روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية لحظة اختيار

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  سمــّـــو الأمــيــر في الأحد ديسمبر 02, 2018 7:44 pm

أإسـ عٍ ـد الله أإأوٍقـآتَكُـم بكُـل خَ ـيرٍ
دآإئمـاَ تَـبهَـرٍوٍنآآ بَمَ ـوٍآضيعكـ أإلتي
تَفُـوٍح مِنهآ عَ ـطرٍ أإلآبدآع 
وٍأإلـتَمـيُزٍ لك الشكر من كل قلبي

سِمٌــــــوَ الُامٌيَـــــــــــرَ ...
avatar
سمــّـــو الأمــيــر
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 15
نقاط : 23
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 02/12/2018
العمر : 27
الموقع : سِــوريا .... ديرالزور

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في الإثنين ديسمبر 03, 2018 7:28 pm

الفصل السابع
وصلت علياء للمشفى صباحاً، فصفت سيارتها، وبحثت عن عم صبحي بشئ من الترقب، لكنها لم تجده، ربما بالحمام، أوذهب لإحضار فطوره..
صعدت لعيادتها، لتجد ذلك الوقور ينتظرها بجوار باب العيادة، مرتدياً قميصه السماوي، مطوي الأكمام، فتظهر ساعة يده السوداء، ذات الماركة الأصلية..
يتراجع شعره قليلاً عن جانبي غرته، لكنه كثيفاً بمنتصف رأسه، مختلط اللونين الأسود والفضي، معلناً عن عمره الذي قارب الخامسة والأربعين، راسماً على شفتيه إبتسامة متزنة، قلما تُرى، يتوجها شارباً صغيراً، شُذب بعناية فائقة ليبدو بهذة الأناقة..!
وصلت إليه علياء، وقد ظهر على ملامحها المرتبكة أثار الحرج منه، بالتأكيد يجدد إنتظارها، ليُعيد الطلب الذي ترفضه، أجلت صوتها ثم قالت:
ـ صباح الخير دكتور سامح..
إبتسم بحُلم وإتزان راقي:
ـ صباح النور، أرجو ألا أكون أزعجتك بوجودي..
أشارت إليه بحرج للدخول، وهي على علم تام بطبيعة الكلام الذي يود الخوض فيه، عقلها يفكر بسرعة وإستغاثة، لنجدتها منه هذة المرة بالرد القاطع، لماذا تخافين من الردود القاطعة ياعلياء..!! تخلصي من سلبيتك تلك..
دخلت الممرضة تسبقهما، ملقيه عليهما الصباح، فطلبت منها علياء تحضير الأدوات اللازمة لبدء العمل، بينما تطلعت سالي لهيئة سامح عز الدين الأخاذة، تمني نفسها أن ينظر لها بإعجاب يرضي أنوثتها، فالطبيب الوقور محط أنظار نصف الممرضات الغير مرتبطات هنا، لكنه لايرى أياً منهن، أنهت رص الأدوات، ثم قالت بنبرة صوت هائمة، حاولت أن تبدو محترمة لتنال إعجابه:
ـ تفضلي يادكتورة، كل شئ جاهز..
إرتدت علياء معطفها الأبيض أمامه بأيدٍ مرتبكة، تشعر بالأسر من نظراته التي تخترقها، ليقول بهدوء:
ـ إجلسي ياعلياء..
تنحنح قليلاً بخشونة، ثم إلتفت لسالي يستأذنها بأدب أن تفتح باب العيادة، وتقف خارجها لدقائق فقط..
تضرجت وجنتيها بحمرة البهجة، لقد ناداها الوقور بإسمها، هل يعرف إسمها..؟؟ أم أنه علمه عندما نادت عليها علياء فقط..؟؟ إنتشائها وتعطشها لأن يوليها أي إهتمام، جعلها تفتح الباب، وتقف متكئه لإطاره بسعادة كمن طلبها للزواج، لقد تحدث إليها الطبيب الوقور، وناداها بإسمها..!
أما علياء فكانت في حالة يرثى لها، لماذا يضعها بهذا المأزق، ويجعل الممرضة تشك بوجود أمر شخصي بينهما، عقد حاجبيه ناظراً لتوترها البرئ، فهي تبحث بأروقة قاموس الكلمات، عما هو مناسباً لقوله، دون إيذاءاً لمشاعره..
محصورة هي بين مطرقة طلبه وسندان الرفض، المشكلة أنه متمسك بها بإقتناع، ويعتقد أنها ستلين وتقبل بمرور الوقت، يقنعها مراراً بأن الأرملة مازال لها الحق في مشاركة حياتها مع شخص يريدها، حتى وإن كان لديها ثلاثة أبناء، فالطبيب متيسرمادياً، ويستطيع الإعالة..
ـ لمَ كل هذا الشرود والإرتباك ياعلياء..؟؟
مرة أخرى يرفع الكلفة بينهما، مزيلاً للحواجز، محرراً إسمها دون ألقاب، كما يتمنى تحرير عقلها من أفكاره البائسة، وضع يده على سطح مكتبها، الذي تجلس خلفه، قائلاً برصانة، ذكّرتها برصانة زوجها الراحل:
ـ أتمنى أن أسمع إجابة مختلفة لطلبي هذة المرة..
نظرت له فطالعت بشرته الفاتحة، بوجهه الممتلئ قليلاً بإشراق يطل من عينين واثقة النظرات، فتخطته بنظرها لترى سالي الواقفة بالقرب على باب العيادة، التي ربما تسمع كلامهما جيداً، لتجيبه بملامح جامدة:
ـ لماذا تتخيل أن أسباب رفضي للإرتباط من جديد ليست مقنعة، فإبني صار رجلاً أطول مني، وبناتي على أعتاب المراهقة، لايمكن أن أخبرهم أنني سأتزوج..
إنتبهت سالي بالفعل لكلمة الزواج التي نطقتها علياء، فتابعت الحديث بتلصص بالغ، في حين أجابها سامح بهدوء:
ـ أولادك يحتاجون أب، وإبنتى سمر تحتاج أم، ماالمشكلة في إتمام نواقصهم، وإتمام زواجنا..؟؟
عكصت علياء أصابعها المتشابكة من فرط توترها، هاهو يضيق عليها بالكلام مرة أخرى، ككل مرة لايترك لها الفرصة للرد، سوى بوعد متجدد بالتفكير بالأمر، هي لاتعلم جدياً لماذا لاتجيبه إجابة قاطعة، هل تفكر بالأمر.. وتعتقد أنها يمكن أن توافق يوماً ما بالفعل..؟؟
أصابتها دهشة مفاجئة، جعلتها تنظر لسامح بإستغراب، فإستقام واقفاً بإتزان رصين، يقطع عليها سيل أفكارها المتأرجحة مابين أنوثتها الضائعة، التي لم تحظ بالتدليل يوماً، حتى في سنوات زواجها بالطبيب الصارم، الجاد المحترم.. ومابين أمومتها التي لن تسمح لنفسها بالتقصير فيها..
نظرت إليه بإستحياء من طول صمتها، فتحدث بعفوية بصوت رخيم، وكأنه يحتوى توترها:
ـ هذة أخر مرة ياعلياء.. أخر مرة أعرض عليكِ الأمر، إذا كانت إجابتك بالرفض، فلن أضايقك مرة أخرى.. أبداً..
ألقى كلماته الواثقة، ثم إنصرف بخطوات ثابتة بوقاره الذي يلفت الأنظار، فتركها ضحية خواء فكرها المشوش، وفريسة لنظرات سالي، المتأججة بالغيرة القاتلة..!
الطبيب الوقور يطلب الهانم، وهي التي تتمنع رافضة..! وأنا التي بنيت قلاعاً من الأمال، على حس مناداته لي بإسمى..!!
يالحظي الأسود يا ناااس..!! لماذا لا أعجبه أنا.. والله لن أرده خائباً..حظ أسود مغطى بقرون الخروب..!!
* * *
في رؤية ضبابية، وعتمة تبدو للناظر زرقاء اللون، كانت ترقد بجسدها على سرير المشفى.. إقترب منها هاني، يتبين ملامحها التي يشعر بأنه يعرفها، جعد جبينه بإندهاش قائلاً بصوت ضائع:
ـ أسماااء.. أنتِ على قيد الحياة حبيبتي..؟؟
إقترب منها أكثر يتفرس ملامحها التي تغيرت، نظر لبطنها المنتفخة، متسائلاً أي مرض أصابها، لتنتفخ بطنها هكذا..؟؟
ظلت في سباتها، وظل في تفرس ملامحها، إلى أن دخلت الممرضة تسأل بأدب:
ـ ألم تفق حبيبة بعد..؟؟ أعلم أنك تحبها، لكن أُدع لها، فهي تحتاج لدعائك، حتى وإن لم تكن من نصيبك..
هتف بمزيج من الحيرة والدهشة، يغلبه شوقه وحنينه، لتلك الراقدة أمامه:
ـ حبيبة من..؟؟ إنها أسماء حبيبتي..!!
أودعتها الممرضة سائلاً بأوردتها الضعيفة، أمام نظرات هاني المشدوهة، فإبتسمت له الممرضة، وهي تُدخل بسبابتها خصلة خرجت من ثنايا حجابها، آمره إياه أن يخرج قائلة بوضوح:
ـ إنتبه لنفسك، فهى لم تعد لك..
رن جرس هاتفه، فأمسكه يحاول إسكات ألحاح رنينه بلاجدوى.. و.. وإستيقظ.. إستيقظ مضيقاً عينيه مبهوتاً ومتسائلاً، كيف كان مارأه حلماً، وليس حقيقة..؟!
إلتفت يساراً، ليجذب هاتفه الذي مازال يرن، إلتقطه مجيباً على جاسر بصوت ناعس أجش، وهو مغمض العينين، يضغطهما بثلاثة أصابع:
ـ إنتقلت لقارة أخرى، ومازلت توقظني من أعز أحلامي بأجراسك المزعجة..
أتاه صوت جاسر ضاحكاً، يشاغبه كعادته:
ـ ما إن تخبرني أنك قد تزوجت، سأحترم مواعيد نومك المقدسة.. لدي أخبار سارّة، لقد بعت السيارة..
تمطى هاني مستقيماً بجزعه العلوي، ثم أسند رأسه على وسائد ظهر فراشه الفندقي، يشكره بإمتنان، ليتبادلا حواراً طويلاً لايخل من جلجلة ضحكهما على مايحدث من قِبل جوليا، ليخبره جاسر بحيرة:
ـ إنها متغيبة منذ عدة أيام، لا أحد يعلم أين ذهبت.. أحمد الله على صلعة رأسي المبكرة، وإلا لما نفدت من شباكها المغوية..
أنهى هانى مكالمته، ثم قام ليتحمم، مستعيداً تفاصيل الحلم الذي تجسد أمامه وكأنه حقيقة، متمتماً بدهشة:
ـ حبيبة من..؟؟
خرج من حمامه، ثم تحدث لوالده، يطمئن على صحته، ثم كالعادة إستمع لثرثرة سميحة الطويلة، ذاكرة له عدد الفتيات التي أعدت له أسمائهن.. ليسألها بعفوية:
ـ وهل لديك عروس، إسمها حبيبة..؟؟
لتجيبه مبتسمة ببساطة:
ـ لا، وإذا كنت معجباً بالإسم يمكنك تسميته لإبنتك إن شاء الله..
لايعلم لماذا إنقبض صدره، لمجرد تخيل إبنته في هذا الوضع الذي كانت عليه زائرة حلمه، كانت مغشياً عليها منتفخة البطن، تحمل طيفاً من ملامح أسماء..! فأنهى مكالمته، واعداً أمه بإخبارها موعد حجز طائرته للعودة غداً..
* * *
جلست أمال على كرسي بغرفة المشفى بجوار سرير عبير، التي تنام عليه منذ الأمس ممددة بفستانها الأبيض الذي يرسمها بتفصيل، ويسقط ذيله الطويل من جانب السرير، يفترش شعرها الفحمي الوسادة تحتها، شاحبة الوجه قليلاً، لاتعلم تماماً إذا كانت نائمة، أم تدّعي النوم..
تطلعت لها بإحساس ذنب عميق، تتذكر كلماتها بشأن فرحتها المسلوبة الناقصة، وهي تستعيد ماحدث بالأمس، في نفس اللحظة التي تذكرت فيها عبير المستيقظة رغم إغماضها عينيها ما أحل بها..
سقطت عبير بتهالك أمام أمجد مغشياً عليها، ليرفع رأسها ويجلسها سانداً إياها بصدره، وهو يتناول إحدى زجاجات عطورها بقلق، يرشه بجوار أنفها، فاركا أذنها بقوة أجبرتها على الإستفاقة، لتجد نفسها بين أحضانه، فنظر إليها رافعاً أحد حاجبيه المقوسين، يسألها بإهتمام بصوت خفيض حنون خفق له قلبها من شدة قربه:
ـ هل أنت بخير أم نذهب للمشفى..؟؟
منحها فرصة على طبق من ذهب، فإدعت فقد الوعي مرة أخرى، فتضاعف إحساس القلق لديه، منادياً لأمال ورشدي، مستفهماً عن حالتها الصحية، آمراً رشدي بإفساح له الطريق ليحملها للمشفى..
لكن رشدي أخبره عن صعوبة خروجه بها هكذا أمام الناس، مؤكداً عليه ضرورة إفاقتها هنا بغرفتها أولاً، فالكل ينتظرخروجها لهم، فأمره أمجد بصرامة صائحاً:
ـ أخرج وأطرد كل هؤلك الناس الذي يهمك أمرهم لهذة الدرجة، لأنني سأخذ زوجتي للمشفى، لأنها هي من يهمني أمرها.. هيااا..
ماذا..؟ سيخرج بها بهذة الهيئة المتبرجة أمام الناس..! هل ستخرج من حفرة غباء والدها، الذي لايهمه سوى مظهره والقيل والقال، إن خرجت إبنته فاقدة الوعي أمام الموجودين، لتسقط في بئر حماقة زوجها، الذي لايخجل أن تنكشف هكذا أمام غيره!.. ياقلب لا تحزن!..
ليحملها ويضعها برفق على سريرها، مأخوذاً بطلتها الفاتنة، محاولاً إفاقتها مرة أخرى، حتى ينصرف بعض المدعويين، الذين إستأذنوا سريعاً ما إن تم إغلاق سماعات الموسيقى، وقفت أمال تسلم على المنصرفين بإرتباك مبتسمة، ليعود رشدي له قائلاً:
ـ والدتك وامرأتين من الجيران فقط هم من بالخارج.. هيا..
وفي لحظة، كانت بين يديه، ينسدل شعرها الفحمي تحت يمينه، وذيل فستانها الطويل تحت يساره، ماإن دار بها، حتى إرتطم رأسها في إطار الباب ففقدت وعيها بالفعل، دون أن يشعر..
إرتفعت صوت زغاريد فريدة، غير منتبهة لفقدان عبير وعيها، وهي تبارك له، وتدعو أن تكون زوجة العمر، وأن يرزقهم الله الذرية الصالحة، نظرت إليها أمال بود، متمنية أن تسمع عبير هذة الكلمات، التي توحي بطيبة قلب فريدة، الخالية تماماً من البُغض والغرور، كما رأتها عبيرمن قبل..
شهقت إحدى الجارات، ناظرة بغبطة وإعجاب شديد للطريقة الرومانسية التي خرجت بها عبير مع زوجها من بيت والدها، داعية الله من كل قلبها، بأن يرزق إبنتها زوج مثله، إنتبه أمجد لنظراتها المتفحصة، فنادى على أمال بقوة، أمراً إياها أن تحضر وشاحاً عريضاً ليغطي عبير، وهو ينظر إلى الجارة بجلافة، ردت نظراتها في جوف عينيها..
ـ السلام عليكم.. صباح الخير..
إلتفتت أمال للممرضة، التي دخلت حالاً مبتسمة، تطمئن على عبير وتقيس ضغطها، ردت السلام والصباح، وسمعت صوت أمجد يتحدث إلى الطبيب أمام باب الغرفة، ليدخل بعد دقائق، بحلته السوداء التي نام بها أمس، جالساً جوار عبير..
ثوان، ودخل مبتسماً رغم إنتفاخ عينيه، ووقف جوارها يتطلع لهيئتها الفاتنة، تشعر بوجوده، وترتعب من فكرة أن يكتشف تسليتها به، وإدعائها النوم..
سألته أمال بلهفة:
ـ ماذا قال الطبيب ياأمجد بيه..؟؟
ظل أسير جمالها الخمري الهادئ يرى الكدمة الطولية الخفيفة بجوار أذنها، نتيجة إرتطامها بالأمس بإطار الباب، تحسس الكدمة بباطن إبهامه، فإرتجفت بشرتها تحت لمسته، ففطن سريعاً لإستيقاظها، فأسرع يجيب أمال بصوته الرجولي العالي:
ـ سنخرج كلنا بعد قليل..
ثم إلتفت إليها رافعاً حاجبيه المقوسين، آمراً بلهجة حازمة:
ـ يمكنك أن تعودي لبيتك، أتعبناك معنا ليلة أمس، وهي ما إن تستيقط سنرحل بدورنا، تفضلي الأن..
إضطربت أمال ذات الشخصية الضعيفة، إزاء أوامره بالإنصراف قبل أن تطمئن على إبنتها، فأومأت له منصاعة، وإقتربت من عبير تقبلها بخدها ورأسها، وخرجت من الغرفة مستشعرة ضؤل حجمها وقدرها معاً..
هل هذة هي فرحتها بإبنتها الكبيرة، التي ظلت تحلم بها طوال عمرها، بدأت وإنتهت دون أن تفرح بحق الله..!!
لكنها بقيت بالخارج، جالسة على أحد مقاعد الإنتظار، بركن بعيد قليلاً عن مدخل الغرفة.. لعلها تراها مرة أخرى، قبل أن تنصرف..
* * *
مرت سيارة سميحة الفضية من أمام عمارتها، التي تمتلكها بـ(مدينة نصر)، فأشارت لهيام التي تجلس بجوارها، تتحدث بثرثرة، يغمرها الحنين:
ـ هنا شقة زواجي بمحمد، تركنا أثاث زواجنا كله كما هو عندما إنتقلنا للفيلا، وهنا تزوجت علياء في الطابق الثالث، كنت معتقدة أننا سنظل هنا طول العمر، وأُزوج محمود، وهاني هنا أيضاً، مثل محسن.. لكن محمد فاجأني من عشر سنوات بشرائه للفيلا، وقتها لم أفكر في غيرك، لتأتي معي بيتي الكبير، تساعدني وتأخذي بحسي، كنتِ أكثر بنات الملجأ هدوءاً وأدباً ياهيام..
وصلت للشارع المؤدي لدار الأيتام التي تمتلكها، فأدارت مقودها يساراً، وعبرت البوابة الرئيسية، ودخلت للحديقة الواسعة ملقية تحية بكفها لحارس الدار، ثم صفت سيارتها بالقرب من المبنى المكون من طابقين، مطلقة بوق سيارتها ثلاث مرات، مما جعل المشرفة، تطل من نافذتها، وتنزل إليها بسرعة..
قابلتها ببشاشة مرحبة بها:
ـ حاجة سميحة، نورتِ مكانكِ، ماهذة الغيبة الطويلة.. لعل المانع خير إن شاء الله..
نزلت سميحة وأغلقت السيارة، ورفعت نظارتها الشمسية فوق حجابها السكرى، قائلة بإبتسامة، مشيرة لها أن تتبعها للداخل:
ـ متى تعلمتِ النفاق ياسوسن..؟ أسبوعين فقط إعتبرتيها غيبة طويلة..؟ أخبريني كيف تجري الأمور هنا، أعلم بقرب موعد زواج الثلاث بنات المخطوبات.. أخبريني، ماالذي مازال ينقصهن من طلبات الزواج..
أخبرتها سوسن مديرة الدار بتفاصيل مجريات الأمور، وهيام تسير خلفهما، تحمل حقيبة هدايا طويلة، عليها شعار متجر بيع شيكولاتة فاخرة..
ما إن رأتها الفتيات بالصالة الداخلية للدار، حتى صحن بها مهللات بفرحة لرؤيتها المبهجة بالنسبة لهن، وتهافتن لإحتضانها وتقبيلها بحفاوة منقطعة النظير، فهي بالنسبة لهن جميعاً نِعم الأم الحنون.. التي تجيد التدليل والعطاء بالمشاعر والمادة، حد البذخ..
طلبت سميحة من هيام بأدب، أن توزع عليهن علب الشيكولاتة الفاخرة، لتزفها دعواتهن لها بالصحة وطول العمر، ثم إستأذنتهن لتدخل مكتبها..
جلست خلف مكتبها، وجلست أمامها هيام وسوسن، فتحدثت سوسن:
ـ محظوظة أنتِ ياهيام، تحسدك كل البنات هنا، لأن الحاجة سميحة، إختارتك أنتِ من بينهن كلهن، لتعيشي معها..
كانت هذة الكلمات قبلاً، تُسعد هيام حد الغرور، لكن الأن.. بعدما علمت أن هناك من هي أكثر حظاً منها، إختارتها سميحة لتكون زوجة إبنها، فلم تعد الكلمات تترك نفس الأثر..
لكنها مضطرة للرد حتى لا تكون جاحدة للنعمة، فأجابت بإبتسامة مهتزة:
ـ نعم بالفعل، الحاجة سميحة تعاملني كإبنتها، أنا لا أشعر أنني أخدمها أبداً، تساعدني في كل شئ.. الحمد لله..
تصفحت سميحة بعض الملفات أمامها، بخصوص متطلبات الزواج، التي ستشتريها للبنات، فأضافت لكل بنت غسالة أطباق، وجهاز التسخين عبر الموجات، وحاسوب محمول، ومدفأة كهربائية، مما جعل سوسن تفغر فاهها بإستنكار رافضة:
ـ لماذا..؟؟ يكفيهن الأساسيات فقط، ياحاجة سميحة أنت تجعليهن يطمعن بكِ..
رمقتها سميحة بنظرات قوية، أبلعتها بقية كلماتها بجوفها، قائلة وكأنها لم تسمعها:
ـ عقبى لكِ ياهيام سأجهزك جهازاً يليق بمساعِدة الحاجة سميحة نفسها، عنداً في أي من يحقد، وأنت أيضاً ياسوسن، وعداً مني إن عشت وكان لي عمراً، سأجهز إبنتك دعاء التي مازالت بالصف الأول الإعدادي، جهازاً يشرح صدرك..
أمرت بعدها هيام بأن تذهب لصديقاتها، التي تأتي معها خصيصاً للقائهن، في حين فتحت حاسوبها، تبحث في ملفات الطلبة الأيتام، التي تراسلها الجامعة بأسمائهم سنوياً، لصرف لهم بعض المساعدات المادية، ثم طلبت من سوسن:
ـ أحتاج دراسة لأكثر ثلاث حالات إحتياجاً للمال من الأولاد، وثلاث حالات من البنات، لدينا زكاة مال لابد من إخراجها هذا الشهر..
ردت سوسن بعتاب، بتقلب ملامح، وهي ترى تبذير سميحة المسرف:
ـ لقد دفعنا التبرعات السنوية في بداية السنة الدراسية، أجّلي نقود الزكاة لبداية السنة الدراسية الجديدة، ووفري نقودك قليلاً..
رمقتها سميحة بنظرات حادة، غير مستوعبة وجه إعتراضها، ثم حدثتها بهدوء، وهي تنقر على أزرار الحاسوب:
ـ أنصحك بحضور دروس الدين التي يلقيها الشيح عبد المنعم أسبوعياً للبنات يوم الجمعة، ستستفيدين جداً، فربما تستوعبي قدسية موعد زكاة المال..
شتمت سوسن نفسها في سرها، وهي تقف بإحراج، معتذرة عن إنفلات لسانها بغباء الكلمات، مستشعرة المأزق التي وُضعت به، فها هي أضاعت فرصة طلب زيادة أجرها العالي بالفعل، لكنها تطمع بالمزيد، فقالت بأسف:
ـ الحالات ستكون جاهزة خلال ثلاثة أيام..
خرجت بعدها سميحة، لتتفقد غرف البنات، تحقق لهن رغباتهن، يعتبرنها طاقة القدر التي تزرهن، تشجعهن على الطمع بكرمها السخي، وهي تلبي إحتياجاتهن بسعة صدر ورضا تام، تعلم أنه مهما تمادت أحلامهن فهي مشروعة، يكفيهن إحساس النقص الإجتماعي الذي يعشنه..
إنفلت لسان سوسن مرة أخرى، وهي تسير خلفها، بعدما خرجت من غرفة إحدى البنات، التي طلبت منها هاتف محمول جديد، قائلة وهي تضم أصابعها، في وضع التريث:
ـ ياحاجة سميحة، هاتف هذة البنت مازال جديداً، لم تستخدمه سوى سنة واحدة، أنتِ تعوديهن على التبذير..
إلتفتت إليها سميحة بإنفعال، تردع جماح تدخلها السافر في تصرفاتها، ثم أكملت طريقها، قائلة بصرامة أجفلتها:
ـ سأعيد النظر بطاقم المشرفات والمديرات، فمكوث إحداهن بوظيفتها عدة سنوات، جعلها تعتقد خطأ بأنها تمتلك زمام الأمور، وتتخلى عن أمومتها، التي عاهدتني أن تمنحها لهن، وتتحول لأمنا الغولة..
قالتها ودقت أحد أبواب الغرف، لتدخل إليها وحدها، موصدة الباب خلفها، حتى لا تدخل معها عقاباً لها..
* * *
فتحت سلمى عينيها، لتقابل عقارب الساعة التي تشير للواحدة ظهراً، تقلبت على فراشها بالغرفة المقابلة لغرفة محمود، حيث تركته بالأمس ينام بمفرده، بعدما ظل على رقدته، حتى التاسعة مساءاً، مما أثار حفيظتها، لتتخلى عن أنانيتها قليلاً، وتستنجد بسميحة لتطمئن عليه..
طلبت له سميحة الطبيب، بعدما أفاقته، فكتب له دواء مهدئ للأعصاب، وعلق له محلولاً لرفع ضغطه المنخفض جداً، ونبهه لأخذ راحة من العمل لعدة أيام إن أمكن، يحذره من زيادة الإنفعال..
قواه الخائرة وجسده الهامد رقق مشاعرها تجاهه قليلاً، قليلاً فقط..
فجلست جواره تعتذر له من نفسها بكلمات متأكل نهايتها من الحرج، لتجده رغم كل الألم الجسدي والنفسي، يرفع لها ذراعه، ويدعوها لأحضانه، نامت على صدره بحذر وتوجس، فاخبرها بصوته المتهالك:
ـ فعلتكِ كانت القشة التي قصمت ظهري أمام والدي ياسلمى..
تحسست موضع لسعة الحزام، على باطن ساعدها، ثم ردت ببعض الندم:
ـ سأضطر للبس كل ماهو بأكمام طويلة، لأخبئ ذراعي الملتهب، ستحبسك أمي، لو رأت مافعلته بي..
إبتسم بوهن، ثم قال ضاحكاً بضعف، وهو يضمها إليه:
ـ أغار عليكي يامجنونة، وإذا كانت البشاعة سبباً قوياً لتغطية الجسم والشعر، فسأحلق لك شعرك لتصبحي صلعاء، فتضطري لتغطية رأسك، تخيلي وقتها عندما تنادى أمي على زوجات أبنائها، ياعليااء، ياصلعااء..
قالها وإنفجر ضاحكاً بوهن، فجاوبته بإبتسامة موؤدة، وهي تلوي شفتيها، تمنعها من الظهور، فأكمل كلامه:
ـ لقد أفسدتِ عليّ رونق هدية عيد ميلادك السادس والعشرين، كنت سأخذك لمصممة الأزياء التي تتابعين أعمالها بشغف، لتفصل لك عدد لابأس به، من أطقم المحجبات..
أشار لها أن تناوله كوب الماء لجفاف حلقه، فشرب وشكرها، ثم أكمل:
ـ لكن والدي سبقني بهديته..
وقفت معتدة، وقد عاد لها سريعاً وهج ناريتها قائلة بتحذير، متجاهلة كل الرسائل المبطنة لكلامه المعسول:
ـ لن يحدث..
دخلت إليهما سميحة في تلك اللحظة بصينية الطعام، حيث كانا قد تضورا جوعاً، وضعت لهما الأكل، وإنصرفت دون تعقيب، تناولا الطعام بنهم في صمت باهت، ثم أغلقت الإضاءة والباب، لينعم بنوم هادئ وحده..!
تقلبت مرة أخرى متأففة، تشعر أنها محاصرة بهذا البيت، لا أحد يعلم عقدتها من الأمر الذي يحصرون قيمتها كإنسانه فيه، الحجاب والإنجاب..لا لا.. لا أحد يستحق أن يعلم الحقيقة، كلهم حمقى، لا يجيدون تقييم الأمور..
سمعت صوت باب الحمام المجاور لغرفتها يُغلق، ثم فتح محمود باب غرفتها، تقدم منها وهو يجفف وجهه البشوش المبلل، بمنشفة طوحها على كتفه، ثم جلس على طرف فراشها مبتسماً بحب، يعلم أن سلوكها يحتاج لإعادة تقويم، وسيكون له الفخر عندما يعيد ترويضها.. حاصرها بساعديه سانداً على كفيه، إقترب من وجهها رافعاً حاجباً بمشاكسة:
ـ صباح الفل يامجنونة..!!
نظرت إليه دون رد ساحبة غطائها، وقابضة عليه بشراسة، كالقطة التي تُجهز مخالبها للإنقضاض على أحدهم، ثم همست بتحذير:
ـ ماذا تريد..؟؟
عقد حاجبيه بلونها البني الفاتح، المطابق للون لحيته النابتة، ليعض على شفته السفلى بإغتياظ متفاقم، قائلاً بصرامة وفظاظة لايجيدها مع من يحب:
ـ أريد فطور محترم، كأي رجل متزوج.. وعقاباً لكِ، ستطهين بنفسك الثلاث وجبات لمدة شهر كامل..
وهل هناك أسوأ من أن يُلزم البرنسيس سلمى ذات الأظافر الطويلة بمهام مطبخية..!!
نهض عنها بعنف، وخرج من الغرفة مكسور الخاطر، آمراً بصوت مدوي، وهو يعبر الرواق لغرفته، قبل أن يصفع الباب بقوة:
ـ حالاً ياسلمى..
دخل غرفته، وأمسك سماعة الهاتف السلكي، كلاسيكي الطراز، وجلس على كرسي مجاور له، والمنسدلة خلفه ستائر الغرفة عنابية اللون، طلب رقم محل الورد، ليجلب لها باقة البنفسج التي تحبها، سيصبر عليها حتى تلين..!!
أما صفقته الضائعة، فلن يمضي فيها قدماً بعد اليوم، وعليه إعادة حساباته كلها من جديد، أمسك هاتفه الخلوي، يطلب المحامي الذي كتب عقد الصفقة، يسأله عن موقفه القانوني والمادي، إذا إنسحب الأن..
لكن ليلى سبقته بالرنين، ففتح الخط مجيباً، ليأتيه صوتها الملتاع، وكأنها تبكِ، تخبره بأن المزرعة الغربية تمت سرقتة ماشيتها!..
مزرعته!..
* * *
أنهت علياء حشو ضرس الرجل الجالس أمامها، فقام يشكرها على عملها المتقن الذي لم يشعر معه بأي ألم، مد يده ليصافحها، لترد عليه بإبتسامة جدية قائلة بتحفظ:
ـ يمكنك أن تتفضل، لاداعي للمبالغة أنا فقط أؤدي عملي..
إعتذر مستشعراً الحرج، موضحاً عدم تعمُد الإساءة من أي نوع، تتابعها سالي بتحفز وإمعان حتى خرج، فتبعته سالي، لتنادى على الحالة الأخيرة..
بينما قفز لذهن علياء صورة عم صبحي الذي جدد محاولة حصوله على مفتاح سيارتها اليوم مرة أخرى، ليثير ذلك إرتباكها من جديد، حسناً، هاهو الدكتور غانم مدير المشفى، عاد بالأمس من قافلة الصعيد الطبية، ويمكنها طلب المساعدة منه إن لزم الأمر..
دخلت الممرضة تخبرها:
ـ الأستاذ مراد بالخارج يستأذن بالدخول..
تطلعت إليها علياء بنظرات دهشة، ممزوجة بإرهاق التفكير، مخلوطة بالإرتباك، مستفهمة:
ـ الإستاذ مراد من..؟؟
ردت سالي بإبتسامة، كشفت عن صفيّ أسنان ناصعة البياض، أجلتهم لها علياء بجهاز التبييض من قبل، جعل أحمر شفاهها ناطق الحمرة:
ـ الأستاذ مراد أبو هيبة، إبن الدكتور غانم، هو أصر أن أخبرك بشخصه، قبل أن يدخل ويكشف..
ساور علياء قلقاً غريباً، فزاد خفقان قلبها المضطرب بلا سبب، لتبتسم بفتور، وهي تخبرها بالسماح له بالدخول مباشرة..
وقبل أن تلتفت سالي، إقتحم مراد الغرفة، فاتحاً الباب ليطل بإبتسامته الصفراء، مائلاً للأمام، فتدلت من رقبته تميمة الجمجمة الفضية، وهو يمسك مقبض الباب، قائلاً بسماجة:
ـ ماكل هذا التأخير، هل تأخذون رأي العروس بالموافقة، مابال أنني في مشفاي وسأتعالج مجاناً..؟؟
كادت علياء أن تنهره على طريقة إقتحامه، لكنها تسمرت مكانها برهبة عندما رأته، إنه هو!.. هو!..
تذكرت بسرعة صوراً متتالية، لموقف حدث بينهما البارحة، حيث توقفت سيارتها بعد لحظات من خروجها من بوابة المشفى، فنزلت لتتفحص الإطار الأيمن، لتجده مثقوب.. لكنها قبل أن تتحرك من إنحنائها، كان قد ظهر لها من العدم، يكاد يلتصق بها من شدة قربه، يعرض عليها المساعدة..
ودون منحها فرصة للرفض، كان قد شرع في فك الإطار، لتركيب الإحتياطي، محاولاً تجاذب طرف الحديث معها، يمطرها بنكات سخيفة لتضحك، لكنها ظلت على ثباتها الجدي حتى إنتهى..
شكرته بكلمات مقتضبة، لتجده يتعمد لمس كفها بطريقة غير عفيفة بالمرة، لكنها صرخت في وجهه بحنق، ثم ..
ـ ضرس العقل يؤلمني.. بشدددة..
نطقها مراد بصياح عال، وهو يصفق الباب خلفه، لينتشلها من تفكيرها الشارد بالموقف الذي دار بينهما بالأمس، شاكراً ذاكرتها على إستدعاء هذا الموقف الأن، ممتناً لحسن ترتيب خط سير الأحداث، كما يريد..
أشارت له سالي بالجلوس على مقعد الكشف، تبتسم له بحفاوة، إبن صاحب المشفى، ماذا لو وقع في شباكي وتزوجني..! سيكون بالتأكيد مكافئة صبري الطويل، لسنوات عمري الثلاثين، المنقضية بلازواج.. إجعله من نصيبي يارب، كانت تهرتل محدثة نفسها متأثرة برهبة حضوره، لتقول:
ـ تفضل هنا لثوان، الدكتورة ستكون جاهزة.
تقدمت منه علياء بتحفظ شديد، وبدأت الكشف عليه، فاتحة ثغره بالأدوات الطبية، تنقر على الضروس الخلفية بأعلى الفك وأسفله، سألته بصوت حمّلته صرامة وقوة مزيفة:
ـ أين مكان الألم بالضبط..؟؟
سحبت يدها بسرعة عندما لامسها بتلذذ، قائلاً بخبث:
ـ الضرس اليميني بالأعلى..
أمعنت النظر بتوجس، وقلبها يقرع بهلع من حركاته ونظراته المحاصرة، قائلة بصوت بدا مضطرباً:
ـ لكن هذا نظيف، ليس به مشكلة..
رفع لها حاجبيه، ثم رفع ركبته يسند عليها مرفقه، وكأنه يجلس على شاطئ البحر، محركاً تميمته الفضية، قائلاً بتحدي:
ـ لكنه يؤلمني..
ردت بحدة، وقد جف حلقها، نتيجة توترها الزائد:
ـ إذن سنخلعه، جهزي ياسالي أدوات خلع الضرس، حالاً..
إستقام واقفاً بسرعة، كمن لدغته أفعى، صارخاً فيها بنبرة أجفلتها، من شدة جلافته:
ـ تخلعين ماذا ياكتكوتة..!!
قالها وإقترب منها، مستمتعاً بمراقبة سالي لما يحدث لأنها بالتأكيد ستنقله لكل زميلاتها بالمشفى، لتصرخ فيه علياء بنفور، وهي مذعورة:
ـ ماذا تريد بالضبط..؟؟
إقترب أكثر، متحدثاً بنبرة حانية، بغيضة، بصوت عال، تسمعه سالي بوضوح:
ـ ما أريده لايمكن الحصول عليه هنا، ما رأيك أين نتقابل، لاتستحي من سالي تحدثي أمامها.. عادي..
ودون منحها فرصة للصراخ، أو التقريع، أو الرد، كان قد قفز لجوار الباب، يرمي لها قبلة هوائية من بين شفتيه، مفتعلاً المواعدة، التي يعتادانها:
ـ لاتشغلي بالك بالمكان، سنتقابل بنفس الشقة التي نلتقي بها، لاتتأخري.. فقلبي مشتاااق..!
خرج بعدها بسرعة كشيطان معربِد، ليختفي بلحظات من الرواق الخارجي كأنه تبخر.. وسط ذهول علياء الذي فاق الحد، ونظرات سالي التي رمقتها بها، وحملت بباطنها الكثير من الإذدراء..
حدقت بها علياء، لتنفك عقدة لسانها المعقود، تقول بثورة غاضبة:
ـ من هذا المختل عقلياً..؟ أي شقة تلك التي أقابله فيها هذا المجنون..؟ لايمكن السكوت على هذة الوقاحة أبداً..! لابد أن أخبر والده.. ليعيد تربيته من جديد.. لايمكن أن يكون هذا الجلف، إبن الدكتور غانم المحترم أبداً.. والله ليدفع ثمن وقاحته غالياً..
وقفت سالي تسند كتفها لإطار الباب، عاقدة ساقيها في وضعية علامة الإستفهام، تتابعها وهي تجري بالرواق كالمصعوقة، هزت رأسها قائلة وهى تُصدر صوت مصمصة القصب، من بين شفتيها الحمراوين:
ـ تهزأ من هيئتي لمجرد وضعي أحمر شفاة وطلاء أظافر، أرضي بهم أنوثتي الضائعة، بينما تفعل هي الـ.. مع.. أستغفر الله العظيم، ألهذا رفضت الدكتور سامح الوقور..! صحيح أن المال يعمي البصر والبصيرة.. ومثلها لابد أن نفضحه..!
عادت علياء بعد ربع الساعة تجر أذيال الخيبة في مشيتها السريعة المنهارة، لم تستطع الثأر لحالها، عندما لم تجد الدكتور غانم، لتخبره بما حدث، وإتصلت على هاتفه المغلق، فإنسدت سبل التظلم لديها..
هوت على مقعدها، كمن أصيبت بطلق ناري بقلبها، داهمتها الهواجس بضمير بعدم إستيعاب تام لما يدور حولها، كانت واجمة غير منتبهة لنظرة سالي التي ترمقها بعلو وترفع، لتسألها والرعب يعتقل أعصابها، بقبضة من وجل:
ـ مانظرات الشك تلك ياسالي..؟ هل تنتظرين منى حُجة تبرأني أمامك..؟؟
شغلت سالي نفسها، بإعادة ترتيب أدوات الكشف، لترد بإستخفاف، دون النظر إليها:
ـ لا أبداً .. لكن من المنطقي أن أسألك، لماذا تصنعتِ الذهاب للدكتور غانم، أقصد يعني، ألم تذهبي خلف مراد هذا لتوبيخه..؟ ألا تعلمين أن الدكتور غانم، سافر لمؤتمر طبي بالولايات المتحدة اليوم ..؟ إذا كنت أنا أعلم ذلك..! بصراحة تعللك بحجة الذهاب للدكتور غانم هذة كانت ضعيفة جداً..
ـ فعلاً..؟؟!!
رددتها علياء، وهي تشعر بدوامة إعصارية حادة، تسحبها لطوفان من نار، ماالذي يحدث لها بالضبط..؟؟
قامت تتماسك بهدوء، خلعت معطفها الأبيض، وعدلت ثيابها ونظارتها حمراء الإطار، وإلتقطت حقيبة يدها، لترحل بعيداً عن أنظار الممرضة الساخرة..
* * *
ما إن إطمأن أمجد لخروج أمال من الغرفة، حتى إلتفت إلى عبير، ممسكاً كفها بقبضته القوية، محركاً أنامله على باطن كفها لتفتح عينيها، لكنها أبهرته بثباتها الإنفعالي، مستمرة في إفتعال النوم..
جاراها في تمثيلها متحمساً للتسلية معها، فإقترب من أذنها مائلاً بجذعه العلوي، هامساً بود حقيقي:
ـ أعلم أنكِ مستيقظة، وتسمعيني جيداً، ولو كنا ببيتنا، لأدركتِ خطورة إدعائك للنوم هكذا، لكنك محظوظة لأننا بمكان عام.. إفتحي عينيكِ قبل أن أفقد تحضري، وأضرب بعمومية المكان عرض الحائط..
سكت لحظات، متطلعاً لملامحها التي تصلبت وحاجباها اللذان إنعقدا، كانت تشعر أنه يرتل تعويذه لسحرها، رائحته القريبة من أنفها تسحبها إليه، لتخبرها أنه هنا يحاصرها، ولم يتركها، ولن يتركها..
لا تعلم لماذا لم تستيقظ لتهرب أثناء تغيبه عن الغرفة، في الساعتين الماضيتين كما خططت..
لحظات قصيرة فاصلة، بين إنتهاء حديثه ورفرفة أهدابها، التي أمرتهم بسحب ستارها الكثيف عن عينيها..
إنتفضت للخلف، مندسة أكثر بوسادتها المفروشة بشعرها الفحمي، من خجلها من شدة إقترابه منها، فإعتدل واقفاً بإبتسامة ظافرة:
ـ حمداً لله على السلامة، ألغيت رحلة الطيران بالأمس، من شدة قلقي عليكِ.. فلن نسافر إلا وأنت بكامل صحتك..
تطلعت إليه وهي ترمش عدة مرات.. وقد تبخرت الكلمات الهجومية، التي أعدتها من أجله، أين ذهبت غطرسته، ولماذا يبتسم لها هكذا بود يذيب جبال بُغضها له بهذة السهولة، ماهذة المؤامرة..؟؟
أمسك كفيها بحركة مفاجئة يشدها للأمام لتعتدل جالسة، شهقت مبتعدة:
ـ لا لا.. ماذا ستفعل لقد قمت.. قمت..
أكمل سحبها، لتقف مرغمة أمامه مباشرة، ليعتدل منتفخ الصدر، يرمقها بمحبة، متفحصاً كدمتها الخفيفة بجانب صدغها، ماسكاً ذقنها بتسلية قائلاً:
ـ أخبرني الطبيب أن سبب الإغماء هو إرتطامك بجانب صدغك، وهذا بالتأكيد حدث بعدما حملتك، لكن قبلاً ماذا كان سببه، هل كنتِ تدعين الإغماء، كإدعائك للنوم منذ قليل..؟؟ هل تزوجت ممثلة، وأنا لا أعلم..؟؟
رجعت خطوتين للخلف، مستندة لحافة الفراش، لتتمالك نفسها من الدوار نتيجة وقوفها فجأة، يعتقلها بنظراته المتفحصة وهو يعض على شفته السفلى، تداركت مدى وقاحة فستانها الأبيض عارى العنق والكتفيين، لتغطي كتفيها بإرتباك بشعرها المسدول الطويل يمين ويسار وجهها، وليتها مافعلت..!!
ـ هكذا أروع بكثير..
الوقح أطلق صفير إعجاب طويل، إعتبرها تعدل خصلاتها لمزيد من لفت إنتباهه وإغوائه، فإستجمعت قواها عاقدة ساعديها، تستمد منهما ثباتاً تحتاجه:
ـ هل أنت شخص تحترم الصراحة..؟؟
ضيق عينيه رافعاً حاجبه الأيسر بتلاعب، ثم أومأ لها بالإيجاب، فأسبلت جفنيها المرتجفان للحظة.. ثم ألقت نظرة جانبية لأعلى، قائلة بعد تنهيدة مهزوزة الأنفاس:
ـ إذن ستحترم رأيي بعدم إتمام هذا الزواج، هذا الزواج غيرمتكافئ.. تسرعت في إتمامه دون منحي لحظة اختيار..
إختفت إبتسامته، وإكتست ملامحه بالقسوة، ليزمجر بصوت خرج من حنجرته وكأنه يقول الأه، دون أن يفتح فمه، فزم شفتيه للأمام، وهو يسمر عينيه بثبات بعينيها المسحوبة بفتنة، وإشتعلت بداخله مواقد ذكريات خمس سنوات مضت، إلتهمت حلمه في تكوين أسرة سعيدة..
مرت دقائق ثقال على كليهما وهما يتراشقان بالنظرات التي تتحدى غريمها بإنهزام غريب، هو يحاول لملمة كرامته المبعثرة، وهندمة دقات قلبه الثائرة، وفي رأسه تقرع أجراس التحذير، من التسرع مرة أخرى..
وهي تحاول تدعيم فؤادها المتعب، ومناصرة تفكيرها في الثبات على موقفها، مهما كانت مبرراته، ومهما تحداها بنظراته التي تلتهمها..
عقد حاجبيه المقوسين، وهي تتابعه بإستفهام بائس، حتى زفر بحرارة، قائلاً بصوت رخيم هادئ، معاكساً لحالته الداخلية محتدمة المشاعر:
ـ ماهو وجه السرعة تحديداً الذي تقصديه..! لقد أخبرني والدك أنكِ موافقة من قبل أن تريني، وإتفق معي على موعد عقد القران، قبل يوم أن تناولنا الغداء معاً على مائدة طعامكم.. ذلك اليوم الذي طلبت فيه رؤية شعرك، ألا تعلمين وقتها أنني ووالدك أتممنا بعض الإجراءات الورقية الخاصة عند المأذون.. بناء على رغبتك كما أخبرني والدك..!!
وإذا كانت المرأة المطلقة أصبحت تتزوج مرة أخرى، وربما قَبِل بها رجلاً لم يسبق له الزواج من قبل.. فلماذا تجعلي طلاقي السابق عقبة في تكافؤ زواجي منكِ ياأنسة عبير..؟؟
أطبق الصمت الجاثم على أنفاسها، وإنغرست أظافرها بجلد ساعديها المنعقدين، من خلال فراغات وردات الجوبير بأكمام فستانها الأبيض، كان وقع الكلمات أثقل بكثير من وزن الشاحنة التي تعبر الأن أسفل نافذة غرفة المشفى، والتي أصدرت مفصلاتها صريراً عالياً، من شدة ثقل حمولتها..
تكومت أنفاسها المتلاحقة بإختناق داخل رئتيها، جعلتها تتخطى الذهول بمراحل، ماذا إدعى والدها على لسانها أيضاً..؟؟ ولماذا لم يخبرها أحد أنه مُطلِق، وربما أخذها من يدها الأن ورحلا إلى بيته، لتجد ثلاثة أوأربعة أطفال في إنتظارها لإطعامهم..!!
هل إعتبرها والدها بضاعة كاسدة لهذة الدرجة.. لمجرد تجاوزها سن معين دون زواج، فألقاها لهذا الرجل شاكراً أفضاله..؟؟
ـ لم أسمع ردك..؟؟ كيف حكمتِ على زواجنا بعدم التكافؤ، أجيبيني.. ماهي معاييرك..؟؟
أفقدتها كلماته الجديدة رداء دهشتها الخائبة، ليمتد شرخ الأه داخل روحها، فأجابت بنفس الهدوء المتحدي:
ـ وما علاقة طلاقك، بأن تأمرني أن أكشف شعري ليلة عقد قراني، وتشتري لي ثوباً فاضح بهذا الشكل..!!
إلتفت خلفه ملتقطاً الحجاب الأسود الذي غطتها به أمال بالأمس، وإقترب منها يضعه على شعرها المسدول، والذي بالطبع لم يغطي منه مايكفي، فاشلاً في تثبيه على رأسها، قائلاً:
ـ هذا الفستان لم أره من قبل، حلف عليّ والدك ليشتريه لك كهدية زواجك، وأخبرني أنه بالمواصفات التي حلمتِ بها أنت، فتركتك تفرحي به، دون أن أفسد عليكِ فرحتك، خصوصاً أن عقد القران كان بالبيت..! من قال أنني أمرتك بكشف شعرك أمام أحد..؟؟ أنت ملكيتي الخاصة..
فشل في إحكام تغطية شعرها في محاولات خافقة، فتأفف و أمسك كفها، وسحبها بقوة خلفه، آمراً بصوته المدوي:
ـ ثبتيه بيدك إلى أن نصل للسيارة..
فغرت فاهها وقد سقط فكها من شدة الخزي الذي حملته داخلياً تجاه والدها، الذي مارس الكذب بشأنها بكل فنونه..
خرجا من الغرفة، تحت ناظري أمال التي لم يلتفتا إليها، يسرع أمجد بمشيته يسحبها من كفها بتملك، يجعلها تجري خلفه لتوازي سرعته، يتطاير حجابها الغير مثبت خلفها، يشاركها غضبها المتقد المتفاقم من ذلك الأب.. الذي أبدع في الإفتراء بشأنها، ولن تسامحه على فعلته أبداً..
هل طفح سخائه فجأة، ليكلف نفسه ثمن هذا الثوب الغالي، فقط من أجل إغراء شاري البضاعة بحسنها..!!
وصلا للمصعد بأخر الرواق، فإندفع إليه ثم سحبها إليه بقوة، لتختلط أنفاسهما اللاهثة... هو غاضباً من سوء تقييمها له، وهي غاضبة من جهلها التام بحقيقته، ما إن إنغلق باب المصعد، حتى دوى صوته الهامس بأذنها:
ـ أنا شخص أحترم الصراحة، لكن طلبك مرفوض، ويؤسفني أن أدمغك بأولى دمغات زواجك، التي وقّعتى وثيقته بالأمس..
قالها منفذاً تهديده بجموح، غير قادراً على مقاومة سحرها الفاتن أكثر من ذلك.. إنصاع بعد ثوانِ لقوة دفعها، سامحاً لها أن تنهره بشئ من الغلظة، والغضب:
ـ أنت أيضاً شخص غير مسئول، تستخدم سلطاتك الزوجية في غير مكانها.. انظر خلفك، فقد صورتك كاميرا المصعد ياسيادة المقدم ..
أطلق ضحكة مجلجلة مستمتعاً بما حصُل عليه، موضحاً لها بأن الكاميرا معطلة..
خرجا من المصعد ومن المشفى كلها، حتى وصلا لسيارته، تتابعهم أعين الناس، بملابسهم الملفتة في هذا الوقت من الظهيرة، وقد بدا أن هناك عريس وعروس، خرجا من ستوديو تصوير مثلاً، وليس من مشفى..!!
ما إن دخلت سيارته، حتى إنزوت بالدواسة أسفل مقعدها، يتعسر على عقلها إدراك ماحدث لها، وما سيحدث لها مع ذلك الأحمق، الذي أصبحت تحت عصمته جبراً وبطريقة تعسفية، خالية تماماً من النزاهة والعدل ومن أبسط حق يحيا به الإنسان في الحياة، حق الإختيار..
هل حقاً حصلت على قبلتها الأولى بالحياة، في مصعد مشفى خاص بلا مشاعر، ومن رجل تزوجته دون إرادتها..! يالها من مهزلة..!
بينما دار هو حول مقدمة السيارة، ليركب بجوارها، وماإن رآها متقوقعة بتلك الطريقة، حتى سألها بحيرة، ضاحكاً:
ـ ماذا تفعلين بدواسة السيارة..؟؟
* * *
أنهت نشوى تدريس حصة اللغة الإنجليزية بالمدرسة الدولية، التي يرتادها أولادها وأولاد علياء، فلملمت أغراضها وخرجت من فصلها، سارت بطرقة المدرسة قاصدة غرفة المدرسين، يعلو صياح الطلبة من حولها، بعدما خرجوا من فصلولهم حالاً بعد قرع الجرس..
رن هاتفها بإسم علياء ففتحت الخط مبتسمة، لكنها قبل أن تنطق أتاها صوت علياء مرتجفاً بقوة:
ـ أرجوكِ تعالي حالاً خذيني من المشفى، إنتظريني عند الباب الجانبي، لأنني لن أنزل للمرأب مرة أخرى..!
دخلت نشوى حجرة المدرسين، وفتحت دولابها الخاص لإخراج حقيبتها، مجيبة:
ـ لا أفهم ياعلياء، مما تخافين بهذا الشكل، صوتك مرعوب..؟؟
ردت علياء بصوت مرتعش:
ـ منذ دقائق نزلت لسيارتي، وجدته ينتظرني بجوارها.. جمدت قلبي.. وإقتربت من سيارتي لأركبها وأرحل، إلا أنه.. إقترب منى بحميمية قذرة.. و..تحرش بي.. تحرش بي يانشوى..
إنفجرت علياء ببكاء مرير، معلناً إنهيار سدها المنيع، الذي ظلت تبنيه بلبنات القوة والثبات والصرامة في محاولات جاهدة منها لمنع هدمه، لكن.. هاهي يتم إختراق حصون قوتها، لتتهالك في أول إختبار حقيقي..
أتاها صوت نشوى تحدثها بقلق:
ـ أيا كان ذلك الشخص، الذي إعتدى عليكِ، لا تنهاري بتلك الطريقة، سنحرر محضر ضده حالاً، لا تقلقي..
ردت علياء بكلمات متقطعة، من بين شهقات بكائها:
ـ الحقير عطل كاميرات المراقبة بالمرأب، حتى لا أستطيع إثبات تهجمه، ليس لدي دليل يانشوى، حتى السائس البغيض، لم يكن موجوداً، ليس لدي دليل، ليس لدي دليل..
أغلقت الهاتف منتظرة نشوى، وأمسكت رأسها بين راحتيها، تحاول تهدئة الصداع الذي دق رأسها بمطارق الرهبة والألم، سيطر عليها الخوف بحيث جعلها تكتب إستقالتها سريعاً بيد إرتعشت ضعفاً، فبدا خطها كخط طفلة بالمرحلة الإبتدائية تتعلم الكتابة..
مشت بطرقات المشفى قاصدة عيادة طب النساء، لتقدم إستقالتها للدكتور سامح عز الدين- نائب المدير- إلا أن مراد قطع عليها طريقها مرة أخرى، مصطدماً بصدرها بقوة، وكأنه إستعذب اللعبة..!!
لكن إستطاعتها إنهارت هذة المرة.. وعقلها الواعي رفض تصديق وإستيعاب كمية الإنتهاكات المتتالية تلك، فأطفأ مصباح إضاءته، وسحب غطائه لينام، فسقطت فوراً فاقدة وعيها..
* * *
نهاية الفصل السابع..
انتظروني والفصل الثامن يوم الأربعاء
دمتم بود
فاتن شوقي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثامن

مُساهمة  فاتن في الخميس ديسمبر 06, 2018 9:40 pm

الفصل الثامن
ـ عليااء، عليااء..
إنخفض بالتدريج صوت المطارق العنيفة برأس علياء، مختلطاً بنداءات نشوى المتكررة، وهي تستعيد وعيها، لتجد نفسها في أحد غرف المشفى، الذي أصبح جدارنه يطبق على أنفاسها، تقف بجوارها نشوى، وإحدى الممرضات..
ماإن رأت نشوى حتى قامت، ترتمي بأحضانها باكية مرة أخرى، تأمرها بسرعة أن تأخذها من هنا، متسائلة عما حدث لتصل لهذة الغرفة، فأجابت الممرضة بأدب وإستحياء، موضحة:
ـ فقدتِ الوعي بالطرقة الخارجية نتيجة إصطدامك بشخص ما.. علمنا بعد ذلك أنه الأستاذ مراد، إبن الدكتور غانم، فحملك إلى هنا مشكوراً ليطمئن عليكِ وأمرنى بمراعاتك، وإنصرف معتذراً ..!
الخسيس لمسها.. وأمسك بها مرة أخرى..! حملها إلى هنا..! أمام الجميع..! الممرضة قالت ذلك..؟؟ تحجرت ملامح علياء، تلطم خديها بخفة منزوعة القوة، ثم قامت بسرعة، تتكئ على ذراع نشوى، رافعة رأسها بعزة نفس منتهكة، قائلة:
ـ هيا يانشوى من هنا.. بسرعة من فضلك، بسرعة..
خرجا من الباب الجانبي حيث ركنت نشوى سيارتها، فسلمت مفتاحها لعلياء لتقودها، بينما أخذت هي مفتاح علياء لتعود للمرأب وتقود سيارتها، خارجة بها من ذلك المشفى المريب..
* * *
أسند مراد مرفقه الأيمن إلى الطاولة الرخامية للبار الملحق بالفندق، المطل على النيل، الذي إعتاد إرتياده كلما أراد أن يشرب الكحوليات، يقلب بباطن إبهامه على شاشة هاتفه المحمول، صور لاحصر لها، تجمعه بعلياء في ثلاث مواقف..
صور إلتقطها له صديق مقرب بأوامر منه، في لحظات إقترابه الشديد منها، مرة وقت تغيير إطار سيارتها، و مرة أثناء تحرشه بها بالمرأب، والمرة الثالثة بعدما سقطت أمامه بالرواق، وحملها بين ذراعيه..
أعطى الهاتف لخطيبته غدير التي تجلس بجواره، وعلى وجهه إبتسامة مقززة:
ـ متعي عينيك، لتعلمي كم أنتِ غالية عندي..
أطلت أيات الغيرة من عينيها، إثر رؤيتها للقطات الحارة، التي إلتُقطت بخسة متناهية، في لحظات بدت وكأن صاحبتها مستمتعة..
قرأ مراد تعبيرات وجهها الفاضحة بسهولة.. فتجرع ماتبقى من ذلك السائل الأصفر كريه الرائحة مرة واحدة، وإلتقط إصبع يدها يطبع عليه قبلات خالية من المشاعر، متقياً شر غيرتها الشرعية في عقيدة حبها له، موضحاً:
ـ كان لابد من قطع رجلها عن المشفى نهائياً، الله أعلم ماذا سمعت بالضبط، ومنذ متى وهي تتصنت عليكِ، لتخبر ولي نعمتها عن كل شئ في الوقت المناسب، وتُفسد مخططنا كله.. كنت سأكتفي بما قلته أمام ممرضتها الخبيثة، لكن الصراحة، لم أكن أعلم أنها.. إممم......
نظرت له غدير بفضول، فقرر الإستمتاع بتلك الغيرة المطلة بشغف من عينيها تفضح شعورها، فأكمل وهو يكور أصابعه كمن يمسك ثمرة فاكهة:
ـ وجدتها شهية، كثمرة فراولة بلدي، رائحتها عطرة كرائحة الخوخ الطازج، فسبقتها على المرأب لأتذوق منـ.....
ـ كفى..!
قاطعته بترفع، رافضة أن يسترسل في إستفزازها، فإقترب منها يقنعها وهو يقبل أصابعها:
ـ يابلهاء.. كنت أتذوقها، لأقدر النعمة التي في يدي، تصوري.. لم تكن بتلك الصورة التي اعتقدتها..
نجح كلامه المعسول المغموس بالمراوغة والكذب المستتر، في جعل إبتسامة الإمتنان تتوسع على شفتيها، مُظهرة فلجة الحسن بأسنانها الأمامية، لتقول بحب، متحسسة خاتم خطبتها، لتؤكد لنفسها أنه ملكها هي مهما فعل، بل وربما تقنع نفسها أنه إنسان نادر ليصارحها بما يفعله هكذا، دون مواربه، وهذا هو الدليل، خاتم خطبته في إصبعها هي:
ـ أعدك أن أكون دائماً عند حسن ظنك، وألا أقع بنفس الخطأ مرة أخرى، سأتحرى الدقة جيداً.. حسناً ماذا سنفعل بهذة الصور..؟؟
أخرج لها شريحة هاتف، وأمرها أن ترسل الصور عبر هذا الرقم لهاتف سالي الممرضة، والتي شلتها الفرحة، عندما أخبرها أنه معجب بها، ويريد رقم هاتفها للتواصل معها في أمر حلال، لأنه تعب من الرمرمة.. وصدقته..!!
سكت قليلاً يتابعها، وهي تضع الشريحة بإهتمام بهاتفها، ثم أكمل بجدية:
ـ أرسلي لها الصور وهي من ستتصرف، لكن المهم.. هل الفتاة الثانية جاهزة للخطة الأخرى..؟
أومأت وهي تعدل خصلات شعرها خلف أذنها:
ـ نعم، ستذهب للدكتور سامح غداً..
ضم قبضته في غضب مائلاً للأمام، فتدلت تميمته الفضية، قائلاً بغل مُشبّع برغبة إنتقام عاصفة:
ـ يستأمنه على ماله، ويسلمه تفويض بالأدراة بموجب توكيل عام رسمي، وأنا إبنه.. الذي من صلبه، يردني خائباً في كل مرة أطلب منه مال..! حقاً إن البادئ أظلم، وليتحمل كل منهما نتيجة إختياره..
ربتت على ركبته، تهدئه:
ـ لاتقلق، تخصصة في قسم النساء والتوليد، يسهل تلفيق التهمة..
نظر لها نظرة جانبية متسلية، أشعلت وهج مشاعرها الصادقة نحوه، ليخفق قلبها بحب، ثم رشفت ما تبقى بكأسها بنفس طريقته، لتثبت له أنها جديره به، وتتصرف كواحدة من بنات طبقته الراقية..
وضعت الكأس، وأخذت تحتضن ذراعه، كقطة وجدت وليفها، تمنحه مايريد، وتُمنى نفسها بحياة جديدة قادمة، ملؤها رغد العيش.. مختوم على صفحاتها ضد الوجع.. ضد الفقر.. ضد الإحتياج..!!
ضد كل الماضي القمئ، الذي مرت به وتكرهه، لم تصدق نفسها، يوم أن أتاها مراد أبو هيبة، إبن الحسب والنسب، لمكان عملها بإدارة المخازن، يخبرها بإعجابه بها، ورغبته في خطبتها..
ليكون في اليوم التالي، جالساً ببيت والدها المتواضع بالحارة الشعبية البسيطة، ورأى بعينيه مستوى عائلتها البسيط جداً، وجلس على أريكتهم الخشبية، ذات الثلاث وسائد الخلفية المقوسة، مهترئة الغطاء، ورغم ذلك.. أصر على إتمام الخطبة.. راسماً لها أحلاماً وردية، لم تجرؤ يوماً على الحلم بها..
حركت يدها، مملسة على ثيابها النظيفة الغالية، التي إشتراها لها، لترتدي ما يليق بزوجة مراد باشا المستقبلية، وعكصت أطراف شعرها بدلال، شعرها الذي تكشفه له، ومن أجله فقط، ما إن تخرج من حارتها الشعبية..
متذكرة ماطلبه من عائلتها، من التكتم على خطبته لها، متعللاً برفض والده، لمصاهرة من هم في حالتهم المادية والإجتماعية..!!
راضخين لطلبه البسيط، غير مصدقين طاقة القدر التي فُتحت لهم..
أحاطها بذراعه، ينظر لها نظرات تعدها بالكثير، فتبتسم له.. وقد غشا عينيها سكرة الخمر والحب معاً، ظانة أنها ملكت الدنيا بين يديها..
ملكت جناح البعوضة!!..
* * *
خرجت أمال من المشفى، عقب رؤيتها إنصراف أمجد مع عبير، يتأرجح نبض قلبها على إيقاع أهاتها المكلومة، تؤنب نفسها لأنها هي التي جنت على إبنتها، بعد أن سلمتها له تسليم أهالي بأفعالها وأقوالها دائماً للخالات والجارات، عن أمنيتها أن تراها عروس قبل أن تموت..
مقدمة تنازلات بمواصفات العريس بسبب سنها، نيابة عنها، دون علمها..!
أشارت بإصبعها لسيارة أجرة، وركبتها قاصدة بيتها، مالت برأسها بإنكسار على زجاج النافذة المجاورة، تسترجع ماحدث ليلة عقد قران أيات إبنة أختها، حيث جلست مربعة على أرض المطبخ الواسع بين النساء، وقت إعداد الوليمة، تتحسر على شباب إبنتها الضائع، دون زواج..
تعلم أنها موجودة هنا بين النساء الجالسات، اللاتي يقمن بإعداد المحشو في القدر الكبير، جارة أختها، المشهورة بجلب العرسان، وهي من لها الفضل في زواج أيات..
تتحدث أمامها بعفوية مقصودة، لعلها تجد لديها بغيتها، تذكر أمامها أن إبنتها ستوافق أن تتزوج من رجل خمسيني العمر مثلاً.. المهم أن تتزوج، لامانع إن كان أرملاً.. المهم أن تتزوج، لايضر إن كان مطلِقاً.. المهم أن تتزوج، ماذا لو لديه أطفال..؟؟ لامانع فربما قلت فرصها في الإنجاب بعد هذا السن.. المهم أن تتزوج..
وعدتها الجارة بسرعة البحث، بعدما رق قلبها لحال الأم المتصدع، وأياً كانت المواصفات لايهم، فالعروس سنها لايسمح بأن تجلس واضعة ساقاً فوق أخرى لتتدلل وتختار..! هذة هي الرسالة التي وصلتها من أمال..
إنسابت دموعها في صمت، معتدلة في جلستها عقب صعود السيارة وهبوطها فوق أحد مقبات الطريق، فتحت سحاب حافظتها المستطيلة، المنقوش جلدها بالفراشات الفضية المنقوطة، والتي أهدتها لها عبير ذات مرة، وأخرجت محرمة ورقية بيضاء، وبعض النقود..
مسحت دموعها، متمنية إمكانية مسح الكلمات المبتذلة، التي نطقت بها سالفاً، رخصت بها ثمن وقيمة إبنتها البكر المصون..
نزلت من السيارة قرب بيتها، وظلت تمشي بشارعها كالتائهة، تتذكر إتصال الجارة بها، تخبرها عن أمجد..
رجل ذو مكانة مرموقة بوزارة الداخلية، ضابط برتبة مقدم، في الثامنة والثلاثين من عمره، ولم تذكر عن ماضيه، سوى أنه كان مرتبطاً من قبل، فرحة أمال بالمواصفات المثالية تلك، عمتها عن السؤال عن ماهية إرتباطه السابق هذا، إن كان زواجاً، أم مجرد خطبة.. لا يهم..!وأسرعت تخبر رشدي عنه ليمتلك هو زمام الأمر، غير متوقعة أن تأخذ الأمور مجراها بسرعة بهذا الشكل..
وصلت لأسفل بنايتها وصعدت درجات السلم، تجر أقدام الحسرة والملامة، وندماً عميقاً كبل عاطفتها الأمومية، وأسرف في إنتهاكها..
* * *
أنهى محمد تناول غدائه ودخل غرفته يتناول الدواء، تبعته سميحة مسرعة بكأس عصير البرتقال الطازج، مبتسمة:
ـ إشرب العصير يامحمد، سأحمل أطباق الغداء مع هيام، وأعود إليك..
أخذ منها الكأس، ووضعه على الطاولة المجاورة للسرير، قائلاً:
ـ تعالي ياسميحة أريدك بجواري، فأنا متعب وأريد أن تمسدي لي رأسي..
إقتربت منه تقبل رأسه، ثم هتفت بدلال يليق بها، مبتسمة:
ـ مشط لي شعري أولاً.. أنا إستغلالية..
إبتسم لها إبتسامة عاشقة، مومئاً برأسه فأسرعت تجلب فرشاتها، وجلست على أريكتها المريحة أمامه، فشرع يمشط شعرها الناعم القصير، ثم إحتضنها وهو يريح رأسه المثقلة بالهموم بجوار عنقها، قائلاً بصدق مغمضاً عينيه:
ـ أنا متعب يا سميحة..
فإستدارت له تحتضن رأسه في صدرها الحنون لدقائق مريحة لكليهما.. ليتمدد بعدها جوارها سانداً برأسه على رجلها، عاقصاً ركبتيه للخلف، مغمضاً عينيه في سكون، حيث يعتبر نفسه في هذة الوضعية، حَسُن مستقره ومقامه، وهو على حجر زوجته..حبيبته.. وشريكة عمره..
مأواه الآمن الحصين، وأمانه الهادئ المريح، ظلت تمسد شعره القطني، لتبدد عنه تعبه وإرهاقه، راح على أثرها في نوم هانئ، فرجعت بظهرها للخلف قليلاً، وتناولت مصحفها، لتقرأ فيه..
بعد ربع ساعة فقط، رن هاتف محمد بجيبه، فإلتقطه مجيباً وهو مغمض العينين، ليأتيه صوت أحد العاملين بالمزرعة الغربية، يخبره بسرقتها..
كان الخبر كفيلاً بجعله يستفيق منتفضاً، غير مستوعب سرعة تنفيذ شركاء محمود مخططهم في إيقاعه وسرقته..!!
أغلق الخط، بعدما علم من العامل بتواجد محمود هناك منذ الظهيرة، هذا يعني أنه علم وخرج دون إخباره، خوفاً من تفاقم رد فعله، أوخشية التقريع مجدداً..
لم يكن محمود على علم بأنه قرر مساعدته، ودفع الشرط الجزائي لفسخ العقد، بل وتدعيمه في الظهور بالسوق، بخط إنتاج جديد بإسمه هو، لكن بلاشركاء، طالما هدفه الأول والأخير هو المغامرة..
لكن الأن، وبعد سرقة أبقار المزرعة من سلالة الهوليشتاين النقية عالية الجودة، من أين له بالإنتاج الجديد.. ومن أين له التعويض.. إذا كانت إنتاجية المنتج الحالي نفسها ستتأثر بماحدث..
كان يرتدي ملابسه بسرعة، وهو يقص على سميحة ماحدث، متمنياً أن تنشق الأرض وتبتلعه هو.. لأنه لم يكن أميناً كفاية في الحفاظ على ممتلكاتها.. كما وعدها من خمسة وثلاثين عاماً..!!
قامت تربت على كتفه بود، لتمتص غضبه المشروع، قائلة بتأنيب:
ـ حافظت على أموالي طيلة حياتك يامحمد وزدتها أضعافاً، لتأتِ اليوم تؤنب نفسك على غلطة، إرتكبها إبنك بغير عمد..!! لا يامحمد لن أسمح لك أن تظلم نفسك بهذة الطريقة..
لكنه لم يعبأ لكلامها، وخرج من الغرفة بهرولة، مخلفاً ورائه كلمات ثائرة حادة، وركب سيارته قاصداً المزرعة، لكنه توقف بمنتصف الطريق، يمسك بقلبه العليل لاهثاً، فركن سيارته يستريح قليلاً من فرط إنفعاله، متخذاً قراره بترك محمود وحده، يتحمل نتيجة إختياره.. لا، لن يذهب إليه..
إتصل بسميحة التي أجابته بلهفة وقلق، تستقبله في كل الأوقت بنفس الترحاب، ليخبرها بهدوء متهالك:
ـ وعدتك أن أرفع يدي، ما إن أشعر بثقل الحمل، أحتاج لأجازة طويلة، بعيداً عن كل شئ، أحتاج أن أجلس وحدي لفترة، ولا أريد نقاشاً وثرثرة طويلة..
سكت قليلاً يتنفس، فإستشعرت سميحة الوجع الساري بأوردته، مجيبة:
ـ لاداعى لهذا الكلام يامحمد، لاتُحمل نفسك فوق طاقتها، وكل مشكلة ولها حل..
هز محمد رأسه نفياً بحزن، وكأنها تراه ليكمل كلامه بتحذير صارم:
ـ إسمعي الكلام دون معارضة ياسميحة، لا تحلي مشكلة محمود، فقط سلميه الشيك الذي كتبته له، ستجديه بدرجي الخاص بالدولاب، الرقم الذي كتبته له، سيعينه على دفع قيمة الشرط الجزائي لفسخ عقد الصفقة، لينهض من كبوته سريعاً، وليتحمل هو مشكلة سرقة مزرعته بنفسه..
السيولة المتبقية في رصيدى تكفي لإقتسامها بالتساوى بين أولاد محسن، وهاني، فليس من الطبيعي أن أعطى المال وأساعد من أخطأ، وأحرم من لم يخطئ، من نفس المقدار..
إحتدت سميحة تقاطعه بعدم رضا، رافضة إستسلامه، وطريقة تفكيره السلبية:
ـ ماالذي تفعله يامحمد، تقسم مالك، وتفر هارباً.. لماذا وإلى أين..؟؟
ليعلو صوته المتعب صارخاً بعصبية مغموسة بالإحباط:
ـ نعم، أريد أن أكون وحدي، ولا تثرثري كثيراً.. نفذي ماقلته لك، هذة وصية..
تجاوزت عصبيته، لتتحدث بنبرة هادئة، تحمل عمق مشاعرها الماسية له، متمادية في إستجدائه، وهي تسأله:
ـ سترتاح بمفردك.. بعيداً عني..؟ هل سيأتيك النعاس، دون أن أمسد لك شعرك الأبيض..؟؟
لم يجبها سوى بنعم مقتضبة.. وكاذبة..!! كاذبة بضراوة أوجعته هو شخصياً، ثم أغلق الخط والهاتف نهائياً، وإنطلق بالسيارة يشق طريقه إلى(الأسكندرية)..
* * *
ألقى أمجد نظرة سريعة على عبير، التي مازالت قابعة بالدواسة أسفل مقعدها، منكفئة بوجهها على الكرسي، تدفن رأسها بين ساعديها كطفلة باكية، ضاعت من أمها..
أعاد نظره للطريق أمامه، قائلاً بهدوء بصوت تستعذبه أذنها، دون أن تفهم سبباً لذلك:
ـ أيمكن إعتباري صديق، وإخباري بمشكلتك، أتبكين شيئاً فقدتيه ..؟؟
ردت عليه بصوت مختنق دون أن ترفع رأسها، حركت فقط ساعدها الأيمن لأعلى، ثم هبطت به على عنقها، المسدول عليه شعرها الطويل:
ـ لا أبداً، أنا فقط مسحوبة كالبقر، لاأعلم إلى أين أنا ذاهبة حافية القدمين، لا أرتدي حذاء، مكشوفة الشعر والأكتاف.. بصحبة رجل غريب عني.. يدعي أنه زوجي.. أين المشكلة..؟
إشتدت عضلات فكه عقب سماعه كلامها، فأمسك المقود بكلتا يديه، وكأنه يحجم إنفعاله، لأن جملتها الأخيرة أغضبته بشدة، هو فعلاً زوجها لا يدعي ذلك، رد عليها بصوته الصارم الأجش:
ـ ثوان، وتنتهي مشكلتك، لتعتدلي جالسة بمكانك كالناس الطبيعية، بضغطة زر واحدة لا غير، يازوجتي المهذبة..
هتفت وهي بنفس الوضعية بصوتها المختنق، ساخرة:
ـ لماذا، هل تمتلك أزرار مصباح علاء الدين..؟
شبه إبتسامة جانبية ظهرت على زاوية شفتيه، مستشعراً إستظرافها الطائش، الغير مضحك نهائياً، ليرد عليها خاطفاً نظرة سريعة على وضعها المتكور، يريد إثارة حنقها، مستمتعاً بتبادل الحوار معها:
ـ أنت ثقيلة الدم جداً، تفتقدين حس الفكاهة المرِح..
لكن العنيدة خذلته بالإستمرار على وضعها، ولم تتحرك من مرقدها، قائلة:
ـ لا أهتم.. ويكفينا خفة ظلك أنت..
ربما لو لم يكن صافي المزاج، وحلته السوداء تخبره أنه مازال عريساً لم يخلع سترته بعد، لكان رد فعله مختلفاً، لكنه ضغط أزرار جانبية بالسيارة، فإرتفع زجاج السيارة المعتم الحاجب للرؤية، بينما إندفع الهواء البارد من مكيف السيارة الأمامي، يغزو شعر رأسها، فأشعرها بالبرودة..
تحركت في جلستها قليلاً، تتفادى برودة الهواء، الذي أسرى قشعريرة إمتدت لكامل عمودها الفقري..
تحدث ضاحكاً بخفة:
ـ الزجاج معتم يحجب الرؤية.. تأكدي بنفسك، وإجلسي على المقعد كالبشر، هيئتك تشعرني بأنني خطفت طفلة من أمام الروضة..
جلست بإعتدال على مقعدها أخيراً، متنهدة بإرتياح طفيف، وأمالت رأسها تسندها على الزجاج، فإنسدلت ستائر شعرها الفحمي تحجب عن أمجد رؤية وجهها تماماً ليقول بتسلية، مقوساً حاجبيه:
ـ ويبدو أن شعرك أيضاً معتم، يحجب الرؤية تماماً..
إبتسمت دون أن يراها، فتحدث إليها بتودد يشاكسها، متسللاً إليه دافع رجولي بملامستها، ومناغشتها:
ـ مارأيك بأزرار سيارة علاء الدين..؟؟
أجابته مبتسمة دون إلتفات بصوت تبدد إختناقه قليلاً:
ـ إستخدام الزجاج المعتم في السيارات، يعد مخالفاً لقانون المرور على حد علمي ياحضرة الضابط، أحتاج منديلاً لوسمحت..
أطلق ضحكة خشنة مفخخة وهو يحك ذقنه التي بدأت تنمو، ثم تجاوب تلقائياً لطلبها البسيط، فشد ثلاث محارم ورقية من أمامه يناولهم لها:
ـ تفضلي..
مدت يدها فلامس كفها قابضاً عليه بإنتصار، لتنتفض من مكانها ملتفته إليه تسحب كفها، إلا أن قبضته الفولاذية أطبقت عليه بإحكام، ظل كذلك للحظات، مبتسماً بضراوة لهذا الإنتصار الساحق، حتى أوقف السيارة بجانب الطريق..
تحداها بنظرات تضج تلاعباً وتسلية، بعدما إستطاب ملامسة يدها كالمراهقين، ليجدها تقول بهدوء وثبات، دون أن تنظر إليه، ناظرة فقط لكفها المعتقل:
ـ من فضلك أتركني..
ـ يعجبني ثباتك الإنفعالي هذا جداً.. كيف تفعلين هذا..
ـ من فضلك..
أراد زيادة مقدار إستفزازها لترفع له عينيها الفاتنة، ليقول:
ـ لم تعاملني إحداهن بهذا الجفاء من قبل..
رفعت عينيها بأهدابها الطويلة الساحرة، في حركة بدت له كالتصوير البطئ، لتنظر له بتحدي، ليهمس لنفسه مبتسماً بضراوة:
ـ أخيراً نلت منكِ..
تحدثت بتحدي وثبات:
ـ يمكنك الذهاب لهن إن أردت.. لايهمني..
قابل تحديها بتحدي أكبر:
ـ كاذبة، ستغارين عليّ بالتأكيد..
شدت كفها بعنف فتركه بسهولة، لترتد مرتطمة بظهر الكرسي، ماسحة أنفها بعنف بالمحرمة، مدافعة عن نفسها، ثائرة لكرامتها، وسط ضحكاته المرحة:
ـ أنت بالتأكيد واهم.. أغار على شخص لم يغير على زوجته، أخبرني بصراحة عن حقيقة مشاعرك، تجاه كل شخص وقعت عيناه عليّ بهذة الهيئة الفاتنة..
تجمدت نظراته على ملامحها الثابتة، حيث لجّمت عبارتها الكلمات في حلقه، فأوجعت رجولته بألم فاقت فخامته الحد!!..
أشاحت بوجهها يميناً، فتصلبت نظراته للأمام، قائلاً بصوت رصين:
ـ حتى لانتحدث بهذا الشأن مرة أخرى، كان الترتيب لليلة أمس هو، أن نعقد القران في إحتفالية عائلية بسيطة، ترتدين فيها ماتحبين، فلم يكن سيراكِ أحد بهذة الطلة غيري أنا، ثم تبدلين ثيابك، ونغادر للمطار إلى تركيا..
إلتفت إليها معقباً، وقد تخشبت ملامح وجهه، كتمثال جامد:
ـ عندما دخلت لغرفتك كنت سأبارك لكِ، ونتناول العشاء معاً، وتبدلي ملابسك لنسافر، لكنك سقطت أمامي، ولم أهتم لشئ سوى لصحتك.. سنذهب الأن للمتجر لشراء ملابس لائقة تسترك، فالفستان المكشوف والدك هو من إشتراه، والوشاح الصغير والدتك هي من جلبته لك..
علا صوته بصرامة أجفلتها، مشوحاً بسبابته بفظاظة، مستوحاه من قسوة عمله، والذي لايتعامل فيه سوى مع حثالة الإناث:
ـ وكلمة أخرى في هذا الموضوع تحمل نفس معنى الدياثة الذي قصدتيه عن عمد أكثر من مرة، فأقسم بالله العظيم، ستسمعى إجابة وتشاهدي رد فعل، يبكيك ندماً لأخر يوم بعمرك.. فهمتي..؟؟ إنتهينا..؟؟
تذبذب ثباتها قليلاً، فدوى صوته بنبرة أقوى وأشد صرامة متسائلاً:
ـ إنتهينا..؟؟
أجابت بهمس، مبتلعة ريقها بتوتر لا يخل من تحدي:
ـ بل ابتدينا..!!
ـ يسعدني أن نبدأ حياتنا متفقين..
ـ أنا أيضاً.. يسعدني ذلك.. جداً..
قالتها بهمس أضعف لكنها سمعها، في كل مرة يتحدث إليها أمجد، يؤكد لها إحساس المرارة من موقف والدها منها، وبأنها كانت مجرد دمية ماريونت، تتحرك مؤدية دوراً أحكم هو صياغته، ومن الأفضل لها إتقاء شر ذلك الرجل، الذي أدار محرك السيارة، ليكمل سيره من جديد صامتاً، حتى وصل للمتجر، وأمرها بإنفعال صارم، لكن بلهجة ودودة:
ـ إنزلي من فضلك..
نزلت حافية القدمين ليستوعب حقاً أنها بلا حذاء، ولم يلحظ ذلك من قبل بسبب طول ذيل الفستان، الذي إحتال للون الرمادي نتيجة تحركها به بالشارع، ثنى ذراعه لها، ناظراً لها بملامح جدية خطيرة، شابتها إبتسامة جذابة، يفرض عليها أن تتأبطه بالقوة الجبرية، ليدخلا المتجر ملفتين الأنظار لهما من جديد..
إنصاعت له تمشي بجواره بكيان قُصف كبرياءه، وإنحنت هامته من وجع تهديده لها.. لكنه محق، فقد إستطالت بلسانها عليه، وعليها الإعتراف بخطئها..
بعد ساعتين.. خرجت من أحد المحال، مرتديه فستان نبيذي اللون، يزين خصره حزام جلدي أسود، يتوج رأسها حجاباً أصفر منقوش، فلانت أخيراً ملامحها، بعدما زال عنها شعور الذنب، الذي شوه روحها النقية..
كانت تتجول بجواره حاملة حقيبة يد صفراء، مماثلة للون حجابها وحذائها الأصفر الأملس الجديد ذو الكعب العالِ، وبيدها حقائب تحوى أطقم أخرى من الثياب والأحذية والحقائب..
أمسك بكفها يعتقله بتملك، ثم حمل عنها حقائبها، لتهمس بأدب:
ـ شكراً لك.. شكراً على المشتروات، بغض النظر على إصرارك أن تختار أنت ذوقها المختلف تماماً عن طبيعة ملابسي العملية، فأنا لا أرتدى سوى الأحذية الرياضية، شكراً أيضاً على حمل الحقائب.. شكراً على كل شئ..
نظر إليها طويلاً.. لماذا هي مهذبة هكذا أكثر من اللازم.. على ما تشكره.. أجابها بصوته الرخيم مبتسماً:
ـ لايصح أن تشكري رجلاً، على رجولته..
أحدثت جملته البسيطة وقعاً طيباً في نفسها، فنظرت إلى كفها المعتقل، بإبتسامة شاحبة تسللت لروحها، فوقع بصرها على حذائها الأصفر معلقة:
ـ لم أرتدِ بعمري حذاء وحقيبة بهذا اللون..
أجابها بنبرة تهكمية ساخرة، تقبلتها بهدوء:
ـ إعتبري نفسك عروس، من حقها إرتداء ألوان مبهجة..
للمرة الثانية، كانت لوقع كلماته على أسماعها طيب الأثر، ستستمع لنصيحته، وتعتبر نفسها عروس وتُمتع نفسها برفقته، التي إكتشفت أنها محببه لها، وليست ضاغطة على أعصابها، كما توقعت..
جلسا على مقعدين، في أحد المطاعم المطلة على البحيرة الصناعية، بالمنطقة المكشوفة بالمتجر، ليطلب لها طعاماً إلتهمته بنهم من شدة جوعها، تبتسم لنكاته التي لا يجيد إلقائها ثم يضحك بملء فيه كأنها مضحكة وشيقة، فتبتسم رغماً عنها، ثم تنفجر ضاحكة من قلبها..
* * *
وصلت كل من نشوى وعلياء، على رأس الشارع الذي تسكنه علياء، كل واحدة تقود سيارة الأخرى، توقفتا خلف بعضهما بجانب الطريق..
إندفعت علياء من السيارة، تسأل نشوى بقلق وشحوب:
ـ هل تتبعك أحد..؟؟
نفت نشوى ذلك برأسها، وهي تسلمها مفتاح سيارتها:
ـ لا.. لم أقابل أحد، أويعترض طريقى أحد، واضح أنه إختفى، ولله الحمد..
تنهدت علياء واضعة يدها على قلبها المذعور، تهدئ من روعه:
ـ يختفي أويذهب للجحيم إن شاء الله.. شلت يده التي إعتدت علي جسدى بدون وجه حق.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه..
ـ إهدأي ياعلياء، والحمد لله أنك إستطعتِ الإفلات منه، كيف فعلتِ ذلك..؟؟
ـ غرزت دبوس حجابي بكتفه بكل قوتي، فصرخ كالفأر المصعوق.. لن أخبرك عن قذارة الكلمة التي سبني بها..
ضحكت نشوى بقهقهة رغماً عنها، وهي ترفع لها إبهامها علامة التمام، ثم سألتها:
ـ هل قدمتي إستقالتك بالفعل..؟؟
حكّت علياء رأسها تتذكر، لكن نشوى أنقذت ذاكرتها المشوشة، وفتحت حقيبتها، وأعطتها الورقة التي لم تسلمها للشخص المعني بعد، ناولتها لها بعبوس، قائلة بتحدي:
ـ ستقطعينها، أم أمزقها أنا..؟؟
إختطفتها منها علياء، لتجيب بصوت مبحوح، لم يزل عنه أثار الإعتداء بعد، حيث خرجت نبراتها، محملة بغبار العجز والإمتهان:
ـ لا .. سأقدمها، بل ستقدميها نيابة عني، فأنا لن أستطيع الذهاب لذلك المشفى مرة أخرى، أنا لا أعلم ماذا يدبر لي هذا الحيوان، ووالده مسافر، ولن يردعه أحد..
لوت نشوى شفتيها بإمتعاض، وهي واقفة أمام علياء تفوقها حجماً وطولاً، بدت لها كوالدتها، شتمتها وهي تعدل وضع نظارتها الشمسية فوق خديها المتكورين:
ـ لا أفهمك، لماذا لا تذهبي للقسم.. لتحرير محضر ضده، وتنزلي لعملك باليوم التالي بمنتهى الثقة والكبرياء، وتدبين أصابعك بعين من لايعجبه..؟؟
ردت علياء بصوت ضعيف مهتز، أظهرحجم المعاناة التي تنهشها:
ـ ليس لدي دليل، إذا كان أذاني هذا الأذى دون أن أخطئ بحقه، أو أعرفه أصلاً.. تخيلي معي، لو حررت محضراً ضده، وإتهمني وقتها برمي بلائي عليه، للتشهير به مثلاً..!! كيف سأدافع عن نفسى..؟؟
ردت نشوى بنفاذ صبر:
ـ وماالمطلوب مني بالضبط ياحزينة..؟؟
أجابتها علياء الحزينة بالفعل، وأطراف أصابعها ترتجف، كنتيجة طبيعية لما تعرضت له:
ـ نائب المدير هو الدكتور سامح، وقد جدد طلب الزواج مرة أخرى صباحاً، وأنا لن أستطيع مواجهته، فرفقاً بي قدمي له إستقالتي غداً..
أطلقت نشوى ضحكة صاخبة، لاتمت للوقار بصلة، لتقول بمرح ساخر:
ـ لديك حل المشكلة، إذهبي له، وإطلبي منه النجدة، بالتأكيد سيقف بجوارك، ويحميكِ منه.. هيا، هيا مزقي الورقة، وتراجعي عن قرارك، فوجودك في عملك صباحاً، سينفي أي شائعة، يمكن أن تتناقلها الألسن..
شهقت علياء مستنكرة:
ـ أذهب إليه، أخبره بأنه تم الإعتداء عليّ، أنت مجنونة يانشوى..؟؟
وضعت نشوى ورقة الإستقالة بحقيبتها، ثم تحركت نحو سيارتها مغتاظة من رد فعل علياء السلبي، ماإن ركبت حتى إهتزت السيارة نتيجة وزنها الزائد، قائلة:
ـ سأعود للمدرسة، لأخذ صالح وحازم لتدريب كرة القدم، هل أحضر لك البنات، أم ستركبان حافلة المدرسة..
تذكرت علياء أنه الأربعاء، يوم تدريب كرة القدم لصالح، فشكرت نشوى بإمتنان، وأخبرتها بأن البنات ستركب الحافلة، داعية لها بألا يوقعها الله بمأزق مشابه للذي وقعت فيه أبداً، متمنية أن تكون قد أجادت التصرف، عندما إختارت أن تستقيل، ولتتحمل نتيجة إختيارها..
* * *
وقف محمود يتحدث لأحد رجال الشرطة، الذين إمتلأت بهم ساحة مزرعة الماشية المسروق بقرها، مرتدياً نظارته الشمسية المعتمة، التي تخبئ نظراته الحزينة الغاضبة، لم يكن يعلم أنهم يرتبون أوراقهم جيداً، ويزرعون أشخاصاً بداخل مزرعته، ولائهم الأوحد لهم مقابل حفنة جنيهات، ينتظرون الإشارة ليغدروا..
وبعد حصر الأبقار الموجودة، تحدث إليه الضابط:
ـ العدد المسروق ضخم، وخرج في وضح النهار أمام الجميع، هذا يعني أن الجميع تعاون في خروج البقرمن هنا، بشكل يبدو طبيعياً..
أخبره الضابط بإستكمال التحقيق بالقسم، وأنه سيتم إستدعاءه للشهادة، أومأ محمود بفتور، ليستأذن الضابط بالإنصراف..
بعد نصف الساعة من خلو المزرعة من رجال الشرطة، جلس محمود شارداً في إحدى غرف المبنى الخدمي بالمزرعة، ممدداً ساقيه أمامه، واحدة فوق أخرى على أحد الكراسي الخشبية، المشابهة لتلك التي تملأ المقاهي الشعبية..
دخل إليه أحدهم، يهتف بإنفعال مضطرب:
ـ أستاذ محمود، ياأستاذ محمود..
أدار محمود رأسه ببطء، وكأن أعصابه صُدمت للمصيبة التي حدثت فأصابته بالبلادة، فتحدث الرجل مرة أخرى، قائلاً بهلع:
ـ الطبيب البيطري شخصياً كان موجود، وأشرف على نقل الأبقار بنفسه، أخبرنا أن نحررها من حظائرها، لأنها مريضة وهو سيأخذها للعلاج بمزرعة أخرى منفصلة، حتى لا تنتشر العدوى بين بقية البقر..
عقد محمود ساعديه أمام صدره ببلاهة وكأن ماسمعه لايعنيه، أو ربما لأنه سمعه مكرراً ألف مرة من ألف شخص، منذ أن وصل للمزرعة ظهراً، لذا شوح له بذقنه، قائلاً بتكاسل أحمق:
ـ يمكنك الإنصراف ياريس عادل، لاتقلق من المساءلة القانونية، فلن تتأذى ولن نحقق معك مرة أخرى، تفضل..
إندهش الرجل من رد فعل محمود، الذي لم يكن بالقدر اللائق بالموقف، فتركه وإنصرف، بعدما شعر أن هناك أمراً ما لايفهمه..
في حين سحب محمود نفساً طويلاً، إخترق صدره كوخز إبر مسننه، ليزفر بعدها زفرة، أتيه من وادٍ سحيق بأعماقه..
إنزلق بمقعده مغمضاً عينيه تحت نظارته الشمسية، التي لم يخلعها بالرغم من وجوده بغرفة مضاءة بالكهرباء، يندب ضياع حاله، متذكراً ضياع ألوانه الخشبية، التي فقدها بالفصل ذات مرة، وهو بالروضة..
لا لم يفقدها، بل إستولى عليها أحد زملائه الهمج، الذين يبلطجون على من هم قليليّ الحيلة، وملتزميّ الأدب..
هناك طفلاً يرتدي زى مدرسة حكومية بلون المسطردة، أزراره خلفية كقميص المجانين، يجلس على الأرض باكياً، ينتظر والده لينقذه ويجد ألوانه المسروقة، ليعيدها إليه، منتصراً له على زملائه الأشرار، الذين سلبوها قهراً..
فتطفو ضحكته على وجهه الباكي، ويحمله والده على أكتافه لمنزله، ليهرول لأحضان والدته الغالية، والتي بالطبع ستمنحه دفء وأمان بلاحدود..
هذا المشهد الذي داعب شعوره، لم يكن من وحي خياله، كان من وحي ذاكرته المهترئة، نعم، حدث بالفعل..
إقتحمت الذكريات الجارحة باب عقله تقرعه بضراوة، لتدفعه بقسوة إلى هوة الماضي البعيد، فيسقط معها عائداً لسالف السنين، ليرتطم بأحداث مشحونة بسهام الغدر والخيانة، بتصادُم مدوي يهلكه..
هز رأسه عاقداً حاجبيه، وكأنه على جهاز يحرك ذاكرته نحو مؤشر الألم، فيسمع كلمات تتردد في عقله بتتابع قاسي، لتنحر الذكريات البائدة روحه من جديد..
هاهي الصورة بدأت في الوضوح، يحمله والده ويمسح دموعه، يرفعه على كتفيه، يراضيه بمغلف بسكويت دائري أصفر اللون، يصعد به سلم عقار قديم، متهالك دهان حوائطه، ليصل للطابق الأخير.. لاهثاً من مجهود الصعود، متفصد الجبين عرقاً، يمسحه بمحرمة قماشية نظيفة..
أخرج مفتاح باب الشقة المتأكل خشبه من الأجناب، ليدخل به لردهة الشقة الضيقة، ليعبرها إلى الغرفة الأمامية، يهم بفتحها ثم يتسمر مكانه..
يسمع صوت زوجته، تجاور أحدهم بغرفة إستقبال الضيوف، التي إبتاعها مستعملة لضيق ذات اليد، يسمع ضحكاتهما، وصوت من يجاورها يخطط لها، كيفية طلب الطلاق..!!
للخلاص من ذلك الزوج الفقير، الذي يعمل معيداً بكلية الزراعة، ولايمتلك سوى شهادة جامعية محنطة بتقدير إمتياز، وفتات النقود كراتب شهري، إلى جانب بدلة كلاسيكية وحيدة، وقميص أبيض نظيف، لايرتدي غيرهم.. تسكن معه بشقة إيجار، مرصعة بالأثاث المستعمل..
أما هذا الرجل الذي يجاورها، يمتلك كل شئ، الشقة، والمال، وورشة ميكانيكا السيارات، والسيارة الربع نقل، والحب الزائف..
ماذا يكون إحساس ذلك الزوج، الذي يقف مبهوتاً مما يسمعه، إنها تراوده عن نفسها بصفاقة مرة، وتستعذب تأوهات عذابه في إنتظارها بوقاحة مرة.. لتجدد في كل مرة طلب الإنتظار، لحين موعد الطلاق، لتكون وقتها تحت أمره..
وفُتح الباب، لتتحطم كل معاني الثقة، والإئتمان على الإسم، والمال، والولد.. لحظة مارأها تجاور ذلك الوغد الخائن، تجلس بعباءتها المنزلية القطنية، مفتوحة أزرار رقبتها الثلاث بإهمال، وتغطي بعض شعرها بذلك الوشاح المثلث الصغير، المعقود طرفيه بطرفيّ ضفيرتيها فوق رأسها، تجلس بأريحية كأنها أمام جارتها، وليس رجل غريب..! خائنة..!
يفصل بينهما مسافة شبرين، على أريكة الصالون، الذي كان مذهب الخشب يوماً ما، الوقحة تتبع أُسلوب إشتاق اليوم وتذوق غداً، إلا أن هذا لاينفي عنها صفة الخيانة بأى شكل من الأشكال، فربما لوكان تأخر قليلاً، لرأى المشهد في مراحله المتقدمة..
إعتدل محمود على كرسيه، وأنزل ساقيه الممددتين، مسقطاً رأسه بين كتفيه المتهدلتين، من عنف الذكرى التي كسرته..
كل مايختال في ذاكرته الأن، هو لفظ الطلاق الذى علا مدوياً يصم الأذن، يعقبه طرداً مهيناً من الجنة الضيقة من رجل تكفل بمداواة تقرحات روحه المنكسرة، يحدث نفسه بأنها لا لم تخذله.. بل هو من خذل نفسه بإختيارها أم وزوجة وأمان..!!
رجل تكفل بمداواة قلب طفل برئ إسمه محمود، شاهد وسمع لكنه لم يفهم وقتها، وطفل أخر أكبر منه إسمه محسن، كان قد عاد أيضاً من مدرسته، ورأى وسمع كل شئ من بدايته، كان واعياً كفاية ليفقه جيداً ماحدث، ويتحول من وقتها لشخص صارم بشراسة، أجوف المشاعر، مفرغ من العاطفة..
نظر محمود بهيئته المنكفئة لأرضية الغرفة الخرسانية، ليركل بعض الحصي من تحت حذائه، ليتفحص المكان ويكتشف أنه جالساً بمخزن تشوين..
قام ليغادر المكان، يجر قدمين مكبلتين بحطام ذكريات تهشمت فوق رأسه، وكل مايحيل ماضيه حطاماً هو ذلك الحضن الذي منّى نفسه بالحصول عليه من والدته الغالية، التي يبدو أنها لم تكن غالية، ولم يحصل عليه حتى الأن..
وصلته رسالة من سلمى على هاتفه، أرسلت له صورة لباقة البنفسج التي وصلتها، كتبت بعدها:
ـ شيئآن أعشقهما فيك، باقة البنفسج تلك التي تهادني بها، وتجعلني أشعر بعمق حبك لي، وشعرات رأسك البيضاء التي تذكرني بأبي، لذا فأنا سأدللك، وسأطبخ لك اليوم بنفسي كما أردت..
إتصل بها، وهو يتثاقل بمشيته متجها لسيارته، إستعداداً لمغادرة المزرعة البائسة، متحدثاً بصوت متحشرج ضائع، فهي برغم سلبياتها الجمة التي تتمتع بها، إلا أنها ليست خائنة.. وليس لديها المشاعر الجائعة، لتخون كإحداهن:
ـ سلمى..!! أشعر بنفسي طفلاً بائساً، يبكي ضياع ألوانه، وينتظر والده ليبحث عنها ليجدها منتصراً له، ثم يحمله لوالدته التي ستمنحه حضناً أمانه لامحدود، هناك حضناً بائساً، كنت أمنّي نفسى به وقت أن تعثرت وأخطأت، وأضعت أغراضي، وتمت سرقتي، والإعتداء على ممتلكاتي الصغيرة، ولم أحصل عليه منذ سنوات حتى الأن، هل لديك القدرة على منحي إياه..؟؟
ردت عليه بالموافقة بعدم فهم، ليركب سيارته ويقودها خارجاً من المزرعة، فاراً من المسئولية كما رآه البعض، لكنه كان مبتسماً، ممنياً نفسه بالحضن الذي سيحصل عليه بعد كبوته، الحضن الذي تأخر إحساسه بلذته وأمانه، بعدد سنوات عمره..
الحضن الذي يحتاجه أي رجل في العالم، بعدما يتعرض لخسارة فادحة، الحضن الذي يربت على القلب قبل الجسد، ويحمل له تجسيداً مادياً لعبارة واحدة تقول له بإحتواء وهدهدة:
ـ لاتقلق.. أنا بجوارك..
* * *
أدى هاني صلاة العصر بخشوع تام، ولم ينس أن يدعو لأسماء، تلك الحبيبة الغائبة عن الدنيا، الحاضرة بقلبه، تجلس مُربعة في ثنايا داخلية بالغة العمق، تحاول المحافظة دائماً على طيف ذكراها بالقرب، حتى وإن فُقدت التفاصيل في طيات النسيان، بفعل مرور الوقت والسنوات..
إنطلق بعدها خارجاً من الفندق، يجوب المدينة في يوم ترفيهي منحه لنفسه، مستمتعاً بسحر المدينة، أخيراً إستطاع الحصول على تذكرة لبرج خليفة، بعد عدة أيام من حجزها، نتيجة الإقبال الشديد على شراء التذاكر..
سيزور أعلى برج بالعالم، والذي يتجاوز إرتفاعه الثمنمائة متراً، صعد لقمته، قاصداً الطابق رقم 124، طابق برج المراقبة ذو الشهرة العالمية، ليسحره جمال نخلة الجميرا، تلك السلسلة المتناسقة الجمال من الجزر الإصطناعية، الطافية فوق المياة الزمردية هناك، على شكل نخلة محصورة بنصف دائرة..
حسناً..لابد أن يصطحب زوجته المستقبلية، لزيارة هذا المكان الآسر، في جولة مائية على متن يخت، أوربما جولة مروحية.. أيهما أروع ..
إستقل بعدها حافلة سياحية مكشوفة، إنطلقت به وسط شوارع المدينة، لينتبه لوجود ذلك الشخص خمسينيّ العمر، ذو العينين الملونتين المخيفتين، يجلس بجواره، ويتحدث بهاتفه، عبر سماعة الأذن..
عيناه مميزتان فعرفه سريعاً.. نعم، هو نفس الشخص الذي كان يجلس بمطعم الفندق، ويتحدث عن وجود إبنة غير شرعية، لعائلة علام..
توقفت الحافلة بالمكان المخصص لها بالقرب من مول الإمارات، فنزل في أثره متعمداً الإقتراب منه، ومن ثَم إفتعال التعرقل بجواره ودفعه بكتفه، فيمد له هذا الشخص يد المساعدة، ليلتقطعها هاني بقوة، يجذبه معه فيسقطا متجاورين على الأرض..
إعتذر هاني عن إسقاطه أرضاً، متحدثاً بلهجته المصرية الخالصة عمداً، كطُعم لمجاراته بالحديث، ليجده بالفعل يبتسم له برحابة وبشاشة، ويقف نافضاً نفسه، وماداً يده مرة أخرى، لإعانة هاني على القيام، قائلاً عبر المكالمة:
ـ مبروك لنا وعلينا، سأنهي المكالمة الأن نتحدث لاحقاً.. مع السلامة..
إنتبه هانى سريعاً، وهو يتكئ لساعده يشكره بأدب، ثم يسأله بعفوية:
ـ أسمع كلمات مباركة، هل تسمح لى أن أهنئ وأبارك، وأسألك عن السبب..؟ هل رُزقت بمولود جديد..؟؟
إندهش الرجل من تطفل هاني الغريب، إلا أنه أجابه ضاحكاً:
ـ نعم، بالفعل إنه مولود جديد، لكن ليس لطفل، وإنما لعمل.. فالتقدم بأمورالحياة العملية، يستحق التهنئة أكثرمن أمورالحياة الزوجية، كإنجاب مولود جديد كما تقول.. لذا، بارك الله فيك..
مد هاني يده في سلام مفتعلاً التودد، راسماً إبتسامة جذابة، أظهرت دقة حسنه الطولية، معرفاً نفسه دون ذكر لقب العائلة:
ـ هاني.. دكتور هاني، مصري أعزب مقيم بأستراليا، وأنا هنا برحلة ترفيهية للتسوق..
إلتقط الرجل كفه ببشاشة مماثلة، قائلاً:
ـ سليم.. لست طبيباً مثلك، أنا رجل أعمال تاجر ماشية، مطلِق وعندى ولد وبنت، وخاطب، أنا هنا برحلة عمل..
إستأذنه هاني بالسير برفقته قليلاً، حتى يدخلا من بوابة المتجر، فرحب سليم، ليخبره هاني موضحاً:
ـ أنا لست طبيب، أنا حاصل على الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة (سيدنى)، ومندهش من كونك خاطب بعد أن طلقت، فهذا متنافي تماماً، مع نظرتك لأمور الحياة الزوجية، التي لاتستحق المباركة والتهنئة، نظرياتك متضاربة قليلاً، سيد سليم..
علت ضحكة سليم، وهو يضع هاتفه بجيبه، ثم نظر لقدم هاني الملتوية، وقال:
ـ لا أبداً، لا يوجد وجه تضارب حينما تكون مصلحة العمل هي العليا، لاعليك.. لاعليك، هل أصبحت قدمك بخير..؟؟
أومأ له هاني بالإيجاب، مستأذناً بالإنصراف، في حين إتصل سليم بإبنه حازم، الذي لا يرد عليه منذ أخبرته حنين بأمر خطبته، ولم يعد ينقل إليه تحركات نشوى كذى قبل.. وهذا شئ يوتره، بالتأكيد سيساعد ذلك نشوى على إستمالة قلب إبنها لها، وجعل والده في أخر قائمة إهتماماته..
عبر إحدى بوابات المتجر الداخلية، فإقشعر جسده من تيار الهواء البارد، نتيجة فرق درجات الحرارة الرهيب، بين خارج المول وداخله، ثم بحث عن رقم خطيبته، الأربعينية المطلقة التي تصغره بعشر سنوات، ليتصل بها..
حيث يفكر جدياً بإتمام زيجته بها، وتخطي فكرة المصلحة معها، فقط نكاية بنشوى وإبنها، الذي بدأ يسوق العوج عليه، خصوصاً.. وهي بعلّتها التي تمنعها من الإنجاب، والتي تسببت بطلاقها من قبل..
ثوان، وأجابته صاحبة الشعر المجدول، والصوت القوى، برغم حزنها على الكبوة التي أصابت رئيسها في العمل:
ـ كيف حالك ياسليم..
ليجيبها بود، وهو يعد نفسه بأن يكمل معها المشوار، ويتزوجها بالفعل مكافئاً نفسه على نجاحه بالإيقاع بإبن علام بمساعدتها، ليرد عليها بحبور، وإبتسامة عريضة:
ـ بخير حال، ومزاجي عال ياحبيبتي، كيف حالك أنتِ ياليلى..؟؟
* * *
نهاية الفصل الثامن
دمتم بود
فاتن شوقي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  تماضر في الجمعة ديسمبر 07, 2018 11:34 am

رواية جميلة في انتظار باقي الفصول

تماضر
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 2
نقاط : 2
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/12/2018
العمر : 28
الموقع : المغرب

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في السبت ديسمبر 08, 2018 5:14 pm

@تماضر كتب:رواية جميلة في انتظار باقي الفصول
أشكرك على المتابعة I love you
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل التاسع

مُساهمة  فاتن في السبت ديسمبر 08, 2018 5:16 pm

الفصل التاسع
أمست علياء ليلتها متلحفة بأغطية المهابة والإرتعاب.. متوجسة خيفة مما حدث، منتعلة إحساس التيه والوحدة، هناك أمراً موحشاً حدث لها، جعلها تبتلع غصات مريرة، إختلطت بطعم القهوة التي تشربها الأن..
وضعت قدحها الفارغ بجوارها، وإندست بأريكتها أمام التلفاز بوهن عاجز، تستشعر برودة وهمية، أصابت جسدها المنتهك من ذلك الوضيع الذي لامسها.. صحيح أن الأمر لم يتجاوز لمسات بذيئة لعدة لحظات خاطفة، إلا أنها تشعرها بالإشمئزاز..
ضمت ساقيها لصدرها في حركة لا إرادية، وتركت دموعها تنساب في إعتراف صريح منها بالعجز، وعدم القدرة على الثأر لنفسها، ظلت تسأل نفسها، ماالذي عليها فعله بموقف كهذا لتشعر بالإنتصار لنفسها، ولروحها التي تم التعدي على نقائها..؟؟!!
خبأت وجهها بكفيها، وكأنها صُفعت للتو على حين غفلة من أحدهم.. كيف يمكنها التفكير بعرض سامح الذي نست أمره تماماً، وشعورها بالخزي الذي طالها وكأنها هي المذنبة، يجعلها لاتستطيع أن تريه وجهها مرة أخرى..!!
هل يمكن أن يتفهم الموقف، أو يأتمنها على إبنته التي يريدها أماً لها، بعدما فشلت في الدفاع عن نفسها..؟؟ عليها أن تنسى أمره تماماً، ولديها هذة المرة سبباً قاطعاً للرفض، سبباً يجعلها مطأطأة الرأس..
هزت رأسها عدة مرات تضحك وسط دموعها محدثة نفسها (وكأنكِ كنت موافقة على عرضه من الأساس..؟؟!!) تسأل نفسها مئات المرات، لماذا حدث لي هذا..؟
قاطع تفكيرها رسالة ربانية، عبر أية قرآنية كريمة، دوت في أسماعها تقول لها (وَلَنَبلُوَنَّكمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخوْفِ)، تخبرها أنه مجرد إبتلاء، وسيزول سريعاً، فقط عليها أن تصبر..
مسحت دموعها الصامتة، وسحبت نفساً عميقاً متوجاً بالرضا، وإرتياح طفيف يتسرب على مهل لروحها المتعبة، جعلها تنهض من مكانها، تقذف بمشاعر الإنكسار بعيداً عن مرمى قلبها.. وفي طريقها لغرفتها، سمعت من خلف باب غرفة بناتها، هدى تقول:
ـ أعشق هذا الممثل بجنون، ليته يتعرف إليّ يوماً ويتزوجني، لأنال هذا القدرالرهيب من الدلال، الذي يمنحه للبطلة..
ردت ندى بصوت هامس، جعل علياء تقترب أكثر من باب الغرفة لتسمعه:
ـ أه، هل رأيت المشهد، عندما أحضر لها الطعام على السرير، وأطعمها بفمها، إنه رائع لقد وضع لها طلاء الأظافر بنفسه..
تنهدت هدى بأهات ولة، لتقول بهيام مسيطراً على مشاعرها المراهقة:
ـ ثم قبلها بحرارة عصفت بي أنا شخصياً، مابالها هي من كانت معه..؟؟
تسارعت دقات قلب علياء وهي تسمح الحوار، تنظر خلسة لباب صالح المغلق، تخاف أن يخرج فجأة، فيضبطها متلبسة بتهمة التلصص على الأبواب، متصيداً خطأها بسهولة، ثم أرهفت السمع مرة أخرى، فقالت ندى:
ـ هل الزواج أمراً رائعاً هكذا..! هل وجود رجل بالبيت، يجعل الفرحة تطل من عينيّ البطلة هكذا..! أرأيتِ كم كانت متلهفة للقفز بين أحضانه، وقت أن عاد من العمل..؟ مسكينة أمي، لا تجد من يحتضنها، أنا لا أعلم لماذا لم تختار رجلاً طويل العمر لتتزوجه، فربما نلنا نصيباً من الأحضان الأبوية تلك، التي نسمع عنها..!!
دقت علياء الباب برقة، ثم فتحته لتجدهما على فراشهما إستعداداً للنوم، يسود الغرفة إضاءة خافتة تسللت من إحدى الثريات الجدارية المعلقة بين السريرين، فإفتعلتا النعاس بزيف واضح ما إن سمعتا الباب يُفتح، فتحدثت علياء مبتسمة، مدعية الجهل:
ـ ياخسارة البنات نائمات، وأنا كنت أود أن أتسامر معهما قليلاً، ياخسارة سأمر عليهما غداً..
وقعتا في الفخ سريعاً، لتقوم هدى قافزة على ركبتيها الصغيرتين، ترسل خصلات شعرها الثائرة خلف أذنها، قائلة:
ـ لالا.. أنا مستيقظة.. تعالي بجواري على سريري..
أما ندى، فأزاحت الغطاء ببطء وخجل، خوفاً من أن تكون علياء سمعت حوارها مع هدى، فإعتدلت مبتسمة بتحفظ، وأزاحت دميتها الصغيرة ذات الشعر الأخضر المجدول جانباً، لتقول بدورها:
ـ لا ياماما.. تعالي بجواري أنا.. أنا أيضاً مستيقظة..
تقدمت علياء منهما، ووقفت بين السريرين تفكر قليلاً، ثم قالت بحماس:
ـ سنعقد إتفاقاً، سأجلس على سرير من ستحل اللغز سريعاً، تمام.. ماهو جمع كلمة سرير..؟؟
ردت هدى وهي واقفة على ركبتيها ضاحكة، مرتدية منامتها الصيفية، تضرب كفاً بكف قائلة بإستسهال:
ـ أسرار طبعاً، تعالي بجواري ياشابة..
جلجلت ضحكة ندى، وهي تجلس عاقدة ساقيها، مرتدية نفس المنامة، وبنفس اللون بالطبع، فعلياء تفعل المستحيل لعدم التمييز بينهما، بعدما وقفت ندى مرة تبكي بحرقة، لأن طوق شعرها كان لونه أفتح قليلاً من طوق هدى، أنهت ندى ضحكتها الصاخبة، ثم قالت:
ـ بالتأكيد خطأ فادح، جمع سرير.. سرائر، وبالتالي ماما ستجلس على سريري أنا..
إنفعلت هدى مضيقة حاجبيها، ضاربة وسادتها بقبضة يدها، ظانة بصحة إجابة ندى، فما لبثت علياء أن جلست مكانها على الأرض، بين السريرين قائلة:
ـ سأجلس بأرض محايدة، لأن كلا الإجابتين خطأ، لأن أسرار مفردها سر ياهدى، وسرائر مفردها سريرة ياندى، وهى نية الإنسان..
نزلت الفتاتان تتضاحكان بصوت عال، لايمت بصلة للمحة من نعاس حتى، تتعلق هدى برقبتها، وتنام ندى على كتفها، محتضنة ذراعها بحب، مما جعل علياء تتنفس بصعوبة من تكبيلهما لها:
ـ سأختنق يابلوى أنتِ وهي.. رئتيّ تحتاج للهواء، سأفطس..
إزداد ضحكهما ببراءة ولم تتحركا، في حين وضعت هدى يدها على رقبة علياء، في وضع تمثيلي كسكين حاد، مستفهمة بصياح:
ـ إعترفي حالاً، ماهو جمع كلمة سرير..؟؟
ردت علياء رافعة كفيها في إستسلام، مبتسمة:
ـ الجمع الصحيح هو سُررٍ أوأسرّة ياحضرة الضابط..
صفقت لها ندى بحبور، قائلة بتشجيع:
ـ وااااو.. برافووو.. سأخبرصالح بأن يضيف لكِ نقطتين في جدول تقييمك الإسبوعي، واضح أن الدكتورة علياء مجدي هي من ستفوز هذا الأسبوع.. ها.. فكري من الأن في هديتك..
إنتبهت علياء إلى إنحراف الحوار بعيداً عن الأمر الذي جعلها تقتحم عليهما الغرفة، فتحدثت بطريقة لفتت الإنتباه، قائلة بتأثر تخلتق قصة وهمية:
ـ لدي مشكلة، إحدى صديقاتي حاولت أخذ رأيى بمشكلة إبنتها، وأنا طلبت منها بعض الوقت للتفكير، ولاأعلم بماذا أخبرها، هل يمكن أخذ رأيكما بهذة المشكلة، لعل إحداكن تقول لي الحل السريع..؟؟
أومأتا، وجلستا أمامها في المكان الضيق على الأرض، يستمعان بإهتمام:
ـ إبنتها لا تغض البصر، تتفرس في ملامح أبطال الأفلام دون حياء، بل وتتمنى أن تقابل أحدهم مثلاً، ومن شدة تعلقها به يزورها بأحلامها، مشكلتها أنها لاتفهم أنه ليس بطلاً كمايبدو، بل شخص يجيد التمثيل، وتترك الملكان الموكلان بكتابة الأعمال يخطان ذنوباً بصحيفتها دون وعي منها، صديقتي تخاف عليها جداً، تخاف أن يثقل ميزانها بالأوزار، خصوصاً أنها بالغة، وتحاسب على كل أفعالها، وأقوالها، مارأيكما، كيف تنصحها أمها..؟؟
سكتت قليلاً، تنظر للبنتين متطابقتيّ الملامح والملبس قائلة بصدق من خلف نظارتها حمراء الإطار:
ـ سأصاب بالحول، تتسببان بتوتر عيني، لاترتديا نفس المنامة بنفس التوقيت، ها مارأيكما، بماذا أنصحها، خصوصاً أن الأمر إذا تفاقم، وقابلت ذلك الممثل صدفة، فممكن أن ترتمي بأحضانه مثلاً بلاوعي، إعتقاداً منها أنه يبادلها المشاعر، لأنه فقط يرافقها في أحلام يقظتها ونومها..
إستشعرت ندى بعض الندم، وقد لامست الكلمات صداها بداخلها، بينما هتفت هدى ببساطة، وهي ترفع أكتافها مفتقدة الإحساس العميق بالذنب، كندى أختها:
ـ ماكل هذا القلق، صديقتك تضخم الأمور، وستموت ناقصة عمر إن شاء الله، لو ظلت على هذة الشاكلة، هي فقط تخبرها بالأمر، ولا تنتظر سرعة رد الفعل، يمكنها أن تطلب منها أن تستغفر كلما أخطأت كما علمتينا، وستنتهي المشكلة..
قرصتها علياء بساعدها بجدية، فإختلطت صرختها الضاحكة بتوبيخ علياء:
ـ تحدثي بأدب، من هذة التي ستموت ناقصة عمر، إنها أم تخاف على إبنتها..
ثم إبتسمت إبتسامة جانبية، وهي تكمل كأن شيئاً لم يكن:
ـ وماذا إن إستمرت إبنتها في عشق ذلك الممثل، كيف تتأكد أنها تشاهد الفيلم أو المسلسل للتسلية فقط، وليس لإطلاق البصر وجمع الذنوب..؟؟
أجابت ندى هذة المرة، بصوت خافت:
ـ يكفيها فقط أن تخبرها ياماما، وهي ستفهم وتستوعب وتستجيب.. يكفيها فقط أن تخبرها أن هذا خطأ وهذا صواب..
إفتعلت علياء التثاؤب، مكتفيه بهذة الردود البسيطة، وقامت تستأذن ليناما، متمنية ترك حُسن الأثر بالقلبين الصغيرين من الحوار البسيط الغير مباشر الذي دار بينهن.. كعادتها.. لا تواجه.. تسلك في تربيتها الطريق الغير مباشر في النصح.. يريحها أكثر..
وعندما أغلقت الباب سمعت همسمها:
ـ هدى.. هدى.. هل ماما سمعت ما كنا نتحدث بشأنه قبل دخولها..؟؟
ـ إخمدي ياندى، بالطبع لا.. ماما لا تمتلك أذني فيل..!!
* * *
وصل محمد لشقة الأسكندرية المطلة على البحر، بعد وقت طويل أمضاه على الشاطئ، شارداً بهموم قضت مضجعه، دخل للمطبخ واضعاً أكياس بلاستيكية، تحوى أرغفة خبز وعلب الجبن، وفاكهة الموز، على طاولة رخامية متربة..
ثم دخل غرفة النوم، يسحب الأغطية التي تحمي الأثاث من الأتربة، وأخرج الوسائد المخزنة بالدولاب، ينفضها ويكسوها بملاءة نظيفة..
إتجه للحمام ليخرج بعد ربع ساعة متحمم، ومرتدى ملابسه الجديدة، التي إشتراها في الطريق، بسبب قراره المفاجئ بالهروب، وعدم إستعداده للسفر..
الهروب..!! نعم، عليه الإعتراف بالحقيقة المؤلمة، وهي أن مافعله لايمكن وصفه سوى بالهروب..
عاد للمطبخ لتجهيز عشاء بسيط، عائداً بذاكرته خمسة وثلاثين عاماً للخلف، عندما كان شاباً في الثلاثين من عمره، معيداً بكلية الزراعة، نظيف اليد واللسان، والجيب أيضاً..
أنهى يومه بالجامعة، ثم إتجه للمكان الذي يصف فيه دراجته الهوائية، بجوار سيارات الزملاء، دون إحساس بالدونية أو قلة الشأن التي ممكن أن تصيب من هو بوضعه، مد يده ليفتح قفلها الذي يمنعها من السرقة، ليتهادى لمسامعه صوت تلك الفتاة الأنيقة، الجالسة خلف مقود سيارتها منكفئة عليه، تتأوه بأنين عميق، يشي بوجع ما يؤلمها بشدة..
ـ هل يمكنني مساعدتك..؟؟
نطق بهذا السؤال البسيط، بصوت متردد بعض الشئ فلم تجبه، إقترب من نافذتها، ليكرر سؤاله بقلق، ليجدها ترفع رأسها المتضرج بحمرة الألم، لترد بضعف:
ـ ألم المرارة عاد مرة أخرى، أرجوك خذني للمشفى، سأموت من الألم، سأمووووت..
قالتها، ثم صرخت متأوهة بضعف، غير قادرة على كتم الألم أكثر، وقد تفصد جبينها بالعرق، فهرول محمد خارج بوابة الجامعة، وأوقف سيارة أجرة، وعاد بها إليها، وطلب منها الركوب بها، وإصطحبها لأقرب مشفى..
بعد مرور الساعة، كانت قد هدأت ملامحها المتشنجة من الألم، بفضل المسكن الذي سرى بوريدها، وإعتدلت جالسة على طرف سرير المشفى، دق باب الغرفة ودخل إليها على إستحياء، متحدثاً ببشاشة:
ـ حمداً لله على السلامة..
ردت بإبتسامة واهنة، وبصوت غير مسموع:
ـ سلمك الله، وجزاك خيراً عما فعلت..
مد يده بحقيبة جلدية صغيرة، ليضعها بجوارها على الفراش:
ـ هذة الحقيبة تخصك، نسيتيها في سيارة الأجرة دون أن تنتبهي، تفضلي.. وإسمحي لي أن أخذ رقم هاتف والدك، لأهاتفه ليأتي لكِ، لأنني أريد الإنصراف، فلديّ طفلين بلا أم يجلسان عند الجارة، ولا أريد التأخر عليهما..
أومأت متفهمة، ثم فتحت الحقيبة الجلدية، المكتظة بالنقود، ومدت يدها تعطيه مكافئة مالية صغيرة، على حسن صنيعه وأمانته في عدم سرقة النقود، إلا أنه رفض بأدب وإباء..
فإعتذرت بصوت واهن، يقطر إنكساراً:
ـ والدي تُوفي من ستة أشهر، ووالدتي سبقته منذ ثلاث سنوات، يمكنك أخذ رقم خالي، لأنه وليّ أمري، وهو الذي أعيش معه الأن..
أخذ منها الرقم ليتصل بخالها من هاتف المشفى، إلا أن فضوله الذي عصف به، منعه من أن يخرج قبل أن يسألها، ناظراً لحقيبة يدها المكدسة بالنقود:
ـ هل أنتِ موظفة ببنك..؟؟
لكنها إبتسمت بضعف، ترد بكلمة لا مختصرة، دفعته للخروج سريعاً، قبل أن تلصق به تهمة التطفل، الذي لم يمنعه من التفكير بشأن تلك الفتاة العشرينية، التي تحمل كل هذة النقود، وسبب تواجدها بالحرم الجامعى من الأساس..
قضم أخر لقمة من شطيرة الخبز بالجبن، عائداً لأرض واقعه، ثم إتجه لغرفته لينام، في محاولة فاشلة منه للإسترخاء، متمنياً الحصول على بعض الراحة، التي يشعر بأنها طلباً بعيد المنال، وهو بعيد عنها..!! عن سميحة.. حيث لا راحة في البعد عنها أبداً..
* * *
ـ بماذا تأمر حافية القدمين قبل العودة لبيتنا..؟
سألها أمجد متحفزاً لمشاغبتها بهذا اللقب الذي وجده مناسباً لها، تلك الكائنة بسكون أمامه، تستمع لقصة حياته لعدة ساعات مروا سريعاً دون أن يشعر، قررت فيهم عبير منح نفسها هدنة من الصراع الداخلي بشأنه، لحين الفراغ من الأكل، والراحة، وتأدية الصلوات التي فاتتها..
ما إن سمعت سؤاله، حتى إنكمشت ملامحها، وطالها الخوف، وإلتفتت تسأله بتحفز قلق، ووجه شاحب:
ـ بيتنا..!!
وصله ذعر نبرتها الهادئة، فمنحها إبتسامة مشاكسة:
ـ الساعة تعدت الحادية عشر مساءاً، هل سنبيت بالشارع..؟ لدينا واجبات زوجية، وأجازة قصيرة، إنتهى منها يومين، وأعدك إن شاء الله، أن نعيد ترتيب كل شئ، وسأغير لكِ الأثاث كله إن أردتِ، إن كان هذا سيرضيكِ.. لكن ليس قبل أن تلقي نظرة..
شحب وجهها أكثر ما إن فهمت مقصده، لتتحدث ببراءة ناضجة:
ـ هل يمكنك أن تتفهم موقفي في منحي فرصة لأعتادك، فقط عدة أيام.. أستوعب فيها أنني تزوجت، وخرجت من بيت أهلي يوم عقد قرانى حافية القدمين، وقضيت ليلة فرحي بالمشفى، تعلم..! سرعة الأحداث، وغرابتها توترني قليلاً..
أطبق شفتيه بإغتياظ، ثم ضم قبضته اليمنى فوق فخذه بقوة، كاتماً مشاعر عطشى، إستعدت للإنقضاض على فريستها الجذابة، ثم رد بإبتسامة باهتة:
ـ سأحاول ياحافية القدمين، لكن لا أعدك..
فركت كفيها، وهي تزم شفاه تتلوى عليها إبتسامة خجل تصبغت بالشكر، ثم رحلا لبيته، شقة زواجه السابق..
فتح باب الشقة لتدخل إليها مذهولة بجمالها وعصريتها الراقية، أغلق الباب برفق، وفتح إضاءة السقف الخافتة، التي تطل من بيوت الإنارة.. بجاذبية مريحة ورومانسية لأبعد حد..
تحركت بالردهة، مصدرة صوت بكعب حذائها الأصفر، ثم إستدارت له بفستانها النبيذي، الذي لف ذيله الواسع حول ساقيها بسحر أخذه، لتسأل بفرحة حقيقية، غلفت صوتها المندهش:
ـ هل هذة الشقة سكنها أحد من قبل..؟؟ مستحيل..!! أكاد أشم رائحة السجاد الجديد..
إبتسم لها بضراوة، فلمع بريق عينيه تحت الإضاءة الذهبية الخافتة، فتقدم منها معجباً بإنبهارها الواضح جلياً بعينيها، أجابها ببطء متفرساً ملامحها الخمرية الرقيقة:
ـ هل نالت إعجابك صدقاً..؟ أنشأتها جزء جزء على ذوقي الخاص، لتأتِ زوجتى.. مممم أقصد طليقتي، التي ظلت زوجتي لخمس سنوات كاملة، لترفض كل ركن بها رفض قاطع، جعلها لا تستسيغ الجلوس بها إطلاقاً..
تحركت تدورحول نفسها، مأخوذة بجمال صالة الإستقبال المريحة جداً، ثم تقدمت للنافذة الزجاجية العريضة، وأزاحت طرف الستار الفيروزي الشفاف، ووقفت تنظر للشارع الهادئ، المؤدي للبوابة الخارجية للمجمع السكني، الذي يضم بنايات متساوية الإرتفاع، ذات الطوابق الأربعة..
تحرك ليقف بجوارها، مكملاً حديثه، ناظراً أمامه بشرود، سامحاً لذكرياته السابقة الغير محببة أن تطفو قليلاً:
ـ كما أخبرتك، فأنا عملي دائم التنقل، يحتاج لزوجة تصبر وتتفهم طبيعته، وهي لم يكن لديها هذا المنطق بالتفكير، لم تصبر معي وكانت دائماً مقيمة ببيت أهلها، عند والدها.. سيادة الوزير السابق..!
لوى شفتيه بزاوية خده، ثم أكمل بهدوء، غافلاً عن عينيّ عبير، التي بدأت تنظر لملامحه الجانبية، تتأمله للمرة الأولى:
ـ لم نستخدم هذة الشقة خلال الخمس سنوات إلا أيام قليلة، قضيت معظمها بمفردي، حتى لحظة فرحتي بترقيتي لرتبة مقدم، أخبرتها أنني أريدها، أريد الإحتفال معها ببيتنا، أخبرتني بكل بساطة أنها مرهقة، لأنها رجعت حالاً من عطلتها بالساحل، وتريد أن ترتاح بغرفتها ببيت والدها..!!
أطلق تنهيدات ضاحكة ساخرة، وهو يهز رأسه واضعاً يديه بجيبيه، وتضارُب مشاعر يُرهق جوانب قلبه من زخم نبضه الغاضب، مسترسلاً بالحوار، مستشعراً الراحة بوجود تلك الواقفة بجواره:
ـ كانت محترفة بالكذب، أتصل بها صباحاً وأنا مسافر مثلاً لأطمئن عليها، لتخبرني أنها بالبيت، وأكتشف بعدها أنها مسافرة برحلة مع صديقاتها دون علمي، دون إذني، صبرت على حالها المِعوَج كثيراً، لكن دلعها الماسخ الفائض عن الحد كان لابد أن يكون له نهاية..
تحركت عبير لتجلس بإستقامة على الأريكة ذات اللون السكري والوسائد الفيروزية، تتحسسها بيقين أنها لم تستخدم من قبل، وضعت حقيبة يدها الصفراء بجوارها، ونظرت إليه وهي تضم كفيها، حين قال متجهماً:
ـ لا أريد أن نتحدث بهذا الأمر مرة أخرى.. ممكن..؟؟
وبرغم أنه هو من تحدث بالأمر، دون أن تسأله، إلا أنها سألته بعفوية:
ـ وهل هذا هو سبب الطلاق..؟ أجبني فقط إذا إعتبرت أن سؤالي هذا من حقي..!
إهتزت عضلة فكه بألم، ثم رفع كتفيه ببساطة، وهو يجيب بصوت موجوع صارم:
ـ لا..! طلقتها بعدما قتلت طفلي، الذي إنتظرته لخمس سنوات كاملة، لست متأكد أأجهضت نفسها أم فقدته نتيجة عدم حرصها، فقدته عند سفرها لرحلة تخييم، تسلقت فيها الجبال..!! كنت وقتها مسافراً في مأمورية عمل، فلم تخبرني لا بالحمل ولا بالسفر..
هي قالت أنها لم تكن تعلم أنها حامل، لكن الطبيب الذي نظف رحمها أخبرني أنه جنين بشهره الثالث..! مللت من معاقبتها على خروجها من بيتها وسفرها دون إذني.. لكن لا فائدة..
لم أفهم أنها فاقدة المسئولية لهذة الدرجة الجامحة، وعندما ثرت عليها بغضب مشروع، إنتقل شجارنا لبيت أهلها، إكتشفت وقتها أنها تنقل لهم الكبيرة والصغيرة عني، لايوجد خصوصية لغرفة النوم، لايوجد بيت تحترمه وتقيم به، ولاتريد طفل تود حمل مسئوليته، ولازوج تريد أن تحترم كلامه وتشاركه حياته.. وأنا عملي يجعلني مضغوط بشكل مستمر، ولا ينقصني زوجة مجنونة مثلها..
أسقط رأسه لأسفل قليلاً، مبتسماً بإنهزامية، ثم رفعه إليها مرة أخرى، وذهب ليجلس بجوارها، فإنكمشت بجلستها تنظر إليه بترقب، ليكمل بهدوء:
ـ جملة واحدة من والدتها وقت الشجار، فلتت منها دون أن تدرك، تأكدت منها أنهم كانوا يعلمون بحملها، لكن إبنتهم المدللة طلباتها أوامر.. البرنسيس تود تغيير جو في رحلة تخييم مع بنات عمها.. إذهبي ياروحي بالسلامة، لكن حافظي على نفسك وإبنك حتى يعود زوجك وتخبريه..!
شرد بعينيها المسحوبتين بفتنة، ثم أردف:
ـ إبنة الوزير تفعل مايحلو لها، لأنها فقط إبنة الوزير.. هل لديك إعتراض ياسيادة المقدم..؟؟
ضيق عينيه وهو يتأملها بهدوء ثم مال إليها متسائلاً بجدية تخالطها تسلية بصوته الرخيم الذي تستعذبه، مغيراً مجرى الحديث تماماً:
ـ لماذا أهدابك ساحرة هكذا..؟
رفعت سبابتها ناحيته كسيف النزال، تحول دون إقترابه منها أكثر، وقد إنتفضت نبضات قلبها فجأة:
ـ قلت أنك ستحاول.. وأنا أحتاج للوقت..
أمسك خصرها بحركة مفاجئة، وجذبها إليه بقوة قائلاً بمشاعر متأججة:
ـ لا أستطيع.. أنت حقاً رائعة..
هذة المرة تأنى وهو يبثها مشاعره، فتركت لمشاعرها حرية الإحساس، هذة المرة رفرف قلبها واقعاً تحت تأثير عاطفته القوية، لا تعلم إن كانت تلك العاطفة تخصها هي -عبير- أم كانت ستحصل عليها أى إمرأة، أوقعها القدر بطريقه..
تركها ببطء وهي تدفعه برفق، وكفها على صدره الخافق هامسة:
ـ أرجوك، حاول أن تفي بوعدك، أحتاج فقط عدة أيام..
وقف زافراً بقوة عاطفية مسيطرة عليه، ثم خلع سترة بدلته السوداء وتلقفها على ذراعه، ودخل للرواق قائلاً بصوت عال:
ـ تعالي ياعبير..
دخلت خلفه، تتلفت حولها تتفقد الشقة التي فاقت أحلامها من شدة حسنها وتنظيمها، وقفت على باب غرفة النوم بوجل، لتجده يفتح حقيبة سفر، كانت مجهزة للرحلة التي لم تتم، أخرج منامة قطنية قصيرة الأرجل، قائلاً:
ـ تعالي بدلي ملابسك، فيري إشترت لكِ كل مايمكنكِ أن تحتاجيه لمدة أسبوع كامل هنا في هذة الحقيبة..
ـ فيري من..؟؟
ـ فريدة هانم اللوزى، أمي..
ـ إحتياجات أسبوع كامل هنا..؟؟
ـ نعم، شهر العسل لايحتاج للكثيرمن الثياب..
أدارت وجهها خجلاً، فأخرج عبوة سائل غسيل الشعر من الحقيبة، وأخذ منشفته، وخرج من الغرفة ليقف قبالتها، قائلاً:
ـ سأتحمم وأحاول أن أنام بالغرفة الأخرى الليلة فقط، إحتراماً لرغبتك ياحافية القدمين، نامي بغرفة نومك الجديدة لتعتاديها، وأخبريني رأيك بها فقد إشتريتها لك منذ أيام، وستجدين الهدية التي إبتعتها منكِ هنا تزينها..!
قبّلها على خدها بخفة خفق لها قلبها، ثم تركها وذهب للحمام، فدخلت غرفتها وأغلقت عليها الباب، أغلقته لتستطيع أن تتنفس بعمق، لاتفهم كيف تبدل إحساسها نحوه بهذا الشكل الجذري لمجرد أنها رافقته ليوم واحد..!!
تساءلت وهي تستند لظهرالباب، هل كانت عطشى لتلك المشاعر التي يفيض عليها بها، لهذة الدرجة..؟؟
أم أنه شخص مريح.. كـ شقته الجميلة المتناسقة، ويُشعرها بالأمان كما تمنت يوماً، لذلك تهنأ بوجودها معه..؟؟ وهل عفّت جوارحها عن إشتهاء الرجال، لتتزوج في نهاية المطاف، برجل مطلِق.. مطلق ياعبير، وبطريقة سلق البيض هذة، دون حفل زفاف حتى..!!
الغريب أنها نامت مطمئنة، بعد أن فكرت في إعطاء أمجد هذا فرصة.. فرصة يثبت لها فيها أنه يستحقها، نامت قريرة العين.. صحيح أنها نامت بفستانها النبيذى وحجابها الأصفر، لكنها نامت.. آمره جسدها أن يرتاح.. وعقلها أن يسترخي.. ولو قليلاً.. ولترى ما يخبئه لها اختيار القدر..!
* * *
دخلت نشوى مشفى غانم أبوهيبة باليوم التالي، لتقديم إستقالة علياء، ينتابها بعض القلق الذي تجهل مصدره، لتجد بعض موظفات الإستقبال، يتكالبن على خطف هاتف إحداهن، لمشاهدة صور لعلياء وهي بأحضان مراد بطريقة شائنة، تجعلهن يطلقون الشهقات، المصاحبة للضحكات الرقيعة..
لم يحتج الأمر منها سوى طلة بسيطة، مشرئبة برقبتها، لترى هذة الصور بوضوح، علياء كانت محقة، كيف كانت ستنكر ماحدث، وقد حملها بين ذراعيه هنا في الرواق، أمام الجميع..؟؟
أسرعت تتوارى عن الأعين.. وكأنها هي صاحبة الصور، بالرغم أن أحداً لايعرفها، سألت عن عيادة سامح حتى وصلت إليها، أوقفتها الممرضة المسئولة عن العيادة بيدها مشيرة لإحدى السيدات الجالسات على كراسي الإنتظار، قائلة بتوضيح:
ـ إلى أين..؟ هنا الدخول بترتيب لابد من إحترامه، هذة السيدة هي من ستدخل..
ردت نشوى بإبتسامة حرج تكور لها خديها، ملتفتة للسيدة، التي تبدو كعروس جديدة، ثم قالت بعد تفكير:
ـ أخبري الدكتور سامح أنني من طرف الدكتورة علياء.. إستأذني الحالة خمس دقائق فقط..
غابت الممرضة لدقائق، ثم خرجت سامحة لها بالدخول، فدخلت لتجده ينظر لها بترقب، إختطفها سحر وقاره الشديد، وسحر عينيه الزجاجية..!! ماهذا هل يضع عدسات لاصقة..؟؟
ليسمح لها بالجلوس، وبعينيه عشرات الأسئلة، أجلت صوتها قدر إستطاعتها، متمنية ألا يكون قد وصله الصور الفاضحة لعلياء، لتقول:
ـ أنا نشوى صديقة مقربة لعلياء، علياء تعتبرني أخت لها، تأتمني على كل مايخصها.. و..كلفتنى بـ.. تقديم إستقالتها..
أسند ظهره للخلف، وهو يتطلع إليها بقسمات وجهه الوقور، التي بدت لها أنها تشبحت ببعض الحزن، فمدت له ورقة الإستقالة، مؤكدة:
ـ بالتأكيد لديها أسبابها الخاصة..
سألها بعفوية:
ـ من أين لي أن أتأكد أنك صديقتها، كيف أمضي إستقالة موظفة هنا، دون أن تكون هي بنفسها من تقدمها..؟؟
قامت نشوى واقفة يكسوها الحرج الشديد، فأخبرته بسذاجة عن علمها بأمر طلبه للزواج منها، كدليل منها على علاقتها الوطيدة بعلياء، مما جعله يمضي الإستقالة، وهو يردد بخيبة أمل، طفت على سطح صوته الرخيم:
ـ علياء إختارت أصعب طريقة للرفض، وهي أن تستقيل من المكان الذي نعمل به معاً.. حسناً، أبلغيها بأن طلبي كان عرض زواج، كان من الممكن رفضه، دون اللجوء لتقديم إستقالتها..
صمتت نشوى شاتمة علياء بسرها، لرفضها ذلك الرجل المحترم، الذي قل وجود أمثاله، وبنفس الوقت لاتستطيع أن تدافع عنها، وتوضيح السبب الحقيقي الذي دفعها لتقديم إستقالتها، حتى رفع لها رأسه بكبرياء حطم به أي مشاعر كنّها لعلياء، وأعطاها الورقة مودعاً معها حبه لها..
خرجت دون إضافة كلمة واحدة، ثم تنهدت بعمق في لحظة إكتشفت فيها أنها كانت تكتم أنفاسها منذ أن دخلت إليه، لتردد:
ـ منك لله ياعلياء ياحزينة.. كيف ترفضين هذا الوقور..!
خرجت من الرواق، متجهة للبوابة الخارجية، لتجد المكان قد إكتظ برجال الشرطة، وحالة مرج سادت الأروقة الداخلية، وهرج سيطر على حركة الموظفين والممرضات، مما جعل هاتف إحداهن يقع منها دون وعيها، ميزت نشوى صاحبته، فهرعت وسط الفوضى لتلتقطه، وأسرعت تخرج من المكان، ثم إنغلقت مخارج المشفى بالكامل، في حالة لاتسمح بخروج أودخول أحد..
ركبت نشوى سيارتها، وأسرعت تفتح الهاتف تتأكد من صور علياء، لحسن الحظ لم يكن ذو غالق سري، تنهدت بإرتياح وهي تتفحص البريد الصادر لكل تطبيقات الهاتف لتتأكد أن صاحبته لم يسعفها الوقت لإرسال الصور لأحد، فمسحت ماعليه، وفتحته لتأخذ شريحته لتكسرها، ثم ألقت الهاتف من سيارتها، وغادرت المكان..
دقائق، وتم إقتحام عيادة سامح، الذي دخلت إليه العروس الجديدة، والتي لم يسعفها الوقت حتى لتتمدد على سرير الكشف..
كان ذلك من حسن حظ سامح.. لأنها لم تكن مريضة تريد الكشف كما يظن، بل فتاة تم الزج بها لعيادته، لتمثيل إفتعال فعل فاضح معه أثناء الكشف، ليتم القبض عليه من قبل شرطة الأداب متلبساً، ويتم فضح أمره بالمشفى والوسط الطبي كله..
أفكار مراد الخبيثة..!!
لم ينقذه سوى دخول نشوى قبلها بلاموعد، مما أفسد الخطة، وأطاح بترتيبهم كله، ربما سيدفع هذا ببطلان القبض عليه، لأنه بهذة الحالة، لايوجد ضده إتهام واضح..!
قصف صوته هادراً بشراسة، وهو يفلت يده من قبضة العسكري الذي يمسك به، بأمر ذلك الضابط:
ـ من أنت ومن سمح لك بذلك..
تحدث الملازم عاصي، الذي يتحرك بخيلاء بسترة الشرطة البيضاء، التي يزهو بإرتدائها، قائلاً بغرور فائق الحد، وبصوت جهوري عال لتسمعه كل الجالسات بمقاعد الإنتظار، غامزاً لتلك الواقفة خلف سامح:
ـ مباحث الأداب.. دكتور محترم، لا.. بل يدعي الإحترام، يستغل تخصصه.. ومريضاته، للقيام بأعمال منافية للأداب.. ماهذة البجاحة..؟؟
قالها وأشار بكفه للخارج للعساكر، لسحب سامح الذي كان يدفعهم بغلظة، متمرداً بإستماتة، مدافعاً عن وقاره وهيبته، التي داستها نعال الكيدية الحمقاء، جاهلاً تماماً لما يُدبَر له..
ماإن إختفى من الرواق وصوته يملأ الجو المشحون تهديداً ووعيداً، أمام دهشة كل من وقف ذاهلاً لما يحدث، حتى جذب عاصي تلك المريضة، من يدها قائلاً:
ـ هاتِ ياحلوة الهاتف، الذي سجلتي عليه ما حدث صوت وصورة..
إرتعشت نبرات الفتاة، لتنطق بعدم إتزان:
ـ لم...لم يسعفني الوقت، فبعد أن أرسلت لك رسالة بسرعة الإقتحام، دخلت إحداهن قبلي بثوان عطلت ترتيبى، وأفسدت التوقيت..!
أمسكها عاصي من تلابيبها، هاتفاً بشراسة:
ـ ماذا تقولين ياروح والدتك..؟؟ مراد باشا سيدفنك مكانك إن علم..
ثم نظر إليها بإشتهاء جائر، متفحصاً إياها بطريقة فجة وهو يلعق شفته، هامساً:
ـ لكن يمكنني إنقاذك منه، في حالة واحدة فقط، إذا ركبتِ معي سيارتي الخاصة، إختاري بسرعة، سيارة الشرطة أم سيارتي المكيفة..؟؟
وأمام تهديده السافر، ورعبها من عدم إتمام مهمتها على الوجه الأكمل، إختارت السيارة المكيفة، غير عابئة بسمعة الطبيب التي ساءت، رغم فشلها في إحكام رمي بلاءها عليه..
دفع أحدهم زوجته من رسغها، وهو ينهرها:
ـ هل هذا هو الطبيب المحترم، الذي تودين الولادة معه، تقبض عليه شرطة الأداب، أمامي قبل أن أطبق على أنفاسك..!
* * *
خرجت علياء من متجر التسوق، بصحبة أولادها الثلاث، بعد أن قررت التسكع وسط البشر، لتتناسى ماحدث لها، حتى لا تقع فريسة تفكيرها الذي يجلدها، خصوصاً بعدما لم تجد سبب وجيه تخبره لأولادها عن سبب إستقالتها، سوى أنها تريد الإستراحة قليلاً من العمل، بسبب إرهاقها المستمر..
ـ ماما أريد إرتداء الوشاح الأن، لن أصبر حتى نعود، سأذهب للحمام أرتديه، ولن أتأخر..
هتفت ندى بهذة العبارة، بعد فرحتها بشراء علياء لها عدة أوشحة رائعة الألوان، تشجيعاً لمبادرتها لإرتداء الحجاب..
فسمحت لها مبتسمة بتشجيع، فجرت ندى يتطايرخلفها شعرها الناعم للمرة الأخيرة، قبل أن تخبئه نهائياً..
تلوت أعصاب بطن هدى من الغيرة، على غرار مايحدث أمامها، فقالت:
ـ سأذهب معها ياماما..
هرعت خلف ندى تود لو تجعلها تتراجع حتى لا تسبقها بهذة الخطوة، التي بالتأكيد ستميزها جداً، وستعزز وضعها كفتاة مطيعه لدى علياء، وبنفس الوقت تود لو تفعل مثلها..!!
بينما ظل صالح واقفاً، أمام عربة التسوق الذي يدفعها، متطلعاً لملامح علياء الحزينة، والتي تشي بوجع ما، برعت في إخفائه، قائلاً:
ـ شكراً ياماما على مسدس الشمع، كنت أحتاجه بشدة، لأن القداحة لا تؤدي نفس الغرض بنظافة..
ردت بود مبتسمة:
ـ لا شكر على واجب حبيبي..
ـ يوماً ما ستجلسين كالأميرات، وأنا فقط من سيجلب لكِ الدنيا تحت قدميكِ..
ـ تسلم على شعورك ياحبيبي..
ـ لماذا ردودك مقتضبة، هل أنت بخير..؟؟
ـ نعم بخير، الحمد لله..
إستطاع صالح التأكد من طريقة ردها، بأن هناك شيئ ما تخبئه، وسيعلمه شاءت أم أبت، ربما يفقد القدرة على الصبر ليوم الإثنين القادم، حيث يكتبون ويقرأون كل ماحدث لهم، كل ما يتمناه وقتها أن تكون صريحة معه، وتخبره بالحقيقة، فربما إستطاع التخفيف عنها..
خرجت ندى بحجابها وطلتها الرقيقة، التي أدخلت السرور على قلب علياء المكلوم، تتبعها هدى التي وضعت أحد الأوشحة على كتفيها، تريد الإستمتاع به لكن دون أن تلبسه، إستقبلتها علياء بالأحضان، وقبّلتها مباركة لها بحفاوة أوجعت قلب هدى، لتنتشلهما من هذة اللحظات قائلة، مغيرة الموضوع:
ـ أخبرني المدرب أنني سأحرز ميدالية ذهبية، ببطولة التنس القادمة.. سأحتاج لمباركة قريباً كندى.. هااه..
فطنت علياء لغيرة هدى، فأجابتها وهي تشير لهم بالخروج من المتجر:
ـ حبي لك ياهدى حب مطلق، لاعلاقة لمقداره بحجابك أو بطولتك، أحبك فقط لأنك إبنتي، هل تفهمي هذا يا أم لسانين..؟؟
أثلجت الكلمات العابرة تلك قلب هدى بغض النظر عن كلمة التوبيخ الأخيرة، فسارت بجوار ندى بشئ من الثقة تبارك لها، وتعدها بأن تحذو حذوها عن قريب، مبتسمة وسعيدة لحصولها على هذا الحب الغير مشروط، فهمست لندى بشقاوة:
ـ الفضول يقتلني لمعرفة إحساس إستخدام شرائح الشمع هذة في إزالة الشعر..
شهقت ندى، واضعة يدها على فمها، ثم لكزتها بمرفقها، قائلة بهمس:
ـ إخفضي صوتك ياغبية، كل الناس سمعت، إن آلمك الشمع إستخدمي الكريم كما قالت ماما، أنا أيضاً متشوقة لهذة التجربة الجديدة..
تبادلا الضحك بصوت خفيض، وسارا لمكان إصطفاف السيارات تتلفتان حولهما، تشعران بأن جميع من حولهم على علم بتوديعهما مرحلة الطفولة، وتخطيهما أعتاب المراهقة والبلوغ بأقدام ثابتة..
* * *
وقفت سلمى بمطبخها مرغمة تطبخ المعكرونة، تفتح صفحة الطهي على هاتفها، لمعرفة المقادير..!
لسع بخار الماء المتصاعد يدها المتألمة، وهي تصفي المعكرونة، فصرخت سابة الزواج، ومن تريد أن تتزوج، سمعها محمود الجالس بالبيت، ويتضور جوعاً منذ الصباح، على وعد منها بطهي الطعام كما إلتزمت معه..
ذهب إليها واقفاً بباب المطبخ، متسائلاً:
ـ ماذا حدث..؟؟ لماذا أسمع سباباً وقلة أدب..؟؟
أجابته وهي ترمي ماء سلق المعكرونة بتوعد:
ـ لن أطبخ مرة أخرى، لا أستطيع الإستمرار، لقد تزوجت رجلاً ميسوراً ليوفر لي خادمة، إتصل بهيام تصعد، لإكمال إعداد الطعام..
عقد ساقيه كعلامة الإستفهام، قائلاً بتلاعب، وهو يرفع أحد حاجبيه:
ـ موااااافق، وسأطلبها للزواج، ووقتها ستعد لي الطعام، بنفس سمحة وراضية..
رمته بنظرة ملؤها الغضب، ووضعت قدر المعكرونة على الموقد بعنف، ثم سكبت فوقها صلصة الطماطم الجاهزة وأغلقت القدر، وتركته وخرجت من المطبخ لنصف ساعة كاملة إختفت فيها بالحمام، وتمدد هو على الأريكة أمام التلفاز..
تشممت رائحة تفحُم، فأسرعت تفتح القدر المدخن، وقلبت محتوياته بطبق التقديم، لتشاهد أروع لوحة فنية لألوان علم مصر بنفس ترتيب الألوان، فالطبقة الأولى متفحمة بذمة، وبعدها طبقة بيضاء إلتصقت خواتمها كالعجين، والطبقة الثالثة العلوية كانت حمراء قاتمة..
كان محمود قد هرع خلفها، يشاهد تطورها البائس بطهي الطعام، ليصدمه هذا المنظر المروع، تقدم ليقف خلفها، مستفهماً ببلاهة:
ـ ماهذا ياسلمى..؟؟
لتجيبة بنفور، وهي تزيح كفيه عنها، وتدبدب بقدميها بطفولية ماسخة:
ـ كما ترى.. معكرونة علم مصر، هل ستأكلها، أم تطلب لنا طعاماً جاهزاً..؟؟
طوق خصرها ضاحكاً بمرح، قائلاً بهمس:
ـ بل ستأكليها بمفردك عقاباً لك.. بل وأريد أن أسمع صوتك وأنت تتلذذين بأكلها وتقولين ما أجمل صنع يدي.. وأنا سأكل بمفردي الطعام الذي طلبته منذ نصف ساعة، وسيصل بعد دقائق..
إلتفتت إليه بفرحة، غير مستوعبة أنها نجت من فعلتها، قائلة بعدم تصديق:
ـ حقاً..! هل طلبت طعاماً.. وستصفح عني بشأن الطهي نهائياً..؟
جذبها إليه، وهو يهز رأسه نفياً، بصبر:
ـ من قال هذا.. جُننتِ لدرجة أنك تسمعين كلمات لم تقال..! بالطبع لا.. سماح اليوم فقط، وغداً ستطهين صنف جديد ياأميرة..
دفعته، وهي تصيح بضيق:
ـ أميرة من..؟؟
قهقة بضحكاته المتتالية، موضحاً:
ـ ألم تشاهدي لبنى عبد العزيز، في فيلم أه من حواء، من قبل..؟؟
قالها وخرج من المطبخ، فزفرت متأففة، وألقت المعكرونة بالقدر الملتصق به الطعام بالكامل بصندوق القمامة، لتخفى جثة ومعالم جريمتها نهائياً..!!
أما هو، فكان يرد على هاتفه، يكلم عامل التوصيل، الذي يخبره بوصوله عند البوابة الخارجية، لينزل لإستلام الطعام الجاهز، فإلتقط مفتاح الشقة صائحاً بها بصوت عال قوي:
ـ سماح اليوم فقط ياسلمى، وغداً معركة جديدة.. أقسم لك أنني لن أتنازل..
* * *
دخلت سميحة لغرفة مكتبها بملجأ الأيتام تبعتها سوسن، والتي تبدل حالها وطريقة إستقبالها عن المرة السابقة، بعد التهديد الذي مس وظيفتها، تثرثر كعادتها، تشرح لسميحة ماحدث بغيابها، في حين ظلت سميحة صامتة، حزينة لما فعله محمد معها تسأل نفسها عدة مرات، لماذا أتيتِ هنا اليوم ياسميحة، دون أن تحدد سبباً واضحاً أكثر من أنها لا تطيق الجلوس بدارها دون زوجها..
ـ أما باقي البنات فهن غير مسجلات لدينا..
أنهت سوسن كلامها بهذة العبارة، وسميحة تجلس إلى كرسيها بتثاقل، متحدثة لسوسن، وكأنها إنتبهت لوجودها الأن فقط:
ـ أحتاج مشروباً مثلجاً، ثم تعالي إحكِ لي من جديد..
خرجت سوسن، لإحضار المشروب لسميحة بنفسها، ثم عادت به، لتقول بتوضيح وهي تجلس:
ـ وأنا عند إحدى الحالات، التي طلبتِ البحث عنها، طلبت مني إحداهن أن أساعد صديقة لأختها الصغرى، تقول أنها فتاة فقيرة، بالصف الثالث الثانوي، تعيش بمفردها، وذهبت إليها بنفسي، والله بنفسى ياحاجة سميحة، وتأكدت من أحقيتها بالصدقة، وزكاة المال..
أسندت سميحة ذقنها لكفيها المضمومتين، طالبة منها وضع ملفات البنات أمامها، مشيرة لها بالإنصراف، فرحلت سوسن متمنية من صميم قلبها، أن تكون قد أدهت مهمتها على أكمل وجه، وفي وقت أقل من المطلوب، مما يؤهلها لطلب زيادة أجرها، دون خجل من تقصير، أوتوقُع للرفض..
فتحت سميحة الملفات أمامها، تمرر عينيها على السطور دون أن تقرأ حرفاً واحداً، فقلمها ينقر على سطح المكتب، بينما ذهنها شرد بعيداً..
شرودها سحبها للخلف خمسة وثلاثين عاماً، حيث كانت تجلس على سرير مشفى، تتبين حقيبة يدها المكدسة بالنقود، والتي كانت تحوي إحدى دفعات بناء هذا الملجأ، والتي كانت تحضرها لخالها، المدرس بكلية الزراعة -ولي أمرها أنذاك- ليتولى هو أمر تسليم مقاولين البناء مستحقاتهم المادية..
تذكرت تعفف محمد عن سرقة النقود، أو حتى أخذ مقابل لمساعدته لها، لكن بمجرد أن وصفته لخالها، تبين أنه المعيد الذي يشرف له على رسالة الدكتوراه..
دخلت لمكتب خالها يوماً ما، لتسليمه دفعة أخرى من النقود، بأمر منه شخصياً ألا يحدث ذلك أمام زوجته بالمنزل، ليخبرها أن تنتظره، لأن لديه مناقشة دكتوراه لأحد الطلبة لديه، فطلبت منه أن تحضر المناقشة، دون أن تعلم أن ذلك الطالب هو محمد علام، والذي لم تره منذ المرة السابقة، ولا حتى صدفة..
ورأها محمد من خلف المنصة، تلك الفتاة الحسناء، تجلس بالصفوف الخلفية مبتسمة، تتابعه بإهتمام وكأنه يخصها، متسائلاً بداخله، ماالذي تفعله هي هنا، يوم مناقشة رسالته..؟؟
توجه إليها بعد الإنتهاء مبتسماً، وفرحاً بالنجاح الذي حققه، ليسألها:
ـ هل تعملين هنا بالجامعة..؟؟
ـ لا.. أنا هنا مع قريب لي..
ـ هل صحتك أصبحت جيدة..؟؟
ـ نعم، شكراً لسؤالك، لقد أجريت جراحة، وقمت بإزالة المرارة، لينتهي عذابي..
ـ حمداً لله على سلامتك، أسعدتني رؤيتك اليوم، وأنا في أوج فرحتي، فقد حصلت على الدكتوراه بتفوق..
ـ ألف مبروك، وبالتأكيد تفوقت، لأنك تستحق، إسمح لي بالإنصراف..
ـ بارك الله فيكِ، تفضلي..
وإنصرفت الحسناء الصغيرة، ليعلم بعدها صدفة، بأنها إبنة أخت أستاذه، لتتوالى بعدها اللقاءات، وتجمعهما الصدف أكثر من مرة بمكتب خالها، الذي أصبح عميداً للكلية..
إستشعر محمد عدم قدرته في أن تتولى الصدف أمر لقاءاتهما، ليتقدم لخطبتها، والذي صدمه خالها برفضه رفضاً قاطعاً..
سميحة كانت ثروة متحركة، تمتلك في سنها الصغير هذا، مزارع ماشية، ومصانع ألبان، وشركة، وعقارات، مملكة ليس لها أخر، وكانت ترفض بشدة هؤلاء الذين تقدمو لها أصحاب الثروات المماثلة، طمعاً في زيادة الخير خيرين..
لكن قلبها كان له رأي أخر، خصوصاً عندما علمت بجهل محمد التام عن ثروتها الضخمة، أرادها هي، هي فقط.. وهذا ماكان يشكل فارقاً لدى سميحة..
وضعه خالها تحت الإختبار لعدة أشهر، أمام إصرار سميحة عليه، ثم تزوجا بعد عام واحد من أول لقاء جمعهما.. على مضض من خالها، الذي يزوج إبنة أخته الثرية، لرجل فقير.. تزوج قبلها، وطلق، ولديه طفلين..!!
تطلعت سميحة للأوراق أمامها، بعد عودتها من رحلة ذكرياتها المحببة لقلبها، إرتشفت عدة رشفات من كأس المشروب البارد ببطء، غير مستوعبة الإسم الرباعي للفتاة التي زارتها سوسن بنفسها، ووضعت حالتها بأحد الملفات لدراستها، لتهتف بصدمة، وعدم تصديق:
ـ رقية.. رقية محمود محمد علام..!!
* * *
نهاية الفصل التاسع
الفصل العاشر يوم الأثنين إن شاء الله
دمتم بود
فاتن شوقي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى