روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية لحظة اختيار

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في الإثنين نوفمبر 12, 2018 9:37 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
..
إهداء..
..
إلى من دعمني..
إلى من أتاح لي الفرصة لأكتب.. ومن سيتاح له الفرصة ليقرأ..
إلى كل أحبتي.. ومن ألهمني بفكرتي..
شكراً لدعمكم..
دمتم لي..
..
فاتن شوقي
..


لحظة إختيار..
دراما عائلية إجتماعية مطعمة بالرومانسية..
..
أحياناً.. نرى أن حياتنا ستستمر بنفس النهج.. وأن روتينها الذي ننهار يومياً من تكراره.. سيظل للأبد..
غافلين تماماً.. عن إختيارات الماضي.. التي بالتأكيد شكلت حاضرنا..
إلى أن نصل لمنتصف الطريق..
لنكتشف أننا في منتصف المتاهة.. متاهة إتخاذ القرار.. ننتظر معجزة ما.. تحدث لتنتشلنا لبر الأمان..
فعبور بحر الحياة الواسع.. يجيده من تعلم العوم فقط..
فإما أن تكون ممن يجيد العوم..
مع أو ضد التيار..
تصارع إختيارات مفروضة..
وإما أن تقابل أحدهم.. صدفة.. أو قدراً.. يعلمك العوم بحرفية..
ومابين هذة الحالة وتلك.. تقف أحياناً متردداً
أمام لحظة إختيار..!!
..
فاتن شوقي
..
   
مقدمة
  وقفت تنسق وضع ثلاث وردات جورية بكأس صغير، بيديها البيضاء التي تجعدت بفعل سنوات العمر الستين المنقضية، وضعته بحرص بجوار أطباق الإفطار، ثم نظرت بعينيها بتساؤل لساعة الحائط الدائرية، ذات الإطار الذهبي.. لتخبرها أنها أصبحت الثامنة صباحاً..
  لحظات.. وسمعت صوت رنين هاتفها، والذي تنتظره بلهفة يومياً، فأزاحت خصلات شعرها بني الصبغة خلف أذنها بفرحة، وهرعت بقوامها الممتلئ قليلاً، تجيب بشوق أضناه البعد، وأنهكه طول الفراق:
  ـ صباح الخير ياهاني.. وأنا أيضاً ياحبيبي.. إشتقت لرؤيتك ياولد، نعم نعم، أخبرني ككل يوم، أنك ستزورنا هذا العام..
  أتدرك أنك أتممت عامك الثانى عشر بعيداً عني!! أم أن المعيشة بأستراليا تلك.. أنستك الأيام والسنين..
  سكتت هنيهة، تستمع لحلو الكلام من إبنها الغائب.. تضحك بملء فيها.. ليشرق وجهها الأبيض ذو القسمات الهادئة، والذي خط عليه الزمن علامات لم تغتل براءته بعد، لتهتف بحبور بعد دقائق:
  ـ حقاً..!! سأحاول تصديقك.. وسأنتظرك بفارغ الصبر.. ستجدني كبرت وصرت عجوزاً، مع السلامة ياحبيبي..
  أغلقت الهاتف ثم ضمته وقبلته بحنين جارف، هامسة:
  ـ لاضير من إنتظار شهرين إضافيين، أعادك الله لي سليماً معافاً.. قبل أن ينهار صبري..
  إلتفتت لمائدة الطعام، لتجد الفتاة التي تساعدها ذات الخمسة والعشرين عاماً، تضع قدحيّ الشاي، مبتسمة:
  ـ صباح الخير ياحاجة سميحة، هل الأستاذ هاني بخير، فمنذ أن عملت هنا من عشر سنوات، وأنا أعهده دقيقاً بموعد إتصاله..
  ضمت سميحة شقيّ سترتها الرياضية وردية اللون، والتي تمنحها مظهراً أنيقاً وعمراً أصغر، وهي تتنهد شاردة، ترمش مبتسمة بحنين، لتجيب بحب، ناظرة لها دون أن تراها بفعل شرودها:
  ـ صباح الخير ياهيام، هاني بخير وسيأتي قريباً، كفاه بعداً وهجراً للوطن.. وكأنني نجحت في الصمود على فراق محسن -رحمه الله- حتى يبتعد عني هاني كل هذة السنوات..
  كما ترين لا يملأ البيت سوى وجود محمود، الذي لا أراه تقريباً، لحمله عبء العمل كله وحده -أعانه الله- وأولاد محسن قرة عيني..
  رفعت عينيها لهيام في حزم مفتعل، لتأمرها مبتسمة:
  ـ إصمتي قليلاً ياثرثارة، وإذهبي لإستعجال الحاج لتناول الفطور..
  نفت هيام عنها تهمة الثرثرة بسبابتها مبتسمة، رافعة حاجبيها الرفيعين بإحتجاج، ثم غادرت بمشية سريعة، تتابعها نظرات سميحة التي تُقيّم هيأتها ذات العباءة البنية وحجابها المنقوش، ذو العقدة الخلفية، ثم عاتبت نفسها:
  ـ مسكينة تلك اليتيمة، تتحملني دائماً مبتسمة، أنا التي أثرثر دائماً، ثم أوبخها.. أعانها الله على تحملي..!
  دخلت بعدها للمطبخ المجاور للمائدة، تحضر أرغفة الخبز بالسلة الخشبية، ثم نادت بصوت عال:
  ـ هيا ياحاجوج.. الفطور جاهز..  
* * *
  أوقفت سيارتها الحمراء، بمكانها المخصص بمرأب المشفى، لتترجل منها ذات الثلاثة والثلاثين عاماً، ثم أغلقتها برفق بملامح جامدة..
   إستدارت لتسلم مفتاحها للسائس الواقف بالقرب بملابسه الرسمية الزرقاء، قائلة بجدية، راسمة لخطواتها طريق الصرامة:
  ـ من فضلك ياعم صبحي، أحتاج مساعدتك لنقل صندوق كرتوني به أدوات لعيادتي.. أحكِم غلق السيارة، ولا تنس المفتاح الذي بدلته مرة من قبل، مع مفتاح سيارة أستاذة هناء..
  هزرأسه بإيجاب، ليتقدم إليها بمشية متثاقلة، قائلاً بتكاسل، شاعراً بملل من تكرارتحذيرها:
  ـ تحت أمرك يادكتورة علياء، أقسم أنني لن أنساها مجدداً، كانت مرة يتيمة ولن تتكرر..
  أخذ المفتاح، فإتجهت إلى المصعد المجاور بقامتها الطويلة، تضبظ حجابها القطني، تعدل وضع نظارتها الطبية ذات الإطار الأحمر فوق أنفها الدقيق، لينغلق باب المصعد عن هيئتها الرقيقة، التي تحارب من أجل إظهارها أكثر قوة وحزماً..
  سارت بالرواق الطويل، إلى أن وصلت لمكتب مدير المشفى ومالكها..
طرقت بابه، ودخلت مبتسمة، مادة يدها بأوراق هامة، تنتظر توقيعه.. هاتفة بحبور:
  ـ صباح الخير يادكتور غانم.. من فضلك أريد إمضاءتك هنا..
  رد عليها ذلك الرجل خمسيني العمر، وقور الهيئة، أشيب الشعر والذي يزيده هيبة لهيبة إسمه المنقوش أمامه (د.غانم أبوهيبة) :
 ـ أهلاًوسهلاً بالطبيبة النشيطة، أما زلتِ رافضة الإلتحاق بالقافلة الطبية، التي ستذهب إلى الصعيد..؟؟
  أجابته علياء أثناء تفحصه للأوراق، مصدراً صوتاً للورق أثناء طيه وتوقيعه:
  ـ أنا أسفة بالفعل، لدي مسئوليات تمنعني من المشاركة، أخبرتك بها قبلاً، أرجو ألا يؤثر ذلك على تقييمك الرائع لعملي..
  نظر إليها ماداً يده بالأوراق الممضية، معدلاً رابطة عنقه الكلاسيكية، قائلاً بنبرة أبوية صادقة:
 ـ أنا أقدر ذلك، وأتقبل إعتذارك.. الدكتور سامح عز الدين أيضاً سيظل هنا أكلفه بالإدارة دائماً أثناء غيابي..
  إرتبكت داخلياً للحظة فور سماعها إسمه، تخشى دائماً أن يكون شخص ما، على علم بما بينهما، فتكرار زيارته لعيادتها دون علة واضحة بأسنانه بدأ يلفت إنتباه ممرضتها..
  في حين ضم غانم قبضته اليمنى، مكملاً كلامه بتحفيز:
  ـ هل أترك خلفي وحوش، تحمل المسئولية؟
  ضحكت بخفة وإرتباك، مبتسمة بحرص فرضه عملها، وشعور بالحرج يغلف نبراتها:
  ـ بالتأكيد، طالما عيادتيّ الأسنان، والنساء والتوليد تعملان بدؤب، لا تقلق..
  أشار إلى الباب، بوجهٍ متجعد الجبين، متصنعاً الغضب، هاتفاً بصوت يملؤه الوقار:
  ـ إذن على عيادتك، دون تلكؤ..
  أومأت مبتسمة، وهي تلتقط أوراقها، وتغادر لعيادتها، تدعو له، لأنه يعذرها دائماً، وضعه الله بطريقها المهني ليمهد لها حياتها العملية، دون عقبات أوضغوط، خصوصاً بمشفى خاص ضخم، كتلك التي تعمل بها..
  مرت ثلاث ساعات، لم تشعر فيهم بالوقت.. يتعاقب إليها المرضى من سيدة متأوهة، لطفل مشاغب لا يريد أن يفتح لها ثغره..! ثم لرجل يفوح من فمه عبق الدخان السحيق، وكأنه إبتلع مقبرة سجائر بعدد سنين عمره..!! لكنها حمدت الله أنه ليس من بينهم الدكتور سامح..!!
  دخل إليها شاب بثيابٍ ملطخة بالدهانات، يمسك فكه المتألم، جلس أمامها على كرسي الكشف، ليبدأ حديثه محذراً بلهجته الشعبية:
  ـ أقسم بالله سأقاضيكي إن ألمتِني بأدوات الحفار التي أمامك تلك.. أنا أكره أطباء الأسنان.. ولم أكن لأخطو هنا، إلا لألم لثتي الذي فاق الحد..!
  عضت باطن شفتيها خلف قناعها السماوي وهي تومئ له بصبر، بعد أن إعتادت سماع مثل هذة الكلمات..
  فتح فمه، لتشاهد صفين من اللؤلؤ الأسود - إن جاز التعبير- لتتنهد وهي تشرح له:
  ـ اللّثة ملتهبة جداً.. لن أستطيع أن أعالجك إلا بعد أن تأخذ مضاداً للإلتهاب أولاً.. ثم..
  قاطعها معترضاً بصوته الأجش، بلهجته الدارجة:
  ـ اللهم طولك ياروح، أنا قلت هذا من لحظة ما رأيتك.. ألا يوجد هنا أطباء رجال..!! أريد أن يذهب هذا الألم حالاً،  فلم يعد المسكن يؤثر، ولدي شقة أدهنها أريد تسليمها بعد أسبوع..
  ما باله هذا المحارب..! ألا تكفيه رائحة القبور التي تهب من فمه، ليتبجح عليها بعنصريته الغبية..!!
     إستعانت بصرامتها، لترد عليه بنفاذ صبر:    
  ـ حسناً.. تحمّل إبرة البنج لأقوم بعدها بعملي.. ولتصبر على التنظيف صبر الرجال، حتى أنتهي..
  إعتدل بشئ من الإعتزاز برجولته، ليفتح لها فمه، لتبدأ بعملية التنقيب بداخله، ليصدر صراخاً، لا يليق بعنجهيته أبداً، بمجرد لمس باطن خده بإبرة التخدير..!!
  خرج بعد فترة، لتتقدم الممرضة، المتنمقة بشكل مبالغ فيه، شديدة سواد كحل العينين، لتتحدث لعلياء بنبرات دلال، خرجت من بين شفتين مكتنزتين، مطليتن باللون الزهري القوي:
  ـ إنتهت الحالات يادكتورة..    
  نظرت علياء لأظافر الممرضة الطويلة، المطلية بنفس اللون الصريح، لتجيبها بإعتراض:
  ـ يمكنك توفير زينتك المبالغ فيها لحفلات المساء ياسالي، هيئتك لا تليق بإمرأة تعمل في أوقات الصباح..!!
  رمقتها سالي بنظرة جانبية، لتومئ دون رد، ثم بادرت بجمع أدوات التنظيف، وهي تلوك قطعة علكة بفمها، تتسلى بإخراجها بلسانها من أنٍ لأخر.. تحت أنظار علياء المستاءة، تود أن ترد عليها، متذكرة لقاءاتها المتكررة بالدكتور سامح خلسة:
ـ وفري أنتِ نصائحك لنفسك، أفضل..!
لكنها لم تنطق، بل فقط توعدتها، وما أسهل أن تتتبع ذلالتها..!!
* * *
  هبط درج المنزل الداخلي.. ذلك الرجل ذو الجسد الممتلئ برشاقة..! نعم، فبرغم إمتلائه قليلا،ً إلا أن جسده متناسقاً بقوة..
  ذهب ليستجيب لإلحاح رنين جرس الباب بعد أن أيقظه من نومه، ما إن طالع ذلك الوجه الذي يعتاده، حتى لوى شفتيه في جانب خده، وهو يدعوه للدخول بصوت يملؤه النعاس:
  ـ إدخل ياجاسر، منذ أن عرفتك، وأنت هادم للملذات..
  دخل المنزل البسيط ذو الطابقين، شاباً في منتصف الثلاثينات، يتهادى في مشيته للداخل، واضعاً يديه بجيبي بنطاله الجينز، مبتسماً بمرح:
  ـ ملذات!.. أية ملذات تلك، ياسيد هاني! يارئيس رابطة العزاب بأستراليا والبلاد المجاورة..
  جلس جاسر على المقعد القريب، ليغمز له بخبث، رافعاً حاجب واحد:
  ـ الفاتنة جوليا الكندية.. تهيم بك كلما تحركت من أمامها، بعطرك المبالغ فيه أيها المبذر.. منذ أن إتبعت الحمية الغذائية، ونقص وزنك بشكل ملحوظ، لكنك لاتبالي أيها الرزين..
  كان هاني مازال واقفاً أمام الباب المفتوح، أغلقه بقوة، ثم فرك وجهه، محاولاً الإستفاقة، وإستدار متنهداً، ليرد بصوته الرخيم:
  ـ حسناً، تريد أن أُحسن ضيافتك..؟ صحيح ..؟ لا تتحدث عن تلك الحرباء، والتي لن تكون أكثر من مديرتي بالعمل..
  حك جاسر صلعته الجانبية، مدعياً التفكير، ثم إتكأ لمقعده، مشيراً بذقنه لهاني أن يجلس أمامه، ليجلس هاني وهويسأله بصوت مازال به أثر النوم:
  ـ لماذا لا تخبرني بسبب الزيارة التي أيقظتني من أحلامي السعيدة..؟؟ لا تكذب بشأن إشتياقك ليّ.. فلم يفت على موعد إنتهاء العمل سوى ساعتين..!
  وقف جاسر ضارباً بخفة على ساعديّ المقعد، وإتجه إلى المطبخ، متحدثاً بنبرة ضاحكة مرحة:
  ـ سأعد القهوة، لنتحدث بمزاج وبال رائق، ولا تخف لن أكذب عليك، فزوجتي علمتني الصراحة وأنا تعلمت الأدب.
  ضحك هانى بخشونة، ليعلو صوته، وهو مازال مكانه:
  ـ إنطق ياجاسر، ماذا تريد يامؤدب.. وحذارِ أن أدخل بعدك، لأجد نقطة قهوة وقعت على الأرض، فلن أتردد في قتلك..
  فتح جاسر أحد خزانات المطبخ الخشبية، ليخرج عبوة البن البرازيلي، يرد بصوت عال:
  ـ كان الله في عون زوجتك المستقبلية، سيرافقها شخصاً مريضاً بالنظافة..
  صمت بعدها لحظات، ثم أردف بمرح زائد:
  ـ زوجتي تدعوك لحفل ميلاد إبنتي غداً، تخيل.. مريم أتمت الخمس سنوات، دون أن أشعر، عقبى لك يوم تدعوني لحفل مشابه، قريباً..
  ذهب هاني إليه، ووقف مستنداً لإطار الباب، ليجيبه بلهجة تهكمية ساخرة:
  ـ أولاً.. كل عام ومريم بخير، ثانياً.. أخبر زوجتك.. أنني لن أتزوج بهذة الطريقة، كم عدد الفتيات اللاتي سيحضرن الحفل.. لأنتقي منهن واحدة هذة المرة.. هااه..!
  أومأ جاسر برأسه، وهو يقلب السكر بالبن، إستعداداً لوضعه على الموقد الكهربائي:
  ـ أحيي ذكاءك الفذ.. علمت بمفردك الخطة المحكمة لإيقاعك بإحداهن، من أين لك هذة النباهة!.. زوجتي ستقتلني لو عرفت أنك كشفت تدبيرها..
  أغدق عليه من سيل سخريته، مجيباً:
  ـ وهل تفعلان شيئاً بحياتكما، سوى البحث لي عن عروس، هل أأكل وأنام عندكم، ففاض بكما وتريدان التخلص مني مثلاً، أنتما من تفتقدان النباهة، أرسل لها سلامي، وأخبرها برفضي مقدماً.. أنا سأتزوج فتاة من بلدي، أرح نفسك..
  دار على عقبيه صاعداً السلم.. مكملاً كلامه، مستنداً للحاجز الخشبي:
  ـ سأدخل الحمام، إلى أن تنتهي من تسوية القهوة.. لكن رجاءاً لا تنس تشغيل الموقد.. وإلا مكثت عندك دهراً..
  إلتفت جاسر إلى الموقد المطفأ، لتنفجر من بين شفتيه ضحكة مجلجلة:
  ـ ألم أشعله حقاً..؟؟ هاني محقاً بشأن إفتقادي للنباهة والتركيز.. وربما توقُع عقاب أم مريم لفشل الخطة هو ما يوترني..!
  إطمأن لدخول هاني للحمام، وإلتقط هاتفه ليخبرها بالنتيجة مقدماً، ليجدها تصرخ به:
  ـ لا ياجاسر.. صديقك هذا معقد على فكرة، لا تطلب مني مجدداً البحث عن عروس له، لن أحرج نفسي مع الناس مرة أخري، أتفهمني..!
  تنهد جاسر، وهو يشغل الموقد، ليرد بهدوء مبتسماً:
  ـ لا ليس معقداً.. مازال قلبه متعلقاً بخطيبته التي ماتت -رحمها الله- أؤكد لكِ..
  أتاه صوتها الرفيع، بنبراتها الحادة القاصفة:
  ـ لقد ماتت منذ إثنى عشر عاماً كاملة وليس البارحة!! ولا تخبرني أن هناك رجلاً وفياً بهذا الشكل على هذا الكوكب العجيب.. كانت إحدى إختيارات الماضي، وعليه أن يختار من جديد! أين المشكلة لا أفهم..
سكتت لحظة ثم تابعت: جااااسر.. أنا أكلمك.. لماذا لا ترد.. ؟؟
  أبعد جاسر الهاتف عن أذنه قليلاً يتقي حدة كلماتها، ثم أجابها بكلمات مختصرة، وأنهى المكالمة بهدوء..
  أما داخل الحمام.. فقد غمر هاني وجهه بالماء، ثم تناول منشفته البيضاء.. ولفها خلف عنقه مجففاً بها وجهه برفق، ناظراً لملامحه في مرآته شارداً بصوتها العذب، الأتِ من مكان بعيد، يعيد عليه لحظات جمعتهما سوياً..
  عقد حاجبيه الكثيفان، متذكراً كيف فقدت حياتها بطريقة غامضة، إثر عملية جراحية بسيطة بمعدتها.. ليتجرع بعدها كأس عذاب فراقها، والذي أطاح بتعقله وقتها..
  لم يتحمل حزنه عليها.. كانت تعني له الكثير، لا.. ليست مجرد خطيبة.. كانت وستظل حبه الأول والأخير، رحلت تاركة قلبه مظلم، يقيم مأتماً أبدياً على شرف رحيلها..!!
  أغمض عينيه لحظات، ثم إنتبه لصنبور الماء الذي لم يغلقه، فإعتدل في وقفته يشد صدره، يستعرض قوامه الجديد، وأغلق الصنبور، محدثاً نفسه دون صوت:
  ـ لكم إشتقت إليكِ يا أسماء..!! لم أنسكِ أبداً، عزائي الوحيد أنني دفنت قلبي بجوارك، فلم أعد أحيا كما يعتقد البعض..!!
  تغيركل شئ من بعدك، إختلف شكلي، إختلف إحساسي.. وإختلف موطني.. فقط من أجلك..
  إختفى هاني ممتلئ القوام مكتنز الشحم عالي بروز البطن..! كم كنتِ جميلة الجوهر لتحبي شخصاً سميناً مثلي..!!
  أبحر بذكرياته معها أمام مرآته، التي يرى فيها هاني الجديد، مستشعراً مدى رعب سميحة عليه، إن علمت بشأن عملياته الجراحية المعقدة التي أجراها، ليفقد قرابة الخمسين كيلو من وزنه السابق، ويصبح بهذا الشكل.. وتلك الجاذبية التي تقع صريعتها تلك المغوية الكندية، ذات الأصول العربية.. مديرته..!
  إنفلتت من زاوية شفتيه، إبتسامة أظهرت دقة حسنه الطولية بخده، لتنفك عقدة حاجبيه، فتنهد بعدها بإرتياح ليهتف بصوت عميق:
  ـ ستظلين بقلبي يا أسماء.. ستظلين بقلبي للأبد! حتى وإن تزوجت بأخرى، كما ترغب أمي!..
  خرج من حمامه، يفكر بكيفية إستقبال أسرته له، عندما يفاجئهم بشكله الجديد، عند نزوله أجازة، بعد شهرين فقط..
  قطع تفكيره صوت جاسر المرِح، صادحاً بقوة من أسفل:
  ـ لقد بردت القهوة.. إنزل يامحطم قلوب العذارى!
  طالت جلستهما، يتسامران وهما يلعبان لعبة الشطرنج، ليخبره هاني بقراره، بعدما أطاح بوزيره من على الرقعة:
  ـ سأختار العروس ما إن أنزل مصر بعد شهرين، فقد أعدت لي والدتي طابوراً من العرائس، يكفي حياً بأكمله لأنتقي منه، ولن أستطيع أن أجعلها تنتظر أولادي أكثر من ذلك، لكنني سأعاني لأجد واحدة منهن ترضى بالعودة معي، لتعيش هنا..
  صفق جاسر بحدة، ثم ضربه على كتفه.. مجيباً بحب صادق، ومشاكسة لا يستطيع تجنبها في كلامه أبداً:
  ـ هذا يوم المنى، أقسم لك.. وسأزور بيتك لاحقاً، فأجد إمرأة تستضيفني، وأعامل معاملة الضيوف..!!
  أغلق رقعة الشطرنج أمامه مكتفياً بهذا القدر من الخسارة، ثم أكمل:
  ـ وأخيراً.. سيزداد عدد المغفلون واحداً..! أحمدك يااارب..
  لكمه هاني فى كتفه بقوة، يرد له الضربة دون أن يؤلمه، ليردف ضاحكاً:
  ـ إنهض لتغسل الأقداح قبل المغادرة، وامسح الطاولة الرخامية، وأتركها نظيفة..
  أجابه جاسر في طاعة، متقمصاً صوت السيدة أمينة الخاضع، بسخرية:
  ـ حاضر ياسى السيد.. وسأحضّر لك حمام دافئ بالملح الخشن، لأغسل قدميك الكريمتين، وأخذ كيس القمامة وأنا خارج.. وحسبي الله ونعم الوكيل فيك..
* * *
  دوت أجراس المدرسة الدولية بذلك الحي الهادئ بشرق القاهرة، ليخرج بعدها الجميع إلى حافلة المدرسة، وقفت على مقربة من البوابة الحديدية، فتاتان بالمرحلة الإعدادية، توأم متطابق الملامح.. وقد تهدلت ربطة شعرهما المموج، وتحررت منها خصلاته الناعمة، بعد يوم دراسي طويل..
  دقائق مرت.. ووصلت إليهما علياء بسيارتها الحمراء، لتقلهما بنفسها.. أشارت لهما، فهرعتا إليها وركبتا بسرعة.. إتقاءاً لحرارة الشمس.. لتهتف إحداهما:
  ـ زجاجة الماء بسرعة ياماما.. جف ريقي من طول الإنتظار، تأخرتِ اليوم تسع دقائق كاملة!
  تحدثت علياء، ناظرة لها عبر المرآة الأمامية، وهي تناولها القارورة:
  ـ تأسف الدكتورة علياء مجدي، لإضاعة وقت السفيرة هدى بهذا الإستهتار، حاسبيني بالثوانِ، وإخصميها من راتبي..
  شربت هدى، وهي تهز كتفيها إعتراضاً على سخرية علياء من دقتها في حساب الوقت.. ثم تنهدت علياء بإجهاد، ناظرة إلى البوابة يساراً بتساؤل:
  ـ أين أخوكِ الكبير، هل سأنتظره طويلاً..؟؟    
  غصت هدى بشربة الماء الأخيرة، وهي تحاول الضحك أثناء شربها.. لتسعل بعنف عدة مرات، لتخبط أختها على ظهرها، في فرصة أتتها على طبق من ذهب، لتضربها بشقاوة.. فصرخت بها هدى ضاحكة وهي تزيح ضرباتها عنها:
  ـ كفى يا ندى! أسمعتِ ماما إنها تنسى للمرة السابعة.. أن صالح يذهب يوم الأربعاء مع حازم بعد المدرسة، إلى تدريب كرة القدم..
  كتمت ندى ضحكاتها، واضعة كفها الرقيق على فمها، ثم ربتت على كتف علياء التي بدأت في التحرك بالسيارة، وهي تشاكسها:
ـ لا عليكِ يالولو، فـ هدى تحب دائماً أن تواجهك تحت الأمر الواقع، لأنك لا تركزين بأيام الأسبوع..
  عدلت علياء من وضع نظارتها حمراء الإطار، وهي ترفع كتفها الأيمن، وتعيد كلمات ندى بتمعن:
  ـ واجهتني تحت الأمر الواقع! لغة عربية حديثة تلك ياندى؟
  إنسحبت البنتين للخلف، إثر إنطلاق السيارة، لتختلط ضحكاتهن بمزاح عنيف، بلكز كلتاهما بالمرافق، تتعازمان على الرد، لتتفضل ندى به مفتعلة التفكير:
  ـ هل المواجهة فوق الأمر الواقع أفضل، يعني هل الإعتراض على مكان الواقع!!
  أطبقت هدى على شفتيها.. تدعي الإستيعاب والتركيز، ثم رفعت سبابتها لترد:
  ـ للمعلومات فقط، ماما معترضة على الواقع نفسه..
  تعالت ضحكاتهن بصخب، تشاركهما علياء - مجاملة فقط - وهي تدخل شارع التسعين الرئيسي، ثم للشارع المؤدى للمجمع السكني.. شديد الهدوء.. الذي يقطنّ به..
* * *
  قامت سكرتيرة أربعينية العمر، مطلية بشرتها بزينة الوجه الوردية.. لتستجيب لنداء مديرها عبر الجهاز الصوتي، يتحرك شعرها المجدول خلفها طويلاً بتمايل.. يحاكي مشيتها المنمقة، تصدر صوتاً قوياً مكتوماً بحذائها عال الكعبين بمجرد تحركها على الأرض الخشبية اللامعة..
  دلفت إلى المكتب، فإمتص البساط المزركش صوت حذائها، لتقف أمامه واضعة ما بيدها من أوراق، ليشير لها بالتريث وإلتزام الصمت إلى أن ينهي المكالمة التي يجريها..
  إرتفعت ضحكته الصاخبة، ليهتف بخشونة، واضعاً أصابعه بين حاجبيه:
  ـ لا تلعب في عداد عمرك يامراد.. جولات الإسكواش تنتهي دائماً بخسارتك، ماذا تنتظر من عملك! أنت فاشل وعليك أن تعترف.. إتفقنا.. نعم، سنلتقي غداً لأغلبك مجدداً إن شاء الله.. مع السلامة..
  إلتفت إليها بعد إغلاق هاتفه، مديرها الذي يصغرها ببضع سنين.. بقميصه الأسود.. وشعره البني فاتح اللون، ذو الخصلات البيضاء القليلة، المبعثرة بتباعد..
  إحتسى رشفة من قدح الشاى المجاورمبتسماً، وهو يتطلع للأوراق التي أمامه بتفحص ليحك لحيته النابتة بتشذيب.. بباطن إبهامه بتعجب، ويحدثها بإندهاش:
  ـ إعتقدت أن هناك مصيبة ياليلي.. الأوراق كلها ممضية كما أرى.. أين المشكلة؟
  ضمت ليلى أصابعها لباطن كفها، وهي تشير بسبابتها للورق بقلق، غلف نبرتها المتوترة:
  ـ هل أنت متأكد أنه توقيعك أنت..؟؟    
 إنزلق قليلاً بمقعد مكتبه الوثير، ثم رفع حاجبيه بتفكير غاضب.. وهو يستمع لبقية كلامها:
  ـ موعد الإجتماع الخاص بتوقيع هذة العقود الخاصة بمنتج الألبان الجديد بعد أسبوعين.. كيف تم توقيعها.. ومتى..؟؟
  إعتدل بجلسته، واضعاً ساعديه على المكتب، ليجيب بنبرة حادة:
  ـ العقود ممضية بتوقيعي، ضعيها بحرص بملفها، وباركي لمديرك بلباقة على إتمام الصفقة، ثم إنصرفي من أمامي الأن..
  غلفها التوتر إثر كلامه الهجومي، لتشد شقي سترتها الكلاسيكية بثبات أثناء ردها.. مستفهمة بتشنج عضلات أصاب وجهها بالتجهم:
  ـ توقيعك!! وهل يعلم الدكتورمحمد علام هذا الأمر؟!.. العقود خالية من توقيعه.. ولم تخبرني أنت بموعد إتمام الـ...
  قاطعها بصوته الرخيم بهدوء، وبنبرة تهكمية ساخرة، رافعاً حاجباً بتحدي:
  ـ أسف، نسيت أخذ الإذن من حضرة الناظرة..!
  ردت سريعاً، وهي تلتقط الأوراق.. لتضعها بحافظتها، وقد إستاءت من رده اللامبالي:
  ـ العفو يا أستاذ محمود.. أنا فقط مندهشة، ولست متأكدة من معرفة الدكتور محمد بالأمر..و..
  قاطعها مرة أخرى، ناقراً بباطن أصابعه على المكتب بعصبية، برد سريع مقتضب:
  ـ ليلى..!! حاولى الإلتزام بعملك فقط، ولا تتقمصين دور المحققين الدوليين معي، هذا أفضل لكلينا، تفضلي الأن..
 ثبتت نظراتها المعاتبة على وجهه للحظات، ثم إنصرفت، فتنهد بعنف، زافراً الكلمات بقوة:
  ـ ستخبر والدي بالحقيقة.. متأكد أنها لن تصبر، أعلم جيداً أنها عصفورته الشرسة، التي أبقاها لي كجاسوسة حرب، وليست مجرد سكرتيرة..!
  إستقام واقفاً يزفر مرة أخرى، دافعاً مقعده للخلف.. ليقف أمام نافذة مكتبه الزجاجية، حيث يلمح إسم المؤسسة المنقوش بالأحرف المعدنية الثقيلة على المبنى الملحق (مؤسسة علام لإنتاج وتصنيع الألبان )..
  تلك المؤسسة التي يديرها أثناء تغيب والده ويأتمنه عليها، سحب نفساً عميقاً يُهدأ به توتره، تتقافز السيناريوهات المتوقعة بتدافُع على حافة عقله، تنبهه بسوء موقفه، لكن مهما كان إختياره، عليه أن يتحمل تبعاته:
  ـ إهدأ يامحموووود، لن يحدث شئ.. فقط بعض الخصام ثم سأقنعه بوجهة نظري.. لقد قاربت على الأربعين عاماً، وأنا لم أنفرد بعمل خاص بي.. ما المشكلة إذن إن فعلت..!!
* * *
 أوقفت سيارتها البيضاء أمام البوابة الخارجية للفيلا، منتظره قدوم تلك السيارة الحمراء التي تراها في مرآتها الأمامية، عبر نظارتها الشمسية الأنيقة..
  عدلت عقدها اللؤلؤى الأبيض حول رقبتها، فاردة كتفيها بثقة ودلال، دعّمه جمال جسدها الممشوق، وصغر سنها الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين بعد..
 وصلت صاحبة السيارة الحمراء لتقف مجاورة لها، متسائلة:
  ـ سلمى..!! هل تعطلت سيارتك، لماذا لا تدخلي البيت..؟؟
  ردت سلمى بكبرياء، تتدلل بشعرها الغجرى الأشقر المصبوغ حديثاً، مشيره لها بكفها لتسبقها:
  ـ أنتِ أكبر مني، لذا.. أنتظر دخولك قبلى، هذا هو الإتيكيت، تفضلي، تفضلي..
ـ إتيكيت..!!
 نطقتها علياء، ثم رفعت حاجبيها، عاضه على شفتها السفلية، لتمر من أمامها بالفعل وتسبقها بالدخول محدثة نفسها، حتى لا تسمعها إبنتاها:
  ـ عقلها صغير، قصة أنها تصغرني بعدة أعوام تلك تأكل تفكيرها، وقريباً ستنتج أغنية تردد فيها فقط ثلاث كلمات، سلمى أصغر من علياء! لا لا.. ستقول أن علياء أكبر من سلمى، سيثلج هذا صدرها أكثر..!!
  في حين ساوت سلمى خصلات شعرها الكثيف الملفوف حول وجهها بغجرية جذابة، لتدخل خلفها وتركن بجوارها، ثم دست الهدية التي إشترتها، في حقيبة يدها ونزلت..
  دخل الجميع لبهو الفيلا، لتستقبلهم سميحة بحفاوة، فاردة ذراعيها لإحتضان هدى وندى.. ليسلما عليها، ثم على زوجها الجالس بجوارها على الأريكة العريضة، أمام التلفاز..
  ما إن يحتضنهما ذلك العجوز الطيب.. حتى تُرد إليه روحه التي فُقدت إثر توديعه لوالدهما - إبنه الأكبر- منذ سنوات، ليهتف بحنين:
  ـ لم أر بنات يشبهن والدهن بهذة الطريقة، رحمك الله يامحسن، حقاً .. لم يمت من أنجب..!
  جلست علياء على الكرسي المجاور للأريكة مؤمنة على الترحم على زوجها الراحل، بينما جلست سلمى على الكرسي المقابل لها، ببنطالها الجينز وقميصها الأبيض القصير..
في حين ردت هدى على جدها بمرحها المعتاد:
  ـ لم ينتظر ليرانا حتى قبل أن يرحل، سامحه الله.. والله كنا سنسعده، ونملأ حياته دلع..
  رمقتها علياء بصرامة معاتبة، وهي تصيح بها:  
  ـ بنت..!!
  إلا أن ندى دافعت عن شقيقتها ضاحكة:  
  ـ لا تقصد ياماما.. إجعلي في صدرك رحاب، هدى تمزح.. تمزح..!
  ليرتفع حاجبى علياء فوق إطار نظارتها الأحمر، وكأنها تستغيث مرددة:
  ـ رحاب!! تقصدي أن أجعل صدري رحباً..؟؟
 لكنها لم تلبث أن إستماتت بالضحك يشاركها كل الجالسين، عدا سلمى، والتي تستاء من مثل تلك الجلسات العائلية، المفعمة بعبارات مملة، فقط.. إبتسمت بمجاملة مهترئة وشفتاها تتكوران تنطقان الأووف بضجر..
  قامت هدى واقفة، تستعد للصعود إلى الطابق العلوي، لتسأل علياء بمشاكسة:
  ـ هل هناك خطأ لغوى، بعبارة ندى..؟؟
  سبقتها ندى وهي تجري على السلم الداخلي للفيلا، المؤدي لشقتهم العلوية، قائلة بمرح:
  ـ بالتأكيد ياهدى، لا تهتمي لكلامنا ياماما.. سندخل الجامعة بعد خمس سنوات فقط، وهناك لا يدرسون اللغة العربية، فإجعلي في صدرك رحاب أو رشا أيهما ألطف..
  لحقتها هدى.. مختطفة المفاتيح من والدتها المبتسمة.. لتنتهز سلمى الموقف لصالح مرمى سنها الأصغر، لتقوم من جلستها رافعة نظارتها الشمسية إلى مقدمة شعرها المتموج بكثافة حول وجهها الجميل، تقترب من علياء تواسيها:
  ـ لقد كبرتِ حقاً ياعلياء، وهذا يعني أن صالح سيلتحق بالجامعة بعد ثلاث سنوات فقط، وسرعان ما سيتزوج وينجب، وستصبحين جدة يالولو!!
  ثم ألقت السلام على سميحة ومحمد.. مرسلة إليهما قبلات هؤائية عبر كفها، لتصعد بدورها عبر السلم الداخلي للفيلا، إلى شقتها العلوية المقابلة لشقة علياء.
  طلبت زوجها على الهاتف.. وهي تفتح الباب، لتسمع رنيناً دون رد، فوضعته بضيق على دولاب الأحذية المجاور، لتغلق الباب بباطن قدمها، مغمغمة بتأفف:
  ـ أنا لا أفهم يامحمود.. متى تكون غير منشغلاً، لتجيب على هاتفك ما إن أطلبك!..
  وعلى خطاهم صعدت علياء، دخلت غرفتها وهي تطلب صالح على الهاتف، تنبهه لأن يأكل شيئاً بدلاً من أن تلتصق بطنه بظهره من شدة نحافته، وتؤكد عليه عدم تضييع الفروض ليتوفق فيما يفعله، حتى لو كان لعباً..
  أما سميحة، فتناولت من أمامها ثمرة تفاح، تُقطعها لزوجها ساحبة شفتيها جانباً بصوت يشبه مصمصة عيدان القصب:
  ـ  المحروسة تعتقد أنها صغيرة بالسن، إنها تُذكر علياء بفارق السن بينهما في كل موقف، كبندول الساعة المزعج.. لو كانت أنجبت منذ أن تزوجت من ثلاث سنوات.. لوجدت طفلاً يسليها يُعلمها الأدب والأمومة، وينسيها أيامها وسنينها التي لا تمل من عدهم..
  ناولت محمد قطعة التفاح، وأردفت بهمس، كمن تشي بالسر الحربي:
  ـ  تخيل..! إقترحت على محمود ذات مرة تبنّي طفلاً إن كان يشتاق للأبوة!.. فقط لأنها لن تخاطر بمقاس قدها المياس في عملية الحمل والولادة..!! يجنني تفكيرها الأحمق..
  أخذ التفاحة منها مقبلاً أناملها بإمتنان وحب، أشعرها بالحرج المختلط بالسعادة، ليرد عليها مبتسماً بوجهٍ يضج عشقاً لها.. لم يقل درجة واحدة، حتى بعدما تحول شعره بالكامل للون القطني، وتجاوز عمره الخامسة والستين:
  ـ سلمت يداكِ ياحبيبتي.. ولاتهتمي لمسألة لاتخصك.. طالما لم يشتكِ محمود، فهو راضٍ بها وسعيد..
  إلتفتت إليه بكامل جسدها، معترضة:
  ـ وكيف لا تخصني..!أتعلم إن لم تتعقّل وتلبي نداء أمومتها، كأي إمرأة، سأزوجه من غيرها في أقرب وقت، لقد قارب على الأربعين دون أولاد، والعمر يجري من بين يديه دون أن يشعر.. والهانم لاتريد.. لاتريد..
  قالت كلماتها الأخيرة، مقلدة صوت سلمى تتمايل يميناً ويساراً، بنبرة متأففة، وكأنها تترفع عن فعلة مشينة.. ستجلب لها العار إن فعلتها..!!
  لتجلجل ضحكة داخلية إهتزت لها بطنه، وهو يجيد كتمانها.. إحتراماً لحرم غضب زوجته الحبيبة، التي مازالت تنفعل وقت غضبها كالأطفال..
  نظرت إليه تستجدي منه رداً يريحها، فأجاب بمودة، وهو يمسك كفها بحب:
  ـ محمود نضج كفاية، ليدير حياته كما يشاء.. دعيه وشأنه..
  تنهدت سميحة وهي تركن إلى كتفه، شاردة بكلماته تلك المتطابقة مع موقف يخص هاني، وكأن الجملة أعادتها لنفس الزمن..
  أعادتها سريعاً لإثنى عشر عاماً مضت.. حين دخل عليها غرفتها بشقتهم السابقة بحيهم القديم.. وهو يقنعها بأن تترك هاني ليسافر، لأنه لا يريد أن يفعل دون رضاها:
  ـ هاني نضج كفاية، ليدير حياته كما يشاء، دعيه يسافر..
  ـ أستراليا يامحمد..! سيذهب ولن يعود.. أنا أفهم هاني جيداً إنه يهرب من حزنه على أسماء، طريقة وفاتها الغامضة تربكه، وموضوع أنه لم يودعها، قبل أن تدخل غرفة العمليات، ويخبروه بوفاتها تمزقه حزناً..
  ـ لا ياسميحة إنها مجرد رحلة ترفيهية لثلاث أسابيع، الولد في أزمة، سيموت من الحزن إن لم يغير مكان ويسافر..
  لتعود وتتألم وهي تشرح له:
  ـ أنت لم تسمعه إذن جيداً، يقول إن أعجبته البلدة، سيكمل بها دراسات عليا وربما سيحصل على الماجستير، والدكتوراه من هناك..
  فيعود لإقناعها:
  ـ وما المشكلة ياسميحة، دعيه يخرج من دائرة حزنه ويعيش، صدقيني سيعود، أنا أضمنه لكِ..
  قفزت عبرات الشوق الجارف لإبنها المسافر، وهي تتذكر تلك الجمل جيداً، كان حدسها هو الأعلى، فلم يعد هاني من حينها..
  نظرت للحائط المجاور حيث تُعلق صورته بحلة خطوبته، وقت أن كان بالثالثة والعشرين من عمره.. تأملت ملامحه من خلف غلالة دموعها بحنين ينهش جنبات قلبها المشتاق، تتطلع لهيئته السمينة، ووجهه الدائري من شدة إمتلاء وجنتيه.. قائلة:
  ـ يقول أنه فقد وزنه الزائد كله، إنه حتى يرفض أن يتحدث لنا عبر المكالمة المرئية لأرى هيئته الجديدة كما يدعي، عندما أتحدث إليه عبر الإنترنت.. ترى كيف أصبح حبيبي..؟؟
  إنتقل ببصره حيث تنظر، ليجيب بإعتزاز:
   ـ هاني رجل قوي.. إستطاع أن يهزم حزنه، ووزنه الزائد..
   تسارعت دموعها، لتشهق ببكاء حار هامسة:
  ـ لكنه تأخر كثيراً، كثيراً جداً..  
  أخدها بين أحضانه، لتسكن إليها، مربتاً على كتفها برقة، ومقبلاً رأسها هامساً بخبث متصابي، مضيقاً عينيه بمشاكسة:
  ـ لكنه سيعود.. لا تجعلي الحزن على فراقه ينسيكِ فرحة عودته قريباً، هاا.. هل ستمسحين دموعك تلك حالاً، أم أمسحها بطريقتي..
  دفعته بخفة وهي تشهق بخجل.. كعروس صغيرة، هامسة:
  ـ تأدب يامحمد، ستسمعك هيام، أو ينزل أحدهم فجأة..
  إلا أنه إقترب منها أكثر مهدداً بتلاعب:  
  ـ حالاً..  
  مسحت دموعها بسرعة بظاهر كفها الأبيض، كطفلة بكت كسر لعبتها، وإبتسمت له بإفتعال، إلا أنه لم يلتزم بتهديده كاملاً، ليطبع قبلة حانية على خدها الندي، وهي تهرب منه قائلة:
  ـ كفى كفى، مسحتها.. لا تستزيد..
  فما كان منه إلا أن أعادها لأحضانه، لتفر من عينيها دموع حبيسة مرة أخرى، ليقبل شعرها بحب عميق، يقاس بعدد سنين عمره، قائلاً:
  ـ أنا أيضاً إشتقت له جداً، سنتحمل الشهرين الباقيين بصبر.. لكن لا أريد أن أراكِ حزينة أبداً هكذا ياحب العمر..
 لتصرخ باكية بين أحضانه رغماً عنها:
  ـ أنا حزينة جداً يامحمد..!!
* * *
طرقات متتالية على باب زجاجي لغرفة نوم، وصوت أنثوي ينادي بإلحاح:
  ـ عبير.. إستيقظي ياعبير.. إفتحي الباب بسرعة، أريدك بأمر ضروري..
  من داخل الغرفة رمشت عبير، التي تغط في سبات عميق، يفترش شعرها الأسود الفحمي وسادتها، وتغطي أهدابها الطويلة على عينيها الناعستين..
   ألقت نظرة بعينين نصف منغلقة إلى ساعة المنبه بجوارها، لتجيب بصوت ناعس:
  ـ الساعة السادسة والنصف صباحاً ياماما.. سامحكِ الله.. واليوم الجمعة، اتركيني أنام من فضلك..
  ـ إفتحي ياعبير فالوقت ضيق، وخالتك تستعجلني..
  عقدت عبير حاجبيها بعدم فهم، ثم تململت بتكاسل جم، وإستقامت تتمطى بتمايل حاد، سمعت بعده قرقعة مفاصل كتفيها، أزاحت عنها ذلك المفرش الذهبي الوثير، ثم مسدت عليه بتودد لتحدثه بصوت خفيض:
  ـ سينكشف أمرنا ما إن نفتح الباب.. إستعد للمواجهة، ففي كل الأحوال أنا أحق بك من تراب صندوق السرير..
  ثم قامت تنقذ زجاج الباب من تتالي طرقات والدتها التي لم تتوقف، طالعتها بملامحها الطيبة وقامتها القصيرة، مرتدية عباءتها السوداء مطرزة الأكمام، قائلة بود:
  ـ صباح الخير ياعبير، عقبى لكِ ياحبيبتى عندما أفرح بكِ قريباً، أريد الذهاب بسيارتك لبيت خالتك بالناحية الشرقية.. نريد أن نعد الطعام باكراً قبل أن يغلبنا الوقت، عقد قران أيات بعد صلاة العصر.. الطريق سيأخذ وقت لهناك، هيا بسرعة..
  حدجتها عبير بنظرات الدهشة، مالبثت أن إختفت ليحل محلها إحساساً بالشفقة، لترد وهي تميل لتسند رأسها المتثاقل لباب الغرفة، مبتسمة:
  ـ مممم.. خالتي أم أيات، تخاف أن تخبرني بأمر كهذا، حتى لا أحسد إبنتها ملكة جمال المجرة طبعاً، ذات العشرين عاماً التي تتزوج قبلي، وأنا أكبر منها بخمسة عشر عاماً مازلت أنتظر حظي ونصيبي، أليس كذلك..؟؟ ألن ينتهي خبث الفلاحين هذا من حياتي..
  شهقت والدتها وهي تدفعها برفق، لتدخل معها تحثها على تبديل ملابسها بسرعة:
  ـ ألم تعزمك خالتك حقاً.. تلك الحزينة، سأقتص لك منها ما إن أراها، ولا حتى أيات كلمتكِ..! تلك الغبية هي الأخرى..
  تخصرت عبير، لتضيق عينيها المسحوبتين بتفكير، لتقول:
  ـ ولماذا تعزم الغبية عانساً مثلي.. وأنا أنثى ناقصة، وكأنني من المفترض أن أرضى بأي رجل ينقلني لعالم المتزوجات.. فقط لأصبح إنسانة كاملة.. من وجهة نظرهم المريضة!..
  رق لها قلب والدتها، فتقدمت خطوتين لتربت على كتفها، إلا أن إنعكاس صورة الفراش في المرآة أمامها جعلتها تشهق بصدمة..
  إلتفتت بحدة خلفها، لترى المفرش الذهبي الذي يزين سرير عبير، لتخبط على صدرها بهلع زائد، وهي تميل إليه تجره لتعيد طيه، لتشهق مرة أخرى عند رؤيتها الملاءة البيضاء الجديدة، المشغول أطرافها بقماش الدانتيل المعقود، لتصيح بها هادرة:
  ـ إستخدمتِ أغراض زواجك كلها، يا إبنة المجنونة!!.. لماذا تفعلين ذلك؟
  كانت عبير على علم بحدوث هذة المواجهة، فتقدمت نحوها مبتسمة، من بين أمواج حنانها، لتجيب برجاء ملؤه الأمل:
  ـ  من فضلك، لا تغضبي.. مر على هذة الأغراض سنوات كثيرة وهي تحت السرير، لماذا لا أستخدمها..؟ لماذا لا يحق لي أن أتمتع بها إلا في وجود رجل بحياتي، يشاركني النوم عليها..!!
 رمقتها والدتها بنظرات غاضبة دامعة العينين، ثم تركت الغرفة قبل أن تبكي أمامها، وهي تبرطم بصوت مختنق:
  ـ ألا يكفيكِ أطقم الأكواب وأطقم الأطباق الذين إستعملتيهم بالمطبخ..!! إفعلي ما يحلو لك يا إبنتي، لقد كبرتِ على النصح.. لكن أسرعي لتوصيلي لخالتك، فالوقت سرقني بالفعل، ولا تنسين أن تشتري لكِ فستاناً جديداً لإرتدائه اليوم.. أريدك أن تحضري الحفل، وأن تكوني جميلة ومتألقة كعادتك.. وافرسيهم بوجودك وابتسامتك..
  سبقتها إلى صالة البيت، يعلو ملامحها الألم، فقد فقدت إبنتها الأمل في أن تتزوج يوماً.. لدرجة أنها إستخدمت أغراض زواجها واحداً تلو الأخر، وبمنتهى راحة الضمير..! دعت لها من صميم قلبها، أن يجعل الله لعنوستها تلك نهاية في هذة الليلة، كما تتمنى.. كما خططت وإتفقت..!!
  لامست عبير مفرشها تحدثه بنشوة وإنتصار:
  ـ كم كنا جبناء عندما أخرنا خروجك من مخبأك، أرأيت.. إنتهت المواجهة بنجاح..!!
  هرعت بعدها مسرعة للحمام، ومنه للغرفة تبدل ملابسها سريعاً، وتلف حجابها الزيتوني حول وجهها الخمري اللامع، يستعجلها صوت والدتها كل دقيقتين، لترد عليها بروتينية:
  ـ حاضر، حاضر..
  تأكدت أمال أنها مازالت بغرفتها، فإتصلت بإحداهن، تتحدث هامسة، بإرتباك:
  ـ ستأتي معي الأن، أريد أن يحدث الموقف وكأنه صدفة، ستقاطعني تماماً إن علمت أنه مدبر.!

* * *
نهاية المقدمة
التالي
الفصل الأول
يوم الأربعاء
إنتظروني
دمتم بود
فاتن شوقي
..
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الأول

مُساهمة  فاتن في الخميس نوفمبر 15, 2018 12:16 am

الفصل الأول
  حل مساء الجمعة، صعدت هيام لتقرع جرسيّ باب علياء وسلمى المتقابلين، فتحتا تقريباً بنفس اللحظة، لتخبرهم هيام بفرحة:
  ـ الحاجة سميحة تخبركم أن تنزلوا لحفل ميلاد الدكتور محمد، هيا لتساعدوني في حمل أغراض الحلوى للحديقة، قبل أن يعود، تريد أن تفاجئه بالحفل الصغير..
  ردت علياء، وقد خرجت ندى من جوار ساقها، تفتح الباب أكثر، لتسمع ماتقوله هيام:
  ـ نحن جاهزون ياهيام، دقائق وسألحق بكِ، إنزلي يا ندى ساعديها إلى أن أرتدي عباءتي، ساعديها ياندى فقط.. لا تأكلي الشيكولا من على سطح الكعكة..
في حين هتفت سلمى الواقفة بقميصها المنزلي القطني القصير، ببعض التعالِ:
  ـ لن أحمل إلا هديتي، حمل الأطباق والحلوى أمر يخصك وحدك ياهيام.. سأدخل لأوقط محمود، وننزل..
  أغلقت الباب برفق، قبل أن تسمع رداً، فنزلت هيام تتبعها ندى لتساعدها، أو ربما تلتهم زينة الكعكة التى تعشقها، بينما أغلقت علياء الباب متجهة لغرفة نومها، تتبعها هدى التي جلست على ركبتيها على طرف سريرها، تتأملها وهي ترتدى عباءتها ووشاحها حيث غطت به شعرها المموج القصير، الذي لا يتعدى كتفيها بعد أن لفته في كعكة خلفية صغيرة..
  تحدثت هدى بإعتراض، رافضة هيئة والدتها المحجبة:
ـ لماذا لا تكوني بسيطة مثل سلمى زوجة عمي، حيث لا يوجد شخص غريب لتغطي شعرك منه..
  ردت علياء عبر صورتها المنعكسة في المرآة، وهي تتفهم جيداً عشق إبنتها لزوجة عمها، وأسلوب ملبسها، وطريقة كلامها:  
   ـ وماذا عن عمك محمود..؟
  أجابتها هدى ببراءة، وهي تتمنى أن تظل علياء بشعرها، لتشعر بأنها جميلة وجذابة كـ سلمى:
  ـ إنه عمي.. وليس رجلاً غريباً..
 إبتسمت علياء، وهي تضع دبوساً بوشاحها:
 ـ عمك أنتِ، ليس عمي أنا.. هل عدنا للحديث بهذا الشأن مجدداً..؟
  تأففت هدى، لتقول بغضب طفيف، زامة شفتيها للأمام بإمتعاض:
  ـ نعم.. أخشى أن أبلغ سريعاً فتفرضي عليّ الحجاب، أنا أريد أن أكون بجمال هيئة سلمى، أنا لا أستوعب كيف تتحملي وشاحك في هذا الحر..! لماذا يارب لم تجعل سلمى هي والدتي..؟؟ لم تكن لتفرض علي أمراً أكرهه..
  إلتفتت إليها علياء ببعض القلق مبتسمة، فعضت هدى شفتها في لحظة ندم سريعة مالبثت أن تلاشت، لتجيبها أمها بهدوء:
  ـ سنتحدث بهذا الأمر في وقت لاحق ياهدى، هيا لننزل الأن لجدك..
  هزت هدى رأسها برفض، وكأنها تنفض عن ذهنها أفكاراً سيئة، وهيئة ستكون عليها مرغمة،  ولا تطيقها:
  ـ لا.. أخبرك من الأن أنني أتمنى أن أصبح مثل سلمى جميلة، متحررة ومنطلقة، لن أخنق رقبتي بالوشاح مثلك ياماما.. أنا أسفة.. أنا لا أحبه.. ولن أفعل..
ظلت تهز رأسها كقطة تنفض عنها ماء المطر الذي أغرقها، مغمضة عينيها بعنف، طفلة تائهة بين دروب البلوغ والنضج، تتشبث بثوب طفولتها المتين الذي لم تبارحه بعد..
  لتنزلق من حافة السرير أرضاً كزرع البصل، لتقع بين السرير والدولاب، فتنفجر ضاحكة بصخب، تسيطر عليها شخصيتها المرحة رغم ألم الوقعة القوي.. فإختلطت الضحكات بأهات الألم، وهي تجلس معتدلة، عاقدة ساقيها..
  ضحكت مرة أخرى بشدة لعلياء التي تكتم ضحكتها، قائلة:
  ـ إضحكي، إضحكي يالولو، لاتكتميها وقوليها كأي أم عربية أصيلة، ها أنتِ نلتِ عقاب الرب..!!
  لم تسمح علياء لإبتسامتها بأن تنفلت، مطبقة على شفتيها، متلحفة بصرامتها التي تستدعيها وقت اللزوم، لن تعلق على الموقف، ليس وقته..
 خرجت من الغرفة دون رد، برغم قلقها بشأن طريقة تفكير هدى، والتي تتمنى أن ينالها قدراً وفيراً من إسمها..
  طرقت باب غرفة صالح، لتنادية بجدية تليق بموقفها، وهي على علم اليقين بمن تراقبها من خلفها، لتجعلها تضحك رغماً عنها:
  ـ صالح.. هيا سننزل إلى جدك، أخرج من صومعتك تلك، ولا تتأخر..
  لكنه لم يجبها، كان يتحدث إلى صديق له على مايبدو، لا لا.. كان يتشاجر.. بل كان يسب..! لكنها كانت ابتعدت فلم تسمعه، من حسن حظها وحظه.. فلم يكن ما يتحدث بشأنه أمراً مطمئناً..
* * *
  يوم عمل جديد تسطع شمسه بقوة في ذلك الوقت من العام، فتتمدد أشعتها لتصل داخل مكتب ليلى، عبر الواجهة الزجاجية للمؤسسة..  
كانت تتفحص الأوراق أمامها، تبحث بنشاط وتركيز أملاه عليها ضميرها، ومديرها الأول -الدكتور محمد علام- سيسألها عن التفاصيل إن أبلغته بما عرفته بشأن صفقة إبنه محمود السرية، ولن تستطيع إجابته إجابة شافية، إلا بعدما تفهم هي أولاً..
  بدأت ترتب المعلومات.. صفقة منتج جديد.. سيتم تخصيص مزرعة الأبقار الغربية لإنتاجه، المزرعة التي كُتبت بإسم محمود منذ عامين، وقت أن مرِض والده.. وخضع لعملية القلب المفتوح..
  يريد منتج بإسم جديد، ينافس الإسم القديم  في الإعلانات والأسواق والمبيعات، فأياً كانت إختيارات المستهلك، ستصب حتماً في مصلحة المؤسسة.. إلى هنا رائع، وفكرة تم تنفيذها من قبل، لكن.. ماهذا..؟؟
  نقرت بقلمها بتوتر على سطح مكتبها، وهي تقرأ البنود:
  ـ هل سيغير محمود السلالة فعلاً..!! كيف يوافق على سلالة بقر الجيرزى تلك.. إنها بطيئة النمو ولاتصلح للتسمين، علاوة على إحتمالية إصابتها بالسل..!! ما الذى يجعله يغير سلالة الهوليشتاين الأصلية بالذي هو أدنى..؟ وكيف سـ..
  شهقت بعد أن توقفت عن النقر بالقلم، وهي تقرأ:
  ـ هرمون اللبن المصنع لحقن الأبقار، لإدرار اللبن..!! ماذا ترك لشركات الألبان التجارية، التي تخلط الحليب بالمكونات
الكيميائية المؤذية.. إما أنه لايفهم ما يفعل، أو أنه يعلم جيداً ولايخاف على تاريخ وإسم والده بالسوق..
  سمعت صوته قادماً عبر الرواق الخارجى، فدست الملف بدرجها الثالث، وتناولت كوب النسكافية تشربه بهدوء..
  دخل ملقياً السلام بمرح إعتادته منه، ولقب تكره مناداتها به:
  ـ صباح الخير يا مستكة..
  فتح باب مكتبه المنقوش على لوحته المعدنية عبارة (رئيس مجلس الإدارة)، ثم أغلقه خلفه مبتسماً..
  تنفست الصعداء ضاغطة على صدرها، لأنها أفلتت من أن يراها تتفحص الأوراق بتلك الطريقة، غاضة الطرف عن لقب (مستكة) هذا الذي يستفزها به.. وإستجمعت شجاعتها، لتدخل له بعد دقائق، بعد أن ناداها..
  علم أنها لم تخبر والده بشئ بعد..!! وهذا وحده أمراً يقلقه، فقد كانت أمسية حفل ميلاده رائعة، لم يره غاضباً أومتعكر المزاج بعد.. إشتعلت حرب النظرات الإستفزازية بينهما، وهي ترفض البدء بالهجوم، قائلة بهدوء:
  ـ نعم أستاذ محمود.. تحت أمرك..
  تحدث إليها بلا مبالاة مبتسماً، بالرغم من غيظة الشديد:
  ـ من فضلك ياليلى.. إجمعي أسماء مكاتب الدعاية والإعلان، لطرح المنافسة في تصميم الشعار والإسم للمنتج الجديد.. أريد ملفاً بعد ثلاثة أيام عليه مقارنة بين الأسعار والعروض..
  تعجبت من طلبه، لتسأله مندهشة:
  ـ ألن تستعين بوكالة إعلانات الأستاذ مراد غانم أبو هيبة..!! صديقك..!!
  نظر إليها صامتاً، يتلاعب بمفتاح سيارته بيده، يتفحص ملامحها المنقبضة العضلات.. فلم تفلح زينة وجهها اليوم في إخفاء توترها، البادى صريحاً على قسماتها.. تُرى متوترة أم غاضبة..؟؟
  ترى ما منعكِ من إخباره بشأن الصفقة بعد، أم أنكِ تتلاعبين بي، أيتها العصفورة الشرسة..؟ طال حديثه لنفسه، صامتاً، لينتبه لقولها:
  ـ أين ردك..!!  
  رد ببطء وتريُث وهو يتمايل بالمعقد محاولاً إختراق تفكيرها، دون جدوى:
  ـ لا... لا يوجد إلتزام رسمي بين مؤسسة علام، ووكالة مراد الإعلانية.. سيدخل في المقارنة، وسأختار الأفضل..
  كادت أن ترحل، إلا أنه حاول إستدراجها في الكلام:
  ـ هل أخبرتِ والدي بشأن تغيير موعد توقيع العقود..؟؟
  ردت بخبث وهي تميل برأسها للأمام، بشئ من الهجوم:
  ـ أنت أخبرتني أنه يعلم!..
  أجابها ببطء.. وهو مازال يهز كرسيه، بينما أوصاله تهتز، من مجرد تخيل مواجهة والده له فور علمه:
  ـ أسألك عن نفسك.. مجرد سؤال..
  ردت بثبات وحذر، وهي تشد جانبي سترتها الكلاسيكية في حركة تلازمها، وقت أن تتعرض لأي حوار، مستعدة للإنصراف:
  ـ وأنا أجبتك.. مجرد إجابة..
  أخيراً حررها من نظراته، وفتح حاسوبه المحمول، المجاور:
  ـ حسناً، إتصلي بعملاء إجتماع الساعة الثالثة، أكدي الموعد، وأطلبي من الساعي أن يحضر الشاي وشطائر الإفطار، وتابعي عروض شركات الدعاية.. تفضلي الأن..
  تحركت من أمامه بغيظ يتملكها، وإحساس عنيف يجتاحها لتضربه على رأسه، فإستعاضت عن ذلك بدبيب كعب حذائها بقوة، وهي تخرج من مكتبه متذمرة، إنه يطلب منها أن تشاركه تلك الجريمة، عليها ترتيب أفكارها بحرص، لتتوصل لطريقة مناسبة، تخبر بها السيد علام بما يحدث..
  بينما محمود.. تنفس بعصبية، وكأن الواقفة أمامه كانت تسحب أكسجين الغرفة كله، إشتدت قبضته وهو يضرب سطح مكتبه، يود لو أرسل إليها أيدٍ سحرية غير مرئية، تقطع لسانها دون أن تشعر، قبل أن تنطق بشئ ضده.. يعلم جيداً أن والده لن يتفهم موقفه، وربما سحب منه ملكية المزرعة، وإدارة المؤسسة بأكملها... لو كان سيتفهم الأمر، لصارحه به...
* * *
  جلس ذلك الضابط، خلف مكتبه بمباحث شرطة الأداب، يتحرك على مقعده الهيدروليكِ بغضب نمر مفترس، أمامه ثلاث فتيات كن قد إنهرن من البكاء.. ليصدقهن في عفتهن المشكوك بأمرها..
  ماذا عليه أن يفعل بهن، بعدما قُبض عليهن بأحد الشقق المشبوهة.. علا نحيب إحداهن وهي تدافع بتشدق:
  ـ والله العظيم صدقني، تجمعنا لأخذ درس خاص لمادة المحاسبة.. صاحب الشقة معيداً بالكلية.. لم نشك بأخلاقه أبداً.. أنا إبنة رجل محترم، أرجوك لاتضيع مستقبلي..
  إلتفت إليها الضابط بحدة بوجهه الأسمر، وعضلات ذراعيه المنتفختين تحت أكمام سترته، ليرد بغضب تقوس له حاجبيه:
  ـ أنتِ مرة أخرى..! إخرسي قليلاً، حتى أسمح لكِ بالكلام..
  إنهارت تماماً في بكائها، كانت أكثرهن إنهياراً.. هل رق قلبه لها إستشعاراً لصدقها..!!
  ربما.. لكن ذلك لم يغير من هيأته، أو تعابير وجهه المقتضبة شيئاً.. فإستقام واقفاً، بقامته الطويلة وصدره العريض كضابط شرطة رياضيّ القوام، لينادي على العسكري لأخذهم للحجز، ثم غمز له أن يعود بتلك الفتاة المنهارة إلية مرة أخرى..
  أطاعه العسكرى بتبجيل، فجلس هو بإسترخاء جسدي، مناقضاً تماماً لمرجل غضبه المشتعل بقلبه، فحسه الشرطى يخبره أنها ضحية، حسناً.. لا ضير من سماعها بمفردها..
  دقائق، ودخل إليه العسكري بالفتاة المنهارة، لتفاجأ به يطلب لها كوباً من العصير المثلج، ويدعوها للجلوس، يرمقها بنظرات ثاقبة متفحصة، متوجة بحاجبين مقوسين، يمنحاه رهبة حضور منفردة، تُربكها:
  ـ إجلسي.. وإحكِ بالتفصيل.. سأسمعكِ.. وحذار والكذب..
  وقع بصرها المشوش بفعل دموعها الغزيرة التي لم تجف منذ أن إستوعبت موقفها، على إسمه المكتوب باللون النحاسي على مقدمة مكتبه الخشبية، (المقدم / أمجد منصور )، لتجيب بسيطرة ضعيفة على نهنهاتها المتتالية:
  ـ صديقتي علا.. أخبرتني بمكان أخذ تلك الحصص، وأنا مستواي ضعيف بمادة المحاسبة، فسألت عن ذلك المعيد، وعلمت أنه بالفعل يعطي حصصاً خاصة، ومعظم الطلاب يذهبون إليه، طلبت منها أن تحجز لي، وذهبت معها لأول مرة، لهذا المكان..
  خبط أمجد على سطح مكتبه بعصبية، فأفزعها:
   ـ أين كان حدسك، وأنتِ تصعدين لشقة بعمارة سكنية بالطابق الخامس..؟؟ لايبدو أن هناك طالباً واحداً دخلها من قبل..!!
  سكت لحظة ثم تابع بعصبية، وصوته يجلجل بأذنها يصمها:
  ـ أنت إنسانة عديمة المسئولية، منتهى الغباء.. والإستهتار..
  إنخرطت في موجة بكاء أعنف، وهي تدافع بإستماتة، مشيرة لمكان وقوف ثلاثتهن منذ قليل:
  ـ كان معي نهلة وسهام.. فإطمأننت..
  حك ذقنه الحليق، ليخبرها بغضب عارم، وهو يقذف إليها بعنف، ملفين كانا أمامه:
  ـ نهلة وسهام..!! هذة ملفاتهما لدينا بشرطة الأداب، ما رأيك أن نضع إسمك على ملف مشابه..!!
  توقفت عن البكاء من هول الصدمة، لتستعيد بذاكرتها كل شئ بسرعة خاطفة، نعم.. نهلة وسهام تستميتان منذ فترة، لتتعرف إلى زميلهم هشام، الذي تنفر من غروره الطاغي، المتكئ إلى ثرائه الفاحش..
  دخل العسكري بكوب العصير، وناول أمجد هاتفين محمولين وإنصرف، فسألها بمباغتة أجفلتها، بصوته الجهوري:
  ـ أيهما هاتفك..؟؟
  إلتقط الذي أشارت إليه يبحث عن رقم والدها، ثم طلبه ليأتي ليتسلمها، لكن.. ليس قبل أن يعلمها ألا تثق بأحد أبداً بعد اليوم!
  أما نهلة وسهام، فجلستا تتهامسان بالحجز:
  ـ فلتت إبنة المحظوظة من قبضة هشام.. أراهنك أنه لم يكن يتركها إلا وهي مثلنا، لكنها نجت منه قبل أن يفعلها..
لتجيبها الأخرى بخبث:
  ـ لا.. لم تفلت بعد، أراهنك أنا أن حضرة الضابط الشركسي الذي يفتعل الغضب ذلك، سيتمم ما فشل هشام في تحقيقه، إسأليني أنا.. فعلها معي زميل له من قبل.. قبل أن يرميني بعدها في الحجز.. لكن الحق يقال.. كان رائعاً..!
  علت ضحكاتهن الرقيعة بميوعة مدروسة، ليجعجع فيهن العسكري بصوته الغليظ، من خلف باب الحجز:
  ـ إخرسن أيتها الوقحات..  
* * *
  دخلت سميحة غرفتها، لتجد زوجها يضع لمسة كريم على شعره القطني، ثم يهندم قميصه الكلاسيكي المقلم، لتُصفر بشفتيها تعاكسه بإهتمام:
  ـ ما كل هذا التأنق يادكتور، ألديك موعد رومانسي..؟؟
  أجابها ضاحكاً وهو يفتح أحد أدراج طاولة الزينة، مستخرجاً ساعته الفضية، ليلبسها:
  ـ إشتقت لأن أعود للتدريس بالجامعة مرة أخرى ياسميحة، لأسمع لقب دكتور هذا من جديد..
  إحتضنته من الخلف بمشاعر حب صادقة، ثم دارت لتقف أمامه، متسائلة:
ـ هل مللت من الجلوس معي بالبيت..؟ لماذا لا تنزل الشركة تتابع العمل ولومرة بالأسبوع، كما كنت تفعل.. أنت تعلم أن مهنة التدريس هذة تتعب قلبك..
  وضعت يدها على قلبه، الخاضع سابقاً قبل عامين، لعملية جراحية، كانت ستُنهي حياته بسهولة، فإحتضن كفها، ثم رفعه لتقبيله، مجيباً:
  ـ أحتاج عمراً فوق عمري، لأتساءل في أخر يوم به، هل مللت من سميحة يامحمد..؟ فأجيب بلا... لكنني بحق، إشتقت للوقوف بين طلابي بكلية الزراعة، أستاذ الجامعة لا يشعر بتقدم سنه أبداً، طالما يتحرك بصحته بين طلابه، يستمد نشاطه منهم، وأنا أعتقد أنني قد تعافيت..
  إبتسمت بدلال لمغازلتها الراقية، ثم سألته بتحذير، محركة سبابتها أمام عينيه:
  ـ تستشعرعدم تقدمك بالسن، وستذهب لمقابلة إحداهن بهذة الأناقة..!!
  أطلق ضحكته الصافية التي تضج بعشقه لها، ليفلت نفسه من بين يديها، متوجها لباب الغرفة ليفتحه، فتبعته لتسمعه يجيبها:
  ـ معكِ حق، سأذهب لمقابلة ليلى، في موعد سري.. لا تخبري محمود.. فالأمر سري.. سري ياسميحة.. سري.. لا أريد أن أعود لأجد الشارع كله علم بالأمر.. أنا أعلم حبك للثرثرة..
  عاتبته بعينيها التي يحيطها خطوط رفيعة لم تقلل من حسن طلتها، ثم رفعت حاجبيها بإستفهام، فأقبل عليها مقبلاً جبينها، هامساً بمشاكسة:
  ـ سأسمح لكِ بإستجوابي عند عودتي يا سيادة القاضي.. لا أريد أن أتأخر ياسمسمة..
* * *
  دخلت علياء غرفة إبنها، تبحث عن ملابسه المتسخة، لتجمعها بسلة الغسيل، أمسكت بنطاله الذي يعلقه على المشجب الخشبي بجوار سريره، لتخرج ما بجيبه من نقود، لتفاجأ بوجود قداحة صغيرة، لتهتف بإندهاش:
  ـ قداحة ياصالح..؟؟
  تجمدت مكانها تتنفس ببطء، ماذا تفعل هذة القداحة بجيبه..؟؟ هل يدخن صالح السجائر..! خفق قلبها بقلق بالغ، فوضعت كل شئ بمكانه، وإلتفتت تبحث عن قميصه المدرسي، أوسترته الرياضية، تتشممهم علها تنفي مخاوفها، بعدم وجود رائحة لذلك الدخان..
  دخل صالح فجأة، وهي تميل لتلتقط قميصه قبل أن يصل لأنفها، فإلتفتت إليه بحذر، مدعية الإبتسامة اللامفتعلة، لتسأله ببراءة:
  ـ هل أغسل هذا القميص ياصالح..؟؟
  أجابها صالح ذو القوام النحيف، والذي يتجاوزها طولاً بعدة سنتيمترات، برغم عمره الذي لم يتجاوز الخامسة عشر بعد، ماسكاً كتاب العلوم، ليخبط به على شعره الأسود الكثيف:
  ـ نعم إغسليه.. وأخبريني بالله عليكِ، كيف كنتِ تذاكرين هذة المادة المعقدة، لقد قاربت أن أكرهها، تعالي لتشرحي لي، حتى لا أرسب بها.. سأحصل فيها على درجات بالسالب..
  أمسكت بعضده بيمينها، مدعية التماسك، بينما قلبها يخفق هلعاً من أمر القداحة تلك، لتقول له بثبات:
  ـ لن ترسب أبداً، طالما لا تفعل أمراً أكرهه، أوعملاً مشيناً يُغصب ربك.. صدقني لن تحتاج لدعماً في حياتك، أكثر من رضا ربك، ورضا أمك..
  كانت مرتبكة المشاعر، متخبطة الفكر، ولا تود تصديق أنه يفعل شيئاً مشيناً.. فوضعت القميص بالسلة، وتركت صالح لتخرج، فأمسك بكفها يستوقفها، فإستدارت إليه تتطلع لملامحه السمراء، وعينيه اللتان تراهما صادقتين دائماً أبداً..
   لكن لا تريد أن تسأله، لا تريد أن يرد بإيجاب -صادقاً- فتفقد سيطرتها على الموقف أمامه..
  ـ يبدو أن إبنك كبر يامحسن، لدرجة أنني أخشى مواجهته.. هكذا حدثت نفسها، وهي تنظر إليه متجهمة، ليسألها بعفوية:
  ـ ماذا حدث..؟ هل فعلت شيئاً لايرضيكِ..!!
  ضمت قبضتها إلى صدرها، تحاول تنظيم خفقات قلبها، لعله يهدأ، فتجد إجابة مناسبة لسؤاله، وهي ليست متأكدة أي الأدوار تستحضره الأن ، دور الأب.. أم دور الأم:
  ـ أنا أعتبرك صديقي المقرب، وأحكي لك كل شئ، لذا... إذا كان لديك سراً... لم تخبرني به، فأتمنى ألا أعرفه من غيرك، سأنتظرك ما إن تحب أن تحكي..
  قبّلته بجبينه، ثم أودعته إبتسامة راقية، لتسأله مضيقة حاجبيها:
  ـ هل تصاحبت على صديق جديد..؟؟ مثلاً..؟؟  
  زاغت عينا صالح قليلاً، ليخبط وركه بكتابه عدة مرات، قبل أن يجلس على حافة فراشه، رافعاً رأسه إليها، مدافعاً عن نفسه:
  ـ هل سمعتِ مكالمتي مع هيثم ليلة عيد ميلاد جدي..؟ تأكدي أنكِ فهمت خطأ.. والله لم أشاهد ذلك الفيلم الشائن، لو كنتِ ركزت بالحوار.. كنتِ فهمتِ أنني كنت أتشاجر معه، لأنه أرسل لي ذلك الفيلم على هاتفي رغم رفضي المتكرر لذلك..!
  شلت الصدمة أطرافها.. أى قداحة تلك التي كانت تخاف من أمرها، أمام مايقوله صالح عن تبادل أفلام شائنة من هواتف زملائه..!!
  ـ صالح يشاهد أفلام شائنة..!! قامت قيامتك يا هيثم، ألم تجد سوى إبني لتستدرجه في هذا الوحل..!!
  إبتلعت غصة مفخخة بحلقها مستدعية ثباتها وصرامتها، لتسأله بصوت.. جاهدت أن يكون طبيعياً، وكأنها على علم بما أخبرها به:
  ـ أتعني من كلامك، أنك لم تفتحه..؟؟ لم تشاهد شيئ..!
  قام مرة أخرى يقف أمامها، ممسكاً بكتابه بين يديه، رافعاً كتفيه ليخبرها بصراحة، ووضوح:
ـ لا.. فتحته.. ثم حذفته.. وإلا فكيف علمت بمحتواه ثم أنها لم تكن المرة الأولى، و.. و.. وقد رأيت محتوى مايرسله في مرات سابقة، وأقسمت ألا أكرر رؤية هذا القبح مرة أخرى، هيثم ولد يفتقد الحياء، وأنا لدي قدراً منه منعني من أن أكمل مشاهدة..
  قرع قلبها بطبول القلق، لتجده يكمل حديثه ببساطة:
  ـ رأيت ثلاث دقائق كانت زاخرة بالأحداث.. من أصل ثلاثون دقيقة، لم يمنعني من المتابعة سوى.. رعبي من فقد نعمة البصر التي ترى كل هذا الفحش.. هل هذا يجعلك راضية عني..؟
  صمتت تستوعب نضجه، آمره خفقات قلبها بالسكون، إبتسمت بدموع الفرح، لتيقظ ضميره برغم صغر سنه، إبنها الذي تعبت بتربيته وحدها سنواتٍ طوال، ثمرة تعبها نضجت، وأهدتها أطيب مذاق..
  أجابته بنبرة مختنقة من تدافع أمواج التمتمة بحمد الله، التي تصارع عبراتها المندفعة، على شاطئ وجنتيها:
  ـ جداً.. راضية عنك، وفخورة بك ياحبيبي، تذكر دائماً أن المعصية سبباً لسوء الفهم والحفظ، وربما سوء الحظ وتعثر الحياة بأكملها، تعال لأشرح لك ماتريد.. تعال حبيبي..
  قامت تحمد الله بصوت عال، ثم وقع بصرها على بنطاله المعلق، فإستدارت له تسأله، وقد تذكرت أمر القداحة، مجففة دموعها:
  ـ بنطالك هذا نظيف أم أغسله..؟؟
  ذهب إليه وأحضره لها، مخرجاً أمامها النقود والقداحة قائلاً:
  ـ إغسليه..
  إندهشت من البساطة التي تناول بها القداحة، فسألته بحدة:
  ـ ماذا تفعل بها، هل تدخن السجائر ياصالح..؟
  إتجه إلى جارور مكتبه، لإحضار أحد الأقلام، مجيباً:
  ـ لا.. أدخن حشيش.. ومن أجود الأنواع..
  لم تدر بنفسها، وهي تستخدم سلاحها الفوري بعد أن خلعته من قدمها، لترشقه بتصويب ممتاز داخل درج المكتب، وهو يصرخ ضاحكاً بمرح، مشاكساً إياها، يؤنبها على قلة صبرها:
  ـ خُفك هذا دائماً يسبق كلامك.. إشتريتها لأن مسدس الشمع كُسر، وكنت أحتاج لإذابة الشمع.. والجيش يقول تصرف، فتصرفت.. هذة ليست تصرفات أم فخورة بإبنها وراضية عنه أبداً.. أين كلماتك منذ لحظاااات..
  ثم أغلق الجارور على خُفها، قائلاً بإنتصار ضاحكاً:  
ـ والله لأحتفظ به كرهينة..!!  
* * *
  في منزل الدكتور غانم مدير المشفى، كان مستلقياً على الأريكة أمام التلفاز، ينتشر حوله الأثاث الكلاسيكي الفاخر، الذي أصابه بعض الفوضى.. بعدما رحلت عنه سيدة المنزل منذ عامين..
  نظر لإطار صورة زوجته الراحلة، الساكن فوق التلفاز المعلق على الحائط، معاتباً إياها، وكأنها تسمعه:
  ـ رحمك الله ياكريمة وسامحك على تدليل إبنك.. ماذا سأنتظر منه، بعدما كنتِ تلبين طلباته كلها، قبل حتى أن يحلم بها..!!
  سكت عند سماع صوت مفتاح يُدس بالباب، ويدخل ولده الوحيد المدلل، شاباً بمنتصف الثلاثينات من عمره، مرتدياً حلة كلاسيكية سوداء يقبع تحتها قميصاً أبيض، مفتوحة أزراره العلوية، لتظهر تميمة الجمجمة الفضية المتدلية بعنقه!..
  مرة أخرى تميمة الجمجمة الفضية..! كم مرة أخبره بخطأ إرتدائها، والإعتقاد في جلبها للحظ.. حقاً لا فائدة منك يامراد..!
  دخل ولم يلق حتى السلام، نظر إليه نظرة سريعة فارغة المعنى، وأسرع يدخل غرفته ويغلق بابها..
  بعد دقائق طرق غانم باب غرفته، ثم فتحه ليحدثه ساخراً، دون أن يدخل:
ـ وعليكم السلام يامراد.. ظننت أنني لم أسمعك، هل إختلافنا في أحد الأمور يجعلك قاسياً لهذا الحد..!! منذ متى وأنا أمنع عنك نقودي..؟
  كان مراد يجلس على طرف الفراش، يوليه ظهره، يرسل بريداً إلكترونياً، ليرد على أحد عملائه، بوكالة الإعلانات التي يمتلكها.. وتُرغد عيشه بملوكية..
  لم يرد على والده الذي إقتحم عليه غرفته دون إذنه -من وجهة نظره- ثم أولاه إلتفاتة بنصف وجهه ليجده مازال واقفاً مكانه، ليهتف بخليط مشاعر متداخل، للغيظ والكره معاً:
  ـ متى أصلاً وقفت بجواري مادياً.. أسف لإعتقادي خطأً بطبيعة لجوئي لك، إن إحتجت بعض السيولة..
  ضحك غانم، رغم نبرة الكره الواضحة بحديث إبنه، ليعاتبه بحنين أب، إشتاق للكلام مع ولده، حتى ولو كان عتاباً أوشجاراً:
  ـ ثلاثة ملايين جنية.. يطلق عليهم اليوم مصطلح، بعض السيولة..!!
  أجابه مراد بغيظ، متأففاً بصوت عال:
  ـ نعم.. بعالم الميديا والتجارة، مجرد بعض السيولة..
  قالها، معتصراً هاتفه غضباً، تتصارع بداخله مشاعر هوجاء عنيفة.. بعض هذة المشاعر موجهه لكره هذا الأب، الذي لا تُقارن تصرفاته المتعقلة معه، بتصرفات والدته الكريمة السخية -رحمها الله- كانت إسماً على مسمى..!!
  وبعض تلك المشاعر تشكره بشدة، على تلك الثروة الطائلة، التي أفنى عمره بجمعها له، ويوماً ما ستكون من نصيبه وحده، وسيحقق بها أحلام نومِه قبل يقظته..
  عاد غانم يحادثه بإستجداء:  
  ـ ألا تريد محادثتي، أنت حتى لم تلتفت لي..!
  أجابه مراد بصمت مطبق، متعجباً من إلحاح ذلك الرجل لتبادل الحديث معه، من هو بالنسبة له..؟ هو حقيقة لايتذكر أن وقتهما سمح بتبادل حواراً ما، طيلة سنوات عمره لأكثر من خمس دقائق.. لماذا يدّعي الأن أنهما أصدقاء..!!
  تركه غانم مغلقاً الباب، وملامح الأسى تكسو وجهه، داعياً له بالهداية، في حين أن مراد كان الشرر يتطاير من عينيه، ناظراً أمامه بتحدٍ واضح، قائلاً بمشاعر تأججت غيظاً، غاضاً الطرف عن كونه والده:
  ـ أنت من بدأ، رابع مرة أطلب منك سيولة ولاتهتم، لا تحزن على عواقب رفضك ولاتتفاجأ بما سأفعله بك، والبادئ أظلم..
 ولم يكن هذا مجرد وعيد منه، فقد بدأ بالفعل تنفيذ ما إنتواه، نعم.. لن ينتظر أن يرث..!!
* * *
 تطلعت تلك السيدة الأربعينية ممتلئة القوام، إلى خصرها بفرحة بمرآة طاولة زينتها، يبدو أنها نجحت بفقد بعض السنيمترات، جرت بلهفة تخرج ميزانها من عبوته، لتقف عليه بتفاؤل تُحسد عليه..
  ما إن قرأت الرقم الذي أشار إليه مؤشر الميزان، حتى علت صرختها الصادمة، ونزلت تركله بغباء، ربما كلفها ثمنه لو إنكسر، من شدة عصبيتها..
  دبت بقدمها في غضب إستشاطت له مشاعرها، بنفس اللحظة التي دخلت إليها إبنتها الصغيرة ذات العشرة أعوام، بقوامها النحيف، وشعرها الناعم الطويل، لتسألها:
  ـ تدبين مرة أخرى بجوار الميزان، مممم.. هل أغضبك الرقم مجدداً؟؟
  تربعت الأم على الأرض، تندب حظها بعدما زاد وزنها ثلاثة كيلوات، وهي تعتقد أنها تحرم نفسها من ملذات الطعام، لتحصل على نتيجة مُرضية..!!
  نادتها إبنتها:
  ـ ماما.. هل أنت بخير..؟
  صاحت بها وهي تسند جبينها بكفها ناظرة للأسفل:
  ـ أتركيني الأن ياحنين..
  كادت حنين أن تخرج من الغرفة، إلا أن نادتها أمها بصوت منكسر، فاتحة أحضانها لها:
ـ لا تتركيني ياحنين..
  إندست حنين بقوامها العظمي، بين أحضان والدتها البائسة، لتتحدث بشرود، وكأنها تحدث نفسها، تبثها هماً، يطبق على صدرها:
  ـ فشلتِ في فقد وزنك يانشوى، أتعلمين كم سيُفرح ذلك سليم!.. لقد كان بغيضاً.. عندما قذف الكلمات بوجهي.. أثناء إجراءات الطلاق.. (كان عليكِ أن تُقبّلى قدمي يومياً.. لأنني إرتضيت بك بهذا الشكل) وكيف سيُعجَب بصاحبة الوزن الثقيل، وهو يُمتع عينيه بما لذ وطاب من ممشوقات القوام على الشاشات ليلاً..!
  تنهدت بكمد، وهي تحسبن عليه، غير منتبهة لإنصات حنين لها، التي تحركت بين أحضانها رافعة لها رأسها بإستفسار:  
  ـ هل ستعودين إليه..؟؟
  أومأت نشوى بإيجاب، بنفس الشرود:
  ـ  نعم، سأتحدى نفسي، وأعود لأقف عليه.. فربما نصفني المرة القادمة..
  إختلط الأمر على حنين، فسألت مرة أخرى:
  ـ أنا أقصد بابا.. كيف ستقفين عليه..؟
  دفعتها نشوى ببعض الغباء من أحضانها، وقد أفاقتها الكلمة من شرودها الحزين، لتعود لطبيعتها المتماسكة القوية، مجيبة:
  ـ وأنا أقصد الميزان.. الميزان يابنت الحزينة..
  ثم قامت تنفض عنها حالة البؤس، التي دخلت بدوامتها منذ قليل، لتقصد مطبخها حيث أغلفة الشيكولاتة الشهية، لتعويض حرمانها السابق لتلتهمها بشراهة وتلذذ، ثم أغدقت على نفسها بسخاء، عندما أمسكت الهاتف، لتطلب:
  ـ من فضلك.. أحتاج علبتين من شطائر البيتزا، وزجاجة المشروب الغازي، نعم.. نفس العنوان.. بجوار المدرسة الدولية، شكراً لك.
  تساءلت حنين بدهشة وبراءة، رافعة حاجبيها وهى تشهق:
  ـ هل ستأكلين علبتين بمفردك، هل نسيتِ أنني سأتناول الغداء مع حازم وبابا بالنادي اليوم..؟؟
  ردت نشوى بصوتها القوي، يشوبه بعض العصبية والتحدي:
  ـ نعم، سأكل فربما ينقص وزني، إذا كان الحرمان يزيده، فلا مشكلة إن عالجت الأمر بطريقة عكسية، وسنرى بما سيخبرنا الميزان.
   إبتسمت حنين بعمق، وهي تزيح خصلات شعرها الناعم، خلف أذنها، لتقول ببراءة:
  ـ الميزان يقيس مقدار جمالك ياماما، وليس مقدار وزنك.. أنتِ جميلة جداً..
  لامس كلام حنين البسيط، عمق مشاعرها العطشى لأى كلمة مديح، ليحول صوتها العصبي إلى بلسم هادئ، لتبتسم لإبنتها الرقيقة:
  ـ معكِ حق ياحنين، فأنا أمتلك وجهاً جميلاً، وأنفاً صغيراً، وخدين متكورين، فليس من العدل أن أطمع بجسداً رشيقاً أيضاً.. معكِ حق..
  خرجت نشوى للرواق المؤدي لصالة الشقة، تتبعها حنين السعيدة بمقدرتها على تحجيم إنفعال نشوى الغاضب بفخر، لتسمعها تتساءل:
  ـ أين ذهب حازم، كان هنا منذ قليل..؟؟
  نظرت يميناً ويساراً مزيحة ميل برقع الستار، لتجد حنين ترد عليها بلؤم حذر يخلو تماماً من البراءة، هامسة:
  ـ لديه صديقة على مايبدو.. يحدثها كثيراً عن طلاقك، وأنه يعيش أجمل لحظات حياته الأن.. لأن الشجار بينك أنت وأبي  توقف أخيراً..!!
  قضمت نشوى أظافرها وقد إمتغصت بطنها، ثم أشارت لحنين بالإنصراف لغرفتها لتجهز نفسها وترتدي ثيابها، لتخرج مع السيد الوالد المحترم، برفقة أخيها إلى النزهة الأسبوعية التي يراهما فيها..
  مرت من أمام غرفة حازم ذو الأربعة عشر ربيعاً، لتسمع صوته ضاحكاً مرة، وشاتماً مرة أخرى، مغلفاً كلماته كلها بتاء التأنيث، إنه يحادث فتاة بالفعل..!! هداك الله ياحازم..
  حركت نشوى رأسها بيأس، وإتجهت لغرفتها تحضر النقود لعامل التوصيل السريع، الذي سيصل بعد دقائق، ما إن فتحت باب غرفتها حتى أطلت الذكرى الكئيبة من ذاكرتها، لتعود بها عدة أشهر للخلف..
  حيث فتحت باب الحجرة، عائدة من المدرسة التي تعمل بها، ألقت حقيبتها بإهمال، وأسرعت تبدل ملابسها، لتهرع لتجهيز الطعام، لتفاجأ بسليم زوجها يدخل ويغلق الباب بالمفتاح، وأمواج الغضب تتقافز من عينيه، تكاد ترتطم بها لتغرقها..
  تقدم ناحيتها بشراسة، مضيقاً عينيه الملونتين، التي تُرهبها أثناء غضبه، ليهدر بصوت زلزلها:
  ـ لا ذهاب للعمل مرة أخرى، لن تقابليه مرة أخرى، ليس حباً في إبقائك بالبيت، بل لأنني سأقتلك إن شاء الله، بعد أن أشرب من دمه أولاً..
  صعقت نشوى من هول مايتلفظ به، هل يتضمن كلامه معنى خيانة ما.. هل قصد ذلك بالفعل..!! أجابته بهلع مدافعة عن نفسها بضراوة:
  ـ بماذا تهذي.. من هذا الذي أقابله، لماذا تتخيل أنني مثلك..!
   توسعت عينيه، لتبدوان أكثر رعباً، بلونها الأخضر المخيف، ليهدر بفظاظة تكرهها، وهو يقترب منها، بحزام بنطاله ليضربها فجأة، بهجوم  أربك جسدها الممتلئ، فلم تستطع تفادى الضرب المتتالي، المقترن بسباباً مهيناً:
  ـ الحقير الذي تضيفينه على موقع التواصل الإجتماعي، تحادثينه لساعات، تطلبي منه إسم مسكن لألمك الشهري..! هذا ما رأيته في رسائلك، عن ماذا تسأليه إذن وجهاً لوجه!..
  في الحالات الطبيعية، كانت ستصرخ إثر هذا الهجوم والضرب الموحش، إلا أن نشوى كانت تتلوى أمامه في صمت صامد، تنزل دموع القهر من عينيها بعزة، تتألم داخلياً بمراحل متقدمة من الوجع، لاتقارن بألم الضرب أو السباب الأن..
  ألا يكفيه مايشاهده على الشاشات الشائنة، ومن يصاحبهن من مواقع التواصل، ولا من يتجاوز معهن في كل شئ من زميلات العمل، ولا يردعه مرتين الطلاق، الذي حصلت عليه في ساعات غضب سابقة..!!
  ربما كانت تتمنى أن يستزيد لتتخلص منه للأبد، هذة الضربة من أجل حريتك يانشوى، تحملي.. وهذة من أجل ألا تعودين إليه مرة أخرى، تحملي.. وهذة من أجل أن تنفصلي عنه بسبب قاطع، لا رجعة فيه، تحملي.. وهذة من أجل إثبات تعديه عليكِ، بالمحضر الذي ستحرريه ضده، تحملي..
  رن جرس الباب، فعادت من ذكرياتها القميئة سريعاً، لتتبدل ملامح وجهها المكفهر، لأخرى متوجة بالسعادة والإنطلاق، فقد وصلت البيتزا..!!
  جلست تأكل بنهم، رافسة بقوة إحساس الذل الرهيب، الذي سحبها منذ قليل في بحر ذكرياتها المعقدة التي تكرهها، لتعود لشاطئ حريتها، تُذكر نفسها أنها أصبحت حرة منه للأبد.. فليس هناك عودة بعد الطلاق الثالث..
  لكنها رغماً عنها، هناك مازال قابعاً بصدرها إحساساً رهيباً بهدر الكرامة، كان يعتقد أنها تخُنه مثله، تتواصل مع أحدهم، مثلما يفعل هو، وعقاباً له على همجيته الطاغية، لم يكن يستحق أن تخبره وإلى الأن!.. أن من كانت تحدثه، لم يكن سوى مجرد صديقتها، تسجل نفسها بإسم إبنها!!..
  لكنها لم تكن تعلم طبيعة المعلومات المسسمة.. التي يزرعها طليقها البغيض، بعقلي إبنها وإبنتها، على غرار ماحدث.. لم تكن تعلم أنه يخبرهم بأنها.. خائنة..!!
* * *
   خرج هاني من مقرعمله بـ(سيدني).. تتابعه نظرات جوليا الهائمة.. إستقل سيارته ذات القيادة اليمينية، تحت أنظارها المتحدية له، أخرج نظارته الشمسية ليغلق ستار عينيه الغاضبتين عنها، بعدما رفضت أجازته..
  لم يكن رفضاً عادياً، بل تحدياً.. حيث هددته بالتلاعب بأوراق عمله لإثبات عملية سرقة مدبرة، إذا تم إثباتها عليه، فلن يستطيع الإفلات من العقاب أبداً..
  إلا إذا.. منحها قلبه، أوجسده، فربما مجاراتها في حبها له سيمنحه صك عفوها عنه، وعتق رقبته من التهمة الظالمة، التي تهدده بها..
  لم يكن يعلم أن التخلص من شحوم جسده الزائدة، سيجلعه محط أنظارها بتلك الطريقة الفجة، خصوصاً بعدما ظهرت ملامح وجهه أكثر نحافة، وباتت دقة حسنه الطولية، تظهر في كلماته وإبتساماته، لترديها قتيلة وسامته الجديدة..
  إنطلق بسيارته في شوارع سيدني، عاصمة النيوساوث ويلز، إحدى أقدم وأكبر المدن الإسترالية، وأكثرها نشاطاً وحركة، إندس وسط زحام الطريق، مستمتعاً بسحر المدينة التي أسرت قلبه، منذ سنوات..
  وصل لمكان بالقرب من جسر(هاربور) الشهير-أكبر جسر معدنى مقوس بالعالم- ثم ترجل من سيارته، ليقف قليلاً في هذا المكان الذي يعشقه، فربما إستطاع سحر المكان ودفء الجو.. إمتصاص غضبه الثائر، ولو قليلاً..
  شرد طويلاً بصفحة الماء أمامه، بعدما إنعكست عليها أشعة شمس الخامسة عصراً، حيث يرى من خلف الجسر، على شبه الجزيرة المطلة على مرفأ سيدني، مبنى دار الأوبرا ببنيانه الذي يبدو كأصداف ماسية متشابكة، أو متعاركة كعراك مشاعره المضطربة الأن!!
  بالفعل إستطاع ذلك الجمال الخلاب، أن يُهدِء وتيرته، فتناول هاتفه ليتصل بأمه، حيث تدق الأن ساعة حائطها ذهبية الإطار الثامنة صباحاً، بفرق توقيت تسع ساعات.. ما إن وصله صوتها المتلهف لسماعه بشوق جارف، حتى أجابها:
  ـ صباح الخير ياحبيبتي.. نعم إنه المساء عندي.. أخشى أن أخبرك أمراً يضيق به صدري، فقد تم رفض أجازتي.. ولا أعلم الطريقة التي سأدبر بها أمري..
  لكن يبدو على صوتها، أنها كانت تحمل مايضيق به صدرها هي الأخرى، لدرجة أنها ربما كانت تتوقع سماع هذة الكلمات المحبطة في الصباح الباكر، ليجدها ترد بصبر نافذ، وصوت يملؤه الحزن:
  ـ لاعليك ياحبيبي، وقتما تدبر أمورك ستجدني في إنتظارك، سأدعو لك ياهاني بالتيسير..
  ساوره قلق خفي من نبرة صوتها الغير معتادة، ليسألها بجدية عما يفيض بها، وهو يتلكأ في مشيته جيئة وذهاباً، متابعاً تموجات الماء الخفيفة أمامه، لتخبره دون إلحاح، بفطرتها الثرثارة:
  ـ قامت الدنيا بالأمس ولم تقعد، تشاجر والدك ومحمود، بسبب سوء تصرفه في إدارة المرزعة الغربية، محمد إعتبر أنه أخطأ عندما كتب لكل واحد منكم مزرعة بإسمه.. ظل يذكره أن تمليكه المزرعة بإسمه لايعطيه حرية التصرف في ماشيتها، ليلى سكرتيرة الشركة أخبرته بوجود شركاء لمحمود إتفق معهم على خط إنتاج جديد، بسلالة بقر أخرى غير التي تملأ مزارعنا.. بنود العقد كارثية ياهاني.. كارثية..
  ظلت تسرد له تفاصيل ذلك النقاش المحتدم، حتى أنها خافت على قلب محمد المريض من شدة عصبيته، وأن محمود ظل هادئاً لأطول فترة، لكنه فاض به أن يُعامل كالأطفال هكذا..
  ظل هاني يسمع ثرثرتها بصبر، يهدأها بصوته العميق المتزن، حتى عتقت أذنه، فألقى نظرة سريعة على المكان الساحر، وعاد سريعاً لسيارته، لينطلق لبيته..
  ما إن دخل، حتى أتاه صوتها الناعم المغوي، تحدثة بكل ثقة بالإنجليزية:
  ـ لقد تأخرت جداً، أين كنت ياصاحب الأجازة المرفوضة..؟؟
  إلتفت لمصدر الصوت الأنثوي، قبل أن يغلق الباب، مبدياً أقصى أيات الدهشة.. هل تتعقبه في عقر داره! ماهذة الجرأة والوقاحة المدروسة..!!
  وبنظرة يملؤها الغضب، أجابها بحدة هادراً بقوة:
  ـ كيف تمكنتِ من الدخول هنا..!!

 * * *

نهاية الفصل الأول
إنتظروني الأسبوع القادم
والفصل التاني
يوم الأتنين
دمتم بود
فاتن شوقي
..
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  ليمار عزت في الخميس نوفمبر 15, 2018 1:37 am

بالتوفييييق❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️

ليمار عزت
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 1
نقاط : 1
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 13/11/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  شيماء في الخميس نوفمبر 15, 2018 9:10 am

😊I love youI love you

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
شيماء
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 2
نقاط : 2
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 02/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في الإثنين نوفمبر 19, 2018 2:12 pm

@ليمار عزت كتب:بالتوفييييق❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️

شكرا للمتابعة ليمار I love you I love you
@شيماء كتب:😊I love youI love you
شكرا للمتابعة شيماء I love you I love you
تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثاني

مُساهمة  فاتن في الإثنين نوفمبر 19, 2018 2:16 pm

الفصل الثاني
  لم يتخيل للحظة واحدة أن تطارده داخل منزله، كيف دخلت تلك المتبجحة، التي تجلس بأريحيه هنا، ردد سؤاله بغضب أسود وصوت أعلى بالإنجليزية:
  ـ كيف دخلتي هنا.. إنطقي!!
  وكالفرسة التي إعتادت عدم إرتداء سرجها، قامت من جلستها، وتقدمت إليه تخلع سترتها الجينز العلوية طويلة الأكمام، ليظهر من تحتها فستانها الطويل الرمادي الهفهاف، بلا أكمام..
  كانت الإضاءة خافتة، حالمة، كحالتها العطشى له، وصلت إليه بغنج تتدلل بجسدها المنحوت بجاذبية صارخة، لتقول ببطء، بلهجتها العربية الركيكة:
  ـ نتحدث بالعربية أفضل..؟؟ أنت تريد أجازة أربعة أشهر، وأنا أريدك لليلة واحدة، ماذا قلت؟ أرجوك تخلّ عن الرسميات بيننا، وإعتبرني حبيبة.. لليلة واحدة فقط.. وسأسمح لك بالأجازة..
  مد يده ليفتح إضاءة الصالة، فأغمضمت عينيها الجميلتين من وهج الضوء، ثم إبتسمت له بدلال، تعتقد أنه لم يفتحه إلا ليرى حسنها بوضوح أكثر.. فتحدثت بتباطؤ مدروس، وهي تتخصر بيديها الناعمتين:
  ـ لا تقلق بشأني.. سأعجبك..!!
  لطمها..!! لطمة شديدة لاتقارن بقوة الغضب المشتعل بداخله، حاول أن يتمالك نفسه لأقصى درجة، لكن بما أنها طلبت التخلي عن الرسميات، فلامانع لديه..!!! ليتفحصها بنظرة مهينة، قائلاً بصوت صادم خافت، حطم أنوثتها لأشلاء:
  ـ لا.. لن تعجبيني..!!
  لكنها لم تهتم لكلماته النافذة، قدر إهتمامها بملامسته لها، حتى ولو كانت لمسة ألم.. كألم الصفعة، فتجاوزت إهانتها بثبات، لتعود لدلالها تغمز له:
  ـ يكفيني شرف صفعك لي بتلك القوة والشراسة.. ولن أجعلها تؤثر على إتفاقنا بشأن الأجازة..
  أغمض عينيه بقوة، خشية الوقوع تحت تأثير سحرها الأنثوي الخلاب، يا إلهي.. إنها فاتنة بحق..!! وعطرها الهادئ يتخلل لأنفاسه.. مقتحماً شباك رغبته الرجولية العفيفة، التي يحجمها بقدر إستطاعته، وإن لم تغرب عن وجهه حالاً، فربما فقد مقدرته على التحكم بثباته تجاه إغوائها الضاري..
  أولاها ظهره، ناظراً للشارع الخارجي، عبر الباب الذي دخل منه، ولم يغلقه حتى الأن، ثم أمرها بصرامة أن تخرج بأدب، قبل أن ينفعل عليها بطريقة أشد..
 أرادت أن ترى الأشد فأخبرته أنها ستحضر سترتها التي خلعتها، وبدلاً من أن ترتديها وترحل، تسللت بخبث للطابق العلوى..
  إلتفت يستعجلها على الخروج، ليلمح ذيل فستانها وهي تصعد أخر درجة..
  أين المفر منها!!..
  صفع الباب بقوة توازى إشتداد حنقه، ليدخل للمطبخ، يستل سكينا حاداً، ثم صعد خلفها..
  ماهذا..؟؟ هل دخلت غرفته من قبل..!! فتح باب الغرفة ليجد سريره مفترشاً بالورد الأحمر يشكل حروف إسمه بالإنجليزية، معبقة برائحة عطرية أُنثوية تحطم سدود أعتى الرجال صموداً، وإضاءة خافتة تذيب الأعصاب..
  دخل خطوتين يبحث عنها فلم يجدها، أتت من خلفه، ودخلت، وأغلقت الباب مستندة إليه بظهرها، وفي عينيها إبتسامة ظافرة، إلتفت إليها شاهراً سكينه بقوة منهارة من محاصرتها له، قائلاً بصوت خطير، أنهكه عنف المقاومة:
  ـ  لن يحدث..
  إقتربت منه بحرص، وفي قلبها إختلاجة رعب من ذلك السلاح الأبيض بيده، فأمسكت بكفه التي تُشهر السكين، لتسحبه منه بخوف يغلبه الشوق..!! هاهو تتهاوى حصونه المنيعة، لقد فقد ثباته، ولم يعد أمامها إلا القليل..
  لكن.. لا..! سحب يده بسرعة، مستفيقاً من إحكام تطويقها له، فمر نصل السكين بباطن يدها وجرحها، سالت دمائها كقطرات فصرخت بألم، لينتهز هو تلك الفرصة لتوجيه السكين لرقبتها، هامساً بفحيح:
  ـ المرة القادمة سأمررها على رقبتك دون تردد.. أخرجي من هنا.. حاااالاً..
  جف حلقها، وهي ترى نظرة التصميم بعينيه، فإعتصمت بحبل إنجذابها لسحره الذي فتنها، تعده بالإنجليزية مرة أخرى:
  ـ سأرحل الأن لكن لنا لقاء أخر.. أعدك بذلك، ولن تسافر لا بعد شهرين ولا عامين، أستطيع أن أوقف إجراءات سفرك كلها للأبد إن أردت.. وهذا ماسيحدث.. هذا وعد يا هاني..
  فتحت باب الغرفة بيدها المجروحة، تأمره بصرامة:
  ـ أراك صباحاً على مكتبك..
  رحلت تحت نيران غضبه الجامح، قابضاً على مقبض السكين بشدة إبيضت لها مفاصله.. فهو على علمٍ تام، بقدرتها على منعه فعلاً من السفر، أسرع خلفها، يتأكد من خروجها من المنزل، وقف على بابه يسمع صرير إطارات سيارتها، ليتنفس بقوة، أفقدته إنتظام ضربات قلبه..
  ألقى السكين بقوة على طول يده، فرشقت بين قوائم حاجز السلم الخشبي، وصدره يعلو ويهبط هادراً، يتنفس بكمد.. شد مقدمة شعره بقوة صافعاً الباب، لقد كاد أن ينهار..!!
  حسناً، لا وقت للتفكير.. أسرع لغرفته، يضع أغراضه بحقائبه بسرعة كمن تطارده الأشباح، فربما تمنعه بأي طريقة غير شرعية من السفر بالفعل، فليسبقها قبل أن تفعل.. ربما لو فعلت، سيرتكب حينها جريمة قتل..! دون تردد..
* * *
  عبرت علياء بسيارتها الحمراء بوابة النادي الرياضي، بالحي المجاور، مصطحبة أولادها لتمارينهم، تحدثت ندى بتحايل:
  ـ ألن أشارك فعلاً في مسابقة السباحة ياماما!! أرجوكِ وافقي على السفر..
  ردت علياء بهدوء وجدية رجل البيت، الذي يتخذ قرارات مصيرية:
  ـ وحدك لن يحدث.. لكن وعدتك، إن سمح لي وقتي مستقبلاً، سأسافر معكِ.. إهتمي فقط بتحسين مستواكِ دائماً..
  تذمرت ندى متأففة بإعتراض، فنصحتها هدى التي تجلس بجوارها، متقمصة دور العاقل الحكيم قائلة:
  ـ ولا تقل لهما أووف..  
  إبتسمت لهما علياء، وإلتزمت الصمت، تُفضل عدم التدخل بين البصلة وقشرتها، لتفاجأ بسؤال هدى:
  ـ لكن بالتأكيد سيسمح وقتك لحضور مباراتي النهائية للتنس، أليس كذلك..؟
  ـ بالتأكيد.. فلن أضطر للسفر..  
  ما إن نطقت بها علياء، حتى إنفعلت الأختان، كلاً منهما تتشدق بحب علياء للثانية بقدر أكبر، لماذا تفرق بينهما، ضجيجاً عالياً، أصاب علياء بالصداع، وهي تصف سيارتها، ليلتفت صالح المرابط بجوارها لأختيه، ينهرهما:
  ـ كفى!.. ماما لاتفرق بينكما.. هي فقط معترضة على السفر، تحبنا كلنا بشكل متساوِ.
  لكمته هدى بكتفه، ثم ردت بخبرة خبير أرصاد جوية، يدقق بفرق درجات الحرارة والرطوبة، بنبرة خبث، غامزة له:
  ـ لا.. تحبك أنت أكثر.. مثلما تحب أنت هايدي، أكثر من منار..
  إندفعت ندى بالكلمات، تؤكد كلام هدى بسرعة، كمحبس الماء بالحديقة، الذي فُتح فجأة:
  ـ نعم بالفعل، كان يريها صور لوحاته المرسومة، وعندما طلبت منه منار أن تراها، تحجج بأن هاتفه نفذ شحنه وإنغلق، أنا شاهدة..
  رد بثبات، وهو ينظر لعلياء:
  ـ غير صحيح، لا أحبها، ولا يوجد بيننا شيئاً خاصاً، بدليل أن ماحدث كان أمام هدى وندى.
  فتحت علياء بابها إستعداداً للنزول، قائلة دون أن تنظر لأي منهم:
  ـ لذيذة لعبة الصراحة تلك التي تلعبوها، لكن ليس وقتها، سأستفسر منكم جميعاً عما دار بينكم حالاً، في يوم تجمعنا الخاص، في أمسية الأثنين القادم.. هيا إلى تمارينكم..
  وصلت علياء لطاولة صديقتيها المقربتين عبير ونشوى، فوجدتهما جالستان بإنتظارها، في حين تفرق الأولاد، كلاً إلى ملعبه..
  مرت عليهن الساعتين، لا تخلُ جلستهن من الضحك والأكل، وبعض النميمة، كلاً منهن تنفصل عن ضغوط حياتها الخاصة، بتلك الجلسةالمرحة.. كانت نشوى تتابع صفحتها الإلكترونية على هاتفها، بينما عبير تقضم شطيرتها، حين تنهدت علياء قائلة بإبتسامة:
  ـ أن تحملي مسئولية تربية ثلاث أبناء في هذا الزمن وحدك، أمراً إنتحارياً..
  ردت نشوى، دون أن ترفع عينيها عن هاتفها، لكنها تركز في الحوار بكفاءة:
  ـ طالما أهل زوجك يتحملون العبء المادي، فقد إنتهت نصف المسئولية، أما عن وجود رجل بحياتك، فالوحدة غالباً تكون خيراً من جليس السوء..
  ضحكت عبير بعفوية، متذكرة جملة دائماً تقولها والدتها، وجدتها مناسبة جداً لتعليق نشوى، فتهافتت علياء ونشوى لتسمعها بقولهما، ماذا.. ماذا.. قوليها ياسخيفة ، هيا.. لا.. لن أغضب.. لتخبرهم بتحفظ، حفاظاً على مشاعر نشوى:
  ـ كانت دائماً تقول خذي الحكمة من أفواه المطلقات، فما رأينه ليس بالهين..
  لتهتف نشوى مؤيدة:
ـ والله أمك هذة حكيمة، كلامها مضبوط، وليس به ما يُغضبني، أرسلي لها سلامي وقبلاتي..
  ضحكت علياء وعبير بطلاقة، لرد فعل نشوى التي مازالت تلعب بهاتفها، والتي لم تلبث أن قالت:
  ـ إذا كان لقب عانس يغضب عبير، ولقب أرملة يغضب علياء، فسأحاول أن أغضب من لقب مطلقة إن شاء الله..
  قالتها، وأطلقت ضحكة عالية خالية من المرح، لكنها أثارت ضحكاتهن أكثر، تركت نشوى هاتفها، لتسأل علياء:
  ـ أخبريني يا ست وحيدة البائسة، لماذا ترفضين الدكتور سامح عز الدين زميلك، إن كنتِ تعانين من الوحدة..
  رمقتها علياء بنظرة جانبية دون رد، في حين هتفت عبير بإهتمام، وهي تضع ساعديها على الطاولة، تميل للأمام قليلاً:
  ـ هل مازال ذلك الطبيب الوقور، يطلبك للزواج، بعد كل هذا الرفض!.. أعشق هؤلاء الأشخاص، الذين لديهم هذا الإصرار..
  أومأت علياء مبتسمة، ترد بثباتها الراسي، عاقدة ساعديها:
  ـ نعم، مازال لديه إحساس أنني سأوافق يوماً، ينتظرني دائماً بنفس المشاعر ونفس الإخلاص، ونفس الأمل.. برغم كل الرفض..
  مالت إليها عبير تدغدغ خصرها، بغية تبديد ثباتها الهادئ ذلك، ضاحكة بقسمات وجهها خمري البشرة، حتى إنسحبت عيناها بداخل أهدابها الكثيفة، ثم قالت:
  ـ ياولد ياراسي.. ولماذا لاتتعطفين على أمثاله بالموافقة، وهنيئاً لك يافاعل الخير.. فلديه مشاعر وإخلاص وأمل.. إنه رجل نادر..
  عقبت نشوى مكملة:
  ـ ولديه إبنته سمر أيضاً، طفلة بالسابعة من عمرها، تربيها جدتها العجوز، بعد رحيل والدتها من خمس سنوات..
  أشارت علياء بكفيها، في حركة لإنهاء النقاش قائلة:
  ـ شطّبنا.. لدي بنات، ولن أتزوج مرة ثانية..
  لتندفع نشوى بحماس، بأحد إقتراحاتها الفذة،  وهي تُدخل خصلة خرجت منفلتة، من جانب حجابها المزركش:
  ـ  إذن عبير أولى به، أخبريه أن لديك عروس حلوة وصبية، مرحة وشقية، بشرتها خمرية، تجيد طبخ الملوخية، سيعيش معها سعادة أبدية..
  إنتابتهن من جديد موجة ضحك، لتحرك عبير سبابتها رافضة:
  ـ لن أصوم خمسة وثلاثين عاماً، لأفطر على رجل.. تزوج وأنجب من قبل..
  شهقت نشوى وهي تلمز علياء:
  ـ سمعتي..!! إعترفت بسنها ببساطة..!!
  أجابتها عبير بتأفف ثائرة لكرامتها:
  ـ أم أربعة وأربعين تتحدث..؟؟  
  لتجيبها نشوى، بإخراج لسانها بزاوية شفتيها مدافعة:
  ـ ثلاثة وأربعين عاماً فقط..
  قامت علياء تلملم أغراضها من على الطاولة، لإنتهاء وقت تمارين أولادها، تذكرهن بتلاوة دعاء كفارة المجلس، قبل أن ينهضن، لترد عليها عبير بمزاح:
  ـ حاضر.. وسنغسل أسناننا قبل النوم أيضاً يا دكتورة..
  بينما نشوى ردت بمرح زائد:
  ـ مع السلامة ياسيدة وحيدة..  
* * *
  جلس هاني بأحد مقاهي شارع جورج الشهير بمدينة (سيدني) يشرب القهوة، ناظراً لمعالم ذلك الشارع الذي سيشتاق إليه، كبقية شوارع المدينة، الأحب إلى قلبه..
  يجاور طاولته بعض شباب الجالية اللبنانية، التي تكتظ بهم المدينة، يتحدثون بلهجتهم العربية بإشتياق، تنهد بعمق ناظراً من حين لأخر لساعة معصمه بقلق، ليسأله ذلك العجوز الذي مر بجواره، عن إحتياجه لمعرفة كيفية الوصول للحي الصيني، ليرسم له خريطة توضيحية بسيطة تساعده على الوصول..
  أخيراً.. وصل جاسر، ليجلس على كرسي مقابل، فيسأله:
  ـ كل هذا التأخير ياجاسر.. أنت تعلم أنني أسابق الزمن، قبل أن تستفيق تلك المجنونة.. هل علمت أين ذهب ذلك الشخص، الذي كان ينظف بيتي، ومنحها نسخة المفتاح..؟
  رد جاسر وهو يناول هاني عدة أوراق، بعضها يفيد حجز ليلة واحدة بفندق الجامعة، والبعض الأخر يفيد حجز تذكرة سفر لدبي، بلا عودة:
  ـ إختفى تماماً، واضح أنه تقاضى مبلغاً محترماً من السيدة الفاضلة، هذا حجز الفندق، وهذة تذكرة السفر..
  أجابه هاني بجمود مشاعر.. ونبرة حزن طاغية.. لإضطراره للهروب نهائياً من المكان الذي تتواجد به تلك الحرباء، والتي تستطيع بإشارة من إصبعها أن تحول حياته هنا لجحيم، إن لم ينفذ طلباتها:
  ـ هذا توكيل لبيع السيارة، الشئ الوحيد الذي أمتلكه هنا.. سأراسلك بإسم البنك الذي سترسل عليه نقودها إن بعتها، عندما أنزل مصر بإذن الله..
  أومأ جاسر بملامح واجمة، لأول مره يراه هاني بتلك الهيئة الكالحة، ذات القسمات العابسة، الخالية تماماً من مرحه المعتاد، وهو يقول له:
  ـ يافرحة قلبك يا أم هاني.. كانت تتمنى منك مجرد أجازة، لتنزل لها نهائياً، أعتقد أنها دعت لك بالتيسير بضمير.. سأعيش تعيساً بعد رحيلك..
  إبتسم هاني إبتسامة جانبية، أظهرت دقة حسنه الطولية الجذابة، لتعود البشاشة تطل من وجه جاسر، ويعود لمزاحه، الذي لا يستطيع العيش بدونه، وهو يشير إليه بسبابتيه على طول ذراعيه، الممتدتين أمامه:
  ـ منها لله دقة الحسن تلك، هي التي أظهرت وسامتك المختفية، وأوصلتنا لما نحن فيه الأن، حسبي الله ونعم الوكيل في طبيب الجراحة الذي أفقدك وزنك..
  تبادلا الضحك بخفة، أتبعه تصادم كفيهما بجزل طفولي، سيشتاق كل منهما لأخ أنجبته الأيام، تخطيا صعوبات الغربة البعيدة، لعشر سنوات كاملة معاً، منذ أن تعرفا لبعضهما.. ثم سأله جاسر، وإحساس الفقد يكبل صوته:
  ـ ألم تخبر والدتك، بموعد نزولك بعد؟؟
  ـ لا ليس الأن، سأمكث بدبي عدة أيام للتسوق، فلن أعود لأسرتي بعد هذة المدة بخُفي حُنين، دون هدايا..
  قام جاسر يومئ له متفهماً، فتبعه هاني يحتضنه بمحبة صادقة، ليتبادلاً عناقاً أخوياً بطعم الوداع.. أثقلت الحسرة كلمات جاسر المرحة، ليقول ضاحكاً بأسى:
  ـ سأفتقدك جداً ياصديقي.. وأنا الذي كنت أمني نفسي بحياة، تزخر بزيارتي لك بعد زواجك وإنجابك، لأشاهد أولادنا يعيثون بفتات الأكل على بساطك الأبيض النظيف..!!
  ترك هاني أحضانه، لاكماً كتفه بتوبيخ:  
  ـ ربما فشل مخططك، لمجرد تمنيك رؤية بساطي متسخاً.. على العموم.. لا داعي لكل هذا الوداع العميق، الإنترنت يسهل التواصل، وسأراسلك بعنواني بمصر، ما إن أعرفه بالتفصيل، فكما تعلم إنتقلت عائلتي من حينا القديم، بعد مجيئي هنا بعامين..
  شدد جاسر على ساعد هاني، مذكراً:
  ـ أراك غداً بالعمل، للمرة الأخيرة..
  ليومئ له هاني، متأثراً بإختناق:
  ـ  أراك غداً بالعمل.. للمرة الأخيرة..
* * *
  في السادسة مساءاً بغرفة نوم محمود، كان يغط في سباتٍ عميق، حين دلفت سلمى الغرفة لتوقظه، تفرك شعره، فتُبعثر خصلاته الفاتحة القصيرة:
  ـ مودي.. إستيقظ، أريدك في أمر هام، قبل أن يأتي موعد خروجك..
  رد عليها بصوت نائم أجش، دون أن يتحرك:
  ـ ممم.. أتركيني ياسلمى، أريد أن أنام، ولن أخرج اليوم..
  لوت شفتيها المطليتان باللون الوردي، وجلست جواره، بتنورتها الجينز القصيرة، تبثه إستقواءاً تمرغ بنبراتها المتعالية:
  ـ ولمَ كل ذلك الإنطواء والعزلة..؟؟ لمجرد إختلاف وشجار بينك وبين والدك؟.. من فضلك، إستيقظ حالاً، ولا تفعل ذلك، لأنك تثير شفقتي..!
  إلتفت إليها فاتحاً عين واحدة، أمطرتها بنظرات تحذيرية، أوقفت سخريتها على أعتاب حلقها، وهو ينبهها:
  ـ سلمى..!!
  ردت بنبرات تعج بشرارات الكره، وبعض الحقد الدفين، هازة ساقيها بعصبية:
  ـ إياك أن تترك المشكلة الأساسية، لتنهر سلمى على كلماتها، أنا زوجتك، وأريد مصلحتك، والدك ليس من حقه أن يمنعك عن مشروعك الخاص، طالما ستتصرف بأملاكك أنت، أليست المزرعة تلك، تم تسجيلها بإسمك فعلياً؟.. لماذا إذن يفرض عليك وصايته!! شئ غريب والله!!..
  سكتت برهة، تنظر لعينيه العسليتين بإغتياظ ملأ تجاويف صدرها، تخبره بنظراتها أنه بالغ بإنهزاميته أمام والده، لتندفع بكلامها اللاذع:
  ـ ألا ترى أنك أحق من الجميع في إمتلاك كل شئ، ومع ذلك لم تجور على حق أحد، أنت من يحمل عبء العمل كله منذ تعب والدك، فأخويك أحدهما تُوفيّ، والأخر مهاجر، بدلاً من مكافأتك على تفانيك بإدارة أموالهم، يوبخك والدك لتصرفك الخاص بملكك الخاص.. ماهذا الجنان..!!
  بالتأكيد لايحتاج محمود لأكثر من هذا الموشح ليستفيق كلياً، فجلس جوارها وسحبها من ذراعها فوقعت بين أحضانه، ناظراً لها بتهديد لم يخلُ من عتاب، قائلاً بهدوء:
  ـ أعلم أنه صعب عليكِ.. لكن حاولي، حاولي أن تتلطفي في الحديث عن والدي، وأن تحترمي أهلي أمامي قليلاً.. قليلاً فقط، ونصيحة.. لا تتدخلي فيما لايعنيكِ مجدداً..
  إبتعدت عن أحضانه تلكزه ببطنه، لعلمها المسبق بأنه سيستزيد في إحتضانها، وربما سحبها معه تحت الغطاء، وهذا أمراً ثقيلاً جداً على قلبها، فإستقامت واقفة أمام السرير بعصبية، تشوح له، بعدما أثار حنقها:
  ـ هذا أفضل، إتركه يعتدي عليك بالكلام وأنت بهذا السن وهذا المركز، فأنا لن أتدخل فعلاً بينكما مرة أخرى.. شئ سخيف..!
  قالتها، وإتجهت لخزانة الملابس، تُخرج منها بنطال جينز، وسترة صفراء صيفية، تقذفهم بعصبية تخضبت ببعض الغرور:
  ـ سأذهب لصالون التجميل مع أمي، فأنت تعلم أنها هنا مع زوجها في أجازتها القصيرة من لندن، ولن أفوت يوماً دون أن أراها.. إهنأ بنومك وفراشك..
  كانت تتحرك أمام نظراته العابثة، عاقداً حاجبيه بعبوس يتوجه اللهو، وقد تربع في جلسته، يلاحق وهج حيويتها، بعصبيتها الحماسية، التي يتحرك في أثرها شعرها المجدول، الكثيف حول وجهها بأنوثة مستبدة، تعلم جيداً تأثيرها عليه:
  ـ سلمى..! تعالِ هنا.. لن تخرجى قبل أن أعاقبك على هروبك من أحضاني..
  توقفت عن تحركاتها أمامه، لتدب بقدميها، وهي تجز على أسنانها:
  ـ لن يحدث ماتفكر به، أنا سأخرج بعد نصف ساعة، أريد أن ألحق بموعدي مع ماما..
  قام إليها بحركة سريعة جاذباً إياها، وفي عينيه تجوب حافلات العشق الجائع، لزوجة تضن عليه دائماً بشربة عاطفة حلال، تتمنع عنها بإستماتة كارهة لها..!
  ليهمس لها بحنين رجولي قاسي:
  ـ أشتاق إليكِ.. أشتاق لطفلة تشبهك، غجرية ومجنونة مثلك.. تخرجين معها بعد سنوات لصالون التجميل، كما تفعلينن الأن مع والدتك.. هل هذا كثير..؟؟
  وبرغم صوته الحاني.. وإحتضانه العذب.. وحنينه الجارف للأبوة وصوته المداعب لأذنيها، إلا أنها إستقوت عليه بقوة حبه لها، وتمسكه الشديد بها، لترد بجدية:
  ـ الحمل يفسد جسد المرأة، تنزل السوق فلا تجد ما ترتديه، يفوتها مواسم الموضة دون أن تستمتع بثيابها، يترهل بطنها و..و.. إنه أمر مخيف..!
  ـ يمكنك أن تسألي علياء عن كيفية الحفاظ على قوامها، بعد الإنجاب عدة مرات، فما تقوليه ليس سبب مقنع أبداً..
إنتفضت بين أحضانه، نافرة من سيرة علياء، بعد أن حرك مياة الغيرة الراكدة بقلبها ناحيتها، دون أن يقصد:
  ـ لا تضع علياء المستفزة تلك، في جملة مفيدة أمامي مرة أخرى، تعتقد أنها الواعية العاقلة الرزينة، لمجرد أنها لديها أولاد..! إنها تلف عقل والديك، بمجرد دخولها بأولادها عليهما، وأمك تريدني أن أكون نسخة منها، حتى أنال رضاها..!!
  حسناً، الأمر تعدى مجرد مخاوف من مجهول، أمسك رأسها بين كفيه، ليقبل جبينها، باثاً إياها بعض السكينة بقبلته الطويلة، ثم أخذها بين أحضانه الدافئة، مطمئناً:
  ـ أنا أحبك ياسلمى، وأريد أن أكون أب لأولادك، مارأيك بزيارة لطبيبة نفسية، تشاركيها مخاوفك من هذا الأمر، فربما ساعدتك على تجاوزها؟
  دفعته دفعاً، ملتقطة ثيابها، متجهة للحمام الملحق بالغرفة، تتعرقل بمشاعرها المتحجرة، ثم إلتفتت إليه بشراسة أنثوية يعشقها:
  ـ إمتلك الشجاعة، وكررها مرة أخرى، لتعلم من رد فعلي، إن كنت أحتاج طبيبة نفسية، أم مشفى مجانين..
  فرد ذراعيه بترحاب ضاحك، ثم إقترب منها بعبثه اللاهي يشدها من تلابيبها، ليخمد تبرمها بتحية طويلة، كثيرة العمق، عذبته في منحها إياها، بعنف دفعها له، فتركها مرغماً، ليكرر:
  ـ أنت فعلاً مجنونة، وتحتاجي لطبيبة نفسية، ولكني أعشقك وسأعالج هلعك الزائد هذا، ولاتخافين من القبلات، فلن تحملين منها.. يامجنونة..!
* * *
  دخلت عبير من باب الشقة، تتنفس بصعوبة، حاملة بساطاً صغيراً، ملفوفاً عدة طيات لايتعدى عرضه متراً واحداً، وضعته أرضاً مبتسمة له بحب، فقد إشترته ما إن تحصلت على نقوده، لتفرشه بغرفتها، بدلاً من ذلك القديم البالي..
  دست مفاتيحها بحقيبة يدها، ثم خلعتها عبر رقبتها، ونادت على والدتها، وهي تخلع حذائها وتضعه بخزانة الأحذية، قرب الباب:
  ـ رائحة المحشو اللذيذ قلبت العمارة كلها يا أمال.. ماما.. ياماما.. أنا أتيت..
  خرجت أمال من المطبخ، إثر سماعها صياح إبنتها، مرتدية عباءة قطنية منزلية، تشبحت منتصفها ببعض البقع الزيتية:
  ـ هل شعرت بغياب والدك، ليعلو صوتك هكذا.. وكأن وجوده يطبق على أنفاسك، فلا أسمع لكِ حساً، حين يكون بالبيت..!!
  ضحكت عبير، فإنغلقت ستائر أهدابها السوداء، تخفى بريق وفرحة عينيها المسحوبتين:
  ـ بالضبط.. هذا مايحدث، أشعر به يشفط الهواء، وربما يتمنى منع عني الماء والغذاء، ليتخلص من وجودي المؤذى لعنصريته.. أبو البنات..!!
  جحظت الأم، وهي تضربها بمنشفة المطبخ، تزجرها بعتاب لائم، من عينين ضاقتا حزناً وقلة حيلة، من عدم إنجابها للذكور، هامسة بتحذير:
  ـ إخفضي صوتك ياغبية، فقد يفتح الباب بأية لحظة..
  خلعت عبير حجابها المموج بدرجات الأزرق، ودافعت عن منطقها بلامبالاة، متدثرة بأحقيتها في الحياة دون خوف:
  ـ سلبيتك أمامه تلك، هي التي جعلته وقحاً معك، يعتدي على كرامتك مرة.. ويهينك في أنوثتك مرة.. ويسلبك شقتك التي ورثتيها عن والدتك ليتزوج فيها من إمرأة أخرى، حرصاً على الحصول على الولد مرة.. لماذا..!! ولماذا تتحمل الزوجة كل تلك الإهانة ومن أجل من..؟؟ لا أعلم حقاً، لماذا بقيتِ على ذمته إلى يومنا هذا..؟؟
  تلوت معدة أمال، بعدما أصابتها سهام الكلمات في أمومتها، وأنوثتها المجروحة، لتنزف عبارات ملؤها الخضوع:
  ـ من أجلك، من أجل بناتي الثلاث، من أجل أن يحق لي الوقوف بجوارك ليلة زفافك كأمك، وليس كضيفة غريبة، تحملت منه كل مافعله لأنكن حياتي، و..... هو لم يفعل شيئاً خاطئاً، لقد تزوج من إمرأة أخرى، وهذا حقه..!
  تهدج صوت أمال بأخر عبارة قالتها، ثم جلست مقابل عبير، والتي أطبقت على شفتيها، معترضة على إستهانة والدتها بحقوقها، ثم فكت عقدة شعرها، لترسله طويلاً، وتفرك مكان العقدة بعنف، وكأنها تمسح كلمات أمها المستكينة من رأسها:
  ـ عرفياً ياماما، حتى يبدلها وقتما يريد إن فشلت في إنجاب له الولد، وقد حدث مرتين من قبل.. ماذا تبررين له..!!
  أنا لا أقصد مضايقتك.. لكن.. معترضة على خنوعك أمامه، بالرغم من أنكِ أقوى منه، معرض الأثاث الذي يملكه أخذ ماله من ميراثك كرهاً، الشقة التي يتزوج فيها عليكِ، أخذها منك إجباراً، حتى بناته... زوجهن غصباً لأشخاص غير مناسبين، من أجل أن يتخلص من عبئهن.. خلقك الله حرة، وكرمك من فوق سبع سماوات، فلماذا تقبلين بظلمه وذله..؟ إنه يعايرك حتى الأن، بالولد الذي لم تنجبيه له، أية حرب أعصاب تلك التي تتحمليها، ولماذا..؟؟
  تهدلت أكتاف أمال، من تثاقل الكلمات الموجعة الحقيقية تماماً، تخترق فؤادها العليل، ليعزز إهتراء روحها، فتنزف عينيها دموع الخيبة، قائلة:
  ـ علمت أن الطلاق يُنتج أبناء غير أسوياء، فإخترت البقاء ياعبير..
  أغمضت عبير عينيها للحظات، رافضة لضعف أمها بجموح، ثم فتحتهما بتمرد:
  ـ وما هذا الجلباب العجيب الذي لا تخلعيه..؟ لماذا لا ترتدي الثياب الجديدة التي إشتريتها لكِ؟؟ إستخسارك في نفسك هذا طبع، جعله يضعك بسلة مهملاته... إنه يصرف ماله ببذخ على العقربة التي يتزوجها بشقتكِ، ويبخل عليك بثمن زجاجة عطر..! بسبب بُخلك على نفسك..
  ردت أمال بوهن، وهي تمسح دموعها المنسابة بصمت مقهور:
  ـ لا أريد إستهلاك الثياب الجديدة، لأنها قيمة جداً، فوضعتهم بجهاز عرسك، خسارة ألبسها، لدي الكثير..!
  عقد الغضب لسان عبير، فقامت تلملم حجابها وحقيبة يدها، وإتجهت حيث وضعت البساط الملفوف، وجرته عبر الرواق الداخلي لغرفتها، دون تعقيب على كلمات أمال، التي إستفزتها للغاية..! وصوت عميق بداخلها يصرخ:
  ـ خسارة..!! كل شئ خسارة من وجهة نظرك يا أمي.. إستخدام أغراضنا قبل الزواج خسارة، فأل شؤم، إرتداء ملابس جديدة بعد الزواج خسارة، فلدينا الكثير..! صبرني يارب..!
  ألقت بساطها أرضاً، وزفرت بعصبية وتوتر أصاب أعصابها بعطب، لتجد والدتها تقف خلفها بقامتها القصيرة، تستند لإطار الباب تسألها ببراءة:
  ـ ماهذا..؟؟  
  إبتسمت لها عبير دون مرح.. متأكدة من كلمات الإستخسار، التي ستمطرها بها والدتها حالاً، لتقول بشجاعة:
  ـ تابعيني لتعلمي بنفسك..
  مالت تلف بساط غرفتها المستطيل القديم، وألقته بالرواق أمام الباب، تستأذن والدتها أن تتنحى جانباً قليلاً، عن مدخل الباب، غابت لثوان بالحمام، لتعود بمكنسة يدوية وجالون ماء..
  أخرجت من حقيبة يدها، قنينة عطر زيتية، وسكبت بضع قطرات على ماء الجالون، ففاحت الرائحة العطرة تملأ المكان، وشرعت تنظف الأرض بإتقان، لتبتسم أمال بإنتعاش ملأ قلبها من شذى عطر النظافة، الذي ملأ جو الغرفة..
  وقفت عبير تنظم أنفاسها اللاهثة، ثم مالت تفك عقدة البساط الجديد، لتفرده بفرحة منتشية، بنفس المكان الخالي ليعلن عن نفسه بفخامة، فهنأتها أمال مبتسمة:
  ـ مبارك عليكِ يا إبنتي.. إنه رائع ومبهج..
  إبتسمت عبير بإندهاش من إطرائها الخالي من ثورات هجومية، لمجرد أنها تستمتع بأغراضها قبل الأوان، متسائلة:
  ـ هل حقاً أعجبك..؟؟
  ردت أمال، ونظرها عالقاً بالدوائر المتداخلة اللونين الأزرق والبني، المنقوشة على البساط، وهتفت بفرحة:
  ـ والله لقد تفاءلت به، وسيجبر الله خاطري وسيصلني الرد خلال أيام.. حسناً ياعبير، لقد رأيناه وأعجبنا به، لفيه ياحبيبتي، وإركنيه تحت السرير، لنفرشه ببيتك قريباً.. خسارة تستخدميه الأن..
  تشنجت عضلات وجه عبير بالكامل، وهي تكتم صرخة غجرية، تشبه تلك التي تسبق إنقضاض حيوان مفترس على فريسة ما، مرة أخرى خسارة..!
  لم ترد، حيث لا فائدة.. إكتفت بركل البساط القديم بقدميها بعنف، تبثه غضبها من طريقة التفكير تلك، حتى وصلت للشرفة الملحقة بالصالة الخارجية، نفضته جيداً، ثم فرشته بأرضيتها..
  لتعود لغرفتها، تتحدث لأمال، بصبر متناهي:  
  ـ لاتحركيه من مكانه ياماما، من فضلك، قدمي تستحق أن تمشي عليه، عادي.. كما أنكِ تستحقين إرتداء ملابس جديدة.. عادي أيضاً، كما أن الطلاق حلالاً من شخص يأتيك كل فترة طويلة، يجعجع بحنجرته اللولبية، ليأخذ منك ما إدخرتيه، من أرباح تزين العرائس الذي تسلين به وقتك، بدلاً من أن يصرف عليكِ، ليتبجح بإنتقاص قدرك، لمجرد أنكِ ربة منزل لا تحتاجين للمال.. عادي جداً ياماما، عادي..
  أجابتها بمصارحة شفافة، بإبتسامة مهزوزة، توارى خلفها تراكمات ظلم عتيد، أزهق روحها الصابرة:
  ـ المرأة تحتاج رجلاً بحياتها ياعبير، رجل يُكمل مظهر الأسرة الإجتماعي، حتى لا ينهشها المجتمع رفضاً، ستفهمين ذلك ما إن تتزوجين ياحبيبتي..
  أغلقت عبير شقيّ النافذة الخشبي، ليتسلل ضوء شمسي خافت، للغرفة ذات الرائحة المبهجة، وإلتفتت تتناول منشفتها لتتحمم، فمرت بكتف أمل، لتربت عليه برفق ورأفة، ومالت لتقبلها بحنو، قائلة بتوضيح:
  ـ المرأة تحتاج لرجلاً بالفعل.. رجلاً وليس ذكراً.. إعتني بنفسك ياماما، ونامي براحة وعمق، فقد أديتِ رسالتكِ على أجمل وجه.. وتأكدي يا أم البنات، أننا سبباً في أن يوجب الله لكِ الجنة..
  تركتها عبير لتذهب للحمام، فرافقتها كلمات أمال الواهنة:
  ـ رسالتي ستكتمل ما إن تتزوجي، ما إن أفرح بإبنتي البكرية، التي تزوج أختيها الأصغر منها قبلها بسنوات، بعدها.. يمكنني التفكير بإستراد حقوقي من والدك، وأنام براحة وعمق بحق..
* * *
  تطلع أمجد للملفات أمامه بتقوس حاجبين دائم، فقضية (خليات الليل) تلك تشغل تفكيره بإستفزاز تراكم فوقه كتل من نفور، حتى سمع فجأة إشتداد تراشق بالكلمات، خارج مكتبه جعله ينصت له:
  ـ أريد أن أدخل له حالاً..
  ـ  لا لن يحدث، المقدم أمجد منصور، أمرني ألا يدخل إليه أي شخص الأن..  
  ـ ما هذا الجنان، أنا ضابط زميل له إفتح الباب حالاً، وإلا حبستك..  
  ـ إذن إلتزم حدود زمالتك، ياسيادة الملازم عاصي..
  ثوان، وإستخدم سيادة الملازم عاصي سلطته الشرطية، ليلكم وجه العسكري الواقف، بإعتداء غاضب همجي، معززاً إعتدائه بالألفاظ النابية، والشتائم القذعة..
  فتح أمجد الباب بقامته الطويلة وصدره العريض، وحاجبيه المقوسين بغضب هادر، لينكتم الجميع ويلزم مكانه، كمن أوقف صورة التلفاز على لقطة ثابتة، دوى صوته بخشونة صارخاً:
  ـ ماذا يحدث..؟؟  
  عدّل عاصي من ياقة قميصه الغالي سريعاً، ليبتسم بسماجة فجة، وهو يتقدم لأمجد ماداً كفه بالسلام، فلم يحرك ذلك من وضع أمجد الواقف برصانة، يرمقه بنظرات تصغير، أصابت غروره في مقتل، ليسأله بتحقير بصوت أجش:
  ـ إعتديت على عسكري بالضرب، أثناء تأدية عمله؟؟ ألست نفس الضابط الجديد الذي ضرب الطبيب أثناء التحقيق معه؟ وتعديت على سائق ضابط زميل لك أيضاً بالضرب والإهانة، لأنه ركن سيارته زميلك مكان سيارتك!!..
  لكن عاصي لم يتخل عن غطرسته، مشيراً للعسكري بمهانة، هاتفاً بخيلاء ذكر البط، الذي تعلم العوم أخيراً:
  ـ لقد أصبحت شرطياً فقط، من أجل أن أعلم هؤلاء الأدب..
  سحب نفساً عميقاً بشموخ، في حين وقف العسكري بمساعدة المتجمعين حوله، منهم من يناوله زجاجة ماء، ليغسل أنفه الذي سالت منه قطرتين دم، ومن يناوله نظارته التي فقدها إثر اللكمة، ومن يناوله محرمة ورقية..
  في حين أردف عاصي ذو الهيئة الشبابية، بشعره المصفف بعناية، ورائحة عطره الراقي، وساعة يده الموحية بثرائه ونعيمه، معرفاً نفسه لأمجد، بمنتهى الصلف والكبرياء:
  ـ الملازم عاصي، أرسلني اللواء عابد، لأنضم لفريقك بقضية خليات الليل..
  وضع أمجد يديه بجيبي بنطاله، رادعاً كبرياء عاصي في جوفه، بنظراته المهينة:
  ـ ليس قبل أن تعاقَب على خطئِك أولاً ياسيادة الملازم.. لتتعلم أول درس معي في حياتك الشرطية، والبادئ أظلم..
  دخل ليجلس على كرسيه، فتبعه عاصي مبهوتاً، ليسأله متفهماً:
  ـ كيف..؟؟
  أجابه أمجد بنظرات الصرامة، التي يتوجها تقوس حاجبيه:
 ـ ستنادي على العسكري، وتجعله يطلب الترضية التي تناسبه، كبني أدم تم الإعتداء عليه، دون وجه حق..
  رفع سبابته بسخط أمام وجهه الأسمر، ليهدده بصوت مخيف:
  ـ وإلا والله العظيم، لأجعله يأخذ حقه منك بيده بالمثل، وستعود لإمك بدون شارتك النجميه تلك التي تفرح بها على كتفك.. ولاتقلق.. فلن يحدث ذلك أمام أحد كما فعلت أنت، سأناديه هنا..
  تلعثم عاصي قليلاً، وقد تراجعت صفاقته، مختبئة خلف إبتسامته السمجة، متفهماً وضعه بفارق السن والرتب الأربعة بينهما، ليحك أسفل أذنه بتفكير، ثم أومأ له موافقاً برضا باهت..
  بعد حوالى ساعتين، خرج من مكتب أمجد، يفرك كفيه بتحفيز، فقد أولاه مهام خطيرة بقضيتهم.. وسيستمتع جدياً بمشاهدة الغانيات، أثناء إقتحام أوكارهن الفاسقة..
  أوقفه في رواق القسم أحد العساكر، الذي يفيض عليهم عاصي بإكراميات بسخاء منقطع النظير، في سبيل التكتم على مصائبه، ليخبره هامساً:
  ـ سهام.. الطالبة الجامعية التي مُسكت من قبل بسيارة أحد زملائها في وضع شائن، تلك التي..
  غمز له العسكري، مبتلعاً بقية الكلمات، التي فهمها عاصي جيداً ليسأله ما بها، ليخبره العسكري غامزاً بخبث من جديد:
  ـ تحت بالحجز، أتت مرة أخرى مع زميلتين لها، أأُرسلها لك بمكتبك..؟؟
  أخرج عاصي من جيبه ورقة نقدية، لا يحلم بقيمتها ذلك العسكري خائب الرجا، هامساً:
  ـ لا.. لقد إنتهيت منها،  أرسل لي إحدى الزميلتين، لنتذوق قطعة مخلل أخرى، ولا تُدخل علينا أحد أبداً، حتى لو كان سيادة اللواء نفسه، جرها للمكتب بإهانة، أريدها ذليلة حتى لا تفتح فمها..
  أومأ العسكري مقبلاً الورقة النقدية بفرحة:
  ـ إسمها نهلة، سأرسلها لك لأن الثالثة رحلت مع والدها، بعد أن أفرج عنها المقدم أمجد منصور..
* * *
  في مشفى الدكتور غانم، في أحد مخازن الملفات بالطابق الرابع، هتفت إحدى الموظفات بهاتفها، وهي تتابع بعينيها، أسماء الملفات الضخمة:
  ـ تعبت من البحث، ولم أجد الملف يامراد..
  أتاها صوته الغاضب، يقصف أذنها:
  ـ إبحثي بذمة، أوإحضري لي كل الملفات الخاصة بعمليات الجراحة..!
  تفصد جبينها بعرق توترها الضاري، وهي تعدل حجابها القطني، بيدها الثانية المنقبضة، لتهمس بتوجس:
  ـ لا لا.. مستحيل..
  دوى صوته مرة أخرى، يهددها:  
  ـ غدير..!! أنا لا أخذ الإذن منك.. هذا أمر، ستنفذيه أم تعلني إستسلامك مبكراً، وأسحب منك ثقتي بك..؟؟
إستقرت جبال الإرتباك على حافة حلقها، منعتها من التنفس بسهولة، ناظرة لخاتم خطبتها الذي ساعدها على الرد، بصوت أبدعت لتجعله مرضياً له:
  ـ أرجوك يامراد.. سأبذل كل الجهد لأجد الملف المطلوب، لكن أنا أتوتر سريعاً، فترفق بخطيبتك، وحبيبتك قليلاً..
  هدأت نبرته الحادة بشكل جزئي، بعد تأدية واجبها على الوجه الأكمل في إشعارها بأهمية هذا الملف بالنسبة له، ليرد عليها بهدوء أكثر:
  ـ سأحاول..!!
  أغلقت الهاتف، وأرهفت السمع جيداً، ليختلج قلبها بإرتياع.. فقد كان هناك من ينصت لحوارها تقريباً، وفهم ما حدث، لأن صوت أقدام أنثوية تعالت مبتعدة بسرعة، ما إن أنهت المكالمة..
  فتحت الباب بحرص، وطوفان وجيب قلبها يحطم ثباتها، لتجد من دخلت المصعد، وإنغلق على وجهها الحازم، لتشهق بقلق جاثم:
  ـ الدكتورة علياء مجدي..! بالتأكيد سمعتني، يا للمصيبة..!
  أسرعت تغلق باب المخزن -عهدتها- لتلحق بها، قبل وصولها لمكتب الدكتور غانم، وإخباره بما سمعته، لكنها سرعان ماتذكرت أن الدكتور غانم غائباً بالصعيد بالقافلة الطبية، ما إن وصلت لمكتبه المغلق..
  تنفست بكمد جرح رئتيها، واضعه يدها على صدرها تهدئ توتره، تلتقط أنفاساً بطعم الرهبة، أمسكت هاتفها مرة أخرى، لتخبر مراد بما حدث، ولتتحمل منه ما سيقول..
  المهم أن يتصرف مع تلك الطبيبة.. التي إن أفشت السر، ضاع مخططهم بالكامل..! لكنه وبعكس توقعاتها لهجومه عليها، لعدم إتخاذها الحذر بتحركاتها، ما إن أجابها حتى أدهشها بعذوبة صوته، ونبرته الحانية:
  ـ لا تقلقي ياحبيبتي، إعتبريها في خبركان، ستدفع ثمن تصنتها غالياً.. خذي حذرك في المرات القادمة..
  أغلق هاتفه، ووضعه على الطاولة المجاورة للفراش، الذي يتكئ إلى ظهره، ثم إلتفت بنظرات يملؤها الشغف، للفاتنة التي تجاوره مبتسمة بعشق محرم.. ليبادلها إبتسامة غرام مثيرة، غير عابئاً بخطيبته التي كانت تكلمه منذ ثوان، لينام نوماً هنئياً بين أحضانها، التي لا تحل له، قائلاً:
  ـ الحمقاء ستفسد كل ترتيبي..
* * *




نهاية الفصل الثاني
التالي
الفصل الثالث
يوم الأربعاء
إنتظروني
دمتم بود
فاتن شوقي
..
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  نوسة البهلول في الإثنين نوفمبر 19, 2018 10:52 pm

بالتوفيق ان شاء الله

نوسة البهلول
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 1
نقاط : 1
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 12/11/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في الأربعاء نوفمبر 21, 2018 1:48 pm

@نوسة البهلول كتب:بالتوفيق ان شاء الله
شكرا عالمتابعة يا نوسة تسلمي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثالث

مُساهمة  فاتن في الأربعاء نوفمبر 21, 2018 6:12 pm

الفصل الثالث
  صباح يوم جديد، أطل بنوره على مدينة سيدني الأسترالية، حيث وصل هاني لعمله بموعده، دخل لساحة الشركة الضخمة، والتي لايفصل فيها المكاتب التي لاسقف لها عن بعضها، سوى بالحواجز المعدنية القصيرة، ذات الإستطالات الزجاجية، ليكون كل مكتب مقابلاً للأخر..
  ثوانٍ.. ودخل جاسر، جلس على المكتب المقابل لهاني، مرت ساعة عمل ثقيلة على نفس هاني، علم خلالها أن الهانم مديرته، قد أرسلت من يتأكد من وجوده..!!
  ماهى إلا لحظات، واشتعلت مشادة كلامية حادة بالإنجليزية التي يجيدها الجميع هنا، بين هاني وجاسر، إختلافاً على أوراق عمل تأخر تسليمها بموعدها، إنفعل جاسر بثورة:
  - هل تتهمني بالكذب ياهاني.. أنت ستتسبب برفدي، أين الورق!!
  إشرأب هاني بعنقه، ليقابل إنفعال جاسر بصراخ أحمق، أزعج من حولهما، ولفت إنتباه من بالمكاتب المجاورة:
  - حاشا لله أنت صادق وأمين، وأنا كاذب وسأضيع مستقبلك..! ألم أسلمك الورق منذ يومين يابني أدم.. بالتأكيد تمت سرقته من مكتبك لأنك مغفل..!!
  إنتفخت أوداج جاسر، لينقض على هاني يلكمه بقوة وغضب، في بادرة منه لم تحدث من قبل، لا بالعمل، ولا بينهما بشكل خاص، ليشتد بعدها التطاول بينهما باليد واللسان، دون مراعاة لقوانين ومكان العمل، ولا إحترام لقواعد الصداقة الطويلة بينهما..! وإمتلأت ساحة المكاتب بضجيج عراكهما، وصوتهما العالي..
  تحشرج صوت هاني بحزن عميق، وهو يدفعه بعيداً عنه، بعدما تجمع الزملاء يباعدون بينهما، ليقول بحزم صارم، إنعقد له حاجباه الكثيفان:
  - من هذة اللحظة، لاأريد أن أعرفك، لا كزميل عمل، ولا كصديق.. إنتهى الأمر بيننا للأبد، لا أريد حتى أن أراك صدفة..!!
  رد جاسر، وأمواج الغضب تتلاطم على صفحة وجهه البشوش، حيث طارت بشاشته، ليحل محلها عبوساً قمطريراً:
  - سيكون ذلك من دواعي سروري، فقد سقطت من حياتي كلها منذ لحظات..!!
  كتب هاني إستقالته، على مرأى ومسمع من الجميع، سلمها بإنفعال لأحد الزملاء اللبنانين، هاتفاً بالعربية:
  - أتمنى أن تخدمني خدمة أخيرة، قبل رحيلي من هنا، سلِم هذة الإستقالة للسيدة جوليا، وهاهي مفاتيح مكتبي به كافة الأوراق، إبحثوا فيها بتمهل بعد إنصرافي..
  إستأذن بعدها للدخول للحمام، ليختفي بعدها تماماً من مقر عمله، دون أن يشعر به أحد، أو يحاول أن يستوقفه..
* * *
  كانت علياء بالفعل بالطابق الرابع بالمشفى، لصرف مستحقاتها المادية، حين تباطأت مشيتها لتجيب رنين هاتفها، بما يفيد من إحدى مشرفات المدرسة، بأن إبنتها هدى قد نزفت كثيراً، وفقدت وعيها بإعياء تام..
  أسرعت تجري تحت قصف مدافع رعبها على إبنتها، وكأنها تفر من معركة ما خلفها، تدفعها دفعاً للحاق بها، بنفس اللحظة التي أنهت فيها غدير مكالمتها مع مراد، وإعتقدت أنها كانت تنصت لها..!
  ظلت علياء تتذكر لحظة إرتعابها على هدى هازة رأسها بإبتسامة طمأنينة، وهي تدخل إلى غرفة البنات ببيتها، حاملة كوباً من الحليب الساخن، المغلي به أعواد القرفة الخشبية، وضعته على الطاولة الدائرية، بين سريريّ إبنتيها، لتجلس بجوار هدى المنتفضة الجسد، تمسد لها ذراعها بحب:
  - إبنتك أصبحت عروس يامحسن.. كبرت الصغيرة سريعاً، لكنها نست أنني أخبرتها بأمر البلوغ هذا من قبل، حتى لا تفزع، وتفقد وعيها حين يحدث..
  شدت أنفها، لائمة لها:
  - أرعبتني عليكِ ياهدى..
  خفت حدة ألمها قليلاً، وهي تضغط قربة الماء المطاطية الساخنة، التي وضعتها لها علياء على بطنها منذ ساعة، معتذرة بصوت ضعيف:
 - أسفة ياماما، كنت ألعب ووقعت، ثم نزفت، فإعتقد الجميع أننى كسرت، ولم تتخيل المشرفة للحظة أنني سليمة..
   تمرغت بعدها بأحضان علياء الحانية، وظلت ترفع كتفيها بعدم رضا، وقد كبل الحرج كلماتها، فلم تجد المناسب لتقوله، فإستجمعت قواها الهشة، لتتحدث فيما يؤرقها بخفوت، مملسة على شعرها الناعم:
  - هل ماحدث اليوم، سيلزمني بإرتداء الحجاب هكذا سريعاً...!
  ترددت الكلمات بزوايا قلب علياء، تحاول ترتيب رداً لايُنفر إبنتها من الأمر، الذي يثير قلقها أصلاً، طافت بعقلها جميع الإجابات، التي قرأتها قبلاً بكتب التربية، لكنها تسربت سريعاً ليصرخ بها صوتاً داخلياً يعنفها، أين ذهبت الكلمااااات..؟ أجيبيهاااا..!
  إستجمعت مشاعر مكتنزة بالثبات والعزيمة، لتجيب بإبتسامة أشرق لها وجهها، وهي تضغط إطار نظارتها الأحمر، بين عينيها:
  - كل ماعليكِ فهمه، أنك من اليوم أصبحتِ مكلفة بالطاعة، وستحاسبين على أعمالك، وبدأ ملء صحيفتكِ..
  ترددت الكلمات بحلق هدى، قبل أن تقول:
  - أعلم، فقد شرحتِ ذلك سابقاً، أنا أتحدث عن الحجاب، هل سأختنق به من الأن..؟؟
  إعتدلت علياء تناولها كوب الحليب لتشربه، ثم قالت بلامبالاة مقصودة:
  - الحجاب هذا لايخنق سوى من ترتديه دون أن تفهم السبب، لكن ما إن تعلم أنها تلبسه إستجابة لأمر الله لها بالستر، يصبح تاجاً على رأسها، ألا تحبين أن تكوني من المستورات في الدنيا والأخرة..؟؟ وعلى راحتك يادودي، إملأي صحيفتك بماشئتِ، أنتِ من ستختار.. إما أن تزخر بالمعاصي، أو تفعم وتضج بالطاعات، لن يختار لكِ أحد طريقك، لأن لا أحد سيدفع فاتورة إختيارك غيركِ..
  إندست هدى تختفي بخيبة أمل بالغة، بين أحضان علياء، التي تلقتها بحب وقبلات مشجعة، تدعمها في إتخاذ قرارها بنفسها، بلمسات تفيض حناناً ورقة، لتخبرها ببعض التخابث، علها تهتدي للأمر بنفسها، بلا ضغط:
  - الأمر ليس إلزامي كما تعتقدي.. الأمر إختياري بحت، أنتِ من سيقرر، أنت من ستختار.. وأتمنى أن يرشدك الله للصواب، ويمنحك قدراً وفيراً من إسمك ياهدى..
  شربت هدى عدة رشفات من مشروبها الساخن ببطء، وهي شاردة بين أحضان والدتها القوية، نعم... هي تراها حِصنها القوي، وسندها المنيع، الذي تستقوي به في حياتها، إعتقدت أنها ستجبرها على الحجاب، فأعدت العدة لنقاش حامي، تخرج منه منتصرة لكن ذلك لم يحدث.. بل رمت أمها كرة التفكير، بملعب إختيارها هي!
  لم تشعرا بوقوف ندى بجوار الباب، وهي تراقب تعبيرات علياء، بغيرة تملكتها من إحتوائها الزائد لهدى، وأصابت مآقيها بفيضان الدمع..
  لم تتحمل مايحدث، فدخلت عليهما فجأة، تدفع الباب الموارب، تعتصر بيدها حقيبة هدايا ورقية:
  - وأنا، أين نصيبي من كل هذا الحب!.. تحضرين مبارة التنس لهدى فقط، تتركين عملك مخصوص من أجل خاطر هدى فقط، وتحتضنيها منذ ساعة وربع وحدها، وكأنكِ لم تنجبي إلا هدى فقط!..
  قالت كلماتها، وأجهشت بالبكاء الحار، المصاحب لنهنهات عالية، تشي بوجع يعذبها، جزعت علياء لمرأى إبنتها على هذة الشاكلة المكلومة، فذهبت إليها تحتضنها بقوة، تبثها طمأنينة إفتقدتها، مستفهمة:
  - أنتِ حبيبتي ياندى، أنا أحبكم كلكم بنفس القدر، كوني واثقة بي..
  كورت ندى أصابع قدميها في حالة إنكماش، وظلت صامتة بين أحضان علياء، لم ترد سوى بنشيج متألم، تنتفض بسببه داخلياً بعنف، فسألتها علياء:
  - لِمَ كل ذلك، ماالذي حدث بالضبط..؟؟
  هدأت قليلاً، بعدما ربتت علياء على ظهرها بحنان، لتقول بصوت متقطع:
  - ألم نولد بنفس التوقيت، لماذا سبقتني هي بالبلوغ..؟
  تنهدت علياء براحة، بعدما تفهمت الأمر، ثم جلست أرضاً على بساط الغرفة الزغبي البني..
  أجلست ندى بأحضانها، لتحكي لها مبتسمة:
  - أقدارنا مختلفة، حتى لو ولدنا بنفس اللحظة، أمي وخالي كانا توأم أيضاً، لكن أمي لم تنجب غيري، وخالي أنجب خمسة أولاد.. لم يتزوجا بنفس الوقت، ولم يتوفيا بنفس السنة..!
  مسحت ندى دموعها الغزيرة، بظاهر كفها الرقيق، ثم رمقت هدى بتحدي:
  - أريد أن أرتدي الحجاب.. كتدريب، حتى أتعود عليه قبل أن يكون تكليف..
  إنفرجت أسارير علياء بفرحة تشعبت بين أوردتها، تشق عباب دمائها بسعادة إرتسمت على ملامحها فزادتها إشراقاً:
  - غداً.. سيكون لديك أجمل تشكيلة أوشحة، بألوان الربيع الجميلة.. ما رأيك؟
  إلتهبت نار الغيرة بقلب هدى التي تركتها بالسرير، فهاهى ندى أتت بكل بساطة، وسحبت بساط الثقة من تحتها، لتتوشح بإحتواء علياء، علياء ستثق بها أكثر، وستحبها أكثر...!
  علا صوتها فجأة بغيظ بالغ، وتأوه مصطنع:
  - اااااه.. ماما، إلحقي إبنتك.. ظهري مازال يؤلمني جداً..
  فهمت علياء من نبرة صوتها أنها مصطنعة، فأشارت لها بالتدثر جيداً.. وأمسكت حقيبة الهدايا التي تقبض عليها ندى بتملك، تسألها:
  - لمن هذة الهدية..؟؟
  ردت ندى ببساطة، هازة كتفيها، تدلك جفنها الندي بباطن أصابعها:
  - إسدالات جديدة للصلاة، هدية من جدي..
  أخرجت علياء الإسدالات القطنية، فقامت هدى من مكانها، رغم تعبها المؤكد، وتأوهها المصطنع، تأخذ إسدالها ترتديه بسرعة..
  تحركت به بدلال وسعادة، ثم توقفت فجأة أمام ندى التي إرتدت إسدالها بدورها، تتصدى بنارية موجهه كلامها لأمها، برغم تركيزها بعينيّ توأمتها، ترشقها بسهام النزال العتيد:
 - ولماذا فضلّ جدي أن يمنح الهدية لندى..
  أجابتها ندى، وقد قبلت التحدي:
 - كنت أتناول البسبوسة بالقشدة مع جدتي، فسلمني الهدية بعدما سأل عليك، وعلم أنك ملازمة الفراش..
  - هذا معناه أن جدتي أيضاً فضلتك عني، ولم ترسل لي نصيبي من البسبوسة..!
  - أنتِ إستحوذتِ على أحضان ماما بمفردك، ولم أتكلم..
  - ماما كانت تجلس بجواري، لأنني أحتاجها..!
  - وأنا.. أليس من حقي أن تجلس بجواري..! لماذا لا تفهمون أنني أيضاً أحتاج لها..
  كانت علياء ترقب حوار التراشق ذلك بحذر متيقظ، خشية تطوره لإعتداء غبي من أي نوع، فإختارت أن تنهيه بنفسها، مفتعلة الإغماء على السرير بطريقة مضحكة، لايصدقها طفل لم تبزغ أسنانه بعد.. صارخة بطريقة تمثيلية، غير إحترافية بالمرة:
  - كفى.. بناتي تحتدان على بعض أمامي ياناس، ياخسارة تعبك وتربيتك يا علياء، سأموت منقوطة يا ناس..
  لينتهى التحدي في ثوان، وتهرع الإبنتان تتعرقلان بالإسدال الطويل، تقهقهان بعفوية على أدائها المضحك، تجذبانها من ذراعيها، لترخي نفسها أكثر مفتعلة الإغماء، فيقعان فوقها، تتقافز ضحكاتهن، ناثرة وهج حيويتهن المفعمة بالشقاوة والمرح على قلب علياء، التي فقدت شريك حياتها سريعاً، قبل أن يساعدها بتربيتهم، ليتسلل إليها همس داخلي يعينها على تحمل مسئولياتها:
  - إصبري عليهم ياعلياء.. عيشي طفولتلك معهم من جديد، تحملي دلالهم وعصبيتهم، فهم مثلك تماماً ياعلياء.. أيتام..!
 لا تعلم المسكينة ماينتظرها بالفعل من مراد.. فقد تحتاج وقتها لقدرة فائقة على التحمل.. لتستطيع تخطي آلامها وقتئذٍ..
* * *
  دخلت حنين مطبخ والدتها، مرتدية بنطالاً مطاطياً ضيقاً أحمر اللون، تعلوه سترة قطنية رمادية، رافعة شعرها في كعكة عالية، لتجد نشوى تغسل أخر كوب بحوض الغسيل، ثم تمسح الطاولة الرخامية بمنشفة جافة نظيفة، غسلتها وعلقتها على مشجب بلاستيكي، على الحائط المجاور..
  لاحظت نشوى وقوف حنين الصامت خلفها، فسألتها، دون إلتفات:
  - هل أنتِ جائعة ياحنون..؟  
  تطلعت حنين لملابس نشوى، المطابقة لما ترتديه هي:
  - أرتديت نفس الطقم..
  إلتفتت إليها نشوى تستحسن طلتها الرقيقة، قائلة ببشاشة، تُشبع رغبتها في سماع كلمات محببة لنفسها، لتشعرها بالأفضلية:
  - حبيبة ماما الجميلة، وأخيراً إرتدينا نفس الثياب كما تمنيتِ، ها هل هناك أوامر أخرى...؟؟
  تحركت حنين ترفع ذراعها لأعلى كراقصة باليه، تدور حول نفسها بفرحة، وإبتسامتها تتوسع بمرح طفولي:
  - أريد فستان منفوش، تتطاير تنورته حول ساقي ما إن أدور هكذا، كسندريلا..
  أطلقت نشوى ضحكتها الصافية عالية، لتقول بنبرة ساخرة، لاتخلُ من المرح:
  - أُطلبيه من بابا ياروحي، فقد نفذت نقودي..
  إبتلعت حنين بهجتها بماء بارد صُب بجوفها، فإختض له جسدها النحيف، فما قالته نشوى معناه أنها لن تحصل عليه أبداً، ترقرقت عيناها سريعاً بدمع عتاب طويل، أجبر إبتسامة نشوى على التلاشي، لتقف أمامها على ركبتيها، مستفهمة:
  - ماذا حدث ياحزينة.. أين إختفت فرحتك..؟  
  ردت حنين بحنق وعنف مفاجئ، وقد تحولت ملامحها الملائكية، إلى مايشبه ملامح قطط الأزقة وقت عراكها:
 - طلبته منه ثلاث مرات، ولم أطلبه منك إلا بعد أن فقدت فيه الأمل، مع أن صديقتي نسمة، والدها إشترى لها فستاناً مثله، نظير درجاتها النهائية..
  دبدبت بقدميها بإعتراض شديد، ممزوج بكبرياء تملؤه البراءة:
  - إنه حتى لايهتم لدرجاتي الشهرية، حتى يكافئني عليها، ألست مازلت إبنته أم أنه طلقني أنا الأخرى، لماذا لايحبني مثل والد نسمة.. لماذاااا...؟
  قبضة من جليد إعتصرت قلب نشوى، وكست ملامحها سحابة حزن مظلمة، كادت أن تُسقط أمطار عينيها بغزارة، إلا أنها إبتلعت غصة مؤلمة بإباء صارخ، لتستقيم واقفة، حاملة إبنتها كطفل مولود على كامل ذراعيها تدور بها، وتقبلها واعدة إياها:
  - سأعوضك ياحنين والله.. مارأيك أن...  
  قاطعهم فجأة صوت جرس الباب، مصاحباً لطرق عنيف معروف لكليهما، فأنزلتها نشوى لتجري وتفتح، ونشوى تقف عند إطار باب المطبخ، المقابل لباب الشقة قائلة:
  - أخوك المبجل، نسى مفتاحه للمرة الألف..
  دخل حازم من الباب، محدثاً جلبة عالية، يخلع حذائه الرياضي بإهمال، ويقذفه بحماقة داخل دولاب الأحذية، تحت أنظار والدته المستاءة، رامياً حقيبة ظهره الرياضية أرضاً..
  خلع جوربه الأبيض، الذي إحتال للون الرمادي من طول مدة إرتدائه، ثم وقف أخيراً بقامته الطويلة، ناظراً بعينيه الملونتين لنشوى، مطلقاً كلماته بعنف كقذائف حرب، بطريقة تكن عن هدير مشاعره العنيف بداخل قلبه المتضخم غضباً، وثورة:
  - لماذا أضطر لأن أسمع بأذنى أنكِ تطلقتي من أجل رجل أخر تحبيه!.. وطبعاً أتعارك مع هؤلاء الحمقى، لأجدهم وسط الشجار يلقبونى بإبن المطلقة..! وكأنها سُبه..!
  حالة حازم كانت على هذة الشاكلة، طيلة الأشهر الماضية، يُحملها ذنباً لم ترتكبه، أقطع يدي ياحازم، إن لم يكن والدك هو من سمم أفكارك بهذا الكلام المجحف..
  رمقته بنظرة هدوء ثابتة تُحسد عليها، ثم أجابته بسكينة مصدرها إقتناعها التام بأن طلاقها هذا، كان من أسعد قرارات حياتها:
  - بعدما تتحمم، يمكننا أن نجلس لنتكلم سوياً، فربما إستطعت بناء ثقتك بنفسك وبأمك، لتصبح يوماً ما.. رجلاً سوياً.. لايهتز من مجرد كلمات كاذبة، تتناقلها الألسن برغم زيفها، حتى لاتتحول لنسخة من شخص غبي أهوج يخسر حياته، قبل أن يتأكد من الحقيقة..
  تركته راحلة لغرفتها، ناقمة على تصرفاته التي تطابق تصرفات والده تماماً، ألا يكفي أنه نسخة مصغرة منه في طريقة الكلام، والملامح، ولون العينين، لتراه بهذا التماثل في التصرفات أيضاً..!
 شعرت أن سليم لم يرحل عنها تماماً، بل ترك لها نسخة منه، صوت وصورة..!! وهذا هو العذاب بعينه.. أن تجد من تحب، على شاكلة من تكره...!!
* * *
  إرتدت عبير ملابسها، إستعداداً للنزول للمتجر المجاور، حيث تؤجر به مربع صغير، تقيم عليه قوائم خشبية، لعرض مستلزمات الهدايا، وبعض القطع الديكورية، تقضى فيه معظم وقتها..
  ملقية خلف ظهرها شهادة الحقوق، بتقدير جيد جداً، بعدما إستقالت ثلاث مرات، من عدة مكاتب محاماه، فشلاً فى أن تنتصر للعدالة، من قسوة إلتواء الأساليب الغير شرعية المتبعة..
  مشطت أهدابها الطويلة بالسائل الأسود، لفت حجابها الأحمر حول وجهها الخمري، وخرجت لوالدتها، التي تجلس بالصالة الواسعة، تتناول الفطور أمام التلفاز، رأتها أمال فأشارت لها مبتسمة، وهي تضع شريحة طماطم بفمها:
  - تعالي إفطري ياعبير، ولاتتأخري عن الثالثة عصراً، لتتمكني من الإستعداد لمقابلة العريس الذي سيأتي الليلة..
  جلست عبير جوارها، ملتقطة شطرة خبز، وضعت بداخها قرصين طعمية بالسمسم، وشريحتيّ طماطم، قضمته بغيظ، ممسكة بكوب الشاي، يساعدها بإبتلاع لقيماتها وغيظها معاً:    
  - سأتأخر اليوم خصيصاً، حتى لا أقابل هذا السمج..!
  إستأنفت أمال كلامها، وكأنها لم تسمعها، مرتشفة من كوب الشاي الساخن، عدة رشفات قائلة بتحايل:
  - من أجل أمك، لاتحرجيني مع والدك.. ومن أجل ربك، لاترفسين النعمة قبل رؤيتها..
  زفرت عبير بضيق، وهي تقضم شطيرتها بإستشاطة، كادت أن تفتك بصبرها:
  - نعمة..!! ضابظ بمباحث الأداب، لايتعامل سوى مع الساقطات، ولايتلفظ إلا بسوء الكلام، تسميه نعمة..! وأهم شئ في مواصفات العروس، أن يكون شعرها طويل، وطبيخها ممتاز... ياسلام... يثير شفقتي جداً على فكرة، إن تزوجته سأقص شعري كالولد، وأطبخ له العلقم نكاية به، وبكل الرجال..
  ربتت أمال على ركبتها، تستعطفها بترجي:  
  - قابليه ثم إرفضيه إن أردت، سيضربني والدك إن لم تحضري، أرجوك ياعبير، اعطه واعطي نفسك فرصة، لأجلي أنا..
  زمجرت عبير بعصبية من ضغط والدتها، وبداخلها يموج إستياء نافر من الموقف كله، فإبتلعت لقمتها الأخيرة، وأنهت فطورها بأخر رشفة شاي:
  - أنا أخبرتك برفضي له عندما طلب موعداً، ولولا تدخل والدي العزيز بالأمر، لما كان سيحضر الليلة، ولا أية ليلة، أنا مغتاظة منكِ ياماما.. أنتِ لم تحترمي رأيي، وأسرعتِ تخبري بابا، ليتمم المقابلة..
  وعلى السيرة، إتصل والدها بأمها، يخبرها بعزيمته للعريس وأمه على الغداء، يخبرها بقدومهم في وقت أبكر من موعدهم.. آمراً أمال بمنع عبير من النزول أصلاً..
  تسمرت عبير مكانها، محدقة بعقارب الساعة التي تشير للحادية عشر صباحاً، لتعاتب أمال بعينيها، المتأججتان غيظاً:
  - ليتني نزلت ولم أتناول الفطور، سامحك الله ياأمال..
  أجابتها أمال، بعدما أنهت المكالمة بإنصياع:    
  - ادخلي غرفتك لتستعدي، لحين تحضيري للطعام.. أبوكِ يشدد على ضرورة الموافقة عليه، من روعة شخصيته وهيبته، وأنا أترجاكِ أن تقبلي من أجل سنك الـ..
  قطعت أمال جملتها مبتلعة مرارتها، لتتركها وتذهب للمطبخ، وقد ترقرقت العبرات بعينيها، ولو بيدها.. لقبّلت قدم عبير لتوافق، من أجل  فقط أن تراها بفستان زفافها قبل أن تموت..
  وقفت عبير شاردة بكلمات والدتها المقتطفة، والتي أكملتها نيابة عنها، وكأنها مازالت واقفة، تحدثها بوجوم:
  - قوليها يا أمي.. ذكريني بسني الذي تعدى فترة الصلاحية كما يرى الجميع، ذكريني أيضاً بأنه لم يتقدم لي عريساً منذ عام ونصف وثلاث أسابيع، أخبريني مرة عاشرة، بصعوبة قبول أي شخص لي، بسبب عمري الذي شاب، وفرصي بالحياة التي إنتهت، حفظت كلامك..!
  زفرت عبير بعمق، ناظرة لباب الشقة، الذي يمكنها الخروج منه حالاً، وتضرب بأوامر الجميع عرض الحائط، لكنها ترفقت بكتفيّ والدتها، حيث تتلقى لكمات والدها إن أخطأت، حتى الأن..!!
  دخلت لغرفتها، تتمتم برفض صارخ:
  - لاأحد يعلم أنني ممكن أن أقتل نفسي، كي لا أتزوج ذلك الشخص، لمجرد أنه يعجب أبي..!
* * *
  جلست علياء على الأريكة المقابلة للتلفاز، تقلب القنوات دون هدف، إبتسمت إبتسامة خاوية، وهي تشاهد إحدى لقطات حفل زفاف بفيلم معروض، من حقبة التسعينات.. إبتسمت لتشابُه طراز ثوب زفاف البطلة بثوب زفافها..
  فإنسحبت سريعاً في دوامة ذكريات بعيدة، نقلتها من شاطئ واقعها، لزمن أحداث الفيلم الذي لاتراه الأن، بفعل الأصوات التي بدأت تستعيدها..
  أصوات ألم، بمشفى عام، مكتظة بالمرضى، مختلطة بصراخ من تقف هناك، لأنها فقدت أحدهم، وصوت بوق سيارة إسعاف، يدّوي في أذنها من جديد!
  تمشي برواق المشفى القديم المتهالك، بتلك البلدة القروية البسيطة، بثياب المدرسة الكحلي، بعدما خرجت من إمتحان أخر مادة بالثانوية العامة، تحتضن كتاباً، أنسها طويلاً ليلة أمس وقت الإستذكار، ترقد ضفيرتها القصيرة على كتفها النحيف..
 دخلت إحدى الغرف، لترى أجمل الوجوه على الإطلاق، وجه أمها المبتسم رغم الألم، إرتمت بأحضانها على ذلك السرير الحديدي الضيق، تخبرها بكل فخر، أنها أجابت كل الأسئلة بإمتياز، تطمئنها أنها ستدخل كلية الطب، وستصبح ناجحة بعملها، تعدها بمستقبل أفضل، سيعيشاه معاً، بعدما تخرج والدتها من هنا سريعاً متعافية..
  هاهو قد أتى.. الدكتور محسن علام، الذي يعالج الوالدة، بملامحه الجدية، وشخصيته الصارمة، وصوته الرخيم، يتحدث بأدب ورحمة، يبتسم برزانة تدعمها نظارة طبية، يرفعها أحياناً على شعر رأسه فاتح اللون، يتابع الحالات دون ثرثرة..
  تكررت رؤيته لعلياء بثياب المدرسة مرة، ونائمة بجوار والدتها محتضنة كتبها مرة، أشفق عليها عند علمه بيتمها، منذ أن كانت في الثانية من عمرها.. لكن إشفاقه تحول لجزع صارخ، عندما توفت والدتها..
  - أين ستذهبين ياعلياء..؟؟
  - سأذهب لبيت خالي إنه توأم أمي، بالتأكيد سيعاملني كواحدة من أولاده الخمسة..
  لكن الحياة ليست وردية مثلما تعتقد، فلم يتحمل عبئها، سوى أسبوعين فقط، لتطردها زوجة خالها، أثناء ذهابه لعمله كعامل بناء، طردتها لضيق العيش، وضيق المكان، وقلة الحيلة!..
  أين تذهب تلك التي تود الإلتحاق بالجامعة، صحيح أن مجموعها إستطاع منحها مكان بكلية طب الأسنان بالقاهرة، لكن الحياة لم تمنحها حتى ثمن تذكرة السفر إلى هناك..
  فكيف بحياة جامعية كاملة، لمدة خمس سنوات.. من أين لها.. من أين..!!
  ظلت تبكي وهي تمشي بشارع البلدة، ترى نفسها مكان البائعات المتجولات، وعمال النظافة، وبعض الشحاذين وتستشعر ضياع تام لمستقبل مظلم..! إنها حتى لاتملك مأوى، بعدما سلمت الشقة المؤجرة لأصحابها بعد وفاة أمها..!!
  جلست على الرصيف، بعدما أنهكها البكاء والسير لمسافات طويلة دون وعي، لتجد نفسها أمام المشفى العام.. لا تعلم لماذا قفز لذهنها صورة طبيب والدتها، رجل محترم، سيساعدها بالتأكيد، لكنه لايأت إلى بلدتها سوى يومين فقط بالأسبوع.. هل هو هنا اليوم..؟؟
  وجدته..!! بحثت عنه ووجدته.. وتعلقت بوجوده كطوق نجاتها، قصت له معاناتها، فرقَ قلبه إشفاقاً لحالها الرث، ليخبرها بجديته المعتادة:
  - أمي تملك ملجأ للأيتام بالقاهرة، يمكنني إلحاقك بها، ستجدين مأوى، وستساعدك على دخول الجامعة، ستكونين بأمان.. وسط عائلة ستحبك..
  أجابته دون تفكير بوجهها البرئ، تُكفكف دموعها البائسة بفرحة، داعية له بالستر:
  - أنا أثق بك، سأذهب معك، سأكون مطيعة، ولن أسبب لأحد المتاعب، سترك الله في الدنيا والأخرة، وجعلك نصيراً للمظلومين..
  جلست بعدها على حافة مقعد مستطيل خشبي برواق المشفى.. تنتظره لحين إنتهاء عمله، شحوب وجهها لم يكن طبيعياً، ظلت تجعد تنورتها البالية بيدها المرتعشة، تساوى خصلات نافرة من ضفيرة لم تحلها أوتمشطها منذ ثلاثة أيام..! تحمل بين طيات قلبها المكلوم آلام معقدة، تجعل أحلامها تتقاعس خلف وجع بطنها الممتغصة، نتيجة حرمانها من الطعام منذ البارحة..! فأولاد خالها أولى كما قالت لها زوجته..!
  مرت الأيام بعدها سريعة، ماما سميحة كانت أم للجميع بلا إستثناء، هي لا تعلم حقاً كيف تمتلك تلك السيدة الراقية، كل هذا الحنان الذي يسع الجميع، لكنها كانت مميزة..
  نشيطة، متفوقة، وديعة، راضية، لاتجلب المشاكل، إهتم بها محسن علام، وكان دائم السؤال عنها، مجرد إهتمام إنساني، لايمت بصلة لإهتمام رجل بأنثى، لكنه وبدون مقدمات.. رأى فيها زوجة صالحة، وطلبها من سميحة للزواج، إعترضت سميحة بجنون.. لا يصح، نحن لا نعلم عنها شئ، ثم إنها طفلة، سيراها الجميع إبنتك، لماذا هي.. فرق السن يزيد عن ثلاثة عشر عاماً..
  لكنه وقف جوارها بعد عدة أيام، بحلة الزفاف السوداء بإستوديو التصوير، وإرتدت هي فستانها الأبيض، قبل أن يبدأ عامها الجامعي الأول بأسبوع واحد..!
  رحلت لشقة الزوجية، تاركة الملجأ بعد أقل من شهر واحد، لتنعم بحياة جديدة تماماً، وسط عائلة أحبتها سريعاً، لأنها أنجبت لهم حفيدهم الأول بعد تسعة أشهر فقط، وأصبحت ماما..!!  
  - مامااا.. مامااا.. إلحقيني يا مامااا..
  إنقطع صوت ذكرياتها، عائدة لواقعها من جديد، منتبهة لصوت صراخ هدى اللاهث:
  - ندى كانت تلعب لعبة الكترونية في هاتفها، ثم زاغت عيناها وصرخت بألم بصدغها وعينيها، ثم وقعت على الأرض فاقدة الوعى..  
* * *
  تجلس عبير متصنعة الإبتسامة، لاتنظر لذلك الشخص، الذي يجلس بأريحية تضايقها، واضعاً ساقاً فوق أخرى بخيلاء كمن يعتاد المكان، رافعاً رأسه.. جرئ النظرات، جرئ جداً الحقيقة.. تشعر بأنه لديه تصريح بالتملق بها، وكأن الأمر قد تم، ولم يتبق سوى تحديد موعد الزفاف.. هل عقد والدها قرانها عليه قبل أن يأتي، دون إذنها، كما فعل مع أختيها..!!
  - عبير..!!  
  وبرغم كل شئ، فصوته الثابت الذي ناداها حالاً، أرسل لقلبها ذبذبات رهبة، إختلطت بالقلق اللذيذ.. لا.. لا، ما الذيذ في الأمر، رائحة عطرة القوية تخترق أنفها فتشعرها بدوار لذيذ.. لا.. لا، لا يوجد ماهو لذيذ بالموضوع.. ناداها مرة أخرى، بصوت رجولي أقوى، فرفعت له عينيها، المظللة بأهدابها الطويلة، في دهشة من نبرته المهيمنة، قائلة بتساؤل مغتاظ:
  - نعم..!!
  - أنعم الله عليك بي قريباً.. الساعة أصبحت السابعة وأريد أن أستأذن، فنحن هنا منذ ساعات، ولم تتكلمي معي كلمة واحدة، عائلة طيبة، شهادة عالية، سن مناسب، أنوثة طاغية سأتعرف إليها لاحقاً.. إختصاراً أنت تناسبيني، وأنا اتخذت قراري هذة المرة بالعقل والمنطق، ولاأحب المماطلة، مارأيك هل يناسبك نهاية الأسبوع..؟؟
  نظرت لأسفل تتلفع رداء العروس الخجول، بينما تعصف بها عاصفة نارية، تؤجج مشاعر المقت بداخلها، كيف يتحدث عن أنوثتها التي سيتعرف عليها بهذا الإسترخاء الواثق المغرور..! وماالذي يناسبها نهاية الأسبوع، موعد زفاف مثلاً..! يا له من واااهم..!
  تتساءل داخلياً عن تحليل جملة.. قراري هذة المرة التي قالها، إنه يؤكد لها أنه تقدم لخطبة الكثيرات، بالطبع يرتمين تحت أقدام حضوره الطاغي، حضرة الضابط الجرئ..! أم يقصد أنه خطب من قبل..! وما الذي يعنيك بالأمر ياعبير إن كان خاطباً أو متزوجاً حتى، فسترفضيه في كل الأحوال..!
  طال صمتها ونظرها للأسفل، هادئة الملامح، تخفي تقلباتها الجوية داخلياً فقط، لينادي عليها مجدداً بصوته الرخيم، الذي يسبب لها الدوار اللذيذ:
  - عبير..!! أنا لايعجبني هذا الصمت الرهيب، أنت محامية، مهنتك رأس مالها هو الكلام..
  رد عليه والدها الذي يتابع حركاتها بتوعد، منقذاً للموقف، يملأ فراغ ردها الصامت:
  - لاداعي لإحراجها أمامنا يا سيادة المقدم.. هي فقط ستستخير الله، وتجيبك بنفسها بعد ساعتين على الهاتف، وأنا أضمن لك النتيجة.. ناجح بإذن الله..
  إبتسمت بسماجة لمزاح والدها الغليظ على قلبها، ولسان حالها يصرخ ساخراً، دون صوت:
  -  تستخير الله..!! يا ولد يا مؤمن..!!
  فإلتقت عيناها بعينيه الناريتين، تهددانها بإلتزام واجب الضيافة، بالموافقة عليه قبل أن يرحل، كما أمرها قبل مجيئهما هو ووالدته.. هاهو يمنعها حق الإختيار كأختيها، ويغصبها على رجل دون إنتظار موافقتها..
  مال المقدم إلى الأمام قليلاً بهدوء إستفزها، ليركن مرفقيه لركبتيه ناظراً لها بتفحص، متمنياً أن ترفع له العنيدة عينيها مرة أخرى، قائلاً بصوت خافت رزين وكأن بينهما أسراراً:
  - وصفولي شعرك بأنه طويل كشلال الليل، حالك السواد كلون عيناك، وستائر أهدابك الفحمية، وأنا أتمنى رؤيته قبل المغادرة.. هل تسمحي لي.. فعقد القران، وموعد الزفاف شكليات ستتم خلال أيام..
  - أنت حقاً رائع..
  كادت أن تقولها له، فها هي تجد ضالتها حيث أضاء لها إشارة خضراء لعبور طريق رفضه دون مطبات، تود أن تقوم تأخذه بالأحضان لغبائه الشديد، وسوء تصرفه..!
  ودت لو صرخت بوجهه قائلة:
  - من أنت حتى أقوم وأخلع لك حجابي، الذي يسترني منذ عشرين عاماً، أيها الأبله..!
  لكن ما منعها من الكلام حقاً هو إندهاشها من تلك الذبذبات التي سرت بقلبها، لماذا أثار همسه بهذا القرب تلك القشعريرة بكيانها بتلك الطريقة... أووووف لماذا لا يبتعد قليلاً..؟؟
  أخيراً تحدثت والدة العريس، التي كانت تلتزم الصمت، إحتراماً لرغبة إبنها في ذلك، لكنها لم تستطع أن تلتزم للنهاية، أدخلت قصاصتها الذهبية المصبوغة داخل حجابها الأسود الملفوف بإتساع دون دبابيس، حول وجهها المتزين:
  - يريد أن يتأكد أنه حالك السواد، حتى بعدما تخطيت الخامسة والثلاثين..
  ماهذا..؟؟ هل سمعت همس إبنها..!! حسناً، هاهو قد حان الوقت لإنتهاز الفرص، وإنهاء هذة المهزلة، رفعت لها عينيها لتتحدث بمنتهى الفتور:
  - لاتقلقي ياخالتي أم أمجد، فالشعر الأبيض يتم صبغه، مثلما تفعلين أنت بشعرك الذهبي هذا، أم أنك تؤكدين سني على أسماعه فربما أعاد تفكيره..؟
  وكأن دلواً من الماء المثلج إنسكب على رأس والدة العريس، فإعتدلت في جلستها بإندهاش غاضب.. وهي ترفع سبابتها بالخاتم الذهبي الطويل، وبيد مكدسة بالأساور الذهبية العريضة إستنكرت:
  - أنا فريدة هانم اللوزي، يقال لي ياخالتي أم أمجد..! أنا بالفعل إعترضت على سنك، لكنه يراه مناسباً، لكن بعدما تطاولتي على لقبي فأنا أجدد إعتراضي.. كان عليك أن تخجلي من سنك.. لا أن تتحدثي بوقاحة عن شعيراتك البيضاء..!
  أدار أمجد عينيه لوالدته معاتباً بإبتسامة مقتضبة.. رافضاً سير الحديث بهذا الشكل، لكنه لم ينهرها بكلمة واحدة إحتراماً لها، هكذا رأت أمال الموقف من وجهة نظرها، وهي ترى أن إبنتها ستقلب الطاولة في وجه الجميع حالاً.. ككل مرة ياعبير، ككل مرة..!
  تنهدت عبير بثقة وراحة، ناظرة لفريدة بإنتصار، وقد وهبتها فرصة للتنصل من هذة الجلسة بإباء فائض:
  - معكِ حق فريدة هانم اللوزي، إعتراضك ذلك يصب في صالح إبنك.. أووو... أسفة أقصد سيادة المقدم، وأنا بالفعل أخجل من سني، نعم.. لذلك.. أنا أعتذر عن قلة ذوقي وأنني كنت دون المستوى.. بعد إذنكم..
  نهضت من مكانها بإعتزاز.. فنهض خلفها أمجد، يمسك رسغها مهدأ للموقف، فأفلتت منه ذراعها، بنظرات قططية شرسة هامسة بغضب:
  - حذار أن تلمس مالايخصك مرة أخرى..!  
  أودعها نظرات إعجاب دق لها قلبها رغماً عنها، فلطمته بنظرة مشتعلة بتمرد جامح، عزز إنبهاره بإبائها، لامحاً طيف شقاوة بعينيها المسحوبتين، ذات الأهداب الطويلة القاتلة..
  تركت جلستهم بالفعل، دخلت المطبخ تشرب كوب ماء، تبتلع به مر الكلام الذي علق بحلقها، هي لاتملك آلة تُوقف بها تقدُم عمرها، لتعايرها لوزة هانم تلك.. أو فريدة اللوزى أيا كانت..! فوالله لن تخرج إليهم مجدداً..
  ضربت سطح الطاولة الرخامية بغيظ مكتوم، وإحساس عميق يحثها، أن تدخل غرفتها تعتكف فيها لحين رحيلهم..
* * *
  هرولت علياء لغرفة بناتها، صائحة بندى لكنها لم تفق.. فحملتها برعب، وذهبت بها لغرفتها، وضعتها بسريرها، أخذت تفرك بأذنيها، وترش العطر بجوار أنفها، إلى أن تحركت ندى قليلاً متأوهة، ثم غابت مرة أخرى عن الوعي..
  تركتها لترتدي قميصاً طويلاً، لم تميز لونه ولا شكله وبنطال جينز، ولفت حجاب قطني حول رأسها دون دبابيس، تهرول بأطراف ترتجف جزعاً، وقلق ضاري ينهش قلبها..
  لتحمل ندى مسرعة نحو باب الشقة تصرخ بهدى، أن تفتح لها الباب، وتصرخ على صالح، أن يأتيها بمفاتيح السيارة وحقيبتها..
  صراخ وحركة غير طبيعية على السلم، سمعه محمود في الشقة المقابلة، فأسرع يفتح الباب بمنامته الرياضية الكحلية، ليجد صالح يغلق الباب، سأله سريعاً عما يحدث، فحكى له بكلمات مختصرة، لينادي هو على علياء بصوت عال، أن تنتظره ليقلهم للمشفى القريب..
  تابعتهم هيام بنظرات القلق، وهي تجرى خلف محمود قائلة:
  - أتحب أن أهاتف الحاج والحاجة لأخبرهم..؟
  رد محمود بإستغراب، ملتفتاً:
  - تهاتفيهم لماذا.. أين ذهبا في هذة الساعة..؟
  ردت بسرعة، وهي ترى علياء تقف باكية بجوار السيارة:
  - ذهبا لحضور حفل زفاف إبن صديق الحاج محمد..
  أجابها محمود، وهو يجري خارجاً يلحق بعلياء:
  -  لا.. لاداعى لإزعاجهما، لن نتأخر بإذن الله..
  نهشت الأفكار السلبية عقل علياء، وتكالبت عليها الظنون تتلاعب بأعصابها، وهي تقف تنتظر خروج ندى ومحمود من غرفة الكشف، أخيراً خرج محمود مع الطبيب فسمعته يسأله:    
  - هل أنت والدها..؟؟
  أجابه بأنه عمها، وهو متشنج الملامح من القلق، تتابعهما علياء بعينين إحمر بياضها من ذروة وساوسها، لتسمع الطبيب يوضح:
  - لديها كهرباء زيادة بالمخ، لكن الزيادة بسيطة الحمد لله.. أين والدتها..؟؟
  حوقلت علياء بصوت عال، ودموعها تشق طريقها السالك بإنهمار، وهو يطمئنها:
  - أختك بخير يا أنسة، أريد فقط أن أسأل والدها، أو والدتها، بعض الأسئلة الهامة..
  أولاهم محمود ظهره للحظات يُخفى إبتسامة منفلتة، إبتسامة قليلة الحياء.. إثر توقعه إنهيار سلمى.. لو كانت سمعت نعت الطبيب لعلياء، بأخت ندى وليس أمها.. لحظات وأد فيها إبتسامته الوقحة تلك، التي خرجت في غير موضعها، ليعود لطبيعته مرة أخرى، يستمع لسؤال الطبيب لعلياء:
  - هل أصابها تشنج من قبل..؟؟
  ردت علياء بالنفي، موضحة له قلقها المتزايد لأن والدتها كانت تعاني من نفس الأمر، ليومئ لها الطبيب بالفهم، مالئاً بعض المربعات الصغيرة بملف بيده، بعلامة صح وأخرى بخطأ، معدلاً وضع نظارته بسبابته:
  - في هذة الحالة وجب الإحتياط، بسبب العامل الوراثي، لكن إطمئني طالما ماحدث لها، لم يصاحبه إرتفاع في نسب ضربات القلب..
  إعتصرت علياء ذراع حقيبتها بألم، وهي تردد كلمة ضربات القلب عدة مرات بهلع، ليكمل الطبيب كلماته التحذيرية، قائلاً بحزم حتى لاتتهاون في تنفيذها:
  - أهم الإحتياطات، هي منع إستخدام الأجهزة الإلكترونية لأكثر من ساعة واحدة فقط طيلة اليوم، وفصل وإخراج أي جهاز كهربائي بغرفة نومها سواء تلفاز أوحاسوب، أومحمول..
  سكت قليلاً، وهو ينظر لهدى وصالح، اللذان وقفا بصمت شاجن، يتابعان تعليماته:
  - يفضل تقليل تناول مايحوي على الكافيين، شيكولاتة، كاكاو، وألا تتعرض لزيادة درجة حرارتها، خصوصاً أوقات نزلات البرد، وعدم إرهاقها بمجهود يقطع الأنفاس حفاظاً على نسبة الأكسجين الواصلة للمخ..
  خرج صالح من سبات صمته ليسأله بإهتمام:    
  - كيف ذلك، وهي تلعب سباحة ومرشحة لدخول بطولة..؟؟
  أعطاهم الطبيب ورقة أدوية، منبهاً بتحذير:
  - لتعيش بطريقة طبيعية، ستأخذ هذة الأدوية، وتتجنب ماقلته سالفاً.. لأن مضاعفات الأمر ليست بسيطة، يمكنكم الإطمئنان عليها والرحيل..
  في الطريق للمنزل، كان صالح يجاور عمه، يقرأ إحدى نشرات الدواء بإهتمام كما علّمته علياء، وإستعداداً لتنظيم أوقات أخذ الدواء كنوع من تحمل المسئولية التي ألقتها أمه على عاتقه، بينما تجلس علياء بالخلف، بين إبنتيها تحتضنهما بوجل.. وإحساس رهيب بالخوف عليهما يهز أوصالها، فيتركها هشة الروح، ضعيفة العزيمة..
  هتفت هدى مداعبة ندى، تمسد كفها بحب:
  - تسببتِ بضياع تجمعنا بأمسية الأثنين هذا الأسبوع، لايوجد حفل الليلة بسببكِ..
  إبتسمت ندى بإجهاد:
  - أسفة، سنعوضها الأسبوع القادم إن شاء الله..
  بينما كان محمود يقود سيارته، وقلبه في أشد حالات السعادة..!! سعيد بتلك الحالة الأسرية المتكاملة، التي إستعار إحساسها لمدة ساعتين مع أولاد علياء.. برغم شرود علياء في تلك المسئولية الثقيلة، الملقاه على عاتقها وحدها.. إلا أنه يراها لديها من يشغلها وتقلق عليه، ومن أجله.. محظوظة هي..!!
  إبتسم بحزن، وهو ينظر يساره عبر نافذة السيارة للحظات، ثم يعيد نظره أمامه من جديد، متمنياً أن تحن عليه سلمى، فربما رزقه الله بإبنة أو إثنتين، محمود يعشق البنات، ويتمنى أن يكون له أربعة، أربعة بنات، تنهد بشقاء ليهمس حالماً:
  - حلم جميل.. بعيد المنال..
* * *
  عبر هاني بوابة الدخول لميناء سيدني الجوي الذي يُسمى مطار(كنجس فورد سميث)الدولي، متصلاً بجاسر يوبخه:
  - مازالت رقبتي تؤلمني بغباء ياهمجي.. قبضتك الفولاذية عنيفة، أراهنك أنك لم تتعارك في شارع حيكم القديم، ولا مرة واحدة من قبل..
  أتاه صوت جاسر ضاحكاً بسخرية، يشوبها الحزن:
- سلمت أفكارك ياهاني.. فأنثى السلطعون لم تصدق أنني لا أعلم عنك شيئاً، إلا عندما أكد لها الجميع أنك تشاجرت معي، قبل رحيلك، منهياً صداقتنا..
 شرح له جاسر كيف تلبدت الشركة بغيامات الغضب عندما تقدم لها زميلهم بإستقالته، وأنها ترابط في منزله، تنتظر رجوعه، معتقدة أنه يناورها فقط وسيعود..!
  عبر هاني إحدى الكباري الهوائية، التي تربط المبنى الرئيسي، بالمبنى الواقع شمال غرب المطار، منهياً مكالمته مع جاسر، ذلك الصديق الضاحك، الذي سيشتاق إليه جداً.. أنهى إجراءاته، ثم صعد سلم الطائرة حزيناً، يودع مكاناً إحتل قلبه بإستحواذ قاسي.. يرفع قدمه بتثاقل، وكأنها تعانده في الرحيل..
  لكنه لابد أن يرحل، وإلا ظل سجين تلك البلدة للأبد إن لم ينفذ أوامر أنثى السلطعون.. الأن فقط صدّق حكاية ريمون.. زميلهم الذي سجنته العام الماضي، بقضية ملفقة..!
  لابد أنه سبقه بإيقاعها بغرام وسامته، رغماً عنه بالطبع، كما سبقه أيضاً في حماية شرفه، وإمتناعه عن مجاراتها في طلباتها الخاصة..! لكنه لم يفلح في إتقاء أذاها أبداً.. وهو لايريد أن يصير إلى ماصار إليه..
  جلس بمقعده بالطائرة، حاجباً عينيه عن الجميع، بقتامة عدسات نظارته، والتي تسللت من تحت عتمتها دمعة حنين خائنة، مسحها سريعاً.. حيث لا يعقل أن يحن للمكان قبل رحيله منه.. ما الذي فعلته به تلك البلدة ليعشقها هكذا..
لكنه سمح لقلبه فقط أن يبكي إن أراد، يبكي فراق مدينة غالية على قلبه كـ سيدني الساحرة، وصديق ضاحك كـ جاسر المشاكس..!
* * *
جلست سميحة بجوار زوجها، أمام إحدى الطاولات الدائرية الضخمة، التي تعج بها قاعة الحفلات الراقية ببذخ.. يشاركهما على نفس الطاولة زملاء زوجها.. أساتذة الجامعة وزوجاتهم، تعج القاعة بالفتيات، بنات الطبقة الراقية وأصحاب السمو..!!
  جالت سميحة بعينها، تبحث عن تلك الملامح التي يحبها هاني، ملامح رقيقة تشبه ملامح أسماء رحمها الله، علها تجد واحدة هنا أو هناك، والتي سيكون لها شرف الإنضمام لقائمة العرائس التي تعدها له، ليختار منهن من تناسبه، فور عودته لمصر..
  إنتبه لها محمد، فمال عليها يحدثها بصوت عال نسبياً، علها تسمعه، وسط ضجيج الأغاني الصادح، الذي يزلزل القاعة، من قوة وضخامة السماعات:
  - إهدأي قليلاً.. فمعظمهن عاريات الأكتاف، والساقين، لن تجدى مرادك هنا..
  أيدته بإيماءة مبتسمة، فأشرق وجهها تحت بريق الأضواء المتحركة هنا وهناك، دعمه تناقض لون حجابها الأسود الأملس، مع لون بشرتها:
  - أعلم طلبه جيداً، يريدها ملتزمة، ورقيقة الملامح مثل أسماء -رحمها الله- التي يحاول أن يتناساها دون جدوى، مازالت تسيطر على تفكيره وإختياراته..
  - إبني سيختار شريكة حياته بنفسه ياسميحة، لاتتعبي نفسك..
- إبني سيختار بنفسه يا محمد، كأمه التي إختارتك بمحض إرادتها..
  أمسكت الشوكة برقة، تقطع بها طولياً قطعة كيك، مغطاة بالشيكولاتة البيضاء، أكلتها وهي تنظر لزوجها بحب عميق:
  - أتذكر يوم أن إعترض عليك خالي، وأنت تجلس بصالون بيته، لأنك كنت متزوج من قبل، وتريد إبنة أخته البكر الرشيد، وأنا وقفت له بكل جرأة أقول له، لايهم.. أنا أريده..
  رمقها بعتاب مبتسم، يحثها على إمساك لسانها قليلاً عن الثرثرة، فسميحة لاتلبث أن تمسك أذن أحدهم، حتى تحشو أذنه بصخب حديثها اللامنقطع، حيث لمح زوجات زملائه اللائي يتابعن نظراتها الهائمة به بشغف يؤرقه..!
 فلم تبالي وأكملت بثرثرة:
 - النصيب غلاب يا محمد، النصيب غلاب يا حبيبي..
قالتها ثم قطعت جزء من الكيك مرة أخرى، وهي تعترض:
 - لكن لابد أن نسعى..
 كان محمد على حق، فإحدى السيدات الجالسات كانت تركز بحوارهما، وسمعته بوضوح، وتسألت بعفوية عن السبب الذي يجعلها توافق برجل سبق له الزواج من قبل، وهي كانت لا تزال صغيرة بالسن، لم يسبق لها الإرتباط، ولم يفتها القطار بعد..!!

* * *
نهاية الفصل الثالث
انتظروني
والفصل الرابع
يوم الأثنين في السادسة والنصف مساءاً
دمتم بود
فاتن شوقي
..
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الرابع

مُساهمة  فاتن في الإثنين نوفمبر 26, 2018 6:26 pm

الفصل الرابع
  إستيقظت علياء بتكاسل، تُطفئ المنبه بعتاب، تلومه على إيقاظها، ثم تتمم عملية النوم بثلاث دقائق إضافية.. وتزيح بعدها الغطاء القطني مشمشي اللون بذراع مجهد، لتقوم للحمام، متأرجحة بمشيتها كالبطريق..
  ظلت تبحث عن فرد خفها البيتي بلاجدوى، ثم إبتسمت متذكرة إغلاق صالح عليه درجه بالمفتاح، طرقت باب غرفته بإجهاد، ونادت عليه بصوت أنهكه التعب، لاتعلم لماذا تشعر اليوم بثقل حمل المسئولية على كاهلها..
  نادت على بناتها للحاق بموعد المدرسة، ودخلت المطبخ تجر خطوات متثاقلة بإعياء واضح، ترغم نفسها على الإبتسام، والإقتناع بأنها بخير.. مشاكل الأولاد لاتنتهي.. لكنني قوية وأجيد التحمل، سأجيد التعامل مع مراهقة صالح، وتعب ندى، وعِند هدى..
  أشعلت الموقد على قدر الحليب لتسخينه، شاردة بهمومها ووحدتها، تبحث عن صورة بذاكرتها لزوجها الراحل، تبثه ملامة غير مقصودة، خمس سنوات فقط..!! لم يعش معها سوى خمس سنوات فقط، ليمنحها أربعة ألقاب ويرحل... زوجة، أم، طبيبة، ثم أرملة..
  شهقت بصرخة عالية، بعدما لمست نار الموقد إبهامها بلحظة شرودها، وضعته بفمها، وإنهمرت في بكاء تدفق فجأة بغزارة..
  ربما.. تشعر بحاجتها لوالدها، الذي حكت أمها عن مقدار سخاء حبه لها، ومقدار كرمه برغم الفقر الشديد، والظروف الصعبة..!!
  ربما.. تشعر بحنين قاتل لأمها الحبيبة، التي أفنت عمرها لأجلها رغم مرضها..!!
  ربما.. تشتاق لزوجاً برغم شخصيته الصارمة، وجمود مشاعره، إلا أنه كان سنداً، منحها كل الدعم النفسي، والمادي، والإجتماعي، لتصبح ماهي عليه الأن..
  ـ ماما.. صباح الخير للمرة الرابعة..
  إلتفتت بدموع الذكريات التائهة، لتواجه صالح بزيه المدرسي، قائلة بتعب:
  ـ صباح الخير ياحبيبي.. أُنظر أنا مرهقة جداً، حضر الشطائر بنفسك.. وصب الحليب لأخواتك لوسمحت..
  مسحت دموعها بعدما سألها صالح عن سببها دون أن تجيبه، وجلست على كرسي المطبخ المعدني، المرافق للطاولة الدائرية الصغيرة بمنتصف المطبخ، واضعة رأسها بين كفيها، تتوسل للصداع أن يتركها لحالها..
  دخلت هدى بوهج ثورتها تسأل بحدة، إنتشلت علياء من تشرد مشاعرها:
  ـ هل كلام صالح صحيح..؟؟ هل سنتوقف أنا وهو أيضاً عن التمارين، لنتساوى مع ندى التي منعها الطبيب من السباحة..؟؟
  دخلت ندى رافعة أنفها بإباء حزين، كفرس أسود أصيل إنهزم بسباقه الأخير، تملأ قارورتها بالماء، موجهه كلامها لعلياء:
  ـ صباح الخير ياماما، أنا سأرتدي الحجاب، والذي بالتأكيد سيتعارض مع سترة السباحة الملاصقة للجسم، وهذا يعني أنني كنت سأعتزل السباحة من نفسي وبإختياري أنا، وليس فقط بسبب تعليمات الطبيب، لذا لاداعي من توقف تمارين صالح وهدى من أجلي..
  أغلقت صنبور ماء الفلتر، وأحكمت غلق قارورتها، وإلتفتت تكلم هدى رافعة رأسها، لكن نبرتها منكسرة، أدركتها علياء فأوجعت قلبها:
  ـ أنا التي إخترت، وسأتحمل نتيجة إختياري، ولعلمك أنا لستُ مريضة، ماما أخبرتني أنني فقط أحتاج الإبتعاد قليلاً عن هاتفي المحمول..
  قالتها، وخرجت رافضة نظرات الإشفاق التي من الممكن أن تتلقاها من هدى، فأسرعت هدى خلفها، هرباً من نظرات التأنيب التي ستتعرض لها من علياء، ثوان، وحضرتا مرة أخرى بحقائب المدرسة، تناولتا الحليب بصمت، وأعطاهما صالح الشطائر التي تولى تحضيرها، ليسمع الجميع زمير حافلة المدرسة، ويسرعوا إليها..
  شردت علياء بذكرياتها المهلكة لطاقتها من جديد، لكن هذة المرة وهي تتدثر بغطاء سريرها الذي يقيها هواء المكيف البارد، لتغط بعدها في نوم عميق لايوحي إلابشدة إرهاقها.. ضاربة بموعد عملها عرض الحائط.. فليذهب العمل إلى الجحيم.. أنا متعبة اليوم..
* * *
  ـ عشر دقائق فقط، وسيتصل هاني..  
  قالتها سميحة، وهي تنسق وضع الثلاث وردات بالكأس، بجوار أطباق الإفطار كعادتها، جلس محمد إلى كرسيه، بعدما قبّلها بخدها كعادته، فإبتسمت له بإشراق، وقد رفعت شعرها القصير بني الصبغة بمشبكيّ شعر من جانبيّ أذنها، فبدت كعروس بالعشرينات من عمرها..
  شعرت بسحابة الحزن تظلل نظراته رغم إبتسامته، فسألته مربتة على كفه المجعد بحنان:
  ـ أما زلت تخاصم محمود، لإصراره على إتمام الصفقة..؟؟ إسمح لي يامحمد، فهو يحاول أن يصالحك يومياً دون أن تسامحه وهذا ظلم، مهما كان.. المزرعة مزرعته.. محمود ناضج كفايه ليتحمل مسئولية إختياره دعه وشأنه، أليس هذا كلامك..؟؟
  تنهد بأسى محركاً رأسه بنفي، تناول الخبز وغمسه بالعسل الأبيض، ثم إبتسم إبتسامة عريضة، تغضنت لها زوايا عينيه المتجعدة، بفعل الزمن والإرهاق:
  ـ رائحة ورداتك منعشة ياوردتي، ثلاث وردات، بعدد أبنائنا الثلاث.. أحسد نفسي على إمتلاك إمرأة رائعة مثلك ياسميحة، تترجاني أن أسامح إبني بعد إستخدامه أحد ممتلكاتها الخاصة بشكل خاطئ، لن يعود علينا إلا بالخسارة..!!
  أطعمته بفمه لقمة مغمسة بالجبن بالسمسم، أحد منتجات مصانع علام للألبان، بأمل التخفيف عنه مبتسمة:
  ـ ما إن كُتبت بإسمه، أصبحت ملكه يامحمد، كنت جادة بشأن تمليك المزارع الثلاث بإسم الثلاث أولاد، لم تعد من وقتها ممتلكاتي الخاصة..
  إبتلع اللقمة وأتبعها برشفة ماء، ثم أعرض عن تناول فطوره، وقد توقفت جبال الندم أمام عينيه، تسد عليه شهيته:
  ـ ليتني ماطاوعتك بهذا الشأن، ربما ماسيفعله محمود عقاباً لي على الموافقة بتوزيع مالك.
  كورت سميحة أصابع كفيها، وأطبقت على شفتيها نادمة على إثارة غضبه، لدرجة إعراضه عن الأكل، ساد الصمت المتوتر بينهما قليلاً، إلى أن قالت:
  ـ لدينا ثلاث مزارع ماشية، وعمارة مدينة نصر التي كنا نسكنها، بخلاف المؤسسة بمصانعها، وعقارات تصييف بالأسكندرية والغردقة.. محمود كان سيجن إن علم أنه لن يرث ذرة مما سبق..
  سكتت لحظة، تتابع تعبيرات وجه محمد، التي تقطر ندماً، ليرد بكلامه المعتاد الذي حفظته:
  ـ لديكِ، وليس لدينا.. كانت غلطتي من البداية، عندما سمحت لكِ بتغير إسم المؤسسة ووضع لقبي عليها، وأخطأت مرة أخرى، عندما وافقتك الرأي بعدم إخبار الأولاد أن كل الممتلكات تخصك أنتِ، وأنا فقط أديرها، وأخطأت مرة ثالثة، عندما قبلت أن تكتبي المزارع بأسماء الأولاد وقت خضوعي لعملية القلب المفتوح، كانت كلها إختيارات مفروضة، أخطأت عند قبولها..
  نظر إليها بأسف يخالطه عتاب حبيب، يعشق محبوبته:
  ـ وافقت فقط لأنني كنت أريده أن يكمل طريقي بعد وفاتي في الحفاظ على ممتلكاتك، بعدما يطمئن قلبه لإمتلاكه شئياً خاصاً بإسمه، خاصة إن علم أن كل شئ من حق هاني وحده..!
  عادت لتربت على كفه بمودة، في محاولة لإذابة جليد ندمه، القابع على عتب قلبه العليل:
  ـ والله أنا مقتنعة بما فعلت، تخيل مقدار جزعه وقتها، لو لاقدر الله خفقت عمليتك الجراحية، ليجد نفسه بعدها لايرث سوى نصيبه من هذة الفيلا التي يسكنها بالفعل، وبعض فتات النقود من راتبك الجامعي..
  سحب نفسه ليتكئ على ظهر كرسيه، يتطلع مبتسماً بشجن لبهو الفيلا.. الشئ الوحيد الذي يمتلكه وإشتراه بنقوده الخاصة بعد عمر طويل من التعب والإجتهاد في إدارة ممتلكات سميحة، حيث إنتقلوا إليها من عشر سنوات فقط، تاركين شقة زواجهم القديمة بكل محتوياتها وأثاثها، بعقار( مدينة نصر) الذي أيضاً تملكه سميحة..!
  تذكر يوم أن دخلت عليه سميحة بأوراق تمليك المزارع للأولاد، إعتقاداً منها أنها تطمئنه لعدم حدوث مشاكل بين محمود وهاني بعد وفاته، كما ظل يشكو إليها باكياً، طيلة الليلة السابقة ليوم إجراء عملية القلب، قائلة بحبور تطمئنه:
  ـ مزرعة لعلياء وأولادها عوضاً عن محسن، ومزرعة لمحمود، ومزرعة لهاني، هدية مني يامحمد..
  إحترمت صمته الشارد، ثم تناولت قطعة بسكويت بالقرفة تقضمها ببطء، وقالت تغير الموضوع، الذي أثار شجنه بزيادة:
  ـ مقادير البسكويت ناجحة هذة المرة، هل تذوقته يامحمد، هاني حبيبى يحب هذا الـ...
  هاني..!! نظرت لعقارب الساعة التي قاربت على التاسعة، ثم أمسكت هاتفها تتحقق منه، قائلة برعب حقيقي:
  ـ هاني لم يتصل بموعده!.. ماالذي حدث له ياترى..؟؟
  أجابها محمد، وقد إعتدل بجلسته يطمئنها، رغم القلق الذي تسلل إليه بدوره:
  ـ بالتأكيد مشغول ياسميحة لاتقلقي..
  إرتجفت كلماتها، وهي تبتلع ريقها بخوف:    
  ـ هو يحدثني بعدما يخرج من عمله يامحمد، الساعة لديه الأن السادسة مساءاً.. ماالذي منعه من الإتصال..؟؟
  خفق قلبها وهي تتصل برقمه عدة مرات دون رد، هاتفه مغلق، وهذا ماأرعبها أكثر، مسحت دموع القلق التي إنسابت دون إذن، وقد تدافعت الوساوس في إزدحام شديد على نافذة قلبها، تعرض عليها جميع السيناريوهات المؤلمة الحزينة، لتجد نفسها صارخة، وهي تقذف الهاتف:
  ـ لايرد يامحمد.. لايرد.. إبني الوحيد يارب، إحفظه لي يارب..
  كانت صرختها عالية، سمعتها هيام من المطبخ، فأسرعت إليها ذاهلة، طلب منها محمد أن تحضر لها كوباً من عصير الليمون لتهدأ، ثم وقف جوارها يحاوط كتفها بذراعه الحاني، محتضناً كفها بتدعيم، مقبلاً رأسها بقلق يعربد بأوصاله هو الأخر، لتهرول هيام عائدة لمطبخها بإيماءة سريعة، دون أن تفهم معنى الكلمات التي قالتها سميحة، متمتمة بعدم إستيعاب:
  ـ ماذا تقصد بإبنها الوحيد..؟؟
* * *
  خرج هاني من مطار دبي.. يجر حقيبة سفره الوحيدة الضخمة، بعد رحلة طويلة.. إستغرقت  ثلاثة عشر ساعة كاملة، إستقل إحدى سيارات الأجرة، متجهاً لأحد الفنادق، تعرف في الطريق إلى السائق، طالباً منه رقم هاتفه بلهجة ودية، يستسمحه أن يكون دليله هنا، لبضعة أيام، يرافقه فيها للمتاجر..
  ترجل من السيارة، مودعاً إياه بإبتسامة، أظهرت دقة حسنه الطولية:
  ـ سأتصل بك لاحقاً ياطارق..
  دخل الفندق وتسلم مفتاح غرفته، مشتاقاً لحمام دافئ، يساعده على الإسترخاء والنوم العميق، بعد رحلة طويلة أرهقت بدنه وذهنه، وأنسته موعد إتصاله بوالدته..!!
* * *
  نادت سلمى على هيام بصوت عال، وهي تقف على باب شقتها، سمعتها هيام وهي تحمل أطباق الإفطار لتدخلها المطبخ، بعدما قامت سميحة إلى الحديقة الخارجية برفقة زوجها، فتركت ما بيدها وصعدت إليها:  
  ـ نعم يامدام سلمى..
  كانت واقفة بمنامتها الحريرية البيضاء، ذات الأرجل القصيرة، دون إحراج من هيام، تشير إليها بسبابتها للداخل، عاقدة حاجبيها بدلال:
  ـ لم تُنظفي المطبخ هنا منذ ثلاثة أيام، ويحتاج للتنظيف العميق..
  ردت هيام بإيماءة برأسها، وهى تضم قبضتها اليمنى لراحتها اليسرى:
  ـ نصف ساعة فقط، أنظف مائدة الطعام تحت، وأطمئن على الحاجة سميحة، وأصعد لكِ..
  إزداد إنعقاد حاجبيها الجميلين متسائلة:
  ـ لماذا.. ماذا حدث لها..؟؟
  أخبرتها هيام بشأن قلقها الزائد على هاني، مما سبب لها الدوار والتعب، مقترحة على سلمى بمنتهى العفوية، النزول لرؤيتها والإطمئنان عليها، مما زاد من ضجرها، فلوت شفتيها متبرمة، وهي تفتح باب الشقة أكثر آمرة هيام:
  ـ أدخلى نظفي المطبخ، ولاتتدخلي فيما لايعنيكِ، فأمر رؤيتها والإطمئنان عليها هذا يخصني أنا، لاأخذ أوامره منكِ أنت.. أُدخلي..
  دخلت هيام الشقة منصاعة، كارهة لطريقتها المنفرة، ناظرة لملابسها بضيق، تحدث نفسها بصمت:
  ـ ألاتستحي أن تراكِ الخادمة بهذا الشكل.. ألاتعلمي أنني أشتاق لإرتداء مثل تلك الثياب وبشدة، أم أنكِ لا تدركي أننا بنفس السن، وأنا خادمة وتحلم بالزواج مثلك، وأنت هانم سيدة منزل، ومتزوجة..!!
  زفرت بتأفف وهي تنظر للطاولة الرخامية، المزدخرة بأكياس ومعلبات الطعام الجاهز الفارغة، وزجاجات المشروبات الغازية، وعدد الكؤوس المتسخة، كل هذة الفوضى وأنتما فردين فقط.. بل وتأكلون طعاماً جاهزاً..؟؟
  شرعت بالتنظيف مندهشة، ماهو حال المطبخ إذن لوكانت سلمى هذة تطبخ بنفسها، ماكمية الأواني التي كانت ستنظفها..؟؟
  دخلت إليها سلمى مرة أخرى، تخلط مكونات قناع بشرة في طبق بلاستيكي، وضعته على وجهها بهدوء، وعلى مهل أثار سخط هيام عليها أكثر، مستاءة من لامبالاتها بشأن حماتها، ليكون هذا هو رد فعلها..!
  أنهت سلمى وضع قناعها المستفز، لتقذف بالطبق فوق الأواني والصحون، ثم أخذت شريحتيّ خيار، لتضعهما على عينيها، لتأمرها:
  ـ أريد المطبخ لامعاً ياهيام، غسالة الأطباق متعطلة، اغسلي بيدك، وأنشري الملابس التي بالمغسلة على المنشرالمعدني بالشرفة الخلفية..
  خرجت حاملة معها صينية، فوقها كوب شاي ساخن، وطبق يحتوى على قطع كيك إنجليزي جاهز، لتتناول فطورها البسيط..
  تابعتها هيام بعينين تتفرسان منامتها الحريرية بحقد لم تستطع إخفاؤه، بل على العكس جعلها تقذف الملاعق أمامها بعنف، يضيق صدرها بمشاعر غيرة شرعية، تمتلكها كل فتاة بسنها لم تتزوج بعد..
  أمسكت إسفنجة التنظيف، وبدأت عملها بضغينة تكبل قلبها، ووجدت نفسها تنتحب بعنف باكية، تمسح أنفها بكتفها لتكتم سيلان سائلها، بعدما مررت الغيرة طعم غصاتها التي إبتلعتها بألم، تتقطع شوقاً لإرتداء مثل تلك المنامة يوماً ما، لزوج يحبها كحب محمد لسميحة..!! أو يعشقها كعشق محمود لسلمى تلك..!!
  ولكن من أين لها الزواج.. وممن..! أجهشت باكية بعنف، ناقمة على حياتها البائسة، التي قضت نصفها نزيلة في ملجأ أيتام سميحة، لقيطة على مايبدو.. لا تعلم لها والد ولا والدة، ونصفها الأخر خادمة لها، ولأولادها..!!
* * *
  بالرغم من أن يوم الثلاثاء خصته سميحة بتجمع العائلة على مائدتها وقت الغداء، إلا أنها لم تستطع هذا اليوم من الإلتزام بروتينها..
  فالإعياء الجاثم الذي أصابها من شدة قلقها على هاني أطفأ بهجتها، وأفقدها القدرة على بلع الطعام والشراب، لتمر عليها ليلة كاملة دون أن يغمض لها جفن، ترى ماذا حدث له منعه من الإلتزام بموعده..؟؟ منكِ لله ياهيام أنتِ التي حسدتيه على إنتظامه بموعد الإتصال..!!
  إستيقظ محمد على صوت أذان الفجر، ليجدها على بساط الصلاة، ساجدة تدعو لحبيبها بالسلامة والنجاة، قام ليصلي الفجر معها يؤمها، ثم قبل باطن كفها يطمئنها، عله يخفف روعها، مخفياً عنها قلقه الذي برع في طمسه، ظل يردد أذكار الصلاة على فوارق أصابعها الداخلية، فإستكانت لأحضانه ممتنة لدعمها النفسي، قائلة بود:
  ـ أنا أحبك يامحمد..  
  إبتسم لها، ودعاها إلى النوم لترتاح قليلاً فأبت.. لتغفو رغماً عنها على الأريكة البنية، المجاورة للنافذة، التي تسللت منها شمس اليوم التالي على إستحياء، مصاحبة لصوت عصافير الصباح، المتناغم مع صوت رقرقة ماء المسبح، بالحديقة الخارجية، إختلط بصوت رنين هاتفها الذي أيقظ محمد، ليجدها ترد متلهفة:
  ـ هاني..؟؟  
  تهللت أساريرها، وعادت الدماء لوجهها بلحظة واحدة، عندما إندفع صوته يملأ تجاويف أذنها العطشى له، يعتذر عن تأخره الغير مقصود، شارحاً لها بإختصار أنه بـ(دبي)، واعداً إياها بالقدوم خلال أيام فقط، وليس بعد شهرين..
  قامت سميحة بعدها تدب الحياة بأوصالها، حبيب قلبها سيعود بعد أيام، قامت تسجد شكراً، ثم تناولت مصحفها، لتخرج إلى الحديقة حيث مكان قراءة وردها اليومي، ليذكرها محمد بأن تأخذ قسطاً من الراحة، عوضاً عن عدم نومها ليلاً،  إلا أنها أودعته قبلة قوية بخده الخشن، قائلة ببهجة:
  ـ طار النوم يامحمد، طار النوم..
* * *
  وقفت عبير بمربعها الخاص بمركز التسوق التجاري، تنظم وضع بعض الأنتيكات على الأرفف الخشبية، ليقترب منها ذلك الرجل، الذي شعرت بطيفه من خلفها:
  ـ السلام عليكم..
صوته مميز، فتعرفت على صاحبه فوراً، لتلتفت إليه بحدة:
ـ نعم..؟؟
  إقترب منها، متناولاً قطعة الأنتيك من يدها، ووضعها بالرف، وتعمد أن يعيد ترتيب القطع مرة أخرى، وهو يقول دون أن ينظرلها:
  ـ أعتقد أن ترتيبها هكذا أفضل.. وأعتقد أيضاً أنه وجب أن تردي السلام..
  عقدت ساعديها أمام صدرها، في محاولة منها لتلجيم غضبها منه، ماذا يريد سيادة المقدم.. ولماذا يعتقد أن مهنته ستفرض عليها قبوله رغم أنفها مثلاً!.. لماذا يعتقد أصلاً أن الإختيار نفسه أمراً ليس من حقها، ردت بهدوء تكتم غيظها:
  ـ وعليكم السلام..  
  نظر إليها بعينيه الثاقبتين، عاقداً حاجبيه المقوسين بتسلية، واضعاً كفه بجيبه:
  ـ لماذا ستنفجرين هكذا..؟؟ أريد شراء هدية مناسبة لزوجتي، تضعها بغرفة نومها التي حجزتها لها اليوم..
  هزت كتفها، وكأن الأمر لايعنيها، برغم الأفكار الضارية التي ضربت عقلها بخصوص ماقد يدبره لها والدها دون علمها، ثم قالت:
  ـ يفضل أن تنتظر لحين أن تجدها، وتتعرف عليها، وتخطبها، حتى يتاح لك معرفة ماتحبه، وماتكرهه، كي لاتشتري لها هدية غير مناسبة.
  إقترب منها، فتراجعت خطوة للخلف، ونظراتها كلها تهديد:
  ـ ألزم مكانك.. وإشتري الهدية التي تريد إن كنت جاداً، وإرحل حالاً، فليس من اللائق الوقوف معي طويلاً، بتلك الطريقة..
  ضيق عينيه بعبث مستفهماً، وهو يقترب أكثر:
  ـ إن كنت جاداً..؟؟  
  تراجعت للخلف، فتعرقلت بكرسيها الإسفنجي الصغير، بمنتصف مربعها الداخلي، لتتهاوى للخلف فجأة، فاردة ذراعيها، بغية التشبث بأحد الأركان، إلا أن قبضته القوية، أمسكت ذراعها وسحبها إليه، يمنعها من السقوط هامساً:
  ـ إسم الله عليك ياوحش..
  إعتدلت في ثوان، راكلة الكرسي بباطن ساقها للخلف بعصبية، ساحبه ذراعها من يده التي مازالت تمسكها، مبتعدة عن مجال جاذبية عطره، ناهرة إياه بتوبيخ:
  ـ ليس من حقك أن تلمسني، ووالله لأنادي لك أمن المتجر، إن لم تمشي حالاً..
  إعتقد فقط.. أن كل ما يضايقها أنه يلمسها قبل عقد القران، فأومأ لها رافعاً كفيه في إستسلام، ضاحكاً بشدة حتى بدت نواجذه:
  ـ إرتعبت من فكرة أن تنادي أمن المتجر لضابط شرطة، الحقيقة..
  قالها ثم تصنع الجدية عاقداً حاجبيه، مفكراً في القطع التي أمامه، ثم إختار واحدة، وضع ورقة نقدية على الكرسي مضاعفة لثمنها تقريباً، واختار حقيبة هدايا مناسبة لحجمها، تحت أنظار عبير المذهولة من أريحيته في التحرك والعبث بالمكان..
  أنهى مايفعله، ثم أولاها نظرة تحدي، بحاجب مقوس مرفوع، وهم أن يغادر، لكنه عاد يلتف لها، مقترباً منها خطوة بتهديد، شهقت لها عبير بفزع مباعدة يديها للخلف حتى لايلمسها، فأطلق ضحكة عالية، وإبتعد بعدها خارجاً من مربعها، ومن المتجر كله، لتهمس ببالغ إستيائها:
  ـ من يظن نفسه هذا المغرور..؟؟ ألم يخبروه عن رفضي له..؟؟ أم أنه...
  هبط قلبها بين قدميها فجأة، عندما تصورت للحظة أن والدها يمكن أن يبيعها له، حتى ولو على سبيل الزواج..!! ترى ماذا يدبر لها..!!
* * *
  أغلقت علياء باب سيارتها، بعد أن صفّتها بمكانها بمرأب المشفى، همت بالصعود، لكن السائس نادها بصوته الفظ:
  ـ دكتورة علياء..!!
  أولته إهتمامها، تضغط إطار نظارتها الأحمر، وهي تضع حقيبة يدها على كتفها الأيسر، ماسكة بمفاتيحها بينماها مستفهمة:
  ـ نعم ياعم صبحي..!!
  تنحنح في حرج بدا لها مصطنعاً وفي غير موضعه، فعقدت حاجبيها بتوجس، وهي تراه يتلفت يميناً ويساراً، ناطقاً بنبرة مهتزة، بشفتين يعلوهما شارب كَث:
  ـ أنا تحت أمرك لو أردتِ المساعدة، لديكِ ماأحمله لعيادتك..؟؟
  لم تخف إستغرابها من طلبه، الذي يكرره لليوم الثالث على التوالي..!! ماالذي يود فعله بمفتاح سيارتها..؟؟ ضيقت حاجبيها بإستهجان، وهي ترد بريبة:
  ـ بالتأكيد لوأردت لطلبت..!!
  حاول الإبتسام، متحدثاً بنبرة خشنة، معبقة برائحة دخان سيجارته:
  ـ بالتأكيد، أنا فقط أعرض خدماتي ولا تخافي على المفتاح..
 هو فعلاً يستهدف مفتاحها..!! لماذا شعرت بالخوف..!!
  قبضت بشده على مفتاحها بحركة لا إرادية منها، وإستدارت متجهه للمصعد، قائلة بصوت عال وثابت:
  ـ شكراً على عرضك، وفي المرات القادمة، سأغلق سيارتي بنفسي، فلن أكلفك مرة أخرى بمهمة الحفاظ على المفاتيح..
  ما إن إختفت عن ناظره، وإنغلق المصعد على قامتها الطويلة، ووجهها الجميل ذو الملامح المتجهمة، حتى إلتقط هاتفه، يتحدث بهمس ناظراً لكاميرا المراقبة بالمرأب، وكأنه يُشهِّد محدثه على فشله في الحصول على المفتاح:
  ـ بذلت مابوسعي، وبشتى الطرق، رفضت ياسيد مراد.. أوامرك.. مع السلامة..
  تابعت علياء عملها لمدة ساعتين بلاتركيز، منشغل بالها بما يريده صبحي من سيارتها، ظلت متوترة، رغم ثباتها البائن على إنفعالات وجهها..
  حتى دخلت إليها تلك الحالة لسيدة يؤلمها ضرسها، يحتاج لأشعة لتتبين جذوره.. لكنها تطلعت لبطن المريضة المتكور، تُفهمها صعوبة إجرائها للأشعة بسبب حملها..!
  تبدلت فجأة ملامح المريضة من الألم  للإستياء، قائلة بهجوم، ناظرة لقوام علياء النحيف ببطنها المسطحة، وبنصرها الخالي من خاتم الزواج:
  ـ لست حامل، هذة بطني بعد إنجاب أربعة أولاد، ستعلمي ذلك عندما تتزوجي، وتنجبي إن شاء الله..
  إنتابها إضطراب ضاحك، تلاعب بحنجرتها دون أن تسمح له بالخروج، فحاولت لم كرامة المرأة المبعثرة ببعض الكلمات الداعمة، حتى هدأت وأعطتها إسم الأشعة لإجرائها..
لتدخل إليها إمرأة أخرى تماثلها بالشكل وتكور البطن، فحتى لاتحرج نفسها، سألتها قبلاً:
  ـ هل أنتِ حامل..؟؟  
  وكأنها سكبت على المريضة دلواً من نوبات الضحك المجلجل، شاركتها علياء الإبتسام، بحرص خوفاً من رد فعلها الهجومي، أنهته مشيرة لبطنها:
  ـ بالتأكيد ليست بطيخة صيفية..  
  إنتهت الحالات، وقد تبددت لديها حالة القلق من عم صبحي قليلاً، فنزلت لسيارتها تترقب سماجته التي سيستعين بها، لعرض خدماته الفذة مرة أخرى، لكنها لم تجده..
  أين ذهب هذا الرجل غريب الأطوار..؟ لابد أن أُخبر الدكتور غانم أبوهيبة.. عن تصرفاته الغريبة، التى تثير تساؤلاتي وقلقي، لكن عندما يعود..
* * *
  وقفت سلمى بشرفة شقتها، المطلة على الحديقة، تتحدث لوالدتها بهاتفها، قائلة بصوت خفيض، تشكو إليها ظلم أهل زوجها:
  ـ إنهم لايعرفون شيئاً عن العدل، علمت أنهم سجلوا مزرعة ماشية بإسم علياء، ولم يخصوني حتى بعلبة علكة صغيرة..
  سكتت تستمع لتحليل والدتها الفذ للموقف، لتهتف بعدها بإشمئزاز:
  ـ إنها تعيش بدور البرئية، أخبرني محمود أنها لاتعلم بأمر المزرعة، نعم،  يميزون بيننا بسبب الأولاد، يعتقدون أن هذة وسيلة ضغط عليّ لأنجب مثلاً..؟؟
  ومن قال أنني بعدها سأنال الرضا، إذا كانوا يخاصمون إبنهم، الذي يحمل عبء العمل كله وحده، لمجرد تفكيره خارج صندوق أفكارهم..!
  أنهت المكالمة، ثم نزلت لسميحة، علها تفهم منها، لماذا تم إستبعادها من حفلة التوزيع، المجحفة لحقها بذلك الشكل -من وجهة نظرها- أخبرتها هيام بجلوس سميحة تحت المظلة الخشبية بالحديقة، فقطفت وردة بيضاء في طريقها إليها، وجلست أمامها على أحد كراسي الخيزران، مدت إليها يدها بالوردة، في تودد بدا زائفاً وتمثيلياً لأبعد حد:
  ـ صباح الخير ياذات القلب الأبيض..  
  رفعت سميحة حاجبيها بإستنكار، لطريقتها المستحدثة، ثم تناولت الوردة منها بإبتسامة حذرة، ترد عليها بتوبيخ:
  ـ صباحك يبدأ في الثانية ظهراً ياسلمى..؟؟ وماكل هذا الحنان، أعتقد أن قوة السبب قاطعة، لتتحاملي على نفسك وتجالسيني رغماً عنك.. ها.. ماذا بك..؟
  زوت سلمى مابين حاجبيها المنمقين، في محاولة لإصطناع الحزن على عينيها الجميلتين:
  ـ ولماذا كل هذا الإستهزاء.. فأنا لاأعمل مثل الدكتورة علياء مثلاً، لأستيقظ مبكراً.. أما إعتراضك على مجالستك، فهذا معناه أنكِ لا يعجبكِ العجب..!!
  ضحكت سميحة من قلبها، ضحكة متكئة على أمل رؤية هاني بعد أيام فقط:
  ـ أنا مزاجي رائق منذ ثلاثة أيام، منذ أن كلمني هاني وأخبرني بإقتراب موعد مجيئه، لذا يمكنني فتح صفحة علاقات جديدة معكِ بشرط، أن تنجبي لي أحفاد من محمود، وليس بالتبني كما تنتوي، لأن هاني سيأت قريباً، سيتزوج وينجب، والغيرة ستقتلك من سلائفك هذة وتلك.. صدقيني أنا أحبك وأريد مصلحتك..
  أسندت سلمى ظهرها لمسند الكرسي، معتدلة بجزعها العلوي، تجدل شعرها المصبوغ المموج بدلال وكثافة، حول وجهها جميل الملامح:
  ـ غير مسموح لأى شخص بالدنيا مهما بلغت صلة قرابته، أن يحدثني في شأن الإنجاب هذا .. لأنه ببساطة أمر شخصي ..أما بخصوص جلستي معكِ، فأنا أستفهم عن وضع محمود.. لماذا كل هذا الخصام..؟؟
  وضعت ساق فوق أخرى، عندما وصلت هيام إليهما بكأسين من عصير الأناناس، وضعتهما بحرص على المنضدة أمامهما، وسميحة ترد بهدوء مبتسمة:
  ـ محمود هذا إبني وحبيبي، لا يمكن أن أخاصمه أوأغضب عليه مهما فعل، ستعلمي قيمة كلماتي حينما تنجبين قريباً ياحبيبتي، محمود لايحتاج وساتطك لطلب العفو..
  إلتفتت هيام نحوها، مشدوهة بكلماتها عن محمود..! وماذا عن هاني الذي قالت عنه إبنها الوحيد..!! لماذا يختلط عليها الأمر والفهم..؟
  إنتبهت من وقفتها على صوت الحارس يناديها وقد جلب بعض المشتروات، فطلبت منها سميحة إحضار الأكياس البلاستيكية منه، لتذهب إليه تهز رأسها غير مستوعبة كلمات سميحة المتناقضة..!
  في حين بدأت سلمى في محاولات مخفقة منها، مفضوحة جداً لسميحة، لمعرفة أصل موضوع توزيع الممتلكات والمزارع دونها..
* * *
  في أحد المطاعم المتفق على مكانها، إلتقى مراد بخطيبته غدير، كانت تجلس بجواره تلعب بخاتم خطبتها في توتر، وهو يدقق النظر بالملفات أمامه، فتحدثت ناظره لجانب وجهه شديد الوسامة:
  ـ ألن تخبرني ما هي خطتك بالضبط، بعد حصولك على هذة الملفات..؟؟
  بدت إبتسامته ظافرة، وفي عينيه تلمع لهفة شوق لمصائب جمة، سيرتكبها ماإن يعيد ترتيب المعلومات التى بين يديه، حك صدغه مجيباً:
  ـ لا.. لن أخبرك.. الأفكار كلها هنا -مشيراً لصدغه بفخر-  والدكتورة علياء تلك كنت سأتخلص منها، لكنها كانت حويطة، ورفضت التفريط بمفتاحها، حسناً، سنجعلها تفرط في شئ أخر، ستخجل بعدها أن تنزل إلى الشارع..
  مسدت شعرها الأسود الذي تخلع عنه حجابه مخصوص عندما  تقابل مراد فقط.. فقط هو، تريده أن يراها كاملة الأنوثة، مثل تلك السكرتيرة التي رأتها لديه، بوكالة الأعلانات ذات مرة..
  ما إن تخرج من حيها البسيط، حتى تخلع وشاحها، وتلبس أقراطها، لكن هيأتها رغم رونقها التي بالغت فيها لتنال إعجابه، كانت قلقة.. فأشارت بأصابعها المرتجفة، للأوراق أمامه، متسائلة بإبتسامة مهزوزة:
  ـ هل هذة الملفات، تكفي الغرض المطلوب..؟
  أغلق غلاف الملف أمامه بقوة، لينظر لها بجدية، فوقعت عيناها على تميمة الجمجمة الفضية، المعلقة بعنقه برهبة، ليرد بخشونة:
  ـ لا.. مازل يلزمني ملف الدكتور سامح عز الدين -طبيب النساء والوليد- الذي يدير المشفى أثناء غياب والدي، وهل لديه توكيلاً رسمياً بالإدارة أم لا، لكن هذة المرة إن سمعك أو رأك أحدهم، سأسلمك للشرطة بنفسي، وأشهد ضدك..!
  كانت عيناه تنطقان بالغضب، وقد أسدل الجحود ستائره المظلمة على قلبه، حتى إمتلأت مشاعره بعتمة العقوق، التي جعلته يبحث عن ملفات فشل عمليات الجراحة، التي أجراها والده، ويتلذذ بشعور الإنتصار عليه بتلك الطريقة المخزية..!!
  ردت غدير بعد صمت دام للحظات، بإرتباك واضح:
  ـ لاتخف ياحبيبي، لن يتكرر الخطأ مرة أخرى، لكن لاتهددني هكذا..
  إنتبه لإرتباكها الصريح، فإلتقط كفها المطلي أظافره باللون النبيذي، يطبع عليه قبلة حب خادعة طويلة.. يمنحها من خلالها إطمئناناً مزيفاً، تقبلته هي بصدق وفرحة، جعلت ملامحها تسترخي..
  رن هاتفه برقم سكرتيرته، ففتح الخط يستمع لها وهو يغمز غدير، ويقبل كفها مرة أخرى:
  ـ شركة السيد محمود علام، رفضت عرض سعرنا للحملة الدعائية لمنتجهم الجديد، أخبرتني ليلى سكرتيرته حالاً..
  دق مراد المنضدة أمامه، بقبضة يده عمودياً بعصبية، ثم أجابها:
  ـ حسناً، لا تتصلي بي مجدداً، إن كانت أخبارك بتلك الإستفزاز..
  تكومت أنفاس الغضب بداخل رئتيه حد الإختناق، فإحتضنت غدير ذراعه بكلتا ذراعيها، مائلة بجسدها على كتفه، متجاوزة معه كل الخطوط الحمراء، أملاً في منحه مايريد، لتحصل هي على ماتريد..
  فرجل بثراء مراد ومكانته الإجتماعية.. حلم أي فتاة، وهو إختارها هي، فستبذل أقصى جهد للحفاظ عليه بقربها..
  سحب نفساً طويلاً من سيجاره البني، ثم إلتقط هاتفه ليتصل بمحمود، محاولاً التلطف بالكلام:
  ـ أبوحنفي.. كيف حالك، لم نلتق بملعب الإسكواش، لتغلبني كما إتفقنا..
  أتاه صوت محمود، ضاحكاً بعمق:  
  ـ هل إشتقت للخسارة مجدداً، للأسف أنا مشغول جداً هذة الأيام، وليس لدي الوقت لللعب..
  جز مراد على أسنانه، دافعاً غدير عن ذراعه بعنف، ليجيب بإبتسامة مصطنعة، وكأن محمود يراه:
  ـ بالتأكيد بسبب صفقة المنتج الجديد، التي من الواضح أنك وجدت من يقوم بحملتها الإعلانية غيري، أليس كذلك..!
  ـ أنت لاتعلم حجم المشاكل التي أمر بها، وأنت أصبحت طماعاً، وتبالغ بالسعر، أرجوك لاتخلط أمور الصداقة بالعمل، لقد وضعت رقماً فوق طاقتي المادية..
  علت ضحكة مراد الصفراء، ليجيب بصوت أجش، عفره الحسد والغيظ:
  ـ فوق طاقة من..؟؟ محمود علام..؟؟ واضح أنك تجهل إمكانيات مملكتك..!
  ـ حسدك هذا سيتسبب بفشلي قريباً، أنا دخلت المشروع بمالي الخاص، لذا لاداعي لذكر ممتلكات مؤسسة علام بالأمر، وعليه فأسعارك مرفوضة ياأبوهيبة..
  أنهى المكالمة متنهداً بيأس، ثم همس شارداً بنظرات تعج بسهام المقت:
  ـ لم يعد أمامي سوى مشفى غانم أبوهيبة، أريد فقط أن يسعفني الوقت، لرفع قضية الحجر..!
* * *
إنتهت نشوى من التسوق الأسبوعي بالمتجر، إصطفت بعربة التسوق بطابور لم يكن طويلاً، لدفع ثمن الأغراض، لتجد حازم يأمرها بصفاقة، بصوت لم يكن منخفضاً كفاية:
  ـ قلت لك أنا من سيحاسب، أعطيني بطاقة المصرف..
  زجرته بنظرات ملؤها العتاب، ألا يكفي ياحازم..! تسير بجواري منذ ساعتين بالمتجر لاتفعل شيئاً سوى معارضتي وإغضابي، ألايكفيك تقمصاً وإنتحالاً لشخصية والدك، بكل مساوئها، بهذا القدر..!!
  لاتشتري هذا، أكثري من شراء هذا، ما الحاجة لهذا العطر لديكِ زجاجتين..! أضيفي أكياس اللحم المفروم.. أنا أحبه، ماهذا، طلاء أظافر مرة أخرى!.. لاتشتريه، هل سلطك والدك عليّ لإستفزازي..!
  أعطته بطاقة المصرف دون كلام، وأخذت بكف حنين ليخرجا من الصف، ينتظرانه بالخارج.. دقائق، وخرج إبنها دافعاً العربة بغلظة، قائلاً:
  ـ لو تمسكين يدك قليلاً، سأستطيع شراء الحذاء الرياضي الأصلي الذي أريده..
  متى رأت هذا المنظر من قبل..؟؟ للحظة، نست أنه حازم إبنها حبيبها، وتحدثت معه بتوبيخ عنيف، وعيناها تجسد لها صورة سليم والده:
  ـ طالما أدفع من مال راتبي الخاص، فليس من حقك أن تحاسبني عما أنفقته..
  عقد حازم حاجبيه، محتداً كفعلة والده تماماً، مجيباً بهدوء، يحمل بين طيات نبرته بعض التهديد:
  ـ أنا رجلك الأن، لاترفعي صوتك عليّ مرة أخرى هكذا كمن تتعامل مع طفلها، الذي لم يبلغ الثالثة من عمره بعد..
  مدت يدها ليعطيها بطاقتها، ثم سحبت نفساً عميقاً، قبل أن تبتسم له، موضحة:
  ـ ستصبح رجلاً بحق عندما يخرج كلامك من عقلك أنت، وليس بإملاء أحدهم ماعليك التفوه به، ستصبح رجلا،ً عندما يصبح لديك نقودك الخاصة، التي ستتفضل بها عليّ وعلى مشترواتي، ستصبح رجلاً، عندما تتحمل مسئوليتي أنا وأختك بإحتواء ناضج، وليس بهمجية..!! فالقوامة التي خصها الله للرجال تتضمن المقدرة على الإنفاق والتقوى، وإلى حين إستطاعتك مادياً للإنفاق علينا، وإستطاعتك دينياً أن تتقى الله فينا، فأنا رجل البيت الوحيد، مفهوم..؟؟
  سبقته مع حنين بخطوات واثقة سريعة، فشدت حنين على كفها هامسة بتخابث:
  ـ إنه يتبع تعليمات بابا بحذافيرها، راقبيه بعد قليل، ستجديه يهاتفه، ويعطيه تقرير مفصل عماحدث..
  تقلصت عضلات بطنها، برغم أن ماسمعته كان مفهوماً لها، حنين فقط أكدته.. أرادت ألا يبدو عليها قليلاً من الضعف أمام إبنتها، فرفعت رأسها مومئة لها بكبرياء مجروح، وإتجهت لمكان سيارتها..
  قادت سيارتها بعدما رص حازم الأكياس بالصندوق الخلفي، تقاوم ضغط ذكريات باهتة تجثم على تفكيرها، ألن ينتهي ألم إختيارها الخاطئ لذلك الرجل بحياتها، ألم تدفع عدة مرات ثمن إختيار الماضي، لماذا إذن يتجسد لها الماضي هذا في صورة إبنها الذي تحبه..؟؟!!
  إختنقت تحت أنقاض سنواتها الضائعة بجواره، فسعلت عدة مرات في محاولة بائسة منها للتخلص من إزعاج صوته، الذي يضغط على مسامعها من جديد، وهو يعد المرات التي تناولت فيها الطعام.. يلومها على عدد الكيلوجرامات التي إكتسبتها، يتحكم في إرتفاع نبرة صوتها..
  طالما تعمل فراتبها الذي تتقاضاه نظيرعملها بالمدرسة الدولية القريبة، من حق البيت، قانون وضعه وسارت عليه متأففة، وكل إحتياجاتها الشخصية خارج حدود نفقته..!! وحتى بعدما تشتري ماتحتاجه بنقودها الخاصة، يستقبلها بحفلة تأنيب محترمة، لأنها كانت تستطيع شراء وجبات الغداء يوم العطلة الأسبوعي بثمنها..!!
  تنهدت بوجع مخرجه زفيراً مشتعلاً، صاحب تكور شفتيها للأمام، ملقية نظرة سريعة على حازم بجوارها، وحنين خلفها، تود لوتنفلت من غياهب ذكرياته التي تشطر مشاعرها لنصفين، لكنها تجد نفسها تتوه بين شرنقة أمومتها، وزيجتها الفاشلة..
  إستلم حازم رسالة على هاتفه، فقرأها ثم صاح أمرأً بما أملاه عليه والده، الذي يتملص من عبء إعتماد أولاده عليه مادياً:
  ـ سنوزع المأكولات التي تم شراؤها لتكفي أسبوعين، وليس أسبوع واحد، لتستطيعي توفير ثمن حذائي الذي أريده..
  إنفجرت نشوى صارخة في وجهه:  
  ـ إخرس ياحازم، ولا تتكلم بهذة الأنانية مرة أخرى، وتخلص من دور الببغاء البغيض هذا..!
  قالتها وأوقفت سيارتها على جانب الطريق بعنف كاد أن يكسر مكبحها، تأثراً بوزنها وهي تضغط عليه بغضب، فأصدرت إطاراتها صريراً صارخاً، وكأنها تشاركها إنفعالها القاتل..
* * *
  تحركت ستائرغرفة المعيشة بشقة علياء، معلنه عن نسمات ربيع هادئة، تداعبها بلطافة، أشعرت علياء بسكينة كانت تحتاجها في جلسة إسترخائها على كرسيها المتأرجح للأمام والخلف، يشاركها لحظة إستجمامها، واضعة سماعة الهاتف، تستمع لسورة البقرة بصوت الشيخ العذب، وترتشف من كوب مشروب الشيكولاتة بتلذذ.. رن هاتفها برقم عبير ينتزعها من جلستها المريحة، فأجابت:
  ـ بيرو حبيبتي، إتصلي بي غداً، فأنا في خلوتي السرية، التي سيقطعها عليّ أولادي بعد ربع ساعة فقط، ليبدأ حفل التجمع الأسبوعي ليوم الأثنين، أرجوكِ أحتاج هذة الدقائق بشدة..
  ردت عبير بفرحة، وكأنها لم تسمع حرفاً مما قالت:
  ـ ماحدث اليوم لن أستطيع كبته للغد..
إبتسمت علياء، ثم تساءلت بنبرة حذرة:
  ـ هل نقول البقاء لله..؟؟
  شهقت عبير بإنفعال، وهي تلوم علياء بصوت تخالطه لمحة ضيق، بعدما أفسدت فرحتها:
  ـ لست منحطة لهذة الدرجة، حتى أفرح يوم وفاة والدي مهما كنت أكرهه، ومع ذلك هو مازال حي يرزق، يسب ويضرب، والله كتفي مازال يؤلمني، من ضربه يوم أن خلعت من جلسة سيادة المقدم وأمه..
  ضحكت علياء بخفة معتذرة، وهي تحرك كرسيها المتأرجح للأمام والخلف، تشرب عدة رشفات، قبل أن تقول:
  ـ إذن هات مالديكِ، فقد ضاع وقت راحتي، وحسبي الله ونعم الوكيل..
  إستعادت عبير نبرتها السارّة، وقصت بصوت يملؤه البهجة:
  ـ عريس كأبطال الروايات والأفلام، يعمل مهندساً معمارياً، سيأت غداً لخطبتي، وأنا موافقة عليه، أخيراً.. أخيراً لدى شعور بالرضا ناحية أحدهم، ربما لأنه لايعجب والدى، فلديّ أمل أن يكون رائع..
  ـ موافقة عليه..!!
  ـ تخيلى أن والدي أخبره رفضه التام له، وأنني مخطوبة، لكنه سأل عني وعلم بخطأ المعلومة، فإعتقد أن والدي يقول له هذا الكلام لتطفيشه فقط..
  ـ كلامك متناقض ياعبير..! كيف رفضه، وكيف أعطاه موعداً لمقابلته غداً، ألاتشعرين بمكيدة ما..؟؟ لاأريد إحباطك، لكن سأتفاءل وأدعو لكِ بالتيسير، بالرغم من أنني كنت أريدك سلفتي، تسكني معي بنفس البيت.. فعم الأولاد سيأت بعد أيام، ويبحث عن عروس، المهم أن تكوني سعيدة، حسناً.. إنتهى وقت راحتي، وهدى تحاسبنى بالثانية، لاأريد أن أتأخر عليهم، فأنا قدوة ويجب أن أكون ملتزمة..
  ـ ماذا تفعلون بالضبط بالحفل الأسبوعي هذا ياعلياء..؟؟
  وضعت علياء الكوب الفارغ جوارها، وإعتدلت تنظر لساعة الحائط، موضحة:
  ـ نتجمع لمدة ثلاث ساعات، ندخل المطبخ لعمل أكلات سريعة معاً، يتسابقون في إنجازها بمدة محددة، وكأنهم بمسابقة ما، أصورهم للتحفيز ولإحترام قيمة الوقت، نغلق التلفاز والهواتف، نكتب كل ماتعرضنا له طيلة الأسبوع، أتعرف إلى أولادي بهذة الطريقة، يعجبهم أن يكون الأمر كلعبة..
  أحاول زرع فيهم قيم دينية وأخلاقية، تعينهم على تجاوز مرحلة المراهقة اللعينة تلك، ثم ننهي الجلسة بلعبة جماعية، سنلعب اليوم بـ (الإكس بوكس)، دعواتك لأستطيع القفز معهم..
  ظلت عبير تستمع بإعجاب حتى سرقت وقت علياء بالفعل، فأنهت المكالمة معتذرة، متمنية أن تحظى بحياة أسرية وزوجية سعيدة،  منفصلة عن بيت والدها سليط اليد واللسان، في أقرب وقت..
  لم تكن تعلم أن أبواب السماء مفتوحة، وأن دعاءها أمنت عليه الملائكة، وأن غداً يوما فارقاً بحياتها،لكن ليس كما تخيلت تماماً..
فما دبره لها والدها فاق كل التوقعات..
* * *
نهاية الفصل الرابع
انتظروني والفصل الخامس في الأربعاء 6ونصف
دمتم بود.. فاتن شوقي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في السبت ديسمبر 01, 2018 1:55 pm

الفصل الخامس
جلس محمود وسلمى على أريكة غرفة المعيشة، يتناولان المكسرات والتسالي، أمام ذلك الفيلم الأجنبي، تجلس تحت أحضانة الدافئة مستكينة، هادئة خارجياً، وجذابة كهرة أفلام الكارتون البيضاء لحظة إسترخائها..
لكن بداخلها بركان يغلي.. لأنها خرجت من جلستها مع سميحة بلا نتائج ترضيها.. كما خرجت من مولد توزيع الممتلكات بلاحمص يسد ثغرات استفزازها..!
أما هو، فكان شارداً تماماً، تُحركه أمواج تفكيره البائس على شاطئ مشروعه، المتوقف بسبب السيولة، ليس لديه مالاً يكفي، كان معتمداً على دعم والده له، لكن من أين له الدعم وهو يرفض هذة الصفقة من الأساس..!!
نفذت حججه لشركائه للبدء بالتنفيذ، ماذا عليه أن يفعل، ليمضى قدماً بممر النجاح الذي بدأ بمطبات هوائية قاتلة..؟؟
من الواضح أن كلاً منهما شارداً بما يؤرقه، ولايتابعان لقطة من أحداث الفيلم المعروض، حتى إنفجرت إحدى السيارات بالفيلم ومات صاحبها، فإنتبهت سلمى وسألت محمود:
ـ ماالذي حدث بالضبط، لماذا كانوا يحاولون قتله، كنت شاردة..
ضمها محمود بذراعه، وهو ينظر للفراغ أمامه، دون تركيز بسؤالها:
ـ كنت أعتقد أن بابا سيساعدني، لا أن يتعمد التملص من فعلتي، وكأنها شائنة بهذا الشكل.. أحتاج لدعماً مادياً قوياً..
وكأنه لامس فوهة بركانها الخامد، ليأذن له بالإنفجار، لتجيبه ساخطة:
ـ تعصبني كلماتك جداً، كيف تدير مؤسسة بهذا الحجم، وليس لديك صلاحيات تعطيك حق التصرف بالمال حسب رؤيتك الإدارية..؟؟ أنا لا أعلم أي ظلم هذا..؟؟ أنت تنال منهم الغضب والخصام، ويوزعون الحب على الجيران..
قالتها مشيرة لشقة علياء المقابلة لهم، فإعتدل بجلسته نافراً من كلامها الجارح في حق أهله، ليصدمه بقية كلامها:
ـ هل ستظل على حالتك هذة حتى ترث..؟؟ إنهم يدفعونك دفعاً لتمني وفاة والدك، حتى تتمكن من التحكم بكل شئ..
إلتفت إليها ماسكاً مرفقها، يتنفس غضباً، قائلاً بتهديد، رغم نبرته الهادئة الخطيرة:
ـ إياكِ والتحدث عنهم بتلك الطريقة مرة أخرى، سأعاقبك ياسلمى ولن أتهاون، تتمنين موت والدي، معناه أن تتمني موتي أيضاً بعدها، لجمي لسانك قليلاً..!!
قذف ذراعها بعنف، يعلم رعونتها المدللة، يعلم كم كان والدها كل حياتها، فمنذ أن تزوجها، وهي لاتحكي سوى عن والدها، وكأنه شمس حياتها التي إنطفأت، فغابت معها منطقيتها في التفكير، وتحجرت مشاعرها لتتفتت على أعتاب زواج والدتها، من رجل أخر بعد وقت قصير من الوفاة..!
ربما هذا هو السبب في زواجها من محمود بفارق السن الكبير هذا، ترى في فارق السن وقار والدها الحبيب، لكنها تريده بكل تفاصيل الأبوة، فلا تحب أن تخضع لقوانين الزواج كاملة..!
إعتدل بجلسته مرة أخرى، يفكر بصوت عال، وكأنه يُفّهمها:
ـ بارك الله لنا بعمره، وجعله سنداً لنا دائماً، وفاة والدك وإختفائه من حياتك، جعلك تتمنين زوال تلك النعمة لأي شخص، هو لا يريد التدخل بشأني كما تعتقدي، هو فقط يريدني أن أحافظ على خط سيره، الذي أوصله لهذا النجاح..
رمقته بنظرات نارية لا تهدأ، لتنفجر فيه بما يعتمل بداخلها:
ـ لا.. يتدخل بشأنك، وشأني أنا شخصياً..
تطلع لعينيها الجميلتين بتعجب رافعاً حاجبيه، يحثها على إستطراد الكلام، فإستفاضت بحنق تتحدث بدلال طفولي، رآه هو ماسخاً، رغم عشقه لدلالها، وغجريتها المجنونة:
ـ كنت بالأمس عند والدتي، وعندما عدت ناداني لأجلس بجواره، إعتقدت أنه سيحدثني بشأن خصامكما، لأجده يعطيني هدية..!!
قامت بعدها تدخل غرفة نومها، يتطاير مئزرها العسلي المفتوح حول ساقيها السريعتين، يشاركها إستيائها الغاضب، وخرجت بعد ثوان، حاملة صندوق هدايا مربع ورقي، مدت يدها، وكأنها ستقذف العلبة:
ـ تفضل.. شاهد بنفسك..
تناول العلبة الورقية، وفتح غطاءها المربع، وتناول منه وشاحاً أملساً، ملوناً بدرجات البني، لتكمل إنفعالها الهجومي:
ـ يريدني أن أغطي شعري..! أراد وقرر واختار واشترى!..
أسند محمود مرفقه إلى الأريكة، في وضعية إتكاء صامت بلارد، وعندما طال صمته أمام نظرات سلمى النارية، نادته بعصبية:
ـ محمود!!
بدا على ملامحه الشاردة بعض الحزن، ليرد ببطء بصوت عميق شاجن:
ـ كنت أتمنى ألايسبقني أحد لهذة الخطوة، فقد طال صبري عليك لثلاث سنوات كاملة، لست ديوثاً كما يتهمني البعض، أنا فقط كنت أريد تركك براحتك أطول فترة ممكنة، لتكوني نضجتي كفاية، للإلتزام به برغبتك..
كانت مازالت واقفة بقميصها العسلي الطويل الأملس، عقدت ساعديها بهدوء ثائر، وهي تهز ساقيها بعصبية، لتسأل بحذر:
ـ وهل كنت ستجبرني على ذلك يوماً..؟؟ أنا لست صلعاء أوشعري شكله قبيح، لأستشعر الحرج في كشفه، أم أنكم تريدون أن أصبح نسخة من علياء المحجبة، لأنال رضاكم، وعفوكم..!
علياء مرة أخرى..! مادخلها بما يحدث..؟؟ وأي إجبار هذا، وهو يقول لها برغبتك..!؟ وبرغم كل شئ إبتسم لها محمود، فارداً كفه لتضع كفها به ليجذبها لأحضانه، محاولاً إحتواء طيشها الأحمق، وطريقة تفكيرها المتصابية جداً، يمنحها بعض الأمان والحب، فربما إن أحبته كفاية، إنصاعت برغبتها لهذا الشأن..!!
إلا أن عصبيتها كانت فائقة، كانت تتملص من ذراعيه القويتين بعنف، وهو يطبق عليها أكثرمحاولاً إسكات إجتهادها في الإنفلات منه، فردد ضاحكاً:
ـ إهدأي يامجنونة.. إهدأي، في هذة الحالة سنحتاج لطبيبة نفسية بشأن الإنجاب، وطبيبة أخرى بشأن الحجاب..
أمسكت العلبة وقذفتها بعيداً، وصرخت بتمرد جنوني:
ـ لن يحدث، لن يجبرني أحد على شئ.. أنتم من تحتاجون لأطباء نفسيين..
ظل يأسرها، مستمتعاً بتمردها الطفولي الذي يعشقه، خصوصاً عندما يبدأ شعرها بالتناثر حول وجهها بغجرية، ثبت جبهته على جبينها، وهو يحدثها بتسلية:
ـ مارأيك أن أستغل طاقتك المشتعلة تلك في شيئاً مفيداً.. فربما نتج عنه طفلة جمالها غجري كوالدتها المجنونة..؟؟
بهتت لتفكيره، منتبهة لحركاتها العنيفة التي أثارته رغماً عنها، فرمته بنظرة ملؤها الإمتعاض، وإنتفضت واقفة لتتركه وتهرول لغرفتها، يتطاير مئزرها خلفها بشراسة، مخلفة وراءها كلمات مبهمة ساخطة، كمخلفات عاصفة ترابية حادة، موصدة الباب بعنف..
ثوان، وخرجت له مستشاطة، تصرخ بحنق عاقدة حاجبيها الجميلين:
ـ إياك أن تأت خلفي، فلن تنام بغرفتنا الليلة، عقاباً لك..
دخلت غرفتها تنظرلوجهها الجميل الغاضب بالمرآة، ثم خرجت مرة أخرى، تبرطم بعنف أهوج:
ـ أنا لن ألتزم بأوامر أحد، لن يملي عليّ أي أحد إختياراتي، أنا فقط من أختار مايناسبني.. تماااااام..؟؟
دخلت غرفتها تضرب إحدى الوسائد بغل، لتخرج مرة أخرى، تصرخ:
ـ أمك تريدني أن أنجب، ووالدك يريدني أن أتحجب، هل هذا سيجعلني أستحق مزرعة بإسمي مثل علياء مثلاً..؟؟ المصيبة أنك تردد طلباتهم، وكأنهم يسحرون لك..
دخلت لتجلس على طرف الفراش تقضم أظافرها الطويلة بعصبية، تتنفس بكمد، إذردت ريقها بألم، مغمضة عينيها بقوة، ثم خرجت كالثور الهائج، صائحة:
ـ وإن كان الثمن تمليكي المؤسسة نفسها، لن أنفذ تعليماتكم أبداً.. تزوجتني بهذا الشكل فلم أخدعك، ولن أتغير لإرضاء أحد..
ظل محمود فاغراً فاه، مشدوهاً لثورتها المبالغ فيها، سلمى تخبئ عنه أمراً ما، يجعلها بهذة العصبية، مستحيل أن يكون ماتقوله هو سبب جموحها الطاغي بهذا الشكل.. هو يعلم عن عقدتها القديمة، والسقطة النفسية التي تعرضت لها، بعدما فقدت والدها الحبيب.. لكن ليس لهذة الدرجة..!!
أم كل ماتفعله من أجل الهرب منه كعادتها..؟ لماذا تزوج إذن..؟؟ إن كان حاله لايختلف عن الأعزب كثيراً، بخلاف بعض الأحضان والقبلات الخاطفة..!! ماالذي يعشقه في بوق النكد هذا..؟
إنتبه لخروجها مرة أخرى، وقد هدأت قليلاً، مهددة بسبابتها اليسرى، تتخصر بيدها اليمنى:
ـ أقسم بالله، سأنزل غداً المسبح بملابس السباحة، وأريد أن يعلق أحدهم على ملبسي، أوتصرفاتي..
دخلت هذة المرة تحضر وسائد الفراش، وخرجت تقذفه بهم، يعزز أفعالها ثقتها الشديدة بثقل حبه لها، وإستحالة غضبه منها، ألقتهم صارخة:
ـ أحدثك منذ ساعة، وأنت تلتزم الصمت..!
حسناً، فاض الكيل، قام من مكانه نحوها بسرعة، فأسرعت تحتمي بغرفتها، لكنه لحق بها، ودفعها للداخل مصراً على تلجيم لسانها المسنون، مغلقاً الباب بالمفتاح، يعدها بألا يلتزم الصمت عن حقه مرة أخرى..
* * *
أنهت ندى عمل سلاطة الفواكة، ثم وقفت تغسل الأطباق، يقلب صالح بجوارها على الموقد قطع الدجاج الناضجة، عندما دخلت علياء، فناداها:
ـ ماما.. تعالي ألقي نظرة، هل أضع شرائح الفلفل الملون الأن..؟؟
رفعت شعرها لأعلى في كعكة مهملة، مومئة له بالإيجاب، وشرعت تصنع العجين، متسائلة عن هدى، التي دخلت بعدها، تفتعل طي أكمامها القصيرة بالفعل، في حركة تمثيلية، لتقول بمرح:
ـ علمت أنك تحدثين الخالة عبير بالهاتف، فأخذت راحتي بالتحمم..
تنفست علياء بعمق لاوية أنفها وشفتيها جانباً، لتقول بإعتراض:
ـ تحممتِ بعطري أعتقد أنني سأجد الزجاجة فارغة! تعالي يامبذرة، كوري هذا العجين لثماني كرات، لصنع خبز التورتيلا.. سأذهب لتحضير العصير..
أطفأ صالح الموقد، صائحاً بإنتصار:
ـ شاورما الدجاج جاهزة..
ضربت علياء أزرار الخلاط فأحدث ضجة، ثم صبت محتوياته بالكاسات الأربعة أمامها، آمرة ندى بنقلهم للمائدة، وأن تذهب لإعداد الأوراق والأقلام، حتى تنتهي هي من تسوية الخبز..
فردت هدى كرات الخبز، بباسطة العجين الخشبية، تناولها لعلياء تسويها على النار، ثم تعطيها لصالح، ليملأها بحشو الشاورما، منبهة إياه لوضع الكثير من الجبن المطاطي الذي تعشقه، من منتجات علام للأجبان بالطبع..
بعد دقائق، إلتف الجميع حول المائدة، وضعوا ماصنعوه بأيديهم بفخر أمامهم، ووزعوا الأوراق والأقلام، ليبادر صالح قائلاً:
ـ تقييم إلتزام المواعيد، ندى وصالح الدرجة النهائية، ماما وهدى يخسران نقطتين..
رفعت علياء كفها في إستسلام، مطبقة على شفتيها في طاعة، ثم قالت:
ـ أعترف بتأخيري..
في حين تأففت هدى لخسارتها النقطتين، مدافعة:
ـ ماما هي السبب في تأخري..
فما كان من صالح إلا أن خصم من رصيدها نقطة إضافية بسبب تذمرها، وإضافة نقطة لصالح علياء، بسبب ردها المؤدب..
فهو المسئول عن حساب النقاط الأسبوعية، والتي يتم تجميعها شهرياً، لشراء هدية قيمة، لصاحب أعلى رصيد من النقاط..
صمتت هدى من أجل ألا تخسر المزيد من النقاط، في حين بدأت بعدها علياء بالبسملة، وهي توزع عليهم الورق، الذي طبعته مرقماً بالبنود التي سيكتبون عنها، فبدأوا بالإجابة على الأسئلة التي تحوي المشاكل التي قابلتهم طيلة الأسبوع الماضي، يكتبون المواقف التي دارت بينهم، لتتبين إختلاف رد فعلهم من نفس الموقف كل حسب طبعه..
تعلم أن شخصية كل منهم ستظهر بإجابته، فأضافت سؤال عن شعور كل فرد فيهم، هل يحب المعاتبة، أم تصالح وإنتهى أمر الخصام، أم مازال مستاءاً من أخيه..؟
أضافت سؤالاً، عن الموقف الذي حدث جعلهم فخورين بأمهم.. وموقفاً أخر، جعلهم يشعرون بإنسانيتهم، قرأت ندى البند الأخير بخصوص ذِكر الكلمة التي أحزنتك، والكلمة التي فرحتك، ومن هو هذا الشخص الذي أعتبر كلامه مؤثراً بمشاعري لهذة الدرجة، وهل يستحق أن أعيره إهتماماً من الأساس..؟
فتعلق تفكيرها عند نقطة مرضها، وماترتب عليه من ردود أفعال صالح وهدى..
كان الجميع يكتب بتفكير، علياء أيضاً تكتب ماحدث لها، يتناولون شطائرهم بنهم، بينما هي فضلت أن تأكل بعد الكتابة، لكنها ما إن تسلل لأنفها رائحة الشاورما، حتى هتفت بطفولية:
ـ ناولني طبق الشطائر ياصالح، شكلها مغري ورائحتها ذكية..
ضحك الجميع على إنهيار مقاومتها مثلهم، فقضمت شطيرتها بتلذذ، رافعة أحد أكتافها، تبرر موقفها المتناقض:
ـ أنا جائعة..!! سلمت يداك ياصالح..
إعترضت هدى بتشدق مدافعة:
ـ أنا من بسطت العجين..
إبتلعت أخر حروف كلماتها، إثر خبطة خفيفة من علياء، على نهاية رأسها من الخلف، فمالت برأسها للأمام، في حركة تمثيلية زائدة، فضحك صالح بملء فيه مدعماً كلامها:
ـ سلمت يداك يا من بسطت العجين..
إسترسل الجميع في الإجابة، كما تعودوا، دون خجل، أوكذب، أوخوف من عقاب، الحقيقة أن علياء نجحت في إذابة الحواجز بينها وبينهم بتلك الطريقة، جعلتهم يصارحونها بأدق تفاصيل حياتهم، وهم على يقين تام بأن هناك أذن صاغية تسمع، وعقل راجح يفهم، وقلب صادق يشعر بهم..
هتفت علياء تقطع تفكيرهم:
ـ صحيح، لم أكتب البند الذي يٌناقَش على إنفراد، وهو الأخطاء التي فعلناها، ونستحي منها، سواء تمت بقصد أو دون تعمُد..
صاحت هدى بتسلية، مشيرة بسبابتها بتهديد:
ـ لاتقطعي تركيزنا يادكتورة، أحتاج للهدوء لأجاوب بدقة..
مسحت علياء بكفها على فمها، في إشارة منها بالإلتزام بالصمت، في حين نقرت ندى بقلمها قليلاً، تفكر في إنسانيتها، متسائلة هل تكتب إطعامها لعصافير الصباح، بوضع فتات الخبز على حافة نافذتها، كموقفاً داعماً لإنسانيتها..؟ أم إعتراضها على توقُف تمارين صالح وهدى مثلها داعماً أكثر..
ثم تذكرت أنها سقت زميلتها بأخر مقدار من ماء قارورتها، برغم عطشها المماثل، فإعتبرت أن هذا الموقف أكثر إنسانية، وكتبته..
ركلت هدى ساق ندى من تحت المنضدة، بسبب نقرها المتواصل بالقلم، فأطلقت ندى صرخة متألمة، يخالطها الإصطناع، فاتحة فاهها بشدة، ثم أغلقته فجأه، وهدى تصيح بعصبية:
ـ نقرك يوترني، أريد أن أركز..
أومأت لها بالأسف، فشرعت هدى تكتب موقفاً لإنسانيتها، بأنها إكتفت بضرب زميلها، بحقيبتها المدرسية مرة واحدة فقط، كادت فيها أن تخلع رأسه، بسبب محاولته الفاشلة للمس شعرها المموج، مستحسناً شكله بطريقة كادت أن تكون تحرشاً بريئاً، يكفي أنها إكتفت بلي رقبته حول ذراع حقيبتها، وإلتزمت معه أقصى درجات الإنسانية في عدم شكوته لأحد..
تذكرت علياء فجأة، موقف سائس المرأب، وطريقته الغريبة في إصراره للحصول على مفتاحها، فصاحت تقطع صمتهم من جديد:
ـ إكتبوا أيضاً موقفاً أرعبكم، وشعرتم فيه بالخوف الشديد، بخلاف موقف فقدان ندى وعيها، فهذا أرعبنا جميعاً..
خبطت هدى بكفها على سطح المنضدة، صائحة بمشاكسة، بصوت عال:
ـ هذة مؤامرة لتشتيت تركيزي، لن ألعب معكم..
خبطتها علياء مرة أخرى على رأسها بخفة وتوبيخ متبسمة، ثم أكملت كتابتها دون النظر إليها، موضحة:
ـ لسنا بلجنة إختبارات.. لاترفعي صوتك مجدداً..
غمزها صالح قائلاً بخبث:
ـ هل أخصم لها نقطتين ياهدى ، بسبب قطع تركيزك..
أجابته هدى بالنفي وهي تشوح بقلمها، ساخرة:
ـ لا.. فهى مسكينة، سأعتبرها مثل والدتي، لاتخصم لها نقاط... لكن، يمكنك أن تضيف لنفسك ثلاث نقاط، من أجل شعورك النبيل بأختك المظلومة..
أطلق ضحكة مكتومة، منهياً كتابة أخر بند بصدد الموقف الذي أرعبه، عندما إنطلق يجري خلفه بالأمس بحيهم شديد الهدوء ثلاثة كلاب ضالة، إكتشف معهم قدراته الخارقة على إمكانية حصوله على ميداليات ذهبية في العدو..
إستلمت علياء أوراقهم، ناقشتهم في مشكلاتهم، التي تبدو لوهلة أنها تافهة، لكنها نافذة إكتشاف أسرار وأبعاد شخصياتهم، إنغمست معهم مستمتعة بوسيلة التواصل التي إبتكرتها من أجلهم، جميل أن تعلم مايُغضب أولادها، ومايرقصون طرباً لسماعه، ومايهدد مستقبلهم من مخاوف..
رائع أن تنسج معهم أجمل أحلامهم الوردية، فتصل شاطئ تحقيقها بنجاح، ظلت تسألهم عن كيفية التصرف في موقف عم صبحي إذا كرره مجدداً، مؤكدة لهم إرتعابها الحقيقى منه، ومن طريقته المبهمة، وهم يحاولون تبسيط الأمر لتطمئن، لا يعلمون مايدبر لها في الخفاء..
بعد حوالي الساعة صاحت هدى:
ـ لم نتحدث بخصوص هايدى ياماما، البنت التي يحبها صالح أكثر من منار..
دافع صالح عن نفسه بقوة، منكراً إتهامات هدى الباطلة، فإبتسمت علياء من خلف إطار نظارتها الأحمر، تراقب رد فعله المبالغ فيه، لتتيقن من وجود طيف مشاعر، وحب مراهقة لم ينضج بعد، يجتاح قلب إبنها، ومن يلومه، هو فقط يحتاج لتقنين تلك المشاعر، حتى لاتنمو في الإتجاه الخاطئ..
إنتظرت حتى إنتهى عراك الديوك، بين هدى وصالح، ثم سألته مبتسمة بهدوء:
ـ ياصالح.. أنت تنفى أنك تحبها كما فهمت أختك، وأنها فقط صديقة لكم جميعاً، حسناً.. ماالمدة التي تتوقع فيها إنتهاء هذة الصداقة..؟؟
كست الحيرة ملامحه، متعجباً من المراد من سؤالها، ليهتف ببراءة:
ـ ولماذا تنتهي، لا أحبها أن تنتهي..
أجابته بسؤال أخر:
ـ ألن تصاحب فتاة أخرى غيرها، ولماذا تفرق في المعاملة بينها وبين منار إذن..؟؟
تلجلج صالح وهو يجيب بعفوية:
ـ لا، نعم.. لا أعلم.. أنا أحبها هي فقط..
وصلت علياء لهدفها بسهولة، فإكتفت بهذا القدر من الإعتراف، موضحة له الفرق بين الصداقة والزمالة، قائلة بإختصار:
ـ غير مقبول وجود علاقة صداقة بين الولد والبنت نهائياً، خصوصاً إذا تجاوز الأمر في الكلام، والفعل، وإختراق الخصوصية، أما الزمالة فهو شئ وارد بحياتنا، وكل درجة زمالة لها حدودها الخاصة أيضاً، بشرط عدم وجود تجاوزات، لا مجال لعرض مشكلات خاصة، أو الحديث عن أمور شخصية، لا محادثات تليفونية في الخفاء، ولا أسرار متبادلة..
نظرت لهدى تسألها:
ـ ماذا فهمتِ من كلامي ياهدى..؟؟
فكرت هدى لثوان، تزن الكلام جيداً، لتخرج إجابتها نموذجية، لتبدو ناضجة الفهم، فرفعت إصبعها، وكأنها تشرح للجميع:
ـ كلام الولد مع البنت يكون في حدود، وبطريقة مختصرة، دون الدخول في تفاصيل حياتنا، وإلا تحول الأمر من مجرد زمالة إلى صداقة، وهذا أمر مرفوض..
إلتفتت علياء لندى، التي تنتظر سؤالها هي الأخرى بتحفز، آملة أن تجيب إجابة نموذجية مثل هدى، فسألتها:
ـ ما الخطأ بوجهة نظرك ياندى، في تكوين تلك الصداقات..؟؟
شردت ندى قليلاً، تفكر بوجوم، لتجيب بإقتناع تام:
ـ سيقع أحدهما في الحب..!!
إكتفت علياء بهذا القدر، وأنهى صالح توزيع نقاط هذا الأسبوع، ليقوموا إلى لعبة الإكس بوكس، يتعالى صراخهم وضحكاتهم أثناء المكسب والخسارة، والتي لم تشاركهم علياء بها سوى لخمس دقائق فقط، جلست بعدها إلى كرسيها المتأرجح، تكتب على صفحتها الإلكترونية:
ـ عندما يغادرون أولادك هذا المنزل، لن يأخذوا معهم، سوى بعض الذكريات الجميلة، والضحكات التي كنتم تتقاسموا حلوها سوياً، وجب عليك من الأن مراعاة تلك الذكريات، وسقايتها بإنتظام، بل وأن تتقي الله فيها، فلا يشوبها تشوه نفسي، أوعضوي.. مهلاً عزيزتي، لا تتعجلي أن يكبر أولادك، فلا يمر في حياتنا أسرع من الوقت..
* * *
فتحت نشوى باب شقتها، دخلت مع حازم وحنين، تحركت يدها على الحائط المجاور، لفتح إضاءة الثريا المعلقة، خلعت حذائها بإهمال، ودخلت لمقاعد غرفة الضيوف، تجلس متدثرة بهدوء خارجي مزيف، خشية من أن ينقل حازم لوالده، صورتها الضعيفة المتهالكة..
دخلت حنين تبدل ثيابها، وتبعها حازم لغرفته صامتاً، محترماً خلوة أمه، التي بدت كأنبوب الغاز الموشك على الإنفجار..
ظلت نشوى بمكانها ترتب أنفاسها الغاضبة، لتتمكن من محادثة إبنها دون عصبية، تسبب هذا الغضب المسيطر عليها في شعورها بالدوار، فأمسكت هاتفها تطلب رقم إبنها ليأتي إليها، بعدما فقدت القدرة على مناداته بصوتها الجهوري القوي كالمعتاد..
خرج إليها بمنامته القطنية قصيرة الأرجل، يتباطأ بمشيته، ناظراً لها بعينيه الملونتين، ثم جلس مقابلاً لها، واضعاً ساقاً فوق أخرى:
ـ تحت أمرك ياشوشو هانم..؟؟
أسندت رأسها المتثاقلة لقبضتها اليسرى، متكئة على ذراع الكرسي، بعد أن إستهلكت كل طاقتها في التفكير، وأحرقت جالونات من أعصاب إدعت التماسك كاذبة، ليتها تستطيع حرق سعراتها الحرارية بنفس المقدار، ربما إستطاعت وقتها أن تنتصر لجسدها الممتلئ..
تطلعت لحازم الذي يرمقها بتحفيز، زاماً شفتيه، لتقول له بصوت مرهق:
ـ مارأيك في عقد إتفاق..؟؟
أومأ بالموافقة بملامح إستفهام متغابية، فأردفت وقد إحمرت مآقيها من إرهاق التفكير:
ـ مارأيك أن تعود لشخصيتك المهذبة التي كانت تقف بصفي، وقت أن كان والدك يُخطئ بحقي، أريدك فقط أن تكون حازم، أريدك فقط أن تخفف عني بعض العبء النفسي الذي لم أعد أتحمله.. مارأيك..؟؟
أكملت حديثها ببطء، بصوت متهالك نفذ صبره:
ـ أريد أن أراك بشخصيتك، أفعالك من رأسك أنت، لا تكن ضعيف فتسمح لغيرك بالتسلط عليك بأومره، لا أريد أن أراك مستقبلاً رجل مهزوز غبي، يعيش دوراً لايليق به، نسخة من شخص أخر رسم حدود لتفكيرك..!
إعتدل مُنزلاً ساقه، ثائراً لرجولته الصبيانية المهانة، مدافعاً ومعترفاً بطيش:
ـ بابا لا يُملي عليّ تصرفاتي، هو فقط ينصحني، لأتعلم كيفية التعامل مع النساء المعقدة، ذوات العقول التافهة..
إعتدلت بدورها، وقد أفاقتها الكلمات التي يسمم بها والده تفكيره، لتسأله في إستدراج:
ـ وماذا أخبرك بحكمته الفذة عن المرأة، غير أنها معقدة وتافهة العقل..؟؟
أسند مرفقيه لساعديّ مقعده، ليرد بهدوء إستفزها:
ـ غبية، ثرثارة جداً، إهتماماتها خانقة، نكدية بإمتياز، لايجوز الزواج بها أو الثقة فيها، هي فقط للتمتع بجماها، إن كانت جميلة أصلاً..
هرعت حنين إليهما، تقطع جلستهما الغير لطيفة بالمرة، قائلة لأمها بفرحة طفولية مبتهجة:
ـ تخيلي.. بابا وعدني بشراء الفستان الذي أريده من (دبي) هو هناك برحلة عمل، وأخبرني أنني سأرتديه ليلة زفافه قريباً، أخيراً سيشتري لي الفستان المنفوش، أخيراً..
تصلبت ملامح حازم بإنهزامية ساحقة، هل قالت حنين أن والده سيتزوج..! وماذا عن المرأة، تلك الكائن اللزج الخائن، سيئة العشرة، خانقة حرية الرجل، اللحوحة في طلباتها حد الصداع، الغيورة في مراقبتها للزوج حد الإختناق، المستغلة والمستنزِفة لماديات الرجل حد الغباء..!
أين كلامه عن التمتع بمغازلتها، دون الوعود بالزواج؟ أين نصائحه عن كيفية إيقاعها بحبه دون أن يقع هو بالحب، لأنها ببساطة لاتستحق الحب، ليست جديرة بالثقة، أم هل سيتزوج إمرأة من المريخ، يختلف تكوينها عن إمرأة الأرض، التي لايمل من إستنفاره منها..؟؟!!
ظلت نشوى صامتة، تراقب تعبيراته التي إعتراها الألم بوضوح، لم يستطع إستيعاب التناقض الذي أحدثه والده بأفكاره، فنهض بعنف نازحاً مقعده للخلف بهمجية، وإتجه لغرفته صافقاً الباب خلفه بقوة..

* * *
دخلت عبير إلى والدتها التي تحضر العشاء، تحاول إفزاعها بدغدغة طفولية حول أذنها، وهي توليها ظهرها، لكنها لم تحرك ساكناً، وظل إنفعالها ثابت لم يتغير، لكن لسانها تحرك، لينهر عبير عن فعلتها:
ـ أغربي عن وجهي ياعبير، فلم أعد أجزع من أي حركة كانت، لاأريد سماع صوتك حتى..
أطبقت عبير على شفتين مبتسمتين بإعتذار، متذكرة مانالته أمها من ضرب وسباب، بسبب رفضها لأمجد، هي معترفة بغلطتها، لكن ماذا كانت ستفعل إزاء إحساسها برضا والدها عن ذلك الشخص، سوى أن تنفر منه، بل وتبغضه، دون أن تمنحه الفرصة لتقييمه حتى..؟؟
ربتت على كتف أمها الموجوع، ثم إلتقطت كفها المجعد قبلته بأسف، لتتمتم بإعتذار حقيقي، آلم أمال نفسها:
ـ أسفة ياماما، أنا حقاً أسبب لك المشاكل، ولاتجني من وجودي سوى التعب، تعب القلب والجسد..
إنتشلتها أمال من مشاعر الحزن على حالها، والأسف لحال والدتها، قائلة:
ـ هناك شخص دعت عليه أمه، سيأت غداً ليطلب يدك، حاولي أن تكوني محترمة معه حتى ينصرف، فأنا لست على إستعداد لتلقي مباراة ملاكمة جديدة من رشدي..
رفرف قلب عبير للحظات، وقد مست الفرحة شغافه، وهي تتخيل نفسها قد تخلصت من براثن والدها المعتدية، في لحظة تجلي منها، لتتساءل عن مواصفاته بخبث وكأنها لا تعرف، لتخبرها والدتها:
ـ مهندس معماري، نحيف وسنه مناسب، يعمل بالكويت، ويريدك معه، وأنت ستظلين غبية، وترفضيه كالذي قبله..
قبلتها عبير بفرحة غير مسبوقة على مشاعرها، ملتقطة قطعة مقرمشات موضوعة أمامها، واعدة والدتها بمرح:
ـ حضري نفسك لتزيني إبنتك البكرية يافوزية، فيبدو أنها موافقة..
* * *
يوم الثلاثاء الأحب لقلب سميحة، حيث تجتمع العائلة كلها على مائدتها، تطهي لهم بنفسها، هيام فقط تناول وتساعد، عاشقة هي لتجمع أسرتها حولها، لا تفتر كل مرة أن تدعو لهاني، أن يشاركهم وزوجته وأولاده، هذا التجمع لتكتمل فرحتها..
سلمى على علم بذلك، فوقفت أمام دولابها تُخرج سترة السباحة، التي تشبه بدلات الغوص، لكن بلاأكمام، أهدتها لها والدتها عند عودتها من سفرها، إرتدتها، ومن فوقها قميص أبيض طويل، يصل لركبتها..
زينت كاحلها بخلخال، ووقفت تنظر لهيأتها تاركة شعرها الكثيف حول وجهها دون تمشيط، بغجريته التي تشاركها ناريتها المتقدة، بداعي وبلاداعي، ثم لفعت منشفتها الطويلة على كتفها، ونزلت..
قابلت هدى على السلم، فنظرت لهيأتها بإعجاب شديد، مطلقة صفيراً من بين شفتيها، ناظرة لمنشفتها، متسائلة:
ـ هيئتك فاتنة جداً ياسلمى، هل ستنزلين المسبح..؟؟
إبتسمت سلمى، وظللت عينيها الجميلتين سحابة مكر، وهي تسألها بتخابث، تحاول جرها معها، حتى لا تكون الوحيدة بالمسبح، فيبدو الأمر طبيعياً:
ـ أتنزلين معيّ..؟؟
حركت هدى رأسها نفياً بخيبة أمل، وهي تنزل السلالم:
ـ لا أستطيع، أنا جبانة من الماء جداً، ندى أختي هي التي تعوم كالسمك، عافاها الله سريعاً لتعود للسباحة من جديد، أما أنا سأنزل لمساعدة جدتي في عمل الغداء.
رفعت قبضتها اليمنى في حركة كرتونية مكملة بحماس طفولي، تشجع نفسها، وهي تنزل أخر درجات السلم، مع سلمى:
ـ ستأكلون السلاطة اليوم من يد الشيف هدى علام، مارأيك بالإسم، رنان وله مستقبل أليس كذلك..؟؟
إبتسمت سلمى بلا مرح هذة المرة، ليصلا للصالة الواسعة للفيلا، فرمقت سلمى الساعة الحائطية ذات الإطار الذهبي بنظرة جانبية، مازالت الرابعة، مازال هناك ساعة كاملة على موعد الغداء، وغاية ما تريده من نزولها المسبح، أن تكيد حماها، نكاية في هديته المرفوضة..
سألت عليه لتخبرها سميحة، بأنه بالشركة مع محمود، فإستلقت تتمدد بتراخٍ على الأريكة أمام التلفاز، فإنسحب قميصها لأعلى كاشفاً جزء من ساقيها، لامبالية لذلك، فلا أحد هنا غريب، لا تعلم أن هناك عينان صغيرتان، تتابعان حركاتها وسكناتها، بإعجاب مهيمن..
وبمنتهى التلقائية، رفعت هدى أرجل بنطالها المطاطي الأحمر لأعلى ركبتيها، مشرأبة بعنقها، تنظر لطول ملبس سلمى، لتتأكد أنها تماثلها تماماً، ثم سحبت مشابك شعرها المموج، ووضعتهم على الطاولة، مبعثرة شعرها ليبدو بجمال شعر سلمى، ومشت واثقة الخطا كعارضات الأزياء، منتشية بتقليدها الأعمى لسلمى، التي تحبها وتعشق هيأتها، ودخلت بضجيجها المعتاد لمطبخ جدتها، تغسل مكونات السلاطة للبدء في تقطيعها..
* * *
قام مراد من نومه، تجاوره تلك المرأة التي لا تحل له، غاب بالحمام وخرج بعد نصف ساعة، ليجدها مازالت نائمة بعمق مستترة تحت الغطاء، لا يظهر منها سوى شعرها الكثيف الأملس المصبوغ ، إرتدى بدلته الكلاسيكية سريعاً وفتح دولابها، وأخذ ثلاث رزمات نقدية من درج داخلي به، ملتقطاً ورقة من على تقويم الحائط الورقي، كتب عليها كلاماً معسولاً يشبعها..
ثم أعلمها بالقيمة النقدية التي أخذها، شاكراً دعمها المادي له، وألصق الورقة على المرآة أمامه، بمسحة فازلين..
إستقل سيارته منطلقاً بها، وجزء من ضميره مازال متيقظاً..! يسبه على أفعاله الشيطانية الخرقاء، يتعارك مع ضميره الميت..! والذي يدافع بشراسة عن تصرفاته المشروعة..! نعم، فهو ينهل من بئر كرمها المادي والجسدي، وهي تُمني نفسها بالتعويض الضخم الذي سيمطرها به، عقب ربحه لقضية الحجر، ووضع ثروة والده الطائلة، قيد تصرفه..
قصد مكتب محاميه العتيد، الذي لايخسر قضاياه أبداً مهما حدث، وضع بين يديه ملفات العمليات الجراحية التي فشلت، وتُوفي بعدها المريض على يد والده، فربما ساعدتهم في إثبات عدم كفاءته عقلياً، ليتمكن من كسب القضية ضده..
تطلع المحامي الصفيق للملفات الأربعة، قائلاً بدهاء:
ـ الفترات التي تفصل توقيت كل عملية والأخرى عدة سنوات، وهذا ليس بصالحنا، لكن إن زوّرنا تواريخ حدوثها، لتبدو كلها في فترة متقاربة، سيسهل علينا مهمتنا..
تحفز الإثنان بهمة على تشمير أكمام الباطل ليستطيعا حياكة ثوب الزور، الذي سيتم تفصيله بدقة ليناسب أربعة أشخاص وجب الإطاحة بهم من المشفى..
علياء مجدى.. طبيبة الأسنان، التي لابد أن تدفع ثمن تصنتها على غدير، وسماعها ما يجهلون مقداره من الحوار، فلابد أن يخرسوا لسانها قبل أن تنطق ضدهم..
سامح عز الدين.. طبيب النساء والتوليد، بعدما تأكد أنه لايتولى مجرد إدارة شرفية، وإنما بتوكيل عام رسمي، يُحق له حرية التصرف بالمشفى..
غانم أبو هيبة.. والده، طبيب الجراحة، الذي يحرمه من ماله، لمجرد أنه رآه عدة مرات، يتناول المشروبات الروحية..! فماذا لو علم بعلاقاته الغير شرعية..؟؟ بالتأكيد سيحرمه من تلك الثروة، التي لا يستحقها غيره..
أما غدير خطيبته، فهى مجرد مرحلة، خطبها فقط لتكون عينه داخل المشفى، وساعدتها وظيفتها بالمخازن على تعزيز مكانتها لديه.. تجلب له الملفات، دون أن يشك بها أحدهم، لكن بالتأكيد لن تكون رفيقة دربه المستقبلي، لن تليق بمستواه أبداً..
جلسا بقاعة الإجتماعات الملحقة بالمكتب الرئيسي للمحامي، يطول حديثهما، وتعلو ضحكاتهما، يسطر لهما الشيطان طريقاً معبداً، تفترشه الأحلام المحظور حلمها..
* * *
وقف هاني أمام باب المصعد، بالطابق الذى تقبع به غرفته الفندقية، يدندن كلمات الأغنية التي يسمعها.. عبر سماعة الهاتف اللاسلكية، حينما داعب أنفه ذلك العطر النسائي القوي، الذي يتقارب مع وقع أقدام صاحبته، التي وقفت بجواره تنتظر المصعد بدورها..
وصل المصعد، وخرج منه ثلاثة رجال، أشار بعدها هاني للسيدة أن تركب بمفردها، إتقاء شر فتنة عطرها الرهيب، لتجيبه بكلمات شكر فرنسية وتدلف للمصعد، رافضة أن تغلق بابه أو أن ترحل بدونه، مكرره كلمة واحدة بالإنجليزية تدعوه للدخول، تفضل.. تفضل..
ظلت تعلق المصعد بالضغط على الأزرار، حتى إستجاب لها، وإستقله معها مرغماً، وقفت خلفه تتطلع بتفاصيل لملامحه الجانبية، بنظرات جريئة رأها في المرآة الداخلية، إستبغض فكرة تحرش حواء بالرجل بتلك الطريقة الفجة، في حين كانت تمطره بنظرات الإعجاب الشديد بحسنه..
بينما هو، يتوسل المصعد أن يصل سريعاً، قبل أن يصاب بالدوار، من رائحة عطرها اللذيذ، الذي فشل في إستمرار عدم إستنشاقه، وبدأ يحرك مشاعره الرجولية بالفعل..!!
خرج من المصعد متنفساً الصعداء، وفي خطوات سريعة ظل ينتقل من رواق لأخر، متعمداً تضييع أثره، لتلك التي تصر على إتباع خطواته حتى وصل إلى المطعم، فإتجه بسرعة للحمام، لتفقد أثره تماماً، وتعود خائبة الرجا لمصعدها مرة أخرى، وخرجت من الفندق لتُجري إتصالاً هاتفياً، لم يُسمع منه سوى عبارة واحدة:
ـ أخيراً وجدته، إنه هنا..
إختار هاني طاولة في ركن هادئ بالمطعم، ثم طلب قهوة وطبق معجنات شرقية إشتاق لها، أخرج هاتفه ليتصفح بريده الإلكتروني، حيث تقبع رسائل جاسر، يحكي له كل تفاصيله اليومية، يتخيل ملامحة الضاحكة، وهو يقرأ كلماته..
فتح صفحة التواصل الإجتماعي الخاصة به، ليرى صورته البدينة تزين مطلعها دون أن يغيرها، مرر أصابعه عليها ضاحكاً، ماراً بحساب محمود أخيه، ليجده ينعي أيام العزوبية بكلمات بوهيمية، واصفاً الحياة الزوجية بالعاصفة النكدية، التي إبتلعته دون أن يستطيع الإفلات منها..
ضحك بملء فيه معلقاً بكلمات مواسية، مفادها أن كلنا لها، وإنا لله وإنا إليه راجعون، مر على كلمات علياء عن تربية أولادها، مستشعراً تقدمها بالسن، فهو لم يرها منذ أن كان يُحضر لسفره، أثناء حملها بتوأمها هدى وندى، اللاتى لم يحضر ولادتهما حتى..
حضر النادل في تلك اللحظة، وضع الطلبات على المنضدة، فأزاح هاني سماعة الهاتف عن أذنه، ليشكره..
كاد أن يعيد سماعته، إلا أنه تسمر مكانه عندما سمع إسم والده المقترن بإسم المؤسسة، من ذلك الشخص الذي يجلس بالقرب، فأنصت له مرغماً:
ـ نعم نعم، سنجبره على ذلك قريباً، سيبيعها برخص التراب بعدما يتم سرقتها.. سنعجزه بالشرط الجزائي، علاّم تربع على العرش لسنوات فاقت الحد، إسمع.. أرسل له إبنته غير الشرعية، ستكون تلك هي الضربة القاصمة له..
لايمكن لهاني أن يُخطئ إسم والده، ولا إسم شركتهم، بهتت ملامحه، حاول رؤية وجه ذلك الشخص الذي لايعرفه.. ليلمح لون عينيه الأخضر الزرعي، هاجمته الظنون السلبية تعصف بأفكاره..
ماالذي سيتم سرقته، ومن بالضبط لديه إبنة غير شرعية، من كان يقصد بعلام..؟؟ أخيه.. أم أبيه..؟؟
* * *
نهاية الفصل الخامس
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية لحظة اختيار

مُساهمة  فاتن في السبت ديسمبر 01, 2018 5:56 pm

الفصل السادس
إرتدت علياء عباءتها ووشاحها النبيذي، وخرجت من غرفتها، لتفاجأ بصوت شجاراً عالياً، قادماً من غرفة صالح، إتجهت نحوه لتصيح بصرامة، لا تتناسب مع صوتها الرفيع:
ـ ماالذي يحدث هنا، لماذا يعلو صوتك بهذة الطريقة..؟؟
علا صوته المفخخ بالغضب والإستياء، مجيباً وهو يشد مقدمة شعره الكثيف من الغيظ الذي يتآكله:
ـ ندى هانم أفسدت رسمتي، التي أرهقتني حتى أصبحت بهذا الإكتمال، لماذا سمحت لنفسها بدخول غرفتي، وإفساد لوحتي، وفتح أدراجي الخاصة..؟؟ إسأليها عماذا كانت تبحث، ماالذي يخصها هناااا..؟؟
كان صوته عالياً يشبه الصراخ، فدافعت ندى عن نفسها بخوف، متلحفة بمعطف شجاعة مزيف:
ـ لم أكن أفتش، لم أقصد إفساد اللوحة والله، أنت الذي دخلت فجأة، دون إذن وأفزعتني..
وقفت علياء تراقبهما بحذر مبهم، فما تراه أمامها، يوصد في وجهها أبواب التفاؤل بما تفعله أمسية كل إثنين من كل أسبوع، فإبنها يتعارك مع أخته أمامها دون إحراج من وقوفها بينهما، ياخسارة تعبك ياعلياء..!!
ليصدمها رد فعل صالح، الذي بلغ منه الغضب مبلغه، وهي تراه يدفع أخته في كتفها بقوة كادت تسقطها، قائلاً بخشونة غير معهودة:
ـ دون أذن..! هل أصابك الحول..! إنها غرفتي أناااا..
تهدلت أكتاف ندى ضعفا،ً وخلعت معطف الشجاعة المزيف، لترتدي رداء المسكنة، لترد بكلمات مختنقة بالدموع:
ـ أنا أسفة، كنت أبحث عن هدية جدي لك، فبالتأكيد لم يخصنا بإسدالات جديدة، وينساك في هدية مناسبة، أما الرسمة فلطختها حتى لا تصورها وتريها لهايدي، أنا أغار عليك منها، لا تكلمها مرة أخرى..!!
قالتها وخرجت هاربة لغرفتها، فتداعى جدار الكلمات الموبخة، التي نوى إطلاق قذائفها خلفها، فإلتفت بإندهاش لعلياء التي تقف يغلفها الذهول المغموس بالخيبة، فتحدثت ببطء صارم:
ـ تدفع أختك وأنت تعلم بعلتها، وأثرها السلبي على نفسيتها، تنعتها بالحول، يعلو صوتك عليها دون إعتبار لوجودي..! حدثني عن كيفية إحتواءك لها، في حالة ما أصابني مكروه ما..؟؟
تلاطمت أمواج الندم والإعتذار والحنق في آن واحد على صفحة وجهه، فهدأت ثورته قليلاً، معتذراً بنبرة مازالت مغتاظة:
ـ لقد أغضبتني جداً، لا أحب أحدهم أن يفتش بأغراضي، أويقتحم عالمي الخاص، وجدي لم يعطيني هدية من مدة طويلة، ورسمتي التي أفسدتها تلك إستغرقت مني أسابيع، وهايدي تلك لم أكلمها من الأساس..
ـ هي مخطئة بلاشك، إذهب لها، واطلب منها أن تعتذر لك، وسامحها وقبّل رأسها، وصوتك لايعلو مرة أخرى، خمس دقائق، وأراكما تحت على المائدة، متصالحان..
تركته، ونزلت مغلقة باب الشقة خلفها، فتنهد صالح بغضب مكتوم، وهو يضم قبضته بوضع اللكمة، ناظراً لرسمته الملطخة، ودرجه المفتوح، متمتماً بنفاذ صبر:
ـ حاضر..
* * *
خرج محمد علام من مكتبه بالمؤسسة، حاملاً حقيبة صغيرة، تضم بعض الأوراق الهامة، وفي طريقه بالرواق الطويل، قابل محمود واقفاً مع ثلاثة رجال يتحدث معهم، بشأن الصفقة التي يرفضها نهائياً..
تحدث محمود لوالده بحفاوة يقدمه لزملائه، مفتعلاً عدم وجود مشاكل بينهما أمامهم:
ـ والدي الحبيب، أدام الله عليه الصحة والعافية، أقدم لك الشركاء الجدد، أكرم، شاكر، نبيل..
رد محمد بحفاوة مماثلة، مغلفاً نبرة صوته بتودد بدا صادقاً، أشعر محمود بالإمتنان:
ـ أهلاً وسهلاً بضيوف الشركة، وشركاء العمل، أتمنى لكم التوفيق..
إستأذن محمد متجهاً للمصعد، فلحقه محمود بعد لحظات، إنغلق عليهما المصعد، فشرع محمود يقبل يده بإمتنان وعرفان لا محدودين، إعتدل مقبلاً رأسه، متهلل الأسارير:
ـ أشكرك على عدم إحراجك لي أمامهم، والله أنا أريد إرضاءك... فقط أخبرني كيف، أحتاج أن تسامحني وتساعدني، أحتاجك بشدة يابابا..
وصل المصعد للطابق الأرضي، فخرجا منه، ومحمد يلعب بهاتفه، قاصداً عدم إعارته إهتمام، محاولاً إستنفاذ طاقة قلقه، ثم رمقه بنظرة جانبية يتأمل توتره وهو يسير بجواره، ليعبرا بوابة المؤسسة الخارجية معاً:
ـ هل سمعت فيما قلته، كلمة إعتذار..؟
تدارك محمود موقفه، فوقف مقابلاً له يسد عليه الطريق مبتسماً بحبور، نافضاً الحيرة والضياع المطبقان على خلجاته، متودداً إليه، بعدما حاوره أخيراً منذ أن جافاه، وطال خصامه:
ـ أسف جداً، أعتذر بشدة، أرجوك سامحني وساعدني..
نظر إليه بنظرات ثاقبة، محملة بعتاب طويل، ثم إبتسم أخيراً، ليسبقه بخطوتين، قائلاً وهو يضع هاتفه بجيبه:
ـ سأنتظرك بسيارتك، لاتتأخر..
* * *
وقفت عبير بالحمام، تضع قناعاً للبشرة على وجهها، تشدو بصوت غيرمسموع بأغنية قديمة شعبية، كانت تسمعها دائماً بليلة حنة العروس، إبتسمت لنفسها، متطلعة بروح شرهة لمستقبل أمن، تُمني نفسها أن ترقد يوماً مستكينة في منزل ذلك الذي إرتاح له قلبها، من مجرد مكالمة تليفون..! بالطبع تتهم نفسها بالجنون..
سكتت عن الشدو للحظات.. عندما قرع قلبها بطبول القلق، ماهذا الإحساس الغير منطقي، الذي شعرت به تجاهه دون مقدمات..؟؟
هل إشتياقها للتخلص من تسلط والدها، الذي يتفاهم باليد وسلاطة اللسان، يجعلها تظمأ هكذا، لاهثة شوقاً للموافقة على شخص لم تتبين شخصيته بعد..؟؟
لالا .. فهذا الشعور لم ينتابها وقت وجود أمجد، هي فقط تتطلع لأن تجده صنف مخالف تماماً لشخصيه والدها، لمجرد أنه رفضه ولا يعجبه..!!
إبتسمت في وهن شاردة، وقد داهمها خطر المجازفة، فحجّم سعادتها قليلاً، عادت لتنظر لقناع وجهها متسائلة، هل هناك أقنعة للروح..؟ قناع يمكننا شراؤه ووضعه لدقائق، لترميم تشوه أصابها، أو لجبر خاطر منكسر، أو لإصلاح عطباً بالقلب مثلاً، أو لرتق قطعاً طولياً حاداً بالنفس العميقة، نُزيله فتزول معه كل متاعب الوجدان، ويعود القلب فيخفق بكفاءة من جديد..؟؟
ماهذا..!! دققت النظر قاطبة حاجبيها، لتجد عدد لابأس به من الشعيرات البيضاء، تطل بعناد على جانبي صدغها، إستفاقت من هرتلتها الشاردة، ترمقهم بنظرات تحدي:
ـ عدتم للظهور من جديد..!!
خرجت مسرعة بقناع وجهها لغرفتها تهاتف الصيدلية المجاورة، وتطلب عبوة صبغة شعر سوداء لتطابق لون شعرها الفحمي، أغلقت الهاتف وهي تذكر نفسها:
ـ أول إعتراف سأخبره به، هو أنني أصبغ بعض الشعيرات البيضاء.. لا بأس..
خرجت مسرعة، لإكمال روتين التدليل الأسبوعي الذي تمنحه لجسدها، فإصطدمت بكتف والدها، الذي خرج مسرعاً بدوره من غرفته، لتشهق مفزوعة ومبتعدة، بعدما لطخت قميصه بمكونات قناع بشرتها، ليدفعها بعنف شاتماً:
ـ أشكال قبيحة..!!
رفعت كفها في تحية عسكرية مبتسمة لكرم أخلاقه، ولرد فعله الأقل بكثير مما توقعت، ثم تنحت جانباً، ليعود لغرفته لتغيير القميص، لتقول:
ـ تُشكر ياحاج رشدي، على وصفك الدقيق لي..
* * *
دخلت علياء مطبخ حماتها، الذي يضج بالصخب، إثر ضحكات هدى المشاكسة لجدتها، والتي كانت تبشر الجزر، لوضعه على السلاطة، ألقت السلام، وشمرت أكمام عباءتها، ثم إنتشلت قطع اللحم من القدر الموضوع فوق الموقد، لترصها بصينية غير لاصقة للطعام، ثم دهنتها بالمسلى الفلاحي، المختوم عليها شعار منتجات علام، ووضعتها بالفرن..
ـ إنجديني من هدى ياعلياء، فقد إمتغصت بطني، من شدة الضحك..
قالتها سميحة ضاحكة، وهي تفرش الطبق البيضاوي الأبيض بالقدونس، لتضع عليه قطع الدجاج المشوي، تشاركها هيام الضحك، وهي تقف تغسل الآنية، سكتت قليلا،ً ثم أكملت:
ـ ثرثارة كجدتها.. خفة ظلها لا تمت بصلة، لصرامة والدها، الوقور الرزين..
ترحمت علياء على زوجها الراحل، مبتسمة بحنين لشخص.. إنطوت ذكراه في طيات النسيان البعيدة، والتي للأسف، فقدت معالمها وتفاصيلها بمرور الزمن، لكنها لم تفقد إمتنانها الشديد لظهوره بحياتها في لحظات فارقة، نقلها من مجرد فتاة ضالة بالشارع، لتكون ذات مأوى بملجأ أيتام سميحة، ثم زوجة وأم ببيت ووضع كرمها، ورفع شأنها، إبتسمت لتقول ببساطة:
ـ تذكرت الأن أيام الملجأ ياماما، كنتِ نعم العوض عن أمي حبيبتي، رحمها الله..
إرتعشت أيدي هيام لحظة سماعها جملة علياء، فإنزلق الطبق الذي كان بيدها، ليقع أرضاً مفتت لأشلاء.. إعتذرت والصدمة تُغلفها، وإنحنت تلملم أجزائه المتناثرة، فاغرة فاهها بعدم تصديق، لتتساءل بفضول لم تستطع وأده:
ـ هل كنتِ إحدى نزيلات الملجأ يادكتورة علياء..؟ مثلي..؟
أكدت علياء المعلومة ببساطة، تُسرد لها بعض الذكريات مبتسمة، فأولتهم هيام ظهرها لتتابع عملها بقلب خافق بين ضلوعها الملتاعة، ينتاب كيانها تقلبات تعصف به، وتدوي كلمات علياء في أذنها كدوي الرصاص..
إهتزت مرتجفة داخلياً بشدة، وشعور بالقهر يعتريها من قوة ألم الصفعة..! صفعة الحقيقة المرة، وهي أن علياء مثلها..! يتيمة وخريجة ملجأ، لكن لا.. ليست مثلها أبداً، هي تم ترقيتها لتكون زوجة إبنهم، وأنا.. أنا هنا، مجرد خادمة لهم، فقط خادمة..!! صحيح أن سميحة لم تبخل عليها بالمال ولا بالتعليم، تطعمها من أكلها، وتخصص لها غرفة ملحقة بالمطبخ بأثاث راقي ومريح، لا تحلم بأناقته، تهديها ذهباً علي هيئة خاتم مرة، وسوار مرة أخرى في عيد مولدها، وتحملت نفقات رسوبها أكثر من مرة بالمعهد الذي التحقت به بشق الأنفس، نتيجة تدني مستوها بالتعليم حتى تخرجت منه بصعوبة..
كل ذلك لم يشفع لسميحة مقابل مااكتشفته حالاً..
رفعت يدها لأعلى تمسح دموعها الخائنة في كتفها الأيسر، لا تريد أن يرى أحد تأثير هذة المعلومة عليها، إختلفت تعابير وجهها مابين دهشة وإستنكار، سخرية وغيرة..!! وإحساس غريب بالغدر..!! وإحساس أغرب بالأمل..!!
نعم.. فهناك فرصة يمكن إغتنامها، يمكنها أن تحصل على نفس فرصة علياء... تعاظم بداخلها شعوراً يدفعها للإصرار على تنفيذ الفكرة المجنونة، التي سيطرت عليها بجموح، فإبنهم الذي طال سفره سيأت بعد أيام، ومن حقها أن تحاول..!!
* * *
تجول هاني بأروقة مول دبي الضخم، تتقافز الأفكار البائسة لذهنه، عن مدى مصداقية وجود إبنة غير شرعيه لأبيه أوأخيه، كيف يمكنه السؤال عن أمر كهذا، من الأفضل أن يتناسى تلك المعلومة، لحين مقابلة عائلته، والتحقق منهم وجهاً لوجه، دخل أحد المحال يُكمل شراء الهدايا، ثم خرج بعد ساعة، لينعم بقسط من الراحة بأحد المطاعم..
طلب مايسد به جوعه، وهاتف والدته مستمتعاً بثرثرتها الطويلة من داخل مطبخها، تحكي له ماتفعله بالتفصيل الممل، حتى أنها عدت له عدد قطع الدجاج التي رصتها بالطبق، تبثه أشواقاًُ متعطشه للقائه، وأمنيتها بتواجده في ذلك التجمع الثلاثائي المميز..
توجه بعدها لأحد محال الذهب، لإنتقاء هديه لوالدته وعلياء وسلمى، إختار خاتماً ماسياً رقيقاً لوالدته، وسوار من الذهب الأبيض لسلمى، وقلادة تدلى منها قلبين مصمتين صغيرين يتوسطهما قلب بحجم أكبر، رأها مناسبة لعلياء تليق بعدد أولادها، بنتين متطابقتين الملامح، وولد أكبر منهما قليلاً..!!
إنتبه الصائغ للقلب الكبير المجوف بالقلادة حيث يتحرك شقيّ القلب عن أحد الحروف الإنجليزية المرصعة بالفصوص، سأله عن الإسم ليختار الحرف المناسب، فأملاه هاني إسمه رباعي إعتقاداً منه أنه يسأل بصدد كتابة الفاتورة..
إختار الصائغ على غرار ذلك القلادة التي تحمل بين شقيّ قلبها الأوسط أول حرف من إسم هاني بالإنجليزية، والذي لم ينتبه له هاني على الإطلاق..
فقد أثارت فكرة شرائه المجوهرات تلك، ذكرى شراء شبكة خطيبته وحبيبته أسماء، التي يحاول أن يتناساها ليستطيع البدء من جديد، وهذا ما جعله متعجل في إختياره، وغير منتبه تماماً لتفاصيل الهدية..!! هدية علياء..
* * *
جلس حازم أمام حاسوبه بغرفته، يحرك أذرع اللعبة، ولايسدد هدف واحد منذ أن بدأ، من أين له الإنتباه، وهو مشتت الذهن حد الضياع..
فمنذ ليلة البارحة، وهو مصدوم من موقف والده، وتعارُض كلامه مع أفعاله، كيف سيطر على تفكيره، لدرجة إقناعه التام بنظرياته، التي تناقضت تماماً مع أفعاله العملية!.. معقول هل كان يخص نشوى بكل تلك الصفات القبيحة، التي حشى بها أفكاره!.. دون عن كل النساء..! ماهذا الظلم البيّن..؟؟
حقق فريق الكرة الحاسوبي هدفاً عاشراً في مرماه، فقذف ذراع اللعبة البلاستيكي على مكتبه الخشبي بعنف أودعه غضبه، الذي كبل روحه بأغلال الخيانة..!!
نعم.. ففي أحشائه تقبع مشاعر لاتعترف سوى بالخيانة، لِمَ جعله والده يعتنق أفكاره..؟؟ ويُسبح بحمدها، ثم خان تلك العقيدة بنقيض الفعل، وهو يعلن عن زواجه بإحدى النساء البغيضات، على حد قوله..؟؟
تطلع لصورة والده التي يحتفظ بها داخل إطار خشبي بجوار حاسوبه، ثم حدثها بحنق، وكأنه يكلمه هو، جامعاً أصابعه في قبضته وكأنه سيلكمه:
ـ لن أسمح بإملائك عليّ أفعالي وأقولي بعد اليوم.. لأنني للأسف، فقدت ثقتي فيك للأبد..
إلتقط بعدها الإطار وفتح درج مكتبه، وقذفه بداخله بإهمال، رمقه بنظرة غيظ إشتعلت بعينيه الملونتين، آسفاً على كل لحظة زهو شعر بها تجاهه، وهو يُعلمه فن التعامل مع جمع المؤنث السالم، ثم أغلق الدرج بقوة وكأنه يأمر الصورة أن ترقد هنا.. بعيداً تماماً عن مرمى بصره..
* * *
أنهت نشوى تمشيط شعر حنين، واقفه أمام طاولة زينتها، وتُجلسها على الكرسي أمامها، ثم وضعت إكليل ورد صناعي لتزينه، قائلة بفرحة:
ـ روعة.. ستكونين يوماً ما، عروس فاتنة..
تحسست حنين شعرها بسعادة، وسألت ببراءة:
ـ هل سأكون أجمل من عروس بابا يوم زفافه..؟
أزاحتها نشوى من أمامها بحماقة، كادت أن توقعها على وجهها، لولا أنها إرتطمت بخفة ببطنها في طاولة الزينة أمامها، إبتسمت لها نشوى في المرآة إبتسامة خالية تماماً من المرح، تكوَر لها خديها الممتلئين بإرتفاع:
ـ لا تقارني نفسك بأي مخلوق على وجه الأرض، لأنك مميزة، ولايوجد سوى حنين سليم واحدة فقط.. فهمتي..؟؟
إلتفتت إليها حنين تواجهها ضاحكة، وهي تمسك بطنها:
ـ على فكرة آلمتني الدفعة، وكنتِ ستظلين تبكي ثلاث ساعات ندماً، على خبطك لي هكذا، وعروس بابا أيضاً مميزة، فقد أرسل لي صورتها.. شعرها طويل وجميل مثلي..
رفعت نشوى قدمها للخلف ملتقطة خفها، فأسرعت حنين تهرول من أمامها، قبل أن يلحق بها خف والدتها الطائر، مقهقهة عالياً، لكنه رشق بها بمهارة، وأسقط طوق شعرها، فتفرق حول وجهها الملائكي، فمالت تخطف طوقها، وأسرعت تخرج من الغرفة.. تاركة نشوى تصرخ خلفها بتوبيخ:
ـ لا تقارني نفسك وشعرك بأحد ياحزينة..
قالتها ثم رفعت يدها تتحسس نهاية شعرها القصير، في حركة لا إرادية منها، شعرها الناعم الذي لايستطيل أبداً لأبعد من حافة عنقها سوى بعدة إنشات.. ناقمة على ذلك الأب الجلف، الذي دائماً مايهدد بتصرفاته عرش هدوئها الأسري، الذي تصارع يومياً مع أولادها لترقيع ثوب تفككه منذ إنفصالهما..
* * *
قاد محمود سيارته، في طريقه للمنزل، يجاوره والده الذي سأله بهدوء:
ـ لماذا ستغير سلالة البقر الذي ستستخدمه في إنتاج المنتج الجديد، بماذا أغروك شركاؤك لتستجيب لطلبهم..؟؟
عقد محمود حاجبيه، باحثاً عن إجابة للسؤال المباغت، وهو لايمتلك سوى إجابة واحدة، أراد أن يحيد عن الطريق من أجل المغامرة، أراد أن يختار، ويتحمل نتيجة إختياره، نوع من أنواع المخاطرة، لتجربة نوع جديد ليس أكثر..
طال صمته، فرمقه والده بنظرة جانبية، يعلم حيرة إبنه وشقاء روحه، مُقرراً أن يُفجر طاقه غضبه منه أولاً، ثم يتلقفه بين أحضان حنانه، ليساعده في الخروج من هوة الورطة العميقة، التي أوقع نفسه بها عن جهل:
ـ إبيض شعر رأسك، ومازلت تورط نفسك بغباء، كما كنت تفعل أيام المدرسة، وكما فعلت في زواجك الأول، وربما أيضاً بزواجك الثاني، وأخيراً.. مع بعض المحتالين، الذين تلقبهم بشركاء العمل.. إلى متى سأظل ألملم خلفك أخطاءك..؟
ثم علا صوته، ليجلده بسياط أخطائه، لعله يستفيق من سذاجته، التي ستُفقده مزرعته وماله، صائحاً فيه:
ـ بدلاً من أن تصون النعمة، تحني رأسك لبعض النصابين، ليلطموك على عنقك..!!
ضغط محمود مكابح سيارته بقوة، لتقف بهما على قارعة الطريق، فاركاً صدغه الأيسر بعنف، متنفساً بإختناق نتيجة إمتهان كرامته مرة أخرى، ألا يكفي ماحدث ليلة خصامهما السابق..! لماذا كل هذا..؟؟ لماذا..!!
طفت لمحة أبوية صادقة على وجه محمد، إشفاقاً على طفله الكبير، ذو الفود الأشيب، الذي لولا بهتان لون شعره الأصلي، لظهر بوضوح بياض شعره، ثم فتح حقيبته الخاصة، وتناول منها ملفاً، أعطاه له دون كلام، مكتفياً بما قاله سابقاً، وتاركاً له حرية الحُكم على ماسيقرأه..
تصفح محمود الأوراق بتمرد مالبث أن إختفى، وحل محله الكدر والإحباط، ليهتف بعدم إستيعاب، بنبرة متهالكة ندماً:
ـ ثلث نسبة بقر الجيرزي التي ستدخل المزرعة مصابة بالسل..؟؟!!
تفضل عليه محمد شارحاً:
ـ أغروك بمكسب وهمي، لتوافق على صفقة خاسرة، علمت أنهم تجارماشية، لديهم نسبة بقر مريضة.. أحييّ ذكاءهم جداً، لإصطيادهم فريسة سهلة مثلك.. لكنني لا أفهم ماذا ستفعل بسلالة الهوليشتاين، التي تملأ المزرعة، هل ستبيعها..؟؟
أشاح محمود بوجهه يساراً، يداري قهراً بعينيه، سانداً بمرفقه على نافذته، زاماً شفتيه يميناً ويساراً، وقد تأجج طعم الخسارة بجوفه، تلوت على إثره معدته ممتغصة..
ربت محمد على كتفه الأيمن بإشفاق وود صادق، أودعه حناناً يحتاجه، باثاً فيه بعض الأمل:
ـ هيا إلى البيت يامحمود.. لا تيأس فلا أحد يتعلم دون مقابل، وأتمنى أن يكون هذا الخطأ أخر غلطاتك.. سأساعدك قدر إستطاعتي، سأساعدك..
* * *
وضعت سميحة أخر الأطباق على الطاولة، وهي تسمع صوت السيارة الخارجية، وتدور بأعينها بالصالة تتفقد أثر سلمى، التي كانت هنا منذ لحظات:
ـ محمود وصل ياهيام، أحضري الملاعق، أين ذهبت سلمى..؟؟ يا سلمى..!!
ركن محمود سيارته، مقابل السور الداخلي للفيلا، ونزل منها مخروساً منهزماً، نزل والده من الجانب الأخر، وإلتفت ليقع بصره على سلمى التي تعوم بالمسبح، فغض بصره بسرعة ودخل الفيلا، في حين ظل محمود شارداً لحظات أمامه في قوالب السور الجرانيتية، خجلاً من نفسه..
لا.. خجلاً من صورته أمام والده، الذي يراه مازال ساذجاً، سحب نفساً عميقاً مغمضاً عينيه، ثم زفره ببطء، وإلتفت..
ورأها..!! وكأنها إنتزعت فجأة فتيل قنبلة غضبه، لتأذن له بالإنفجار..
قليلة الحياء..!! تلوح له بيدها مبتسمة بسترة سباحتها، أصابته وعكة قلبية نتيجة تضارب المشاعر العنيف، مابين قهراً أصابه على إنهيار مشروعه قبل بدئه، وبين إندفاع الدم بثورة في عروقه النابضة ناقماً على تنفيذها لوعدها الأحمق، الذي تفوهت به بلحظة غضب طائش..
هرول إليها ملتفتاً يميناً بالتصوير البطئ ليجد الحارس يتفرس فيها بذمة مبتهجاً، ويلتفت يساراً بقوة الغضب، ليجد منسق الحدائق يسقى الزرع بعشوائية، نتيجة زيغ عينيه على مالذ وطاب من جسدها..
وصل إليها منحنياً على حافة المسبح، جاثياً على ركبتيه، عاقداً حاجبيه بعنف، وهو يصرخ:
ـ أين ثيابك ياقليلة الحياء..؟؟ إنطقي قبل أن أنزل أغرقك بيدي..
تسمرت مكانها بمنتصف المسبح، فأشارت له إلى قميصها الأبيض، ومنشفتها على الطرف الأخر منه، ليكون هناك بقفزتين سريعتين، أحضرهما وقذفهما إليها، هادراً بجوارح نازفة:
ـ غطي جسمك جيداً قبل أن تخرجي من تحت الماء، ثلاث دقائق، وأريدك داخل شقتك، هياااا..
هرول لمنسق الحدائق يلكمه بعنف، يُمطره بسيل سباب من النوع الثقيل، طارداً إياه بعد أن أودعه ركله عنيفة ببطنه، تأوه لها منكفأ للأمام، وهو يقول:
ـ هذا من أجل إحترام خصوصيات من تعمل لديهم، وفي المرات القادمة، إذا وجدت عملاً بمكان أخر، لاتنس أن تغض بصرك..
تناول خرطوم الماء يرشه بقسوة تأمره بالرحيل، ثم توجه للحارس، يمنحه نصيباً وفيراً مما يستحقه من اللكم والسباب والضرب والطرد المهين أيضاً..
خرجت سلمى من الماء مرتجفة، بعدما إرتدت قميصها، ولفت نفسها بمنشفتها الكبيرة، وهي ترى محمود الحليم فقد حلمه فجأة، وبدأ يضرب ويصرخ بهذة القسوة الطائشة، فجرت تسبقه للداخل، لتجد العائلة كلها تتجمع على المائدة، تنتظرها وزوجها، تعلق بها سبعة أزواج من العيون بإندهاش من مظهرها المبلل، لتقول بصوت مرتجف:
ـ معذرة، لن أستطيع تناول الغداء معكم، سأصعد لأتحمم..
صعدت على السلم مهرولة، تتابعها نظرات هدى المعجبة بها، وهي تسمع كلمات سميحة المتعجبة من أمرها:
ـ وهل كان هذا وقتاً مناسباً لنزول المسبح ياسلمى..؟؟ هداك الله..
دخل محمود مبلل الثياب بسبب عراكه مع منسق الحدائق بخرطوم الماء، ليستأذن هو الأخر، لعدم تمكنه من تناول الطعام، صارخاً بصرامة لا تحتمل النقاش:
ـ لقد طردت الحارس ومنسق الحدائق، يُخصم من مستحقاتهما المادية باقي حساب الشهر، ليتعلما الأدب، لا أريد رؤية وجه أحدهما مرة أخرى..
أنهى عبارته وهو يصعد على السلم الداخلي هرولة، بينما كانت هيام تشاركهم أحد كراسي المائدة، تتابع الموقف بهيام متعطش لتذوق هذا الحب المجنون، الذي تراه بعينيها، فكل ما تبادر لذهنها، أن هناك عاشقان أسرعا خلف بعضهما، غير عابئان بطاولة الطعام، التي إزدخرت بمالذ وطاب..
يابختك ياسلمى، يابختك..!!
* * *
قبل أن تغلق سلمى باب غرفتها، كان محمود قد وضع قدمه، ليحول دون ذلك، شهقت إثر دفعه للباب بقوة، وتراجعت للخلف بتوتر، وهي ترى الشرر متطاير من عينيه، وهو يتقدم منها ببطء، يتخلف عن حركتهما رذاذ الماء من ثيابهما المبللة، فوق بساط الغرفة الكلاسيكي السميك..
خلع سترته الندية، وعينيه لم تحد عنها، يرى في فعلتها كل أخطاء إختياراته، التي إختارها في حياته، يرى أن فعلتها تلك أمام والده في هذا التوقيت، كفيله بأن تُسقطه من إحترامه له للأبد، وتؤكد سذاجته التي وصفه بها، يشعر بأنها تصفعه بكل وقاحة، لينتبه أخيراً من غفلته..
أصابه الدوار للحظات، وقد تتابع على صفحة وجهها كل من أخطأ بحقه، أكرم وشاكر ونبيل -شركائه المحتالين- ومأذون شرعي من ماضٍ بعيد، وعروس تقف بجوار زوجة أبيها..!!
عروس تنظر له بإنتصار لحصولها عليه أخيراً، ثم وجه أبيه غاضباً، ووجه سميحه البشوش، تحتضنه عقب كل خسارة، بأحضان أمومية قوية..
بدأ يشعر بالدوار يلف رأسه بقوة، وهو يخلع حزامه مرنَحاً، يقترب منها ليضربها، هي تستحق الضرب، يسند رأسه بإصبعين بين عينيه، من شدة الوهن الذي أصابه، وهبوط حاد في الدورة الدموية جعله يتنفس بكمد وإعياء، جعله يصرخ وهو يهوي بحزامه بجوار أذنها، لإرعابها:
ـ كيف أعاقبك على وقاحتك.. كيف أرفع وجهي في وجه والدي الأن، وأقول له أنني رجل محترم..!!
شهقت مرتعبة، متخيلة نفسها تتلقى تلك الضربة، تقدمت منه مزدردة ريقها بصعوبة، وقد رمت منشفتها أرضاً، فربما تستعطفه حتى لا يؤذيها، مدت يدها لتمسك ذراعه تستسمحه، لكنه كان قد هوى مرة أخرى بحزامه، مبدداً طاقة غضبه الجامحة، لتهوى الضربة كلها على ذراعها الممدود في الهواء، صرخت بعنف، ووصل صوتها للأسفل، جعل سميحة تنظر لأعلى مندهشة، وجعل محمد يكمل أكله دون إهتمام، وجعل هيام تقوم مهرولة للمطبخ، حتى تتمكن من البكاء بحرية على حالها البائس بدون زوج يحبها كمحمود..!!
أمسكت سلمى بعدها بطرف الحزام، هادرة بألم، وتمرد ناري أفاقها من لحظة ضعفها أمامه:
ـ والله إن كررتها، لأحرر ضدك بلاغاً بالإعتداء..
إستفاق جزئياً محمر العينين من كلمتها الصادمة، فألقى بالحزام جانباً، فتطاولت عليه بذراعها السليم تلكمه في كتفه، ليمسك كفيها بما تبقى فيه من قوة خائرة، يهزها متحدثاً بنبرة هادئة، خطيرة، صارمة:
ـ إلتزمي الأدب، ولاتستفزيني أكثر..
إنفلتت منه، وتراجعت للخلف مرتطمة بالدولاب، وعيناها تفيض بالدمع من أثر الضربة التي ألهبت جلدها الرقيق بسرعة، فأمسكت ذراعها وأجهشت بالبكاء، ليذهب إليها سانداً كفيه على الدولاب خلفها، حتى لايسقط أمامها من فرط هبوط ضغطه، أسرها بجسده، وأسند جبينه على جبينها، متحدثاً بإنهاك:
ـ إعتذري حالاً لأسامحك وأطلق سراحك، برغم أنني لم أقصد أن أضربك، لكنني كنت أتمناها، وأنت تستحقينها ياسلمى.. بل تستحقين كسر رقبتك.. وتهشيم رأسك الخرقاء..
أجابته ببكاء صامت، مغلقة عينيها بعند، فكرر كلامه مرة ثانية، وثالثة، إلى أن نطقت من بين دموعها الغزيرة:
ـ ذراعي يؤلمني..
ضعفت قواه تماماً، وسيطر الدوار عليه بعنف، إلا أن حبه لها طغى على كل شئ، ليهمس إليها مشاكساً، محاولاً الإبتسام:
ـ هذا ليس إعتذاراً..
ردت بصوت باكِ:
ـ كنت أريد إغاظة والدك، ليس له صالح بشأني بعد اليوم..
حرك رأسه المسنودة على جبهتها بنفي:
ـ هذا أيضاً ليس إعتذاراً..
دبدبت بقدميها ثائرة، وهي ترد بشراسة:
ـ لا أحد يملي عليّ أوامر، اتركوني لحالي، أنا أكره الجميع..
ردد بنفاذ صبر:
ـ لم أسمع إعتذارك بعد.. هيا اعتذري قبل أن أقطع لسانك السافل هذا..
صرخت بتمرد وغجرية:
ـ لا أجيد الإعتذااار، غير وارد بقاموسي، وذراعي إلتهب.. إبتعد عني..
رد عليها بهدوء، بصوته الذي بدأ يضعف جداً:
ـ إخفضي صوتك الأحمق، وقولى أسفة.. حاولي..
أذعنت لطلبه اللحوح، لترد بمكابرة:
ـ أسفة، إن كان هذا هو الإعتذار، ولن أكررها إن تركني الجميع بحالي..
هبط على خدها بقبلة خفيفة، حبه لها يسبق غضبه منها، قائلاً بقوة خائرة، نفذت بالكلية:
ـ إعتذار مؤقت ترضيني نتيجته.. وستلبسي الحجاب رغم أنفك الغبي، وسأعلمك الأدب من جديد يا وقحة، يا قليلة الحياء..
قالها وترنح في مشيته، إلى أن وصل للسرير، ليسقط عليه بإعياء تام، نائماً على ظهره كمن إرتطم بالأرض بعد سقوطه فجأة من الطابق العاشر، لم تستطع تمييز إذا كان سقوطه هذا إرهاقاً، أم فقد وعيه..!
لم تهتم..!
* * *
في تمام الثامنة، دق جرس باب شقة عبير، إنتفضت واقفة أمام مرآتها، بعدما أنهت زينتها البسيطة، ممشطة أهدابها بالسائل الأسود، وقفت تطالع هيأتها الرقيقة بقميصها الوردي وبنطالها الجينز وحجابها الأزرق، ثم تحدثت بوجل لذيذ، أصاب خفقات قلبها بنشوة مسكرة:
ـ لقد وصل.. وسأوافق عليه عنداً بوالدي..!
زفرت بإضطراب خشية من مجهول ستقذف نفسها بين أنيابه دون وعي، رغبة في الفرار من قبضة والدها، أو قبضة سيادة المقدم، الذي حلف والدها أن يزوجها له رغماً عنها..!
سمعت همهمات رجالية، بالصالة الخارجية، فسرت بجسدها رعشة خفيفة، إنتفضت أكثر عندما دخلت والدتها، من باب غرفتها المفتوح وأغلقته خلفها، ينطق وجهها قلقاً ورهبة، إنتقلا لعبير بسهولة فإستفهمت:
ـ ماذا حدث، من قرع الجرس..؟
جف حلق أمال، وهي ترد على إبنتها، بصوت مبحوح:
ـ المقدم أمجد هو من قرع الجرس..
شهقت عبير شهقة عالية، كتمتها بكفها ثم تساءلت، وبعض الأمل يسكن قلبها:
ـ بالتأكيد المهندس سيأتي بعد قليل، بعدما يرحل هذا السمج بالخارج.. سأخرج له حالاً أخبره برفضي المؤكد له، بالتأكيد كرامته لن تسمـ...
قاطعتها والدتها بقلة حيلة، وهي تتقدم منها بقامتها القصيرة، مرتدية عباءتها السوداء ذات الأكمام المطرزة:
ـ لقد أحضر معه المأذون، ليتتم عقد قرانك بالإتفاق مع والدك..
دخل بعدها والدها بجسده الممتلئ، دافعاً الباب بعنف، مزيحاً أمال عن طريقه بشئ من الفظاظة، فرفعت عبير ساعدها أمام وجهها خشية هجوماً مفاجئاً، لتجده يحدثها بتحذير محركاً سبابته:
ـ تخلعين غطاء رأسك هذا، بناء على طلب زوجك، ثم توقعي وثيقة العقد بأدب، سيمهلك بعدها ساعة واحدة، لترحلين معه لتركيا لقضاء شهر العسل، الطائرة ستقلع بعد أربع ساعات، أسرعي..
فقدت القدرة على النطق أمام هذا الجور العظيم، لماذا يسلبها حقها بالإختيار كأختيها تماماً، لماذا تخيلت للحظة أن مصيرها سيكون مختلفاً عنهما من الأساس..! ولماذا يفرض نفسه عليها هذا الضابط، وبأي حق وبأي صفة يريدها بشعرها..؟؟
شد والدها طرف حجابها الأمامي، فإنخلع عنها بسهولة، مبعثراً شعرها تحته، ثم إلتفت لأمها الواقفة بإنكسار صامت، ليأمرها:
ـ زينيها جيداً يامزينة العرائس، اريدها جاهزة بعد نصف ساعة، سيصل فستانها بعد قليل..
قالها وهم بالخروج، ليلاحظ بساط علياء الجديد تحت قدميه، فإلتفت لأمال موبخاً:
ـ متى إشتريت هذا البساط الجديد..؟ ألهذا طلبت نقوداً إضافية الأسبوع الماضي..؟ والله لتعاقبين على تبذيرك..!
خرج دون أن يمهلها فرصة للرد أوالتوضيح، دون أن تدافع عن نفسها، تركها تتجرع كأس إستبداده وتحكمه الفظ، فارضاً سلطاته عليها، وعلى بناتها، واحدة تلو الأخرى..
لم تتحرك عبير من مكانها قيد أنملة، بل كانت مغمضة عينيها بصدمة، من تكرار السيناريو أمامها مرة ثالثة، لكن مصيبتها الكبرى هو ذلك الذي يريدها دون حجابها، لماذا..؟؟ من يظن نفسه..؟؟
تقدمت منها أمال، تربت على كتفها، تتحسر على إبنة إنقضى نصف عمرها دون زواج، رأت صغيرات العائلة يتزوجن قبلها، ولم تفقد صبرها، بل كانت دائِمة البشاشة والإنطلاق، يدب الأمل في حركاتها وسكناتها..
إنفجرت عبير فجأة تضحك بهستيرية من شدة الألم، واضعة يديها بخصرها، ثم تكلمت أخيراً، بنبرة عكست مدى الوجع الذي تشعب بروحها النازفة:
ـ إنها النهاية.. زيني إبنتك ياأمال، ففي الخارج يتم الأن كتابة عقد بيعها، لرجل يريدها غير مستورة..
سكتت، ليصم أذنها صوت الزغاريد المتعالية من صالة الإستقبال، إن والدها يرتب كل شئ، وهي ووالدتها أخر من يعلم، فهناك مدعوون يتوافدون على منزلهم، ليشهدوا حفل البيع..!
مهلاً.. في أي عصر نحن..!! لماذا لا أرتدي حذائي، وأهرب من هنا حالاً..!! لكن.. إلى أين، وأنا يتم تسجيلي الأن بأوراق رسمية بأنني زوجة المقدم أمجد منصور..؟؟ ضابط شرطة سيأت بي من تحت طبقات الأرض..!
بكت فجأة بعنف هيستيرى مماثل، مما أفسد طلاء أهدابها الأسود، وبدت كالأشباح..
إحتضنتها أمال، ثم شرعت تمسح لها وجهها، وتزينها رغماً عنها، بزينة الأعراس اللامعة، ذات الألوان المبهجة، بعد نصف الساعة ناداها رشدي زوجها لإستقبال الضيوف، الذين ملؤوا الردهة الخارجية.. متى حضر هذا الجمع الكثيف، بل ومتى تمت دعوتهم..؟؟!!
سلمت على الجميع مجبرة على الإبتسام، وكأنها تمثل دوراً مكرراً للمرة الثالثة، فقد إجتمع ضيوف مثلهم من قبل لكتابة نهاية إبنتيها الأصغر بنفس الطريقة..!!
عج مدخل الشقة بالجيران، الذين دعاهم رشدي، لتنتبه لتلك الإضاءة المعلقة على مدخل البيت، إلتفتت للنافذة الخارجية لتكتشف أن أحبال الإضاءة تملاً الشارع وهجاً من قوة إضاءتها، حيث تم توزيعها على الواجهة بإنتظام..
دخل أربعة رجال، يحملون سماعات ضخمة، أخذوا مكاناً بزاوية الردهة الواسعة، وشرعوا بتوصيلها بالكهرباء، بعدها بدقائق رجّت أصوات أغانِ الأفراح أرجاء البناية بأكملها..
وقف رجلاً يرتدى زي خاص بمطعم فاخر شهير، على باب الشقة المفتوح على مصراعيه، ينادي على الأستاذ رشدي، يخبره بحضور الوليمة المتفق عليها، ليأذن له بدخول أطباق الوليمة الجاهزة، ناظراً لأمال بصرامة، لتتناول منهم الأكل، وترصه على المائدة، ليتناول الضيوف العشاء بعد قليل..
إلتقط رشدي هاتفه في توتر، يتحدث لأحدهم داخلاً للشرفة، حيث داس على بساط غرفة عبير القديم، الذي فرشته سابقاً بأرضيتها، قائلاً بعصبية:
ـ أي طريق هذا..؟؟ الحفل سينتهي والعروس لم ترتدِ فستانها بعد.. أه، نعم نعم، رأيتك، أنا هنا بالطابق الرابع..
خرج من باب شقته يتسلم فستان سهرة بسيط منسدل من الجوبير الأبيض، لا يحتوى على تنورة واسعة كما هو متعارف على أثواب الزفاف، ما إن دخل به الشقة، حتى تعالت الزغاريد بفرحة، تبجيلاً له -الفستان بالطبع-
سلمه لأمال، لتعطيه لعبير ترتديه، في حين هدأت الأغاني، وعم الصمت المكان، ليبدأ المأذون في تلقين العريس ووالد العروس ما يقال، إيذاناً بإتمام الزواج..
قام بعدها رشدي يهنأ العريس البشوش، ذو الوجه الأسمر الضاحك، برغم تقوس حاجبيه الدائم الذي يمنحه مظهراً جدياً، رغم السعادة التي يشعر بها، ثم دخل رشدي لإبنته، ممسكاً إبهامها المستسلم، ليضعه بإسفنجة البصمات، لتضع بصمتها على ورقة عقد القران، حيث ذيّلها بإسمها عوضاً عنها، قائلاً قبل إنصرافه:
ـ ألف مبروك ياعروس..
هاتف بداخلها أخبرها أنها ليست قوية كفاية لتعترض أوتثور، هل كانت تدعي القوة..! كانت تدعي أنها تستطيع أن تقول لا.. تدعي أنها تستطيع أن تختار..! تشعر بأنها تعيش أسوأ كوابيسها.. فكررت توبيخها لوالدتها:
ـ لو كنتِ إنفصلت عنه.. كنتِ وقفتِ يوم عرسي أسعد من حالك اليوم ياأمال..
دوى صوت الأغاني مرة أخرى بصخب، وعبير ترتدي فستانها، وهي تقسم بأغلظ الأيمان أن تجعل أمجد هذا يندم على يوم مولده.. تباً له ولغبائه..
ماهذا..؟؟ فستان طويل، صحيح ذيلة طويل جداً، لكن بطانته الحريرية تنتهي عند ركبتيها فقط، أكمامه صحيح طويلة لكن ورداتها مفرغة، عاري الكتفين بضمير، إبتسمت لنفسها بسخرية، ومشطت شعرها الفحمي، الذي يناقض لون فستانها بشراسة، فيجعلها تبدو شديدة الجمال، يدعمه لمعان عنقها وكتفيها المكشوفين..
إبتسمت أمال رغم كل العذاب المكبل لفرحتها، فأخبرتها عبير بأنها تريد مقص، وحذاء من دولاب الأحذية الخارجي، قائلة بتهكم ساخرة:
ـ إشتروا فستان دون حذاء..!
سألتها أمال بحذر:
ـ مقص..؟؟ لماذا ..؟؟ هل ستقصين شعرك كالولد، كما وعدتِ يامجنونة، سيقتلك والدك..
ضحكت عالياً وهي تستشعر أنه قتلها بالفعل، فلن يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، لتقول:
ـ لن يستطيع، فأنا الأن متزوجة من رجل غيور يستطيع حمايتي منه..!! أليس كذلك..؟؟
دخول والدها المفاجئ أخرسها، إبتسم لها إبتسامة صفراء، ليقول:
ـ هاهي أنهت زينتها ياعريس، تفضل تفضل..
ومن خلف كتف والدها ظهر الفارس الأسمر، بقامته الطويلة وصدره العريض، أطل عليها بحلته الكلاسيكية الفاخرة شديدة السواد، يقبع تحتها قميصاً مماثلاً للون، محرراً أزراره العلوية من عرواتها، مصففاً شعره بجاذبية لامعة، حليق الذقن، يخترق عطره القوي جدار غرفتها نفسه، وليس أنفها فقط..
تسمرت مكانها، بعدما تصلبت أطرافها، وإنغرست أظافرها بأسفنجة التزيين على الطاولة خلفها، لتجده يتقدم ناحيتها ببطء، فتراجعت أمال مفسحه له، موضحة لها:
ـ لقد تم عقد القران وإنصرف المأذون.. مبارك عليكِ ياحبيبتي..
إلتقط أمجد كفها المتشنج، ثم طبع قبلة رقيقة بباطنه، قائلاً ببطء:
ـ ساحرة.. جداً.. كما رسمتك بخيالي.. مبارك عليكِ أنا..
ماهذا الغرور، سحب رشدي أمال من رسغها، قائلاً بمرح سمج:
ـ لنترك العريس يبارك لعروسه يا أم عبير..
قالها وخرج موصداً الباب، ليدور أمجد يتفحص الغرفة التي يدخلها لأول مرة بإعجاب، ثم قال بصوت رخيم سمعته بوضوح، رغم صخب الموسيقى بالخارج:
ـ كنت أعلم أن غرفتك ستكون مبهجة، و بسيطة هكذا.. مثلك تماماً..
سحبها إليه بتأني، ليجدها متجبسة الأرجل كتمثال شمع، تائهة النظرات بضياع، هي تقريباً لاتراه، ساوره قلقاً خفياً، فهو على جهل تام بأنها تتزوجه كارهة، أو أنها لم يكن لديها علم بترتيباته مع والدها منذ أن كان هنا المرة السابقة، كل ماتبادر لذهنه أنها مضطربة لسرعة إتمام المراسم، خلال فترة قصيرة جداً، وعدد مرات قليلة رأته فيهم..!!
أجلسها على كرسي طاولة الزينة خلفها، متسائلاً بقلق:
ـ أنت بخير..؟؟
ـ هل أنت وقح..؟؟ عديم الدم..؟؟
تود لو تقولها، ولا تجد سبباً قوياً لإنعقاد لسانها عن الرد..
جاذبيته تحبس أنفاسها، وقلقه عليها زاد من توترها، تحركت رأسها بدوار خفيف من إستعذاب رائحة عطره، ليخفق قلبها بعنف، وهو يخبرها بالحقيقة التي تحاول إستيعابها:
ـ لقد أصبحتِ زوجتي..
غامت الدنيا أمام عينيها، وبردت أطرافها، وأصوات الزغاريد والأغاني بالخارج تخفت حدتها بأذنيها، وكأنها أصيبت بطنين أصمها، وكأنها أتية من مكان سحيق، تابعها بتقوس حاجبين حذر ثم سألها:
ـ هل تناولت طعامك اليوم، هل ضغطك منخفض..؟؟
لكنها لم تجبه، بل وقعت على جانبها مرتطمة بالأرض، فاقدة وعيها بلحظات..
أما بالخارج، فكان المهندس المعني بالزيارة، يدخل الشقة حاملاً علبة شيكولاتة فاخرة، متسائلاً بإندهاش عن شقة السيد رشدي، فربما أخطأ بالعنوان، ليؤكد له أحد الواقفين بجواره صواب العنوان، بحث بعينيه عن رشدي، فأتاه ما إن وقعت عليه عيناه، قائلاً بإبتسامة سمجة:
ـ أخبرتك أنها مخطوبة، فلم تصدق وذهبت لتسأل الجيران، اليوم كان عقد قرانها، عقبى لك، أعطيتك موعداً الليلة بالذات لتتأكد بنفسك، وأوفر عليك تعب السؤال مرة أخرى.. شرفت يابشمهندس..
* * *
نهاية الفصل السادس
الفصل السابع يوم الأثنين إن شاء الله
إنتظروني
دمتم بود
فاتن شوقي
avatar
فاتن
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 14
نقاط : 18
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/10/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى