روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

نذر الشيطان

اذهب الى الأسفل

نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 11:49 am

المقدمة
تلفتت حولها بخوف... لقد خسرت الكثير، لم يبق شيء آخر لتخسره...
انكسر داخلها ذاك القنديل... انطفئ واحرق كل الجمال داخلها... باتت لعبة مشوهة...
نظرة أخرى حولها...
أين هي الآن!!
كيف رمت نفسها هنا... سمعت أصوات ضحكات عالية... لم تر شيئاً ... أهذا هو شبح روحها السيئة، هل يطاردها؟
ركضت بخوف تغلق أذنيها عن ضحكاته... لكنه يتبعها وبإصرار خلفها تماماً...
شهقت من يد استوقفتها.... يد لم تلمسها لكنها أحرقتها...
لكن لا شيء...
دارت حول نفسها وعيونها تجري مدرار لتصرخ بكل صوتها وقوتها... كفاااااااااا
انتشرت الضحكات حولها...
عادت للهرب...
واين المصير ستبقى تائهة....
حتى يحين وقت دفع الدين...
تقلصت معدتها خوفاً ، فتخلصت من كل ما فيها تزيد تعاستها وبؤسها... انهارت قواها...
بينما اقترب موعد القربان..
هي اليوم... قربان الشيطان..........
.....................
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 11:51 am

نهضت من نومها يجزها العرق , جلست على السرير تشهق الهواء بقوة , حلم ..
كان مجرد حلم .. لا بل كابوس مزعج جعل دقات قلبها تصل الألف دقة في الدقيقة.. تجاوزت الساعة الثالثة صباحا , فعادت و تمددت تحاول السيطرة على أنفاسها المتسارعة , مبعدة شعرها عن وجهها ..
ما هذا الكابوس لماذا ينتابها في هذا اليوم ..
*اووووووووف لو أعرف فقط لما اختارني هذا الكابوس الأحمق ..
مدت يدها لتنير المصباح الخفيف الإضاءة قربها و ابتسمت لنفسها
*لن أسمح لحلم سخيف أن يزعج نومي ..
وعادت و أغمضت عينيها لتغفو مرة أخرى .. تاركة الخوف خلفها , ليست هي من تخاف ليست زيان عابد ناصر من يتسلل الخوف لقلبها من مجرد أشياء لم ترها تركض خلفها .. ضحكت من هذا التفكير و عادت لنومتها ....
حتى الصباح ...
لم يزعجها سوى صوت المنبه على الساعة السابعة صباحا ليوقظها فتذهب لعملها , لم تكن أسرتها من الأسر الأغنياء في المدينة و لكنهم ميسوري الحال , يمتلك والدها محلا للأدوات الكهربائية جنى منه ثروة لا بأس بها , و أمها توفيت قبل سنوات قليلة , وحيدة لوالدها , ليس لديها أخوة ..
نهضت بكسل من السرير , لتتجه نحو الحمام تغسل جسدها لتنعشه ..
خلال دقائق خرجت منتعشة تدندن لحنا شعبيا من الأغاني المنتشر و وقفت أمام المرآة لترمي المنشفة الضخمة عنها و تبدأ باختيار ملابسها التي كانت كالعادة فستان واسع يصل للأرض و بلا أكمام , يغطي كتفيها برقة لتظهر ذراعيها كاملة , و شعرها الحريري الأشقر فقد جمعته أعلى رأسها و لفته حتى أصبح كتلة واحدة و ثبتته ببكلة صغيرة , و وجهها النقي الصافي لم يحتج سوى المسكارا و الكحل الأسود القاتم و حمرة طفيفة لتبتسم لنفسها برضا ..
كورت شفتيها ترسل قبلة هوائية لنفسها قائلة
*صباحك فل يا زين البنات ..
والتقطت حقيبتها لتغادر فوالدها كالعادة لا بد قد غادر قبلها لأجل استلام الشحنة الجديدة و تفريغها في الوقت المناسب ..
عملها بسيط افتتحت قبل فترة قصيرة محلا للبطاقات و الهدايا , مع صديقتيها روجين و ريوان بفعل دراستها للفنون الجميلة فقد اختارتهما بعناية كبيرة من تقارب اسميهما , و كم اتفقت معهما و كانت كما يقولون الزعيمة لهما ..
وما زالت كذلك ..
*زيان ..
سمعت صوتا ينادي باسمها , لكنة غريبة لم تتعرف عليها , التفتت خلفها بسرعة و لكنها لم تر شيئا , لا أحد ينظر لها , ضيقت عينيها فهل تخيلت ذلك ؟
كيف تتخيل لقد سمعت صوتا ينادي باسمها ..
مرت بالقرب منها سيارة مسرعة سببت تطاير فستانها الخفيف , لحسن حظها أنه طويل فلم يظهر منها شيئا ..
نفخت بملل و أكملت مسيرها نحو المحل فقد قاربت على الوصول ..
وصلت للمحل على الوقت تماما , في الساعة الثامنة على الضبط كانت تفتح الغلق الحديدي , بالمفتاح الكهربائي ودفعت الباب الزجاجي لتدخل , لديها طقوسها الغريبة التي تقوم بها كل صباح , تشعل البخور الهندي لتملأ المكان الرائحة الشهية , و تنشر بتلات زهور طبيعية من البراعم المتفتحة التي تحضرها قبل يوم وتضعها في الماء , وتعد كوبا ضخما من القهوة وتشربها بهدوء لتراقب باقي المحلات وهي تفتح أبوابها بينما روجين و ريوان لا يصلان قبل التاسعة ..
وبالفعل قبل التاسعة بدقائق دخلت روجين .. فتاة ناعمة الوجه بعيون ملونة و شعر قصير على طلب زيان . . فهي رأت أن الشعر القصير يليق بها .. ولم يكن لدى روجين وقت لتعترض فلم تجد نفسها سوى في صالون التجميل وشعرها الطويل الأسود الناعم أصبح خصلا متناثرة قصيرة من الخلف طويلة من الأمام , الأمر الذي أثار جنون خطيبها فما كان منه إلا أن خاصمها لفترة لا بأس بها حتى تمكنت في النهاية من مصالحته ..
ابتسمت تلقي التحية بينما تضع حقيبة أدواتها على مكتبها الخاص ...
ابتسمت زيان لها و ما هي إلا لحظات حتى دخلت ريوان الحيوية بعينيها الخضراء العشبية مبتسمة كشمس الصباح , فشعرها من شدة شقاره تعتقد أنه شعاع من الشمس تحت أشعتها الرائعة و لطالما حاولت زيان إقناعها أن تغيره بلون يليق بعينيها أكثر و كم تمنت رؤيتها بالأحمر على عكس روجين لم تتمكن من إقناعها ..
نفخت ريوان كعادتها بسخط
*سبحان الله الشمس اليوم لا تحتمل مع أننا ما زلنا في الصباح الباكر ..
ضحكت روجين بينما تستعد لتحضير القهوة لهما
*كفي عن الشكوى , أنت بشرتك حساسة زيادة عن الحد ..
قالت زيان ترفع كتفها بلا مبالاة
*لو سمعت مني وغيرت لون شعرك لما عانيت ..
هزت ريوان رأسها بلا رافضة مجرد النقاش
*تغيير لون الشعر لا يعني تغيير البشرة انسي الأمر تماما ..
لم تعطها مجالا للرد لتقول
*بالأمس جاءنا طلب غريب..
عبست روجين بينما استغربت زيان
*ما الذي تعنيه بغريب ..
جلسا مكانها تتناول فنجان القهوة من روجين لتنظر لهما وتفتح حاسبها المحمول , وتدير شاشته لهما
*انظرا ...
كان البريد الالكتروني الخاص بالمحل أنشأنه واستلمت ريوان أمره ..
أدارت الحاسب نحوهما لتريهما نصا لرسالة غريبة وردت عليه، نصها مختصر واضح والطلب... مثير للعجب
(بطاقة معايدة بتاريخ معين وعليها نص مختصر احذري الشيطان )
هتفت روجين بخوف
*يا رب اهذه بطاقة معايدة أم تهديد!
أعادت ريوان الحاسب لوضعه وعبثت بالأزرار توضح
*لكنه جاد حقا وطلب أن تكون جاهزة خلال أسبوع
ارتجف جسد زيان متسائلة
*وكيف سنصمم بطاقة كهذه!
نظرت الثلاث لبعضهن بصمتٍ، فالعجز عن الأفكار سيد الموقف..
هتفت روجين بحنق
*تبا ليس هذا الرعب ما أردت أن أبدأ به يومي..
أما زيان فلم تجد ما تقوله سوى
*ولكنه عملنا...
لوت ريوان شفتيها
*نعم عملنا لكن ليس مع بطاقة لشيطان..
وسكتت لحظات لتقول بصوت شارد
*فقط تخيلن كم آذته تلك الفتاة لكي يحذرها بهذه القسوة!
همست روجين بخوف لتفتح حقيبتها وتعمل على ما طلب منها قبلا
*أيا كان تصرفا أنتما ما كنت لأتعامل مع شخص مثله أبداً..
وبالفعل حتى ريوان انسحبت من الأمر تاركة التصرف لزيان، فقالت مستاءة
*خائنات..
لم ترد روجين فقد انغمست في عملها وهذا يعني أنها لم تعد معهما بعقلها أبداً، وريوان قالت تعمل على حاسبها الذي وصلته بآلة طباعة حديثة كلفتهم ثروة لا بأس بها
*لست مستعدة للتعامل مع رجل مثله أي كان ما فعلته كان الله في عونها..
وانغمست بدورها في عملها..
بينما زيان المتفرغة في هذا الوقت أخذت على عاتقها تصميم البطاقة، وفضولها يتساءل عن سيئة الحظ التي ورطت نفسها مع رجل كهذا، يبدو عليه أنه رجل يحب الانتقام ويتلذذ به...
توقف عابد ناصر جانباً يراقب ما يجري، هل لمح للتو أن أحد القطع ليست ما طلبه، تبا لذلك، ان ربحه يكمن في ثمن قطعة واحدة يخسرها
*توقف لا تدخل هذه..
بالفعل توقف العامل عن إدخال القطعة ووقف بالقرب منها يجفف عرقه ليرتاح قليلا، تفحص عابد القطعة ليزمجر بغضب، يطلب رقم الشخص الذي تعامل معه لهذه الطلبية، لكن رقم الشركة رن طويلاً دون أي رد..
وبعد عدة محاولات تم الرد أخيرا ليسمع صوتاً يخبره أنهم سيكلمونه لاحقاً..
لعن ليضرب تلك القطعة بقهر، هذا ليس تعامل شركة لها هذا الصيت الواسع في الإنتاج..
ودفع جسده ليصعد الشاحنة بالخلف..
حينها كانت صدمته لا توصف، لا يوجد فيها تلك القطع التي طلبها، معظمها رخيصة غير مطلوبة في السوق...
لعن بصوت عالي وقهر ليطلب من الجميع إيقاف التفريغ..
ودخل مكتبه يلعن ويشتم ليعاود الاتصال بالشركة ولعجبه تم تحويله لمدير الشركة مباشرة..
ورغم غضبه الواضح رد عليه الرجل بهدوء
*ما الأمر سيد ناصر، اهدأ ودعنا نتفق..
لكن عابد لم يكن بوعيه ليصرخ فيه
*كيف سأهدأ.. كيف وأنت لم ترسل لي سوى بضعة قطع مما طلبته..
لكن الرجل رد بهدوء يحسد عليه
*بل أرسنا ما طلبته تماماً..
*ماذا..
صرخ عابد بينما يبحث في أوراقه عن العقد الموقع وعندما يئس من ايجاده صرخ بالرجل
*ما الذي تقوله .. ماذا..
وترك الهاتف لحظات ليصرخ يطلب من سكرتيره الدخول، لكن لم يرد عليه، فاتجه ليفتح الباب ولم يجده هناك، فقط وجد ورقة حمراء اللون مكتوب عليها
(حظ أوفر )
نظر للورقة بعدم تصديق، وعاد ادراجه لمكتبه نظر للهاتف عدة لحظات، ليرفعه ويضعه على أذنه فسمع الصوت يسأل
*هل هدأت؟
مرر كفه بشعره ليرمي جسده على الكرسي متعباً
*ما الذي يجري..
تنهد الرجل الآخر بصوت مسموع ليقول بلهجة آمرة
*أفرغ الشحنة وانتظر زيارتي...
وأعلق الخط بعدها لينظر في الفراغ لا يفهم.. حقاً لا يفهم ما يجري..
وكيف... فقط كيف تمكن منذر من خيانته ولكن يجب أن يجد العقد...
أما على الجانب الآخر وقف مهيار الشوماني بطوله الفارغ، يعدل بذلته الفخمة، الرائعة التصميم التي تظهر تفاصيل جسده الرياضي، وأعاد شعره للخلف ليلتقط هاتفه الحديث الضخم، ومفتاح سيارته الرياضية السريعة وخرج من مكتبه على شفتيه ابتسامة نصر قريب، نصر وانتقام طال الزمن به..
نظر لمنذر الذي كان ينتظره خارجاً، يقلب في الأوراق
*كيف حالك عم منذر..
ابتسم له الرجل
*بخير طالما أنك تكمل نجاحك..
شكره بلطف ليقول له
*متى سنكون هناك..
رفع منذر حاجبه ليقوم بعدة حسابات بسيطة حول العمل وسيره
*لا يخالف متى اردت يمكننا الذهاب إليه..
وابتسم بتعاطف معه
*رغم أنه ليس بالرجل السيء..
التوت زاوية فك مهيار ولم يرد عليه بل تركه ليخرج من شركته الضخمة التي ورثها عن والده...
والده الذي لعبت به امرأة دمرت حياته مع أمه، امرأة متزوجة من رجل آخر!!
وحان وقت الانتقام من تلك العائلة التي جعلت أمه تدخل المصح العقلي لسنوات، قبل أن تموت فجأة...
ألا يقولون الفتاة سر أمها..
حان الوقت ليجعل عابد نادر يعيش ما عاشه هو وأمه من ألم و وجع...
وابنته ستدفع الثمن...
*زيان...
همس باسمها بشر لينطلق بسيارته مبتعدا..
بينما هي انتفضت مكانها تشعر بذات الصوت يناديها، لكنها ضمن محلها فكيف...
هل جنت اخيرا...
نفخت بتعب لتنظر على ما رسمته للبطاقة فلم يعجبها لترميه في سهلة المهملات..
وقالت لروجين وريوان..
*لنحضر الغداء فقد بدأت أشعر بالجوع..
......
*هل هناك ما يقلقك أبي ؟
سألته عندما رأت شروده الدائم الذي لم تعتده فيه , لكنه ابتسم لها لينفي بهزة من رأسه
*مشاكل في العمل لا تقلقي صغيرتي وأنت كيف عملك ؟
تنهدت براحة لترد
*عملنا في هذه الفترة ممتاز , لا تصدق كمية البطاقات التي يطلب منّا صنعها لقد أنجزنا الكثير وأفكر أن أتوسع في المكان لكن روجين اعترضت على الفكرة فهي ترى أن جمع رأس المال في هذه الفترة أفضل من تبذيره على التوسع ..
هز رأسه موافقا
*روجين على حق ..
رفعت حاجبها لا يعجبها ما تسمع
*أنت وروجين نفس التفكير ..
ضحك بخفة ليسأل
*و ما رأي ريوان ...
هزت كتفيها لتقول
*تمكنت من إقناعها بفكرتي ..
ونظرت له باستسلام
*لكن بما أنك على رأي روجين فأنت رأيك صواب ..
رن هاتفه برقم شركة الشوماني فتركها ليرد بينما هي حملت حقيبتها وغادرت ..
تلقى الاتصال بقلب واجل فقد وجد نسختهم من العقد ومن حيث لا يعلم فقد كان بالفعل توقيعه على طلبية مغايرة تماما لما كان يريده , لا يعلم كيف وقعها , ولكن لا يمكنه فعل شيء أبدا , صفقة خاسرة كهذه ستجعل متجره على شفير الإفلاس وما لا يفهمه ما الذي يريده منه هذا الشاب , لقد مر أسبوعين ..
ولم يتلق منهم أي اتصال , ولم يفهم ما الذي يجري ..
*نعم ..
رد بهدوء فلا يملك سلاحا غيره الآن .
وصله صوت الشاب نفسه مهيار
*أنا قريب من محلك أتعشم أن أجدك فيه لننهي المسألة ..
و بالفعل خلال دقائق كان في سيارته المتواضعة الصغيرة ينهب الطريق ليصل إلى المكان بأقصى سرعة ..
وصل للمكان ليجد سيارة ضخمة مرتفعة تقف أمام المكان و عدة رجال ليسوا من عماله المعتادين , ما أن نزل من سيارته حتى فتح باب السيارة لينزل منها شاب في مقتبل العمر تبدو عليه الصلابة رغم لين عوده , أزاح نظارته بحركة مغرورة بطيئة قائلا بلهجة ساخرة لاذعة
*مرحبا بالمخدوع ..
نظر عابد حوله ليفتح المكان و يشير له بالدخول تجنبا للفضائح في هذا المكان ..
أشار مهيار لرجاله بالبقاء جانبا وتبعه للداخل ..
إلى حيث مكتبه وقال مرة أخرى
*أخبرني هل طعم الخداع مزعج ..
اعتصرت قبضة ساخنة قلب عابد هناك شيء سيء خلف هذا الشاب , شيء لا علم له به و مهما كان إلا أنه لا يريحه إطلاقا ..
ولم يرد على سؤاله فقط طلب بهدوء فهم ما يجري ..
جلس مهيار على الكرسي الجلدي بغرور مادا ساقيه أمامه
*الأمر بسيط جدا أريدك أن تختفي ..
اتسعت عيني عابد لا يستوعب ما يسمعه
*لم أفهم ..
اعتدل مهيار بسرعة محدثا جلبة بحذائه الضخم الثمين ليستند بكوعيه عليهما
*الأمر بسيط , أريدك أن تغادر البلاد لمدة لا بأس بها أو سأعمل جاهدا على توريطك بكل ما يخطر على ذهنك ..
رجع عابد بكرسيه للخلف , وهذا العداء الغريب غير مفهوم ولا مقبول لديه
*و لكن لماذا أنا لا أفهم ما تقصده , لقد تسببت لي بالفعل في هذه الصفقة بخسارة ما يقارب نصف ثروتي التي لا تكاد تكون شيئا من ثروتك فكيف أؤثر عليك بوجودي!
ضحك مهيار بتسلية
*أنت فعلا لا تؤثر علي ولو بمقدار شعرة ..
و ذهبت التسلية من صوته ليعود للجدية
*ومع ذلك أريدك أن تغادر البلاد ... وحدك ..
قال كلمته الملغومة و انتظر ليرى ردة فعل الرجل الذي بقي ينظر له لعدة لحظات كمن يتأكد مما سمعه , قبل أن يحمر وجهه بغضب ليقف صارخا
*ما الذي تعنيه بكلامك أيها الوغد ..
لم يتأثر مهيار بغضبه بل فرد نفسه على الكرسي براحة أكثر قائلا بسخرية هادئة
*اهدأ اهدأ .. لا داعي للغضب ..
لكن عابد لم يكن بوضع يسمح فيه بالهدوء فضرب مكتبه بقوة هادرا
*لن أهدأ و لن أسمع المزيد من هرائك أخرج من هنا و أحذرك أن تقترب من ابنتي هل فهمت ..
ارتفع حاجب مهيار ليطقطق بلسانه مدعيا البؤس و وقف ليقترب من عابد بوقفته الغاضبة وهمس
*أنت لا تريد من رجالي أن يؤذوها الآن أليس كذلك ..
وأخرج من جيبه جواله الضخم ليجري مكالمة فيديو مع أحد الرجال وهو يتبعها فأدار الرجل جهازه نحوها ليراها عابد كيف تسير لا تعلم ما يجري حولها وتفتح غلق محلها المفتاح الكهربائي ..
أغلق مهيار الخط ليقول بتسلية
*هل أغادر ؟
نظر له عابد بيأس فلا يقدر على إغضابه كيف وابنته تحت يده تماما وهمس
*أي شيطان أنت ما الذي تريده .
*ابنتك .. قالها بكل ثقة وأردف بوجه مخيف
*لن أقتلها لا تقلق , فقط سأذيقها ذات العذاب الذي ذاقته أمي وأدخلها مصحا عقليا محترما حتى تموت ..
جلس عابد على كرسيه لا يصدق ما يسمع وسأل بعجز
*ما ذنب ابنتي و ما شأننا بأمك ..
تمطى بكسل وادعى النعاس والملل
*كم أنت عدو للتسلية لمَ لم تصب بأزمة قلبية !
لم يرد عابد بل قال
*أنت لست جادا ..
لكن ابتسامة مهيار المتملقة أكدت أنه جاد وجدا , فأخرج من حقيبة صغيرة كان يحملها ظرفا بني اللون ورماه على مكتب عابد
*ربما تحب إلقاء نظرة ..
توجس عابد من الظرف ولكنه وجد نفسه مرغما على فتحه على الأقل , ربما فهم شيئا مما يحصل ..
وما رآه لم يكن أبدا شيئا توقعه يوما ولا كان ليصدقه حتى لو رآه بعينه ..
اتسعت عينيه , يدقق بالصور التي أمامه بينما مهيار انحنى عليه بينما لا زال على جموده وذهوله ..
*أترى .. هذا الرجل والدي وهذه المرأة .. اممممم ترى من تكون ؟
سحب الصورة من يده يدعي الغباء وأعادها لأمام عينيه
*ترى هل تعرفها ؟؟
حاول عابد النطق عدة مرات و لكنه لم ينجح فابتعد مهيار ليعود لحقيبته وأخرج منها عدة صور أخرى ورماها على المكتب
*ربما هذه الصور تنعش ذاكرتك أكثر ..
لكن عابد ألقى نظرة واحدة على تلك الصور ليقلبها عينيه تنظران للفراغ حوله لا يفهم أبدا .. وهل هذا يحتاج لفهم .. صور فاضحة ... زوجته مع رجل ..
والد هذا الشاب .. تعطل فكره عن العمل لم يفكر بتلك الخائنة التي ماتت قبل اعوام فكر فقط بزيان .. زيان ما ذنبها ..
*ما ذنب زيان !
اخرج مهيار صورة أخرى لامرأة تقف لجوار والده , امرأة حيوية وجميلة , تبدو عليها السعادة لم يفهم مقصد الشاب الذي قال
*إنها أمي ..
هز عابد رأسه لا يفهم فأخرج مهيار صورة لذات المرأة هزيلة شاحبة فاقدة للحياة
*وهذه أمي ..
وضع الصورة أمامه بقوة مصدرا صوتا قويا ليهدر به بقوة
*هذا ما فعلته زوجتك بأمي .. كانت السبب بجنونها بعد أن كانت تخطط للهرب مع والدي , لقد رماها أبي بكل قسوة لأجل زوجتك , تخلى عنها وأسمعها الكثير من الكلام الجارح لأجل زوجتك فلم تتحمل أمي صدمة ما يحدث لتفقد عقلها ..
كل ما قاله عابد بصوت بالكاد يسمع
*زوجتي لم تهرب ماتت بحادث ..
قطع مهيار حديثه بسخرية
*أه نعم حادث سيارة مؤسف والكثير من اللغو الفارغ , لقد كانت زوجتك مع أبي بسيارته , ولكن لأجل الفضائح فقد أخفينا الأمر وداراه عمي حتى لا يصل للصحافة وأخذ أحد الرجال زوجتك مدعيا أن سيارة ضربتها و غادرت مسرعة ..
*ما الذي تقوله !
همس عابد بذلك ليقف مهيار بشموخ أمامه
*الحقيقة المتأخرة الظهور ..
ودون المزيد من المراوغة واللعب قال مباشرة
*ومنذ ذلك اليوم وأنتما تحت عيناي أنت وابنتك .. ابنة تلك المرأة ستعاني ما عانته أمي ستدفع ذنب أمها ..
*لا لا لا ..
اعترض عابد لينهض من مكانه بسرعة
*زيان لا ذنب لها .. لا أنا ولا هي نعلم عما حدث شيئا .. أنا .. أنا .. لا أكاد أصدق .. لا أعلم ..
لكن مهيار الغاضب أمسكه بقوة بقبضته
*و ما الذي لم تفهمه؟
حاول عابد إبعاده و ضربه دون فائدة
*زيان لا ذنب لها .. لا ذنب لنا بشيء لا نعلم عنه شيئا ..
قربه مهيار منه أكثر ليقول أمام وجهه بقسوة
*بل ذنبها أنها ابنتها ...
و رماه بقوة ليختل توازنه فكاد يقع قبل أن يمنع نفسه بصعوبة من ذلك ..
و رفع إصبعه مهددا
*هناك أمرين أمامك .. زوجني ابنتك برضاك وأعدك أن أكون رحيما معها , أو سأفتعل لك فضيحة تجعل حتى ابنتك تتبرأ منك ..
صرخ به عابد
*أنت شيطان مجنون , ما الذي تعتقد أني سأفعله هل سأرمي لك ابنتي كما تريد أي مجنون أنت ..
لم يرد مهيار بل وقف بتحدي يوجه نحوه نظراته الحادة ..
اتجه عابد لكرسيه يرمي جسده عليه منهك العقل والقوى لا يقدر على التفكير ..
في تلك اللحظة ..
أسوأ لحظة في حياته وحياة زيان كما فكر مباشرة حين رآها تفتح الباب لتدخل كعادتها مستغربة رغم حيويتها تمازحه
*ما الأمر أبي ما كل هؤلاء الرجال هل قرر أحد رجال الحكومة الشراء من عندك؟
لم يرد والدها بل اتسعت عيناه بخوف وهو يرى مهيار يغير شكل وجهه تماما ليبتسم ابتسامة جعلت زيان تنظر له مشدوهة دون أن تبعد عينيها عنه لتقول بصوت ناعم خافت
*آسفة أبي لم أكن أعلم أن لديك ضيف ..
وقبل أن يرد عابد اتجه مهيار نحوها يمد يده ليتلقى يدها الصغيرة في كفه الضخم موضحا
*لست ضيفا بالمعنى المعروف , بل نحن معرفة قديمة .. أمي وأمك كان لهما ذات الذوق ..
ابتسمت متسائلة بفرح للخبر
*حقا كانتا كذلك ..
وجه نظرة نحو والدها ذات معنى بينما يرفع يدها ببطء لشفتيه يقبلها قبلة رقيقة جعلت وجهها يحمر ودقات قلبها تستعر وتجن لتسحبها بخجل ..
حينها تسارعت أنفاس عابد بدوره لينهض عن كرسيه ويتجه لها ليسحبها يقبلها على خدها قائلا
*أنا مشغول الآن زيان اذهبي وسأراك لاحقا ..
قلبت شفتيها الجميلتين لتقول باستياء
*أنت مشغول طوال الفترة الماضية أبي ولا مكان لزيان !
دفعها برفق نحو الباب يعدها
*اليوم يا مهجة القلب اليوم سيكون لنا تعويض ..
وقبل أن تخرج وجهت ابتسامة جميلة لمهيار تقول
*سررت بالتعرف عليك ..
هز رأسه بدوره مبتسما بينما عابد أغلق الباب خلفها وما أن استدار نحو مهيار حتى قال ضاحكا
*ابنتك هي من تعجلت , حذار أن تغضبني وإلا سأرسل ماضي زوجتك العريق لها , في ذات اللحظة التي ستكون فيها أنت أيضا قد غرقت في مصيبة ما فلا تجد مخرجا لها من غضبي ..
تنفس عابد بقوة هاتفا بقهر
*تخيرني بين نارين كلاهما الجحيم بذاته ..
التوى فك مهيار ليقول
*إنه ذات الجحيم الذي عاشته أمي ..
واقترب خطوة واحدة فقط ليهمس له
*تذكر أنكما تحت عيوني في كل لحظة فلا تحاول اللعب , سأجعل منك عبرة للبشر لو علمت أنك فعلت شيئا دون علمي .. أريد ابنتك فارحمها واجعله برضاك وإلا فقسما بالله سآخذها من أمام عينيك وأذيقها الجحيم ألوان , تذكر أن عذابها بيدك فكما تريده تصرف ..
وبسخرية قال مغادرا
*عن إذنك عمي و شكرا للضيافة ..
ورفع أصابعه لشفتيه هامسا بلؤم وتشفي
*و شكرا للقبلة المجانية سأعتبرها شفيعا لها لاحقا ..
وغادر مغلقا الباب خلفه ...
تاركا عابد خلفه بجسد أثقلته الهموم .. لا يعرف كيف يتصرف وتلك الصور لا زالت على مكتبه ... صور زوجته .. والده .. أمه . وكأنها أشباح تحوم في المكان تصدر ضجيجا جعله ينهار أرضا صارخا
*لااااااااااا..
ما الذي عليه فعله .. كمن وضع في كفيه كفن ابنته حية هل يكفنها أم يدفنها دونه ..
كيف يرحمها ويرميها بالنار .. ولا يرحمها فيرميها في الجحيم ..
أي شيطان هو .. أي شيطان وأي مصيبة حملها القدر لابنته ..
.....................
لم ترق لعابد إطلاقا تلك الطريقة التي عرف مهيار نفسه بها على زيان , راقبها و هي تحضر الإفطار صباحا , لتتناوله معه كما اعتاد منذ ذلك اليوم وهو يقضي أطول الأوقات معها , حتى أنه يمر عليها في المحل في أوقات متفرغة بينما لعجبه فقد وصلت طلبيته التي أرادها دون سابق علم منه ..
أفرغها و لكنه غير مطمئن لما يجري سألها محاولا أن يبدو سؤاله عاديا
*هل رأيت مهيار ثانية ؟
قطبت للحظة وهي تشرب الشاي محاولة تذكر من يقصده فسألت بشك
*تقصد ذاك الشاب الذي رأيته عندك ؟
هز رأسه بنعم لتنفي و قد تذكرته تماما و كم تمنت أن تلقاه حقا ثانية
*لا لم أره ..
لم يتمكن من التنهد راحة فحتى هذا الوقت لا يعلم بماذا يفكر مهيار ..
و اقترح مبتسما
*ما رأيك أن نقضي اليوم معا ؟
تدلت ملامح وجهها الجميل بحزن
*و لكن أبي لدينا الكثير من العمل لا يمكنني ذلك ...
أخفى قلقه بابتسامة ليؤكد عليها كما اعتاد
*إذن سنتناول الغداء معا ..
حملت حقيبتها و اقتربت منه تقبل خده
*كما تريد سأنتظرك..
نظرت لساعتها لتعاتبه بدلال
*أصبحت أتأخر عن نزهتي الصباحية..
نهض بسرعة يلتقط مفاتيحه
*سأوصلك..
دفعته بكفها الصغيرة ليجلس مرة أخرى
*بل سأسير أنت تعلم كم أحب المشي صباحاً..
و سحبت شالا خفيفاً عن الشماعة المعلقة قرب الباب لترميها حول رقبتها بإهمال و تترك شعرها هفهافا يرتاح على ظهرها..
تبعها والدها إلى الباب يراقبها بحسرة وع جز، حين خطرت له فكرة أعجبته جداً... أدخلت بعض السكينة لقلبه وروحه..
سيخرجها من محيط هذا المجنون الذي اقتحم حياتهما و لن يسمح له بأذيتها ، سيتصرف دون أن يثير شكوكه..
عند هذه الفكرة ركب سيارته وتبعها عن بعد حتى اطمئن أنها وصلت لمحلها بأمان...
كانت منغمسة في تصميم بطاقة للفرح حين اقتربت ريوان منها لتضع الحاسب أمامها بفم ملتو
*انظري المهووس ذاته يريد بطاقتين يبدو أن تصميمك أعجبه!
قفزت روجين عن كرسيها لتقترب منهما
*ماذا ماذا...
و لفت الحاسب لتقرأ ما المطلوب فكبرت فتحتي عينيها لتهتف
*يا إلهي هل هو جاد لمن يرسل هذا البطاقات...
زمّت زيان شفتيها المكتنزتين مستاءة
*ليس هذا المثير للعجب ، بل يريد ذات تصميم الجمجمة مع الورود!
ابتعدت ريوان لتعود لمكانها
*نعم ورود مع جملة أهلا بك في جحيمي!!
تنهدت روجين براحة
*الحمد لله أننا لا نتعامل مع أناس مثله في الحقيقة..
بينما زيان عادت لتصميمها الذي شارفت على إنهائه
*كالعادة ستتركانه عليّ؟
لم يردا عليها فقالت بإحباط
*كنت أعلم ذلك..
نظرت روجين لساعتها
*سأخرج مع خطيبي اليوم فقد دعاني للغداء..
*و أنا أبي سيمر ليأخذني للغداء كذلك..
عبست ريوان
*و سأبقى وحدي!
اقتربت منها زيان لتربت على كتفها تواسيها مقترحة
*تعالي معنا والدي لا يمانع..
*حقاً؟
*بالطبع...
لم يأت الرد من زيان بل من والدها الذي ظهر فجأة و ألقى التحية عليهن
*لم أكن لأمانعك صغيرتي..
و صفق بكفه مقترحاً
*ما رأيكن بعطلة يوم من العمل..
نظرت له الفتيات باستغراب ..
ليشرح
*نزهة يوم لأي مكان تردنه بإمكانك إخبار خطيبك روجين .. ستكون رحلة مميزة..
نعم هذا ما سيفعله سيرسلهم للساحل بعيدا عن المدينة , حيث أخوالها ..
حيث الرجال الأشداء فلا يقدر مهيار على الاقتراب منها وحينما تصبح هناك سيخبرها أن تبقى لتنتظره وينهي أمور محله حتى لو أغلقه فما بقي لديه من مال يكفيه وقتا طويلا , وسيتبعها ويقنعها بالبقاء هناك وربما وجد لها زوجا مناسبا بسرعة قبل أن يعلم مهيار ما الذي حصل وحينها فلينتقم منه هو كما يشاء ..
هللت الفتيات للفرصة فهن حقا بحاجة ليوم طويل بعيد عن العمل و مشاكله ..
فكان له ما أراد ...
ليكن صباح اليوم التالي في سيارة زين خطيب روجين متجهات للساحل بعد أن قضين وقتا طويلا في العمل أمس كيلا يتراكم العمل عليهن ..
بدت زيان مستاءة لأن والدها لم يقدر في آخر لحظة من القدوم معهم فقد انشغل في محله بمشكلة ما لم تفهم منه شيئا عما هي !
داعبها زين ليمحو عبوسها
*لا تبتأسي يمكننا أن نمر على الشاطئ ونعود لا داعي لأن تبتعدي عن والدك ..
ابتسمت له شاكرة الفكرة
*نعم سيكون ذلك جيدا لا أحب أن أبتعد عنه مدة طويلة .
اعترضت ريوان بحنق
*لا لا لقد وضعت الكثير من الخطط لقضاء وقتي في الريف !
نظرت لها روجين ضاحكة
*ويمكنك وضع غيرها على الشاطئ ..
لم ترد .. زمت شفتيها باستياء وسكتت ..
وبالفعل خلال وقت قصير وصلوا للشاطئ , فالوصول للريف كان سيأخذ منهم وقتا أطول .. وهناك على الرمال تفرقوا .. دون حتى التفكير بتناول إفطارهم ..
روجين ذهبت مع خطيبها تمشي قرب الأمواج , وريوان انكبت تجمع الأصداف التي تعشقها رغم اعتراضها على تغير الخطة ..
وزيان تأملتهم وسارت بعكسهم على الاتجاه الآخر من الأمواج ..
انحنت لتخلع حذائها الرياضي وجواربها فلا فائدة له هنا وحملتهما بيدها تتابع سيرها مبتسمة لحبات الرمال التي تلاعب أصابعها وجلدها الرقيق ..
لم ينتبه أحدهم أبدا لتلك السيارة التي كانت خلفهم تماما ..
ابتسم مهيار للشاب الذي معه قائلا
*من قال أن أجهزة التنصت الصغيرة القديمة لم تعد ذات فائدة ..
رد الشاب الجالس قربه
*حرصت على ألا تظهر وكان يبدو الأمر وكأني ألقي نظرة لما يعرضنه الفتيات .
عض مهيار شفته بإثارة بينما قرر أخيرا أن يترجل من سيارته طالبا من الشاب البقاء فيها ..
كان خلفهم تماما طوال الطريق وكم غير تغييرهم الطريق من خططه لقد أصبحت أسهل .. و زيان هذه أصبحت فرصة أكبر..
تخلص من حذائه وحمله بدوره , عيناه تتابعان البقية , كم هو مسكين لو اعتقد أنه سيبعد ابنته عنه بل على العكس لقد قربها منه دون أن يعلم .. وهذه أيضا سيتذكرها ويعتبرها شفيعا لها لاحقا حين تدفع الثمن ..
ومشى خلفها دون أن تلاحظه حتى سمع ضحكة ناعمة صادرة عنها كهديل الحمام فتوجس أن تكون انتبهت له ولكن لعجبه كانت ضحكتها للرمال فقد بدأت تركل الرمال بقدمها لتتطاير في كل اتجاه .. وخاصة نحو الأمواج ..
ورمت الحذاء لتنحني وترفع بنطالها الواسع حتى ركبتيها وتخلصت من الجاكيت القطنية النعامة التي كانت تغطي كتفيا ترميها على الرمال وركضت نحو الموج بجنون ...
غير مبالية بأحد ولا منتبهة لذاك المراقب المستمتع بصيحات طفولتها ولا ركلاتها المجنونة للموج الذي بللها تماما حتى رمت نفسها على الرمال مبقية جسدها في الماء ضاحكة ..
همست بتعب
*تبا للجنون ماذا سأفعل الآن بملابسي ..
وجاءها الرد على الفور
*ستبقين مكانك وسآتي بشي جاف لك ..
شهقت بهلع لتحاول الوقوف بسرعة لكنها تعثرت ووقعت في المياه ! ..
تباً تباً...
شتمت بصمت لحركتها الخرقاء التي جعلته يضحك مرجعا رأسه للخلف وكأنه لم يضحك منذ دهر...
وما أن توقف حتى رفع إصبعه مؤكداً
*مكانك لا تتحركي سأعود على الفور..
وذهب جري نحو سيارته ليفتح الصندوق يسأل ملهم
*هل لدينا ثياب في الحقائب؟
انحنى ملهم ليسحب الحقيبة الضخم
*طبعاً سيدي إنها معدة دائما للسفر المفاجئ..
فتحها ملهم فأبعده مهيار ليبحث فيها حتى وجد أحد مناشفة الضخمة الخاصة، أبعدها وبحث ثانية في الحقيبة وحين لم يجد ما يناسب عاد لها هامسا باستياء
*لا تستحق أن أخسر منشفتي لأجلها.
نظر نحو الشاطئ حيث هي بكره مكشرا
*بعض التضحية يا مهيار..
وحمل المنشفة عائدا لها بسرعة قبل أن تأتي إليها إحدى المزعجات فهن لا يتركنها أبدا إلا حينما تذهب للبيت !
وصل ليجدها واقفة تحاول نفض الرمال عن ملابسها علّ الشمس تجففها قليلا فباغتها من الخلف ورمى المنشفة على كتفيها ، لتجفل قافزة وتلتفت له بغضب
*أخفتني..
كانت تقريبا تصرخ عليه رغم أنه قصد مساعدتها .. فارتفع حاجبه بغيظ ومنع نفسه بصعوبة عن الرد الذي يريده، مذكرا نفسه أن الحساب قادم ..
ابتسم مرغما نفسه على رسم ضحكة بلهاء على صغيرة جعلتها تنظر له بانبهار ..
فاتسعت ابتسامته داخليا هامسا لنفسه
(نعم ليعجبك ... يجب أن تقعي في الحب إنها الحياة ، الفريسة دائما تحب الصياد )
واقترب خطوة فقط ليعدل المنشفة ليلفها على جسدها قائلا بصوت أجش خافت
*حافظي عليها هكذا ملابسك بدأت تشف بعد أن تبللت..
احمرت بخجل ، مبعدة عينيها عنه لتعبس متذكرة
*كيف جئت لهنا!
ارتبك ولكنه أخفى الأمر بسرعة ، لم يتوقع منها سؤالا كهذا
*لدي بيت هنا على الشاطئ..
وأشار بالفعل لمنزل منعزل قليلاً ، يقع على اللسان البحري
*ذاك هو..
شكر حظه الذي جعله يشتري هذا البيت منذ عامين رغم أنه لم يستخدمه قط..
نظرت إلى حيث أشار لتتسع عينيها بفرح
*كم هو رائع ، احسدك حقاً لامتلاكك مكاناً كهذا...
رسم ابتسامته السحرية على شفتيه وقال بلهجته التي تجعل نظراتها تهيم به
*البيت وصاحبه طوع بنانك جميلتي...
أطرقت خجلا و قبل أن يقول أحدهما كلمة إضافية ، اقتحمت ريوان خلوتهما هاتفة بها
*أنت هنا و نحن نبحث عنك !.
وانتبهت أن زيان ليست وحدها , فاحمرت خجلا معتذرة مبتعدة خطوة للخلف لتقول لها قبل أن تفر هاربة
*سننتظرك لا تتأخري .
أومأت زيان برأسها ونظرت له لترفع المنشفة عن جسدها وتعيدها له
*شكرا لك لست بحاجتها بعد الآن ..
لكنه رفض أن يأخذها
*دعيها على كتفيك ثيابك مبللة ..
أرادت أن تجادله
*لكني حقا ..
قاطع كلامها مصرا أن تبقيها معها ..
فابتسمت مستسلمة لإرادته , وعادت تنظر نحو بيته وانتبه لنظراتها فتساءل
*هل تحبين العيش في بيت مثله ..
نظرت له بعنين متسعتين
*ومن لا يحب ذلك إنه كالحلم ..
كان ينظر لها بدقيق من شعرها المرفوع كذيل حصان وقد تبلل بالكامل إلى كنزتها القطنية والتي دون أكمام والتي دون أكمام , فأعادت وضع المنشفة على كتفيها تخفي جسدها عن نظراته واعتذرت منه
*عذرا تأخرت على أصدقائي ..
وابتعدت بسرعة بينما قلبها ينبض بجنون سمعت ذات الصوت يناديها
*زيان ..
إنه ذات الصوت .. ذات الصوت الذي كانت تسمعه , هل كانت إشارة من القدر أنها ستلتقي به ..
وقفت ونظرت للخلف لكنه لم يكن ينظر لها , كان قد ابتعد بدوره يعطيها ظهره , راقبته لعدة لحظات قبل أن تكمل طريقها وقد أصبح لهذه الرحلة نكهة ولون آخر ..
وقضت الباقي من اليوم تضاحك ريوان على الشاطئ وتجمعان الأصداف ..
بينما روجين مع خطيبها يلعبان على الشاطئ وكأنهما طفلين صغيرين وكم ضحكت هي وريوان عليهما وعلى تصرفاتهما ..
هل حقا يبدو العشاق كالحمقى إلى هذا الحد !
وسرحت عينيها نحو ذاك البيت .. ترى ما الذي يفعله الآن ..
آخر ما توقعه عابد هو اتصال زيان ظهرا تخبره بعودتهم ..
كل اعتراضاته ذهبت سدى وضحكا دون أن يعلم أحدهم بأي نار أشعلوا في قلبه ..
.........................

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  فاتن منصور في الإثنين نوفمبر 05, 2018 12:28 pm

😍😍😍😍😍

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it

فاتن منصور
مشرفة مميزة
قارئة رائعة
مشرفة مميزة  قارئة رائعة

المساهمات : 2
نقاط : 2
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 30/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 12:34 pm

@فاتن منصور كتب:😍😍😍😍😍

تم الإرسال من خلال التطبيق Topic'it

مممممممممممممممممواه
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 9:37 pm

-2-
*أبي حقا لا أعلم سبب اعتراضك على رؤيتي لمهيار !
صرخ عابد بغضب
*لا أريدك أن تقتربي منه حتى أنا لا أحبه ..
رفعت رأسها بكبرياء ونظرت له
*ولكني تعرفت عليه عندك في المكتب وقال أنكم معرفة قديمة لمَ لم تعترض حينها؟
*زيان قلت لا وكفا ..
هدر بها رغما عنه فها هي تخطو نحو الجحيم بقدميها بينما هو عاجز عن فعل أي شيء , لا يعرف ما الذي قد يفعله ذاك المجنون .. إنه يسحر صغيرته ببساطة يجذبها نحوه , منذ تلك الرحلة المشؤومة وعلاقتها به تزداد قوة ..
كان من الغباء بحيث ظن أن مهيار قد اختفى فلم يعد يظهر ولا يفعل أي شيء , فتوقف عن سؤال زيان عنه ولكنه لم يتوقع أبدا أنه في تلك اللحظات ابتعد عنه ليرمي شباكه على ابنته .. وقد نجح ..
نجح مهيار في جذب ابنته كالفراشة نحو النار ..
ما الذي عليه فعله الآن ..
*زياااان ..
صرخ يناديها فخرجت من غرفتها عابسة تكتف يديها على صدرها
*ستذهبين لأخوالك اليوم لا بل الآن في هذه اللحظة ..
لكن زيان التي ملت من أفعال والده الغريبة والتي تعجز عن تفسيرها هدرت بدورها
*لست صغيرة ولن أذهب للريف ولن أبارح هذه المدينة كف عن معاملتي كطفلة ..
واتجهت إلى الباب لتخرج مسرعة تصفق الباب خلفها بكل قوتها متجاهلة نداء والدها لها ...
تبعها عابد بسرعة ولكنه لم يسر بضع خطوات خلفها حين ظهر له مهيار من العدم ليقول بابتسامة سمجة
*مرحبا عمي ...
فاجأه الصوت فلم يكن أبدا يتوقع وجوده هنا , هنا .. قرب بيته !
التفت له بجنون واندفع نحوه بكره ينوي ضربه
*أي شيطان أنت .. أي شيطان على ماذا تنوي ...
لكن مهيار الفتني والأقوى عودا منه تمكن من إيقافه ليهمس بقسوة صلبة بينما مساعده قربه يستعد للتدخل إن اقتضى الأمر
*لا اعتقد أنك تريد أن نناقش موضوع ابنتك في الشارع حيث من الممكن لأي شخص أن يسمعنا ..
ابتعد عنه عابد مرغما ينظر حوله متأكدا أن زيان لم تعد لترى هذا المنظر ..
سبقه مهيار بخطواته نحو البيت قائلا بسخرية لاذعة
*البيت بيتي عمي أعلم ذلك هيا تعال ..
تبعه ملهم ليدخلا بيته دون إذن حتى , فلم يجد بدا من اللحاق بهما ..
تجول مهيار في البيت بحرية و كأنه ملكه بينما عابد ينظر له بريبة ويراقبه بحذر حتى مل من تصرفاته وقال غاضبا
*أرحني ما الذي يبعدك عنا ..
رفع مهيار كتفيه وادعى التفكير للحظات وقال ببساطة
*لا شيء !
وجلس على أقرب أريكة منه مشيرا لعابد
*تعال .. تعال اجلس قربي لنتفق على الزواج..
صرخ به عابد يكاد ينفجر من بروده
*لن تتزوج زيان , وليكن بعلمك اليوم سأرسلها إلى أخوالها .. وافعل ما شئت لا أهتم ..
ارتفع حاجب مهيار بدهشة كاذبة
*ألا تهتم لسمعتك لو نشرت صور زوجتك !
طوح عابد بكفيه
*تبا لك لها ولمَ أهتم لقد ماتت , أتفهم ماتت منذ سنوات ما يهمني الآن هو صغيرتي زيان و لن أسمح لك بأذيتها ..
زم هيار شفتيه لتشع عينيه بالرضا عما سمعه
*كم أنت أب مثالي ... أعجبتني حقا ! لا تبالي بشيء في سبيل ابنتك ..
رفع عابد إصبعه في وجهه
*وسأفعل المستحيل لأبعدها عنك ..
صفق مهيار بكفيه بإعجاب
*برافو برافو ...
ووقف لينحني له بطريقة مسرحية , شد ملهم لجواره لينحني مثله بينما عابد ينظر له بقلق , غير مرتاح وبالفعل عاد مهيار ليرمي جسده على الأريكة فتحركت من مكانها قائلا بلهجة عملية بحتة بعيدة تماما عن السخرية ..
*لنفكر قليلا بعقلانية , ستسلها لأخوالها نعم ستنجيها مني لا أنكر حسنا لنبعد الفكرة الجيدة ونعود للتفكير العقلاني ..
أشار بكفه لعابد
*اجلس اجلس لا داعي للصدمة الآن كنت قويا حتى الآن دعك قويا للقادم ..
وبالفعل جلس عابد على كرسي قريب منه , ينظر له بقوة لا يبعد عينيه عنه , وكأنه سيتحول لشبح يخطف زيان ويهرب ..
اتكأ مهيار للخلف قائلا
*بما أنك مصر على وصفي بالشيطان .. سأقول لك بما يفكر الشيطان الآن ..
حمل صورة زيان القريبة منه على الطاولة الصغيرة , وابتسم ليديرها له
*أرسلها للريف , وأنا سأنشر الصور فعلا ما النتيجة برأيك ؟
عبس عابد فلبه يرتجف بريبة
*ما الذي تعنيه ...
وضع مهيار الصورة على وجهها وشبك كفيه أمامه
*الشبهة ستلحق ابنتك , أخوالها سيجنون خاصة أني سأحرص على علمهم , أنت ستصبح مثار الشفقة والأهم ..
اتسعت ابتسامته ينظر له سعيدا بانتصاره
*أخوالها سيعتقدون أنك أرسلتها لأنها شبيهة أمها , وسيزوجونها بأول شاب يظهر في وجههم من العائلة وستعيش طول حياتها معهم وهي ابنة الزانية تهان من زوجها الذي لن يثق بها وسينتظر أن تفعل أقل خطأ كي يذلها ويضربها ..
ادعى البؤس متجاهلا عيني عابد المتسعتين
*كم هي مسكينة زيان ينظرها الجحيم من كل مكان ..
ضيق عينيه ليقف ويتجه نحو عابد المصدوم ليضع يده على كتفه بابتسامة جانبية
*صدقني معي ستكون أفضل , على الأقل ربما أمل منها بعد شهر وعلى الأكثر عام , ولكن لو تزوجها رجل ريف فالعذاب الذي ينتظرها أبدي ...
ازدرد عابد ريقه بصعوبة ورفع عينيه له برجاء رجل يائس لحماية ابنته مما يحضر لها
*ابتعد عن زيان لا تؤذيها لا ذنب لها .. لا ذنب ..
نظر له مهيار مطولا وتنهد بصوت مسموع
*وأمي لم يكن لها ذنب ...
أمسك عابد كفه برجاء
*زيان لا تستحق إنها...
قاطعه مهيار بقوة غير متسامح
*إنها ابنتها ... ولكن لأجل رجائك هذا سأعتبره شفيعا لها لاحقا ...
وتركه ليبتعد نحو الباب ليفتحه ويخرج ملهم قبله , نظر له ليقول بأمر
*وافق على زواجي وأعدك ألا أؤذيها جسديا ... لو استطعت ...
وتركه وحده وغادر بينما الأهوال تقع على رأسه أكوام أكوام ....
لم يتحمل ما يجري , يشعر بأن قلبه على وشك أن يقف عليه أن يجد زيان ويهرب بها , لأي مكان لا يهم الوجهة ولا يهم أي شيء فقط ليهرب بها ..
حمل حقيبته الجلدية الصغيرة التي تحوي كل أوراقه وكل ما يحتاجه وعلى التسريحة في غرفة زيان وجد محفظتها الصغيرة التي تضع فيها ما يهمها والتقط مفاتيحه مغلقا الباب خلفه بقوة ..
ركب سيارته وانطلق بها . . تقريبا هو يعلم المكان الذي تتواجد فيه زيان عندما تسعى للخلوة , فغالبا ستتوجه نحو المتنزه الموجود في نهاية الحي ..
وبالفعل قبل أن يصل إليه رآها تسير مطرقة الرأس وعائدة للبيت كما يبدو ..
رفع يده من نافذته ونظر لها .. يناديها ..
*زيااان ...
لكن ندائه لم يكتمل , فقدَ سيطرته على السيارة التي كانت مسرعة وانحرفت به لتخرج عن الطريق نحو الرصيف قبل أن تنقلب عن الرصيف وقد اصطدمت بقوة بعامود الإنارة الضخم ...
كل شيء بدا أمامها وكأنه فيلم سينمائي يعرض على التصوير البطيء ..
سمعت صوت والدها يناديها نظرت لترى يده تشير لها قبل أن يتجه نحو الرصيف وقد نسي أمر المنعطف كما يبدو والناس تركض هاربة من أمامه .. والسيارة تكمل طريقها ليوقفها عمود الإنارة الضخم فانقلبت على جانبها ويد والدها كان لها النصيب الأكبر من الحادثة ...
وقفت مكانها مبهوتة لا تعي ما تراه , حتى فطنت أن ما حدث هو حادث سير ...
والدها هو من يقود ...
لكن الجمود تلبسها , وكأنها بجمودها تنكر ما حصل وأن ما تراه ما هو إلا مزيدا من التهيؤات التي ترافقها مؤخرا ...
أغمضت عينيها مقنعة نفسها بذلك وحين فتحتهما كان كل شيء على حاله ..
الناس تركض نحو السيارة يحاولون جاهدين إخراج الرجل العالق فيها ...
والتجمع يكبر ويكبر .. لتفر دمعة من عينيها صارخة تركض نحوه
*أبـــــــــــــــــــــي ..
أما ما جرى بعدها فقد كان كالحلم ...
امرأتين أمسكتا بها يمنعانها من الاقتراب , صوت رجل يحذر من وجود تسرب من خزان الوقود ووجوب إخراج الرجل بسرعة .. وهي تناديه بقهر بينما رجال الشرطة وصلوا وبعدهم بدقيقة وصلت الإسعاف لينهوا مسألة إخراجه على خير ..
بينما تولت إحدى الكراجات القريبة مسألة إبعاد السيارة من هنا ..
أما الوقت الذي مر بطيئا جارحا فقد كان الانتظار في المشفى حيث قبع والدها في غرفة مع الأطباء لوقت طويل ..
وصل فيه إليها روجين وزين وريوان , ليكونوا معها ...
لا تفهم كيف حصل ذلك ... عقلها لا يستوعب الأمر , لقد كان كل شيء عاديا كيف انقلب نحو الخطر بهذه السرعة .. كيف ...
قضت الوقت تتنقل بين الردهة وباب الغرفة لا تسمع ما تقوله البنات ولم ترد على محاولة زين في جعلها تشرب القليل من العصير لتهدأ من أعصابها ...
كل ما يعنيها هو والدها , أن يخرج من تلك الغرفة بخير .. أن لا تخسره كما خسرت أمها ..
اسندت جبينها على الجدار الأبيض البارد .. واستسلمت لدموعها .. هي السبب لو لم تخرج بهذا الشكل من البيت لما تبعها قلقا عليها هي السبب بما حدث معه ...
علت شهقتها وجسدها ينهار لتنزل ببطء جالسة على الأرض تضم جسدها منتحبة ..
سارعت روجين نحوها لترفعها وتضمها
*اهدئي بالله عليك سيكون بخير ..
اقتربت ريوان بدورها لتشد من أزرها في هذا الظرف ..
لكن دموعها لم تتوقف حتى وقت ليس بقصير حين خرج أحد الأطباء من الغرفة , فنفضت يدي روجين من حولها مسرعة نحوه تمسك كفه
*أرجوك كيف حاله قل لي أنه بخير أرجوك ..
رسم الطبيب ابتسامة عملية على شفتيه ليجيب بوقار
*خلع في الكتف يحتاج وقتا لكي يشفى والقليل من الجروح الحمد لله الحالة ليست سيئة , لكنه سيكون مضطرا لاستخدام الكرسي المتحرك لفترة فلديه كسر بالساق ..
الحمد لله على سلامته ..
لم تهتم لكل تلك الجروح طالما أنه حي وليس بوضع خطر فترجته
*هل يمكنني رؤيته ...
أعطاها ورقة طويلة من الأدوية المطلوبة
*بعد ساعة من الآن فلا زالت الممرضات ينظفن الجروح ..
رسمت ابتسامة مرتجفة على شفتيها ووقفت قرب الباب تنتظر اللحظة التي تخرج فيها الممرضات لتدخل له بينما زين أخذ الورقة ليحضر ما يلزم ..
جلست روجين على أحد المقاعد المنتشرة لتستريح قليلا وجلست قربها ريوان هامسة
*الحمد لله أنه بخير ..
همست روجين بدورها
*أجل الحمد لله لو لا ذلك لجنت زيان بالتأكيد ...
أما تلك فقد كانت غافلة عن المراقب عن بعد ... يرفع ساقه على مقعد موجها نحوها عينيه لا يتوه عن حركة واحدة من حركاتها ..
اقترب منه ملهم ليعطيه التقرير الذي حصل عليه عن تفاصيل الحادث المفاجئ ..
لم يهتم مهيار بالتقرير المروري بقدر اهتمامه بالتقرير الطبي ..
ابتسم لملهم قائلا بتفكه
*يبدو أن الحظ حليفنا وقد حان وقت التدخل ..
رد ملهم الابتسامة ولم يقل شيئا , بينما مهيار عدل ياقة قميصه متجها نحوها تحت أنظار روجين وريوان المستغربة وجود هذا الشخص معها , ليقول بقلق ما أن وصل لها
*زيان , أنا آسف لما حصل ما أن سمعت حتى جئت بسرعة ..
التفتت له شبه مستغربة وجوده , وتمكنت من رسم ابتسامة مرتجفة على شفتيها تشكره على تلك اللفتة الطيبة منه ..
سألها
*ألم تريه بعد ؟
هزت رأسها نافية لتهمس بحزن
*لم يسمحوا لي بعد بالدخول ..
هز رأسه متفهما لينظر حوله للحظات
*سأتكفل بكل شيء لا تقلقي والدك غالٍ عندي جدا ..
رفع إصبعيه بتحية وهو يغادر مسرعا قبل أن تعترض
*الحمد لله على سلامته سأعود على الفور ...
همست روجين مرة أخرى وهي ترى نظرة زيان المشتتة بين تتبع الشاب وبين باب غرفة والدها ..
*هل رأيت هذا ..
كانت ريوان بدورها تنظر مشدوهة لما يحصل
*نعم رأيت إنها زيان مع الشاب الوسيم ذاته ...
التفتت لها روجين بسرعة بنظرة متهمة
*لم تخبريني أنه وسيم لهذا الحد ..
قطبت ريوان للاتهام
*بل قلت لك أنه وسيم ولو كنت مكانك لاحتفظت برأيي به لنفسي فلن يسعد زين بهذا الحديث ..
قطبت روجين مستاءة وهي ترى زيان تدخل غرفة والدها أخيرا متسائلة
*ما مدى علاقتها به ..
هزت ريوان كتفيها بلامبالاة دون أن ترد فلا أحد حتى زيان يعرف ما العلاقة !
................................................
*لا أعرف كيف أجازيه أبي ، لم يتركني مطلقاً وحدي طوال الفترة الماضية..
أغمض عابد عينيه بأسى مرجعاً رأسه للخلف لا يعلم بما يرد عليها وهي لا تكف عن مدح مهيار و مواقفه معها منذ الحادث و حتى الآن ...
كيف سيقنعها الآن أن هذا الرجل ذئب متخفي بثوب حمل...
لم يرد عليها و ابتسم يقرب الكرسي نحوها بيده السليمة بينما هي منشغلة بتحضير الطعام ..
*بقائك معي يعطلك عن عملك..
نظرت له بحب لترسل قبلة هوائية لوجنته
*إذا كنت أنت في إجازة ، كيف تريدني أن أعمل ! روجين و ريوان يقومان بكل ما هو مطلوب ، و الطلبات الصعبة يرسلونها لي بالبريد...
أنهت ما كانت تصنعه و وضعته على الطاولة
*تعال الآن لنأكل فقد حان موعد الدواء ..
اقترب من الطاولة سعيدا بتغير مجرى الحديث
*تعاملينني كطفل مدلل ..
مدت قطعة خبز لفمه تطعمه ضاحكة
*وأنت طفلي المدلل بالفعل ..
وقالت وهي تضع لقمة مماثلة في فمها
*أفكر أن ندعو مهيار للغداء غدا نحن لم نقم بشيء لنشكره كما يجب ..
كاد عابد أن يغص باللقمة , شاتما في سره , فها هي ابنته فعلا تخطو نحو النار بقدميها و قال مدعيا عدم الاهتمام
*سأشكره بشكل لائق عندما أشفى جيدا ..
*أممممم ..
لم تعلق لسبب ما والدها ربما يكره أن يشعر بجميل أحدهم عليه ....
قضت معه بعض الوقت لتتركه متجهة نحو حاسبها , فلديها بطاقة جديدة للمجهول ذاته , يبدو أن تصميماتها أعجبته , فها هو يطلب ذات البطاقة ولكن فقط اختلفت الجملة , فكانت هذه المرة
( نعم سيري بهدوء نحوي كي أجد ما يشفع لك )
استغربت فعلا وكم رغبت أن تعلم قصة هذه البطاقات , فلسبب ما تبدو أنها مثيرة للعجب , ما الذي يقصده بهذه البطاقات ..
ولكنه حقا لا يعنيها , فلتحمد الله فقط أن والدها نجا من الحادث فهو كل ما يهمها الآن .. و ... حسنا لتكن صادقة مع نفسها .. مهيار كذلك يهمها ..
لا تعرف السبب ولكن ربما كان قربه منها حين احتاجته .. دون أن تطلب كان يعلم كيف يجعلها يبتسم ..
تماما كما ابتسمت الآن لمجرد أنها تذكرته ..
أنهت عمل البطاقة وأرسلتها بالبريد لريوان وعادت لوالدها ..
ولكن حين خرجت من غرفتها لم تكن تتوقع أبدا وجود مصدر أفكارها هنا يقف قرب الباب وكأنه على وشك المغادرة !
متى جاء لم تسمع صوت الجرس يرن .. لا بد وأنها غارقة في أفكارها !
*مهيار ! أهلا بك تفضل , لطف منك أن تأتي ..
هتفت بذلك متجهة نحو والدها لتتحرك كرسيه نحو الصالة بدعوة صريحة منها لمهيار كي يدخل , والذي لم يكن يمانع بل جاءت لصالحه فقد كان عابد تقريبا يطرده بصوت هامس من بيته ..
أغمض عابد عينيه بيأس , بعد أن رأى نظرة المنتصر في عينيه ..
لم يعد بيده حيلة ..
نفذت كل حججه , كلما نوى إبعاده اقترب أكثر ..
نظر لابنته بحسرة وكأنه يعلم أن ما ينتظرها .. لن يسرها وأن هذه الابتسامة الرائقة على شفتيها ... لن يطول عمرها حتى تزول ..
وكم يتمنى ألا تزول ...
لكن الأحداث تتسارع .. تخرج عن سيطرته ..
زيان تساق نحو المذبح سعيدة , ومهيار يعده بالشفاعة لها عن كل تنازل جديد يقدمه وكم تمنى أن تكثر الشفاعات لها حتى يزول الحقد .. تمنى حقا ...
ضحكت على البطاقة الجديدة التي طلب منها تنفيذها فقد كانت الجملة هذه المرة
( أنت على الطريق الصحيح )
نظرت لها روجين بطرف عينها لتغمزها
*بما أنك اليوم تركت والدك لوحده هات واحكي لنا من هذا الشاب مهيار ..؟
عضت زيان شفتها بخجل
*ماذا عنه ..
اقتربت ريوان بكرسيها منهما غامزة لروجين
*أجل ماذا عنه ؟ لا شيء هو فقط لا يفارقها وهي فقط تبتسم ببلاهة كلما جاء ذكره.
قطبت زيان باستياء لتشيح بوجهها عنهما
*أنا لست بلهاء ..
طقطقت روجين بلسانها
*لستِ بلهاء وأكملي عملك الغريب هذا ..
نفخت متذكرة ما بيدها
*ما هذا الرجل ألا يمل من هذه البطاقات وهل حقا تستلمهم تلك الفتاة التي يقصدها !
حكت ريوان رأسها لتعود بكرسيها لمكانها
*ربما فلو أنها لا تصل لما طلب المزيد ..
تأملت زيان البطاقة
*إذا كنت أنا من مجرد تصميم أشعر بالخوف ماذا عنها !
ضحكت روجين لترد
*ربما كان غزل مصاصي دماء ...
شاركتها زيان التي وقفت بسرعة مقلدة حركات الأموات الأحياء
*نعم ويأتي نحوها هكذا ليشرب دمها ..
صرخت روجين ضاحكة تركض في الأرجاء وخلفها زيان
*لا لا يا مصاصة الدماء الطيبة اتركيني ..
*سوف أشرب دمائك كلها ...
لتركض خلفها في الأرجاء تعلو ضحكاتهما وريوان تضحك عليهما من كل قلبها حتى انفتح الباب فجأة ليدخل آخر من توقعته زيان أن يأتي محلها يوما !
صفر بإعجاب لما يراه من جنون طفولي وعلق مبتسما
*لا يليق بك الدور الشرير زيان ..
انتفضت زيان على صوته بينما لم تكن أحدهن منتبهة أنه دخل في خضم الجنون الغارقات فيه ..
نظرت له زيان تحاول استيعاب وجوده هنا في هذا المكان ..
*آه !
كان هذا ما قالته بينما روجين شهقت خجلا وركضت تختبئ في الغرفة الداخلية , وريوان بدورها نهضت من مكانها لتتبع روجين , لكنها همست حينما اقتربت من زيان
*ماذا عنه الآن ؟
حاولت زيان أن تقرصها ولكنها هربت منها مختفية مع روجين لتتركها وحدها معه , مدت يدها لشعرها المبعثر تحاول ترتيبه مشيرة له
*تفضل .. تفضل ..
واقتربت من مكتبها بسرعة محاولة لملمة الفوضى عليه معتذرة بتعثر
*أسفة حقا لهذه الفوضى ..
اتخذ لنفسه كرسيا جلس عليه مريحا ساقا على الأخرى يفكر
( ربما لن تكون الحياة معها بهذا السوء , سأحظى ببعض المرح ..)
رسم على شفتيه الابتسامة الساحرة التي يعرف تماما تأثيرها على الفتيات , فكيف على فتاة برقة زيان رغم كل الصلابة التي تبدو بها ..
وشبك كفيه أمامه على مكتبها هامسا بصوت خافت
*زيان , أعتقد أنك تعرفينني الآن بشكل جيد ..
أعادت خصلة من شعرها خلف أذنها مرتبكة , عيناها بعينيه لا تحيد عنهما ليكمل
*أنا أرغب بالزواج منك ما قولك ..
فتحت فمها ببلاهة , لتشيح بوجهها أخيرا عنه بخجل , بينما ابتسامته انحنت قليلا بقسوة ينتظر ردة فعلها التي طالت بينما تجاهد لتقول شيئا وقد أخذها على حين غرة , غير متوقعة أبدا طلبه بهذه السرعة ..
فاستغل الوضع بسرعة ليكمل بهمسه
*يقولون السكوت علامة الرضا ..
جلت حنجرتها لتقول أخيرا بصوت خرج مبحوحا
*أنا .. حقا لا أعرف ماذا أقول ...
اتسعت ابتسامته يشجعها
*قولي نعم ..
صدرت عنها ضحكة خافتة لتهز رأسها قائلة
*نعم ..
وكانت هذه الكلمة هي كل ما يحتاجه , لينهض بسرعة منتصرا
*سأبدأ بالتحضير على الفور ..
لم تستوعب ما قاله لكنها لم تملك وقتا للاعتراض خاصة حينما التفت لها
*وأنا من سيخبر عمي سأذهب له الآن على الفور ..
اتسعت عينيها غير مصدقة ...
هذا حقا مهيار الشوماني ... العابث المعروف الذي جمعت عنه الكثير من المعلومات , يتقدم للزواج منها بل ومستعجل له أيضا ..
انتفضت على صوت ريوان المستغربة
*هل حقا سمعته يطلبك للزواج قبل لحظات ..
قطبت زيان ولم ترد عليها , لتجيب عنها روجين
*نعم طلبها .. ومستعجل جدا على ما أظن !
ازدادت تقطيبة زيان وكانت على وشك قول شيئا حين هتفت ريوان باعتراض
*هذا ظلم سأصبح الوحيدة الغير مرتبطة بينكما ..
نظرت لها كل من زيان و روجين متعجبات فهذه المرة الأولى التي تشكو فيها ريوان من عدم وجود رجل في حياتها !
بل لطالما تغنت بعدم رغبتها بالارتباط فما الذي جرى الآن ..
في تلك الأثناء فتح الباب مصدرا رنينا موسيقيا جميلا من الاسطوانات الزجاجية المعلقة عليه والتي لم ينتبهن لها حين دخل مهيار قبل لحظات ..
كان الداخل شاب صغير في العمر قال بصوت جهوري
*معي طرد للآنسة زيان ..
استغربت زيان وصول طرد لها ونهضت من مكانها متجهة له لتأخذ العلبة الكرتونية المربعة الشكل منه , فخرج بعد أن سلمها مبتعدا عن المكان وهي تتبادل نظرات الاستغراب مع ريوان وروجين التي همست
*أيعقل أنها من مهيار ؟
هزت زيان كتفيها كونها لا تعلم ووضعتها على المكتب لتفك التغليف الجيد المحيط بها ..
رفعت الغطاء بفضول لتعرف محتواها أيعقل حقا أن مهيار قد أرسل لها شيئا ..
لكنها صرخت مبتعدة حين طار من العلبة ما أن فتحت غطائها مجموعة من الحشرات السوداء البشعة , ليتعالى صراخها مع ريوان التي سارعت نحو الباب تفتحه بينما روجين خلعت سترتها تلوح بها في المكان لتطرد الحشرات وتخرجها من المكان وزيان فعلت مثلها متسائلة بخوف
*ما هذا , ما الذي يحصل ..
لم ترد روجين التي تابعت طرد الحشرة حتى نجحت بإخراجها لتقف تلهث من الخوف تنظر كل منهما للأخرى ..
تساءلت ريوان بنفس مقطوع
*هل هناك المزيد ..
ابتعلت زيان ريقها بصعوبة ولهاثها يعلو
*لا أعلم ..
ونظرت نحو العلبة بريبة وكأنها وحش مرعب , كانت روجين من تشجعت لتقترب ببطء منه ترفع نفسها على أطراف قدميها لترى عن بعد إن كان هناك أي شيء بعد , لتزفر براحة تريح جسدها المتشنج
*لا مزيد ..
حينها اقتربت زيان بخوف من العلبة هامسة
*يا لهذه السخافة من فعلها ..
وفي أسفل العلبة وجدت بطاقة لم تكن غريبة عليها .. رفعتها ببطء لتراها كل من ريوان و روجين اللتان شهقتا بصدمة ..
فالبطاقة لم تكن سوى ما صنعته زيان نفسها ..
والبطاقة كانت ( احذري الشيطان )
*هذه .. هذه .. أشارت روجين لها بتلعثم
*بطاقتك !
وافقتها زيان تقرأ ما كتب عليها , فتقدمت ريوان لتأخذها من يدها مدعية الشجاعة
*وماذا الآن إنها مجرد بطاقة أتعتقدين أن أحدا سيجرؤ على الاقتراب منك بوجود رجل كمهيار حولك ؟
ابتسمت روجين ابتسامة مهتزة تطمئن زيان الشاحبة
*نعم لا داعي للقلق , هي مجرد بطاقة ومهيار معك لن يحصل شيء ..
هزت رأسها توافقهما , بينما قلبها يشدو برعب دقاته المتسارعة ..
.........................................
*ماذا !
همس عابد مستغربا مما يسمعه من مهيار الذي اقترب ووضع كفيه على الكرسي يحيطه من جانبيه يرد عليه مبتسما
*ما سمعته لقد طلبتها ووافقت على الزواج بي .. هل لديك اعتراض ..
همس عابد من بين أسنانه
*لدي ألف اعتراض ..
اتسعت ابتسامة مهيار بشر ليقول بصوت خطر
*وأنا لدي ألف وسيلة , لو كنت مكانك لما اعترضت على الأقل كن موجودا قربها حينما تحتاجك , ذلك أفضل .. فربما لو استمررت على عنادك جهزت لك مكيدة ما تؤدي بك للسجن وحينها لن تجد لها ملاذا مني سواي ..
لم يرد عابد بل استمر يوجه نظرات الكره نحوه متمنيا قتله من كل قلبه ..
لكنه عاجز بكل معنى الكلمة حتى عن الحركة ..
تهدلت كتفاه بيأس هامسا برجاء
*ابتعد عنها لا ذنب لها ..
نفخ مهيار بملل ليستقيم بوقفته
*لقد انتهى هذا الحديث حقا , سأبدأ اجراءات الزواج على الفور ..
أحنى عابد رأسه فلم يعد بيده حيلة , عاجز من كل النواحي ..
لا يعلم حقا أين الخطأ , لكنه همس برجاء أخير قبل أن يخرج مهيار
*أنت ... لن .. لن تؤذيها .. أرجوك ..
توقفت خطوات مهيار قرب الباب ونظر للرجل المحني الرأس ونفخ بتعب ..
لكنه قال بصوت بالكاد سمعه عابد
*أعدك ألا أكون قاسيا جدا ..
وخرج مغلقا الباب خلفه , وما أن خرج حتى اقترب منه ملهم
*الأنسة حوراء سيدي ..
اتسعت ابتسامته ليتناول هاتفه الذي نسيه في السيارة حينما عاد من عند زيان مباشرة لعابد
*حوراء القلب , كيف حالك يا جميلة ؟
جاءه الصوت الهامس الناعم كصاحبته
*وكأنك تسأل لا أعرف بما أنت مشغول ..
رق صوته أكثر هامسا بحب
*لا شيء يشغلني عنك ..
*إذن تعال اليوم ..
ضحك ضحكة خافتة
*سأكون عندك خلال نصف ساعة فقط ..
وأغلق الخط ليضع الهاتف في جيب بنطاله
*سنذهب لحوراء ..
قالها لملهم واتجه للسيارة لينطلقا على الفور ..
سيترك كل ما في يده لأجل حوراء , فهي الوحيدة التي تجعله قادرا على الابتسام عندما تلازمه تلك الذكريات القاتلة التي رافقته طوال الفترة التي قضتها أمه في المركز الصحي , بينما صحتها تذوي وتذوي حتى لم تعد لها للحياة قوة ففارقتها ..
وحدها حوراء من كانت قربه في تلك الفترة , رسمت البسمة على شفتيه , سمحت له بمساعدتها وقضاء الوقت معها ..
لذلك نعم ..
كل شيء يتوقف إذا ما طلبت حوراء ذلك ..
ووحدها فقط من لديه الحق في تغيير جدول أعماله ..
حوراء ...
دخلت زيان البيت بابتسامة غير مصدقة , تسأل نفسها ترى هل حقا تكلم مهيار مع والدها أم لا فهو لم يتصل بها إطلاقا بعد تلك الزيارة , ولم يخبرها بما جرى لا هو ولا والدها , فهل كان يخدعها وفعل ذلك ليتسلى بها ؟
كيف يمكنها أن تعرف ذلك !
*أبي ؟
نادته بصوت خافت تستشف ما خلف الصمت حين خرج لها من غرفته بسرعة لينظر لها بتدقيق و رأى تلك اللمعة في عينيها فعرف أن مهيار لم يكن يكذب ابنته حقا موافقة على الزواج منه ..
قالت بارتباك علمه من حركات يديها وابتسامتها القلقة
*كيف حالك في غيابي ..
تنهد وابتسم لها مخفيا الحسرة في قلبه
*مشتاق لك جدا ..
اقتربت بسرعة لتقبل جبينه وتضمه بشوق
*وأنا أكثر وأكثر ..
وأخفت كذلك خوفها من تلك البطاقة , لن تشغل باله معها ربما كانت مجرد مزحة غبية من أحد معارفها , فلتحتفظ بها لنفسها ..
عضت شفتها واتجهت به نحو المطبخ
*هل أكلت شيئا ؟
هز رأسه بنعم , ليوقف الكرسي بيده موجها نظراته لها
*لقد جاء مهيار اليوم ..
عضت شفتها مبتعدة خطوة , تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها
*أعلم .. قال .. قال أنه سيأتي ويتحدث معك ...
أغمض عينيه بصبر وقال
*زيان أنا ..
قاطعته زيان بسعادة
*إذن لقد حدثك حقا .. أوه أبي أنا حقا سعيدة ..
ارتفع حاجبيه بعجب من السعادة الظاهرة فعلا عليها وسأل باستغراب
*كل هذه السعادة من أجله أنا أرى أن تفكري جيدا زيان ..
لكنها قفزت بفرح تتجه نحو الثلاجة لتخرج شرابا منها وبعض الطعام لتسخنه
*ولكني حقا أحبه أبي ..
قالتها بسرعة دون أن تشعر , لتنظر له بخجل وتطرق رأسها هامسة
*حسنا , لن أنكر أنا معجبة به وطالما هو كذلك لا أجد داعيا للتفكير ..
ضحكت متلعثمة لتكمل اعترافها لوالدها الذي طالما اعتادت أن تقول له كل اعترافاتها
*كنت أنتظر منه هذا الخطوة وما أن فعلها حتى كنت كالبلهاء كما تقول روجين ..
وضحكت أكثر بينما تصب عصير التوت لها ولوالدها الذي ينظر لها بعيون محتقنة بالدموع التي لم تنزل وهو يراها تنجرف نحو المجهول الذي لا يعرفه ولا تعرفه ..
ابتسم لها وأخذ كأسه من العصير قائلا بصوت خافت
*سأرتاح في غرفتي قليلا ..
وضعت طبق السمك المعد سلفا داخل الفرن ليسخن واتجهت نحوه مسرعة تجر كرسيه نحو غرفته
*نعم ارتح قليلا بينما أعد طبق السلطة ..
هز رأسه موافقا , يغلق الباب خلفه وهي عادت للمطبخ ..
وحرك كرسيه بسرعة يبحث عن هاتفه و وما أن وجده حتى اتصل بسرعة على رقم مهيار الذي رد على الفور
*أهلا عمي ..
تنهد بقلة حيلة يسأل للمرة الأخيرة
*ما الذي تنوي فعله بزيان ؟
وصلته ضحكة مهيار الذي أكد له للمرة التي لا يعرفها
*ليس أذى جسديا صدقني ..
وبسرعة قبل أن يقول عابد أي شيء سارع بقطع المكالمة
*والآن دعني لأعمالي واستعدوا للزفاف المرتقب .. كل شيء سيكون في الوقت المحدد وغدا سآتي لأتفق معك ومع زيان على التفاصيل ..
وانتهى الاتصال بينما عابد ينظر للهاتف بعدم تصديق ما هي الخيارات المتاحة أمامه .. هل يغامر بكشف حقيقة المرأة التي حافظ على صورتها في ذاكرة زيان بأبهى الأشكال ..
هل يغامر بمد اليد لأخوالها , هل سيقدر على منعهم من محاصرتها كي لا تجلب العار كأمها , هل يغامر بمعرفتهم ...
مهيار محق بشأن هذا الأمر , فلو علموا ذاك يعني أن عذابها معهم أبدي فأهل الريف لا يتهاونون أبدا .
وبقليل من الحظ ربما كان على حق .. ربما سيتركها حينما يمل بعد مدة قصيرة حين يعلم أن لا انتقام حقيقيا في زواجه منها ..
زيان ستغير تفكيره , ستجعله يعلم أن الحياة بسيطة أكثر من انتقام ..
أسقط بيده حقا ..
كل السبل لإخراجها في وجهه مغلقة ..
مهيار على حق , فليحتفظ لنفسه بأفكاره , ويبقى على الأقل بالقرب منها حين تحتاجه , ذلك أفضل بكثير من اختفائه وتركها تواجه ما يجري لوحدها ..
سمع صوتها تناديه لتناول الغداء ...
وضع هاتفه بعد أن مل النظر له جانبا وأدار كرسيه ليخرج لها ..
وخرج لها حيث كانت تنتظره ..
وكل نظرة فرح من عينيها كان يقابلها دمعة قهر خرساء من عينيه ..
*زيان ..
همس اسمها بأسى بصوت غير مسموع ..
لكن وكأن قلبها سمع صوته فرفعت نظرها عن عملها لتبتسم له وتعود مرة ثانية تنغمس فيه .....
ولم تكن تصدق أن يأتي الغد ..
وأتى ..
أتى معه الكثير من الخطط والأفكار والكثير مما يجب فعله ..
لتشعر وكأن الوقت يتسربل هاربا من بين أصابعها ..
لم تكن تتوقع أن يتعجل مهيار بالزواج بهذا الشكل , لم يكن يريد حفلا صاخبا وهي لم تعترض فلم تكن من محبي الصخب , رغم أنها وللغرور أرادت حفلا يراه الكل .
ولكن فقط وجهة نظره أقنعتها ...
غرقت معها روجين وريوان في دوامة العمل ..
فقرب موعد العمل يعني إنجاز المهام المطلوبة منها بسرعة قبله , خاصة وأن مهيار أكد لها أنه سيخطفها بعد الزفاف نحو بيت الشاطئ ولكنه طلب منها أن تبقي الأمر سرا ..
وهي بالفعل أبقته سرا حتى عن والدها ..
بينما قام والدها بإحضار ممرض ليلازمه بعد انشغالها عنه ...
تمتمت روجين مقطبة الجبين حينما جاء شاب فجأة ودخل المحل ليقدم طردا آخر للأنسة زيان ..
نظرت كلا منهن للأخرى , حتى تشجعت زيان أخيرا ونهضت لتستلم الطرد ولكنه و للاحتياط , لم تدخله للمحل , بل خرجت به تتبعها الفتاتان ووضعته على الأرض وبخوف انحنت وسحبت الشريط المحيط به وتراجعت للخلف ..
لعجبها فلت تخرج أي مفاجآت هذه المرة ..
إنما ما كان مجرد زهرة حمراء قانية اللون .. تقدمت بتوجس لتتأكد , وبالفعل كانت مجرد وردة حمراء !
انحنت روجين تلتقطها
*الحمدلله لم تكن مفاجأة رهيبة ..
همست ريوان وقد رأت بطاقة في أسفل العلبة
*هناك بطاقة زيان ..
هذه المرة انحنت زيان تلتقطها و وما أن رأتها حتى مزقتها بكل غل هامسة بسخط غاضب مما يحصل
*تبا إنها إحدى بطاقاتي التي صممتها ..
وسحبت الوردة من روجين لترميها أرضا تدوسها بحذائها رامية فوقها بقايا البطاقة الممزقة
*فلتذهب أنت للجحيم أيها الغبي ..
نظرت لريوان متسائلة
*ألا يمكنك أن تحظريه كي يمتنع عن التواصل معنا ..
هزت ريوان كتفيها
*سأحاول ..
وافقتها روجين وهن يدخلن
*سيكون هذا أفضل وإن تكرر الأمر أرى أن تخبري مهيار ..
لوت زيان شفتيها
*بماذا سأخبره أن هناك مهووسا يهددني ببطاقات أنا صنعتها لا انسي الأمر ..
هزت روجين كتفيها تغلق الباب خلفها بعد أن بدأت ريوان فعلا محاولة حظره عن مواقع التواصل ..
لم تر إحداهن القابع في سيارته يراقب ما حصل ..
حتى أنه همس بملل حينما داست الوردة
*عدوة الورد ما ذنبها , كنت أعلم أنها خسارة بك ..
ونظر للوردة على الأرض مبتسما لها
*لا تقلقي لن أشفع لها يوما كاملا لأجلك ...
راقب دخولها الغاضب لمحلها ..
مد يده لصندوق السيارة يسحب منه صورة أمه , يمرر كفه عليها
*اقتربت الأيام أمي , كيف لذرية تلك المرأة أن تكون ..
أعاد الصورة لمكانها ليخرج هاتفه متصلا بزيان التي ردت وكأنها تنتظره
*أهلا مهيار ..
همس بصوت ناعم أجش
*هل أسمح انفسي أن أدعوك على الغداء قبل الزفاف ..
ابتسمت ببله لتخفي كل من روجين وريوان ضحكتيهما
*بالطبع يمكنك ذلك ..
*انتظرك في الخارج ...
أغلقت بسرعة , غير مصدقة لتلتقط حقيبتها وتخرج له ..
وبالفعل كان ينتظرها في الخارج ...
لتقضي معه ما تبقى من اليوم , بين السوق والمقاهي ..
تعيش كل لحظة معه ضاحكة ..
بينما أغدق عليها بكل ما يسعدها , لا يبخل بشيء ويزيد من رصيده في قلبها ...
صياد يعرف تماما كيف يغري فريسته للدخول في القفص ..
وفريسة أكثر من غافلة عن الخطر المحدق بها ...
بينما عابد يعد الأيام راجيا أن يحصل ما يجعل كل هذا مجرد كابوس ..
مجرد حلم مزعج ..
لكنه لم يكن سوى واقعا ..
والزفاف يعلن قدومه حاملا معه ما لا تعلمه زيان ..
وما لا يعرف كيف يتعامل معه مهيار ...
.....................
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 9:39 pm

-3-
بعد وقت ....
وقفت أمام مرآتها تنظر لوجهها في المرآة ..
هل حقا ستزف عروسا اليوم لمهيار , التمعت عينيها بفرح , بينما دمعت عينا والدها في الغرفة الأخرى , بالفعل لم تكن حفلة ضخمة مجرد تجمع بسيط أصر عليه مهيار في بيت والدها , وها هو ينظر لعابد لا يفارقه لحظة , وكم أثرت فيه تلك الدمعة ..
أبعد عينيه عنه ونظر لأصدقاء زيان الذين دعتهم ..
لا أحد من معارفه حضر فلم يعلم الجميع بالخبر , بعضهم فقط , فعلى كل حال لا ينوي إطالة أمد هذا الزواج ...
عدل من ياقة قميصه الناصع البياض واقترب من ملهم متسائلا
*هل ما زالت حوراء غاضبة ؟
ابتسم ملهم له
*نعم فأنت تعلم أنها كانت تود الحضور ..
تنهد بعمق فحضور حوراء لا ينفعه في هذا الوقت , ينوي استغلال ظهورها لصالحه لاحقا , كان على وشك أن يخرج هاتفه ليتصل بها ولكنه غير رأيه حين انطلقت الزغاريد , ونظر ليرى زيان خرجت من غرفتها متألقة بالثوب الذي اختاره , لم تعترض ولكنها مثله أحبت الثوب البنفسجي اللون , بكتف واحد , وحزام عريض يحدد خصرها النحيل , ويمتد كلاسيكي الشكل , حتى يصل للأرض منتهيا بتل ناعم بذات اللون طويل خلفها ...
*جميلة جدا ..
همس بها دون شعور , توقع أن تبدو جميلة ولكن ليس بهذا الشكل !
إنها تأسر القلوب حقيقة وقد لاق بها اللون كثيرا مظهرا بشرتها القشدية الرائعة ..
حاوطت بها الفتيات ليحجبنها عن نظره يطلقن الزغاريد ..
رغم كون التساؤل واضح على وجوههن ..
لمَ هذه الحفلة البسيطة , بينما مهيار الشوماني قادر على إقامة حفلة يدعو عليها كل البلاد لو أراد !
ولكن ذلك لم يهم , فالعروس والعريس من أجمل ما قد تراه يوما !
حتى المصور الفوتوغرافي تفنن بالتقاط الصور لهما في كل حركة عفوية قاما بها أثناء الحفل دون أن يشعرا ..
*أميرة ..
همست بها روجين تنظر لزين بتساؤل فرح
*هل سأبدو مثلها حينما نتزوج ...
قبل زيم جبينها يقربها منه
*بل ستبدين أجمل بالثوب الأبيض ..
التمعت عينيها بحب تنظر له , وعادت بنظرها لزيان
*لون ثوبها جميل ..
اقتربت منهما ريوان فابتسم لها زين
*العقبى لك ريوان ..
لم ترد وابتسمت له تنظر لزيان بفرح ..
حتى عابد .. كان ينظر وفي عينيه عجب من جمالهما معا ..
كيف يمكن لأميرته أن تؤذى ..
أحنى رأسه بتعب لاحظته ريوان فاقتربت منه مبتسمة
*عم عابد لمَ هذا الحزن , انظر لها إنها في غاية الفرح ..
بادلها الابتسام مجيبا بشرود
*أنا بالفعل أنظر إليها ...
أنظر لما لا تعرفه لا هي ولا أنا ولكن على الأقل سأكون موجودا لألملم الجراح والبقايا , لأعيد القوة .. والحياة ...
نظر لكتفه الذي لم يعد لحاله بعد , ولقدمه الغارقة في الجبس والكرسي الجالس عليه, هل هناك عاجز أكثر منه على الأرض ..
لا .. ليس هناك ..
اقتربت زيان من والدها مبتعدة عن مهيار الملتصق بها منذ خرجت من غرفتها وانحنت لتصل مستواه جالسة على ركبتيها أمامه , لتمسك كفيه مراعية آلامه
*أبي ..
ونظرت لعمق عينيه تهمس بغصة ..
*لمَ أشعر أنك لست سعيدا ..
ترك كفها ليمسح وجهها بيده هامسا بصوت محتقن بالقهر
*كيف سأفارقك يا بهجة القلب ..
ابتسمت بخجل وأطرقت رأسها
*أيام فقط وسنعود ..
لم يبعد كفه عن وجهها وكأنه يحفر هذه الملامح في قلبه وعلى وجهه وكل مكان من جوارحه
*تذكري زيان , عند أول عثرة لا تتردي وعودي ..
ضحكت رغم دموع الفرح وغصة الوداع ممازحة
*يا لها من نصيحة مبشرة ليلة الزفاف ..
أجبر نفسه على الضحك
*تعالي لأضمك زيان ..
رفعت جسدها وانحنت عليه تضمه لصدرها تتشمم رائحته
*أحبك جدا ..
همست بها لترفع يده تقبلها
*ادع لي أبي ...
سحب وجهها له ليقبل وجهها عدة قبلات طويلة منهكة
(فليحنن الله قلبه عليك صغيرتي ..)
لهج بها لسانه لكنها لم تسمعه رغم معرفتها بأنه يدعو لها ..
اقترب مهيار قائلا لعابد
*هل ستسرق عروسي يوم زفافي عمي ..
ضحكت زيان تنهض لتقف مقابلا له
*أحب كلمة عمي منك ..
اقترب أكثر ليعتقل خصرها يسحبها نحوه
*تحبين الكلمة فقط ؟
ونظر لعابد لينحني مقبلا جبينه هامسا
*ستشفع لها اليوم دموعك عمي ...
شهق عابد بغصة فصاحت زيان برقة
*انتبه لكتفه مهيار ..
ابتعد عنه متظاهرا بالأسف
*لم انتبه ..
شدت زيان على كف والدها تنادي الممرض الذي جاء للإقامة معه توصيه به ..
قبل أن تنحني للمرة الأخيرة تقبل جبينه تودعه ..
فوقت المغادرة قد حان ..
ضمتها روجين سعيدة لأجلها
*مبارك ..
ضحكت زيان بتواطؤ مع ريوان التي اقتربت
*لقد سبقت زيان بالزواج روجين ..
ومدت كلاهما لسانهما في وجه روجين التي هتفت بحنق
*لن يتأخر زفافي ولن أدعوكما ..
طوحت ريوان بكفها غير مبالية
*تجرئي وافعليها ..
وضمت زيان لصدرها مهنئة
*مبارك لك زيان .. بالرفاه والبنين ..
*ولك أيضا العقبى لك ..
رفعت ريوان كفيها للسماء تدعو
*يا رب من فمك لأبواب السماء ..
ضحكت زيان بينما غمزها مهيار ممازحا
*ملهم جاهز على فكرة ..
اتسعت عيني ملهم ليحمر وجهه مهمها اعتذارا واهيا ليفر خارجا ...
ضحك مهيار من فعل ملهم وخجله بينما ريوان لوت شفتيها بامتعاض
*من يرى هروبه يصدق أني وافقت على الاقتراح...
ضمتها زيان للمرة الأخيرة
*لا بأس يا جميلة ربما لو غيرت لون شعرك كما أخبرتك لكنت متزوجة الآن...
مدت ريوان لسانها لزيان
*لن أغيره هيا غادري مع زوجك لنرتاح من استبدادك قليلاً..
ضحك مهيار قائلا
*ستشتاقون لها...
ضحكوا من كلامه، وحده عابد من غص برغبته بالصراخ بها لئلا تذهب معه ، لكن نظرة مهيار جعلته يسكت ، لتودعه قبل أن تغادر
*لن أتأخر عليك...
ابتسم لها متسائلا
*إلى أين ستذهبون..
تدخل مهيار قبل أن تنطق بحرف متحدثا بصوت خفيض
*رحلة شهر عسل...
وابتسم له بطرف شفتيه ، ليشبك ذراعه بذراعها يسحبها معه ملوحا لهم بالوداع...
وبعده غادرت ريوان وروجين وزين ليبقى عابد وحده...
يشيع الطريق بأسى، يكاد يختنق وكأنه قدم ابنته بنفسه نذراً للشيطان، حنى رأسه لتنهار دموعه ويقود كرسيه بنفسه نحو غرفته ينعي ابنته التي ذهبت في شهر عسل مر..
متأكد من مرارته ، تلك المرارة التي رآها في عيني مهيار ...
ضعيف ... هو رجل ضعيف عجز عن حماية وحيدته ...
تقدم منه الممرض ليساعده فلم يعترض، لا قوة له للاعتراض..
ساعده حتى استقر في سريره الضخم ليتركه وحده ويخرج...
بينما آلاف التهيؤات خطرت على بال عابد، حتى تمنى الصراخ بعلو صوته قهراً....
وتلك المغيبة في الأوهام لم تفطن لتغير مهيار الذي بدا واضحا منذ ان استقلا السيارة متجهان إلى بيت الشاطئ الذي لا يعلم أحد عنه...
لم يمكنها خجلها وعدم اعتيادها عليه من رفع رأسها والحديث معه ، ولم يبادر هو لذلك، فاعتقدت أنه مثلها يعاني من التوتر للظرف الجديد عليهما...
لكن الطريق طالت والصمت طال ، والتزمت الصمت مثله حتى مالت على الزجاج لتغمض عينيها من التعب، ربما يحب التركيز أثناء القيادة وذلك أفضل ، فقد رأت بعينها ما نتيجة الإهمال...
أغمضت عينيها تنشد الراحة قليلاً وحين يصلان ستعرف كيف تتصرف...
فلم تشعر بنفسها إلا وقد غفت من التعب...
فانحنت عنقها للأمام ... مستسلمة للنوم الذي لا سلطان له..
نظر لها مهيار ليتوقف بيسر بالسيارة ، يتأمل نومتها الهادئة وتنفسها ذا الصوت العالي من وضعها الغير مريح...
نظر لها طويلاً، ببنما رموشها تعكس ظلالها على خديها من الإنارة القادمة من الشارع ، لم تكن زينتها مبالغة ، إنها جميلة حقاً..
أرجع رأسه للخلف مفكرا..
ها قد تم الأمر وأصبحت زيان ملك يمينه ... ماذا بعد ..
لمَ يشعر بعدم الراحة .. من ذاك الذي قال إن الانتقام يجلب الراحة ، يشعر وكأن همومه زادت...
نظر للسماء هامسا بصوت لا يسمع
*كيف أمحو من قلبي صراخك ووجعك يا أمي .. كيف أنسى دموعك ومعاناتك ... كيف ...
تنهد بعمق، ليكمل القيادة بيسر ما تبقى من الطريق ، بينما زيان بقت على حالها حتى أنه لم يحاول حتى أن يعدل لها عنقها..
فلم تشعر بنفسها إلا وهو يناديها
*زيان هيا لقد وصلنا..
وتركها بالسيارة ، لينزل متجها نحو البيت وفتح الباب ليدخل يبحث عن علبة الكهرباء لحظات فقط وأنير المكان بأكمله...
وهي على حالها مقطبة الجبين تحاول استيعاب ما يحدث ، لكن ما ان أنار المكان حتى فطنت للعتمة التي تملأ السماء ، فلملمت ثوبها لتنزل من السيارة وهو يعبث بشيء ما قرب الباب.
اتجهت إليه مستغربة ما يجري حولها تحمل على ذراعها طبقة التل الطويلة والأخرى ترفع بها ثوبها حتى لا يلتقط الرمال ، نظرت خلفها لترى المسافة التي تقطعها السيارة حتى تصل إلى هنا ، لكن الظلمة لم تعلمها الا ان الإنارة البعيدة تخبرها ببعد المسافة..
تنهدت بتعب بينما لا تريد سوى أن تدلك عنقها المتشنج..
*تعالي..
همس بها فاتجهت نحوه لتدخل من الباب تخطو نحو الداخل حيث لا تعرف أي شيء ، فلم تدخله من قبل..
أغلق الباب وتبعها..
*أهلا بك...
توترت زيان واستدارت نحوه مبتسمة بخجل لتهمس
*شكرا لك...
حاول أن يبتسم لكنه فشل فأشار لها يشرح
*البيت بعيد عن المدينة، كما لاحظت فإن الواجهة كلها للبحر..
نظرت حولها لترى فعلاً أن الاطلالة على المدينة مقتصرة على نوافذ صغيرة، بينما الصالة حيث يقفان الآن فواجهتها زجاجية ضخمة مفتوحة للبحر... تساءلت بحذر
*ألا يرانا الصيادون؟
اقترب من الزجاج ليحرك الستائر مغلقاً المكان
*لا، لأن الصيادين لا يقتربون من هنا، حسب ما سمعت فالأسماك هنا صغيرة غير مرغوبة..
هزت رأسها بتفهم
*جيد..
فأكمل مشيرا لها أن تتبعه
*لكني أحياناً أخرج بقارب صغير تحت البيت للصيد..
تحمست وسألت
*وهل تصطاد
لوى فمه بأسف
*لم يحدث أن اصطدت..
وأشار للغرفة المتجهان نحوها
*هذه غرفة النوم ، والحمام ملحق بها ، وعلى الجهة المقابلة هناك مثلهما .. والمطبخ مفتوح على الصالة كما لاحظت بالطبع..
أومأت بنعم لتقف مكانها حينما رأت ابتسامته تتسع ينظر لها
*لكني اليوم اصطدت أجمل سمكة في الكون..
ولم تتمكن حتى من إخراج شهقتها المتفاجئة من حركته السريعة لتجد نفسها تطير بين ذراعيه وثوبها يطير معها ، ليدخل بها الغرفة ليعيشا حالة من السكر والهروب من الواقع...
يوما لن يتكرر ... تاركان خلفهما ... كل شيء ...
لأن الغد القادم سيغير كل شيء ، لذلك حرص على جعل هذا اليوم لا ينسى لها...
...................................
استيقظت زيان صباحا على صوت الموج العالي ...
فتحت عينيها تعض شفتها مبتسمة , التفتت لنرى أن وحدها في السرير , لا بد أن مهيار قد استيقظ قبلها ...
*مهيار ؟
قالتها بصوت هامس وحينما لم تتلق الرد علمت أنه ولا بد في الحمام أو في الخارج..
نهضت بكسل من السرير ، لترفع شعرها ببكلة عشوائية ، تاركة جزءاً منه متدليا بدلال على كتفها...
نظرت لنفسها في المرآة مبتسمة ، لقد تزوجت حقاً!!
تذكرت والدها فبحثت عن هاتفها لتكلمه ، لكنها لم تذكر أين وضعته بالأمس، بحثت في الأدراج هنا وهناك لكنها لم تعثر عليه ، و حين ملت البحث نادت مهيار مجددا بصوت عالي ، لكنه كذلك لم يرد .. نفخت بحنق لا تعلم كيف تتصرف .. فتركت كل شيء وذهبت لتحصل على حمام صباحي هادئ ريثما يعود مهيار من حيث هو...
وخلال دقائق كانت تلتف بمنشفة الحمام الضخمة التي لفها بها مهيار على الشاطئ فابتسمت للذكرى ..
وقفت أمام التسريحة تجفف شعرها , وترفعه كذيل حصان مرتفع , ولم تضع شيئا على وجهها خاصة مع ظهور بثرة على وجهها من المستحضرات التي استخدمتها أمس وهي التي لم تضع يوما أكثر من مرطب للشفاه وكحل للعين ..
تأملت نفسها بالفستان الذي اختارته , بلون المشمش الخجول يصل حتى ركبتيها وبنصف كم ..
وكعادتها قالت لنفسها تشجعها على بداية اليوم
*سباح الخير يا زين البنات ..
وغمزت نفسها ضاحكة متذكرة الصباحات الماضية ..
لكن شتان ما بينهم ...
تمطت تشد جسدها وخرجت للصالة فلم تجد أثرا له .. واتجهت نحو الواجهة الزجاجية لتفتح بابا تخرج منه للشرفة , ليطل عليها البحر بكل موجه و بهائه
اتسعت عينيها برهبة لطالما توقعت جمال المنظر وتمنته , لكنه على الواقع أجمل بكثير .. كالسحر ..
*ما شاء الله ..
تمتمت بها مقتربة من سور الشرفة , وانحنت تمد يدها علها تلمس قطرات إحدى الموجات ...وتمادت بالوقوف على أطراف أصابعها حتى خشيت أن تقفد توازنها ..
صرخت برعونة واستقامت بسرعة وغباء حينما تمكنت من لمس الموج ..
بدا الأمر مشوقا وأرادت أن تكرره , لكنها سمعت صوتا في الداخل فنادت
*مهيار أنت هنا ..
ودلفت من الشرفة لكن الصمت هو ما كان جوابها ، قطبت مستغربة ، فما الصوت الذي سمعته إذن !
دخلت من الشرفة لتقف في وسط الصالة ، هناك شيء غير طبيعي لا تعرف ما هو..
يبدو أن شيئا تغير ، لكنها لا تذكر جيدا ترتيب البيت لتتأكد إن كان تغير أم لا ، ما يهمها أن هذا الترتيب لا يعجبها لذلك شدت همتها وبدأت العمل لترتب الصالة بشكل يرضيها..
ولم تكد تنقل الأريكة جيدا حتى سمعت صوت مهيار يناديها..
اتجهت إلى الباب وفتحته، لتجده واقفاً ويداه ممتلئة بالمشتروات...
*صباح الخير..
همسها واقترب يسرق قبلة سريعة من وجنتها ، ليتخطاها ويدخل بينما هي بالكاد شهقت متفاجئة من حركته..
أغلقت الباب وردت عليه بخفوت
*صباح النور..
لم تسأله أين كنت فمما في يده أدركت أنه كان بالسوق..
دخلت خلفه إلى المطبخ من الباب الجانبي الصغير ... وضع ما بيده على طاولة صغيرة وفتح الأكياس لترى محتوياتها
*لم يكن هناك ما يؤكل فقمت بجولة سريعة قبل أن تستيقظي...
ابتسمت واقتربت لترى ما اشتراه وتبدأ بتوزيعه مستغربة بحق فمن يراه يعتقد أنهما زوجان منذ أعوام ، أين رومانسية شهر العسل !
*لما غيرت مكان الأريكة زيان؟
تفاجأت من سؤاله وقد نسيت موضوعها تماماً، فتركت المطبخ وعادت لها
*أريد وضعها هنا قريب الزجاج...
خرج خلفها مستغرباً ما تقوم به
*لكن مكانها كان هناك!
توقفت ونظرت له باندهاش وقالت تبرر
*لا لا كانت عند الباب تقريباً ومكانها خاطئ..
*لا بأس زيان..
قاطعها مقتربا ليسحب الأريكة بيسر إلى قرب الزجاج
*إنها هنا منذ اشتريت البيت لم أغير شيئاً في البيت منذ اشتريته...
احمر وجهها بخجل وهتفت بصدق
*لقد كانت هناك..
أشارت إلى مكان ما قرب الباب مؤكدة كلامها
*أنا حاولت نقلها من هناك إلى هنا و أنت جئت فنسيت .. ولكن...
اقترب مبتسماً منها ليحيط جسدها بذراعيه قاطعاً كلامها بهمس شجي
*زيان... لا بأس لن ألومك فأنت لم تعتادي بعد على البيت...
اتسعت عينيها لترد بقوة
*ولكن مهيار...
وضع كفه على فمها لتسكت وقبل جبينها قبلة طويلة عميقة حتى أحس بهدوئها فأبعد كفه ونثر العديد من القبل على وجهها حتى وصل لثغرها يلثمه برقة وشوق ، وهي ساكنة ، فعمق قبلته أكثر يمسح جسدها بكفيه حتى ذابت معه دون أن تشعر..
لحظات وتركها مغمضة العينين , محمرة الوجه ليهمس أمام شفتيها
*هل نعد شيئا لنأكله أم نؤجل الطعام لوقت آخر ..
أطرقت بخجل محاولة الابتعاد عنه قليلا
*لست جائعة , أريد النزول للبحر لقد حاولت لمس الموج قبل لحظات ..
ارتفع حاجبه وسحبها من يدها معه نحو الشرفة , فسألت متعجبة وهي تراه يتجه للجدار
*إلى أين تذهب ..
أدار وجهه لها مبتسما
*أحقق رغبتك ..
ولمس زرا ما في الجدار ليفتح بابا ضخما يؤدي إلى درج صغير , نزلت معه متخوفة من المكان , لتجد أنه ليس سوى مرسى صغير لقارب خاص ..
*هل هو لك ؟
سألت متعجبة ليلف ذراعه حول خصرها ويحملها ليضعها على القارب بينما هي تشبثت به بقوة ...
رغما عنها ضاحكة بحماس لمَ تحياه لأول مرة معه ...
قفز ليركب هو الآخر فاهتز المركب من ثقل جسده , لتجلس صارخة متمسكة بحافته , فضحك من منظرها متسائلا
*هل تخافين يا صغيرة ؟
قطبت جبينها تنظر له شزرا
*لم تناديني صغيرة ؟
هز كتفيه بينما حرر المركب من حباله ليشغل المحرك الصغير منطلقا به
*ربما لأنك تتصرفين كطفل لا يجرؤ عن الابتعاد عن والديه ...
كانت على وشك الرد عليه حين اتسعت حدقتيها متذكرة
*مهيار أين هاتفي .. بحثت عنه لأكلم والدي ولكني لم أجده !
نظر لها بتعجب قائلا بلهجة متسامحة
*إنه في غرفتنا زيان قرب السرير على الطاولة الصغيرة وبالقرب منه هاتفي كذلك..
هزت رأسها تنفي بسرعة
*لا لقد بحثت عنه ولم أجده ..
وجه نحوها نظرة جعلتها تسكت , أخبرتها وكأنه بدأ بالاعتقاد أنها مجنونة وأكمل بقوله بذات اللهجة المتسامحة
*لا بأس يا صغيرتي فأنت لم تعتادي على البيت بعد ..
فتحت فمها لترد عليه , لكنه لم يسمح لها لينزل ويجلس قربها , يسندها على جذعه رغم اعتراضها الواهي
*تمتعي بالجمال حولك ..
نظرت حولها بالفعل , للموج المتطاير بفعل حركة المركب , للبيت الذي أصبح بعيدا ..
وتذكرت والدها , لا بد أنه وحيدا الآن مع ذاك الممرض الغريب ..
التفتت نحو مهيار
*هل هاتفك معك أريد أن أكلم والدي ..
هز رأسه نافيا بأسف
*لقد قلك لك للتو حبي أنه قرب هاتفك في غرفتنا ..
قبل جبينها بحب
*عندما نعود من جولتنا كلميه..
وافقته بهزة من رأسها , واقتربت من حافة المركب وانحنت لتلمس الموج ..
أطلقت صرخة ناعمة من ملمسه السريع على ذراعها , فانحنى مثلها ليمسك كفها يحذرها
*لا تنحني كثيرا , ربما سقطت من المركب ..
ضحكت وعاندته بانحنائها أكثر
*لن أسقط ولم ذلك ..
ابتسم بخبث .. لم تر ابتسامته , تركها محذرا من جديد
*احذري السقوط .. سأرى إن كانت عدة الصيد معي ..
ورجع للخلف إلى قرب المحرك وهي تراقبه لينحني ملتقطا صندوقا كبيرا يخرج منه السنارة الخاصة بالصيد , فابتسمت له وعادت لانحنائها , ولم تره وهو يزيد من سرعة المحرك بحركة خاطفة ليصرخ بعدها
*احذري زيان ..
وسقط هو على أرض المركب بينما نهضت زيان بغباء لتقف وتركض نحوه فتعثرت ووقعت ليخرج جذعها خارج المركب ويسحبها نحو ماء البحر ..
لم تسمع ضحكته وهو يوقف المحرك ويقف متظاهرا بالرعب صارخا باسمها
*زيــــــــــان ...
لم تكن تعرف السباحة كل معرفتها بالبحر تقتصر على الشاطئ , لم تغامر يوما بالسباحة ولا تستهويها ...
وحينما رآها كانت تجاهد كي تبقى على السطح تصرخ كلما سمح لها الموج باسمه , دون أن تقدر على فتح عينيها فلم تره إطلاقا وهو يراقبها تعافر مع الموج وتكافح كي تتنفس , بينما بدا البحر غاضبا بجنون فلم يسمح لها بالتقاط أنفاسها ..
تركها ما يزيد عن الدقيقة تجاهد وحين شعر بيأسها , قفز بالماء واتجه إليها ليخرجها ... ووصل في اللحظة التي أغمضت فيها عينيها ولم تعد قادرة على المقاومة فلم تشعر به يسحبها .. استسلمت للسواد الذي أحاط بها وأنقذها ...
بينما والدها كان يشعر بالاختناق ..
يواصل الاتصال بها منذ الصباح دون رد , حتى مهيار لم يرد عليه , وتلك الغصة تحتكم روحه حتى شعر بالاختناق حقا فنادى الممرض متسائلا إن كان ينفع أن يعطيه إحدى الحبوب المنومة فهو لم تغمض له عين منذ أمس ..
وبالفعل أعطاه , ليستسلم لسلطان النوم بالفعل , مغيبا نفسه بالقوة عن إحساسه ..
فتحت زيان عينيها على صوت طنين مزعج فتحركت بصعوبة تشعر بجسده وكأن شاحنة قد دهسته , فرأت هاتفها مستمرا بالرنين باسم روجين ..
تمددت لتفتح الخط وتضعه على أذنها
*مرحبا روجين ..
وصلتها الضحكة النعامة لروجين بينما سمعت صوت ريوان
*هل غرقت في العسل ونسيتنا ...
دلكت رأسها وكانت على وشك القول ( بل غرقت في البحر وكدت أموت )
لكنها سكتت عن ذلك حين سمعت صوت والدها يسأل بقلق
*كيف حالك زيان ..
اعتدلت بسرعة مبتسمة للصوت
*أبي اشتقت لك كثيرا ..
لم يستمع لأشواقها ليسألها بلهفة
*طمئنيني عنك زيان هل أنت مرتاحة ..
ابتسمت لطيفه في خيالها تؤكد له
*أنا بخير أبي لا تقلق .. لقد خرجننا في نزهة بحرية , وعدنا للتو أنا بألف خير ..
*أتمنى ذلك ..
همس بذلك بصوت خفيض , لتخطف ريوان الهاتف هاتفة بمرح
*أيتها المخطوفة أين أنت بالضبط ...
كانت سترد عليها حين أطل مهيار من الباب
*هل استيقظت؟
سكتت عن الرد على ريوان وردت عليه
*نعم , روجين وريوان عند أبي الآن يكلمونني ..
واتجه نحوها ليأخذ الهاتف من يدها يسمع ريوان تقول
*كم هذا رومانسي , صوتكما كهديل الحمام ..
ضحك ورد عليها وملهم كذلك صوته جميل ..
شهقت بفزع لتضع الهاتف بيد عابد هامسة بحنق
*يا لك من غبية زيان ..
ضحكت روجين من قلبها لتهمس بصوت منخفض ساخر
*تستحقين ذلك فلسانك يسبقك ..
قال مهيار حين ميز صوت تنفس عابد
*أهلا عمي .. اشتقنا لك حقا ..
والتفت لزيان قائلا
*لا تتحركي لقد أعددت لك شايا بالليمون سأحضره على الفور ..
وخرج من الغرفة ومعه الهاتف وعابد على صمته وقال له
*أتذكر عمي شفيعها الأول ؟ لقد استهلك اليوم .. ادع لله أن تكثر شفاعاتها ...
غص حلق عابد بالدموع ولم تنتبه الفتاتين لحاله , فروجين قالت له تأخذ الهاتف منه
*كل هذا الشوق لزيان ونحن كذلك ابنتيك ..
وكلمت مهيار قائلة
*لك عروسك مهيار وعلينا العم عابد لنعوض له هذا الشوق الذي سكن عينيه ..
وقالت له بصدق خرج من عمق قلبها استشعره من همسها للحروف
*اهتم بزيان أرجوك فهي رقيقة كالزهرة رغم مظهرها القوي إلا أنه يسهل كسرها ..
*لا تقلقي ..
قالها وأغلق الخط , لينظر نحو كوب الشاي الذي أعد مطولا قبل أن يحمله ويتجه به نحو زيان التي ما زالت على سريرها تدلك جبينها ..
ما أن رأته حتى قالت
*أشعر بالصداع ..
ابتسم ليقترب منها ويجلس قربها على حافة لسرير لائما بلهجة ناعمة
*لقد حذرتك لكنني لم تستمعي لكلامي ..
تنهدت بألم بينما يرفع جذعها ليسندها ويضع الوسائد خلفها لترتاح
*لقد خفت ولم أعرف كيف أتصرف ..
*لا بأس ..
وساعدها لترشف من الشاي قليلا
*طعمه جميل ..
قبل وجنتها ليقترب أكثر يضممها لصدره مستمرا بجعلها ترشف من الشاي
*هيا استعيدي قوتك لنأكل فما زال أمامنا شهر عسل طويل ..
ابتسمت بخجل لتصحح له
*إنه أسبوع لا أكثر ..
لم ينظر لها بل نظره كان سارحا في البعيد ليؤكد مرة ثانية ..
*لكنه سيكون طويلا ... جدا ...
أكملت كوب الشاي ببطء بينما تشعر بالنشاط يدب فيها وهو يروي لها كيف قفز خلفها وأخرجها وضاحكها حتى بقوله
*أيعقل أنك لا تعرفين السباحة ..
فعبست متذكرة
*لم أتعلمها يوما ..
لكن كل ذلك كان كابوسا و انتهى فها هي الآن بين ذراعيه آمنة هانئة ... يملأها الحب نشوة ....
....................
*حوراء الجميلة صباح الورد ...
تقدمت منه بكل غنجها و دلالاها تلوي شفتيها باستياء
*و كأن حوراء حقا تعني لك شيئا ...
ارتفع زاوية فكه علما أن القادم من العتاب لن يعجبه وفتح ذراعيه علها ترتمي في أحضانه
*تعالي يا صغيرة ..
لكنها لم ترد عليه بل أدرات ظهرها عابسة بغنج
*أين عروسك لقد وعدتني أن تحضرها إلي ؟
قطب بانزعاج فعلى ما يبدو أن حوراء لن تتوقف عن المطالبة بها أبدا , فتقدم هو تلك الخطوات ليسحبها نحوه يقبل جبينها محاولا مراضاتها
*يا صغيرة هل أصبحت العروس أهم من مهيار ؟
لم تسامح وتنظر له بل زادت تقطيبا
*لن تغير الحديث مهيار أين زيان ؟
تململ في وقفته وأجاب مجبرا
*في بيت الشاطئ ..
اتسعت عينيها والتفتت له بسرعة
*وتركتها وحدها هناك اليوم وجئت إلي !
طوح بيده بلا اهتمام , واتجه إلى المطبخ ليحضر كوبا من العصير ويشربه فمن الواضح أن حوراء ليست مهتمو بضيافته اليوم , لكنها تبعته لائمة
*أنت تعلم أن بيت الشاطئ مخيف كما أنه منعزل ماذا لو احتاجت شيئا ؟
هز كتفه ليرشف من العصير
*أنت تهتمين بها كثيرا ..
نفخت بملل لتضربه على كتفه بعتب لطيف
*ولم لا أهتم بالمرأة التي اختارها أخي لتكون زوجته ..
شرب العصير دفعة واحدة ليقول منبها بلطف
*اهتمي بأخيك إذن لا بعروسه ..
*ألا تحبها !
سألت مستغربة لتردف بسرعة تتبعه نحو الصالة حيث رمى جسده على الأريكة الواسعة ليجيب بفم ملتو
*ما دخل الحب بالزواج ؟
جلست قربها تحشر نفسها قرب صدره لتكون قريبة من عينيه
*ولكن يا مهيار أنت علمتني أن الحب أسمى شيء في الوجود وأن الإخلاص لشريك عمرنا هو قمة الطهارة ..
مسح على شعرها بكفه
*و ما زلت على كلامي حوراء ..
سألت بقهر منه لا تفهم تصرفاته أبدا
*إذن لمَ أشعر وكأنك لا تهتم بها حقا !
لم يرد بل سرح بفكره بعيدا فتساءلت
*أليست جميلة ؟
ضحك ضحكة ناعمة
*لن يرتاح لك بال حتى ترينها ..
وأخرج هاتفه ليعبث به قليلا , ويديره لها لترى صورهما معا يوم الزفاف , فشهقت لتسحب الهاتف من يده تكبر الصورة وتنظر لها بفم مفتوح , لتصفر بإعجاب
*جميلة جدا ..
عادت تلوي شفتيها تلومه
*لما لم تسمح لي بحضور الزواج , لا بد أن الحفلة كانت جميلة ...
أخذ هاتفه منها لينظر للساعة
*ربما لأني أشعر أنه لن يدوم طويلا , عودي للنوم لا زال الوقت باكرا ..
وكعادتها في كل مرة يتركها ويسافر اعترضت كثيرا , وكثرت سبل الترضية , ولكنها هذه المرة اختلفت .. فلم تكن ترضيتها سوى رؤية العروس قريبا ..
حوراء هي التي تملك زمام قلبه ...
هي من تركتها أمه له طفلة صغيرة ليكون لها الأب والأم والأخ وكل شيء ..
وهي من سألته يوما بقهر طفلة لا تكاد تفهم معنى الفقد
*لمَ ليس لدي أم ..
لايزال يتذكر رده عليها
*لقد أذوا أمنا يا حوراء فلم تتحمل وفقدناها ..
يومها بكت في حضنه هاتفة
*كم أتمنى أن أؤذيهم ..
وأمنيتها كانت أمرا واجب التنفيذ ..
عهدا قطعه على نفسه أل يسمح لنسل تلك المرأة أن ينتشر ويؤذي المزيد ..
وكانت زيان هي الهدف .. ابنة أمها ..
عندما عاد كانت لا تزال نائمة بفعل القرص المنوم الذي أعطاها إياه ليتمكن من زيارة حوراء والعودة دون أن تشعر به ..
نظر للساعة , لا بد وأن التأثير قد ذهب ..
تمطى بكسل مبتسما ليهمس
*حان وقت المرح ..
بدل ملابسه , واستلقى قربها على السرير , ومد يده لهاتفها يعبث به قليلا ..
وانتهى بأن وضعه قرب أذنها تماما وتمدد على فمه ابتسامة ماكرة وأغمض عينيه متظاهرا بالنوم ..
لحظات فقط وكانت صرختها قد ملأت المكان , حين صرخ في أذنها عواء ذئب قوي !
لم تنتبه لخوفها على الهاتف الملقى قربها إنما قفزت من السرير تصرخ , بينما قفز بدوره بسرعة ليمسك بها محاولا تهدئتها ..
جسدها المرتجف بين ذراعيه جعله يشعر بالرضى ..
بينما هي دقات قلبها قد حطمت الرقم القياسي تغلق إذنيها بكفيها والصوت يتردد في رأسها .. شد جسدها لصدره أكثر
*اهدئي زيان .. اهدئي ما بك ..
كانت تنظر حولها بقلق وخوف ودموع غريبة طفرت من عينيها لتقول بصوت هامس بالخوف
*هناك حيوان ما في البيت مهيار لقد سمعت صوته ..
أدراها نحوه , لينظر لها بحاجب مرتفع متسائلا ببرود
*سمعت صوته ؟
هزت رأسها بنعم تؤكد له
*أنا متأكدة يا مهيار لقد سمعت صوت عواء ذئب ...
نفخ مهيار بضيق ليقول
*زيان حبيبتي نحن على الشاطئ وتقريبا في البحر فأين الذئب الآن عدا عن ذلك فمنطقتنا لا تحوي الذئاب , بل القطط وابن آوى ..
هزت برأسها نافية تبكي بخوف هاتفة
*أقول لك سمعت صوته هنا في البيت ..
نظر لها بعدم تصديق ليشير نحو السرير
*انظري زيان كنا نائمان وأنت فجأة قفزت صارخة والآن تقولين ذئب , كيف سمعته وأنا لا !
اتسعت عينيها بينما وجهها احمر بخجل
*ولكن .. أنا .. أنا سمعته ..
أبعدها عنه ولكنها عادت والتصقت به فنظر لها بعين مغمضة باستياء
*زيان ما بك ..
لكنها لم تبتعد بل استمرت بالبكاء ..
فأمسك يدها ليسحبها خلفه خارجا من الغرفة ليدور بها في أرجاء البيت مؤكدا لها أن لا ذئاب هنا , حتى أنه أخرجها للشرفة ليهتف أخيرا بحنق
*ها هو البيت بأكمله زيان , أين ذاك الحيوان هل اختبئ خلف الأريكة مثلا رجاء كفي عن هذا الخوف ودعينا نستريح قليلا ..
ابتعدت عنه لتستند على سور الشرفة تدفن وجهها بين كفيها مجهشة بالبكاء فحذرها
*ابتعدي عن السور زيان رجاء , سأحضر لك العصير , لأن ما سمعته لم يكن سوى كابوس ولا أريد أن أعود لأجدك تصارعين حوتا في البحر ..
رفعت نظرها له برجاء لتهمس
*صدقني أنا .. كان وكأنه حقيقة ..
لكن نظرته لها جعلتها تسكت وتطرق برأسها خجلا باكية , ليتركها ويذهب ليعد العصير ..
دلكت جبينها بأصابعها ..
صداع حاد يكاد يفتك برأسها , بينما تشعر بالقهر من نفسها منذ الأمس وهي لا تنفك تظهر حماقتها أمامه ..
ما الذي يحصل معها ..
سمعت الصوت بعيدا هذه المرة فصرخت بصوت قوي لتدخل إلى مهيار في المطبخ هاتفه برعب
*هل سمعته .. هل سمعته مهيار ..
فتح عينيه على اتساعهما متسائلا
*سمعت ماذا زيان؟
ارتجفت شفتيها , لتهمس بتخاذل تشك فيما سمعته
*صوت الذئب نفسه ...
لوى شفتيه ليقترب منها يقيس حرارتها بظهر يده ..
*ربما كان هذا دورا البحر .. هل نعود للمدينة زيان ..
وأدار ظهرها ليقول بصوت جدي
*ربما سترتاحين مع والدك بضعة أيام ريثما أتابع أعمالي ..
لا تعلم لم أحست وكأنه يعتقد بجنونها في هذه اللحظة , فاقتربت منه لتأخذ كوب العصير , تحاول رسم ابتسامة خرقاء على شفتيها
*لا لا داعي , مجرد عدم اعتياد على المكان , امنحني بضعة دقائق أستعيد فيها قوتي وأحضر لنا الإفطار ..
نظر لها بشك عدة لحظات لكنه تركها بالفعل ليدخل إلى الحمام ينعش جسده يصفر لحنا ما بمرح ..
مسحت زيان وجهها مرة ثانية , وارتشفت العصير دفعة واحدة , بينما تحاول تهدئة قلبها الثائر ..
غسلت وجهها بالماء, لتتحرك نحو غرفتها وتبحث عن الهاتف فوجدته على الطاولة الصغيرة قرب إبريق الماء ..
اتصلت بوالدها حالا , ليأتيها الرد حالا .. فقالت بصوت أنهكه الشوق وكأنها ابتعدت عنه منذ أعوام ..
*اشتقت لك أبي ..
ولم يكن صوته بأكثر راحة منها , فقلبه كان يحكي له أنها تعاني بينما هو هنا عاجز عن مساعدتها ...
لتطمئنه ببضعة كلمات عن حالها وتمكنت من الضحك .. معه واضحاكه ..
حين سمعت صوت مهيار يناديها كي تحضر له ملابسه فقد نسيها ..
لكنها توقفت محمرة بخجل عند الباب تناديه بصوتها المبحوح من كثرة البكاء ..
فتح الباب يلف جسده بالمنشفة , لكنها لم تكن تنظر له ..
وجهها المحمر خجلا أثاره ..
وهي زوجته .. ملكه .. من يمنعه عنها ! ..
سحبها بسرعة ليدخلها الحمام معه ..
لاغيا بعبثه كل رعب الصباح ...
بينما هي لا تعلم ما الذي ينتظرها مع كل ضحكة تضحكها ...
.....................
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 9:40 pm

-4-
نظرت زيان لوجه مهيار النائم قربها، وتنهدت بعمق، رفعت الغطاء على جسدها أكثر لتنام على جنبها تعطيه ظهرها، مفكرة بألم..
(لمَ يحدث هذا معي، منذ أن تزوجت وأنا أتصرف كطفلة خرقاء)
أغمضت عينيها تبعد تلك الأفكار عنها..
منذ متى كانت ضعيفة...
سمعت صوت طنين ضعيف جداً، فرفعت جسدها بهدوء شديد حتى لا تثير انتباهه، وجدت هاتفه ينير باسم حوراء...
ارتفع حاجبيها بدهشة، ليحمر وجهها بغضب، والهاتف توقف عن الرنين..
*مهيار..
التفتت نحوه بسرعة لتنزع الغطاء عنه هاتفة به
*انهض مهيار، من هي حوراء هذه..
فتح عينيه بقلق مستغرب سبب صراخها لكن اسم حوراء انتزعه من غفلته ليهدر
*ما بها حوراء ؟
قطبت لتهدر من بين اسنانها بغضب
*من حوراء هذه لمَ تتصل بك من تكون...
ارتفع حاجبه قليلا، ليسحب هاتفه منها بقوة، يوجه نظراتها لصدرها العاري الذي نسيت في غمرة غضبها أن تغطيه وهمس بتسلية..
*حوراء هي اول ملكة لعرش قلبي..
رفعت الغطاء لتستر جسدها هربا من نظراته التي أحرجتها، لكن كلمته جعلتها تنظر له كالبلهاء متسائلة
*ماذا..
وبلا مبالاة، رمى الغطاء عنه، ليلتقط بجامته المنزلية يرد بعبث
*كما سمعت...
*وأنا!
هتفت بفم مفتوح غير مصدق، يتسارع تنفسها فبدت كأنها على وشك البكاء، فذكرته بحوراء ليبتسم مفكرا أنه ربما جميع الفتيات يتشابهن بطريقة البكاء..
وأبعد عينيه عنها بصعوبة ليعبث بهاتفه معيدا الاتصال بحوراء ليرى ما الذي تريده وبعد كلمات قليلة تأكد فيها أنها فقط تطمئن على وصوله، بينما يراقب زيان المتحفزة التي تستمع لحديثه بصمت مطبق وعينيها يحكيان ألف قصة للغضب..
مد هاتفه نحوها فجأة، غير منتبهة لمَ يقوله، تفكر فقط بما الذي ستفعله، تشعر وكأن كل شيء توقف منذ أن رحب بها على الخط...
نظرت للهاتف بتوجس لتهمس من بين اسنانها
*ما الذي تريده..
لوى فكه ليقلد كلامها
*حوراء تريد التكلم معك..
ارتفع حاجبه بشر، وبريق عينيها ازداد لمعانا، وسحبت الهاتف قائلة بحدة
*نعم
لكن الصوت الناعم كان آخر ما توقعته
*مرحبا زيان، لا بد أنك غاضبة مني لأني لم احضر الزفاف لكن سنعوض ذلك لاحقاً..
ضيقت عينيها بريبة لا تفهم شيئاً لكنها ردت بصوت حاولت إخراجه لطيفاً
*لا بأس...
وصلتها صوت ضحكة ناعمة
*لا بأس!! حسنا يبدو أنك غاضبة بالفعل..
لم تعرف زيان بم ترد، ومهيار الذي وقف أمامها مكتفا ذراعيه على صدره لا يساعدها بشيء
*لا ليس كذلك.. الأمر أن.. أن..
ولم تعرف ما الذي تقوله فهي حتى لا تعرف من تكلم...
ورحمتها حوراء من ارتباكها لتقول
*متشوقة جداً للتعرف عليك لقد وعدني مهيار بذلك بلغيه تحياتي سنتكلم لاحقا مؤكداً...
*بالتأكيد..
همست زيان، لا تستوعب ما يحدث، لتغلق الخط.. وذهنها مشتت، ضائعة..
كم هو كريه ألا تفهم ما يحدث حولك!
أخذت نفساً عميقاً، تمد يدها له بالهاتف لكنه لم يأخذه، فأعادتها لحجرها وتراجعت بظهرها مستندة على السرير غير ناسية أن تسحب الغطاء فوقها، وعيناهما متصلتان بالنظرات، وعندما لم تعرف ما هو السؤال الأنسب في هذه الحالة، قالت بهمس حرج
*أخبرني..
تجاهلها ولم يرد للحظات باقيا على نظراته لها...
فأخفضت عينيها ليقول بجمود أخيرا
*إنها حوراء أختي..
حسنا هناك شيء ما خاطئ إما هي معتوهة او هو لا حل للأمر سوى ذلك!
هذا ما فكرت به زيان وهي تعيد نظرها له لتسأل باتهام..
*لم تخبرني عنها من قبل لماذا؟
نفخ مهيار بملل ليسأل بغضب
*هل تعانين من مرض ما زيان أخبريني، هل كنت تتصرفين كذلك طوال الوقت أم أن ما يحصل معك هو توتر الزواج..
هذه المرة لم تهتم لا بالخجل ولا بسواه، قفزت بدورها عن السرير تلتقط ملابسها المبعثرة هاتفة بقهر..
*اي تصرفات مهيار، ألمجرد سؤالي عمن تكون حوراء أنت لم تخبرني أن لك أختا من قبل!
ضرب الجدار قربه، ليمسح وجهه وبكفيه، ويمررهما بشعره بقوة وهي تنظر له مستغربة تصرفه ليهدر بدوره
*بل أخبرتك.. تباً لهذا زيان، منذ الأمس وأنت تتصرفين بغرابة وكأنك لست الفتاة التي عرفتها، لقد أخبرتك عن حوراء وحكيت لك عن عائلتي.. أين يكون عقلك زيان.. أنا أرى أنك...
كانت تنظر له بعيون متسعة من هجومه الغير مرغوب أبدا في هذا الوقت
*أنني ماذا قلها، هل تعتقد أنني مجنونة، قل ما تريده ولكنك لم تخبرني عنها قبلا...
رفع عينيه للأعلى طالبا الصبر من الله
*ولم سأخفيها بالله عليك، وكيف أخفيها إن كان والدك وصديقتيك يعلمون عنها هل أخفيها عنك فقط!
*لاااا
صرخت بكل قوتها، ترفع كفها في وجهه
*توقف.. بالله عليك توقف.. كل ما يحصل خطأ.. أنا.. أنا...
وانهارت جالسة على السرير لتجهش بالبكاء مخفية وجهها بكفيها تكرر
*لم تخبرني عنها... لم تخبرني عنها..
بقي على حاله بعض الوقت ينظر إلى انهيارها السريع، ولعجبه... لم يرضه ما يحدث رغم أن هذا هو ما يريده..
وعلى عكس ما توقعت لم يأتي لها ليضمها ويطمئنها أن كل شيء بخير.. رغم كونها لا تشعر بذلك، لكنها تحتاج دعمه..
لذلك انفجرت بالبكاء أكثر حينما سمعته يفتح الباب ويخرج من الغرفة...
غرقت في بؤسها لبعض الوقت، حتى آلمتها عينيها من البكاء، مسحت وجهها بكفها ونظرت للساعة، لا بد أن روجين وريوان مع والدها الآن..
أجلت حنجرتها لتخرج صوتها طبيعياً، واتصلت بوالدها المرتقب لتلك المكالمة، وكونها هذه المرة بعيدة عن مهيار استعلم منها عن كل صغيرة وكبيرة حتى طريقة معاملته لها، وما كان يثير جنونه وقلقه أن زيان لم تشتكي ولا لمرة! بل على العكس تمدح مهيار!
لكن ما جعلها تتخبط في حيرتها وشتاتها هو قول والدها أن حوراء كلمته اليوم لتطمئن عليه!
كم كانت لتبدو سخيفة لو سألت والدها منذ متى يعرف حوراء...
مكالمتها هذه المرة لم ترحها بقدر ما أرهقتها..
وضعت الهاتف جانباً، ونظرت ليدها، لتجد أن إصبعها خال من خاتم الزواج..
شهقت بجزع لتقفز من مكانها تبحث عنه، نفضت الغطاء الخفيف عدة مرات، لكنها لم تسمع رنين الذهب على الأرض الرخامية...
لا تذكر أنها خلعته من إصبعها، لا بد أنه سقط دون أن تشعر..
نزلت على الأرض لتنظر تحت السرير وتحت الاريكة الضخمة وخزانة الملابس ولكن لا أثر له، وإن كان قد تدحرج لا بد أنه تحت الأثاث في مكان ما...
وقفت في وسط الغرفة ترفع شعرها عن وجهها بكفيها والآن ماذا!
أين اختفى خاتمها!
عادت لتنحني على الأرض قرب السرير تمد يدها عند قوائمه ربما كان عالقاً هناك، لتتفاجأ حين رفعت جسدها بمهيار يقف قريبا منها بحاجب مرفوع متسائلاً بهمس حذر
*ماذا الآن؟
استقامت واقفة تفرك كفيها ببعض لتهمس مقاومة البكاء بصعوبة
*أبحث عن خاتمي..
هز رأسه ييأس، ليدخل الحمام لحظات ويعود يحمله بين أصابعه..
اقترب منها ليسحب كفها الصغير ويدفع الخاتم مكانه الطبيعي..
*لقد نزعته من إصبعك في الحمام، لا بد أنك نسيتِ ذلك، لا بأس عليك..
وكانت هذه الكلمة هي تحتاجه لترتمي على صدره باكية بجنون تحيط جذعه بذراعيها تهمس من بين دموعها
*لا أعلم ما بي لست بخير.. لست بخير..
رفع وجهها بكفيه ليمسح دموعها بوجه مبهم الملامح... لم تهرب من عينيه ولا من ضعفها لتقول بصدق أوجعه حقاً وجعله يغمض عينيه مستمعا لهمسها..
*آسفة، لم أكن هكذا يوماً، ربما أنت على حق، أحتاج أبي...
غصت بدموعها تقترب أكثر منه مبدية هشاشة لم يرها يوماً في فتاة حتى في حوراء، لتتمسك بكنزته..
*أنا خائفة.. لست مجنونة صدقني، لا أفهم شيئاً...
قطع كلامها يدفن وجهها على صدره وقد أحرقته دموعها... أوجعه وجعها حقاً!
*اهدئي...
وظل يربت على ظهرها بكف ويمسح شعرها بالآخر حتى هدأت دموعها حقاً وتوقفت عن البكاء، لكنها لم تبتعد بل ظلت في أمان صدره وهو لم يعترض...
همس بعد لحظات..
*أفضل؟
أومأت بنعم لترفع رأسها مبتعدة إنشات ودموعها قد تركت أثرها على الخد النضر فذبل واحتقنت العيون باللون الأحمر..
حررت ذراعيها من ضمه لها وحاولت ترتيب شعرها ومسح دموعها قائلة بمرح كاذب
*لا بد أني أبدو مخيفة...
ابتسم لبراءتها... لعفويتها.. ماذا قالت روجين عنها؟ زهرة يسهل كسرها..
وكم كانت محقة!!
لم يحتج سوى ليلتين لينسف كل ثقتها بأفعالها وتركيزها..
حاول أن يبدد هذا الوضع الغريب و قال مجاريا إياها في محاولتها
*حسنا انعشي نفسك بحمام سريع واتركي نفسك لي اليوم..
وبالفعل..
أخذت ملابسها وطارت نحو الحمام، لتقف تحت سيل الماء المنهمر وقتا طويلا عله يأخذ معه كل الفوضى التي تعصف بها..
لم تخرج منه إلا على صوته يناديها، فجففت جسدها ولبست لتخرج له...
وتترك نفسها كما قال.. له..
حتى هو لم يصدق أنه مهيار الشوماني، من خطط بدقة ليدفعها نحو الجنون ويدخلها المصح العقلي يقوم بنفسه بالترويح عنها، وإزالة كدرها...
لا يعرف كيف، لكن ضعفها جعلها تتسلل دون إرادة منه لتدق باب مشاعره طالبة الرحمة.. وكانت لها..
بعيدا عن سوداوية أفكاره، كانت كل ما يحلم أن يجده في فتاة!
فهل تعدت كونها المطلوبة لتصبح المختارة!
كيف تمكن من إبعاد شبح انتقامه لتزرع مكانه بذور اهتمامه...
كيف حتى هو لم يفهم...
حتى مكالمة حوراء الثانية معها في نفس النهار وانسجامها معها جعلته يتساءل ما المنطق فيما يفعله...
ما ذنبها...
عاد سؤال عابد ناصر يتكرر مراراً في عقله.. ما ذنبها حقا..
زيان لا ذنب لها...
تضارب أفكاره جعله هو نفسه يشعر بالشتات فماذا عنها ؟
وعند المغرب على الشرفة اختلى بنفسه عدة لحظات بينما تبرعت هي بإعداد الشاي...
وجد نفسه دون شعور يكلم عابد، الذي رد بقلق متسائلاً
*هل آذيت زيان...
صمت مهيار للحظات ولم يرد تصله أنفاس عابد المتقطعة خوفاً ليقول بصوت عميق..
*إنها ابنة أمها..
شهق عابد بينما انسلت دمعة من عينيه أحس بها مهيار من ارتجاف صوته
*هل أتممت جنونك أعدها إلي...
وبصوت مختنق مليء بالرجاء
*أعدها أتوسل إليك...
ابتسم مهيار ليطرق برأسه هامسا
*قلت لك أنها ابنة أمها...
تساءل عابد بصوت متقطع وقد أخذه القلق والارتياب من تكرار الكلمة ذاتها بذات النبرة..
*ماذا تعني...
هذه المرة علت ضحكة مهيار بسخرية من نفسه بل ضحك على نفسه ومنها ليرد بقلة حيلة أضحكته.. من كل قلبه
*أحببتها حقاً، تخيل ذلك...
لم ينطق عابد بكلمة واحدة، يستمع لضحك مهيار الذي أكمل
*تلك الفتاة التي لاحقتها سنوات أكرهها أحببتها في ليلتين.. إن القدر يسخر مني...
لكن عابد لم يصدق ليسأل مغمضا عينيه متوقعا الأسوأ
*ماذا فعلت بها...
*مع من تتكلم وتضحك أهي حوراء مجددا؟
مد يده بالهاتف لتأخذه ضاحكة
*ماذا لو أرسلته كي يحضرك إلى هنا وتقضي يومك معنا...
*يا ليت..
قالها مستغربا ضحكات ابنته التي هتفت بسعادة
*أبي! يا إلهي يا ليت حقا لو يمكنك المجيء..
وسألها متجاهلا أمنيتها ..
*هل أنت سعيدة زيان ..
نظرت بعيون هائمة ممتنة نحو مهيار لتهمس ناسية والدها على الخط
*بل أسعد فتاة في الكون..
ولم تشعر بمهيار الذي ابتسم ليسحب الهاتف منهيا الاتصال يغيبها معه في جنون العشق .. الذي جربه لأول مرة هذه الحظة !.
تأمل وجهها المغمض العينين المبتسم بخجل ..
لم يعرف كيف أحس .. ذلك الإحساس لا يعرف كيف يصفه ..
لكن شعر بانتمائها له , كيف غرق في بحرها وهي التي أقسم على إغراقها ..
يحتاج أن يقضي بعض الوقت لنفسه , عاجز عن اتخاذ القرار الصحيح ..
لذلك مسح خدها بإبهامه هامسا
*ما رأيك أن نأكل سمك اصطاده أنا ؟
رفعت عينيها له ..
واتسعت عينيها بخوف متذكرة ما حصل معها فأجابت بروع
*اذهب لوحدك , ولا تتأخر وأنا سأعد السلطة وما نحتاجه..
أومأ برأسه وهرب مسرعا من نفسه ومنها ..
راقبته وهو يفتح الباب المؤدي إلى المرسى الصغير تحت البيت , واقتربت للشرفة وانتظرت حتى خرج المركب ومهيار على متنه , يشير لها بيده ..
وبقيت تراقبه حتى دخل قليلا في العمق , رأت كيف رمى شبكة استغربت كيف سيصطاد بها , وبعد وقت من المراقبة دخلت البيت بقلب وجل .. خائف ..
ترهف السمع لأقل همسة وصوت ممكن أن تسمعه ..
حسنا ربما لا وجود لذئب في البيت كما توهمت , لكن لا بد من وجود شيء ما هنا , فمنذ جاءت وهي تسمع أصواتا لا يسمعها مهيار ..
جلست على كرسي طويل يطل على بار المطبخ المفتوح للصالة تسند وجهها على كفها , تقطب حتى اقترب حاجبيها ببعضهما ..
لقد سمعت صوت العواء ..
ربما كانت تحلم , كيف سمعته هي ولم يسمعه مهيار ..
إنه حلم بالفعل ..
لا بد أنه مجرد حلم كما قال مهيار .. نظرت لخاتمها هامسة
(متى تركتك في الحمام ! )
نفخت بتعب وملل , ونهضت من مكانها لتجهز ما يأكلانه , لا تعرف ولكنها شعرت أن مهيار لن يصطاد شيئا ..
ضحكت للفكرة , وهي تنتظر عودته دون سمك كم ستضحك منه ..
لحظات فقط حين نظرت من نافذة المطبخ للمدينة ورأت الأنوار قد عكست نورها على البحر ..
محظوظ مهيار حين تمكن من الحصول على هذا البيت , يمنحك إحساسا أنك تسكن في جزيرة خاصة بك ..
أنارت ضوء المطبخ , وأكملت عملها بصمت تام , حواسها على أهبة الاستعداد ..
سمعت صوت دعسة قدم ..
لكنها أقنعت نفسها أن هذا غير حقيقي فلتتوقف عن الهذيان , كما قال مهيار كل ما يحصل معها سببه عدم اعتيادها على المكان ..
ويجب أن تعتده
لكن الدعسة الخفيفة أصبحت خطوات حذرة , فالتفتت خلفها في ذات اللحظة التي كانت عصا غليظة على وشك أن تهوي على رأسها ..
صرخت بخوف
*من أنت ؟..
وتمكنت من الخروج من المطبخ دون أن يمسكها الشخص , لتذهب إلى الصالة مشعلة النور محاولة الوصول للشرفة ..
وهو يطاردها يطاردها يطوح بالعصا التي معه كل ما تطاله يده ليصل لها ويضربها ..
تصرخ هاربة من مكان لمكان تسأله من هو بخوف ورعب .. صوت لهاثها يعلو حتى تقطعت أنفاسها , حتى وصلت للصالة , بينما تمكن من ضرب ذراعها خرجت من باب الشرفة وأغلقه خلفها , لتقلب الطاولة الموضوعة مع كراسيها خلفها حتى تتمكن من الوصول لباب الشرفة تفتحه ..
وقبل أن يكمل فتحه لتهرب كانت العصا الغليظة قد أصابت كتفها , لتقع أرضا صارخة بقوة من الألم ..
ليجرها من يدها بينما هي تتلوى من الألم وتصرخ ..
لم يرم مهيار الشبكة بشكل جيد , تركيزه ليس معه , ليصطاد بالفعل , كان يحتاج أن يبتعد لبعض الوقت ..
تظاهر برمي الشباك وجلس في المركب يراقب البيت من بعد ..
رآها حين دخلت .. حتى أنه ابتسم حين أضاءت الصالة , لا بد أنها أنهت تجهيز السلطة ..
لكنه قطب باستغراب , حين لمح خيالات في الصالة ووقف مكانه يمعن النظر حينن لمح طيفان ما يتشاجران ..
وميز من إنارة الصالة جسدها يهرب وتخيل وكأنه سمع صوت صراخها !
فلم ينتظر أكثر ليدير المحرك بأقصى سرعته عائدا ..
هناك شيء ما يحصل . .. شيء ليس له يد به ..
لا يعرف كيف توقف المركب ليقفز عنه نازلا يصعد الدرجات القليلة متعمدا عدم اصدار أي صوت حتى يفهم ما الذي يجري ..
كان الباب المؤدي للمرسى مفتوحا ..
والطاولة مع كراسيها رأسا على عقب .. وفي الصالة التي بدت شبه محطمة وجدها معصوبة العينين على إحدى الكراسي مقيدة وشبه فاقدة للوعي ..
كان سيتقدم منها وقبل أن ينطق حرفا واحدا سمع صوت خطوات في غرفة النوم ..
فحمل العصا التي كانت قربها بهدوء شديد بينما قلبه يتمنى أن يرى ما بها أولا , لكن للضرورة أحكام ..
تركها على حالها وقلبه معها ليدخل بخفة للغرفة , حيث وجدا رجلا ما ملثما كما يبدو فتقدم ببطء دون صوت حتى وصل خلفه حيث كان يبعثر محتويات صندوق المجوهرات التي أحضرها لزيان ..
فضربه على رأسه بقوة ليسقط أرضا دون حركة ...
تركه وانجه نحوها مسرعاً، ليفك الرباط عن جسدها مبعدا العصابة عن عينيها..
أمسك وجهها بكفيه يبعد الشعر عن جبينها وعينيها، وأثر الدموع لا يزال على خديها..
*زيان... زيان... ردي عليّ...
مدد جسدها على الاريكة برفق ليرى أثر كدمة على ذراعها وأخرى على كتفها.. مسح عليها بظهر كفه وقلبه يعتصر بوجع وألم، صر على أسنانه بغضب ليتركها ويدخل على الرجل الذي بدأ يستعيد وعيه لينهال عليه بالعصا مفرغا كل غضبه فيه صارخا عليه...
*من سمح لك بضربها من أنت لتؤذي زوجتي... من أنت...
وظل يضربه حتى توقف الرجل عن المقاومة وانهار جسده على الأرض دون حركة..
وهو لم يكن بوعيه، غاضب حد الجنون... لا يسمح لأحد أن يؤذيها، ان كان هو نادم على كل ما فعله بها وينوي تعويضها، هل يعاقبه القدر بأن يرسل من يؤذيها دون أن يقدر على مساعدتها...
*مهيار.. كفى...
سمع صوت زيان الهامس فترك ما بيده يركض إليها ليجثو قربها على الأرض ممسكا بكفها
*ما الذي يؤلمك، هل آذاك... هل أنت بخير...
*أريد أن أشرب...
وبسرعة كان قد ذهب للمطبخ ليحضر لها كوب ماء، يرفع جسدها بلين ليساعدها على ارتشاف بضع قطرات
*هل أنت بخير...
هزت رأسها بنعم وابتلعت ريقها..
*لم يؤذني.. أنا بخير... فقط ضربني..
هدر حالا
*وأنا سأقتله...
أمسكت به رغم ألمها ، لا لا اتركه..
وبضعف تمسكت به لتهمس
*أريد أبي، أرجوك مهيار خذني من هنا لم أعد أريد البقاء هنا...
ضمها لصدره متسائلاً بهمس
*هل أطلب الطبيب..
نفت برأسها لتؤكد له
*لا أريد البقاء هنا...
وفعل ما أرادت حقاً، أخرج ذلك الرجل من غرفة النوم ورماه على أرض الصالة وساعدها لتدخل وتنعش جسدها، بينما جاءت الشرطة، تلقي القبض عليه وقد تعرف الضابط على الرجل وأخبر مهيار أنه مطلوب منذ فترة وتمكن من الهرب منهم كثيراً، وبعد إنهاء الإجراءات القانونية وأخذ أقوال زيان ارتمت على صدر مهيار تلتمس الأمان
*دعنا نذهب الآن، لن أتمكن من البقاء هنا.. لا أتخيل نفسي وحيدة هنا لثانية واحدة...
............
دخل والدها عليها الغرفة بعد أن غادر مهيار، لم ينطقا بحرف كلاهما آثرا تحية مختصرة لتدخل غرفتها متعبة ويغادر مهيار ليذهب ويطمئن على حوراء على أن يعود صباح الغد... ضغط على ألمه لينهض عن كرسيه ويجلس على السرير قربها فتنبهت له لتنهض مبتسمة
تعال لأساعدك...
ساعدته حتى تمدد على سريرها قربها ومد يده السليمة ليحيط جسدها، فنامت على صدره، تهمس بابتسامة
*هل تذكر أبي، لسنوات طويلة وانا انام قربك... اشتقت لأمي ...
غصت بدموعها ،وهو أيضاً يمسح شعرها بكفه، يحبس حرقته في قلبي..
*ما الذي حدث معكم؟
أغمضت عينيها بقوة تبعد عنها الذكرى لا تريد مجرد تخيل الأمر...
*لا شيء أبي اشتقت لك... و مهيار يجب أن يطمئن على حوراء...
قطب عابد متسائلاً بقلق
*هل حوراء تعاملك بشكل جيد تبدو لطيفة من حديثها...
أمسكت كفه وضعته على خدها وقبلتها بحب وشوق
*أجل تريد أن تعيش معي.
ومجددا سأل
*ومهيار هل يجيد التعامل معك؟
ابتسمت متذكرة غضبه وضربه المبرج للرجل، بدا وكأنه سيموت من الضرب... خوفه عليها ومساعدته لها، وقلقه طول الطريق ان كانت بخير..
*نعم أبي لا تقلق مهيار يهتم بي جداً...
قطب عابد بعدم فهم وقلبه يعتصر بوجع غير مطمئن أبداً...
همست زيان
*أبي حدثني عن أمي....
تنهد بهم حاول أن ينحني ليقبل جبينها، لكن ألمه منعه عن ذلك...
لذلك حرر كفه ليمرره على شعرها متظاهرا بالمرح والمزاح
*هل مللت من عابد المسكين...
ضحكت وأدارت وجهها له
*ومن يمل منك...
رفعت جسدها وقبلته قبلة بصوت قوي على خده وعادت تضع راسها على حجره متسائلة
*هل روجين وريوان بخير..
أرجع ظهره واستند للخلف يحدثها عن اليومين الذين قضاهما معهما، وكيف أنهما حاولتا قدر الإمكان تخفيف غيابها عنه...
مررت كفها على خده وهي تستمع له ،وتضحك على ما كانت تفعله روجين به حتى أنه جعلها تشهق مستغربة حين قال أن ريوان فكرت بتغيير لون شعرها للحظات وتراجعت على الفور، ضربت كفا بكف مستاءة
*يا لحظي السيء، لو كنت هنا لاستغللت الأمر حالا وغيرت لها اللون!
..........
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 9:42 pm

-5-
أغلق مهيار الخط مع حوراء واطمأن عليها يخبرها أنهما عادا من بيت الشاطئ...
وبقي في السيارة .. نظر نحو الضوء المطل على الشارع، إنها غرفتها...
لا بد أنها تفكر في النوم الآن، لقد تأخر الوقت وهي منهكة مما مرت به ومن السفر...
أرجع رأسه للخلف ينفخ بهم شديد... تبعثر.. ما حدث بعثره تماماً...
كيف اختلت موازين الأمور في يده، كيف تحول كرهه لها لقلق وخوف و...... هل يحبها حقاً!!
متى حدث هذا... متى...
وكيف سيكمل حياته هل سيكمل معها أم سيتركها تمضي في سبيلها... وهل يقدر على تركها!
سنوات وسنوات وهي تحت عينيه يعرف كل خلجاتها ما تحب وما تكره، وما بخيفها وما يريحها... تأوه والصداع يفتك برأسه، يجهل تماماً كيف يتصرف...
مرة أخرى اخرج هاتفه واتصل بحوراء...
وبعد حديث صغير سألت حوراء ممازحة
*ماذا هل نامت الأميرة زيان وتركتك وحيداً؟
شاركها الضحك بذهن مغيب وسألها
*هل أحببت زيان..
*بالطبع...
وصله الرد على الفور لتكمل بحماس
*وانتظر البوم الذي سنعيش فيه معا انا وهي...
وبرحاء أضافت
*ستسمح لي بالذهاب معها لعملها أرجوك مهيار أرجوك...
سايرها لبعض الوقت حاسماً قراره..
لن يتخلى عما وجده إطلاقا. .. سينهي الوضع المعلق مع عابد ويلغي كل ما فات، ليبدأ من جديد بداية صحيحة..
أرسل لعابد رسالة يطلب منه أن يتحدثا بأمر هام...
...............
بعد ان نامت زيان وتأكد عابد أنها غرقت في النوم، استدعى الممرض بعد أن دثرها بالغطاء ليساعده بالجلوس على الكرسي وخرج من الغرفة إلى الصالة ليكلم مهيار الذي ما إن تأكد من نوم زيان حتى فاجأه أنه ينتظر في الخارج ليدخل على الفور...
خلال لحظات كان كل منهما ينظر للآخر بحيرة، لا يعرف كيف تجري الأمور... ولا يفهم كيف وصلت إلى هنا...
كان عابد من كسر الصمت بسؤاله
*ألم تنهي ما تريده من زيان؟
نظر مهيار بتدقيق نحوه لينفي بشكل قاطع
*لا...
ارتفع حاجبي عابد بغضب ليضيق عينيه مستعداً للقفز عليه وضربه لولا العجز الذي هو فيه
*ما الذي تريده، ماذا بعد دعها وشأنها، لا دخل لها بما مضى...
نهض مهيار عن كرسيه بتوتر ليقترب من عابد يشير له أن يهدأ ويخفض صوته حتى لا تسمع زيان صوته وقال بصدق يضع يده على صدره
*صدقني أنا مستعد أن أقول لزيان كل شيء، لكنني أحببتها وأريدها حقاً...
فتح عابد عينيه بخوف
*تقول لها ماذا؟
جلس مهيار قربه
*اسمع، لم أكن أنوي أن أحبها لكن هذا ما حصل، ولا أريد أن أبتعد عنها، فإن كان يريحك أن احكي لها عما حدث ولمَ تزوجتها سأفعل ولكن تأكد أنني لن أحررها مني وسأسعى لتبقى معي وأجبرها على حبي...
*وهل الحب بالإجبار!
قال عابد من بين أسنانه
*منذ دخلت حياتنا وكل ما فيها تشابك وأصبح خاطئا... أخرج منها ودعنا وشأننا...
مسح مهيار وجهه بكفيه مشيرا بيده بصبر
*اسمع لن أهدد ولن أجن، سأحكي لزيان كل شيء وأعتذر منها وأبثها حبي حتى تصدقني...
*كف عن قول أنك ستحكي لها كل شيء!
هدر مهيار بغضب
*ما الذي يرضيك؟
وبحسم أجاب
*أن تبتعد عنها...
التوت زاوية فك مهيار ليحسم بدوره
*'أنا لن أخرج من حياتها، أنا زوجها وربما هي تحمل طفلي الآن، زواجنا مكتمل افهم هذا الأمر وما دمت لا تنوي إخبارها عما مضى بأي سبب ستبرر لها رغبتك بانتهاء زواجنا؟
لم يعرف عابد بما يجيبه لكن الأمر معقد أكثر مما اعتقد هو ومهيار!
.......... ......
استيقظت زيان على صوت الهمس الذي لا تفهم منه شيئا في الخارج، تلوت متألمة من أثر الضربة، لم تنم أقل من ساعة على ما يبدو، لكنها افتقدت هذه الراحة في النوم، ربما ورغم كل شيء مهيار كان على صواب ما حدث معها لم يكن سوى عدم اعتياد على بيت في البحر.. تنهدت بحسرة فالبيت جميل جداً، ولكن ما حصل معها فيه ليس جميلاً أبداً...
تعالى صوت الهمس فنهضت عن سريرها ونزلت بسرعة لتفتح الباب متسائلة
*ماذا يحصل!
التفت لها وجهين محببين على قلبها فاتسعت عينيها لتتقدم نحوهما
*مهيار حبيبي ألم تذهب لحوراء؟
تقدم نحوها مسرعاً ليضع ذراعه على خصرها ويساعدها لتجلس على الأريكة قرب كرسي عابد
*لا، لم أذهب لم أقدر على الابتعاد عنك، لذلك عدت ولكنك كنت نائمة وكنت استعد للمغادرة...
قطبت باستغراب
*ولم ستغادر، اجلس لا تتصرف كالغرباء فأنت زوجي...
بقي عابد على صمته ينظر لزيان بحاجبين مقطبين، أيعقل أن مهيار لم يؤذها خلال هذين اليومين...
كيف سيتأكد من ذلك!
كم هو معقد هذا الرجل، لا يعرف كيف يتصرف معه، لكن بالطبع لن يسمح له باللهو على حساب ابنته.. فقال بفتور
*كنت تريد أن تغادر...
جلس مهيار على طرف أريكة زيان يمسك كفها الناعم يومئ لعابد بنعم فهو لن ي يعانده حتى يكسب رضاه الذي يبدو مستحيلاً...
*ادخلي لترتاحي بعد السفر وسأراك غداً..
ارتفع حاجبها باستياء ونظرت للساعة تجدها قاربت العاشرة ونهضت من مكانها منهية الجدل قبل أن يبدأ حتى.. لتقول بحزم..
*سأساعد أبي ليدخل سريره لينام وأحضر لك أحد مناماته...
ونهضت بالفعل تجر كرسي والدها الذي لا يصدق كيف تتعامل زيان مع مهيار، فهذه ليست معاملة زوجة أسيء لها!
توقفت ونظرت لمهيار تزم شفتيها بتركيز
*ربما ليست مناسبة تماماً لكن أفضل من النوم بملابسك ذاتها...
قال مهيار بحرج من نظرات عابد، يفهم تماماً ما يفكر فيه
*زيان لا داعي أنا...
قاطعته مبتسمة
*كف عن الجدل، لن أتأخر..
وأشارت له لباب غرفتها
*تلك غرفتي انتظرني بها...
وتابعت جر الكرسي غير منتبهة أبداً على الوضع المتعثر بين والدها ومهيار... ساعدته حتى نام على سريره وتأكدت كونه لن يحتاج شيئاً..
أوقفها بسؤاله
*هل تحبين مهيار، هل يحسن معاملتك..
ضحكت وعادت له لتقبل وجنتيه بقوة
*يا للغيرة يا أبي، صدقني أحببته...
احمرت وجنتيها خجلاً لتؤكد..
*وأريد أن أبني عائلة معه لأكون أم...
مسحت على خديه بذهن سارح..
*كم هو رائع أن أكون أم!!
وتغيرت ملامحها تماماً للقلق وثبتت عينيها على عيني والدها
*أريد أن أعوض فقدي لأمي بأطفالي.. سيكون لنا الكثير من الذكريات، لن أكون مجرد ذكرى لهم..
غص قلبه بألم، كيف سيشوه حتى تلك الذكرى الصغيرة... كيف؟
مسح على شعرها يقول بصوت مختنق
*ان شاء الله خير...
ابتسمت له، لتدثره بالغطاء
*هيا إلى النوم تصبح على خير...
وتركته وحده بعد أن أخذت إحدى مناماته لمهيار مغلقة الباب خلفها...
بينما تركته لقلقه و حيرته، كل تصرفات زيان تؤكد له أنها سعيدة مع مهيار، ولكنه أكثر من يعرف نوايا مهيار فهو لم يخفيها عنه وأعلن عنها له صراحةً وبكل ثقة وغرور...
فكيف سيصدق أنه وفي يومين أحبها!
وكيف... لماذا...
عليه أن يتبين حقيقة ما يجري، حتى يطمئن أكثر، شيء واحد لن يسمح به وهو أن يؤذي زيان بإثارة ماض مات واندثر حتى، لا يريد أن يشوه لها حياتها لتوصم بالعار ما تبقى لها من العمر...
عادت لتطل عليه من الباب بسرعة مبتسمة
*أحضرت لك الماء حتى لا تضطر للنهوض...
همس بشكر خافت لتضعه قرب السرير تحت متناول يده وتذهب مسرعة يهفهف حولها الروب الواسع الذي ارتدته فوق بجامتها المنزلية لتدخل غرفتها، فوجدته منتظراً أمام المرآة ينظر لنفسه في منامة والدها القصيرة بالنسبة له..
التفت لها بفم ملتو
*ربما لو تخلصت من البنطال أفضل!
كتمت ضحكتها واتجهت للسرير
*تعال لننام أنا حقاً متعبة...
اتجه نحوها يشير لهاتفها.
*وصلتك رسالة.
سألته وهي تمد يدها للهاتف
*ممن..
هز كتفيه بلا أعرف، ليستلقي على السرير الأنثوي الشكل بغير رضا، عينيه مركزتين على شكل المنامة المضحك لم يتوقع أن يرتدي مثلها يوماً!
أعادت زيان الهاتف لتندس قربه
*إنها ريوان ستأتي غدا مع روجين..
مد مهيار يدا خلف ظهرها ليقربها منه والثانية وراء رأسه اللهم
*أفكر بأن تأتي حوراء لتكون قربك ريثما أجهز غرفتنا في البيت...
ارتقع حاجب زيان لتقول متذكرة صورته على الموقع الإلكتروني أمام ما يصنفه كبيت
*تقصد قصرك..
ضمها بذراعه الثانية

*مهما كان شكله اسمه سيبقى بيتاً ، والآن نامي فأنت متعبة..
وبالفعل لفت ذراعيها حول جذعه تستسلم لسلطان النوم، تحمد الله أنها بخير، مستمتعة بلمسات كفه الخشن على وجهها حتى راحت في النوم..
وهو أخذ هاتفه ليراسل حوراء يخبرها أنه سيطلب من السائق أن يوصلها غدا صباحا لبيت زيان حتى تقضي الوقت معها، وحوراء هي من ستدافع عن حقه بزيان وتثبت لوالدها أن ابنته ستكون بخير.. حتى بإمكانه هو الانتقال للعيش معهم طالما الأمر يريحه..
لكن أن يترك زيان أو يبتعد عنها فلا.. الأمر مرفوض تماما..
......
*وأخيراً سأراها...
رمت حوراء نفسها على مهيار ما ان فتح باب السيارة ووصلت لتجده ينتظرها في الخارج، لم تتمكن من النوم منتظرة الشروق بفارغ الصبر، فما أن أشرقت حتى أيقظت السائق وانطلقا، لتخبر مهيار أنها ستصل في أي لحظة...
فاجأته تماماً فلم يكن يتوقع وصولها قبل الظهر لتصل قبل أن تستيقظ زيان حتى...
هذا إذا تقبل عابد وجودها فهو لم يأخذ اذنه وكان يريد أن يبدو الأمر غير مقصود من جانبه وكأن وصول حوراء هو صدفة بحتة..
حسنا.. لم تعد هذه الخطوة قيد التنفيذ، بل كيف سيبرر لعابد دعوته ضيفاً لبيته دون اذنه، ان كان هو غير مرغوب فيه فماذا عن ضيف يخصه!!
*يا شقية كنت انتظري بعض الوقت...
لامها بحنو لكنها لم تهتم لتسأل متجهة نحو البيت
*أين زوجتك أريد رؤيتها...
وتخطته لتدخل بشوق، لتجد على الباب أمام الغرفة عابد على كرسيه مع ممرضه الذي لم يحتج خدماته بالأمس..
نظر كلاهما للأخر باستغراب، ليدخل مهيار بتلك المنامة ويجدهما على هذا الوضع...
حك رأسه واقترب من حوراء بتوتر من نظرات عابد، لكنه لم يتوقع أن تسبقه بخطوة مقتربة منه لتشهق بابتسامة فاجأت عابد وهتفت بسعادة
*أنت والد زيان، أوه وأخيرا سأناديك عمي...
وأسرعت إليه لتقبل خده وهو ينظر لها بغرابة إنما مبتسماً لحيوتها التي ذكرته بزيان..
رفع مهيار حاجبه عجباً ليقول بفم ملتو
*انه والد زيان...
ولكنها لم تسمعه حتى فبدا كمن يحدث نفسه، ولم يعي ما يحصل حتى وجدها تقفز من مكانها نحو غرفة زيان...
لينده هو وعابد في ذات الوقت
*نائمة...
نظر مهيار لعابد بأسف
*كنت أقول لها هذا...
قطب عابد باستياء، ليشير بيده للمرض ان يبتعد، وبإصبعه أشار لمهيار أن يتقدم منه...
نظر مهيار حوله ليشير على نفسه متظاهرا بالغباء، ليومئ عابد برأسه بنعم هو... ورغما عنه قاوم ابتسامته على ارتباك مهيار ،فهذا الشاب اعتاده دائما قوياً، مسيطرا، وليس مرتبكا محمرا بخجل...
اتجه مهيار ينظر لنفسه بعدم رضا متمتما..
*كنت على الأقل غيرت هذا اللباس المضحك...
وصل لعابد ليجر كرسيه ويدخله لغرفته...
ليجلس على أول كرسي يظهر له ويقابل عابد على كرسيه...
نفخ عابد ليقول مسلطا نظره على عيني مهيار
*لم أعد أفهمك... ما الذي تريده..
اعتدل مهيار في جلسته وعدل من هيئته رغم أنه مهما عدل لن تبدو جيدة، وازدرد ريقه لينظر كذلك في عيني عابد...
*لا أعلم صدقاً لا أعلم... ابنتك سحرتني.. نظراتها أسرتني... لم أعد أرغب سوى برؤيتها مبتسمة...
*وكيف...
سأله عابد وقد التوى فكه بسخرية، فضحك مهيار ليهز كتفيه بما معناه لا أعلم....
وتم الصمت بينهما ليسأل عابد بعد تفكير..
*هل حقاً تريدها وتحبها...
*بكل تأكيد...
أجابه مهيار بسرعة...
أعاد عابد ظهره للخلف وقال مباشرة غير قابل للجدل
*أنت تريد زيان ولتصل لها ستفعل ما أريده...
كتف مهيار ذراعيه على صدره يشعر أن القادم لن يعجبه...
وبالفعل لم يعجبه فما يطلبه عابد هو الجنون بعينه، كيف بعد أن أصبحت زوجته يمر بفترة خطبة تطول مدتها حتى يقرر هو عابد ذلك...
......
فتحت زيان عينيها على مهل لتجد فوق رأسها عينين ملونتين تنظران لها باندهاش وفم مفتوح، وقبل أن تفتح فمها لتقول شيئاً أو حتى لتشهق من المفاجأة
*أنت زيان... يا الله ما أجملك وأنت تفتحين عينيك!
*ماذا...
همست زيان بذلك، لتغمض عينيها بسرعة تسمي بالله وتشد الغطاء على نفسها فلا بد أنها تحلم...
ولكن الحلم كان حقيقة فقد سحبت يدها الممسكة بالغطاء قائلة بصوت مرتفع
*انه خاتم أمي، لقد قدمه لك مهيار...
قفزت زيان عن السرير وسحبت كفها من يد تلك الغربية تسأل بصوت مرتجف رغم كونها تقريباً توقعت من تكون..
*من تكونين؟
جلست حوراء على السرير تركز نظرها على زيان المرتبكة
*أنا حوراء، ألا تعلمين من أكون لقد رأيت صورا لك من الزفاف... كنت كالملاك جميلة جداً...
ونظرت لها بتدقيق أخجل زيان لتعيد خصلة من شعرها خلف اذنها
*حتى وأنت مستيقظة من النوم تبدين جميلة...
ضمن كفيها أمام صدرها بحب وعيون ملتمعة
*آه مهيار محظوظ بك جداً..
بقيت زيان على حالها، رفعت حاجبا وأنزلت الآخر تنظر لها وكأنها كائنا غريباً تكتشفه جديداً...
تساءلت حوراء ببراءة
*ألا تجيدين الكلام...
وقفزت لتتجه نحوها، وزيان تشد الغطاء عليها تنظر لها بارتياب، بينما حوراء مدت كفها لتلمس وجهها
*هل أنت بخير... عينيك جميلتين...
قرصت خدها ببهجة..
*وخديك كقطعة الخوخ... ياااااه أنت جميلة جدا جدا...
وضمتها بقوة لصدرها لتصدر عن زيان صرخة ناعمة ضاعت بين كلمات حوراء السعيدة...
فلم تملك إلا أن ابتسمت هامسة..
*لم يقل مهيار أنك عاصفة جنون يا حوراء، لقد وصفك بالنسمة...
ابتعدت حوراء تضحك بتواطؤ مع نفسها
*نعم إنه مخدوع بي، أنا اسبب للعاملين في البيت الكثير من المتاعب، فأمامه أبدو كالحمل الوديع، وعند مغادرته أثير جنونهم فلا يقدرون على شيء، فهو سيصدق ما يراه...
ضحكت زيان لتجلس على طرف السرير وحوراء تقف أمامها مبتسمة لتظهر غمازتيها بشقاوة..
*وانت جميلة حوراء، إنما لنقل مشاكسة.
رفعت حوراء اصبعيها معترفة
*أعلم ذلك...
تنهدت زيان براحة فيبدو أن مرح حوراء ينتشر كالعدوى، ونهضت لتأخذ حوراء بيدها
*تعالي لنرى أبي ومهيار...
تبعتها حوراء مبتهجة
*لقد تعرفت على عمي عابد للتو...
هزت زيان رأسها ضاحكة وخرجت للصالة لتجد مهيار يقطعها جيئة وذهابا بغضب واضح بينما والدها يتناول الشاي بكل هدوء...
اقتربت بحذر وكذلك حوراء خلفها وسألت بقلق
*ما الأمر...
ليرد مهيار صارخا
*اسمعي، بربك اسمعي ما يريده والدك...
تركت زيان يد حوراء التي اتجهت نحو مهيار تمسك يده، وزيان اقتربت من والدها
*ما الأمر أبي...
اقترب مهيار بدوره منه ويديه على خصره
*يريدنا أن نمر بفترة خطبة و...
*وااااااااااااو...
قبل أن يكمل مهيار كلامه كانت حوراء قد صفقت قافزة في مكانها
*لقد سمعت مني عمي وقررت أن تنفذ ما تمنيته...
قطبت زيان تنقل عينيها بينهم لتتفضل حوراء بالشرح لها
*لقد قلت لعمي أول أمس انكما يحب ان تمرا بفترة خطبة وبعدها زفاف احضره انا... أوه كم هذا رائع...
اتسعت ابتسامة زيان...
ربما تحتاج ذلك.. تحتاج أن تعتاد على مهيار وتتعرف طباعه، فاليومين الماضيين كانا من أسوأ ما قد يكون للتعرف والتواصل..
نعم خطبة... اتسعت ابتسامتها أكثر لتعلن متواطئة معهما
*وأنا موافقة...
أغمض مهيار عينيه بصبر وصوت صرير أسنانه سبب لزيان إزعاجا في أعصابها...
ودخل الغرفة هادرا بغضب
*هذا جنون.... جنوووون...
وبعد دقيقة خرج مسرعاً وقد بدل ثيابه وخرج من البيت كله دون أن ينظر لهم...
ليركب السيارة مع ملهم فلم يكن في وضع يسمح له بالقيادة..
وبعد أن انطلقت السيارة هدر غاضبا يحدث ملهم الذي انتفض على صوته
*وأنا الذي أحضرت حوراء لتساعدني، تلك القردة أول من وقفت معهم ضدي...
ضرب بيده على كل الباب متوعدا
*سأعاقبك يا حوراء صدقيني... أنا... أنا احضرتك لتكوني مصدر قوتي، فتساعدينهم على وضع الخطط عليّ!!
ضرب الباب مرة أخرى، لينظر من الزجاج يصر على أسنانه..
ها قد ضاعت ورقة حوراء من يده...
هل سيرضخ لهذا الجنون...
*جنووون
هدر بها لينظر له ملهم بشك ويتابع قيادته متمنيا فقط أن يصلا للقصر بسرعة ليضعه فيه ويذهب لعمله تاركاً له غضبه وهذا الجنون الذي لا يعرف عنه شيئا...
.................
صفق باب السيارة بقوة ليهدر من بين أسنانه
*زياااااان ،لا تثيري جنوني أنت زوجتي أخرجي أريد رؤيتك...
ضحكتها الناعمة أثارت جنونه أكثر لترد بصوت خفيض لمس شغاف قلبه
*لا استطيع مهيار فوالدي منعني عن الخروج تماماً حتى تنتهي الخطبة...
ركل السيارة بغل وحقد
*ما هذا الجنون أنت زوجتي... زوجتي...
نفخت زيان من عصبيته فهذا ما دأب يكرره من أسبوعين أنت زوجتي، وكأنها لا تعلم ذلك لمَ لا يفعل مثلها ويعيش اللحظة عوضاً عن غضبه وجنونه، وكل هذا لن يؤثر على قرار والدها، لا تنكر أن الأمر يسعدها لكن هناك شيء غير طبيعي فوالدها يبالغ بفعله ومهيار برد فعله... ولكن.. ذلك لا يهم.. ما يهم أنها تعيش فترة الخطبة وهي تعجبها...
*هيا مهيار أعدك أن أراك غداً...
أبعد الهاتف عنه ليشتم بصوت سمعته رغم حرصه، ليمسح وجهه بكفيه متكلما بتكلف وغضب
*أرسلي حوراء خطيبتي العتيدة...
شهقت زيان باستنكار
*وعدتني أن تبقى حوراء معي..
هدر بغضب فأبعدت الهاتف عن أذنها
*وتردينني أن أبقى وحدي لا حوراء ولا أنت الا يكفي هذا الوضع السخيف الذي نحن فيه... تريدين موافقة والدك لترينني!! يا ربي لقد كنا زوجين زيان.. زوجين بكل معنى الكلمة...
حينما احست أنه سكت عن الصراخ أعادت الهاتف بحذر لأذنها لتقول بوداعة...
*وأنا اشتقت لأراك حبيبي، اشتقت لك جداً..
تنهد بإحباط متمنياً أن يقتحم البيت ويأخذها عنوة...
*أرسلي حوراء لأراها اشتقت لها..
وأغلق الخط من فوره غير سامح لها بالكلام...
استند على السيارة يراقب الباب علها تظهر مع حوراء، يبدو أنها لعنة على عائلتهم أن تسحرهم نساء هذه العائلة، هل هذا ما كان يشعر به والده...
أغمض عينيه ليبعد الماضي عنه، ماذا الآن هل سيقنع نفسه أن ما حصل كان صحيحاً لقد دمرت عائلته.. ولكن كل هذا مضى .. وانتهى.. إنه سحر العيون متأكد من ذلك، فعينيها رغم خوفها وألمها كانتا تلمعان... لمعة جعلت قلبه يقفز وحننت قلبه عليها وهو الذي..
فتح عينيه ببطء لينظر للسماء هامسا
*وأنا الذي كنت سأدفعها نحو الجنون... يبدو أنها هي من ستفعل ذلك!
*مهيار...
خرج من أفكاره على صوت حوراء اقف على مقربة منه دون أن تقترب تماماً... رفع حاجبه ينظر لها بنصف عين... فهي صاحبة الفكرة الغبية...
عضت شفتها، عيونها متسعة ببراءة سلبت لبه ومع ذلك بقي متحاملا عليها ليقول عابسا
*تعالي إلى هنا...
ابتسمت لتتقدم تعقد أصابعها خلف ظهرها حتى وصلت لبعد خطوة واحدة وارتمت عليه دون أن يعي ما يحصل تضمه وتقبل خده
*أنا أحبك جدا وأحب زيان إنها رااائعة
لف ذراعه حول خصرها والأخرى مدها ليضربها برقة على رأسها
*أنت يا قردة سبب ما أنا فيه الآن..
ضحكت متأوهة بمرح لتدفن وجهها على صدره
*وما ذنبي أنت من استعجل الزواج وهذه هي النتيجة...
وابتعدت عنه هاتفة بفرح
*ستقيم زفافا آخر أليس كذلك...
اتسعت حدقتيه ليهتف
*ماذا زفاف آخر! هذا ما ينقص، كل ما أريده أن تنتهي هذه الخطبة التعيسة على خير فأنا لم أر زيان منذ أسبوعين..
قطبت بعدم رضا من كلامه
*أنت تحدثها يومياً ما الذي ستفعله إن رأيتها!
سرحت عينيه نحو البيت بحالمية لتظهر ابتسامة عابثة على ثغره هامسا بشجن
*هناك الكثير لأفعله...
*مثل ماذا!
سؤال حوراء المستغرب أيقظه من لحظته الشاعرية ليعي ما قاله، فقطب ليقول متحمحما
*وما شأنك أنت، كل ما أريده منك هو أن تهتمي بها...
هزت كتفيها لترد
*وهل تحتاج! إنها تهتم بي وكأنها أمي!!
أمي...
وكأن كهرباء سرت في جسده من الكلمة، هل يخون أمه بما يفعله.. ولكن ما ذنبه، من الصعب العثور على السعادة دائماً فهل يفرط بها، ومع ذلك أحس بغصة أثقلت صدره وضغطت أنفاسه فدفع حوراء نحو البيت مبتسماً
*عودي لها يا مهجة القلب سأعود لأراكما...
لوحت له مودعة لتعود راكضة إلى زيان التي كانت عل زاوية السطح تراقبهما بعيون مبتسمة...
لتتركهما بعد فترة وتنزل لتجد والدها يعد الشاي فابتسمت له لتقترب وتساعده بعد أن صرف الممرض منذ فترة..
سألها
*هل لا يزال هنا...
هزت رأسها بنعم
*انه مع حوراء بالخارج...
وسكتت لحظة وقد توقفت يديها عن العمل لتقول ساهمة
*يحبها جداً، رأيت كيف ينظر لها... يحبها جداً...
راقب عينيها ليسأل بصوت منخفض
*هل تريدين رؤيته...
ردت على شرودها..
*بل أريد أن أرى نظراته تلك موجهة لي...
رق قلبه على شوقها فقال متسامحا
*اذهبي لرؤيته لكن لا تتأخري عودي بسرعة...
نظرت له غير مصدقة ليومئ برأسه
*هيا قبل أن أغير رأيي...
وبالفعل شهقت بفرح لتترك الشاي وتخرج راكضة...
ارتفع حاجبه باستياء
*كنت أعطني فنجان الشاي على الأقل!
وهز رأسه ليذهب ويكمل فقد أخرته عن موعد تناول الشاي وهو مجرد كوب!
..........
همست حوراء لروجين
*إنها هكذا منذ أن غادر مهيار...
نظرت كل من روجين وريوان لزيان الغاضبة وهي تقف خلف لرح الرسم الخاص بها ترسم وتمزق الأوراق بغضب شديد وتصر على أسنانها بصوت مسموع أثار القشعريرة في جسد ريوان...
همست ريوان متسائلة
*هل تشاجرا...
تدخلت روجين بدورها
*أيعقل أنه قال ما أزعجها...
نفخت حوراء مقطبة منهما لتوضح
*بل لم تره أساساً..
نظرا لها معا يهتفان
*ماذا!
عضت حوراء شفتها السفلى لتقترب أكثر منهما
*هو غادر وهي خرجت لوحت له لكنه لم ينتبه لها ومنذ ذلك الحين وهي كالمجنونة حتى أنه لا يجيب على اتصالاتها...
*مجنونة!
قالت روجين ذلك وتركت فنجان قهوتها لتنهض متجهة نحو زيان الغاضبة وسحبتها من يدها عنوة
*تعالي تعالي... كل هذا الجنون في أول خصام لكما...
هتفت زيان بحنق
*لسنا متخاصمين!
صوت ريوان على أسنانها تسأل
*إذن ما سبب هذه الحالة الرائعة التي أنت فيها الآن!
سحبت زيان هاتفها من جيبها صارخة
*لأن الأحمق عندما اتصلت به لأراه قال لي أنه سيفكر بالأمر وهو الذي ثقب طبلة أذني من كثرة طلبه للقاء...
انفجرت حوراء ضاحكة لترمي نفسها نائمة على ظهرها فوق سرير زيان فلم تملك روجين الان أن التوت شفتيها بضحكة أخفتها كي لا تراها زيان التي كانت تنظر لحوراء بحقد...
قالت ريوان لتخفف غضب زيان
*ربما يمزح معك ..
قفزت حوراء تمسح عيونها الدامعة من الضحك لتقول بشقاوة
*نعم يمزح فهو قال لي لديه الكثير ليفعله معك...
ثم قطبت بجدية لتسأل زيان
*ما الذي ستفعلانه معا سأكون معكما أليس كذلك؟
اتسعت عيني روجين باستنكار
*قال ذلك لك!
نفت حوراء بهزة من رأسها
*لا، سمعته يقولها وهو ينظر للبيت بهذه الطريقة...
ووقفت تقلد نظرته المليئة بالعبث والشوق، فاحمرت زيان وأدارت وجهها لتسأل ريوان باستفسار
*كم عمرك حوراء؟
*سأتم الثامنة عشر بعد شهرين بالضبط...
سألت زيان بعد أن سحبت حوراء لقربها
*ماذا قال لك مهيار...
انتفضت حوراء هاتفة بجزع
*لا لا إنها المرة المئة التي أحكي لك ماذا قال...
وتركتهم وخرجت تغلب الباب خلفها بغضب
*سأذهب لعمي هذا أفضل من الحديث الممل ذاته...
..............
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نذر الشيطان

مُساهمة  مروى شيحه في الإثنين نوفمبر 05, 2018 9:43 pm

الأخير
تأففت زيان تقف على النافذة تراقب الطريق بينما عابد وحوراء يجلسان بملل قرب بعض، بينما ما لا يقبل الشك عند عابد أن كلاهما مجنون... فبعد ذلك اليوم المعهود باتا كالأطفال حين يسمح لها بلقائه لا يقدر مهيار على ذلك فمرتين كان بسفر ومرة كان في اجتماع عمل لم ينتبه لرسالتها حتى وقت متأخر، وحينما يطلب مهيار اللقاء ترفض هي بحجة أن والدها لا يسمح لها ومع ذلك كان جدالهما على الهاتف حكاية أخرى، وفرصة يغتنمها عابد وحوراء للضحك...
لم يحدث أن فعل مهيار ما يثير الريبة عند عابد، في الواقع زيان كانت تستفزه وتثير جنونه حتى أنه تكلم مع عابد ليشكوها عنده، فلم يعرف كيف يتصرف!
ولكن المريح في الأمر أن تلك النظرة في عيني مهيار والتي كانت تخيف عابد قد اختفت تماماً، كان يرى بريقا غريباً حين يأتي ذكرها في المرتين التين كان فيهما مرسالا بينهما وبنتيجة مفاوضاته كان هذا اللقاء...
وها هي زيان تقف على النافذة تنتظر أن تراه قادمة...
لحظات فقط قبل أن تفر هاربة نحو غرفتها تهتف بفرح لم تقدر على اخفائه
*لقد جاء، ان سأل عني أنا نائمة....
قفزت حوراء من مكانها هاتفة
*ماذا! لقد أثرت جنوننا حتى اتفقتما على هذا اللقاء والآن تهربين...
لكنها كانت تكلم الفراغ، فزيان اختفت خلف باب غرفتها!
نظرت لعابد بيأس تسأله
*متى سينتهي هذا!
هز عابد كتفيه مفكرا
*لا أعلم إن حان الوقت!
لحظات وعلا الطرق على الباب وقبل أن تتحرك حوراء لتفتح كانت زيان قد سبقتها!
فنظر كل من عابد وحوراء لبعضهما ببلاهة لتصر حوراء على أسنانها بغضب
*أنا لا أحتمل جنونهما!!
تقبل مهيار العاصفة التي ارتمت عليه بشوق ليمسك وجهها بشوق يسرق قبلة من شفتيها
*اشتقت لك...
لفت ذراعيها حول عنقه
*وأنا اشتقت لك أكثر...
تعالى صوت عابد يطلب منهما الدخول فابتسما بتواطؤ ليهمس مهيار بشجن
*هذه اشهى قبلة في حياتي...
لم ترد زيان لتحمر خجلا وتدخل معه إلى الصالة حيث والدها المراقب بتركيز وحوراء المستاءة....
ابتسما لهما ببراءة وجلسا بعد أن القى مهيار التحية عليهما...
وبعد حديث صغير قال مهيار بأمل
*عمي، لمَ لا ننطلق لبيتي إنه واسع وكبير وهكذا نهتم بك وتبقى معنا...
فهم عابد ما يقصده مهيار فلم يكن طلبه إلا ليؤكد له أن بإمكانه الاطمئنان وهي تحت أنظاره أنه لن يؤذيها ولن يفكر بذلك مجددا..
هللت حوراء للفكرة
*ونبقى معا دائماً دائماً..
نظرت زيان لوجه والدها مبتسمة بأمل....
نقل عابد نظراته بين الثلاثة ليجد مهيار ينظر نحو حوراء بحب صادق لن تقدر العيون على إنكاره، حب يضمن لها أن المستحيل ممكن لأجلها... لتتجه عينيه بعدها لزيان...
نظراته كانت مليئة بالشوق... رأى فيها نظرات العجب الاي تحولت في ثانية لهيام، حينما بادلته زيان النظرات...
رأى فيه عينيه تلك النظرة التي تمنتها زيان...
نظرة صدق... جعلت شفتي زيان تنفرجان بابتسامة لتنظر نحو والدها تخبره بعينيها بأنها رأتها... تلك النظرة رأتها..
ومهيار نظر له باستجداء وحرك شفتيه بصوت لم ينطق
*أرجوك...
فهمها عابد حتى لو لم يسمع الصوت...
فابتسم موافقا... سيعيش معهم، لتبقى تحت عينيه...
.............
ركضت حوراء أمامهم على الدرج الطويل تتبعها زيان، بينما مهيار بقي مع عابد ليصعده الدرج بعناية فائقة على كرسيه معتمدا على قوته الجسدية ...
أشارت حوراء للمرأة التي خرجت لاستقبالهم
*هذه ام ايمان مدبرة البيت...
اقتربت من زيان لتهمس في اذنها
*مهيار يحبها جداً..
وسحبتها من كفها قبل أن تلقي التحية حتى، لتتبعها زيان ضاحكة
*على مهلك حوراء...
لكن حوراء لم تكن تسمع أساساً، تجرها خلفها لتصعدا درجا دائري الشكل، غير سامحة لها أن ترى الصالة الضخمة حتى
*القسم الأرضي فقط للصالات والاستقبال.. تعالي..
فتحت باباً في الممر قريباً من الدرج لتدخلا غرفة أنثوية رائعة التصميم هادئة
*هذه غرفتي..
*جميلة..
همست زيان بذلك منبهرة بالجمال حولها، وحوراء عادت لتجرها خلفها فهتفت
*على مهلك حوراء!
وفتحت باباً في نهاية الممر هاتفة بسعادة
*جناح مهيار والآن أصبح لكما معا..
تركت يدها لتدخل بقلب وجل إلى الجناح الضخم الذي يعادل لوحده منزل والدها.. فتحت فمها هامسة برهبة
*هذا جناح!!
دارت حوراء في المكان مثلها تستكشف المكان الذي منع عليها دخولها.. اقتربت زيان من غرفة ملحقة وفتحت الباب بحذر لتقول حوراء
*هذه غرفة الملابس...
ارتفع حاجبي زيان
*غرفة خاصة للملابس!
قالت حوراء مغتاظة
*جناح مهيار جناح الأحلام لكن أم ايمان لا تسمح لي بدخوله...
وبالفعل كانت زيان تدور في أرجائه تتلفت حولها بإعجاب..
ما تراه يثير الدهشة حقاً، لم تكن ترى ذلك إلا في المسلسلات والأفلام ولكن أن تعيش هي فيها أو أن تراها حقيقة كان ذلك بحد ذاته حلماً لم تكن تتوقعه..
جلست على السرير تتلمس نعومة الحرير عليه، بينما اقتربت حوراء منها لترش في الهواء من زجاجة عطر أحضرتها عن التسريحة
*عطر مهيار المفضل..
أغمضت زيان عينيها تستنشق بعمق الرائحة الشذية
*رائع...
همست بها، وعادت لتنظر حولها تتأمل الجمال حولها، وتذكرت والدها لتقفز جزعة تلوم حوراء
*نسيت والدي، كيف جررتني معك...
وتركتها لتركض في الممر متجهة نحو الدرج حيث كان مهيار يجول بوالدها على كرسيه في المكان مع تلك المرأة يعرفه على الصالة..
اقتربت زيان منهما لتأخذ مكان مهيار الذي ابتعد بتلقائية إلا أنه بقى قربها وهمست له
*كيف سيصعد والدي لفوق!
ابتسم مهيار ليحيط كتفيها بذراعه
*حضرت ام ايمان له غرفة الضيوف هنا...
وأشار لها للاتجاه فأدارت الكرسي تقول لعابد
*سنرى غرفتك أبي...
وأخذته لغرفته المجهزة بكل ما يحتاجه، وساعدته حتى استقر على السرير ليستريح بعد طول الطريق فقد شارفت الشمس على الغروب، وما تبقى من الوقت قضته في ترتيب اشيائه وتبرعت حوراء لتساعدها، بينما حقيقة كانت تثير حنونها أكثر مثيرة ضحك عابد، أما مهيار فقد غادر ليقوم ببعض الأعمال...
لم تنه ترتيب أشيائها في الجناح حتى وقت متأخر رغم مساعدة حوراء والمدبرة..
ما لم يتوقعه مهيار أبداً أن يطلب عابد من زيان قضاء الليلة معه حتى يعتاد على المكان!
كانت صاعقة له في الواقع، فقد استعجل الانتقال حتى يعوض نا فاته معها وحين أصبحت في متناول يده تقضي الليلة الأولى بعيدة عنه!!
وزيان اقتربت منه لتهمس ببراءة ازعجته..
*سأبقى معه أنت تذكر ما حصل معي لأني لم اعتد بيت الشاطئ، ربما ذلك أفضل لي ولوالدي حتى نعتاد..
ارتفع حاجبيه ولم يملك أمام نظرة عابد المسلطة عليه والتي تخبره أنه ينتظر خطأ واحداً منه إلا أن وافق على ما يريده...
وتركهما ليصعد لجناحه غاضبا...
وعلى باب الجناح أغمض عينيه يشم ذرات عطرها في المكان، ودخل ليغلق الباب خلفه لينظر حوله، يستكشف لمستها الأنثوية في المكان...
لا يهم ان قضت الليلة بعيدة عنه، لديه الغد وكل الأيام القادمة، جلس على السرير بإحباط هامسا
*حتى تعتاد! ما الذي فعلته يا مهيار...
وفي الأسفل ارتدت زيان منامتها لتتمدد قرب والدها على السرير الضخم
*هل أنت مرتاح أبي؟
ابتسم لها ومد يده الحرة ليقرص خدها
*لا يهم أنا المهم أنتِ
وضعت رأسها على صدره تضمه بسعادة غامرة
*سعيدة جدا ..
(أتمنى ذلك )
لهج بها قلبه يمسح على شعرها لتنام براحة وهدوء .. علّ الغد فعلا يحمل لها كل خير وسعادة ..
بعد أيام ...
خرج مهيار من الغرفة التي خصصها لعابد يزمجر بغضب , فلليوم الخامس على التوالي عابد يصر على زيان لتقضي الليل معه , وتنام في دفء حضنه , ومهيار لا يملك إلا الموافقة ,كيف سيثبت لعابد أنه فعلا يريد الخير لزيان إن لم يوافق على كل ما يريده ..
*لكن ليس لهذا الحد ..
هتف بها بغضب في الممر , لتخرج حوراء من غرفتها مذعورة
*ما بك مهيار !
التفت لها ناسيا أنها تكون نائمة في هذا الوقت ..
اقتربت منه والنوم لم يفارقها بعد متسائلة
*هل أنت بخير لماذا كنت تصرخ ..
لاعب شعرها المشعث بأصابعه مبتسما بأسف
*لا تشغلي بالك عودي للنوم ..
همست بجفون مثقلة للنوم
*أين زيان ؟
زمجر من بين أسنانه بغضب مكتوم
*مع والدها بالطبع ..
طوحت بيدها في الهواء لتقترب منه مقبلة خده
*أنت تراها في النهار , دعها تقضي الليل مع عمي عابد ما الذي ستريده منها في هذا الوقت !
اتسعت عينيه , ولم يعرف بما يرد سوى أن يطلب منها محبطا أن تذهب للنوم وألا تشغل فكرها ..
ولعجبه , ابتسمت رغم النعاس واتجهت نحو جناحه بفرح
*طالما زيان مع عمي سأنام معك اشتقت لك ..
ودون أن تترك له فرصة للرد كانت قد أصبحت داخل جناحه وعلى سريره حتى !
فنفخ بيأس ليدخل غرفة الملابس ويرتدي منامته , وعينيه على حوراء ..
جلس على طرف السرير يتأمل نومها الهادئ .. فمها المفتوح نسبيا من النوم , ورمشيها الداكنين الطويلين ..
مسح على خدها بظهر كفه , ليقترب ويقبله بحب
*نوما هنيئا أميرتي ...
رمى الغطاء عليها وابتعد ليقف على النافذة يفكر بحيلة ما عله يقنع عابد أن اختباره قد طال وحان الوقت ليعيش حياة عادية مع زيان ..
ألا يكفي بداية زواجه ال..
قطب متذكرا زواجه !
كيف حصل هذا .. كل شيء حصل بسرعة , ما القوة التي تملكها زيان حتى غيرت تفكيره من النقيض للنقيض ..
أيا كان ذلك لا يهم .. ما يهم أن كل شيء مضى على خير وأفاق من الكوة التي كان مغيبا فيها باكرا ولم يتأخر ..
ابتسم متذكرا ما كان يفعله بها ليهمس لليل الطويل
*حقا كنت مجنون ! ما الذي كنت أفكر فيه ..
أغلق الستارة وخرج من الجناح كله ..
لينزل على الدرج دون صوت على رؤوس أصابعه , حتى وصل لباب الغرفة , واقترب ليضع أذنه عليها , ربما كانت لا تزال صاحية ولم تنم بعد ..
ولكنها أمنية فقط فهي تنعم بالنوم وهو عاجز عن إغماض جفنه ..
على طاولة الإفطار صباح اليوم التالي أعلنت زيان بتصميم
*أريد زفافا ضخما وثوبا أبيض ..
نظر لها الجميع باستغراب , فحقيقة كونهم انتقلوا لبيت مهيار جعلت فكرة الزفاف شبه ملغية , قطبت تنقل نظراتها بين العيون المتفاجئة
*ماذا ! ألم تكن فكرتكم منذ البداية ..
همس مهيار بارتياب
*هل أنت جادة ..
لم ترد بل حوراء من ردت عنها
*كل الجد , طبعا يجب أن يكون هناك زفاف ضخم يعرف به كل البلد ..
ضحك عابد ينضم لصفهم مؤكدا أن مهيار لن يحصل على عروسه إلا بعد زفاف ضخم كما تحلم به .. ووصلت الرسالة المبطنة أكثر من واضحة لمهيار , أي لا تحاول اليوم أيضا فهي ستبقى معي ..
ومتأكد من كون أي جدل لن يلقى أي صدى لديهم , هز رأسه باستسلام ..
لتبدأ الاستعدادات لزفاف لم يكن حسبان ...
ليكون خلال أيام فقط مجرد مرافق لها ولحوراء .. في جولات التسوق التي لم يجد فيها أيضا من يصغي له !
وكأن زيان تحولت لنسخة من حوراء , ثرثرة وضحك وتسوق , وهو مجرد مسؤول , يحمل ما يختارانه مجبرا لا مخيرا !
بينما شكر الله لكون روجين وريوان استلما أمر الصالة والإشراف على التحضيرات فيها , وملهم تكفل بالبطاقات والدعوات ..
أليس هذا جنونا !
يتزوج مرتين ! ومن نفس المرأة ..
كيف تفكر النساء !
ولكن لا مفر ....
وكانت النتيجة مذهلة ..
لم يكن أبدا يتوقع أن يراها بأبهى طلة كالأميرات ..
لم تسمح له أن يرى ثوب الزفاف الذي اختارته , فقد أصدر بحقه أمرا مشددا على الانتظار في الصالة مع بقية الضيوف حتى تصل مع والدها , للحظات تملكه القلق ألا تحضر !
كم خشي فعلا من ذلك أن يسبب له عابد فضيحة بهروب العروس منه ليلة عرسه , فكان طول الوقت عصبيا , مستاء , يتصل بها ولا تجيب , حتى حوراء لم تكن ترد على الاتصالات ... وفكر عدة مرات أن يترك الصالة ويذهب ليأخذها ويهرب من كل هذه الفوضى ..
لكن الموسيقى التي صدحت ليعم الهدوء القاعة جعلته يلتف لينظر خلفه حيث رآها تتقدم نحوه بخطوات ناعمة ..
مبتسمة ووجه مشرق كالشمس , بثوب ذو تفصيل بسيط , مرصع بالحجارة باللون المائل للبنفسجي على صدره و ويتفتح بطبقات من التل الناعم الملتف حول خصرها , لينسدل على قامتها الطويلة ليصل على الأرض مخلفا ورائها طبقات ناعمة تجر على الأرض بتل ناعم مطرز الأطراف بخيوط ناعمة بنفسجية كذلك ..
تتقدم بكل رقة مبتسمة له غير قادرة على تحويل عينيها عن عينيه وكأنها تقول له
(كما تحب تماماً )
لم يتمالك نفسه ويبقى في مكانه، فخطا نحوها مستعجلا ليصل إليها، فعيناه الخائنة تخبره أنه يراه أول مرة!
وقف أمامها تماماً، يتبادلان النظرات، ليلتقط كفها مغيبا بسحر عينيها يرفعه ببطء لشفتيه يلثمه برقة، جعلت الحشد الضخم يصفر ويصفق بإعجاب...
لتصدح الموسيقى الناعمة فقربها أكثر له يضمها لصدره منتشيا برائحتها يهمس بصوت شجي
*مذهلة.. أود لو أخفيك عن أعين الناس هنا...
ضحكت برقة ووجهها مختف على صدره
*كف عن هذا أنت تخجلني
شد ذراعه حولها ليهمس قرب اذنها المزينة بقرط ناعم
*بل أنا في منتهى الجدية..
رفعت رأسها لتتبين حقاً جديته فضحكت مرجعة رأسها للخلف..
ليعلو هتاف أحد أصدقائه، فالكل اعتقد أنه قال ما يضحكها بينما كان هو جدياً حد النخاع حتى، والهتاف جعله قاب خطوة من تنفيذ أفكاره، لكنها هدلت بصوت ملائكي
*أحبك أيها الغيور...
قطب رغم سعادته بالكلمة ينحني مع الموسيقى يضعه جبينه على جبينها
*نعم أنا غيور... وأحبك..
*زيان...
عاد ليهمس باسمها أمام عينيها
*سامحيني..
قطبت رغم الابتسامة لا تفهم كلامه لتسأل
*على ماذا؟
ابتلع ريقه بصعوبة، تمر الذكريات مسرعة بخياله
*على بداية زواجنا...
رفعت كفها تضعه على خده بحنان مبتسمة بحب
*لننسى بدايتنا المزعجة ولنتفق أن والدي كان على حق، كنا نحتاج لفترة الخطبة هذه..
وحينما تذكر كيف مرت عليه فترة الخطبة عبس باستياء يشدد من ضمه لها
*ولكنها فترة قحط حقيقي وأنا لن اسمح لك بالابتعاد مجدداً...
أمالت رأسها بدلع تعده
*وأنا لن ابتعد عنك..
وضحكت مشيرة له بعينها لينظر، وفعل ليرى ملهم يقف على مقربة من ريوان ينظر لها بانبهار فضحك مهيار بشغب ليدافع عن نفسه
*ليس لي يد في ذلك!
شاركته زيان الضحك والكل يراقب الزوجين المتناغمين في رقصتهما المليئة بالضحك..
روجين الذي وعدها زين أنه سيحدد معها موعد الزفاف متى أرادت هي ذلك، ليسحبها مقررا مشاركة العروسين الرقصة، وريوان التي اتكأت على كرسي تقف قربه هامسة بحنق
*سأرقص مع أي شاب يطلب مني ذلك...
*ماذا!
استقامت لسماعها صرخة مستنكرة من خلفها فالتفتت لتجد ملهم ينظر لها،نظرات مليئة بالغضب والتحذير فهمست متحدية
*عفوا وما شأنك؟
اقترب خطوة واحدة فقط مثبتا عينيه على عينيها..
*شأني أني أريد هذا فاعترضي..
ارتفع حاجبيها ببلاهة، وكأنه تراه مخلوقا غريباً ودون أن يعطيها فرصة للرد، كان قد ابتعد لتتبعه بعينيها إلى حيث يقف والدها، فشعرت أن قلبها هوى بين ساقيها..
ما الذي يفعله هذا المجنون...
وأسرعت إلى حيث عائلتها متعجلة
*ماذا تريد ملهم..
لم تتوقع ضحكة والدها الذي شدها نحوه بحنان أبوي.
*إذن هذا ما كنت تلمحين له طوال اليوم.
لم تفهم بداية ما يقصده، لكنها تذكرت، أنها طول الوقت كانت تخبرهم أنها لن تجعل عرس زيان ينتهي دون أن يتقدم رجل لخطبتها...
ولم تظن أن يكون هذا الرجل هو...
همست بخفوت غير مصدقة
*ملهم!
فلم يكن منه إلا أن رد
*بشحمه ولحمه...
وأمسك يدها موجها الكلام لوالدها
*بعد إذنك عمي..
منحه الموافقة مع الكثير من الفرح والراحة ليتجه بها نحو العروسين يشاركا بدرهما الرقصة بينما هي لا تزال على صدمتها تكاد تكذب كل ما يحصل!
رفعت عينيها لعينيه فابتسم مشجعا
*فقط قولي نعم..
ولم تقل شيئاً معلنة الصمت الإيجابي..
ومهيار همس في أذن زيان بتسلية
*ألم أقل لها من البداية أن ملهم موجود!!
..........
الخاتمة
نهضت زيان من سريرها، تشعر بدوار مهلك جعلها تهتف باسم مهيار، الذي ما زال غارقا في النوم بعد زفاف الأمس الطويل...
فتح عينيه للنصف وهمس بنعاس
*عودي للنوم حبيبتي لن يتوقع أحد رؤيتنا اليوم..
لكنها أمسكت بطنها بقوة تناديه بصوت منهك.. فنهض بجذعه ليراها على حالها هذه، فقفز عن الفراش ليقف قبالتها
*زيان ما بك...
لكنها أغلقت فمها بكفها لتتسع عينيه بقلق ويأخذها للحمام مسرعا، تفرغ كل ما في معدتها...
سحب شعرها خلف اذنها، يفرك لها ظهرها عله يريحها..
*هل أنت بخير..
هزت رأسها بلا والدوار يشعرها وكأنها تهوي...
رمى الماء على وجهها ودلك فروة رأسها حتى هدأت قليلاً، فحملها ليضعها على السرير برقة متسائلاً بقلق
*هل أنت بخير؟
لم ترد عليه تغمض عينيها والدوار يعود أكثر فتركها ليخرج من الغرفة صارخاً
*ام ايمااان.. أريد طبياً هنا حالا..
وخلال نصف ساعة كان الطبيب عندها في الغرفة...
ووالدها الذي جن جنونه ولم يرتح له بالا حتى ساعده مهيار بالصعود إليها في الغرفة وحوراء تقف خلف مهيار خائفة متمسكة به تخشى على زيان من حالتها هذه، لكن ابتسامة الطبيب جعلت الكل ينظر له باستنكار حتى قال بما لا يقبل الشك
*مبارك لكما، زوجتك حامل...
كانت الصدمة على وجوه الجميع وخاصة مهيار الذي قال بغباء
*كيف!
ولم ينتبه لنفسه إلا على صوت عابد الذي ضحك بفرح هامسا برهبة
*يا إلهي ابنتي ستصبح أم!! صغيرتي أنا كبرت وستنجب طفلاً!
شهق مهيار مستدركا غبائه هل صدق بالفعل أن زواجه كان بالأمس!!
وشارك عابد الضحك برهبة كذلك.. فهو سيصبح أبا!!
بينما حوراء اقتربت من زيان الناظرة للسقف بصدمة لتهمس بخوف..
*عمي... مهيار... هل هي بخير ..
وجاءها الرد من الطبيب الذي حقنها بإبرة ما، ليكتب على ورقة بعض الفيتامينات اللازمة لها
*إنها بخير لكنها صدمة الحمل فقط..
ومد يده بالورقة لمهيار
*أحضر لها هذا، وأرجو أن تتابع مع طبيبة مختصة بأسرع وقت لتتأكدا أن كل شيء على ما يرام..
شكره مهيار ليوصله للباب ويعطي الورقة لام ايمان حتى تذهب على وجه السرعة وتحضرها...
وعاد مسرعا ليرى زيان قد نهضت عن السرير جاثية على الأرض أمام كرسي والدها تبكي معه بفرح...
وحوراء خرجت من الغرفة تتركهما لهذه اللحظة وقد بكت ما يكفي فرحاً..
نظر عابد لمهيار مطولاً...
وكأنه يقول.. هذي ابنتي.. وها أنت ستصبح أبا.. أخبرني عن شعورك إن أحسست ولو للحظة أنك ستخسره...
اقترب مهيار منهما بخطوات بطيئة، لينحني ويقبل رأس عابد هامسا بصدق
*سامحني... ليغفر لي حبي لها..
لم يرد عابد عليه، ولكن زيان رفعت رأسها لتظهر له وجها محمرا بخجل وفرح..
فسحبها برقة ليضمها على صدره مباركاً لها بينما شردت دمعة من عينيه رآها عابد ليبتسم براحة وقلب مطمئن..
........
نظرت لنفسها في المرآة مبتسمة، بطنها المنتفخة جعلتها تضحك ومع ذلك، خالفت كلام مهيار ووالدها على السواء بتواطؤ مع حوراء لتذهبا سيرا لمحلها فالمسافة تعادل ساعة سير تقريباً وهي بحاجة للحركة، فقط تطمئن على العمل.... وحوراء لا ترد لها كلمة منذ أن وعدتها أن تترك اسم المولود لها...
وعلى الطريق حصل ما كان يخشاه الجميع حيث فاجأتها آلام الولادة...
والجنون الذي حصل بعد ذلك لا تذكره، كل ما تذكره هو عصبية مهيار وهو ينقلها بسيارته نحو المستشفى...
لكن ذلك كله انمحى في لحظة...
حين انطلق صراخ طفل صغير من الغرفة..
نظر لعابد الذي همس
*ولدت..
وبالفعل خرجت الممرضة تحمل طفلة محمرة من البكاء مغمضة العينين صوتها يملأ المكان لتقول مباركة
*ما شاء الله، ولدت طفلة ستكون غاية في الشقاء...
أخذها عابد منها بحرص شديد بينما سأل مهيار
*هل آراها..
أشارت له بنعم ليدخل بسرعة لها..
حيث كانت تنتظره لتهمس بإرهاق
*أرأيت ابنتنا...
أومأ براسه بنعم لينحني مقبلا جبينها يحمد الله على سلامتها..
ليدخل عابد وحوراء خلفه، قالت حوراء بمرح قفوا قربها...
ساعدها مهيار لتعدل وضعها، وجهها مرهق لكنها مبتسمة بسعادة لا تغفلها عين ليجلس مهيار على يسارها وعابد على يمينها وكل منهما وضع يده خلفها يبثها دعمه..
لتلتقط حوراء صورة جماعية لهم...
صورة ما زالت زيان تنظر لها كل يوم قبل أن تصعد غرفتها لتنام، بينما يصلها صوت اعتراض لورا على قرار والدها الذي منعها من محادثة صديق لها لم يرتح له في زيارته الأخيرة لمدرستها والتي للتذكير يزورها كل بضعة أيام..
وضعت يدها على بطنها هامسة بتعاطف مع لورا
*لا بأس يا صغيرتي قريباً لن يجد الوقت ليحك رأسه مع التوأم القادم، فوالدك الغيور لا يستوعب أنك لا زلت في الثامنة من عمرك وما زال الوقت مبكرا لحماقاته!
.......
تمت بحمد الله
avatar
مروى شيحه
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 9
نقاط : 13
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى