روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الجمعة ديسمبر 28, 2018 9:38 pm


السلام عليـــــکم ورحمة الله وبركاته

هبدأ بنزول فصول رواية ﴿ تراتيل الماضي

أتمنى أن تنال رضاكم

انتظروا الفصول في المشاركات القادمة






_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الجمعة ديسمبر 28, 2018 9:39 pm



ونبدأ بعرض الشخصيات الرئيسية

عابد


**************

لُقى



***************

حسن


**************

ياسمين



عدل سابقا من قبل Randa Adel في السبت ديسمبر 29, 2018 9:32 am عدل 1 مرات

_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الجمعة ديسمبر 28, 2018 9:39 pm



مقــــــــــــدمة





دائما تضعنا الحياة في اختبارات مننا من يتقبلها
ومننا من يتمرد عليها..  

ولكن دائما تأتي صفعات الحياة أقوى
هناك من يقف بشموخ يأخذ الصفع بكبرياء وإيباء
وهناك من يأخذها وهو منحني الرأس ويطلب
منها المزيد..  
من المحتمل أن لا تكون ضعف شخصية  ولكنها
في معظم الأحيان تكون قلة حيلة
ماذا يفعل الشخص مقابل
صفعة اليتم والرمي بالملاجئ العفنة التي يحدث
داخل جدرانها الكثير والكثير من الجرائم البشعة
وماذا يفعل الإنسان أمام صفعة الفراق الموجع
وصفعة الحبيب الذي يبعد عنك مسافة لا تعلمها
وصفعة الأيام حين تضعك في أماكن لا تليق ببشر وإنما بالبغاء

*******









عدل سابقا من قبل Randa Adel في السبت ديسمبر 29, 2018 9:39 am عدل 1 مرات

_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الجمعة ديسمبر 28, 2018 9:39 pm





المــــلخص

*****

" ألن تأكل يا عابد؟!!  "

نطقها طفل لم يتعدى سنوات عمره الثالثة عشر موجهاً كلامه للذي يقبع
أمامه على الطاولة المشتركة بينهما وتعلو ملامحه تعبيرات العجز واليأس
وعدم الاحتمال ..  فتى يبلغ من العمر الخامسة عشر عاماً .. ملامحه حادة
ناري الطباع..  سواد عينيه جعل نظرته تشبه الصقر في حدة بصرة
وشعره الحالك السواد..  وأنفه المستقيمة..  وفمه الرفيع الذي يطبقه
بطريقة تنم عن غضبه ...  وأنه يحاول السيطرة عليه..  
نطق أخيراً وهو يجاهد ألا يحرق المكان بمن فيه..  
" لن آكل يا حسن ..  لن آكل قبل أن أطمئن عليها..  "
إلتفت حسن حوله بريبة يحاول أن يرى إذا كان هنام أحداً  ينظر إليهما
أم لا...  وهتف بصوت منخفض يمد يده بطبقه ويأخذ منه بعض الطعام ويضعه في الطبق الموجود أمام رفيقه..  
" خذ هذه أيضاً ..وكُل شيئاً وأترك الباقي لها..  "
نظر إليه عابد بنظرة لا تمت للطفولة بشئ ولكنها تنم عن الامتنان والشكر لهذا الطفل على وجوده بحياته... بالرغم من أنهما في نظر القانون والدولة أطفال
إلا أنهما أكبر من عمرهما بكثير...  فوجودهم بين جدران هذا المكان العفن
جعلهم يكبرون سنوات مستقبلهم المظلم بكارةً ..
أخذ عابد ما وضعه حسن في الطبق وأعاده الى طبقه وهتف بشئ من الصرامة
" كُل أنت يا حسن  ولا تحمل هم لي.. سأتدبر أمري.. أطمئن عليها قبلاً "
الاصرار في صوت عابد من المفروض جعل حسن يعيد تفكير للنطق مرة أخرى
ولكنه حزين من أجل صديقه .. فهو لم يأكل منذ الأمس ويقوم بتخبئة الطعام
بيت طيات ملابسه ويعود للعنبر الذي ينامون فيه ويقوم بإخراجه وتخبئته مرة
أخرى حتي يعطيه للفتاة الوحيدة القريبة منهم هنا .. فهم يُعتبروا أصدقاء
.. ثلاثتهم .. وعابد من يكبرهم ولذلك دائماً نزعة الحماية تملؤه تجاههم..  
هتف حسن بشئ من القلق على صديقه..  
" حسناً كل شيئاً ولو بسيطاً .. وهي سنطمئن عليها بعد ساعة ستخرج "
نظر إليه عابد ولم يتحدث فتفكيره جانح نحو صغيرة قاموا بحبسها في غرفة
" الحبس الانفرادي " ..  والأطفال يطلقون عليها غرفة التعذيب...  وقاموا بحرمانها
من الطعام منذ أمس..  فتاه رقيقة عذبة ... هشة.. بريئة الملامح
حمراء الشعر ..  صهباء البشرة وتمتلك عينين بلونهم الذي يشبه لون حجر
الفيروز الذي شاهده مرة في برنامج أو إعلان علي شاشة التلفاز هو لا
يعرف في الحقيقة ..
لأن عينيه لا تتعلق بهذه الشاشة التافهة من وجهة نظره في حضور فتاته ..
يقوم بتسليط نظره عليها فقط ليحميها..  لا يريد أن يغفل عنها
الصغيرة البريئة التي تحتاج لحمايته .. لقد كرس وجوده حولها لأمانها
.. تذكر مرة الضرب الذي ناله بالسوط على ظهره عندما غرس سكين الأكل
الصغير في يد أحد مشرفين الملجأ عندما ضربها أمام باقي الأطفال مما جعلها
تسقط أرضاً أثر ضربة هذا الحيوان لها..  وتُضرب رأسها بطرف طاولة من
الحديد يأكلون عليها مما جعلها تنزف من رأسها تفقد الوعي بلحظتها ومنظر
الدم فقط كان كفيل بذهاب عقل عابد ..ولكنه بالفعل فقط سيطرته على
أعصابه عندما وجدها ملقاة  علي الأرض بدون حراك ووجهها شاحب كالموتى
ودماءها تسيل من رأسها.. لم يفكر للحظة وهو يأخذ سكين الطعام الصغير من
أمامه ويندفع كالمجنون باتجاه المشرف الحقير ورفع يده الممسكة بالسكين
يريد غرسها بقلب المشرف ويحدث ما يحدث...  ولكن المشرف كان أسرع منه
عندما رفع يده ليمسك بها يد عابد ولكن لسوء حظه غرست السكين بوسط كف
يد المشرف مما جعله يصرخ كالمجنون وهو يمسك بشعر عابد الأسود يجره
وراؤه يقوده لغرفة التعذيب تاركاً وراؤه أطفال يصرخون من ما يحدث
وفتاة فاقدة لوعيها وليس لديه عِلم إن كان هناك من سينقذها أم لا..  
عاد لواقعه وهو ينظر لصديقه الصغير الذي يلح عليه بالطعام خوفاً عليه
ولكن هل سيقوى على تذوق شيئاً قبل معرفة ما حدث بداخل هذه الغرفة
المشؤومة
مرت الساعة بشق الأنفس وهو يرى باقي الاطفال يتحركون من حوله
لمغادرة غرفة الطعام..  متجهين لفناء الملجأ للعب.. وخاصة لعب كرة القدم
مقتنعين بأن هذه المساحة الخاصة باللعب تسمي " ملعب "
تنهد في سخط منه ومن عجزه لحمايتها..  استقام بانتفاضة وتبعه صديقه
ممسكاً بمرفقة.. هاتفاً به بخفوت وعينيه تدور حولهما يحاول أن يرى إذا كان
هناك من يتابعهم.. عالماً بحال صديقه وتفكيره وماذا ينوى
" اهدأ عابد..  ماذا تنوي فعله؟!!  "
نظر له عابد وعينيه تغيم بغضب عارم..  هاتفاً به من بين أسنانه
" لابد وأن أطمئن يا حسن ..  سأموت قلقاً عليها "
تحرك حسن أمامه ..يسبقه بخطوة.. ومازال ممسكاً بمرفقه وكأنه يسحبه
وراؤه..  هاتفاً به وواضعاً إياه أمام الأمر الواقع ..
" حسناً سآتي معك.. لن أتركك بمفردك "
يحبه لـحسن ...  بل هو له السند ..  إذا كان حسن يعتقد أن عابد بما أنه الاكبر
فهو سنده.. إذاً فهو مخطئ..  فهذا هو إحساس عابد الكبير ناحية
حسن الصغير..  وكأن ما هم فيه.. جعل كل منهما كبير بطريقته
تحرك بجوار صديقه .. متخفين بين مداخل الرواق.. ذهبا الي غرفة الأولاد
قبلاً يأتيان بالطعام المختبئ بين طيات ملابس عابد..  وعادا أدراجهما
متخفين أيضاً إلى أن وصلا غرفة
البنات...  فهذه تقريباً الحسنة الوحيدة التي قام بتنفيذها إدارة الملجأ..  وهي
فصل البنات عن الأولاد عند وصولهم لسن معين.. رغم  استياؤه ببعدها عنه
ففي الماضي.. كان الأطفال ينامون جميعاً في غرفة واسعة بها العديد من
الأَسرّة.. ولكن إلى سن معين يتم الفصل بينهم...  تنهد بسخرية وكأنهم
يهتمون بما يليق بأطفال دون السن القانوني..  
وصلا إلى غرفة البنات.. متخفين من الأعين.. ولكن كل منهم بحوار داخلي
يختلف عن الآخر..  فعابد كل ما يهمه الوصل إلى فتاته مهما كلفه الأمر من معاناة..  أما حسن فهمه الوصول بصديقه إلى غرفتها دون أن يراهم أحد...  
وصلا بالفعل..  ودخل عابد بقلب مفطور وهو يراها مكومة على سرير مهترئ
معطية إياه ظهرها .. ابتلع ريقة بصعوبة وهو يتخيل حالها كيف ستبدو
سار إليها بخطوات مرتجفة.. تنم عن ذعر ما قد يراه...  التف حول فراشها
نظر لعينيها المغمضة .. وملامحها الشاحبة.. وشفتيها الزرقاء..  شتم بداخله
لو عليه.. لأذاقهم جميعاً الويل والعذاب لما تقترف أيديهم القذرة في حق
أطفال مثل " لُقى " لُقياه كما يتحدث بينه وبين نفسه كثيراً .. نعم هي لُقياه
الذي يُحيه..  لُقياه الذي يجعل لحياته سبب وجيه ليحياها ..
أعاد نظره لصديقه كأنه يطلب دعمه.. ولم يخذله صديقه عندما نظر له بابتسامة
وكأنه يبثه أمانه.. وجده يرفع إحدى يديه ويشير له بإصبعيه السبابة
والوسطى ويوجههما لعينيه ويعود ويشير للخارج.. إشارة  معناها أنه سيراقب
له الطريق لينتهي من ما يفعل..  أسبل عابد أهدابه لصديقه بإشارة لامتنانه
له..  
فتح عينيه مرة أخرى موجهاً نظرته للنائمة بسكون وصوت تنفسها يكاد يكون
معدوم..  جثى بركبتيه على الأرض بجوار السرير ماداً لكف يده بارتعاش
يماثل ارتعاش روحه...  مُدت أصابعه لبعض خصلات شعرها الملتصقة بجبهتها
وقطرات العرق المنثورة على جلدها الشاحب
فتحت عينيها بتكاسل هاتفة ببطء وتلعثم..  
" عـ ..عابد "
" ششش لا تتحدثي يا صغيرة..."
ابتسامة باهته تطوف على شفتيها تأثرا بلقبها المحبب لقلبها..  دوماً يلقبها
بالصغيرة..  بالرغم أن فرق العمر بينهما خمس سنوات فقط.. ولكنه كبير..  
نعم كبير كفاية حتى يستطيع حمايتها أغمضت عينيها مرة أخرى
ولكن بلحظة أخرى ... فتحتهما وكأنها تذكرت شيئاً .. مدت يدها الصغيرة وأمسكت مرفقه القريب.. هاتفة ..
" عابد..  أنا جائعة..  لم آكل شيئاً منذ البارحة "
أمسك يدها الممسكة بمرفقه.. وضغط عليها بمساندها. وهتف ممسد على رأسها بيده الأخرى..  
" جلبت لكِ الطعام صغيرتي.. خذي حبيبتي "
أشرق وجهها بكلامه..  وهي تستقيم بضعف..  فأسرع مسنداً لها لتعتدل
بجلستها وهو يخرج لها الطعام من جيبي معطفه..  مد يده بالطعام لها..
فأخذته بلهفة مزقت قلبه .. أغمض عينيه ليسيطر على غضبه الذي يعتمر بداخله
يحثه على الذهاب الى من أمر بحبسها ولماذا.. لأنها تشاجرت مع طفلة أخرى
خبيثة قامت بسرقة أحد أغراضها.. وعندما رأته معها.. قامت باختطافه من
يدها..  فغضبت الأخرى وأخبرت المشرفين أن صغيرته من سرقت غرضها
يا للتربية الصالحة.. والعدل الذي ينفذوه..  قاموا بحبس صغيرته
دون حتي الاستماع اليها ..
قاطع شروده بها ومتابعته لها وهي تأكل بنهم حركات حسن المراقب للباب
وهو يخبره أن هناك من آتي إلى هنا..  استقام عابد من مكانه وملس على
شعرها وهي تنظر إليه.. هاتفه بحزن يؤلمه..  
" هل ستغادر؟!!  "
لو عليه لجلس بجوارها ولن يغادر مكانه ابداً ..
ابتسم لها يخفي حزنه لفراقها.. وقال..  
" سأغادر لأمانك يا صغيرة..  حتي لا يؤذيكِ أحداً مرة أخرى .. واطمئني
سآتي كلما سنحت لي الظروف "
ابتسمت له..  وهي تؤكد على كلامه..  
" ستأتي  "
لم يكن يعلم هل تؤكد على كلامه..  أم تسأله ولكنه لم يملك الرد سوى بـ
" لا أملك إلا أن آتي يا صغيرة "

**********  









عدل سابقا من قبل Randa Adel في السبت ديسمبر 29, 2018 9:43 am عدل 1 مرات

_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في السبت ديسمبر 29, 2018 8:33 am







الفصل الأول

في مكان آخر وأناس آخرين
" وما الحل الآن ؟! "
سكت الرجل الذي تحدث ... يستقيم من كرسيه .. من وراء مكتبه ..متوجهاً للنافذة المطلة على الشارع الهادئ في هذا الحي الراقي ..
استقام رجلاً آخر من أمام المكتب .. متجهاً للرجل الواقف أمام النافذة هاتفاً ..
" لا أعلم سيد سليمان .. ولكنه بالتأكيد لن يتركك .. "
" لا تعلم !!! "
هتفها سليمان باستنكار للواقف بجواره ..
" كيف لا تعلم يا حمدي .. أنت المحامي هنا .. ومن واجبك إيجاد حل لما أنا فيه .. "
" سيد سليمان .. أرجوك اهدأ .. ضغطك مرتفع .. وقلبك مُتعب .. اهدأ أنت وبالتأكيد سنجد حل "
" نعم يا حمدي ..لابد وأن نجد حل حتى وإن كان خارج القانون .. المهم لدي أن لا ينال جنية واحد من أموالي "
أومأ حمدي .. محامي هذا الرجل .. سليمان ..رجل أعمال .. في الخمسين من عمره  أرمل ..توفت زوجته التي مرضت بمرض خطير وتوفت به من سنوات .. ولم يفكر بالزواج مرة أخرى لعدة أسباب ..أولها أنه عقيم .. نعم عقيم ..غير قادر على الإنجاب وعاشت معه زوجته وهي على علم بهذا ..
وبقت على حبها له .. وحبه المجنون بها .. وبعد وفاتها لم يعد يرى من النساء أحد .. رجل أعمال من الطراز الأول .. ويسبقه صيته بين فئة رجال الأعمال .. لم يقبل الحرام يوماً ويشتهر بنزاهته .. إلا أنه وكما جرت العادة .. ليست أصابع اليد الواحدة متشابهة .. فالسيد سليمان
له أخ.. " سالم " .. جمع من الصفات السيئة الكثير ..وليس هذا فقط .. لقد هدده من قبل إن لم يتنازل عن ثروته له فلن يتوانى عن الحجر عليه .. بل وسيشتري من يثبت ذلك ..يعلم أنه يقدر.. فهو لا يقف شيء أمام ما يريده .. لقد بدد الكثير من أمواله في صفقات مشبوهة .. وبدأت سمعة شركته في الانهيار .. وللمفارقة ..ولحكمة لا يعلمها سوى الله ..
لديه ابن .. رزقه الله بولد من صلبه .. ومع ذلك لم يحمد النعمة ..
بل تجبر وتكبر ..وها هو يتجبر على أخاه لينال ماله ..بحجة أن ليس لديه من يورثه .. لا يعرف أن الدنيا غدارة ولا يعرف من يرث من ..
*******
في فناء فارغ .. يتراكم في أركانه بعض أكياس القمامة .. والاسم ملعب ..
" اهدأ يا عابد .. يا رجل تكاد النار تخرج من أذنيك "
ارتفعت زاوية فم عابد بابتسامة استهزاء ..ليس استهزاء لما قاله صاحبه
وانما استهزاء للوضع الذي هم فيه ..
فهناك تقبع فتاة سينهار مؤكدا إن لم يطمئن على وجودها هنا .. بل
يخطط للتخلص من وضعهم ..ولكن ماذا يفعل ..وهو سجين داخل هذه الجدران ..
" حسن ..ماذا لو هربت ؟! "
قالها تنفيذا لتفكيره ..أو مجاراةً لما يريده .. نعم يريد الهروب من هنا بصديقه وفتاته ..  ولكن كيف ..حتى التعليم ..يتعلمون بالداخل ..وتتم الامتحانات لهم أيضاً بالداخل .. فالتعليم .. هي النعمة الوحيدة التي نالوها في هذا المكان ..فنال كل منهما شهادة الابتدائية.. وها هو سينال شهادة الاعدادية .. أما فتاته .. فستنال الابتدائية السنة القادمة ..
" انت بالتأكيد مجنون يا عابد .. سنهرب الي أين ..وأين سنذهب ؟! "
" سنهرب .. وسنذهب ؟ !! "
قالها عابد بسخرية رافعا إحدى حاجبيه ..ناظرا للقابع أمامه ..يريد استفزازه .. وأكمل ..
" لما جمعت نفسك بي .. من الممكن رغبتي بالهروب وحدي "
ضحك حسن من رد صديقه ..فهو يعلمه ..ويحفظه كخطوط يده ..نشأ الاثنين وعينيهم لا ترى سوى عضهما .. لا يعلمون شيئا عن أهاليهم ..
كل ما عرفوه ..أنهم أيتام ..وليس لهم أهل ولا قريب يتولاهم ..
فكان من الحكومة إيداعهم في أحد ملاجئ الأيتام التابعة لها ..وبالطبع يرمون بالأطفال ولا يعودون مرة أخرى وكأنهم تخلصوا من عبئهم ..
هدأت ضحكاته .. قائلا ..
" هل تتخيل يا صديقي ..أني سأتركك بمفردك .. أنت تحلم "
قال آخر كلمتين بتأثر خرج بدون إرادة منه .. فكل أحد منهما أهل للآخر ..
ربت عابد على كتف صديقه بتودد ... نعم .. فكل منهما سند وحياة للآخر ..
********
" لابد أن نضيق عليه الخناق .. قاربت على الإفلاس ..وليس هناك منفذ لي غيره "
قالها سالم بعصبية فيمن يحدثه على الهاتف ..وسكت منتظرا الرد ..
وقال
" لا أعلم .. ولكن لابد أن نضرب له بعض الأعمال .. حتى يرجع عن موقفه .. "
سكت ينتظر الرد ..وقال بعصبية ..
" لا يهمني العيون علينا أو غيره .. أسراركم جميعها معي .. إن لم تنهوا هذا الموضوع ..سأتصرف بنفسي "
سكت لحظات ..وتحدث منفعلا ...
" اعتبره تهديد نعم .. لا يهمني .. المهم لدي المال وفقط "
سكت لحظة وأكمل بخبث ..
" وأيضا ليس لديه ابن ..ولذلك فالمال هذا حقي أنا "
قال آخر كلمتين صارخاً بعنف ..ضارباً بكفه على المكتب أمامه ..

*******
جالسا على طاولة الطعام لا يأكل ..فقط ينظر للحارس الواقف وراء فتاته
" لُقى " .. ولا يريحه نظراته بينه وبين مشرف الدار.. عينيه تكاد تخرج من محجريها من قوة تسليط نظره عليهما .. أما هي فتأكل برهبة .. وهي تنظر إليه وإلى حالته.. فتحدثت بخفوت لحسن الجالس بجوارها
" حسن ..عابد لا يأكل .. أنظر اليه ..نظرته مخيفة "
نظر اليها حسن بتمعن مبتسم ..
" يا صغيرته .. لو طال لأحرق المكان "
زمت شفتيها بتذمر غاضب ..
" حسن أنت الآخر تقول صغيرة ..لست صغيرة يا حسن ..
وإن ناديتني بصغيرة مرة أخرى .. لن أرد عليك "
رفع حسن كفه وربت على كتفها بأخوة ..هامسا ..
" حسنا لولو .. لا تحزني .. لن أناديكِ صغيرة مرة أخرى ..
أعلم أنك تحبين تدليلك بـ لولو .. أليس كذلك ؟! "
قالها غامزاً لها.. فهي بالفعل تعشق تدليلهما لها ..فهما أخويها
أو أهلها ..كل أهلها ..لا تعلم لها عائلة سواهم ..
انتفضت مجفلة على صوت القابع أمامها ..يقطع همسها مع حسن ..
" ماذا هناك .. على ماذا تتهامسان ؟! "
اعتدل حسن في جلسته .. قائلا بشقاوة ..
" أسرار يا عزيزي أسرار .. "
رفع عابد إحدى حاجبيه .. ليس هناك أسرار من دونه ..
وهذا الـ"حسن" يقصد هذا .. وبأفعاله هذه سيلعب بعداد عمره ..
مال عابد للأمام .. هاتفا بهمس شرير
" لا تتحامقا عليّ .. إن لم تنتهوا من أفعالكم هذه .. سأحبسكم بنفسي في غرفة التعذيب وسأضيع المفتاح حتي لا تُفتح الغرفة مرة أخرى"
مع ذكر الغرفة لم يدرك عابد خطأه عندما هتف بما هتف ..الا عندما رأى ارتجافة الفتاة .. ووضعت الملعقة التي بيدها بارتعاش في الطبق أمامها ..ووجها حاكى الموتى استقام من مكانه بسرعة ..وتوجه لجهتها وجلس على الأرض بجوار كرسيها .. هاتفاً بقلق ..
" لُقى .. صغيرتي ..ماذا بكِ ؟! "
لم تلتفت له .. بل وزادت ارتعاشها .. فمد يده يمسك قبضتي يدها التي كورتهما بتشنج واضح لعينيه .. ظل يمسد لها يديها لعلها تستجيب ..ولكن لا حياة لمن تنادي ..
التفت لمن وقف بجواره يستفسر
" ماذا هناك ؟! "
ولم يكن هذا سوى الحارس الذي تحرك بعد إشارة المشرف له طالباً منه التدخل ..
استقام عابد واقفاً مواجها للحارس .. الذي يظهر من هيئته البدينة أمام هيئة عابد في طور المراهقة .. ولكن القوية .. فعندما بلغ الفتى أشده كان يعمل بوِرَش الملجأ كما هو مقرر حتى يتعلموا .. صنعة ..
" سآخذها للفناء الخارجي ..لتستنشق الهواء "
" لا .. سآخذها بنفسي لعنبر البنات.. لترتاح في فراشها "
قالها الحارس بعزم كاذب .. لعلمه برغبة المشرف بالانفراد بالفتاة الصغيرة ..
" لا .. قلت سآخذها للخارج .. ويريني منكم من سيوقفني "
قالها عابد قاطعاً ..مصاحبا كلماته بفعله ..وهو يحمل الفتاة بين ذراعيها .. وصاحبه بجانبه وعينيه وجسده على أهبة الاستعداد والتحفز للدفاع عن أصحابه لو تعرض لهم أحد ...
تحركوا متخطين الحارس الذي وجه نظراته للمشرف بقلة حيلة .. بالرغم من صغر سن عابد إلا اأنهم يخافونه ..ليس خوف مطلق .. فهم قادرين على التخلص منه ..ولكن الفتى قوي ..ولن يتوانى عن الدفاع عن أصدقائه
وكأنه بخوضه معاركه في الدفاع عنهم ..قاتل أو مقتول ..
وهذه القوة به ترهبهم .. تجعلهم يهابون معرفته ما يفعلونه من وراء ظهره وخاصة بالفتاة الصغيرة ..
وصل عابد إلى الفناء ووضع الفتاة على أريكة خشبية .. بجانب الجدار .. وبدأ بتمسيد قبضتيها المتشنجة حول بعضهما .. حتى بدأت أصابعها في الاسترخاء .. وعندما اطمأن حسن لتجاوبها .. أخبر عابد ..
" عابد .. ابقى أنت معها وسأذهب لجلب مشروب بارد لها "
لم يرد عابد ..ولا حسن انتظر رده ..فتحرك مسرعاً تاركاً لهما خلفه ..
********
" لُقى .. صغيرتي .. أنتِ بخير ؟! "
لم يبدر عنها أي رد فعل .. فأكمل بقلق
" صغيرتي ... أجيبيني .. طمأنيني .. أكاد أجن من قلقي عليكِ "
رفعت نظرها له .. بنظرة زائغة ... وهتفت بخفوت ميت ..
" أصابع قدمي يا عابد .. تؤلمني "
قالت كلمتها الأخيرة بوجع مزق الآخر .. ركع أمامها من فوره ..
وبسرعك أمسك قدميها ورفعهما على ركبته المثنية .. وبأصابع مرنة ولمسات حانية .. بدأ بالتدليك لأصابعها الصغيرة .. التي كانت متخذة وضع الثني للأسفل ..بحالة تشنج واضحة ..
إرتاب عابد من وضعها .. لأول مرة يحدث لها هذا .. ماذا يحدث لها ..
وماذا يحدث معها يجعل حالتها بهذا السوء .. بدأت أصابعها ترجع لطبيعتها ..
فسألها بتوجس ..
" ماذا يحدث معك يا صغيرة "
ارتبكت بوضوح لعينيه .. ماذا تقول .. أتخبره .. وينجحون في الخلاص منه .. كان التهديد واضح ..
" إن تحدثتِ بكلمة سيحدث لكِ الأسوأ .. وإن تجرأتِ وحكيت لعابد .. سوف أنهي حياته أمام عينك .... "
تمالكت الطفلة نفسها بسرعة تُحسد عليها بعمرها هذا ..
" لا يحدث شيء عابد .. فقط أصبحت أخاف أكثر مؤخرا "
نظر لها بعينين ثاقبتين .. يلمح ترددها وارتباكها .. وهمسها المرتجف .. وابتسامتها المزيفة ..
فهتفت بنزق ..لتغير مجرى حواره وتتلخص من تسلطه الذي من الواضح اذا أصر لوهلة أخرى. ستخبره كل شيء ..وتخسره للأبد ..
" أتعلم .. في وقت ما ..سأهرب منك ولن تجدني "
قالتها بنزق مصطنع ...فضحك مقهقها .. نظرت له تدعو من كل قلبها أن لا يحرمها منه .. من بعده لن يكون هناك حياة .. ستضيع ...
" لو هربتِ مني ..سأجدك .. حتى لو أمسكت ميكروفون ..وجبت شوارع البلد جميعها .. وصحت بأعلى صوتي ..
يا أهل البلد .. هناك فتاة ضائعة .. بشعر أحمر ..وعيون بلون الفيروز .. وهناك شامة أعلى ذراعها "
نظرت له متسعة العينين .. .. وفجأة ضحكت بقوة طفولية .. هاتفة ..
" ستدلل عليّ يا عابد .. وثم مالك ومال شامتي ؟! "
أجابها يغيظها ..
" شامتك مستفزة يا لولو .. الشامة لوحدها كفيلة بأن أجدك إن هربتِ "
نظرت له مضيقة عينيها بغيظ منه .. كانت ستلقنه درساً عنيفاً طفولياً
ولكن مجيئ حسن أنقذه .. وأنجدها من رد فعل عابد بالتأكيد
*****
" هل هناك جديد يا حمدي ؟! "
" لقد سحبت الشركة المتحدة عرضها سيد سليمان "
قالها حمدي بحزن على حال العمل وحال هذا الرجل .. الذي كل ذنبه أن لديه مال وليس لديه وريث .. وأيضاً ذنب أكبر ..
أخاه .. وكفى ..
" سيد سليمان .. لابد من سفرك ..لإجراء العملية كما قال الطبيب "
" لن أتحرك يا حمدي ..قبل إيجاد الحل "
قالها قاطعا أي محاولات أخرى من حمدي .. وتابع كلماته ..
" لو تطلب الأمر .. سأبيع كل شيء ..وأسافر للعملية .. وإن عشت ..سأبقى بالخارج وأعيش من مالي ... وسأوصي قبل العملية بجميع أموالي للهيئات الخيرية ولا ينالوا منها شيئاً .. وإن مت فهذا نصيبي "
سكت الإثنين .. يحاولان إيحاد حل ما .. فهتف حمدي بتفكر ..
" لو هناك أحدا تستطيع ائتمانه على أموالك سيد سليمان .. وتقوم بالعملية ..تاركاً أموالك في حفظته ..لحين إتمام شفاءك "
كان الإثنين ينظران لبعض ..وكأنهما التقطا طرف خيط لحل ما
فرد سليمان بتفكر ..
" وإن لم يوجد .. سنجد نحن هذا الشخص "
راقب حمدي ملامح رئيسه وصديقه تشتد قساوة ..سيفعل السيد سليمان أي شيء في مقابل عدم حصول أخاه على جنيهاً واحد من أمواله ..
" سيد سليمان .. هناك حل ..ولكن نسبة نجاحه ضعيفة "
التف له سليمان بكامل جسده متحفزا ..لهذا الحل..
" ما هو يا حمدي .. تكلم "
********
ليلاً في عنبر البنات ..
كانت تحاول أن تبدو ساكنة في فراشها ..ولكن تسارع أنفاسها يفضحها .. حتى لو نائمة ..تعلم يقينا ..أنهم سيقظونها ..
" أعلم أنك مستيقظة .. تعالي معي "
لم ترد .. ولم تخرج رأسها من تحت الغطاء الواصل لرأسها
تأوهت منتفضة ..عندما اقترب الحارس الممسك بشعرها بقوة
هامساً بخفوت حذِر ..
" إكتمي أنفاسك ... وانهضي معي بدون أي صوت .. حتى لا توقظي باقي البنات .. وتعلمين جيدا حسابك ماذا سيكون إن لم تنفذي ما أمرك به "
ابتلعت دموعها التي كانت تجري دون إدراك منها ..
واعتدلت من مكانها ...مستجيبة لحركاته الساحبة لها من شعرها ..
خرج بها الحارس من العنبر ..متجهاً ناحية مكتب المشرف .. على عكس توقعها ..فكانت تعتقد أنه سيذهب بها إلي غرفة التعذيب كما يلقبونها ..
وصل بها للغرفة .. طرقة منه على بابها ودخل بدون أن يسمع الإذن له .. هه إذن .. تتحدثين عن إذن ..وهم يأتون بكِ لانتهاكك ..
بلغت ارتجافها حدها الأقصى .. وأحس بها الحارس الذي ابتسم بشيطانية
تاركاً لها بعنف أمام المكتب ..الذي وقف صاحبه برغبة حيوانية قذرة ..
أشار للحارس الذي استجاب لإشارته وخرج .. توجه للمنكمشة على نفسها .. وتتراجع لا إراديا حتى وصلت للجدار خلفها ..
كان قد وصل اليها ..وعينية تغيم بمشاعر لا تعترف بها حتى الحيوانات
" اقتربي مني لُقى "
همسها بصوت متهدج بطريقة مريضة .. هزت رأسها بارتعاش يمينا ويسارا بمعنى لا .. حركتها وارتجافها لم يثنيه عما يريد ..
أمسك مرفقيها بكلتا يديه .. ساحبا لها معه وهو يرجع بخطواته للوراء ..
حتى وصل للكرسي أمام المكتب وجلس عليه.. موقفا لها بين ساقيه..
رافعا يديه لأعلى ذراعيها ..يدلكهما بتودد قذر مريض.. لعلها تهدأ من ارتعاشها ..
" إنظري لي يا حلوة "
لم تستجب له ...فرفع أصابع إحدى يديه .. وأمسك ذقنها بقسوة ..هاتفا بها من بين أسنانه ..
" عندما أأمرك .. ما عليك سوى التنفيذ يا شاطرة .. والآن أخبريني "
سكت يقول باستمتاع قذر ..
" لماذا ترتدين بنطالك ؟!"
سألها ويديه نزلت لساقيها من تحت قميص نومها الطفولي .. تمسد ساقيها الصغيرين .. طفلة هي بحق الله .. ارتعشت الفتاة تحت يديه .. وخاصة مع اقترابه منها ..وأنفاسه القذرة تضرب وجهها ..
" برد .. ارتديته لأني شعرت بالبرد "
" حسناً يا حلوة .. عندما يأتي بكِ الحارس مرة أخرى .. لا ترتدي هذا البنطال القذر .. وإلا نزعته أنا عنك "
هزت رأسها بنعم بسرعة ... فأكمل مهددا ..
" أخبرتِ عابد بشيء ؟! "
" أبداَ اقسم لك ..أتركه أرجوك "
أقسمت ترفع سبابتها أمام فمها كتأمين لقسمها .. وأكملت رجاءها بعينين تذرف دمعا سخياً ...
" أرجوك لا تقتله .. ليس لدي سواه "
ابتسم الرجل بشر ..ونصر .. هو يريدها هكذا ..ضعيفة .. حتى يستطيع النفع بها .. يهوى هذا الإحساس .. إحساس الانتصار ..والتجبر على من هم أضعف .. وزيادة على هذا ..رغبته .. يشتهي الإحساس بالسيطرة ..
وخاصة من طفلة .. طفلة لا تقوى على مجابهته .. طفلة لمستها تفجر داخله رغباته كرجل .. ارتجافتها هذه تزيده نشوة ..
" حسناً يا حلوة .. تعرفين إن تحدثتِ بكلمة .. سأقتله ..وبعدها .. "
سكت ينظر لملامحها المذعورة بنصر ... وشيء آخر وأكمل ..
" وبعدها ..سأفعل بكِ ما أريد .. وسأقوم بتعذيبك في كل لحظة .. ولن أتردد في حرق جسدك الصغير الجميل هذا بالنار "
راقب انتفاضها وهي تتوسله ..
" أرجوك ..أرجوك لا تؤذه أرجوك ..لن أتحدث له ولا لأحد ... لا تؤذني .. أرجوك لن أتحدث أقسم لن أتحدث "
راقبت الطفلة ابتسامته الشريرة .. يرفع يده يربت على شعرها
واستقام من مكانه ..مستدعيا الحارس ليأخذها للعنبر مرة أخرى

********











_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في السبت ديسمبر 29, 2018 6:27 pm




الفصـــــل الثاني



بعد يومين .. كان عابد يقف مع حسن في طرقة الملجأ يحاولان الدخول لعنبر البنات في محاولة منهم لرؤية لُقى ..المعتكفة داخل العنبر ولم تخرج منذ يومين ..
" ليست طبيعية يا حسن .. أنا متأكد أنها تخفي عني شيء "
رد حسن الذي كان يحاول تهدئة صديقة رغم قلقه هو الآخر ..
" اهدأ يا عابد .. وماذا ستخفي عنك برأيك .. أنت تتوهم يا رجل "
كان من الواضح أن عابد لم يسمع من حديث حسن شيء .. لأن كل تركيزه ..كيف يستطيع الدخول إليها .. في هذه اللحظة ..لمح الحارس المُكلف بحراسة هذا المكان يغادر مكانه .. عندها وبدون تفكير أمسك ساعد حسن الذي كان يرغي بكلام لا يسمعه حاليا ..
" عابد لا تجن .. انتظر لليل .. ونحاول التسلل لها .. في وضح النهار هكذا من الممكن أن يدخل أي أحد للعنبر "
وأيضاً من الواضح أن عابد لم يسمع لأن كل همه في هذه اللحظة أن يذهب إليها .. وصل للغرفة التي تضم عدد لا بأس به من الأسرّة
كانت مكومة على فراشها كالمعتاد .. ترك مرفق صديقه وجرى إليها ..
وصل لفراشها ..وجلس عليه بجوارها .. كانت نائمة ..ودمعات جافة على خديها .. تقطّع قلبه المسكين عليها .. مسح بأصابعه على خدها .. تململت تحت لمسته .. فتحت عينيها بهدوء .. وأشرقت ملامحها بفرحة لم تسيطر عليها .. وبدون إرادة منها ..رفعت جذعها ..ولفت ذراعيها حول رقبته متعلقة به بشدة .. إحساسها في هذه اللحظة لا يوصف ..خائفة .. بل مرعوبة .. وهو .. هو أمانها .. إحساسها بالحياة ..
تفاجأ عابد من تصرفها .. رغم طفولية التصرف من جهتها ..الا أنه هز أعماقه .. وكأنه مسحوباً كالأعمى .. رفع ذراعيه وحاوط جسدها الصغير يُطمئن ارتعاشها .. وأنين بكائها الذي جعله يعيش إحساسين في نفس اللحظة .. أولهما ..إحساس الجزع والخوف عليها ..وثانيهما ..
إحساس الغضب .. غاضب كالبركان لعدم معرفته ما بها ..بل والذي يشعل غضبه أكثر .. أن يكون هناك سبب .. أو أحدا .. لبكائها ..  
مسد على ظهرها .. قائلا بود ..
" إهدأي صغيرتي  .. أخبريني ماذا بكِ .. ولما تبكين هكذا ؟!  .. ولماذا لم تغادري العنبر منذ يومين .. هل أذاكِ أحداً ؟!
ابتعدت عن أحضانه .. بعد أن تمالكت نفسها ومسحت وجهها بظاهر كفها بطفولية ..
" لا تقلق يا عابد .. أنا بخير .. فقط كنت متعبة .. "
" حسنا .. انهضي معي ..وسنذهب للمشرف ونطلب منه أن يراكِ الطبيب "
عند ذكر المشرف .. هتفت مذعورة متمسكة بكفيه ..
" لا يا عابد لا .. أنا بخير صدقني ... سأنام قليلا .. ومساءا سأخرج لكم في وجبة العشاء "
ضيق عابد عينيه .. قلبه يخبره بوجود خطأ .. ولكن ما هو .. وحالتها هذه لن يسكت عنها ..
اطمأن عليها وأخبرها أنه سينتظرها مساءا ... وخرج بعنف من الغرفة .. متوجها لغرفة المشرف .. ولحقه صديقه  ..
وصلا الاثنان لمكتب المشرف .. وكان عابد أسبق بخطوة .. الذي فتح الباب بغتةً ... ولم يهتز فيه شعرة عندما صرخ المشرف
" كيف تدخل هكذا أيها المجرم  ؟! "
خطى عابد لداخل الغرفة وعينيه تنطق بالشر .. توقف أمام المكتب ..
وهدر غاضباً ..
" لابد وأن يرى الطبيب لُقى .. البنت مريضة للغاية "
بُهت الرجل من هذا الهجوم .. وهذه القوة التي يتحدث بها هذا الفتى .. رغم حداثة قوته ورجولته ..الا أنه قوي ..ولا يهاب شيء ..
صدق من قال أن صاحب الحق قوي .. وعابد صاحب حق في الدفاع عن هذه الصغيرة .. أما المشرف.. فيعلم أن لو علم عابد ما يحدث من وراء ظهره.. لن يتنازل عن قتله دون أن يرف له جفن ..
عند فكرة القتل شحب وجه المشرف .. وحاول تهدئته ..
" حسناً يا عابد ..لا تقلق .. سأجعل الطبيب يراها ويطمئنك عليها "
ظل عابد ينظر للمشرف لحظات .. حتى اقترب أكثر من المكتب ..
وهتف بتوعد مخيف ..
" أُقسم إن كان هناك من تسبب لها بهذه الحالة .. "
سكت ينظر للرجل أمامه الذي زاغت عينيه .. وحاول التهرب من نظرات عابد اليه .. فأكمل الأخير ..
" لن أتردد لحظة في التخلص منه "
وتحرك مغادرا بصحبة صديقه .. حسن  ..

********  
" لابد وأن نتخلص منه "
قالها الحارس للمشرف .. وأكمل الحارس ..
" إن علم ما يحدث  لن يتردد بقتلنا "
نعم هو يعلم ذلك جيدا ... ولذلك سيكون الخلاص منه فكرة جيدة .. ولكن كيف .. أيقتله قبلاً ... نعم .. سيدبر له حادثة ويتخلص منه .. أو من الممكن خنقه بالوسادة أثناء نومه .. وحقنه بأي مخدر .. وقول أنه حاول تعاطي جرعة كبيرة من المخدرات ... لالالا في هذه الحالة سيكون هناك مسؤولية على الدار ولن تنتهي التحقيقات ..
حسنا من الممكن ربطه في سقف الغرفة بعد خنقه .. وكأنه انتحار ..
عند هذه الفكرة... ابتسم المشرف بشيطانية .. ويرسم العديد من الخطط
والتي جميعها تصب في خندق واحد ... سيفعل أي شيء للتخلص من عابد ..
استفاق من خططه على رنين هاتفه الشخصي .. وعندما  أجاب .. وبعد بعض الجُمل ... قال بفرحة ..
" لدي ما يريدون"
*********
بعد يومين داخل سيارة فخمة ... يقودها سائق خاص .. وبالأريكة الخلفية.. يجلس حمدي المحامي .. والسيد سليمان الذي تحدث بقلق
" أمتأكد يا حمدي من هذا الرجل ؟! "
رد حمدي بتأكيد ..
" نعم سيد سليمان .. وسيقوم بتيسير جميع الأوراق لنا "
أومأ سليمان بشرود .. يعلم يقيناً أن ما يفعله خاطئ .. ولكن هل هناك حل آخر ؟!  بما سيفعله سيضرب عدة عصافير بحجر واحد ..
سيكون له ابن .. أينعم ليس من صلبه .. ولكن لا يهم .. سيكون له وريث .. نعم سيعلمه كل شيء بالحياة ويزرع  داخله كل القيم الإنسانية قبل أن يزرع داخله كيف يكون رجل ذو شأن ..
والأهم من كل هذا وذاك .. سيكون رفيق رحلته ...
وصلت السيارة لباب الملجأ الخارجي .. نظرة حانت من سليمان للبوابة العالية .. هذا الملجأ من أقدم الملاجئ في البلد ..و التابع للحكومة .. لقد قام بعدة تحريات عن هذا المكان ..واتضح أنه ليس أكثر من جدران بالاسم فقط .. ولا ملجأ ولا أمان .. فمعظم الأخبار التي سمعها عن هنا .. لا تمت للإنسانية بصلة .. وفي نظره .. الطفل الخارج من هنا مولود .. وكالعادة الحكومة لا تلتفت لمثل هذه الترهات .. فمن سيلتفت لمناجاة أطفال ليس لهم سند ...
تكلم حمدي يحث سيده على النزول ..
" هيا سيد سليمان حتى لا نتأخر .. "
التفت سليما للذي بجواره .. وكأنه ينتظر دعمه .. وكأن الآخر قرأ هذا الاحتياج ..
" لن أتركك سيد سليمان .. سأكون لكَ خير معين "
كلمات كانت كفيلة بمد سليمان بكل الطاقة والقوة التي يحتاجها ..
نزل سليمان بشموخ عتيد .. نابع عن أصله .. وقوته ومكانته في سوق العمل .. رجل له هيبة .. وسلطان واضح للعيان ... من طلته الأولى تدرك مدى رقيه ..
توجها الاثنان  للبوابة الحديدية الخارجية للملجأ .. التي فُتحت من مجرد رؤية الحارس لهما .. هاتفا بترحيب حار ظناً منه أنه أحد الزوار ..
تكلم حمدي موجهاً حديثه للحارس ..
" نريد مقابلة مشرف الدار "
أومأ الحارس وتحرك بهم للداخل ...
بعد وقت قليل .. جالس على كرسي مكتبه ..يلهث من مجرد أن نطق سليمان المبلغ الذي سيدفعه إن وجد مراده .. هتف المشرف بجشع
" ستجده .. ستجده .. وان لم تجده هنا .. أستطيع أن أتدبر لك غيره في مكان آخر "
شعر سليمان بالاشمئزاز من هذا الموقف الذي وضع فيه نفسه .. ولكن لم يبقى سوى القليل فقط ويتحقق ما أتى من أجله ..
" لا نريد منك سوى هذا الشيء .. ورجاءً لننتهي من هذا الموضوع  سريعا  .. ليس لدي وقت "
لم يرتاح المشرف لنبرة الرجل الذي أمامه _سليمان_ فقرر أن يستغل الموقف لصالحه ..
" اهدأ يا سيد .. لنتفق قبلا على نصيبي .. وبعدها لكل حادث حديث "
كاد سليمان أن يبصق في وجه هذا الشخص ..الذي يتاجر في أطفال لا حول لهم ولا قوة .. ولكنه هدّأ من ورعه ..فقط لينال ما يريد ..
هم ليتكلم .  ولكن قاطعه الحارس قائلاً ..
" أتريده صغير أم كبير ؟! "  
" لالا .. أريده كبير .. ليس لدي من الصحة ما تؤهلني لتربية صغير "
لو عليه لأخذ جميع من بالملجأ وقام بتربيتهم ..  
" أخبرني فقط مواصفات ما تريد .. "  
لمعت عين سليمان بنصر .. وكأن ما سيحصل عليه فعلا ما أنتظره منذ وقت طويل ..
" أريده قوي ... لا يهاب شيء .. صلب .. ويمكن الاعتماد عليه .. "

بعد هذه المواصفات لم يحضر بخيال الحارس سوى صورة شخص واحد .. هو وليس سواه أحد " عابد " ...  ابتسم في نفسه وقد تذكر خططه الإجرامية ليتخلص من الأخير ... وكأن القدر يتحالف معه ..
سيتخلص من عابد .. وبدون أي جريمة.. بل وسينال مبلغ من المال لا بأس به  ...  
**********  
في جانب خفي يقف سليمان وحمدي ..وبجوارهم الحارس والمشرف اللذان يتكلمان بصخب مادح وشغوف عن أخلاق عابد .. وحسن تربيته .. وقوته .. و و و  .. وكأن عابد فجأة أصبح الابن البار .. هتف المشرف
يشير باتجاه عابد كمن يدلل على بضاعته ..
" انظر .. انظر سيد سليمان .. إنه قوي كما تريد .. انظر الي جسده الفتي .. يبلغ خمسة عشر عاماً و من مظهره تعطيه أكثر .. إنه لا يكل ولا يمل من العمل "
سكت المشرف لحظة ينظر لعابد بإشفاق مزيف وأكمل بنبرة آسفه خادعة ..
" يا الهي يا عابد .. لا يريح نفسه أبدا .. أظل أخبره يا ابني ارح نفسك قليلا .. يرد .. أنا أحب هذا يا عمي "
نظر سليمان له رافعاً إحدى حاجبيه .. مضيقا عينه .. يخبره بنظرة أنه مكشوف .. وكذبه مفضوح ..  وعندما لمح المشرف هذه النظرة علم أن التمادي الآن ليس في صالحه ..  
تجاهل سليمان جميع الواقفين بجواره .. وسلط نظره على الواقف هناك بتحفز .. بجوار فتاة حمراء الشعر .. وفتى من الواضح أنه يصغره بقليل .. فرق الجسد بينهما واضح ..
سرح بخياله لملامح عابد السمراء .. المتجهمة .. ابتسم للفتاة .. حسناً ملامحه عندما يضحك حكاية  .. عادت ملامحه للتجهم مرة أخرى ..
عينيه تدور هنا وهنا وكأنه يتربص بأحد .. جسده متحفز تجاه أي أحد يقترب منها .. ابتسم سليمان في نفسه ..هل يحب عابد هذه الفتاة ..لغة جسده واضحة للعيان ..وخاصة حين يبتسم لها ..
كم تمنى لو كان ابنه بالفعل .. كان سيصبح صديقه قبل أن يكون والده .. كانا سيخرجان معا .. كان سيطوف به العالم .. ولا يجعله يحتاج لشيء ..
وقبل كل هذا ..سيعلمه كيف يكون رجلاً في مواجهة متاعب الحياة ..  
بعد كل هذا الحديث بداخل سليمان .. صدح له هاتف أشد شراسة ..
وهو ..
" هل سيتقبل عابد ما سيحدث .. هل سيتقبله في حياته ؟! "
وعند هذه النقطة .. التفت سليمان للمشرف بجواره ..
" أرغب بالتحدث اليه قبلاً .... بمفردنا "
قال كلمته الأخيرة بتأكيد على ما يرغبه ..

********
بعد وقت .. في الفناء الخارجي في المكان الذي كان يحلس فيه عابد مع أصحابه ..جاءه الحارس منذ قليل وأخبر الصغيرة لُقى وحسن أن يتجها للداخل .. وهم عابد للدخول هو الآخر .. أوقفه الحراس بيده مخبراً اياه بنبرة قرأ فيها الشماتة ..
" انت .. انتظر هنا .. هناك من يريد التحدث إليك "
نظر له عابد نظرة صاعقة .. وكم يتمنى أن يمسك عليهم غلطة .. غلطة فقط  .. ووقتها موتهم لن يكفيه ..
بثقة أمسك عابد يد الحارس التي أمسكت به .. ونفضها باشمئزاز .. وتوجه لحسن .. وصغيرته .. وقف أمامهما ..وأحاط صغيرته بذراعه ..والذراع الآخر علي كتف حسن .. قائلا بلهجة آمره ..
" حسن .. خذ لُقى من هنا .. وابقى معها حتى آتي "
حينها هتف حسن بإصرار ..
" لن أذهب قبل أن أعرف ماذا يريدون منك .. "
ضغط عابد بأصابعه على كتف صديقه .. وقال بدون تراجع ..
" حسن ..ليس هناك شيء .. استمع لي .. لُقي بأمانتك حتى أعود إليكم "
" يا عابد أنا غير مرتاح لكلام الحارس معك .. من هذا الذي يريدك وعما ستتحدثان ؟! "
" سنرى يا حسن يا سنرى .. والآن "
التفت للُقى يخبرها "
" صغيرتي ..ابقي مع حسن حتى أعود "
رفعت عينيها إليه ..لا تعلم لما تخاف .. هتفت بإقرار ..
" سأنتظرك عابد "
ابتسم لها براحة .. وغادر حسن والصغيرة ... وبقى عابد ..
إلتفت عابد للذي جلس بجواره .. نظر له عابد نظرة تقييمية .. رجل يظهر عليه الوقار والهيبة .. خط الشيب رأسه .. ولوهلة ظن أنه قد يكون أحد رجال اللجان الذين يأتوا لمتابعة الملجأ بين الحين والآخر .. ويقوم إدارة الملجأ بتهديد الأطفال إذا صدر منهم أي سوء خُلق .. سيتم تعذيبهم .. وفي كل الحالات يتم تعذيبهم  ..
التفت عابد ينظر للأمام .. سمع الرجل يتحدث اليه ..
" اسمك عابد أليس كذلك ؟! "
رد عابد بتكهم ..
" من الواضح أنك تعلم فلا تتظاهر بعدم المعرفة "
فظ .. يعلم ذلك .. ولكن نوعية البشر هنا هم من يجبروه على هذه المعاملة
حتى تعوّد الفظاظة .. فإن لم يكن كذلك ويقف لهم بالمرصاد سيتم الدوس عليه ..
ابتسم الرجل وعلم أنه يتخذ الهجوم وسيلة لأخذ الحق ..
" عندك حق .. أنا فعلا أعلم .. وأعلم كل شيء عنك عابد .. "
نظر له عابد بجانب عينه .. قائلا بتكهم أصبح ملازماً له ..
" وما المهم لدي الذي جعلك تعرف اسمي وكل شيء عني "
" يكفي وجودك بني .. هذا هو المهم "
قالها سليمان بنبرة عطوفة كانت غريبة على مسامع عابد والتي مست شيء هناك بعيد في داخله ..جعلته يلتفت إليه يضيق إحدى عينيه..
هذا الرجل به شيء غريب .. وبالتأكيد ليس أحد أفراد اللجان التي تأتي لزيارتهم .. أجلى صوته ..
" من أنت ؟! "
" أنا فرصتك عابد "
" فرصتي !! "  
رددها عابد مضيقاً بين حاجبيه بتساؤل .. جعل سليمان يومئ برأسه ..وعينيه تغيم بمشاعر تملأها الحنين لابن تمناه ..
" نعم بني .. فرصتك .. فرصتك في حياة تستحقها بعيد عن هنا .. أنظر حولك عابد .. "
قال سليمان آخر كلماته فارداً ذراعيه لحوله .. يحاول أن يجعل عايد يدقق النظر في محيطه .. لا يعلم أن عابد يحفظ المكان بالسنتيمتر عن ظهر غيب فلقد أخذ المكان منه سنوات منذ أن أحضره قسم الشرطة هنا
بعد حادث أصاب والده ووالدته .. هذا ما أخبروه به .. ولا يعلم هل هذا صحيح أم لا .. كل ما يتذكره أنه ظل يتنقل من ملجأ الى آخر حتي استقر الاختيار على هنا .. أكمل سليمان ..
" هل هذه هي النهاية التي تريدها لنفسك .. هنا في هذا المكان البشع ؟! "
كان يسأله .. لا يعلم سليمان أنه منذ فترة ماضية وهو يفكر بالهروب من هنا بصديقه وصغيرته ..ولكن ما يوقفه .. الى أين؟!!! .. سيهربون .. وبعدها ؟!! .. سيكون مصيرهم الشارع في النهاية ..
أكمل سليمان بنبرة تحمل الأمل والتمني ..
" سأجعلك رجل يا عابد .. سأعدك تكون فارس يواجه أي شيء بالحياة .. سأعطيك حياة مليئة بالنعيم .. سأدخلك المدارس العالمية .. سأقوم برسم حياتك القادمة بالقوة التي تتمتع بها .. ألا تريد أن تكون قوي ؟! "
نعم يريد .. ويريد بشدة .. يريد أن يكون قوي ولا يقف أمامه شيء ..
يريد أن يقف في مواجهة هؤلاء الحقراء .. ولكن .. أصحابه !!
" ولكن .. !! "
" ماذا عابد ؟! ..  أخبرني "
هتفها سليمان بلهفة عندما لمح نظرته اللامعة تأثرا بكلامه ..
" لي أصحاب هنا ..كيف سأتركهم ؟! "
" تقصد الفتاة وصاحبك الآخر ؟! ... لا تقلق عابد ..سأجعلك تتواصل معهما طوال الوقت .. فقط عدة سنوات .. ونعود للوطن "


********







_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الأحد ديسمبر 30, 2018 2:17 pm



الفصل الثالث




يفتك التفكير برأسه فتكاً .. الصداع يلفه وكأن سكاكين تغزو دماغه ..
لا يرسى على بر .. ولا قرار .. مند غادر سليمان ..وهو يفكر .. هل يتمسك بالصدفة التي أتته .. هذه ليست صدفة .. وإنما منحة من القدر ..
مستقبلهم هنا لن يختلف عن حاضرهم أو ماضيهم  .. بل بالعكس سيسوء أكثر .. هذا إن افترضنا بقائهم بداخل الملجأ ولن يتم الاستغناء عنهم بعد تعدي السن المسموح به بداخل الملجأ .. وبعدها يُخرجوهم للحياة وطواحينها .. حسناً وبعد أن يخرجوا .. بالتأكيد لن تكون الحياة ناعمة ووردية وتقابلهم بأذرع مفتوحة وإنما ستتلقفهم الحياة من سيء لأسوأ
فاق من حساباته على تربيته على كتفه .. إلتفت ليرى .. وبالتأكيد لن يكون سوى حسن .. الأخ الذي لم تلده أمه .. أمه !! كلمة لا يدرك لما هي ثقيلة على قلبه ولسانه .. وحينما يرغب بترديدها .. تقف كالغصة لا تُبتلع ..
نظر لحسن .. وابتسم نصف ابتسامه تكاد لا تُرى .. ولكن عين الصديق رأت .. ورأت أكثر بكثير من مجرد ابتسامة باهتة ..
" ما بك يا عابد ؟!! .. منذ يومين وأنت لست على ما يرام .. وبالتحديد منذ ذاك اليوم الذي طلب فيه الحارس انتظار أحدهم "
هذا بالفعل ما حدث .. منذ هذا اليوم وهو مرتبك .. والتوتر يغزوه .. ولا يعلم كيف يُدبر أمره .. لم يرد عابد على صديقه .. حتى ظن أنه لن يرد أساسا .. ولكن عابد تحدث بصوت مهزوز ..
" سأغادر من هنا "
للحظة لم يستوعب حسن ما نطقه لسان الآخر ... فابتسم .. وقال في محاولة للفهم ..
" آها بالتأكيد سنغادر .. سنجد خطة ونهرب ثلاثتنا كما أخبرتني .. "
أغمض عابد عينيه بيأس وألم .. كيف يخبره وهو نفسه لا يستوعب الفكرة أساساً  
أجابه بصوت باهت .. وكأنه استسلم للفكرة وليس عن اقتناع ..
" لا يا حسن .. أنا فقط من سيغادر .. ستبقى أنت ولُقى .. وستكون أمانتك حتى أعود "
وهل سيعود .. هل يعلم ما المجهول الذي ينتظره .. سيجازف بنفسه وبحياته فقط تمسكا بأمل مزيف .. أمل زائف يتراقص بأحشائه طربا
يجعله منتشيا بأكذوبة تلفه لفاً .. بل وتسحقه بحقيقة أصبح ادراكها ليس بصعب .. أن ليس لهم أحد .. هم أبناء ملاجئ .. وانتهى ..
ولن ينالوا شيئا أكثر مما ستجود به الحياة ..  
" ماذا تعني بكلامك هذا يا عابد ؟! "
" ماذا تظن يا حسن .. لقد تم بيعي وانتهينا "
" ومنذ متى ويتم فرض شيء عليك هنا "
التفت له عابد بعد أن علت نبرة صوت صديقه في الحديث ..
واستقام ليقف قبالته .. وتحدث هو الآخر بقوة منكسرة ..
" أخبرني يا حسن ... سنظل هنا الى متى .. وإن خرجنا !! .. أخبرني إن خرجنا من هنا أين سنذهب .. أنت وهى أمامكما بضع سنين أخرى هنا .. ولكن أنا .. أنا يا حسن من المحتمل طردي اليوم أو غدا .. وحينها لن أقوى على فعل شيء أو حمايتكما من شيء وأنا بالخارج .. أما في هذه الحالة .. فالرجل وعدني بالبقاء على اتصال بكم .. وبعد بعض الوقت سنعود لهنا ..والتقيكم ... ونتجمع مرة أخرى .. "
الجزء الأخير من كلام عابد لم يسمعه حسن ..لأن تركيزه كله صُب في هذا الوقت على كلمة بعينها " سنعود " !! سيعود من أين ؟! ..
وترجم لسان تفكيره لنطق ..
" ستعود من أين عابد ؟! "
نظر عابد لصديقه بألم .. ماذا بيده ليفعله ويخلصهم مما هم فيه .. في كلتا الحالات هو لن يبقى معهم هنا مدة أطول .. مجرد بلوغه السن القانوني .. يرتبون له عمل بالخارج في أي ورشة وانتهينا .. هذا ان لم يهرب قبل هذا .. أو تم بيعه وقبض الثمن مثل ما حصل ..
رد عابد بانكسار غريب عليه ... فهو مثل الجبل يتحمل ما لا يتحمله من هم في سنه .. الا التفكير برفاقه .. هنا يكمن الرجل الحنون داخل عابد .. الحنون والمضطرب تجاه أي شيء يخصهم حتى يطمئن عليهم ..
" سيسافر خارج البلاد .. وسنعود ... "
كان يريد إخباره انه سيعود بعد بضع سنين كما أخبره الرجل الذي
_ اشتراه _ ولكنه لم يقوى على ذلك .. وأكمل مطمئناً ..
" سأطلب منه إعطاءك جميع وسائل الاتصال بنا التي ستكون متاحة .. وتستطيع الاتصال بي من أي مكان كنت به .. ولو حدث شيء .. فقط تخبرني وسأطلب منه المجيء لهنا .. "
يأمل هذا .. يتمنى أن يكون الرجل الذي قابله بهذه الطيبة التي ظهرت عليه .. وترجم أمنيته لكلام ..
" الرجل يظهر عليه الطيبة يا حسن .. بالتأكيد لن يحرمني منكم " ..
سكت ينظر لصديقه بوجع وألم الفراق الذي يأتي مهرولا ..
" في حياتي لم أعرف معنى الأخوة .. أو السند سوى معكم يا حسن "
ثم وبدون سابق إنذار .. ارتمى الصديقان بأحضان بعضهما البعض .. حسن يشهق ببكاء .. وعابد الذي يتمتع بكبرياء ليس له مثيل .. لم يقوى على المقاومة .. فحرر دموعه هو الآخر .. احتياجا منه  لذلك ..  

*********
ترك عابد صديقه عند باب العنبر الخاص بهم .. ولم ينسى أن يطلب منه عدم إخبار لُقى بأي شيء الآن ..سيخبرها في آخر لحظة  حتي لا تحزن ..
وتوجه هو لغرفة المشرف .. ما ان وصل اليها .. فتح باب الغرفة بدون سابق استئذان .. ينظر بجمود للمشرف الذي انتفض مكانه ما إن طلّ عابد .. دخل الأخير بشموخ غريب على سنه .. مشى خطوتين داخل الغرفة حتى وصل للمكتب .. وقف أمامه ..يناظر المتوتر الآخر أمامه  
وهتف بأمر ..
" اتصل بالسيد سليمان "
رغم الاضطراب والتوتر المزينين ملامح المشرف الا انه لم يخفى على عابد لمحة التهليل في ملامحه .. وبسرعة ضرب المشرف قرص أرقام الهاتف ..ووضعه على أذنه ..لحظات وأتاه الصوت ..
وتحدث هو ..
" أهلا بك سيد سليمان .. "
" نعم بالتأكيد .. ولكن هناك من يريد التحدث معك "
كانت عيناه مُسلطة على عابد الذي مازال على جموده .. أعطاه سماعة الهاتف ..
وضع عابد السماعة على أذنه .. وما ان سمع همسة الرجل على الطرف الآخر بإسمه .. حتي هتفت بصلابة .. واقتضاب ..
" أنا موافق "
وفقط .. وبدون أية حروف أخرى أغلق الاتصال .. ووضع السماعة بمكانها  بغضب ملحوظ وعينيه لا تغادر صفحة وجه الواقف أمامه الذي ابتسم ما إن نطق ما نطق .. ولكنه انتفض ما أن ضرب عابد بيده على سطح المكتب .. هاتفا بوعيد من بين أسنانه ..
" أقسم إن حدث لأصدقائي شيئا لن يكفيني عمركم .. ولو حدث .. تأكدوا أني سأعود إليكم ولو كنتم في آخر الدنيا "
ألقى كلماته التي شحب على أثرها الآخر وغادر الغرفة .. يتثاقل صدره بالضيق والاختناق من المرحلة القادمة وخاصة عندما تعلم صغيرته ..

********

جلس سليمان على كرسي مكتبه بعد أن أغلق الهاتف مع " ولده " يا لجمال وقع الحروف !!  ..سيكون له ولد ..سيغتنم الفرصة ويعيش معه كل ما تبقى له من عمره .. سيعوضه عن ما لاقاه .. وسيعلمه أن يكون رجل .. سيكون له الأب والأخ .. والصديق .. وكل شيء .. فاق من شروده على دخول
رفيقه ومحاميه .. جلس حمدي على الكرسي المقابل للمكتب يراقب ملامح مديره التي تتراوح عليها العديد من المشاعر  ..من سعادة جلية .. وتجهم .. وتفكير .. نطق ليطمئن على ربيب عمله ..
" ماذا هناك سيد سليمان .. أحدث شيء؟! "
رد سليمان بعيون لامعة ..
" وافق .. عابد وافق يا حمدي "
ابتسم حمدي تأثرا لبهجة صديقه .. وهتفت سليمان مسترسلا ..
" حمدي .. انهي ما اتفقنا عليه وبأقصى سرعة .. "
استقام من مكانه ليلملم أشياءه ليخرج .. وأكمل بتنبيه أثناء خروجه
" ولا تنسى يا حمدي .. السرية .. فبعد تهديد سالم الأخير لا أستبعد أن تجدني مقتولا ومرميا على الطريق "
سكت قليلا وكأن يرتب أفكاره ... وقال بانكسار ...
" أوراق عابد تتم في سرية يا حمدي .. لو علم ما ننوي فعله أؤكد لك أنه لن يتوانى في قتله "
أومأ حمدي يراقب ظهر مديره يغادر .. وخرج هو الآخر لمكتبه يقوم باتصالاته لينفذ ما يرغبه مديره ..

**********
مرّ أسبوع لا تعرف ما بهما الأثنين .. عابد يتهرب منها حين تسأله ما به .. وحسن يُغير الحديث حين تسأله عن حال عابد .. ولكن فاض بها الكيل .. وعليهم أن يخبروها ماذا هناك .. كانت تجلس على صخرة في الفناء الخارجي .. وحينما قادتها أفكارها على ضرورة مواجهتهم .. استقامت من مكانها لتذهب إليهما  .. وقبل أن تخطو خطوة واحدة .. وجدتهما مقبلان عليها .. وقفت تراقبهما بنفس مأخوذ .. وأعين متسعة .. وفم مفتوح كالبلهاء .. لا تفهم .. عابد يحمل معه حقيبة .. وحسن وهو بملامح حزينة ووجه شاحب.. لم تسعفها قدميها التحرك باتجاههما ..  
وصلا إليها .. وضع عابد الحقيبة على الأرض .. يراقب اختفاء الحياة من وجهها .. تنظر اليه بضياع .. ازدرد ريقه ليبدأ حديثه ..ولكنها باغتته بسؤالها .. أو تقريرها بالواقع ..
" ما هذه الحقيبة ؟! .. إلي أين ستذهب ؟! .."
كانت تسأل ببلاهة .. وأكملت تسأل بإقرار منكر ..
"  ستغادر !! .."
اقترب منها يمد يده ليحاول تهدئتها .. هاتفا باسمها بوهن
" لُقى .. صغيرتي "
ولكنها لم تسعفه لتكملة ما يريد .. فركضت مهرولة لداخل المبنى .. تريد أن تصل لعنبرها .. ولكن قدماها قادتها لغرفة المراحيض الخاصة بالفتيات .. دخلت لإحدى المراحيض .. وأغلقت الباب عليها من الداخل .. تبكي .. ويبكي قلبها قبلاً .. فالعائلة الوحيدة التي عرفتها سيغادرها .. ربما تعب منها ومن مشاكلها .. وبالرغم أن أكبر مشاكلها تنتظرها بعد غيابه .. ظلت تبكي لدقائق .. حتى سمعت همهمة من وراء الباب باسمها ..
" لُقى .. صغيرتي .. اخرجي أريد أن أراكِ "
هتفت بعنف ..
" اذهب عابد .. اذهب لا أريد أن أراك "
أغمض المعني بالأمر عينيه بوجع ..وقلبه يصرخ به معنفاً .. وعقله يصرخ به مهدئاً أن يكسب رضاها  ويتحمل غضبها مؤقتا حتى يعود إليها ..
هتف محاولا جعلها تخرج ..
" حسنا ..اخرجي قبلا ..وسأغادر .. "
" لااا "  
هتفتها صارخة بوجع .. مما جعل الآخر يتمزق .. ويتفتت قلبه إلى أشلاء .. تُصعب عليه الأمر ولا ترحمه .. ألم يكفيها عذابه ..
هتفت هامساً خرج منه برجاء ..
" أخرجي لُقى .. أريد أن أراكِ قبل أن أذهب "
سمع شهقتها التي جعلته يئن وجعا .. ولتزيد عذابه همست بِكره ...
" وأنا لا أريد أن أراك عابد .. انت انتهيت بالنسبة لي .. لم تعد في حياتي .. لا أريدك يا عابد .. لا أريدك .. هل سمعتني "
لقد سمع .. وشَعَرَ .. وأدركَ أنه خسر .. استقام من جلسته على الأرض من أمام الباب .. يكره إحساسه هذا .. احساس العجز .. وكأن ما يفعله سهل.. ليس بالسهل أبدا وهي لا تدرك عذابه ..
خرج من غرفة المراحيض لم يسمع التي بدأت تناجيه بعذاب ..مستندة بجبينها على الباب جالسة على الأرض غير عابئة لملابسها التي اتسخت ..  
" لا يا عابد .. أنا أكذب .. ليس لي أحد سواك .. أنا لا أكرهك .. أنا أحبك يا عابد .. لا تغادر يا عابد وتتركني لهم .. لا تغادر .. ابقى معي "
عندما لم تسمع صوته .. أدركت أنه غادر .. سيغادر ولن تراه مرة أخرى .. وسيغادر دون أن تسلم عليه حتى .. سيغادر وآخر ما سمعه كرهها له .. انتفضت واقفة .. فتحت الباب بسرعة .. غادرت مكانها بقوة .. تركض وتركض .. ودموعها تجري مدرارا على خديها .. ومع كل خطوة .. تهتف منادية .. صارخة بإسمه ..
" عااابد "
وصلت للممر بين الغرف .. صارخة
" عاااااابد "
وصلت للممر الخارجي المؤدي للفناء .. هاتفة بأعلى صوتها ..
" يا عااااااابد "
وصلت للفناء ..نظرت حولها .. حتى وجدت سيارة فخمة .. سوداء .. واقفة وهو هناك .. يهم لدخولها.. وصديقه الآخر يقف ينظر إليه ..
صرخت توقفه ... تراه قبلا وبعدها يغادر ..
" عااااااااابد "
التفت عابد بسرعة حين سمع صوتها .. لم يهن عليها أن يغادر دون أن تراه .. طفلته .. صغيرته ..
ترك باب السيارة مفتوح .. وتحرك باتجاهها ..  يجري.. وتجري هي راكضة نحوه .. عينيها تحكي ألمها .. وعينيه تحكي الآلاف .. تحكي اعتذار تركه .. وتحكي كيانه الذي سيفقده بفراق صديقه وصغيرته .. .. تحكي عذاب بعدهما عنه .. التقى الإثنين في منتصف الفناء .. وبدون أي سوابق انذار كانت ترتمي بأحضانه صارخة بإسمه .. وهو كان قد فتح لها ذراعيه .. يريد ذرعها داخله .. يريد أخذها معه .. يريد إخبارها أن لا تحزن .. سيعود .. ولكن ما خرج منه لم يكن سوى همسة باسمها الذي خرج مصحوباً بدموعه .. ولم يتمالك صديقه الآخر رؤيتهما بهذا الشكل
ولم يعي لقدميه اللتان تحركتا باتجاه المتعانقان .. ركض حتى وصل إلهما .. وبكلتا ذراعيه أحاط كليهما .. مشاركاً إياهما الدموع والحزن .. والوجع ..
وكان هذا الذي يحدث .. تحت مرأى ومسمع من الحارس والمشرف الذي تململ في وقفته .. مال الأخير على الواقف بجواره هامساً من بين أسنانه ..
" أنهي هذه المسرحية التي تحدث .. سيفتضح أمرنا "
أومأ الحارس ككلب مطيع لسيده .. وتحرك من مكانه متجها للواقفين يحتضنون بعضهما البعض .. اقترب منهم .. وقام بإبعادهم عن بعضهم بحدة .. هاتفاً بتوبيخ ..
" اتركوا بعضكم .. وتخلصوا من فقرة النواح هذه .. وأنت "
ووجه كلامه لعابد الذي وقف ينظر له بشر ..
" الرجل ينتظر .. لا نريده أن يتأخر أكثر من هذا .. اذهب اليه "
تشبثت لُقى به أكثر ... فسحبها الحارس يحاول إبعادها وفك يديها المتشبثة بكفيه .. لا تريد تركه .. في هذه اللحظة .. تحرك حمدي من مكانه هو وسليمان باتجاه عابد .. أمسكوه من كتفيه يحاولان جعله يتحرك معهما ليغادرون .. من جهة حمدي وسليمان يسحبان عابد .. ومن الجهة الأخرى الحارس يسحب لُقى المُتشبث بها حسن الذي يبكي هو الآخر وكأن جزء من روحه تغادره .. غير واعين لوعد الأصابع المتشبثة ببعضهما البعض
ولا لضغط الأيادي بهمس لا يُسمع بتوصية أن تعي لحالها وتكون أقوى ..
غير واعين لفك حصار الأصابع عن بعضها بإحساس يشبه خروج الروح من جسديهما .. غير  واعين بإحساس الفقد الذي يملأ ثلاثتهم ..
وكأنهم روح واحدة في ثلاثة أجساد ..  

********





_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الأحد ديسمبر 30, 2018 2:21 pm




الفصل الرابع






في أرقى أحياء العاصمة .. يجلس شاب بلغ من العمر الثامنة والعشرون .. وملامحه تتسم بالقسوة .. وبريق عينيه يتسم بالإصرار .. لا يجرؤ كائن من كان أن يقف أمامه .. وخاصة بعد ما بدأ بأخذ ثأره بروية .. تحول لشخص لا يرحم من يُخطأ .. أمات قلبه .. أو بالمعنى الصحيح .. أمات الزمان قلبه .. وضع القلم من يده .. وينظر لأوراق الصفقة الجديدة بعين تقييمية  .. الصفقة رقم أربعة التي يأخذها من غريمه دون أن يرف له جفن .. لو عليه لسلبه ليس عدة صفقات فقط .. وإنما حياته .. وأيضا بدون ذرة ندم .. لو علم الآخر حجم ما خسره نتيجة ما فعلوه به .. لحاسبوا أنفسهم ألف مرة قبل أن يقدموا على ما فعلوه .. ولكنه حدث .. ونتيجة ما حدث هذا .. سيدفع ابنه الثمن .. لن يتركه سوى قتيلا كما قُتِل أباه.. نعم يقول أباه رغم أنه لم يعش معه سوى سنوات معدودة .. ولكن ما رآه معه خلال هذه السنوات ... كان بعمره قبل أن يراه أو يدخل هذا الرجل لحياته ..
غامت عيناه بحزن لا يظهر إلا بذكر أناس معينين .. وهذا الرجل من ضمنهم .. ترك الأوراق واستدار بكرسيه .. جعل وجهه للحائط من ورائه .. وظهره أصبح للمكتب .. ينظر بعين يملأها الحنين لصاحب الصورة المعلقة على الجدار .. سيبقى هذا الرجل حي بداخله حتى لو دُفن تحت سابع أرض ..
تكالبت عليه ذكرياته التي غلفت كيانه .. ذكريات مع هذا الرجل .. ومع ..!!.. هذه الذكريات فقط ما تجعله مازال انساناً .. مازال هناك وتر داخله ينبهه أن هنا في صدره ..  قلب .. حتى لو أنكر هو هذا .. وإدّعَى أن ما يحتويه داخل ضلوع صدره مجرد حجر صوان ..
شرد بذكرياته الي اليوم الأول له مع هذا الرجل .. بعد أن غادر الملجأ ..وترك قلبه هناك بين راحتيّ يدها .. وهناك بين أحضان صديقه ..
وأصبح منذ هذه اللحظة بدون قلب .. ركب السيارة مع الرجلين ولم ينطق بكلمة ..رغم توسلات ومواساة الرجل بجواره .. فقط ملامحه ..ملامحه كانت أبلغ من أي كلام.. ملامحه التي قُدت من النار وقتها .. تنطق بالشر .. وشيئا آخر ... قلة الحيلة .. ماذا كان بيده يمكن تقديمه لهما ..
وصلت السيارة بهم إلى بيت كبير .. عبست ملامحه في عدم فهم .. أسيعيش هنا .. وكأن الرجل بجواره قرأ تساؤله .. فأجابه ..
" سنمكث هنا يومين وبعدها نسافر "
وقد كان .. مكثوا بهذا البيت الكبير يومين ..وبعدها تفاجأ بهذا الرجل ..يخبره أنه سيسافر به للخارج .. لم يكن يدري وقتها ما يحدث ..
ولكنه علم بعد ذلك .. علم أنه تم تهريبه حتى لا يتم القبض عليه لأي سبب في المطار .. وأيضا بسبب سنه الصغير وخاصة أنه لا قرابة بينه وبين هذا الرجل .. وعَلِم أيضا أن الأخير تدبر أمره من إحدى الوساطات التي يشتريها المال وتمكن فعلا من الهرب به الي الخارج ..
وسافر عابد الى الخارج .. سافر ليرى ما لم يره في حياته ..
في أول أسبوع ..نأى بنفسه في غرفة تم إخباره أنها غرفته .. لم يكن يتحدث مع أحد .. حتي اليوم الثالث من الأسبوع الثاني .. دخل سليمان غرفة عابد ..حاملاً بين يديه صينية طعام للعشاء .. وجده يجلس بالشرفة الخارجية للغرفة ..وضع سليمان ما يحمله على طاولة بجانب الفراش ..
وسار بضع خطوات إليه .. حتى وصل لمكان جلوسه .. وجلس على الكرسي بجواره .. أحس به عابد ولم يلتفت .. سمع الذي بجواره يتحدث بهدوء ..
" أتعلم ... دوماً كنت أتخيل هذه الجلسة .. لكن القدر لما يعطها لي .. على الأقل قبل أن أجدك "
علت زاوية فم عابد ابتسامة استهزاء .. وقاطعه بتهكم ..
" قصدك قبل أن تشتريني "
الكلمة آلمت سليمان رغم حقيقتها .. نعم هو اشتراه .. وليس نادما .. ولو عاد به الزمان لفعل ما فعل .. ابتلع سليمان مرارة مجافاة عابد .. وتحدث بنبرة يشوبها الحزن ..
" اسمعني بني .. "
قاطعه عابد مرة ثانية قائلا بصياح ..
" لست ابنك .. لا تناديني هكذا .. أنا أكرهك .. لقد حطمتني .. فقدت روحي هُناك .. كياني ..لا أعلم لما أنت بهذا الجحود لتشتري ابن لك .. أصحابي .. تركتهم ولا أعلم ماذا سيفعلون بعدي .. هل يأكلون ..هل ينامون .. آمنين أم خائفين .. أعيش بنار تتآكل داخلي .. وإحساس بالذنب يملأني  .. تركتهما بأنانية حتى رغبتي بحياة هانئة لهما دفعت ثمنها بُعدي عنهما .. وبُعدهما عني .. أنت لا شيء .. أتفهم .. لا ششششيء    "
وغادر عائدا لداخل الغرفة هائجا غير عابئ بمن خلفه ينظر له في ذهول .. وكلماته التي سمعها ذبحت قلبه ذبحا .. أما عابد .. فكان يحطم كل ما تطاله يده .. يهاجم ..هو في هذا الموقف اتبع الهجوم نهج .. قرر أن يهاجم .. ولكن كان يهاجم من .. في الحقيقة كان يهاجم نفسه ..
كان غير راضي عن  تودد سليمان له .. ومعاملته اللطيفة هذه .. هو لا يريد هذا .. لا يريد أن يعامله هذا الرجل بهذا الحنو في مقابل تركه لصديقيه .. وأيضا خائف .. نعم خائف .. يرتجف خوفا من تجاوبه مع هذا الرجل ..فيعتبر نفسه خائنا .. خائف أن يعتاد هذه معاملة .. أن يعامله أحدا كبشر ليس سهل .. خاصة مَنْ مثله ..
ظل يرمي الأشياء من حوله .. علّ من يقف مقابل له يغضب .. يثور .. يأتي إليه ويعاقبه .. يضربه مثلا .. ولكن أي من هذا لم يحدث .. واكتفى بالنظر ..
بعد أن انتهى عابد من رمي وتكسير ما تحتويه الغرفة من كماليات .. وقف ينظر لما صنعت يداه باستمتاع وكأنه حقق انجاز .. ظل ينظر للواقف على عتبة الشرفة في انتظار منه لرد فعل الآخر .. ولكن أيضا لا شيء .. رآه يتحرك باتجاهه ..فابتسم بانتصار .. الآن سيغضب ويضربه .. ويستطيع بعدها أن يكرهه .. ولكن الرجل ما إن اقترب منه ..حتى وقف أمام الطاولة الصغيرة بجوار الفراش .. وحمل صينية الطعام.. وتوجه بها لمنتصف الغرفة ووضع الصينية على طاولة أكثر راحة ولها كرسي ليستطيع الجلوس أثناء الطعام .. ولم ينسى أن يرمي بهدوء بقايا إحدى الأشياء المكسورة على الطاولة .. وعاد متوجها لعابد .. ولكنه تخطاه .. وفتح باب الغرفة ..وقبل أن يخطو خارجاً .. هتف دون أن يلتفت اليه ..
" لا تنسي تناول عشاءك .. "
سكت لحظة وأخرى .. وأكمل وكأنه مُصر على توصيل معلومة ما ..
" تصبح على خير بني "  
وكم تألم عابد لهذه الكلمات .. ألمه نابع من حنان هذا الرجل .. وكم تساءل .. هل هذا عوض الزمان له بعدم معرفته لأبويه .. وأن القصة المتداولة عنه وعن حادثة والديه كانت الثمن الذي يدفعه في مقابل حصوله على هذا الرجل .. تألم عابد لأنه أحزن هذا الرجل .. هو لا يستحق هذا ..
********
صباحاً في غرفة عابد من ينظر اليها لا يقول أنها نفس غرفته بالأمس .. بعد أن غادر سليمان ليلاً .. جلس عابد أرضاً وبكى وكأنه لم يبكِ بحياته أبدا .. بكى حرمان .. وبكى فقدان.. وبكى روحه التي تركها هناك ..
بكى رجلا طيبا أساء إليه وصرح بكرهه أمام وجهه .. بكى وكأنه يبكى الحاضر والمستقبل .. وكأنه كان على علم أنه لن يبكى في المستقبل دموعاً وإنما سيبكي دماً ..
بعد أن هدأ بكاؤه .. مسح وجهه بعنف براحتي يده .. وكأنه يعاقب وجهه وعينيه على مشاركتهما سويا في هذه الجريمة الشنعاء .. كيف يضعفان ويبكيان هكذا .. استقام من مكانه ولملم ما صنعته يده .. وأعاد الغرفة كما كانت .. بإستثناء ما تم تكسيره بالطبع .. وصباحا .. حمل صينية الطعام التي أكل منها بعد أن انتهى من توضيب الغرفة .. ونزل بها للطابق السفلي للمنزل المقيمين به .. بيت عصري الى حد ما .. يحوطه حديقة .. والباب الرئيسي عبارة عن بوابة حديد .. يقف أمامها اثنان من الحراس
وبوسط الحديقة .. حوالي أربعة حراس .. وما فهمه من حوله أن هناك من يأتي لتنظيف المنزل.. وجلب الطعام .. لم يكن يخطر في أقصى أحلامه أن يترك وطنه بهذه الطريقة.. بل لم يخطر بباله أن يسافر من الأساس .. أقصى جماح طموحاته.. كان الهرب من ملجأ الأيتام الذي نشأ وكبر به ..
وأقصى مخاطرته ومغامراته هي أن يهرب بصديقيه .. والآن هو ترك الوطن ...وترك الصديق .. وترك القلب هناك .. وسافر لبلد أجنبي .. هاربا .. تم التستر على سفره وكانت مغامرة في حد ذاتها .. ثم المجيء به إلى بلد ليس بينها وبين وطنه تبادل هاربين .. هذا ما سمعه بالنص .. لا يعلم ما معنى هذا الكلام .. ولكنه يشعر بأن هناك خطر يتربص بهم يستدعي هذا الحذر .. كان قد وصل للمطبخ .. وجد هناك سيدة تتخطى الأربعون بعدة سنوات .. بالتأكيد هذه من تعد الطعام وتنظف المنزل .. تنحنح ليلف انتباهها ..  التفتت تنظر اليه بابتسامة بشوشة ..
" أهلا بني .. صباح الخير "
أومأ لها محييا .. لم يستطع الابتسام .. وكأنه ينتظر شيء آخر .. ولكنه رد
" صباح الخير "
رغم استغرابه لهذه السيدة .. وكلامها العربي إلا انه أحبها .. مالِ الدنيا تعطيه بجود غريب عليها !! .. قطع شروده كلام هذه السيدة ..
" أنا اسمي روز .. وأنت عابد أليس كذلك ؟! "
أومأ لها بابتسامة صغيرة .. فأكملت السيدة ..
" لقد أخبرني السيد سليمان عنك .. بالمناسبة إنه في الحديقة يشرب قهوته .. تستطيع الخروج اليه وسآتيك بفطورك "
ثرثارة .. هتفها عقلة بابتسامة لا تكاد تظهر على محياه .. ثرثارة ولكنه أحبها ..
تحرك مغادرا المطبخ بعد أن أخذت منه روز ما يحمله .. وتوجه مباشرةً للحديقة .. وجد سليمان جالس وبجواره  المحامي الذي لا يتذكر اسمه .. سار بخطواته إليه وعازم الأمر ليعتذر فهو أخطأ .. وليس عابد من يخطئ بهذا الشكل .. لمحه المحامي أولا والذي كان يتحدث للجالس بجواره .. ويمسك بيديه بعض الأوراق .. ولغرابة الموقف استقبله المحامي بابتسامة لفتت انتباه سليمان .. إلتفت نصف التفاته ..فلمح المُقبل عليهما .. فأشار لحمدي بالسكوت .. وأمره المغادرة .. لملم حمدي أوراقه ووقف ليغادر ..
كان عابد قد وصل لمكان جلوسهم .. سمع تحية المحامي له .. فرد تحيته بإيماءة صغيرة .. وقف بجوار الجالس .. وهتف بصوت آسف ..
" صباح الخير "
كلمتان كان في انتظارهما سليمان ليعرف كيف يتصرف .. هل ظل على مزاجه .. أم جد شيء ... استقام سليمان من مكان ليقف مقابلة لعابد .. الذي يقف بتوتر ..هو يريد الاعتذار .. ولكن ..
" اسمع "
هتفها عابد ليبدأ كلامه .. ولكن قاطعه الواقف أمامه عندما لمح توتره ..
" اسمعني أنت بني .. ما حدث بالأمس .. امسحه من ذاكرتك .. وكأنه لم يحدث .. وخاصة وأن الواقف أمامي الآن .. ليس من واجهني بالأمس .. أليس كذلك ؟! "
قال آخر كلماته بابتسامة .. مما جعل الابتسامة تزحف على شفتي عابد ..
" وكانت هذه هي البداية لسعادة لن تدوم "
******
عاد من ذكرياته ليستدير بكرسيه مرة أخرى .. ليقع بصره على ساعة رملية موضوعة على سطح مكتبه .. كانت كهدية .. قدمها له سليمان
وهتف بتوصية ..
" اسمعني بني .. الأيام ..لا تدوم .. والعمر مثل هذه الساعة .. والأيام تمثلها حبات الرمل .. إن سقطت حبة لا تعود لمكانها مرة أخرى .. فاغتنم حباتك يا صغير "
عاد من الذكرى مرة أخرى .. وابتسم بتهكم .. وهتفت بشيء من التأثر لا يظهر عادة ..
" صدقت أبي .. صدقت ..ليت أيامي معك تعود لأغتنمها كما يجب "  
رفع مرفقيه على المكتب مستندا بكوعيه ... ووضع رأسه بين راحتّي يده
غارق في تفكيره ..وذكرياته ..
هذا الرجل أعطاه الكثير والكثير رغم قلة ما عاشه معه .. ولكنه أثبت له أن الأبوة ليست فقط بالاسم ..وإنما بما يعطيه الأب لأبنائه من حنان واهتمام ..
تذكر فطورهما يوميا .. حيث كان يُصر سليمان عليه أن وقت الطعام مقدس .. ابتسم في نفسه .. فقديما كان حتى الطعام الذي يأكله لا يصلح للتناول من الأساس .. تذكر حديثه حينما كان جالسان بتودد في الحديقة .. وأخبره سليمان قائلا ..
" أتدري يا عابد .. "
استرعى انتباه عابد .. فأكمل سليمان ..
" لقد أبقيت على اسمك الحقيقي حتى لا تكرهني يوما وتظن أني اشتريتك كما كنت تظن ... لا بني .. لو اشتريت شيئا .. فأنا اشتريت أيامي ولحظاتي معك .. وفي نظري .. هذه تساوي كنوز الدنيا "
سليمان عامله كبشر ..انسان ..منحه امتيازات هي في الأصل حقوق ..  
رفع رأسه ينظر حوله ..لقد عمد أن يضع كل مقتنياته حوله ..ليراه في أشياءه .. شهاداته .. صوره .. حتى المكتبة الخاصة به .. نقلها معه لهنا .. حتى يتذكره دائما .. في حقيقة الأمر هو لا ينساه أبدا .. ولكنه يتشبث بالعطاء الذي منحته إياه الحياة .. أينعم أعطت بيد .. وأخذت بالأخرى .. ولكن هو ليس بهذا الجحود الذي يجعله ينكر فضل الحياة عليه عندما عاش في كنف هذا الرجل حتى ولو لبضع سنوات ..
استقام من مكانه ليلتف حول مكتبه .. يسير بضع خطوات حتى وقف أمام النافذة الزجاجية التي تتسع باتساع الجدار .. وقف ينظر للمنظر الخارجي.. ولكن عينيه تنظر للا مكان .. وعقله مازال عالق بذكرياته ..
يتذكر ويتذكر وكأن الذكريات تجلده باشتياقه للماضي .. ماضي جمع أناس اشتاقهم .. ناس غادروا .. ببساطة رحلوا كما دخلوا حياته .. واشتاق لأناس مازال يهوى اشتياقه لهم.. أناس ظل يسأل عنهم السنين الماضية مع والده ولكنه للأسف كان يتهرب من إجابة بحثه وسؤاله هذا غير انتقاله من بلد لآخر حفاظا على حياته .. لم يساعده حظه في البحث عنهم .. حتى اليوم الأخير وموت والده .. وبعدها أصبح وحيدا مرة أخرى .. وليس هذا فقط .. لقد أقسم أن ينال حق والده الذي سقط قتيلا بين ذراعيه .. انتقل الى بلد آخر وعمل على اعلاء وصنع اسمه .. وبعدها عاد لوطنه .. ومن وقتها لم يكل من بحثه .. بحث عنهم ومازال يبحث عن أحدهما ..
لفت نظره أب يمشي بجوار طفل بحنو .. ويعطيه حلوى آيسكريم .. والطفل يضحك بفرح .. هو أينعم لم يعش مثل هذه اللحظات ..
ولكنه تذكر موقف مناقض .. ابتسامة علقت على جانب شفتيه .. وعقله يسبح لذاكرة يوم استيقظ فيه ليجد سليمان يخبره أن لديه تدريب ..
أي تدريب هذا ؟!! .. رغم أن الرجل الكبير حرص على جلب المعلمين له .. وتم التحاقه بمدرسة بعد أن خاض عدة اختبارات لمعرفة قدراته  
هذا بالطبع بعد أن ظل سنتين يدرس بالمنزل .. وتعلم الكثير والكثير من الأشياء .. خاض مرحلة ما قبل الجامعة .. ودخل الجامعة بالفعل ولم ينسى تعرفه بصديق الغربة " يونس "  صديق الجامعة الذي تعرف عليه في هذه المرحلة ...  تخصص عابد في  التجارة وإدارة الأعمال عرفاناً منه لسليمان حين طلب منه النزول للعمل معه بعد أن افتتح شركة للاستيراد والتصدير .. والذي أصر على عابد أن ينزل للعمل معه ويبدأ من الصفر بجانب دراسته.. وهذا ما حدث  .. وبجانب كل هذا لم يهمل تدريبه والتحاقه بنادي تعليم فنون القتال
لم يظن عابد أن اختيار سليمان لهذا النوع من التدريبات لغاية في نفسه ..  ولكنه لم يدرك أنه يؤهله لما هو آت .. فاق تخيلاته هو هذا المدرب الذي أتى به .. وكان مدرب لأي  ..
رماية .. وأي رماية ؟! .. استعمال المسدس .. كان يظن عابد وقتها ان سليمان يبالغ بعض الشيء .. ولكن لم يكن لديه حرية الرفض .. لقد امره سليمان وانتهى .. وأخبره أن هذا لمصلحته ..
تذكر أيضا بعد سفرهم من هنا ببضع شهور .. علم بالصدفة أن سليمان يجب أن يقوم بإجراء عملية خطيرة بالقلب . ونسبة نجاحها ضعيفة ..
وقتها ثار عابد عليه حين اقتحم عليه غرفة المكتب هاتفا بغضب ..
" أصحيح ما سمعته ؟! "
نظر له سليمان يضيق ما بين حاجبيه بتساؤل ..
" وما هذا الذي سمعته "
كان قد استقام سليمان من مكان ليتجه لعابد الذي يقف منتصبا .. غاضبا كما يتضح من ملامحه ..
" أن لك عملية بالقلب منذ شهور ولم تجريها !! .. "
هذا ما فهمه من فحوى مكالمة حمدي مع الدكتور المعالج لحالة سليمان .. وفجأة تخيل اختفاء هذا الرجل من حياته .. أيختفي الآن بعد أن تقبل عابد وجوده .. وعندما لم يرد سليمان هتف عابد بتكملة ..
" لماذا لم تجريها .. حسنا ولماذا أتيت بي لحياتك إن كنت تريد الموت .. لو كنت تريد الموت هنيئا لك به .. ولكن أعدني لحياتي السابقة قبلا "
ابتسم سليمان بملامح مرتاحة .. لقد فهم طريقة عابد .. هو خائف عليه ولكنه ينكر هذا .. هتف ..
" ولماذا أنت غاضب هكذا اذا كنت تتمنى موتي ؟! "
" أنا لا أتمنى موتك "
هتفها عابد بدون وعي منه ..وذكر الموت يقبض قلبه ..وتخيل حياته بدون هذا الرجل ..بعدما ذاق وجوده ..
ابتسم سليمان بمرح .. وهتف ليشاكس هذا الذي يخفي مشاعره ..
" وماذا تتمنى عابد ؟! .."
اتسمت ملامح عابد بالألم لمجرد تخيل فقدانه لمثل هذه اللحظات .. وهتف بنبرة لم يقوى على مدارة الترجي فيها ..
" لا أتمنى شيئا .. فقط أريدك أن تجري العملية "
إحساس سليمان في هذا الوقت لا يوصف .. وكم تمنى الآن فقط أن يأخذ عابد بين أحضانه .. كم يتشوق لمثل هذا العناق الأبوي .. ولكنه لا يضمن رد فعل عابد الذي قاطع تخيلاته وأمنياته عندما غادر من أمامه ..وكأنه هو الآخر يهرب من شعوره واحتياجه لهذا الرجل ..
أما عن سليمان .. فعاد لكرسي مكتبه .. يتطلع للورق بين يديه .. كان لابد من هذه الخطوة .. هو في كل الأحوال ليس له أحد .. وإن مات سيورثه أخوه .. وهذا لن يحدث أبدا .. يتذكر عندما طلب من محاميه .. حمدي صديقه الصدوق وكاتم أسراره .. أن يقوم بهذه الخطوة .. ثار وهاج ورفض .. ولكنه أصر عليه .. ليس لديه سوى حمدي .. سيقوم  بكتابة جزء من ماله الذي جمعه بعد أن باع كل ممتلكاته في الوطن وسافر . تبرع بجزء من ماله لعدة جهات خيرية بداخل وطنه .. وأعطى روز مبلغ هي الأخرى ..روز .. يعرفها عن طريق زوجها ..كان يعمل معه سائق هنا .. عرفه حين أتى في وقت ما للاستجمام بداخل هذه القرية المتطرفة من هذا البلد .. ووقتها عرف روز وكان لديها ابن وابنه توأم .. كانوا عائلته بغربته هنا ..هذا المنزل الذي اشتراه في وقت ما ..ولم يبيعه مثل باقي ممتلكاته ولم يعرف أحدا عنه شيء حتى حمدي محاميه ...  أما حمدي .. فكتب له مبلغ هو الآخر .. علاوة عن ذلك .. أودع المال في حساب بنكي بإسم حمدي .. الذي تنازل عنه بورق صوري بعد الايداع بوقت معين في حساب بنكي باسم .. عابد ..  
وهذا الورق سيظهر اذا حدث له شيء .. أما اذا عاد من الموت .. فسيعود المبلغ له وله حرية التصرف .. لا يدري عابد أي من هذه الخطوات .. ولا يدري لا هو ولا حمدي أن سليمان يقوم بتأهيل عابد ليأخذ مكانه .. وإن عاد من الموت .. سينتظر حتى بلوغه السن القانوني في هذا البلد ... وسيتنازل وقتها لعابد لما سيضمن له مستقبله .. يرثه عابد ولا يرثه أخاه .. عابد الذي طالبه كثيرا بالتواصل مع أصدقائه من الملجأ ولكن في هذا خطورة على حياته .. وخاصة قبل سفرهم بيوم حضر إليه أخاه وهدده صراحةً أنه قام بالحجر عليه .. وإن لم يكسب القضية سيقتله .. وحين لمح عابد بحديقة بيته نظر له نظرة لن ينساها أبداااا .. عابد الذي سيتحمل ذنبه وضريبة أنانيته معه طوال  حياته .. هذا إن عاش ..
أخفى عنه أنه  رافض لتواصله مع أصدقائه من الأساس رغم أنه وعده والفتى لا يكف عن الطلب  .. أنانية نعم .. ولكن ماذا بيده !! ..  فلينعم بوجوده قليلا .. يخاف عليه بجنون .. إن أراد اخاه أن يصل إليه سيصل يدرك هذا جيدا ... لو عليه لأخفاه عن الدنيا جميعها .. لا يعلم كيف ولا متى أحبه وتعلق به هذا التعلق المرضي .. ولكن ما هو متأكد منه أن حبه لعابد بقلبه غُرِس من اللحظة الأولى .. ولن يتنازل عنه بسهولة ... أبداا ...
*****
عاد عابد من تذكره لهذا الموقف الذي جعل قلبه يخفق بجنون متذكرا يوم العملية عندما كان يقف بصحبة حمدي .. يرتجف داخلياً وكان على وشك الانهيار .. وخاصة عندما خرج الطبيب بوجهه متوتر .. مخبرا إياهم بلغته الأجنبية ..
"  السيد سليمان بخير .. تمت العملية بنجاح .. ولكن .. "
حينها هتف حمدي  يرد بأجنبية تماثل لغة الطبيب .. وعابد ينظر اليهما يحاول فهم ما يدور ..
" ولكن ماذا دكتور ؟! "
أكمل الطبيب ..
" مؤشراته الحيوية ضعيفة .. ووضعه الصحي غير مستقر.. والآن سينتقل لغرفة العناية المركزية لمتابعة نتيجة العملية ومؤشراته بدقة  "
حين ترجم حمدي ما قيل لعابد الذي شحب وجهه .. واستند بظهره للحائط ورائه .. وعقلة يدور ويدور .. ويحسب خساراته بخسارة هذا الرجل .. وكم دعا من كل قلبه أن يعود اليه .. ولا يذيقه خسارته بعد أن ذاق صحبته .. مرّ يومين يتلظى فيهما بانتظاره وتضرعه لله أن يعود سليمان .. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها لله .. وكأن الله أراد أن يجزيه للجوئه له .. ارتفعت مؤشراته الحيوية .. وكانت فرص نجاة سليمان عالية وأول ما سأل ..سأل عن عابد الذي كان يقف خارج الغرفة يرتعب الدخول ويكون خبر استيقاظ سليمان محرد كذبه .. ولكن حمدي لم يتركه لخوفه كثيرا ..حين خرج له
يحثه للدخول للذي هلك من كثرة السؤال عنه .. وقد أذعن لزن حمدي ومطالبته له بالدخول .. ودخل بقلب يرتجف .. وأطراف ترتعش ..
يراه ممد على الفراش الأبيض .. عاري الصدر .. وينتصف صدره بلاصق طبي .. وجسده يلتصق به بعض الأسلاك المتصلة بالأجهزة الطبية .. اقترب من الفراش بتوتر عندما ناداه سليمان بوهن مادا له يده..
اقترب أكثر حتى أمسك يده يضغط عليها .. ولكم رغب الآن بعدة أشياء ..
رغب أن يرتمي بحضن هذا الرجل ليتشمم رائحة الأبوة التي لم يعشها قبلا .. وكم رغب أن يناديه " أبي " كلمة كم رددها بينه وبين نفسه .. كم نطقها لسانه بسكوت .. نُطق لم يتعدى الشفاه ...
اقترب أكثر من الفراش الأبيض ومال ليستطيع الآخر سماعه .. وقال بوعيد شديد
" لم أكن أسامحك أبدا لو لم تعد "
كل ما ناله هو ابتسامة مشرقة أنارت وجه المعني بالأمر ..
انتفض عائدا من ذكرياته على طرقات على باب مكتبه ..ليرى مقتحمه ..
انفرجت ملامحه بإشراق عندما وقع نظره على المشاغب الذي حضر ..
ولسان حاله يردد اسمه بسعادة ..
" حسن "

******









_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الأحد ديسمبر 30, 2018 2:24 pm



الفصل الخامس







" حسن "

دخل هذا الـ " حسن " بزوبعة تصاحبه أينما ذهب .. حسن صديقه القديم .. صديق طفولته الذي تفرق عنه .. وفعل المستحيل ليصل إليه .. وفي النهاية كان العثور عليه هدية من أبيه سليمان وهو تحت التراب بمساعدة حمدي .. كم رغب في العثور عليه ولكن الظروف والأحداث التي توالت بعد ذلك منعته .. ولكن أبيه فعل .. كان قد طلب من حمدي إن حدث له
شيء .. يجمع عابد بصاحبيه .. وكأنها كانت طلب في زي وصية .. تم تنفيذ الكلام بعد وفاته .. أو بالتحديد بعد قتله !! ..
عندما عاد إلى الوطن كان أول ما فعله حمدي هو مساعدته في العثور على صديقيه .. استطاع الوصول لحسن بسهولة وذلك عندما ذهب حمدي للملجأ وبعلاقاته عَلم بمكان حسن ومصيره الذي لم يختلف كثيرا عن مصير عابد رغم اختلاف التفاصيل .. وتشابه البدايات .. وأما ثالثتهما فللآن لا يعلمان عنها شيء ...
انتبه لحسن الذي يحدق فيه بتمعن .. فابتسم فاتحاً ذراعيه يحتضن حسن .. حضن احتياج أكثر منه اشتياق ..
" اشتقت لك يا حسن "
شعر حسن بشوق عابد الذي لا يقل عن شوقه له.. فدفن نفسه بين ذراعي صديقه وسنده الذي مازال .. ابتعد حسن عنه وهتف زاماً لشفتيه بأسف مصطنع .. ممثلا لنبرة نسائية ..
" يا الهي يا عابد .. قلت لك نتزوج وأنت من تتحجج بالمهر والشبكة .. ستخسرني وأنا ألف من يطلبني "
قهقه عابد بقوة ضاربا كتف حسن الذي تأوه ..ونظر إليه يرفع إحدى حاجبيه .. وهتف ..
" متوحش .. كف عن استعمال يديك .. الكلام اللطيف يأتي بثماره صدقني "
هتفت عابد من بين ضحكاته ..
" يا الهي يا حسن اصمت قليلا .. ستصيبني بنوبة قلبية .. "
لف ذراعه حول كتفي عابد وهتف مشاكسا ..
" بعيد الشر عنك يا حبيبي .. وأنا من سيرضى بي بعدك "
لكمه عابد في خاصره ليبتعد حتي يستطيع التوقف عن الضحك .. حسن الوحيد الذي أعاد البسمة لوجهه بعد أن انطفأت الحياة من حياته ..
تحركا كليهما وجلس عابد على كرسي مكتبه .. وجلس حسن مقابلا له .. الذي بدأ الحديث ..
" ها .. أخبرني ما الذي فاتني في اليومين الماضيين "
" انت أخبرني قبلا .. كيف هي والدتك ؟! "
" أصبحت بخير .. أو تحاول التصنع لا أعلم "
نظر عابد لملامح صديقه لا يعلم أيواسيه .. أم يشفق على حالهما سوياً .. كل منهما مُنحَ حياة جديدة .. ولكنهما لم يسعدا أبدا .. من يجالس حسن ويرى الوجه البشوش منه لا يصدق أن هناك من كان يضربه بحزام جلدي .. أو أن هناك من كان يسبه بأفظع الألفاظ .. أو أن هناك من كان يستعبده بأعمال نظافة المنزل .. غير تسريحه له للعمل في أردأ المهن ليس لكسب قوت يومه .. بل ليذله ..
وما المقابل الذي حصل عليه .. تم حصوله على اسم لرجل ذو نفوذ ..
عاد بذهنه لحسن الذي ينتظر حديثه ..
وقال بانتصار يغلفه اللامبالاة ..
" ليس هناك جديد .. الصفقة وكسبتها ..ويريني ماذا سيفعل "
تغضنت ملامح حسن بالقلق .. ليس على استعداد لخسارة عابد بعد أن حدث المستحيل وعثر عليه ..
" اهدأ يا صديقي .. بروية وسيحدث ما تريد ..ولكن خفف اللعب .. الصفقة الماضية لم يمضي عليها سوى شهرين "
حينها هتف عابد بشراسة .. وتوحشت ملامحه ..
" لن أهدأ حتى أراه غارقا في ديونه ثم بعدها في دمه .. سآخذ تاري منه ولن يوقفني أحد .. "
بهت حسن من عنف صاحبه .. لديه كل الحق للأسف ولكنه خائف عليه ...
هتف ليغير مجرى الحوار ..
" أخبرني .. هل هناك جديد بخصوص اعلان طلب السكرتارية؟! "
أجاب الآخر دون النظر اليه .. و عينيه تصول وتجول على أرواق بين يديه ..
" نعم المقابلات ستتم اليوم .. "
أومأ حسن .. ما لبث أن نظر للآخر بشر حين هتف ..
" وليكن بعلمك أنت من ستجريها "
لم ينظر إليه وبالتالي لم يرى حسن البسمة المشاغبة على شفتيه ..
يعلم أن صديقه يمل بسرعة .. ولا يطيق العمل المكتبي ..
ظل كل منهما في صمتهما للحظات حتى قطعه عابد هاتفا بنبرة ملأها التمني ..
" هل هناك أخبار جديدة ؟! "
عَلِمَ ماذا يقصد ... نظر له حسن بأسف .. واشفاق .. وخزي .. يعلم ما يعانيه .. ويعاتب نفسه ويجلدها على تقصيره .. ولكن ماذا كان بيده ليفعله ..
" للأسف ... لم نجدها "
أغمض عابد عينيه بألم .. وصدره يضيق .. وقلبه يختنق من شدة .. ماذا ؟! .. شوقه .. أم احتياجه .. أم من الممكن ذنبه بعد تركه لها ..
انتشلهما هما الاثنان صوت السكرتيرة الخاصة بعابد تخبره ببدأ توافد المتقدمات للوظيفة ..
حينها اعتدل عابد براحة مغيظة للمقابل له .. الذي نظر له بحنق واستقام هاتفا من بين أسنانه ..
" ستندم يا عابد وستندفع الثمن ..ولن أتنازل عن عزيمة غداء اليوم لتعوضني عما فعلته بي .. "
*******
خرج حسن من مكتب عابد يكاد ينفث نيرانا بسبب المستفز الذي بالداخل.. ولكم يود ترك هذه المقابلات السخيفة لفتيات أسخف والهرب من هنا ..
أثناء حديثه مع نفسه لم يرى المقبلة عليه دافنة لوجهها بين أوراق تحملها بيدها ولا ترى أمامها ..
فاصطدم الاثنان ببعضهما البعض .. اعتذر حسن ما سمع تأوه الأخرى التي وقعت أوراقها .. انحنت تلملم ما وقع .. ورفعت نظراتها للذي سمعت اعتذاره .. وهتفت بشيء من التوبيخ ..
" لو كنت تنظر أمامك كنت لتراني .. وحينها لن تحتاج للاعتذار"
رفع إحدى حاجبيه ناظرا لها بسخرية.. وهتف بلا مبالة ..
" كنت أظنك تستحقين الاعتذار ولكن من الواضح أني مخطئ ولذلك ..
سحبت اعتذاري.. والمرة القادمة انظري أنتِ أمامك حتى لا تصطدمي بأحد مرة أخرى "
كان يتحدث ويراقب عينيها تضيق بشيء يوحي بالشر وكأنها تكاد تأكله
وتحرك ليغادر مكانه .. وهتف من بين أسنانه ..
" غبية "
لم تسمعه .. في حين وصله همستها الغاضبة ..
" أحمق "
كم رغب في أن يستدير ليعلمها التهذيب على أصوله ولكن ليس لديه وقت ... ولكن بالتأكيد سيعرف من هذه .. مادامت بداخل الشركة فبالتأكيد موظفة .. ولكن كيف موظفة هنا وبهيئتها المزرية هذه .. فالعمل هنا بالملابس الرسمية .. باستثنائه بالتأكيد
نفض رأسه من أفكاره هذه .. فلديه الأهم ..

********

بعد عدة مقابلات .. شعر بالاختناق .. وليس لديه أية مقدرة على المواصلة .. تأفف بضجر من عابد الذي وضعه في هذا المأزق ..
التفت للباب حين دخلت سكرتيرته المؤقتة لحين اختيار أخرى لاستقالتها
بسبب أنها ستتزوج .. مال الزواج والعمل لا يعرف ..
" سيد حسن لم يبقى سوى فتاة واحدة .. أأدخلها الآن ؟! .. "
يا الهى .. يكاد لا يرى وتخبره بهذا ..
" سناء رجاء لا أريد رؤية أحد .. تصرفي معها أنت "
وهم ليغادر .. أوقفته قائلة .
" عذرا سيد حسن .. كيف أتصرف .. قابلها فقط وبعدها تستطيع أن تصرفها "
حسنا من الواضح أنه سيقتل سناء قبل أن تدخل دنيا وتتزوج ... هتف بغيظ ..
" لن أرى أحدا .. وأخبرتك تصرفي .. حتى لو أخبرتيها أنى لن أقابلها "
تأففت هي الأخرى ..وما ذنبها الآن ليورطها في هذا .. خرجت وتركت الآخر بغيظه ..
قابلتها الفتاة الأخيرة بإبتسامة مزيفة تدل على نفاذ صبرها ..
" هل أدخل الآن .. أخيرا "
هزت سناء رأسها بأسف وقالت ..
" للأسف يا آنسة ..السيد حسن متعب ولن يراكِ اليوم "
إحمرّ وجه الفتاة بغيظ .. وهتفت بغضب ..
" كيف متعب أخبريني .. أليس هذا عمله .. رجاء ادخلي أخبريه أني لن أغادر قبل مقابلته "
" يا آنسة ليس هناك داعٍ لصياحك هكذا .. كان من الممكن أن أخبرك أنه تم اختيار السكرتيرة وانتهينا .. ولكن أخبرتك بأنه متعب .. ولكي أثبت لكِ صدق كلامي .. تستطيعين المجيء غدا .. "
نظرت لها الفتاة . رغم غيظها الا أن المقابلة لها أثبتت حسن نيتها وصدقها .. اعتذرت لها عن صياحها وغادرت .. ولكن بالتأكيد في الصباح ستأتي وترى المدعو حسن هذا ..
*******
دخلت المصعد .. ونزلت للطابق الأرضي .. توجهت لساحة انتظار في جانب الشركة تُصف بها السيارات .. وعندما وصلت لمبتغاها ..
وقت متأففة بضيق وغضب .. رفعت كفيها أمسكت رأسها
هاتفة لنفسها ..
" يا الهي .. كيف سأتحرك الآن .. يا ربي مزيد من الحمقى في حياتي "
فمركبتها الغالية عليها تم حجزها بين العربات .. كان هناك مخرج .. ولكن هناك أحمق سد عليها الخروج ..
وقفت تلتف حولها علها تعرف من صاحب هذه السيارة .. ولكن لا أحد حولها ..

*******

على الجانب الآخر بداخل الشركة.. تأكد حسن أن ليس لديه ما يجعله يبقى في الشركة .. هاتف عابد وأخبره أنه سيغادر .. فهناك أوراق لابد من اتمامها من مصلحة الجمارك .. سمح له بالمغادرة.. ولم ينسى أن يخبره
" حسنا غادر .. ولكن في الصباح الباكر غدا تكون هنا .. فلدينا زائر مهم وأحتاجك معي .. "
من نبرة عابد الجادة أدرك حسن أهمية العميل الذي سيأتيهم صباحا .. أنهى الإتصال .. وغادر مكتبه ..بل ونزل مغادرا للشركة بأكملها .. ذهب لمكان وقوف سيارته .. ومن مسافة قريبة لمح خيال غبية رآها قبلا .. ولكنها تكاد تنفجر من الغيظ ولا يعلم ما بها .. ذهب لسيارته التي كانت تجلس على فتحتها من الأمام .. اقترب هاتفا ببرود ..
" انتِ ... إبتعدي من هنا "
نظرت الفتاة للذي تحدث .. نظرت له لبرهة .. تقسم أنها رأته أو لمحته قبلا .. ولكن متى .. أو أين .. فللأسف المرة الماضية لم تتبين ملامحه بسبب انشغالها بجمع أوراقها التي وقعت منها .. حينما حاولت تذكره ولم تقوى .. نزلت من على فوهة السيارة .. وعندما أدركت أن هذه السيارة التي سدت عليها مخرجها تابعة للواقف أمامها .. نست أين رأته قبلا .. وركزت في الموقف الحالي.. اقتربت منه ترفع سبابتها في وجهه ..هاتفة بغيظ ..
" أنت .. أنت لم تجد مكان تصف سيارتك به غير هنا .. هل أنت أعمى لدرجة لم ترى أنك أغلقت طريق الخروج .. انظر .. انظر وأخبرني كيف أستطيع الخروج .. "
كان ينظر بالفعل لإتجاه يدها التي أشارت لمكان وقوف مركبتها .. ظنها تشير لسيارة .. ولكن اتسعت عينيه ما أن ركز لإتجاه أصابعها ..
فانفجر بالضحك غير مصدق لهذه القزمة التي تنظر له بحنق وغيظ ...
فهتف من بين ضحكاته ..
" أنتِ تركبين هذه ؟! "
وما كانت الـ ( هذه ) سوى ( موتور موديل بطة ) عندما جال بخاطره الاسم ازدادت ضحكاته أكثر .. مما جعل المقابلة له تزداد غيظا .. هاتفه به غاضبة ..
" انت يا هذا .. لا تسخر من ( فلة ).. وثم ما بها "
عندما نطقت ما نطقت نظر لها متسع العينين .. وما لبث أن عاد للضحك مرة أخرى ..
تحرك يركب سيارته ليغادر هذه المصيبة .. ركب سيارته .. وتحرك بها .. ولم ينسى أن يترك علامة له قبل مغادرته .. فضغط أكثر على ضاغط الوقود .. مما أدى الي خروج دخان عادم أكثر من مؤخرة السيارة
مما جعل الواقفة تسعل بشدة .. هاتفة من بين سعالها ..
" أحمق "
في نفس اللحظة التي هتف بها حسن بداخل السيارة وهو يضحك
" غبية "
ولكن هذه المرة لم يسمع أحدهما الآخر .. وعندما هدأت ضحكات حسن ..
نظر للمرآة الأمامية .. وهتف بعين لامعة ..
" غبية .. ولكن لذيذة "
*****
في الصباح الباكر .. توجه حسن لمقر الشركة .. وصعد مُحددا لوجهته وهو مكتب عابد.. الذي قال ما ان دلف حسن لمكتبه ..
" تعالى يا حسن .. ليس لدينا وقت .. فهناك الكثير يجب أن أخبرك به قبل مجيء العميل "
توجه حسن الذي لمح الجدية في صديقه .. ولم يخب ظنه حين سمع إسم هذا العميل ..
" صلاح الأنصاري "
من أكبر رجال الأعمال .. ولكن افتح قوسين واكتب .. " يفعل أي شيء وكل شيء في سبيل اسمه وعمله .. "
حينها هتف حسن بشيء من القلق ..
" عابد ..هذا الرجل خطر .. كل شيء لديه مباح .. لماذا هو بالذات "
حينها ابتسم عابد وأراح ظهره لكرسيه .. وهتف بشيء من الغرور يليق به ..
" ألم أخبرك .. الصفقة التي أخذتها مؤخرا .. هي لصلاح الأنصاري"
" ماذاااا ؟! "
هتفها حسن بفزع .. فمعنى هذا الكلام أن عابد دخل عش الدبابير من أوسع أبوابه ..
" اهدأ يا حسن وتعقل .. الرجل له بضاعة مركونة في الجمارك.. ولم يتم تخليصها ..بسبب شدة الحراسة في اليومين الماضيين .. وشركتنا من ستقوم بهذه المهمة .. وليس مطلوب منا أكثر من هذا .. "
" ولكن يا عابد .. "
قاطعه عابد قائلا بصرامة ..
" ليس هناك مجال للكن يا حسن .. الصفقة وأخذناها بالفعل ...لم يبقى سوى التنفيذ "
سكت حسن.. بالفعل ليس هناك مجال للكن ... ولكن بهذه الخطوة وهذا التحالف سيجعل غريمه يجن .. هذه الصفقة واسم هذا العميل كفيلان بجعل غريمه يقلب الطاولة فوق رأس عابد .. ويدرك جيدا أن عابد في هذه الحالة لن يسكت ولن يتوانى في رد الصاع صاعين .. ولذلك هو خائف كثيرا على صديقه ..
بعد مضي ثلاثون دقيقة كان عميلهم المنتظر حضر .. دخل بسطوته المستفزة والتي لم تهز شعرة في عابد .. بل بالعكس ثقته المعهودة بنفسه أثارت اعجاب صلاح الأنصاري .. الذي طلب منه ..
" ما رأيك سيد عابد أن تكون شركتك المسؤولة الرسمية لجميع صفقاتي "
كتم عابد ضحكته عندما لمح اتساع عين صديقه الذي لا يصدق ما يسمع .. ولكن ما لا يعرفه حسن ..أن عابد سعى وراء هذه الصفقة لتأكده من شرعيتها وأن ليس بها أي أمر ليس قانوني.. نطق عابد بشئ من الترفع لم يلاحظه أحد ..
" دعنا ننتهي من هذه قبلا سيد صلاح .. وبعدها نرى "
*******
بعد انتهاء الاجتماع المغلق توجه حسن بوجه قَلِقْ الى مكتبه حين أعلمته السكرتيرة أن هناك متقدمات أخريات أتين من أجل مقابلة العمل من أجل الوظيفة وصل لمكتبه المنفصل عن غرفة انتظار المتقدمات ..
وبعد دقائق من دخول سناء حين أخبرته أنها ستُدخل أول المتقدمات .. كان حسن يجلس ينظر للأوراق بين يديه بعبث وعين لامعة حين سمع طرقات خافتة على باب مكتبه .. أذِن بالدخول ..
دخلت الفتاة ولسان حالها يدعو أن يتم قبولها في هذه الوظيفة لقد تعبت الترجل من وظيفة لأخرى ..
" صباح الـ ... "
لم تكمل كلمتها حين تطلع اليها الجالس أمامها .. نظر .. فابتسم ..فاتسعت الابتسامة ..أراح ظهره لكرسيه .. ينظر باستمتاع متأني لمن تقف ووجهها شحب .. وتفرك يديها من التوتر .. التفتت لتغادر ..لقد علمت نتيجة المقابلة قبل أن تخوضها ..ولكن قبل أن تفتح الباب وصلها صوته آمراً ..
" قفي مكانك "
وقفت و لم تلتفت .. فأكمل بنفس الأمر ..
" استديري .. واقتربي "
نفذت الأمر طواعية .. هي مدركة أنها مرفوضة لا محالة .. اقتربت حتى أصبحت أمام المكتب مباشرة .. فأمرها ..
" اجلسي "
رفعت نظرها اليه نظرة زائغة وكأنها تخبره أنها عرفت نهايتها .. أما فهو فلا يعرف لما كان بهذه السعادة عندما رفع نظره ووجدها هي التي دخلت .. اقترب بجزعه من المكتب واستند بساعديه ناظرا لها .. وهتف بعبث ..
" ماذا هل بلعتي لسانك ؟! "
هنا رفعت له نظراتها بغضب ولكنها تراجعت فالذي أمامها ..ومن الواضح ..أنه من كاد أن يكون مديرها _ لو كانت قُبلت_ ذكرت نفسها بهذا جيدا .. ولكنها مع هذا التذكير جال بخاطرها أمر آخر أنها في كل الأحوال مرفوضة فلما لا ترد عليه .. نظرت له بغضب استحضرته من تأمره عليها.. وهتفت ..
" اسمع يا هذا .. من البداية وُضِعنا في مواقف ليست سعيدة بالمرة .. والآن أنا علمت نتيجة المقابلة ..ولذلك فليس هناك داعي من لهجتك الآمرة تلك .. عن اذنك "
واستقامت لتغادر .. ولكن أوقفها أمر جاء من ورائها .. صوت قريب .. كان هو حين نهض بسرعة من على مكتبه مناديا بإسمها ..
" ياسمين "
لقد عرف اسمها من أوراق تقديمها التي كان ينظر فيها قبل أن تدخل ... وتأكد من صورتها بملفها .. وتأكد أكثر بل فَرِح للغاية عندما دلفت وتأكد أنها هي وللغرابة لم يعلم سبب لبهجته هذه ..
كان يقف وراءها .. وحين استدارت بعد نطقه لإسمها بهذه الطريقة الجميلة المستفزة والتي تخافها .. وجدته مشرف عليها بطوله هذا .. و عينيه العسلية وشعره البني ووسامته ( الغير ) جميلة أكيد .. وجدته يقترب أكثر وأكثر ..وكانت هي تتراجع أكثر وأكثر حتى أصبحت ملتصقة بالجدار وراءها .. بلعت ريقها بتوتر وهي تنظر اليه ..بالتأكيد سيوبخها ويطردها .. لابد له أن يفعل حتى تتخلص من هذا الموقف برمته .. نظر لوجهها بدقة .. وعينيه مليئة بالمشاغبة .. وهتف ..
" لم أقل أن المقابلة انتهت حتى تغادري .. ومن الأفضل لكِ أن لا تتحدثي بهذه الطريقة مع مديرك الجديد .. "
ابتعد عنها خطوة يراقب اتساع عينيها.. وفمها المفتوح من أثر الصدمة..
في حين أكمل هو بعبث مغيظ ..
" والآن .. المقابلة انتهت "
ظلت لحظة لا تعي ماذا قال .. وحين فهمت ورأت ابتسامته القبيحة
_ الجميلة بالتأكيد_ تحركت مغادرة للمكتب قبل أن تنهار .. أو تتواقح وتسبه مثلا .. أما هو فاختار سكرتيرته من أول لقاء ولا داعي لباقي المقابلات .. وقف ينظر في أثرها .. هاتفا بغموض وابتسامة استمتاع تعلو ثغره ..
" أهلا بكِ في جحيمي يا غبية "

*****

بعد مرور أسبوع .. يدخل عابد المتأفف من هذا المكان بصحبة حسن الذي قرر استغلال هذه العزيمة .. " ملهى ليلي " .. نظر عابد الي صديقه الذي يبدو عليه السعادة .. وهتف بغيظ ..
" يا الهي .. كيف أطعتك ووافقت على هذه العزيمة "
" ألم تُشِد أنت بأهمية الرجل .. لا تتحدث معي إذن .. هو من أصرّ على هذه العزيمة بعد انتهائنا من صفقته وتمت بنجاح .. "
تأفف عابد للمرة التي لا يعلم عددها .. هو لا يحب هذه الأماكن .. ولا يطيق روادها .. توجه الجميع لطاولة مخصوصة بعد ما استقبلهم مُضيفهم .. " صلاح الأنصاري "
جلس الجميع .. وبدأوا في الاستمتاع بالموسيقى والغناء .. ورفض عابد رفضا قاطع مصاحبتهم لأي فتاة تجالسهم كعادة هذه الأماكن .. مر ساعة من الوقت وهو يحاول بشتى الطرق حتى لا يغادر المكان برمته .. دار بعينيه في المكان يحاول أن يبحث عن سبب ما يجذب الناس لهذه الأماكن
ولكن لم يجد .. أثناء التفاتته ليثبت نظره على الجالسين معه .. لفت انتباهه
" شعر أحمر "
شبيه بآخر مع الأخذ بفارق الطول .. والسن وقتها ... وخزة صاعقة أصابت قلبه .. تذكره بما مضى .. همّ أن يدير عينيه عنها ..
ولكنه وقف مصعوقا .. مفتوح الفاه حين وقعت عيناه على أعلى ذراع الواقفة على بعد مسافة منه ..تمتلك شعر أحمر .. وشامة أعلى ذراعها .. وفجأة اجتاحته ذكرى
" يا أهل البلد .. هناك فتاة ضائعة .. بشعر أحمر ..وعيون بلون الفيروز .. وهناك شامة أعلى ذراعها "
وكأن المشهد تجسد أمامه .. همس مأخوذا من ذكراه .. وقلبه يردد قبل لسانه .
" لُـــــــــــقى "
*******









_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الأحد ديسمبر 30, 2018 2:30 pm



الفصل السادس



" لُـــــــقى "

لم يسمعه أحد مما حوله بسبب الموسيقى العالية .. ولكن إلتفت له حسن الممسك بكأس عصير بيده .. فأمسكه من ذراعه .. وهتف ليطمئن عليه ..
" عابد لما وقفت .. أكل شيء بخير ؟! "
نظر له عابد لا يسمعه ولا يراه من الأساس .. إلتفت لينظر إلى من حضرت من ماضيه .. ولكنه لم يراها .. تُري أكانت هي فعلا أم مجرد وهم نسجه خياله .. سحب ذراعه من يد حسن وهم ليتحرك ولكن حسن وقف ليعيد إمساكه .. نظر له عابد بعيون زائغة وعقل مشتت ..
" انتظرني انت هنا .. سأذهب للحمام .. وآتي "
جلس حسن بعيون تتابع صديقه.. بالتأكيد حدث شيء أو رأى شيء .. سينتظر ويعرف ما حدث معه ..
أما عابد فظل يجوب بالمكان يبحث عن ظلها هنا أو هنا .. ولكن ليس هناك أي دليل ليتأكد منه أنها كانت هنا ..
أثناء دورانه وبحثه بالمكان .. اصطدم برجل ضخم .. كان يظهر من هيأته
أنه من رجال أمن المكان .. الذي نظر لعابد بشك .. وهتف بتساؤل ..
" أتريد شيء ؟! "
نظر له عابد بعدم تركيز سرعان ما استعاده .. وعلم أن الرجل يشك به .. ولكنه يريد أن يتأكد .. أجاب الرجل بشيء من الاتزان حاول صبغه بقليل من الصرامة " الخليط الناتج للثقة بالنفس " ..
" كنت أريد مقابلة مدير المكان "
نظر له رجل الأمن يحاول سبر أغوار الذي أمامه .. ولكنه فشل .. فرغم بنية الرجل الضخمة الا أن عابد يتمتع بهيئة مهيمنة ..
أجاب الرجل ..
" تفضل من هنا .. "
استجاب عابد لإتجاه يده .. ومشى وراء الرجل الذي كان يسبقه بخطوه .. عدة طرقات بداخل المكان حتي كان أمام سلم .. صعد وراء الضخم
حتى وصل لطابق شبه منعزل عن الطابق الصارخ بالأسفل .. وعدة خطوات وأصبح أمام مكتب المدير.. جال بعينه في الطرقة .. عدة غرف مغلقة .. وآخرها غرفة المدير كما هو واضح .. طلب منه الضخم أن ينتظر هنا .. ودخل الآخر يطلب الإذن .. دقيقتين وكان عابد يجلس أمام المدير الذي ينظر له بفضول يريد أن يعرف سبب طلب رؤيته وخاصة أن اسمه واسم شركاته وأعماله الآن لها وضعها .. بدأ حديثه ..
" خيرا سيد عابد .. بما أخدمك ؟! "
عابد للحقيقة لا يعرف لماذا هو هنا .. وماذا يسأل .. وأي خدمة يستطيع أن يقدمها له مدير مكان بهذا الشكل .. أسئلة تدور بعقله ولا تتركه لهدوئه .. ولكن لابد وأن يستغل الوضع أي كان علّه يحظى بأي إجابة تريح قلبه .. تحدث عابد بنبرة هادئة عكس ما يعتمل بصدره ..
" هناك خدمة بالفعل .. اسمعني جيدا .. "
كان يحاول تجميع كلماته .. فأكمل ..
" رأيت فتاة بالأسفل أريد سؤالك عنها .. "
أومأ الرجل ليتابع عابد ..
" لا أعرف أسمها .. لقد لمحتها فقط وبعدها لم أراها .. بـ .. "
سكت والغصة تستحكم حلقه .. وأكمل بهدوء مزيف ..
" بشعر أحمر .. ولديها شامة أعلى ذراعها "
أراح الرجل ظهره للوراء متصنعا التفكير .. وقال بعد لحظات ..
" نعم .. تقصد لولا بالتأكيد "
هنا وكأن قلبه في ماراثون للعدّو .. اسمها مشتق من " لُقى " .. هل هي صدفة أم تمني ؟! .. هتف عابد يحاول كسب معلومات أكثر ..
" أخبرتك لا أعلم ما أسمها .. ولكني أريد رؤيتها .. أريدها في شيء خاص "
وكأن كلام عابد يحمل معنى واحد بالنسبة للرجل الجالس أمامه ..فهتف بعد أن تأتأ يدير رأسه بعدم رضا ..
" تؤ تؤ يا سيد .. كلامك هذا يقال في مكان آخر.. هنا ليس محل لشيء خاص .. ليس هناك خاص بعيد عني .. تسطيع أن تطلبها بكل وضوح "
لم يفهم عابد كلام الرجل .. فهتف بتساؤل ..
" ماذا تقصد بهذا الكلام ؟! "
استقام الرجل من مكان ليلتف حول المكتب ليقف مائلا للأمام .. مستندا بساعديه على أعلى الكرسي الآخر أمام المكتب ..ينظر لعابد وتحدث ليفهمه وكأن ما يحدث عادي ..
" أقصد أنه عندما تريد فتاة لشيء خاص نعلم ماهيته جيدا أنا وأنت .. فالفتاة تخرج من هنا بعلمنا .. بل وتدفع مقابل لها أيضاً "
أدرك عابد المعنى القذر للكلام وغلى دمه وعقله يصور له أبشع الصور بخصوص فتاة تركها ورائه وتقاذفتها الأيام .. مسح على وجه يحاول صرف خيالاته .. وهمّ أن يتحدث فقاطعه حديث الرجل ..
" ولكن " لولا " لن تذهب معك .. فهي لا تذهب لأي عمل خاص خارج حدود هذا المكان "
تنفس الصعداء .. وكأن كلام الرجل جاء ليطفأ ناره .. أما المدير فعندما رأى لهفة عابد للفتاة ..ظنه يريد فتاة أيا كانت فهتف وكأنه يدلل على بضاعته ..
" لا تقلق سيد عابد .. أستطيع تدبر أخرى لك .. فقد أطلب "
شعر عابد بالاشمئزاز من كلام الرجل ..وكم كان يتمنى أن يعبث بملامحه بعدة ضربات ليعيد تنسيق ملامحه المستفزة .. بكلمات مقتضبة غادر عابد المكتب وهبط للطابق الأول ليرى صديقه ويخبره أنه سيغادر .. وصل للطاولة ..حييّ مضيفهم واعتذر وأخبرهم أن هناك عمل مهم ولا بد أن يغادر .. أثناء خروجه من المكان سأله حسن بتوجس ..
" عابد ..ملامحك لا تطمئن .. أخبرني يا رجل ما بك .. شكلك يوحي وكأن أحد أشباحك تطاردك "
لم يتلقى حسن أي تعليق سوى نظرة صاعقة تكاد تحرق حسن مكانه .. لم يدرك حسن أن ما تفوه به صحيح ...
..لقد رأى عابد أحد بل أكبر أشباح ذنوبه ..
وغادر الأثنان غافلان عن عيون تابعت خروجهم ..
*******
بعد يومين في الشركة .. بمكتب حسن تحديدا .. يجلس بعنجهية مغيظة .. مقيتة لها .. تمسك بين يديها مفكرة ورقية وقلم تحاول تدوين ما يقوله مديرها .. عفوا .. تحاول تدوين ما سيقوله .. هذا إن تحدث وتوقف عن النظر إليها بهذه الطريقة .. تأففت منه ومن وقفتها هكذا .. فهتفت بضيق ملحوظ ..
" سيد حسن .. مادام ليس هناك ما أفعله .. اسمح لي بالمغادرة "
نظر لها بإبتسامة جميلة مستفزة ..
" من قال أن ليس هناك عمل .. اقتربي من المكتب وأعطيني القلم الفضي من حامل الأقلام هذا "
نظرت له ياسمين متسعة العينين .. هل يتحدث بجدية هذا الأحمق ... اقتربت خطوة واحدة كانت كفيلة برؤيته للهيب عينيها من وراء عدساتها الطبية الخاصة بالقراءة .. وهتفت من مكانها .. .
" هل أنت جاد ؟! "
" تهذبي ياسمين .. هذا عيب والله .. اسمها حضرتك جاد "
رفعت إحدى حاجبيها ناظرة له .. أغمضت عينيها تدعو بسرها أن يلهمها الصبر .. أما فهو فكان في أكثر لحظاته استمتاعاً .. لا يعلم ما بها يجعله بهذه البهجة .. مجرد رؤيتها تجعله في حالة من المتعة .. قصيره بشعر اسود ناعم قصير او بالتحديد لكتفها أو أطول بقليل .. وعيون صغيرة بلون شعرها .. كان ينظر لها مأخوذا بها .. بكل سكناتها وحركاتها .. مأخوذا بغضبها وانفعالها وسيطرتها .. ويعلم أن ما يشعره هذا خطأ .. ولابد أن يفق لحاله.. ولكن ماذا بيده أمام هذه الساحرة القزمة .. من وقت أن بدأ عملها كسكرتيرة له وهو على غير العادة يأتي للشركة كل يوم .. بل وعشق العمل المكتبي .. وجدها تقترب من حافة المكتب ..مدت يدها وأمسكت حامل الأقلام _من أمامه_ ووضعته أمامه !! .. هذه هي حقيقة طلب السيد حسن .. الحامل أمامه ويريدها أن تناوله قلم منه .. ولذلك إن قتلته في أي وقت لا يلومها أحد .. نظر للحامل وأعاد نظره لها مرة أخري وقال متصنعا الحنق ..
" أخبرتك أني أريد القلم وليس الحامل بأكمله "
نظرت له مضيقة عينيها .. وهمت لتعطيه القلم .. فقاطع حركتها .. قائلا ببرود مستفز ..
" اعيدي الحامل لمكانه قبلا .. وبعدها اعطيني القلم "
حينها جزت على أسنانها بغضب .. وفعلت ما أمر به بحركات عنيفة .. وقالت وهي تضرب الأرض بقدمها ..
" سيد حسن .. أظن أني هنا من أجل عمل حقيقي ..وليس هذه الأوامر التافهة .. ولذلك فأنا بمكتبي حتي تحتاجني في عمل جاد "
استدارت لتغادر ولكن أوقفتها صيحته ..
" انتظررري "
هي لم تنتظر .. هي تجمدت بمكانها لم تتحرك .. ولم تستدير .. ولكنها شعرت بحركته من خلفها وماهي سوى لحظتين وأصبح مقابلا لها ..
مال برأسه للأمام ليصبح وجهه قريبا من وجهها .. وهتف بخفوت ...
" لم أحدد انتهاء عملك هنا حتى تغادري "
سكت يبعد وجهه .. ويعتدل في وقفته واقترب خطوة حتى يكون أقرب لها .. وكانت بالمقابل تخطو هذه الخطوة للوراء .. وخطوة فخطوة حتى أصبحت ساقيها من الخلف ملاصقة لحافة المكتب ... حينها كان حسن يبتسم بعبث ..
رفع أصابع يده وأمسك إطار عدساتها .. وجذبها من على عينيها .. ونظر لها يلوى شفتيه للأسفل في حركة تقييمية منه .. وقال ..
" بدونها أفضل .. وأحلى "
قال كلمته الأخيرة بتأني مصاحباً لها بغمزة من عينيه .. ووضع عدساتها على عينيه ... أما هي فكانت ترتجف بقربه هذا .. ولكنها تتبع معه المظهر اللامبالي .. حتي تحمي نفسها .. وقلبها .. قلبها الذي ينتفض الآن صارخا بالذي يتسلى على حسابها أن يبتعد ويتركه.. فمن مثلها ليس لهم حب ... حاولت أن تتحدث .. تخرج كلماتها .. ولكن هيهات .. وجدت أصابع يده تمتد وكأنها تعلم وجهتها .. كان هناك خصلة هاربة من شعرها .. فأمسكتها أصابعه .. تحدثت بتلعثم ..
" سـ .. سيد حسن .. رجاءا ابتعد "
ولكنه لم يستمع لما قالت .. فأراح خصلتها التي كانت تهتف به نفسه أن يميل ويتشممها .. ثم يقبلها .. استند بكلتا كفيه على حافة المكتب من ورائها ... فأصبحت بين ذراعيه حرفيا .. وقال بصوت أجش تأثراً من قربها هذا ..
" هل أنتِ بهذا الهلاك دوما ؟! "
" هاه "
قالتها فاغرة فمها .. فأغمض حسن عينيه تأثرا بأنفاسها التي أسكرته .. وتابع مغمض العينين ..
" قربك كالجحيم في ثورته .. وبعدك كالجحيم في احتياجها
وطلبها للمزيد "
ظل الأثنان يحدقان ببعضهما للحظات وكأنهما منفصلان عن العالم .. إلى هنا وكفى .. وكأن الاثنان أفاقا في نفس اللحظة .. ابتعد حسن يمسح على وجهه بيد .. ويمرر يده الأخرى بشعره .. أعطاها ظهره.. وهتف آمرا بخشونة ..
" غادري "
وكأنها كانت تنتظر أمره.. فتحركت مسرعة للخارج تحاول عبثا السيطرة على قلبها .. الذي سقط في دوامة الحب وانتهى ..
******
أما عند عابد فكان الحال مختلف تماما . كان كالليث المجروح .. ولا يعلم أين مكان جرحه .. يتحرك بغرفة مكتبه ذهابا وايابا .. يريد أن يرتاح ..
" هي أم لا ؟!! "
ولكن كيف يرتاح .. وكيف السبيل الى راحته .. لقد جعل من يمشي ورائها .. ولكنه لم يحصل على أي شيء بخصوصها .. فقط " لولا "
وتقيم بشقة بها بعض فتيات وكل واحدة منهن تعمل في عمل مختلف .. يومين مرا وكان يود أن يقلب الأرض أعلاها لأسفلها فقط ليرتاح ويتأكد هل هي " لُقى " أم لا ..
وفجأة خطر ببالة فكرة ..وسينفذها مهما كانت الثمن .. اتجه لمكتبه وأخذ هاتفه ..ومفاتيح سيارته .. ونزل مغادرا لوجهته ..
بعد قيادة حوالي نصف ساعة كانت يحلس أمام مدير الملهى الذي يأتي في هذا التوقيت لينظم العمل قبل حلول الليل ..
" ماذا تريد بالضبط سيد عابد .. ؟! "
" أريدها وبأي ثمن تطلبه .. وأكثر ما ستطلب أيضا "
قالها عابد بإصرار في صوته .. وعندما لمح اللمعة بعين الرجل عندما أشار للمال شعر بالانتصار في الجولة الأولى ..
" لماذا هي بالذات سيد عابد ..؟! "
حينها قرر عابد أن يكشف عن بعض من أوراقه .. اعتدل في كرسيه براحة أكثر .. ووضع ساقاً فوق أخرى .. ومد يده بداخل جيب سترته الداخلي وأخرج دفتر الشيكات .. فتحه .. وأخرج قلمه أيضا ..
وقام بتذيل احدى الورقات البنكية بإمضائه .. وبعدها أعطاه للمدير الذي مسكه بلهفة أسعدت عابد وأدرك أنه على الطريق السليم ..
" ضع الرقم الذي تحب .. "
نظر له الرجل بصدمة وقال ..
" فقط أخبرني ما تريد "
سكت عابد لوهلة مقصودة ..ليثير أعصاب الرجل أمامه .. هتف بتأني ..
" أريد ..معرفة .. من هي "
لمعت عين الرجل أكثر وأكثر لبساطة ما يطلبه عابد .. فهتف بلهفة ..
" فتاة وجدتها بالشارع منذ عدة سنوات .. كانت نائمة بجوار الباب الخارجي للملهي .. وهمّ رجالي أن يطردوها لبشاعة منظرها وقتها ..
فكان وجهها ملطخ بالطين ولا تستطيع تبين ملامحها .. أوقفتهم عندما نظرت لها ورأيت لون عينيها .. ودققت أكثر في ملامحها عرفت أي فتاة ستكون عليها بعد إزالة هذا الطين عنها وتغير ملابسها "
بعض اللمحات فقط جعلت دمه يغلي .. لقد كانت تنام بالشارع .. في حين كان هو في بلد آخر .. حاول تهدئة نفسه .. وهتف بتساؤل ..
" منذ متى تقريبا هذا الحدث . ألم تخبرك شيء عن نفسها ..؟! "
" منذ حوالي خمسة سنوات .. أو ستة تقريبا .. وحين سألتها عن اسمها .. لم ترد .. ظننتها تائهة مثلا.. أو من أطفال الشوارع .. ولكن بعد مدة عندما أخذتها لتعمل خادمة لدي زوجتي ... عرفت أنها كانت بملجأ أيتام وتركته من سنوات وليس لديها أي أوراق تثبت شخصيتها .. وقتها كان تزيف أوراق شخصية ليس صعبا .. قمت بالتصرف في حكاية الورق هذه .. وبعد عدة اتصالات ببعض المعارف قمت باستخراج بطاقة شخصية لها بإسم ..
" ليلى محمود السيد "
" ولكن هذا ليس اسمها الحقيقي "
كان هذا إستفسار من عابد الذي يجلس على صفيح ساخن يحاول السيطرة على نفسه وخاصة بعد سماعه لهذه الحقائق .. أجاب الرجل ..
" نعم هذا ليس اسمها .. اسمها الحقيقي هو .. "
سكت الرحل لحظة قاتلة لعابد المترقب .. وأكمل ..
" لُقى "
هل جرّب أحدكم سقوط دلو من الثلج فوق رأسه .. ليس هكذا ..فهذا هيّن .. هل جرّب أحدكم اختراق خنجر لقلبه والشعور بهذا الخنجر بين حنايا القلب .. طعنة تعذب صاحبها ولكنها لا تميته ليرتاح.. فيعيش بعذاب وجع الطعنة ..ووجع الألم ..
سكت عابد للحظات يعيد ترتيب أفكاره التي سيطرحها على الرجل أمامه ... فعليه أن يكسبه لصالحه مهما كان الثمن ..
" لو أخبرتك أني أريدها بأي ثمن ماذا تقول ؟! "
" ولكن سيد عابد .. أخبرتك أنها لا تحضر ليالي خاصة .. أو تقوم بما تريده منها .. " لولا " عملها هنا فقط .. ولكن "
سكت الرجل يحاول كسب مالاً أكثر .. سيفعل المستحيل ليجعلها توافق .. فإسم الرجل الذي أمامه لا يُستهان به .. أما عابد فلمح إشارة الرجل .. فأمسك دفتر شيكاته مرة أخرى وخطّ بعض الكلمات والأرقام .. وأعطاه للرجل أمامه الذي أمسكة بلهفة .. وقال عابد بتنبيه ..
" تاريخ صرفه غدا.. الليلة الفتاة تكون عندي في هذا العنوان "
أمسك ورقة من فوق المكتب وخطّ فوقها العنوان .. وأكمل ..
" وان لم يحدث هذا ..اعتبر أن الشيك هذا والذي قبله تم ايقافهما "
سكت عابد ينظر للرجل الذي اتسعت عيناه تأثرا بحجم ما سيخسره .. في حين أكمل عابد ...
" وأهم شرط لي لتنال ما تريد ..أريدها أن لا تعلم إسمي "
وغادر عابد المكان يعلم .. بل هو متأكد أن هذا الرجل سيفعل المستحيل ليجلبها له .. لمعت عيناه بشوق مصحوب بالحزن عليها .. وعلى ما لاقته في غيابه .. لن يسامح نفسه ما حيى ..
*******
في غرفة مدير الملهى .. يجلس هو على كرسي مكتبه .. وأمامه فتاة بشعر أحمر تجلس بعنجهية لا نعلم مصدرها .. وما هي سوى لحظات واستقامت من مكانها ..ودارت حول المكتب حتى وصلت لمكان جلوس مديرها .. رفعت نفسها بخفة وجلست أمامه واضعة ساق فوق أخرى .. غير عابئة بالتأكيد لساقيها اللذان ظهرا بجود .. ومدت يدها أخذت السيجارة المشتعلة من بين أصابع مديرها .. ورفعتها لفمها .. وسحبت نفس منها باستمتاع ..ثم نفخته بوجه الجالس أمامها الذي كتم أنفاسه حتي لا يتنفس الدخان ويظهر عليه الضعف مما قاله .. ويبقى بمظهر القوي ..
قالت الفتاة بنبرة مائعة ..
" أفهم من كلامك أنك تريد بيعي لرجل سيدفع مقابل ليلة ..أو
حفلة خاصة "
" لولا .. افهمي .. هذا الرجل له وضعه .. وكما أخبرتك .. هو لن يجبرك على شيء بالعكس ..لديه علم أنك لا تقومين بمثل هذه الأشياء .. ولا يتم طلبك في أي شيء خاص "
" وما الذي تغير الآن ؟! "
هتفتها بعنف .. فأجاب الرجل يهدئها ..
" هو فقط يريد الجلوس معك والاستمتاع بصحبتك ..ولكن بمفردكما .. "
أخذت نفس طويل من سيجارتها علّها تهدأ .. ورفعت رأسها ونفخته عاليا .. ثم مالت بجسدها باتجاه الرجل .. وبأطراف أصابعها كانت تملس على جانب وجهه بإغواء ..
" ماذا كان اتفاقنا بهذا الخصوص . ألم نتفق على أن أحافظ على سرك .. في مقابل أن لا أحضر مثل هذه الجلسات .. وأن عملي يقتصر على الصالة فقط "
أغمض الرجل عينه ..هو بالفعل اتفق على هذا معها .. وخاصة بعد أن أمسكت عليه فضيحته .. ولكن هو المدير هنا وعليه أن يظهر قوته حتي لا تستضعفه بهذا الشكل . نفض يدها التي على جانب وجهه .. وهتف بصرامة ناظرا اليها بقوة ..
" لولا .. اذا كنتِ تظنين أنك تلوين ذراعي فأنتِ مخطئة .. ولا تنسي الشيكات التي باسمك .. ولا تنسي أني أستطيع محوك من على وجه الأرض اذا تعارضتِ مع مصالحي ... فإحسبِ خطواتك جيدا قبل أن تجابهيني .. فخسارتي لن تكون بحجم خسارتك "
هو محق للأسف ..فصبره عليها طوال هذه الفترة كانت نتيجة رغبة متبادلة في الحفاظ على النفس ..ولكن اذا قرر احدهم معارضة الآخر ..فهي من ستكون الخاسرة الأكبر لا محالة ..
استقامت مكانها .. .. قبل أن تبتعد عن المكتب .. مالت بجسدها للأمام .. وأطفأت السيجارة التي بين أصابعها بداخل مطفأة السجائر على المكتب أمامه .... ثم تحركت حوله وجلست على الكرسي كما كانت منذ دقائق ..
وهتفت بعبوس مصطنع علها تؤثر على الرجل أمامها ..
" متي هذا الموعد ..؟! "
نظر لها الرجل بابتسامة وقال ..
" الليلة "
فهتفت برجاء ..
" انت أخبرتني انها مجرد جلسة للكلام وليس شيء آخر "
" لكِ وعدي .. الرجل لن يلمسك "
سكت لحظة وأكمل بغمزة ..
" الا اذا طلبتِ .. وهو يستحق في الحقيقة "
أكمل ضاحكا ..
" إسأليني أنا "
نظرت له باشمئزاز .. وهتفت في سرها ...
" قذر "
وقامت لتغادر .. وصلت لباب الغرفة ولكنها التفتت تنظر له عندما نادى عليها..
" أمامك ساعتين تتجهزي فيهما ... وارتدي شيئا صارخاً يا فتاة .. فمن ستقابلينه رجل أعمال ليس بالقليل .. "
*******








_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الإثنين يناير 14, 2019 8:35 pm





الفصل السابع

في إحدى الأحياء الراقية .. وتحت إحدى العمائر التي تتسم بالجمال الراقي وإتقان التخطيط .. كانت تقف سيارة فاخرة سوداء اللون ...وتترجل منها فتاة في هيئة امرأة .. ترتدي فستان أحمر لامع يلتف حول جسدها بإغواء وفتنة ..ويعلو كتفيها فراء أسود .. فاتنة .. آسرة .. وكأنها خُلقت لهذه الفتنة .. فستانها ينافس شعرها الطويل في لونه .. كان يصاحبها أحد رجال أمن الملهى .. .. دخلا من البوابة الخارجية للمبنى .. مرورا بالحراسة الأمنية والذين كان لديهم تنبيه من قبل أن يدعهم يصعدان ..
بعد دقيقتين بداخل المصعد .. كانا أمام باب لإحدى الشقق يظهر عليه الفخامة ..
كان عابد يذهب ويجيء بداخل الشقة ..وكأنه على صفيح ساخن .. لا يصدق أن ثواني ..دقائق بالأكثر ويراها .. ترى هل ستتعرف إليه ..
كيف سيتحدث معها .. كيف سينظر إليها من الأساس ..قلبه يكاد يخرج من مكانه من شدة توتره وترقبه .. انتفض على صوت يدوي لجرس الباب .. تحرك مسرعا وقبل أن يفتح .. مسد صدره .. ومكان قلبه .. يحاول تهدئة نفسه .. فتح الباب ..وكانت لا تعطيه وجهها .. لا تنظر تجاهه ...كانت تنظر للحارس بجانبها.. وعندنا فتح الباب .. إلتفتت برأسها إليه .. وشعرها إلتفت معها بثورة نارية تشبه ثورة قلبه .. لحظة من الزمن .. توقف فيها عندما إلتقت العيون .. عندما تحدثت بما تخفيه من لهفة .. ظن بتحديقها فيه أنها تعرفت اليه ... ولكن نظراتها التائهة ..والزائغة ..أثبتت له عكس هذا .. وكأنها عادت فتاة الملجأ الخائفة .. الجائعة .. المنتظرة لطعامه ..
انتفضت على هزة من يد الحارس الذي كان يمسك بمرفقها .. قائلا ..
" لولا .. سأنتظرك بالأسفل .. لأوصلك عندما تنتهي "
نظرت للحارس وكأنها لا تعرف عن ماذا يتحدث .. لم تسمع ما قال من الأساس ..وهمت لتسأله ..ولكنها إلتفتت للذي تحدث بالنيابة عنها ..
تحدث عابد بنبرة صارمة خشنة نتيجة غضبه الذي تصاعد بداخلة نتيجة
رؤيته ليد الحارس الملتفة حول ساعدها براحة ..وكأنها معتادة على هذا ..
" غادر أنت .. وعندما ننتهي سأوصلها بنفسي .. لا داعي لانتظارك .. "
نظرة واحدة من عابد للحارس ..كانت كفيلة بأن تجعل الأخير ينفذ الكلام بكل تفاصيله ..
لحظات .. وكان عابد يفسح لها المجال لتمر من أمامه .. دقات قلبه تعلو وتعلو .. أما هي فكانت خائفة .. لأول مرة تكون خائفة منذ سنوات .. تشعر بالرهبة .. ولا تدرك ماذا حث لها عندما إلتفتت ونظرت في عينيه .. هناك شيء غريب به .. لا تعلم لما لا تشعر بقدميها .. وسيم هو لا تنكر .. وسامته برية .. خشنة .. يرتدي حلة رسمية وكأن استقبالها حدث بحد ذاته .. ليست المرة الأولى التي تقابل فيها رجال وسيمين .. ولكن هو .. هو ليس كأحد .. تشع منه الهيبة وفرض الشخصية وكأن لا أحد يضاهيه .. بلعت ريقها بتوتر .. ولا تعلم كيف ستسير الليلة وهي هنا ببيته .. أحكمت الفراء حول كتفيها ..علّها تزيح شعورها هذا .. ولكن مخططها تم هدمه ..وأصبح مجرد أمنية .. عندما شعرت به يقف وراءها ..وبأطراف أصابعه تمسك حافتي الفراء من أعلى كتفيها ..في إشارة منه لجعلها تتركه ليأخذه ويعلقه ...
" اسمحي لي .. "
بلعت ريقها بصعوبة ..إذا كان النظر لعينيه صدمة .. فذبذبات صوته القريب الصدمة الأكبر .. زفرت أنفاسها بصعوبة .. وفكت أصابعها المتشبثة بالفراء .. فتسمح له بسحبه عن كتفيها اللذان ظهرا بسخاء أضناه ألماً .. قبضة من الوجع تلكمه في معدته .. فغيره بالتأكيد رآها هكذا .. أخذ الفراء ووضعه بمكانه المخصص .. تحرك ليقف مقابلا لها ..يريد أن يراها عن قرب .. أن يحفر ملامحها بين جفون عينيه .. أن يقارنها مع صورتها القديمة .. يكاد يخطفها ويذرعها بين ذراعيه علّ شوقه وذنبه تجاهها ينمحي .. أما هي فكانت تحت تأثير نظراته التي تشعرها وكأنها عارية .. ليس عري جسد فقط .. وانما عُري للروح أيضا .. لا تعلم ما سر هذا الشخص .. وما به يجعلها لا تقوى عن إبعاد عينيها من أسر عينيه .. هتف ليتخلص من هذا التحجر في قدميه .. ويُلهي قلبه عن مطالبه العجيبة .. والتي بدأت تؤرقه ..
" ما رأيك بتناول العشاء قبلا ..؟! "
تحركت معه مجاراةً لحركاته .. وهتفت أثناء تحركها ..
" وهل هناك ما سنفعله غير العشاء ؟! "
أدرك عابد ما تقصده .. فلم يملك إلا أن يبتسم برزانة .. وقال ..
" على الأقل نتحدث "
فابتسمت بارتعاش لا تعلم سببه ..
*******
أما عند حسن فغادر مقر الشركة .. لا يعلم ما به عابد .. منذ يومين وهو غير طبيعي .. طوال الوقت مشتت .. وكأن هناك ما يشغله .. هذا غير ما يحدث معه .. ومع قلبه .. قلبه الذي وقع أسيرا لساحرة ..غبية وقزمة جميلة .. نعم غبية ... غبية لأنها وقعت في طريقه .. والمشكلة الأكبر أنه ممتن لوقوعها بطريقه .. وصل للبيت الذي كره كل تفصيلة به .. كان عبارة عن فيلا ضخمة .. مكونة من ثلاث طوابق .. التكلف في الفخامة يظهر جليّ بكل شيء بها .. يحفظ بها كل شبر .. وكم أخذت منه مجهوداً لتنظيفها وكأنه الخادم الوحيد هنا .. وإن تذمّر .. يلاقي العقاب بلسعة حزام على ظهره .. نفض رأسه من ذكرياته البائسة هذه .. ووقف بسيارته أمام الباب الداخلي للفيلا .. نزل .. وأخرج مفتاحه ..ودخل باحثا عن شخص بعينه .. ولكن أوقفه صوت لا يحب سماعه أبدا ..
" ما الذي أتى بك لهنا ؟! "
إلتفت لينظر بغضب للذي تحدث وقال ببرود ظاهري ..
" أين أمي ؟! "
ضحك الرجل مقهقها .. ممسكاً بإحدى يديه سيجار فاخر .. وباليد الأخرى كأس من الخمر .. وهتف ببشاعة ..
" لقد كذبنا الكذبة وصدقتها يا حقير .. أمك .. أمك من أين وهي لا تلد .. كيف أمك وأنت ابن شوارع .. "
اقترب منه حسن بخطورة.. لو عليه لخنقه بيده .. ألم يكفيه ما لقياه هو وأمه على يد هذا الرجل ..
وقف ينظر للرجل بقوة غاضبة تكاد تسحقه وهتف من بين أسنانه مشددا على حروفه ..
" أين .. أمممي ؟!!! "
ابتسم الرجل بشر .. وأجاب بسواد يشبه سواد قلبه ..
" تقصد العمياء .. بغرفتها بالأعلى "
اقترب منه حسن أكثر بفراغ صبر وأمسكه من تلابيب قميصه .. وهتف مقربا وجهه من وجه الآخر أمامه .. وهتف بشر ..
" لولا التي بالأعلى .. والتي أنت السبب في عماها بالمناسبة .. هي من تمنعني عنك للعلم .. فإحذر الاساءة لها بأي شكل .. حتى لا تكون نهايتك على يدي "
ونفض حسن يده عن الذي تسمّر مكانه مصدوماً من هذا الهجوم ..
*********
بالأعلى كان حسن يقف أمام غرفتها يحاول كتم غضبه حتى لا تشعر به .. طرق على باب غرفتها بأصابعه بوقع موسيقي حتي تعرفه التي بالداخل .. لا يعلم أنها تعلم بقدومه قبل أن يدخل من باب البيت ..
فتح الباب ودخل بابتسامته .. ومرحه المعتاد ..
" كيف هي عروستي الجميلة ؟! "
ابتسمت الجالسة بجوار النافذة .. ومدت يدها له .. هاتفة بسعادة ..
" حسن .. تعالى حبيبي "
دخل حسن ..ووصل إليها .. مال لرأسها يقبلها بمحبة.. وأمسك يدها التي كانت ممدودة له .. وقبلها .. وجلس راكعا أمامها .. أما هي فبيدها الحرة كانت تمسد جانب وجهه بتودد وتحبب نابع من أمومتها تجاهه ..
" كيف حالك بني ؟! "
رفع حسن يده وأمسك كفها الذي على وجهه وقبّل باطنه .. وهتف ..
" بخير يا جميلتي .. ما دُمتِ بخير فأنا بخير "
" تأخرت عني يا حسن هذه المرة "
قالتها بشجن مما جعله يقترب منها أكثر دافنا رأسه بحجرها ..وبذراعيه أحاط خصرها ..في جلوسها .. هنا ينتمي .. رغم أنه لا ينتمي إليها ..
هنا يجد نفسه .. رغم ضياعه .. هنا يشعر بأنه مازال طفلا لم يكبر . هنا يجد نفسه مازال إنسان ..
بكلتا يديها أحاطت رأسه .. وبدأت تمسد شعره .. وتقرأ عليه القرءان .. تعيذه من الشيطان .. وتتضرع لله أن يحفظه لها .. همست ببحة مشتاقة ..
" اشتقت لك يا حسن "
رفع رأسه ينظر لها .. هو ايضا اشتاق .. وكثيرا .. كانت تبتسم له وكأنها تراه .. شرد بذاكرته لليوم الذي رأته به .. في الملجأ .. كان يجلس حزين .. في ركن بعيد .. وكان يشعر بالفقد .. غادر عابد منذ سنتين .. وتكفل بحماية لُقى .. التي كانت تزداد انطوائية أكثر وأكثر .. ولا يعلم ما بها .. حتى جاء هذا اليوم الذي قصم ظهره في ريعانه .. كان تقريبا بعد خروج عابد بسنة و شهور قليلة ... استيقظ على الهرج والمرج بداخل العنابر .. وعندما سأل .. أجابوه
" لقد هربت لُقى "
كان يدور في طرقات العنابر بجنون .. وكأنه سيجدها إن بحث بنفسه ..ولكن سرعان ما وصل لنقطة بداية بحثه .. أدرك أنه لن يجدها .. وأنها بالفعل .. هربت .. كيف ومتى قصّر معها حتى لا يدرك رغبتها في الهروب .. ولماذا هربت لا يعلم .. ولكن ضميره وإحساسه بالذنب تجاهها وتجاه عابد صديقه الذي ائتمنه عليها لم يرحماه .. وكأنه السبب الذي جعلها تهرب وتبتعد عن ناظره .. وقتها كان وحيدا .. لم يكن يتكلم .. ولا يتفاعل مع أحد .. حتى طعامه زهده . لم يكن يريد شيئا .. حتى رأته هذه السيدة .. كانت في عامها الخامس والثلاثين تقريبا .. بشعر أشقر وعينين عسليتين .. وهاتان الصفتين ما جعله يصدق في لحظاته الأولى بإحساس محروم أنه قد يكون ابنها لأنه يمتلك نفس لون العينين .. وشعره بني .. تفكير طفولي منه وقتها ..ولكنه سرعان ما صدمته الحقيقة المرة ..أنه ابن ملاجئ وليس له أحد .. أو ابن شوارع كما يلقبه البائس الذي بالأسفل .. البائس زوج هذه السيدة .. الذي لم يتوانى عن تذكيره طوال الوقت بأنه ابن ملاجئ .. هو لا ينسى هذه الحقيقة .. ومن ينسي أنه بدون أهل .. كان هذا الرجل يجعله يقوم بالأعمال المنزلية .. لحظة .. ليست أي أعمال .. فكان اختصاصه تنظيف الحمامات الخاصة بالفيلا .. وتنظيف أحذية الرجل وتلميعها .. حتى سياراته كان يأمره أن ينظفها .. لم يكن يشتكي وكان يتحمل فقط لأنه في النهاية يحصل على حنان هذه السيدة ...حتى وإن كان ينام في الليل في حجرة صغيرة تابعة للحديقة .. ظنها في الأول أنها تخص العامل المسؤول عن تنظيف الحديقة .. ولكنه اكتشف بعد ذلك في إحدي شجارات الرجل معه ..حين قال ..
" أنت لن ترتقي لتكون ابني ..حتى وان أخذت إسمي .. أنت مقامك لن ليرتقي سوى لكلب أربيه .. كلب انت تنام في غرفته بالحديقة .. كلب ضربته أنا بالنار حين تضايقت من صوت نباحه .. ولن أتوانى في فعل المثل معك .. فلا تغتر بنفسك "
استفاق من شروده على صوت أمه ..
" لماذا صمتّ حبيبي ؟! "
" كنت أفكر أمي .. لماذا لا تأتي وتعيشين معي .. لا أحب وجودك هنا مع هذا الرجل ؟! "
قالها حسن برجاء انتهى بغضب .. لا يعلم لماذا لا تتركه .. فبعد ما فعله وهو لا يأمن وجودها هنا .. وكيف يأتمن عليها هنا بعد أن كان هذا الرجل السبب في فقدها لبصرها .. عندما كانت تدافع عنه في إحدي نوبات غضب هذا البائس عليه .. كان يضربه أعلي السلم .. وحين كانت أمه تقف لتتلقى الضرب عنه ..دفعها الحقير لتقع من أعلى السلم .. حتى استقرت بالأسفل .. والدماء تتدفق من رأسها تغطي وجهها .. كان هذا هو اليوم الفاصل في حياته هنا .. عندما اطمأن عليها وأفاقت ووجد حالتها هكذا .. كان قد قرر تركهما.. وابتعاده لأي مكان ..أو عودته لأصله .. الشارع .. ولكنها انتحبت ببكائها عندما تمسكت به بين أحضانها وتهتف بلوعة ..
" هل تريد تركي بعد أن فقدت بصري .. لا تتركني ..فانت النور الذي سيجعلني أعيش .. "
لم تكن تدرك أنها هي السبب في جعله يعيش .. وخاصة بعد أن بذلت مجهود خرافي في جعله يكمل تعليمه ..
أفاق مرة أخرى على حديثها ..
" لا يمكنني ترك الجمل بما حمل له يا حسن .. ما دمت هنا سيعرف اني مازالت كالشوكة في خاصرته .. إعطني بعض الوقت فقط أتدبر بعض الأمور .. وبعدها سآتي للعيش معك حتى تمل مني "
شد من احتضانه لها.. كيف يمل منها وهي كانت العوض له عما عاشه في سنين عمره الماضية ..فقالت حتي تهون عليه ..فهي مدركة جيدا لما يكبته داخله ..
" وثم أخبرني ..ألن تفرح قلبي .. أريدك أن تتزوج بني "
جال بخاطره خيال قصير ..ساحرة .. غبية تسربت لعقله وقلبه .. وكان له النصيب الأكبر من الغباء حين سمح لنفسه بأن يتعلق بها .. كيف ومتى حدث هذا .. لا يعلم .. ولكن .. هو لا يصلح لا لحب ولا لزواج .. كيف وهو .. " ابن شوارع " .. أو .. " ملاجئ " لن يهم فالنهاية واحدة ..
هتف بمرح مزيف هاربا من مجري الحوار ..
" لا تشغلي بالك أمي ..ان وجدت من تشبهك .. فوقتها سأتزوج .. وبما أن ليس هناك من تشبهك ..فأنا سأمكث هكذا بدون زواج كالعانس وتظلين حاملة لهمي حتى تُزوجيني وترتاحي "

********

في مكتب غير مرتب .. وشركة لا تتكون سوى من غرفتين .. وكأنها شقة للإقامة وليس شركة للتعاملات المالية والتجارية ... يجلس شاب يصل للثلاثين من عمره .. وأمامه يجلس رجل في الرابعة والخمسون ..
" لقد سمحت له أن ينال صفقتك .. وكنت أنا أولى بها "
قالها زين بإنفعال صارخا بالذي أمامه .. الذي تحدث ببرود ..
" اسمع زين .. لقد سمحت لك بالتقديم في المناقصة الخاصة بالصفقة .. ولكنه نالها ببساطة .. ليس لعدم وقوفي بجانبك ولكنه قلة تركيز منك وسوء تخطيط .. وذكاءً منه لن ننكر هذا "
استشاط زين بغضب يتصاعد داخلة ..ونفسه تسول له أن القتل هنا أفضل الحلول ... فهتف بغضب ضاربا على المكتب أمامه ..
" كانت من نصيبي وهو أخذها بالنصب .. وانت هنا تشيد بذكائه "
نظر له صلاح الأنصاري بغضب متبادل ..هاتفا من بين أسنانه ..
" اعرف مع من تتحدث زين ..للآن لم أتهاون معك اكراما لذكرى والدك .. ولكن إن انتشلت يدي من أعمالك فأنت تدرك النتيجة .. ولذلك أعد التفكير في مجابهتي واحسبها جيدا "
" والدي !!! .. واين هو احترامك لذكرى والدي حين تعطي قاتله صفقة مهمة بهذا الشكل ؟!
استقام الرجل من مكانه .. تحرك مغادرا للمكتب ..وقبل أن يخطو خارج الغرفة ..نظر لزين ببرود صاعق وهتف بابتسامة عارفة..
" كلانا نعلم من هو قاتل والدك يا زين .. فلا تتجني على عابد .. وأيضا نعلم أنا وأنت من قتل عمك .. فلا تتصنع دور المظلوم هنا "
وغادر تاركاً اياه لشياطينه التي تعبث بعقله وتفكيره وتخترع له الكذبة تلو الأخرى ..والمغفل يصدقهم ..
من وقت أن رآهم في الملهى بصحبة الأنصاري .. أقسم أن يثأر لنفسه ولوالده .. ويسترجع مال عمه من هذا السارق .. فعابد في نظره سارق لأموال عمه التي هي من حقه ...

*********

" ألم يعجبك الطعام ؟! "
قالها عابد الذي نظر للجالسة أمامه يكاد التوتر يقتلها .. لم يأكل ..فقط ينظر اليها باستمتاع و شوق .. وجميع ذكرياته معها تمر بخلده تجلده .. فكم كانت تحتاجه .. وكم كانت تخبره أنها ليس لها أحد سواه ..
بخفوت .. ورهبة لا تعرف سببها .. هي ليست بهذا الضعف .. تصنعت القوة وردت ..
" ابدا بالعكس .. الطعام جيد "
ساد صمت بينهما للحظات .. قاطعه عابد حين هتف بلامبالاة دون أن ينظر اليها ..
" ما هو اسمك الحقيقي لولا ؟! "
اهتزت الملعقة في يدها .. نظرت اليه وكأنها تشكك فيما قال ولكنه بدا وكأن ما قاله صحيح .. نظر اليها .. و ضعت الملعقة من يدها وتهربت من نظراته .. وقالت بتوتر تحاول تداريه ..
" لـ .. ليلى .. اسمي ليلى "
كتم عابد انفعاله .. هي ليست ليلى .. هو يريدها " لُقى "
اعاد نظره للطبق أمامه .. وقال بتساؤل ..
" هل هذا لو شعرك ؟! "
حينها نظرت له لا تعلم لماذا كل هذه الأسئلة .. شعر واسم ؟!! ..
هتفت بحدة ..
" شيء لا يخصك .. أعتقد هذا "
تصنعت بتناول الطعام .. في حين نظر هو لها .. وأكمل ..
" تحبين عملك هذا ؟! "
هنا انتفضت واقفة .. تنظر له باشتعال .. وهتفت بغضب ..
" اسمع يا هذا .. أنا حتى لا أعلم اسمك .. حين سألت مديري عنه لم يجيبني .. وانت هنا تسأل وكأنك تحقق معي .. ولا أعلم المغزى من أسئلتك .. ولا من وجودي هنا من الأساس "
حينها نظر لها وعينيه تغيم بذكرياته .. وهتف آمرا بهدوء ..
" إجلسي لولا .. فهناك حديث طويل بيننا "
لم تجلس .. بل التفتت لتغادر غرفة الطعام .. متجهة للصالة الخارجية.. مدت يدها أمسكت الفراء الخاص بفستانها .. وقبل أن تسحبه كانت أصابع رجولية تمسك بيدها الممسكة بالفراء .. يقف وراءها .. يهيمن عليها بطوله.. أنفاسه قريبة من جانب أذنها .. بلعت ريقها بتوتر .. لا تعلم ماذا يفعل ..ولماذا .. وهي أيضا لا تعلم ماذا يحدث لها بوجوده .. سمعته يهمس بجانب أذنها ..
" لم أكن أظن أنكِ ستكونين بهذا الجمال حين تكبرين "
إلتفتت بروية ..تحاول عبثاً السيطرة على دقات قلبها .. ولكن هيهات ..
نظرت لعينه .. تبحر بين سواد عينيه علها تجد إجابه لما يحدث معها .. هتفت بتلعثم ..
" مـ .. من أنت ؟! "
اقترب منها أكثر حتي أصبح لا يفصل بينهما شيء .. ورفع إحدى يديه ... وملس على أعلى شعرها بطوله ... نزولا لأطرافه .. وهمس بصوت مهتز نتيجة قربه منها ..
" مازال شعرك متوهج .. بنيرانه التي كانت تحرك نيراني من قبل .. "
أعاد رفع يده لأعلى ذراعها .. يمررها على شامتها .. وهتف بصوت مبحوح ..
" حتى شامتك مازالت تليق بكِ وتُميزك "
سكت ينظر لعينيها المتسعة بترقب ... رفع أصابعه ..أمسك ذقنها .. يثبت وجهها ليستطيع النظر لعينيها ..
" حتى لون الفيروز في عينيك مازال آسراً "
للحظات تنظر لعينيه .. هي تعرفه .. تقسم أنها تعرفه .. ولكن أين .. ومن هو .. وقربه هذا .. وشعورها تجاهه ..وقلبها الذي تزداد دقاته .. كل هذا كل هذا .. لا تحبذه أبداا .. نفضت يده بغضب موجه لنفسها قبل أن يكون له .. وأمسكت الفراء .. وأبعدته عنها .. تحركت متجهة لباب الشقة .. ولكنها وقفت مثبتة قدميها بالأرض .. مصدومة .. متسعة العينين .. حين أتتها همسته بلوعة ..
" لُـــــقى "
*********





_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية ( تراتيل الماضي ) بقلمي راندا عادل .. مكتملة

مُساهمة  Randa Adel في الإثنين يناير 14, 2019 8:39 pm



الفصل الثامن




" لُـــــقى "

ببطيء كانت تستدير لتنظر له .. وجدته مستند بجبينه على الحائط مكان وقفتها منذ لحظات .. وجهها شاحب حاكى شحوب الموتى .. أطرافها بردت .. قدميها لا تقوى على تحريكهما .. ازدردت ريقها بصعوبة .. وهتفت بتلعثم ..
" كـ .. كيف .. عرفت هذا الاسم؟! "
كان هذا دوره في الالتفات لها بكل جسده .. تحرك باتجاهها حتى وصل اليها .. راقب الفراء يقع من يدها .. أمسك إحدى يديها .. ورفعها .. فردها على موضع قلبه .. وبيده الأخرى أحاط جانب وجهها .. وكانت تنظر له .. عينيها تترجاه ألا ينطق .. وقلبها يصرخ بها معنفا أنها تريد هذا.. تريد أن يصدق إحساسها عندما نطق اسمها بهذا الشكل .. قرب وجهه من وجهها .. وهتف كالمُغيب .. كالمسجون بين ذكرياته ..
" إنه أنا صغيرتي .. أنا .. "
قبل أن ينطق كانت تهتف بخفوت مصاحب لكلمته
" عابد !!! .. "
هزّ رأسه بنعم .. وابتسامة واسعة تلوح على شفتيه .. أغمض عينيه يريد أن يبقى هكذا باقي عمره .. يقضي ما بقى من حياته بين همساتها .. كانت ومازالت ترتيلة لقلبة تجعله يشدو فوق السحاب.. ذكرياته معها كانت كتعاويذ سحرية تدفعه دفعاً لأن يكون ..
للحظة لم تكن تدرك أن هذه هي الحقيقة ... أمانها عاد .. سندها وقوتها .. لم تكن تدري ماذا تفعل ..وبخطوة غير محسوبة المقاييس رفعت ذراعيها وأحاطت عنقه .. ضمت نفسها لأحضانه .. وكان بدوره يحيط جسدها بكلتا ذراعيه .. يلتف بها من حوله .. يدور ويدور .. هاتفا من بين شفتيه ..
" اااه يا وجعي علي فراقك .. اشتقت لكِ كثرا .. كثيرا جداا "
وهي كانت تبكي على كتفه .. تبكي عُمر مضى .. تبكي فراقه .. فراق صديق وأخ .. تبكي أمان فقدته بغيابه .. تبكي خوف وحرمان عاشتهما من بعده لأيام .. تبكي إنتهاك براءتها .. عند هذه النقطة .. وكأنها كانت الصحوة .. تململت بين ذراعيه .. فتركها تنزل ببطء .. التفتت عنه تمسح عينيها .. أحست به يقترب منها ..وكلتا يديه حطت على كتفيها .. حينها انتفضت من تحت يده كالملسوعة مبتعدة عنه .. همس من بين شفتيه ..
" صغيرتي "
هتفت ومازالت على وضعها ..منكسة لرأسها .. وشعرها يحيط بوجهها كستار عازل لها ..
" متى عدت ؟! "
أخذ نفس مطول وزفره بعنف .. رفع يده ومرر أصابع يده بشعره .. وأجاب ..
" منذ ثلاث سنوات "
التفتت له بحدة .. وعينيها تظهر إمارات الغضب .. وهتفت بحدة ...
" وأين كنت طوال الثلاث سنوات "
مد يده باتجاهها فأبعدتها بعنف.. فهتف يهدئها ..
" صغيرتي .. طوال هذه السنين وأنا أبحث عنك .. "
" تبحث عني !!! "
قالتها بسخرية ... وأكملت بتنبيه غاضب ..
" ولا تناديني صغيرتي مرة أخرى .. فلم أعد صغيرة كما ترى "
قالت آخر كلماتها مشيرة بيدها لجسدها الفاتن وما ظهر منه .. رأت تغضن ملامحه فقررت أن تزيد لتوجعه كما أوجعها .. فأكملت بنبرة مائعة ... تقترب منه بخطورة مغوية .. تجازف بخطواتها ..
" أو نسيت لماذا أنا هنا !! "
ضيق عينيه عندما عرف تلميحها ... وأمسكها من مرفقها يهزها بعنف .. هاتفا من بين أسنانه ..
" لم آتي بكِ لشيء سوى للحديث وفقط "
اقتربت أكثر حتى أصبحت ملتصقة به .. ورفعت أصابع يدها تعبث بأزرار قميصه .. وهتفت بإغواء ..
" اوووه .. حديث !! .. هذا عيب بحقك وحقي .. "
سكتت ترفع نفسها قليلا وتهمس أمام شفتيه ..
" ما رأيك أن نجرب شيئا غير الحديث .. فأنا يعز على قلبي أموالك التي دفعتها مقابل هذه الليلة "
كان يقف كالمخمور مما تفعل .. مسحور بها .. ولكن سرعان ما أفاق .. فابتعد بوجهه ولكن مازال على قربه منها ..
" ليس هناك داعي مما تفعليه .. فأنا على علم أنك لا تذهبي لأي حفلات أو ليالي خاصة "
ضحكت بمرارة .. وهتفت توجعه أكثر ..
" وما أدراك .. فمن الممكن أن قوانيني هذه ما هي إلا ستار لشيء أكبر "
التفت تبتعد عنه .. انحنت تأخذ الفراء المرمي على الأرض .. وهمّت لفتح الباب .. ولكنها وجدت نفسها تُجذب من مرفقها .. لتواجهه .. ويسألها بهسيس خافت ..
" ماذا تقصدين .. أخبريني حالا وإلا جعلتك تخبريني بالقوة "
نفضت ذراعها منه .. واقتربت هي أكثر ... تضربه بكفيها على صدره ..
" لا تأمرني .. أتفهم .. ليس لك أي سلطان عليّ .. ثوب الحامي الذي تتلبسه .. اخلعه .. لم يعد يليق بك .. لم يعد يليق من وقت أن نفضت يدك عني .. من وقت أن تركتني لهم .. فلا تعش دور ليس دورك "
لم تكن تدرك أن دموعها تجري مدرارا على خديها .. فما كان منه الا أن أحاط وجهها بكلتا كفيه .. وهمس بوجع .. وإبهاميه يمسحان دموعها ...
" أنا آسف يا صغيرتي .. آسف جدا .. أخبريني ما حدث معك ليجعلك بهذا الوجع "
نفضت يديه عن وجهها .. وملامحها تشتد شراسه .. وقالت تنتقم منه ..
" تريد أن تعرف ما حدث .. حسنا لك ذلك .. اسمع يا سيد عابد المحترم.. رجل الأعمال المبجل الذي لا يستهان بإسمه "
كانت تتكلم بغيظ .. منه ومن عودته .. وأكملت تزيد انتقامها ..
" لقد انتهكوني عابد .. حتى قبل أن تتركني .. اعتدوا عليّ وعلى براءتي .. براءتي التي لم أكن أعرف ماذا تعني هذه الكلمة .. فكنت أتقلب من حال سيء إلى أسوأ .. حتى فقدت الكلمة بمعانيها "
كانت تراقب بنصر ملامحه الشاحبة .. وأحجية هروبها من الملجأ كما حكى له حسن يتم حلها بكلماتها .. ويا ليتها ما تحدثت " لقد اغتصبوها " هذا ما فهمه .. وعلمت أن هذا المعنى وصله ولم تُكلف نفسها عناء تغير هذا التفسير فهو في نظرها يستحق هذا .. فليتلظى بتأنيب ضميره بسبب تركه لها .. ولكن لحظة استيعاب .. فتتسع عينيه .. يمسكها من مرفقها .. ويتحدث بخطورة ..
" ماذا تقصدين بقبل أن أتركك .. تكلمي "
نفضت ذراعها مرة أخرى .. وهتفت باستمتاع نتيجة ذعره ..
" أخبرتك ألا تأمرني .. ونعم ما فهمته صحيح .. لقد بدأ الموضوع بوجودك ببعض التحرشات .. وكنت أفديك بما يحدث لي .. كنت أسكت خوفا من خسارتك "
سألها بصوت خاوي ..
" ماذا تقصدين ؟! "
اقتربت منه .. أكثر وأكثر .. حتى وضعت جبينها على صدره .. تشعر بضربات قلبه الذي ينتفض تحت جبينها وملمس كفيها اللذان فردتهما على صدره .. وهمست بألم ..
" أخبروني أنهم سيقتلونك إن تحدثت وأخبرتك شيء .. ولم يكن لدي أي استعداد لأخسرك عابد .. ليس وأنت كل ما أملك .. "
كانت تبكي على صدره .. ودموعها بللت قميصه .. همّ ليتحدث .. فسمعها تتحدث ..
" لما عدت عابد .. لماذا .. لماذا بعد أن فقدت كل شيء .. لماذا عدت لتراني بهذا الشكل .. "
سكتت .. تستعيد أنفاسها .. ابتعدت عنه .. والتفتت ستغادر هذه المرة بدون رجعة .. همست بخواء ..
" عد يا عابد .. عد من مكان ما جئت .. عد وامسح الماضي بمن فيه من ذاكرتك .. أما أنا ..فلن أمسحه لأنه سيظل وصمة عار على جبيني .. فالماضي لم تكن فيه .. والقادم لا أريدك فيه أيضا "
وبدون تردد فتحت الباب وغادرت .. تاركة ورائها قلب تمزق ألما من أجل من تعلق بها قلبه منذ صغره .. غادرت تاركة اياه محطم .. ونيران تشتعل بداخله .. وذكرياته تتكالب عليه تنهشه بأنيابها .. كيف كان أعمى ولم يقدر على حمايتها حتى وهي معه .. والأدهى أنها هي من كانت تحميه .. يا لسخرية القدر .. ولكن سرعان أن تحولت ملامحه المتألمة الى أخرى غاضبة .. شرسة .. عازمة على أخذ حقها حتى ولو كان آخر يوم له على وجه الأرض ..
********
كانت تنزل درجات السلم .. لأنها وجدت المصعد مشغول .. فلم تنتظر .. تحركت بآليه الي السلم ونزلت ..
أما هو فسرعان ما أستعاد وعيه الذي شرد في صور من خياله نتيجة كلامها .. وإخبارها اياه بما حدث لها .. تحرك من فوره وغادر شقته استقل المصعد الذي كان فارغا .. وما هي سوى لحظات وكان بالأسفل ..
تحرك مسرعا لخارج المبني ليبحث عنها ... يلتفت يمينا ويسارا .. ولكنه لم يجدها .. عاد أدراجه للداخل ليسأل حارس الأمن عن إذا خرج أحد بمواصفاتها ولكنه وقف مكانه .. لم يتحرك .. عندما وجدها تنزل آخر درجتين سُلم .. وقفت هي الأخرى عندما وقعت نظرها عليه .. ودارت بينهما حرب نظرات .. أحدهما غاضبة .. نارية تشبهها .. و أخرى عطوفه بشكل مغيظ .. متأسفة .. ولكن علام يتأسف .. ولو تأسف .. هل أسفه يمحي ما حدث لها .. عند هذه النقطة تحركت من فورها تزرع كعبيّ حذائها بالأرض .. وصوتهما دليل على غضبها .. تجاوزته ..ولم يمنعها .. تحرك ورائها .. وقفت أمام المبنى تشير لإحدى سيارات الأجرة .. ولكنها وجدت من يجذبها من مرفقها لإتجاه سيارة سوداء فخمة .. كانت تجذب ذراعها من قبضته .. هاتفة به بغضب ..
" ماذا تفعل أيها الأحمق .. اترك يدي قبل أن .. "
قطعت حروفها عندما هبط كف يده على فمها ليسكتها والكف الآخر مفرود على ظهرها ليثبت حركتها الهوجاء .. نظر لعينيها قليلا وبأنفاس لاهثة .. وقلب مشتعل بجميع أنواع الألم .. وأهمها ألم قربها .. وألم بُعدها .. همس مقربا وجهه منها ..
" لا أريد سماع صوتك .. ستركبين معي لأوصلك لمكان ما تحبين .. "
وهم لينزع يده .. ولكن سلط نظره على عينيها أكثر .. وقال بصوت هادئ هذه المرة ..
" لن تكون المرة الأخيرة التي تريني فيها .. ضعي هذا في حساباتك "
نزع يده .. وتحرك بها .. فتح الباب .. وهمت لتعترض .. ولكنه لم يمنحها فرصة .. حين وجدته يُدخلها بالقوة .. فاستجابت لحركته .. أغلق الباب ..وبلحظة كان بجوارها يتحرك بالسيارة .. ساد الصمت بينهما .. قاطعه هو ..
" لن تعودي للعمل بالملهى "
التفتت له .. و شعرها يدور كموجات بركانية ثائرة إثر التفاتها .. وهتفت متصنعة البرود ..
" ليس لك سلطان علىّ أخبرتك من قبل .. "
إلتفت لها بحدة .. هي لا تعلم كم تغير عابد الذي أمامها عن عابد في الماضي .. ولا تعلم مقدار الضرر الذي يمكنه أن يتسبب به إن أصابها مكروه .. وعملها هذا ليس مكروه فقط .. بل هو وصمة عار .. قد يسامح فيما حدث معها بالماضي فلم يكن بإرادتها .. أما ما تفعله الآن .. فلن يسمح لها من الأساس وتريه ماذا ستفعل .. قال من بين أسنانه ... آمراً ..
" تجني غضبي لُقى .. ولا تضعي نفسك في مواجهة أنتِ لستِ أهلا لها .. عملك بالملهى انتهى هنا .. وخلال أيام ستنتقلين لبيت جديد تعشين فيه .. وسيكون هناك من يخدمك .. "
نظرت له بعيون متسعة ..لقد خطط لهذا الكلام ولم يتفوه به عبثاً .. أدارت وجهها للأمام .. وهتفت بلامبالاة مصطنعة .. تقلب كف يدها تنظر لطلاء أظافرها ..
" وما المقابل لكل هذا ؟! "
هم ليتحدث .. ولكنها اقتربت منه .. هاتفة بجوار أذنه بإغواء ..
" هل ستجعلني عشيقتك السرية .. التي ستنتظر لياليها معك في هذا البيت "
نظر لها مجفل من تفكيرها الوقح .. وهم ليتحدث .. ولكنها أوقفته حين وضعت إصبع سبابتها على شفتيه .. وهمست بالقرب منه ..
" لا تقلق فأنا أجيد هذا الدور جيدا .. وأليق به كما ترى "
لمعت عينيه ببريق غاضب .. أمسك يدها المرفوعة أمام وجهه بقوة .. وجذبها أكثر حتى التصقت به ..
وهتفت بصوت كفحيح الأفعى ..
" لُقى .. إن تفوهت ِ بهذا الكلام التانية سأحاسبك عنه "
نزعت يدها منه .. و واجهته صارخة بغضب ..
" لا تناديني بهذا الاسم .. أنا لست لُقى .. أنا لولا .. لولا التي جلبتها لبيتك لتقضي ليلة خاصة معك .. فلا تتفوه أنت بكلمات لم تعد موجودة "
هم ليتحدث ولكن قاطعه رنين هاتفه .. تجاهله .. وعاد ليتكلم .. ولكن عاود الرنين في الصعود .. نظر للهاتف .. وقرأ إسم حسن .. ولكنه قرر تجاهله .. فهو لا يضمن رد فعل التي بجواره .. فهي لم تتقبل عودته .. فكيف ستتقبل عودته هو وحسن في نفس الليلة . قرر تجاهل حسن .. وتجاهل التي بجواره .. وخاصة مع انشغالها في النظر من النافذة بجوارها ..
قبض بيديه على مقود السيارة .. يتمسك به جيدا .. يحافظ على ثباته .. وخاصة بما آل إليه الحوار بينهما .. ولكن قراره بالتجاهل هذا .. كان سُدى .. وخاصة مع رنين هاتفه وكأن هناك مصيبة .. قرر آسفا الرد على حسن .. رفع الهاتف .. هامسا من بين شفتيه بغضب ..
" اللعنة "
فتح الإتصال .. وهتف مهاجماً ..
" ماذا تريد بعد كم الاتصالات هذه ؟! "
جاءه صوت حسن القلق ..
" ما بك يا عابد .. لما هذا الهجوم .. لقد قلقت عليك يا رجل "
" اهتم بشؤونك فقط يا حسن "
هتفها بحدة .. غير واعي للاسم الذي نطقه .. ولا الالتفات المنتفض الذي حدث بجواره .. وكأنه بنطق اسم حسن أشعل نيرانها التي من الأساس مشتعلة .. ومع ادراكها للموقف ..
هتفت متألمة ..
" تباً لك عابد .. تباً لك "

*******

اليوم التالي .. صباحا
يجلس عابد على مكتبه .. ينتظر ضيفه .. الذي لن يغادر اليوم قبل أن ينفس له ما يريد .. شرد فيما حدث بالأمس حين هتف بإسم حسن بدون وعي .. ووقتها وكأن شياطينها حضرت .. ظلت تسبه .. وحينها سمع تساؤل حسن ..
" عابد .. من معك .. وأين أنت ؟! "
لم يمنح حسن الاجابة .. ولكنه أغلق الاتصال ..بل أغلق الهاتف نفسه ..
التفت للتي تغلي بجواره .. كانت تتهمه أنه يعيش حياته .. بل وبحث عن صديقه ولم يتعب نفسه ويبحث عنه .. كانت تهاجمه وكأنه قصّر في بحثه عنه .. حينها ضرب بقبضته بقوة علي المقود ليسكتها .. سكتت فالتفت لها يهاجمها ..
" أخرسي لولو كفى .. إلى هنا وكفى .. لا تعلمين ما عشته أنا حتى تحكمي علىّ من مجرد فرضيات تضعيها أنتِ .. لم أهنأ ولا لدقيقة . لم أذق طعم للراحة في غيابك .. وصورتك الباكية بين أحضاني لا تفارقني .. صورتك الشاحبة على فراشك في الملجأ لا تفارق خيالي .. وطوال هذه السنوات وأنا أتخيلك خائفة .. مُعاقبَة .. جائعة "
قال كلمته الأخيرة صارخاً بها ..مصاحبةً لضربة بقبضته على المقود ..
وصوت الفرامل يدوى على الطريق .. توقف ..والتفت اليها. وأكمل بهمس .. ماداً ليده لتحيط بجانب وجهها .. جاذباً لوجهها ليقربها منه ..
قائلا بشجن .. وصوت متألم ..
" جائعة وليس هناك من يعطيكِ طعامه .. وليس هناك من لا يهنأ له بال حتى يطمئن عليكِ بعد ليلة عقاب .. لم أكن أحس بأي فرحة .. حتى لو تجاوبت مع شيء في غفلة مني .. ضميري يؤنبني أضعاف ما أحسسته من فرحة .. "
قرب وجهها أكثر .. مستندا بجبينه على جبينها .. شعور لذيذ .. ممتع ..قربها منه جعله يدرك أنها لم تكن تعلق طفولي .. لم تكن مجرد أحاسيس مراهقة .. " لُقى قدر " ..
استفاق من شروده على عاصفة دخلت مكتبه مسماه " حسن " .. اقترب حسن من مكان مكتبه وهتف بصياح ممزوج بعتب ..
" هل من الممكن أن تخبرني ما كان بكِ .. وكيف تغلق الاتصال بوجهي ؟! "
نظر له عابد .. هو بالفعل تحامق معه .. واحتد عليه .. هتف يهدئ من ورعه ..
" اسف يا حسن .. لم يكن عليّ فعل ما فعلت .. ولكني كنت غاضب لسبب ما .. أعتذر منك يا صديقي "
قرأ حسن الأسف في ملامح عابد قبل صوته .. فزاد قلقه .. على الكرسي أمام المكتب .. وقال
" عابد .. رجاءً أخبرني ما يحدث معك .. انت بهذا الشكل تزيد خوفي .. وأظل أتساءل متى سأخسرك .. وهذا لن أسمح بحدوثه أبدا يا عابد .. أتفهم "
ابتسم عابد من بين همومه .. وهتف يهدئ صاحبه ..
" لا تقلق يا حسن .. فقط أمر ما .. وحين أنتهي منه سأخبرك بالتأكيد "
هم حسن ليتحدث .. ولكن قاطعه عابد ..
" رجاءً يا حسن .. لا تتحدث في هذا الموضوع الآن .. سأحكي لك كل شيء ولكن ليس الآن .. "
تراجعت ملامح حسن المتحفزة .. ونظر لصديقه بقلة حيلة .. أما عابد فأكمل ..
" والآن أتركني لأن لديّ ضيف مهم "
ضيق حسن ما بين حاجبيه .. وهتف بتساؤل ..
" ومن هذا الضيف المهم ؟! "
ركزّ عابد على الأوراق بين يديه .. وهتف متصنعاً العمل .. حتى ينهي النقاش ..
" ضيف أنت لا تعرفه "
******
خرج حسن من مكتب عابد يتآكله القلق على صديقه .. لم يعد يدري ما به .. وصل لمكتبه .. ودخله .. جلس على كرسي مكتبه بإعياء .. قوته تُستنزف ولا يعلم ماذا يفعل .. من جهة صديقه .. ومن جهة أمه .. ومن جهة الرجل الذي كان سبب في عذابه قديما .. والان سبب في قلقه وعدم راحته.. ومن جهة أخيرة .. قلبه .. قلبه والغبية التي بالخارج .. منذ آخر مره اقترب منها .. وندم بعدها.. ليس عيبا بها .. ولكن عيبا به .. هو لا يستحق الحب .. أو بالمعنى الصحيح .. هو ليس ممن يُرزقون بالحب ..
أما حالها فلم يختلف عن حاله أبدا .. بل حالها أصعب .. لأنها تراه بعين الفارس لا تعلم ما عاشه قديما ..فهو في نظرها شاب وسيم .. و جداً .. طموح .. هذا غير عائلته .. ولذلك هو لن يلتفت لها أبدا .. قبوله بها في هذا العمل كان مجرد حظ سعيد ظنت أن من مثلها لا يمتلكون مثل هذا الحظ .. لقد قبل توظيفها رغم قلة خبرتها .. ولأنها من أسرة متوسطة الحال وهي من تعول اخوتها الصغار وأمها بعد وفاة والدها.. كانت تنتهز جميع الفرص الشريفة بالطبع وعملت بأكثر من وظيفة في اليوم ..فقط من أجل أن تتم تعليمها بعد وفاة والدها وهي بالسنة الأولى بالجامعة .. ومن وقتها نصّبت نفسها مكان والدها .. وولية أمر لصغارها .. طفلين .. احدهما في السابعة .. والثاني في العاشرة .. انتفضت على صوت الهاتف الداخلي لمكتبها ..يسري خلاله صوت سبب أرقها .. ودقات قلبها المنتفضة لمجرد سماع صوته .. ومن الواضح أنه استفاق لحاله ..وعلم الفرق بينهما ..فمن آخر مرة جمعتهما .. وكأنها كانت غلطة ..لحظة ضعف .. خلال الأيام الماضية وهو يتجنبها ..ولا يأتي للمكتب كثيرا ..
ردت بآلية الغرض منها صون كرامتها ..أو ما بقى منها .. عازمة على تنفيذ ما خططت له .. حتى لو كانت هذه الخطة سبب عذابها
" تحت أمرك سيد حسن.. "
حينها جاءها صوته خافت وكأنه يناجيها ..لا يناديها ..
" تعالى ياسمين .. أريدك "

******







_________________




avatar
Randa Adel
مشرفة مميزة
كاتبة رائعة
عضوة في فريق التصميم
مشرفة مميزة  كاتبة رائعة  عضوة في فريق التصميم

المساهمات : 122
نقاط : 140
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 15/09/2018
الموقع : القاهرة .. مدينة نصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى