طقس كهذا يشعره كنسمة هادئة ترطب روحه المحترقة

شفتيه مالت بسخرية سوداء ونبرته أجشة أكثر من المعتاد
" أيتها الكاذبة .. المدعية "
لا تفهم
وإرتباك غريب جعلها لا تدري ماذا تفعل ؟
لكن هو فعل

ذراعه إلتفت حول خصرها وصدمة عقلها كانت أكبر من إصتدامها بصدره .. كفه خلف رأسها يثبته كما ثُبتت قدماها لا تقويان حركة لكنه حركهما .. يتقدم بها للداخل وعينيه تخيفها ترعبانها وشفتيه فوق شفتيها تشلها !!

لا عقاب على كذبة صدقها بقسوة
لا إنتقام لليالي شقاء تجرع فيها أقسى مشاعر قد تمر عليه
ولا غضب من قلبه الذي كان أضعف من السيطرة على رائحة تعلقت به فظلت تحرقه بنيران البعد

هو فقط .. مشتاق !!
مشتاااق حد أنين قلبه
حد إختناق أنفاسه
حد مغادرة روحه

وصفعتها أتت متزامنة لإصطدام ظهرها بالحائط وكأن ذلك كان صفعتها الخاصة
صفعته ؟!!
وبذهول الألم على وجهه كان يبتعد !!
عينيه داكنة وحشية .. بغضب بلهفة برغبة !!
أنفاسه المتلاحقة على وجهها لا تهديها سكينة وعينيها إحتوت للمرة الأولى على شراسة خطفته !!

لكن الألم الحارق على وجنته لم يضاهي الألم المشتعل بقلبه وبكل قسوة كان يترك خصرها
يقيد كلا رسغيها بكفه خلف ظهرها دون أن يفلت رأسها وينال شفتيها مرة أخرى !!

هكذا دون أية إعتبارات بغضبها العارم أو حتى همساتها المختنقة بين شفتيه .. محاولاتها للإبتعاد كلها فاشلة وقد أحكم قيده حولها سوى من قدميها اللتان تضربان ساقه بقسوة لا تضاهي قسوة إشتياقه إليها

" ماذا يحدث هنا ؟!! "
والنبرة صارخة ريفية ممطوطة !!
وكلاهما لم يتحركا سوى من رأسيهما اللتان دارتا لليمين باتجاه باب الشقة المفتوح !!

يتنفسان بصعوبة لاهثة .. تنظر بذعر تسرب له من البرودة المفاجئة لجسدها وإرتجافها الطفيف بينما هو هادئ كالمعتاد .. أكثر من المعتاد !!
" بل أنت كيف تدخل الشقة هكذا وتشاهد لحظة خاصة كهذه لي مع زوجتي ؟ "
وكان ينظر للرجل غاضباً دون أن يفلتها ودون أن يجهل رأسها الذي دار مجفلاً تنظر له مصدومة غاضبة .. ممتنة !!

نهاية الفصل الخامس


heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:42 pm


الفصل السادس



سمعة الفتاة تلوث بفعل بكلمة بنظرة وجميعهم قد يحملون حسن نيتها لكن سوء نية متلقيها تكون ذات الأثر الأقوى !!

القيل والقال
أسوأ مخاوف كل فتاة كل أب و كل أم

وهي لم ترفع صوتها في حضرة الغرباء فتتهم بقلة تربية
ولم تبادل زميل لها بعض مشاعر حب رقيقة فتتهم بعدم حياء
هي بكل بساطة شوهدت في عقر دار تستأجره بمفردها بين ذراعي رجل و .. يقبلها !!

ورغم أن الأمر دون رغبتها بل إنه أغضبها حد الصراخ لكن الواقع له كلمته

هي ضحية
هي جانية !!

أمر غاضب متعسف منه بالدخول لغرفتها نفذته وسط ذهولها وذعرها ليبقى هو بالخارج منذ ما يزيد عن الربع ساعة !!

باب غرفتها فُتح تراه يتقدم للداخل
تقف في منتصف الغرفة بوجه شاحب لا تقوى من فرط القلق سؤاله شيئاً فقط تنظر له وبعينيها ألف شعور يفتك بها فيقول بهدوء ينافي حالته السابقة
" لقد أقتنع بسهولة أنني زوجك .. وأخبرته إنني كنت مسافر "
وكلماته التالية حملت سخرية لاذعة
" فيبدو أن كذبتكِ على زوجته ساعدتكِ "
الدم بدأ يضخ من جديد في أوردتها تتنفس بل تتنهد وصوته يصلها من جديد
" مكرم .. ضحيتكِ الجديدة .. أليس هذا إسمه ؟ "
بعض من إدراك يعود إليها مع كلماته وهي تستعيد ما حدث في لحظة والغضب ينشب بها فجأة

تنظر له ولا تبالي بنظرته التي حملت غيرة ليست من حقه .. تتقدم وبما حملته من غضب كانت ترفع يدها بقوة تنوي صفعه فيُوقف يدها في الهواء
لكنها تشتعل والكف الأخرى لا يعاني عجز ليتمم مهمة الصفع لكنه أوقفه كالأخر
يرى ملامحها الشرسة وإبتسامة مقيتة تتشكل فوق شفتيه وهو يجمع كفيها معاً خلف ظهرها بحدة فتقترب يكادان يتلامسان
" نكمل ؟ "
وكلمته الخافتة مهددة وخصت شفتيها التي إنحدرت عينيه إليهما !!
لم تتحرك ولم تحاول الإبتعاد فقط هي دفعت رأسها بعنف ليرتطم بأنفه بقسوة !!

يتراجع وهو يمسك بأنفه دون أن يتلفظ بألم وهي تشكر طول قامتها الذي يفيدها في الكثير من الأوقات
" أيها القذر .. الحقير .. هل إعتقدت لمجرد أنني مطلقة أنني قد أكون لقمة سائغة لنذل مثلك ؟ "

تصرخ بعنف ما تحمله من مخاوف في قلبها .. فهي رغم كل ما تغير بها إلا أنها لا تحتمل نظرة الغير المتهمة لكونها مطلقة وكأنها فضيحة تلحق بقدميها أينما حلت .. وهذا ربما يكون أحد الأسباب التي جعلتها تكذب على فتحية لتنهي أمر مكرم بطريقة قاطعة

عينيه دمعتا بقوة وأنفه أصبح أحمراً
ينظر لها بهدوء بينما يدلك أنفه بسبابته وإبهامه معاً وهو يبتسم قائلاً
" لن أعاقبكِ على ذلك .. فلقد إستحققتها "
ورغم كل ما حدث أو قد يحدث .. بداخله شعور لا يمكن وصف سعادته
لقد قبلها !!

وبينما عينيها تشتعلان غضباً نبرته أصبحت إنتقامية
" لكن عقاب كذبتكِ الحمقاء .. لن يكون بعشرات الصفعات "
كل كلمة تزيد غضبها أضعافاً لدرجة قتله خاصة وهي تدرك أنهما بغرفة نومها !!
تحركت مسرعة للخارج فيتبعها دون أن يدرك السبب الحقيقي قائلاً بصوت مرتفع
" هل تعتقدين إنني سأترككِ تهربين ؟ "

تستدير له تقف بمنتصف الصالة تعقد ذراعيها وتقول بغضب تهدده
" سترحل الأن .. وإلا أهاتف الشرطة .. ولا تعتقد أنني قد أنسى ما فعلته أو أتركه يمر مرور الكرام "
وقف أمامها يبتسم ساخراً وهو يقول
" وهل ستضعين زوجك في السجن لمجرد أنه .. قبلكِ ؟! "
عينيها تستشيط غضباً وهو يكمل مهدداً ببساطة
" إفعليها وتخسرين سمعتك "
تضغط أسنانها بعنف وهي تشعر بالعجز يقتحم حياتها من جديد وبكل غباء منفعل قالت
" جميعكم مصطفى أبو حجر "
وهي جملة محببة لدى جميع الفتيات قرأها كثيراً على مواقع التواصل الإجتماعي لكنه إختار السخرية وهو يقول يخفي إستمتاعه بها
" ومن مصطفى هذا ؟ .. هل هو ضحية لكذبة جديدة ؟ "
ترد قائلة بكره
" ليس هناك رجلاً ضحية .. أنتم المجرمون "
هي ليست مقتنعة بما تقول لكنه الغضب !!
فسعاد كانت إمرأة .. أختها إمرأة .. حتى وإن إتبعت زوجها خوف دمار زواجها لكن الذنب يمسها أيضاً

" هل تجربتكِ الفاشلة هي من جعلتك معقدة هكذا ؟! .. أم هذا كان سابقاً ؟! "
ستشد شعرها غضباً منه .. ليس له حق السؤال بل إن ما فعله منذ قليل يجعله مدين لها بحياته التي عتقتها .. مجبرة
وبكل برود يكمل بنفس الإستخفاف
" هل لهذا رفضتي مكرم كاذبة ؟! .. وهربتي مني كاذبة ؟!! .. أصبحتِ معقدة ؟! "
تعلم أن إعتراضها سيفتح له مجال للحديث أكثر فتقول بنبرة قاطعة وهي تشير بذراعها المفرود إتجاه الباب مُظهرة سبابتها
" إخرج الأن .. وإلا أقسم لن يحدث جيداً "
ينظر لها للحظات ثم يتحرك يجلس على أحد المقاعد يقول بهدوء يغيظها
" لم أكن أنوي تقبيلك .. كما أنني لم أكن لأتمادى ... "
تقاطعه صارخة
" تتمادى ؟!! "
وأي تمادي أخر كان يقصد ؟!!
الحقير قبلها ويخبرها أنه لم يكن ليتمادى !!
وبكل بساطة يقول دون أن يستطيع إخفاء نظرته المستمتعة التي إقترنت بابتسامة لم يستطع تلجيمها
" إعتبريه تنفيث غضب وأنتِ إستحققتيه "

كل طاقة غضبها تحولت لكره تشعره إتجاهه الأن
" لقد أتيت لأنني أريد أن أتزوجكِ "
عينيها إتسعت قليلاً من عرضه .. كانت تعلم أنه أحبها لكن هذا لم يمنع دهشتها !!
" وسأتزوجكِ "
وبكل جدية وبجاحة يؤكدها بل ويرسم خططاً أيضاً وهو يكمل
" قولي نعم ونعقد قراننا اليوم .. ثم نغادر لبيتي "
تنظر له وكأن لغته أصبحت فجأة أخرى لا تفهمها وهو يزيد بحنان
" سو إشتاقتكِ .. فُلة إشتقاتكِ .. وأنا أكثرهم شوقاً "

رهبة خوف رفض ورفض ورفض
" لا "
وكانت إجابة قاطعه بشموخ وهو لم يعتقد أن تجيب بأخرى !!
يقف أمامها يقول بجدية
" لا تخونكِ الوحدة ورد .. إنها فقط راحة بعد حزن مضجع .. تختارين الوحدة ظناً منكِ أنها الرغبة المنشودة .. لكنها صامتة .. متشابهة .. تمر الأيام دون تغيير فلا تدركي الجميل منها .. أنتِ لا تحتاجيها ورد أنتِ لا تريديها .. إنها شقاء من نوعٍ أخر .. حياتك تحتاج صخب الإزدحام .. هو وحده من سيعطيكِ حياة "
نظرتها بدت مفكرة شاردة بوجه مغضن
تتعمق في دواخله تستشف ما يعلمه فيضيف يجيب أي تساؤل قد يسري بداخلها
" ياقوت لم تنبث بحرف وقد علمت بالصدفة أنكِ إفترقتِ عن زوجك قبل أن تأتي إلي بالكثير وهذا كان بعد رحيلك بأسابيع .. الفضول دفعني لمعرفة المزيد والذي أخبرتني به الخالة صبا بعد أن أدركت مقدار حبكِ بقلبي "

عينيها ضاقت تقول بغموض
" ماذا تعرف عني ؟ "
" كل شئ .. حتى سبب هروبك مني "
يجيب ببساطة ولا يجد سوى عينيها لا تُفرط في الرفض

هي لا تريد .. هكذا .. وفقط !!

رجل مثله تعلم أنه لن يستسلم بسهولة .. لكن في أيام بقائها معه علمت مقدار كرامته لديه ولا تجد مانع من إستخدامها إن كان هذا ما سيبعده عنها
تختار أكثر نظراتها ونبراتها عنفاً لتقول بنبرة كارهة
" لو كنت أحبك لبقيت .. رحلت لأنني لم أحبك "
أدرك أسلوبها المتخذ وبكل هدوء قال
" هربتِ لأنكِ خفتِ .. خفتِ من السقوط في الحب .. من التسليم بحياتك لرجل مرة أخرى .. هربتِ لكي لا تعطي نفسك فرصة لتحبيني "
وبعينين طامحتين أكمل
" ربما هربتي لإنكِ شعرتي أنكِ قد تحبينني "

كلماته لم تثر ولو جزء من شعور داخلها وهي تسخر قائلة
" الحب هو ما جعلني أتزوج من قبل .. وما قد يجعلني أفعل لن يكون الحب بالتأكيد "
لم ترى يديه التي إنقبضت جواره بعنف الغيرة بينما هي تكمل باستخفاف
" لا أعاني وحدة ولا أحتاج أموال أو مسكن .. تلك الأشياء فقط ما قد تدفعني لتصرف أهوج كالزواج مرة أخرى ..لذا عليك الرحيل حمزة .. فلو بقيت لعام قادم وأثرت ألف فضيحة .. جوابي لن يتغير"

رنين الباب قاطع حديثهما فتأففت بضيق وهي تتحرك تفتحه وللمرة الثانية تتجمد ذهولاً وهي ترى العم كارم المتجهم ينظر إليها بغضب وخلفه كان ينظر هو بحنان بلهفة بضعف !!
اللعنة

" هذا الرجل كان يريد مقابلتك ويقول أنه .. زوجك "
وكلمة مكرم الأخيرة كات متهمة على نحو خطير
نزفت لها كرامتها وهي تشعر بأوردتها تتجمد لا تعلم ما الذي ستفعله في تلك المصيبة !!

كانت تفكر في ترك البناية في الغد متحججة بأي شئ قد لا يثير شك كارم .. لكن الأن لا محالة من الفضيحة .. ستترك البلد كلها تلك المرة وسوء سمعتها ستلحق بها أينما تحط قدماها بجريمة لم تفعلها !!

" طليقها "
وكانت الكلمة الصارمة تأتي من ذلك الغاضب خلفها لتتسع أعين الجميع معاً
كارم الذي لم يتوقع أن تكون مطلقة ومتزوجة من أخر
ورد التي تستغرب الموقف من كل إتجاهاته .. معرفة حمزة لحسن .. قدوم الإثنين في يوم واحد وكلاهما يدعي أنه زوجها ووجود كارم في المرتين !!
لا بد أن أحد يمزح معاها مزاحاً سخيفاً
وبالنهاية كان هناك حسن الذي صُعق من وجود رجل معها بنفس الشقة ليكن هو أول الصارخين
" ومن أنت ؟! "
فيجيب حمزة ببرود كافح ليظهره
" زوجها "
وشحوب وجه حسن أصبح مقلق يردد كلمة حمزة دون صوت وكأن حنجرته ترفض الإعتراف بما سمع
ينظر لورد يعاتب بنبرة مقتولة
" تزوجتِ ؟! "
ويصرخ فيه حمزة .. يقف أمامها ويحّرم رؤيتها على الجميع
" حديثك معي "

شعور لذيذ يتسرب لأوردتها وهي ترى ذلك التعبير المرير على وجه حسن !!
شعور يجعلها تفقد الإحساس بكل ما حولها كمخدر تنتشي له كل خلية بجسدها !!
تتذكر وقت معرفتها بزواجه الأخر .. فتنتشي
تتذكر وقت رؤيتها لإبنه من أخرى .. فتنتشي
تتذكر لهفته لها في كل مرة تكون له .. فتنتشي
كلماته المندهشة بمدى جمالها ومدى هوسه بها .. فتنتشي
همسه في أشد لحظاتهم حميمية بأنها له .. ملكه وحده .. فتنتشي

زواجه خيانته إبتعاده أكد أنانيته .. لكنه أبداً لم ينفي حبه لها !!

والحب يجتمع مع الأنانية فتحول لذته مرارة

أن يتذوق من نفس الكأس جعلها .. تنتشي

لا أن تكون لغيره ليس نفس الكأس !!

هو خانها .. هي لم تفعل
هو أنجب من أخرى .. هي لم تفعل
كان لأخرى وهي معه .. هي لم تفعل

هي كانت القربان لأنانيته
وهو لم يكن يوماً سوى المتلقي بِشَرَه
هو لا يتذوق من نفس الكأس
هو حتى لم يتجرع ولو قطرة واحدة

" أرحه وأره قسيمة الزواج يا سيد "
إرتعد قلبها وهي تفيق من شرودها على جملة كارم الغاضبة فيجيب حمزة غاضباً هو الأخر
" وهل من الطبيعي أن أتجول وقسيمة زواجي في جيب بنطالي ؟! "
فيصيح حسن وقد إشتد غضبه
" أنت كاذب .. هي لم تتزوج .. هي لا تستطيع .. لا يمكنها الإرتباط بغيري .. أنا موشوم بقلبها بعقلها بكل جزء على جسد..... "
وصل صبر حمزة لنهايته ليسدد قبضة قوية لوجه حسن جعلته يتراجع للخلف ويسقط مرتطماً بالأرض بقسوة

ينظر كارم بضيق لحمزة وقد تجمع جميع ساكني المبنى فيقول بجدية
" إسمعني جيداً يا سيد .. الأمر تعدى مجرد مشاجرة على إمرأة .. لذلك غداً نذهب إلى السجل المدني ونرى إن كنت زوجها أم لا .. إما هذا أو أهاتف الشرطة "

كاد أن يهشم وجه كارم أيضاً عندما تقدمت ورد تقف أمام حمزة تقول بوجوم لكن بنبرة صامدة
" حسناً يا عم كارم .. لكن الأن أنا متأسفة سأغلق الباب فلست بحاجة لمزيد من الفضائح "
ودون أن تنتظر جواب كانت تغلق الباب غير مهتمة بهتاف حسن الحانق ولا كارم الذي يحاول تهدئته
ترتكن بظهرها للباب رأسها مُخفض وصدرها مختنق
" موافقة "

عقد حاجبيه من همستها المتعبة فترفع رأسها تقول بهدوء وعينيها تحمل كبرياء مجروح
" نعقد القران الأن لو أردت .. لكن هذا سيكون بمنزل خالتي صبا .. هي عادت لبلدها .. هاتفها لتأتي نعقده في بيتها هنا "
كلامها لا يحمل سوى معنى واحد لن يغامر أبداً بأن يكون خطأ فيقول بحذر
" أتقصدين أنكِ موافقة على .. زواجنا ؟! "

نبض قلبه يزداد بطريقة مخجلة لرجولته وهو يراها تحرك رأسها بنعم لكن الغموض كان يظلل محياه وهو يقول واجماً
" لماذا ؟!! .. لأجل الفضيحة ؟!! .. إن كان كذلك فالسجل لن يُسجَل به زواجنا بين ليلة وضحاها كما .... "
قاطعته تقول بشرود
" سنغادر ذلك المبنى الأن ولن أعود "
تحركت تبتعد لكنه أعاد سؤاله عابساً
" لماذا ؟! "
تنظر له تقول بجمود بعد لحظات
" ربما لأجد من يحميني بظروف كتلك ... "
عينيها ضاقت بشرود وهي تكمل بحيرة
" وربما الأنثى بداخلي تحتاج لأكثر من أموال أو بيت يحميها من شرور الناس .. ربما هي مثقوبة أكثر مما إعتقدت وتحتاج لتقريع .. قد يكون هذا لأرد كرامتها أو .. لا أعرف "
وبغموض كان يجيب باقتضاب
" أعتقد أنني فهمتك "

___________________________


عندما رأت المأذون فجأة شعرت بالدماء تتهرب منها لتلقي له بعدة كلمات مقتضبة بأنها تريد محادثته بشئ ما فاستجاب بهدوء يخفي توتره .. وها هو يجلس منذ دقائق تلقي عليه العديد من الأشياء

قرار رقم واحد
لا زوجة أخرى وهي في عصمته وسيكتب هذا بعقد القران .. وكسره يُلزم بطلاق

قرار رقم إثنين
لا خيانة وسيكتب أيضاً بعقد القران .. وكسره يُلزم بطلاق

تؤلمه بظن السوء عنه بالتشكيك في حبه بمقارنته برجل أخر
لكنه يفهمها

قرار رقم ثلاثة
" العصمة في يدي "
وأغبى قرار منها ويواجهه بغضب وهو يقف معترضاً
" لا "

وبداخلها تسخر
كبريائه لعين كباقي الرجال !!
وببساطة تقول
" لا يهم .. فالخلع موجود إن رفضت تطليقي .. وقد فعلتها قبلاً "
تضغط أكثر مما يجب وليس في صالحها

" لن يُذكر بيننا أبداً "
وكان قراراً ديكتاتورياً منه لا يحمل نقاشاً ولا يقبل إعتراض

إحراجها راقه .. تحمل ثمرة طيبة لم يستطع الظلم إفسادها .. بل إنه حتى لم يمسها !!
عينيها تتأسف وكلماتها تهاجم بقسوة !!
خائفة ...

لا تريد جرحه وبكل ضراوة تهدده
ضعيفة ولن تقبل أن يستغلها أحداً ثانية
غبية فطيبتها أبدً ليست بضعف

صرخ معترض !!
وقرارها الرابع لا يقبله أحمق
" لن تمسني حتى تمر ستة أشهر على عقد القران "
وهي واهمة إن وافق ورفضه لن يتهاون به
تقف تقول بجمود
" إذن لا زواج "

كادت تمر بجواره راحلة فيمسك ذراعها بقسوة ألمتها وهي ترى عينيه بأكثر غضبهما !!

دوماً كانت ترى نفسها جميلة ليس غروراً وإنما فقط عينيها تجيد الرؤية في المرأة
رأت اللهفة كثيراً في عيني حسن رغم أنه إمتلك زوجة أخرى لكنه كان شرهاً في إمتلاكها وكأنه لا يمس إمرأة سواها !!
للمرة الثانية تجد في عيني أخر لهفة مماثلة بلى تتعدى لهفة حسن نفسه !!

لكن الخيانة لا يمنعها حب لا يمنعها جمال ولا يحدها لهفة

" لا تتغابي ورد "
والكلمة محذرة بضيق .. وهي تقدم على تلك الزيجة بقدم وتؤخر قدم
" أنا لم أعرفك حمزة .. وما قضيته معك كان يثبت أنك صديق جيد .. رأيتك كصديق وليس كزوج .. لذلك أنا لا أريد أن أربط نفسي بك قبل أن أعرفك جيداً "
ثم تكمل بعملية
" كما أنني قد أخبرتك أنني أريد فترة خطوبة دون عقد قران .. لكنني سأكون معك في بيتك وهذا لن يكون صحيحاً بعد ما كان .. كما أنني لم أعد أريد البقاء هنا "
جملتها الأخيرة أصبحت خافتة منكسرة وبطريقة ما تألم لها
وبعد لحظات من التفكير كان يقول بجمود
" موافق .. لكن ستة أشهر كثير .. نجعلها شهراً "

أناني ككل الرجال لم يخفضها للنصف حتى بل للسدس .. وهي لن تكون لطيفة وتُحرج كعادتها بل ستصمم وبكل طاقتها لن تقبل بأقل مما تريد

" لا .. ستة أشهر "
ترك ذراعها قائلاً بجمود
" حسناً "
والغموض إكتنف ملامحها لتقول بعد تفكير
" وسنكتب هذا بعقد القران "
وسخر هو دون إستمتاع
" ترفقي قليلاً برجولتي ورد .. فهل ستعلنين هذا أمام الجميع بالخارج "

للأسف هو محق وهي لا تجادل في الأخطاء

" ستعدني إذن "
ويبتسم ساخراً يقول
" تثقين بي ؟! "
داخله يتمنى نعم ولكنه يعلم بأن لا هي الجواب !!
" لا تعتقد أن قلبي هو من خانني وأحب الرجل الخطأ "
نبرتها جادة وتصيبه بالغضب
" بل ثقتي من خانتني وأعطيتها لمن لا يستحق "
غضبه لا يهدأ وهي تكمل بقسوة
" لذلك ثقتي أصعب من قلبي .. نالها تنال قلبي .. فصدقني قلبي دونها لن يفيدك كثيراً "
" قلت أنه لن يذكر بيننا "
ينبهها ساخراً وترد بجدية غير مهتمة بحديثه
" عدني "
وببساطة قال
" أعدك "
ينبه
" وطلبي ؟ "
فتجيب
" إعتبرها المرة الأخيرة التي قد أذكره فيها "
وبهدوء قال
" أصدقكِ "
ويمزح
" ولن أكتب هذا في عقد القران "
وهي لا تبتسم حتى وهو يكمل باستمتاع غير حقيقي
" كما أنني لن أمانع إن أردتِ التراجع عن طلبك في أمر الخطبة "

لا تجاري مزاحه وهو يسأل بجدية
" شئ أخر ؟ "
تصمت وتحرك رأسها بلا فيشير لها بالخروج لتتبعه موبخة نفسها
ليتها فكرت بما هوأكثر !!

___________________


" ربي يتمم لكِ بخير حبيبتي "
والخالة صبا تعيدها للمرة المائة
لا تتوقف عن تقبيلها وإحتضانها بينما ياقوت تجلس على مقعد مقابل بهدوء تنظر لهما دون تعبيرمنذ مجيئها

تنظر الخالة صبا بعيداً حيث حمزة يتحدث على الهاتف فتقول بخفوت قلق بعض الشئ
" هل أنتِ متأكدة حبيبتي من رغبتكِ في السفر معه ؟ "
تحرك ورد رأسها بنعم وهي تفكر بأنها ليست متأكدة من أي شئ الأن !!
" وأنتِ ياقوت ؟ "
تسأل الخالة صبا وترد ياقوت ببساطة
" حياتها وهي أعلم بها "

قلبها ينقبض وهي تشعر بعدم رضا ياقوت عما فعلته فتسألها ورد بتوتر
" لماذا تقولين هكذا ياقوت ؟ .. هل تريني تسرعت ؟! "
تقف ياقوت تقول بهدوء
" كان من الممكن أن تسألي مبكراً أكثر .. لكنكِ كنتِ مشغولة .. لا كنتِ تتزوجين "
هل تكون قد ألقت بنفسها في النار مرة أخرى ؟!
القلق فتك بورد تقول وهي على وشك البكاء
" هل يعاني حمزة من خطب ما ؟! .. هو لا يسكن مع والدته "
غبية وتعتقد أن المشكلة ستتواجد فقط في حماة مجحفة
" المشكلة بكِ وليس بحمزة "
لا تفهم وياقوت توضح
" لم يكن عليكِ الزواج بتلك السرعة .. فأذيال زيجتكِ الأولى ما زالت تتعلق بكِ "
تعقد ورد حاجبيها والخالة صبا تزيد من ضغط كفها على كف ورد من القلق وياقوت تكمل بهدوء
" لكن تلك حياتك .. فحافظي عليها "
وبكل خوفها تسأل
" كيف ؟! "
قالتها عاجزة وبداخلها حيرة وكأنها كانت السبب في إفساد الزيجة الأولى !!

النابض بصدرها لن يتحمل جرح أخر يكفيه ما به فهو يحتاج لعمر فوق عمرها حتى يُشفى .. الأمر لم يعد يتعلق بحب الأمر أصبح يتعلق بخذلان قد يصيبها .. بغدر قد يمزقها !!
هي حقاً لا تعلم لمَ وافقت على الزواج بحمزة منذ البداية
كل الذي تعلمه أنها شعرت بسخط عطل كل مداركها عند رؤيتها لحسن !!

خانها دمر روحها الجميلة وبعد كل هذا يأتي وفي خيالاته يعتقدها ستحن وتعود !!
تزوجها وأحبها وتزوج بأخرى وأنجبت له .. هي تحمل أعباء والدته والأخرى تحمل أعبائه
أناني وأراد كل شئ على حسابها

من الإجحاف أن توقف حياتها وتقتل أحلامها بأسرة وأطفال لأجل رجل مثله لم يفكر ولو للحظة بها !!
ربما هي قبلت بحمزة لتنتقم .. لتخبر حسن بأقسى طريقة أنها ليست له .. أن لها حياة كما هو .. لتخبره بأن سعاد لن تشمت بها لأنها لم تجد من يتزوجها من بعد إبنها الهُمام

ربما فعلتها لتنتقم .. لكن إنتقامها نالها معهما !!
زجت بنفسها في زيجة مجهولة فقط لبضعة أفكار غبية نتجت عن روح ملكومة
لا هي لم تفعلها لتنتقم .. هي فقط وافقت .. هكذا !!
تقسم أن الإنتقام لم يكن نيتها وقتها .. بل كانت متعبة
تتمزق ولم تجد سوى بموافقتها الطوق الذي سينقذها من غرق محتم بعد إنهاكها من محاولات ضارية كي لا ترسو في القاع

عينيها تغيم بالدموع وهي تنظر لحمزة من بعيد بتوجس لكن كلمات ياقوت إنتشلتها وهي تقول ببساطة
" لا تكوني ورد السابقة .. ليست تلك الخانعة "
تحرك ورد رأسها بنعم .. هي لا تنوي أن تكون أبداً كالسابق
" ولا تنسيها أبداً .. فتضلي طريقك "
وأصبحت تجهل ما تقصده ياقوت التي أكملت
" لفظ الألم أمرٌ صعب .. كتمانه موجع .. لكن إمتصاصه وتطويعه كياناً أخر "
تنظر ورد للخالة صبا بجهل وياقوت تلقي بجملتها الأخيرة وهدوئها المعتاد تحول لتحذيري غامض وشامخ
" إمزجي الماضي بالحاضر ورد .. إصنعي عطراً خاصاً بكِ .. لا هو صاخب فيُنفَر منه .. ولا هو باهت فيُنسى وسط كثرة البدائل "


________________________

يتبع ........

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:43 pm

تجلس على أحد مقاعد الإنتظار في المطار .. دقائق وستودع بلدها الوداع الأخير
ألام أحزان فرح وسعادة .. مهما حملته لها تلك البلد فإنه أفضل بكثير من هذا المجهول الذي زجت بنفسها إليه
ليتها لم تفعل !!
عينيها تدور على المارة هنا وهناك .. لا تعرفهم لكنها تريد حفظ وجوههم في ذاكرتها دون نسيان .. علها تكون أخر ذكرى لتلك البلد !!

رأته يأتي من بعيد بابتسامة هادئة فتتجهم ملامحها وهي تشعر برغبة عارمة في البكاء !!
ليت الزمن يعود لساعات فقط .. لنالت تلك الفضيحة بقلب شاكر ولم تتزوجه !!

يجلس بجانبها مسترخي على المقعد البلاستيكي .. ذراعيه معقودان وساقه اليمنى تٌمد للأمام بأريحية .. رأسه يلتفت لها يبتسم ويهمس بعينين براقتين
" مرحباً "
حركت رأسها دون إجابة وهي تخفض رأسها لا تنظر له

يتابع كفيها المتشابكين بقوة توتراً ساقها اليمني التي تحركها دون توقف وقد لاحظ أنها كلما تتوتر تبدأ تلك الساق في الحركة دون أن تنتبه .. فكها المشتد وجنتيها وأنفها المخضبين بحمرة وبالتأكيد لم يغفل عن الدموع التي تجمعت في عينيها بنظرات نادمة عندما نظرت إليه للحظات !!
إبتسامته تتشرب ببعض الحزن رغم بريق عينيه
يكفي أن تكون معه .. زوجته .. وهو سيتكفل بكل تلك المخاوف في قلبها
ذلك القلب الذي سيناله كما لم يسبقه أحداً ولن يليه أحداً

" لقد ودعت الخالة صبا وياقوت "
قالها في محاولة فاشلة لجذب الحديث معها فتحرك رأسها بحركة بسيطة دون النظر له فلا يستسلم قائلاً
" كان من الممكن أن تبقي في بيتهما هنا .. لماذا بقيتِ في منزل وحدك عندما عادتا لبلدهن ؟! "
يراها تبتلع ريقها ببطئ لتأتيه الإجابة بعد لحظات بنبرة خافتة
" أردت الإعتماد على نفسي .. بيتها كبير وكنت سأستوحش البقاء فيه وحدي .. كما أنني لا أحب أن تكثُر أفضال الغير علي حتى وإن كانت خالتي "
عزة نفسها تعجبه كما كل ما فيها

شعرها مجمع في ذيل فرس غير منظم تنفلت منه عدة خصلات
تجفل تنظر له عندما لامس شعرها !!
تنظر له متسعة العينين ولا ترى ذلك الحنان الذي يُغدِق عينيه
كفه مازال معلقاً في الهواء وتعبس عندما رأته يتحرك لتلامس ظهر أصابعه وجنتها المبللة !!
متى بكت ؟!!

تراجعت برأسها تمسح دموعها بعنف وهي تخفض رأسها مرة أخرى بملامح مغضنة
لحظات وكان يميل لأذنها هامساً بخفوت عطوف
" تستطيعين البكاء إن أردتِ "
همسه في أذنها إستوحشته .. أنفاسه على بشرتها ضايقاتها حتى تلك الحركة وهي ترفع كتفها لأذنها مبتعدة عنه قليلاً أغضبتها !!
لا تريد قربه وليس لها الحق في جرحه .. ولا تريد أن تجرحه !!

يراها بعينين عطوفتين دون أن يغضب من فعلتها .. هو يدرك جيداً ذلك التخبط داخلها
تحرك رأسها بنفي سريع لم يعرف إن كان لعدم رغبتها في البكاء أم ربما لعدم إرادتها ذلك لوجودهما بين جموع من البشر
يعتدل في جلسته قائلاً بهدوء
" ورد .. إن أردتِ هذا سأخذكِ لحمام النساء حتى تفرغين كل ما في قلبك .. وإن كنتِ لا تحبين لأحد رؤيتكِ هكذا تحملي لدقائق حتى نصعد الطائرة وإفعلي ما تشائيه هناك "
للمرة الثانية تحرك رأسها بلا فتميل شفتيه بعطف ينظر لساعته ثم يقول
" حسناً .. هل نذهب الأن ؟ "

لاحظ جسدها الذي تصلب دون حراك للحظات !!
يبتلع ريقه بألم .. رغم كل تفهمه لحالتها إلا أنها تؤلمه !!
يؤلمه خوفها وخاصة وهذا الخوف هو سببه !!

يبلل شفتيه الجافتين يقول بخفوت
" إنها طائرة خاصة .. إن لم ترغبي في الذهاب اليوم نؤجل موعد ذهابنا ليوم أخر .. لا توجد مشكلة "

لم تصل نصف كلماته لعقلها من كثرة الأفكار والمشاعر التي لا تتوقف عن دق قلبها وعقلها معاً .. لكن هي لن تتحمل لحظة واحدة من هذا العذاب والظنون تنبش كل جزء منها بالمخاطر التي قد تواجهها
فليحدث ما يحدث .. لا ألم سيكون أكثر قسوة من ألمها الأول !!

تستند بكفيها ليدي المقعد يدعمانها لتقف هامسة دون النظر إليه
" لا .. لنذهب "
إستقام بسرعة يقف أمامها ينظر لرأسها المخفض بتفكير ليقول أخيراً وهو يتحرك
" من هنا "

__________________

تجلس بجانبه في الطائرة التي ما إن رأتها حتى تضاعفت ظنونها السيئة للضعف !!

تعلم أنه ثري لكن ليس لدرجة إمتلاكه لطائرة خاصة .. لقد كان حسن من مستوى إجتماعي يماثلها ومع هذا خانها .. ماذا قد يفعل بها حمزة إذن ؟!

لقد إعتمدت على ياقوت عن دخولها تلك الزيجة الجديدة

إمرأة قوية ذات إسم معروف في بلدها ولديها من الثراء ما قد يساعدها في حل مشكلاتها وهي رأت ذلك عندما إنفصلت عن حسن .. لكنها لا تمتلك طائرة خاصة !!
حمزة ربما يفوق ياقوت قوة .. من سيحميها منه الأن ؟!
وهي التي كانت تتفاخر بحفنة من أموال بالكاد إستأجرت بها شقة ووضعت الباقي في المصرف لضمان ما قد يحدث لها في المستقبل من صعاب !!

ترى الأضواء الحمراء تختفي لتعلن عن أخرى خضراء فتسمع همسه الهادئ لها
" تستطيعين نزع الحزام "
أومأت برأسها ثم نظرت من النافذة بجانبها لتلك الأرض السحيقة لا تكاد تميزها

" إن ظللتِ صامتة هكذا فلن يعتقكِ التفكير "
قالها بعد دقائق فتجفل وكأنه أمسك بأحد الأفكار التي تتوالى في عقلها وتصيبها بالرعب لكنها ظلت على جلستها دون كلمة حتى شهقت تستدير له بأعين متسعة بينما هو مغمض العينين يسترخي في مقعده شبه مستلقي يبتسم بهدوء ويده اليسرى مازالت معلقة في الهواء بعد أن ...

" لقد إتفقنا "
قالتها بحنق وحاجبين معقودين بغضب حرمها من خجل ولو طفيف
ينزل يده يقول باسترخاء وعينيه مازالتا مغمضتين
" ماذا فعلت ؟ "
يشتد غضبها قائلة بإقتضاب عنيف
" لقد لمست ظهري "
تتسع إبتسامته ويفتح عينيه رأسه المستند على المقعد يميل قليلاً لينظر لها ثم يقول ببساطة
" هكذا ؟ "
أقرن قوله بسبابته التي تحرك ظهرها بلطف فوق بشرة ساعدها الظاهر من أسفل بلوزتها ذات الأكمام التي تلامس منتصف عضدها فتشهق واقفة بغضب
ينظر لها وهي تقف أمامه تقول بقسوة
" حمزة كان إتفاقنا محدد .. لقد ... "
يقاطعها بهدوء وهو مازال على نفس إسترخائه
" لا تكوني متعصبة لتلك الدرجة ورد .. فقد سبابتي من لامست عمودك الفقري فوق الملابس .. ولا أعتبرها حركة قد تخل باتفاقنا .. كما أن ساعدكِ يعتـ .. "
قاطعته بقسوة
" بل تخل "
يبتسم بكسل ثم يهمس بخفوت
" حسناً تخل "
يحرك كتفيه ببساطة قائلاً
" كنتِ قلقة ويثقلكِ التفكير .. أردت فقط نشلكِ منه .. ولا تنكري فلقد نجحت "

يرى شفتيها تتبرم تدريجياً وعينيها تتعمقان بتفكير وقبل أن تتكلم كانت ساقه تتحرك بسرعة ترتطم بقدمها فيختل توازنها وقبل أن تلبي رغبته بالوقوع بين ذراعيه كانت يديها تستند بسرعة ليدي مقعده !!

تنظر للشئ الذي أوقعها فتجد ساقه .. تتسع عينيها بغضب وهي ترفع وجهها إليه فيزداد إتساع عينيها ووجهها لا يفصله سوى أنفاس عن وجهه واللمعة في عينيه جعلت خفقات قلبها تزداد !!
" نستطيع القضاء على باقي الأفكار "
ترمش وهي تسمع تلك النبرة الأجشة منه ورغماً عنها تجمدت
كفيها فوق يدي مقعده عينيه شبه منغلقتان وشفتيه هامستان بعاطفة
" بقبلة "
شعرت بتلك الدقة العنيفة التي جعلتها تعتدل في وقفتها لتسرع وتجلس على مقعدها تنظر من النافذة وهي تحافظ على ظهرها تلك المرة ملتصق بظهر المقعد !!

تهتز إبتسامته قليلاً يحاول السيطرة على إنفعالاته التي تكبد العناء ليحافظ عليها هامساً بهدوء أبعد ما يكون عنه وهو يغمض عينيه مرة ثانية
" لم أكن لأفعل .. بيننا إتفاق .. سيكون عندما تريدين .. فقط كنت أشاكسك "
نبرته هامسة ومازالت متحشرجة بطريقة تقلقها خاصة بتلك الذبذبات العاطفية التي تتخللها !!
حسناً رغم كل شئ فقد توقفت الأفكار !!

شعور رائع بالراحة يغزو كل جسده فيُثقل عينيه بنشوى التُخمة
لا يصدق أنه بعد أسابيع طويلة منذ رحيلها يقضيها في ثورات بغيضة قاسية تقتات على قلبه قبل عقله أن ينتهي كل هذا بتلك الطريقة الرائعة !!
لقد فقد الأمل في أن يُشفى من ذلك الألم الذي فتك به لمجرد أنها رحلت
لم يظن أن يعشق إمرأة هكذا يوماً ولم يظن أن الحياة قد تكون بمثل تلك الروعة أبداً !!

قلبه مازال يتألم خاصة وهو يتذكر ذلك الإنكسار في نظرتها وهي تصعد معه الطائرة هذا الإستجداء في عينيها وهي تنظر لبلدها قبل أن تشيح بوجهها عنها للمرة الأخيرة وكأنها ترجوها إنقاذ أو ربما تُظهر رغبة لبقائها !!
قلبه يتألم عليها بل ينزف
لكنه ألم يطاق على الأقل
ألم يحمل أمل
أمل يتضخم في قلبه مع كل لحظة يجدها بجواره .. أمل بعد أن أصابه اليأس في عشقها فلم يقوى حتى على نشد نهاية

" تبدين رائعة وأنتِ خجلة "
كلماته تُحرجها وتوترها بنفس الوقت .. تشعر بالحرارة تشب داخلها من فرط التوتر وهو يُكمل باسترخاء ونبرة صافية
" وجنتيكِ تحمران ومقلتيكِ تهتزان "
يسمع صوت زفرتها الغاضبة .. فيبتسم ويصمت
بعد لحظات كان يكمل بهدوء بعيداً عن غزله
" عائلتي ستحبك .. سنذهب لنقضي معهم بعض الوقت ثم نذهب لبيتنا .. والدتي ستحبكِ كثيراً .. منذ وقت طويل وهي تتمنى زواجي.. ربما تكون غاضبة لأنني عقدت القران دون أن أخبرها لكنني متأكد أنها ستحبك .. أبي متوفي .. جدي أراد زفافاً يليق بعائلة الهاشمي لكنني لا أحب الصحافة والمناسبات الكبيرة .. لقد أقنعته بصعوبة أن يكتفي بخبر في الصحف فقط .. و ... "

حديث لا ينتهي ولا يتوقف .. كلمات وكلمات تنخر في عظامها حتى شعرت بألم بارح في كل جزء منها
عائلة .. وأم غاضبة !!

لقد كان لديها حماة فقط وعانت معها الأمرين .. ماذ  ستفعل مع تلك الغاضبة حتى من قبل أن تراها ؟!

عائلة ثرية يتزوج إبنها من فتاة بسيطة دون إخبارهم وقد سبق لها الزواج من أخر على عكسه هو
إنها لن تستغرب إن طردوها من البيت فور رؤيتها !!

شعر بها تتحرك فيفتح عينيه ليجدها تتجه إلى الحمام بسرعة أثناء حديثه فينظر لها بإستغراب سرعان ما تحول لقلق وهو يتذكر أنه أخبرها بأنهما متوجهان لعائلته الأن فقط !!

___________________


كفيها فوق شفتيها بقوة تكتم بكائها .. تتساقط دموعها بغزارة وتغرق كفيها

ما الذي فعلته بنفسها ؟!!
لن تعود لذلك العذاب من جديد .. لا تريد .. لن تسمح لكرامتها بذل جديد ولا لكبريائها أن يُنحر كل يوم دون أن تستطيع دفاع !!

بلد غريبة وعائلة هي بالنسبة لهم نكرة .. ماذا قد يفعلون بها ؟!
كيف لم تفكر في هذا من قبل ؟! .. كيف ؟!!

دق فوق الباب جعلها تستدير تنظر له .. دموعها لا تتوقف ولا تريده أن يراها بتلك الحالة الضعيفة
يستمر الدق الذي يقترن بلفظ إسمها
تُحرك رأسها بلا دون أن تقوى حتى على التوقف عن البكاء .. تبعد كفيها عن شفتيها تريد الرد عندما أصبح ينادي إسمها بنبرة قلقة فلم تسيطر على شهقة بكاء أفلتت منها لتجد الباب يُفتح سريعاً ينظر لها بملامح قلقة سرعان ما إختفت خلف وجومه !!

تخفض رأسها بخزي لا تقوى على التوقف ولا تقوى النظر إليه وسرعان ما وجدت نفسها بين ذراعيه يحتضنها بقوة فلا تبتعد

كفيها على فمها بل أصبحت تعض لحم أحدهما بقسوة وشهقاتها مازالت مكتومة فيبعدها قليلاً
لم ترى وجهه حيث تخفض رأسها لكنه أبعد كفيها بقوة ليدفن وجهها في عنقه .. تعض شفتيها حتى تألمتا لا تريد إفلات شهقة خائنة وهمسه يأتيها مُعذباً
" أطلقيها ورد .. أطلقيها .. إرحمي قلبك حبيبتي "
فقط هو همس إسمها لتتعالى شهقاتها وهي تضم كفيها لصدرها بقوة بينما هو يربت على شعرها بهدوء ينافي صخب الألم في قلبه

____________________


خفت إحمرار عينيها دون أن تختفي أثار بكائها بالكامل

يسيران بجوار بعضهما في المطار يتجهان للخارج وعينيه لا تتوقف عن النظر إليها كل دقيقة

بصعوبة توقفت عن بكاء إستمر دقائق طويلة دون إنتهاء .. تبتعد عنه وتحاول تماسك لم يقنعه فلم يتركها إلا وقد غسل وجهها بالماء ويعود بها لمقعدها ليطلب بعدها من مضيفة الطائرة أن تحضر لها بعض العصير تشرب بعضه ثم تنظر للخارج من النافذة دون النُطق بحرف

يعلم ما الذي يُخيفها ورغم معرفته بأن ظنونها ستخيب إلا أنه لا يملك سوى الحزن من تلك الألام التي لا تتركها .. التي لا تتركه

قابلتهما الشمس الحارة عندما خرجا من بوابة المطار فرمشت مرتين .. يبتسم قائلاً
" الطقس هنا أول ما جعلني أترك تلك البلد .. أنا أحب الطقس البارد أكثر "
لم تُعير كلامه أهمية كبيرة وهي تنظر حولها بجمود رغم فضولها !!

تلك بلد والدتها التي أُجبرت على تركها بعد زواجها من والدها
تمنت أن تكونا ياقوت والخالة صبا بجوارها الأن لكنها تعرف إن علم جدها بأنهما على علاقة بها قد تتطور الأمور للأسوأ !!
يكفيها فقط أنهما كانتا بجوارها في أحلك لحظات حياتها حتى وإن كان في الخفاء !!

" الأمر يحيرني .. لماذا رفضتا ياقوت والخالة صبا المجئ معنا رغم أنهما وصلتا قبلنا بالقليل فقط ؟ "
قالها حمزة مصطنعاً الحيرة فحركت كتفيها بجهل دون إجابة فيشعر بالحزن داخله !!
هو يعلم كل شئ عن ماضي عائلتها .. أخبرته الخالة صبا بكل شئ حتى سبب حفاظها على سرية علاقتها بورد هذا بالإضافة إلى ما كان يعرفه دونها .. إنه فقط أراد معرفة إن كانت سترغب في إخباره إن سألها أم لا .. لكن يبدو أنها ستظل تنأى بنفسها بعيداً عنه أكثر مما إعتقد

يقفان في إنتظار السيارة التي ستأتي لاستقبالهما كما أخبرها حمزة .. الشمس أصبحت تضايقها خاصة مع تلك الرطوبة العالية .. تنظر لتلك السيارة الطويلة للغاية التي تقترب منهما
سيارة كتلك قد تحتاج شارعاً خاصاً في مدينتها حتى تستطيع السير .. تلك البلد يبدو عليها الثراء

تتنهد بتعب .. كل هذا لا يبهرها بل يقلقها !!
الفروق ليست حتى بين شخصياتهما بل حتى بين مكان تربيتهما

وقفت السيارة أمامهما فتنظر لها بوجوم .. سوداء براقة ببريق يضايقها .. لم تكن يوماً من الشخصيات المادية أو المتطلعة لما يملكه الغير لكنها تحب النظر لتلك الأشياء البراقة .. جميلة وكل جميل يستحق النظر .. لكنها تشعر بها الأن قبيحة وبريقها لا يجذب العين بل يؤذيها فقط !!

شعور بغيض تملكها وهي ترى السائق يخرج منها بزيه المُرتب ليتجه إلى حمزة ويفتح له الباب الخلفي !!
خيبة شديدة تملكت منها وحمزة يُفسح المجال إليها فتصعد للسيارة أولاً دون أن تنظر له ولو بطريقة عابرة وكلماته تصل لأذنها قائلاً بعد أن ألقى عليهما السائق عدة كلمات ترحيب وإعتذار عن تأخره
" لا بأس .. خذ الحقائب "
ليس عليهم أن يكونوا بهذا الثراء !!
همستها بداخلها بعنف قاسي وهي تستغرب نفسها .. هل أصبحت حقودة لتلك الدرجة ؟!!
تعيد ترتيب داخلها وهي تحدد سبب شعورها .. خائفة ومن حقها هذا

يرى ساقها التي بدأت بالتحرك ووجهها موجه للنافذة بجوارها وكأنها بهذا تتهرب منه
" ورد "
تجمدت
شعر بالعطف عليها .. تجفل لكل همسة أو فعل منه يعيدها للواقع .. خائفة بدرجة لعينة !!

لم يراها وهي تبتلع ريقها تنظر له متحاشية مقابلة عينيه وهو يقول بلطف
" أنظري إلي "
لا تريد
بصعوبة رفعت عينيها تقابل عينيه
يبتسم بملامح تطمئنها ويقول بهدوء عطوف
" أعلم أن الأمر يستدعي القلق لكن عليكِ أن ترتاحي .. عائلتي لطيفة للغاية "
بالتأكيد لطيفة لدرجة أنه لا يستطيع البقاء معهم سوى لبضعة أيام في الشهر !!

لم تهتم لما قاله ليكمل مسهباً
" عائتي ليست كبيرة .. هناك جدي .. رجل طيب للغاية قعيد الفراش بسبب الشيخوخة .. هو من قام بتربيتي بعد وفاة والدي وأنا صغير .. ستحبينه كثيراً أنا واثق من هذا .. لدي شقيقان أنا الأصغر أحدهما يكبرني بعام والأخر بعامين .. ستجدينهما غريبان بعض الشئ خاصة مهران لكنهما طيبان .. هما يتولان أعمال العائلة مع عمي لذلك يندر وجودهما في البيت .. يحيي متزوج من إبنة عمي كما مهران أيضاً وكلاهما ليس لديهما أطفال .. ستحبين تمارة زوجة مهران فهي لطيفة عن أختها كثيراً .. تدعى رغد .. حاولي أن تتلاشيها كما نفعل نحن فهي غريبة كثيراً .. كما هناك الصغيرة ليلة إبنة خالي .. إنها تربت معنا منذ مولدها .. توفت والدتها عند إنجابها ومنذ هذا الوقت وأمي هي المسئولة عنها .. إنها كأخت لي .. ثم أمي "

كانت تتابع كلماته بتركيز شديد وهي تعدد أفراد أسرته على أصابعها كلما ذكر إسم أحدهم
شعور نالها بالسوء وهو يتحدث عن رغد تلك خاصة ونبرته باتت مفتعلة الهدوء بشكل مبالغ وشعرت بالقلق أكثر عندما تحدث عن إبنة خاله بملامح إبتهجت كثيراً وكأنه يُنهي سريعاً ذكره لرغد !!
وشعور لا يوصف عندما تلفظ بكلمة أمي !!
وهي لاحظت أنه لاحظ هذا بدوره ليتوقف ينظر لها بعطف تمقته ليقول بعدها بنبرة بدت مريحة لكنها لم تشعرها
" أمي رائعة .. تدعى سمية .. لن أحدثكِ عنها .. سترينها بنفسك وستعرفين أن قلقك هذا لا محل له من الصواب "
كان يتحدث وحاجبيها ينعقدان بشكل مضحك وهي رأت هذا في عينيه المستمتعتين لتردد بوجوم
" هذا فقط "
قالتها متبرمة فيجب
" نعم .. هناك خالي ولا نراه كثيراً وهناك .. عمي .. حيدر .. لن تحتاجي الإحتكاك به سوى أوقات الطعام فقط "
شيئاً تسلل لها بشعور غامض وهي تراه يتحدث عن عمه بتلك العينين الغامضتين بجمود أخافها

توقف عن الحديث ونظرته أصبحت غامضة بملامح متجمدة وهو ينظر للفراغ دون تعبير

غبية يا ورد غبية .. كيف تتزوجين رجلاً لا تعرفين عنه شيئاً هكذا ؟!!
إهدئي الأمر بسيط .. لا شئ سيحدث .. لا شئ

الأمر أبسط مما تعتقد .. لا إنه ليس كذلك أبداً !!

إنتهى كل شعور لها بالطمأنينة عندما دخلت السيارة من بوابة البيت .. القصر
وللمرة التي لا تعرف عددها تكررها داخلها
ليس عليهم أن يكونوا بهذا الثراء

تمر السيارة خلال ممر طويل محاط بمصابيح ترتفع عن الأرض قليلاً .. مساحة كبيرة .. حتى إن الأمر إتخذ بعض الوقت حتى وصلت السيارة عند الباب الداخلي

فتحت الباب لتخرج وقد كان السائق متجهاً إليها ليفتحه فشعرت بالإحراج
تتهرب بعينيها عندما رأت تلك النافورة الدائرية الكبيرة في منتصف حديقة القصر .. بدت رائعة
أبعدت عينيها عنها بسرعة وهي تحاول ألا تبدي إنبهار .. تنظر لحمزة الذي مد يده لها قائلاً بابتسامة
" هيا ؟ "

ترددت للحظة ثم مدت يدها وقبل أن يمسك بكفها كانت تشهق وهي تنظر لملابسها التي لم تكن سوى بلوزة زيتونية بنصف أكمام وبنطال من الجينز الكحلى أسفله حذاء بسيط داكن هذا إن تغاضت عن أن شعرها بالتأكيد في حالة يُرثى لها !!
تتسع عينيها تنظر له فيقول مستغرباً
" ماذا ؟ "
تشعر بالحرج وهي تقول واجمة
" ملابسي ليست .. جيدة "
إبتسم بحنان وهو يدرك ما يجول بخاطرها فيمسك بكفها قائلاً بصدق
" أنتِ تجملين أي شئ ترتدينه "

لم تسعد بغزله ولم يمحي ولو جزء من قلقها فيجذبها من كفها قليلاً حتى وقفت أمامه تماماً ليهمس بخفوت
" لا تجعلي الأفكار تقلقكِ .. أو أقبلكِ "

إتسعت عينيها قليلاً وهي تنظر لذلك الهدوء في عينيه بعد نبرته التهديدية الوقحة
تنظر بسرعة للسائق الذي كان يقف بعيداً نسبياً فتعيد عينيها بسرعة لحمزة الذي لم ينتظر وجذبها معه متحركين للداخل

لم تنظر للقصر.. قد يزين نبرتها إعجاب فيعتقدونها حسودة وقد لا يحدث فيعتقدونها تصطنع !!
اللعنة هي لا تشعر بالراحة أبداً

يتقدمون لصالة كبيرة للغاية ولا يهم بها سوى تلك الجالسة على أريكة فاخرة تنظر لهما بصمت ثم تحيد بوجهها بعيداً عنهما !!
ها قد بدأنا
شعر ببرودة كفها بين كفه فأشفق عليها لكنه تركها متحركاً لوالدته يجلس على ركبتيه أمامها يقبل رأسها ثم كفيها ليقول مبتسماً
" سيدة الكل تريد معاتبة وأنا مستعد .. لكن كنتكِ جبانة وقد تسقط مغشياً عليها الأن إن أطلتِ الغضب "

تعقد المرأة حاجبيها بوجوم وتوجه نظرة لورد لتتسع عينيها بدهشة حقيقية وهي ترى ذلك الشحوب الذي إعترى وجه ورد
تشير بكفها لها فتتقدم ورد منها بقلب قلق !!
إمرأة وقور .. بشرة حنطية تميل للبياض عينين بنيتين أنف شامخ وبشرة لم تنل منها التجاعيد غير القليل جداً .. للحقيقة لم تبدو كسيدة لديها إبناً في الثلاثين أبداً .. ترتدي عباءة رائعة بلون سماوي وحجاب فوق رأسها

تبتلع ورد ريقها وهي تقف أمامها فترفع المرأة كفها لورد في علامة ظاهرة لتقبله !!
لم يكن فعلاً مبالغاً فيه لكنها إستنكرته .. ورغم ذلك أمسكت ورد بكفها تقبله لتتفاجئ بسمية تقف قائلة بقلق وهي تلك المرة هي من أمسكت بكفي ورد
" يديكِ كقطعتي ثلج .. هل أنتِ مريضة ؟ "
تدقق السيدة النظر لوجهها الشاحب فيظهر أثار البكاء على وجهها فتقول مندهشة
" هل كنتِ تبكين ؟! "
تحرك ورد رأسها سريعاً بنفي فتنظر سمية لحمزة الذي إستقام تقول باتهام غاضب
" هل أبكيتها يا حمزة ؟ .. إنها عروس يا فتى "
أنهت جملتها وإحتضنت ورد التي تفاجأت وهي تنظر من فوق كتفيها للفراغ بعينين متسعتين
" يا إلهي .. هل جننت يا حمزة ؟! "
توبخ حمزة الذي جلس بأريحية على مقعد خلفه يقول بمزح
" وها هي أمي التي بكيتِ خوف مقابلتها .. تغضب علي بسببك من قبل أن تبارك لي حتى "
تعقد المرأة حاجبيها باستنكار وهي تبعد ورد المندهشة تقول
" هل بكيتِ بسببي ؟! "
تنظر لها ورد للحظات تستوعب ثم تحرك رأسها سريعاً بلا فتبتسم الأم وهي تحتضنها ثانية قائلة برفق
" لا حبيبتي .. لا تقلقي .. أنتِ زوجة حمزة .. يعني في مقام إبنتي .. هل تقلق الإبنة من مقابلة أمها ؟ "
ينظر لها حمزة شاكراً فتبتسم أمه تطمئنه

هاتفها وأخبرها كل ما كان يخص ورد وحماتها السابقة حتى تُبالغ في إنتباهها لشئ كهذا عند معاملتها معها .. ورغم عدم رضاها في البداية إلا أنها سرعان ما تقبلت لأجل سعادته
ربما أرادت له فتاة لم يسبق لها زواج ولم تعاني من ماضي أسود ربما يترك أثره على حياتهما معاً !!
لكن قبل كل شئ أرادت سعادته .. وهي تشعر به سعيد للمرة الأولى بعد سنوات مع تلك الفتاة !!

ليست إمرأة مثالية لكنها دون كل النساء هي أعلم بذلك العشق الذي يستوطن القلب فيحيل كل خطأ صواب وكل مستحيل ممكن !!

" حسناً أمي أتركي الفتاة "
سمعتها ورد فتتركها سمية لتنظر لصاحب الصوت الوقور الخشن .. ملابس رسمية ملامح رجولية وعينين غامضتين
شقيقه

" لقد شحت ذوقيات التعامل في هذا البيت حقاً .. لماذا لم تأتي يا يحيي لإستقبالي .. أين حُسن الإستقبال يا إبن الشيوخ ؟ "
قالها حمزة وهو يستقيم ممازحاً ليبتسم شقيقه بهدوء متحركاً إتجاهه ليحتضنه وهو يقول بهدوء
" بارك لك الله يا أخي وجعلها زيجة العمر "
نظرت ورد إتجاههما بخجل عندما إبتسم لها يحيي يقول بهدوء
" مبارك لكِ يا زوجة أخي وجعلها الله زيجة العمر "
تتسع عينيها قليلاً وهي تسمع سمية تردد بسعادة حقيقية
" أمين "
لتضيق عينيها بعدها قليلاً وهي تشكره بخفوت ثم تنظر لوالدة حمزة فتجدها تبتسم بأعين لامعة !!
هل هي خدعة أم ماذا ؟!
ربما تمثل الطيبة أمام إبنها فقط !!

تحتضنها سمية فجأة وهي تربت على ظهرها بقوة حنونة
" حبيبتي .. لو تعلمين كيف جف حلقي معه ليتزوج .. يا إلهي ليبارك لكما الله يا إبنتي "
لا هذا كثير !!

تبعدها سمية عنها وهي تنادي على إسم فتاة لتأتيها إمرأة في الثلاثين تقريباً تحمل مبخرة تفوح منها رائحة رائعة تأخذها منها سمية ثم تجذب حمزة ليقف بجانب ورد وهي تعطرهما برائحتها وتتلو بعض أيات القرأن لتقيهما شر الحسد !!

تنظر ورد لحمزة باستغراب لتدير رأسها عنه سريعاً بعد أن أهداها غمزة !!

دقائق وكانت سمية تقول بحنان
" تبدوان متعبان من السفر .. إصعدا لغرفتكما لقد جهزتها لكما .. لكن لا تنسى يا حمزة الذهاب لجدك قبلها "
حرك حمزة رأسه بنعم قائلاً بحب
" سلمتِ لي حبيبتي "
تبادله سمية الإبتسام وهي تربت على وجنة ورد قائلة
" من عاداتنا أن تجتمع العائلة في إستقبال العروس .. لكنني ظننت أن تكوني متعبة فأجلت هذا .. عندما تستيقظين عزيزتي تتعرفين على بقية عائلتك "
حركت رأسها بالإيجاب بعد رمشت مرتين ومشاعرها تداخل لا تعرف إحساسها الحقيقي !!

يمسك حمزة بكفها صاعداً للأعلى فتتبعه كالمغيبة
تصعد الدرج الطويل فتحين منها نظرة للخلف فتبدو متفاجأة عندما رأت سمية تبتسم لها تشعر وكأنها رأتها للتو فقط !!
تلتفت تنظر لحمزة ولا تعلم حقاً كيف تواكب قدميها صعود الدرج لتقول ببلاهة
" هل أنت متأكد أن تلك والدتك ؟!! "
يبتسم مستمتعاً بملامحها المندهشة وشعور ناعم بالراحة يصيب قلبه
حسناً قطعت نصف الطريق .. فليعينه الله على الباقي


______________


كما بالصور في بيت حمزة لكن الشيخوخة بدت عليه أوضح في الحقيقة
يبتسم بصفاء لحمزة الذي إنحنى يقبل يده فيدعو له ثم كان دورها .. تمسك بكفه المغضن تقبله عندما قبض على كفها الممسك بكفه فترفع وجه مجفل إليه ليقول بنبرة قوية بدت غريبة على شيخوخته
" قلب حمزة الهاشمي معكِ يا فتاة .. صونيه أكثر من روحك .. فهو سيصونكِ أكثر من روحه "
إبتلعت ريقها وهي تحرك رأسها بنعم مبتسمة فيترك كفها لتستقيم تقف بجوار حمزة الذي قال للجليس فوق الفراش
" كيف صحتك الأن يا جدي ؟ "
يسخر الرجل وهو يقول بغرور
" أفضل منك يا فتى "
ثم يوجه حديثه لها قائلاً
" إشهدي أنتِ يا فتاة من يبدو عليه الشباب أكثر .. أنا أم هذا الأحمق ؟ "
شعرت بالإحراج من أريحية العجوز معها لكنها طمئنتها قليلاً لتقول متنحنحة بإحراج
" حضرتك يا .. جدي "
للحظة فكرت أن تلقبه سيدي نظراً للفارق الإجتماعي بينهما لكن في اللحظة الأخيرة إرتجعت
هي زوجة إبنهم وليست عبدة لديهم !!

يبتسم العجوز ويقول لحمزة الذي كان ينظر لها بتآمر بينما هي تتهرب بعينيها عنه
" ذمة زوجتك من نحاس يا فتى "
إبتسمت لمزاحه فيقول العجوز بهدوء
" أنتِ حفيدة علام القاصي أليس كذلك ؟ "
سؤاله جعل الإبتسامة تتجمد على شفتيها وحلقها يجف توتراً .. تحرك رأسها بنعم فيقول بعدها بعبث
" إذن فليس غريباً أن تكوني بهذا الجمال "
تنفست الصعداء بعد جملته التي تلاها بعبثية أكبر
" منذ القدم وفتيات تلك العائلة ساحرات الجمال .. لقد كانت النساء قبل الرجال يتلهفن لرؤية جمالكن في أيامي .. إسمك ورد أليس كذلك ؟ "
حركت رأسها بنعم وهي تشعر بالثقة من حديثه رغم خجلها ليكمل
" يليق بكِ يا وردة "
" مرحباً جدي .. أنا هنا "
أخفت إبتسامتها وهي تسمع كلمات حمزة المازحة والعجوز يقول دون إهتمام به
" تأتين إلي في وقت فراغك يا ورد .. سأقص عليكي العديد من الحكاوي الرائعة "
تبتسم ورد تجيب باحترام
" بالتأكيد جدي "
أراح العجوز رأسه للوسادة خلفه قائلاً بنبرة خافتة
" هي إذهبا الأن لترتحا "
ودعته ورد بلطف وهي تتحرك مع حمزة للخارج
حسناً الأمر حقاً أبسط مما توقعت !!

_____________________



غرفة شاسعة كل  ما فيها باللونين الأبيض والأسود حمام داخلي وحمداً لله ليس في منتصف الغرفة يحاوطه زجاج كالذي بالمزرعة !!
مندهشة متحفزة سعيدة ولا تصدق .. هل إنتهى هكذا اللقاء ؟! .. هل هذا هو ؟!
تجلس على الفراش لا تستوعب وقلبها لم يخلو بعد من حذر !!

تشعر به يجلس بجانبها على الفراش تنظر له ومازالت الصدمة تقبع في عينيها ليقول مبتسماً
" عائلتي لطيفة .. ستدركين هذا .. فقط أتركي نفسك للحياة ورد "
تنظر له للحظات بصمت ثم تنظر للأمام متنهدة بتعب ليأتيها صوته ناعماً
" أنا أحبك ورد "
لا تعلم لمَ جمدتها جملته لكنها حافظت على هدوئها وهو يقول بهدوء
" أمي تزوجت بأبي بعد حروب من كليهما حتى يجتمعان وتقبل قبيلتيهما .. ذلك ترك بصمة بداخلها لا تُمحى .. دوماً أرادت لنا الحب .. الحب لديها هو السعادة .. وكل أم لا ترغب سوى بالسعادة لأولادها .. وشقيقي متفتحي التفكير لا يعيران الكثير للعادات والتقاليد رغم أن هذا مطلوب في بيئة كخاصتنا "

تنظر له بعينين حائرتين تتمنيان تصديق فيبتسم مؤكداً لتبتسم له هي الأخرى
تعود وتنظر للغرفة حولهما بهوء سرعان ما إكتسب تفكير لتقف متسعة العينين وقبل أن تتكلم كان يستند بكفيه للفراش خلفه يبتسم باستمتاع قائلاً بخبث وكأنه كان يعرف ما يجول بخاطرها بل وينتظره !!
" القدر "
تتجهم ملامحها وهي تقول بغضب
" بيننا إتفاق "
يتنهد بتعب مصطنع قائلاً
" أعلم .. ولن أخله وقد وعدتك .. لكن لن أستطيع الكسر بخاطر أمي وإعلان إتفاقنا أمامها .. لذلك ولحسن حظي سنظطر للبقاء .. معاً "
ومعاً كانت متلاعبة بطريقة تجعلها تقلق مشاركته نفس البيت وليس فقط نفس الغرفة !!
تعقد ساعديها تزفر بضيق مشيحة بوجهها عنه فيقول ببساطة وهو يقف
" سنتشارك الفراش ولن تجدي صعوبة في هذا فأنا ألتزم بمكاني دون حراك .. سأنام على طرفه وسأحاول عدم مشاكستك .. لكن المشكلة قد تكون بكِ .. هل تتقلبين كثيراً بالنوم ؟ "
تنظر له قائلة بضيق
" أ... "
قطعت كلامها قبل أن تبدأه وهي تنظر له متسعة العينين وهي تراه يفك أزرار قميصه بهدوء .. ترفع وجهها إليه تصدمها نظرته العابثة وهو يحرك كتفيه ببساطة فتسرع للحمام تغلق بابه خلفها وضحكاته تصلها من خلف الباب !!

تعقد حاجبيها بعبوس زافرة وهي لا تفكر سوى في طريقة لترك إنطباع جيد في تلك الأيام التي ستبقاها هنا

نهاية الفصل السادس

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:48 pm

الفصل السابع


دقائق مرت وهي تجلس على حافة حوض الإستحمام تنظر حولها بتشوش وساقها اليمنى لا تتوقف عن الحركة
زفرت بضيق وهي تقف تنظر لوجهها في المرأة التي تتخذ الحائط كاملاً فينالها بعض السوء
عينان حمراوتان قليلاً بشرة باهتة وشعر فوضوي
أي جمال كان يقصده هذا العجوز ؟!
تفتح الصنبور تُلقي بعض الماء على وجهها ثم تستقيم تبحث عن منشفة حتى وجدتها في خزانة كبيرة تحتوي العديد من الأشياء غير المناشف

قطع إستطلاعها دق على الباب فإستدارت تنظر إتجاهه وصوته يأتيها من الخارج بنبرة متسلية
" حسناً ورد لن تبقي في الداخل طيلة اليوم "
زفرت للمرة الثانية .. تجفف وجهها وهي تُلقي نظرة أخيرة على الحمام الذي بدى فاخراً لدرجة لا تمنع أن تتخذه غرفة للنوم !!

تتقدم وهي تفتح الباب بملامح عابسة عندما وجدته يستند للحائط بجوار الباب يبتسم بمشاكسة فلم تُعيره إهتمام وهي تبتعد عنه
ترى حقيبة ملابسها أمام الفراش وقبل أن ترفعها على الفراش كان هو يفعل
تمتمت بكلمة شكر خافتة وهو يجلس على الفراش جوار الحقيبة بأريحية قائلاً
" مبرد الهواء يعمل بشكل فعال للغاية ورغم ذلك أنا لا أحب هذا الطقس .. فقط لتعرفي أنا لا أرتدي سوى البنطال عندما أبقى في غرفتي هنا .. لكن لأجلك لم أفعل "

تتمتم بكلمة شكر أخرى بملامح أكثر عبوساً وهي تسمع تلك النبرة المُتفضلة وكأنه يتفاخر بما فعله لأجلها !!
تجذب سحاب الحقيبة ثم تنظر له واجمة فيسألها بنظرات متسلية تزيد حنقها ولا تعرف لماذا يبدو مستمتعاً هكذا ؟!
" ماذا ؟ "
تزيد من عقدة حاجبيها وهي تقول بإقتضاب
" أريد إخراج ملابسي "
تكاد تشتعل حنقاً وهي تري عينيه تبرق فجأة وهو يقول ببرأة لم تصدقها ولو للحظة
" حسناً "
تعقد ذراعيها تنظر له بضيق ونبرتها تحتد حانقة
" حمزة لا تتلاعب معي .. أريد ملابس من الحقيبة ولن أفتحها أمامك بالتأكيد .. فهلا ذهبت إلى أي مكان الأن أم أبقى بقية اليوم بتلك الملابس التي أرتديها ؟ "

تلك الفتاة حقاً متعة في حد ذاتها !!

يقف ينظر للحقيبة ثم لها ليقول مازحاً وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله البيتي
" لا تحتدي هكذا .. وكأنني سأرى من لم يراه أحد .. ورد عزيزتي بقيتي معي لأشهر وأكثر ما رأيته جذاباً عليكِ لم يكن سوى ملابس سوداء كانت عبارة عن بنطال وبلوزة ذات أكمام لمنتصف الكفين "
تجعد أنفها لتقول بحدة
" ولماذا من الأساس أردت رؤية شيئاً جذاباً ؟ .. لم أكن سوى ضيفتك "
" والأن زوجتي "
قالها بسرعة وهو يقترب خطوة إبتعدتها إثنتين وهي مازالت على نفس العبوس فيبتسم قائلاً ببساطة
" حسناً سيظهر نكد الزوجات في وقت باكر على ما يبدو .. سأقف عند النافذة وسأعطيكِ ظهري حتى أترك لكِ مزيداً من الخصوصية مع حقيبتك الغالية "
قالها وهو يتحرك إتجاه النافذة فتضيق عينيها تتأكد من عدم إختلاسه النظر .. تفتح الحقيبة تبحث سريعاً بها عن شيئاً مناسباً ترتديه وصوته يصلها هادئاً
" لا بد أنكِ تريدين الإستحمام من إرهاق السفر .. أمي أخبرت فضيلة أن تُحضر لنا طعاماً .. إنتهي من إستحمامك وسأخبرها أن ترتب ملابسكِ في غرفة الملابس وسأنتظركِ نأكل سوياً "
فضيلة .. ذلك الإسم الذي هتفت به سمية عندما أتتها به صاحبته بالمبخرة منذ قليل بالأسفل
جيد أنها لن تضطر سؤاله شيئاً !!
أعادت إغلاق الحقيبة وهي تضع ملابسها بداخل بعضها قائلة بهدوء
" لا أحب أن يعبث أحد بأغراضي .. أنا سأرتبها .. لقد إنتهيت تستطيع الإلتفات"
إستدار ينظر لها يقول وهو يتقدم منها
" حسناً كما تريدين .. لكن رتبيها بعد أن تنامي قليلاً يبدو عليكِ الإرهاق "
حركت رأسها بنعم وهي تراه ينحني يحمل الحقيبة قائلاً
" سأضعها بالداخل "
والداخل كانت غرفة داخلية وكما فهمت من حديثه فهي غرفة للملابس
الفارق بينهما يضايقها حتى وإن كان في تفاصيل تافهة كتلك

تحركت إتجاه الحمام لتجده يناديها قبل أن تدخل
" ورد "
نظرت له ولم تعجبها نظرته العبثية وهو يقول ببساطة
" بالنسبة لملابسي ؟ "
تعقد حاجبيها قليلاً وهي تتذكر أنه لم يأتي بحقيبة مثلها فيقول مشيراً لغرفة الملابس بجانبه
" ملابسي بالداخل .. أستقومين بترتيبها مع ملابسكِ أما ماذا؟ .. فهي تحتل الغرفة كاملة وستضطرين لأن تُخلي مكان لخاصتك وهذا يستدعي أن تُعيدي ترتيب خاصتي "
زفرت في شبه حدة وهي تقول بعد لحظات مُجبرة
" سأفعل .. لا أريد لفت الإنتباه "
ترى إبتسامته تتسع وهو يقول يشاكسها
" يالحظ ملابسي الرائع "
تزم شفتيها في غيظ وهي تلتفت تدخل الحمام وتغلقه بالمفتاح خلفها دون أدنى شعور بالراحة .. هذا الحمزة لن يكون مسالماً على ما يبدو


_____________________


ترفع فنجان القهوة إلى فمها حيث تجلس على الأريكة في بهو المنزل وعينيها تشرد في الفراغ
زيجة غريبة في ظروف أغرب لكنها أكثر زيجات أبنائها التي أراحت قلبها !!
حمزة تزوج ممن أحب ونعم قلبه بالعشق الذي أراد وبقي مهران ويحيي
قلبان هائمان .. أحدهما لم يعرف الحب يوماً ويضيع عمره مع إمرأة لم تنل شوق عينيه حتى
والأخر يُضحي بالمرأة التي تمنى ليقترن الجسد بأخرى لم تمس قلبه للأن
وما يزيدها ألماً حقاً أنها تعلم أنها لن تستطع مس ذلك القلب ولو بعد ألف عام !!

تنظر لتلك الصور العديدة المتراصة على الحائط وعينيها لا تُفارق من تركها بعد عشق جارف ورحل بعد مولد حمزة بالقليل
عشق لم يحد الفراق من عِظمه شيئاً بل إنه يضاعفه

ثلاثة أطفال كانوا ناتج عشقهما يضعهم أمانة في عنقها وللأن لم تنجح في الحفاظ على تلك الأمانة !!
ربما لو لم يكن حيدر موجوداً لأجادت الحفاظ عليهم .. أو ربما لولا وجوده لكانت الأمور أسوأ !!
تضع فنجان القهوة على الطاولة أمامها وهي تدعو لزوجها بالرحمة ولأبنائها راحة القلب

" أين العروس "
النبرة لاهثة بتحفز وصاحبتها تقتحم خلوة سمية وهي تقفز على الأريكة بطريقة أجفلتها فتهتف بها مؤنبة
" ليلة .. توقفي عن لعب الأطفال هذا "
لم تُعير ليلة إهتمام لحديث سمية وهي تقول بنفس التحفز بصدر يعلو ويهبط بسرعة
" لقد أوصلت والدي للمطار وأتيت ركضاً حتى ألحق بها .. أين هي ؟ .. السائق أخبرني أنها أتت "
قالت جملتها الأخيرة وهي ترتفع بجسدها حيث تقف على ركبتيها على الأريكة ورأسها يلتفت بحثاً عن العروس
" ألم يُخبركِ والدكِ كم سيبقى تلك المرة ؟ "
تُجيب ليلة بتعجل وعينيها مازالتا على بحث
" ثلاثة أسابيع .. أين هي الأن ؟ "
تزفر سمية وهي تفكر بأن أخاها أصبح لا يُطاق هو الأخر .. يكثر سفره وإبنته لم تعد تراه إلا قليل القليل
" فضيلة أخذت لهما الطعام منذ قليل .. قد يكونا ناما الأن "

تأفف مُحبط وهي تعتدل في جلستها بيأس تقول بتبرم
" اللعنة .. ليتني جئت أبكر "
تعقد ذراعيها بضيق بشفتين مضمومتين حنقاً لم يستمر سوى للحظات لتكتسب عينيها بسرعة شرارات من شقاوة وهي تلتفت بكامل جسدها لسمية تقول بتحفز
" هل هي جميلة ؟ "
تبتسم سمية قائلة ببشاشة
" ما شاء الله يا ليلة .. قطعة من القمر "
تبتهج ملامح ليلة وهي تتلفت حولها في خبث تخفض صوتها وتقترب من سمية قائلة بمكر
" رغد ستموت قهراً .. يا إلهي لا أستطيع الإنتظار وأنا أتكهن بما قد يحدث "
تتجهم ملامح سمية وتؤنبها قائلة
" ليلة لا تقولي هذا .. إنها أكبر منكِ يا فتاة عليكِ إحترامها "
كلمات سمية الأخيرة جاءت بنفس الوقت الذي رفعت فيه ليلة كفيها تقول بجبين مغضن وهي تغمض عينيها في تضرع
" يارب .. لتمت قهراَ .. تلك المغرورة تقع على أنفها المستفز ككل ما فيها لينكسر وتمت قهراً عليه ولا تجد طبيباً واحداً يستطيع إصلاحه "
" ليلة "
قالتها سمية موبخة فتنظر لها ليلة تُبدي تأسفاً في لحظة وفي الأخرى تكمل
" ثم تحاول إصلاحه مرة أخرى بعملية تجميلية وتفسده أكثر وتمت قهراً مرة أخرى ولا .... "
كتمت سمية فم ليلة وهي تجذبها إليها قائلة بنبرة منخفضة دون أن تستطع كتم ضحكة إنفلتت منها
" أيتها الحمقاء .. لقد أفسدكِ الدلال .. خسارة تربيتي لكِ .. ماذا إن سمعتكِ الأن لن تستطيعي الفكاك من لسانها "
تلتمع عيني ليلة بشقاوة وهي تضع رأسها على فخذ سمية رافعة ساقيها على الأريكة لتقول بضحك بعد أن أبعدت سمية كفها
" قد أبدأ بالدعاء على لسانها الأن لكن أنتِ أمني ليَ الطريق .. قد نجدها تقفز بيننا الأن عند ذكر إسمها "
تبتسم سمية وهي تلامس بحنان شعر ليلة التي لا تتوقف عن الثرثرة

جميلة صغيرة توفت والدتها عند مولدها وهي من قامت بتربيتها منذ ذلك الحين
فعلت المثل مع بنات حيدر عندما توفت والدتهن أيضاً لكن لا أحد يحتل قلبها مثل تلك الصغيرة بعيوبها قبل ميزاتها ربما تكون لأنها إبنة أخيها والدماء تحن كما يقولون .. أو ربما لأنها الوحيدة التي مازالت تحمل ثمرة طيبة لم تنالها يد الهاشمي .. بعد !!
أو ببساطة لأنها ليلة
" ليلة "
قالتها سمية بهدوء فترد ليلة بخفوت
" نعم عمتي "
تتلاعب سمية بشعر ليلة بنعومة قائلة
" أريد شيئاً منكِ حبيبتي "
إنقلبت ليلة تستلقي على ظهرها ورأسها المستقر على فخذ سمية أصبح يقابل وجهها وهي تقول
" أريدكِ عندما تجدين ورد وحدها ورغد حاولت مجالستها لا تتركيها معها .. تسرعي وتجلسي معهما وإن حاولت رغد إبعادكِ حاولي التجاهل لأجلي حبيبتي .. وإن لم تستطيعي تسرعي وتخبريني في وقتها "
تستغرب ليلة قليلاً لكنها تجيب بطاعة
" حسناً عمتي كما تريدين .. لكن لماذا لا تريدينها الإنفراد برغد ؟! "
تتنهد سمية لتقول بعدها باستسلام
" أنتِ تعرفين رغد ولسانها اللاذع .. وتلك الفتاة تبدو حساسة للغاية .. لا أريد أن تُفسد فرحتها وهي في بداية زواجها "
ترفع ليلة كف سمية المداعب لخصلاتها لفمها تقبله ثم تقول مبتسمة بحنان
" سلمت لي ذات القلب الرائع "
ترفع سمية كف ليلة الممسك بكفها لفمها لتقبله هي الأخرى قائلة بحب
" وسلمتِ لي يا قلب عمتكِ "
إستدارت ليلة على جانبها وعمتها تعيد العبث في شعرها ونبرة ليلة تأتيها مشاغبة
" لكني هكذا قد أغار يا سمسم .. تهتمين بورد تلك منذ اليوم الأول .. هل ستحبيننها أكثر مني أم ماذا ؟ "
تبتسم سمية وهي تمسك بعدة خصلات تشكلهم جديلة رفيعة قائلة بثقة
" لا أحد قد يُقارب مكانتكِ في قلبي يا صغيرة عمتكِ أنتِ "
تبتسم ليلة وهي تتأكد من هذا دون حتى الحاجة لكلمات .. لكنها فقط لا تستطيع التفريط في مشاكسة
تشرد سمية بتفكير وهي تقرر أنها ستخبر تمارة المثل !!
قد تكونا شقيقتان لكن تمارة أكثر من الجميع علماً بألاعيب أختها
حمداً لله أنها ليست مثلها
هي من قامت بتربيتهن جميعاً لكن رغد دون الجميع تشربت من حيدر الكثير ولم تستطع تغييرها رغم كل السنون التي تقضيها معها
صدرها يرتفع وينخفض بتنهيدة طويلة متعبة هامسة دون صوت
" فليهديكم الله يا أبناء الهاشمي "


____________________


مُستلقي على الفراش بنصف جسد وساقيه متدليتين للخارج .. عينين مغمضتين وإبتسامة خفيفة
حانت منه إلتفاتة وهو يسمع صوت باب الحمام يُفتح
ليست ليلية الزفاف التي تمنى لكن كل ما تفعله تلك الورد يمتعه بطريقة غريبة !!

أنف مرفوع عينين متجاهلتين ولا ينال نظرة
إبتسامته تصبح كسولة وهو يراقب ما ترتديه
منامة متسعة لا تظهر منها شيئاً .. بل إنها أكثر إحتشاماً مما كانت ترتديه سابقاً
" من يرى فضيلة وهي تعطيني الطعام بوجنتيها المخضبتين خجلاً مع لفظها مبارك يا عريس لا يرى العروس التي ترتدي منامة جدتي "
يقولها ساخراً وهو مازال على إستلقائه بينما رأسه يميل حيث تجلس على المقعد أمام طاولة الزينة تمشط شعرها المبلل دون أن تجيب
" ورد "
قالها وهو يستند بمرفقيه للفراش فيرى إنعكاس وجهها العابس في المرآة وهي تجيب باقتضاب دون النظر له
" نعم "
لم ترى إبتسامته المتسلية لكنها أدركت النبرة العاطفية في كلماته وهو يقول مشاكساً
" أنتِ تستخدمين فرشاة شعري "
إنفجر ضاحكاً وهو يستلقي مرة أخرى على الفراش بعد أن ألقت بالفرشاة مجفلة على الطاولة كالملسوعة ليقول من خلال ضحكاته
" هون عليكِ ورد .. كم أنتِ ممتعة "
لا يعلم ما هذا الشعور بالكسل الذي يراوده فيستطيع بالكاد فتح عينيه وكأن عذاب الماضي كله إنقشع فترك جسده متضرعاً للراحة
لحظات وكانت تتحرك إتجاهه فينظر لها بعد أن مشطت شعرها وجمعته في كعكة متزمتة فيبتسم ساخراً
حتى الكعكة تحذره من الإقتراب !!
وما يحدث الأن غير مسلياً تماماً ...
تجذب وسادة وتضعها أرضاً بجوار الفراش لتنحني تستلقي على الأرض وتغمض عينيها

" بدأنا الغباء "
قالها بنبرة خلت من سخرية وحملت جدية موبخة فتفتح عينيها تقول بعبوس عندما وجدته يقف جوارها
" لا أسمح لك .. توقف عن تلك الكلمات المسيئة فذلك يزعجني "
يرفع أحد حاجبيه بتسلية قائلاً
" لا أعتقد أن كلمة غباء لفظ مسئ .. بل هو وصف مناسب لمَ تفعلينه .. أصعدي للفراش ورد .. صدقيني لا أنوي إغتصابك في منزل عائلتي .. بصرخة واحدة قد أجد حرس القصر هنا قبل أهلي حبيبتي "
هل قال حبيبتي ؟!
نعم قال حبيبتي .. يقسم أنه قالها .. والله قالها
ملامحها تمتقع من حديثه ولا تجد سبب لملامحه التي إبتهجت قليلاً وهو يضيف ببطئ
" حبيبتي "
ربما سيتوقف عن قول إسمها وتلقبيها حبيبتي منذ الأن !!

يرى شفتيها تتبرم في غيظ وهي تغمض عينيها تقول ببرود
" أنا لم أعتد النوم بجوار أحد منذ الكثير .. أتقلب كثيراً أثناء نومي ولا أرتاح سوى بفراش كامل .. هذا أفضل لك .. قد أضربك وأنت نائم .. هذا بالإضافة إلى أن الكوابيس تراودني أحياناً وأكيل الصفعات لمن بجواري "
تتحدث وتتحدث وهو لا يهتم سوى بجملتها الأولى التي لكمته في صدره

لم أعتد النوم بجوار أحد منذ الكثير

يغار بل يحترق بالغيرة .. يستطيع السيطرة على دواخله وهو يعلم ذلك لكن وضعهما أبداً لا يساعد
وهي لا تساعد
وبعنف فتحت عينيها تقول بنبرة إنتقامية
" ستستيقظ متورماً على أقل تقدير هذا إن لم تُصيبك ركلة تشرخ عظمة بجسدك "

إبتسامة ساخرة لامسها حزن إرتسمت فوق شفتيه دون عينيه وهو يحاول السيطرة على سيل الغيرة الذي نبشه دون أن تنتبه له هي
حسناً هي لا تنتبه لأي شعور يعتريه .. حتى وإن إنتبهت كانت ستتجاهل !!

يعقد ذراعيه وهو يقول ببساطة بنبرة باهتة
" إسمعي الحديث ورد وإصعدي للفراش وإلا حملتك "
إنتفضت جالسة فجأة مع كلمته الأخيرة وهذا أزعجه قليلاً
لا تطيق لمسته !!

حاجبيها يعبسان ونبرتها تحتد دون عنف
" حمزة .. من البداية هكذا .. لا تتبع معي هذا الأسلوب .. يجب عليك إحترام رغباتي وترك مساحة للنقاش بيننا .. أنا أكره هذا التعصب للرأي في الحوار "
مع كل كلمة كانت ملامحه تزداد سخرية حتى إنتهت فيجلس القرفصاء أمامها دون أن يجهل إبتعادها الطفيف بجسدها للخلف عندما باتت المسافة بينهما قريبة نوعاً ما .. وجهها لا يتركه عبوس وعينيها تنأيان بعيداً عن خاصته
ورغم كل هذا الضيق بصدره من أفعالها هو يعذرها .. نبرته هادئة وكلماته محايدة
" ورد حبيبتي .. أنتِ من تفرضي رأيكِ هنا ولا تقبلين نقاش .. لذا ليس من المنطق أن ترفضي هذا الأسلوب وأنتِ من تبدأي باتباعه "

حائرة مشتتة خائفة
عطف يصيب قلبه وهو لا يجدها سوى طفلة صغيرة بالكاد تسيطر على إرتعاش قد يصيب جسدها فتخرج كل إنفعالاتها في تمرد من فرط قسوة ما تعانيه
طفلة عنيدة محببة لا تجد سوى تلك الملامح العابسة عندما تجد نفسها مُدانة ولا تملك طاقة على نقاش فتقول باقتضاب مُنهية الحديث بطريقة غير راضية وهي مازالت تشيح بوجهها عنه
" أريد النوم هنا "

نبرته تشوبها حنان وإبتسامته فوق شفتيه تمنحها ثقة لا تقبلها
" لقد وعدتك "
نظرت له بحدة ورق قلبه لتلك الدموع التي تملئ عينيها وهي تقول معاندة
" وأنا أريد النوم هنا "
وحنانه إزداد ونبرته باتت مشاكسة بطريقة محببة
" حسناً .. لا تبكي "
وبعناد تضيف متبرمة رغم أن إحمرار أنفها يُنذر بدموع
" لا أبكي "
تشيح بوجهها عنه عندما طالت نظراته المؤنبة العطوفة ليقول بعد لحظات من تفكير
" حسناً ورد .. لأنني أعلم ما تعانيه فقط .. إصعدي للفراش وأنا سأستلقي على الأريكة هناك "
نظرة خاطفة منها للأريكة التي تحدث عنها ثم تقول بعدها معترضة
" إنها صغيرة عليك "

هل أصابه العشق بالحماقة أم إنه كان كذلك سابقاً ولم يلاحظ ؟!
فقط هي قالت جملتها وكاد يُقبلها من فرط السعادة .. جملة عادية لا تحتوي إهتماماً قدره تأنيب ضمير يقظ وإرتعد قلبه في صدره لأجل هذا !!
تلك الرعناء فقط لو تعلم مقدار حبه لها لتوقفت عن كل هذا القلق الذي يفتك بها

يتنهد بتعب وهو يقف يمزح قائلاً
" أي شئ لأجلك ورد "
" لا "
إعترضت وهي تراه يتجه للأريكة .. يكاد يتحدث لتصيبه كلماتها المتعبة وهي تقول متوسلة
" أرجوك أنا لا أستطيع مجادلة الأن .. أتركني على راحتي .. أنا لن أستطيع النوم سوى هنا ولن أستطيع البقاء على الفراش وأنت تتكوم فوق الأريكة بسببي "
زفر بضيق لاعناً قلبه وهو يقول باقتضاب متحركاً بعيداً عنها
" حسناً كما تريدين .. لكن تناولي شيئاً قبل أن تنامي "
" لستُ جائعة "
قالتها باقتضاب وهي تستلقي فوق الوسادة .. يتكوم جسدها وظهرها يلتصق بالفراش وكأنها تنشد منه حماية
ترحمه من بُعد لتزجه في بئر من ألم أخر
لحظات وكانت تجد غطاءً يلامس جسدها فتنظر له بتلك الملامح الواجمة وهو يغطيها لتقول معترضة
" أنا ... "
يقاطعها بحدة قائلاً باقتضاب
" هلا صمتي ؟ "
نبرته غاضبة وهي إستنفذت كل طاقتها فنفذت متعبة

_______________________


غبية يا ورد غبية
تُعيدها بداخلها موبخة للمرة المائة .. ليتها لم تفعل وتتزوجه
" ورد "
ما يقارب الساعة بقتها في صمت منه وصراخ داخلها والأن يقطع كل هذا بتلك النبرة الخافتة فتزيد من إغلاق عينيها وكأنه سيدرك إستيقاظها
لن تُجيب
" ورد "
ونبرته خافتة أكثر
والحمد الله صمت
لحظة إثنان ثلاثة ... وشهقة مذعورة أقرنتها بإبتعاد سريع وهي تجلس بملامح مجفلة وظهرها يلتصق بالفراش بأعين متسعة !!
أجفل هو الأخر .. بالكاد لمس ذراعها !!
تتشبث بالغطاء على صدرها ووجهها فقد كل دمائه !!
إستعاد هدوئه وهو يقول دون تعبير بنبرة جامدة
" فقط أردت حملك .. للفراش "
عقلها يحاول التخلي عن حالة الذعر التي إلتهمتها وتفسير كلماته التي قالها وإستقام وعينيها تتابعه حتى إنحنى عند الجانب الأخر من الفراش ليختفي خلفه !!

دقيقة أو ربما إثنتان حتى إستوعبت .. تبتلع ريقها ويؤنبها ضميرها
إنه فقط كان يحاول ...
لحظة .. ينام على الأرض ؟!
" حمزة "
وتلك المرة هو من لم يجيب
عبوس شمل وجهها وهي تلتفت بكامل جسدها إلى الفراش المرتب
يبدو أنه منذ البداية ينام أرضاً

تتأففت بصوت غير مسموع ثم قالت بخفوت
" لماذا تنام أرضاً ؟ "
يأتيها صوته بنفس النبرة الجامدة
" أريد هذا "
تتحرك مقلتيها قليلاً ثم تهمس
" كنت نائمة .. لم أسمعك تناديني "
لم يجيب وكادت تتحدث عندما أدركت غباء ما تفوهت به فتعبس بشدة
غبية .. ومن أين علمتِ أنه ناداكِ إذاً ؟!!
ربما لم تُدرك وقت إنتفاضتها المذعورة .. لكنها جرحته وهذا ضايقها
تلتفت بهدوء تستلقي فوق الوسادة لتهمس بعدها بخفوت بالكاد وصل لأذنه
" أسفة "

________________


طاولة كبيرة للغاية ممتلئة بأنواع مختلفة من الطعام يترأسها هو وبقية العائلة تتراص مقاعدهم على جانبيه
مهران وتمارة يحيي ورغد في الجهة اليمنى وسمية وليلة في الجهة اليسرى وسطام كعادته يتناول طعامه في غرفته لصعوبة حركته
" تغاضيت عن هذا اليوم يا سمية .. أخبريه أنني لن أفعل ثانية "
قالها حيدر بنبرته الشامخة بقسوتها المعتادة وهو يتناول طعامه دون النظر لها فتجيب بهدوء
" حسناً "

تبتعد عيني ليلة قليلاً عن طعامها تنظر لحيدر ثم تعيدها بمقت ناظرة لطبقها تتناول طعامها بصمت
وماذا بها إن تخلى حمزة وزوجته عن موعد الغداء المقدس ؟!
ألم يأتيا من سفر طويل ويحتاجان إلى بعض الراحة ؟!
ماذا بها إن غلبهما النوم ؟!
عائلة غبية .. لا حيدر فقط وإبنته الغبيان .. لا حيدر وإبنته وزوجها ومهران

" أغبياء "
لم تنتبه أن حديثها الداخلي خرج على لسانها بمقت إلا بعد أن أدركته أذنيها !!
ترفع عينين متسعتين تنظر للجميع الذين وجهوا لها نظرات مختلفة وجميعها مخيفة لتقول مشيرة بسبابتها لطبقها بنظرات بلهاء
" أخبرت الأغبياء أن لا يزيدوا من التوابل .. إنها تتعب معدتي "
تحمد الله أن كلماتها لم تكن متلعثمة فيقتنع البعض وسمية تسألها باستغراب
" منذ متى والتوابل تتعبكِ حبيبتي ؟! "
تبتسم ليلة إبتسامة عريضة مبالغة وهي تجيب سمية
" من الأن "
وبسرعة إستدركت وهي ترفع إصبعين قائلة بسرعة
" أسبوعان من الأن "
لتكتسب نبرتها بلاهة أكثر وهي تفرد كفيها تحركه ببساطة قائلة
" أسبوعان .. أسبوعان "
أبدت سمية إستغراب من تكرارها نفس الكلمة فأسرعت ليلة تنظر لطبقها ترفع شوكة ممتلئة بالطعام تليها أخرى وأخرى حتى إمتلئ فمها فيصبح المضغ أصعب

وجهها منخفض ومقلتيها ترتفع من حين لأخر تختلس النظر فتقع عينيها على يحيي الذي تغيم عينيه بغموض مقيت لا يتركه أبداً فتشعر بالسخط منه أكثر وأكثر
نظرات تغيظها وتجعلها تغرق في التوتر وهي تشعر به يعلم بكل المصائب التي تفعلها فتشعر بأنها ترغب في الفر هاربة
تتذكر تلك المرة الأخيرة التي جعل والدها يرفض أن يجعل السائق يقوم بتعليمها القيادة مدعياً أنها مازالت صغيرة وهي تعلم أنه لم يفعل هذا سوى ليضايقها كما تفعل تلك البغيضة زوجته
فذهبت بكل إنتقامية في اليوم التالي وتسللت من بين الحراس تختار السيارة المفضلة إلى قلبه وتقوم بخدش بابها بسكين المطبخ خدشاً كبيراً بطول الباب كاملاً !!
تلك النظرة التي ألقاها لها بعد رؤيته للسيارة وهو يدخل القصر بملامح غاضبة جعلتها تتناول الدرج في خطوتين وتبقى هناك طيلة اليوم لا تظهر سوى بمواعيد الطعام متحاشية تماماً النظر إليه
يا إلهي .. بغيض .. هو وزوجته بغيضان .. بغيضان

دارت مقلتيها سريعاً لحيدر عندما قال بملامح سوداء تصيبه فقط في المصائب
" وأخيراً تخطو إبنة القاصي داري وتحصل على إسم الهاشمي رغماً عني "
عينيه لا تخص أحد ورغد تجيب بأنف مرفوع وعينين تغيم بالحقد
" ليست المرة الأولى التي يعارضك فيها حمزة يا أبي .. لقد أبديت رفضاً قاطعاً وماذا فعل هو ؟! .. في اليوم التالي كان يهاتفنا ويخبرنا أنه تزوجها وسيأتي بها إلى هنا .. إلى قصر الهاشمي "

أتقف وتهشم أنفها تلك أم ماذا ؟!
يهدئ حدة إنفعالاتها مهران الذي قال دون تعبير وهو يتناول طعامه بهدوء لا ينظر لأحد
" قلتها يا عمي .. تحصل على إسم الهاشمي .. أي أن القاصي لم يعد لقبها الوحيد "
لا ينظر له حيدر الذي تزداد نظراته سواداً ومهران يُكمل قبل أن يرفع كوب الماء لفمه يشربه
" إذاً الطبيعي أن يأتي بها لقصر الهاشمي "

حسناً هو ليس بهذا السوء .. ربما هو أقلهم سوءاً وربما يصبح رائعاً لو توقف عن تلك القسوة في عينيه التي تخيفها منذ كانت طفلة وتزداد بطريقة ترعبها مع مرور الزمن
تكتم ضحكاتها وهي تنظر لرغد التي إمتقع وجهها وهي تنظر لوالدها ثم لمهران بغيظ والممتع أنهما لا ينظران لها من الأساس !!

" بالتأكيد ساحرة ككل بنات القاصي "
كانت جملة باهتة من تمارة التي تتحدث للمرة الأولى منذ جلوسها وإستغربت هذا الفتور فيها
تمارة لطيفة ولا تشبه رغد .. لكنها بدت متضايقة بطريقة ما خلت من حقد .. تشبعت بألم !!
لم يرد أحداً على حديثها ومهران يقف سريعاً قائلاً باقتضاب
" الحمد الله "
تلاها بقبلة فوق غطاء رأس تمارة ورحيل سريع دون كلمة أخرى !!

رنين من هاتفها جعلها تخرجه من جيب بنطالها وهي ترى اسماً فوق الشاشة لتقف مستأذنة وتحمد الله أنها ستفوت القليل من هذا الغداء الرائع غافلة عن وجه سمية الحزين الذي يطالع وجه تمارة المبتسم كعادته وهي تتناول طعامها متظاهرة بالسعادة !!


_______________________


يتبع ......

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:50 pm

تحك عنقها وعينيها تبدأ في رؤية
الغرفة شبه منيرة بالضوء الذي يتسلل من باب الشرفة الزجاجي
لقد نامت والنهار أوشك على الظهور
هل إستغرقت في النوم حتى بلغت صباح اليوم التالي ؟!
حسناً كانت متعبة ولم تنم اليوم السابق ومن الجيد أنها لم تنم حتى الظهيرة
تتنفس بعمق وهي تنظر لأصابع قدميها !!
رأسها على الوسادة أرضاً وكلا ساقيها مرفوعان على حافة الفراش .. إنتهبت لتعتدل سريعاً عندما شهقت مجفلة وهي تنظر له ينام جوارها ؟!!
وسادة تحت رأسه وخاصتها بجوارها بينما كان رأسها فوق بطنه !!
هل كانت مستلقية على بطنه ؟!!
تعقد حاجبيها بعبوس ولم تدري بنفسها إلا وهي تصرخ به وهي تحرك ذراعه بعنف
" أنت .. ماذا تفعل هنا ؟!! "
إستيقظ مجفلاً مع كلمتها الأولى ينظر لها بوجوم وعقله لم يستيقظ بعد
ملامحها شرسة صوتها مرتفع وتنتظر إجابة
إستدرك ما يحدث وللأسف إستعاد وعيه كاملاً وهو يبتسم يضع كفيه أسفل وسادته بكسل وهو يقول بصوت أجش تتعلق به أثار النوم
" صباح .. الورد "
وهي لا تبحث في هذا الصباح سوى عن مشاجرة
تعيد سؤالها بنبرة أكثر غضباً
" ماذا تفعل هنا ؟! "
" أنام "
هكذا ببساطة قالها ليتضاعف غضبها وهي تصرخ به
" ولماذا هنا ؟! "
وبنفس البساطة يسألها
" ولماذا لا ؟! "
بغضب كانت تقف في حركة حادة ترفع سبابتها في وجهه وتحذره بعنف
" إسمع جيداً .. هذا لن يتكرر مرة أخرى ..سـ ...... "
قاطعها وهو يقف قائلاً بملامح عادية
" ستكونين مطيعة وتنامين على الفراش لن أضايقكِ .. لن تفعلي .. فأنتِ إخترتِ "
تعقد ذراعيها بغضب وهي تقول بعنف
" إذاً سأنام في الحمام بعد الأن "
ينحني يُمسك بالوسادتان قائلاً بابتسامة مشاكسة
" ورد .. صدقيني أنتِ الخسارة بتلك الأفعال الصبيانية فأنا إكتشفت أنني أستمتع بها تلك الفترة بطريقة تمدني بالطاقة .. لذا أعيدي تفكير فلن تستطيعي مجاراتي "
وببساطة كان يدفع إحدى الوسادتين بطريقة عنيفة لصدرها جعلتها تتراجع للخلف قليلاً وهي تتمسك بها تراه يبتسم وهو يقول بعد أن وضع خاصته مكانها
" أعيديها مكانها .. أنا لا أحب الفوضى "
تتابعه بعينين مغتاظتين وهو يدخل الحمام بينما هي تنظر للباب الذي أغلقه بعبوس تلتفت وتضع الوسادة مكانها بعنف متمتمة بغضب
" أحمق .. غبي .. لعين "


_________________


كانت تتحرك لتجلس على أريكتها المفضلة فتجفل قائلة
" بسم الله .. ماذا تفعلين هنا مبكراً هكذا يا ليلة .. وما هذا ؟! "
قالتها سمية باستغراب وهي تجد ليلة تجلس أرضاً أمام المنضدة وساقيها مختفيتان أسفلها .. كتبها متناثرة مع العديد من الأقلام الملونة تجيب دون أن تنظر لسمية وهي تتابع بتركيز الكلمات في الكتاب
" صباح الخير عمتي .. أدرس .. كل دقيقة أخرج لأرى إن إستيقظت العروس أم لا ولا أجدها فعلت .. فجمعت كتبي و.... "
قطعت كلماتها وهي تنظر لسمية تضيق عينيها قليلاً وهي تضع طرف القلم الذي تُمسك به في فمها بتركيز سرعان ما إختفى خلف عينين منتصرتين وهي تجذب قلماً مستكيناً خلف أذنها ترسم بعض العلامات فوق عدة كلمات ثم تعيده مكانه وتقول مكملة
" إنتظرتها هنا لأحضر الإستقبال منذ بدايته "

تبتسم سمية وهي تحرك رأسها باستسلام من حركاتها الطفولية التي لا تنتهي تلك وهي تجلس خلفها على الأريكة قائلة بهدوء
" أساعدكِ ؟ "
هي فقط تفوهت بأول حرفين وليلة مدت يدها بأحد الكتب ومعه ورقة قائلة بجدية وعينيها تبحث وسط الأقلام العديدة
" نعم عمتي .. أخرجي الأسئلة التي علمت عليها بالأحمر وأجيبي عنها بالإجابات المحاطة بالعلامات الصفراء "
تأخذ منها سمية الكتاب والورقة فتجذب عدة أقلام بألوان متفاوتة وهي تكمل
" ستجدين عدة كلمات محاطة بلون برتقالي .. تلك مهمة ستكتبيها بقلم أحمر "
تمد ليلة يدها بالأقلام التي إنتقتها وقبل أن تتحدث كانت سمية تأخذهم وهي تقول مبتسمة
" الأسئلة بالأزرق والإجابة بالأسود .. الكلمات ذات العلامة بالأحمر والتي أسفلها خطوط بالأخضر وأحاول التنظيم "
وبكل جدية كانت تلتفت تمسك بكتابها تدقق فيه قائلة
" أحسنتِ حبيبتي "
تفتح سمية أغطية الأقلام وقبل أن تبدأ إنحنت تقبل رأس ليلة التي إنسكب تركيزها كله على الدراسة

________________________


" تلك ستكون أفضل "
قالتها رغد بهدوء وهي تقابل صورته في المرآة حيث تقف خلفه
تمد يدها برابطة عنق كحلية يتخللها درجات من الرمادي وهي تراه يربط أخرى بنفس الألوان لكنها بدرجات باهتة
يٌلقى نظرة على رابطة العنق في يدها ثم يقول وهو ينتهي من ربط الأخرى حول عنقه
" شكراً .. أفضل تلك "
نبرته باهته كالألوان التي إختارها
توجه نظرة حزينة لا يلتقطها وهو يتجاهل النظر لها كالمعتاد فتستدير عنه .. كرامتها تأبى تذلل حتى ولو كان لمن تهافت عليه قلبها منذ وجدت لها حياة

" رغد "
قالها بنبرة هادئة لم تكن لتستدعي تلك الدقة العنيفة في صدرها وهي تلتفت تنظر له وكل لهفة الدنيا تتشكل في عينيها
" نعم "
وقف ينظر لها وعينيه حملت جوار الغموض بعضاً من تهديد
" لم أحرجكِ بالأمس إكراماً لعمي قبلكِ .. لكن إن حاولتِ مرة أخرى أن تُعصي قلب عمي على حمزة أو زوجته لن أبالي بأي شئ "
توترت عينيها وقالت بنبرة متلعثمة
" أنا لم أقصد أن ........"
قاطعها بنرة حادة نادراً ما تكتنف صوته
" لا يهم قصدتي أم لا .. إذا إختلط عليكِ الصواب من الخطأ إختاري الصمت .. وإلا لن أتهاون "
نبرته تحمل نوعاً من تهديد أهان كبريائها فتقول بغرور
" هذا بيتي أقول فيه ما أريد لمن أريد وقتما أريد .... "
وقبل أن تُكمل كان يقول بنبرة قاطعة
" حسناً إفعليها يا إبنة العم ولا تبكين بعدها العواقب "

تشتعل عينيها بالغضب تخفي ذلك الخوف الذي نال منها خاصة وهو يحمل سترته يقول بنظرات سوداء
" عشرة أعوام منذ زواجنا يا رغد .. نصفها أتحملكِ إكراماَ لأنكِ إبنة عمي والنصف الأخر لأجل عمي .. وأنتِ تدركين الفرق بينهما جيداً .. لذلك لا تقامرين على المتبقي فما هو إلا فتات "
يتحرك يأخذ هاتفه من جوار الفراش ثم ببساطة يترك الغرفة لها تنظر لأثره بأعين دامعة ودموع تأبى الهطول


__________________


" هل سنبقى هنا كثيراً ؟ "
قالتها بنبرة خافتة متداعية
تقف عند بداية غرفة الملابس حيث يقف يختار ما سيرتديه .. يلتفت لها بنظرات غامضة ويقول بمواربة
" ستة أو سبعة أيام "
لم تشعر بشئ .. لا تعلم إن كانت مدة قصيرة أم طويلة ولا تعلم إن كان سبب توترها هو بقائها مع أهله حقاً أم بقائها معه !!
لا يجد فوق ملامحها سوى شعور بالخيبة قبل حتى أن يُجيبها
يلتفت يجذب بنطال وهي تقول بخفوت
" لقد حاولت مهاتفة زهرة ولم أستطع .. بطاقة هاتفي لا تتوافق مع الشبكات هنا "
إلتفت يقول بلطف
" إستعملي هاتفي ستجدينه ... "
قاطعته تقول
" لا شكراً .. فقط ... "
تنحنحت لتكمل بإحراج راقه
" أريد بطاقة .. لي "
يمر بجانبها وهو يقول مبتسماً
" أفضل بطاقة تكون معكِ خلال دقائق .. شئ أخر ؟ "
تحرك رأسها بلا وقبل أن يغادر الغرفة نادته
" حمزة "
نظر إليها يجيب
" نعم "

أن تكون معه وتستمر في مناداته هكذا يبدو أمراً رائعاً حقاً ولا يدري لماذا ؟
تحك شعرها وهي تنظر بعيداً عنه قائلة
" أمي كانت تخبرني أن هنا يتشتدون في طريقة الملابس .. هلا ساعدتني في إختيار .. شيئاً أرتديه ؟ "
يقترب يقف أمامها تنظر لها وتقتلها تلك اللمعة في عينيه فتقول بعدها عابسة بحدة
" أرجوك لا تبدي كل تلك الفرحة .. فقط أسألك حتى لا أبدو غريبة .. أعلم لست محجبة لكن على الأقل أردت أن تبدو ملابسي متحشمة و... "
يضحك قائلاً باستمتاع
" إهدئي ورد .. أنا لم أنطق بحرف واحداً لتحتدي هكذا "
ترفع سبابتها في غيظ مشيرة لعينيه فيرفع حاجبيه في إندهاش وهي تقول بغيظ
" تلك العينين تضايقني .. لونها يصبح فاتح وتضئ بطريقة تغيظني .. لا تتفوه بشئ لكن تلك .. تلك تثير أعصابي وتغضبني "
صدره يتسع بشعور لذيذ للغاية وكأنه تناول وجبة لم ترضيه فقط بل نالت منه حد التخمة
يقترب خطوة كادت تبتعدها لكن ظهرها كان ملتصق بالحائط خلفها فتعقد حاجبيها في حركة زاجرة وهو يقول بنبرة خافتة بطيئة
" عليكِ الإعتياد سيدة ورد .. فهي لا تصبح كذلك إلا في حضرتكِ .. ولمعرفتكِ حاولت معها سابقاً بشق الأنفس فلا أجد منها إلا خيانة واشية .. كالأن "
إبتعدت عن الحائط وعنه تقف بعيداً فيبتسم بصفاء وهو يقول
" إرتدي ما تريدينه ورد .. ملابسكِ ليست بها ما يفضح ولا أجد بها سوى بساطة روحك "
ثم يضيف بعاطفة
" أو ربما روحك هي ما تطغى حتى على الملابس التي ترتدين "
كلماته ضايقتها .. أخجلتها وهذا ضايقها !
زفرت ودخلت الغرفة تبحث عن ما سترتديه وصوته يأتيها من الخارج
" إختاري شيئاً مريحاً سنبقى الكثير بالأسفل كما أظن "


_______________________



" صباح الخير .. حبيبتي "
وحبيبتي جاءت منفصلة عن بقية الجملة وهو يتفاجئ بليلة تجلس أمام المنضدة ووالدته تكتب شيئاً ما في ورقة
ألقت ليلة نظرة إليه وهي تحرك فمها بكلامات غير مسموعة .. بالتأكيد كانت عدة جمل من كتابها المدرسي ثم أعادت عينيها لكتابها وطبعاً لم تنسى أن تعبس في وجهه كعادتها !!

ينحني يقبل رأس سمية وهي تجيب بحنان
" صباح الخير حبيبي "
يجلس بجوار والدته التي تضع ورقة فوق إحدى جهتي الكتاب وتقوم بنقل ما في الجهة الأخرى بتركيز شديد
" عيناكِ عزيزتي .. أتركيها تعتمد على نفسها .. لم تعد صغيرة بعد يا أمي "
قالها بهدوء وعيناه تحيدان لتلك الجالسة أمامه ولا يجد من جسدها تعبير .. تعطيه ظهرها وتتجاهل حديثه تماماً
" لا تؤلمني يحيي .. كما أن إختبارات ليلة على الأبواب علي مساعدتها "
ينظر لوالدته يقول بنبرة جامدة
" ومن لديها إختبارات تجلس هكذا في بهو المنزل .. لمَ لا تبقى في غرفتها وتدرس ؟ "
لا يظهر عليها تأثر ووالدته تجيب تقطع حديثه قبل أن تُثار ليلة وتحدث مشاجرة بينهما كالعادة
" أصمت أنت قليلاً يا يحيي وهي ستستطيع التركيز "
وكلمات والدته إقترنت بعينين محذرتين فيصمت صاغراً

يشتعل غيظاً وهو يجدها تلتفت ترسل قبلة في الهواء لسمية ثم تعيد تركيزها لكتابها !!
وقبل أن يتكلم كانت سمية تضغط على فخذه في علامة تحذيرية أخرى وقبل أن يُبدي قبولاً كانت هناك أصوات أقدام تأتي من إتجاه الدرج
" صباح الخير "
قالها حمزة وهو يتجه إليهما وبجواره ورد التي رمشت مجفلة وهي تجد هذا الجسد الصغير يظهر من خلف الأريكة من العدم بهاتان العينان الكبيرتان
" تلك هي ليلة "
قالها حمزة بزهو قبل حتى أن يجيب أحد الصباح فتخيب توقعاتها

فتاة في سن المراهقة قامة قصيرة ملامح صغيرة سوى من زوجين من الأعين كبيرتين ودائرتين قريبتين للغاية من لون شجر القمح لكنهما لامعتان أكثر
قلم بفمها أخر خلف أذنها وأخر تجمع به شعرها بفوضوية فيبدو لطيفاً
بني فاتح متنافر بدرجات تقترب للون عينيها
عينيها غريبتان وتصيبها بتوجس وهي تقترب منها كالمغيبة والقلم مازال بفمها الذي إتسعت شفتيه ليشكلا إبتسامة عريضة تظهر رصعتين عميقتين وأكثر من لطيفتين
لا تعلم لماذا تخيلتها مختلفة ؟!

تقف أمامها وعينيها تبرق بطريقة أقلقتها خاصة وهي تنزع القلم تنظر لحمزة الواقف بجوارها قائلة بانبهار
" رائعة "
رمشت ورد مرة أخرى وليست لكلمتها بل لذلك الحضن المفاجئ الذي باغتتها به ليلة وهي تتعلق بعنقها فتننحني ورد قليلاً نظراً لقصر قامة ليلة التي تصل بالكاد لكتفي ورد وليلة تهمس جوار أذنها
" ستموت .. أقسم أنها ستموت "
لم تعلم ورد ماذا تقصد وليلة تبعدها قليلاً تنظر لوجهها بنفس التعبيرات الفرحة لتعيد إحتضانها مرة أخرى هامسة بسعادة
" ستوقد النار بنفسها .. أقسم أنني سأرى أياماً رائعة قادمة "

وبدون أن تنظر لها حتى كانت ليلة تبتعد وهي تتأبط ذراع ورد وتتقدم بها للأمام بطريقة بلهاء وهي تحدث نفسها بخفوت بينما ورد تنظر لحمزة باستغراب فيضحك وهو يتحرك خلفها
" والله جاء اليوم الذي سأراكِ فيه متفحمة يا رفيعة الأنف "
تتحرك لتجلس بها على الأريكة مقابل سمية المعاتبة ويحيي الهادئ دون أن تفلت ذراع ورد !!
يجلس حمزة جوار ورد التي قالت بهدوء دون أن تتخلى عن حذر
" صباح الخير "
يردد يحيي وسمية
" صباح النور "
وليلة تقول
" داخلها سيتأكل ويتأكل حتى تختفي "
تقول سمية متصنعة الجهل بنظرات تحذيرية
" ليلة .. ماذا ؟ "
تلتقط التحذير فتنظر سريعاً لورد المندهشة تقول ببساطة
" المعادلة .. المواد فيها تتأكل وتتأكل حتى تختفي .. فقط تحتاج لعامل حفاز "
تقبض على ذراع ورد بذراعها أكثر وهي تضيف بحماس
" وأنا وجدته "
تبتسم ورد لها بحذر وهي تنظر لحمزة تعقد حاجبيها قليلاً من غرابة إبنة خاله فيقول ببساطة
" ستعتادين .. نحن أخذنا فترة حتى إعتدنا "
وليلة مازالت بأحلامها وهي تقول بنبرة خافتة
" ستنفجر "
" ليلة "
والتحذير لسمية أيضاً وليلة ترد متنحنحة
" أقصد المعادلة .. التفاعل ينتهي بإنفجار عمتي "

" نمتِ جيداً عزيزتي ؟ "
تسألت سمية بلطف فتبتسم ورد وقبل أن تجيب كان حمزة يقول بنبرة لمحت فيها سخرية
" ولا أروع يا أمي "
تنظر له ورد بعينين ضاقتا رغماً عنها وليلة تنحني للأمام تنظر لحمزة قائلة
" حمزة .. أين الحلوى ؟ "
رفع كفه يضرب جبهته متذكراً ليقول بعدها بخفوت بطئ مصطنع التوجس
" نسيت "
تبتأس ملامحها وتظهر عينيها شريرتين مضحكتين فيقول معتذراً بابتسامة مقايضة
" إتفاق .. لا تغضبي وأحضر لكِ كمية مضاعفة المرة القادمة "
ترفع ثلاثة أصابع دون تفكير تقول
" ثلاثة أضعاف "
وقبل أن تجيب ليلة كانت تظهر أمامها فجاءة
عباءة بيتية مطرزة بفخامة وفوقها غطاء رأس من لون أحد الأحجار في العباءة ولم تنسى إرتداء الجواهر
هالة مبالغة ولا تشبه ورد التي إرتدت فستان صيفي بألوان زاهية وتركت شعرها مسترسلاً دون زينة سوى من القليل تنافي الزينة المبالغة فوق وجه رغد وكأنها ذاهبة لعرس وليس فطوراً صباحياً وفي البيت
ورغم كل الزينة على وجهها لم تستطع إخفاء عينيها التي غامت بسواد وهي تقسم بأن الأبخرة ستتصاعد من رأسها قليلاً

" ها هو الدخان سيظهر "
وكعادتها تدرك الكلام بعد تفوهها به فتصحح سريعاً وهي تنظر لسمية
" دخان المعادلة عمتي .. تظهر في بعض التفاعلات أبخرة غازية .. لا تفهمي خطأ "
وبسرعة أعادت تركيزها لما سيحدث دون إهتمام بملامح سمية القلقة التي تتبادل النظر مع حمزة الذي بدى في وضع تحفز !!

إمرأة جميلة .. هذا الوصف المناسب لتلك الفتاة التي لا تعرف من هي .. عينين واسعتين بنيتين تلك الدرجة التي تقارب حمرة العقيق بملامح راقية وبشرة حنطية لا تمسها حمرة كخاصة ليلة التي يختلط بياض بشرتها بلون وردي فاتح فتظهر وردية محببة
لكنها بدت جذابة للغاية رغم ملابسها المحتشمة والتي بدت لها مبالغة قليلاً .. ربما لو كانت أبسط لبرز جمالها أكثر

كادت تقف لكن ذراع ليلة منعها فنظرت لها وقبل أن تستأذنها لتقف وترحب بتلك القادمة كانت رغد تجلس بجوار زوجها تضع ساقاً فوق أخرى وتقول بأنف مرفوع وبنبرة شامخة
" مبارك "
إستغربت ورد طريقتها لكنها أجابت بهدوء مع إبتسامة طفيفة
" شكراً عزيزتي .. بارك الله فيكِ "
وقبل أن تتحدث كانت تتفاجئ بليلة التي مالت تقبل وجنة ورد فتنظر لها باستغراب خاصة وليلة تقول بنبرة خافتة مبتهجة
" فليسلم لي العامل الحفاز "
تلك الفتاة غريبة لكنها ممتعة نوعاً ما

لحظات قصيرة وكانت تهبط الدرج إمرأة تشبه إلى حد كبير رغد لكن ببشرة فاتحة بجوار زوجها يباركان لها بطريقة بدت ودية أكثر من خاصة رغد ثم هو
حيدر الهاشمي
يقترب منهم حيث يجلسون يقف ينظر لها فتقف إحتراماً لعمره تنظر له فيقول بنبرة عادية رغم أن عينيه أقلقتها
حملت قسوة إستغربتها في عيني مهران وغموض إندهشت عدم زواله من خاصتي يحيي
" مبارك "
تجيب بهدوء وعينيه تهبط على حمزة الجالس بجوارها بوجه لا يُفسر يقول بنبرة تخللها شيئاً جهلته
" مبارك "
وقف حمزة بهدوء ينظر لعمه ليقول بعينين داكنتين غامضتين وقاسيتين
" شكراً "
هكذا وفقط
يستدير حيدر وعينيه مازالت تحمل حديث .. وحمزة يمسك بكفها عندما تحركا لغرفة الطعام ولم يدري بأنه كان يضغط عليه بطريقة أقلقتها
يجلسان بجوار سمية وليلة بينما الباقي مقابلهما وحيدر يترأس الطاولة
لم تشعر بالإرتياح في تلك الجلسة من اللحظة الأولى لتأتيها الخادمة إنقاذاً لها وهي تقول
" الشيخ سطام يريد أن تتناول ورد معه طعامه "
تفاجأت سعدت وحمدت الله
تنظر لحمزة فيحرك رأسه سامحاً لها فتستأذن تتبع الخادمة بينما صوت رغد يأتيهم جامداً بعد ذهاب ورد
" ليست من عادة جدي طلب أحداً ليتناول معه الطعام "
كادت ليلة أن تتحدث بملامحها المبتهجة التي تجمدت وحمزة يقول دون النظر لأحد
" كان يستدعي سدرة "
لحظة خاطفة من الزمن توقف فيها الجميع عن ما يفعلونه وكان هو الوحيد الذي شارك حيدر إنعدام التنفس عند ذكر إسم سدرة !!
لحظة تخطاها البعض وفي اللحظة الأخرى تظاهروا بالتجاهل والبعض الأخر إستمر لحظات حتى إستطاع تجاهل
وكأن ذكرى إسمها أصبح مسألة وقت ليس أكثر حتى يستطيعوا نسيان !!

___________________________


تدق الباب فيأتيها إذن الدخول تفتحه ثم تتقدم للداخل بعد أن أغلقت الباب خلفها
" أجئت في وقتي أم تأخرت ؟ "
قالها سطام فور رؤيتها فتجلس على طرف الفراش تنظر له بتساؤل فيقول
" لا تكوني سميكة العقل يا فتاة .. أريدك أن تلتقطيها طائرة .. أعني أنني أنقذتك قبل أن يضايقكِ أحدهم أم بعدها "
قلق يتسلل لها وهي تقول بملامح ممتعضة
" ولماذا يضايقوني ؟! "
يجيب بمكر
" إنه مشفى أمراض عقلية .. ستتدركين مع الوقت .. إن الله يحبك أنكِ رزقتِ حمزة دون الجميع فهو الوحيد من أبناء الهاشمي الذي لم يخدعه بريق الحياة "
تنظر له وبداخلها ألف سؤال فينظر للطعام الموضوع أمامه على الفراش قائلاً بلطف
" هيا .. أنا جائع "
تبادله الإبتسام وهي تستجيب بشعور جيد

____________________


يقف مهران يقول بهدوء
" أنا سأذهب الأن "
ثم ينظر ليحيي قائلاً
" لا تنسى يحيي .. لدينا إجتماع اليوم "
يومئ يحيي برأسه إيجاباً فيستأذن راحلاً ومعه تمارة
يقف حمزة هو الأخر ليصعد لجده عندما أتاه صوت حيدر
" إنتظرني في غرفة المكتب يا حمزة "
نظر له حمزة للحظات دون إجابة وهو يفكر في الرفض عندما قال حيدر بهدوء
" أريدك يا إبن أخي "
يذكره بأنه إبن أخاه ويجبره على طاعة يتطلبها إحترام
يتجه دون إجابة لغرفة المكتب وحيدر يقف يتبعه تحت أعين ليلة وسمية القلقتين ويحيي الذي ينظر لظهر عمه بحذر ورغد التي ملأها الفضول

____________________


يجلس على المقعد أمام المكتب عندما دخل عمه وأغلق الباب
يجلس حيدر على المقعد خلف المكتب ينظر لحمزة بتلك الملامح المشتدة وهو ينظر للأمام بعيداً عنه قائلاً بهدوء
" طالت السنوات يا حمزة .. ألم يكفيك يا إبن الهاشمي ؟ "
عيني حمزة تكتسب قسوة عنيفة وهو ينظر لعمه لكن نبرته كانت هادئة وهو يقول
" لا يا عمي .. يزيد الألم مع مرور الزمن .. ربما يبهت لكنه يتعمق بقسوة أكبر "

تغيم عيني حيدر بغموض بغيض فيضيف حمزة وهو يعلم أنه يحاول السيطرة على الألم الذي تثيره كلماته بداخله
" أخبرتك قبل رحيلي يا عمي .. الألم بقلبي لن يهدأ .. لكن إن هدأ بداخلك عندها سأعود "
دوماً عيني عمه هكذا تجيد إخفاء دواخله لكن وجهه هو من يكشفه خاصة عندما يبدأ في الشحوب هكذا
يؤلمه أن يُؤلم عمه هكذا ولا يجد سوى رغبة متزايدة في إيلامه أكثر !!
يشتد فك حيدر بقسوة ونبرته تخرج صلبة رغم ما حملته من تباطئ بين الكلمات
" فقدتُ إبنتي يا حمزة .. لا تستهين بهذا "
الهواء ثقيلاً وصدره لا يحتمله شفتيه تجفان ويقول بنبرة مقتولة
" لا أستهين يا عمي .. خاصة وأنك السبب في موتها "
يقف حيدر يقول بقسوة شرسة لم يرد السيطرة عليها
" أنا لم أفعل .. لمَ لا تتوقف عن قولها ؟ "
شفتي حمزة تميل بسخرية وهو يقف يواجه عمه قائلاً بمرارة
" ليس معنى أنك أمرت بإخفاء جميع صورها وإنهاء كل ذكرى لها أن تنساها وتنسى وزرك في حقها "
كلماته قاسية وللحظة تناسى أنه إبن أخيه الذي تربى أمام عينيه ليقول بانتقامية إبتغاء جرحه
" ولماذا تفعل أنت ؟ .. ها لماذا أخفيت كل ذكرى لها أيضاً .. هل لأنك مذنب أم لأنك لا تقوى العيش وأنت تراها في كل لحظة في كل مكان متمثلة في ذكرى حية لا تنبض داخلك سوى بالألم ؟ "
ملامحه تجمدت ونبرته بدت مقتولة وهو يقول
" أو ربما لأنني أخجل منها "
يتغضن جبين حيدر قليلاً وحمزة يكمل بدموع إلتمعت في عينيه
" ربما لأنني أكملت حياتي دونها .. أعمل وأضحك وأحب وأعشق بل إنني تزوجت .. وهي .. هي ليست هنا .. ليست معي "

يستند بكفيه فوق سطح المكتب يقول بنبرة مشتدة خفيضة
" سدرة لم تكن إبنتك وحدك يا عمي .. كانت الفتاة التي ولدت على يدي وأكثر من أختِ لي .. كانت إبنتي وليست إبنة عمي .. كل خطوة كنت معها كل ألم وكل سعادة شاركتها إياها .. أنا من حضرت زفافها وأنا من إنتظرت بفارغ الصبر لأحمل إبنتها على يدي "
يعتدل في وقفته يقول بقسوة وأنفه يشمخ
" فقدت إبنتي يا عمي .. فلا تستهين أنت الأخر "
يبلل شفتيه ويسخر
" أنا أصلاً لا أجد جدوى من إستدعائك لي .. أتريد أن تخبرني أنك لم تكن السبب في موتها حسناً عمي أنت لم تفعل .. أرح قلبك .. فلقد تركت لك البلد كلها حتى لا تجد في ذكرى تذكرك بذنبك في موتها .. وأعذرني إن كنت أتي القليل فأنا للأسف لي قلب ينبض يشتاق لعائلتي .. فالكل ليس محظوظاً مثلك يا شيخ حيدر وفاقد القلب "

بصلابة كان يستقبل كل حرف وكل إنفعال من حمزة دون إنفعال حتى إنتهى ليقول بهدوء بعد لحظات
" بل أردت أن أخبرك شيئاً أخر "
كلمات حيدرللمرة الأولى تحمل تلك الذبذبات وفشل حمزة في تحديدها إن كانت ألم أم .. ضعف ؟!!
" إن كنت مازلت ترى أمامك حيدر الهاشمي فاقد القلب الذي تحدثت عنه .. فاحذر يا بني "
تتغضن ملامح حمزة بعبوس وحيدر نظرته تخلت عن قسوة لكنها أيضاً لم تظهر أي تعبير
" لا تجعل الغضب يعميك لتلك الدرجة فلا ترى الخواء الذي أصاب عمك "
شعور بغيض كريه

ضعف إستشعره وفتته
ثلاثة أعوام منذ موتها ولا يستطيع سماحه لكنه أراده متماسك حتى الرمق الأخير

إقترب حيدر يقف أمامه ونبرته تبهت
" أنت غاضب .. تتألم ولم أجد مانع طوال تلك السنوات لتصب كل ما تشعره فوق صدري .. أنت إبني وأنا لم أكن لأتردد في هذا لأنني أعلم أنك إن وجدت من تُلقي عليه ذنب موت سدرة .. سيتزايد الغضب داخلك ويخفت الألم .. لكن .. ترفق بعمك يا حمزة .. الفترة القادمة أنا بحاجة إليكم جميعاً يا أولاد الهاشمي "
" ما الأمر يا عمي ؟!! "
قلق جعله يقولها دون تفكير وخوف جعله يلحقها بكلمات بالكاد نطقها من فرط قسوتها على قلبه
" هل أنت .. هل صحتك جيدة ؟! "

يبتسم حيدر وللمرة الأولى يرى سخرية بسمته تلامس مرارة وهو يربت فوق ذراع حمزة قائلاً بهدوء
" ليته الموت يا إبن أخي .. لكن عمك تمادى في الظلم فلا تعتقد نهايته قد تكون رحيمة هكذا "
يسعده هذا الخوف الذي بدى جلياً في عيني حمزه .. أسعده أن الألم لم يتمكن منه فيلوث مشاعره إتجاهه للنهاية
يرتفع كفه يربت على عنق حمزة وهو يقول بهدوء
" مبارك يا حمزة .. زوجتك تبدو جيدة .. نال السعادة التي تستحق يا بني .. علك تكون الناجي الوحيد في هذا البيت "
والقسوة نالت من عيني حيدر مرة أخرى وهو يكمل
" لكن هذا لا يمنع أنك أتيت بإبنة القاصي رغماً عني "
تلك الهالة الشامخة فجأة لم تقلل ولو ذرة من قلق حمزة
يبتسم عمه ويقول
" لا أمررها لأحد .. لكنني سأفعلها لك "
أبعد حيدر كفه وإستدار عنه تاركاً غرفة المكتب في حين بقي حمزة مكانه ينظر لأثره وشعور خطير ينتابه
حتى يوم موت سدرة لم يبدي ضعفاً ولو للحظة .. أبداً لم يبدى ضعفاً مهما كان الحدث وعظمه .. ماذا هذا الذي يحدث له الأن ؟!!


__________________________

يتبع.........

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رواية عثرات قلب .. بقلمي هبة عماد

مُساهمة  heba emad في الخميس سبتمبر 27, 2018 9:52 pm

تجلس بجوار سطام شبه مستلقية تتكئ بمرفقها على الوسادة وهي تتابع حديثه باهتمام
" ماذا أخبركِ عنها .. كانت كالملاك .. أفضل حفيدة لدي .. كانت هي وحمزة الثمرة الطيبة في هذا البيت .. إختلفا عن الجميع والرابطة بينهما كانت محط غيرة الجميع .. كأب وإبنته حتى منذ كانا صغاراً لا يفهم عقلهما معنى الروابط "
تستمع لحديثه وهي تستغرب ذكره لتلك الفتاة التي لم يخبرها حمزة عنها شيئاً
" أحبت وتمردت .. لكن الحق يُقال .. مهما بلغ سوء قسوة حيدر فعند بناته أحلامهن تُحقق قبل حتى أن تتلفظ بها ألسنتهن "

تكتسب نبرة سطام قسوة غاضبة وهو يكمل
" إختارت رجلاً فقيراً يعمل في إحدى شركات الهاشمي ورغم هذا رفعه حيدر لأعلى المراتب .. لكنه كان طامعاً حقوداً .. تغاضى الجميع عن هذا لأجلها رغم أنه نهب الكثير من الأموال سراً وحيدر حذره هذا ولم يهتم بأموال .. لكن الأمر خرج عن السيطرة عندما تتطاول عليها باليد "
تمتقع ملامحه هي الأخرى وهي تهمس باشمئزاز
" يا إلهي .. كم هو نذل "
يتنهد سطام بتعب وهو يقول بحزن غمر نبرته
" كانت حامل وضعيفة البنية .. مات الجنين وإزداد النزيف ولم يستطيعوا إيقافه "
تبتلع ورد ريقها بألم وهي تحاول بشق الأنفس كتم بكائها الذي بدأ ينذر بقدوم وهي تقول بحشرجة
" هكذا ماتت "
حرك سطام رأسه بنعم وصدره يعلو ويهبط بصعوبة قائلاً بمرارة
" ذلك اليوم لم أفقد حفيدتي فقط .. بل فقدت معها حمزة وفقدت عندها فرحتي .. خيم الحزن على الجميع حتى خبر موته في حادث سيارة أتانا بعد دفنها بساعات ولم يقلل هذا من ثورة الغضب داخل أحد أو حتى يحد الألم "
ينظر لها سطام قائلاً بهدوء
" أنا أخبركِ بكل هذا لأن لي عندك رجاء "
تمالكت دموعها وهي تقول بطاعة
" تفضل يا جدي "

عينيه بدت متوسلة بطريقة مزقتها وبداخلها تُقسم أنها ستلبي ما يريده حتى وإن طلب روحها
" حمزة "
قالها بخفوت فيظهر في عينيها إستغراب يجيبه وهو يقول بهدوء
" منذ ذلك اليوم وهو يغادرنا .. لا يأتي سوى عدة أيام كل شهر وأنا ووالدته أضنانا فراقه .. بل الجميع أرهقه بعده "
يُعقد حاجبيها قليلاً وهي تتكهن بالأتي وتعترف أنه سيكون أصعب من روحها
" فقط إجعليه يُكثر من زياراته .. لو علي لأردته أن يبقى دون رحيل .. لكنني أعلم أنه يجد هناك سلواه .. لقد شخت يا ورد ووالدته يجري بها العمر .. إجعليه يبقى حتى ولو نصف الشهر هنا والباقي هناك "
تحركت مقلتيها قليلاً ورغماً عنها شعرت بصدرها يضيق فتنهدت ليسرع سطام قائلاً
" لقد طلبت هذا منكِ وأنتِ لم تُكملي اليوم هنا لأنني توسمت فيكِ طيبة القلب .. أنتِ لن تخذليني أليس كذلك ؟ "
شعرت بمدى المسئولية التي يلقيها على عاتقها لكنها إبتسمت تقول باستسلام
" حسناً يا جدي .. سأحاول "

شعرت بالراحة وهي تجد كل ما فيه ينبض بالسعادة عندما قال منبهاً
" لكن لا تُخبريه أنني أخبرتك بهذا .. أو تقوليها له صراحة .. هو سينفر من الفكرة .. حاولي كل فترة أن تُخبريه بأنكِ تريدين زيارتي أو زيارة سمية .. عندما تأتون حاولي ألا تجعليه يرحل سريعاً .. وهكذا "
تبتسم تقول بمشاكسة تحاول إزالة القلق الذي بدأ يساور كلماته
" أنت تزيد المسئولية يا جدي .. لكن يهون كل شئ لأجل رضاك "
ينشرح صدره وهو يستوطن فيها الخير لتهتز إبتسامته قليلاً وهو يقول
" وهناك شئ أخر "
تبتسم بهدوء تقول
" ماذا ؟ "
لا تعلم لكنها تشعر أنها ودعت قلقها معه .. وكأنها تعرفه منذ سنون
" أحبيه "
إستغربت كلمته ووترتها وهو يكمل
" أرى العشق في عينيه لكِ .. ولا أجد المثل في خاصتكِ ورد "
شعور بالضيق أو ربما بالتأنيب
" أنا لا أعرف عن علاقتكما سوى قليل القليل .. لكن عجوز مثلي يستطيع التكهن بهذا التردد والخوف في عينيكِ "
يبتسم وهو يمسك بكفيها يربت عليهما ويقول
" أتركِ نفسك قليلاً .. ثقي به ولن تشعري بنفسك إلا وأنتِ تحبينه "
تبادله إبتسامة تطمئنه دون صوت لكنها بدت متوترة
لو يعلم أن الأصعب من محاولة حبه هو محاولة الثقة به لمَ قال هذا

طرقات فوق الباب تلاها دخول هادئ لسمية المبتسمة فتعتدل ورد في جلستها تنظرلها وهي تمد يدها بشئ ما في عبوة
" ورد عزيزتي .. السائق أعطى فضيلة هذه وقال أنها لكِ "
تأخذها ورد باستغراب وهي تفتحتها لتجدها بطاقة هاتف فتقول لسمية متذكرة
" نعم .. إنها بطاقة للهاتف .. طلبتها من حمزة حتى أستطيع محادثة أختي "
تبتسم سمية بمودة قائلة
" أوصلي لها سلامي .. وأخبريها أنني أطوق لمقابلتها "

رغماً عنها عقلها إستحضر صور عدة لسعاد تغضب وتتوعدها عندما كانت زهرة أو والدتها تزورانها وكأنهما كانتا تجلسان فوق رأسها
تتمتم ورد بلطف
" إن شاء الله "
تمسك بالبطاقة في يدها تنظر لها وعقلها يشرد
ترى ماذا ستكون ردة فعلها لزهرة عندما تعلم أنها تزوجت ؟!!
" إذهبي لتكلميها عزيزتي "
نظرت ورد لسمية المتحدثة وهي تقف قائلة بخفوت
" حسناً .. عن إذنكما "

تحركت تغادر الغرفة وعندما تأكدت سمية من رحيلها جلست على الفراش أمام سطام تقول بقلق
" لقد أخبرتها أليس كذلك ؟! .. أخبرتك أن تتمهل جدي .. أنا أخاف ثورة من حمزة وهي عروس قد تسوء الأمور بينهما "
تطمئنها ملامح سطام الذي قال بهدوء
" إطمئني يا سمية .. لن يحدث "
تزفر بقلق وهو يراها تفرك كفيها بتوتر فيقول عابساً
" ما الأمر يا سمية ؟! .. هناك ما حدث "
تنظر له سمية تقول بقلق تصفد له جبينها عرقاً
" حيدر .. طلب حمزة لمكتبه وبعد دقائق خرج حيدر ولم أستطع إستقراء شيئاً على وجهه كالمعتاد .. لكن المقلق أن حمزة بقي في المكتب ويحيي دخل له ومنع مقاطعتهما .. العلاقة بينهما سيئة بما يكفي ولا تحتاج لمزيد من الأضغاث "
تنهد سطام بتعب وهو يقول بعد لحظات بملامح مرهقة
" ربما يكون خيراً يا سمية لا تتشأمي .. أرى التغيير على حيدر .. فقط لا يقلقني سوى غضب حمزة الذي لم يخمد بعد "



________________________


يُمسك حمزة بذراع يحيي الذي كاد يرحل قائلاً بغضب
" لن تغادر يا يحيي قبل أن تخبرني بما يحدث .. عمك يأتي ويتحدث بطريقة مقلقة وأنت بعدها تحاول طمأنتي لأجدك لا تفعل شيئاً سوى زيادة قلقي .. الأن سأعرف ما يحدث "
يُبعد يحيي كف حمزة بهدوء وهو يقول ببساطة
" ليس مسموح لي بحديث يا حمزة .. لقد عرفت بالصدفة ولم أخبر عمي حتى "
قسوة من غضب قلما تنتابه ويحيي يعلم أنه لن يهدئ حتى يعرف الحقيقة
يتأفف يحيي وهو يقول بوجوم
" عدني أن لا يعلم أحد .. أو تبدي ما يدل على علمك بما سأخبرك به "
تشتد ملامح حمزة وجوماً ويحيي يقول بنبرة مشتدة
" تمارة "
ذِكر إسمها جلب شحوب قاسي لوجه حمزة وشئ واحد يدق عقله ولا يقبله
" المرض عاودها "
لحظات يستوعب إذا كانت الجملة يحيي من قالها أم عقله من خدعه بها
يبتلع ريقه ويحيي يضيف بملامس مبتأسة
" هي ومهران لم يخبرا أحداً من العائلة .. لم يعلما أن عمي منذ مرضها في المرة الأولى يتابع مع طبيبها سراً "
" حالتها .. خطرة "
سأله حمزة بخفوت بالكاد إستطاعته حنجرته فيجيب يحيي بأمل
" التحاليل ستظهر ليلاً .. أدعو الله أن تكون أفضل "

_______________


تُمسك بهاتفها تضغط أرقام هاتف أختها ويدها فوق علامة الإتصال مترددة
هل تكون قلقت عليها .. أم ربما لم تعرف عن تركها البلد شيئاً ؟!
هل ستبارك لها ؟!
سينتابها الفضول أم سيتأكل قلبها خوفاً وهي تعلم أن أختها قد تزوجت من رجل غريب لا تعرف عنه شيئاً ؟!
تتنفس بعمق وهي تستبدل علامة الإتصال بالمراسلة أصابعها تضغط عدة حروف ثم ترسلها
زهرة هذا رقمي .. أنا ورد لقد تزوجت إذا أردتِ محادثتي هاتفيني

______________

لم تعتقد أن يأتي المساء بتلك السرعة !!
تجلس مع سمية فتطيب روحها بصفاء الحديث وليلة التي تجعلها تضحك حتى الدمع ثم سطام الذي تستمع بكل أحاديثه عن الماضي سواء خصته أم خصت أفراداً أخرين
فقط تلك التي تُدعى رغد لم تحبها ولحسن حظها فهي تميل للبقاء بغرفتها فلا تكثُر مصادفتها
تنظر للساعة المعلقة على الحائط فتشير لمنتصف الليل ولم يأتي منذ غادر صباحاً ولم تسمع حتى صوته للأن !!
تنام جوار الفراش حيث كانت بالأمس تسمع صوت باب الغرفة يُفتح فتسرع تغمض عينيها متظاهرة بالنوم
صوت تحركاته بالغرفة إستمر لحظات حتى سكن
أين كان منذ الصباح ولم يُحدثها ؟!

دقائق طويلة مرت فتستدير ترفع رأسها تنظر من فوق الفراش وعينيها تقصد الجهة الأخرى منه لتتجمد وهي تراه يجلس فوقه
عينيه حادت لها فتتفاجئ من كم التشتت فيهما خاصة وهو يحيد بوجهه عنها !!
تعود لتستلقي على الوسادة على الأرض وهي تنظر للسقف بتفكير
هي لن تبقى تتجاهله هكذا كثيراً .. تعيش معه وعليها الوصول لطريقة مناقشة تنتهجها معه
" شكراً على بطاقة الهاتف "
لم يُجيب فتعقد حاجبيه واجمة

هل فعلت شيئاً خاطئاً ؟!!
تجلس تنظر له قائلة بعبوس
" حمزة "
لا يجيب فتعيد ندائها عندما نظر لها وكأنه سمعها الأن فقط ليقول دون إنتباه كامل لها
" تقولين شيئاً ؟ "
نظرته داكنة .. شئ سئ !!
ترتفع تجلس على طرف الفراش جواره تسأله بوجوم
" ما الأمر ؟ "
ينظر لها قائلاً
" لا شئ "
كاد يتحرك فأمسكت بقميصه تمنعه قائلة بحيرة
" أنا لا أريد التطفل .. لكن تستطيع القول إن أردت "
عينيه مشتتة ونبرته شاردة رغم تألمها
" إذا ألمكِ أحدهم .. ألمكِ بشدة لكنكِ تحبينه .. تهجريه أم تسامحيه "

تقسم أنها لو لم ترى تلك الملامح المتوجعة لقالت أن كلامه مقدمة ليعترف بخيانته لها !!

تستغرق لحظات في تفكير لتقول بهدوء
" إذا كان الألم أكبر من الحب أهجره .. وإذا كان العكس أسامحه "
يسألها بنفس التشتت
" وإذا لم تستطيعي أن تُحددي ؟ "
ربما ستستطيع الشرح أفضل لو إستطاعت ذكر حسن أمامه وقاست حالته على خاصتها !!

تثني ساق فوق الفراش بينما الأخرى متدلية خارجه وهي تقول
" سواء كان هجران أو مسامحة .. نحن نبحث عن السكينة لأنفسنا في كليهما .. في أيهما سكينتك ؟ "
مرارة تتشكل في حروفه وهو يقول بتعب
" لا في هذا ولا في ذاك "

وكأنه يشرح ما مرت به لكن بأحداث قد تختلف
فلا هي وجدت السكينة في زواجها ولا وجدتها بعد فراق

تتنهد بعمق لتقول بعدها بهدوء
" في تلك الحالة عليك إختيار أكثرهم سكينة وأقلهم ألماَ .. إختر الحالة التي لن تخسر بها نفسك وسط شدة العذاب "
لا سكينة نالها في خصامه لعمه ولا يعتقد أن توجد إن أنهاه
يخسر نفسه ......
خسر جزءً منه لم يعد حتى عندما أحب ورد .. جزء ضُمر بداخله وتحجر
منذ وقف عاجزاً أمام غرفة العمليات دون أن يستطع فعل شيئاً لها
عندما ذهب لزيارتها ذلك اليوم ليجد باب منزلها مفتوح وهي متكومة أرضاً في أحد الجوانب فاقدة الوعي والدماء من حولها كبركة
مازال يشعر للأن بحرارة دمائها فوق ذراعيه عندما حملها للمشفى
" إلى أين ؟! "
قالتها ورد وهي تراه يستقيم متحركاً إتجاه الباب فيقول دون أن ينظر لها
" سأسير قليلاً في الحديقة "


___________________


يترجل من سيارته في تلك الصحرء الخالية سوى من مستودع يحرسه رجلان يقفان يقدمان له تحية لم يبالي بها وهو يتقدم للداخل ويغلق باب المستودع خلفه
يجذب مقعد خشبي خلفه فيصدر صوت إحتكاك ساقيه بالأرض الخشنة صوتاً بدى منفراً يتردد صداه بين الجدران
يجلس على المقعد وعينيه لا تُفارِق هذا الذي تكوم على نفسه في أحد الأركان ينظر له بذعر إرتسم فوق عينيه وكأنه يرى الموت
هو يرى الموت
ملابس رثة ذقن نامية للغاية كشعر رأسه والأتربة نالت حتى من وجهه
يجذب ساقه اليسرى لصدره واليمنى ممدة مبتورة حتى الركبة فيتدلى من فوقها قماش البنطال مستقراً على الأرض
" سدرة "

أول كلمة يقولها كلما أتى إلى هنا وكأنه يُلقي عليه ذنبه ويجعل الظنون تفتته في تخمين نوع العقاب الجديد
يتشكل الذعر في أقصى معانيه على وجهه وهو يرى حيدر يسترخي في جلسته ويقول بهدوء
" رأيت الحب في عينيها كما رأيت الجشع في عينيك .. إمبراطورية الهاشمي لن تنهار من طامع يهوى ملأ جيوبه بحفنة أموال .. لكن سدرة الهاشمي كانت أرق من ألا يكسرها تجبر أب يريد مصلحة إبنته التي لا تراها هي .. يرفض الجميع تلك الزيجة حتى إن حمزة للأن يخاصمني ويتهمني أنني السبب في موتها فقط لأنني وافقت لكن .. سعادة إبنتي "
قال كلمتيه الأخيرتين بشبه مرارة ساخراً
يعتدل في جلسته وهو ينظر للرجل الذي بدأ في الإرتعاش وهو يكمل
" أتتذكر ؟ .. أتيت بك إلى هنا قبل زواجكما .. كان هناك رجلاً غيرك في نفس مكانك .. أتيت بك متقصداً لترى الذعر في عينيه .. لتخاف فتُحسن معاملتها وقد حدث .. تنهب من أموال أبيها نهاراً وأنت تعتقده غافلاً وتحتضنها لصدرك ليلاً تخدعها بعشق مزعوم "
يلوي شفتيه ببساطة مكملاً
" لا يهم إن كان زيفاً أم حقيقة .. المهم سعادتها "
يضم قبضته وهو يصعد بها لصدره يضرب عليه بقسوة قائلاً
" سعادة إبنتي "
قسوة تملكت منه ووحشية تدفعه ليُريق دمه الأن
يبقى على وضعه للحظات ثم تلين عينيه وهو يمدد ساقه اليمنى للأمام قائلاً ببساطة
" أتت لي رغد وهي في السادسة عشر .. كنت أبحث عن عروس ليحيي .. لتُقَر عيني بحفيد لعائلة الهاشمي .. لكنها وقفت أمامي رأسها مرفوع عينيها خائفتين ومقلتيها تعانق الأرض خجلاً تقول .. أبي لا تزوج يحيي .. أنا أحبه "

تميل شفتيه في شبه إبتسامة لم تصل لعينيه وهو يقول بقسوة لامست نبرته
" يحيي الإبن البكري لإبن أخي .. الطفل الذي حملته على يدي قبل بناتي وإستشعرت معه الأبوة قبل الجميع .. لم أرى العشق في عينيها له قبلاً لكن ذلك اليوم بدى جلياً .. كوالدها تلك الفتاة تجيد إخفاء ما تشعر .. ناديته وأخبرته أن رغد ستكون عروسه وهو لم يمانع .. عمه ولا تُكسر له كلمة .. كنت أظن عشقها سيصيبه بالمثل لكنني لا أرى بعد إثنا عشرة سنة زواج خدشة من عشق في عينيه .. حتى إن تضحيتها بأمومتها لم تلن قلبه رغم بقائها معه وهو لا ينجب .. ورغم هذا لم أندم .. يكفي أنها حصلت على ما أرادت "

تغيم عينيه قليلاً وهو يكمل
" هي إبنتي وهو إبني .. لم أفضل أحدهما على أخر لكنني لم أستطع أن أحزنها .. فتاة والرجل أكثر صلابة عليه أن يتحمل "
يثني ساقه وهو ينحني للأمام بجزعه قليلاً يقول
" ثم تمارة .. للصدق لم يرهقني شيئاً بعد موت سدرة قدر علاقتها بمهران .. إبني الثاني وأقرب الجميع إلى قلبي .. يحب يعشق وقدم قلبه دون تفكير .. لك فقط أن تُفكر مهران الهاشمي .. يقدم قلبه لإمرأة .. لكنها إمرأة غير تمارة التي رأيت الحب في عينيها كل يوم يزداد له عن سابقه .. كان لها حياة .. وكانت حياته أخرى "

يرتفع حاجبيه بسخرية قائلاً
" لكن كما قلت الرجال أكثر صلابة .. كُسر قلبه وأنا أعلم أن تمارة لن تستطيع ترميمه .. حواف حادة كلما إقتربت منها تنجرح لكنها قالتها صريحة يكفيني أنني جواره .. لذا لا يهم .. عامان منذ تزوجا قد لا أرى لمعة التخمة في عينيها لكن على الأقل أرى الرضا "
إبتسامته تتخذ منحنى إنتقامي وهو يكمل
" ثم سدرة .. صغيرتي الجميلة .. أكثر إبنة أحببتها .. وأنت قتلتها "

يشير بعينيه لساقه المبتورة قائلاً
" تلك الساق .. تلك الساق التي ركلت بطنها فقتلت حفيدتي وإبنتي .. أتذكر يوم أمرتهم بأن يبتروها لك .. لم أشعر بشئ .. توقعت أن تهدئ النيران في قلبي لكنني لم أشعر بشئ .. كان حمزة ثائراً يبحث عنك هنا وهناك .. دفنها وأراد ثأر .. كنت أعلم أنه ينوي قتلك ولو فعل لتسترت على الأمر .. لكن حمزة دون شقيقيه لا يمتلك القدرة على إحتواء حلكة قد تولد داخله فزيفت موتك .. إنتقامه يعتقد أنه إنتهى برحيلك وإنتقامي يتحقق بعذابك "

يقف وهو يقترب من الرجل الذي إنكمش وجسده يحتك بالحائط وكأنه يدفعه يبحث عن مهرب له
يقف حيدر أمامه يقول ببساطة
" ربما تستغرب لماذا أخبرك كل هذا وأنت لا دخل لك به .. لكنني أردت أن أفرغ هذا مع أحد أضمن أن لن يفشي حديثي .. وعدم إفشائك ليس لأنك مسجون منذ ثلاث سنوات لا .. لسبب أخر "
يضع حيدر كفيه في جيبي بنطاله وهو يزيد شارحاً
" في ذكرى وفاتها منذ أسبوعين قررت شيئاً .. سبق وأن بترت ساقك وللحقيقة لا أجد في بقائك مسجوناً هكذا أي متعة .. لذا كل ذكرى سنوية لوفاتها سأبتر منك شيئاً "
تتسع عيني الرجل بذعر وحيدر عينيه تشتعل بوحشية
" هذا الفم .. ذلك اللسان الذي خدعها بعذب الكلمات "
يجلس القرفصاء أمامه وقد بدأ الرجل في البكاء وحيدر يضيف في قسوة
" غداً سيُقطع هذا اللسان "
وللمرة الأولى منذ سنوات كان يسمع صوته وهو يقول في عذاب
" أرجوك إرحمني .. أقتلني أو إرحمني "
صوته أوقد النيران في قلبه كذلك اليوم الذي فقدها فيه
صوته يكتسب فحيح شرير ونظرته كجحيم لن يكتفي حتى بإلتهامه
" قتلك رحمة .. حتى يرحمني هذا العذاب في قلبي عندها قد أرحمك .. فهل لهذا الألم في قلبي من رحمة ؟ "
يردد الرجل في ضعف
" أرجوك "
يقف عينيه تكتسب جمود ونبرته كذلك
" لا رحمة لك .. كما لا رحمة لي "
تضيق عينيه قليلاً ليقول بقسوة فحيحية
" سدرة "

حتى تُخار قواه .. حتى تتعب روحه فتغادر جسده .. سيظل يتلوها عليه
سدرة
بداية العذاب .. لكنها لن تكون النهاية
مخطئ من قال أن لكل شئ نهاية
فهي ستظل طوق الجحيم حول عنقه حتى بعد موته

يستدير وبكاء الرجل يأتيه مصاحباً بكلمات مترجية إعتقدها سترضيه لكنها تشعل النار داخله بذكراها
أخبره حمزة بأنه يخفي ذكراها حتى يستطيع المضي !!
الغبي لا يعرف أنه يحتفظ بأكثر ذكرى لها حية حتى لا يستطيع أن ينساها أو ينسى حتى الألم في فراقها
يحتفظ بقاتلها

نهاية الفصل السابع

heba emad
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 28
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 27/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى