روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

الفصل السابع

اذهب الى الأسفل

الفصل السابع

مُساهمة  فاتن في الإثنين ديسمبر 03, 2018 6:32 pm

الفصل السابع
وصلت علياء للمشفى صباحاً، فصفت سيارتها، وبحثت عن عم صبحي بشئ من الترقب، لكنها لم تجده، ربما بالحمام، أوذهب لإحضار فطوره..
صعدت لعيادتها، لتجد ذلك الوقور ينتظرها بجوار باب العيادة، مرتدياً قميصه السماوي، مطوي الأكمام، فتظهر ساعة يده السوداء، ذات الماركة الأصلية..
يتراجع شعره قليلاً عن جانبي غرته، لكنه كثيفاً بمنتصف رأسه، مختلط اللونين الأسود والفضي، معلناً عن عمره الذي قارب الخامسة والأربعين، راسماً على شفتيه إبتسامة متزنة، قلما تُرى، يتوجها شارباً صغيراً، شُذب بعناية فائقة ليبدو بهذة الأناقة..!
وصلت إليه علياء، وقد ظهر على ملامحها المرتبكة أثار الحرج منه، بالتأكيد يجدد إنتظارها، ليُعيد الطلب الذي ترفضه، أجلت صوتها ثم قالت:
ـ صباح الخير دكتور سامح..
إبتسم بحُلم وإتزان راقي:
ـ صباح النور، أرجو ألا أكون أزعجتك بوجودي..
أشارت إليه بحرج للدخول، وهي على علم تام بطبيعة الكلام الذي يود الخوض فيه، عقلها يفكر بسرعة وإستغاثة، لنجدتها منه هذة المرة بالرد القاطع، لماذا تخافين من الردود القاطعة ياعلياء..!! تخلصي من سلبيتك تلك..
دخلت الممرضة تسبقهما، ملقيه عليهما الصباح، فطلبت منها علياء تحضير الأدوات اللازمة لبدء العمل، بينما تطلعت سالي لهيئة سامح عز الدين الأخاذة، تمني نفسها أن ينظر لها بإعجاب يرضي أنوثتها، فالطبيب الوقور محط أنظار نصف الممرضات الغير مرتبطات هنا، لكنه لايرى أياً منهن، أنهت رص الأدوات، ثم قالت بنبرة صوت هائمة، حاولت أن تبدو محترمة لتنال إعجابه:
ـ تفضلي يادكتورة، كل شئ جاهز..
إرتدت علياء معطفها الأبيض أمامه بأيدٍ مرتبكة، تشعر بالأسر من نظراته التي تخترقها، ليقول بهدوء:
ـ إجلسي ياعلياء..
تنحنح قليلاً بخشونة، ثم إلتفت لسالي يستأذنها بأدب أن تفتح باب العيادة، وتقف خارجها لدقائق فقط..
تضرجت وجنتيها بحمرة البهجة، لقد ناداها الوقور بإسمها، هل يعرف إسمها..؟؟ أم أنه علمه عندما نادت عليها علياء فقط..؟؟ إنتشائها وتعطشها لأن يوليها أي إهتمام، جعلها تفتح الباب، وتقف متكئه لإطاره بسعادة كمن طلبها للزواج، لقد تحدث إليها الطبيب الوقور، وناداها بإسمها..!
أما علياء فكانت في حالة يرثى لها، لماذا يضعها بهذا المأزق، ويجعل الممرضة تشك بوجود أمر شخصي بينهما، عقد حاجبيه ناظراً لتوترها البرئ، فهي تبحث بأروقة قاموس الكلمات، عما هو مناسباً لقوله، دون إيذاءاً لمشاعره..
محصورة هي بين مطرقة طلبه وسندان الرفض، المشكلة أنه متمسك بها بإقتناع، ويعتقد أنها ستلين وتقبل بمرور الوقت، يقنعها مراراً بأن الأرملة مازال لها الحق في مشاركة حياتها مع شخص يريدها، حتى وإن كان لديها ثلاثة أبناء، فالطبيب متيسرمادياً، ويستطيع الإعالة..
ـ لمَ كل هذا الشرود والإرتباك ياعلياء..؟؟
مرة أخرى يرفع الكلفة بينهما، مزيلاً للحواجز، محرراً إسمها دون ألقاب، كما يتمنى تحرير عقلها من أفكاره البائسة، وضع يده على سطح مكتبها، الذي تجلس خلفه، قائلاً برصانة، ذكّرتها برصانة زوجها الراحل:
ـ أتمنى أن أسمع إجابة مختلفة لطلبي هذة المرة..
نظرت له فطالعت بشرته الفاتحة، بوجهه الممتلئ قليلاً بإشراق يطل من عينين واثقة النظرات، فتخطته بنظرها لترى سالي الواقفة بالقرب على باب العيادة، التي ربما تسمع كلامهما جيداً، لتجيبه بملامح جامدة:
ـ لماذا تتخيل أن أسباب رفضي للإرتباط من جديد ليست مقنعة، فإبني صار رجلاً أطول مني، وبناتي على أعتاب المراهقة، لايمكن أن أخبرهم أنني سأتزوج..
إنتبهت سالي بالفعل لكلمة الزواج التي نطقتها علياء، فتابعت الحديث بتلصص بالغ، في حين أجابها سامح بهدوء:
ـ أولادك يحتاجون أب، وإبنتى سمر تحتاج أم، ماالمشكلة في إتمام نواقصهم، وإتمام زواجنا..؟؟
عكصت علياء أصابعها المتشابكة من فرط توترها، هاهو يضيق عليها بالكلام مرة أخرى، ككل مرة لايترك لها الفرصة للرد، سوى بوعد متجدد بالتفكير بالأمر، هي لاتعلم جدياً لماذا لاتجيبه إجابة قاطعة، هل تفكر بالأمر.. وتعتقد أنها يمكن أن توافق يوماً ما بالفعل..؟؟
أصابتها دهشة مفاجئة، جعلتها تنظر لسامح بإستغراب، فإستقام واقفاً بإتزان رصين، يقطع عليها سيل أفكارها المتأرجحة مابين أنوثتها الضائعة، التي لم تحظ بالتدليل يوماً، حتى في سنوات زواجها بالطبيب الصارم، الجاد المحترم.. ومابين أمومتها التي لن تسمح لنفسها بالتقصير فيها..
نظرت إليه بإستحياء من طول صمتها، فتحدث بعفوية بصوت رخيم، وكأنه يحتوى توترها:
ـ هذة أخر مرة ياعلياء.. أخر مرة أعرض عليكِ الأمر، إذا كانت إجابتك بالرفض، فلن أضايقك مرة أخرى.. أبداً..
ألقى كلماته الواثقة، ثم إنصرف بخطوات ثابتة بوقاره الذي يلفت الأنظار، فتركها ضحية خواء فكرها المشوش، وفريسة لنظرات سالي، المتأججة بالغيرة القاتلة..!
الطبيب الوقور يطلب الهانم، وهي التي تتمنع رافضة..! وأنا التي بنيت قلاعاً من الأمال، على حس مناداته لي بإسمى..!!
يالحظي الأسود يا ناااس..!! لماذا لا أعجبه أنا.. والله لن أرده خائباً..حظ أسود مغطى بقرون الخروب..!!
* * *
في رؤية ضبابية، وعتمة تبدو للناظر زرقاء اللون، كانت ترقد بجسدها على سرير المشفى.. إقترب منها هاني، يتبين ملامحها التي يشعر بأنه يعرفها، جعد جبينه بإندهاش قائلاً بصوت ضائع:
ـ أسماااء.. أنتِ على قيد الحياة حبيبتي..؟؟
إقترب منها أكثر يتفرس ملامحها التي تغيرت، نظر لبطنها المنتفخة، متسائلاً أي مرض أصابها، لتنتفخ بطنها هكذا..؟؟
ظلت في سباتها، وظل في تفرس ملامحها، إلى أن دخلت الممرضة تسأل بأدب:
ـ ألم تفق حبيبة بعد..؟؟ أعلم أنك تحبها، لكن أُدع لها، فهي تحتاج لدعائك، حتى وإن لم تكن من نصيبك..
هتف بمزيج من الحيرة والدهشة، يغلبه شوقه وحنينه، لتلك الراقدة أمامه:
ـ حبيبة من..؟؟ إنها أسماء حبيبتي..!!
أودعتها الممرضة سائلاً بأوردتها الضعيفة، أمام نظرات هاني المشدوهة، فإبتسمت له الممرضة، وهي تُدخل بسبابتها خصلة خرجت من ثنايا حجابها، آمره إياه أن يخرج قائلة بوضوح:
ـ إنتبه لنفسك، فهى لم تعد لك..
رن جرس هاتفه، فأمسكه يحاول إسكات ألحاح رنينه بلاجدوى.. و.. وإستيقظ.. إستيقظ مضيقاً عينيه مبهوتاً ومتسائلاً، كيف كان مارأه حلماً، وليس حقيقة..؟!
إلتفت يساراً، ليجذب هاتفه الذي مازال يرن، إلتقطه مجيباً على جاسر بصوت ناعس أجش، وهو مغمض العينين، يضغطهما بثلاثة أصابع:
ـ إنتقلت لقارة أخرى، ومازلت توقظني من أعز أحلامي بأجراسك المزعجة..
أتاه صوت جاسر ضاحكاً، يشاغبه كعادته:
ـ ما إن تخبرني أنك قد تزوجت، سأحترم مواعيد نومك المقدسة.. لدي أخبار سارّة، لقد بعت السيارة..
تمطى هاني مستقيماً بجزعه العلوي، ثم أسند رأسه على وسائد ظهر فراشه الفندقي، يشكره بإمتنان، ليتبادلا حواراً طويلاً لايخل من جلجلة ضحكهما على مايحدث من قِبل جوليا، ليخبره جاسر بحيرة:
ـ إنها متغيبة منذ عدة أيام، لا أحد يعلم أين ذهبت.. أحمد الله على صلعة رأسي المبكرة، وإلا لما نفدت من شباكها المغوية..
أنهى هانى مكالمته، ثم قام ليتحمم، مستعيداً تفاصيل الحلم الذي تجسد أمامه وكأنه حقيقة، متمتماً بدهشة:
ـ حبيبة من..؟؟
خرج من حمامه، ثم تحدث لوالده، يطمئن على صحته، ثم كالعادة إستمع لثرثرة سميحة الطويلة، ذاكرة له عدد الفتيات التي أعدت له أسمائهن.. ليسألها بعفوية:
ـ وهل لديك عروس، إسمها حبيبة..؟؟
لتجيبه مبتسمة ببساطة:
ـ لا، وإذا كنت معجباً بالإسم يمكنك تسميته لإبنتك إن شاء الله..
لايعلم لماذا إنقبض صدره، لمجرد تخيل إبنته في هذا الوضع الذي كانت عليه زائرة حلمه، كانت مغشياً عليها منتفخة البطن، تحمل طيفاً من ملامح أسماء..! فأنهى مكالمته، واعداً أمه بإخبارها موعد حجز طائرته للعودة غداً..
* * *
جلست أمال على كرسي بغرفة المشفى بجوار سرير عبير، التي تنام عليه منذ الأمس ممددة بفستانها الأبيض الذي يرسمها بتفصيل، ويسقط ذيله الطويل من جانب السرير، يفترش شعرها الفحمي الوسادة تحتها، شاحبة الوجه قليلاً، لاتعلم تماماً إذا كانت نائمة، أم تدّعي النوم..
تطلعت لها بإحساس ذنب عميق، تتذكر كلماتها بشأن فرحتها المسلوبة الناقصة، وهي تستعيد ماحدث بالأمس، في نفس اللحظة التي تذكرت فيها عبير المستيقظة رغم إغماضها عينيها ما أحل بها..
سقطت عبير بتهالك أمام أمجد مغشياً عليها، ليرفع رأسها ويجلسها سانداً إياها بصدره، وهو يتناول إحدى زجاجات عطورها بقلق، يرشه بجوار أنفها، فاركا أذنها بقوة أجبرتها على الإستفاقة، لتجد نفسها بين أحضانه، فنظر إليها رافعاً أحد حاجبيه المقوسين، يسألها بإهتمام بصوت خفيض حنون خفق له قلبها من شدة قربه:
ـ هل أنت بخير أم نذهب للمشفى..؟؟
منحها فرصة على طبق من ذهب، فإدعت فقد الوعي مرة أخرى، فتضاعف إحساس القلق لديه، منادياً لأمال ورشدي، مستفهماً عن حالتها الصحية، آمراً رشدي بإفساح له الطريق ليحملها للمشفى..
لكن رشدي أخبره عن صعوبة خروجه بها هكذا أمام الناس، مؤكداً عليه ضرورة إفاقتها هنا بغرفتها أولاً، فالكل ينتظرخروجها لهم، فأمره أمجد بصرامة صائحاً:
ـ أخرج وأطرد كل هؤلك الناس الذي يهمك أمرهم لهذة الدرجة، لأنني سأخذ زوجتي للمشفى، لأنها هي من يهمني أمرها.. هيااا..
ماذا..؟ سيخرج بها بهذة الهيئة المتبرجة أمام الناس..! هل ستخرج من حفرة غباء والدها، الذي لايهمه سوى مظهره والقيل والقال، إن خرجت إبنته فاقدة الوعي أمام الموجودين، لتسقط في بئر حماقة زوجها، الذي لايخجل أن تنكشف هكذا أمام غيره!.. ياقلب لا تحزن!..
ليحملها ويضعها برفق على سريرها، مأخوذاً بطلتها الفاتنة، محاولاً إفاقتها مرة أخرى، حتى ينصرف بعض المدعويين، الذين إستأذنوا سريعاً ما إن تم إغلاق سماعات الموسيقى، وقفت أمال تسلم على المنصرفين بإرتباك مبتسمة، ليعود رشدي له قائلاً:
ـ والدتك وامرأتين من الجيران فقط هم من بالخارج.. هيا..
وفي لحظة، كانت بين يديه، ينسدل شعرها الفحمي تحت يمينه، وذيل فستانها الطويل تحت يساره، ماإن دار بها، حتى إرتطم رأسها في إطار الباب ففقدت وعيها بالفعل، دون أن يشعر..
إرتفعت صوت زغاريد فريدة، غير منتبهة لفقدان عبير وعيها، وهي تبارك له، وتدعو أن تكون زوجة العمر، وأن يرزقهم الله الذرية الصالحة، نظرت إليها أمال بود، متمنية أن تسمع عبير هذة الكلمات، التي توحي بطيبة قلب فريدة، الخالية تماماً من البُغض والغرور، كما رأتها عبيرمن قبل..
شهقت إحدى الجارات، ناظرة بغبطة وإعجاب شديد للطريقة الرومانسية التي خرجت بها عبير مع زوجها من بيت والدها، داعية الله من كل قلبها، بأن يرزق إبنتها زوج مثله، إنتبه أمجد لنظراتها المتفحصة، فنادى على أمال بقوة، أمراً إياها أن تحضر وشاحاً عريضاً ليغطي عبير، وهو ينظر إلى الجارة بجلافة، ردت نظراتها في جوف عينيها..
ـ السلام عليكم.. صباح الخير..
إلتفتت أمال للممرضة، التي دخلت حالاً مبتسمة، تطمئن على عبير وتقيس ضغطها، ردت السلام والصباح، وسمعت صوت أمجد يتحدث إلى الطبيب أمام باب الغرفة، ليدخل بعد دقائق، بحلته السوداء التي نام بها أمس، جالساً جوار عبير..
ثوان، ودخل مبتسماً رغم إنتفاخ عينيه، ووقف جوارها يتطلع لهيئتها الفاتنة، تشعر بوجوده، وترتعب من فكرة أن يكتشف تسليتها به، وإدعائها النوم..
سألته أمال بلهفة:
ـ ماذا قال الطبيب ياأمجد بيه..؟؟
ظل أسير جمالها الخمري الهادئ يرى الكدمة الطولية الخفيفة بجوار أذنها، نتيجة إرتطامها بالأمس بإطار الباب، تحسس الكدمة بباطن إبهامه، فإرتجفت بشرتها تحت لمسته، ففطن سريعاً لإستيقاظها، فأسرع يجيب أمال بصوته الرجولي العالي:
ـ سنخرج كلنا بعد قليل..
ثم إلتفت إليها رافعاً حاجبيه المقوسين، آمراً بلهجة حازمة:
ـ يمكنك أن تعودي لبيتك، أتعبناك معنا ليلة أمس، وهي ما إن تستيقط سنرحل بدورنا، تفضلي الأن..
إضطربت أمال ذات الشخصية الضعيفة، إزاء أوامره بالإنصراف قبل أن تطمئن على إبنتها، فأومأت له منصاعة، وإقتربت من عبير تقبلها بخدها ورأسها، وخرجت من الغرفة مستشعرة ضؤل حجمها وقدرها معاً..
هل هذة هي فرحتها بإبنتها الكبيرة، التي ظلت تحلم بها طوال عمرها، بدأت وإنتهت دون أن تفرح بحق الله..!!
لكنها بقيت بالخارج، جالسة على أحد مقاعد الإنتظار، بركن بعيد قليلاً عن مدخل الغرفة.. لعلها تراها مرة أخرى، قبل أن تنصرف..
* * *
مرت سيارة سميحة الفضية من أمام عمارتها، التي تمتلكها بـ(مدينة نصر)، فأشارت لهيام التي تجلس بجوارها، تتحدث بثرثرة، يغمرها الحنين:
ـ هنا شقة زواجي بمحمد، تركنا أثاث زواجنا كله كما هو عندما إنتقلنا للفيلا، وهنا تزوجت علياء في الطابق الثالث، كنت معتقدة أننا سنظل هنا طول العمر، وأُزوج محمود، وهاني هنا أيضاً، مثل محسن.. لكن محمد فاجأني من عشر سنوات بشرائه للفيلا، وقتها لم أفكر في غيرك، لتأتي معي بيتي الكبير، تساعدني وتأخذي بحسي، كنتِ أكثر بنات الملجأ هدوءاً وأدباً ياهيام..
وصلت للشارع المؤدي لدار الأيتام التي تمتلكها، فأدارت مقودها يساراً، وعبرت البوابة الرئيسية، ودخلت للحديقة الواسعة ملقية تحية بكفها لحارس الدار، ثم صفت سيارتها بالقرب من المبنى المكون من طابقين، مطلقة بوق سيارتها ثلاث مرات، مما جعل المشرفة، تطل من نافذتها، وتنزل إليها بسرعة..
قابلتها ببشاشة مرحبة بها:
ـ حاجة سميحة، نورتِ مكانكِ، ماهذة الغيبة الطويلة.. لعل المانع خير إن شاء الله..
نزلت سميحة وأغلقت السيارة، ورفعت نظارتها الشمسية فوق حجابها السكرى، قائلة بإبتسامة، مشيرة لها أن تتبعها للداخل:
ـ متى تعلمتِ النفاق ياسوسن..؟ أسبوعين فقط إعتبرتيها غيبة طويلة..؟ أخبريني كيف تجري الأمور هنا، أعلم بقرب موعد زواج الثلاث بنات المخطوبات.. أخبريني، ماالذي مازال ينقصهن من طلبات الزواج..
أخبرتها سوسن مديرة الدار بتفاصيل مجريات الأمور، وهيام تسير خلفهما، تحمل حقيبة هدايا طويلة، عليها شعار متجر بيع شيكولاتة فاخرة..
ما إن رأتها الفتيات بالصالة الداخلية للدار، حتى صحن بها مهللات بفرحة لرؤيتها المبهجة بالنسبة لهن، وتهافتن لإحتضانها وتقبيلها بحفاوة منقطعة النظير، فهي بالنسبة لهن جميعاً نِعم الأم الحنون.. التي تجيد التدليل والعطاء بالمشاعر والمادة، حد البذخ..
طلبت سميحة من هيام بأدب، أن توزع عليهن علب الشيكولاتة الفاخرة، لتزفها دعواتهن لها بالصحة وطول العمر، ثم إستأذنتهن لتدخل مكتبها..
جلست خلف مكتبها، وجلست أمامها هيام وسوسن، فتحدثت سوسن:
ـ محظوظة أنتِ ياهيام، تحسدك كل البنات هنا، لأن الحاجة سميحة، إختارتك أنتِ من بينهن كلهن، لتعيشي معها..
كانت هذة الكلمات قبلاً، تُسعد هيام حد الغرور، لكن الأن.. بعدما علمت أن هناك من هي أكثر حظاً منها، إختارتها سميحة لتكون زوجة إبنها، فلم تعد الكلمات تترك نفس الأثر..
لكنها مضطرة للرد حتى لا تكون جاحدة للنعمة، فأجابت بإبتسامة مهتزة:
ـ نعم بالفعل، الحاجة سميحة تعاملني كإبنتها، أنا لا أشعر أنني أخدمها أبداً، تساعدني في كل شئ.. الحمد لله..
تصفحت سميحة بعض الملفات أمامها، بخصوص متطلبات الزواج، التي ستشتريها للبنات، فأضافت لكل بنت غسالة أطباق، وجهاز التسخين عبر الموجات، وحاسوب محمول، ومدفأة كهربائية، مما جعل سوسن تفغر فاهها بإستنكار رافضة:
ـ لماذا..؟؟ يكفيهن الأساسيات فقط، ياحاجة سميحة أنت تجعليهن يطمعن بكِ..
رمقتها سميحة بنظرات قوية، أبلعتها بقية كلماتها بجوفها، قائلة وكأنها لم تسمعها:
ـ عقبى لكِ ياهيام سأجهزك جهازاً يليق بمساعِدة الحاجة سميحة نفسها، عنداً في أي من يحقد، وأنت أيضاً ياسوسن، وعداً مني إن عشت وكان لي عمراً، سأجهز إبنتك دعاء التي مازالت بالصف الأول الإعدادي، جهازاً يشرح صدرك..
أمرت بعدها هيام بأن تذهب لصديقاتها، التي تأتي معها خصيصاً للقائهن، في حين فتحت حاسوبها، تبحث في ملفات الطلبة الأيتام، التي تراسلها الجامعة بأسمائهم سنوياً، لصرف لهم بعض المساعدات المادية، ثم طلبت من سوسن:
ـ أحتاج دراسة لأكثر ثلاث حالات إحتياجاً للمال من الأولاد، وثلاث حالات من البنات، لدينا زكاة مال لابد من إخراجها هذا الشهر..
ردت سوسن بعتاب، بتقلب ملامح، وهي ترى تبذير سميحة المسرف:
ـ لقد دفعنا التبرعات السنوية في بداية السنة الدراسية، أجّلي نقود الزكاة لبداية السنة الدراسية الجديدة، ووفري نقودك قليلاً..
رمقتها سميحة بنظرات حادة، غير مستوعبة وجه إعتراضها، ثم حدثتها بهدوء، وهي تنقر على أزرار الحاسوب:
ـ أنصحك بحضور دروس الدين التي يلقيها الشيح عبد المنعم أسبوعياً للبنات يوم الجمعة، ستستفيدين جداً، فربما تستوعبي قدسية موعد زكاة المال..
شتمت سوسن نفسها في سرها، وهي تقف بإحراج، معتذرة عن إنفلات لسانها بغباء الكلمات، مستشعرة المأزق التي وُضعت به، فها هي أضاعت فرصة طلب زيادة أجرها العالي بالفعل، لكنها تطمع بالمزيد، فقالت بأسف:
ـ الحالات ستكون جاهزة خلال ثلاثة أيام..
خرجت بعدها سميحة، لتتفقد غرف البنات، تحقق لهن رغباتهن، يعتبرنها طاقة القدر التي تزرهن، تشجعهن على الطمع بكرمها السخي، وهي تلبي إحتياجاتهن بسعة صدر ورضا تام، تعلم أنه مهما تمادت أحلامهن فهي مشروعة، يكفيهن إحساس النقص الإجتماعي الذي يعشنه..
إنفلت لسان سوسن مرة أخرى، وهي تسير خلفها، بعدما خرجت من غرفة إحدى البنات، التي طلبت منها هاتف محمول جديد، قائلة وهي تضم أصابعها، في وضع التريث:
ـ ياحاجة سميحة، هاتف هذة البنت مازال جديداً، لم تستخدمه سوى سنة واحدة، أنتِ تعوديهن على التبذير..
إلتفتت إليها سميحة بإنفعال، تردع جماح تدخلها السافر في تصرفاتها، ثم أكملت طريقها، قائلة بصرامة أجفلتها:
ـ سأعيد النظر بطاقم المشرفات والمديرات، فمكوث إحداهن بوظيفتها عدة سنوات، جعلها تعتقد خطأ بأنها تمتلك زمام الأمور، وتتخلى عن أمومتها، التي عاهدتني أن تمنحها لهن، وتتحول لأمنا الغولة..
قالتها ودقت أحد أبواب الغرف، لتدخل إليها وحدها، موصدة الباب خلفها، حتى لا تدخل معها عقاباً لها..
* * *
فتحت سلمى عينيها، لتقابل عقارب الساعة التي تشير للواحدة ظهراً، تقلبت على فراشها بالغرفة المقابلة لغرفة محمود، حيث تركته بالأمس ينام بمفرده، بعدما ظل على رقدته، حتى التاسعة مساءاً، مما أثار حفيظتها، لتتخلى عن أنانيتها قليلاً، وتستنجد بسميحة لتطمئن عليه..
طلبت له سميحة الطبيب، بعدما أفاقته، فكتب له دواء مهدئ للأعصاب، وعلق له محلولاً لرفع ضغطه المنخفض جداً، ونبهه لأخذ راحة من العمل لعدة أيام إن أمكن، يحذره من زيادة الإنفعال..
قواه الخائرة وجسده الهامد رقق مشاعرها تجاهه قليلاً، قليلاً فقط..
فجلست جواره تعتذر له من نفسها بكلمات متأكل نهايتها من الحرج، لتجده رغم كل الألم الجسدي والنفسي، يرفع لها ذراعه، ويدعوها لأحضانه، نامت على صدره بحذر وتوجس، فاخبرها بصوته المتهالك:
ـ فعلتكِ كانت القشة التي قصمت ظهري أمام والدي ياسلمى..
تحسست موضع لسعة الحزام، على باطن ساعدها، ثم ردت ببعض الندم:
ـ سأضطر للبس كل ماهو بأكمام طويلة، لأخبئ ذراعي الملتهب، ستحبسك أمي، لو رأت مافعلته بي..
إبتسم بوهن، ثم قال ضاحكاً بضعف، وهو يضمها إليه:
ـ أغار عليكي يامجنونة، وإذا كانت البشاعة سبباً قوياً لتغطية الجسم والشعر، فسأحلق لك شعرك لتصبحي صلعاء، فتضطري لتغطية رأسك، تخيلي وقتها عندما تنادى أمي على زوجات أبنائها، ياعليااء، ياصلعااء..
قالها وإنفجر ضاحكاً بوهن، فجاوبته بإبتسامة موؤدة، وهي تلوي شفتيها، تمنعها من الظهور، فأكمل كلامه:
ـ لقد أفسدتِ عليّ رونق هدية عيد ميلادك السادس والعشرين، كنت سأخذك لمصممة الأزياء التي تتابعين أعمالها بشغف، لتفصل لك عدد لابأس به، من أطقم المحجبات..
أشار لها أن تناوله كوب الماء لجفاف حلقه، فشرب وشكرها، ثم أكمل:
ـ لكن والدي سبقني بهديته..
وقفت معتدة، وقد عاد لها سريعاً وهج ناريتها قائلة بتحذير، متجاهلة كل الرسائل المبطنة لكلامه المعسول:
ـ لن يحدث..
دخلت إليهما سميحة في تلك اللحظة بصينية الطعام، حيث كانا قد تضورا جوعاً، وضعت لهما الأكل، وإنصرفت دون تعقيب، تناولا الطعام بنهم في صمت باهت، ثم أغلقت الإضاءة والباب، لينعم بنوم هادئ وحده..!
تقلبت مرة أخرى متأففة، تشعر أنها محاصرة بهذا البيت، لا أحد يعلم عقدتها من الأمر الذي يحصرون قيمتها كإنسانه فيه، الحجاب والإنجاب..لا لا.. لا أحد يستحق أن يعلم الحقيقة، كلهم حمقى، لا يجيدون تقييم الأمور..
سمعت صوت باب الحمام المجاور لغرفتها يُغلق، ثم فتح محمود باب غرفتها، تقدم منها وهو يجفف وجهه البشوش المبلل، بمنشفة طوحها على كتفه، ثم جلس على طرف فراشها مبتسماً بحب، يعلم أن سلوكها يحتاج لإعادة تقويم، وسيكون له الفخر عندما يعيد ترويضها.. حاصرها بساعديه سانداً على كفيه، إقترب من وجهها رافعاً حاجباً بمشاكسة:
ـ صباح الفل يامجنونة..!!
نظرت إليه دون رد ساحبة غطائها، وقابضة عليه بشراسة، كالقطة التي تُجهز مخالبها للإنقضاض على أحدهم، ثم همست بتحذير:
ـ ماذا تريد..؟؟
عقد حاجبيه بلونها البني الفاتح، المطابق للون لحيته النابتة، ليعض على شفته السفلى بإغتياظ متفاقم، قائلاً بصرامة وفظاظة لايجيدها مع من يحب:
ـ أريد فطور محترم، كأي رجل متزوج.. وعقاباً لكِ، ستطهين بنفسك الثلاث وجبات لمدة شهر كامل..
وهل هناك أسوأ من أن يُلزم البرنسيس سلمى ذات الأظافر الطويلة بمهام مطبخية..!!
نهض عنها بعنف، وخرج من الغرفة مكسور الخاطر، آمراً بصوت مدوي، وهو يعبر الرواق لغرفته، قبل أن يصفع الباب بقوة:
ـ حالاً ياسلمى..
دخل غرفته، وأمسك سماعة الهاتف السلكي، كلاسيكي الطراز، وجلس على كرسي مجاور له، والمنسدلة خلفه ستائر الغرفة عنابية اللون، طلب رقم محل الورد، ليجلب لها باقة البنفسج التي تحبها، سيصبر عليها حتى تلين..!!
أما صفقته الضائعة، فلن يمضي فيها قدماً بعد اليوم، وعليه إعادة حساباته كلها من جديد، أمسك هاتفه الخلوي، يطلب المحامي الذي كتب عقد الصفقة، يسأله عن موقفه القانوني والمادي، إذا إنسحب الأن..
لكن ليلى سبقته بالرنين، ففتح الخط مجيباً، ليأتيه صوتها الملتاع، وكأنها تبكِ، تخبره بأن المزرعة الغربية تمت سرقتة ماشيتها!..
مزرعته!..
* * *
أنهت علياء حشو ضرس الرجل الجالس أمامها، فقام يشكرها على عملها المتقن الذي لم يشعر معه بأي ألم، مد يده ليصافحها، لترد عليه بإبتسامة جدية قائلة بتحفظ:
ـ يمكنك أن تتفضل، لاداعي للمبالغة أنا فقط أؤدي عملي..
إعتذر مستشعراً الحرج، موضحاً عدم تعمُد الإساءة من أي نوع، تتابعها سالي بتحفز وإمعان حتى خرج، فتبعته سالي، لتنادى على الحالة الأخيرة..
بينما قفز لذهن علياء صورة عم صبحي الذي جدد محاولة حصوله على مفتاح سيارتها اليوم مرة أخرى، ليثير ذلك إرتباكها من جديد، حسناً، هاهو الدكتور غانم مدير المشفى، عاد بالأمس من قافلة الصعيد الطبية، ويمكنها طلب المساعدة منه إن لزم الأمر..
دخلت الممرضة تخبرها:
ـ الأستاذ مراد بالخارج يستأذن بالدخول..
تطلعت إليها علياء بنظرات دهشة، ممزوجة بإرهاق التفكير، مخلوطة بالإرتباك، مستفهمة:
ـ الإستاذ مراد من..؟؟
ردت سالي بإبتسامة، كشفت عن صفيّ أسنان ناصعة البياض، أجلتهم لها علياء بجهاز التبييض من قبل، جعل أحمر شفاهها ناطق الحمرة:
ـ الأستاذ مراد أبو هيبة، إبن الدكتور غانم، هو أصر أن أخبرك بشخصه، قبل أن يدخل ويكشف..
ساور علياء قلقاً غريباً، فزاد خفقان قلبها المضطرب بلا سبب، لتبتسم بفتور، وهي تخبرها بالسماح له بالدخول مباشرة..
وقبل أن تلتفت سالي، إقتحم مراد الغرفة، فاتحاً الباب ليطل بإبتسامته الصفراء، مائلاً للأمام، فتدلت من رقبته تميمة الجمجمة الفضية، وهو يمسك مقبض الباب، قائلاً بسماجة:
ـ ماكل هذا التأخير، هل تأخذون رأي العروس بالموافقة، مابال أنني في مشفاي وسأتعالج مجاناً..؟؟
كادت علياء أن تنهره على طريقة إقتحامه، لكنها تسمرت مكانها برهبة عندما رأته، إنه هو!.. هو!..
تذكرت بسرعة صوراً متتالية، لموقف حدث بينهما البارحة، حيث توقفت سيارتها بعد لحظات من خروجها من بوابة المشفى، فنزلت لتتفحص الإطار الأيمن، لتجده مثقوب.. لكنها قبل أن تتحرك من إنحنائها، كان قد ظهر لها من العدم، يكاد يلتصق بها من شدة قربه، يعرض عليها المساعدة..
ودون منحها فرصة للرفض، كان قد شرع في فك الإطار، لتركيب الإحتياطي، محاولاً تجاذب طرف الحديث معها، يمطرها بنكات سخيفة لتضحك، لكنها ظلت على ثباتها الجدي حتى إنتهى..
شكرته بكلمات مقتضبة، لتجده يتعمد لمس كفها بطريقة غير عفيفة بالمرة، لكنها صرخت في وجهه بحنق، ثم ..
ـ ضرس العقل يؤلمني.. بشدددة..
نطقها مراد بصياح عال، وهو يصفق الباب خلفه، لينتشلها من تفكيرها الشارد بالموقف الذي دار بينهما بالأمس، شاكراً ذاكرتها على إستدعاء هذا الموقف الأن، ممتناً لحسن ترتيب خط سير الأحداث، كما يريد..
أشارت له سالي بالجلوس على مقعد الكشف، تبتسم له بحفاوة، إبن صاحب المشفى، ماذا لو وقع في شباكي وتزوجني..! سيكون بالتأكيد مكافئة صبري الطويل، لسنوات عمري الثلاثين، المنقضية بلازواج.. إجعله من نصيبي يارب، كانت تهرتل محدثة نفسها متأثرة برهبة حضوره، لتقول:
ـ تفضل هنا لثوان، الدكتورة ستكون جاهزة.
تقدمت منه علياء بتحفظ شديد، وبدأت الكشف عليه، فاتحة ثغره بالأدوات الطبية، تنقر على الضروس الخلفية بأعلى الفك وأسفله، سألته بصوت حمّلته صرامة وقوة مزيفة:
ـ أين مكان الألم بالضبط..؟؟
سحبت يدها بسرعة عندما لامسها بتلذذ، قائلاً بخبث:
ـ الضرس اليميني بالأعلى..
أمعنت النظر بتوجس، وقلبها يقرع بهلع من حركاته ونظراته المحاصرة، قائلة بصوت بدا مضطرباً:
ـ لكن هذا نظيف، ليس به مشكلة..
رفع لها حاجبيه، ثم رفع ركبته يسند عليها مرفقه، وكأنه يجلس على شاطئ البحر، محركاً تميمته الفضية، قائلاً بتحدي:
ـ لكنه يؤلمني..
ردت بحدة، وقد جف حلقها، نتيجة توترها الزائد:
ـ إذن سنخلعه، جهزي ياسالي أدوات خلع الضرس، حالاً..
إستقام واقفاً بسرعة، كمن لدغته أفعى، صارخاً فيها بنبرة أجفلتها، من شدة جلافته:
ـ تخلعين ماذا ياكتكوتة..!!
قالها وإقترب منها، مستمتعاً بمراقبة سالي لما يحدث لأنها بالتأكيد ستنقله لكل زميلاتها بالمشفى، لتصرخ فيه علياء بنفور، وهي مذعورة:
ـ ماذا تريد بالضبط..؟؟
إقترب أكثر، متحدثاً بنبرة حانية، بغيضة، بصوت عال، تسمعه سالي بوضوح:
ـ ما أريده لايمكن الحصول عليه هنا، ما رأيك أين نتقابل، لاتستحي من سالي تحدثي أمامها.. عادي..
ودون منحها فرصة للصراخ، أو التقريع، أو الرد، كان قد قفز لجوار الباب، يرمي لها قبلة هوائية من بين شفتيه، مفتعلاً المواعدة، التي يعتادانها:
ـ لاتشغلي بالك بالمكان، سنتقابل بنفس الشقة التي نلتقي بها، لاتتأخري.. فقلبي مشتاااق..!
خرج بعدها بسرعة كشيطان معربِد، ليختفي بلحظات من الرواق الخارجي كأنه تبخر.. وسط ذهول علياء الذي فاق الحد، ونظرات سالي التي رمقتها بها، وحملت بباطنها الكثير من الإذدراء..
حدقت بها علياء، لتنفك عقدة لسانها المعقود، تقول بثورة غاضبة:
ـ من هذا المختل عقلياً..؟ أي شقة تلك التي أقابله فيها هذا المجنون..؟ لايمكن السكوت على هذة الوقاحة أبداً..! لابد أن أخبر والده.. ليعيد تربيته من جديد.. لايمكن أن يكون هذا الجلف، إبن الدكتور غانم المحترم أبداً.. والله ليدفع ثمن وقاحته غالياً..
وقفت سالي تسند كتفها لإطار الباب، عاقدة ساقيها في وضعية علامة الإستفهام، تتابعها وهي تجري بالرواق كالمصعوقة، هزت رأسها قائلة وهى تُصدر صوت مصمصة القصب، من بين شفتيها الحمراوين:
ـ تهزأ من هيئتي لمجرد وضعي أحمر شفاة وطلاء أظافر، أرضي بهم أنوثتي الضائعة، بينما تفعل هي الـ.. مع.. أستغفر الله العظيم، ألهذا رفضت الدكتور سامح الوقور..! صحيح أن المال يعمي البصر والبصيرة.. ومثلها لابد أن نفضحه..!
عادت علياء بعد ربع الساعة تجر أذيال الخيبة في مشيتها السريعة المنهارة، لم تستطع الثأر لحالها، عندما لم تجد الدكتور غانم، لتخبره بما حدث، وإتصلت على هاتفه المغلق، فإنسدت سبل التظلم لديها..
هوت على مقعدها، كمن أصيبت بطلق ناري بقلبها، داهمتها الهواجس بضمير بعدم إستيعاب تام لما يدور حولها، كانت واجمة غير منتبهة لنظرة سالي التي ترمقها بعلو وترفع، لتسألها والرعب يعتقل أعصابها، بقبضة من وجل:
ـ مانظرات الشك تلك ياسالي..؟ هل تنتظرين منى حُجة تبرأني أمامك..؟؟
شغلت سالي نفسها، بإعادة ترتيب أدوات الكشف، لترد بإستخفاف، دون النظر إليها:
ـ لا أبداً .. لكن من المنطقي أن أسألك، لماذا تصنعتِ الذهاب للدكتور غانم، أقصد يعني، ألم تذهبي خلف مراد هذا لتوبيخه..؟ ألا تعلمين أن الدكتور غانم، سافر لمؤتمر طبي بالولايات المتحدة اليوم ..؟ إذا كنت أنا أعلم ذلك..! بصراحة تعللك بحجة الذهاب للدكتور غانم هذة كانت ضعيفة جداً..
ـ فعلاً..؟؟!!
رددتها علياء، وهي تشعر بدوامة إعصارية حادة، تسحبها لطوفان من نار، ماالذي يحدث لها بالضبط..؟؟
قامت تتماسك بهدوء، خلعت معطفها الأبيض، وعدلت ثيابها ونظارتها حمراء الإطار، وإلتقطت حقيبة يدها، لترحل بعيداً عن أنظار الممرضة الساخرة..
* * *
ما إن إطمأن أمجد لخروج أمال من الغرفة، حتى إلتفت إلى عبير، ممسكاً كفها بقبضته القوية، محركاً أنامله على باطن كفها لتفتح عينيها، لكنها أبهرته بثباتها الإنفعالي، مستمرة في إفتعال النوم..
جاراها في تمثيلها متحمساً للتسلية معها، فإقترب من أذنها مائلاً بجذعه العلوي، هامساً بود حقيقي:
ـ أعلم أنكِ مستيقظة، وتسمعيني جيداً، ولو كنا ببيتنا، لأدركتِ خطورة إدعائك للنوم هكذا، لكنك محظوظة لأننا بمكان عام.. إفتحي عينيكِ قبل أن أفقد تحضري، وأضرب بعمومية المكان عرض الحائط..
سكت لحظات، متطلعاً لملامحها التي تصلبت وحاجباها اللذان إنعقدا، كانت تشعر أنه يرتل تعويذه لسحرها، رائحته القريبة من أنفها تسحبها إليه، لتخبرها أنه هنا يحاصرها، ولم يتركها، ولن يتركها..
لا تعلم لماذا لم تستيقظ لتهرب أثناء تغيبه عن الغرفة، في الساعتين الماضيتين كما خططت..
لحظات قصيرة فاصلة، بين إنتهاء حديثه ورفرفة أهدابها، التي أمرتهم بسحب ستارها الكثيف عن عينيها..
إنتفضت للخلف، مندسة أكثر بوسادتها المفروشة بشعرها الفحمي، من خجلها من شدة إقترابه منها، فإعتدل واقفاً بإبتسامة ظافرة:
ـ حمداً لله على السلامة، ألغيت رحلة الطيران بالأمس، من شدة قلقي عليكِ.. فلن نسافر إلا وأنت بكامل صحتك..
تطلعت إليه وهي ترمش عدة مرات.. وقد تبخرت الكلمات الهجومية، التي أعدتها من أجله، أين ذهبت غطرسته، ولماذا يبتسم لها هكذا بود يذيب جبال بُغضها له بهذة السهولة، ماهذة المؤامرة..؟؟
أمسك كفيها بحركة مفاجئة يشدها للأمام لتعتدل جالسة، شهقت مبتعدة:
ـ لا لا.. ماذا ستفعل لقد قمت.. قمت..
أكمل سحبها، لتقف مرغمة أمامه مباشرة، ليعتدل منتفخ الصدر، يرمقها بمحبة، متفحصاً كدمتها الخفيفة بجانب صدغها، ماسكاً ذقنها بتسلية قائلاً:
ـ أخبرني الطبيب أن سبب الإغماء هو إرتطامك بجانب صدغك، وهذا بالتأكيد حدث بعدما حملتك، لكن قبلاً ماذا كان سببه، هل كنتِ تدعين الإغماء، كإدعائك للنوم منذ قليل..؟؟ هل تزوجت ممثلة، وأنا لا أعلم..؟؟
رجعت خطوتين للخلف، مستندة لحافة الفراش، لتتمالك نفسها من الدوار نتيجة وقوفها فجأة، يعتقلها بنظراته المتفحصة وهو يعض على شفته السفلى، تداركت مدى وقاحة فستانها الأبيض عارى العنق والكتفيين، لتغطي كتفيها بإرتباك بشعرها المسدول الطويل يمين ويسار وجهها، وليتها مافعلت..!!
ـ هكذا أروع بكثير..
الوقح أطلق صفير إعجاب طويل، إعتبرها تعدل خصلاتها لمزيد من لفت إنتباهه وإغوائه، فإستجمعت قواها عاقدة ساعديها، تستمد منهما ثباتاً تحتاجه:
ـ هل أنت شخص تحترم الصراحة..؟؟
ضيق عينيه رافعاً حاجبه الأيسر بتلاعب، ثم أومأ لها بالإيجاب، فأسبلت جفنيها المرتجفان للحظة.. ثم ألقت نظرة جانبية لأعلى، قائلة بعد تنهيدة مهزوزة الأنفاس:
ـ إذن ستحترم رأيي بعدم إتمام هذا الزواج، هذا الزواج غيرمتكافئ.. تسرعت في إتمامه دون منحي لحظة اختيار..
إختفت إبتسامته، وإكتست ملامحه بالقسوة، ليزمجر بصوت خرج من حنجرته وكأنه يقول الأه، دون أن يفتح فمه، فزم شفتيه للأمام، وهو يسمر عينيه بثبات بعينيها المسحوبة بفتنة، وإشتعلت بداخله مواقد ذكريات خمس سنوات مضت، إلتهمت حلمه في تكوين أسرة سعيدة..
مرت دقائق ثقال على كليهما وهما يتراشقان بالنظرات التي تتحدى غريمها بإنهزام غريب، هو يحاول لملمة كرامته المبعثرة، وهندمة دقات قلبه الثائرة، وفي رأسه تقرع أجراس التحذير، من التسرع مرة أخرى..
وهي تحاول تدعيم فؤادها المتعب، ومناصرة تفكيرها في الثبات على موقفها، مهما كانت مبرراته، ومهما تحداها بنظراته التي تلتهمها..
عقد حاجبيه المقوسين، وهي تتابعه بإستفهام بائس، حتى زفر بحرارة، قائلاً بصوت رخيم هادئ، معاكساً لحالته الداخلية محتدمة المشاعر:
ـ ماهو وجه السرعة تحديداً الذي تقصديه..! لقد أخبرني والدك أنكِ موافقة من قبل أن تريني، وإتفق معي على موعد عقد القران، قبل يوم أن تناولنا الغداء معاً على مائدة طعامكم.. ذلك اليوم الذي طلبت فيه رؤية شعرك، ألا تعلمين وقتها أنني ووالدك أتممنا بعض الإجراءات الورقية الخاصة عند المأذون.. بناء على رغبتك كما أخبرني والدك..!!
وإذا كانت المرأة المطلقة أصبحت تتزوج مرة أخرى، وربما قَبِل بها رجلاً لم يسبق له الزواج من قبل.. فلماذا تجعلي طلاقي السابق عقبة في تكافؤ زواجي منكِ ياأنسة عبير..؟؟
أطبق الصمت الجاثم على أنفاسها، وإنغرست أظافرها بجلد ساعديها المنعقدين، من خلال فراغات وردات الجوبير بأكمام فستانها الأبيض، كان وقع الكلمات أثقل بكثير من وزن الشاحنة التي تعبر الأن أسفل نافذة غرفة المشفى، والتي أصدرت مفصلاتها صريراً عالياً، من شدة ثقل حمولتها..
تكومت أنفاسها المتلاحقة بإختناق داخل رئتيها، جعلتها تتخطى الذهول بمراحل، ماذا إدعى والدها على لسانها أيضاً..؟؟ ولماذا لم يخبرها أحد أنه مُطلِق، وربما أخذها من يدها الأن ورحلا إلى بيته، لتجد ثلاثة أوأربعة أطفال في إنتظارها لإطعامهم..!!
هل إعتبرها والدها بضاعة كاسدة لهذة الدرجة.. لمجرد تجاوزها سن معين دون زواج، فألقاها لهذا الرجل شاكراً أفضاله..؟؟
ـ لم أسمع ردك..؟؟ كيف حكمتِ على زواجنا بعدم التكافؤ، أجيبيني.. ماهي معاييرك..؟؟
أفقدتها كلماته الجديدة رداء دهشتها الخائبة، ليمتد شرخ الأه داخل روحها، فأجابت بنفس الهدوء المتحدي:
ـ وما علاقة طلاقك، بأن تأمرني أن أكشف شعري ليلة عقد قراني، وتشتري لي ثوباً فاضح بهذا الشكل..!!
إلتفت خلفه ملتقطاً الحجاب الأسود الذي غطتها به أمال بالأمس، وإقترب منها يضعه على شعرها المسدول، والذي بالطبع لم يغطي منه مايكفي، فاشلاً في تثبيه على رأسها، قائلاً:
ـ هذا الفستان لم أره من قبل، حلف عليّ والدك ليشتريه لك كهدية زواجك، وأخبرني أنه بالمواصفات التي حلمتِ بها أنت، فتركتك تفرحي به، دون أن أفسد عليكِ فرحتك، خصوصاً أن عقد القران كان بالبيت..! من قال أنني أمرتك بكشف شعرك أمام أحد..؟؟ أنت ملكيتي الخاصة..
فشل في إحكام تغطية شعرها في محاولات خافقة، فتأفف و أمسك كفها، وسحبها بقوة خلفه، آمراً بصوته المدوي:
ـ ثبتيه بيدك إلى أن نصل للسيارة..
فغرت فاهها وقد سقط فكها من شدة الخزي الذي حملته داخلياً تجاه والدها، الذي مارس الكذب بشأنها بكل فنونه..
خرجا من الغرفة، تحت ناظري أمال التي لم يلتفتا إليها، يسرع أمجد بمشيته يسحبها من كفها بتملك، يجعلها تجري خلفه لتوازي سرعته، يتطاير حجابها الغير مثبت خلفها، يشاركها غضبها المتقد المتفاقم من ذلك الأب.. الذي أبدع في الإفتراء بشأنها، ولن تسامحه على فعلته أبداً..
هل طفح سخائه فجأة، ليكلف نفسه ثمن هذا الثوب الغالي، فقط من أجل إغراء شاري البضاعة بحسنها..!!
وصلا للمصعد بأخر الرواق، فإندفع إليه ثم سحبها إليه بقوة، لتختلط أنفاسهما اللاهثة... هو غاضباً من سوء تقييمها له، وهي غاضبة من جهلها التام بحقيقته، ما إن إنغلق باب المصعد، حتى دوى صوته الهامس بأذنها:
ـ أنا شخص أحترم الصراحة، لكن طلبك مرفوض، ويؤسفني أن أدمغك بأولى دمغات زواجك، التي وقّعتى وثيقته بالأمس..
قالها منفذاً تهديده بجموح، غير قادراً على مقاومة سحرها الفاتن أكثر من ذلك.. إنصاع بعد ثوانِ لقوة دفعها، سامحاً لها أن تنهره بشئ من الغلظة، والغضب:
ـ أنت أيضاً شخص غير مسئول، تستخدم سلطاتك الزوجية في غير مكانها.. انظر خلفك، فقد صورتك كاميرا المصعد ياسيادة المقدم ..
أطلق ضحكة مجلجلة مستمتعاً بما حصُل عليه، موضحاً لها بأن الكاميرا معطلة..
خرجا من المصعد ومن المشفى كلها، حتى وصلا لسيارته، تتابعهم أعين الناس، بملابسهم الملفتة في هذا الوقت من الظهيرة، وقد بدا أن هناك عريس وعروس، خرجا من ستوديو تصوير مثلاً، وليس من مشفى..!!
ما إن دخلت سيارته، حتى إنزوت بالدواسة أسفل مقعدها، يتعسر على عقلها إدراك ماحدث لها، وما سيحدث لها مع ذلك الأحمق، الذي أصبحت تحت عصمته جبراً وبطريقة تعسفية، خالية تماماً من النزاهة والعدل ومن أبسط حق يحيا به الإنسان في الحياة، حق الإختيار..
هل حقاً حصلت على قبلتها الأولى بالحياة، في مصعد مشفى خاص بلا مشاعر، ومن رجل تزوجته دون إرادتها..! يالها من مهزلة..!
بينما دار هو حول مقدمة السيارة، ليركب بجوارها، وماإن رآها متقوقعة بتلك الطريقة، حتى سألها بحيرة، ضاحكاً:
ـ ماذا تفعلين بدواسة السيارة..؟؟
* * *
أنهت نشوى تدريس حصة اللغة الإنجليزية بالمدرسة الدولية، التي يرتادها أولادها وأولاد علياء، فلملمت أغراضها وخرجت من فصلها، سارت بطرقة المدرسة قاصدة غرفة المدرسين، يعلو صياح الطلبة من حولها، بعدما خرجوا من فصلولهم حالاً بعد قرع الجرس..
رن هاتفها بإسم علياء ففتحت الخط مبتسمة، لكنها قبل أن تنطق أتاها صوت علياء مرتجفاً بقوة:
ـ أرجوكِ تعالي حالاً خذيني من المشفى، إنتظريني عند الباب الجانبي، لأنني لن أنزل للمرأب مرة أخرى..!
دخلت نشوى حجرة المدرسين، وفتحت دولابها الخاص لإخراج حقيبتها، مجيبة:
ـ لا أفهم ياعلياء، مما تخافين بهذا الشكل، صوتك مرعوب..؟؟
ردت علياء بصوت مرتعش:
ـ منذ دقائق نزلت لسيارتي، وجدته ينتظرني بجوارها.. جمدت قلبي.. وإقتربت من سيارتي لأركبها وأرحل، إلا أنه.. إقترب منى بحميمية قذرة.. و..تحرش بي.. تحرش بي يانشوى..
إنفجرت علياء ببكاء مرير، معلناً إنهيار سدها المنيع، الذي ظلت تبنيه بلبنات القوة والثبات والصرامة في محاولات جاهدة منها لمنع هدمه، لكن.. هاهي يتم إختراق حصون قوتها، لتتهالك في أول إختبار حقيقي..
أتاها صوت نشوى تحدثها بقلق:
ـ أيا كان ذلك الشخص، الذي إعتدى عليكِ، لا تنهاري بتلك الطريقة، سنحرر محضر ضده حالاً، لا تقلقي..
ردت علياء بكلمات متقطعة، من بين شهقات بكائها:
ـ الحقير عطل كاميرات المراقبة بالمرأب، حتى لا أستطيع إثبات تهجمه، ليس لدي دليل يانشوى، حتى السائس البغيض، لم يكن موجوداً، ليس لدي دليل، ليس لدي دليل..
أغلقت الهاتف منتظرة نشوى، وأمسكت رأسها بين راحتيها، تحاول تهدئة الصداع الذي دق رأسها بمطارق الرهبة والألم، سيطر عليها الخوف بحيث جعلها تكتب إستقالتها سريعاً بيد إرتعشت ضعفاً، فبدا خطها كخط طفلة بالمرحلة الإبتدائية تتعلم الكتابة..
مشت بطرقات المشفى قاصدة عيادة طب النساء، لتقدم إستقالتها للدكتور سامح عز الدين- نائب المدير- إلا أن مراد قطع عليها طريقها مرة أخرى، مصطدماً بصدرها بقوة، وكأنه إستعذب اللعبة..!!
لكن إستطاعتها إنهارت هذة المرة.. وعقلها الواعي رفض تصديق وإستيعاب كمية الإنتهاكات المتتالية تلك، فأطفأ مصباح إضاءته، وسحب غطائه لينام، فسقطت فوراً فاقدة وعيها..
* * *
نهاية الفصل السابع..
انتظروني والفصل الثامن يوم الأربعاء
دمتم بود
فاتن شوقي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى