روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:55 pm


الفصل الحادي عشر
قبل شهر
"محمود لكيت رُسُل"
انتفض محمود من مكانه وهو يهتف:"بتتكلم بجد يا حسين؟ بجد لقيت
رسل؟"
ضحك حسين وهو يقول:"لا اني أخابرك علمود اضحك وياك وبس
عندي فراغ هوايه ماعرف شلون أضيعه"
ابتسم محمود بإحراج وهو يقول:"معلش يا حسين بس انت عارف
الموضوع مهم اد ايه وبيني وبينك انا كنت بدأت اشك ان البنت فعلا
لسه عايشة بعد كل السنين دي من غير طرف خيط واحد"
"ما اصدك اني اعرف البنيه من اربع سنوات, بس ما شفتها غير من كم
اسبوع واتكدت بس انو هي البنيه اللي جنت تدور عليها البارحه"
صمت قليلا ثم قال:"وهنعمل ايه؟ هتقولها على نور؟!"
اعترض قائلا:"لا اكيد, البنيه ماتعرف انو ابوها لسه عايش, شلون
اكولها فجأه؟ وبعدين نور هو الوحيد اللي لازم يكولها هذا وجها لوجه"
"أيوة صح عندك حق, طب هي قاعدة أد ايه عندكم!"
"اني اقنعتها انو هي تجي ويانه لعرس لين وعامر, وهناك راح
يكون لنور حريه انو يحجي وياه بهدوء وبعيد عن امها"
هتف بسعادة:"حلو اوي, انا مش عارف اشكرك ازاي يا حسين..
بجد انا مش متخيل اننا نلاقيها بعد كل السنين دي, ده نور ممكن
يجراله حاجة من الفرحة"
حذّره:"لا تكوله شي هسه, بس نجي على مصر.. يمكن رد فعله تكون
متهوره وراح يفسد كل اللي سويناه"
أومأ وكأنه يراه ثم قال:"ايوة عندك حق, اووف انا مش عارف افكر..
حقيقي صدمة كبيرة ليا يمكن قبل نور, انا خلاص كنت قربت اصدق انها
مش عايشة"
"اهدا محمود, ان شاء الله كلشي راح يكون بخير.. بس انتظر تليفون
مني اخبرك بيه اللي حيصير"
****
بعد سفر رُسُل
"شلون نخليه تروح حسين؟ ماراح نكولها على ابوها؟!"
قالها محمد بعد تصديق فأجابه حسين:"شنو بايدي اسوي محمد؟ ماكدر اكولها,
ميحقلنا احنه, بس لاىتخاف عرفت كلشي عنها وهكدر اوصل اله.. وراح
انطي لنور المعلومات وهو حر بالتصرف بيها"
زفر بحنق وهو يقول:"خوش انا وياك, بس شلون نبقيها يمنه بعد
مجرحها كرار الغبي"
شاركه شقيقه حنقه وهو يقول:"لا تذكرني محمد اني اريد اقتلهم سويه كرار
وضي.. مدافهم شنو هذا الغباء اللي بيهم؟ شلون يضحّون بسعادتهم
وحبهم بهاي السهولة؟!"
التقط هاتفه بعدها واتصل بمحمود يخبره المستجدات ويطلب منه أن ينتظر
حتى يصل لمصر ويخبرهم بكل المعلومات عن رُسُل .
****
ليلة زفاف لين وعامر
همّت بالحديث ليقاطعها دخول شخص ولكن ما لفت نظرها هو تجهّم وجه
والدها وهو ينهض مرغما فنهضت معه تلقائيا لتجد الرجل الآخر يحدّق
بها بطريقة غريبة ثم مالبث أن هتف بصدمة:"نوّارة؟!"
رمقته بعدم فهم ثم نقلت بصرها لوالدها الذي قال بجمود:
"لا يا حاج مش نوّارة, دي بنتي رُسُل!"
حرّك رأسه بصدمة وهو يقول:"مستحيل! دي.. دي..."
ابتسم ببرود وهو يقول:"ايوة, شبه نوّارة وخاصة عنيها.. بس غريب انت
لسه فاكر نوّارة يا حاج؟! فكّرتك بتكرهها ونسيتها"
"مستحيل أكرهها!"
قال بخفوت ثم انتفض فجأة وكأنه انتبه لما قال ليهتف:
"انت متأكد انها بنتك!"
ابتسم بسخرية:"أظن انك موافقني انها لازم تكون بنتي, الشبه لوحده
يأكد ده.. عنيها لوحدها من غير ملامحها تأكد ده.. عنيها نادرة وانت
عارف كده يا... حاج"
عقد حاجبيه بقوة لتهمس رُسُل بقلق:"مين نوّارة؟!"
التفت لها نور بحنو وهو يقول:"والدتي.. الله يرحمها"
قالت بحزن:"ماتت! ياخسارة كان نفسي اشوفها"
ابتسم وهو يقول مشاكسا:"بصي في المرايه وانتي تشوفيها"
رفعت حاجبها بعدم تصديق:"أنا شكلها!"
زفر بخفوت وهو يقول متجاهلا والده الذي مازال واقفا محدقا بهما:
"عنيكي نفس عنيها, وملامحك فيها كتير منها.. بس لسه مش عارف
لون شعرك"
قالها غامزا وهو يشير أنها مازالت بحجابها لم تخلعه أو حتى تبدّل ملابسها
"انت لم تتركني"
صدح صوت من خلفها يقول مشاكسا:"معلش يا رُسُل, خالو مش مصدق
نفسه انك قدّمه فعلا.. خايف يسيبك تجهزي للفرح لتختفي وال حاجة"
ضحكت قائلة:"لا انا قاعدة على قلبك"
ضحك عاليا ولم يلحظ جدّه الذي تجهّمت ملامحه من مزاحهما وعدم
تعريف نور به كوالده..
"قاعدة على قلبك دي مصرية أصيلة, بس تعرفي انا استغربت انك بتعرفي
عربي وتتكلميه كمان.. شكلك كده بتضحكي علينا وكنتي قاعدة في
مصر"
ابتسمت بحزن لاحظه على الفور وهي تقول:"اتمنيت ده بس.. القدر"
ضمّها نور مرة أخرى بقوة وكأنه يخشى أن تكون حقا سراب وتختفي
على الفور ليلاحظ عامر جدّه الواقف بملامح غير مقروءة فانتفض
مسرعا إليه وهو يقول:"جدي! اهلا بحضرتك وانا اقول البيت نوّر
ليه.. اتفضل يا جدي واقف على الباب ليه كده؟!"
دلف جدّه لتسأل رُسُل بخفوت:"جدّك!"
"وجدّك انتي كمان على فكرة"
رمقته بفرح:"حقا؟!"
ضحك قائلا:"ماتثبتي على لهجة وال لغة.. دوّختيني"
ابتسمت بخجل فغمزها مشاكسا وهو يقودها تجاه جدّه فقد لاحظ تصلّب
خاله وعدم ترحيبه به..
همس لها:"سلّمي على جدك وبوسي ايده"
هسمت بعدم فهم:"أوبس ايده ليه؟!"
كاد ينفجر ضاحكا ولكنه تمالك نفسه وهو يقول:"سلو بلدنا كده,
اعملي اللي بقولك عليه عشان ماتتحطيش ف البلاك لِيست"
أومأت بخفة وهي تخطو تجاه جدها وتلتقط يده رافعة إياها لشفتيها تلثمها
برقة وهي تقول:"سعيدة اني شوفتك جدي"
رمقها بغموض وكأنه مازال لا يصدق مدى الشبه وخاصة العينين!
ولكن لا.. فعينا رُسُل لطيفتين, خجولتين و... محبتين!
أما عيني طليقته فكانت تمتلئ بالقوة والتحدي و... الكره له!
أشاح بوجهه وهو يتقبل سلامها صامتا وبداخله آلاف الكلمات ولكنه
صمت ولا يفهم لِمَ صمت حتى!
خرجت نورية بهذه اللحظة لتجد والدها فهرعت إليه وهي تلتقط كفه مقبلة
ليربت على كتفها وهي تقول:"البيت نوّر يا بابا"
"ده نور بنت اخوكي اللي رجعتلنا"
تتابعت المشاعر على وجوههم وكأنهم صُدِموا بما قاله إلا رُسُل التي جلست
بجانبه وهي تحاول أن تجد طريقة تخبره بها أنها تريده أن يضمّها..
كانت تريد أن تشعر أنه لها عائلة.. أب وجد وأخ .. عمة وعم وعائلة كبيرة
طالما حلمت بها ولكنها ظلّت صامتة ترمقه بخجل وجوع لحنوّه وحبه..
أما هو فكان يرمقها بطريقة غريبة لم تفهما ولكنها شهقت بخفوت وهو
يسحبها لحضنه وكأنه سمع نداءها الصامت وهي.. تمسّكت به بقوة كما
فعلت مع والدها سلفا ولم تلاحظ الصدمة المرسومة على الوجوه ولا
الابتسامة التي شقت طريقها لثغر عامر وهو يشعر أن هذا ال رُسُل
سيكون لها شأن مع جدها قريبا.
****
وأخيرا حطّت الطائرة على أرض مصر, رحلة مملة!
هذا ما فكّر به كرار وهو يترجل من السيارة أمام الفندق الذي سيقام
به الزفاف والذي حجز لهم محمود به أيضا بعدما رفض والده وعمه
أن يقيموا لديه بالمنزل.
دلف إلى غرفته والتي يتشاركها مع شقيقيه وهو لا يريد سوى الاستلقاء
بعد حمام دافئ مريح للأعصاب ووضع خطته قيد التنفيذ خاصة وهو
يلاحظ أن ضي يكاد يقتل أحدا وزيد يزيد باستفزازه فآثر تنفيذ ما فكّر
به حتى لا يتصادم مع أي منهما.
عندما خرج من الحمام لم يجد أي منهما بالغرفة فاستلقى على الفراش وهو
يحمد الله على هذه النعمة وما كاد يغفو حتى قاطعه رنين الهاتف فكاد
يلقي به بالجدار ليحطّمه ولكنه انتفض ما إن رأى رقم والده..
"خير يا يبه, في شيء!"
"وين انت كرار؟ العرس صارله من نص ساعة من بدأ"
عقد حاجبيه غير مصدق! هل نام كل هذا؟!
ولِمَ لم يوقظه هذان الغبيان؟!
"حاضر يا يبه راح انزل هسّه"
نهض وأدّى فرضه ثم ارتدى ملابسه التي أحضرها للزفاف وهي ما
يرتديه عادة بالأعراس بالعراق .. الزي التقليدي الذي يعشقه والذي
يجعله يشعر أنه عاد لأصوله ويجعله فخورا بجذوره القبلية.
شرد للحظات وهو يتذكر أن رُسُل كانت تحب الثوب العراقي التقليدي
كثيرا وكان يرتديه بالمنزل أغلب الوقت فقط من أجلها..
من أجل أن يلمح تلك اللمعة الخجولة بين عينيها الفاتنتين.
زفر بقوة وهو يستقل المصعد نازلا لقاعة الزفاف وما إن دلف حتى قابله
زيد الذي هتف به بلوم:"وين انت كرار؟ مو اني كعدتك من النوم كبل
مانزل وكلتلي راح انزل وراي بساع (مباشرة)! ليش لعد اتاخرت فوك؟"
رفع حاجبه مندهشا:"هذا كله كعدتني؟! ما تذكر شي"
رمقه زيد بريبة وهو يقول:"يمن احسلك تروح لى دكتور كرار,
انت صاير غريب"
تجاهله كرار وهو يخطو تجاه والده وعمه اللذين يقفان مع محمود زوج
خالته وأحمد الذي تعرّف عليه كوالد العريس وصافحهما بقوة ليقول والده:
"روح بارك لبنت خالتك وزوجها كرار"
قالها بنبرة غريبة لاحظها كرار ولكنه لم يعلّق وذهب بالفعل لمكان لين
وعامر وما إن وصل بالقرب منهما حتى تجمّد تماما وهو يرمق رُسُل!
أغمض عينيه وفتحهما مرة أخرى ليجدها مازالت واقفة ولكنها لم تره
انتفض خافقه بقوة وهو يخطو تجاهها عندما لمحها تتحرك وقد تناسى كل
شيء عن عامر ولين والعرس ومن يراه ليقف أمامها قاطعا طريقها وهو
يهتف باسمها بشوق:"رُسُل!"
همسته وصلت قلبها مباشرة فاضطربت نبضاتها وتعثرت بشيء وهمي
لتسقط بين أحضانه مباشرة!
ازداد اضطرابها وهي تجده حقيقة وليس من وحي خيالها كما ظنّت لتهتف
"كرار! انت هنا فعلا!"
ازدادت ضمّته لها دون وعي وهو يقول:"هنا, وماراح اعوفك مره لخ
رُسُل"
تحرّكت بين ذراعيه لينتفض عامر من مقعده عندما لاحظ ما حدث وهو
يرى كرار يضم رُسُل فخطا إليهما وجذبها من حضنه ودون تفكير
لكمه بقوة فارتد رأس كرار للخلف وكاد يهجم عليه مرة أخرى صارخا
لتوقفه رُسُل وهي تقول:"لا يا عامر, ده.. أنا أعرفه"
"يعني ايه تعرفيه؟ مين ده؟!"
كان زيد وضي قد وصلا إليهم مع خولة ولين اللتين صدما مما حدث
فقاد زيد عامر لمكانه قبل أن يلتفت إليهم أحد من المدعويين.
"اهدا يا عامر, هذا اخوي كرار"
كان عامر مازال يمسك بيد رُسُل وهو يجرّها معه حتى جلس بمكانه
مرة أخرى وهو يقول:"اقعدي جنبي هنا, ومين ده تعرفيه منين؟!"
كادت تبكي من الموقف الذي وُضِعَت به ولكنها تماسكت وهي تقول:
"ده اخو زيد زوج خولة صديقتي"
"ايوة يعني يحضنك بتاع ايه؟ وانتي ازاي تسكتيله؟! ا.."
قاطعه صوت نور الذي يقول:"ايه اللي بيحصل هنا؟!"
ألقت رُسُل بنفسها بحضن والدها وهو استقبلها بحنان يربت على ظهرها
بقلق وهو يقول:"مالك يا رُسُل؟ حد ضايقك؟ حد عملك حاجة؟
فهّميني بس ايه اللي حصل وقّعتي قلبي"
تدخلت خولة:"ما صار شي عمو, بس رُسُل عاطفيه هواي"
ابتسم نور بمجاملة وهو يقودها مبتعدا عنهم يضمها بخوف وكأنه يخشى
أن تختفي من بين يديه مرة أخرى وهو بالكاد وجدها.
قاد ضي كرار مبتعدا عنهم وهو يجرّه جرّا وهو يقول:
"انت تخبلت (اتجننت) كرار؟ راح تسببلي نوبة قلبيه فد يوم من وره
شغلاتك الغريبه المندفعه واللي اصلن متليق بيج, شلون تشبك (تحضن)
البنيه كدام (امام) الخلق كله؟! اذا انته هيج تحبها ليش عفته تروح؟!"
"عوفني (اتركني) ضي, شلون انته تحجي عن الحب وانته سوّيت لبنت
عمك تكولي راح تتزوجها وانته تحبها! اذا اني مخبّل فاني مثل
اخويه الجبير"
زفر بقوة وهو يتركه قائلا:"اي احنا صدك اغبياء وحمقى مثل مكال زيد,
شلون فكرت لو لحظه اني اعوف نبأ تتزوج غيري حتى لو جان أخوي؟!
محافظتي على الأصول وحجي جدي هو خلاني مخبل اعوف حبيبتي
من وره شي تافه, لو صار جنت مت من القهر"
رمقه بضياع وهو يقول:"شسوي ضي؟ شلون اقرب منه بعد مجرحتها
هيج؟ شلون اباوع (انظر) بعيونه شلون اكلّه احبج واني تسببت بأذيتها
هوايه"
"لو عرفت شلون لكولتلك كرار, مبين راح نلجأ لزيد في النهاية,
بس راح يتشفى فينل هوايه هذا الغبي"
قالها عابسا فضحك كرار رغما عنه وهو يتخيل زيد وهو يعطيهما
دروسه الثمينة حتى يستطيعا أن يكسبا قلبا رُسُل ونبأ ويحوزا رضاهما .
****
دلفا إلى غرفتهما بالفندق بعدما انتهى الزفاف على خير وطوال الزفاف
كان يرمق كرار بغضب.. يشعر أن هناك شيء غير مفهوم بالأمر,
ورغم ذلك حمد الله أن جده لك يكن موجودا بالقاعة وقتما حدث ما حدث..
دمائه تفور كلما تذكّر مشهد كرار وهو يضم رُسُل وكأنها تخصه!
عقد حاجبيه وهو يتحاشى التفكير بما حدث حتى يركز على تلك المنكمشة
والمتوترة, كاد ينفجر ضاحكا وهو يقترب منها ببطء وهي تفرك كفيها
بتوتر وخجل حتى شعر أن الدمائ كلها تجمعت بوجهها ليبادرها عندما
وصل إليها:"وأخيرا!"
أجفلت ترفع رأسها حينما لاحظت أنه أصبح قريبا بخطورة وهي
تهمس:"نعم!"
"مش ياللا بقى"
قالها بعبث غامزا فرمقته بريبة وهي تقول:"ياللا ايه؟!"
"يعني النهاردة الفرح وانا وانتي لوحدينا, يبقى ياللا ايه؟ الحدق يفهم"
تبعها بغمزة اخرى لتنتفض واقفة وهي تهتف بحدة:
"انت قليل الأدب!"
أجفل وهو يقول بجدية مصطنعة:"قليل الأدب؟! عشان بقولك ياللا نصلي
بقيت قليل الأدب؟!"
ارتبكت فكاد يضحك وهي تقول:"لا.. أصلي.. طيب حاضر بس عايزة
أقلع"
"طب ومستعجلة ليه؟ اتقل تاخد حاجة نضيفة"
شهقت بعدم تصديق لينفجر ضاحكا وهو يقول:"روحي يا لين غيري
هدومك عشان نصلّي قبل ما يغمى عليكي وال حاجة"
لم يكد ينهي جملته حتى كانت تفر من أمامه لغرفة النوم وهي تغلق
الباب خلفها فوقف أمام الباب ويهتف بعبث:"واي مساعدة ماتتردديش
يعني انا في الخدمة, بس بلاش افتحلي السوستة والجو القديم ده..
اصلي ماليش ف السوستة"
"اتلم ياعامر!"
وصله صوتها زاجرا فضحك عاليا وهو يخلع سترته ويضعها على مقعد
جانبي وهو يفرك يديه هاتفا بعبث:
"احنا ليلتنا فل وال ايه؟!"
****
بعد ساعتين
"لين! افتحي يا مجنونة هتلمي علينا الناس!"
هتف عامر وهو لا يعلم أيضحك على ما تفعله أم يغضب منها!
"لا, انت قليل الأدب وانا هقول لبابا عليك"
لم يستطع تمالك نفسه:"انتي محسساني اني بتحرش بيكي, افتحي ياهبلة
ده انا جوزك, لو كنت مؤدب مكنش ابوكي جوّزك ليا!"
سمع ضحكتها الخافتة فابتسم وفكرة تومض بعقله فصمت فترة ليسمع
هتافها الخجول باسمه فابتسم بانتصار وهو يستلقي على الأريكة متظاهرا
بالنوم لتفتح الباب قلقة عندما مرّت فترة لم يرد يتحدث بها لتجده نائما
على الأريكة ففغرت فاها بصدمة وهي تقترب منه حتى وقفت بقربه
"انت سيبتني ونمت يا عامر؟! ليلتك مش فايتة!"
كان يكافح حتى يظل على تظاهره بالنوم ولا ينفجر ضاحكا حتى سمعها
تنوح:"يا ميلة بختك يا لين! بقى دي ليلة الفرح دي! قال وعاملي فيها
سبع رجالة في بعض ولو كنت مؤدب وبتاع"
لم يستطع الصمود أكثر فقفز وهو يمسك بها قائلا:"قفشتك!"
انتفضت وهمّت بالصراخ به ليضع يده كفه على فمها وهو يقول محذرا:
"بلاش فضايح يا لين, خلينا نقضي الليلة بكرامتنا"
"سيبني"
قالتها ما إن رفع كفه عن فمها فقال بعبث وهو يحملها للداخل:
"اسيبك ايه بس, لو سيبتك الليلة ابوكي مش هيسيبني بكره".
***
باتت ليلتها بحضن والدها وقد انتهى الزفاف ولم ترَ كرار مرة أخرى..
أغمضت عينيها وهي تستنشق رائحته بقوة, رائحة الأمان الذي افتقدته
طوال حياتها .
ضمّها بقوة وكأنه لازال لم يصدق أنها عادت إليه مرة أخرى بعد أن كاد
ييأس في الوصول إليها ويصدق ادّعاء تلك الحقيرة كارين.
برقت عيناه بقوة وهو يشدد احتضنها يهمس:"الحمد لله"
ابتسمت من بين دموعها التي سالت على وجنتيها وهي تفكر أن
والدها أيضا افتقدها مثلما افتقدته.. لقد أخبرها كل ماحدث له
منذ تركها بالروضة ذلك اليوم والذي لا تذكره من الأساس وحتى لحظته
هذه.. هل حقا تزوج وتوفيّت زوجته!
هل ظلّ دون زواج حتى وقتهم هذا؟! ظل يبحث عنها ويسافر إلى انجلترا
كل فترة فقط من أجلها؟!
ضمّت نفسها إليه بقوة وآخر ما ظهر لها قبل أن تغفو كان عينان داكنتان
تنظران لها بشوق لم تستطع تصديقه!
****
بعد يومين
"حبيبة بابا, هتفضلي نايمة لإمتى؟"
تسلل الصوت لعقلها ففتحت عينيها رويدا حتى قابلها وجه نور المبتسم
فابتسمت وهي تنهض مقبلة إياه على وجنته بحب ليضمها بقوة وهو
يهمس:"الحمد لله"
اتسعت ابتسامتها وهي تتبعه للخارج بعد أن اغتسلت وصلّت ثم جلسا
يتناولان الإفطار الذي أعدّه نور لتقول بعفوية:"ليه مش عايش مع جدو؟"
تصلّب جسده وتجهّمت ملامحه قبل أن يقول:"حبيت آخد راحتي لوحدي"
رمقته بحيرة من تجهّم ملامحه ثم قالت:"حبيت جدتي هديّة, طيبة كتير"
لانت ملامحه وهو يقول:"جدتك هدية هي أحلى حاجة حصلت لجدك"
وتابع بداخله: (وللأسف عمره ما قدّرها)
ابتسمت وهي تقول:"بتحبها مع انها مش مامتك!"
"جدتك هدية أكتر من مامتي, ولو ممكن تصدقيني هقولك اني بحبها اكتر
من مامتي.. استحملت كل حاجة عشاني انا ونورية واعتبرتنا ولادها
لأنها.. ربنا ما انعمش عليها بالخِلفة"
أومأت وهي تستشعر عدم راحته بالحديث عن جدها بقدر حديثه عن
زوجته ولم تفهم السبب قط!
"تعرفي خولة ازاي؟! اتفاجئت انها صاحبتك وان حسين ومحمد عارفينك"
ابتسمت ما إن ذكر صديقتها فقالت:"عرفتها صدفة بلندن واصبحنا اصدقاء,
تقريبا صديقتي الوحيدة من اربع سنين او اكتر.. مش فاكرة, حاسة اني
اعرفها من وقت طويل جدا"
"هي بنت جدعة ومرحة.. مجنونة شوية بس حبيتها"
"مجنونة كتير مش شوية, بس أحلى شيء فيها جنانها"
قالتها وهي تضحك فشاركها الضحك قبل أن يقاطعهما رنين جرس
الباب فابتسم قائلا:"اكيد عمتك نورية, كنت عارف انها هتجوّز ابنها عشان
تلزقلي انا"
ضحكت بخفة وهي تنهض لترتدي شيء يناسب الحجاب حتى تقابل عمها
أحمد والذي أحبته على الفور وشعرت بحبه وصداقته العميقة مع والدها.
****
لندن
"كيف تفعل شيئا كهذا جون؟! هل سلّمته ابنتي بهذه السهولة؟!
من أعطاك الحق بذلك؟ من أعطاك الحق بأي شيء يخص رُسُل؟!
هي ابنتي انا لا دخل لك بها على الإطلاق هل تفهم؟!"
قالتها كارين وهي تصرخ بجنون فقال ببرود:
"ابنتك؟! حقا لقد أمتعتيني كارين! منذ متى تذكرتِ أنها ابنتك؟!
ترى هل منذ ألقيتِ بها كشيء لا قيمة له؟ أم منذ قللتِ منها بكل مناسبة
لسبب أو بدون؟! أو ربما منذ اتهمتيها أنها تهتم بي بشكل خاص وتريد
أخذي منكِ؟!"
ارتدت للخلف بقوة وهي ترمقه بعدم تصديق ليقول بقسوة ربما للمرة الأولى
يستخدمها معها:"أجل كارين, أهلم جيدا عن ذلك اليوم الذي أردتِ فيه
وضعها بمدرسة داخلية وهي بالمرحلة الثانوية حتى تبتعد عن طريقي
لأنها تهتم بي بطريقة مختلفة كما ادّعيتِ.. لقد صُدٍمت وقتها حقا فلم أتخيل
أن يصل بكِ كرهها والذي لا أعلم سببه حتى لاتهامها بهذا الشيء الحقير"
ألجمها فلم تستطع الرد ولم ينتظر هو فتابع قائلا:
"حقا كارين لم أتخيل أن حقارتك تصل لهذا المستوى! تتهمين ابنتك
بإغوائي وأنتِ تعلمين جيدا أن أخلاقها لا خلاف عليها وأن حقدك فقط
هو ما يحرّكك تجاهها! لقد كادت تترك المنزل وتذهب للعيش مع عمر
صديقي ولكني لم أسمح لها.. لم أسمع لابنتي أن تترك منزلها من أجل
أنانيتك وحقدك الغريب"
صمت يلتقط أنفاسه وهو يقول:"ابنتك عادت لوالدها على الرغم من
كل الاحتياطات التي اتخذتيها كارين, لم أندم بيوم على شيء سوى
على إبعادي رُسُل عن والدها.. ولو كان بيدي لأعدت الزمن حتى أستطيع
أن أوصلها بنفسي لوالدها الذي كاد يموت كمدا عند القبر المزيّف الذي
ادّعيتِ أنه لها"
حرّك رأسه بعدم تصديق وهو يقول:"حقا لا أفهم كيف قمتِ بذلك؟!
كيف سوّلت لكِ نفسكِ أن تكتبي اسم ابنتك على قبر وهي مازالت على
قيد الحياة! لِمَ تكرهينها بهذا الشكل كارين أنا لا أفهم؟!"
صرخت بغل:"لأنها ابنة ذلك الحقير, ابنة من رمقني بازدراء واستهانة!
ابنة من أجبرني على تحملها بداخلي حتى آتِ بها له وقد كرهت كل لحظة
كانت بداخلي بها.. كما كرهته وكرهتها ولم أرد أن أنظر بوجهها حتى
أجبرتني أنت.. للحظة صدّقت أنها ابنتي, ابنتنا أنا وأنت جون ولكن لا..
هو أفسد كل شيء.. كان من المفترض أن تكون ابنتنا لا ابنة ذلك
العربي, لقد أهانني وقلّل مني وأجبرني لذا انتقمت منه"
رمقها بذهول يلمح وجها لم يصدّق أنه موجود, أم أنه كان يخدع
نفسه وكان هذا وجهها طوال الوقت؟!
لقد حاول أن يتجاهل كل نواقيس التحذير التي تدق برأسه ويصدّق أنها تفعل
كل هذا فقط لأنها تحبها وتريدها بجانبها ولكن حاجر الديانة يمنعها
ولكن باعترافها هذا شعر أنه على وشك قتلها حقا!
"حرمتِ طفلة من والدها ومن حياة سوية من أجل انتقامك التافه؟!
حرمتِ والد وحرقتِ قلبه على ابنته فقط من أجل محض انتقام فارغ؟!
لقد حطّمتِ البقية الباقية من حبي لكِ كارين.. لقد جعلتيني أشترك
بالجريمة وأنتِ تخبريني أي عائلة متخلفة يملكها نور.. كل ذلك من
أجل انتقام! يا إلهي .. يا إلهي!"
جلس على المقعد يحاول تمالك نفسه وهو يفكر كم كان أعمى القلب
والبصيرة! كم استغلته كارين وهو بكل غباء سمح لها بذلك.
"كم تشفّيت به وأنا أشاهده امام القبر المزيف يبكي ويرجوها أن تعود
قبل أن ينهض ويخبرهم أنه يشعر أنها على قيد الحياة.. الحقير الذي
حوّل حياتي للجحيم يريد أن ينتصر عليّ حتى بعدما أخبرته أنها ليست
ابنته لم يصدّقني بل ضحك عاليا ولم يهتم بما أقول"
تصلّب جسده وهو يرمقها بذهول قبل أن يتمتم:"ليست ابنته!"
نفض رأسه بقوة وهو يقول:"هل خنتِ نور كارين؟! خنتيه وأنتِ
امرأته وزوجته؟! حقا حقارتك لا نهاية لها"
صرخت به:"بل أنت الأحمق.. أنا لم أخنه أيها الغبي, فقط حاولت أن
أزيد بانتقامي له ولكنه لم يصدقني.. بل نظر لها وابتسم قائلا..
(مستحيل ألا تكون ابنتي, هي ابنتي وأنا أعلم ما تحاولينه جيدا)
كدت أقتله يومها ولكني خططت لكل شيء حتى أحرق قلبه عليها وقد فعلت
ولكنك أيها الغبي منحتها له بكل سهولة حطّمت كل ما فعلته بسنوات بلحظة
واحدة بلحظة ضعف غبية منك.. أنت.."
انتفض مقاطعا:"اصمتِ كارين حتى لا أقتلك, ولا تظني أنني أهتم لكِ مثقال
ذرة فقط من أجل أطفالي.. سننفصل بهدوء كارين ولكن أطفالي سيكونون
معي وإلا... ستذوقي مرارة الانتقام الحقيقي على كل ما فعلته بنا طوال
تلك السنوات" .
***
بعد أسبوعين
أسبوعين مرّا منذ رآها بالزفاف ولم يستطع رؤيتها مرة أخرى على
الرغم أن خولة تزورها يوميا مع زيد ولكن دوما يطلبه والده أو عمه
لفعل شيء حتى كاد يصرخ بجنون!
حتى ضي يلاحق نبأ التي لن تستسلم بسهولة كما يظن وتثير جنون
ضي كل يوم أكثر من اليوم الذي يسبقه وخاصة أن هناك من يطلبها
للزواج وكلما رفضوا أحدهم تقدّم آخر لخطبتها حتى يكاد ضي
يُجَن ويخطفها غير عابئا بعادات وتقاليد أو أي شيء اهتم به يوما.
زفر بقوة وهو يتوق لسماع صوتها, للتحديق بعينيها اللتين يثيران جنونه
بلونهما الغريب ونظراتها الخجولة..
يحبها! لا بل يعشقها وكم كان غبيا عندما استسلم لوساوسه ولحديث شقيقه
الغبي ضي وأن جدهم أمر بزواجه من نبأ!
هو لم يعترض من قبل لأنه لم يكن قد قابل رُسُل وقتها ووقع بحبها
بجنون كما حدث فيما بعد.. كما أنه لم يعلم أن شقيقه الغبي
يحب نبأ ويلقيها عليه بسهولة.. صدق زيد عندما نعتهما بالأغبياء!
لا.. لن يستسلم ويتركها تضيع من بيد يديه, سيذهب اليوم لمنزلها ويطلبها
من والدها ولن يقبل بالرفض جوابا .
***
فتح الباب ليجد والده أمامه، لم يندهش فقد كان
بانتظاره منذ عادت رُسُل إليه ولكن أن يأتي إليه إذا
هناك ما يريد قوله.. أشار له بالدخول وهو يقول:
"اتفضل يا حاج"
دلف للداخل وما إن أغلق نور باب المنزل حتى
استدار ليواجهه وهو يقول:"انا جايلك بكلمتين يانور
لو نفذتهم هترجع ابني حبيبي وبنتك هتفضل في
حضنك لآخر العمر ولو ماسمعتهومش وعارضتني
يبقى تنسى ان ليك اهل.. وهمنعك حتى عن نورية وهدية"
لم تتغير ملامحه وكأنه كان يتوقع ما قاله والده
فقال بجمود:"خير يا حاج؟"
"بنتك لازم تتجوز من عامر ابن عمتها"
رفع حاجبه وهو يقول:"عامر اللي لسه فرحه كان من أسبوعين؟!
طب ازاي؟ هيتجوز على مراته بعد أسبوعين وال هيطلقها؟!"
لوّح بيده بلامبالاة وهو يقول:"مهتفرقش معايا, المهم انها تكون على
ذمته.. ولو حصل هتفضل ابني وبنتك حفيدتي وهعترف بيها
قدام الكل"
ابتسم نور بسخرية وهو يقول:"ومين اللي قال لحضرتك اني مستني منك
حاجة؟! مين ال قال اني مستني تعترف بيها او لا! مع احترامي ليك
يا حاج انا مايهمنيش تعترف بيها او لا.. رُسُل بنتي وهتفضل بنتي
سواء اعترفت او لا"
اتقدت عينا والده وهو يقول:"يعني ايه الكلام ده؟!"
"يعني رُسُل مش هتتجوز واحد متجوز يا حاج, رُسُل بنتي أغلى
من انها تبقى زوجة تانية.. وبنات الناس مس لعبة في ايدينا يا حاج..
نجوزهم ولادنا وبعدين نهينهم بالطريقة دي, لين بنتي زي ما رُسُل
بنتي واللي ماقبلو على بنتي مش هقبله على بنات الناس"
"يعني بتعارضني تاني يا نور؟! لا مش تاني بس ده تاني وعاشر
خرجت عن طوع ابوك يا نور وبقيت تقف تناطحه كلمة بكلمة"
قالها بانفعال ليقول نور باحترام:
"ماعاش ولا كان اللي يناطحك يا حاج, لكن حق ربنا مافيهوش فصال..
وانا ماصدقت بنتي رجعلتي ولا يمكن اظلمها زي مانت ظلمتني زمان
ياحاج ولسه مصمم تظلمني بعد كل السنين دي"
همّ بالحديث لتدلف رُسُل مع نورية وأحمد ليقفوا جميعا وهم يرون
نور واقف أمام والده ينظر له بقوة.. لاحظ الجميع التوتر إلا رُسُل
التي ذهبت لجدها مبتهحة برؤيته وهي تأخذ يده وتقبّلها مثلما علّمها
عامر ثم استطالت على أطراف قدميها وهي تقبّل وجنته بحب قائلة:
"وحشتني جدا يا جدي, جدتي هدية جت معاك؟!"
"لا"
كلمة واحدة مقتضبة خرجت من فمه لتشعر أنها باردة, لا روح فيها
فتتسلل إليها البرودة وهي تلاحظ الجو المتوتر لأول مرة فحاولت
الحديث ولكنها لم تستطع فصمتت ترمقهم بعدم فهم ليجذبها والدها
إلى حضنه وهو يقول:"حبيبة بابا, اتمتعتي مع عمتو وعمو؟!"
ابتسمت وهي تقول:"كتير يا بابا, وجيبت هدية لعامر ولين"
"امم مفيش هدية لبابا حبيبك؟!"
قالها مشاكسا وهو يدلف للداخل مرافقا لها تاركا والده الذي رمق ظهره
مصدوما مع أحمد ونورية اللذين نظرا لبعضمها بهم ليقول أحمد:
"واقف ليه يا حاج اتفضل"
رمقه بنظرة باردة قبل أن يقول:"اعمل حسابك فرح عامر على رُسُل
بعد شهر بالكتير ولو ماحصلش.. ماشوفش وشه في الشركة تاني"
خرج تاركا إياهما يحاولان استيعاب ما قاله قبل أن يهتف أحمد:
"أبوكي مش ناوي يجيبها لبر يا نورية, الأول نور ودلوقتي عامر
وبعدها معاك يا عمي!"
نهاية الفصل

avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 6:19 pm


الفصل الثاني عشر قتلتني عيناها
جالسة على البحر أمام الشاليه الذي انتقلا إليه ليبدآ (شهر العسل) كما خطط
عامر تتلفت حولها بملل وبجانبها عامر مستلقيا مغمض العينين ..
"انا زهقانة!"
قالتها لين بملل فرمقها بغيظ وهو يقول:"مانتي اللي قولتي نخرج, كنت
محضرلك سهرة جنان لكن هقول ايه.. فصيلة"
زمّت شفتيها وهي تقول:
"كل سهراتك قليلة الادب يا عامر, وانا عايزة اخرج واشوف الناس"
لوى شفتيه قائلا:"يعني في شهر العسل هتكون سهراتنا عاملة ازاي؟ بكرة
ياختي نرجع وتشبعي من الناس ومش هتلحقي تشوفيني اصلا"
شعرت بضيقه على الرغم من عدم تصريحه فاقترب منه ثم قالت بمشاكسة:
"طب ما تياللا"
رمقها بعدم فهم:"ياللا ايه؟!"
"مش احنا في شهر العسل وانا وانت لوحدينا والشيطان تالتنا, ياللا بقى"
قالتها لين بمشاكسة وهي تغمزه فرمقها بذهول قبل أن يقول مصطنعا الجدية
والصدمة:"يالهوي عليكي يا لين يا بنت ام لين! انتي بتغرغري بيا
وبتجرجيني للرذيلة كده عيني عينك؟!"
همّت بالحديث وقد انتابها الخجل ليقاطعها وهو يحملها ويهرع للشاليه وهو
يقول:"والصراحة انا بموت في الرذيلة"
ضحكت بقوة وهو يلقيها على الأريكة بعدما دلف إلى الشاليه ثم قال:
"ايه يا لين ده؟ اسبوعين زدتي فيهم يجي عشرة كيلو قطمتي وسطي"
شهقت بقوة وفتحت شفتيها حتى توبخه ليسكتها بطريقته وهو يهمس لها:
"بهزر يا مجنونة".
***
"وبعدين يا نور هنعمل ايه مع عمي؟!"
قالها أحمد بهم ليقول نور:"هنعمل ايه في ايه؟!"
رمقه بعد تصديق قائلا:"يابني انت ماسمعتش اللي قولتلك عليه من شوية؟!
بقولك عمي قاللي لو عامر ماتجوزش رُسُل بعد شهر هيهد كل اللي عمله
عامر السنين اللي فاتت, انت عارف عامر تعب اد ايه في الشركة دي لحد
ما بقت كده انا مش فارق معايا عندي ارضي زي مانت عارف وتقريبا
ماليش لازمة ف الشركة بس عامر...."
قاطعه نور بصرامة:"إيّاك يا أحمد تفكر انك تضحي بسعادة عامر ومراته
عشان ابويا, انت اكتر واحد عارف انا عانيت معاه ازاي لكن خلاص..
لما يجي لحد ولادي يبقى لازم يقف عند حده"
"يا نور افهمني انا اكيد مش موافق على اللي هو بيقوله لكن مستقبل
عامر.."
"مستقبل عامر عامر هو اللي يحدده مش انت ولا انا ولا ابويا.. عامر هو
اللي لازم يقف لجده, الشركة دي من حق عامر مش من حق ابويا ولا
حتى انا, وإن كان ابويا هيضغط عليه بالشغل فانا متأكد انه مجرد ضغط
عشان عامر ينفّذ اللي عايزه, لكن متأكد برضه ان لو عامر ساب الشركة
هتقع وده ابويا عمره ما هيسيبه يحصل"
زفر أحمد بضيق وهو يقول:"بس يا نور انت عارف ان عمي عنيد اوي
ولو قفلت معاه هيهد كل حاجة"
رمقه نور بغموض قبل أن يقول:"وشركتي وأرضك راحوا فين يا أحمد؟
عامر اي شركة في الدنيا تتمناه, شاب مجتهد اي حاجة بيلسمها بتتحول
لذهب وابويا هو اللي هيكون خسران لو خسره.. اللعبة في ايد عامر دلوقتي
كان ممكن اقولك خلّي عامر يقوله موافق ونرفض احنا لكن انا عارف ان
ابويا مش هيسكت وهيعمل اللي في دماغه برضه.. جه الوقت اللي نسيب
فيه المسايسة معاه لانها مش هتفيدنا بحاجة"
صمت للحظات قبل أن تظلم عيناه وهو يقول:"جه الوقت اللي نقف قدامه
كلنا ونواجهه.. يا اما هيفضل يدمّر حياتنا كلنا واحد ورا التاني وده انا مش
هسمح بيه مهما حصل".
***
وصمها بعشقه فأسرها فهل تستطيع الفكاك؟!
كانت واقفة بالمطبخ تعد أكلة والدها المفضّلة والتي تصاف أن تكون أكلتها
المفضلة أيضا وهي تشعر بالسعادة لأن عودة عامر ولين باتت قريبة..
عامر الأخ الأكبر الذي تمنته دوما على الرغم أنها يماثلها عمرا إلا أنها
تشعر أنه أكبر منها.. ربما لشعور الحماية الذي يغدقه عليها, خفة دمه التي
جعلته قريبا منها وشعوره الأخوي الظاهر بكل خلجة من خلجاته وكأنه كان
يبحث عنها هو أيضا ويفتقد الشعور بالأخوة.
تنهيدة طويلة خرجت منها والذكرى التي تحاول تحاشيها منذ زفاف عامر
ولين تهاجمها الآن بقوة.. كرار!
عاد ليستولى على أفكارها ومشاعرها مرة أخرى.. سخرت من نفسها وهي
تفكر وهل نسيته حتى يعود؟!
لقد وُصِمت بعشقه ولم تستطع أن تنساه طوال الفترة السابقة وحتى لحظتها
هذه.. حتى بعدما علمت أنه لن يتزوج ب نبأ وربما كانت تعلم من البداية أن
نبأ لن توافق عليه لأنها تحب ضي, الغبي الآخر.
زمّت شفتيها وهي تشعر بالغضب منه, لقد كان على استعداد أن يتخلى عنها
بكل سهولة ولم يحاول حتى أن يشرح لها موقفه, لم يحاول أن يتحدث مع
نبأ, لم يحاول أن يجد حلّا للأمر أبدا فلِمَ عاد الآن؟!
وبّخت نفسها.. لم يعد من أجلك رُسُل فلا تعيشي الحلم بمفردك مرة أخرى
حتى لا تستيقظي على كسر قلبك للأبد هذه المرة, لقد جاء ولم يعلم أنكِ
بالزفاف من الأساس!
رد فعله لرؤيتها جعل نبضات قلبها تدوي كالرعد بأذنها لتأخذ نفسا طويلا
وهي تقلّب الطعام ثم تغلق الغاز وهي تسمع صوت خطوات والدها التي
اقتربت منها فخرجت لاستقباله وهي تبتسم لتتجمد الابتسامة على شفتيها
وتتجمد هي كليا وهي ترى من يصاحب والدها!
"كرار!"
همسة خافتة خرجت من بين شفتيها لتصل لقلبه مباشرة فيرفع رأسه لتتقابل
عيناهما وتختبس أنفاسهما.. اتساع عينيه ولمعتها الغريبة جعلتها تنتبه أنها
بملابس المنزل ودون حجاب فوضعت يدها على شعرها وهي تشهق
بخفوت وتهرع للداخل مرة أخرى فيما تنفّس هو بصعوبة وهو يشيح بوجهه
عن مكان دخولها رغما عنه ويقبض كفيه بقوة وهو يسمع والدها يضحك
بخفوت ثم يقول مراضيا لها:"اعملك ايه طيب؟ مادتنيش الفرصة أقولك ان
فيه حد معايا.. معلش حبيبتي حصل خير"
لم يسمع ما قالته وسط ارتباكه مما حدث وهو يسأل نفسه كيف سيصلح
خطأه بحقها؟!
هل يتحدث معها أولا أم يطلبها من والدها مباشرة؟!
لم يمهله القدر الفرصة فقد فاجأه نور بقوله بعدما عاد:
"ماتقعد يا كرار انت محتاج عزومة؟!"
جلس بعد راحة وهو يحاول أن يجد طريقة لفتح أمر الزواج من رُسُل
ليسمع نور يقول:"الحقيقة أن كنت كلمت حسين على موضوع وهو قالي
انم تفيدني اكتر منه بالموضوع ده"
رفع رأسه متسائلا:"خير عمي؟"
"الحقيقة فيه واحد متقدم ل رُسُل وكنت محتاجك تقولي كل ال تعرفه عنه"
ارتد للخلف بقوة وهو يقول:"شكو؟! (ماذا)"
عقد نور حاجبيه وهو يقول:"مالك يابني فيه حاجة؟!"
تنفّس بحدّة وهو يشير بيده غير قادر على الحديث ليكمل نور متجاهلا ما
يحدث:"حسين والدك قالي انك تعرفه وانك انت اللي هتفيدني وتقولي انه
انسان كويس او لا"
"منو هو؟ منو تقدم لبنتك؟!"
"اسمه علي, هو يبقى ابن خال لين مرات عامر.. وابن خالك أظن صح؟"
أومأ دون حديث وهو يشعر بالنيران تلتهم مشاعره بلا رحمة ليكمل نور:
"ايه رأيك فيه؟!"
"زين هي قبلت بيه؟!"
"لا.. لسه ماقولتلهاش الحقيقة, قولت اشوف الأول نظامه ايه وبعدين اقولها"
صمت للحظات وهو يتنهد قائلا:"بيني وبينك لو عليا اقعدها جنبي من غير
جواز, ماصدّقت انها رجعتلي.. بس أكيد مش هحرمها انها تعيش مع
واحد بيحبها ويقدّرها وابقى اناني"
هتف داخله.. ( أجل, كن أنانيا واحفظها من أجلي)
موقفه أصبح بغاية الصعوبة.. لن يستطيع التقدم لخطبتها حاليا.. بل
والأدهى من ذلك أنه مطالب أن يقدّم معلومات عن ذلك الرجل
الذي كان يحبه يوما!
صرّ على أسنانه بقوة وهو يفكر.. متى رآها حتى يطلب يدها للزواج لا
يفهم؟!
هل يكذب؟! هل يغش ويقول أشياء ليست صحيحة عنه؟!
لا ليس من شيمه الغش والخداع سيجبر نفسه على قول الحقيقة كاملة
ويراهن على حب رُسُل له ولكن....
هل يستطيع المراهنة حقا؟!
***
حائرة هي بين قلبها وعقلها..
عقلها يخبرها أنه فرّط بها بكل سهولة وألقاها ككم غير مرغوب به لشقيقه
على الرغم من مشاعره تجاهها والتي تعلم بوجودها جيدا..
وقلبها يخبرها أنه كان محكوما بعادات وتقاليد تعلم جيدا مدى تمسّكه بها,
تعلم أنه دوما يفضّل المصلحة العامة على خاصته ولكن...
وهذه ال لكن يجادل بها عقلها ذاك القلب الغبي المدلّه بحبه..
ولكن ماذا لو تخلّى عنها مرة أخرى؟! ماذا لو ألقاها مرة أخرى بمواجهة
أخرى؟! فالحياة مليئة بالمواجهات فهل كل مرة سيتركها حرصا على أشياء
أخرى؟!
زفرت بقوة وهي تنهض من مكانها المفضل الذي تهرب له حتى لا تقابله
بالعمل فقد طلبت من عمها أن يعفيها من التواجد مع ضي ووافق ..
ابتسمت بحب وهي تفكر أن والدها وعمها قلّما تجد مثلهما وهي محظوظة
حقا بوجودهما حولها.
"نبأ"
تصلّب جسدها برفض وهي تسمع صوته قريب, متى وصل عندها؟!
وكيف لم تسمع صوت خطواته؟! هل كانت شاردة لهذا الحد؟
"نبأ, ليش تنهزمين مني؟ (تهربين)"
سألها وهو يقف أمامها يمنعها من المضي بطريقها لترمقه وهي رافعة
حاجبيها بتحدي:"وليش انهزم منك يا ابن عمي؟!"
لم يعجبه ردها وطريقة وقفتها المتحفزة.. أين نبأ القطة الصغيرة التي
تلاحقه طوال الوقت؟! هل فقد حبها بغبائه؟!
اقترب خطوة أخرى وهو يقول:"يمكن لان تخافين من مشاعرك إلي!"
صرّ على أسنانه وهو يوبّخ نفسه.. ما هذه الحماقة التي أتفوه بها؟!
هي تكاد تحرقني حيا وأنا أحدثها عن مشاعرها بدلا من أن أحدثها
عن مشاعري؟!
زفر بخفوت وهو يسمع ردها..
"انت تتقشمر (تمزح) وياي ضي؟! يا مشاعر هاي الي تتكلم عنها؟!"
همّ بالحديث ليعدّل ما قاله من حمق ولكنها لم تعطه الفرصة أبدا بل بادرت
بالهجوم كعادتها وهي تبتسم بسخرية أخرجت شياطينه..
"لا.. لا تكول انت تحجي عن مشاعر من جنت مراهقه حمقاء!
من جنت امشي وراك بكل مكان مثل الغبية, لو من جنت ألصق بيج مثل
العلقة! اصح يا ابن عمي.. هاي أيام وسنين راحت وهسّه صرت امرأة
جبيرة والرياجيل همه يركضون حتى يحصلون مني نظره واحده وبس..
ولا يحصلون عليها أصلن.. هسّه سمعتني ضي؟!
لا يحصلون عليها أبدا"
أنهت كلماتها القاتلة وغادرت تاركة إياه ينظر بإثرها فاغرا فاه وهو يتساءل
أين ابنة عمه الصغيرة التي وُلِدَت على يديه؟! أين التي كان يحملها على
ظهره ويخرج ليحضر لها الحلوى وتهديه هي قبلة على وجنته فرحة
بدلاله؟!
أين من اعتزلها بعدما بدأت مشاعره تتغير تجاهها حتى لا يجرحها بنظرة
ربما تفلت منه؟!
زفر بقوة وهو يشعر أنه يفقدها ولا يعلم كيف يعيدها إليه؟!
كيف يجعلها تثق به من جديد وهو كفيل أن يعيد إحياء حبه داخل قلبها
مرة أخرى .
****
"اشتاقلتيج هوايه"
انتفضت عندما شعرت بذراعين تحيطان خصرها ليسكن جسدها فيما تتقافز
نبضاتها حالما سمعت صوته يخبرها اشتياقه.. استدارت بين ذراعيه تقابله
بخجل وهي تحيط عنقه بذراعيها برقة وهي تقول:
"واني هم (أيضا) اشتقتلك هوايه زيد"
أغمض عينيه قبل أن يفعل شيئا متهورا يخيفها فحضنه هو الشيء الآمن
حتى الآن رغم مرور شهور على عقد قرانهما..
"شوكت نحدد موعد العرس خولة؟! هوايه تعبت من هذا الانتظار القاتل,
وكلشي جاهز لاستقبالك واولهم كلبي (قلبي) هذا الغركان (الغرقان)
بعشقك"
تصلّبت رغما عنها بين ذراعيه وهي تشعر بالتوتر يعود إليها كلما جاء
على ذكر الزفاف وشهر هو بتصلبها ولكنه لم يعلّق بل تظاهر بعدم
الملاحظة وهو يرمقها منتظرا جوابها ..
ازدردت ريقها بتوتر وهي تقول:"مو بعد وكت على العرس زيد؟
خلي ننتظر شويه بلكي نتزوج ويهم كلهم.. شنو رأيك؟!"
صمت للحظات ولا يظهر على وجهه أي مشاعر ثم قال:
"وجم عليّ الانتظار خولة؟ شهر! شهرين! او يمكن سنين!
ليش تربطين عرسنا ويهم؟!"
ثم تركها ببطء وهو يتابع:"يجوز انتي متريدين العرس اصلن!
كولي خولة انتي غيرتي رأيج بالزواج مني؟!"
حرّكت رأسها برفض وهي تقول:"لا زيد شلون تكول هذا؟ اني بس...
مو مستعده للعرس هسّه"
"لعد شوكت تكونين مستعده؟ انطيني موعد, لن انتظرك للأبد خولة"
ارتبكت ولم تستطع الإجابة وهو انتظر.. انتظر طويلا إذا أردنا الدقة..
سنوات انتظرها حتى تتخلى عن وساوسها ولكن حتى بعد عقد القران
لازالت تشك به!
لم ينبس ببنت شِفة بل غادر بهدوء كما حضر وتركها تنظر بإثره
بحزن لا تعلم ماذا تفعل! دلفت لداخل المنزل متجهة لغرفتها مباشرة
لتهرب بالنوم كعادتها كلما شعرت بالحزن أو التوتر.
***
تستلقي على الفراش تفكر بذهول.. هل كان بمنزلها حقا ومع والدها أم أنها
تهذي من شدة اشتياقها إليه؟!
لم تخرج مرة أخرى بل ظلّت بالمطبخ تعد أطباق الطعام حتى يأكلا
فوالدها بالطبع قد أصرّ عليه للبقاء وهي تريد فقط الهرب..
لا تريد رؤيته مرة أخرى فرؤيته تضعفها.. حمدت الله أن والدها لم يصر
عليها أن تتناول معهما الطعام بس أخبرها أنه سيأكل قليلا حتى يستطيع
الأكل معها مرة أخرى.. وقد فعل.
ابتسمت بحب وهي تسمع خطوات نور المقتربة من الغرفة, لقد تعمّدت أن
تذهب للغرفة الأخرى المخصصة لها حتى ترى هل سيأتي للنوم بجوارها
أم لا ولكنه لم يخيب أملها جاء على الفور.
طرقة خافتة تبعها سماحها له بالدخول قبل أن يدلف إلى الغرفة وهو
عابس ويقول:"انتي نايمة هنا ليه؟!"
عقدت حاجبيها متظاهرة بالتفكير وهي تقول:"وهنام فين؟!"
"جنبي زي كل يوم"
قالها بتذمّر لتبتسم بعتذار وهي تقول:"خفت تكون متضايق مني"
هتف بدهشة:"متضايق؟! وايه اللي هيضايقني! انا اللي طلبت منك تنامي
معايا"
تهدج صوته وهو يتابع:"عايز اعوّض الايام اللي بعدتيها عني فيها يا رُسُل"
لم تستطع التظاهر أكثر أمام نبرة صوته فنهضت على الفور متجهة
إليه تضمه بقوة وهي تقول:"أمزح معك أبي, أعتذر منك"
لاحظ عودتها للإنجليزية كلما ارتبكت أو انفعلت فتألّم رغما عنه للتشتت
الذي عاشته ولازالت تعيشه.. ولكن ماذا بيده أن يفعل؟!
لو كان بيده إعادة الحياة للخلف لفعل ولكن للأسف لا يملك من أمره شيئا
إلا الدعاء على من كانت السبب بافتراقهما عن بعضهما.
ضمها بقوة وهو يقول:"عارف ياقلب بابا.. عارف"
ثم أبعدها عنه قائلا بمشاكسة:"وعارف كمان انك كنتي بتختبريني,
ها نجحت بالاختبار؟!"
ضحكت بقوة وهي تشعر أنه عاد شابا صغيرا وكام كانت تتمنى لو كانت
معه طوال حياتها!
نفضت رأسها بقوة ثم قالت غامزة إياه بمرح:"نجحت بتفوق"
جذبها للفراش وهو يقول:"ياللا خلينا ننام لاحسن انا هلكان وبكرة
هيجي عامر ولين والبيت هيبقى هيصة ومش هرتاح برضه"
تساءلت وهي تندس بين ذراعي والدها كطفل صغير مشتاق لحكاياه
"يعني ايه هيصة؟!"
ضحك بقوة وهو يقول:"يعني.. اممم مش عارف تصدقي, بمعنى ضوضاء"
ابتسمت وهي ترى ضحكته النابعة من أعماق قلبه ليرق قلبها له.
عادت تندس بين ذراعيه ليتصلّب جسدها بين ذراعيه حالما قال:
"فيه عريس متقدملك"
لم تستطع النطق لوهلة قبل أن تندس أكثر بحضنه قائلا:
"لا"
ضحك بخفوت وهو يقول:"لا ايه؟ انا لسه قولت حاجة!"
"مش موافقة, مش هتجوز"
أبعدها عنه ببطء وهو يقول:"ليه يا رُسُل؟ وبعدين مش تعرفي هو مين
الأول يمكن لما تعرفي تغيري رأيك"
أشاحت بوجهها عنه قائلة:"مش مهم يكون مين, انا مش هتجوز واسيبك
بابا"
ابتسم بحنو وهو يقول:"بس مش هتفضلي طول عمرك كده حبيبتي! يمكن
قدرنا الفراق ولو ان الفراق بجوازك هيكون له طعم تاني خالص.. خاصة
لما تجيبيلي نونو صغير حلو كده أمارس عليه سلطاتي كجد"
ابتسمت له ابتسامة ممتزجة بحزن ظهر بعينيها الشفافتين:"مش هسيبك
تاني"
"ومين قال اني هسيبك, هو شغله بمصر وهشترط عليه تقعدي جنبي لو
وافقتي طبعا"
عقدت حاجبيها تفكر.. لا يبدو أن يتحدث عن كرار!
نغزة ألم بقلبها جعلتها تغمض عينيها تتخيل نفسها لسواه فلم تستطع..
إذا لِمَ جاء إذا لم يكن لخطبتها؟!
"هو مين؟!"
"علي ابن خال لين فاكراه؟ اللي كان في فرحها وقعد يتكلم معاكي, أتاريه
معجب وانا اللي فاكره بيتكلم معاكي عادي.. نمس الواد ده"
همّت بالحديث فضحك بمرح وهو يقول:"وماتقوليش يعني ايه نمس لاني
مش هعرف اشرحلك"
ضحكت تجاريه بمرحه وهي تشعر بسعادته في لعب دور الأب بعدما حُرِمَ
من الكلمة سنوات طويلة..
"بابا, حابة اسألك سؤال ممكن؟!"
غمزها قائلا:"هو بعد هابة أسألك أقدر اقولك لا, انا متأكد ان لهجتك المدّلعة
اللي جابت الواد الأرض"
ابتسمت بخجل وهي تغمض عينيها فتعالت ضحكته وهو يقبّلها على جبهتها
ثم يقول:"قولي ياحبيبتي عايزة تسألي ايه؟"
رمقته بتردد قبل أن تقول:"ليه مش اتجوزت تاني؟!"
رمقها للحظات قبل أن يقول بنبرة عادية:"قصدك تالت!"
أومأت فتابع:"الحقيقة جزء مني حس اني منحوس.. يعني اتجوز واطلق
واتفرّق عن بنتي سنين وافقد الذاكرة واتجوز تاني واحدة متأكد اني عمري
مهلاقي زيها وبرضه اتفّرق عنها بس المرة دي بالموت.. ويوم موتها
ترجعلي الذاكرة واعرف ان عندي بنت.. اسافر ادور عليها الاقي قبرها
مستنيني.. متخيلة الصدمة؟!"
سالت دموعها وهي تسمع ما حدث منه تراقبه يحاول أن يبدي عدم الاهتمام
واللامبالاة على صوته ولكن نبرته تفضحه رغما عنه..
"ورغم صدمتي كان جزء مني متأكد انها عايشة لسه.. الجزء ده اللي
خلاني اقول مش هظلم واحدة معايا تاني, انا هعيش عشان الاقي بنتي
وبس.. والجزء التاني كان بيقولي عادي اتجوز ولاقي بنتك بس كنت
خايف.."
زفر بقوة وهو يكرر:"أيوة خايف.. خايف اني اتجوز واخسر مراتي لتالت
مرة باختلاف الطريقة.. او أخسر بنتي وده اللي مكنتش هقدر أتحمله أبدا,
اني اخسر زوجة حتى لو بحبها جدا اهون عليا اني اخسر بنتي اللي حتة
مني ورغم الألم اللي عانيته بعد موت حنان وطفلي إلا انه مكنش يقارن
بالالم اللي كنت بحسه كل مرة ارجع من انجلترا من غيرك"
صمت للحظات يتمالك مشاعره قبل أن يقول ببعض المرح:
"والجزء الأخير بقى كان عِند في جدك الحقيقة, مكنش فيه مرة يشوفني
غير لما يقولي اتجوز.. مفيش مرة قالي انت عامل ايه؟ لقيتها او لا..."
قطع حديثه وهو يرفع رأسه بحدّة خشية أن يكون جرحها بالحديث ليجدها
تبتسم وهي تقول بالانجليزية حتى تستطيع التعبير أكثر:"أعلم أن جدي لم
يكن يريدني أبي, هو لم يتقبلني على لرغم أنه لم يرفضني كذلك ولكن ربما
لم يكن يريد التعلق بس مثلك خشية أن أكون قد مت حقا.. أو ربما يحبك
كثيرا فلم يكن يريدك أن تعذّب نفسك.. هناك الكثير من التفسيرات لكن
أحدها بالتأكيد لديك أبي.. تعلقك بي يشبه تعلق جدي ب المرأة التي أشبهها
وهذا جعله يخشى عليك كثيرا فأرادك أن تفقد الأمل بإيجادي.. أرادك أن
تعيش حياة كباقي البشر مع زوجة وأبناء آخرين بدلا من التعلق بوهم ربما
هو محض سراب.. ألم تفكر يوما من هي المرأة التي أشبهها؟! أعلم أنها
جدتي رحمها الله ولكن.. من هي بالنسبة لجدي؟!"
رمقها بصدمة لتبتسم له بحنو وهي تقول:"كفى كلاما أبي هيّا للنوم حتى
نكون مستعدين لصخب عامر وزوجته" .
ولم تزد كلمة أخرى وقد غرقت بالنوم بين ذراعيه وتركته يفكر..
هل حقا هذا هو السبب؟! هل مازال محمد العدوي أسيرا للمرأة التي رفضته؟!
عاشقا للمرأة التي اشتقّ اسمه وشقيقته من اسمها؟!
هل مازال بعد كل هذه السنوات وبعد موت نوّارة يحن إليها؟!
ومضات بعقله لمواقف ونظرات صعقته وجعلته رغما عنه يشفق على
والده.. الإنسان الصلد لديه نقطة ضعف كباقي البشر!
فهل ينكئ الشبه بين رُسُل ونوّارة جرح والده الذي يبدو أنه مازال ينزف
حتى هذه اللحظة؟!
****
هرعت خلفه ما إن لمحته يغادر صباحا وهي تهتف:
"زيد, اسمعني من فضلك"
"خولة, اتأخرت على الشغل"
قالها بجفاء يعاملها به منذ رفضت تحديد موعدا للزفاف وهي لم تحتمل
جفاءه ولو ليلة واحدة.. لم تستطع النوم وهو غاضب منها.. لِمَ لا يفهمها؟!
"فد دقيقة زيد ماراح اخّرك عن شغلك, ليش تعاملني بهاي الطريقة؟"
وقف للحظات قبل أن يستدير لها ببطء وهو يقول:
"جرحتك طريقتي خولة؟! زين"
اتسعت عيناها غير مصدقة أن الماثل أمامها هو نفسه زيد الذي دللها
طويلا حتى اعتادت الدلال.. أم أنه أفسدها دلالا كما قال نبأ!
غادر دون أن يلقي عليها نظرة واحدة فأغمضت عينيها ودمعة تفلت من
بين جفنيها المنطبقين تلاها الكثير بعدها لتجهش ببكاء حار حتى جلست
على الأرض مكانها لتتلقفها ذراعي والدتها التي رأت ما حدث وعلمت أن
ابنتها قد أفسدت ما بينها وبين زيد مرة أخرى بغبائها..
ألا يكفيها عناد نبأ حتى تتعامل مع غباء خولة؟!
****
"نبأ, أريد أحجي وياج شويه"
كادت تهتف بوجهها رافضة إلا أنها لمحت ضي يقترب فالتفتت له وهي
تبتسم برقة قائلة:"تعال وياي نروح نتغدى.. راح تجي؟!"
أومأ بحماس ليخرجا سويا تحت أنظار ضي التي كادت تحرقهما معا.
بعد انتهاء فترة استراحة الغداء عادت لعملها لتجده بمكتبها ينتظرها
كادت تفلت منها ابتسامة وهي تفكر.. يسهل توقع خطواتك ضي الغبي!
"شنو راد منج؟" (ماذا كان يريد)
رمقته ببرود قائلة:"منو؟"
"أيمن, هذا الي رحتي وياه على الغدا"
"شنو دخلك انت ضي؟"
اتسعت عيناه بقوة وهو يهتف من بين أسنانه:
"لا تختبرين صبري نبأ.. تره اني ما املك الا شويه, كولي شراد منج؟"
ابتسمت بسخرية سرعان ما اتسعت لتصبح ضحكة ساخرة وهي تقول:
"انته متعبت من لعب دور الاخ الجبير ضي؟ لان اني تعبت وراح اكولك
مرة لخ (أخرى) انت شعليك مني (ليس لك علاقة بي).. ولا إلك علاقه
بي"
"لا نبأ, هاي المرة ماراح العب دور الاخ الجبير, بل خطيبك وقريبا
زوجك"
أجابته ببرود:"كلت ضي بس بأحلامك راح يصير, بأحلامك وبس"
ابتسم بوقاحة قائلا بنبرة ذات مغزى جعلت الاحمرار يطغي على ملامحها
المتحدية:"متدرين شنو احلامي وتخيلي بيج نبأ, وما راح اكولك شي عنه
الا بس من تصيرين ببيتي وحلالي حتى لا تكولين علي ارعن (وقح)
يا... طفلتي" .
****
دلف إلى المنزل بصخبه المعتاد ترافقه لين ليجد الجميع بانتظاره..
والديه وخاله ورُسُل ..
ضمهم جميعا حتى وصل أمام رُسُل قائلا:"هنسلّم بس بدل ما تقتل مرتين"
ضحكت بمرح وهي تقول:"بلاش السلام حقنا للدماء"
ضحك بقوة وهو يقول:"أقسم بالله الواد عنده حق يقع من اول نظرة ..
بس في حالتك دي من أول كلمة.. هقنا للدماء! ده احنا هنشوف انبهارات"
زمّت شفتيها بحنق مصطنع ليضحك مرة أخرى وهو يقول:
"معرفتش ارّحب بيكي يوم جوازي بس اللي اقدر اقوله, ان فرحي اكتمل
بوجودك رُسُل.. كان نفسي يبقى ليا أخت ومن وقت ماعرفت عنك وانا
بتمنى اليوم اللي اشوفك فيه.. جيتي متأخر شوية. لا هو الحقيقة جيتي
متأخر كتير بس مش مهم.. قدامنا العمر كله نعوّض فيه"
ابتسمت له بحب أخوي وهي تقول:"انا فرحانة كتير عامر ان الله رزقني
بأخ مثلك"
ابتسم مرة أخرى وهو يقول بمرح:"والله انا اللي فرهان كتير ان ربنا
رزقني بأخت انترناشونال ماشاء الله مدخّلة كل اللهجات في بعض,
انا بقول اتكلمي انجليزي هفهمك اسهل"
"عامر!"
زجرته فضحك مرة أخرى قائلا:"انتي متخيلة لما تقوليلي آمر بالطريقة
دي هسمع الكلام واسكت؟! ده انا هتكلم اكتر عشان اسمع اسمي بالطريقة
العسل دي.. اه لو مكنتش لين بس كنت آ...."
قاطعته لين وهي تمسك بأذنه بمرح قائلة:"نعم يا سي عامر؟! لو مكنتش
موجودة كنت عملت ايه؟!"
ضحكت رُسُل بقوة وهي تفهم كلمة والدها عن الصخب الذي يرافق
وجودهما والذي أحبته حقا وتمتعت به.
"لا أبدا ياروحي انا اقصد يعني لو مكنتيش موجودة كنت هبقى متضايق
جدا ومكنتش هقدر اضحك واهزر كده زي دلوقتي"
قالها عامر وهو يخلّص أذنه من بين يديها متمتما بحنق:"واضح ان ستات
مصر كلهم معجبين بوداني.. امي تمسكني من وداني, حتى لين...
ياربي اعمل ايه بس اخلع وداني خالص"
لم تستطع التوقف عن الضحك قبل أن تختفي ضحكاتها وهي تسمع والدها
يرحّب ب كرار!
***
لم يستطع التأخر أكثر من هذا فذهب لموعده مع نور حتى يمنحه
المعلومات التي طلبها منه عن ابن خاله..
وكأن الله ينتقم منه على ما فعله ب رُسُل ويجعله يراها تفكر ب ابن خاله
وهو من يمدح به.. فهو حقا جيد بل أكثر من جيد ولن يستطيع الكذب
أو الغش فيما يتعلق به.. فقط يتمنى لو الرفض يأتي من رُسُل حتى
يبادر هو للتقدم لخطبتها.
طرق الباب فخرج له نور وأدخله مرحبا به ليجد المنزل مليء بالبشر
ولكن عيناه انجذبتا فقط لها!
من وصمت قلبه بعشقها منذ النظرة الأولى فقتلته بل صرعته بعشقها.
"اهلا يا كرار اتفضل"
قالها أحمد الذي لاحظ نظراته المنصبة على رُسُل فغضّ بصره على الفور
وأذنيه تحمرّان بحرج وهو يدلف للغرفة التي أشار لها نور..
دخلت لين وهي ترحب به:"شلونك كرار وشلون صارت خالتي؟"
"بخير لين, حمد لله على السلامة انتي وزوجك"
أجابها وهو يلاحظ نظرات عامر المسلطة عليه ليجيبه عامر باقتضاب:
"الله يسلمك شكرا"
"ها يا كرار يابني جيبت المعلومات اللي قولتلك عليها؟!"
قالها نور بابتسامة فأومأ كرار وهو يقول:"اي تفضل راح تلكيه بالملف
اهنا مثل ما كلتلك"
ابتسم نور قائلا:"ملف كمان! يابني هم كلمتين وانا واثق بيك وبكلمتك"
ازدرد ريقه بتوتر ليتدخل عامر قائلا:"خير يا خالي, انا مش فاهم حاجة"
"ابن خال كرار متقدم ل رُسُل, شافها في الفرح واتقدملها وكنت طلبت منه
معلومات عنه لانه صاحبه"
قال نور ليعقد عامر حاجبيه وهو يقول:"مين ده؟! اسمه ايه؟"
"علي"
أجابه كرار وهو يلمح بوادر ضيق استحال لرفض وهو يهب منتفضا
وهو يقول:"علي!"
نظر ل لين وهو يقول:"مش ده ابن خالك اللي كان عايز يتجوزك؟!"
أومأت لين بوجل ليتابع عامر:"هو ماله الأخ؟! شوية لين.. شوية رُسُل
لا معلش قوله شطبنا.. معندناش بنات للجواز"
كاد كرار يزفر براحة لموقف عامر لتتوقف أنفاسه بحلقه وعامر يقول:
"عصام صاحبي اتقدم كمان ل رُسُل وأظن هو افضل من سي علي ده,
على الاقل هتقعد جنبنا هنا بمصر وال ايه يا خالي؟!"
نهاية الفصل
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 6:20 pm

الفصل الثالث عشر قتلتني عيناها
قالوا قديما (الطمع يقل ما جمع) كما قالوا (الكذب مالوش رجلين)
وقد صدقوا بما قالوه حقا.. فها هي كارين بجشعها وانانيتها وكذبها على
الجميع تخسر كل شيء.. خسرت انتقامها من نور, خسرت جون الذي
أحبها بصدق وبذل الغالي والنفيس من أجلها.. كما خسرت أولادها الواحد
تلو الآخر بداية من رُسُل التي وأدت شعور الأمومة تجاهها مرورا بأندي
الذي طالما رأت نظرات الاحتقار والاستنكار بعينيه لطريقة معاملتها رُسُل,
وحتى ديانا التي ظنتها يوما طفلتها المفضلة حتى فاجأتها أنها وقفت بصف
أختها!
نظرت حولها وهي تشعر بالخواء, تشعر أنها خسرت كل شيء على الرغم
من كل ما فعلته.. لقد أجبرها جون على الطلاق بل وأجبرها على التنازل
عن طفليها وهي لم تستطع أن تعارضه فجون يمتلك السلطة والنفوذ
وبإشارة واحدة منه سيحيل حياتها للجحيم .
برقت عيناها بقوة وهي تفكر.. لا لن ينتصروا عليّ أبدا, سأحيل حياتهم
كلهم إلى جحيم مستعر وسنرى لمن الغلبة بالنهاية!
***
طرقة خافتة تبعها دخول مساعدته تخبره أن كارين بالخارج..
كاد يرفض فهو لم يعد يطيق رؤيتها, كل الحب بداخله تحوّل لبغض
غريب عنه ولكنه وافق فهو كان منتظرا لآخر محاولة منها والتي
لم تتأخر كما يبدو.
دلفت رافعة رأسها ترمقه بتشفّي التقطته عيناه على الفور ولكنه لم يعلق
انتظرها حتى بدأت الكلام..
"بالطبع تريد أن تعلم سبب زيارتي أليس كذلك جون؟"
"ليس لدي الوقت للتخمين كارين, قولي ما جئتِ من أجله وانصرفي
على الفور وخير لكِ ألا أراكِ بمكان مرة أخرى"
ابتسمت بتحدي وهي تقول:"حسنا كما تريد"
صمتت للحظات قبل أن تقول:"طالما علمت أن عاطفتك شفافة وقوية جون,
ولكني لم أتخيل أنها تكون بهذا العمق"
"باختصار كارين لا وقت لدي لهذه الترهات"
قال جون بصرامة أخافتها ولكنها لم تتراجع فابتسمت قائلة:
"حسنا عزيزي, باختصار لقد ألقيت بابنتك لرجل آخر بكل نبالة"
رمقها بعدم فهم للحظات قبل أن ينتفض واقفا وهو يقول:"كاذبة"
ابتسمت بتشفّي قائلة:"وهل ستعلم أكثر مني جون!"
"ولكني لم أمسّك سوى قبل زواجك من نور فكيف...؟"
اعترض بتيه فضحكت وهي تقول:"ألا تتذكر ذلك اليوم الذي استيقظت
به بجانبي في الفراش لا تتذكر ما حدث! ألا تتذكر تلك الليلة جون التي
قضيتها معك قبل معرفتي حملي ب رُسُل بشهر تقريبا!"
حرّك رأسه برفض وهو يقول:"لا.. لا.. مستحيل"
قالها وهو يدرك لأي ليلة تشير, تلك الليلة التي سافر بها نور لصديقه
وعاد بعد يومين وقد قضتهما معه كارين ولكنه لا يتذكر أنه مسّها أبدا!
ولكنه كان مخمورا فلم يتذكر ما حدث تلك الليلة! حتى ولعذاب ضميره
لم يقرب الخمر مرة أخرى بعد تلك الليلة قط.
أيعقل أنه حدث شيء بينهما؟!
أيعقل أن تكون رُسُل ابنته؟!
أتكون كل هذه المشاعر داخله تجاهها لأنه حقا ابنته؟!
تابعت تتابع المشاعر على وجهه وهي تكاد تضحك عاليا لتدرك أنها
حققت ما كانت ترجوه فنهضت ببطء مثير وهي تقول:
"شكرا لك جون, لقد انتقمت لي منك بيدك عزيزي"
تركته جالسا مكانه بصدمة لا يصدق ما سمعه ويحاول أن يتذكر أي
شيء عن تلك الليلة دون جدوى .
****
لم يصدق ما يحدث أمامه! أكل الناس تريد الزواج ب رُسُل؟!
(رُسُله) هو؟!
انتفض مكانه وهو يهتف بعصبية دون وعي:"شنو هذا؟ ما يلكون إلا رُسُلي
أنا حتى يريدون يتزوجون بها؟ رُسُل الي وماراح أسمح لاحد يقرّب منها
مهما يصير"
صمت ران للحظات على الجميع جعله يدرك ما تفّوه به بعصبية بكل حماقة
أمام والدها وعمها وشقيقها لتختلف ردات الفعل بينهم جميعا.. بينما أحمد
يرمقه بتسلية كان نور يرمقه بصدمة فيما هجم عليه عامر وهو يهتف:
"رُسُلك ده ايه ان شاء الله؟ انت اتجننت يا جدع انت؟! اللي بتقوله ده
تطير فيه رقاب"
أمسك به أحمد وهو يهتف:"اهدا يا عامر, كرار مايقصدش حاجة وحشة
هو بس خانه التعبير.. صح يا كرار؟!"
رمقه كرار باعتذار ثم اتجه لنور قائلا:"اني اعتذر عمي ما اقصد بس
اني... عمي انا اجيت حتى اتزوج رُسُ.."
قطع كلامه عندما رأى عامر يهم بالهجوم عليه مرة أخرى فأجلى صوته
وهو يتابع:"اقصد بنتك لأتفاجأ انك تريدني اجيب لك معلومات عن ابن
خالي لان هو اتقدم لخطبتها فاني احترمت هذا وماكدرت انو اكولج بنفس
الوكت بس اللي يصير هذا يفوق قدرتي فاعذرني عمي.. اني ماكدرت
او اظل جالس هادي وهناك من يريد يأخذها مني.. انا احق بيها منهم كلهم"
زمجرة عالية من عامر وهجوم كاد يحدث وأحمد يشدد من قبضته على
ولده فيما نور ينظر لكرار بتركيز يحاول اختراق واجهته الهادئة
وهو يشعر أن هذا الشاب يعشق ابنته بعمق وقوة جعلته لا يهتم أنه
يصرّح بكل هذا أمام والدها وعمها وشقيقها الثائر..
همّ بالحديث ليقاطعه صوت والده والذي لا يعلم متى جاء وماذا سمع!
"رُسُل هتتجوز عامر وأحسنلك تمشي على رجلك بدل ما تمشي من غيرها"
عدة شهقات انطلقت من الأفواه منها ل نورية التي خافت على عامر ولين
والمشاكل التي ستحدث لهما بسبب والدها وتعنته وأفكاره الغريبة..
وأخرى ل لين الواقفة تحدق بصدمة لا تفهم ماذا يحدث؟! وكيف سيتزوج
زوجها عليها بعد شهر واحد من زواجهما؟!
والأخيرة كانت ل رُسُل التي تجمدت مكانها بصدمة قبل أن تلتقي عيناها
بعيني كرار الذي اشتدت ملامحه وشحبت بشكل ظاهر وهو يرمقها
بتوسل أن تسامحه ولا تعاقبه على حماقته السابقة فقلبه لن يحتمل..
ودار حديث العيون الذي لا يفهمه سواهما:
عيناه تتوسلانها:"سامحيني حبيبتي, أحمق أنا وأعترف ولكن لا تعاقبيني
فقلبي لن يحتمل عقابك يكفي عذاب فراقك!"
وعيناها تجيبانه بحزن:"وماذا عن قلبي أنا الذي احترق بسببك؟ ماذا أفعل
به وقد كُوِيَ بنار الغيرة والخذلان وأنت تخبرني أنك ستكون لأخرى
غيري؟!"
فتعود عيناه تتوسلانها الرحمة:"أخطأت وأعترف بخطأي وسأتوسل لكِ
طوال حياتي لو أردتِ وأطلب السماح ولكن.. كوني لي رُسُلي ثم عاقبيني
كما تريدين ولن أعترض فقط كوني لي.."
دمعت عيناها وهي تخبرانه:"لقد خرج الأمر من يدي حبيبي, أحبك جدا
ولكن... ربما آن أوان العقاب, أو ربما كان هذا بالنهاية الفراق"
حرّك رأسه برفض وعيناه تنضحان بالألم حتى أن دمعة كانت تحارب
للخروج من مقلته ولكنها خرجت من مقلتيها أنهارا وهي تراه ربما للمرة
الأولى ضعيفا بموقف لا يُحسَد عليه.. تراه يتوسلها ما ليس بيدها !
هل كُتِبَ عليهما الفراق؟! هل قدرها فراق أحبتها؟!
والدها ثم حبيبها؟! تُرَى كم عام ستفترق عن حبيبها؟! أن تراه الفراق
الأخير!
"اظن سمعت اللي جدي قاله, اتفضل حضرتك الموضوع بقى عائلي وأظن
اللي انت جاي علشانه وصلك رده"
قالها عامر بجمود جعل الجميع يرمقه بصدمة إلا جده الذي نظر له بفخر
لم يلتفت كرار لأحد سوى رُسُل.. رمقها بنظرة أخيرة قبل أن يخرج دون
كلمة واحدة .
****
"شنو صاير وياج خولة؟ انتي ماتحبي زيد؟ ابوج غصبج على
الزواج منو؟"
سألتها والدتها بهدوء وهي تربت عليها حتى كفّت عن البكاء لتقول:
" لا امي محد فرض عليّ شي اني .. احب زيد هوايه بس..."
ابتسمت والدتها تشجعها على الحديث وهي تقول:" بس شنو حبيبتي؟ هو
يحبچ بل يعشقچ وصبر عليچ هوايه ليش تعذبينه هوايه خوله؟ ليش تؤچلين
الزواج؟"
رمقتها للحظات قبل أن تقول:" امي انتي سعيده بحياتچ هيچ؟!"
رفعت حاجبها بدهشة وهي تقول:" شنو هذا السؤال الغريب؟ اكيد سعيده
شنو الي مايسعدني؟ تزوجت الانسان الي احبه ويحبني, ورزقني الله بچهال
(أطفال) يخبلون.. بس مخبليني (يثيرون جنوني) اغلب الوكت.. بس احمد
الله واشكره على وجودهم يوميا.. بعد شنو اريد اكثر من هيچ!"
صمتت للحظات قبل أن تقول:" بس متشتاقين لشغلچ؟ وقت تگذين (تقضينه)
بيه وقت بعيدا عن البيت ومسؤلياته, وقت خاص بيچ تگدين ماتريدين بيه
من دون التقيد بزوج وچهال؟"
رمقتها بتفهم قبل أن تقول:" منو گلت (من قال) اني مااسوي مااريده واحبه؟
منو گلت انو اني ماعندي وقتي الخاص؟ ومنو گلت انو اني عفت شغلي
من الاساس؟"
" شنو؟ (ماذا) وين ومتى؟ اني ماشتفچ لاتطلعين ابداا الا بس اذا تريدين
غرض للبيت"
ابتسمت وهي تقول:" هذا يدل على انچ حمقاء خوله متشوفين ابعد من
خشمچ (أنفك) الله يساعد زيد عليچ صدك"
"يمه! (أمي)"
قالتها بتذمر طفولي فضحكت بقوة قبل أن تقول:
" بنتي المخبله (حمقاء) على الرغم من انچ البچريه (البكرية) بس دائما
اشوفچ صغيره، نبأ حددت شنو تريد من زمان واختارت دوم على وصول
اليهاا بقوه .. شوفي انتي حبستي نفسچ بقمقم مااتشوفين الا الي تريدين
شوفته"
ماا افهمت شي!" "
قالتها خولة بحيرة لتضحك والدتها مرة أخرى ثم تقول:
"بنتي المخبله, اني ما اشتاق للشغل لاني اني اشتغل من صدك, اني عفت
(تركت) الشغل بإرادتي وبس من انتوا احتاجتوني وانتوا صغيرين بس
بعدين رجعت على الشغل ومعترض ابوج أبدا, اصلن هو كان يشجعني
انو ارجع بس اني اخترت اشتغل شي احبه وبنفس الوكت مايخليني اقصر
واغيب عن البيت مدة طويلة, فبديت اشتغل على النت, في البداية ابوج
هو الي درّبني جان خوش معلم زين.. وبعدين صار الي شغلي الخاص
واللي ما يحتاج انو اكون متواجدة معظم الوكت, وهسّه صرت سيدة اعمال
كلش زينه.. وفد انافس ابوج يوم"
قالتها غامزة خولة فضحكت بمرح وهي تشعر أنها كانت مغيبة لسنوات فلم
تشعر بكل يدور حولها.. عقدا حاجبيها مفكرة أنها حقا أنانية!
طالما فكرت بما تريده ولم تفكر أبدا بمن حولها.. فكانت النتيجة أنها آلمت
زيد بقوة ولأكثر من مرة بعدم ثقتها به والفرار منه لسنوات بدلا من التمتع
بقربه وحبه.. وكانت أنانية فلم تلحظ حب رُسُل ل كرار والذي لاحظته
شقيقتها التي لم تعرف رُسُل ولم تتواجد معها كما كانت هي!
وافقتها والدتها وكأنها تقرأ أفكارها..
"اي خولة جنتي كلش أنانيه هوايه وياه.. ومعملتي حساب اليوم الي راح
يضوج (يمل) يركض وراج وصارت النتيجة انك جنتي راح تخسريه"
رفعت عينيها الدامعتين لوالدتها وهي تقول:"يعني ما اخسرته بعدني؟!"
كانت تُقِر واقع أكثر منه سؤالا فابتسمت والدتها وهي تقول:
"لا, هناك فرصة حتى تصلحين بيها خولة"
"شلون؟! (كيف)"
قالتها بضياع لتغمزها والدتها بمرح قائلة:"صارهسه انتي خوله تركضين
وره.. ولحسن حظچ انو هو زوجك اي .. ماكو اي حواجز تمنعك عنه" .
****
"اشتقتلج هوايه"
قالها ضي بصوت أجش لتجفل نبأ التي كانت مستغرقة بالعمل لترمقه
بجمود ظاهري ونبضاتها تتقافز بجنون داخلها ثم قالت:"بس اني ماشتاقتلج"
"جذابة!"
هتف بها بثقة فضحكت عاليا وهي تقول:" صرت واثق هوايه مني ضي ..
تره شنو السبب؟"
"عيونچ فضحانچ نباا انتي تقسين هواي علي بكلامچ وملاحظاتچ الحاده
وهي تحن علي وتگولي لاصدق كل الي تحچين لانو هو طالع من
احساسك بالاخذلان مني"
ظلّت تحدق به للحظات وهي تتساءل هل عينيها شفافتين لهذا الحد؟!
"زين انته تعرف انك خذلتني ياابن عمي ؟!"
قالتها بتحدي ليخفض نظره للحظات قبل أن يرفع عينيه لتتقابل نظراتهما
ثم يقول:"اي نبأ خذلتج هوايه.. ومن وقتها واني احاول اصلح الي سويته
ايدي بس واضح انو ماكو اي تقدم فد فايده"
ارتعش قلبها ولم تقوَ على جرحه ككل مرة فانعقد لسانها وهي تحدّق بعينيه
تسألهما الحل! هل تطمئن له وتسلّم أم سيعود لخذلانها من جديد؟!
وهل هناك أصدق من حديث العيون؟!
حدّثتها عيناه:"لا تقلقي حبيبتي لقد تعلمت الدرس بطريقة قاسية.. صدقيني
لن أخذلك مرة أخرى فقط.. ارحميني من عقابك فلم يعد لي طاقة به"
لتحدثه عيناها بخوف:"ولكني أخاف.. قديما لم أكن أشعر بالأمان إلا معك
والآن أصبحت أنت مصدر قلقي وخوفي.. كيف أطمئن لك مرة أخرى؟!
كيف أعلم أنك لن تخذلني, لن تخون حبي؟!"
لتقسم عيناه:"أقسم لكِ حبيبتي أنني سأكون أمانك وسندك ولن أخذلكِ ما
حييت.. لن أفعل فامنحيني ثقتك مرة أخرى ولا تخافي شيئا.. أتوسل إليكِ"
لتلين عيناها فيظهر بها عشقها لتشيح بهما سريعا دون أن تنطق بكلمة
واحدة ليبتهج قلبه ويكاد يقفز داخل صدره فاقترب منها بتهور وهو يقول:
"أحبج نبأ, أموت عليج"
وقبل أن يختطف القبلة التي تاق إليها طويلا كان قد أرغم نفسه على الابتعاد
ليركض للباب قبل أن يلتفت إليها قائلا:"العرس بعد أسبوع"
ثم تركها فاغرة فاها بصدمة وهي تقول:"شنو؟! مخبل.."
****
دلف إلى شقته بهدوء ينافي ما يعتمل داخله.. لقد رأى نظرتها له ولكنها
لم تتحدث بل غادرت بهدوء دون كلمة واحدة.. لم يفهم هل تصرفها
ثقة به أم فقط لا تريد الشجار أمام أحد؟!
وهو غادر خلفها مباشرة حتى جده غادر وكأنه شعر بالراحة بعدما أمّن
على حديثه..
زفر بقوة عندما لاحظ أن الشقة غارقة بالظلام.. هي لم تنم وهو يعلم جيدا
ولكن.. ماذا يفعل؟!
لا يفهموا تصرفه حتى نظرات الصدمة واللوم من عيون خاله ووالده
وحتى والدته ذبحته ولكنهم لا يفهمون ماذا فعل! لا يفهمون تفكيره
وطريقته بحل الأمور!
بطريقه للغرفة لاحظ أنها جالسة على الأريكة بغرفة المعيشة بكامل ملابسها
وهو لم يرها بخضم أفكاره..
اقترب منها بهدوء قائلا:"لين!"
"قولي اللي في دماغك يا عامر من غير مقدمات.. انت ناوي تتجوز عليا
رُسُل؟! لا.. لا.. مش ده السؤال الصح, السؤال الصح هو: انت ناوي
تتجوز عليا اصلا؟"
"لين اهدي حبيبتي"
حاول تهدأتها فانتفضت صارخة:"اهدا؟! انت سامع نفسك يا عامر؟! يعني
لو جيت قولتلك معلش طلقني معلش اصلي هتجوز غيرك هتعمل ايه؟"
"هقتلك واشرب من دمك"
قالها بصرامة فضحكت عاليا والدموع تنهمر من عينيها قائلة:
"كويس انت ال حكمت على نفسك"
ابتسم بحزن وهو يقترب منها حتى وصل إليها وبدلا من أن تبتعد عنه ألقت
نفسها بحضنه وأجهشت بالبكاء وهو يربت على ظهرها بحنو.. تارة يعلو
صوت بكائها وتارة أخرى ينخفض حتى هدأت نسبيا فبدأ بالحديث:
"لين ياقلبي انا عمري ما هفكر اتجوز عليكي ابدا.. هو انا لحقت اتجوزك
اصلا لما هروح اتجوز عليكي!"
ابتسمت من بين دموعها ليبتسم لها وهو يجفف دموعها بحب وحنو ثم
يتابع:"الموضوع كله انا فاهم دماغ جدي عاملة ازاي.. جدي عايز يربطنا
كلنا ويبقى الحبل ف ايده هو يحركنا زي ماهو عايز.. والحقيقة انا كنت
متوقع اللي قاله ده لانه قالهولي من قبل ماحتى نلاقي رُسُل, وتخيلت انه
لما نلاقيها هيتغير بس واضح انه عمره ما هيتغير"
صمت للحظات قبل أن يقول:"مكنش ينفع اقول لا لجدي قدام كرار..
ومكنش ينفع اقوله اتفضل والله خدها وانت مروّح في ايدك ده احنا كنا
مستنيينك تتعطّف وتتكرّم علينا وتيجي تطلبها للجواز.. مكنش ينفع اني
اقول اللي عايزه تحت وفي وقت زي ده.. كنت مراهن عليكي وعلى عقلك
رغم اني عارف انك مجنونة يا قلبي بس كنت عارف انك عمرك
ماهتخذليني حتى لو انا خذلتك.. وده عمره ما هيحصل ابدا.. انتي كنتي
هتضيعي مني مرة ومش هسمح اني افكر انه ممكن يحصل تاني ابدا..
هموت وقتها ومش هتحمل ابدا"
"بعيد الشر عنك حبيبي"
قالتها بلهفة ليضمها له بقوة قبل أن يقول:"كرار بيعشق رُسُل وواضح ان
رُسُل كمان بتحبه كتير.. نظراتهم لبعض كانت مفضوحة جدا
والصراحة انا كنت هطلّع عينه شوية والفّفه حوالين نفسه قبل ما ينولها
بس جدي جه ورمى القنبلة فمكنش قدامي الا اني اوافقه على ما اقعد
مع رُسُل ونفكر هنعمل ايه وفي نفس الوقت اقهره واعرّفه قيمتها"
ضحكت عاليا وهي تقول:"طلعت شرير يا عامر وانا اللي كنت بفكر
هقتلك بأنهي سكينة وحضّرت الأكياس النايلون"
رمقها بريبة قائلا:"أكياس نايلون؟! انتي متأكدة ان نصك عراقي؟ لاحسن
انا شاكك الحقيقة بعد الاكياس النايلون دي"
ضحكت بخفة ليشاركها الضحك وهو يتابع:"مش حكاية شرير يا لين,
رُسُل كانت جاية حالتها صعبة جدا.. باين عليها الحزن ومش بس عشان
فراقها عن خالي سنين لا.. كان واضح ان قلبها مكسور.. وف فرحنا لما
الاخ كرار حضنها كده كأني كيس جوافة ف النص فهمت على طول انه
هو اللي كسر قلبها.. انتي عارفاني لمّاح وافهمها وهي طايره"
لوت شفتيها قائلة:"على يدّي"
رفع حاجبه وهو يقول:"شامم ريحة تريقة!"
"لا ياقلبي ده تلاقي ريحة العشا اللي ماما نورية مطلّعاه"
قالتها بسخرية ليضحك قائلا:"بتتريقي عليا يا لين؟ اشحال لومكنش اسمك
لين؟! يعني التريقة كلها"
"وماله اسمي يا سي عامر؟! انت..."
أصمتها بقبلة حنونة يعوّض قلقه وقلقها وحزنها قبل أن تبتعد عنه وهي
تقول:"ماتضحكش عليا.. كمّل هتعمل ايه مع جدك؟!"
"فصيلة!"
رمقته بتحدي فضحك قائلا:"والله يا اختي حاليا مش عارف بس اكيد رُسُل
عندها الحل.. حاسس انها هتبقى نقطة ضعف جدي, يمكن لأنها شبه حبيبته
ويمكن لشيء تاني مش عارف بس حاسس ان الحل هيكون بايدها هي"
رمقته بغيرة رغما عنها فضحك غامزا إياها:"بتغيري عليا يا بطة!"
"بطة في عينك"
"طب ماتسيبينا من الوش ده وتيجي ندخل جوه"
نهضت بهدوء ثم ركضت للغرفة وأغلقت خلفها بالمفتاح لتسمعه يقول:
"افتحي يا لين بلاش الهزار التقيل ده.. عايزين نبارك البيت الليلة دي اول
ليلة لينا هنا حبيبتي"
وصله صوتها قائلة:"باركه لوحدك ياحبيبي.. عقابك على اللي عملته تحت
هتنام في الصالة النهاردة واحتمال بكرة كمان.. ياللا تصبح على خير"
"بت يا لين بطلي هزارك البايخ ده.."
قابل صراخه صمت تام ليضرب الباب بقدمه وهو يناديها:"لين.. لين!"
لا رد.. فضرب الباب مرة أخرى بقوة أكبر حتى شهق من الألم وهو يبتعد
عنه متمتما:"الله يسامحك يا جدي, انا كان مالي ومال الهم ده.. ده انا
كنت راسم على المباركة الليلة.. منك لله يا لين يا بنت ام لين"
اتجه للأريكة وخلع ملابسه واستلقى عليها يحاول إيجاد راحته فيها
دون جدوى أخذ يتمتم وهو يتحرك بحنق حتى استغرق بالنوم وهو يتوعدها
بعقاب صارم .
***
استلقت على الفراش بانتظار والدها وهي تسترجع ما حدث غير مصدقة
أن الحال تحوّل للنقيض تماما في عدة ساعات..
زفرت بقوة وهي تحاول أن تشيح نظراته من عقلها دون جدوى.. نظراته
تحرقها.. تذبحها وهي لاشيء بيدها, لن تخاطر بفقدان والدها مرة أخرى
حتى لو كان الثمن قلبها.
ولكن هل والدها يوافق جدها؟ هي بالتأكيد لن تتزوج عامر وتخرّب حياته
ولكنها لن تعترض على من يختاره لها والدها حتى لو كان آخر سوى
كرار.. أجل تحبه كما لم تحب يوما, هي لم تعرف الحب سوى معه
ولكنها لن تخذل والدها.. لن تكون السبب بتعاسته, يكفيه كل السنوات التي
مضت وحيدا ينتظر فقط عودتها ..
استعادت نظرة عامر لها فعقدت حاجبيها.. نظرته غريبة لا تعلم هل فهمتها
أم يُهَيء لها؟! نظرة دعم ممتزجة بنظرة اعتذار!
زفرت بقوة وهي تحاول تحاشي التفكير بالأمر ليدخل والدها بهدوئه
المعتاد ثم استلقى بجانبها وضمّها إليه قائلا:"ندمتي انك لقيتيني يا رُسُل؟"
ابتعدت عنه منتفضة وهي تقابله قائلة:"لا أبي .. لا تقل هذا أبدا.. أنا على
استعداد لفعل أي شيء تريده فقط ابق معي دوما.. لا أريد سواك من
الحياة"
دمعت عيناه ليضمها مرة أخرى وهو يقول:"واثقة فيا للدرجة دي؟!"
"أثق بك أكثر مما أثق بنفسي أبي وثِق أنني لن أخالف ما تريده أبدا"
اشتدت ذراعيه حولها وهو يهمس لها:"ثقي اني مش هكسر قلبك ابدا".
****
عاد كرار لمنزل خالته (والدة لين) فهو يقيم به بعدما سافر أهله جميعا وظلّ
هو حتى يكون قريبا من رُسُل ويتقدم للزواج بها..
عاد بحالة يُرثَى لها يترنج من الصدمة حتى أن محمود شعر بالقلق عليه
فساعده للدخول للغرفة التي يقيم بها وهو يتساءل عما حدث وجعله
على هذه الهيئة!
ساعده للاستلقاء على الفراش يراقبه جامدا وكأنه لا يشعر بأي شيء!
لا يدرك حتى أين هو!
ألقى الشرشف فوقه قبل أن يخرج من الغرفة بعدما أغلق الباب خلفه
ثم هرع للهاتف حتى يعلم ماذا حدث!
تحدث مع أحمد فنور لم يرد على هاتفه فخمّن أنها خلد للنوم ليجيبه
أحمد ويقص عليه ما حدث..
"هو ابو نور ده مش هيرحمنا بقى؟ مش كفاية اللي عمله بنور؟!
الراجل ده عايز ايه بقى؟ يعني البنت رجعت عشان يحطملها حياتها؟"
وصله صوت أحمد وهو يقول بحنق:"انا متأكد ان عامر في دماغه حاجة
بس مش قادر أوصلها.. عموما أنا بكره هتكلم معاه وهفهم منه هيعمل ايه"
"تفتكر عامر هيقف قدام جده عشان رُسُل؟"
ضحك أحمد قائلا:"انا اللي نفسي أفهمه هي لين دي لاقيها على باب جامع؟
مش المفروض تكون قلقان عليها؟!"
ابتسم محمود وهو يقول:"لين بتعرف تاخد حقها كويس وانا واثق في عامر,
لكن رُسُل.. ممكن خوفها من ضياع الحلم اللي لقته متأخر تغلط وتوافق
جدها على اي حاجة.. وانت عارف عمك ممكن يضغط عليها من النقطة
دي"
"اطمن.. نور مش هيسيب عمي يخرب حياة بنته زي ماخرّب حياته قبل
كده.. نور ما صدّق لقى بنته ومش هيضيعها أبدا حتى لو فيها موته".
****
تأنقت ثم ذهبت لعمله, اليوم ستفاجئه بزيارة وستفرحه بتحديد موعد زفافهما
رغم خشيتها وقلقها من رد فعله لرؤيتها وهو الذي تحاشى رؤيتها ليومين
كاملين إلا أنها قررت الأخذ بنصيحة والدتها.. حتى لو خسرت عملها الذي
تحبه لن تكون خسارته بشيء أمام خسارة زيد وخسارة حبها..
لم تجد المساعدة بالخارج فدلفت على الفور لتتجمد أمام ما رأته!
امرأة لم تترك لونا إلا ووضعته على وجهها حتى شعرها لم يسلم من
جنون الألوان تكاد تكون جالسة على رجل زيد!
وهو على ما يبدو لم ينتبه لو ربما لا يمانع!
ملامحها ليست عربية ربما هي أجنبية ولكن هل هذا يمنحها الحق
بالاقتراب من زوجها بهذه الطريقة الوقحة؟!
هل غادرت مساعدته حتى تمنحهما الخلوة المناسبة؟!
برقت عيناها بشر وهي تقترب منهما بهدوء لينتبه لها زيد ولكن لصدمتها
لم يتحرك قيد أنملة.. بل نظر لها مباشرة رافعا حاجبه منتظرا إياها لتفصح
عن سبب وجودها بمكان عمله الذي لم تزره من قبل قط!
رمقته بتحدي قبل أن تقترب منه جاذبة المرأة بعيدا عنه وهي تقول:
"ماذا؟ ألا توجد مقاعد كافية حتى تجلسي على رجل زوجي؟"
قالتها بالانجليزية لترفع المرأة حاجبها ببرود وهي تقول:
"هو من دعاني لمجاورته بالأريكة, فهل لديك اعتراض عزيزتي؟"
رفع حاجبه بدهشة فهو لم ينتبه لمجاورتها له إلا منذ لحظات فقط
كانت مستغرقا بقراءة العقد الجديد للشركة الأجنبية التي تم التعاقد
معها مؤخرا..
راقب خولة وهي تبتسم ببرود وهو يعرف هذه الابتسامة حق المعرفة
وهل هناك من يعرف خولة أكثر منه؟!
"أجل اعترض وأنا لست عزيزتك"
قالتها وهي تدفعها تجاه باب المكتب وبيدها حقيبتها لتلقيها خارج المكتب
ومعها حقيبتها قبل أن تغلق الباب بوجهها ثم تدير المفتاح حتى لا يقاطعهما
أحد بعد أن هتفت بالمساعدة التي عادت لمكانها..
"دليه طريق باب الشركة وين عبير"
سمعت اعتراضها ولكنها لم تبالِ فقد استدارت ل زيد وهي ترمقه بغيظ
وهو يتابعها متسليا وقد فاجأته برد فعلها حقا..
يعلم أنها مجنونة ولكن أن تدافع عنه بهذه الشراسة وكلمتها زوجي
الكلمة السحرية التي جعلته يكاد ينهض ذارعا إياها بصدره ولكنه
تماسك وهو يراقبها تقترب منه والغيظ ينضح بكل خلجة من خلجاتها..
"تستمع بوقك هوايه زيد!"
لم يرد عليها بل تابع مراقبتها متسليا بغيظها لتقترب منه وتفاجئه بحركة
أوقفت نبضاته للحظات قبل أن تتقافز بجنون بعدها..
فقد جلست على قدميه وأحاطت عنقه بذراعيها بدلال وهي تقول:
انته لسه زعلان مني؟"
"انتي لسه على عنادك؟"
أجاب سؤالها بسؤال لتبتسم بدلال وهي تقول:"لا.. لسه على حبي الك"
خطف قبلة اشتاقها منذ فترة لتشعر بما فعلته ولاقترابها الخطير منه وهي
تشتعل خجلا وما إن فكّ حصارها حتى ابتعدت ناهضة عنه ليضحك بقوة
وهو يقول:"اني خمنت انك متعرفين قربك مني بس اني ققرت استغل
الموقف"
"مكروه! (غليظ)"
ضحك بتسلية ثم قال:"شنو المناسبه لزيارتج اليوم؟ يجوز اشتقتلي؟"
"وشكوت ماشتاقيت لك زيد؟ اني اشتاق لك حتى وانته وياي"
غمزها بمرح:"بعدي عنج غيرج هواي خولة, راح منا وغادي (من وقت
لآخر) ابعد عنج فترة حتى اسمع هذا الحجي الحلو منج"
وضعت أناملها على فمه تمنعه من الاسترسال فيما يقول وهي تقول بحزن:
"لا عفيه زيد لا تسويها مره لخ (أخرى) تره اني اموت بدونك حبيبي,
مااريد من الدنيا كله الا انته"
رمقها بغوض قبل أن يقول:"حتى شغلك الغالي خولة؟!"
حرّكت رأسها بنفي:"حتى شغلي زيد, ما اريد غير انته.. حتى لو خسرت
شغلي ما يهمني بس مااريد اخسرك الك"
لم يتمالك نفسه فضمها بقوة قبل أن يقول بلوم محبب:
"يا مخبلة (مجنونة) اني ماعندي مانع انو انتي تشتغلي بعد الزواج,
اني بس ما اريد لشغلج انو يكون عقبه بحياتنا سوه.. حتى شغلي
لا يصير عقبه هم (أيضا)"
لم تجيبه فقط ارتاحت بين ذراعيه لفترة قبل أن تسمعه يهتف بمرح:
"راح أضعف هيج خولة وراح تكون خوش (كبيرة) فضيحة بالشركة
وراح يقتلني ابوي وعمي اكيد لو ضليتي (ظللتِ) مجلبه بي (متمسكة)
هيج بحضني"
ابتسمت بخجل وهي تبتعد عنه ثم عدّلت ملابسها ليقول هو مازحا:
"امسحي الحمره همين مثل ميسون في الافلام"
ضحكت عاليا تلك الضحكة التي افتقدها بقوة طوال الفترة السابقة بخضم
المشاكل التي توالت على أخويه.. لتبرق عيناه بقوة وهو يقترب منها بمكر
فالتقطت نظراته الماكرة فهرعت لباب المكتب وفتحته على عجل وهي
تقول غامزة اياه بعبث قتله:"صارت حالتك صعبه هواي زيد..
هيج الزواج راح يكون الاسبوه الجاي وبدون أخذ رأيج"
ضحك بقوة ومساعدته تراقبهما ضاحكة ليدخل لغرفة المكتب مرة أخرى
وهو يقول:"مخبلة بس اموت عليها" .
***
كان مرتبكا وهو يفاتحهما بأمر زواجه من نبأ ولكنه لكما تذكر نظراتها التي
تتوسله ألا يخذلها مرة أخرى حتى حثّ نفسه على إلقاء قنبلته والتي
لا يعلم كيف سيقبلونها بعد حماقته من قبل!
"اريد نحدد موعد للعرس عمي"
"عرس شو ضي؟!"
قالها عمه بعد فهم ليقول:"عرسي ونبأ.. اني كولتلك قبل سابق عمي و.."
قاطعه والده قائلا:"تأخرت هوايه ضي, احنه قبلنا بخاطب نبأ وحددنا
موعه ويه اهله"
رمق والده بصدمة يتوسله أن يخبره أنه يمزح أو شيء من هذا القبيل
إلا أن ملامح والده الجدية جعلته ينتفض صارخا غير آبه مع من يتحدث:
"انته شدكول يبه؟ نبأ مراح تصير غير الي واذا عارضتوا زواجنا
راح ابوكه (اخطفها) واتزوجها ومحد راح يكدر يوكفني" .
****
"انتي رايحة فين يا هدية؟!"
قالها محمد العدوي (والد نور) بدهشة وهو يرى زوجتها واقفة بانتظاره
مع حقيبة صغيرة لتجيبه بهدوء:"رايحة عند ابني يا حاج"
عقد حاجبيه بعدم فهم وهو يقول:"ابنك مين؟!"
ابتسمت بسخرية ممتزجة بحزن وهي تقول:"نور ابني.. مش دايما كنت
تناديلي يا ام نور وتقولي نور ده ابنك انتي اكتر مني؟! وال نسيت ياحاج؟"
حدّق بها قائلا:"رايحة من غير اذني يا هدية؟!"
"هو ده اللي يهمك يا حاج؟ يعني مايهمكش السبب اللي رايحه عشانه
على اد ما يهمك هو باذنك او لا؟! عموما ماشوفتنيش مشيت يا حاج
انا مستنياك تيجي وهو عامر كمان يجي عشان ياخدني"
قالتها بهدوء ليقول بغضب:"يعني رأيي تحصيل حاصل يا هدية؟!
سواء رضيت او لا هتروحي برضه؟!"
"أيوة يا حاج.. هروح سواء رضيت او لا.. ماهو انا مش هسيبك تخرب
حياة رُسُل زي ما خربت حياة ابوها, لو كنت سكت زمان فده عشان
اديتلك العذر وقولت عايز حفيد من ابنه.. لكن ان الحفيد يكون موجود
وانت اللي عايز تبعده عننا تاني وتموّت ابنك بايدك فده اللي مش هسمح
بيه أبدا يا حاج"
رمقها بذهول وهو يراها تعارضه للمرة الأولى بحياتها ليقول بغضب
محاولا فرض سيطرته:"لو خرجتي من البيت دلوقتي يا هدية هت...."
قاطعته قائلة:" هت.. ايه ياحاج؟ هبقى طالق؟ اللي انت عايزه اعمله ياحاج
معدش فارق معايا حاجة"
"انتي جرالك ايه؟!"
قالها بذهول لتجيبه وهي تشعر بالقهر منه وعليه..
"جرالي اني استحملت سنين طويلة يا حاج.. استحملت حبك لنوّارة اللي
مانتهاش حتى بعد ما سابتك واتجوزت واحد تاني.. حتى بعد موتها
اللي حصل اني سكت كتير وانا بشوفك بتدمر عيالي.. ايوة عيالي انا اللي
ربيتهم وانا اللي تعبت معاهم وانا اللي حبيتهم اكتر من روحي..
عيالي رغم اني عقيم وان السبب اللي اتجوزتني عشانه اصلا هو عقمي,
مكنتش عايز تخلّف من غيرها.. مكنتش عايز حتى تقرب من غيرها..
عمرك ما شوفتني ولا شوفت حبي ليك.. عمرك ما قعدت معايا وقولتلي
مالك؟ نفسك في ايه؟ ورغم كده عمري ما اشتكيت وحبي ليك عمره
ما قل.. دمرت حياة نور ونغّصت عليع عيشته واديتك عذر لده
وقولت عايو يشوف احفاده.. لكن تيجي لحد رُسُل لا يا حاج..
رُسُل دي تبقى روح نور اللي عاش سنين لحد ما تردتله تاني بفضل
من ربنا تقوم انت تيجي بسهولة وعايز تاخد روحه منه؟!
عمش مكفيك السنين اللي مكنش عايش فيها؟ مش مكفيك السنين
اللي كان هيموت وهنو مش عارف فين بنته وبيحصلها ايه؟!
تقوم بعد ما بنته ترجعله وتريح قلبه بقربها عايز تقهره عليها؟!
لا ومش مكفيك كمان حياة نور ورُسُل ده كمان هتخرب حياة
عامر حفيدك اللي بتفتخر بيه في كل حتة.. ازاي بتحبهم وازاي بتدمرهم
بالشكل ده يا حاج؟! حجيت بيت الله وحافظ كتابه لكن عمرك ما عملت
بيه للاسف.. ربنا اسمه الحكم العدل يا حاج.. وعمره ما هيرضى
بالظلم اللي انت ناويه ابدا.. ولا انا هرضى بيه..
انا اللي هقفلك يا حاج, انا رغم حبي ليك هقف قدامك وامنع ظلمك
عن ولادك واحفادك واقولك كفاية... كفاية وضمّهم لجناحك بلاش
تبعدهم عنك اكتر كفاية السنين اللي راحت من عمرك وعمرهم..
كفاية ظلم"
لم يستطع النطق بكلمة امام الهجوم الذي شنّته عليه زوجته ورفيقة عمره
ليسمع صوت زمور (بوق) سيارة عامر ويراها تفتح باب المنزل وتخرج
منه أمام عينيه دون أن تلقي عليه نظرة واحدة .
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 6:24 pm


الفصل الرابع عشر قتلتني عيناها
"ايه يا هدهد لحق الحاج يوحشك؟ ده هم يادوب ساعتين اللي
سيبتيه فيهم.. ارجّعك طيب؟!"
ضربة على رأسه كانت الرد من قِبَل خاله وهو يقول:
"انت لازقلنا ليه يابني ماتاخد مراتك وتطلع شقتكم وال شهر
العسل خلص عندكم وال ايه؟!"
ضحك عامر قبل أن يقول مازحا:"ايه يا خالو انت حد مسلّطك
عليا؟ ماتسيبني آخد راحه, وقت مستقطع زي ما بيقولوا..
ماتقولي حاجة يا رُسُل"
ابتسمت رُسُل وهي تقول:"اتركه بابا, بيعمل جو"
هتف عامر ساخرا:"بيعمل جو؟! انتي اكيد قعدتي مع لين
النهاردة صح؟ يابنتي ماتقعديش معاها كتير لاحسن تتعدي"
ضربة أخرى كانت من لين لينظر لهم مصطنعا الحزن
"انتوا كلكم عليّا وال ايه؟! لا ده انا ورايا رجالة تاكل الزلط"
همّ نور بالرد عليه ليقاطعه صوت هاتف عامر ..
رمق الهاتف بهدوء للحظات وملامحه تتحول للجدية قبل أن
يرد:"سلام عليكم ياجدي"
صمت للحظات يستمع لجده قبل أن يقول:"حاضر, مسافة
السكة واكون عندك"
نهض نور معه ليشير إليه عامر:"مالوش لزمة يا خالو, انا
هروح لوحدي"
"لا يا عامر الموضوع يخصنا احنا الاتنين وهنروح مع بعض"
لم يملك إلا أن يومئ موافقا قبل أن يسمع جدته تهمس لخاله:
"ماتقساش عليه يانور, عشان خاطري انا"
تنهيدة من خاله كانت الرد قبل أن يقول:"حاضر يا أمي"
خرجا معا لتلتفت رُسُل لجدتها قائلة:"راحوا فين؟"
ضمّتها هدية لها بحنو قبل أن تقول بشرود:
"راحوا مشوار يا يصيب يا يخيب"
لتكمل بداخلها:"يارب يهديك يا حاج".
***
ما بين تحدي وعِند وتعسّف بالرأي تضيع الكثير من المودة
وتنتهي الكثير من العلاقات والذكي هو من يعرف متى
يتمسك برأيه ومتى يسير مع التيار.
فتح الباب ليجد عامر ومعه نور ليرمقهما بجمود قبل أن يفسح
لهما الطريق دون حديث ليدلفا للداخل ويغلق عامر الباب
خلفهما..
"خير ياجدي؟"
بادره عامر ليقول:"يعني ماشوفتكش اخدت خطوة في جوازك"
"خطوة ازاي؟ مانا اتجوزت وخلاص يا جدي حضرتك نسيت
وال ايه؟!"
قالها عامر بمرح مصطنع ليرمقه جده بجدية قبل أن يقول:
"جوازك من رُسُل بنت خالك يا عامر واظن انك فاهم كويس
انا بتكلم عن ايه"
زفر بخفوت قبل أن يجيبه:"يا جدي مش كان الموضوع ده
انتهينا منه؟ ايه اللي فتحه تاني؟!"
"وانتهينا منه ازاي يا سي عامر؟ وال كنت بتسكّتني قدّام قريب
مراتك وبتاخدني على أد عقلي"
"حاشا لله يا جدي, بس مكنش ينفع اتكلم قدّام قريب لين مراتي,
كان لازم الكلام يبقى بينا وده اللي بنعمله دلوقتي..
جدي انا بحب مراتي ومش هقدر أجرحها بالطريقة دي أبدا,
رُسُل أختي وفي حمايتي وعمري ماهتخلى عنها.. أوعدك"
اشتعلت عيناه بقوة وهو يهتف بغضب:"انت بتعارضني
ياعامر؟ بتقف قدّام جدك وتقوله لا؟! هي دي تربيتي ليك؟
هو ده وعدك ليا يا ابن أحمد"
كاد يبتسم وهو يسمعه يقول ابن أحمد فهو ينسبه لوالده عندما
يكون غاضبا منه ولكنه علم أنه لو ابتسم الآن سيحرقه جده حيا
فأخفى ابتسامته وهو يقول:"يا جدي لو حضرتك فاكر كلامي
أنا قولت اني هريّح حضرتك ومش هتخلى عن بنت خالي..
لكن مش معنى كده اني أتجوزها, ده غير اني مكنتش متجوز
يومها أصلا.. يعني حتى لو قولت اني هتجوز رُسُل وقتها
ماينفعش أنفّذ كلامي حاليا وانا متجوز.. لا لين ولا رُسُل
يستاهلوا ده مني"
همّ بالحديث ليتدخل نور:"انا مش فاهم سر إصرارك ان عامر
يتجوز بنتي لا ودون موافقتي كمان.. انا ايه ماليش رأي في
جواز بنتي يا حاج؟"
رمقه بجمود وهو يقول:"لا مالكش رأي, أحفادي وانا المسؤل
عنهم يا نور"
ابتسم بحزن وهو يقول:"على راسي يا حاج, لكن جواز بنتي
اللي انت مكنتش معترف بيها طول عمري.. بنتي اللي كنت
عايزني أنساها واتجوز واعيش حياتي.. انا بس المسؤل عنه
يمكن لو عامر مش متجوز كنت وافقت, لكن اللي مارضهوش
لبنتي مارضهوش لبنات الناس"
رمقه بتحدي وهو يقول:"وانا قولت ان رُسُل هتتجوز عامر
يا نور سواء رضيت او لا"
"لما اموت يا حاج ابقى اتحكم ببنتي, لكن وانا عايش مش
هسمح لحد مهما كان انه يخسّرني بنتي تاني.. كفاية
السنين اللي ضاعت من عمري بعيد عنها"
شحب وجهه عندما ذكر الموت وقلبه ينتفض بين ضلوعه
معترضا على ما قاله ولده.. أغمض عينيه وهو يترنح ليسارع
عامر بإسناده وهو يساعده للجلوس على الأريكة ويجلس
بجواره ليغمض نور عينيه بأسف.. والده لن يتخلى عن عناده
وهو يعلم هذا جيدا.. لذا فقد جلس بجواره من الجهة الأخرى
وأمسك بيده وهو يقول:"رُسُل بتسأل عليك يا حاج, حتى سألت
جدتها ليه مجيتش معاها عندنا.. سألتني ليه مابتزورناش وليه
مش بنزورك.. تفتكر أقولها ايه يا حاج؟"
لمح الضعف بحدقتيه عندما جاء على ذكر رُسُل ليشيح
بنظره عنه وهو يجيبه:"قولها انك عاصي, قولها انك مبتريحش
قلب أبوك يا نور.. قولها انك معيّش ابوك في هم وخوف عليك
طول عمرك, قولها انك حالف لتقاطع أبوك لحد ما يموت
وترتاح منه.."
قاطعه نور وعامر بلهفة:"بعيد الشر عنك يا حاج"
ليتابع نور بلوم:"انا اللي مقاطعك يا حاج؟ مش انت اللي
معنتش طايقني ولا طايقلي كلمة وكل ما اتكلم تقولي اني
عاصي واني تاعب قلبك معايا.. انا بحاول اريحك بكل الطرق
يا حاج لكن للأسف مهما عملت مابترضاش عني"
تدخّل عامر يهادنه:"يا جدي كلنا عايزين رضاك عننا وبس"
"بص يا عامر.. آخر كلمة هقولها في الموضوع ده..
لو فضلت مصمم ما تتجوزش بنت خالك يبقى تنسى الشركة
وتشوفلك اي شغل بعيد عنها" .
****
استلقت هذه الليلة بحضن جدتها وهي تشعر بالسعادة وتفكر
كم هي محظوظة لأنها وجدت عائلتها من أب وجد وجدة وعم
وعمة وابن عمة.. عائلة متكاملة تحبها وتنتظرها حتى لو
قابلت بعض الجفاء من بعضهم.
"احكيلي عن جدي محمد يا جدتي, اول مرة اتقابلتم بيها,
احساسك.. حبكم وزواجكم.. كل شيء"
ابتسمت هدية بخجل وهي تضمها تخفي خجلها لتضحك رُسُل
بمرح وهي تقول:"اممم ده خجل, لا تقلقي مش هقول ل بابا"
ضربتها بخفة على رأسها لتتأوه رُسُل وهي تضحك لتسمع
جدتها تقول:"أول مرة شوفته كنت بالمدرسة أيامها, كان
عندي 14 سنة.. كنت اسمع عنه دايما من نوّاره ومن البنات
زمايلي لكن مكنتش شوفته.. ولما شوفته محستش غير وانا
براقبه.. براقب كل لمحة وكل تفصيله منه, وسامته ورجولته
وشهامته.. كان جاي يومها لأبويا يعزمه على كتب كتابه على
نوّاره.. كنت عارفة انهم موعودين لبعض من زمان لكن
مقدرتش امنع نفسي من اني ازعل انها هي اللي هتتجوزه
خاصة انها على طول كانت تقولي انها مغصوبة على الجوازة
دي وانها مش بتحبه وبتحب ابن خالتها اللي مسافر"
صمتت قليلا قبل أن تتابع بشرود:"مقدرتش حتى اروح فرحهم
تعبت يومها واللي فهمته بعد كده ان سبب تعبي نفسي مش
عضوي.. قولت انا هركز على مذاكرتي وبس وبقيت أرفض
كل اللي بيتقدمولي, محدش فيهم كان محمد العدوي وانا قلبي
لمحمد وبس ومكنتش اقدر اخون قلبي"
تنهيدة طويلة خرجت منها لتقول رُسُل:"وهو كان يعرفك؟"
"يمكن كان يعرفني بالاسم.. ايامنا البنات مكنتش زي
دلوقتي كده كان اخرنا المدرسة وكمان مش الكل كان بيروح..
ولاد العائلات الكبيرة بس زي حالاتي اللي كانوا بيكملوا
دراسة وممكن توصل للجامعة كمان, اول مرة شافني فيها كان
بعد الفرح بأسبوع"
هتفت بصدمة:"ماذا؟! أقصد ايه؟ ازاي يعني؟"
ضحكت هدية وهي تقول:"ايامنا مكنش فيه خطيب بيشوف
خطيبته ولا يروح ويجي معاها كده زي دلوقتي الا لو كانوا
من الناس بتوع المدينة لكن احنا اصلنا ريفي مهما كانت
عيلتنا كبيرة ومتفهمة.. كان العريس مابيشوفش العروسة
إلا ليلة الدخلة"
صمتت للحظات ثم تابعت:"اول ما تقدمي كنت هطير من
الفرحة لكن امي مكنتش موافقة, تقول لابويا وليه تاخد
متجوز قبل كده وعنده عيلين كمان؟ ليه ماتتجوزش شاب تكون
هي اول بخته زي ماهيكون هو اول بختها.. لكن ابويا شاف
في محمد راجل بجد هيحافظ على بنته.. ولما سألني قولتله اللي
تشوفه فأقنع أمي ومعرفش ازاي الحقيقة.. امي كانت صعبة
اوي وابويا كان حنيّن وقريب مني بس الوحيد اللي مكنتش
بتقدر تكسرله كلمة هو ابويا.. المهم كنت وقتها خلّصت مدرسة
كان عندي يجي 19 سنة, ووقتنا كان السن ده كبير على اني
اكون مش متجوزة.. كانت اكبر واحدة على ايامها تتجوز
وهي عندها 17 سنة"
قاطعتها رُسُل بدهشة كبيرة:"17 سنة؟! كتير صغيرة"
"ايامنا كانت غير دلوقتي, كانت البنت اللي عندها 14 سنة
بتبقى فاهمة يعني ايه جواز ومسؤلية.. وانا اللي كنت برفض
زي ماقولتلك وابويا الله يرحمه عمره ماغصب عليا في حاجة
ابدا.. حتى الجامعة انا اللي مارضيتش ادخلها لانها كانت في
المدينة ايامها وبعيدة وانا مكنتش عايزة ابعد عن اهلي و..."
ابتسمت رُسُل وهي تقول بشقاوة:"وعن جدي كمان"
ضربتها على رأسها والخجل يعاودها لتضحك رُسُل وهي
تقول:"خلاص مش هتكلم"
ضمتها هدية بحب وهي تتابع كلامها:"اتجوزنا ويوم الدخلة
دخل الأوضة ووقف قدامي وهو بيقول (بصي يا بنت الناس
انا اتجوزت بس عشان ولادي, لو عليا مكنتش هتجوز تاني
أبدا تجربة واحدة كفاية عليا.. هتحطي ولادي في عنيكي
هشيلك فوق راسي.. غير كده مش هطلب منك حاجة أبدا)
وخرج بهدوء زي مادخل وسابني وانا مش عارفة اعمل ايه!
كنت عارفة انه بيحب نوّارة وانه اتأثر جامد بطلاقها منه حتى
عيالها سابتهم واتخلت عنهم عشان يطلقها لكن كلامه بالطريقة
دي وفي يوم فرحي اللي كنت بستناه جرحني اوي.. كسرلي
قلبي وخلّاني اقول يا انا يا انت يا محمد وعملت تحدي لنفسي
اني اخليه لما يشوفني مايقدرش يشيل عينه من عليا وانه يحبني
اكتر من نوّارة كمان"
"وفزتي التحدي؟!"
صمتت لا تدري ماذا تخبرها! هل فازت حقا بالتحدي؟!
هل لو كان أحبها مثل نوّارة كان ليتركها تبتعد عنه لأول مرة
بتاريخ زواجهما معا؟!
حتى الوقت الذي عاملها كغريبة تعتني بطفليه لم يتركها تغادر
أو تبتعد عنه ولكنه تركها اليوم.. أجل لقد أصرّت على الرحيل
ولكن كان بيده أن يمنعها لو أحبها حقا!
ربما أحبها بطريقته, طريقة مخالفة لما كان يشعر به تجاه
نوّارة, طالما شعرت بالغيرة من نوّارة حتى بعد وفاتها
لم يتحرر من لعنتها.. لم تشعر يوما انها تمتلكه بالكامل
ولمن أليس هذا يؤكد حديث والدتها رحمها الله؟!
عندما وافقت على الزواج منه أخبرتها أنها لن تملكه يوما
بالكامل.. لن يكون لها بكل خلية به أبدا طالما كان متزوجا من
قبل فجزء منه سيظل مع زوجته الأولى دوما وهذا الجزء
سيجعلها تعاني من العذاب طوال حياتها معه..
أوليس هذا ما حدث؟!
شعرت رُسُل بما يدور بداخل جدتها فزادت من ضمها لها وهي
تقول:"جدي يحبك جدتي, انا واثقه من ده جدا, هيجي
وهيصالحك وهتروحي معاه وتسيبيني كمان"
شعرت بابتسامتها الممتزجة بدموعها وهي تربت على رأسها
بحنو وهي تقول:"حتى لو مجاش يا رُسُل, حتى لو كانت كل
السنين دي ما أثّرتش فيه انا واثقة اني عملت الصح وده
يكفيني" .
لم تدرِ أي منهما أن هناك من استمع للحكاية من الكلمة الأولى
حتى النهاية.. حتى أنه شعر بدموعهما الغالية على قلبه ..
عاد نور إلى غرفته وحيدا بعد أن كان يتسلل ليمازحهما قليلا
قبل النوم.. عاد وهو يدعو الله أن يزيل الغشاوة عن والده
ويرى ما يخسره قبل فوات الأوان .
****
بعد يومين
همّ بالدخول إلى الشركة ليوقفه أحد الحرّاس ويبدو على وجهه
الحرج وهو يقول:"آسف يا عامر بيه، بس حضرتك ماينفعش
تدخل.. دي اوامر محمد بيه"
رمقه عامر بعدم استيعاب قبل أن تتجمد ملامحه وهو يومئ
برأسه دون حديث ثم يستدير ليعود أدراجه وداخله يشتعل بل
يغلي وكأن هناك بركانا على وشك الانفجار.. لم يستطع أن
يعود إلى المنزل ويواجه أي كان فاتجه لحديقة قريبة وجلس
بهدوء لا ينم عمّا يعتمل بداخله ليجد خاله يجلس بجواره
فاتسعت عيناه بدهشة ليضحك نور بخفة وهو يقول:
"ماتستغربش اوي كده، انا جيت اتأكد من أنه هينفّذ تهديده
وللأسف لسه بيعاند"
أخفض رأسه بحزن وهو يقول:"مكنتش أحب ان الموضوع
يوصل لكده ابدا يا خالو لكن هقول ايه.. جدي عنيد جدا وبيعند
في حاجات ماتنفعش اصلا.. يعني انا دلوقتي مش عارف
ازعل منه وال عليه"
تنهيدة طويلة خرجت من نور قبل أن يقول:"وده حالي معاه
بقالي سنين، كل مابعد من عمايله ارجع اقول ابويا وراجل
كبير مهما عمل فيا لازم استحمل لكن برضه مش بسلّم باللي
عايزه وده أساس المشكلة بينا.. جدك عايزنا نمشي على اللي
هو بيقوله وبس بغض النظر عن مشاعرنا وافكارنا.. وعن
ظروفنا حتى"
"طب والعمل يا خالو؟ انا يمكن لو لين مكنتش بحياتي كنت
وافقته على اللي عايزه لكن انا عمري ماهجرح لين او رُسُل
بالطريقة دي.. ده غير ان رُسُل...."
صمت فجأة وهو ينتبه إلى ما كان سيقوله ليضحك نور مرة
اخرى وهو يقول:"لحقتوا اتفقتوا عليا يا أحفاد العدوي؟"
صمت قليلا قبل أن يقول:"بتحب كرار.. عارف"
رمقه بصدمة ليبتسم قائلا:"ايه ياولد فاكرني عجّزت ومعنتش
عارف الحب"
"لا ابدا يا خالو بس يعني..."
قاطعه نور قائلا:"يمكن لو بنتي كانت عايشة معايا طول
عمرها كان رد فعلي هيختلف شوية.. لكن بالظروف دي لا،
مش هسمح بحاجة تفرقني عنها تاني ابدا.. مش هكسر قلبها
بس برضه مش هرخّصها.. وابن حسين ده هلفّفه حوالين نفسه
قبل مايطول شعرة منها"
ضحك عامر عاليا وهو يقول:"ياخالي يا متمكن، ايوة بقى" .
****
"أظن يكفي هيج يا حسين, اخاف انو ضي ينفذ
تهديده ويخطف نبأ صدك.. والله صار مخبل (مجنون)"
قالها محمد والد نبأ ليضحك حسين شقيقه بقوة وهو يقول:
"اي والله صدك, انا عبالي انو زيد بس المخبل.. بس هسه
اتأكدت انو ضي وكرار هم (أيضا) مخبلين"
شاركه محمد الضحك وهو يقول:"والله ذكّروني بأيام الشباب, انته
تذكر من ابويه كلي (قال) انو راح يأجل العرس بوقتها ردت
أجن وكلت اني راح أخذها بدون عرس ماكو (ماله) اي اهمية
له بعد مكعنه مهر (عقد القران)"
ضحك حسين عاليا وهو يقول:"اي اتذكر زين حتى انو كال
هيج ردت اكوله طالع لعمك"
همّ بالحديث ليقاطعه دخول زيد ومعه ضي الذي يرمقهما
بغيظ من صوت ضحكاتهما الواصلة له بالخارج..
"دوم الضحكة, ضحكونا وياكم"
قالها ضي من بين أسنانه لتفلت ضحكة عالية من زيد ليقول
ضي:"ضحكتك كلش عاليه مثل خطيبتك.. بغداد
كله سمعتها"
أظلمت عينا زيد وهو يرمقه بحدة فحرّك حاجبيه مغيظا ليبتسم
زيد بسماجة وهو يقول موجها حديثه لعمه:
"وشوكت يجي عريس نبأ عمي؟"
التقط عمه الطُعم ليقول:"باجر ان شاء الله زيد.. انته شوفته
حسيته زين؟!"
"اي عمي كلش زين.. ولايك ل نبأ"
أجابه زيد متمعنا بإغاظة ضي الذي زمجر قائلا:
"خليه يجي بس وانا اكطعله رجله"
ضحك زيد بقوة وهو يقول:"زين.. هسّه اجيت نحدد موعد
عرسنا اني وخولة, وضي ونبأ.. بعد أسبوعين شنو رأيكم؟"
هتف ضي بتهور لم يكن من طبعه أبدا:"هواي أسبوعين..
خلي العرس الأسبوع الجاي"
هنا لم يتمالك زيد نفسه وهو يتذكر حبيبته المجنونة وهي تعده
أنها ستتزوجه بعد أسبوع ولا رأي له بشيء فقال ضاحكا:
"ماعندي مانع, حتى لو باجر انس مستعد للعرس.. وللعروس"
قال الكلمة الأخيرة بخفوت لم يسمعه سوى ضي الذي انفجر
ضاحكا وهو يهمس له:"بيّن بنات عمي خلونا مجانين يا اخوي
خلي نتزوجهن وبعدين نتمتع بالانتقام منهن"
"العرس بعد ثلاث اسابيع حتى البنات يكدرون يجهزن نفسهن
ويستعدن للعرس"
قالها حسين قاطعا حديثهما الجاني ليزفرا بحنق ولكن لم يستطع
أحد منهما أن يعترض ليزيد محمد:
"وهاي الثلاث اسابيع مراح تكونوا اهنا, راح ترجعون
للبيت الثاني ومارح تشوفوهن اله بليلة العرس"
نظرا لبعضهما بإحباط قبل أن يقول زيد هامسا لشقيقه:
"على الاقل بعد ثلاث اسابيع راح يكونون ويانا على طول"
****
عدة أيام استعاد بهم حماسه وأرادته للفوز بحبيبته.. سيذهب
مرة أخرى لوالدها ويقف أمام الجميع مطالبا بها..
رُسُل له وله فقط ولن يتنازل عنها حتى لو طالبته هي نفسها
بذلك.. سيخوض الحرب معهم جميعا إذا أرادوا ولكنه لن
يتركها مرة أخرى أبدا.. لو طنّوا أنهم من للممكن أن يبعدوه
عنها إذا فسيخيب ظنّهم كثيرا.
انتظر والدها أمام عمله حتى جاء يرافقه عامر فاقترب منهما
بهدوء ليبادرهما:"السلام عليكم عمي.. شلونك؟"
ثم نظر لعامر قائلا من بين أسنانه:"وشلونك عامر؟"
رد عامر ساخرا يغيظه:"لوني بني خير؟"
لكزه خاله بلوم وهو يقول لكرار مصطحبا إياه لداخل الشركة:
"وعليكم السلام يا كرار يابني انت لسه هنا؟ انا افتكرتك
رجعت العراق.. اخبارك ايه؟ تعال جوّه"
دخلوا جميعا لمكتب نور ثم جلسوا ليقول نور:
"تشرب ايه يا كرار؟ انت اول مرة تنوّرني بالشركة"
"اشكرك يا عمي مااريد شي, اريدك بس بأمر مهم"
رمقه نور متسائلا ليتابع كرار بإحراج:
"اريد الزواج ب رُسُل عمي, وطلبت من ابوي انو يجي على
مصر حتى يطلبها منج"
"بس رُسُل مش موافقة عليك"
قالها عامر بهدوء مغيظ ليجيبه كرار بهدوء مماثل:
"من حقي انو احجي وياها علمود افهم منها شنو سبب
رفضها الي.. مو هيج عمي؟"
قال الكلمة الأخيرة وهو يرمق عامر بتحدي جعل عامر يكاد
ينفجر ضاحكا ولكنه عبس بوجهه ليسمع خاله يقول:
"ماشي يا كرار.. اكيد من حقك وحقها كمان تقعد معاك قبل
قرارها النهائي زي ماقعدت مع العرسان التانيين"
عقد حاجبيه بقوة مفكرا هل رُسُل جلست مع أخرين؟!
سمعوا نبرتها الخجولة, حدّقوا بملامحها الفاتنة, غرقوا ببحور
الشوكولا الذائبة خاصتها وتجرأوا على تخيلها لهم!
انتفض بقوة ناهضا وهو يقول من بين أسنانه:
"حدد الموعد اللي يناسبها عمي وكولي من فضلك"
همّ نور بالرد عليه بعد أن لاحظ تتابع الملامح على وجهه
وكأنه يقرأ أفكاره ليقاطعه صوت هاتفه ليجده محمد والد خولة
صديقة رُسُل ففتح الخط مرحّبا به ليقول بعد لحظات
"بجد؟ الف ألف مبروك.. اكيد طبعا هنيجي ده فرح بنتي
زي ماهو فرح بنتك بالزبط يا محمد.. بلّغ سلامي وتهنئتي لحسين
لحد ما اشوفك واباركله بنفسي واشوفكم قريب على خير ان
شاء الله"
"مبروك يا كرار لزيد وضي عقبالك يابني"
قالها نور بحنو أبوي ليبتسم له كرار بحب وهو يقول:
"عن قريب ان شاء الله عمي"
وأكمل بداخله.. قريبا سيرتاح قلبي عندما يضمها إليه.
****
عادت أدراجها بعدما استمعت لما قالوه.. جدها لم يكتفِ
بتجاهله لجدتها والتسبب بحزنها بل يريد أن يفسد حياة
عامر أيضا.. هل السبب عدم تقبله لها؟! ولكنها شعرت بحبه
لها.. شعرت بحنوّه عليها.. إذا لِمَ يفعل كل ذلك؟!
بعدما خلا المنزل من الجميع ودلفت جدتها لغرفتها صعدت
لشقة عمتها وهي تنوي أمرا.
فتحت نورية الباب لتجد رُسُل فرحّبت بها بسعادة وهي تدعوها
للدخول وبعدما جلسا بادرتها رُسُل:
"عايزه اطلب منك طلب ممكن؟"
ابتسمت نورية بحنو وهي تقول:"وانتي بتسألي يا غالية يا بنت
الغالي؟ اكيد طبعا عنيا ليكي"
ابتسمت بحب وهي تقول:"عايزه اروح لجدي"
****
يتجول بأنحاء المنزل دون هدف, يدلف للمطبخ يفتقد الحرارة
التي كانت تنبعث منه لتواجدها فيه..
يفتقد حديثها, مزاحها, دفئها الذي يشيع الحرارة والهدوء
بالمنزل.. يفتقد مشاكستها له وعقدة حاجبيها عند الغضب أو
التفكير.. حتى نظرة الحزن الذي هو سببها يفتقدها على
الرغم أنه حاول كثيرا أن يزيلها ولكن دون جدوى .
لم يتخيل أنها تملأ حياته بهذا الشكل, بل لم يتخيل أنه يلاحظ
كل تفاصيلها الصغيرة رغم أنه لم يتزوجها عن حب!
عقد حاجبيه وهو صوت بداخله يهتف:
(أنت لم تعرف الحب إلا بها محمد.. قلبك لم ينبض إلا لها,
نوّارة كانت حلم المراهقة الذي ارتبط اسمك به فقط..
ولكن هدية!
كانت هدية من الله لكَ حقا.. كانت منحة ونِعمة لك ولطفليك
بل لازالت هل النعمة الكبيرة التي أنعم الله عليك بها وماذا
فعلت أنت؟!
تسبب بحزنها وقهرها بل وشعورها أنك لم تحب سوى تلك
التي غدرت بك وباعتك.. لن تستطع طوال تلك السنوات أن
تمحو مشاعر الحزن والخوف والقلق من تخليك عنها بيوم
من داخلها وها أنت تتركها تغادر منزلك لأول مرة بحياتكما
معا.. وها أنت تثبت لها أن مخاوفها كانت من قلب الواقع
وليست محض خيالات بعقلها فقط.. فهل هذا هو حبك لها
يا محمد العدوي؟!)
هتف بحنق:"هي اللي مشيت, مادتنيش فرصة حتى اشرحلها
اي حاجة.. اجري وراها بقى زي العيال الصغيرين في
الشارع واقولها لا واخطفها على حصان ابيض.. خلاص
المفروض هي تكون فهمتني وعرفت طبعي"
صدح الصوت مرة أخرى قائلا: (ولِمَ لا تركض خلفها؟!
لِمَ تنتظر منها التفهم وأنت لم تفعل مع ولدك؟!
لِمَ لا تشعر أنت بها وبإحساسها وهي تخرج من منزلها للمرة
الأولى بعد كل هذه السنوات؟ّ لِمَ لم تثبت لها تمسكك بها
مثلما أثبتت تمسكها بك مرارا؟! ما كل هذا الغرور يا عدوي؟!
ما كل هذا العند الأحمق والكِبر الزائف؟! أنت حتى لم تنطق
بكلمة أحبك أبدا طوال عمركما معا.. على الرغم أنها أغدقت
عليك الكثير والكثير من مشاعرها الفيّاضة)
عاد بذاكرته لذلك اليوم.. كان قد مرّ على زواجه أسبوع كامل
وهو لم يرها به.. بل تعمّد عدم رؤيتها وأخبرها بكل حماقة
أنها موجودة فقط من أجل طفليه وهي لم تقصّر أبدا..
بل لم تظهر أمامه ولو صدفة طوال الأسبوع ليشعر بالحنق
منها وهو يفكر أنه لو أخرى كانت تعمدت إغواءه فقط
لتنافس زوجته السابقة.. ولكنها لم تفعل!
وهذا أعجبه بقوة بل سحره وجعله يريد رؤيتها ولو للحظات
فتعمّد العودة باكرا عن موعده المعتاد ودلف إلى المنزل
على حين غِرّة منها ليتجمد مكانه وهو يراها تجلس نورية
بحضنها ونور بجوارها وهي تقص عليهما قصة من قصص
الأطفال وطفليه يتابعانها بشغف وكأن حياتهما متوقفة على
ما تنطقه وما إن فرغت من حكايتها حتى هتف بها نور
أن تقص عليهما قصة أخرى لتضحك برقة سحرته وهي
تخبره أنه لو أكمل طعامه كله ستحكي لهما قصة أخرى.
قاطع تأمله لها هتاف نور ونورية باسمه وركضهما له
ليستقبلهما هو وعيناه تتابعانها دون أن تطرف لتنهض
مرتبكة بخجل وهي بحيرة من أمرها.. أتخفي خصلاتها
الحريرية بلون تربة أرضه ممتزجا بأشعة الشمش!
أم تخفي جسدها والذي بالواقع لم يظهر منه شيئا بملابسها
الساترة على الرغم من تفصيله لكل لمحة من جسدها بطريقة
أثارت خياله بقوة.
ومن يومها بات يتواجد بالمنزل أكثر ويتقرب منها بتروّي
جائعا لكل لمحة منها, كل تفصيلة بها حتى أدمنها..
وها هو يعاني آثار ابتعاده عن مخدّره ولا يظن أنه
سيتعافى منها يوما بل لا يريد التعافي من الأساس .
أغمض عينيه بقوة يشعر برأسه سينفجر من التفكير والصوت
بداخله لا يرحمه أبدا.. يجلده مرة تلو الأخرى حتى كاد يصرخ
به أن يصمت.. لذا فقد حمد الله على الإلهاء الذي منحه له
عندما سمع رنين جرس الباب فنهض مسرعا هاربا من أفكاره
وجلده لذاته ليجد ذنبه الآخر أمامه !
"رُسُل!"
قالها بصدمة قبل أن يهتف بوجل:"جدتك كويسة؟ فيه
حاجة حصلت؟ جد..."
قاطعته بمرح:"امم واضح ان مش بس جدتي اللي مشتاقة,
اطمن جدي.. جدتي بخير"
"امال جاي ليه؟!"
قالها بخشونة لترتبك أمام استقباله الغريب فيزفر بخفوت
قبل أن يقول:"تعالي ادخلي هتفضلي واقفة كده عندك؟"
دلفت بتردد وقد بدأت تندم على حضورها لتقول بخفوت:
"لو مشغول اجيلك بوقت تاني"
لم يرد عليها فقط ضمّها له بقوة وهو يقول:"على الرغم ان اللي
يشوفك يقول انك شبه نوّارة اوي.. بس انا حاسس انك شبه
هدية اكتر, روح هدية وبرائتها.. واظن دمك خفيف زيها"
"ظلّت للحظات تستمتع بحضنه قبل أن تقول:
"طالما وحشتك كده ليه مجيتش تشوفها؟ ليه سيبتها تمشي
اساسا؟!"
ضربها بخفة على رأسها وهو يقول فيما يرافقها للداخل:
"بس طالعه لمضة للواد عامر"
رمقته بتركيز وهي تقول:"عامر اللي طردته من عمله"
جمود ساد ملامحه للحظات قبل أن يقول:
"هتصدقيني لو قولتلك اني اكتر واحد تعبان من اللي بيحصل؟"
ابتسمت بحنو وهي تومئ قبل أن تقول:
"جدي.. حضرتك مش متقبلني؟ مش عايزني بينكم؟ لو انا
المشكلة ممكن امشي و..."
قاطعها بقوة:"اوعي تقولي كده تاني؟ وقتها هزعل منك وانا
زعلي وحش.. اسألي جدتك هدية"
ضحكت بخفة وهي تغمزه بشقاوة:"واضح انها وحشتك جدا"
جذب أذنها معاقبا فتأوهت بنعومة ليضحك وهو يضمها له
بحب مستنشقا عبيرها للحظات قبل أن يهمس:
"الحمد لله.. الحمد لله"
دمعت عيناها وهي تضم نفسها إليه بقوة ليشدد من احتضانها
وهو يهمس:"سامحيني يا رُسُل.. سامحيني يا بنتي"
حرّكت رأسها وهي تقول:"مفيش حاجة اسامحك عليها جدي"
أغمض عينيه بقوة وصوت ضميره يجلده..
أهذه التي ظننت أنها ليست حفيدتك؟ أهذه التي ساعدت
تلك الحقيرة بمخططها لقهر ولدك دون أن تدري؟!
على الأقل كنت ذهبت إليها وتأكدت مما تقوله لا أن ترفض
تماما وتخبرها أنها ليست حفيدتك!
هتف بداخله:"بس انا مكنتش عايز اكركب حياته بعد
ما استقر مع حنان الله يرحمها.. مكنتش عايز الشيطانة دي
تدخل حياته تاني بهد ماخلصنا منها.. كنت خايفة لتكون
فعلا مش بنته, لا انا صدقت فعلا انها مش بنته وانها
مجرد ورقة في ايد الحقيرة عشان تاخد فلوس"
دمعة أفلتت من عقالها وهو يردد بداخله..
ليتني تأكدت.. ليتني دفعت لها كل ما أملكه وما لا أملكه
فقط لتعيش حفيدتي معي وبين أحضاني.. ليتني!
ولكن هل يجدي الندم بعد فوات الأوان؟!
هل يعيد الندم السنوات الفراق والحزن التي عاشوها جميعا؟!
****
في اليوم التالي
فتحت الباب لتجده أمامها ففغرت فاها قبل أن تقول بصدمة:"چون!"
"مرحبا صغيرتي"
ظلّت محدقة به عدة لحظات قبل أن تندفع لحضنه بقوة وهي تتمتم:"جون، يا إلهي جون.. انت هنا حقا!"
ضمها بقوة وهو يقول بحنو:"وهل ظننتُ أنني سأتركك بعيدا
مهما كان ذنبي تجاهك!"
حرّكت رأسها برفض وهو تقول:"ليس هناك من ذنب جون،
أنت والدي ولن يستطيع أي أحد أن يقول غير ذلك.. بل
بالواقع أنا مدينة لك بحياتي"
ظلّت بين أحضانه لفترة قبل أن يصدح صوت من خلفهما
قائلا:"ايه اللي بيحصل هنا؟!"
نهاية الفصل
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 6:26 pm


الفصل الخامس عشر قتلتني عيناها
الماضي
طنين هاتفه من رقم دولي جعله يلتقطه بقلق ليصله الصوت
الكريه:"مرحبا بك, أنا كارين.. أظنك تعرف الاسم جيدا وتعلم
من أنا"
"وماذا تريدين؟!"
"امم تُرى كم ستدفع لقاء حفيدتك؟! هل أترك لك تقدير ثمنها؟"
"وهل ستتخلي عن ابنتك بهذه السهولة؟!"
ضحكة عالية كره نبرتها ثم قالت:"لا أهمية لها لدي ولكن..
أظن أنها مهمة لديك.. فكم ستدفع؟"
"لاشيء"
قالها بثبات ليصله فحيحها غاضبا:"لا أفهم!"
"ما الدليل أنها حفيدتي؟! إذا كان ابني غبيا ليصدقك فأنا لست
كذلك لذا احتفظي بها أو أرسليها لوالدها الحقيقي وابتعدي عنا"
"سأرسل لك الدليل"
قالتها بجنون ليقول بجمود:"أنا لا أثق بكِ مقدار ذرة ولن أثق
بما تقولينه أو ترسلينه.. إذا أردتِ أن أحتفظ بالفتاة وأصدقك
تعالي معها وعندما أتأكد أنها حفيدتي وقتها سيكون لنا
حديث آخر"
"أنا لن أخطو هذا البلد أبدا"
"وأنا لن أدفع لكِ دون أن أتأكد, إذا لم توافقي على الحضور
أرسليها بمفردها وعندما أتأكد سأرسل لكِ ما تريدينه بشرط
أن ترسلي معها إقرارا موقّعا ومسجلا منكِ أنكِ تتنازلين عن
حضانتها لوالدها والذي هو ابني حسب قولك.. وقتها فقط
سأدفع لكِ كل ما تريدين لتبتعدي عن حياتنا للأبد"
نبرة غاضبة تمتمت بأشياء غير مفهومة ثم وصله صوتها:
"أنا لا أثق بك أيضا ولن أفعل شيئا مما تقوله إذا أرسلت
المال سأرسل الفتاة وإذا لم ترسله فلن تراها حتى تموت"
"أو ربما تموتين أنتِ ووقتها سأعلم إذا كانت حفيدتي كما
تدّعين أم لا"
كان يحدّثها وهو واثق أن الفتاة لا تخصّه بشيء فهو لم يثق
بأنها تستحق أن تحمل اسم ابنه وقد شعر بالراحة حينما
علم أنه قد انفصل عنها قبل الحادث حتى أنه تساءل لِمَ
لم يعد لوطنه وعائلته كل هذه السنوات؟!
أهو العِند والكبرياء اللذين ورثهما منه هما ما منعاه من
العودة؟! أو ربما خوفه ألا يعترف بها؟!
لم يعلم حقا ما السبب وتلك المرأة لم تهاتفه مرة أخرى
فافترض أنها كاذبة كما ظنّ بالبداية والآن يتساءل لو
وثق بكلامها وأرسل لها المال الذي أرادته هل كانت رُسُل
نشأت بينهم؟! أم كانت ستأخذ المال وتكمل اختفائها؟!
****
الحاضر
"ايه اللي بيحصل هنا؟"
انتزعها صاحب الصوت من أحضان جون الذي تشنّجت
ذراعيه حولها بحمائية لتربت على ظهره برفق وهي تبتعد
بهدوء مع الصوت الذي راهنت أن صاحبه سيأتي ولكنها لم
تعلم أنه سيتأخر ليوم كامل بعد زيارتها وسيأتي بهذا الوقت
الحَرِج.
وجدت نفسها تندس بأحضانه بشوق وهي تقول:
"جدي, وحشتني جدا"
رجفة مرّت بجسده وهو يضمها له ينظر لجون بحدة قابلها
جون بنظرة متحدية .
"جدتي هتفرح كتير لما تشوفك"
ابتسم بحنو ليتجهم وجهه وهو يرفع نظراته لجون الذي لم
يتحرك من مكانه في انتظار رُسُل ليهتف:
"مين ده يا رُسُل؟ وازاي تحضنيه كده؟!"
"ده جون.."
قالتها بخفوت وهي تحتار بكيفية تعريفه فلا تستطيع أن تقول
له أبي ولا تستطيع أيضا أن تنكر مكانته لديها لينقذها نور الذي
راقب الموقف للحظات قبل أن يتدخل:
"اتفضل جوّه يا حاج وانا افهمك كل حاجة"
قاد والده وهو يبتسم لجون بتحفّظ علمت منه أن جون قابل
والدها قبل حضوره للمنزل لرؤيتها وتساءلت بصمت عمّا
دار بينهما وكيفية مقابلة والدها له!
وكان هناك آخر يراقب ما يحدث على مقربة منهم..
آخر اشتعلت عيناه بنيران حارقة أحرقت دواخله وهو يراها
تندس بأحضان الرجلين الواحد تلو الآخر وهو.. لا حق له
بمنعها, بل لا حق له حتى بتجربة ضمّها الذي يكاد يقسم
أن له مذاقا خاصا جدا وحلوا يتوق لتجربته بعنف وشوق لم
يتخيل وجودهما داخله!
إنه يهذي ويشتعل ويتألم شوقا بل يكاد يموت شوقا لتجربة
قربها.. قلبه ينبض بعنف!
لا ليست هذه نبضات بل هي مطارق ضخمة تطرق صدره
تكاد تحطمه وتصم أذنيه تجعله لا يرغب بشيء سوى
زرعها داخله علّ شوقه يخف أو ربما تهدأ تلك المطارق قليلا.
ربتة على كتفه يرافقها صوت ساخر:
"مدام تحب بتنكر ليه ده اللي يحب يبان ف عنيه"
التفت بحدة ليجد عامر يرمقه بتساؤل ساخر وهو يقول:
"الصراحة من وقت ما شوفتك اول مرة وطبعا اول مرة
دي ماتتنسيش ابدا بالفضيحة اللي عملتها يومها, المهم يعني
من المرة دي وانا نفسي اسألك, ليه دايما نظراتك لها مش
نظرات حب بس؟!"
شعر بالبرودة تسري بجسده مع رعدة خفيفة وهو يرمق عامر
بجمود وهو يقول:"شلون؟!"
"امم شلون دي يعني ازاي صح؟! طيب هفترض انك مش
فاهم وهقولك.. يعني نظراتك لها نظرات حب ممزوجة
بذنب بيظهر كل ما تبصلها! ياترى نظراتك المذنبة دي
بسبب ايه؟ ولو اني ممكن اخمّن ماظنش انها صعبة"
ازداد تنفسه صعوبة وهو يتذكر ملامحها الباكية, حديثها
بكرهه وأنها لن تسامحه أبدا عما اقترفه بحقها..
على كسر قلبها وكبريائها باعترافها له بمشاعرها وصدّه لها
بكل جفاء على الرغم أن داخله يتمزّق, يتألم, يحترق من أجلها!
تابع عامر المشاعر التي ظهرت على وجهه بتفهّم.. ألم يكن
مكانه يوما! ألم يكد يضيع حب عمره بحماقة لا مثيل لها؟!
من الواضح أن جميع الرجالة يشتركون بصفة الغباء العاطفي
والحمق المشاعري!
ابتسم بمرارة والذكرى تعود له بقوة ليشارك كرار الحزن
رغما عنه قبل أن ينفض عنه كل ذلك وهو يقول بمرح
مصطنع:"عموما سيبك من اللي فات, احنا ولاد النهاردة
زي ما بيقولوا.. المهم دلوقتي هل انت متمسك بيها فعلا؟!
هل هتقدر تكسب حبها من تاني؟! ومش بس حبها لا..
هل هتقدر ترجع لها كرامتها وكبرياءها قدّام نفسها؟!
والاهم من ده كله بقى هل هتقدر تقف قدّام الكل وتطالب
بيها وال هتستسلم من أول قلم.. آآآ اقصد من اول رفض!"
"ماكو (لا يوجد) شي يمنعني عنه ماطول اكو بصدري نفس"
"إذا إنها الحرب يا فتى"
قالها عامر ضاحكا ليبتسم كرار رغما عنه وهو يتذكر زيد
شقيقه فعامر يشبهه كثيرا بمرحه وشقاوته, يا الله كم اشتاق له!
وكأن المعنيّ بالأمر سمعه ليرن هاتفه وتنير شاشة هاتفه باسم
شقيقه ففتحه بشوق وهو يقول:"اشتقتلج هوايه زيد".
****
قبل يوم
كان بمكتبه مع عامر عندما أخبره مساعده أن هناك من يريد
مقابلته دون موعد مسبق.. وافق ليصدم بعدها أنه جون!
ظلّا للحظات واقفين أمام بعضهما وكل منهما لا يعلم ماذا
يقول! حتى قطع جون الصمت وهو يقول:"أعتذر لحضوري
دون موعد"
"كيف حالك دون؟ جيد أن أراك بعد كل هذه السنوات..
السنوات لم تؤثر بك يا رجل فقد ازدت وسامة"
ابتسم جون بمجاملة وهو يقول:"وأنت أيضا نور, سعيد
لرؤيتك مرة أخرى"
أشار له بالجلوس وهو يقول:"لا أعلم إذا كنت سعيدا برؤيتك
كذلك جون فأنا لم أستطع تجاوز خيانتك لي أبدا"
أطرق برأسه للحظات قبل أن يقول:"لا أظن أن اعتذاري
لك سيجدي نفعا نور ولكن ما أستطيع قوله أنني لم أقصد
أذيتك قط, حتى لم أكن أعلم بما تفعله كارين وعندما
علمت كان الأوان قد فات ولم أستطع الوصول لك سوى
من فترة قريبة وأخبرت رُسُل على الفور"
كان عامر يرمقهما بصمت وهو يفكر كم تعذّب كلاهما بسبب
تلك المرأة الحية!
يتوق ليعلم كيف كانت حياة رُسُل معها؟! وكيف لم تتأثر
بالمجتمع الذي عاشت به لتبقى بكل هذه البراءة والنقاء؟!
كيف ثبتت بمجتمع مليء بالفتن والحرية الزائدة عن الحد؟!
انتبه من تفكيره على صوت نور يقول:
"لقد انتهى كل شيء جون ولا أريد ذكره مرة أخرى..
ابنتي عادت لي ولا أريد شيئا من الدنيا سواها, ولكني
بالتأكيد أحتاج لأن أعلم سبب حضورك! هل هي من أرسلتك؟"
"لقد انفصلت عنها نور وسبب حضوري ليس من أجلها
بل من أجل رُسُل, أظن أن أبسط حقوقي أن أتأكد أن ابنتي
تعيش جيدا ومستقرة"
هبّ نور من مكانه وهو يهتف بحدة:"ابنتي أنا جون وليست
ابنتك! أم ادّعيت الكذبة وصدقتها؟!"
انتفض جون هاتفا بقوة:"رُسُل ابنتي مثلما هي ابنتك نور,
رُسُل قطعة مني مثلما هي قطعة منك.. بل ربما لي فيها أكثر
مما لك لن أسمح لك أن تبعدني معها أبدا"
همّ نور بالحديث وعروقه بارزة من الغضب ليتدخل عامر
قائلا:"ايه يا جدعان ماتصلّوا على النبي كده.. اهدى يا خالي,
اهدى يا عم جون"
رمقه نور بصدمة وهو يقول:"عم جون ايه ال هيهدا يا عامر
على اساس انه فاهم انت بتقول ايه!"
حكّ ذقنه بطريقة مضحكة قبل أن يقول بحرج:
"احم, نسيت يا خالي معلش"
التفت لجون مبتسما وهو يقول:"تفضل بالجلوس سيدي"
جلس جون وهو يغمض عينيه يحاول تمالك أعصابه فما يحدث
لا يخدم غرضه أبدا..
"نور افهمني من فضلك, أنا لا أريد أخذها منك أبدا صدقني أنا
لازلت نادما على كل السنوات التي حُرِمَ منها وحُرِمَت منك..
أنا لا أريد سوى أن أتمكن من التواصل معها دون أن أشعر
أنها تفعل ذلك دون علمك أو رغما عنك.. لا أحتاج سوى
أن تظل رُسُل قريبة مني ومن أخوتها.. أخوتها يسألوني عنها
وأنا أحضرتهم حتى يظلّون معها لفترة, هم لا يستوعبون أنهم
لن يروها مرة أخرى, أنها لن تظل معهم.. لن يجدوها عندما
يحتاجونها.. أنا.... فقط لا أريدها أن تكرهني نور.. من
فضلك"
أغمض عينيه بقوة يقاوم شعوره تجاه جون.. لن ينكر أنه
حافظ على ابنته طوال سنوات, لن ينكر أن يدين له بالشكر
لكون رُسُل كما هي عليه.. لن ينكر حتى أنه السبب بعودة
رُسُل له مرة أخرى..
هتف بداخله (لابد أن أتقبله من أجلها, هو جزء منها ولن
أستطيع أن أمنعها عنه وعن أخوتها, لن أفعل بها ما فعلت
كارين.. هي تحتاجنا جميعا لتشعر بالاستقرار والسعادة)
فتح عينيه عندما شعر بربتة على ذراعه ليجده عامر يرمقه
قلقا فابتسم له مطمئنا قبل أن يقول:
"وأنا لن أمنعك عنها جون, لن أمنعها عنك وعن أخوتها ولكن
تلك المرأة لا ..."
قاطعه جون بلهفة:"لقد تركتها نور, تركتها ولن أعود لها مرة
أخرى بل لن أعود ل لندن مرة أخرى.. سأستقر بجوار رُسُل
ليس من أجلها فقط بل من أجلنا أيضا.. حياتنا بعيدا عن رُسُل
لا معنى لها أبدا لذا أرجوك تقبل وجودنا بحياتها"
لم يصدق نور ما سمعه!
هل سيترك بلده من أجل رُسُل فقط؟! من أجل أن يكون
بجوار رُسُل ولا يبتعد عنها؟!
صدح صوت بداخله يخبره.. (إنه أب وهي ابنته حتى ولو
لم تكن من صلبه ولكن من قال أن الأبوة هي محض نطفة
صماء تُنفَخ بها الروح فيتكون الجنين! الأبوة هي حياة تُمنَح..
هي نشأة وتربية وتضحية ومراعاة وحنو.. الأبوة شيء راقٍ,
سامٍ وبالتأكيد تنطبق معانيها على جون الحنون)
لم يملك إلا أن يُقِر:"لن أحرمك منها أبدا جون.. رُسُل ابنتك كما
هي ابنتي وأنت على حق بكل كلمة قلتها.. مرحبا بك وبأخوة
رُسُل بيننا جون ومنزلنا مفتوح لك بأي وقت"
شدّ جون على يد نور وهو يقول بينما الدموع تكاد تطفر من
عينيه وهو يقول بخفوت:"أشكرك نور, لازلت كريما وصالحا
كما عهدتك دوما" .
راقبهما عامر وهو يشعر بالفخر بخاله الحنون وبالحب تجاه
هذا الرجل الذي تخلّى عن كل شيء فقط ليكون بجانب ابنته
ليفكر.. أين أنتَ يا جدي ترى ماذا يفعل الآباء الحقيقيون من
أجل سعادة أبنائهم!
****
عودة لليوم
رافق نور والده للداخل وهو يلاحظ الشوق الذي طغى على
ملامح والده وعينيه اللتين تبحثان عن زوجته لتفلت منه
ابتسامة رغما عنه وهو يفكر أخيرا أبي أدركت أن مشاعرك
ل نوّارة ليست سوى مشاعر مراهقة وكبرياء مجروح!
قال بهدوء:"أمي هدية فوق عند لين مِرات عامر, بتعلمها تعمل
المحشي والرز المعمر اللي عامر بيحبهم على الطريقة
المصرية وعازمينا كلنا عل الغدا"
بعد أن جلس نهض وهو يقول:"طيب أنا هطلع أبارك لعامر
ومراته.. ماباركتش لهم في شقتهم لحد دلوقتي"
"هتطلع تبارك برضه يا حاج وال الحاجة وحشتك؟!"
قالها نور بشقاوة جعلت والده يرمقه بحنين..
حنين لذلك الطفل الذي طالما رجّ المنزل بضحكاتهم بسبب
شقاوته وخفة دمه, حنين لابنه الذي لهف قلبه عليه من غيابه
وسفره ليصدمه بتحديه وابتعاده التام عنه, ابنه الذي انتظر
عودته.. مكالمته.. سماع صوته كلما تحدّث ل نورية أو هدية!
ليعترف أخيرا أن الكبرياء هو من فرّقهما .
التقط نور نظرة والده ليجد نفسه يندس بحضنه دون كلمة
واحدة ليضمه والده بقوة وهو يستنشق رائحته بحب وحنين
هامسا:"سامحني يا نور, أنا..."
قاطعه نور وهو يحّرك رأسه برفض:"سامحني انت يا حاج,
كل اللي حصلي بسبب عِندي وتهوري.. مهما حصل مكنش
المفروض أعاندك وأقاطعك.. انت ابويا وانا من غيرك
ماسواش حاجة"
وقفت رُسُل تراقبهما ودموعها تسيل على وجنتيها ليدلف عامر
بصخبه المعتاد وهو يهتف بلهجة مجروحة مصطنعة:
"خالي مع جدي! التار وال العار يا هريدي"
انفجرت رُسُل ضاحكة وهي ترى جدها يلكزه بعصاه
ونور يركض خلفه ليضربه ليسود الصمت ما إن دلفت جدتها!
****
جالسة بغرفتها وهو معها تشعر بتوتر ربما كان أكثر مما
شعرت به ليلة زفافها.. تفرك كفيها ببعضهما وتتحاشى النظر
إليه تفكر أنه لولا رُسُل لكانت جالسة بين الجميع بارتباك..
يحدّق بها بشوق لم يعد يستطيع إخفائه, قلبه ينبض بقوة
وهو يحاول بدء الحديث ويخشى أن يفشل بإقناعها بالعودة
معه.. لم يعد يستطع الابتعاد عنها أكثر.. كل ما بالمنزل
يشتاقها وأثرهم هو!
جلس بجوارها بهدوء لا ينم عمّا يعتمل بداخله من ارتباك
يشعر بنفسه عريس وكأنه عاد شابا مرة أخرى أمامها..
يشعر بالارتباك كليلته الأولى معها على الرغم أنه كان
متزوجا قبلها إلا أنه يشعر دوما أنها الأولى!
تخيل وقتها أن هذا بسبب براءتها واختلاف شخصيتها
عمّن سبقتها ولكنه أدرك بعد ذلك أن السبب هو مشاعره
تجاهها.. مشاعر لم يعلم يوما أنها موجودة داخله سوى معها
ولها فقط.
التقط كفها بين كفيه وهو يقول بخفوت:"وحشتيني يا هدية,
البيت من غيرك وحش اوي"
ارتجفت ووجهها يحمر خجلا ليضحك بقوة وهو يقول:
"ياااه يا هدية, رجعتيني سنين ورا, ايام ماكنت شاب وكل
ما اجي جنبك تحمرّي وتخضّري وتخليني أحس بحاجات
عمري ماحسيت بيها قبل كده"
رفعت بصرها ترمقه بعد تصديق ليبتسم بحزن وهو يقول:
"قصّرت في حقك كتير أنا آسف..."
قاطعته بلهفة قائلة:"لا ياحاج ماتتأسفش انت ما...."
قاطعها يشد على كفها وهو يقول:"لا يا هدية أنا غلطت وآن
الأوان عشان اعترف بكل غلط غلطته.. غلطت في حقك لما
اتجوزتك وانتي لسه بنت وحمّلتك مسؤلية طفلين بكل أنانية,
غلطت لما معبرتلكيش عن حبي كل لحظة في حياتنا,
غلطت لما ماقولتلكيش اد ايه انتي مهمة عندي.. لا انتي اهم
عندي من الدنيا كلها وكان لازم اقولك واعرفك ده كل يوم,
يمكن عذري الوحيد اني مبعرفش ازوّق الكلام أو...."
صمت للحظات وهي تستمع إليه بدون تصديق يزيد من عذابه
ليتابع:"غلطت لما ماسمعتش كلامك وفضلت أضغط على نور
لحد ما سابني وسافر ومارجعش الا وهو متحطم.. غلطت
لما ماحاولتش اتأكد من كلام الحرباية اللي كان متجوزها
وسيبتلها حفيدتي كل السنين دي, غلطت في حق عامر ورُسُل
لما حاولت اضغط عليهم عشان يتجوزوا بغض النظر عن
مشاعرهم واللي هم عايزينه.. غلطت كتير اوي يا هدية
ياترى هتقدروا تسامحوني؟!"
نكس رأسه وهو يترك كفها يشعر بالخجل من الحال الذي
وصل إليه بتعنته وإصراره على الخطأ لتمسك بكفه مرة
أخرى وهي تقول:"مش هسامحك لو سيبت ايدي مرة تانية
يا حاج"
رمقها بامتنان ممتزج بالحب وهو يقول:"انتي نسيتي اسمي
وال ايه يا هدية؟ حاج.. حاج.. مفيش محمد!"
اقترب منها هامسا:"مفيش حبيب قلبي زي ماكنتي بتقوليلي
زمان وانا نايم وفاكراني مش سامعك!"
شهقت بخجل وهي تخفي رأسها بصدره ليضمها له ضاحكا
وهو يحمد الله أنا أفاق من غفلته قبل فوات الأوان .
****
كان عامر ورُسُل ولين جالسين بعد تناول الغداء جميعا
لتُدخِل رُسُل جدها وجدتها إلى الغرفة وتعود لتجلس مع عامر
ولين اللذين أصرّا على جلوسهما معا وعامر يقول بمرح:
"يا رُسُل ماتسيبنيش مع الست دي لاحسن بتشربني حاجة
اصفره وتغرغر بيا ومبحسش الا بنفسي وانا قايم الصبح
زي رايح الشغل زي المضروبين بال.. وال بلاش"
لكزته لين وهي تضحك بقوة تشير ل رُسُل التي ترمقهما
ببراءة لا تفهم ما يرمي إليه ليهمس داخله:"واضح ان كرار
هيتفقع يا قلب امه البت مش فاهمة يعني ايه حاجة اصفره,
ياللا يمكن تفهمها بالعراقي"
صدحت ضحكة جده عاليا من داخل الغرفة لينفجروا جميعا
بالضحك وعامر يقول:"ايه قمة قلة الادب؟!"
ردت لين ضاحكة:"إننا نخبّط على جدي وجدتي دلوقتي"
ليضحك بقوة وهو يقول:"وايه قمة الدهشة؟"
لتجيبه لين من بين ضحكاتها:"انهم يفتحوا"
"يا جدي يا جامد"
صاح عامر بشقاوة لينفجرا ضاحكين ورُسُل ترمقهما بريبة لا
تفهم ما يرميا إليه لتزداد ضحكاته وهو يقول لها:
"لا ده موضوع كبير كده هتبقى لين تقولهولك لما تكبري"
وأكمل هامسا فلم تسمعه سوى لين التي سقطت عن الأريكة
من الضحك حالما قال:"يا قلب امك ياكرار يابني ده انت
هتتعب اوي مع البريئة دي.. البت دي اكيد بتضحك علينا
ولا كانت في لندن ولا بتاع"
"عامر يا قلبي انت اللي قليل الأدب"
قالتها لين ضاحكة ليجيبها لاويا شفتيه:"حوشي يابت الأدب
اللي بيقع منك, ده انتي كان هيجيلك سكتة قلبية لما عملت اني
نايم يوم فرحنا"
ضحكت عاليا وهي تقول:"لايقين على بعض يا بيبي"
حرّكت رُسُل رأسها ضاحكة عليهما وهي تنهض لتستقبل
مكالمة خولة التي تصر عليها أن تكون ببغداد قبل الزفاف
بعدة أيام.
****
ليلة حنة (نبأ وخولة)
ابتسمت ترمق الجمع حولها بشوق وكأنها غابت عنهم سنوات
وليس فقط شهرين أو ثلاثة.. مظاهرالحنة التي لم ترها من قبل
والتي فهمت من لين أنها مشابهة لما يحدث بمصر..
لقد أوفى والدها بوعده لها ورافقها قبل أيام لزفاف صديقتيها
الوحيدتين والتي انضمت لهما لين مؤخرا .. حتى أن جون
وديانا وأندي رافقوها بالرحلة وهم يظهرون انبهارا بما يرونه
كما انبهارهم بمصر..
ابتسمت وهي تعود بذاكرتها للحظة لقائها بأخوتها وشوقها لهم
الذي تحول لدموع الفرح والتأثر عندما علمت أنهم سيستقرون
بمصر ليكونوا فقط بجوراها.
"رُسُل!"
هتاف ديانا باسمها وركضها لها مع أندي لتضمهما بقوة وهي
لا تصدق أنها تراهما مرة أخرى بخير وبعيدا عن تلك المرأة..
"يا إلهي اشتقت لكما كثيرا"
"وأنا رُسُل اشتقت لكِ بقوة, كيف حالك أختي؟"
مررت كفها على وجهه الحبيب وهي تقول:"بخير حبيبي,
كيف حالك أنت؟ مفاجأة رائعة أن أراكما هنا"
"لماذ غادرتِ رُسُل؟ لماذا لك تأخذينا معكِ؟ أكنتِ ستنسينا
لو لم نحضر إليكِ!"
قالتها ديانا بحزن فضمّتها لها بحب وهي تقول بهدوء:
"وهل ينسى الإنسان إخوته ديانا؟! ألا تعلمي مقدار حبي
لكما حبيبتي؟ أنتما روحي فكيف أستطيع نسيانكما؟
فقط انتظرت حتى أنظّم أموري هنا قبل أن آتِ لرؤيتكما"
ظلّا معها اليوم بكامله ليفاجئها نور أنه ساعدهم بالاستقرار
قريبا منها حتى يتسنى لها أن تكون معهم دوما!
وقتها لم تصدق ما يحدث!
طالما تمنت أن تكون لها عائلة كبيرة, طالما غبطت خولة على
عائلتها وتمنت لو كانت لها عائلة مثلها, ليكافئها الله بعائلة
كبيرة رائعة.. لتشعر أنها لا ينقصها شيئا أبدا حتى....
أغمضت عينيها بقوة وهي تجبر نفسها على عدم التفكير به
هو من استسلم وتركها, لا تظن أنها أحبها حقا وإلا ما كان
استسلم سريعا هكذا.
أعادها من شرودها صوت خولة وهي تقول بمرح:
"وين صفنتي (شردتِ) رُسُل"
ابتسمت لها رُسُل وقد وجدت الإلهاء المناسب وهي تقول:
"بتأمل بجمالك"
ضحكت خولة بمرح قبل أن تقول بشجن:
"مداصدق رُسُل اني راح اتزوج زيد, احس انو اني غبية
هواي لان ضيعت كل هاي السنوات من عمرنا بالرفض
وعذّبته وعذّبت نفسي وياه"
ابتسمت رُسُل قبل أن تقول بمرح حتى تخرجها من حالة
الشجن التي خيّمت على الأجواء:"شاكة انك غبية يعني مش
متأكدة؟!"
ضحكت عاليا وهي تستجيب لمزاح رُسُل ثم قالت:
"من الواضح انو لين اثّرت عليج هوايه وصرت ما اعرفك
يابنت"
ابتسمت رُسُل وهي تقول:"حتى عامر بيقولي كده"
التفتت حولها وهي تبحث عن نبأ قائلة:"فين نبأ؟"
ابتسمت خولة ثم قالت ضاحكة:"أخذتها لين حتى تعطيها
نصائح ليلة العرس الخاصة بيها واكيد راح تجي لين
وعنده كدمة او كدمتين بسبب نبأ"
ضحكت رُسُل بقوة لتدخل لين بنفس اللحظة متذمرة:
"هاي البت شنو! لك صرعتني وما رضيت تسمعني ابد,
ثم عافتني بعده ماادري وين راحت!"
عقدت رُسُل حاجبيها وهي تقول:"انتي قلبتي عراقي ليه
ماكنا حلوين! خليني احس ان حد معايا"
ضحكتا عليها لتقول خولة:"ماشاء الله لهجتك هواي اتحسنت,
ولوما مخارج الحروف عندج لظنيت انج تعيشين بمصر
طول عمرج"
ابتسمت وهي تشرد مرة أخرى تتذكر تذمّره منها وهو يصر
عليها أن تتحدث بالعربية فقط وكما كانت تعانده وقتها..
نفضت رأسها ووالدة خولة تدلف مع نبأ وحماتها ليبدأوا
الاستعدادات لطقوس الحناء .
ابتسمت رُسُل وهي تشاركهم بعجن الحناء ثم وضعها
بأطباق على صينية فضية ومعها طبقين من السكاكر
والشوكولاة وعدة شموع وأوراق ال ياس..
كانت مبهورة بكل ما يحدث أمامها وهي تشعر أنها بعالم آخر..
عالم شرقي تغلغل بداخلها ربما قبل مولدها فهي لم تجد
نفسها سوى به..
طالما كانت ضائعة بين هويتها العربية المسلمة وبين هويتها
الغربية التي تصر والدتها على فرضها عليها ولكنها منذ
جاءة للعراق المرة الأولى وهي علمت...
علمت أن هويتها العربية لن يستطيع محوها أي شيء أو
شخص حتى ولو ظلّت طوال عمرها بالخارج, حتى ولو لم
تجد والدها أو حتى تقابل كرار!
زفرت بقوة وهي تنفض رأسها بحنق.. كل تفكير لها يعود
لنقطة البداية.. كرار!
هي حتى لم تلمحه حتى الآن, لم يهتم بأن يقترب منها ولو مرة!
يشرح لها موقفه, يعيد عليها عرض الزواج الذي وافقت عليه
عن طريق والدها.. وكأنه شعر بالراحة وصرف تفكيره عنها
وعن الاعتذار لها عما بدر منه سابقا!
وكأنه يخبرها أن دورها انتهى ما إن وافقت على الزواج منه
بكل حماقة.. ولكنها لم تستطع إلا أن توافق!
لم تستطع أن تحرم قلبها من لذة القرب منه, لم تستطع أن
تعاند قلبها أكثر بعد أن رفضته مرة من قبل لتجد نفسها
توافق عليه دون أي إرادة منها!
****
على الجانب الآخر كان يحترق.. يريد رؤيتها ولكنه لا
يستطيع الاقتراب من المنزل فالرجال جميعا بالمنزل الآخر
استعدادا للزفاف حتى كاد يفقد الأمل لولا تهور زيد وعامر
اللذين تسللا بوقت متأخر بعد انتهاء طقوس الحناء كل إلى
زوجته ليجد نفسه يقف مراقبا لهما الطريق !
التقط وجودها قلبه قبل عينيه ليقترب منها ببطء وكله شوق
لنظرة من عينيها القاتلتين, اللتين ترديانه صريع عشقها
حالما تقعان عليه.
اقترب هو يشكر حسن حظه الذي جعله يشارك بالتهور فها
هو يكحل عينيه برؤيتها ويصبّر قلبه بقربها.. اقترب واقترب
حتى وقف خلفها تماما وهو يراها شاردة وعلى وجهها ابتسامة
جعلته يريد أن يقتنصها بشفتيه ليعض عليهما بقوة وهو
يقول بصوت أجش:"اشتاقيت ضحكتج!" .
****
تنهيدة طويلة خرجت منها وهي تراقب نظرات زيد ل خولة
قبل أن تستدير وتذهب لمكانها المفضّل.. ذاك الذي قابلته فيه
لأول مرة بمنزله.. لم تكن تتخيل وهي مغادرة المرة السابقة
أنها ستعود لهذا المنزل مرة أخرى ..
ابتسمت بمرح وهي تفكر أنها لم تأتِ بمفردها هذه المرة بل
جاءت مع والديها (نور وجون) وأخوتها.. وهل هناك من هي
أكثر سعادة منها بوالديها الحنونين؟!
"اشتاقيت ضحكتچ"
أجفلت على صوته ولكنها لم تلتفت له فمازالت مشاعرها
مجروحة منه لما فعله من قبل، ليستدير هو ويقابلها وهو يتابع:
"ماتريدين باوعي (تنظري لي) علي، انتي لسه زعلانه مني
ولسه كلبچ مو مسامحني؟!"
لم ترد عليه فقط أشاحت بوجهها عنه بإنفة وقلبها يقرع بداخلها
بقوة حتى أنها تخيّلت أنه يسمعه..
وقف أمامها مرة أخرى وهو يقول:"شسوي حتى تسامحيني
رُسُل؟ گولي لي وماتعوفيني (تتركيني) هيچ بعد ما اعرف
وشسوي!"
"لم أطلب منك فعل شيء كرار، فقط اتركني ولا تقترب
مني أبدا"
صدح صوت بداخلها يهتفSadكاذبة رُسُل، لو ترككِ لكُسِرَ قلبك
للمرة الثانية.. انتِ تريدينه أن يحارب من أجلك حتى لو
اضطر أن يحاربك أنتِ نفسك)
نفضت رأسها تمنع أفكارها من الظهور على صفحة وجهها
لتسمع همسته بجانب أذنها:"ما راح اعوفچ رُسُل، ما راح
أعوفچ لا وانتي ببيتي، حبيبتي وزوجتي وام چهالي
(أطفالي).. ما اعوف ايدچ لا أضمچ لصدري.. ما عوف عينچ
لا أحچي ويه شفافچ، ما راح تگدرين تبعديني عنچ مهما
سويتي"
شهقت بخجل وهي تبتعد عنه:"وقح!"
لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى وجدت نفسها تطير بالهواء
محمولة بين ذراعيه وهو يهمس لها بمكر وقد عيل صبره
من بُعدها عنه:
"بعد ماشفتي الوقاحه رُسُل.. بس اصبري حتى نتزوج وراح
اوريكي شنو الوقاحة من صدك، بس (بل) ما يفوق الوقاحة
بمراحل"
هتفت من بين أسنانها وهي تشعر أنها تحترق من الخجل
والغيظ:"اتركني كرار!"
"ما اعوفچ إلا لو سمعتها منچ وبالعربي رُسُل"
عقدت حاجبيها بحيرة وهي تقول:"اتركني وسأخبرك ما تريد..
ما تفعله لا يصح أبدا سأقول لأبي.. لا بل سأقول لعامر على
ما تفعله وتجاوزاتك هذه"
ضحك باستمتاع وهو يقول:"گولي لمن تريدين رُسُل حتى
يسرعون بزواجنا بدل ها الانتظار اللي بيگتلني، فحالتي
صارت گلش ميؤس منه رُسَل.. گولي أحبچ كرار واعوفچ
هسّه"
شهقت وهي تتملص منه بقوة:"يا إلهي أنت مجنون"
زمجر بغضب قائلا بالانجليزية:"لو تحدثتِ أمامي بالانجليزية
مرة أخرى سأقبّلك حتى تكفّي عن ذلك.. والآن هيا قولي..
أحبك كرار وسأتزوج بك وإلا سأحملك هكذا إلى كلا والديك
وأخبرهما أنكِ من طلبتِ"
هتفت بغضب:"أكرهك كرار ولن أتزوج بك ابدا وسأتحدث
بالانجليزية طوال الوقت وأريني ماذا بإمكانك أن تفعل"
قهقه ضاحكا وهو يغمزها بينما يسير باتجاه مجلس الرجال
الخالي بهذا الوقت خوفا من أن يستيقظ أحد ويراهما قبل أن
يقنعها:
"أويلي احببت اختيارك حبيبتي، چنت اتمنى صدك انچ
تتحديني، حتى تعرفي شلون اني مجنون وجنوني بيچ ماله
حدود"
شعرت بالضعف يتسلل إليها وهي تحاول التملص بين ذراعيه
مشاعرها مرتبكة!
مزيج من الغضب والخجل والحرج لو رآهما أحد هكذا..
مزيج من الذنب لقربه منها بهذا الشكل..
مزيج من السعادة لأنه يحاول إقناعها بشتى الطرق, مزيج
من الغرور وهي تراه يتخلى عن وقاره ورزانته المشهور
بهما فقط من أجلها ..
تنهيدة طويلة فلتت من بين شفتيها ليغمض عينيه وهو يعض
شفتيه بقوة كادت تدميها وهو يمنعهما مما يتوق إليه.. يصبّر
نفسه أنه حالما يحصل على الموافقة لن يمهلهم سوى عدة أيام
قبل الزفاف فهو لم يعد له طاقة على رؤيتها دون أن يتهور,
لم يعد له طاقة لسماع صوتها دون أن يُصمِتها بأكثر الطرق
وقاحة لديه..
تكالبت عليه أفكاره ليهتف بها بقوة حتى تكف عن التملص
فهو لم يعد قادرا على السيطرة على مشاعره.. هو فقط يريد
سماع موافقتها على الزواج قبل عقد القران .
"كافي عاد تتحركين رُسُل, تره والله أسوّي شي متهور
وبعدين راح نندم عليه سوه"
سكنت بين ذراعيه فأوقفها على الأرض حتى كادت تسقط
من طريقته الفظة ليهتف بها:"اسبوعين رُسُل, اسبوعين وبس
همه اللي عندج حتى تكونين الي وبين حضني.. وماراح
اعوفج ولا راح اترج الك فرصه ترفضي.. وباجر نعقد
بالمحكمة لان اني ما بعد اتحمّل اصبر, وماعندي اي قوة
اني ابتعد عنج هواي"
غادر وتركها تحدّق للفراغ بعده وهي تشعر بدغدغة لذيذة
داخلها لترتسم على شفتيها ابتسامة كبيرة قبل أن تعود للغرفة
التي تقطنها مع باقي الفتيات وهي تفكر..
(غبي كرار, لو لم أكن موافقة على الزواج منك أيها الغبي فلِمَ
سأذهب لإجراء تحاليل ما قبل الزفاف! يا إلهي صبرني على
غبائه فقد قارب صبري على الانتهاء) .
****
يوم زفاف (نبأ وضي.. خولة وزيد)
"يا الله يا رُسُل ما اصدق انج صرتي زوجة كرار أخيرا,
كلووووش"
قالتها خولة ضاحكة لتبتسم رُسُل بخجل وهي تقول:
"ولا انا مصدقة! حاسة اني بحلم خولة"
رفعت بصرها وهي تقول:"بحلم صح!"
ابتسمت لها بحنو وهي تضمها لها قائلة:
"أحيانا الواقع يصير احسن من الحقيقة.. وانتي تستحقين
السعادة رُسُل بعد كل ما مريته بيه"
"ايوة بقى خولة بقت حكيمة زمانها على ايد زيد,
والله ولاد خالتي دول مش قليلين ابدا.. التلاتة واقعين واقفين"
قالتها لين وهي تغمزهم ثم تابعت:"ياللا بقى عشان فاضلهم
تكة ويهجموا على الاوضة يجرجروكم من شعوركم الحلوة
دي"
تجمدت كل من خولة ونبأ وقد فارقتهما شجاعتهما وهما
ترمقان بعضهما بقلق لتضحك لين بقوة وهي تقول:
"ماتقلقوش مش بيعضوا"
صم عدّلت ياقة وهمية وهي تقول:"مانا قولت افيدكم بخبرتي
بس انتوا اللي مارضيتوش ياللا بقى روحوا خلوا الكسوف
ينفعكم"
ضربة على رأسها من رُسُل تبعه:"بس بقى صدعتيني,
مش شايفاهم خايفين ازاي! انتي جوزك سايبك ليه!"
لوت شفتيها وهي تقول:"ياحبة قلبي هو انا عارفة اتلم عليه
من وقت ما جينا هنا! ده حتى امبارح لما جه هو وزيد بالليل
مالحقتش اخد غير بوسة.. عندي كبت يا ناس"
انفجروا بالضحك لتضربها رُسُل مرة أخرى وهي تقول:
"يخربيتك فضحتينا, لو حد سمعك يقول ايه!"
قالت ضاحكة:"هيقول عندي حرمان عاطفي ويبعتوني مع
جوزي حبيبي"
حرّكت رأسها لا فائدة لتدخل والدة خولة وضي ليرافقوهما
للخارج تى آبائهن ليتسلم زيد خولة وهو يقبض على كفها بقوة
ويتسلم ضي نبأ وهو يبتسم برزانة مخالفة لما يريد فعله
بهذه اللحظة .
****
دلفت إلى الغرفة وكل ما فيها يرتجف حتى شعرت أن الجميع
لاحظ ارتجافها وخاصة زوجها الذي يرميها بنظرات غريبة
منذ عُقِدَ قرانهما وأصبحت له شرعا وقانونا..
اقترب منها لتتقهقر للخلف وهي ترمقه بقلق ويشحب وجهها
لينفجر ضاحكا فيعود اللون لوجهها غضبا وليس خجلا وهي
تهتف بحدة:"شنو اللي يضحك ضي؟ ضحكني ويك"
"انتي"
كلمة من ثلاثة أحرف جعلتها تشتعل من الغضب ليتراجع
غضبها أمام خجلها وهو يرمقها بجرأة تراها به للمرة الأولى
وهو يبدأ بخلع ملابسه لتشهق بقوة وهي تستدير مبتعدة لآخر
الغرفة وباللحظة التالية كانت بين ذراعيه ظهرها يستند
لصدره وهو يهمس لها: "وأخيرا نبأ.. وأخيرا!"
"ضي!"
همسة مرتجفة جعلته يعي لخوفها وقلقها بجانب خجلها فنهر
نفسه وزفر بقوة يخفف حدة مشاعره القادرة على التهامها بلقمة
واحدة شهية وهو يديرها بين ذراعيه قائلا بنفس الهمس:
"لا تخافين حبيبتي لا تخافين, شسوي اتخلبت اي وفقدت عقلي
بس اكو هناك شوية عقل اتمسك بيه بس علمودج وهايه
لا تخافين"
هدأت قليلا واستكانت بين ذراعيه تنعم بدفئه ومشاعره التي
طالما تمنتها ليتابع:
"بس عوفيني اتأكد انج كدامي صدك وانج الي ومن حقي..
عوفيني اشبع عيوني منج بعد ماجنت احاول نسيان وجودك
وياي في بيت واحد طوال سنين.. بعد ماجنت احترك
كلما اتخيل انج راح تكوني لغيري.. بس كولي انج تحبيني
وانج إلي وساعتها حتى لو اموت ما اعترض ابدا بل راح
اكون سعيد جدا"
لم تستطع النطق ببنت شِفة ولكن عيناها نطقتا بالكثير الذي
أشعل مشاعره أكثر ليضمّها له بقوة وهو يستخرج منها ما يريد
سماعه بطرقه الخاصة جدا .
****
"خولة!"
همسة باسمها جعلت قلبها يقرع بقوة وهي تعض على شفتيها
غير قادرة على النظر إليه ليقول ضاحكا يخفف من توترها:
"واجه الوقت الي اشوفج بيه صامتة خولة, وين توم المسكين
الي جنتي تسمعيه ما لذ وطاب من الحجي!"
هتفت باندفاع وقد نسيت توترها وأنها معه بمفردها للمرة
الأولى:"الله لا يعيده أبد"
ضحك عاليا وهو يقترب منها ملهيا إياها بالحديث:
"الرجال كان عاشك خولة, لا ترحمين عشكه المحرم!"
لوت شفتيها بطريقة مضحكة وهي تقول:
"عشكه قرد ان شاء الله, ولا اكولج عشكه برص وثلاثة
خرص على كولة لين"
ضحك بقوة لتكتشف أنها أصبحت بين ذراعيه بالفعل وقد
خلع سترته وقميصه لتشهق بقوة وهي تقول:
"زيد!"
"يا كلب (قلب) زيد الذايب بهواكي"
قالها وهو يقترب بوجهه منها ببطء وأنفاسه تثقل لتشعر
بالارتباك يعوث بداخلها لتهمس بخجل:"زيد!"
"لو ظلتي تكولين زيد بهاي الطريقة تره والله انسى كل دروس
السيطرة على النفس بهاي اللحظة.. تره انا بلكوة (بالقوة)
مسيطر على مشاعري"
"يا ويلي!"
همست بها وهي تغمض عينيها غير قادرة على مقابلة عينيه
اللتين احتدمت بهما المشاعر حتى شعرت أنها ستحرقها..
وكأنها منحته الضوء الأخضر بإغماضها عينيها لينسى كل
ما تعمله عن السيطرة وينسى كل خططه والكلام الذي جهّزه
لهذه الليلة.. ويتذكر فقط أن خولة أصبحت له قلبا وقالبا .
نهاية الفصل
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 6:28 pm


الفصل السادس عشر قتلتني عيناها
والاخير
(الماضي)
"كارين! مرحبا بكِ منذ فترة لم نركِ وأظن أن تواجدك هنا
لسبب ما وليس زيارة عادية"
ابتسمت كارين وهي تقول:"أجل ويليام, لم آتِ فقط لإلقاء
التحية بل هناك خدمة بسيطة أريدها منك"
رمقها بغموض قبل أن يقول:"أنتِ تعلمين جيدا أن لا خدمات
دون مقابل"
ابتسمت بثقة وهي تقول:"بالتأكيد أعلم ذلك جيدا ويليام"
"إذا فلتخبريني بالمقابل قبل الخدمة لأرى إذا كان يستحق
أن أستمع لكِ"
قالها وهو يجلس على مقعده خلف مكتبه دون دعوتها للجلوس
كذلك لتجلس هي دون أن تنتظر الإذن وهي تلوّح ب بطاقة
للذاكرة (فلاشة نت) قائلة:
"معي أوراق الصفقة الأخيرة لشركة جون, وهي كبيرة جدا
وخسارتها ستضره ولكنها لن تقتله"
قالت كلمتها الأخيرة وهي تغمزه بعبث فرمقها بدهشة وهو
يقول:"هل الخدمة تخص جون؟! أليس صديقك الحميم!"
زفرت بغنج وهي تقول:"أجل صديقي الحميم ولكن الخدمة
لا تخصه بل عربي حقير"
عقد حاجبيه وهو يقول:"زوجك!"
صحّحت بنفور:"من كان زوجي, لقد انفصلنا منذ سنوات..
ألا تذكر؟!"
أومأ قبل أن يقول بهدوء:"هاتِ ما لديكِ"
"أريد محوه من الوجود حتى أحتفظ بابنتي"
صمت للحظات قبل أن يقول:"لكِ هذا ولكن أريد مقابل آخر"
رمقته بدهشة وهي تقول:"ما هو؟!"
"ابنتك" .
****
خرجت من الروضة تصطحب رُسُل التي ترمقها بنظرات
غريبة كرهتها.. نظرات أشبه بنظرات نور والدها..
تلفتت حولها خشية مفاجأته لها لتطمئن ما إن وجدت رجال
ويليام بالجوار فسارت مطمئنة إلى أن سمعت صوت اصطدام
قوي لتتسع حدقتاها للحظات وهي ترى جسد نور الملقى على
الأرض غارقا بدمائه وتلتفت لترى رجال ويليام قد اختفوا
كذلك.. فأسرعت راكضة لتختفي هي أيضا ومشاعرها تتراوح
بين الراحة لأنها تخلصت منه أخيرا وبين القلق أن يعلم جون
بأنها السبب وراء ما حدث..
هل لا تريد خسارة جون فهو يضمن لها حياة كريمة لن
تستطيع التخلي عنها أبدا, يضمن لها المال والسلطة لذا
خسارته بالعمل كانت إلهاءا عما تفعله لا أكثر فهي تعلم أن
خسارته لن تؤثر بعمله كثيرا وسيستعيد قواه مرة أخرى
سريعا كعادته.
****
"ماذا تعني أنك لم تجدها؟!"
صاح ويليام بغضب عارم ليرتبك الرجل ويتلعثم وهو يقول:
"هربت سيدي, لم أجدها لا بمنزلها ولا بأي مكان آخر وكأنها
اختفت عن وجه الأرض.. حتى جون لم أجده ولم أستطع
الوصول إليه"
برقت عيناه ببريق مخيف ثم قال:"إذا كارين.. تتخيلين أنكِ لن
تنفّذي الجزء الثاني من الاتفاق.. تتخيلين أنكِ تستطيعين
الهرب ونسيان أمري.. سنرى كارين, سنرى"
****
بعد عدة سنوات
(الماضي أيضا)
"ماذا تعني بألا أتدخل توم؟!"
هتف ويليام بغضب ليقول توم:"أخي, امنحني الفرصة للتقرّب
منها, أريدها أن تكون لي بكامل إرادتها"
زفر بنزق من طريقة شقيقه غير النافعة كما يرى ثم أطرق
مفكرا قبل أن يقول:"ما لا تعلمه توم أن أمها مَدِينَة لي كثيرا
وكان المقابل هو رُسُل ولكن اللعينة هربت بها لسنوات ولم
تعد إلا منذ فترة قريبة ولابد أن تدفع ثمن خداعها لي"
"كارين لا تهمني بشيء ويليام, أنا لا أريد سوى رُسُل..
أريدها أن تقع بحبي, أن تأتي لي طواعية.. هل تفهمني أخي؟"
"حسنا توم ولكن عدني لو واجهتك أي مشكلة أنك ستلجأ لي"
ابتسم توم بحب وهو يقول:"ومَن لي سواك أخي!"
****
(الحاضر)
"ماذا تعني أنها لن تعود؟!"
قالها توم صارخا ليرمقه الرجل بريبة وهو يقول:
"لقد تم نقلها لفرع الشركة بمصر بناءا على طلب منها"
برقت عيناه بقوة وهو يصرّ على أسنانه صارفا الرجل
بإشارة من يده قبل أن يلتقط الهاتف وما إن فُتِحَ الخط حتى
قال:"لن تعود أخي.. لن تعود"
وصله صوت أخيه ليطرق مفكرا قبل أن يقول:
"حسنا أخي سأفعل"
****
دلفت إلى المنزل وهي تشعر النفور من قاطنه الذي لم تلجأ
له إلا ليقضي مصلحة لها ولم يفعل حتى الآن..
جالت بعينيها في أرجاء المنزل تحاول أن تلتقط له وجودها
ولكن قابلها الصمت المطبق!
عقدت حاجبيها بريبة وهي تفكر أين ذهب؟!
"مرحبا كارين"
أجفلت على الصوت الذي هربت منه طويلا لتجده جالسا
بأريحية على أريكة بغرفة المعيشة.. ولحظات حتى عمّ الضوء
أرجاء الغرفة لتشعر بالعمى للحظات قبل أن تبدأ بالرؤية
بوضوح ..
"ويليام!"
"مفاجأة أليس كذلك؟! هل كنتِ تتخيلين أنكِ ستهربين
مني طويلا؟!"
ازدردت ريقها ببطء وهي ترمقه بريبة قبل أن تقول:
"أنا لم أهرب منك لقد كنت أبتعد عن عائلة زوجي السابق
فقد كانوا يطاردوني بكل مكان"
لوى شفتيه بسخرية قائلا:"حقا! ألم تهربي مني؟! إذا لِمَ لم
تنفّذي الجزء الآخر من الاتفاق؟!"
"أنت لم تنفّذ الاتفاق كذلك"
قالتها بجرأة ليرفع حاجبه وهو يقول:"امم إذا كيف أصيب
زوجك السابق؟!"
"ها أنت قد قلتها بنفسك.. أصيب فقط ولم يقضِ نحبه.. إذا لِمَ
تطالبني بتنفيذ اتفاق أنت لم تنجزه من الأساس؟"
صمت للحظات قبل أن يقول:"أنا أعلم أنكِ لا تحبينها إذا لِمَ
لم تحضريها إليّ؟"
زفرت بخفوت وهي تقول:"لم أتمكن من المساس بها بوجود
جون, فقد كان يحميها بحياته أكثر مما فعل مع أطفاله"
"لقد أثبتِّ مرة بعد مرة أنه لا أهمية لكِ لذا..."
صمت وهو يرمقها بتشفّي ويشير بيديه وقبل أن تعي ما يحدث
معها كانت قد غابت عن الوعي".
****
يدور ويدور كالأسد النزق.. لا يصدق ما حدث!
بالكاد رآها منذ عقد القران, بالكاد همس لها مبارك دون
حتى لمسة أو قبلة على الجبين فنور وجون لم يتركا له الفرصة
للاقتراب منها ولو للحظة منذ عقد القران حتى كاد يرتكب
جريمة وها هي سافرت دون حتى أن يودّعها!
وكل هذا لأنه أصرّ على أن يكون موعد الزفاف بعد أسبوعين
بعد أن كانوا يريدونه بعد شهر على الأقل ليعاقبوه بأن أخذوها
بعيدا وأنه لن يراها إلا ليلة الزفاف فقط.
زأر بعنف لينتفض الجالس خلفه صائحا:"ايه يا عم كرار
هتتحول لأسد وال ايه؟ ما تصلّي على النبي كده يعني,
كلها أسبوعين وتبقى معاك ومحدش له حاجة عندك"
ثم أكمل بخفوت:"ولو اني متأكد انهم مش هيسيبوك في حالك"
لكم الجدار بقوة لينتفض عامر مرة اخرى وهو يقول:
"يخربيت كده قطعت خلفي يا عم انت, ايه الهم ده؟ هم ياخدوا
العروسة ويسيبولي العريس مجنون!"
نهض من مكانه يتذمر وهو ينادي على لين قائلا:
"انتي يا ست لين ما تيجي تشوفي ابن خالتك اللي هياكلني ده؟
انا كان مالي ومال العراق ومال لين ذات نفسيها"
"نعم يا سي عامر؟!"
قالتها لين وهي تقف متخصّرة ليضحك عامر وهو يقول:
"نعم يا قلب سي عامر, هو انا بحب العراق من شوية..
ده انا مستعد احب ابن حالتك الكئيب ده بس عشان خاطرك"
ضحكت وهي تقول بغرور نصطنع:"ايوة كده اتعدل"
"اتعدل! انتي بتكلمي جوزك وال بتكلمي بياع الخضار!
ايه العيلة ال انا وقعت فيها دي!"
****
"جالسة على فراشها وهي تشعر أنها بحلم جميل لا بل رائع
هل أصبحت زوجته حقا؟!
هل أصبحت له أم أنها لازالت تحلم؟!
ابتسمت وهي تتذكر جنونه عندما علم بمغادرتها السريعة
دون أن يستطيع حتى تبادل كلمة واحدة معها من بعد عقد
القران..
حسنا هي سعيدة حقا أنها غادرت فهي لا تضمن جنونه بعد
عقد القران فنظراته وهو يهمس لها:
(مبروك يا كلب "قلب" كرار)
جعلت رجفة تجتاح جسدها بأكمله وهي تساعد أبويها في
الاختفاء عن ناظريه حتى نهاية حفل الزفاف.
اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر كيف بدأت قصتهما وأين وصلت!
بدأت بلقاء عابر أثّر بها.. خطف قلبها وأنفاسها معا وجعلها
لا تفكر بسواه.
تنهيدة طويلة فلتت من بين شفتيها قبل أن تنتبه لطنين هاتفها
فالتقطته وهي تعلم من المتصل قبل أن ترى الاسم..
فتحت الخط ليصلها صوته الأجش:"اشتقتلج رُسُل"
تسارعت أنفاسها وهي تهمس:"كرار!"
أنين خافت وصلها قبل أن يصلها صوتها:"كلب كرار وعقله
المخبل بيج"
أغمضت عينيها وهي تبتسم.. لا تصدق أنه يحادثها حقا,
أنها زوجته.. أنها من حقه وهو من حقها!
"وين روحتي؟"
"هنا"
"ما اريدج هناك, اريدج هنه بحضني رُسُل"
أغمضت عينيها بقوة وهي تهمس زاجرة:"كرار!"
ضحك بقوة وهو يقول:"انتي تتخيلي انو طريقتك هاي
راح تمنعني عن مغازلتج مثل ما أريد واشتااج..
لا حبيبتي هذا راح يزيد من وقاحتي هواي"
ابتسمت بخجل وهي تقول:"وحشتني"
صمت دام للحظات حتى أنها نظرت للهاتف تتأكد إذا
مازال الخط مفتوحا أم لا ليصلها صوته المحمل بالمشاعر:
"أويلي رُسُل.. ليش هيج تسوين بيه؟ ليش تكوليها وانتي مو
وياي, مو كدامي حتى أرد عليج بطريقة حلوه وشكد مشتاااق
للرد حبيبتي"
"وقح!"
ضحك عاليا حالما وصلته همستها ليقول:"بعد ما شفتي
الوقاحة حبيبتي, مبقى شي.. هي كله عشرة ايام وبس
وبعدين راح تشوفي كلشي وقح وكتها.. مراح يكون هناك
لا جون ولا نور او اي شخص راح ينقذج من بين ايدي"
شهقة خجولة تبعها صمت مطبق لينظر للهاتف بريبة ليجدها
أغلقت الخط فضحك عاليا وقد اعتدل مزاجه قليلا .
أغلقت الخط وهي تهتف:"يا إلهي وقح, كيف سأتعامل معه؟!"
لترتسم ابتسامة حالمة على شفتيها وهي تتمتم:"ولكني أحبه,
أحبه كثيرا"
****
"انما اخوك ده يا ضي بسم الله ماشاء الله حظه في رجليه زي
ما بنقول, الواحد بيبقى له حما واحد وبيطلع عينه.. كرار بقى
ماشاء الله ربنا يزيد ويبارك يعني له تلاتة, هم كانوا اربعة
الحقيقة بس انا اشفقت عليه وقولت كفاية خالي وجدي وجون..
هيطلعوا عينه ويقول حقي برقبتي بعدها"
ضحك ضي عاليا وهو يرمق كرار الذي يتميز غيظا بمرح ثم
قال:"اكيد هاي امي دعت له هوايه"
"او يمكن هاي اعماله الي سلطت عليه"
قالها زيد مشاركا المرح لينهض كرار وهو يبعد المقعد بعنف
مصدرا صوتا قويا وهو يهتف:"صرت مضحكة الكنم..
ميخالف, مبقى شي غير اسبوع وماكو احد يكدر يسوي
شي بعدها"
ضحك عامر عاليا وهو قول:"لو انت فاكر انك لما تتجوزها
كده نفدت تبقى بتحلم.. ده ممكن يطلعولك من الحنفية, من
خرم الباب.. اسألني أنا, وكله كوم بقى ولما تقولك هبات
عند ماما قيمة شهرين كده"
اعتدل وهو يتابع:"لو قولتلها لا ياقلبي مقدرش ابعد عنك
تقولك انت مستبد وعايز تبعدني عن اهلي..
ولو قولتلها ماشي حبيبتي خدي راحتك وحقك تقولك انت
مش عايزني وبتفرط فيا بسهولة"
ساد الضحك والمرح بينهم ليتابع عامر بشقاوة:
"وقتها تحس يا أخي انك عايز تطلقها بالتلاتة وتخلص"
"بتقول حاجة يا عامر؟!"
قالتها لين التي ظهرت من العدم وهي تقف بجواره متخصرة
لينتفض عامر وهو يحوقل ثم قال:"بسم الله الرحمن الرحيم..
هو بيطلعوا امتى دول؟! لا ياحبيبتي ده انا بقولهم ان الجواز
ده عامل زي البطيخة.. يا تطلع حمرا يا تطلع...."
صمت وهو يراها تزجره رافعة حاجبها ليكمل مصطنعا
الارتباك والخوف:"يا تطلع حمرا برضه.. ماهي لازم تبقى
حمرا امال يعني هتبقى بني"
ارتفعت الضحكات عاليا لينهض كرار وهو يقول:
"اشوفكم يوم العرس"
رمقه الجميع بريبة ليقول زيد:"لوين رايح كرار؟"
"لزوجتي"
قالها ثم اختفى من أمامهم ليضحك عامر وهو يقول:
"ياعيني الواد اتجنن قبل مايتجوز امال لما يتجوز هيحصله
ايه"
"عامر!"
زجرة من لين جعله ينتبه أنها لازالت موجودة ليقول متذمرا:
"ايه يا لين موراكيش حاجة تعمليها؟ مالك كابسه على نفسي
كده ليه؟ سيبيني افك شوية مع العرسان واستعيد الذكريات"
"ده على اساس اننا متجوزين بقالنا عشرين سنة يعني"
قالتها لين ضاحكة ليجيبها محركا حاجبيه:
"تصدقي ياحبيبتي كل ثانية معاكي بتعدي كأنها سنة"
"نعم!"
قالتها لين وهي تكاد "تردح" ليقول ضاحكا:"اقصد كل ثانية
بعيد عنك بتعدي كأنها سنة"
"اه افتكرت"
قالتها مهددة ثم غادرت ليتابع بصوت خافت سمعه كلا من
زيد وضي اللذين انفجرا بالضحك حالما قال:
"وكل ثانية معاكي بتعدي كأنها عشر سنين.. يالهوي ان ايه
اللي خلاني اتجوز بس؟ ما كنت قاعد واكل شارب نايم براحتي
لا حد بيقولي خد الزبالة وانت نازل ولا حد بيقولي اتأخرت ليه
ولا روحت فين.. يا صغيّرة على الهم يا لوزة" .
***
بعد يومين
"احذري انا وين!"
قالها كرار ما إن فتحت الخط لتضحك قائلة:
"وين!"
"اويلي على العراقي من شفافج حبيبتي"
ابتسمت بخجل وهي تقول:"انت في مصر؟"
ضحك بمرح ثم قال:"اي انا بمصر, مكدرت اكون بغير بلد
بعيد عنج, اريد اصير اقرب الج من أنفاسج"
تنهيدة حارة فلتت من بين شفتيها ليتأوه قائلا بحنق:
"انتي تتعمدين هيج رُسُل, تتعمدين انو تزيدين من ناري واني
راح احترك.. بس اني قريب منج وراح اجي الج ووكتها....."
قطع حديثه بنبرة ذات مغزى فهمّت بالحديث ليقاطعها رنين
جرس الباب فعقدت حاجبيها بريبة وهي ترمق الهاتف تقول
داخلها:
"غير ممكن! هل هو كرار؟! المجنون"
هرعت للخارج بعد أن ارتدت ثوب الصلاة لتفتح الباب
فوالدها كان بالعمل وقد نسيت الخط مفتوحا وكرار يسألها
من الطارق ولكنها لم تسمعه فقد تجمدت مكانها حالما فتحت
الباب وهي ترمق الزائر بصدمة:
"توم!"
"كيف حالك رُسُل, أفتقدك كثيرا"
ابتسمت بارتباك وهي تقول:"مرحبا توم, كيف علمت مكاني؟"
"من يسأل لا يضيع طريقه رُسُل, أليس هذا ما تقولونه؟"
قالها وهو يرمقها بغموض فرمقته بعد ارتياح وهي تقول:
"هل هناك شيء توم؟ أظن أننا أنهينا كل الحديث بآخر مرة"
برقت عيناه ببريق مخيف جعلها ترتجف داخليا وهي تبحث
بعينيها عن أي أحد ولكن الهدوء يعم المكان ولا يوجد أحد
بالجوار.
"ما بيننا لن ينتهي رُسُل, لن ينتهي أبدا"
قالها وهو يخطو إليها مقتربا بطريقة غريبة ونظراته أخافتها
فعادت للخلف بخطوة وهي تقول:"لم يوجد شيء بيننا من قبل
توم ولن يوجد لذا من فضلك غادر قبل أن يأتي أبي ويراك
ووقتها لن أضمن رد فعله"
ابتسم بخبث قائلا:"ولكني أعلم أن والدك لم يأتي بالوقت الحالي
وأعلم أيضا أنكِ بمفردك بالمنزل.. فلا تحاولي خداعي رُسُل"
"لا أفهم ماذا تريد توم؟!"
قالتها بحدة وهي تفكر .. هل يراقبها؟ وماذا يريد من كل هذا؟!
"أنتِ رُسُل, أريدك أنتِ ولن أتنازل عنكِ مهما حدث..
ستكوني لي أو لن تكوني لأحد"
تظاهرت بالثباث وهي تقول:"لقد تزوحت بالفعل توم ولم أعد
أصلح لا لك ولا لسواك.. لا لأحد سوى زوجي وفقط"
برقت عيناه بقوة وهو يهتف:"كاذبة!"
"بل صادقة, ألم يخبرك جواسيسك بموعد زفافي بعد أقل
من أسبوع كما أخبروك عن مواعيد أبي!"
اقترب منه لتتقهقر للخلف بريبة وهي ترمقه بحذر وترى
مظاهر الجنون على ملامحه.. أكان هكذا دوما أم أنه تغيّر
بهذه الفترة؟!
"من هو؟!"
لم ترد وظلّت ترمقه بصمت ليقول وقد استنتج من هو:
"كرار أليس كذلك؟! كيف رضيتِ به بعد أن نبذكِ رُسُل؟
كيف تخلّيتِ عن كرامتك بهذه الطريقة؟! لقد توّجتك ملكة
على عرش قلبي وماذا فعلتِ أنتِ؟ خنتني وارتبطت بمن أذلّك
وخذلك من قبل.. كيف تكوني بهذا الغباء!"
"لا دخل لك توم, غادر من فضلك وكُف عن إثارة المشاكل"
ضحك بشر وهو يقول:"لا رُسُل.. لن أغادر إلا بعدما أحصل
على ما جئت من أجله"
رمقته بقلق ليمسك بذراعها بقسوة يقرّبها له ويدلف لداخل
المنزل وهي تتملص من بين يديه بقوة دون جدوى وهو يقول
بجانب أذنها:"لن يحصل عليكِ أبدا رُسُل, لن أتركه يحصل
عليكِ.. ستكونين لي أولا وبعدما أنتهي منكِ لن يرضى بكِ
سواي"
مدّ ذراعه الآخر ليغلق الباب خلفهما بعدما نجح بالسيطرة على
مقاومتها وإدخالها داخل الشقة لتصدح صرختها عاليا
وبظرف لحظات حدث كل شيء بسرعة كبيرة.
وجدت نفسها تتحرر من بين يديه وهو يتراجع بعد أن تم
لَكْمِه بقوة وتوالت ضربات ولكمات وقد لاحظت توم وهو
يحاول الدفاع عن نفسه أمام كرار الذي لم تفهم كيف جاء ولا
متى وجون الذي كان يصرخ به ويضربه بقوة وحقد.. أما هي
فقد وجدت نفسها بحضن شقيقها أندي الذي كان عائدا من
الخارج مع جون لتتمسك به بقوة وهي تغمض عينيها غير
مصدقة لما يحدث, تتخيل نفسها بكابوس مريع تريد أن تفيق
منه ولا تعلم كيف!
عدة لحظات ووجدت نفسها تخرج من حضن أندي لحضن
كرار الذي حملها ضاما إياها بقوة وهو يهمس لها:
"لا تخافين حبيبتي, لتبجين.. انا هنا رُسُل, أنا هنا حبيبتي"
ما إن استنشقت رائحته حتى ضمّت نفسها له بقوة وهي تندس
بحضنه أكثر تريد الشعور به يحيطها.. يحميها من كل شيء
يدخلها داخل صدره حتى لا يستطيع احد الاقتراب منها أبدا
ولا أذيتها.
"كرار!"
همستها بتوسّل ألا يكون حلما وأن يكون حقيقة..
"كلب كرار وروحه"
"لا تتركني أبدا"
"ابدا رُسُل, ما راح اعوفج ابدا حبيبتي"
نحنحة قريبة جعلته يهمس لها بمرح مصطنع:
"راح انزلج رُسُل كبل ان يكص جون راسي عن جسمي,
بس دقيقة حتى يطمن عليكي ويروح"
أقرن قوله بالفعل وأنزلها على الأرض لتترنح بوقفتها فيسارع
بإسنادها إلى جذعه القوي لتغمض عينيها بقوة وهي تتمسك به
رافضة أن تفتح عيونها تحشى أن تجد ذلك الوغد أمامها مرة
أخرى.. ليهتف كرار بعنف وقد أدرك ما يجول بخاطرها:
"افتحي عيونج رُسُل"
حرّكت رأسها برفض وهي تغمض عينيها بقوة أكبر ليشعر
بيديها ترتخيان ويراها تستسلم لفقدان وعيها فهتف بها بعنف
وهو يشعر أنه سيعود لقتل ذلك الوغد:"لتفقدين الوعي وإلا
أسوّي شيء متهوّر راح تندمين عليه كبلي خاصة انه كدام
جون واندي"
كان يهددها فقط حتى تفتح عينيها ليطمئن عليها فقد تركهما
جون منذ لحظات حتى يبعد الوغد بعيدا قبل أن ينهي حياته..
ارتجفت بين ذراعيه لتنسل دمعة خائنة من بين عينيها ليضمها
له وهو يكاد يحطّم أضلعها دون وعي ليزفر براحة وهو يشعر
أنها عادت إلى مكانها الطبيعي بحضنه قرّبها منه أكثر حتى
اختلطت أنفاسهما ثم ارتشف دمعتها بشفتيه بشغف هامسا:
"لتبجين حبيبتي، افتحي عيونج وإلا أمسح دموعج بشفافي
وراح تصير فضيحة إذا باوعلنا أحد ووقتها متلومين إلا نفسج
لأن مراح أكتفي بدموعج"
لم ترد وهي تتمسك به وكأنها تمنحه الإذن ليفعل ما يشتاقه
ولكنه لم يفعل فهو لا يضمن رد فعله إذا ذاق رحيقها أن
يتركها مرة أخرى!
"رُسُل!"
همسة قلقة من نور جعلتها تفتح عينيها وهي تخرج من حضن
كرار الذي تركها على مضض وتركض لتندس بحضن والدها
ودموعها تنهمر على وجنتيها بقوة وشهقاتها تتعالى ونور
يضمها له بقوة وهو يربت على ظهرها يهدهدها حتى شعر
بارتخاء جسدها بين يديه ليهتف بجزع:"رُسُل!"
هرع له كرار وبلحظة كان يحملها بين ذراعيه بخفة ويضعها
على الأريكة وهو يربت على وجنتها برفق دون جدوى..
ليدخل جون بهذه اللحظة وأدرك ما حدث ليقول:
"لا تقلقا, هي لم تفقد الوعي كما تظنان, هذه عادتها كلما
شعرت بالخوف أو القلق تلجأ للنوم هربا من مشاعرها"
زفرا براحة نسبية ونور يشعر بالمرارة لأنه لم يكن بجانبها
يشعرها بالأمان, يضمها عندما تخاف أو تقلق.. لم يكن بجانبها
حتى ليعرف عادتها ك جون!
وكأنه أدرك ما يفكر به نور فهمس له معتذرا للمرة الألف
ربما:"آسف نور!"
أومأ برأسه دون حديث وهو يقول:"أنا من أخطأت بالاختيار
من البداية جون, ليس ذنبك أبدا"
****
جالسة على السرير الخاص بها, عيناها تدوران بالمكان تبرقان
بحقد هو جزء لا يتجزأ من شخصيتها.. وهي تتذكر ما أوصلها
لما هي فيه.. (محتجزة خلف القضبان بسجن حقير مع أحط
أنواع البشر)
زفرت بقوة وهي تتوعد ويليام من زجّ بها بكل ذلك وتلعن
حماقتها بافتراض أنها ربما تستطيع أن تنفد من عقابه
ليفاجئها بعقاب لم تتخيله أبدا!
لم يكتفِ أنها خسرت جون تذكرة أمانها بالعالم وأطفالها الذين
ربما لم تكن متعلقة بهم كثيرا ولكنها تشعر أنهم من إنجازاتها,
أطفالها الذين اختاروا تلك الجاحدة على الحياة معها.
عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي فقدت به وعيها لتفيق
وتجد نفسها على الفراش بجانب جثة صديقها اللزج!
ملابسها مليئة بالدماء ومجروحة عدة جروح صغيرة بكفها
وساعدها وبجانبها سكين كما يبدو طُعِنَ به صديقها عدة طعنات
وقبل أن تتحرك كانت الشرطة تملأ المنزل وتقبض عليها .
حاولت إفهامهم أنها ليس الفاعلة ولكن كل الدلائل كانت تشير
إليها بقوة لا تترك للشك مجالا .
أفاقت من شرودها على هزة عنيفة لجسدها كادت معها تسقط
عن السرير الضيق فرفعت بصرها لتجدها تلك التي
يخاف منها الجميع بالسجن فنهضت متمهلة لترمقها بريبة وهي
تقول:"ماذا تريدين؟!"
رمقتها الأخرى بتمهل مثير للاستفزاز وهي تقول:
"لقد جاءتني توصية عالية بكِ تُرَى ماذا فعلتِ لتثيري
غضبه إلى هذا الحد؟!"
ارتجفت داخليا وهي تخمّن ما نوع التوصية التي وصلتها
لتزدرد ريقها بخوف وهي تقول:"لم أفعل شيئا"
ضحكة عالية من الأخرى جعلتها ترتجف فعليا وهي تفكر
أن عقابها لم يبدأ بعد!
وكم كانت محقة بذلك فقد بدأت حياتها بقلب الجحيم للتو!
*****
ليلة حنة رُسُل
تشعر بالتوتر والفتيات تدرن حولها تحاولن أن تغيّرن من
مزاجها المتوتر القلق دون جدوى .
"ايه يابنتي مالك؟ بقى ده شكل واحدة فرحها بكره؟!"
قالتها لين ممازحة رُسُل لترسم ابتسامة باهتة على شفتيها
وهي تقول:"منمتش كويس"
"اكيد كله بسبب حبيب الكلب (القلب)"
قالتها خولة ممازحة لتكمل نبأ وهي تتنهد بطريقة مسرحية:
"اكيد سهرتي البارحة طول الليل تحجين ويه كرار على
التليفون وهو يكولج شراح يسوي من راح تصيرين بين
يديه وحدكم"
شهقة خجولة من رُسُل جعلتهن ينفجرن بالضحك عليها ولين
تقول:"واضح ان الوقاحة في العيلة دي متأصلة زي الغباء
بالزبط.. يا عيني على حظك يا رُسُل يا بنتي"
ضحكت خولة وهي تقول:"هذا على اساس انو انتي مو من
العائلة لين!"
حرّكت كتفها بدلال وهي تقول:"لا خلاص.. من وقت
ماتجوزت وانا بقيت من عيلة حبيبي عامر وبس"
"رُسُل!"
همستها نبأ فرفعت بصرها إليها لتقول بابتسامة:
"لا تخافين, تره كرار يحبج هواي"
ابتسمت لها بحب وهي تقول:"عارفه, أنا بس...."
صمتت حائرة لتقول نبأ بتفهم:"أفهم هواي ما تحسين بيه رُسُل,
وافهم انو انتي تتمنين انو امج وياج بس مو كارين اكيد..
ولكن ام ثانيه مثل عمتج نورية الحنونة او جدتك الرائعة
بس شراح اكول!"
صمتت للحظات ثم تابعت:"اتأكدي اننا كلنه وياج حبيبتي
وماراح نعوفج ابدا"
قطعت حديثها لتتابع بغمزة شقية قائلة:"تره اني مااظن انو
كرار راح يعوف الج فرصة انو تفكرين بغيره باجر..
اصلن اني خايفة انو راح ياكلج بلقمه وحده مِن عيونه
تشوفج"
ابتسمت رُسُل بخجل قبل أن تقول:"انتي كده بتطمنيني وال
بتخوفيني أكتر!"
ضحكت عاليا لتندس بينهم خولة وهي تقول بغيرة:
"انتي شدكولين من غيري؟ رُسُل انتي صديقتي اني وبس لا
تنسين ابدا"
دخلت نورية وهي تنبههم أن النساء قد اجتمعن بالخارج
ولابد أن تخرجن جميعا لتسير معها رُسُل ومن خلفها الفتيات
لتغادر نورية للحظات ثم تعود بصينية الحناء وعلى حوافها
الشموع والتي زيّنتها بنفسها مع الجدة..
التفّ حولها الجميع وهن يغنّين أغاني من الفولكلور الشعبي
المصري ويرقصن بمرح وسعادة..
"اهو جالك اهو, ريّح بالك اهو"
"وياللي على الترعة حوّد على المالح"
"مدّي ايدك يا عروسة.. مدّي ايدك للحنة
مدّي ايدك يا عروسة..مدّي ايدك واتحنّي"
"بس الوله يجي.. بس الوله يجي
يجي عالمحطة وانا ادبحله بطة
يجي عند دارنا وادبحله حمامنا واشاورله يجي
يجي عالتسريحة واحطله ريحه"
"يحيا ابوها يحيا.. يحيا ابوها يا جدعان
يحيا ابوها وشنبه اللي محدش غلبه"
وتتوالى الأغاني من أفواه النساء مع احتفالهن بالعروس
وقرص الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد بركبة رُسُل
(عملا بالمثل القائل "اللي تقرصها في ركبتها تحصّلها
في جمعتها")
تأوّهت رُسُل وهي تضحك مندمجة بالجو المرح حولها وهي
تشعر أن الليلة بدأت حياة جديدة بعيدة عن كل ما مضى
ولا ينتظرها سوى السعادة مع من عشقه قلبها وعقلها معا.
****
"أيها الغبي الذي لا يقبل الخسارة.. هل سعدت الآن بما
حدث لنا بسببك وبسبب تلك الفتاة اللعنة؟!"
قالها ويليام بحنق شديد وهو يرى أعماله كلها تتداعى بسبب
جون وكان هذا جزء من عقاب جون ل توم لما تجرّأ وفعله
لابنته رُسُل..
"لقد تركتني أخي, لم أتخيل أنها ستكون لغيري أبدا"
صرخ بقوة:"لماذا أخي؟ لماذا تركتني وتزوجت من ذلك
الحقير؟ ماذا يملكه ولا أملكه أنا؟!"
صرخ به بحنق وهو يراه لا يهتم بما حدث لأعمالهم التي
اضطروا لتركها بل وترك انجلترا بأكلمها بسبب جون
وعلاقاته ذات النفوذ القوي:
"ربما يملك ذكاءا لا تملكه.. او ربما يملك شعورا بمن حوله
وليس مثلك أحمق وغبي"
زفر بقوة وهو يجده شاخصا ببصره بحال غريب منذ أن وصل
له بطرد منذ عدة أيام وفي حالة يرثى لها فاقترب منه يربت
على كتفه داعما له وهو يقول:"ستنساها أخي.. ستنساها
وتجد غيرها كثيرات يتمنين فقط نظرة من عينيك"
رمقه بنظرة خاوية ليشد على يده وهو يفكر أن كل ذلك
بسبب الحقيرة كارين وأسرتها اللعينة لتبرق عيناه بقوة وهو
يفكر أنه أرسل لها تحياته منذ سُجِنَت ورغم ذلك يشعر أن
غليله لم يُشفَى بعد .
****
يوم الزفاف
تدور حولها لين متمّمة على زينتها وكل واحدة منهن تغني
بمرح وتدور حولها كالدجاجة الم لتفكر أنها فعلا محظوظة
بوجودهم جميعا حولها .
دلفت نورية للغرفة وهي تغني بمرح:
"ماتزوقيني يا ماما اوام يا ماما
ده عريسي هياخدني بالسلامة يا ماما"
لتكمل لين ما بدأته حماتها:
"دقّوا المزاهر ياللا يا أهل البيت تعالوا
جمّع ووفّق والله صدقوا اللي قالوا
عين الحسود فيها عود يا حلاوة
عريس قمر وعروسته نقاوة"
لتجابههن خولة بشقاوة بأغاني من الفولكلور العراقي:
"هاي الراده هاي التمناه
بنت الشيخ لابن الشيخ جبناه"
وتكمل نبأ مع شقيقتها بأغنية أخرى:
"رُسُل جكليته حامض حلو باكيته
اخذت شمعة بيتهم والفلوس ماتفيدهم"
وبعد فترة من المرح حان الوقت ليدلف نور وبجواره جون
وخلفهما جدها الذي دلف على استحياء.. فهو لم يفعل شيئا
حتى يطالب بحق تسليمها لعريسها.. ولكن ما لم يتوقعه أن
يسّلمها له كل من نور وجون ليرمقهما بدموع تأبى النزول
بكبرياء وهو يمسك بكفها بين كفيه بقوة وهي ترمقه بحب
فقبّل رأسها بحنو وهو يهمس لها:"افتكري دايما ان جدك
موجود عشانك, اي حاجة تعاليلي وماتحمليش اي هم"
ضمت نفسها له هامسة:"ربنا ما يحرمني منك جدي"
التفت لنور وجون مبتسما وهو يقول:"هنسلمها احنا التلاتة"
شرح نور لجون ما يقوله الجد ثم أخذ مكانه بجوارها من جهة
والتف جون من الجهة الأخرى ليسيرا بجوارها والجد أمامها
حتى وصلا لكرار الذي كان ينتظرها على أحر من الجمر..
همس لها نور وهو يضمها بحب:"حبيبة بابا, كان نفسي ابقى
اناني واخليكي معايا اكتر من كده.. لكن مش هقدر ابعدك
عن حب حياتك"
دمعة فلتت من عينيها وهي تهمس له:"عمر ماحد هيبعدني
عنك تاني يا بابا.. حتى لو كان حب حياتي"
قالت كلمتها الاخيرة بخجل ليضحك بحب لتلتفت ل جون
الذي وقت يحاول تمالك نفسه وهو يرى الطفلة التي شهد
جميع مراحلها أصبحت شابة ناضجة فاتنة..
"أتمنى لكِ كل السعادة ابنتي فأنتِ تستحقيها, افرحي
رُسُل ولا تدعي أي شيء يعكّ صفو حياتك"
أومأت وهي تقول:"أنت من أدين له بالفضل مرتين جون,
مرة عندما ساعدتني بالتمسك بهويتي العربية المسلمة..
ومرة اخرى عندما أعدتني لوالدي.. شكرا لك جون"
وأخيرا أمسك كرار بيدها يكاد يلصقها به لتشعر بوجهها
يشتعل خجلا ثم سمعت جدها يقول:
"حطها في عينك يا كرار والا هتلاقيني انا في وشك"
ليتبعه نور:"أنا واثق فيك اه وابني اكيد.. لكن اليوم اللي هتيجي
فيه رُسُل متضايقة منك.. محدش هيخلّصك من ايدي"
همّ بالحديث ليقاطعه جون:"احفظها بحياتك واجعلها سعيدة
وإلا ستضطر لمواجهتي وقتها"
"حطها بعينك بدل مااخزّقهوملك"
قالها عامر بجدية مصطنعة ليلتفت له كرار بحدة قائلا:
"شنو؟!"
"ايه يا عم الشباب انا بهزر, يعني الكل هدّدك وجيت
عليا انا ونطقت وتقولي شنو وبتاع.. طب سيبني ارسم
نفسي قدّام المدام"
ضحك كرار كعادتها أمام تعليقات عامر المرحة ليربت عامر
على كتفه بحب أخوي وهو يقول هامسا:
"سيبك من العواجيز دول هو دورهم كده يهددوك.. انا واثق
فيك يا كرار وعارف انك هتحافظ عليها"
****
ليلا شقة كرار ورُسُل
دلفت بخطوات مترددة ومعها نورية وجدتها اللتين أصرّتا على
توصيلها حتى باب الغرفة وكرار يكتم حنقه وعامر يكاد
يسقط أرضا من الضحك على وجهه المحتقن غيظا ..
همس له:"قولتلك انهم وراك وراك يا ابني ماسعمتش كلامي
اهو احتمال يباتوا معاك الليلة كمان"
اتسعت حدقتا كرار بعدم تصديق لتصدح ضحكة عامر عالية
ليتلقى ضربة قوية على رأسه من أحمد وهو يقول:
"مش هتبطل هزارك البايخ ده؟ هتجيب للواد سكتة قلبية
ليلة دخلته وهو محتاج كل قوته الليلة دي"
ضحك عامر بقوة وشاركه أحمد الضحك حتى نور ابتسم
على مزاح الاب وابنه لتخرج نورية والجدة من الغرفة
بهذا الوقت ليميل عامر على كرار قائلا:
"الحمد لله اخدت إفراج.. نصيحة بقى بعد ما نمشي اقفل ورانا
بالمفتاح وحط كراسي السفرة كلها ورا الباب عشان لو حاولوا
يقتحموا الشقة وال حاجة.. اقولك حط النيش تقيل برضه"
صمت لحظة قبل أن يقول:"وال بلاش النيش لاحسن ده
حاجة مقدسة عند الستات واحتمال تبان على الكنبة بسببه
خليك في كراسي السفرة و..."
قاطعه أحمد الذي جذبه من أذنه قائلا:"بطل رغي بقى
كلت ودان الراجل.. ياللا امسك جدتك قبل ما تدخل تبات
مع رُسُل وكرار يطردنا كلنا وقتها"
****
تدور في الغرفة بتوتر لا تعلم هل تخرج أم تظل بالغرفة
تشعر بالخوف ممتزجا بسعادة أنها وأخيرا أصبحت زوجة
كرار.. كانت قد أبدلت ملابسها فقد ساعدتها نورية بخلع
ثوب الزفاف والحجاب وارتدت ثوب للنوم داكنا على
خلاف العادة فهي لا تحب الألوان الفاتحة فتشعر أنها تبدو
باهتة بها.. وقد أطلقت خصلاتها الطويلة على ظهرها فغطّت
ظهرها كاملا حتى وصلت لنهايته .. ولكنها ارتدت فوقه
ثوب الصلاة كما أخبرتها جدتها حتى تصلي ركعتين مع
زوجها ..
ارتسمت ابتسامة حالمة على شفتيها اختفت حالما فُتِحَ الباب
ودلف منه كرار..
"وأخيرا"
قالها هامسا وهو يقترب منها وعينيه لا تفارقان عينيها ..
وقف أمامها حائرا.. خائفا عليها من مشاعره التي تحترق
داخله ليأخذ نفسا عميقا قبل أن يهمس لها:"انتي متوضيه؟!"
أومأت برأسها ليقول:"لنصلي"
وقفت خلفه تصلي وتكاد تبكي فرحا أن الله حقق لها حلمها
بل أكثر مما حلمت أيضا.. فقد أعادها لعائلتها ولوالدها
كما أنها تزوجت كرار حبيبها..
أنهت الصلاة لتفلت منها تنهيدة طويلة ليهمس لها وهو يضمها:
"أويلي رُسُل!"
ارتجفت بين ذراعيه ليشدد من ضمّتها قليلا قبل أن يبتعد
مساعدا إياها على خلع ثوب الصلاة ليحبس أنفاسه ما إن
شاهدها بهذه الهيئة لأول مرة..
ظلّ محدقا بها يكاد يلتهمها بعينيه لتتململ بمكانها بخجل
ليهمس لها:
"تسأليني...ليش أحبج؟
اسأليني عن عذابي عن جنوني عن حنيني
الناس ما سألوا شمسهم ليش تنطيهم ضوه
الناس ما سألوا كمرهم ليش يجمعهم سوه
و من أغني أحب وحدج تسمعيني
و تسأليني ليش احبج...تسأليني
تسأليني ليش أفرح من أشوفج...تسأليني
اسأليني ليش تدمع لو تشوفج مره عيني
عيوني من شافت عيونج..تعلمت معنى الحنين
و بسمه شفافج يا روحي فرّحت قلبي الحزين
و صرتي أهلي و ناسي انتي و ياما عرفوني غريب
ياما عشت سنين عمري قلبي خالي بلا حبيب"
دمعت عيناها وهي ترمقه بحب شعّ بحدقتيها ليضمها
له بقوة وهو يقول:"الحمد لله.. الحمد لله"
وقبل أن تسأله علام يحمد الله كان قد أغرقها ببحر عشقه
الآسر وهو يهمس لها بين فينة وأخرى:
"أحبج رُسُل.. أحبج"
****
"جان عرس كلش حلو"
قالتها خولة بسعادة من أجل صديقتها وابن عمها ليجيبها
زيد وهو يقول:"واخيرا راح نروح شهر العسل من دون
ازعاج كرار وحقده علينا"
ضحكت بمرح وهي تقول:"شنو يعني ما بدا شهر العسل
من فترة؟ لعد شنو الجان؟ (ما مر)"
اقترب منها بعبث وهو يقول:"جان هاي تجربة وأظنها جانت
ناجحة هواي.. مو هيج؟"
ضحكت عاليا تلك الضحكة التي تطيح بصوابه ليلتقط
ضحكاتها بشفتيه بشغف وهو يهمس لها:
"ضحكتج هاي راح تخبلني خولة, اتخليني اريد اكتمها الج
بشفتي واهلي بصمتي على شفافج بلكي اخفف من شوكي
(شوقي) الج بس ابدا ما يخف"
استسلمت بين يديه وهي تفكر كم كانت غبية لتحرم نفسها
من كل هذه السعادة والحب!
فهمست له بحب:"أحبج هواي زيد"
لتثير جنونه أكثر وهو يجيبها بطريقته التي تعشقها .
****
"طلعتي هيج كدام النسوان نبأ؟!"
قالها ضي بتساؤل حاد لترمقه نبأ بتحدي كعادتها قائلة:
"اظن انج جاوبت نفسج بنفسج ضي, اي جنت هيج كدام
النسوان.. مو الرياجيل شنو المشكلة؟"
"بس اني كلتج اني ما اريد احد يشوف جسمك غيري"
تهدّج صوته بآخر كلمة وعينيه تشتعلان ببريق تعرفه
جيدا وتعشقه كما تعشق غيرته الحارقة عليها لتجيبه بدلال
تعرف جيدا تأثيره عليه:"بس الثوب كلش مستور ضي
واصلن جسمي مايظهر ابد"
وأقرنت قولها بأن دارت حلو نفسها لتريه الثوب من جميع
الجهات لينسى ما كان يريد أن يتشاجر من أجله أو ربما
يتناسى وهو يلتقطها بين ذراعيه وهو يهمس:
"تظنين انو تكدرين على اللعب وياي يا صغيره؟ راح افوت
هاي المرة بس.. اوعديني انو ماراح تسويها مرة الخ"
ضحكت بدلال وهي تندس بين ذراعيه تقرّب نفسها له أكثر
وهي تقول:"تتعب لو تلعب معي حبيبي"
ابتسم غامزا إياها بوقاحة جعلتها تشهق خجلا:
"اني ما اتعب من اللعب وياج ابدا واذا تريدين راح
اثبتلج هسه"
ولم يمهلها حتى فرصة الرد على وقاحته.. وهي لم تكن سترد
من الأساس .
****
"يااااه يا عامر فاكر يوم فرحنا!"
رمقها عامر بريبة وهو يقول:"انتي بتفكريني بريا وهي بتقول
فاكر ليلة دخلتنا يا حسب الله.. مالك يا لين؟ مالك يا حبيبتي؟
اكيد فاكرها يعني مالحقتش انساها دي كانت من كام شهر بس"
زمّت شفتيها بحنق وهي تقول محاولة مرة أخرى:
"كانت حلوة صح؟"
حرّك كتفيه بلامبالاة مصطنعة وهو يقول:
"اكيد ياحبيبتي"
"انت بتاخدني على اد عقلي؟!"
قالتها لين باستنكار ليقول بسماجة:"وانتي عقلك كبير ويوزن
بلد يا حبيبتي"
"انت بتأّلس عليا يا عامر؟ عايز تقول ان عقلي صغير؟
ماشي يا عامر انا هروح دلوقتي ل بابا واقوله ياخدني معاه
انا مش قاعدالك ثانية واحدة بالبيت"
التفتت بحدة لتخرج ولكنه لم يتحدث أو يوقفها لتلتفت له بقهر
ما إن سمعت الصوت الذي يصدره لتجده غارقا بسبات
عميق ليحتقن وجهها غضبا وهي تهتف:
"انتي بتطنشني يا عامر؟ بتنام وتسيبني؟ ومش هامّك زعلي
كمان؟ يا ميلة بختك يا لين.. يا ...."
فوجئت به يلتقطها مسقطا إياها فوقه على الأريكة وهو يقول:
"ايه يا لين انتي كان نفسك تشتغلي معدّدة وال ايه؟
كل حاجة يا ميلة بختك يا لين.. يا مش عارف ايه يا لين..
ماتهدي شوية يا بت انتي.. ماتقولي انك مشتاقة بصراحة
بدل الحركات القرعة ده.. فاكر يوم فرحنا.. طب افرضي
قولتلك مش فاكر هتعملي ايه يعني"
لم تتمالك نفسها فضحكت عاليا ليضمها له بحب وهو يهمس:
"كانت احلى ليلة في حياتي, وكل ليلة معاكي احلى ليلة في
عمري"
تمت بحمد الله



avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى