روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:18 pm


تواقيع الأبطال

رُسُل
إلى حبي المستحيل,
إلى حلمي الذي لن يتحقق,
إلى عذابي الذي لن ينتهي يوما,
اعلم جيدا أنني لست كسواي..
فأنا لن أتوسلك,
لن أطلب منكَ ما يفوق طاقتك,
فقط سأبتعد بهدوء وأنسى أنني عشقتك يوما!
هل صدّقتني؟!
جيد.. فربما أصدّق نفسي يوما ما.
***

كرار

قتلتني عيناها بنظرة ربما لم تقصدها فبتُّ ناسكا
بمحراب عشقها,
نفذ السهم لقلبي فعشقكِ وأسرّ عشقه فلم يَبُح..
لا تطالبيني باعتراف فحبنا هو المستحيل السادس!
ابتعدي..
اهربي..
انقذي نفسكِ وانسيني!
فربما وقتها يكُفُّ القلب عن النبض بعشقكِ
ويكفُّ الضمير عن جلدي بذنبكِ.
***


زيد

ابتعدي.. لأقترب
تمرّدي.. لأهادنكِ
اشتعلي.. لأزيدكِ اشتعالا
جافيني.. لأطلب وصالكِ
افعلي ما يحلو لكِ حبيبتي ولكن فلتعلمي
أنكِ لي وأنا لكِ
مهما طال انتظاري .
***

خولة

سأبتعد.. لتقترب
وأتمرد.. لتهادنني
وأخاف.. لتطمئنني
وأبكي.. لتجفف دموعي
وأحبكَ.. لتعشقني
وأهرب.. لتلحق بي
ولكن يوما ما سأعود لأحضانكَ راضية
فهل ستكون بانتظاري؟!
***


ضي

إلى طفلة ربيتها على يديّ
وعشقتها ك امرأتي
وحميتها ك ابنتي
وتمنيتها زوجتي
أعلم أن حبي لكِ ضربٌ من الجنون
ولكن للقلب في عشقه حِكَم !
***




نبأ

إذا كان حبكَ لي جنونا
إذا فلتكن مجنون (نبأ) ..
ف ليلى ليست بأفضل مني
وأنت لست أقل من مجنونها!
لا أريدك قيس ليلى
ولا عنتر عبلة
ولا شمشون دليلة
لا بل أريدك..
(ضي نبأ) !
***
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:19 pm

مقدمة
(لندن)
جالسة إلى مكتبها بالمكتبة التي تعمل بها بدوام
جزئي تتصفح الكتاب بملل عندما قاطعها أحدهم
بانجليزية سليمة تشوبها لكنة خفيفة:"من فضلك أين
مكان الكتب التاريخية؟"
رفعت بصرها بملل لتقابلها عينان بلون العسل الصافي
ليتوقف قلبها عن الخفقان لوهلة لتبتلع ريقها ببطء وهي
تنظر له.. بانبهار!
تعجبت من شعورها الغريب الذي يراودها لأول مرة مع هذا
الغريب رغم أنها واعدت الكثير من الشباب إلا أن قلبها
ظلّ مغلقا أمام جميع محاولاتهم حتى أنها وصلت للتاسعة
عشرة من عمرها ولم تستطع منحهم أكثر من عناق
خفيف أو قبلة فقط, فلِمَ هذا الشاب والذي يبدو غريبا
ببشرته السمراء وشعره الأسود وملامحه الرجولية والتي
تبدو أقرب للعرب منها إلى أهل لندن بلدها,
لِمَ هو فقط من خفق له قلبها بهذه الطريقة الغريبة؟!
قاطع أفكارها صوته الأجش هو يقول:"هل أنتِ بخير
آنسة؟!"
شعرت بالحمق من تحديقها الواضح به فأجابته بغلظة غير
مقصودة:"أجل بخير شكرا لك", ثم أشارت إلى مكان
الكتب التاريخية وهي تتابع:"الكتب التاريخية بهذا
القسم"
أومأ برأسه شاكرا لها ثم ذهب للمكان الذي أرشدته له.
***
بعد عدة أيام
جالسة بمكانها المفضل على جسر ويست منيستر
(Westminster bridge)
تفكر بذاك الغامض الذي لم تره منذ تلك المرة
بالمكتبة لقد اشتاقت له كثيرا.. عقدت حاجبيها وهي
توبّخ نفسها قائلة:"أفيقي كارين ما هذا الذي تقولين؟!
كيف يفعل بكِ هذا الشرقي كل هذا من لقاء واحد؟!"
عادت تتنهد بحالمية وهي تتذكر ملامحه الرجولية
وصوته الأجش وتتخيله يغازلها بلهجته المبهرة فأغمضت
عينيها لتفاجأ بمن يلتقطها من مكانها سريعا ففتحت
عينيها مذعورة تتساءل هل تتعرض للخطف؟! وما إن
فتحت عينيها حتى وجدت من يوبّخها بغضب:
"هل جننتِ؟ لماذا تريدين الانتحار؟ أنتِ مازلتِ شابة
والحياة أمامك.. لِمَ أوصلتِ لنفسك لهذه الدرجة؟!
لِمَ......؟"
حدّقت به بصدمة! إنه هو من كانت تتخيله وتحلم به
ولكن ما به يوّبخها وكأنها طفلة صغيرة؟! وما إن ركزّت
بما يقوله حتى فهمت ما أصابه من غضب فابتسمت بسعادة
لأنه يخاف عليها رغم جلافته معها ليأتي دوره هو ويُصدَم
وهو يجدها تبتسم وهو يحدّثها بغضب لينعقد لسانه
للحظات قبل أن ينظر لها بارتياب:
"هل أنتِ مريضة؟!"
نظرت له بدهشة قائلة:"مريضة! لا لست مريضة صحتي
جيدة كثيرا لماذا هذا السؤال؟!"
"لم أقصد صحتك الجسدية بل أقصد هل....."
اتسعت عيناها بصدمة وهي تدرك مغزى سؤاله لتشير
إليه بإصبعها قائلة:"هل تقصد أنني مختلة عقليا؟!"
همّ بالرد لتقاطعه بحدة وهي تقول:"حتى لو كنت
كذلك, حتى لو أردت الانتحار ما دخلك أنت بي؟! إننا
في بلد حر وإن أردت شيئا سأفعله رغما عنك ورغما عن
الجميع"
نظر لها بعدم رضا ثم قال:"واجبي أن أمنعك أن تفعلي
ذلك, ثم لِمَ قد تريدين الانتحار وأنتِ مازلتِ صغيرة
بالعمر؟ الحياة أفضل من أن تخسرينها بهذه الطريقة"
شعرت بصدق كلماته كما شعرت أنه مختلف!
لا تفهم هل هو مختلف لأنه شرقي أم شخصيته هو خاصة
المختلفة! ولكنها عزمت على التعرّف عليه والتقرّب منه..
لن تمنع نفسها بعد اليوم لقد بلغت التاسعة عشرة من
عمرها ولازالت دون أي خبرة فعلية لذا قررت أن هذا
الشرقي سيكون حبيبها فهو مختلف وهي تريد تجربة
هذا الاختلاف.
شعر بنظراتها المتفحصة للمرة الثانية, أجل هو عرفها
وتعرّف عليها كما تعرّفت عليه.. تلك الفتاة من
المكتبة والتي سلبت لبّه بروحها الحلوة وحيويّتها..
حسنا وجنونها كذلك.
لقد شعر بالخوف الشديد عندما رآها تكاد تسقط من
الجسر ولم يشعر بالراحة إلا عندما أنزلها من مكانها
رغم لسانها الطويل.. ابتسم وهو يتذكر شقيقته نورية
والتي تشبه هذه الفتاة بجنونها وانطلاقها.. ربما هذا ما
لفت نظره إليها بالبداية
"ما اسمك؟!"
قاطعت أفكاره وهي تسأله عن اسمه ليبتسم بخفة قائلا:
"نور الدين محمد"
توقّع أن تمتعض أو تذهب بلا عودة فبالرغم أنه لا
عنصرية واضحة تجاه العرب ولكن هذا لا يمنع من
امتعاض البعض منه والابتعاد عنه حينما يعلمون أن عربيّ
مسلم ليجدها تخبره بهدوء:"كارين, هل تدرس هنا؟!"
أومأ برأسه قائلا:"أجل أدرس وأعمل بدوام جزئي أيضا"
ظلّا يتحدثان معا ومرّ الوقت دون أن يشعرا وكل منهما
وجد برفيقه ما يفتقده بحياته..
فكانت هي الشعلة التي طالما تمناها وكان هو العقل
والحكمة والهدوء الذي تحتاج إليه.
***
بعد ستة أشهر
كان يتحدث على الهاتف مع شقيقته نورية وصديقته
أيضا فعلاقتهما كانت تتعدى علاقة شقيق وشقيقة بل
كانت أقرب للصداقة.. لم يكن يخفي عليها أي شيء
وهي كذلك..
كان شقيقها الذي تأمنه على أسرارها ومنها حبها لصديق
عمره وابن عمهما وخطيبها أحمد.
"وبعدين معاكي ليه بتعيطي بس يا نونو؟"
قالها نور الدين بحنو لتجيبه شقيقته:"عشان أنت كده
مش هتحضر فرحي وفرحي من غيرك مالوش معنى"
ضحك قائلا:"ياسلام! امسك هنا.. لا احنا نسجّل بقى
ونقول لأحمد نشوف رأيه ايه بالموضوع"
قالت بارتباك:"لا يا نور بالله عليك ده هو مش طايقني
خِلقَة الفترة دي ومش ناقصة حاجة تانية تزعّله منّي"
عقد حاجبيه ثم قال بخشونة:"ومش طايقك ليه بقى؟
مش يحمد ربنا إنه هيتجوزك هو كان يطول؟!"
ضحكت بارتباك وهي تفكر بِمَ ستجيب شقيقها؟!
هل تخبره أن صديقه غاضب منها لأنها ترفض الاختلاء به
رغم عقد قرانهما؟! ماذا تفعل وهو متهور وهي تخجل منه!
"فينك يا بنت أنا بتكلم دولي مش من البيت اللي
وراكم, اقفلي طيب واسرحي براحتك في حبيب القلب"
انتبهت على صوت شقيقها فضحكت وهي تقول:"أسفة نور,
المهم أنت لازم تيجي مش هتجوّز إلا لما تيجي أنا بقولك
أهو وكمان عشان اتعرّف على اللي شاغلة بالك.. مش
قولت هتتكلم مع بابا في الموضوع؟!"
"أيوة إن شاء الله, هحاول آخد أجازة من الشغل بعد ما
أخلّص الامتحان الأخير بعد بكره وحتى لو هنزل أسبوع
بس أحضر فرحك وأفاتح بابا في موضوع جوازي".
****
أغلق الهاتف وهو يشعر بالتردد مما هو مقدم عليه.. هو
يعلم أن والده يريد تزويجه من ابنة عمّته وهو من البداية
لم يكن موافقا عليها ليس لعيب بها ولكنه أراد الزواج
عن حب وليس زواجا تقليديا مملا من فتاة يراها كأخته!
واستطاع إقناع والده بتأجيل كل شيء حتى يعود من
السفر وينهي دراسته وها هو قد أنهى دراسته وحان وقت
عودته ولكن قلبه قد وجد الحب الذي بحث عنه
كثيرا.. وهو يعلم أن والده لن يوافق على زواجه من
أجنبية عنهم ليس فقط بسبب ابنة عمّه بل لأنها ليست
من ديانتهم أيضا هذا غير عاداتها المختلفة وتحررها
الزائد رغم أنها بالنسبة إليه أكثر من عرفهم التزاما
بالحدود مع الجنس الآخر ولكنها أيضا نسبة
إلى دينه وما نشأ عليه متحررة فماذا يفعل حتى يوافق
والده؟!
فهو لن يتزوج غيرها مهما حدث.
قاطع أفكاره رنين باب الغرفة التي يقطن بها فعقد
حاجبيه مفكرا من سيزوره بهذا الوقت المبكر؟!
فتح الباب ليُصْدَم بها أمامه فهتف بدهشة:"كارين؟! ما
الذي جاء بكِ إلى هنا؟! هل هناك شيء؟!"
صُدِمَت من سؤاله وشعرت بالغضب هل هناك أخرى معه
حتى يرتبك هكذا؟! هل كان يمنعها من زيارته بغرفته
لأنه يحضر النساء إليها؟!
دفعته بغلظة ودخلت تجول بعينيها بأرجاء الغرفة وهي
تصرخ به:"أين هي؟! اخرجي أيتها الحقيرة"
فتحت الحمام الملحق بالغرفة فلم تجد شيئا وهو ينظر لها
بعدم فهم بالبداية ثم سرعان ما أدرك ما يحدث عندما
وجدها تفتح الحمام وصوان الملابس فوقف يكتم
ضحكته وهو ينظر لها عاقدا حاجبيه مدّعيا الغضب..
لم تجد شيئا فنظرت له بارتباك وهي تقول:"إذا لماذا
تمنعني من الحضور هنا؟!"
قال بهدوء:"لأنه لا يصح أن تأتي لهنا وليس بينا رابط
شرعيّ, هذا ما ينص عليه ديني وليس لأنني أحضر النساء
لغرفتي كما فهمتِ كارين"
عضّت على شفتيها بندم وهي تنظر له ثم اقتربت منه
قائلة:"أعتذر نور, لقد شعرت بالغضب من طريقة
استقبالك لي وقد ظننت أن هناك فتاة معك"
ابتسم بلطف وهو يجيبها:"لقد أخبرتك من قبل كارين
أنني ضد تلك الأشياء بدون رابط زواج لأن ديني يمنعني
من ذلك وهذا هو السبب الذي جعلني أرفض مجيئك هنا"
ابتسمت له ببهجة فبالرغم من أنه يُحَجِّم تصرفاتها معه
بالتزامه ذاك إلا أنها سعيدة به.. فهو مختلف تماما عن أي
رجل عرفته قبله.. قاطع تفكيرها بقوله:"هيّا كارين"
رمقته بعد فهم ليبتسم برقة قائلا:"وجودك هنا لا يصح"
زمّت شفتيها ثم قالت:"ولكنك تتهرّب مني مؤخّرا! ولا
تدعني أجلس معك أبدا"
"ليس تهربا كارين فقط لأجل اختباراتي, لابد أن أجتازها
بتفوق حتى أخبر عائلتي عنكِ لنتزوج بأقرب فرصة"
ارتبكت كما يحدث كلما جاء على ذكر الزواج وكل
مرة يتجاهل الأمر ولكن هذه المرة لم يصمت صرّح عن
مخاوفه:"ألا تريدين الزواج مني كارين؟"
حرّكت رأسها بحيرة حقيقية وهي تقول:"أنا فقط..."
صمتت قليلا ثم قالت:"خائفة!"
فهم خوفها وعلم أسبابه ولا يملك حتى أن يطمئنها فهو
خائف مثلها.. خائف ألا يوافق والده على زواجهما وهو لن
يتزوج سواها, خائف ألا تكون مشاعرها حقيقية
كمشاعره فهو أكيد من مشاعره تجاهها.. فسنواته
الخمس والعشرين تؤكد ذلك,
وخائف أيضا من اختلافهما!
ابتسم لها بخفة وهو يقول:"سأسافر بلدي وأبتعد عنكِ
فترة فتأكدي من مشاعرك بها كارين لأنه بعد اتخاذ
القرار لن تكون هناك عودة" .
***
(مصر)
"لسّه زعلان مني؟!"
أشاح بوجهه عنها حتى لا يضحك على مظهرها الطفولي
لتقول:"حتى مش عايز تبصّلي! يا أحمد افهمني أنا بس..."
صمتت بعجز, ماذا ستقول له؟! أخجل منك! ألا يعلم هو
ذلك؟!
شعر أنه قد زاد الدلال ففاجأها بضمّه لها بحب وهو يقول:
"عارف إنك بتتكسفي بس هعمل ايه! عايز تصبيرة على
مانتجوز مش حالة ال أنا فيها دي! هو الفرح مش عايز يجي
ليه!"
حاولت التملّص منه تشعر أنها تذوب بين ذراعيه من الخجل
"أحمد, حد يدخل!"
"مايدخل مراتي يا ناس حتى الحضن ماحضنهاش!"
قالها بتذمر طفولي جعلها تنفجر ضاحكة لينظر لها
متوعدا لينتفضا كلاهما على صوت شقيقها:"الله الله!
بتغرّر بأختي في نص بيتنا يا أحمد! هي دي المرجلة!"
"يا عم الله يسامحك خضّتني حسبتك عمّي!"
قالها أحمد وهو يضع يده على قلبه يهدّئ من نبضاته
المرتعبة ليرفع رأسه بصدمة وهو يقول:"نور! يخرب
عقلك أنت جيت امتى؟!"
انفجر ضاحكا على صدمتهما لتركض شقيقته لحضنه
فيما يربّت على كتفه أحمد بسلام رجولي وهو ينظر لها
بتوعّد همس به قبل أن يغادر:"بقى أنا تنشّفي ريقي على
حضن وأخوكي تهريه أحضان وبوس! ماشي يا نوني بس
يتقفل علينا باب واحد وأنا هطلّع عليكي القديم
والجديد" .
***
بعد زفاف نوريّة وأحمد

"انت اتجننت يا نور؟! عايز تتجوّز أجنبية منعرفش أصلها
من فصلها وتسيب بنت عمّتك اللي موعودة ليك من
صغركم؟! كن الغربة لحست دماغك ونسّتك عاداتنا
وتقاليدنا يا ابن نوّارة؟!"
قالها محمد العدوّي والد نور الدين لتمسك زوجته بذراعه
تهدّئه وهي ترى عذاب نور المرتسم على وجهه!
تعلم أن ذِكر أم نور يجرحه كثيرا وعلى الرغم أن نور
ليس ابنها إلا أنها من ربّته بعدما تخلّت عنه والدته
وتركته حتى تنفصل عن والده.
أغمض عينيه بجرح وهو يعلم أنه بطريقه لخسارة لوالده,
فهو لا يناديه بابن نوّارة إلا عندما يغضب منه بقوة..
ولكن ماذا يفعل؟!
لا يريد أن يخسر والده ولكن بنفس الوقت لا يريد الزواج
إلا بمن اختارها قلبه!
"بابا أرجوك, أنا بحبها ومش هقدر أتجوّز حد غيرها"
قالها نور بتوسل علّ والده يرحمه ويوافق فنظر له والده
بصدمة:"يعني هتكسّر كلامي يا ابن نوّارة؟! هتتجوز
بغير رضايا!"
"يا بابا أرجوك افهمني أنا..."
قاطعه محمد بصرامة قائلا:"خِلِص الكلام, عايز تتجوز
الأجنبية اتجوزها محدش هيمنعك لكن انسى ان ليك
أب وعيلة ومتفكرش أنك تيجي تطلب السماح في يوم
لإني عمري ماهسامحك" .
***
بعد مرور خمس سنوات
طنين الهاتف أيقظه من نومه لينتفض وهو يلتقطه بهلع
وكل تفكيره أن عمّه حدث له شيء فردّ سريعا ليصله
آخر صوت تخيّل أن يسمعه الليلة:"نور!!"
"أحمد, بنتي أمانتك.. ما تسيبهاش لأمها"
انتفضت من نومها على صوت زوجها وهو يهتف باسم
شقيقها لتتجمد تماما وهي ترى وجه أحمد يشحب!
"نور, ايه اللي بيحصل معاك!"
"مفيش وقت يا أحمد, وصيّتك رُسُل بنتي.. لو جرالي
حاجة خدها مصر, مش عايزها تعيش مع أمها وتكبر هنا
بعيد عن أهلها.. بنتي أمانة برقبتك يا أحمد"
أخذت منه الهاتف بلهفة وهي تهتف:"نور! انت فين يا
حبيبي؟! انت فين يا أخويا؟! وحشتني أوي"
أغمض عينيه بشوق وهو يقول:"نورية, رُسُل بنتك انتي
ماتسيبهاش لها, أختي.. اطلبيلي السماح من أبويا.. قوليله
يسامحني أنا عرفت غلطتي بس التمن كان غالي أوي..
التمن كان رضاه عليا وعشان مين...؟!"
"نور! ايه اللي بيحصل معاك؟! ماتقطّعش قلبي يا أخويا"
قالتها بألم ليصلها صوت شهقاته وكم صُدِمَت لمعرفتها
أنه يبكي! وصلها صوته من بين شهقاته:
"اوعديني يا نورية, اوعديني إنك مش هتسيبي رُسُل, هي
مالهاش ذنب تدفع تمن غلطة أنا ال عملتها.. اوعديني
إنك هتاخديها وهترجعيها لعيلتها"
لم تملك إلا أن تعده:"أوعدك يا أخويا" .





avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:20 pm


الفصل الأول

طرقات هادئة على باب غرفتها أيقظتها من نومها لتبتسم
وهي تتعرّف على الطرقات بسهولة.. فأخيها يختلف عن
توأمته كاختلاف الشمس والقمر!
ف أندي هادئ ورزين ويسبق سنه بمراحل أما ديانا فشعلة
من الحيوية والطاقة, تملأ المكان صخبا.
"ادخل أندي, أنا مستيقظة"
دلف أندي بابتسامته الوقورة التي تزيد على سنوات عمره
الخمسة عشر لتبتسم تلقائيا ما إن وقعت عيناها عليه
ليقترب منها مقبّلا وجنتها وهو يقول:"رُسُل, أبي في
انتظارك على الإفطار"
أومأت برقة ثم نهضت لتستعد للذهاب إلى عملها.
دلفت إلى المطبخ لترى جون فابتسمت له وهي تحيّيه
مقبلة وجنته ثم جلست على مقعدها بجانبه..
"صباح الخير رُسُل, هل نمتِ جيدا؟!"
ربما يراه البعض سؤالا تقليديا ولكنها تراه اهتماما لم
تحظَ بمثله من والدتها منذ فترة طويلة.. أو ربما لم تحظَ
به قط!
"بخير جون, شكرا لك"
نظرت حولها بدهشة ثم سألت:"أين كارين وديانا؟!"
رمقها بألم وهي تسأل عنها وبداخله: (أنتِ بطريقك
لخسارة ابنتك كارين.. ولن تشعري بحجم الخسارة إلا
بعد فوات الأوان)
كان أندي هو من أجابها:"أمي خرجت مع ديانا للتسوّق
فاليوم حفل ميلاد صديقتها"
أومأت بتفهّم وهي تنهي فطورها ثم نهضت حتى لا تتأخر
عن عملها وهي تقول:"ستذهب معي اليوم أندي أليس
كذلك؟!"
أومأ وعيناه تبرقان بسعادة التقطها جون ليبتسم بحنان
وهو يقول:"يستغلون قلبك الطيب رُسُل وأنتِ تمنحين لهم
الفرصة بكل سهولة"
ضحكت وهي تبعثر خصلات أندي ثم غادرت لتستعد
للمغادرة والذهاب للعمل ليلتفت جون إلى ابنه قائلا:"اهتم
بأختك ولا تزعجها أندي, أنا أعلم أنك تحبها كثيرا
كما تحبك"
ثم أكمل بداخله: (يكفي الحزن الذي تنطق به
عيناها.. وشعوري بالذنب تجاهها) .
***
يتحدث بالهاتف وهو يسير بالقرب من الشركة التي يعمل
بالفرع خاصتها بلندن وقد نُقِلَ بفرع العراق بناءا على
طلبه بعد سنوات من العمل بها وإثبات نفسه ليتم
الموافقة على طلبه خاصة أنهم على وشك البدء بمشروع
كبير بالعراق.. واليوم آخر يوم له بلندن وقد انتهى من
آخر أوراقه منذ قليل.
"صار بيّه صداع من وراك, قلت لك تخطبها بدون إزعاج
بس انت تعاند وما أفهم ليش!"
تنهيدة حارة وصلته مع صوت شقيقه الأكبر:"ماراح
أخطبها بدون ما أحصّل موافقتها كرار, انت تعرف لو ما
رضت بيه مثل ما أتوقع راح يخلص الموضوع ووقتها جدي
راح يلح أنه يزوّجني وحده ثانية.. ويا خوفي تطلع أختها
الصغيرة"
ضحك بقوة ليصله صوت شقيقه زاجرا:"على شنو
تضحك كرار؟!"
أجابه بتسلية:"ما أفهم يا أخويه سر الإلحاح عليها وخاصة
هي كل مرة تبين الك انه رافضة, عنودي مثل البغل..
افهم يا أخويه يمكن ما تحبك هي"
قال بإصرار:"لا هيه تحبني.. تحبني كلّش هواية
(كثيرا) بس هيه عنودية (عنيدة), الله يسلمها تخاف
على مستقبلها المهني وتخاف اطلب منها تعوف (تترك)
شغلها وانت تدري هيشكد متعقلة بيه"
همّ بالرد ليصطدم بقوة بأحد المارة فسقط الهاتف من
يده وتبعثرت محتوياته على الأرض فسبّ بتلقائية ثم
قال:"انتي شنو ما تشوفين؟! آ...."
رفع بصره ليغوص في عينين خطفتا أنفاسه ليتجمد
مكانه وهو ينسى ما كان سيقوله ثم أفاق على صوتها
ليُصدم بلغتها الانجليزية وكأنها من أهل البلاد:"أعتذر
منكَ"
هل أصابه الصمم أم أن نبضات خافقه هي ما غطّت على
كل ماعداها؟!
أجلى صوته بخشونة وهو يلاحظ الفتى الذي يرافقها
بملامحه الانجليزية الخالصة.. إذا هي من أهل البلد؟!
إنه على استعداد أن يقسم أن ملامحها شرقية أصيلة فقط
عيناها هي من أصابته بالحيرة من لونهما!
فهل هو العسل ممتزجا بغيوم السماء؟!
أم هو زبد البحر ممتزجا بالشوكولاتة اللذيذة؟!
عقد حاجبيه من مسار تفكيره وهو يشير لها أنه لا
عليكِ ليمد يده ويأخذ هاتفه الذي جمعه له الفتى وهو
يقول بانجليزية سليمة بها لكنة مميزة:"بل أنا من
أعتذر, فأنا المخطئ"
ثم انتزع نفسه انتزاعا من أمامها وأكمل طريقه وهو
يحاول تجاهُل ما شعر به منذ لحظات .
***
ليلا
"ألن تأتي إلى الحفل معي رُسُل؟!"
قالتها ديانا بدلال فابتسمت وهي تقول لها:"وماذا أفعل
بحفل للصغار حبيبتي؟!"
زمّت شفتيها بحنق قائلة:"ليس للصغار سيكون هناك من
هم بعمرك أيضا, لقد أصرّ توم على دعوتك وأخبرني
أنه لن يكون هناك شراب من أجلك فقط"
ابتسمت بضيق وهي تقول:"من الأفضل له ألا يكون هناك
شراب ديانا حتى لا أمنعك من الذهاب"
"ولِمَ تمنعيها؟! إذا كنتِ لا تحبين الاختلاط فلا ترغميها
أن تكون مثلكِ"
ازدردت ريقها ببطء وهي تنظر لها بعتب لم تهتم له
الأخرى هذا إذا لاحظته من الأساس..
"لا أتحدث عن الاختلاط كارين على الرغم أنني لا أفضّله
بلا داعٍ ولكني أتحدث هنا عن الشراب وأظن أن جون لن
يوافق على ذهابها إذا علم بوجود مشروبات كحولية
بالحفل"
صدح صوته من خلفها قائلا:"لذا أصر على ذهابك معهما
رُسُل, فإذا كان هناك ما لا يعجبك بالحفل عودوا على
الفور"
ابتسمت له بحب.. كم تحب زوج والدتها, هي تشعر أنها من
دمه هو لا من كارين.
"حسنا جون لقد أقنعتني"
قالتها رافعة ذراعيها باستسلام وهي تغمز ديانا وأندي
متجاهلة ما تحاول والدتها فعله منذ زمن بعيد.
***
جالسة بالحفل الذي كان بريئا حقا كما أخبرتها أختها
تراسل صديقتها خولة على أحد المواقع الاجتماعية
كما هي معتادة منذ أربعة سنوات هي مدة معرفتها ب
خولة..
خولة صديقتها المميزة التي تساعدها على تعلّم اللغة
العربية وقد نجحت بالفعل بفهمها لكنها لازالت لا
تستطيع أن تنطق سوى الفصحى مختلطة ببعض اللهجة
المصرية التي تحاول إتقانها دون جدوى..
"أشو صوتج غير شكل اليوم.. شكو؟! (ما السبب)
واتذكري الجواب بالعربية بس"
"لا يفوتك أي شي؟!"
انفجرت خولة ضاحكة وهي تقول:"عربيتك قاعد
تتحسن دوم.. زين ما راح أجذب, ياربي رُسُل أربع سنوات
وبعدج تعانين وي اللغة وما تنطقين كلمتين واضحين!"
"يمكن معلّمتي فشلة"
قالتها بالعربية بلكنتها الواضحة ليعلو صوت خولة
بضحكة صاخبة لتفاجأ بمن يزجرها:"صوتج خولة!"
زمّت شفتيها بحنق عندما رأته ثم همست:"راح احجي وياج
مرة ثانية بس أصير لوحدي, مبين اكو(يوجد) من لاصق
اذنه ويايه (معي)"
داعبتها رُسُل:"له الجنة والله"
فزمجرت خولة قبل أن تغلق الخط بوجهها دون كلمة
أخرى لتضحك رُسُل على صديقتها التي لا تقدّر ما لديها.
***
بعد شهر
سارت وهي تتلفت حولها وكأن هناك من يراقبها ثم
مالبثت ك كل يوم تخفض بصرها بحزن وهي تحدّث
نفسها:"كُفِّي عن رعونتك رُسُل, هو لن يظهر مرة أخرى..
لا تحدث المصادفات بالواقع كما الروايات.. فأفيقي من
الوهم الذي تعيشين به, أنتِ حتى لا تعرفين اسمه, أجل
هو عراقي وهذا ما أنا أكيدة منه فلهجته كما خولة
تماما, ولكن..."
قاطع تفكيرها تعثّرها بعد اصطدامها بأحد فنبض قلبها
بعنف وهي تتخيل ماذا لو كان هو؟! لتفيق على صوت
مألوف:
"رُسُل! هل أنتِ بخير؟!"
ابتسمت بمجاملة وهي تقول:"بخير توم.. لا تقلق"
وأكملت داخلها:"فقط أحتاج أن أفيق من أوهامي التي
ستودي بي"
"إذا سترافقيني اليوم بحفل الشركة؟!"
قالها توم وهو ينظر لها بأمل فزفرت بإحراج وهي تقول:
"توم, أنت تعلم أنني لا أحب الاختلاط كثيرا لذا ربما لن
أحضر الحفل و..."
قاطعها قائلا:"ستحضرين رُسُل, أنتِ ركن أساسي
بالشركة, والغياب عن الحفل غير مسموح به لكِ أبدا..
أم أن المشكلة بي أنا؟! لا أفهم لِمَ ترفضين علاقتنا؟!
ألا أعجبك؟!"
"الأمر ليس متعلق بالإعجاب توم, أنت تعلم أني مسلمة ولا
يصلح أن ...."
صمتت لا تعلم كيف تُفهِمُه الأمر وهو يرمقها منتظرا ما
تريد قوله ليجدها صمتت فقال:"وأنا لا أعترض على
ديانتك, بل إن ما لفت نظري إليكِ هو اختلافك"
أنقذها طنين هاتفها فاستأذنت منه حتى تجيبه.
****
يراقبها جالسة على الفراش شاخصة ببصرها ليقترب
ببطء ويجلس بجانبها لتنظر له بحزن قائلة:"مالقتهاش
برضه يا أحمد؟!"
ازدرد ريقه ببطء وهو يهز رأسه بأسف قائلا:"لا يا قلب
أحمد مالهاش أثر لسه.. هتجنن كأنها فص ملح وداب"
"وعدته يا أحمد, أنا وعدته اني أخدها واربيها وخلفت
وعدي"
"وانتي ذنبك ايه يا عيون أحمد, ماحنا سافرنا تاني يوم
علىطول مالقيناش لها أثر"
"والعمل يا أحمد؟! مالقينهاش وقتها هنلاقيها بعد كل
السنين دي؟!"
ضمّها له بقوة وهو يهمس:"هنلاقيها يا نورية, هنلاقيها يا
قلب أحمد.. وهتاخديها في حضنك وتعوّضي كل
السنين اللي راحت.. أنا مش هبطّل تدوير (بحث) عليها,
لحد آخر نفس فيا"
أجهشت بالبكاء بين ذراعيه ليشدد هو ضمّها له وهو
يفكر بالخيال الذي استحال له الآخر!
***
بعد عدة أشهر
"خولة, عندي ليكي خبر حلو اوي"
قالتها رُسُل بالعربية كما تشترط عليها خولة دوما
بأحديثهما لتضحك خولة كعادتها كلما تحدثت رُسُل
بالعربية فيتحول
حرف ال ح إلى ه ..
وحرف ال ع إلى أ ..
"كل ما أكلمك هتضحكي عليا؟!"
"آني آسفه, يلله كولي شنو الخبر الحلو!"
شعرت بالغيظ منها فقالت بالانجليزية:
"سأكون عندك بالعراق الأسبوع القادم" .



avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:22 pm


الفصل الثاني

(الماضي)
بعد يومين من زفاف أحمد ونورية
بمنزل أحمد ونورية

"ألف مبروك يا حبيبتي"
قالها نور وهو يضم أخته بحب ثم التفت لصديقه قائلا:
"أحمد مش هوصّيك على أختي حطها في عينك.. مش
عايزها في يوم تشتكي منك"
ضمّها له بحب وهو يقول لنور:"مش محتاج وصاية يا نور,
أنت عارف ان نورية في قلبي قبل عيني"
ابتسم نور بحنو وهو يراهما معا مفكرا أن الحب هو
الأهم بالعلاقة وأن لا شيء آخر قد يعوّضه.
انسحب معه أحمد لباب الشقة وهو يهمس له:
"كلّمت عمي؟!"
أومأ بإحباط فقد فشل بإقناع والده بزيجته من كارين
تماما بل أخبره والده أنه إن تزوّج بها لا يعود لهم مرة
أخرى ولو بزيارة فهو لن يستقبله أبدا..
"طب ايه؟!"
قالها أحمد يحثه على الكلام ليجيبه:"ولا حاجة,
مادّانيش فرصة لأي كلام.. رفض وأنهى الموضوع مانت
عارف عمّك لما دماغه بتقفل"
زفر بحنق وهو يقول:"طب وبعدين هتعمل ايه؟!"
"هسافر عشان الورق والنتيجة بتاعتي ولما تظهر هحاول
معاه تاني يمكن يرضى"
"ربنا معاك يا نور.. إن شاء الله عمي هيرضى وهتتجوز
اللي انت بتحبها" .
***
لندن
شهر قد مرّ ووالده مازال على قراره كلما حاول مفاتحته
بأمر زواجه من كارين يغلق الخط دون كلمة أخرى..
زفر بحنق وهو يراها تنتظره كما أخبرها.. منذ أخبرته
بموافقتها وهي تنتظر تحديده لموعد زواجهما ولكنه
يحاول ألا يفعل دون موافقة ومباركة والده ولكن يبدو
أنه لا مفر من وضع والده أمام الأمر الواقع..
ربما وقتها يدرك أنه جاد بشأن هذا الزواج وأن كارين
ليست بالسوء الذي يتخيله!
ووضع فكرته قيد التنفيذ..
فتزوج بها باحتفال بسيط حضره زميليه بالجامعة وعدة
أصدقاء لها وعاش بسعادة لفترة وقد تحققت أحلامه
بالزواج بمن اختارها قلبه مؤجّلا المواجهة بينه وبين
والده حتى حين.
بعد عدة أشهر
عاد من العمل ليجدها ساهمة, شاردة فاقترب منها بقلق
وهو يسأل:"ما بكِ حبيبتي؟!"
رمقته بنظرة غريبة أثارت قلقه ثم قالت:"أنا حامل!"
رمقها بعدم فهم في البداية قبل أن يدرك ما قالته
لتتسع عيناه من المفاجأة ثم تنفرج أساريره بسعادة
وهو يضمّها له بحب قائلا:"مبارك علينا حبيبتي"
شعر بجمودها بين ذراعيه ليبتعد عنها ببطء وهو يقول:
"كارين! ما بكِ؟!"
"لا أريد هذا الطفل"
اتسعت عيناه بصدمة قبل أن يهتف:"ماذا؟!"
"كما سمعت نور, سأتخلص من هذا الطفل فأنا لا أريده"
قالتها ببرودها الانجليزي الذي يثير جنونه ليجيبها محاولا
التمسك بالهدوء:"لماذا لا تريدينه؟!"
حرّكت كتفيها بلامبالاة وهي تقول:"لا أريد التقيّد
بطفل وأنا لم أصل للعشرين, أمامي حياة واسعة أريد التمتع
بها دون مسئولية طفل سينغّص عليّ حياتي"
هل صُدِمَ؟! لا.. فهو يدرك كم الأنانية التي تملكها
ولكن أن تتحدث عن التخلّص من روح بهذه الطريقة
اللامبالية! هذا كثير عليه حقا..
"لن يحدث كارين"
قالها بحزم لتسأله:"ما هو؟!"
"لن تتخلصي من الطفل, هذا طفلي وأنا أريده"
"وأنا لا أريده!"
قالتها بحدة فقال بحدة أكبر:"إذا تخيّلي أنكِ مجرّد وعاء
لحمله وعندما يأتي سأخلّصك منه"
قالها وهو كل مدى يشعر بالخطأ الفادح الذي ارتكبه
بحق نفسه وعائلته وحتى بحق الطفل الذي سيأتي.
"ماذا تعني بالتخلّص منه؟!"
سألته بريبة ليجيبها:"أي لن تريه مرة أخرى بل لن ترينا
مرة أخرى.. سآخذ الطفل ونعود لمصر وتمتعي بحياتك
كما تريدين"
رمقته بجمود قائلة:"هل ستهجرني؟!"
"بل سننفصل" .
***
جالس بالحديقة القريبة من الشقة التي يقطن بها مع
كارين بعد زواجهما وهو يفكر كيف يصلح الخطأ
الذي سقط به؟!
كيف يبلغ والده بزواجه بل وطفلته التي قاربت على
المجيء؟! لم يصدّق عندما وافقت كارين على ما قال!
لهذا الحد لا تريد طفلتها؟! بل لا تريده هو وقد أصبح
متشدّدا كما نعتته.. زفر بحنق وهو يلوم نفسه..
"عدة أشهر فقط يا نور أثبتت صحة كلام والدك,
بل صحة ما شككت به بالبداية وتغاضيت عنه من أجل
حبك, لقد كنت محض تجربة ل كارين ولم تحبك
حقا!"
وافقت على اتفاقه كما أسمته أن ينفصلا ويأخذ الطفلة
معه.. لم يخبرها أنه ما إن تلد سيأخذ الطفلة ويعود لمصر
لن يمكث بهذا البلد لحظة واحدة ما إن يصرّح الطبيب
أن السفر يناسب الطفلة..
ابتسم بحنو وهو يتخيل طفلته تنشأ بالمكان الذي نشأ به
هو يعلم أن والده سيرفضه بل وربما يتبرأ منه لو عاد
بمفرده ولكنه لن يصمد أمام طفلته.. خاصة أنها طفلته
هو! يعلم أنه يحبه كثيرا على الرغم من أنه لا يظهر له
حبه بل وظلمه ببعض الأوقات بسبب والدته..
قبض يديه بقوة وعيناه تتحولان للقسوة الخالصة وهو
يذكر تلك المرأة التي تخلّت عنه بسهولة!
مالبث أن ابتسم بسخرية مريرة وهو يقول:
"التاريخ يعيد نفسه نور, وكأن حظك السيء بالنساء
يلاحقك منذ ولادتك وحتى بزواجك! فلتدعو فقط
ألا يلحق حظك السيء بابنتك" .
***
"لا أفهم كيف تتركين ابنتك هكذا كارين؟!"
"لا تتدخّل بالأمر جون من فضلك"
قالتها كارين بحزم لم يردعه عن الرد:"بل سأتدخل
كارين وليس من أجلك بل من أجل طفلة لا ذنب لها
بشيء حتى تتجاهلي وجودها بهذا الشكل"
"ليست ابنتي بل ابنة ذلك العربي"
قالتها بازدراء لينظر لها بحدة قائلا:
"هذا العربي الذي تزدرينه الآن كان حبيبك منذ عامين,
الحبيب الذي أصرّيتِ على الزواج منه على الرغم من
تحذيري لكِ باختلافه عنّا.. بل اختلافه هو ما جذبك
له من الأساس.. فماذا حدث؟! هل سئمت كارين لعبتها
الجديدة سريعا؟! أم أنكِ اكتشفتِ أن اختلافه يحد
من حريتك الغالية!
اقتربت منه بدلال:"هل لازلت تغار منه جون؟!"
أشاح بوجهه قائلا:"لا أنكر أنني أغار منه فقد رفضتيني
واخترتيه هو ولكن الأمر الآن أكبر من كل ذلك,
هناك طفلة بينكما لا ذنب لها برعونتك وأنانيتك
كارين.. ألا يكفي أنكِ تركتيها له كل هذه الفترة؟!"
زفرت بملل:"يكفي جون حقا لقد كرهت تلك الفتاة
بسببك وبسببه.. لا أريدها جون هل تفهم؟! لا أريدها" .
***
"لن تغادر لندن نور, لن تنشأ ابنتي بهذا البلد المتخلف!"
قالتها كارين بغضب ليجيبها ببرود:"لم تعد ابنتك
كارين, لقد تخلّيتِ عنها قبل ولادتها وتنازلتِ عن
عن حقك بها فلا يحق لكِ أن تتدخلي بشئونها"
"ولكني سأمنعك من مغادرة البلاد بها نور, وأنت تعلم أنني
أكثر من قادرة على ذلك"
قالتها ببرود ليبتسم بسخرية قائلا:"وهل لصديقك
الجديد دخل بهذه القوة التي تواجهيني بها!"
"لا شأن لك بصديقي, لقد انتهى كل ما بيننا وانفصلنا
وما بيننا فقط هو رُسُل"
"رُسُل ابنتي أنا فقط كارين, أمها ماتت وهي تلدها لذا...."
أبقى جملته معلّقة وهو يرمقها ببرود لتقول بغضب:
"أحذرك نور لو حاولت مغادرة البلاد بها بل لو حاولت
فقط أن تغادر لندن إلى ولاية أخرى سآخذها منك
ولن تراها مرة أخرى"
رمقها ببرود ظاهري وهو يقول:"حقا! وكيف ستأخذينها
مني كارين؟!"
أجابته ببساطة:"سأتهمك بالإساءة لها, وأنت تعلم أن
القانون هنا لن يتهاون مع مجرد الإشارة لأي نوع من
أنواع الإساءة"
لم يستطع الرد عليها.. لقد صدمته حقا!
هل هذه من أحبها وعارض والده بل خسره على الأرجح من
أجلها؟! تهدده باتهامه زور!
لن يستطيع المغامرة بفقده طفلته, سيظل بلندن حتى
يجد طريقة يعود بها لوطنه مع ابنته.
***
طنين هاتفه أيقظه من غفوته التي أخذها بجانب ابنته
ليلتقطه مسرعا قبل أن يزعجها وما إن فتح الخط حتى
وصله صوت أخته:"نور حبيبي, عامل ايه؟! وحشتني اوي"
ابتسم بحب وهو يقول:"ازيك يا حبيبتي؟ انتي كمان
وحشتيني أوي.. أخبارك ايه وأخبار أحمد وعامر"
"الحمد لله كلنا بخير, مش هتيجي بقى يا نور؟
وحشتني اوي.. وحشتنا كلنا يانور, عايزة عامر يشوف
خاله وال انت مش عايز تشوفه؟!"
أغمض عينيه بحنين وهو يهمس:"نفسي أشوفه وأشوفكم
كلكم يا نورية, ونفسي تشوفوا بنتي"
"بنتك؟!!"
وصلته الشهقة عبر الهاتف فعلم أنه قد نطق بأمنيته
بصوت عالٍ!
"انت اتجوزت يا نور؟!"
وصله صوت أحمد المعاتب ليجيبه بحزن:"وياريتني ما
تجوزت يا أحمد"
"مش مهم أي حاجة حصلت يا نور المهم تحجز على أول
طيارة وتيجي ونشوف هنقول لعمي ايه لما تيجي"
أغمض عينيه لا يجرؤ حتى على تمنّي عدم زواجه فهو
قد أثمر عن قرّة عينه ليزفر بقوة وهو يقول لأحمد:
"مش هقدر آجي يا أحمد.. مش هقدر"
وأنهى المكالمة وهو يشعر أنه على وشك الذهاب
لكارين وارتكاب جريمة لتستيقظ رُسُل مقاطعة
كل أفكاره غير المفيدة.
***
((الحاضر))
"ستذهبين رُسُل؟!"
قالتها ديانا بحزن فاقتربت منها رُسُل وجلست بجوارها
على الفراش:"سأذهب لعدة أشهر فقط حبيبتي, أنتِ تعلمين
ضروريات العمل"
عبست وهي تقول:"لا.. أنتِ فقط تريدين السفر بعيدا عن
أمي.. لديكِ حق لا أفهم لِمَ تعاملك بتلك الطريقة؟!
ولا أفهم أيضا لِمَ لا تعارضينها وتجعلينها تتوقف عمّا
تفعله؟!"
ابتلعت غصّة بداخلها وهي تقول راسمة ابتسامة خفيفة:
"هذا طبعها ديانا.. لا تحتمل الاختلاف, لا ألوم عليها
ولكن ماذا أفعل؟! أنا هكذا ولن أتغيّر و.."
هتفت بدهشة:"لا أفهم كيف تكونين هكذا؟!
تسامحينها على كل شيء على الرغم من معاملتها السيئة
لكِ! لو كنت مكانك لكنت تركت المنزل وعشت مع
صديقي بل وقطعت علاقتي معها تماما"
ابتسمت بمرح مصطنع:"ولكن لا صديق لدي.. لذا سأظل
معكم, أم أنكِ تريديني أن أبتعد عنكم؟!"
ضمّتها بحب قائلة:"كلا بالطبع, فقط لا أريدك
مستكينة هكذا! قاتلي من أجل نفسك رُسُل..
كوني أنانية قليلا, فقليل من الأنانية لن تضرك
صدقيني"
"بل كوني كما أنتِ رُسُل, حنونة, محبة للجميع فالأنانية
خطيئة.. كوني مختلفة كما كنتِ دوما"
قالها أندي بحكمة وهو يضمّها بحنو لتضمهما بحب وهي
تفكر أن أخوتها وجون هم من يجعلونها تتمسك بالحياة
هنا ولولاهم لكانت غادرت البلاد منذ زمن طويل دون
عودة .
"أعلم أنكِ سعيدة بذهابك للشرق, فطالما أحببتِ كل
ما هو شرقي"
همسها أندي بأذنها لتبتسم بمرح وهي تهمس له:
"أجل إنه سحر الشرق يا صديقي, سحر لا يُقَاوَم" .
***
تردد ويعلم الله كم هو صعب عليه أن يفعل ذلك
ولكنه سيفعله.. فلابد للحقيقة أن تظهر يوما ولا يعلم
لِمَ يشعر أنها ستحتاج لمعرفة الحقيقة قريبا!
"اعتني بنفسك رُسُل, وراسليني دوما.. وإن احتجت لأي
شيء مهما كان بأي وقت فقط اخبريني وسأكون لديكِ
بلمح البصر"
قالها جون وهو يمسك يدها أمام المطار وبجانبه يتململ
توم وقبل أن تجيبه قال توم:"ما بكَ جون؟! أنا معها
ولن أتركها تحتاج لشيء أبدا.. ثم إنها بضعة أشهر فقط
فهوّن عليكَ"
ابتسم جون ببرود وهو يتجاهله لينتحي ب رُسُل جانبا وهو
يقول:"لو ضايقك اخبريني فقط وسأ..."
قاطعته ضاحكة بمرح:"لا تقلق جون, إنه لطيف فقط لا
يفهم اختلافي عنه"
"بل اختلافك هو ما يجذبه إليكِ صغيرتي"
قالها وهو يربّت على وجنتها بحنو ثم مالبث أن أعطاها ما
جاء من أجله..
"احتفظي بهذا رُسُل فستحتاجينه قريبا"
رمقت المغلّف الذي أعطاه لها بتساؤل أجابها عليه:
"عندما تحتاجينه ستعلمين صغيرتي"
وأكمل بداخله:"وأرجو فقط ألا تكرهيني وقتها" .
***
دلف إلى منزل جدّه يبحث عن الأخير لتخبره جدته أنه
بغرفة خاله.. حاول رسم ابتسامة على وجهه وهو يدلف
إلى الغرفة بعد أن استأذن ..
"السلام عليكم يا جدي"
"وعليكم السلام.. تعال يا عامر قرّب"
جلس بجانبه بعد أن قبّل يده ورأسه وهو يقول:
"عامل ايه يا جدي؟!"
"الحمد لله يابني, انت عامل ايه؟! وأمك اتأخرت ليه
النهاردة؟!"
تهرّب بعينيه من جده وهو يقول:"أصل بابا ماراحش الشغل
النهاردة فتلاقيها قعدت معاه وهيجوا سوا"
رمقه بصمت للحظات قبل أن يقول:"لسه على حاله؟!"
رفع رأسه بدهشة فهي المرة الأولى منذ فترة التي يسأل
عنه فيها! ليجيبه بحذر:"أيوة.. مفيش جديد"
وقبل أن يسأله مرة أخرى نهض مستأذنا جده حتى لا يتأخر
على عمله .
***
(العراق)
"وين رايحه خولة؟!"
قالها زيد الذي ظهر من العدم كما فكرت لتجيبه بحنق:
"وشنو علاقتك انت زيد؟!"
كتّف ذراعيه وهو يقول:"متاني (منتظر) الجواب"
زفرت بحنق:"راح شوف رُسُل بالمطار.. ارتاحيت؟!"
سألها بدهشة:"صديقتك الأجنبية؟! وشنو الي
جابها؟"
"أول شيء هي مو أجنبية, وثاني شيء مالك علاقة بيه
أو بيها زيد.. وهسّه عوفني حتى ما أتأخر عليها"
"زين راح آجي وياج"
قالها وهو يلتقط مفتاح السيارة ويهم بالخروج معها لترمقه
بنفاذ صبر قبل أن تسير معه دون اعتراض ربما لأول مرة
بحياتها مما جعل السعادة تتسلل إليه بجانب الدهشة وهو
يراها تحاول تقبل وجوده بحياتها .
***
ظلّت تتلفت حولها وهي تحاول رؤية صديقتها دون جدوى
لتزفر بحنق وهو يقول:"مو كان أفضل لو كتبنا لافتة
حتى تشوفها بسهولة؟!"
رمقته بنزق وهي تهتف:"وشنو رأيك لو ناديناها
بالميكروفون أفضل زيد؟! يا الله شنو اللي خلاني أسمع
كلامك وأوافق انك تجي ويايه"
كاد يهتف فوق رأسها بحدة لتوقفه شهقتها وهي تهتف
وعيناها تنظران لنقطة أمامهما:"معقولة! ليش ما
كالتلي؟!"
هرعت لصديقتها بهيأتها الجديدة وهي تشعر بالسعادة
على الرغم أنها نفسها دون حجاب إلا أن الفرحة غمرتها
لرؤية رُسُل بالحجاب.. لقد زادها جمالا فوق جمالها!
أسرع خلفها وهو يراها تتجه لرجل معه فتاة تبدو أصغر من
حبيبته وترتدي الحجاب!
رمقها بدهشة هل ترتدي الأجنبية الحجاب؟!
انتبه لمن يرافقها.. هل هو زوجها؟! خطيبها؟!
أم شقيقها؟! ولكن أليس شقيقها صغير بالعمر!
يتذكر أن خولة قالت ذلك أمامه في إحدى المرات
فهي مولعة بتلك الفتاة التي تعرّفت عليها صدفة وكأنها
ابنتها .
"رُسُل حبيبتي اشتاقيتلج هواية, مبروك الحجاب..
ليش ما كولتيلي؟!"
ابتسمت رُسُل وهي تبادلها الضم بشوق قائلة:
" حبيت أعملهالك مفاجأة"
قالتها بعربيتها الغريبة خليط الفصحى والعامية المصرية
التي تتدرب عليها منذ وقت طويل مع مُدرّسَتِها السرية
ليقاطعهما زيد:"ما عرّفتينا خولة؟!"
رمقته خولة بغيظ لمقاطعته لتلتفت له رُسُل مبتسمة
وهي تقول:"أنا رُسُل.. وأنت زيد ابن عم خولة.. صحيح؟!"
ابتسم لها وهو يصافحها قائلا:"صحيح, همين تتكلم
عني خولة هواية؟!" (هل تتحدث عني كثيرا)
ابتسمت له بمرح وهمّت بالإجابة لتقول خولة
بنزق:"وليش أتكلم عنك؟ هي خمّنت ابحدها"
قاطعهم توم بنزق:"ألن تعرّفيني رُسُل؟!"
نظرت له باعتذار:"أعتذر توم, لقد اشتقت لصديقتي..
خولة صديقتي وابن عمها زيد"
ثم نظرت لخولة وزيد قائلة:"توم, زميلي بالعمل"
رمقها بإحباط وهو يهمس:"زميلك فقط رٌسُل"
تهرّبت بعينيها لتسمع خولة تقول بالعربية التي لا يفهمها
توم:"وماراح تصير غير زميل الها يا أجنبي"
زجرها زيد وهو يقول:"مرحبا بك توم"
ثم أشار لهم متابعا بالانجليزية وهو يقودهم إلى السيارة:
"هيا حتى نتحاشى ازدحام الطرق" .
***
"لا خولة.. لن أذهب معكِ"
زجرتها خولة:"اتذكري الجواب بالعربي رُسُل.. راح تجين
ويايه رُسُل غصب عنج, ما اعوفج بفندق أبد.. العائلة
كلها منتظرة ومتشوقين حتى يتعرفون عليج"
اعترضت:"لا ينفع خولة, وهو يروح فين؟!"
قالتها بإشارة خفية على توم الذي وقف متململا لانشغال
رُسُل عنه بحديث لا يفهمه ويتحدث بالهاتف لتضحك
ضحكتها الصاخبة ليزجرها زيد بحنق:
"حسّك (صوتك) خولة!"
رمقته بحدة ثم قالت وهي تزفر بحنق:"هو راح يروح
للفندق مثل ما اتفقنه وانتي تجين ويايه بدون جدال"
أومأت باستسلام ثم التفتت إلى توم قائلة:"توم أعتذر
منكَ, ستذهب للفندق بمفردك فأنا سأمكث مع
صديقتي"
هتف بحدة:"كيف ستمكثين مع أناس لا تعرفينهم
رُسُل؟! اذهبي معي للفندق أفضل, كيف سأحميكِ وأنتِ
لست معي؟!"
همّت بالحديث لتقاطعها خولة قائلة بحدة جعلت زيد
يريد أن يقتلها:"احنه أصدقاء سيد توم, فحنه من
راح نحميها حتى منك"
نظر لها توم بانزعاج ليقول زيد مهدئا:"ابنة عمي قصده
انو احنه عدنا شرف ونخوه سيد توم, من هاي اللحظة اللي
اجت رجله رُسُل لبغداد صارت بحمايتنا فلا تخاف عليها
ويانا, حتى انت بحمايتنا"
رمقته رُسُل بامتنان فيما ابتسم توم له ثم توجّه بالحديث
ل رُسُل قائلا:"حسنا رُسُل سأذهب الآن هاتفيني بمجرد
استقرارك وارتاحي اليوم وأراكِ غدا بالعمل"
ابتسمت له بلطف ليغادر بعد أن ألقى تحية ل زيد متجاهلا
خولة تماما متجها إلى الرجل المكلّف باستقبالهما .
***
"ليش هيج تهاجمين الرجال خولة؟ هو مَخطى بشيء!"
قالها زيد ما إن استقروا بالسيارة لتزم شفتيها بحنق قائلة:
"لان هو ادّخل بشي ميخصه وهي بنيه كبيرة وتعرف
شتريد ومتحتاج وصي عليها"
هتف بحدة:"طبعا هو رجال زين يريد صون الأمانة, ثم
تعال انته شعليك تتدخلي فيها؟!
حاولت رُسُل التلطيف بينهما قائلة:"آسفة زيد, خولة بس
تخاف على أنا"
ابتسم زيد على طريقة كلامها ثم قال:" لا تخافين رُسُل,
بعرف شلون هي بزونه تخوف (قطة شرسة)
وصلوا للمنزل للتتوتر رُسُل.. تتساءل كيف سيكون
استقبالهم لها؟! هل يستقبلونها رغما عنهم؟! أم أنهم
يرحبون بها كما قالت خولة!
هي تعلم أنهم يعيشون جميعا بمنزل كبير.. خولة
وأختها ووالديها.. عمها وزوجته وأولاده .
ارتجفت وخولة تقودها للداخل ليستقبلها والدها وعمها
أولا..
"شلونج رُسُل؟"
قالها والد خولة لتبتسم له بلطف وهي تصافحه باحترام
ليرمقها عمّ خولة بغموض وهو يصافحها قائلا:
"هله بيج بنتي, اسمج كلّش حلوو.. منو اختاره الج؟"
"أبي"
قالتها بحب لأب لم تعرفه وحاول جون التعويض عن
وجوده طوال سنوات.. لأول مرة تشعر رُسُل بالغِبطة
لصديقتها.. كم تمنّت لو عرفت عائلة والدها وعاشت
معهم! هل كانت لتشعر أيضا بالاختلاف مثلما حدث
بحياتها مع والدتها؟! ولكن السؤال دوما كان..
لماذا لم يبحثوا عنها؟! لماذا لم يأخذوها لتعيش معهم؟!
ولم تجد له إجابة حتى اليوم.
***
"ليه ما قولتيلي عنه خولة؟!"
رمقتها بتساؤل لتتابع رُسُل:"زيد!"
أشاحت بوجهها وهي تقول:"شراح احجي عليه؟!"
"يحبك مثلا"
قالتها رُسُل غامزة بعينيها بمرح لتقول خولة بجمود
غريب:"من كال انو هو يحبني؟ هو ام كلشي يسوي الي
جدي اتفق ويه ابويه وعمي عليه"
"ده اسخف شي سمعته, طيب انتي بتحبيه صحيح؟"
"هذا اسخف حجي سمعته"
قالتها مقلّدة ليقاطع حديثهما طرق على الباب وسرعان ما
انفتح لتدلف منه شقيقة خولة ترحب بها فقد كانت
بالجامعة عندما وصلت..
"هله بيج رُسُل وأخيرا شفتج.. والله خولة خبلتنه بيج,
شلون جانت سفرتك؟ إن شاء الله زينة!"
ابتسمت لها رُسُل وهي تبادلها السلام ثم قالت:
"رحلة حلوة, وأنا حبيت أشوفك كمان نبأ, قالتلي خولة
كتير عنكِ"
ضحكت نبأ بصخب كشقيقتها لتزداد ابتسامة رُسُل وهي
تدرك أن الشقيقتين متشابهتين بالكثير من الأشياء
وليس فقط الملامح.. فكلتاهما تشع بهجة وحيوية
وتملأ المكان صخب بتواجدها به.
"ما تدرسين؟!"
سألتها رُسُل بلهجتها الرباعية مزيج من الفصحى والعامية
المصرية والانجليزية وحتى العراقية لتضحك نبأ مرة
أخرى وهي تقول:"لهجتك كلّش مميزة, بس أحيّج على
تعبج لتعلم العربية, كافي انو انتي تفهمين..
وجواب سؤالج فاني أدرس ادارة اعمال حتى اشتغل مع
العائلة من اخلص جامعه"
تشعّب بهم الحديث ورُسُل تشعر بالسكينة ربما لأول مرة
خلال سنواتها الست والعشرين فوجودها بين أناس يحبونها
دون مقابل.. يرحبون بها بينهم كأنها منهم جعلها تشعر أن
هناك الكثير من الأشياء لم تختبرها بعد..
فالبرغم من أن جون وأندي وحتى ديانا دوما يغدقون عليها
الحب ولكنها طالما شعرت أنها مختلفة.. بل أنها تعيش
ببيئة ليست بيئتها رغم أنها لم تعرف سواها!
كانت بينهم مثل السمكة التي خرجت من الماء..
استلقت على الفراش بعد العشاء وهي تفكر.. ما أحلى
العائلة!
***
"وبعدين يا عامر, هيك ما بيصير.. ملّيت وانا استنى
هنفضل على هالحالة لحد امتى؟"
زفر بحنق قائلا:"وأنا بإيدي ايه يا لين؟ انتي عارفة
الظروف وعارفة ان الحالة عندنا بقت كئيبة ومش عارف
اقولهم اني عايز اتجوز خاشة اني لسه بثبت نفسي في
الشغل.. وبعدين تعالي هنا محسساني انك بقالك سنين
مستنية! دول مكانوش كام شهر"
ضحكت بقوة وهي تقول بدلال:"بس عدّوا عليا كام
سنة يا عامر"
زمجر قائلا:"امم بتستغلي انك مش قدّامي يعني وتدّلعي!
وبعدين ما تثبتي على لهجة شوية مصري شوية عراقي,
أنا حاسس اني حبيت لين انترناشونال"
ضحكت بقوة وهي تقول:"امم افهم من كده انك
بتحبني؟!"
صمت قليلا ليثير حنقها ومثلما تخيّل هتفت بحدة:
"انت بتفكر؟! ماشي اسيبك تفكر بقى وأروح اشوف
العريس ال متقدملي"
"طب ابقي اعمليها كده وشوفي الفضيحة ال هعملهالك
وقتها"
قالها عامر بغضب لتضحك مرة أخرى وهي تقول بمكر:
"مش انت مش بتحبني؟!"
"أيوة مش بحبك!"
شهقة حادة جعلته يضحك وهو يقول:"أنا بعشقك, بموت
فيكي.. انتي حياتي وروحي و..."
ضربة على رأسه جعلته يغلق الخط بوجهها وهو يلتفت
مرتعبا أن يكون جدّه ليجده والده فتنفس الصعداء قبل
أن يمسك والده بأذنه وهو يقول:"عاملي فيها دون جوان
يا سي عامر! هي مين دي ال انتي قاعد تحبلي فيها في
التليفون وسايبني قاعد مزنوق مع جدّك؟!"
ضحك عامر وهو يتألم بخفوت قائلا:"ماهو جدي زانقك
على طول يا بابا عادي يعني"
جذب أذنه أكثر فصاح متألما:"خلاص خلاص هقول..
دي لين"
رمقه والده بتساؤل ليتابع وهو يحاول الفكاك منه:
"لين بنت عمي محمود"
أومأ والده وقد تعرّف على الفتاة ليقول:"وانت قاعد تحبّلي
فيها في التليفون ليه؟ ماتقولي ونروح نخطبها على طول
وابقى حب فيها براحتك بعد الخطوبة"
زفر بضيق وهو يقول:"يعني حضرتك مش عارف جدي!
خايف من دماغه الغريبة.. خايف يحرجني معاها, قولت
يمكن لما نلاقي رُسُل وقتها يتغير شوية وقلبه يلين"
أطرق برأسه وهو يهمس وكأنه يحدّث نفسه:
"يا خوفي على ما قلبه يلين يكسر قلوبنا كلنا" .
***
لم تستطع النوم كعادتها دوما عندما تغيّر مكان
نومها.. زفرت بحنق وهي ترمق خولة بغيظ فهي غاصت
بنوم عميق ما إن لامست رأسها الوسادة..
نهضت برفق وارتدت فوق منامتها ثوب الصلاة وخرجت
بهدوء من الغرفة لتجد المنزل غارقا بالظلام وعلى الرغم
أنه مكان غريب عليها إلا أنها شعرت بألفة غريبة
للمنزل وأهله.
تسللت إلى حديقة المنزل التي رأتها سابقا بالجولة التي
أخذتها بها خولة.. وقفت تستنشق بعمق وهي تغمض
عينيها وعلى ثغرها ابتسامة رقيقة لتنتفض بجزع
عندما وصلها صوته..
"منو انتي؟ وشنو تسوين بهذا الوكت المتأخر؟"
تراجعت للخلف وهي ترمقه بوجل لا ترى ملامحه بسبب
الظلام المخيّم على الحديقة إلا من مصباح على مقربة
منهما ليدرك أنه أخافها فاقترب حتى أصبح بمجال الضوء
حتى تراه جيدا وهو يعيد سؤاله:
"شنو.. ما سمعتي؟ أنتظر الجواب اني!"
شهقة فلتت منها ما إن رأت وجهه وتعرّفت عليه على الفور
وكيف لا تفعل وهو لا يفارق أحلامها حتى أنها كانت
تسخر من نفسها أنها تعيش مراهقة متأخرة مع رجل لا
تعرف حتى اسمه!
"رُسُل"
"شنو؟!" (ماذا؟)
سألها متعجبا لتجيبه:"اسمي رُسُل صديقة خولة"
"اها صديقة خولة, آسف اتذكرت هي مستضيفة
صديقتها اليوم.. مرحبه بيج ببغداد"
قالها بلطف فابتسمت له بخجل وهي تنتظره يعرّفها على
نفسه لينظر لها مليا قبل أن يقول:
"شايفج من قبل؟!"
نبض قلبها بعنف وبعض الحزن يتسلل لقلبها على الرغم
من نبضاته العنيفة.. لا تدري ماذا تخبره؟!
هل تحبره أنها تحلم به منذ تلك المرة التي اصطدم بها
فيها؟!
أم تخبره أنها -وعلى الرغم من حماقة الفكرة- تمنت
أن تراه عندما تأتي للعراق؟!
أم تخبره أنها تشعر بخيبة الأمل أنها لم تترك به تأثيرا
مثلما فعل هو!
"ما أظن"
أجابت سؤاله ثم أردفت بحماقة لامت عليها نفسها لاحقا:
"لن تعرّفني عليك!"
ابتسم وهو يقول معتذرا:"آسف.. اني كرار ابن عمها
لخولة"
لمعت عيناها ورددت داخلها:
(كرار.. اسم مميز كحامله!)
نهاية الفصل

avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:24 pm


الفصل الثالث
عادت إلى غرفتها وهي تشعر بالبهجة تمتزج ببعض
الحزن أو لنقل خيبة الأمل!
بهجة لرؤيته بعدما فقدت الأمل بذلك طوال الأشهر
المنصرمة وخيبة أمل من عدم تعرفه عليها..
نهرت نفسها بسخرية: (كفى رُسُل، كُفِّي عن حماقتك
الآن، كيف سيتعرف عليكِ؟! لقد كان لقاءا عابرا
حتى إنه ليس لقاءا بالمعنى المعروف، فهل سيتذكر
كل أنثى اصطدم بها؟! ليس ذنبه أنكِ حمقاء
رومانسية تغرقين بأحلام اليقظة كالمراهقات حول
شخص اصطدم بكِ دون قصد!)
زفرت بحنق وهي تستلقي على الفراش مغمضة
عينيها تحاول النوم لتغرق بسباتٍ عميق مع أولى
خيوط الفجر.
****
استلقى على فراشه حائرا!
على الرغم أنه لم يرَ ملاحها جيدا بسبب الإضاءة
الخافتة إلا أنه يشعر أنه رآها من قبل.. أين ومتى لا
يعرف! ولكنه يشعر بذلك عميقا بداخله.. حتى نبرة
صوتها يشعر أنها مألوفة لأذنه.. سخر من نفسه وهو
يفكر.. ومنذ متى لأنثى نبرة مألوفة لديك؟!
طوال حياتك لم تلتفت لأنثى ولم تفكر بإحداهن..
فما الذي يجعلك تفكر بفتاة لا تعلم شيئا عنها سوى
أنها صديقة لابنة عمك؟!
نفض رأسه بعنف وهو ينفض أفكاره غير المرغوبة
معها وهو يغمض عينيه ليتسلل النوم لأجفانه
ويستغرق بالنوم لتطارده عينان بلون غريب
بأحلامه.
***
"رُسُل دا قومي كافي نوم يا كسوله، كلهم ينتظرونا
على الريوق"
تململت بنومها وهي تفتح عينيها ببطء حتى لا
يؤذي الضوء عينيها ثم تثاءبت بكسل وهي تقول:
"كم الساعة؟!"
"صارت عشره"
انتفضت وهي تلقي بالشرشف بعيدا قائلة:
"يا إلهي، لقد تأخرت كثيرا!"
حرّكت رأسها بيأس قائلة:"ماكو فايدة، ماعرف ليش
تتعلمين عربي وانتي دوم تتكلمي انجليزي طول
وقت"
"هل تعرفي خولة.. أنتِ محبطة حقا!"
قالتها بنزق وهي تخرج من الغرفة متجهة للحمام
ناسية أنها ليست بمنزلها لتقف حائرة بالممر وهي لا
تعلم إلى أين تتجه! فكل الممرات تشبه بعضها بهذا
المنزل الكبير.. استدارت بإحباط عائدة من حيث
أتت.. يبدو أنها لا مفر من طلب مساعدة تلك
الحمقاء لتصطدم بقوة بشيء قاسٍ علمت بعد ذلك
أنه شخص.. وليس أي شخص!
"على كيفچ، وين رايحه بهالسرعه؟!"
رفعت بصرها له غير قادرة على إشاحة بصرها عنه!
هل هكذا يبدو بالصباح؟!
علقت أنفاسها بحلقها غير قادرة على التحرك، غير
منتبهة أنها لازالت بمنامتها وخصلاتها الحرة تحيط
بوجهها ممثلة لوحة فنية بديعة لعين الواقف أمامها.
حدّق بوجهها متناسيا العالم حوله ونبضات غريبة
عليه تطرق صدره بعنف حتى شعر أن قلبه سيقفز
من صدره من عنف الطرقات!
ماذا يحدث معه؟!
ما هذا الشعور؟!
حاول التنفس فلم يستطع.. أنفاسه عالقة بمكان ما
ورائحة خفيفة تتسلل إليه من الواقفة أمامه..
رائحة الياسمين!
عقد حاجبيه هامسا بدهشة:"الياسمين!"
وكأن همسته كانت ما تنتظره لتنتبه لما يحدث
فانتفضت بقوة وهي تبتعد عنه تنظر لنفسها..
إنها بملابس النوم وبشعرها حرا دون حجاب أمام
رجل، تقف كالحمقاء محدقة به وكأنها المرة الأولى
التي ترى بها رجلا!
توسلت لقدميها حتى يحملاها للغرفة التي تقطنها
مع خولة فاستجابت لها أخيرا وابتعدت بها عنه دون
كلمة واحدة.
تابعها بعينيه متجمدا مكانه وهو يلتقط أنفاسه كأنه
كان يركض لساعات ويده ترتفع لا إراديا إلى قلبه
يضغط عليه بقوة وكأنه يريد إيقاف نبضاته عن
القفز الذي آلم صدره.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتي المراقب لهما
من بعيد وكل ما يدور بخلده أنه آن الأوان لينبض
قلب كرار كباقي البشر.
****
دلفت إلى الغرفة لتغلق الباب خلفها وتستند عليه
تلتقط أنفاسها لتقابلها عينا خولة المتسائلتين
فأشاحت ببصرها عنها غير قادرة على التفوه بكلمة.
"شنو صار رُسُل؟ كأنك شفتي شبح!"
"ابتسمت بارتجاف وهي تقول:"لقد ضللت الطريق"
ضحكت بخفة قائلة:"تعالي ويايه"
ارشدتها لمكان للحمام وهي تتساءل عما ألمّ
بصديقتها! ليس الأمر فقط أنها ضلّت الطريق هناك
شيء قد حدث معها ولكن ما هو؟!
قاطعها اتصال من العمل لتتأفف وهي تجيب
وسرعان ما انعقد حاجبيها وهي تزفر بضيق..
لقد رتّبت أمرها أنها ستقضي اليوم مع صديقتها
ولكن العمل لا يتركها تهنأ بشيء فقد تم استدعاؤها
للمشفى بحالة طارئة .
عادت للغرفة لتجدها تتأفف بضيق ومعها نبأ..
"ايه حصل؟!"
قالتها رُسُل بتساؤل لتخبرها نبأ:"استدعوها للشغل
وفسدت كل مخططاتها"
ابتسمت رُسُل بتسامح وهي تخبرها:"عادي"
رمقتها خولة بضيق غير موجه لها وهي تقول:
"أعتذر رُسُل، بس آني حعوضها إلج، ولا تقلقين
نبأ حتكون وياج، حخلص شغلي وآجي بعدكم
أومأت بابتسامة تحاول محو تجهم صديقتها لتغادر
خولة تاركة إياها مع نبأ.
"دا ياللا على الريوق حتسمعني امي كلام لانه
اتاخرنا عليها"
ابتسمت بتوتر وهي تتبعها لتزفر براحة وهي ترى
المائدة خالية إلا من والدة خولة..
"تفضلي بنتي، نوّر البيت بوجودچ"
ابتسمت لها بحب وهي ترى نموذج جديد عليها لأم
تمنّت لو حظيت بمثيلتها..
قالت تشرح لها هدوء المنزل:"الكل راح ع الشغل
ومبقى الا احنا وزوجته لاخ زوجي، وهي راحت
ترتاح لانها مانامت زيم البارحة"
غمزتها بشقاوة محببة متابعة:"وسر بيني وبينج
هذا احسن جزء باليوم"
ضحكت رُسُل بمرح ونبأ تهتف:"حبلغ بابا"
ضربتها على رأسها بخفة موبخة لتضحك نبأ بقوة
وتتسلل دمعة غادرة من عيني رُسُل وهي تتساءل
بداخلها..(لِمَ لم تحظَ بأم كهذه؟!).
***
(الماضي)
"ألا تمل جون؟! حقا لقد اكتفيت هذا الكلام يوميا،
كيف أجعلك تفهم أني لا أهتم؟!"
هتفت بها كارين بنزق ليجيبها جون بحنق:
"ألن تكفي عن أنانيتك كارين؟! أنتِ لم ترِ الطفلة ولو
مرة واحدة! حتى عند مولدها رفضتِ رؤيتها.. حتى
لو كنتِ تكرهين والدها -وهذا ما أشك فيه- ما ذنبها
هي حتى لا تهتمي بها بهذه الطريقة؟! فقط لمرة
واحدة اسمعي لي دون جدال.. اذهبي إليها، ضمّيها
إليكِ، استنشقي رائحتها المحببة وستجدي نفسك
تقعين بحبها على الفور كما حدث معي"
"هل ذهبت لرؤيتها؟!"
قالت بصدمة ليومئ:"أجل، ذهبت ورأيتها بل
ولاعبتها كذلك.. إنها كالملاك كارين"
زفرت بحنق وهي تهتف:"حسنا جون سأذهب ولكن
لا أريد أن أسمع باسمها مرة أخرى بعد ذلك..
هل فهمت؟!"
"حسنا"
وافق وبداخله يعلم انها ما إن تراها حتى تتغير كل
مشاعرها وأفكارها تجاه الطفلة.
****
فتح الباب ليتجمد رامقا إياها بتوتر ليبادره جون:
"كيف حالك نور؟! هل تسمح لنا برؤية رُسُل؟!"
أومأ نور مفسحا لهما المجال ليدلفا للداخل وهي
تكاد تقتل جون لوضعها بهذا الموقف وإصراره عليه.
سمعا صوت خطوات صغيرة وغمغمة طفولية
وسرعان ما ظهرت رُسُل تمشي ببطء وهي تصدر
صوتا مرحا ويبدو أنها تنادي والدها..
التقطها نور بحب وهو يقبل وجنتها والتفت لهما
ليرى جون ينظر لهما مبتسما وكارين متجمدة تماما!
سخر بداخله..يبدو أنها تفكر أن رُسُل كبرت سريعا..
هل فكرت أنها لازالت تلك الطفلة الصغيرة التي تركتها منذ أربعة سنوات؟!
التقطها جون من بين يديه وهو يقول:"هل تسمح
لي؟!"
حسنا هو يقدّر الرجل كثيرا فقط كان يأتي لرؤية
رُسُل منذ ولادتها ورُسُل تحبه كثيرا ومعتادة عليه..
حملها جون مقربا لها لكارين ملاحظا جمودها وكأنها
تفكر كيف مرّت تلك السنوات؟!
حملتها بين يديها وهي تلاحظ شبهها الكبير بوالدها،
ملامحه الشرقية التي سحرتها يوما ما..
لم ترث منها سوى بشرتها البيضاء وخصلات شعرها
الداكنة.. حدّقت بعينيها لتلاحظ لونهما الغريب!
حدقتان بلون السماء تحيطهما غيمة بنية بلون
الشوكولا الذائبة ولا تفهم كيف ل لونين متناقضين
أن يجتمعا بهذا المزيج الساحر؟!
وجدت نفسها تبتسم لها تلقائيا وهي تقرّبها من
صدرها تستنشق رائحتها وتشعر بشيء غريب
يتغلغل بداخلها..
شيء انتفض بقوة ما إن تحدث نور مخبرا إياها:
"سأعود لبلدي خلال عدة أيام"
"لماذا؟!"
هتفت بها دون وعي لتتسع عيناه بدهشة متسائلا:
"سؤال غريب! سأعود لأنه يجدر بي العودة بعد كل
هذا الغياب، سأعود لأنني لم أخطط للبقاء هنا من
الأساس، ساعود لأني أريد أن تنشأ ابنتي ببلدي
وبين عائلتي"
هتفت بحدة:"وهل ستتقبلها عائلتك؟! هل سيتقبلها
والدك؟! هل ستكون آمنة هناك؟!"
ناظرها ببرود:"لا أظنك ستخافين على ابنتي أكثر
مني"
"بالطبع سأخاف"
هتفت بها بقوة وحنق ليلوي شفتيه سخرية فتتابع:
"لا أريدها أن تبتعد عني، إذا أردت السفر فاذهب
بمفردك وابنتي ستظل معي"
"ابنتك!"
قالها نور بسخرية مريرة ثم تابع:" هل تمزحين
كارين؟! ابنتك التي تركتيها لأربعة سنوات لا تعلمي
عنها شيئا! ابنتك التي أردتِ إجهاضها بمنتهى
القسوة هاتفة أنكِ لى تريدينها! هي ابنتي أنا فقط
كارين ولا دخل لكِ بها على الإطلاق"
اقتربت منه وهي تشير له بقسوة:"حاول أن تغادر
بها نور وسترى وجها لم تعرفه من قبل".
***
كانت المواجهة الأولى ولكنها لم تكن الأخيرة فقد
طاردته يوميا بحجة رؤية ابنتها ليندم أنه أخبرها
أنه مسافر، كان عليه السفر فقط دون كلمة واحدة.
ولكنه مازال مصرّا على السفر فخطط للأمر بهدوء
ولم يجعلها تشعر بشيء حتى تحين اللحظة
الحاسمة فيغادر هو وابنته انجلترا بأكملها دون
عودة .
ولكنه لم يعلم انها تعرف كل مخططاته ليأتي
تهديدها له فيكون القشة التي قسمت ظهر البعير
كما يقولون..
يعلم أنها قادرة على فعل ذلك، قادرة على اتهامه
زورا وتشويه سمعته بل وسجنه فماذا يفعل؟!
التقط هاتفه ووصّى أحمد ونورية عليها لا يعلم لِمَ
ولكنه شعر بدنو أجله!
هل كان شعوره نتيجة تهديده أم كان لشيء آخر
لا يعلم فقط يشعر أنها ربما المرة الأخيرة التي
يرى بها ابنته..
التقط هاتفه مرة أخرى ليحدّث صديقه الوحيد
بالغربة وما إن وصله صوته حتى هتف:"محمود!
تقدر تجيلي امتى؟! "
"نور! ماله صوتك؟!"
تساءل محمود بدهشة فصوت صديقه لا ينبئ بخير
أبدا!
أجابه نور:"مفيش انا كويس، بس عايزة تجيلي
بأسرع وقت"
"اكيد مفيش مشاكل.. بكرة الصبح هكون عندك إن
شاء الله.. بس طمني فيه ايه؟! صوتك مش مرتاحله
خالص"
مسح على وجهه بقلق وهو يجيبه:"كارين عرفت
اني راجع مصر وهددتني لو حاولت اسافر برُسُل
هتاخدها مني وتتهمني اني بأذيها.. بس انا هسافر
هرجع بلدي واربي بنتي في وسط اهلي مهما حصل"
صمت قليلا قبل أن يضيف:"ولو مقدرتش ارجع انا،
رجعها انت يا محمود.. انت عارف عنوان أحمد
ورقم تليفونه.. خد رُسُل لمصر ووصّلها لأحمد مهما
حصل.. فاهمني مهما حصل".
***
في اليوم التالي
وصل أحمد ل لندن وما إن حط بقدمه على الأرض
بالمطار حتى هاتف نور ولكن... لا رد!
انقبض قلبه وهو يعيد الاتصال به دون جدوى!
هاتف محمود ليخبره أنه يبحث عنه منذ الصباح
فهو وصل باكرا لمكان سكنه ولكنه لم يجد أحد!
تقابل كلاهما امام منزل نور وكل منهما يبوح بخوفه
للآخر..
"ده مكلمني امبارح ومأكّد عليا اكون هنا بدري،
هيكون راح فين بدري كده؟! "
هتف محمود بقلق ليقول أحمد:"طيب مش انت
عارف مكان شغله؟! ماتيجي نروح يمكن بالشغل!"
"النهاردة أجازة أصلا، وبعدين هو قالي مستنيني
يعني يقولي تعال ويمشي هو! انا مش مرتاح لل
بيحصل ده"
قبل ان يجيبه أحمد كانت جارة نور عائدة إلى
منزلها لتراهم واقفين امام منزل نور وسرعان ما
تعرّفت على محمود فبادرته:"تبحث عن نور؟!"
أوما بأمل وهو يقول:"أجل، أهاتفه لا يجيبني، ولا
احد بالمنزل.. هل تعلمين مكانه او إلى أين يمكن أن
يكون قد ذهب؟! "
ربما ذهب لإحضار طفلته من الروضة فهذا موعد
عودتها"
سألها أحمد:"وهل تعرفين مكان روضة رُسُل؟!"
أومأت ثم أملتهما العنوان ليشكراها ويهرعان
للروضة ليصدما هناك بخبر جعل قلقهما يزداد!
"لقد أخذتها والدتها سيدي منذ عدة ساعات ، إنها
حتى لم تدعها تكمل اليوم بل أخذتها قائلة أنهم على
سفر ولا يستطيعون التأخر أو الانتظار"
هذا ما قالته المسؤلة عن الروضة ليعصف بهما القلق
وهم يحاولان الوصول لنور بشتى الطرق وكل منهما
تعصف برأسه الأفكار السوداء.
على نهاية اليوم كان اليأس قد تملّك منهما فلا أثر ل
نور أو ابنته أو حتى طليقته! وكأنهم سراب لم يوجد
مطلقا!
هبط على المقعد بحدة وهو يهتف:"مش فاهم
حاجة! نور راح فين؟! وكارين اخدت رُسُل ازاي؟!
نور استسلم لتهديداتها؟!"
رمقه أحمد بتساؤل ليخبره عما اخبره عنه نور
لتتسع عينا أحمد باستنكار وهو يهتف:"ايه الست
دي؟! يعني لا عايزة البنت ولا عايزاه ياخدها بلده!
مش كانت اتنازلت عنها وخلاص ايه ال جد ف
الموضوع؟!"
زفر محمود بقوة وعقله يدور بسرعة يحاول أن يجد
مكانا يمكن البحث فيه دزن جدوى..
طنين هاتفه جعله يلتقطه سريعا ويفتح الخط
ليتجمد تماما عندما وصله صوت يخبره أن صاحب
الهاتف قد أصيب بحادث ولا يبدو أنه سينجو منه.
***
(الحاضر)
انتبه من شروده على صوت زوجته:"أحمد! سرحان
ف ايه؟! بقالي ساعة بكلمك وانت مش معايا
خالص"
ربت على كتفها بحنو:"مفيش يا حبيبتي، شكلي
عايز انام بس"
رمقته بعدم تصديق ثم قالت:"مش مصدقاك على
فكرة"
ضحك وهو يحرّك حاجبيه بمكر:"طب ما تيجي
جوّه وانا أخليكي تصدقيني"
نهرته بدلال:"أحمد!"
"عيون احمد وقلبه وروحه"
نحنحة رجولية وصوت مشاغب اقتحم جلستهما:
"ياللعار! بابا وماما مع بعض! لا لا مش قادر اتحمل
ال بيحصل! لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى إلا ...."
قاطعه أحمد بحنق:"خلاص يا عم يوسف وهبي،
بلاش اجلال تاخدك بدل ما اقوملك"
ضحك عاليا وهو يجلس بجوار نورية (والدته) وهو
يقول:"جوزك مضطهدني يا نونو يرضيكي كده"
ضربته بخفة على رأسه وهي تضحك قائلة:"حبيبي
يعمل ال هو عايزه"
"الله الله على الغزل الصريح، هو يقولك ياقلب احمد
وانتي تقولي حبيبي وانا ايه! كيس جوافة هنا؟!"
"لا ياحبيبي انت شوال بطاطس"
قالها أحمد مغيظا ليضم عامر والدته له ويقبّل
وجنتها بقوة وهو يحرّك حاجبيه قائلا:"وحشتيني
اوي يا نونو ياحبيبتي.. ووحشني حضنك.. ايه
رأيك انام بحضنك النهاردة؟"
جذبه أحمد من أذنه وهو يهتف بحنق:"تنام بحضن
مين يا شحط انت؟ مش كفاية كنت حاشر نفسك
بينا وانت صغير.. هتقرفنا وانت كبير كمان!"
تعالت ضحكات نورية وهو ترى زوجها وابنها
يمزحان كعادتهما لتتضاءل ضحكاتها رويدا وهي
تتمنى لو اكتملت فرحتهما ووجدوا رُسُل..
على الرغم من مخاوفها ألا تتقبلهم الفتاة وهذا حقها
بالطبع فبعد كل تلك السنوات كيف ستستقبلهم؟!
خاصة ان والدتها بكل تأكيد شوّهت صورة شقيقها
والعائلة كلها أمامها.
لاحظا خفوت ضحكاتها وشرودها لينظرا لبعضهما
بإحباط ليقترب منها عامر قائلا:"ياللا حبيبتي انا
رايح الشغل، مش عايزة حاجة؟!"
"لأ ياحبيبي سلامتك،خلّي بالك من نفسك بس"
أومأ بحب ثم غادر ليزفر أحمد بقوة وهو يعاود
الجلوس جوارها ويضمّها إليه بحنو:"هنلاقيها يا
قلب أحمد، وهتاخديها بحضنك وهغير منها بس
هفرح لفرحتك وراحة قلبك.. صدقيني هتلاقيها
قريب اوي قلبي بيقولي كده وعمر ماقلبي
ماخذلني".
****
طنين هاتفه أخرجه من أستغراقه بالعمل ليجده
شقيقه.. فاجابه ليصله صوته:"كرار، وين انت يا
رجال؟! شنو متجي على العشه؟!
تمطّى بجسده وهو يجيبه:"لا مقدر، حتاخر الليلة
همين لان المندوبين من فرع لندن حيكونوا هنا
الصبح من وقت لهذا للزم احضّر كل شي لباجر"
وصلته تمتمة شقيقه الحانقة ليختصر الحديث:
" ياللا زيد انت دا تعطلني عن الشغل..
اشوفك بعدين"
أغلق الهاتف وهو يزفر بقوة وذكرى عينين بلون
غريب، فريد تغزو أفكاره كما لازمته بأحلامه..
أغمض عينيه يحاول إزاحتها من تفكيره فصدح
صوت من داخله يتّهمه: (جبان!)
ليدافع:"لا، انا لا أهرب من لقائها، انا لدي عمل كثير
ولابد من الانتهاء منه الليلة فقط"
حرّك رأسه بقوة وهو يلتقط الملف مرة أخرى
ويحاول التركيز بالعمل.
***
"أنا لا أفهمك كارين! لا تريدين أخذ الطفلة، ولا
تريدين تركه يعود لبلده بها"
هتف جون بدهشة لتقول ساخرة:"اين السؤال
جون؟"
رمقها بحدة قائلا:"إذا لم يكن لديكِ نية لأخذ الطفلة
فاتركيه يعود لبلده بها، لا يجوز ما تفعلينه معه"
"لا لن يذهب بها، إذا أراد العودة فليعد بدونها"
قالت بإصرار ليسألها بإلحاح:
"لماذا كارين؟! لماذا هذا التمسك بها وانتِ لا
تريديها؟! امنحيني سببا واحدا وأنا سأمنعه من
السفر بها مهما حدث"
رمقته بنظرة اقترت قلبه المتيّم بها وهي تهمس:
"أحببتها جون، أريد التقرب منها.. أريدها بجانبي،
لا اريد كلما أحببت رؤيتها اسافر لهذا البلد وارى
عائلة رفضتني قبل أن تراني، لا أريد لابنتي أن تنشأ
هناك.. برأيك كيف سيعاملونها؟! إنهم همج،
متخلفين يرغمون أولادهم على الزواج بمن
يختارونه لهم دون الأخذ برأيهم بالاعتبار..
ثم هو سيتزوج بمن يختارها والده حتى يتقرب منه
وستصبخ رُسُل تحت رحمتهم جميعا دون سند
ودون رادع لمن يريد أذيتها..فهل تريد هذا المصير
ل رُسُل؟!"
حدّق بها غير مصدّق لما يسمع!
هل حقا ستتأذى الصغيرة التي سحرته بحبها؟!
إنه يتخيل لو منحه الله طفلا لن يحبه مثلما يحبها!
لمست ذراعيه برقة وهي تهمس:"هل ستساعدني
جون؟! هل ستساعدني أن أحتفظ بابنتي بجانبي
حتى تنشأ مع أخوتها"
رفع رأسه بقوة وهو يهتف:"هل أنتِ....؟!"
ابتسمت له بسعادة قائلة:"أجل حبيبي، موافقة
على الزواج، واريد، طفلا منك بأسرع وقت"
انتبه من شروده بالماضي على صوت ديانا المتذمر:
"متى ستعود رُسُل؟ لقد افتقدتها كثيرا"
أكمل اندي:"أجل على الرغم من هدوئها إلا أنها
تمنح المنزل سعادة ونكهة مميزة"
ابتسم جون لهما وهو يقول:"لم يمضِ سوى يومين
فقط على سفرها، مازال الوقت مبكرا لتوقع عودتها"
زمّت شفتيها بحنق:"ولكني كنت أريدها بحفل
التخرج، كما اريدها ان تذهب للتسوق معي فأمي
تختار أشياء لا أحبها وتفرضها عليّ "
"مدللة، رُسُل لديها عمل ثم مازال الوقت مبكرا على
التفكير بحفل التخرج"
"هذا لأنك ولد لا يهمك ما ترتدي مثلنا نحن البنات"
ابتسم جون وهو يربت على رأسها بحب قائلا:
"انا على يقين أن رُسُل تعلم موعد حفل التخرج ولن
تفوّته أبدا، فلا تقلقي بهذا الشأن"
اومات بثقة قائلة:"بالطبع، رُسُل لا تنساني أبدا"
رمقها اندي بسخرية ثم سأل والده:"ألم تتصل منذ
ذلك الاتصال عند وصولها!"
"لا، لابد أنها مشغولة كثيرا وانا لم أرد إزعاجها أكثر،
سأهاتفها اليوم إذا لم تهاتفني"
"وانا أبي اريد التحدث معها"
هتفت ديانا بحماس فابتسم قائلا:"سنهاتفها جميعا
حبيبتي حتى نطمئن عليها"
تركه طفلاه وغادرا إلى مدرستهما ليشرد هو مرة
أخرى مفكرا.. على الرغم من ندمه على مساعدة
كارين بالاحتفاظ ب رُسُل إلا أنه لا يتخيل حياتهم
بدونها، هي تمنحهم نكهة مميزة حقا كما قال ابنه..
هو يطمئن على أولاده طالما هي موجودة معهما،
ربما لهذا صمّم على عدم تغيير دينها كما أرادت
كارين وهددها لو فعلت سيمنح الطفلة لأهل والدها
ربما من أجل شعوره بالندم جعلها تعرف كل شيء
عن دينها وعاداتها وتقاليدها منذ الصغر وجعل
صديقه وشريكه العربي يحتضنها بمنزله مع أولاده
لتتعرف على دينها وعادات وتقاليد بلدها خاصة ان
صديقه من نفس بلد نور والدها.
استغرق بالتفكير وهو يتساءل: (هل ستكرهه رُسُل
لأنه كان سببا من أسباب تعاستها وبعدها عن أهل
والدها؟! أم ستتفهم ما حدث بالماضي؟!).
***
باليوم التال لوصولها كان علبها أن تتناول الإفطار
مع الجميع فهي مستيقظة مبكرا وستذهب للعمل
ولا حجة للتهرب من الأمر..
على الإفطار كان الجميع يتحلق حول المائدة ورُسُل
تكاد تختفي من الإحراج والخجل.. هم أسرة فما
دخلها بينهم؟!
"خولة، لا أستطيع"
قالتها بالانجليزية كعادتها كلما ارتبكت لتحرك خولة
رأسها بيأس لتهمس لها:"مراح يكلوج رُسُل اطمني،
بس اذا مقعدنا وياهم حيعتبروها اهانة، هم
يشوفوچ بنتهم مثلي بالضبط"
قبضت على ثوبها بقوة وهي تتقدم مع خولة للمائدة
ليرحب بها الجميع ويقول والد خولة:"شلونج اليوم
رُسُل؟ نمتي زين؟!"
أومأت وهي تبتسم برقة قائلة:"أيوة، شكرا"
ابتسم الجميع لطريقة كلامها ليقول والد زيد:
"تعتلي رُسُل حتى اعرفك على ابنائي إلُخْ..،
هذا ابني الكبير ضي، وهذا ابني الصغير كرار..
وهاي رُسُل صديقة خولة اللي دوم تكملنا عنها"
إيماءة من رأسه مع شبه انفراجة بالشفتين هي كل
ما حصلت عليه من كرار.. فيما ابتسم ضي بلطف
وهو يقول:"مرحبه بيج رُسُل، انتي بعمر خولة؟"
هتفت خولة بمرح:"لا ضي.. رُسُل اصغر مني
بسنتين"
رفع حاجبه وهو يقول:"صغيرة هوايه!"
ابتسمت رسل وهي تقول بمرح:"صغيرة! لو سمعتك
ديانا هتتصدك كتير"
"ومن هاي ديانا؟!"
سألت والدة خولة وقبل أن تجيبها رُسُل هتفت نبأ
وهي ترمق ضي بسخرية قائلة:"لا تخلين ببالك رُسُل
ضي ابن عمي كل البنات بنظره صغيرة، معرف من
وين نلقى بنت جبيرة ليتزوج بها"
نقلت رُسُل بصرها بينهما بدهشة ليتدخل زيد الذي
لاحظ احتقان وجه شقيقه:"وليش ندوّر من الاساس
ضي مراح يتزوج بالوقت الحالي لهذا كدامنا العمر
كله حتى ندور"
وكما يقول المثل(جه يكحّلها عماها!)
شهقة من والدة زيد تبعها قولها:"شنو تكول زيد؟
طبعا حيتزوج وآني وعمتك ندور له عروس
تليق ببكري آل الحداد"
إلى هنا وشعرت رُسُل ان المائدة ستنقلب على
رؤوسهم جميعا!
رمقت نبأ لتجد ابتسامتها المتحدية الساخرة قد
اهتزت وبعينيها نظرة جريحة مزّقت قلبها على
الفتاة.. هذه الفتاة عاشقة لابن عمها بكل تأكيد
ولكن... ألا يراها هو؟! أم يراها صغيرة كما قالت
قبل قليل؟!
***
"وأخيرا رُسُل وصلتِ لقد فقدت الأمل بمجيئك
اليوم"
قالها توم بضيق ظاهر لتتمتم خولة لاوية شفتيها:
"ولو ما إجت! شنو دخلك، أجنبي مستفز"
زجرها زيد الذي رافقهما:"اسكتي خولة، شنو دخلك
بيهم؟! ماعرف ليش تكرهي!"
كادت ترد عليه برد مستفز كعادتها لتقاطعها رُسُل:
"هي تمزح بس زيد"
ابتسم لها قائلا:" ماعرف شلون تتحمليها؟!"
همّت بالرد لتهتف خولة:"مثل متتحملني انت، وإذا
ماتريد تتحملني اتركني، انت منو حتى تدخل ويانه
بكولشي؟"
زجرتها رُسُل هذه المرة ولدهشتها ضحك زيد عاليا
وهو يقول مشاكسا:"ماكدر ابعد عنج يابنت عمي"
ابتسمت رُسُل وهي تلاحظ احمرار وجنتي خولة
وعدم استطاعتها الرد ليهتف توم بضجر غاضب:
"يا إلهي رُسُل! لم يمر سوى يوم واحد على وجودك
هنا ونسيتيني بالكامل!"
همّت خولة بالرد ليكممها زيد وهو يجرّها بعيدا
عنهما قائلا:"دا كافي خولة اتركيهم، ماتشوفين شكد
يحبها؟!"
رمقته بصدمة:"هو مو مسلم شلون اتركه؟! وهي
همين متحبه بس تخجل تصارحه بهالشي"
رفع عينيه لأعلى بنفاذ صبر ولم يرد.. وقفا بجانبهما
ولكنهما بعيدان عنهما ببضع خطوات ليجدا رُسُل
تفرك يدها بتوتر..
"لِمَ تقول ذلك توم؟! بالطبع لم أنسك! أنت تعلم جيدا
أنك صديق جيد لي و..."
قاطعها بحزن:"صديق فقط رُسُل؟!"
تلفتت حولها بتوتر تبحث عن كلمات لتتجمد تماما
وهي تراه ماثلا أمامها يرمقها بطريقة غريبة وكأنه
يحاول التعرّف عليها..
هل أصابه فقدان بالذاكرة؟! ألم تتناول معه الفطور
منذ قليل؟!
شعرت بالحنق منه فأشاحت بوجهها غاضبة ليرفع
حاجبيه لأعلى بدهشة وهو يحدّث نفسه:
( ما بها هذه؟! لِمَ ترمقني بغضب؟!)
فجأة لمح شقيقه وابنة عمه فعقد حاجبيه وهو
يشعر بالدهشة.. ما الذي أتى بهم جميعا إلى مكان
عمله؟! ولماذا يقفون مع توم مندوب الشركة ب
لندن؟!
التفتت لتوم مرة أخرى قائلة:"توم من فضلك.. لقد
اخبرتك من قبل أننا أصدقاء وشركاء بالعمل فقط
و....."
قاطعها منهيا الحديث وهو يرى الجميع يقترب منه
"حسنا رُسُل لن أضغط عليكِ بمشاعري ولكن... قريبا
ستعلمي إلى أي حد وصل حبك بقلبي"
احمرار وجهها وزوغان بصرها جعله يقبض على
يديه بقوة لتبرز عروقه بطريقة مخيفة وهو يحاول
الاحتفاظ بملامح وجهه المحايدة ولا يفهم لِمَ
كل هذا الغضب لاذي يجتاحه من الأساس!
توجه لشقيقه الذي يشير إليه ليفهم ما سبب
تواجدهم هنا وليرحب ب توم مندوب الشركة الذي
ينتظره منذ فترة.
***
تتصل به منذ يومين ولا رد!
هل يتهرب منها؟! ولكن لِمَ؟!
هي تعلم جيدا أنه يحبها ربما أكثر مما تحبه ولكنها
لم تفهمه بآخر مكالمة!
ما علاقة عودة ابنة خاله بزواجهما؟!
إنها ترفض العريس تلو الآخر وتضع الحجج التي
لا تقنعها هي نفسها ولولا مساندة والدها لم تكن
لتستطيع أن تتهرب من الزواج كل هذه الفترة..
ولا تستطيع إخباره بتهديد والدتها فمنذ لمّح خالها
بطلب يدها لولده وهي تخشى أن تغصبها والدتها
على الزواج به وهي لن تستطيع فعل شيء وقتها..
لن تستطيع ان تخرب علاقة والدتها بشقيقها..
زفرت بحنق من موقفها الضعيف فحتى والدها ربما
وقتها يقف مع والدتها فماذا ستفعل؟!
هي تحب عامر ولا تريد الزواج بآخر فهل تصارح
والدتها بذلك.! وهل ستتفهم والدتها موقف عامر؟!
سخرت.. إذا كنت انا لم افهمه هي ستفهمه؟!
***
لمح شقيقه فابتسم للدهشة البادية عليه وهو يشير
إليه ليقترب قبل أن يقتل خولة ويرتاح من نزقها
الذي أزعجه.
اقترب منهم محيّيا ليلمح توم الذي هتف:
"كيف حالك سيد كرار؟!"
"مرحبا سيد توم؟! هل ارتحت من عناء السفر؟!"
قالها كرار بتكلّف واضح وهو يرى وقفة توم بجوار
رُسُل التي تتجاهل النظر له!
"أجل كثيرا، وارتحت أكثر عندما جاءت رُسُل"
هتفت خولة بعدما فاض بها الكيل من سماجته
كما ترى:"ارتاحيت اكثر ل جية رسل! شنو جانت
مخطوفة وما اعرف؟!"
"خولة!"
زجرتها رُسُل بغضب مصطنع وهي تحاول كبح
ضحكاتها وزيد بجانبها يكاد يغشى عليه من الضحك
اما المستفز فلم تهتز به شعرة ويبدو أنه مستمتع
بالموقف..
التفتت لتوم مبتسمة عندما هتف:"صديقتك لا
تحبني ولا افهم لِمَ!"
"هي تغار منك فقط توم، فأنت معي بالعمل دوما
أما هي فلا تراني كما تريد"
لوى شفتيه ساخرا:"لا تجمّلي الموقف رُسُل هي
لا تحبني وحتى لو تحدثت بلغتها ولكن تعبيرات
وجهها كافية لأفهم بغضها لي.. ثم أنتِ كنتِ نائمة
لديها إذا أنا من يحق لي الغضب"
كادت تهتف مرة أخرى ليسحبها زيد مكمما فمها
وهو يقول:"سعدت بلقائك مرة أخرى توم، ولا تنسى
ستتناول العشاء معنا اليوم"
اشار ل رُسُل التي ضحكت على مظهر خولة
الغاضب وهو يجذبها بعيدا عنهم ليغادرا..
ثم التفتت ل كرار الذي قال:"هل نذهب؟!"
وجدته يحدّث توم وكأن لا وجود لها فرمقته بخيبة
قبل أن تسير بجانب توم وهي تفكر:"لِمَ يعاملها
بلامبالاة؟! حتى بالمنزل لم يوجّه لها كلمة واحدة
من بعد (تلك الإيماءة) التي قابلها بها أمام الجميع
عندما قام والده بالتعريف عنه وتظاهر الاثنان أنهما
لم يلتقيا قبلا وكأنهما اتفقا دون حديث على ذلك.
"رُسُل! أين شردتِ؟!"
هتف بها توم بتساؤل لتنتبه أنها تحدّق ب كرار الذي
يرمقها بنظرة غريبة لتشعر بالخجل من نفسها وهي
تشيح بوجهها قائلة أول شيء خطر على بالها:
"أفتقد چون والطفلين"
ابتسم بحنو وهو يقول:"هاتفيهم إذا واتبعينا للداخل
حتى نبدأ العمل"
اومأ فدلف للمكتب وتركها لتتصل لتصدم بسؤال
كرار الذي لم تنتبه أنه مازال واقفا ولم يتبع توم:
"إنتي متزوجة!"
"لا"
قالتها بصدمة ليتابع بحدة:"لعد منو چون؟! هو
صديقك! عندك صديق مثلهم؟!"
همّت بالحديث ليهتف بحدة:"لا.. لا.. ماريد أعرف"
دلف للمكتب بغضب تاركا إياها فاغرة فاها من
الصدمة وهي تهتف داخلها:"ما الذي حدث لتوّه؟!"
نهاية الفصل
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:32 pm


الفصل الرابع
كانا في السيارة عندما بدأ زيد الحديث:"ماافهم
ليش إنتي زعلانة مني خولة، شنو سوّيت؟!"
رمقته بحدة وهي تقول:"انت تدخل بكل شيء
زيد وهذا يستفزني هوايه"
ضحك بتسلية:"قابل اتركج تهجمين ع الرجال؟
هو يحبها وهذا كولّش واضح واذا رفضت صديقتج
الحب لازم هي ال تكوله مو إنتي"
"هي تخجل آني كولتلك"
هتفت بحدة ليضحك قائلا:"حتى لو، لازم تكوله هي
حتى يعرف انه قرارها مو تاثير شخص تاني"
رمقته بتوتر وهي تشعر أنه يتحدث عن شيء آخر
لا علاقة له ب رُسُل وتوم!
التفتت تنظر من نافذة السيارة ليقول:"عندك شغل اليوم؟!"
"لا"
"إقضي اليوم ويايه"
ربما من يسمعه يظنّه يأمرها ولكنها كانت تعلم جيدا
أنه يسألها فلم تستطع إلا الموافقة وهي تقول:
"اوك بس حرجع ل رُسُل من تخلص من الشغل،
هي متعرف طريق العودة"
"حيجي وياهه كرار وتوم همّين، لان هو معزوم
عندنا ع العشه"
زمّت شفتيها بحنق ليقول برقة:"مو ذنبه انه عاشق
يا ابنة العم"
نبض قلبها بقوة وهي تشعر به يمنحها الإشارات
أو ربما الإجابات لما يدور داخلها لتشعر به يبتسم
برضا فهتفت بحنق:زيد لا تدخل بموضوع صديقتي
حتى منخسر بعض"
ضحك عاليا ثم قال:"صديقتج لازم تحدد موقفها
وتكوله، لا تخليه ينتظر هوايه، لانه هو متعلق بيها
لا هو عاشق لاقصى حد.. واذا رفضته بعد ما تنطيه
الامل حيكون بهذا نهايته"
للمرة الثانية تشعر أنه لا يقصد توم ورُسُل لتتورد
وجنتيها وهي تقول بخفوت:"رُسُل تريده يكون
شرقي مثل والدها، مسلم وعربي.. تريد الصدق
اوقات احس انو فيه احد سلبلها قلبها من صدق
بس هي ماكالتلي ابد"
"اذا تريده شرقي ومسلم لعد هي بالمكان المناسب"
قالها غامزا لها بعبث لتنطلق ضحكتها الصاخبة
فيتنهد بحب فرمقته بدهشة قائلة:"وليش معصبت
وتكملت عليه كالعادة؟!"
اوقف السيارة بالمكان المخصص لها ثم التفت لها
قائلا بحب لم يستطع إخفاءه يوما يحيطها بعينيه
وهو يلجم ذراعيه من ضمّها له بقوة:
"لما تكون ضحكتك إلي ابحدي يصير قلبي يرقص،
ونبضاتي تتقافز بجنون تريد تخرج من صدري،
حتى تلتحم مع سارقتها، لكن لما تضحكي كدام
الناس هاي النبضات تتحول لطوفان من الغضب،
لانو احتمال حدا يسمع ضحكتج فيتأثر بيها ،
واحتمال حدا يعجب بيج، واللي تسوّل له نفسه
يعجب بيج امحيه من وجه الارض.. إنتي إلي
خولة اتذكري هذا زين"
كانت تبتسم ببلاهة وهي تسمعه يهتف بعشقها ربما
للمرة الأولى صراحة ونبضاتها تتقافز بجنون، تريد
أن تدخل بين ذراعيه.. تشعر بدفئه، بعشقه ب....
قاطع أفكارها لمسة من يديه وهو يقول بمكر:
"خير شبيج خولة؟ ليش تباوعيلي(تنظري)
بهالشكل؟!"
أشاحت بوجهها وهي تشعر أن بشرتها احترقت من
الخجل لتسمع ضحكته العالية التي تطيح بتعقلها ثم
همس بجانب أذنها:"أما آن الاوان تريحي قلبي يا
ابنة العم؟!".
****
"وحشتيني"
قالها عامر بحب لتجيبه متذمرة:"واضح.. عشان كده
بقالك يومين ماكلمتنيش، ومابتردش عليا حتى ولو
ماتصلتش بيك النهاردة مكنتش هتكلمني برضه
صح؟!"
زفر بخفوت وهو يقول:"انتي عارفة السبب يا لين"
"بس مش مقتنعة بيه يا عامر"
ردت بنفاذ صبر فمسح على وجهه وهو يعتدل
بمقعده ثم قال:
"حتى لو ماقتنعتيش يا لين ده الصح.. استحملي
شوية بس ياحبيبتي.. انتي عارفة الظروف"
زفرت بحنق:"لحد امتى يا عامر هتفضل راهن
حياتنا على رجوع بنت خالك؟! مرّت سنين ومفيش
حاجة اتغيرت.. امتى هتنسوا الموضوع ده وتقتنعوا
ان حتى لو لقيتوها يمكن ماتتقبلكوش، يمكن
ماترضاش تعيش معاكم.. انت عارف حتى هتبقى
عاملة ازاي؟! جدّك هيتقبلها او لا!"
"مهما كانت.. انا بعمل كده عشان أهلي مش عشانها
هي وسواء جدي اتقبلها او لا مش هيفرق معايا
المهم أمي قلبها يرتاح"
قالها بحدة فصمتت على مضض ليعود للتحدث
بصوت حانٍ:"هتيجوا مصر امتى؟!"
"مش هنيجي"
قالتها بغيظ طفولي ليضحك مقلّدا إياها:"تقدريش
تبعدي عني"
"يع! بلاش تدلّع كده بتبقى يع خالص"
قالتها مغيظة إياه ليصطنع الحنق:"انا يع يا لين؟!"
"آه"
"جاتك اوا"
شهقت قائلة:"انت بتشتمني يا عامر؟!"
لوى شفتيه بسخرية:"هي جاتك اوا شتيمة دلوقتي"
"ايوة وانا زعلت ولازم تصالحني"
قالت بدلال فقال بمكر:"بس انتي مش جنبي عشان
ابوسك، لما تيجي بقى الحساب يجمع"
شهقة خجولة تبعها قولها:"انت قليل الادب"
ضحك عاليا وهو يقول:"جدا، ده انتي هتتقطعي
يا سوسو"
شهقة تلاها طنين جعله يدرك أن حبيبته أغلقت
الخط بوجهه فضحك عاليا وهو يقول:
"بحبك يا مجنونة" .
***
"بابا، عمي.. انا اريد ابدا تدريب بالشركة"
قالتها نبأ بجدية ليتبادل والدها وشقيقه النظر ثم
يقول عمها (محمد):" آني همين اكول هيك،
انتي اتاخرتي هوايه للالتحاق بالشغل، وهاي انتي
بالسنة الاخيرة من الجامعة وحيفيدچ التدريب
هوايه"
"بس ليعطلچ التدريب عن الدراسة نبأ!"
سأل والدها ليجيبه شقيقه:"لا لأن نبأ تكدر توفق
بين الشغل والدراسة زين، ولو ما كانت هيچ ما
طلبت الشغل صحيح يا بنتي؟!"
أومأت لعمها موافقة فقال:"لعد هتبدي من باجر
شنو رأيك؟!"
"وشنو رأيك باليوم؟ هو اجازة من الجامعة"
قالتها نبأ بتهور جعلهما يبتسمان لحماسها ليقول
عمها:"لعد تروحين للشغل ويانه اليوم ياللا جهزي
نفسچ"
فقال والدها:"اعتقد ان زيد ماحيجي للشغل اليوم"
هرعت لغرفتها لتجهز نفسها ليسأل والدها شقيقه:
" اللي ده نسويه صحيح محمد؟!"
اومأ:"اكيد حسين لتقلق، صار وقت انو ندّخل".
***
طنين هاتفه نبّهه ليلتقطه بلهفة حالما رأى اسمها
على الشاشة وما إن فتح الخط حتى وصله صوتها:
"جون!"
"رُسُل! ابنتي لقد افتقدتك كثيرا"
"وانا أيضا جون، اشتقت لك واشتقت لأخوتي"
شعر أن بها شيء:"ما بكِ رُسُل؟! أشعر أنكِ غير
سعيدة"
مسحت دمعة تسللت على وجنتها وهي تقول:
"على العكس جون انا سعيدة كثيرا ولكني أفتقدكم
جميعا"
"ونحن أيضا ابنتي، المنزل بدونك لا نكهة له"
ابتسمت بحب لتسمع صوت توم يناديها فقالت:
"سأغلق الآن جون وأحدثكم مرة أخرى يكون
أخوتي معك فانا اشتقت لصوتهم كثيرا"
أغلقت الهاتف ودلفت للمكتب ليحدق بها الاثنان كلٌ
بطريقته.. أحدهما بحب والآخر بغضب لا تفهم
سببه!
جلست بمقعدها ليبداوا العمل واستغرقوا به حتى
حان وقت الغداء فنهض كرار قائلا:"لقد حان وقت
الغداء هيا نذهب للمطعم المجاور ولنأخذ استراحة
قصيرة"
"لا اشعر بالجوع فاذهبا بمفردكما"
قالتها رُسُل متحاشية النظر له.. همّ بالحديث
ليسبقه توم:"لا رُسُل ستتناولين طعامك معنا
دون نقاش"
"توم من فضلك..."
حرّك رأسه برفض:"لو لم تأكلي لن آكل وأنا أكاد
أسقط من الجوع فلو مرضت ستتحملي الذنب"
ابتسمت بمرح وهي تقول:"حسنا، سأذهب حتى
لا اتحمل الذنب"
هل يضربها؟! يقتلها؟! ماذا يفعل بها وهو يراها
تنظر ببراءة ومرح لذاك السمج وتتعامل معه براحة
وكأنه يهمها كثيرا!
يشعر بغيرة حارقة تنهش قلبه.. صُدِمَ من شعوره
بقوة! كيف يغار عليها وهي لا تهمه بشيء؟! هو
حتى لم يعرفها إلا منذ يومين؟!
صدح صوت بداخله ينفي ذلك: (لا كرار لا تخدع
نفسك، ربما لم ترها إلا منذ يومين إلا أن شعورك بها
وكأنه منذ الأبد.. وكأنك كنت تنتظرها طوال حياتك
وكأنها خُلِقَت من ضِلعَك انت!)
نفض رأسه بقوة كعادته ليسبقهما وهو يغلق الباب
خلفه بعنف جعلهما ينظران لبعضهما قبل أن يقول
توم:"هو أيضا لا يحبني ولا أفهم لِمَ!"
اصطنعت المرح:"ما بالك توم؟! اكل الناس لا تحبك
اليوم؟! أنت تتخيل فقط، ربما الباب هو من ارتد
بعنف دون قصد منه.. فلا يوجد سبب ليغضب"
رمقها بعدم اقتناع وهو يفتح الباب ويرافقها متّبعا
كرار دون أن يعقّب يشيء.
***
بالمطعم
"أنتِ لا تأكلي جيدا رُسُل!"
قالها توم بعدم رضا فأجابته بخجل:"لست جائعة
أخبرتك توم"
"ولكن هذا يضرّك، لابد أن تأكلي جيدا حتى
تستطيعي مواصلة العمل فلدينا الكثير منه"
ضحكت قائلة:"ما بالك توم؟ أشعر أنك استلمت
وظيفة جون!"
"وهل يمكن أن أتمنى لو كان لديكِ قليل من العاطفة
لي مثل التي تكنّيها لجون؟!"
عضّت شفتيها بخجل من قوله امام هذا الذي لم
ينطق بكلمة منذ وصلوا المطعم..
"توم!"
قالت بتحذير ليزفر بقوة وهو يقول مشيرا
لقلبه:"قولي لقلبي أن يتوقف عن حبك رُسُل فلا
حيلة لي معه"
نهض بحدة قائلا لها:"وقّفيه عند حده او اوقفه آني"
رمقته بصدمة ليتابع:"اما توقّفيه وتكوليله انو
ميعني إلك شي، او انك تكوليله عن حبچ، حتى
يتوقف عن التغزل بيچ كدام الناس"
همّت بالحديث ليقاطعها هتاف توم الغاضب وهو
يقف مقابلا له:"ماذا تقول لها؟!"
هتف كرار بغضب:"لا دخل لك!"
رمقتهما بغضب ونهضت مغادرة المطعم بأكمله
تاركة إياهما يقفان بتحفز واضح وهي تلتقط
هاتفها تتصل ب نبأ!
***
طرقات على باب مكتبه جعله يرفع رأسه وهو يأذن
للطارق بالدخول ليشرق وجهه عندما رأى والده
وعمه ثم ارتبكت نظراته عندما لاحظ من تتبعهما..
"مرحبه بيچ همين،(ايضا) يا ابن العم"
بادرته نبأ بتحدي واضح على قسماتها ليخفي
ارتباكه ويضع قناع اللامبالاة مجددا قائلا:
"نبأ الصغيرة مرحبه بيج، شنو إجيتي تشوفي
الشركة؟!"
لمعت عيناها بتحدي:"لا إجيت للشغل يا ابن عمي"
عقد حاجبيه بعدم فهم ليتدخل عمه:"نبأ حتبدأ
تدريب بالشركة ضي، وحتكون تحت اشرافك"
"شنو؟!"
"لتقلق ضي.. حكون مطيعة واستمع للكلام حتى
تكافئني بالحلو آخر اليوم"
ضحكة عالية من عمها جعلت وجنتيها تتوردان
وضي يتكم غيظه منها ليقول بتحدي:"بس آني
اعرفج زين نبأ متقدرين تسوّين شيء بلا جدال،
لهذا الافضل انو تكونين تحت اشراف زيد"
هتف والده:"اترك زيد لمهامه ضي، نبأ حتكون إلك،
اقصد تحت اشرافك"
استدار مغادرا ليعقّب عمه قبل ان يلحق بشقيقه
"اعتني بيها كل الزين ضي، وكون عند حسن ظني
دوم بيچ"
اومأ بشرود لتقترب منه هامسة:"صدوك تعرفني
زين يا ابن العم؟!".
***
"مالك يا عامر؟! بقالك كام يوم مش على بعضك؟!"
سأل أحمد ابنه ليجيبه:"خايف يا بابا، خايف أوي"
عقد حاجبيه بعدم فهم:"خايف من ايه؟!"
"خايف لين تزهق وتسيبني"
"الحقيقة انا مش فاهم انت بتفكر ازاي؟! ايه علاقة
اننا نلاقي رُسُل بجوازك من لين؟!"
قالها احمد بضجر قابله صمت عامر!
هل يخبره بكلام جده؟! بقوله أنه لو عادت رُسُل
سيتزوج بها؟! بقوله انه لو لم يفعل لن يوافق على
وجود ابنة الاجنبية كما قال جده!
رمقه للحظات ملاحظا المشاعر التي تتعاقب على
وجهه ليزفر بحنق قبل أن يقول:"جدّك برضه يا عامر
صح؟!"
رفع رأسه بحدة ليحصل أحمد على الجواب ثم
يهتف بغضب:" وانت رابط بنت الناس جنبك ليه
بدام ناوي توافق على كلام جدك؟! بتلعب ببنت
الناس يا عامر؟! هي دي التربية ال ربتهالك؟!
هي دي الرجولة يا عامر؟!"
"لا طبعا يا بابا انا عمري ما هتخلى عن لين انا بس..."
قاطعه بحدة:"لو فعلا مابتلعبش بيها يبقى تتقدم
لابوها لكن انك تكلمها وتربطها جنبك من غير رابط
قدام الناس ده مش هسمحلك بيه ابدا"
هدأ قليلا ليتابع:"متخيل شكلها ايه قدام اهلها وهي
بترفض عريس ورا التاني؟! متخيل لو اتقدملها
واحد مايترفضش ايه ال ممكن يحصل؟! آخر مرة
هنتكلم في الموضوع ده يا عامر.. ياتروح تتقدم
للبنت يا اما انا ال هكلمها واقولها اني معرفتش
اربي وان ابني بيضحك عليها".
*****
عادا إلى المكتب ليجداها هناك تعمل وكأن شيئا لم
يكن، ليهرع لها توم تحت انظار كرار الغاضبة..
"رُسُل لقد قلقت عليكِ كثيرا"
همّت بالرد ليهتف كرار:"لتتركيني وتروحين من
اكلمچ مرة إلُخ فاهمة؟!"
"لا تدّخل فيني كرار"
رمقها بغضب ولكنها لم تبالِ، لن تسمح له أن يتهمها
بشيء حتى ولو لم يقصد!
"شنو يعجبچ يتغزل بيچ كدام الناس؟! تحبين
هالشي؟!"
"لأ اكيد"
"اذا هيچ ليش عصبتي لما كولتلك وقفيه عند حده
وماتخليه يتغزل بيچ كدام الكل؟!"
"انت تتهمني وانا لا اقبل ده"
هل يمكن ان يضحك وهو بمنتهى الغضب؟!
حقا طريقتها بالكلام تثير الضحك، ليس سخرية بل
تسلية بطريقة نطقها.. فحينا كلمة مصرية وحينا
آخر كلمة عراقية، وخليط من الانجليزية!
مزيج غريب من اللغات جعله يريد الضحك بقوة
خاصة وهي تحارب النطق بالعربية..
"ليه تضحك؟!"
سألته وهي ترمقه بريبة ليجيبها:"مأضحك، وبعدين
ماتهمتك بشي، كانت نصيحة مو اكثر، هنا مو
انجلترا"
"هل تذكراني؟!"
قالها توم بضجر غاضب لتتورد وجنتا رُسُل وقد
نسيته تماما ويبتسم كرار بسماجة وهو يقول:
"ما بك توم، وكأنك زوجتي!"
ضحكت رُسُل بقوة لتشتعل عينا كرار ونبضاته
تهدر بقوة داخل أذنه ويشاركها توم الضحك وهو
يقول:"لا اريد شكرا، كان الله بعون زوجتك يا رجل"
همس كرار بجانب اذنها:"وشنو رأيچ انتي رُسُل؟" .
****
بعد شهر
تفاجأ بمهارتها بالعمل على الرغم أنها لم تمكث
معه سوى شهر واحد.. شهر واحد كان عذاب عليه
وعلى مشاعره التي يكبحها بقوة، فقد ابتعد عنها
منذ ذلك اليوم، اليوم الذي كان أفضل يوم بحياته
ليتحول بعدها لأسوأ يوم حتى يومها هذا!
زفر بخفوت وهو يتحاشى التفكير بذاك اليوم وينقل
تفكيره لعملها التي برعت به بفترة قصيرة كثيرا..
لديها خلفية جيدة جدا عن العمل..اراد معرفة السر
بفضول لا يظهر إلا معها ولها..ولكنها لم تمنحه
الفرصة ليسألها ابدا فقد كانت جدية بطريقة غريبة
أثارت حنقه فأين الفتاة التي تطارده بكل مكان
وتعانده بكل شيء؟! لقد تحولت لفتاة هادئة،
مطيعة أثارت غيظه!
"هسّه استراحة الغده نبأ"
قاطعها وهي مستغرقة بالعمل لترمقه بهدوء وهي
تنهض قائلة:"زين هروح لبابا وعمي"
"وليش ما تبقي تتغدي ويايه؟!"
"ماريد، حروح لبابا وعمي"
قالت بعند ليهتف يغضب:"اقعدي نبأ واتركي العناد
هذا.. آني طلبت الغده هسّه يوصل"
جلست وهي تتذمر ليقترب منها فجأة قائلا:
"شنو شبيچ؟! ليش تتهربين مني؟!"
ارتبكت فلأول مرة تكون بهذا القرب منذ فترة
طويلة، تحديدا منذ بدات تخطو على عتبات الأنوثة!
"ما اتهرب ولا شي، ليش تكول هيج!!"
قالتها بارتباك وهي تبتعد عنه مشيحة بوجهها
ليأتي دوره هو بالارتباك وهو يشعر بها قريبة منه
كما لم تكن منذ فترة طويلة.. أغمض عينيه يستنشق
رائحتها، لازالت تستخدم العطر الذي أهداه لها بعيد
ميلادها الأخير.. أراد ضمّها، أراد الشعور بها ملكه هو
فقط، أراد أن يهتف بعشقها الذي يعذّبه! صُدِمَ من
قوة أحاسيسه فارتد عنها بعنف وهو يكبح مشاعره
قائلا وكأنما يوجه الحديث لنفسه:"مأعرف، اريدك
تفهمين انتي اختي الصغيرة نبأ لهذا اي شيء
تحتاجيه بس قوليلي"
رمقته بخيبة أمل وهي تنهض ببطء قائلة بخفوت
بصوت مليء بالبكاء:"حروح لبابا"
تركته مسرعة حتى قبل أن يرد عليها ليضرب سطح
المكتب بقوة وهو يوبّخ نفسه:" غبي ضي، جبان"
ولكن ماذا يفعل؟ لابد أن يبتعد عنها، الا يعطيها
الأمل لشيء من المستحيل أن يحدث.
***
واقفة باستراحة الغداء والتي كل مرة تتحول
لكارثة من نوع مختلف وهذه المرة نهضت تاركة
إياهما بحجة مكالمة هامة، حسنا هي لم تكذب
هي بالفعل تحتاج لتكلم چون واخوتها فقد
اشتاقتهم كثيرا خاصة أنها مازالت لا تعلم متى
ستعود، فالعمل أكثر مما كانت تتخيل!
ما إن فُتُح الخط حتى بادرته:"چون! افتقدتك كثيرا"
وصلها صوت چون الحنون ليثير العَبرة بداخلها:
"صغيرتي، اشقتلك لكِ كثيرا.. متى ستعودي
حبيبتي؟!"
"لا أعلم حبيبي صدقني أحاوب أن أنتهي من العمل
بأسرع ما يمكنني حتى أعود ولكن لازال هناك
الكثير من العمل ولا أعلم متى ينتهي!"
"هل أنتِ بخير رُسُل؟! صوتك نبرته غريبة!"
ابتلعت غصة تخنقها فهي لا تريد إثارة قلقه..
"انا بخير چون لا تقلق عليّ، اريد التحدث لأندي
وديانا فليس لدي الكثير من الوقت لأعود للعمل"
جعلها تحدث اخوتها ثم مالَبِثَ أن حدّثها مرة
أخرى:"رُسُل حبيبتي، لا ترهقي نفسك بالعمل،
وإذا احتجتِ لأي شيء مهما كان، لو احتجتيني
انا بجانبك فقط أخبريني وستجديني لديكِ في
التو واللحظة"
ابتسمت بحنين ودموعها تسيل دون وعي منها:
"أعلم جون، أعلم حبيبي أنك دوما بجانبي ولن
تتركني مهما حدث"
اغلقت الخط ومازالت دموعها تسيل على وجنتيها
وشهقة خفيفة تسللت من بين شفتيها، لقد اشتاقت
لهم جميعا، حتى كارين!
على الرغم من أنها لم تشعرها يوما انها امها،
لم تعاملها يوما كما تعامل والدة صديقتها ابنتيها!
الفخر والحنان اللذان تراهما بعيني والدة خولة
لم تواجدا يوما بعيني كارين، رغم انها حاولت مرار
أن تلفت نظرها لها بشتى الطرق دون جدوى!
وحده جون هو من وقف بجانبها ودعمها وكان لها
السند، حتى معاملتها لأخوتها ليست دافئة..
تشعر بها باردة ولا تفهم كيف يجتمع جون الدافئ
الحنون بكارين الباردة القاسية!
***
وقف بالقرب منها ليشتعل غضبه بكلمة حبيبي التي
قالتها اكثر من مرة!
ماذا يفعل بها؟!
هل يقيّدها بالغرفة ويمنعها عن التواصل مع أيٍ
كان؟! تثير حنقه ببراءتها وعفويتها ولا يفهم كيف
لمثلها أن تنشأ بجتمع فاسد كالذي نشأت به؟!!
ويثير حنقه أكثر أنها تلفت النظر اينما ذهبت رغم
أنها لا تتعمد فعل ذلك.. فقد أسرت عائلته كلها
نساءها قبل رجالها وهو يريد فقط إخفاءها عن
العالم كله، لو يملك لوضعها بداخل قلبه واغلق عليها
ليرتاح قلبه.
زفر بحنق وهو يقترب منها ليسمع شقهة بكائها
فيشعر بطعنة داخل قلبه لا يفهم سببها!
أم انه يفهم ولكنه يتحاشى التفكير بتلك النبضات
التي تثير جنونه كلما كان بالقرب منها او حتى كلما
فكر بها!
"رُسُل!"
التفتت له ليرى لمعان الدموع الملتصقة بأهدابها
فابتلع غصته وهو يقول:"شبيچ رُسُل، ليش تبچي؟!"
"لا أبكي"
همّ بالحديث ليقاطعمها توم فمد يده لا إراديا يمسح
دموعها وهو يقول:"ماريد لحدا يشوف دموعج"
ابتسامة ارتسمت على شفتيها دون وعي منها
لتنتقل لشفتيه ليناظرهما توم بغيرة هو يقول:
"ماذا يحدث هنا؟!"
"وما دخلك انت فيما يحدث؟! هل انت ولي امرها؟"
رمقه توم بغضب ثم قال:"لا لست ولي امرها، ولكني
صديقها"
رمقته رُسُل بعتب فأشاح بوجهه لتقول:"لم يحدث
شيء توم، فلا تفتعل مشكلة من لاشيء"
ثم وجهت كلامها لهما:"من فضلكما دعا مشاعركما
خارج العمل حتى ننتهي منه ولا يعرقلنا شيء"
تركتهما وكأنهما طفلين تلقا التقريع لينظرا لبعض
بتحدي قبل ان يتبعاها للمكتب ويكملا العمل دون
كلمة أخرى.
***
شهر قد مرّ وهي تذهب معه للعمل كل صباح وتعود معه بعد انتهاء العمل.. فيما تزداد مشاعرها تعمقا،
وتكتشف به كل يوم شيئا جديدا..
في البداية حاولت إقناع نفسها انها منجذبة له فقط
لكونه كل ما أرادته بحياتها يوما.. ولكن بعد ذلك
علمت انها تحبه، تحبه بكل تفاصيله التي تثير
جنونها.. تحب وقفته الشامخة وكأنه يتحدى احد
أن ينافسه بأي شيء، تحب طريقته بالسير بشموخ
وكأنه يتحدى أي أحد أن يقترب منه!
تحب طريقة اكله بنهم راقي لحلوى (زنود الست)
حتى انها أحبتها فقط من اجله وهي طوال عمرها لم تأكل من الحلوى إلا المثلجات، تحب تمسكه
بأصله وعراقته حتى زيّه العراقي الذي يمنحه هيبة
تخطف أنفاسها وتتلاعب بنبضاتها..
دخلت المطبخ من أجله، هي لا تنكر أنها تهوى الطبخ
وتعلمت بعض الاكلات العربية على امل ان تجد
عائلة والدها يوما لكنها لم تطبخ اكلات عراقية من
قبل هي حتى لم تتذوقها قبل أن تأتي للعراق.
ابتسمت وهي تفكر انها قد أدمنت الطعام العراقي
في تلك الفترة.. ما بين الدولمة والباجة والبرياني
عشقت المطبخ العراقي كما عشقت لحظاتها مع
والدة خولة ووالدته.. تتعلم منهما تنهل من حنانهما
وهما لم يبخلا عليها قط لا بمشاعر ولا بتعليمها اي
شيء ارادته.. اختبرت معهما مشاعر لم تعلم
بوجودها قط!
أفاقت من أفكارها على صوته:"تحبين ابو وسام؟!"
انتبهت من افكارها على سؤاله فرمقته بعدم فهم
ثم انتبهت للصوت الأغنية الدائرة فابتسمت بعفوية
أشعلت نيرانه وهي تقول:"اووه كاظم! أعشقه"
تطايرت النيران من حدقتيه وهو يفكر بقنوط..
(ماذا يفعل هل يقتل كاظم حتى لا تعشقه؟!)
لاحظت عبوس ملامحه فقالت:"لا تحبه؟!!"
"بلى"
إجابة مقتضبة هي كل ماحصلت عليه فزمّت
شفتيها بحنق لذيذ جعله يريد الضحك..
دوما تثير به مشاعر غاية بالتطرف وهو لا يريد
التفكير بماهيتها أبدا!
اقتربا من المنزل ليسألها راغبا بفتح اي حديث:
"تحبين السمچ؟!"
جعّدت أنفها دلالة على عدم حبه وهي تقول:
"لا، لا أتقبله خالص"
هذه المرة لم يملك إلا أن يضحك بقوة فعبست تنظر
له متسائلة:"ليه تضحك؟!"
"ماعرف كلشي بيچ يثير الضحك"
شهقت:"ايه؟!"
ارتبك للحظات امام شهقتها:"لا لا ما اقصد هذا..
اقصد.... اممم ماشي اقصد هذا بطريقة لطيفة"
لوت شفتيها قائلة:"لطيفة!"
"اقصد زينه، بطريقة زينه"
قالها بتذمر فحان دورها لتضحك، وعلى الرغم
أن ضحكتها ليست صاخبة ك خولة إلا أنها أثارت
بداخله انفجارا من المشاعر التي كبحها بقوة وهو
يقول:"
"هكذا"
ابتسم ثم قال:"اليوم عندنا السمچ المسگوف
حتحبيه هوايه"
عضت على شفتيها بخجل وهي تقول:"لا.. امم مش
جعانة"
ضحك بخفة وهو يقول:"اللغة العربية مالتج ده
تتحسن باستمرار"
ابتسمت بسعادة قائلة:"حقا؟!"
أومأ وهو يصف السيارة بمكانها محدد امام المنزل
ثم قال:"دا ذوقيه بس وأوعدچ حتحبيه هوغيه"
رمقته بارتياب فضحك عاليا وهو يقول:
"انتي متثقين بي؟ مو حبيتي زنود الست؟
والبقلاوة والدولمة اللي صرتي طباخة ماهرة بيها!
حتحبين السمچ وتطلبيه مني هوايه"
شعرت أن وجنتيها تحترقان من طريقته الحميمة
بالحديث وكأنهما زوجان حبيبان ويحايلها لتأكل
طعامه المفضل.. فأومأت برأسها بخجل وهي تفكر
أنها على كل حال لن تستطيع رفض تناول الطعام
معهم فهذه إهانة هي لن توجهها لهم ابدا.
***
ليلا
جالسون جميعا امام شاشة التليفزين بغرفة المعيشة
الكبيرة بعدما خلد الكبار للنوم.. الشباب يأخذون
جانب من الغرفة والبنات الجانب الآخر.
"انتظر!"
هتفت بها رُسُل بلهفة عفوية فرمقها زيد بتساؤل
لتقول:"احب الفيلم"
ابتسم وهو يقول:"صغيرة على الحب! هنسهر حتى
نباوع (نشاهد او ننظر) عهالفيلم رُسُل؟!"
ابتسمت بخجل قائلة:"أعشق رشدي"
ماذا يفعل بها هي وهذا العشق الذي سيودي به؟!
هل يذهب لقتل رجل مات وشبع موتا!!
يا إلهي قد جُنّ على الأخير، والسبب.. هذه الصغيرة
ببراءتها المتلاعبة بنبضات قلبه!
ضحك ضي قائلا:"وشلون تعرفين رشدي اباظة؟!"
"هذا اول فيلم شاهدته له ووقعت بحبه على الفور
وبعد ذلك شاهدت جميع افلامه وبالطبع كان هناك
ترجمة فأنا وقتها لم أكن قد أجدت العربية و..."
كانت تتحدث بحماس وعيناه تلمعان لتصمت فجأة
وهي تلاحظ تحديقهم بها والابتسامة على شفاههم
جميعا سرعان ما تحولت لضحكات مرحة عندما
انتبهت أنها كانت تتحدث بالانجليزية فأغمضت
عينيها وهي تشير بيدها بارتباك:"اسفة"
"من اباوعلچ تتحدثين بكل هذا الحماس صرت احب
رشدي اباظة وحباوع وياچ الفيلم"
ابتسمت بخجل فيما تساءل كرار..
(هل سينتهي به الأمر قاتل شقيقه فقط من اجل
هذه الصغيرة التي اقتحمت حياته بعفويتها؟!).
نهاية الفصل
avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:35 pm

الفصل الخامس
قبل عدة سنوات
كانت بطريقها كالمعتاد للعائلة التي احتضنتها
صغيرة، العائلة التي جعلها چون تتواصل معها حتى
تعرف أمور دينها وعادات مجتمعها.. عائلة مصرية
كعائلة والدها التي لا تعلم حتى لِمَ تركوها لأم لا
تريدها!
وصلت لمنزلهم وطرقت لتفتح لها فتاة يبدو من
ملامحها أنها عربية أيضا فابتسمت لها تلقائيا كما
تفعل أمام أي شخص أو حتى شيء عربي..
لا تفهم لِمَ ولكنها تحب جذورها العربية وتفتخر بها
على الرغم أن كارين تهين كل ما هو عربي أمامها
على الدوام وتشوّه صورتهم.. ابتسمت لها الفتاة
بلطف وهي تقول بانجليزية سليمة:
"تفضلي بالدخول"
أجابتها رُسُل بالعربية بالكلمة الوحيدة التي اعتادت
على نطقها بشكل سليم:"شكرا"
ناظرتها الفتاة بدهشة ثم ابتسمت وهي تقول:
"تعرفين العربية!!"
"قليلا، وما انطقها بشكل جيد"
ضحكت ضحكة صاخبة جعلتها تشعر بالخجل
ولكنها أحبت ضحكتها كثيرا وشعرت بالألفة فعادت
للتحدث بالانجليزية التي تستطيع التعبير بها عن
نفسها افضل من العربية:"اعلم ان نطقي للعربية
مريع ويثير السخرية ولكني أحاول جاهدة للتعلم
ورغم ذلك الكثير من الحروف لا أستطيع نطقها
بشكل صحيح"
"ما يهمك، انا حساعدك"
وقبل أن تسألها من هي وما المدة التي ستمكثها
هنا حتى ظهرت صفاء.. من اعتبرتها بمنزلة شقيقتها
الكبرى التي لم تحظَ بها..
"شايفة انك اتعرفتي على رُسُل! تعالي رُسُل ادخلي،
ايه رايك في خولة؟ هتكون صديقتك الجديدة
الفترة دي"
ابتسمت رُسُل ولكنها لم تفهم مَن خولة ولِمَ هي هنا!
"خولة قريبة صديقتي العراقية وهي جت هنا
عشان تدرس بالجامعة اللي ادرّس فيها، هي
دكتورة وهي هنا عشان تاخد التخصص بتاعها، اول
ماشوفتها حسيتكم هتكونوا اصدقاء خاصة انها
اكبر منك بس بسنتين مش عجوزة زيي"
ابتسمت رُسُل ثم قالت بشقاوة:"لو سمعكِ عمر
لترككِ وتزوّج عليكِ"
ضحكت صفاء وهي تقول:"ومين ال هيسيبه يعمل
كده؟! قاعدة على قلبه انا"
صدح صوت عمر من خلفهن يقول بشقاوته المعتادة:
"على قلبي زي العسل"
وتبع جملته بغمزة فتحوّل وجه صفاء لثمرة طماطم
ناضجة وضحكت كل من رُسُل وخولة ليقول عمر:
"ازّيك رُسُل؟ وازي چون؟ واخواتك؟"
ابتسمت وهي تعلم أنه لن يسألها عن كارين ابدا فهو
لا يطيقها ابدا:"بخير شكرا"
ضحك وهو يقول:"لغتك كل مدى بتتحسن برافو
عليكي انا فخور بيكي يابنتي"
ابتسمت وهي تمنع دموعها من النزول وتكبح
إحساسها بالألم داخلها وهي تقول:"لو حد سمعك
تقول بنتي هيظنك كبير"
ابتسم بشقاوة مصطنعة وهو يقول:"برضه هتفضلي
بنتي غصب عن اي حد بس اوعي تقولي لي بابا
قدام حد عشان مايقولش عليا عجوز"
استجابت له وهي تصطنع ضحكة خفيفة وصفاء
تنظر لهما بحب وبداخلها توافق زوجها: (أجل عمر،
ربما لم يكتب الله لنا الأطفال لكنه عوّضنا برُسُل
ولابد ان نكون شاكرين له على الداوم.. رُسُل
تستحق أم حقا وليس تلك الباردة التي تخجل منها
الأمومة" .
***
"يا إلهي رُسُل لقد تعبت يا فتاة، ألا تتعبين من
المذاكرة!"
رمقتها رُسُل بحنق مصطنع وهي تقول:"وهل هذا
مظهر فتاة جاءت حتى تحصل على التخصص؟!
أنتِ كسولة ولا أعلم كيف تمكنتِ من أن تصبحي
طبيبة!"
"اشعر بالجوع رُسُل ولا أستطيع المذاكرة وأنا أشعر
بالجوع"
"يا إلهي خولة! انتِ تشعرين بالجوع كل خمس
دقائق.. ما بالك يا فتاة أشعر أنكِ ستلتهميني بوقت
ما"
ضحكت خولة بقوة وهي تقول:"ليس ببعيد فانا
عندما أجوع التهم ما أمامي على الفور"
لتشاركها رُسُل الضحك وهي تقول:" حسنا هيا بنا
قبل أن تأكليني"
ذهبا لمطعم قريب من المكتبة التي كانتا تجلسان
بها وجلسا بانتظار الطعام..
"كيف تعيشين هنا رُسُل؟! أو ربما السؤال هو كيف
حافظتِ على براءتك ونقائك في هذا العالم
الملوّث؟"
"الفضل بذلك بعد الله يعود ل چون، هو من جعلني
أتمسك بهويتي العربية المسلمة، هو من وقف
بجانبي وساندني دوما، أدين له بحياتي وأحبه ربما
اكثر شخص بالدنيا كلها"
"چون هو زوج أمك؟!"
سألتها خولة لتعقد حاجبيها قائلة:"اجل زوج كارين"
ثم اخرجت صورته واخوتها واعطتها لخولة قائلة:
"اغلى أشخاص بحياتي"
امسكت خولة بالصور ثم صاحت بلهجتها دون وعي:"واو شنو هالجمال كوله؟ هذا زوج امك؟
زوجيني اياه رسل أرجوچ"
ضحكت رُسُل بقوة غير قادرة على كبح ضحكاتها
على مظهر خولة المفتون ب چون..
هي تعلم أنه وسيم جدا حتى أنها فكرت ذات مرة
لِمَ تزوج بامها؟ ولِمَ يحبها بهذه الطريقة على الرغم
أنها اقل منه بكل شيء؟!
"وين صورة امك؟ آ. آ اقصد كارين؟!"
أخرجت صورة جماعية لهم كانت تحتفظ بها ولكنها
لم تكن تنظر لها إلا نادرا فهي لم تعد تعتبر كارين
جزء من عائلتها منذ فترة طويلة بالتحديد منذ ذلك
الموقف بينهما.. حرّكت رأسها لا تريد التذكر وهي
تعطي الصورة ل خولة..
شهقت خولة بقوة وهي تقول بطريقة جعلت رُسُل
تنفجر ضاحكة:"شلون تكون هذي امك؟! استغفر الله
هذي يحبها هذا الوسيم؟! وچان قبل يحبها والدك
همين؟ انتي متاكدة انها مكانت تسحر لهم؟!"
"الحب ليس بالشكل خولة، ولكن رغم ذلك انا أيضا
لا افهم كيف أحبها ابي وجون على الرغم أنها باردة
ولا أظن أنها تعرف ما هو الحب من الاساس"
كانت تقولها لنفسها اكثر من خولة لتشعر خولة
بالشفقة عليها.. هي عاشت طوال عمرها بمنزل
مليء بالحب والحنان ولا تتخيل الحياة التي
عاشتها رُسُل مع هذه المرأة التي تشعر بالجليد يشع
من عينيها بالصورة فكيف هي بالواقع؟!
****
وقفت بالمطار تمسك بيدها قائلة وهي تبكي
بحرقة:"خولة لا تغادري! لا تتركيني، أو ... أو خذيني
معكِ ارجوكِ لا تتركيني بمفردي"
تساقطت دموع خولة تشاركها البكاء، لم تتخيل أنها
ستتعلق بها بهذه الطريقة بل وتطلب منها المغادرة
معها!
ولكنها لم تستطع أن تراها بهذا الانهيار فضمّتها بقوة
وهي تقول:"حاخدك ويايه، متقلقي حاخدك رُسُل"
ابتعدت عنها رُسُل ببطء وهي تناظرها بلهفة
جعلت قلبها يئن من الألم مع قلب آخر كان يناظرها
بحزن ويشعر بالذنب لما يحدث معها.
هو السبب بكل ما يحدث لها، هو من أبعدها عن
عائلتها التي كانت ستكون سعيدة معها بكل تأكيد،
أغمض عينيه ولم يستطع النطق بكلمة واحدة وهو
يشعر بالندم يجتاحه، لم يستطع أن يناظرها وهي
تغادر، سيمنعها بكل تأكيد ولن يسمح لها بالمغادرة
لذا اكتفى بإغماض عينيه حتى لا يفعل ما يندم
عليه مرة أخرى ليفتحهما بغتة عندما شعر بلمسة
خفيفة لذراعه ليتفاجأ بها أمامه تنظر له بحزن ثم
تلفي بنفسها بين ذراعيه قائلة:"لا أستطيع تركك
چون، لا أستطيع ترك اخوتي حتى لو أردت، أنا
أحبكم كثيرا" .
****
رنين الهاتف أيقظه من شروده المعتاد منذ فترة
فالتقطه وفتح الخط ليصله صوت:
"ازيك يا أحمد؟ انا بتصل عشان اقولك اني ف مصر
وعايز اشوفك"
"محمود! ازيك؟ واحشني ياراجل، اخبارك ايه؟!
لا بقى بدام رجعت مصر لازم اشوفك انتي والمدام
ولين حبيبة عمها"
ضحك محمود وكان يتوقع ما قاله فوافق ثم اتفق
معه على الموعد..
بعد عدة أيام
"هاااي انتي، بتعملي ايه عندك؟!"
صاح بها عامر وهو يرى الفتاة التي تتطفل على
حديقة خاله التي يعتني بها وما إن التفتت حتى
تجمد مكانه!
ابتسمت له برقة وهي تقول:"آسفة، هي ليك؟! كنت
بشوفها بس عجبتني كتير"
اقطتف زهرة وأعطاها لها وهو يقول:"وردة لأحلى
وردة شوفتها"
توردت وجنتيها ثم مدت يدها لتأخذ الوردة فأخفاها
خلف ظهره وهو يقول:"مش اعرف اسمك الاول!"
"لين، وانت؟!"
ليبتسم بتسلية وهو يقول:"انا عامر"
ومال عليها ثم همس برقة أربكتها:"افتكري الاسم ده
كويس لانه هيكون اسم جوزك ف المستقبل" .
***
الحاضر
طنين هاتفه أنبأه بوصول رسالة فاختطفه بلهفة
وهو يدعو ان تكون من حبيبته التي لا تجيب على
هاتفها منذ عدة أيام وابتسم براحة عندما وجد
اسمها وان الرسالة منها لتختفي ابتسامته ما إن
فتح الرسالة وقرأ:
( فرحي الخميس ال جاي على ابن خالي، اسفة
مقدرتش ارفض زي كل مرة، وهرفض ليه بعد
حبيبي خذلني وطلع كان بيلعب بيا.. مش هلومك
لاني بعترف اني كنت غبية ومافهمتش انك
بتتسلى كل الوقت ده، الوداع يا جرح قلبي)
اعتصر الهاتف بقوة حتى شعر به يكاد يتحطم بيده
فألقاه بقوة على الجدار ليتحطم تماما ويشاهده هو
بسكون أقرب للموت!
لم يشعر بالراحة فالتقط المزهرية الكريستال التي
تصر والدته أن تضعها له بالغرفة ليلقيها بقوة على
الجدار ليشاهد تحطمها بعينيه دون أن يرف له جفن
ليقتحم والده الغرفة ويشاهد ما حدث ففهم أن خبر
زواج لين وصله.
رمقه بتعاطف رغما عنه ثم اقترب منه فألقى عامر
بنفسه بين ذراعي والده وهو يجهش بالبكاء..
لأول مرة يشعر بنفسه ضعيفا لهذا الحد.
***
ليلا
يجلس بغرفته يشعر بالاكتئاب يغمره، هل ستكون
حبيبته لآخر حقا؟! هل ستنساه كأن لم يكن وتتزوج
بآخر اختارها وقدّرها كما تستحق؟!
أغمض عينيه يحارب ليمنع دموعه من التساقط
مرة أخرى وهو يشعر بالخجل أنه بكى امام والده
كطفل صغير.. يشعر كأنه على شفا الموت!
هل سيجلس مكتوف اليدين هكذا ويتركها تزف
لآخر؟! ماذا يفعل؟!
حائر هو بين قلبه وواجبه!
يخشى ظلمها لو تزوجها قبل أن يضع الأمور بنصابها
هو لم يخدعها كما اتهمه والده، هو أحبها حتى قبل
أن يعرف ما هو الحب ولكنه يعرف جده جيدا،
يعرف أنه سينفّذ ما أخبره به ذلك اليوم.
شرد يتذكر عندما استدعاه جده ذات يوم وما إن
دلف للغرفة حتى هتف:"اقفل الباب وراك يا عامر"
عقد حاجبيه بدهشة فيبدو أنه اجتماع مغلق ولكنه
نفّذ ما امره به جده ثم دلف للداخل وجلس بالمكان
الذي أشار له جده ان يجلس فيه..
"خير يا جدي فيه حاجة؟!"
"سمعت انك بتدوّر على بنت الاجنبية"
اشتدت ملامحه وهو يقول:"بدوّر على بنت خالي نور يا جدي"
رمقه بجمود ثم قال:"وبعد ماتلاقيها ده اذا لقيتها
اصلا هتعمل ايه؟!"
رمقه بدهشة:"اكيد هجيبها تعيش معانا هنا"
"انا لا يمكن اسمح لبنت الاجنبية انها تعيش في
وسطنا"
صاح جده فأجابه بمهادنة:"ليس بس يا جدي؟! دي
بنت خالي يعني لحمنا ودمنا ازاي نسيبها عايشة
بعيد؟!
"لا دي مش بنتنا، دي بنت الست اللي خلّت خالك
يعصاني ويقف قصادي، اللي خلّته يبعد عننا سنين،
انا لا يمكن اعترف بيها أبدا زلا اخليها تعيش وسطنا
الا اذا...."
صمت ليحثّه عامر:"إلا إذا ايه يا جدي؟!"
"إلا إذا اتجوزتها"
ارتد بصدمة للخلف وهو يهتف:"ايه!"
"زي ما سمعت، مش هعترف بيها كحفيدة ليا الا اذا
اتجوزتها يا اما مش هخليها تعتب مصر كلها مش
بس البيت هنا"
وقتها وعلى الرغم من صدمته من تفكير جده إلا أنه
وعده أنه سيتزوجها ولكن وقتها لم يكن قابل لين،
لم يكن عرف الحب من الأساس فلم يجد بدا من
وعد جده بما يريد فهو يريد أن يريح القلوب
المرهقة من الحزن حوله ولكنه لم يتخيل أن يدفع
ثمن وعده غاليا هكذا!
***
جالسة تشاهد أحد الأفلام وهي تنتظر خولة التي
ذهبت لإعداد البوشار، ترتدي منامة منزلية واسعة
بأكمام طويلة وترخي شالها عن رأسها فكما أخبرتها
خولة لا يدخل أحد هذه الغرفة باستثناء كرار والذي
يبيت ليلته خارجا كما فهمت..
توقفت أنفاسها وهي تراقب البطلة تراقص البطل.. حسنا هو لم يكن يراقصها بالمعنى المفهوم بل كان
يعلّمها خطوات الرقص التي ادّعت عدم معرفتها..
حدّقت بهما وهي تتخيل نفسها مكان البطلة
وتتخيله مكان البطل.. هو بالفعل يشبهه كثيرا ليس
بالملامح بالطبع ولكن بخشونته، بلامبالاته بها، بل
بتذبذبه بتعامله معها!
فتارة يقترب بخطورة وتارة أخرى يبتعد بخشونة
غير مبالي بها!
راقبت البطل يركز على خطوات الرقص بصرامة
والبطلة تناظره بوله، تقترب منه تحاول أن تبثّه
أحاسيسها بأنفاسها الدافئة المرتبكة من اقترابه
والتي تصطدم بوجنته وكفها التي ترتعش بين
انامله، وذراعه التي تلتف حول خصرها..
تنهيدة طويلة خرجت منها قطعها دخوله العاصف
وهو يهتف بتلك الخشونة التي تدغدغ أحساسيسها:
"هاي شكاعد تسوين هنا بالوقت هذا
وبالشكل هذا؟!"
انتفضت بمكانها وهي تنهض مرتبكة من حضوره
وغضبه على حد سواء.. تضع شالها على رأسها كيفما اتفق ولكن ليس قبل أن يلمح خصلاتها التي تخيّل
لونها مرار ليزداد غضبه وهو يتخيل لو رآها سواه
بهذا الشكل!
"بشوف الفيلم"
أخرجته من أفكاره الجنونية على جملتها البريئة
لينفجر ضاحكا دون أي إرادة منه لتتوه هي
بملامحه التي ارتخت وجعلته يبدو أكثر دفئا
وقربا منها..
انتبه من ضحكه على تحديقها به فغمزها بعبث:
"عجبتچ؟!"
ارتبكت من طريقته التي أثارت الفوضى بداخلها
فأشاحت بوجهها وهي تقول بارتباك:"لا!"
"شنو؟!"
هتف بدهشة قبل أن يضحك مرة أخرى بقوة وهو
يرى وجهها تحول لثمرة فراولة ناضجة فاقترب منها
وهمس بشكل أربكها:"تعرفي اول مرة اعترف اني
اشتهي الفراولة واريد اذوقها هسّه"
عقدت حاجبيها بعدم فهم وهي تقول:"مافهمت!"
ليضحك وهو يقول:"فد يوم حكولك كل شي اريده
بس حاليا ماگدر"
التفت ليغارد وما إن وصل لباب الغرفة حتى التفت
لها مرة أخرى قائلا وقد عادت عقدة حاجبيه:
"لا تقعدين بهالشكل هنا مرة إلخ شنو حيصير لو
دخل أحد ثاني وشافچ هيچ؟!"
نظرت بإثره وهي تهتف بالانجليزية:"مجنون!
وسيتسبب بجنوني أيضا" .
****
"رَسُل لماذا تتجاهليني هكذا؟!"
هتف توم بحزن فزفرت بضيق وهي تقول:"لا اتجاهلك توم انا اعاملك كما عاملتك دوما صدقني"
"لا رُسُل، هناك ما تغير بكِ.. ولا افهم ما هو!"
وأكمل بداخله: ( او افهم ولكني احاول الا اصدق
ما اشعر به)
ابتسمت له بلطف:"حقا توم، ليس هناك شيء ابدا،
انا كمان انا.. انت فقط تحن للوطن"
"وانتِ رُسُل ألم تشتاقي للوطن؟!"
قالها بغموض لتجيبه ببساطة:"ولكن ذاك ليس
وطني توم، هنا وطني.. هنا اشعر بجذوري وهويتي
هنا أشعر ان لي عائلة واناس يخافون عليّ، لذا لا اشتاق سوى ل جون واخوتي فقط"
قالتها وغادرت قبل ان تقول شيئا اخر ليتابعها بنظره وهو يفكر.. (وهنا ايضا وجدتِ حبكِ رُسُل
لا تنكري!) .
****
كانت تجلس مع خولة أمام احط الافلام فقد ملّت
من العمل ولم تذهب اليوم، حسنا تعترف أنها أرادت
الابتعاد عن كرار وتوم اللذين يثيران جنونها
بتعاملهما غريب مع بعضهما.. زفلت بضيق وهي
تتابع الفيلم بملل لا تركز على احداثه ابدا حتى خولة
ليست على ما يرام.
"مالك خولة؟ فيه شي؟!"
"ماعرف رُسُل بس اني احس باشياء غريبة داخلي"
"لا افهمك خولة! ليه تهربي من حبه؟ الاعمى يعرف
انه يحبك ويتمنى رضاكي"
"خايفة رُسُل"
هتفت رُسُل بحدة:"لا خوف بل غباء"
همّت بالرد ليقاطعها دخول زيد ومعه كرار..
هتف زيد بمرح:"صديقتچ شغتلچ عني خولة!"
اعترضت رُسُل بمرح:"لا زيد، هي تهرب منك"
شهقت خولة ليضحك زيد وكرار عليها لتتابع رُسُل
"لا تصدقها، تقول انها مشغولة بي ولكن هي
مشغولة بك انت"
"رُسُل!!"
هتفت بها خولة بحدة وهي تلكزها بجانبها فتأوهت
رُسُل ولكنها قالت كي تغيظها:"اريد احضر فرحكم
قبل السفر زيد، مليت من لعبة توم وجيري دي"
تمتم كرار بغيظ:"هذا ال توم بيدخل بكل شي"
اقترب زيد من خولة التي تحولت بالكامل ل اللون
الاحمر وهو يهمس:"شنو رأيچ خولة؟ حتحققين
امنية صديقتچ لو حتبقين على عنادچ؟ بس اتذكري
كل الزين ماكو احد يهرب من قدره للأبد" .
***
راقبته واقفا مع إحدى الموظفات وهي تشعر بالنار
تتصاعد داخلها، تريد الذهاب لقتل هذه المرأة بل
وربما تقتله هو ايضا فهي ثائرة لأقصى حد..
هل أخذ راحته بالتعامل مع الموظفات لأنها أخبرته
أنها لن تحضر اليوم للعمل؟
كانت ستمكث بالمنزل لتذاكر فالاختبارات النهائية
قد اقترب وقتها وهي تريد التركيز حتى تتخرج
وتكون معه بالشركة على الدوام.. ولكنها لم تستطع
التركيز فأخذتها حجة للحضور للعمل لتطلب منه
المساعدة بالمادة .
اقتربت منه فرمقها بدهشة:"نبأ! ليش اجيتي؟!"
"شنو؟!"
هتفت بحدة فابتسم وهو يقول:"مو گولتي متجين
اليوم!"
"شنو متريدني اجي؟ كنت فرحان بغيابي؟ تتمنى
لو اغيب دوم؟"
عقد حاجبيه لحدتها وكلمتها الغاضبة وفكر ما بها؟
لِمَ هي غاضبة بهذا الشكل؟!
قبل أن يجيبها كانت قد غادرت مرة أخرى ليتجمد
مكانه للحظات قبل أن يلحق بها.
***
وقفت على بعد عدة خطوات من الشركة وهي تزفر
بضيق وتوبخ نفسها: ( غبية نبأ، ما الذي فعلتيه؟!
كيف تفقدين اعصابك هكذا، لم ينقص إلا أن تعترفي
له بحبك حتى يكون الإذلال كاملا!)
خرج من الشركة وهو يتلفت يمينا ويسارا يبحث
عنها ليجدها واقفةعلى بعد عدة خطوات حاجبيها
منعقدان بغضب كاد يضحكه فاقترب منها بخفة
ثم همس لها:"ليش معصبه عليه يا ابنة العم؟!"
رمقته بغموض وهي تقول:"مو معصبه، اجيت حتى
اتكلم وياك بشي مهم"
شعر بالقلق، نظرتها لم تريحه أبدا!
"اي امر؟!"
"اكو فد واحد تقدم لخطبتي واريدك تقابله"
نهاية الفصل

avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:36 pm

****
الفصل السادس قتلتني عيناها
(الماضي)
اتجه إلى المطار بعد أن أودع طفلته الروضة وكأنه
يوم عادي فلا يريد ل كارين ان تشك بشيء..
أتمّ تأكيد حجز البطاقات ل صديقه ورُسُل ثم عاد
مرة أخرى للروضة حتى يأتي بابنته.. وما إن وصل
أمام الروضة حتى وجد كارين تجمل رُسُل وتغادر!
تجمد من الصدمة للحظات قبل أن يندفع للجانب
الآخر من الطريق للوصول إليهما وهو يهاتف
محمود..
لحظات هي كل ما استغرقه الموقف ليحدث!
مناداته ل كارين وسماعه صوت فرامل سيارة قريبة
منه ليطير جسده بالهواء ثم يعود ليسقط على
الأرض بقوة وأصوات عديدة مختلفة وعيناه لا
تحيدان عن جسد طليقته التي تجمدت للحظات
قبل أن تركض في الاتجاه المعاكس وتختفي مع
ابنته ثم....
يسكن كل شيء حوله ويفقد الوعي ومعه أمله في
الوصول لابنته مجددا.
****
هرعا للمشفى بعد أن وصلهما نبأ الحادث وهناك
كان الوضع على أشدّه، ف نور دخل بغيبوبة ولم
يعرف أحد متى سيفيق منها أو هل سيفيق من
الأساس!
وخلال انتظارهما ليفيق من غيبوبته الاختيارية
على حد قول الطبيب المعالج -فلا يوجد سبب
عضوي ليسبب الغيبوبة- كانا قد بحثا عن رُسُل بكل
مكان من الممكن أن تكون به دون جدوى!
(بعد شهر من حادث نور)
"وبعدين يا محمود هنعمل ايه؟ هنقول ايه ل نور لما
يفوق؟ هنقوله معرفناش نلاقي بنتك؟ معرفناش
نحافظ على أمانتك؟!"
كان أحمد يهذي بالكلمات بذهول وبجانبه محمود لا
يعرف ماذا يفعل؟! لقد بحث بكل مكان، قلب لندن
بأكملها رأسا على عَقِب دون جدوى.. كارين اختفت
تماما ومعها روح صديقه (رُسُل) !
وبجانب اختفائها كانت غيبوبة نور التي تطبق على
أنفاسه، يعلم جيدا أن وضع صديقه بسبب ابنته،
بالتأكيد هو يعلم أنها مع كارين، فسبب الحادثة كان
خطؤه هو كما عرف بعد ذلك.. إذا نور عَلِم ان كارين
أخذت طفلته!
زفر بحنق وما إن همّ بالحديث ليجد حالة من الهرج
امام غرفة الرعاية التي مكث بها نور الفترة السابقة
وما هي إلا لحظات حتى خرج الطبيب وهو منفرج
الأسارير يبلغهما أنه استيقظ وبصحة جيدة نوعا
فالجروح قد التأمت ولكنه سيظل بالمشفى عدة
أيام للتأكد من كل شيء وجتى يستعيد صحته
تماما.
نظرا لبعضهما يحمدان الله على استيقاظه وبنفس
الوقت يخافان الدخول إليه، يخافان سؤاله عن
رُسُل! فماذا سيخبرانه؟!
***
بعد يومين
دخل الغرفة مترددا ليقابله وجه نور المبتسم وهو
يقول:"واضح اني نمت كتير لدرجة ان احمد بذات
نفسه جه من مصر مخصوص يدوّر عليا"
رمقه بدهشة من مرحه وابتسامته ولم يستطع الرد سوى ب:"حمدالله على سلامتك يا نور"
"الله يسلمك يا ابو حميد، ها اخبار نورية ايه؟
حددتوا الفرح وال لسه؟!"
عقد حاجبيه بريبة وهو يقول:"فرح ايه؟!"
اجابه مندهشا:"فرحك على نورية يا ابني مالك؟"
ازدرد ريقه وهو يرمقه دون حديث ليعاود نور
الحديث:"مالك يا احمد؟ هو الحاج معصلج بالجوازة
وال ايه؟! "
"نور انت خلصت دراسة وال لسه؟!"
رمقه بعد فهم ثم قال:"لسّه يجي تسع شهور، ايه
السؤال ده؟!"
امتقع وجه أحمد وهبّ واقفا وهو يركض للطبيب
ليقابل محمود بطريقه فأخذه معه وما إن وصل
للطبيب حتى هتف:"لا يتذكر أي شيء!"
عقد الطبيب حاجبيه وهو يهتف:"من هو؟!"
"نور محمد العدوي المريض بال..."
أومأ الطبيب متذكرا ومقاطعا إياه:"كيف هذا؟ لم
يظهر عليه أعراض فقدان الذاكرة أبدا و..."
قاطعه أحمد:"هو يذكرني اجل، ويذكر عائلته وكل شيء ولكنه لا يذكر أنه أنهى دراسته، ولا اني
تزوجت بالفعل بل وأنجبت ولا حتى يذكر ابنته!"
عقد الطبيب حاجبيه ثم قال:"لا تتحدث معه حتى
نجري بعض التحاليل والأشعة على الرغم أن رأسه
لم يتضرر من الحادث سوى بخدوش بسيطة ولكن
لا ضرر من إعادة الأشعة مرة اخرى ربما هناك شيء
لم ننتبه إليه".
****
بعد يومين
"مش فاهم يعني ايه يا محمود فقدان ذاكرة جزئي"
هتف بها أحمد بحدة ليزفر محمود بهم وهو يقول:
"ال فهمته يا احمد انه مش فاكر اي شيء قبل
٦ سنين، وده نوع من أنواع الحماية لنفسه زي ما
قال الطبيب النفسي اللي استشاره الطبيب المعالج
له بعد ما فهمته اللي حصل ل نور وبعد الكلام معاه
عرف انه مش فاكر اي شيء من وقت مقابلته
لكارين.. قال ان اللي حصل ان الالم كان فوق
احتماله فعقله عمل زي حماية له من الالم ال حس
بيه بمعنى انه بيحمي نفسه من ألم فقدانه لبنته،
ومن ألم خذلان كارين له قبلها.. يعني من الاخر هو
مش فاكر اي شيء لا عن كارين ولا عن رُسُل وكل
اللي في دماغه حاليا انه لسه متخرجش وانه
مستني يرجع مصر عشان يتجوز قريبته اللي والده
خطبها له قبل ما يسافر"
كان يستمع له لا يصدّق ما يحدث!
ينظر ل محمود يتوسله أن يخبره أن كل ذلك لا
يحدث! والآخر ينظر له بتعاطف لا يعلم ماذا يفعل
أيضا!
"طيب وبعدين؟ هنعمل ايه دلوقتي؟!"
قالها أحمد بضياع ليجيبه محمود:" الدكتور النفسي
قال محدش يفكره بأي حاجة حصلت، وانه هيفتكر
لوحده ولو مافتكرش لازم يتعرض على دكتور
نفسي يساعده انه يفتكر"
"يعني نقدر ناخده مصر؟ طيب نقدر نقوله انه خلّص
دراسته؟ طب ابوه ال اتبرّى منه ده اقوله ايه؟
وهفهمه السبب ازاي؟"
أغمض عينيه يكاد يُجَن، ماذا سيفعل؟ عمّه لن
يتفهم كل ذلك بل ربما يعتقد أنهم يخدعوه ليحصلوا على رضاه! كيف سيقنعه؟!
****
"يا عمي بقول لحضرتك انه مش فاكر حاجة من
اللي حصلت مش فاكر غير انه كان بيدرس وعمل
حادثة وبس.. حتى مش فاكر اني ونورية اتجوزنا
ولا جيبنا عامر ولا اي حاجة! ازاي هنقوله يتجوز؟
طيب حنان ذنبها ايه انها تتجوزه وهو في الحالة
دي؟! ذنبها ايه انها تتجوز واحد ممكن يفتكر في اي
وقت اللي حصل ووقتها رد فعله هيكون مش
محسوم!"
قالها احمد وهو يشعر بالحنق من استغلال عمه
لظروف نور بل وإجباره ل حنان ابنة عمته على
الزواج منه وهو بهذه الحالة.
"اللي حصل في صالح نور، لولا ال حصل عمري
ماكنت هقبل انه يرجع يعيش في وسطنا تاني،
نور هيتجوز حنان ومش عايز اسمع اي اعتراض
منك ولا انك تحاول تفكره بالماضي ولا بعملته
السودة اللي عملها، لو عرفت يا احمد انك فكرته
وال جيبتله سيرة اللي حصل او بنته اللي انا لا
يمكن اعترف بيها، وقتها تنسى مراتك وابنك".
***
(الحاضر)
هل قالت أحد يخطبها؟!
تجمد مكانه ولم يعرف ماذا يفعل! لم يتخيل يوما
أنه قد يخسرها لا بل تخيل خسارتها مرارا ولكنه
بكل مرة يتخيل نفسه يصرخ ويتنزعها ويهتف انها
له فقط ولن تكون لسواه..
"وعمي وبابا يعرفون هالشيء؟!"
"لا ما گلت لحدا واريدك انته تشوفه بالاول"
قالتها وهي ترمقه ببراءة تلاحظ ما اعتراه وقلبها
يؤلمها من أجله، هي تعلم أنه يحبها ولكنه يهرب من
حبها ولا تفهم لِمَ!
" منو هو؟ وانتي من وين بتعرفيه؟ وليش تريدين
اني اقابله؟!"
افتعلت ضحكة وهي تقول: "كل هاي الاسئلة! زين
منو هو: هو زميل ليه في الجامعة ولكنه اتخرج
صارله سنتين او اكثر، واعرفه لانه اخو صديقتي..
واريدك تشوفه لان آني اثق بيچ لان انت مثل اخويا الكبير"
ارتد للخلف بصدمة وهو يكرر:"أخوكِ!"
أومأت بخفة:"مو هذا ال دوم تگوله لي!"
أجفل مما قالت وهو يفكر أبالفعل يخبرها أنه
شقيقها الأكبر دوما؟! وهل كان وقعها عليها كوقعها
عليه؟! إنه يختنق!
حقا يشعر بالاختناق وربما ستفيض روحه لبارئها
في التو واللحظة!
لاحظت ما اعتراه ولكنها لم تعلّق ليفاجئها بثورته:
"هذا ميصير وماراح اشوفه ولا تتزوجين منه وحتى
لا تگولين لبابا او عمي عنه وستنسين ها الشخص
تماما"
وقبل أن تتحدث كان قد غادر الغرفة صافعا الباب
خلفه بعنف لتنفجر ضاحكة وهي تقول:"بعد ما
شفت شي يا ابن العم".
***
يراقبه يذوي أمامه وهو لا حول له ولا قوة، منذ علم
أن لين ستتزوج بآخر وهو نأى بنفسه عن الجميع
حتى عمله لم يعد شغوفا به كما كان دوما!
اقترب منه ببطء ثم جلس بجانبه وهو يقول:
"هو ده ال انت هتعمله يا عامر؟! تسكت وخلاص!
وتسيب البنت تتجوز غيرك؟!"
نظر له بحزن وإنهاك قائلا:"امال هعمل ايه يا بابا؟
عايزني اعمل ايه وهي باعتالي رسالة تقولي
انها هتتجوز قريبها؟!"
"تقوم تسيب البنت كده؟ البنت اللي حبيتها
ووعدتها انك تتجوزها هتسيبها بالبساطة دي؟
انا مش فاهم انت طالع لمين انهزامي كده؟
وال انت كنت بتلعب بيها فعلا يا عامر؟ للدرجة دي
انا معرفتش اربيك؟! كنت بتلعب ب لين يا عامر؟!"
رمقه بصدمة وهو يقول:"لا والله يا بابا عمري ما
لعبت بيها، لين دي روحي وانا لا يمكن اقلل منها او
العب بيها بيوم"
"امال سكوتك ده معناه ايه!"
قالها احمد بغضب فأجابه عامر:"هعمل ايه؟ احنا
مش ف فيلم عربي هروح اخطفها واقولهم دي
بتاعتي.. كده هسوّأ سمعتها وانا لا يمكن اعمل كده،
كفاية احساسي بالذنب تجاهها.. لو مكنتش اتأخرت
واخدت خطوة ايجابية من الاول مكنتش هتتعرض
لموقف زي ده واقف انا ايدي مربطة ومش عارف
اعمل ايه!"
كاد يسبه ابنه لغبائه.. فهتف بحنق:"وتفتكر يا ذكي
هي قالتلك ليه؟ لو م عايزاك تدّخل مكنتش قالتلك
اصلا.. وبعدين ال عرفته من محمود انه مجرد كلام
لسه مفيش حاجة رسمي"
عقد حاجبيه:"بس هي قالتلي ان جوازها بعد
اسبوع"
كاد يشد شعره من غبائه فهتف بغيظ:"ياواد انت
طالع غبي كده لمين؟ يعني هتقولك تعال اخطبني؟
اكيد عايزاك تتحرك بدل مانت قاعد زي خيبتها كده"
لم يعرف هل يضحك من اسلوب والده أو يقفز فرحا
لأنه مازالت هناك فرصة أمامه للفوز بحبيبته!
ولكنه ما لبث أن رمق والده بريبة وهو يقول:
"بس تفتكر هيرفضوا قريبهم ويوافقوا عليا انا؟!"
"يا واد اشد ف شعري ويقولوا الراجل اتجنن؟! يعني
اعمل فيك ايه؟ تصدق انا ال هروح اتجوزها ومش
هسيبها ليك ولا للواد التاني ده"
ضحك عاليا وهو يضم والده بحب قائلا:
"لا يا ابو حميد الا لين، كده هنخسر بعض"
لوى شفتيه بحنق وهو يقول:"دلوقتي الا لين؟ مانت
كنت سايب البت منهارة من العياط وقاعد هنا تبكي
على الاطلال"
رمقه عامر بشقاوة افتقدها أحمد مؤخرا وهو يقول:
"بقى انت عايز تتجوز على ماما يا بابا بعد كل
السنين دي؟ مكن العشم يا بابا! وهتلاقي فين
واحدة زي ماما؟"
لم يدرك ما يحاول ابنه فعله فهتف بغرور:"البنات
كتير بس انا اشاور بس وهتلاقيهم كلهم تحت
رجلي.. انت فاكر ابوك راحت عليه وال ايه"
"والله يا سي احمد؟ طب ومين ماسكك اتفضل روح
اتجوز بس يكون في علمك قبل ما تعملها تكون
مطلقني بالتلاتة.. ماهو لازم انا كمان اشوف حالي
بقى"
انتفض أحمد على صوت نورية زوجته فالتفت
سريعا ليجد عامر يشير له من خلفها ويحرّك حاجبيه
بعبث وهو يقول:"لا يا ماما اوعي تقولي كده ده انا
هجوزك سيد سيده"
ركض أحمد خلفه وهو يسبه ولكن عامر كان قد
سبقه وهو يضحك ليتوقف أحمد مكانه ضاحكا
بمرح وهو يرى الفرحة عادت لابنه مرة أخرى.
"بتجري ورا الواد ليه؟ الواد ماغلطش!"
"بقى عايزة تتجوزي عليا يا نونو!"
تظاهرت بالحنق وهي تقول:"انا اللي عايزة اتجوز
وال انت يا ابو عيون زايغة!"
اقترب منها وهو يقول بعبث:"زايغة ازاي وهي
مبتشوفش غيرك يا نورية قلبي"
لوت شفتيها قائلة:"ايوة اضحك عليا بقى يااحمد"
ضمها له بحب قائلا:"انا لو لفّيت العالم كله لا يمكن
الاقي ضفرك يا قلب وعقل وروح أحمد"
رمقته بحب فهمس لها بعبث يشبهه به ابنه:
"ماتيجي اما اقولك كلمتين جوّه، الواد خرج وانا
وانتي لوحدنا والشيطان تالتنا"
ضحكت بقوة وهي تقول له:"مش هتتغير ابدا يا
احمد"
غمزها بمرح:"ابدا يا عيون احمد" .
***
"انتظري رُسُل، وين تروحين؟!"
رمقته بدهشة ثم قالت:"للعمل"
رمقها باستنكار:"وحدچ؟ ليش مانتظرتيني؟!"
"ما اريد"
ابتسم لحديثها بلهجته ثم قال:"انتي زعلانة مني؟!"
احتدت نظراتها وهي تشيح بوجهها تتذكر ابتسامته
لزميلته بالعمل، لم تكن ابتسامة فقط بل إعجاب
ذكوري بالمرأة.. إعجاب قهر قلبها فتحاشت رؤيته
باليومين السابقين، تهرب من مشاعرها فعلى ما
يبدو أن المشاعر غير متبادلة كما هُيّء لها وانها
كانت تخدع نفسها..
هو لا يحبها، لو أحبها لم يكن لينظر لأخرى أبدا!
ظهرت مشاعر الغضب بعينيها ذات اللون الفريد
فابتسم فهي تبدو شهية حتى بغضبها ولو لم يفهم
ما سبب غضبها من الاساس!
"آني سوّيتلچ شي حتى تزعلي؟!"
قالها بحيرة لتجيبه رافعة حاجبيها:"مافي شي"
زفر بنفاذ صبر ثم قال:"زين يالا خلي نروح حتى
مانتاخر على الشغل وعوفي الزعل هسّه لان
ما يفيدچ.. واني ما عرف اني سويت شي يزعلك"
شعرت بالغيظ ولكنها لم تجادل فصعدت للسيارة
معه وهي تنأى بنفسها عنه دون كلمة واحدة وهو لم
يحاول حتى التقرب منها مرة اخرى.
***
دلفت إلى المكتب لتجد توم بانتظارها بابتسامة
واسعة فرمقته بتساؤل ليقول:"واخيرا رُسُل سنعود
للوطن، لقد مللت حقا هنا خاصة وانتِ طوال الوقت
مع صديقتك التي لا تحبني"
عقدت حاجبيها قائلة:"سنعود؟ لِمَ؟ لم ننتهي من
العمل بعد وهناك الكثير من الاشياء التي لم...."
قاطع حديثها بلهفة:" لقد أتممنا ما جئنا من اجله، لذا
لا يوجد سبب لنظل هنا وسيرسلون آخرين للاهتمام
بما تبقى"
لاحظ عبوسها فهتف:"الا تريدين العودة؟ ألم تفتقدي
چون والطفلين؟!"
ازردت ريقها بألم وهي تفكر : (هل انتهى الحلم بهذه
السرعة؟!)
لمست جبهتها وهي تشعر أن كل الظروف تكالبت
عليها وهي تقول بخفوت:"أجل بالطبع افتقدتهم
جميعا ولكن..."
صمتت غير قادرة على الحديث فماذا ستقول؟!
هل تقول أنها وجدت هنا راحتها؟! وجدت عائلة
طالما تمنتها؟! أم تقول أنها وجدت الحب الذي
بحثت عنه طويلا؟!
"لِمَ تضغط عليها؟! إذا لم تُرِد العودة فاتركها، ما دخلك بها؟!"
هتف كرار من خلفها وكانت قد نسيت وجوده تماما
حالما ذكّرها توم بما تريد نسيانه!
هي ليست من هنا، هي لا تنتمي لهذا المنزل الذي
احتضنها بكل حب وحنو..
هي حتى لن تجد حجة لتستمر بالمكوث هنا أكثر،
ستعود لانجلترا من جديد وحيدة، غريبة.. ستعود
لآم تنفر منها ولا تريدها.. ستعود لعالم لا تريده ولا
تحبه بعيدا عن وطنها الأصلي.. وأخيرا بعيدا عن حبيبها!
تركتهما يتجادلان كعادتهما وانهمكت بالعمل دون أن
تبالي بما يحدث حولها وسرعان ما توقفا عن
الجدال وانضمها إليها بالعمل .
***
راقبها تترجل من سيارة الشركة ليتفاقهم غيظه من
تهربها منه منذ عدة ايام.. وما أثار غيظه أكثر وجود
ذلك اللزج توم معها على الدوام لا يمنحه الفرصة
للاقتراب منها وهي على مايبدو لم تعد تصد
محاولات التقرب من توم وهذا أشعل غيرته لأقصى
حد!
اقترب منها ما ٱن دلفت إلى المنزل ليجرّها لحديقة
المنزل الخلفية وهو يهتف بغضب:
"اني ما اگولچ ماتگعدين ويه توم هذا وحدچ رُسُل؟
ولا بأي مكان حتى اذا چان بالشركة!"
رمقته بدهشة وهي تقول:
"توم صديقي وزميلي بالعمل كرار، عادي"
"بس تره هذا مايصير!"
"ليه؟!"
سألتها بعدم فهم فأثارت غيظه أكثر فقال بنزق:
"لان هو غريب"
"وانت غريب بس بظهر معاك عادي"
أثارت غيظه وغيرته بردها اللامبالي!
كيف تقارنه بها ال توم؟!
رمقها بغيظ قبل أن يشعر بالتسلية مما هو مقبل
عليه.. هل تتلاعب به؟ إذا سيريها التلاعب حقا..
اقترب منها بخفة ليحجزها بين الجدار خلفها وبين جسده وهو يقول بخفوت:
"تره اني ما غريب رُسُل، اني أقربلچ من الكل"
ازدردت ريقها بتوتر من قربه فهي لم تكن قريبة
هكذا من اي رجل بحياتها ولا تحب هذا القرب فهو
يشعرها بالتوتر وأشياؤ أخرى لا تريد الشعور بها.
"ابعد كرار"
"احب اسمي ينذكر بشفايفچ رُسُل، گوليه مره لخ
يمكن بوقتها اگدر ابعد عنچ مثل متريدين"
أغمضت عينيها تشعر بالخطر.. ماذا يحدث؟!
تحبه اجل ولكنها لا تحب ما يفعله؟! لا تحب اقترابه
هكذا دون ان يكون هناك رابط بينهما؟! ماذا لو رآهما احد؟!
كررت بضعف:"ابعد كرار، من فضلك"
"صدگ رُسُل تريدين ابعد عنچ؟ اذا ليش عيونك
تطلب شي تاني؟ تطلب مني اقترب، اقترب منچ
گلش لما تختفي المسافة بيناتنه.. لمن اسمع هسّه
رُسُل؟ شفايفچ لو عيونچ؟!"
دمعة وحيدة سالت على وجنتها تنبئ عن ضعفها
ذاك الضعف الذي يعتريها عندما تكون معه هو.. وهو فقط ولكنه لم يحتمل دموعها فابتعد سريعا كافّا
عما يفعله وهمّ بالحديث معتذرا هو لم يقصد أن
يضايقها ابدا ولكنها لم تمنحه الفرصة بل فرّت
لداخل المنزل ما إن ابتعد عنها وتركته واقفا يتنشق
بقايا رائحة الياسمين التي تسحره.
***
بعد يومين
كانت بحمام الشركة تنعش نفسها قبل اجتماعها مع
توم وكرار وسماع جدالهما كالعادة ليتناهى لسمعها
صوت موظفتين بالشركة يتحدثان عن كرار..
"مسمعتي الخبر؟!"
"يا خبر؟! گولي"
"يگولون انه المهر مال كرار الشهر الجاي"
"كرار مالنا (خاصتنا) ؟!"
"اي هو بنفسه"
"منو هاي البنت المحظوظه؟"
"يگولون انو هي گرايبه گانت اله من هو صغير"
لم تستطع السمع أكثر فأسرعت بالخروج من الحمام
بل ومن الشركة كلها راكضة وهي تهاتف نبأ!
لا تعلم لِمَ نبأ ولكنها فعلت.. فلا تريد التحدث مع
خولة..لا تريد أن تتحول فرحتها لحزن بسببها.
***
كانت منهمكة بالعمل عندما علا طنين هاتفها
فالتقطته وهي تعبس فاتحة الخط:"رُسُل!"
"نبأ، ممكن تجيلي؟"
"اكيد وين انتي؟!"
"امام مطعم قريب من الشركة"
نبرة صوتها لم تطمئنها وكأنها تبكي او تحاول الا
تبكي.. فطمأنتها:"لحظات واكون عندك رُسُل،
انا قريبة منچ، لتقلقين"
اغلقت الخط لتجده يقف بجوارها قائلا:
"شنو شبيها رُسُل؟!"
"معرف بس صوتها مطمني ابد"
"زين حاجي وياكي"
لم تعترض وغادرت معه وبعد لحظات وصلت ل
رُسُل لتجدها كانت تبكي كما خمّنت، انتحت به
جانبا لتسألها عمّا ألمّ بها فلم تقل سوى:
"لقد كان حلما نبأ، فقط محض حلم!" .
****
أشارت لضي ليغادر ولكنه رفض وجلس على طاولة
قريبة منهما ولكنها تمنحهما الخصوصية اللازمة..
"شنو بيچ رُسُل؟ ليش تبچين؟"
"قلبي يؤلمني كثيرا نبأ ولا أعلم ماذا افعل؟!"
قالتها رُسُل بالانجليزية فمع حالتها النفسية لم تكن
لتفكر بالتحدث بالعربية فاجابتها نبأ:
"تحبينه رُسُل!"
رفعت بصرها بحيرة وهي تقول:"من؟!"
"كرار"
قالتها بإقرار لتغمض رُسُل عينيها وهي تهرب من
عيني نبأ الثاقبتين وهي تحرّك رأسها:" لا اعلم"
"بس اني مدا اسالچ رُسُل، اني دا كلچ انتي تره
تحبيه"
"كيف تكوني أكيدة لهذه الدرجة؟!"
"لان آني جربت گبلچ الحب واعرف شنو شعورك،
واعرف شعور أمريه (امرأة) تحب رچل يحبها بس
هو دومه ينهزم (يهرب) بكل الطرق"
قالتها نبأ بمرارة لتجيبها رُسُل بسخرية:"ولكنه لا
يحبني نبأ!"
"هو يحبچ رُسُل بس هو جبان او غبي.. أو جبان وغبي همين"
قالتها بمرح مصطنع فهمّت بالتحدث ليقاطعها طنين
هاتفها فالتقطته لتجده چون.. ابتسمت بحنين وهي
ترد عليه:"أفتقدك كثيرا چون"
انتبه لنبرتها الباكية فهتف:"رُسُل! ما بكِ ابنتي؟
أنا أيضا أفتقدك عزيزتي وأشعر أنكِ لست على ما
يرام.. أنتِ تتألمي رُسُل؟!"
أومأت كأنه يراها وهي تجيبه:"لا لست على ما
يرام ابدا أبي"
قالتها بعفوية ليغمض جون عينيه بقوة يحاول منه
دموعه من النزول وهو يقول بداخله :
(آااه يا رُسُل آسف عزيزتي.. آسف لأنني السبب
بحزنك)
"چون، ألازلت معي؟!"
"دوما معكِ رُسُل، دوما معكِ حبيبتي"
قالها بحنو لتشعر انه لا يقولها فقط للرد عليها بل
يخبرها أنه معها دوما مهما حدث وهذا منحها دفعة
ثقة فابتسمت وهي تجفف دموعها وتقول:
"كيف حال الطفلين"
ضحك بخفة وهو يقول:"لو سمعاكِ لأقاما عليكِ
الحرب وخاصة ديانا فهي دوما تسألني عن موعد
عودتك"
عادت للأمر الذي تهرب منه فابتسمت بحزن وهي
تقول:
"سأعود قريبا چون، فقط سأحضر زفاف صديقتي
وأعود لكم.. واخبر ديانا ألا تقق فأنا لم أنسَ حفل
التخرج خاصتها وسأعود بالموعد".
***
بعد أسبوع
عقد قران خولة وزيد بالمحكمة
"اووف شنو هالجنون؟ وعبالك ماصدكوا اني اقبل
بهذا الزواج ورسن يريدون نگطع مهر بهالسرعة!"
ضحكت رُسُل وهي تقول:"مسكين زيد خاف ان
تتراجعي بكلامك"
زمّت شفتيها بحنق مصطنع وبداخلها تشعر بالسعادة
لقد تحقق حلمها بالزواج من حبيبها، لا تصدق حتى
الآن انها أصبحت زوجته قانونيا!
ابتسمت بسعادة لتسمع لمزات نبأ ورُسُل خلفها
فالتفتت لهما تتظاهر بالحنق:"اسكتوا، وخاصة انتي
رُسُل، اتفقتي عليّ ويه زيد!"
"لو تركتك لجنونك خولة لم تكوني لتتزوجي ابدا،
والرجل هيخلل جنبك"
ضحكتا بقوة ونبأ تقول:"هاي الكلمة من اي لهجة
رُسُل؟!"
ابتسمت قائلة:"كنت اسمع صفاء تقولها دايما"
خرجت نبأ تلبي نداء والدتها وهي تشعر بالسعادة
من أجل شقيقتها وتتمنى لو كان حبيبها مثل شقيقه.
"سعيدة خولة؟!"
سألتها رُسُل فضمتها خولة بقوة وهي تقول:
"آني گلش سعيدة رُسُل، اخاف يكون حلم واگعد
منه"
ربتت على ظهرها بحب وهي تقول:"لا حبيبتي كل
ده حقيقة، افرحي خولة.. انتي تستحقي الفرح"
"يوم الچ رسّولة"
ابتلعت غصتها وحاولت الابتسام ولكنها لم تستطع
وأنقذها صوت زيد الذي تسلل للغرفة فمنذ عقد
قرانهما بالمحكمة صباحا وخولة تعتكف بالغرفة هربا
منه.. لم يستطع حتى المباركة لها كما يتوق.
"ماگدرتي تنهزمين (تهربين) حبيبتي، وآني هم
ماگدر اصبر أكثر"
ابتعدت عنها رُسُل بخجل من وجودها بينهما
بمفردها فيبدو ان نبأ هي من ساعدته لدخول الغرفة
غمزته رُسُل بمرح وهي تخرج هامسة له قبل
أن تغلق الباب خلفها:"ارفق بها زيد، لا اريد لصديقتي
ان تختفي بيوم عقد قرانها" .
***
دلف للمنزل فشعر بشيء غريب.. حسنا ليس
الغريب أن الجميع مجتمعون ولكن الغريب بنظراتهم
إليه! ماذا حدث؟! ولماذا هاتفه والده ليعود للمنزل
بعدما خرج مع أصدقائه؟! هناك ما حدث ولا
يعرفه!
"كل شي بخير بابا؟!"
رمقه زيد بتوتر وهو ينقل بصره بينه وبين كرار
يفرك يده بعصبية لا يوافق عما يحدث ولكن ليس
بيده شيء.. ألا يعلم والده وعمه ان الغباء سمة
شقيقيه؟! وأن ما يفعلونه لا يجدي نفعا؟!
"اكو عريس متقدم ل نبأشنو رأيچ ضي؟!"
تجمد مكانه واحتدت نظراته قبل أن يختفي كل
شيء وهو يقول:"شنو تگول يابه؟ مو نبأ لكرار من
هي صغيرة؟ اصلا شلون تفكرون هيچ؟!"
هل قال أن سمة شقيقه الغباء؟! حسنا هو يعتذر
فهما المادة الخام للغباء والجبن ايضا ويبدو أنهما
لا يعرفان عواقب ما يفعلان!
نهاية الفصل


avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:39 pm


الفصل السابع قتلتني عيناها
(الماضي)
قبل زواج نور وكارين بفترة
ابتعد عنها جون بحدة وهو يهتف:"لا أفهم ماذا تريدين كارين؟ وماذا تفعلين هنا
من الأساس وزواجك لم يتبقَ عليه الكثير؟"
اقتربت منه مرة أخرى بدلال وهي تقول:"ألا تفهم حقا جون أم أنك تتهرب مما
أريد؟"
رمقها بحدة وهو يقول:"أجل لا أفهم, تتقربي مني بعد رفضك لي, تتقربي مني
وزواجك من آخر على الأبواب؟! حقا لا أفهمك كارين!"
لم تهتم بحدته ولا بحديثه واصلت التقرب منه وهي تضع يدها على قلبه قائلة:
"جئت إليكَ لأني أعلم أن قلبك هذا ملكي أنا, وأنا أريده"
رمقها بعدم فهم وارتبك من قربها منها.. قربها مهلك له.. تعلم جيدا كيف تلعب
بأعصابه.. تعلم أنها هي نقطة ضعفه الوحيدة, حبه لها يضعفه وعلى الرغم أنه
لا يحب هذا الضعف إلا أنه لم يملك إلا أن يستسلم له..
"أريدك أن تكون الأول جون, طالما تخيلتك أنت الأول.. أنت وأنت فقط"
قالتها وهي تقترب منه حد الالتصاق فعلقت أنفاسه وهو يراها قريبة..
قريبة كما تمناها دوما فلم يستطع مقاومتها أكثر ونسي كل شيء آخر سواها
ومشاعره تجاهها وضعفه على أشدّه كما لم يكن من قبل..
لم يستطع أن يكبح زمام نفسه أكثر فغرق بها كما لم يغرق يوما..
غرق وندم بعدها كما كل مرة يقترب منها بها.
***
ليلة زواج نور وكارين
ابتعد عنها يحاول إخفاء امتعاضه, على الرغم أنه يعلم عن عاداتهم وطريقة
معيشتهم إلا أنه لم يستطع إلا أن يشعر بغصة.. كان يظنها مختلفة ولكنه وجدها
عادية كثيرا.. سخر من نفسه.. غبي نور ماذا اعتقدت من أجنبية؟!
هي ستكون بريئة كفتيات بلدك؟ لقد طاردتك تقرّبت منك ولولا خوفك من الله
لكنت حصلت عليها دون زواج فهي كانت أكثر من راغبة!
تابعته بعينيها يبتعد عنها يشيح بوجهه عنها فشعرت بالغيظ.. هل هذا فقط ما يهمه؟!
(شرقي متخلف)
هتفت بداخلها ثم قالت بنبرة بها بعض التشفّي:"ما بكَ نور؟ لماذا ابتعدت عني؟
ألم أكن مثلما توقعت؟!"
رمقها بتوتر وهو يحاول كبح مشاعره داخله:"لم أتوقع شيئا كارين, فقط أريد النوم
قليلا فقد كان يوما مرهقا"
لم تصدقه وشعر هو بذلك ولكنه لم يهتم.. استلقى على الفراش وخلد للنوم وهو يفكر
هل كانت تستحق تضحيته؟!
***
بعد عدة أشهر
"مش فاهمك يا نور! كنت فرحان وطاير بيها وفجأة حاسّك مش سعيد..
مش عايز ترجع البيت حتى.. فيه ايه يابني فهّمني؟!"
قالها محمود بنفاذ صبر ليجيبه نور:"انا نفسي معنتش فاهم نفسي يا محمود,
حاسس اني تايه.. بقالنا كام شهر متجوزين بس حاسس ان مشاعري بدل ما تقوى
بتضعف وتبهت.. مشتاق لأهلي وحاسس بالغربة, مش قادر أكمل"
صمت للحظات قبل أن يقول بحزن:"امبارح حاولت أكلم بابا بس مارضاش يكلّمني,
ده انا ماقولتش لحد اني اتجوزت امال لو قولتلهم هيعملوا ايه؟!"
زفر بحنق من غباء صديقه يلعن تسرّعه بالزواج من تلك المرأة التي لم يحبها
أبدا..
"طب ماتسيبها يا نور.. طلّقها وارجع بلدك وراضي أبوك, سيبها قبل ماتتورط في
طفل منها ووقتها عمرك ما هتقدر تبعد عنها عشان ابنك.. ارجع بلدك واتجوز
اللي باباك اختارهالك.. انت بنفسك قولت ان مايعيبهاش شيء, يبقى ليه ترفض؟"
"انا كنت موافق فعلا يا محمود بس لما قابلت كارين حسيت انها تليق لي اكتر..
حنان كويسة ومفيش سبب فعلا اني ارفضها لكن... ضعف شخصيتها بيخنقني,
خاصة قدام بابا.. مهما قال بتنفذ فورا من غير مناقشة"
قال نور بإحباط فأجابه محمود بغيظ يكاد يشد شعره من غباء صديقه:
"يابني انت عايز تجنني؟ يعني هي عشان بتسمع كلام ابوك تبقى شخصيتها ضعيفة؟
مش يمكن بتسمع كلامه لأنه أكبر منها وهو ال مربيها زي مانت قولت؟
مش يمكن سماعها الكلام ده احترام مش ضعف شخصية! للأسف يا نور انت
انبهرت ب كارين واتسرعت ف الجواز منها وادي النتيجة.. محتار مش عارف
تعمل ايه! ولو اني لو في مكانك كنت هطلقها بدون تردد وهرجع بلدي واتجوز
قريبتي المسلمة زيي وال واثق ف أخلاقها.. ومش هفضل أجري ورا وهم"
ضربه كلام محمود بالصميم.. عاد إلى المنزل وكلام محمود يتردد بداخله..
يجد صدى لما يشعر به مؤخرا من فتور وملل تجاه من عصى والده من أجلها,
دلف إلى المنزل وسرعان ما تغيرت حالته بعدما رآها فأسرع إليها لتصدمه
بقولها أنها حامل بطفله!
***
حادث نور
انتفضت وهي تراه يُضرَب بالسيارة ويسقط بقوة في الجهة الأخرى..
للحظات كادت تذهب له لتطلب الإسعاف ولكنها تجمدت مكانها وهي تفكر أنه
يستحق فقد كان سيهرب بالطفلة ولن تراها مرة أخرى.. فهربت بطفلتها وهرعت
إلى جون تطلب دعمه دون أن تخبره بالحقيقة.
"ما بكِ كارين؟ كأنكِ رأيتِ شبحا؟! ثم.. ماذا تفعل رُسُل معكِ؟!"
هتف بها جون حالما رآها فوضعت رُسُل على الأرض ودخلت بين ذراعيه تضم
نفسها إليه بقوة وهي تقول:"رُسُل ستكون معي من اليوم.. ستكون معنا دوما جون"
ابتعد عنها يرمقها بعدم استيعاب!
"ماذا تعني؟ هل وافق نور على تركها لكِ؟"
سألها وهو لا يصدق ما يتفوه به فهو يعلم أن نور لن يفعل أبدا وحقيقة لا يلومه
أجابته ببرود استعادته بعدما تخطت صدمة حادث نور:"نور لم يعد له وجود"
"لا أفهم!"
"نور مات جون.. والطفلة أصبحت لي"
قالتها كارين ببرود غريب فارتد جون للخلف مصعوقا:"مات! كيف؟ ومتى و.."
قاطعته بحنق:"لا يهم.. ما يهم الآن أن نبتعد عن هنا فبالتأكيد أهله سيطالبون
ب رُسُل وأنا لن أعطيها لهم أبدا"
"ما هو الي لا يهم؟ لا يهم أن والد طفلتك مات؟ الرجل الذي أحببتيه يوما وتزوجتِ منه مات وأنتِ تقولين لا يهم!"
قالها جون بصدمة فزفرت بحنق وهي تحاول أن تجذبه لجهتها:
"جون حبيبي, هو مات وليس بيدي شيء أفعله من أجله سوى الصلاة له,
وأنت تعلم أنني لست متدينة.. ثم إن معه أصدقائه لذا هو ليس بمفرده"
رأت عدم الاقتناع على وجهه فقالت تضغط على وتره الحساس:
"هل تريدني أن أجلس هنا وأنتظر أن يأتي أهله ويأخذون مني رُسُل؟ أنت لا
تعرفهم لقد كان يحكي لي نور عنهم.. إنهم ظالمون, متسلطون.. والده رجل رهيب
لا أتخيل أن أترك ابنتي له أبدا سيدمرها صدقني"
وكما توقعت لان وجهه عندما ذكرت رُسُل.. الفتاة التي سلبت قلبه كما سلبت قلب
نور من قبلها حتى قبل أن تأتي للحياة..
هل تغار منها؟! لا ليست غيرة ربما غِبطة لأنها تحصل على الاهتمام بكل سهولة
على العكس منها.. لا أحد يلاحظها مادامت رُسُل بالجوار!
الرجلان اللذان أعجبت بهما كلاهما يعشق رُسُل ومستعد للتضحية بحياته من
أجلها بينما هي تجاهد حتى يسمعا كلاهما فقط.
رمقته بحنق لم يتبينه وهو يفكر.. لا يستطيع خسارة رُسُل, لا يستطيع الابتعاد عنها
لقد وقع بغرامها منذ حملها على يده لأول مرة ونظرت له بعينيها الغريبتين..
إنه يشعر أنها طفلته هو أو كان لابد أن تكون طفلته لا طفلة نور..
زفر بحنق وهو يفكر أن كل ما يحدث هو بسبب أنانية كارين, فقط أرادت الحصول
على كل شيء.. الحصول على نور زوجا وعليه عاشقا ..
ارادت تجربتهما معا وهما بكل غباء وافقاها ولم يعترضا.
"حسنا كارين جهّزي نفسك ورُسُل خلال ترتيبي لمكان لن يصل إليه أحد أبدا,
اطمئني لن يأخذها منكِ أحد"
ابتسمت بانتصار ظهر بعينيها.. علمت أنها تستطيع الاعتماد على جون, فهو يعشقها
كما أنه يعشق طفلتها لذا سيحميها من أي خطر محتمل ولن يبعدها عنها..
ما يهم الآن أن يبتعدا عن هنا قبل أن يصل إليهما أحد أو يعرف جون الحقيقة.
***
بعد ثلاثة أشهر
ما إن أنهى المكالمة مع صديقه حتى ضرب الجدار خلفه بقوة آلمت كفه,
خدعته كارين وكان هو غرّ ساذج سقط بالخدعة بسهولة!
نور لم يمت أبدا كما أخبرته.. هو لم يصدقها تمام لذا جعل صديقه يتحرى عن
الأمر بهدوء دون أن يثير الشك حوله ليكتشف أنها خدعته ولعبت به
وهو بكل سذاجة ابتلع الخدعة وصمت من أجل رُسُل.
زاغت عيناه وهو يفكر.. لقد حرمها من والدها وهو على قيد الحياة.. حرمها من
عائلة ربما كانت أفضل منهم وتفهمتها واحتضنتها أكثر..
الفتاة كانت تبكي كل ليلة تريد والدها وهو كان يضمها ويحاول تعويضها وهو
يخبرها أنه قد صعد للسماء وأنه يراها فلا تكن حزينة حتى لا تتسبب
بحزنه عليها..
وبالنهاية وجد أن نور مازال على قيد الحياة والأمر كان مجرد حادث وخرج منه
نور بصحة ولكن......
صدح صوت من داخله قاطع أفكاره.. من تخدع جون؟!
نور لم يخرج بصحة, نور فقد الذاكرة ولم يعد يعلم أن لديه ابنة من الأساس,
زفر بحنق وهو ينفض رأسه هاتفا بحدة:"وهذا أدعى للابتعاد عنهم فهو لم يعد
يعرف ابنته فما سيفيده لو عادت؟!"
انتفض واقفا وهو يقول لنفسه:"لا.. لن أتركها إلا لو حضر هو وطالب بها,
لن أترك ابنتي لعائلة رفضت أمها" .
***
عودة نور لمصر بعد الحادث
سبقه أحمد في السفر ليمهّد لهم ما حدث لنور وتحفظات الطبيب على محاولة تذكيره
بأي شيء هذه الفترة.. بالطبع وجد صدى رضا من عمه ولكن دموع نورية لم
تتوقف عن الانهمار وكاد الحزن يبتلعها ولكنه حاول التسرية عنها..
"يعني يا نورية ياحبيبتي مش تحمدي ربنا انه بخير وراجع لنا! بدل
العياط ده المفروض تقومي تجهزي نفسك عشان لما يشوفك ما يشكش بحاجة..
وادعيله حبيبتي هو دلوقتي محتاج دعانا ودعمنا أكتر من أي حاجة تانية"
أومأت بصمت فقبّلها على جبهتها وهو يحاول التماسك فنور سيحتاج له كثيرا
الفترة القادمة كما أن البحث عن أمانته يضنيه فهو حتى وقته هذا لا يعلم أي
شيء عن رُسُل أو عن المكان الذي يمكن أن تكون فيه!
قاطع أفكاره الهاتف ومحمود يبلغه أنه بالمطار على وشك الصعود للطائرة
فاستعد للمغادرة ليقابله في المطار.
***
عاد لمنزله وهو يشعر أنه لم يغادره قط, شعر بالسعادة للعودة لوطنه وهو يشعر
بالحنين.. حتى حنان الذي كان رافضا الزواج منها يشعر أنه على استعداد للزواج
منها وتقبلها أكثر عن ذي قبل..
ما إن دلف للمنزل حتى اندفعت نورية تضمه بقوة فضمها بدوره وهو يضحك
قائلا:"براحة يا نورية, انا لسه خارج من مرض برضه"
"وحشتني اوي يا نور. اوي ياحبيبي"
قالتها نورية بلهفة فضحك نور وهو يقول بخفوت:"شكل نهايتي على ايدك يا اختي,
أحمد هيعلقني على باب البيت بسببك.. شوفي كده هتلاقي عيونه بتطلع نار من
الغيرة"
ابتسم بتسلية ووجهها يتحول للون الأحمر فهمس لها:"استني لما اغيظه"
همّت بالرفض لتجده يضمها أكثر له وهو يقول بصوت عالي:
"خلاص بقى بدام واحشك اوي كده يانورية هتنامي في حضني النهاردة"
فوجئت بأحمد يقترب منهما وعلى وجهه الغضب لينتزعها منه وهو يهتف:
"لا ياحبيبي نورية مابتنامش الا بحضني انا, لو عايز حد ف حضنك خد
عامر واهو يرحمني شوية"
ذابت نورية من الخجل فيما ضحك نور بقوة وهو يقول:"طبعا.. ده عامر هينام
معايا غضب عنه وعن ابوه كمان"
بادله أحمد الضحك وهو يقول:"لا ماتقلقش ابوه موافق بس على الله انت ماتندمش
بقى.. ولو معرفتش تنام منه ماتخبطش عليا"
خفت المزاح بينهما عندما ظهر والده فهرع إليه نور يقبل يده ويضمه بقوة ليبادله
والده الضم وهو يردد بخفوت:"الحمد لله.. الحمد لله"
شعر أحمد بالراحة وهو يرى استقبال عمه لنور فقد كان يخشى أن يثير المشاكل
ولكنه على ما يبدو تقبّل عودة نور بشكل أفضل مما تخيّل.
اندفع عامر من بينهم وهرع إلى نور الذي التقطه بتلقائية ما إن وصل إليه
ليقول عامر:"خالو.. وحشتني"
ضمّه نور بقوة وهو يشعر بألم بقلبه لا يفهمه.. يستنشق رائحته الطفولية بحب
وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة..
المشهد جعل نورية تجهش بالبكاء فأخذها أحمد قبل أن يلاحظ نور وأدخلها غرفة
جانبية وهو يقول:"يعني ينفع كده يا نونو؟ ينفع تعيطي كده قدامه؟
مش قولتلك ان حالته ماتستحملش انه يعرف حاجة عن الماضي حاليا؟
يعني عايزة تضرّيه؟!"
"قلبي واجعني يا أحمد أوي يا أحمد, انت شوفته بيبص ل عامر ازاي؟
شوفته بيحضنه ازاي؟ يمكن هو مش فاكر لكن انا متأكدة ان قلبه واجعه
وانه مش فاهم سبب وجع قلبه ايه! انا حسيت بوجع قلبه جوه قلبي"
ضمّه بقوة وهو يغمض عينيه داعيا الله أن تمر محنتهم على خير.
***
بعد عدة أسابيع
زواج نور وحنان
دلف إلى شقتهما بعد انتهاء حفل الزفاف وهو يشعر بتوترها.. ابتسم بخفة وهو
يتذكر تشبث عامر به وطلبه أن يبيت ليلته معه ورفض والده بل ونهره أيضا
وقتها رمق والده يعتب وهو يقول:"عادي يا بابا, طفل ومش فاهم.. سيبه براحته"
أجابه والده:"أسيبه يعني ايه يا نور؟ مايصحش طبعا.. اطلع انت ومالكش دعوة
بعامر هو هيبات مع جده حبيبه صح يا عامر؟"
رمقه عامر بنزق طفولي وهو يقول:"صح يا جدو"
ثم أشار ل خاله نور ما إن اقترب برأسه منه حتى قال له بخفوت:
"هجيلك بكرة اول ماصحى على طول"
ضحك نور وهو يضمه بحب يشعر بتلك النغزة من الألم التي تنتابه كلما ضمّ عامر
ثم قال له:"وانا هستناك ياحبيب قلب خالو.. ما تتأخرش عليا"
همس له أحمد بمرح:"سيب الواد يا نور ماتشبطهوش فيك, شكلك عايز تهرب
يا مان.. أبشّرك مفيش مفر"
ضحك نور بقوة وهو يضربه على كتفه بمزاح ثم التقط كف عروسه وصعد
لشقتهما..
انتبه من أفكاره على تململ الواقفة بجانبه فرمقها باعتذار وهو يبتسم لها برقة
ملاحظا وجهها الأحمر من الخجل..
تأملها بفضول, منذ موافقته على الزواج منها وهو يشعر بالفضول تجاهها..
يشعر أن خلف هذا الهدوء نار مشتعلة تنتظر فقط من يحرّكها!
اقترب منها ببطء فتراجعت للخلف فضحك بخفة وهو يقول:
"هتفضلي تبعدي وهفضل اقرب لحد ماهتلزقي في الحيطة وراكي ونمثل مشهد
من رواية من اللي بتقراها نورية اختي"
عضت على شفتيها ليرفع حاجبه وهو يقترب حتى ألصقها بالجدار خلفها وهو يقول:
"واضح ان مش نورية بس ال كانت بتقرا الروايات دي, ده فيه ناس تانية كمان"
غمزها بعبث وهو يقول:"طب ماتيجي تحكيلي قصة منهم وانا اوعدك ابقى مستمع
جيد جدا" .
***
بعد عدة أشهر
يشعر بالراحة تكتنفه.. فحياته مع حنان رغم هدوئها إلا أنها مثيرة وليست مملة على
الإطلاق.. لم يتخيل يوما أن يقع بحبها بهذه السرعة والقوة!
ولكن كيف لا يقع بحبها وهي الرقة تمشي على قدمين؟!
كل ما فيها يجعله يعشقها ويتعلق بها بقوة وبالمقابل هي تغمره بعشقها وتغدق عليه
بحنانها فكانت اسمها على مسمّى.
انتبه من أفكاره على دخول والده والذي كان ينتظره فقط بعث له مع عامر ابن
شقيقته أن يأتي لمقابلته..
"السلام عليكم يا نور"
"وعليكم السلام يا حاج, صحتك عاملة ايه النهاردة؟"
ابتسم له والده وهو يقول:"الحمد لله نعمة وفضل من عند ربنا"
صمت للحظات ثم قال:"اقعد يا نور, عايز اتكلم معاك كلمتين"
"خير يا حاج"
قالها نور بقلق وهو يجلس كما أمره والده ليجيبه الوالد:
"كل خير, جايبلك عروسة"
تجمد رامقا والده بعدم فهم وهو يردد:"عروسة! لمين؟!"
"عروسة ليك طبعا هيكون لمين؟"
مازال على جموده يرمق والده بعدم استيعاب ثم قال:
"مش فاهم حاجة يا حاج! وانا هعوز عروسة ف ايه؟ مانا متجوز الحمد لله"
"مراتك مابتخلّفش وانا عايز اشوف أحفادي منك.. حقي عليك انك تجيبلي أحفاد
يملوا عليا البيت"
"ومين اللي قال لحضرتك انها مابتخلّفش؟ احنا مابقالناش كام شهر بس
متجوزين! يعني لسه بدري وانا مش مستعجل"
قالها نور بهدوء ليجيبه والده:"بس انا مستعجل, انا عايز حفيد منك وبدام مراتك
ماخلفتش بعد كل ده يبقى مش هتخلّف.. وانا مش هفضل مستني"
همّ نور بالحديث مستنكرا ما يقوله والده فسبقه والده قائلا:
"انا مابقولكش طلّقها لا طبعا دي مهما كانت بنت عمتك, خليها على ذمّتك
واتجوز البنت ال جيبتهالك عشان تجيبلي الاحفاد اللي نفسي فيهم"
"وايه اللي يضمن ان ال هتجوزها دي بتخلّف يا حاج؟! ده كله في علم
الغيب يعني"
"هتخلّف ان شاء الله, امها مخلفة ست صبيان غيرها والبت لأمها اكيد"
نفض رأيه غير مستوعب ما يقول والده!
وقف ببطء وهو يحاول التمسك بأقصى درجات الهدوء وهو يقول:
"أنا أسف يا بابا, انا متجوز ومرتاح مع حنان ولا يمكن أجرحها بالطريقة دي
لا يمكن اتجوز عليها أبدا.. ثم إن مين ال عرّف حضرتك ان العيب والتأخير مش
مني أنا؟ أسف يابابا لا يمكن أتجوز على حنان"
أنهى حديثه واستأذن مغادرا بهدوء وهو يرغي ويزبد.. لا يفهم كيف يفكر
والده؟! كيف يطلب منه أن يجرح حنان بهذه الطريقة؟!
قابله أحمد وهو خارج فعقد حاجبيه وهو يستشعر غضب نور فاقترب منه وقاده
لمكانهما المفضّل ثم قال:"مالك يا نور؟ ليه متنرفز كده؟!"
زفر نور بقوة وهو يقص عليه ما حدث بينه وبين والده ليشعر أحمد بالحنق
من عمه!
لا يفهم ماذا يريد هذا الرجل؟ زواج وتزوج بمن يريدها والآن يريده أن يتزوج
عليها وقد قاطعه قبلا من أجلها!
"اهدى يا نور عمي مش هيقدر يجبرك انك تتجوز على مراتك, اهدى انت بس
وماتحسسهاش بحاجة واتعامل عادي.. وبكرة عمي ينسى الموضوع"
قالها أحمد وهو يحاول أن يقنع نفسه قبل نور أن عمه سينسى ولو أنه على يقين
أن عمه لم ينسى وسيظل يضغط على نور بهذا الأمر وهو يخشى عليه أن يضرّه.
***
دلف للشقة التي يقطنها مع زوجته ليشعر بالهدوء المخيّم عليها فعقد حاجبيه
وهو يتساءل أين حنان؟! فكل يوم يجدها باستقباله فلِمَ هي غير موجودة اليوم؟!
هو يحتاجها كثيرا.. فوالده يضغط عليه بقوة وهو يشعر بالغضب ولا يريد أن
يتصادم معه.
اقترب من غرفة النوم ليسمع صوتا صادرامن الحمام فهرع إليها ليجدها تتقيأ بقوة
تكاج روحها تخرج فهتف وهو يمسك بها قبل أن تسقط:
"حنان؟ مالك يا قلبي فيه ايه؟"
"تعبانة اوي يا نور مش قادرة حاجة ان روحي هتطلع"
قالتها حنان بخفوت فضمها إليه بقوة وهو يقول:"بعيد الشر عنك يا روح نور,
بدام انتي تعبانة كده ماكلمتنيش ليه اجيلك؟"
استندت على صدره تتشبث به بضعف وهي تقول:"مارضيتش اقلقك.. هو شكلي
اخدت برد ماتشغلش بالك"
هتف بغضب:"ولو ماشغلتش بالي بيكي هشغله بمين يعني؟ ياللا تعالي استريحي"
"والغدا ده...."
قاطعها:"مش جعان, ولو جعت هبقى اروح اجيب لنفسي تعالي بس استريحي
انتي دلوقتي وشوية وناكل انا اصلا تعبان وعايز أنام"
استجابت له ليستلقيا على الفراش ضامّا إياها بحنو ليغرقا بسبات عميق.
***
بعد عدة أيام
"الف مبروك يا نور.. الف مبروك يا اخويا, انا عايزة الحلاوة بقى"
قالتها نورية بمرح فرمقها بعد فهم قائلا:"الف مبروك على ايه؟"
"حنان حامل"
تجمّد مكانه للحظات والكلمة تضرب أعماقه بقوة.. لا يعلم لِمَ يشعر أنه سمعها
قبل ذلك! شعر بالصداع الذي لازمه الفترة الأخيرة كلما ضغط عليه والده
ليزوّجه فضغط على جبهته بقوة وهو يستند على الجدار خلفه فهرعت إليه نورية
وهي تهتف:"مالك يا نور؟ انت تعبان؟"
أشار لها بإرهاق وهو يقول:"لا شوية إرهاق بس وصداع ياحبيبتي ماتخافيش"
طب ادخل اقعد شوية طيب احسن لو حنان شافتك كده هتحسبك مش فرحان بحملها"
جلس كما اقترحت وهو يقول:"ازاي بقى! بالعكس فرحان جدا"
وأكمل بداخله:" على الاقل ابويا يرحمني من الموال اللي بيقابلني بيه كل مرة"
استراح قليلا ثم دلف لحنان وجلس بجوارها على الفراش ممسكا بيدها رافعا إياها
إلى شفتيه مقبّلا ثم همس لها:"مبروك حبيبتي, ربنا يحفظكم ليا" .
***
(الحاضر)
ليلة عقد قران زيد وخولة
ما إن خرجت رُسُل تاركة زيد مع خولة حتى اقترب منها بشغف وهو يقول:
"واخيراا خوله صرتي مرتي داحسن (أشعر) اني بحلم ومااريد اگعد (أفيق) منه"
شعرت بالخجل يعتريها وهي تتلفت حولها تريد الهرب منه ليضحك بخفة وهو
يحتجزها بين ذراعيه قائلا:" ماراح تنهزمين (تهربي) مني بعد اليوم خوله ماكو
(لا يوجد) غير حضني الچ"
ذابت بين ذراعيه على الرغم أنه لم يفعل شيئا سوى احتجازها بين ذراعيه والنظر
لها وأنفاسه الدافئة تلفحها وتجعلها ترجف..
اقترب أكثر وهو يهمس لها:" تحسين بنبضاتي خولة .. دتحسين بكلبي الديرجف
(يرجف) بضلوعي ويلهج (يهمس) باسمج؟ كوليلي (أخبريني) انج دتحسين بيه
خوله.. كوليلي هذا كلبج (قلبك) هم (أيضا) ديلهج باسمي"
لم تستطع النطق بكلمة وهو قريب منها هكذا لأول مرة بحياتهما فعلى الرغم أنهما
يسكنان بنفس المنزل إلا أنه لم يقترب منها بهذه الخطورة من قبل..
ضمّت نفسها له فأحاطتها ذراعاه على الفور لتهمس له:" گلبي (قلبي) مراح يصير
لغيرك ابداا يأابن عمي (لم يكن لسواكَ) .. اني نفسي انخلقت بس الك"
ارتجف من همستها بحضنه فزاد من ضمها له وهو يهمس:" گتلتج (أخبرتك) من
قبل ياابنت عمي اني الچ وانتي الي وماگو (لا يوجد) حياة واحد بعيد عن الالخ" .
****
بعد انتهاء حفل عقد القران الذي استمتعت به رُسُل كثيرا خرجت للحديقة
وجلست بمكانها المفضّل وهي تفكر كم كانت خولة سعيدة على الرغم من
عنادها قبلا بشأن مشاعرها..
تنهدت بحالمية وهي تتذكر كيف وقف زيد أما الجميع يقول لها الشعر بحب
وشغف جعله مثار حديث الجميع.. ما بين غِبطة وحسد وسعادة..
كانت قصيدة تمس القلب وتليق بهما كثيرا حقا..
(حبيبتي, إن يسألوك عني يوما فلا تفكري كثيرا..
قولي لهم بكل كبرياء يحبني, يحبني كثيرا)
صغيرتي إن عاتبوك يوما كيف قصصتِ شعركِ الحريرَ..
قولي لهم أنا قصصت شعري لأن من أحبه يحب شعري قصيرا..
صغيرتي إذا معا رقصنا على الشموع رقصة مثيرة
وظنّكِ الجميع في ذراعي فراشة تهم أن تطيرَ..
فواصلي رقصكِ في هدوء واتخذي من أضلعي سريرا
وتمتمي بكل كبرياء..
يحبني, يحبني كثيرا..
حبيبتي يا ألف حبيبتي,
حبي لعينيكِ أنا كبيرَ..
وسوف يبقى دائما كبيرا )
كان ينطقها بكل حب وشغف وفاجأها بعدها أن أخذها بين ذراعيه يضمها
بقوة وكأنها ستهرب منه!
ابتسمت وتنهيدة طويلة فلتت من بين شفتيها لتنتفض على صوته:
"بيش (بِمَ) تفكرين رُسُل ويخليج تتنهدين هيج؟"
التفتت له تعدّل من وضع وشاحها فابتسم لحركتها وهو يريد أن يخبرها..
(لقد رأيته مرة وانتهى الأمر ومازلت أتعذب بسبب تلك المرة وأريد أن أضمك
لصدري وأغوص بكفي بين خصلاتك الناعمة مثلك)
انتبه يجلي صوته وهي تقول:"مفيش.. بس بفتكر القصيدة ال قالها زيد, حلوة كتير"
عقد حاجبيه يشعر بغيره تحرقه وهي تنطق باسم شقيقه فقال بحدة:
"لا تجيبين (تنطقي) اسم رجّال (رجل) غيري"
رمقته بدهشة فاعتدل يشيح بوجهه وهو يقول:"لا تسألين رُسُل, لا تسألين!"
"لا تلاحظ انك تطلب كتير؟ تطلب من غير ما افهم وانا عليا بس التنفيذ؟!"
قالتها رُسُل بتحدي فهتف بنبرة ذات مغزى:" لو لم تسوي (تفعلي) الي اگوله راح
تحملين (تتحملي) العواقب"
هزّت كتفيها بخفة هي تنهض مغادرة:"لا يهمني"
همّ بمنعها من تركه والمغادرة ليصله صوت والده يناديه فاضطر لتركها
وهو يهرع للداخل قائلا بداخله.. (صبرا رُسُل, صبرا) .
***
بعد يومين
دلف للمنزل فشعر بشيء غريب.. حسنا ليس الغريب أن الجميع مجتمعون ولكن
الغريب بنظراتهم إليه! ماذا حدث؟! ولماذا هاتفه والده ليعود للمنزل
بعدما خرج مع أصدقائه؟! هناك ما حدث ولا يعرفه!
"كل شي بخير بابا؟!"
رمقه زيد بتوتر وهو ينقل بصره بينه وبين كرار يفرك يده بعصبية لا يوافق عما
يحدث ولكن ليس بيده شيء.. ألا يعلم والده وعمه ان الغباء سمة شقيقيه؟!
وأن ما يفعلونه لا يجدي نفعا!
" اكو عريس متقدم ل نبأشنو رأيچ ضي؟!"
تجمد مكانه واحتدت نظراته قبل أن يختفي كل شيء وهو يقول:"شنو تگول يابه؟
مو نبأ لكرار من هي صغيرة؟ اصلا شلون تفكرون هيچ؟!
هل قال أن سمة شقيقيه الغباء؟! حسنا هو يعتذر فهما المادة الخام للغباء والجبن
ايضا ويبدو أنهما لا يعرفان عواقب ما يفعلان!
رمق محمد وحسين بعضهما ثم عادا رمقا كرار الذي احتقن وجهه ولم ينطق بكلمة
فهتف حسين:" شنو (ما) رايك انته كرار؟ راح تتجوز ب نبأ مثل مگال جدو گبل؟"
لم يستطع النطق بكلمة وكل ما ارتسم بخياله هو عينا رُسُل الحزينتين وقد ازداد
حزنهما بسببه هو!
***
بعد أسبوع
"انت فعلا هتتجوز نبأ؟!"
قالتها رُسُل بعدم استيعاب فأشاح بوجهه عنها قائلا:" وشنو يهمچ انتي رسل"
ارتدت للخلف عند سماعها نبرته العدائية لتقول:"بس... أنا فكّرت انك..."
التفت إليها يحتضن وجهها بنظراته وهو يسأل:"شنو (بِمَ) فكّرتي؟!"
تراجعت للخلف وهي تضع يدها على قلبها وملامحها تنطق بالألم قائلة:
"ولا شي .. مبروك"
أمسك بكفها يجذبها إليه وهو يقول:" بس مبرووك هاي كل الي تگوليه"
انتفضت من لمسته تحاول جذب كفها ولكنه شدّد عليها لتقول رسل بالانجليزية
كعادتها كلما تغضب:"اتركني كرار,لا يحق لك لمسي هكذا!"
رمقها بألم وهو يقول:" بعد ميحقلي ابد (ولن يحق لي أبدا) رُسُل بعد اليوم"
تساقطت دموعها دون شعور ليضمها له هامسا:" لتبجين (لا تبكي) رُسُل ما استاهل
دموعج .. محد يستاهلها"
تملّصت من بين ذراعيه وهي تهمس:"كنت تخدعني كرار! كل ذلك كان وهما!
محض وهم"
رفعت رأسها بقوة دون أن تحاول إخفاء دموعها أو حتى مسحها وهي تقول:
"لديك كل الحق.. أنا محش غريبة جاءت لفترة قصيرة لا يحق لها أن تسأل
لا يحق لها أن تحاسبك على أي شيء ولكني... ولكني ظننتك تحبني مثلما أحبك
ولكن يبدو أنني كنت واهمة وأنني كنت محض تسلية لك كرار..
لن أسامحك أبدا على ما فعلته بي.. ذنبي بعنقك وسأطلب من الله أن
يقتص لك مني ويكسر قلبك كما كسرت قلبي"
تملّصت منه بقوة فأجفل مبتعدا وهو يرمقها تغادر وهو لا يملك حتى الحق
أن يوقفها..
وهناك على مقربة منهما كان واقف يراقب ما يحدث ليضرب الجدار خلفه
بقوة وهو يهتف:"غبي كرار.. غبي يا أخوي" .
نهاية الفصل

avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:42 pm

الفصل الثامن قتلتني عيناها
(الماضي)
جالس جوارها على الفراش يمسك بيدها وهو
يغمض عينيه ألما عليها وعلى حالها، لم تكد تفرح
بالحمل حتى اجهضت.. وما فهمه من الطبيب
المختص بحالتها أنها تواجه صعوبة بالحمل
والاحتفاظ به كذلك وربما تواجه نفس المصير
لو حملت مرة أخرى بل ربما يصل الأمر إلى فقدان
حياتها كذلك والسبب.. الصفات الوراثية لكليهما لا
تتناسب معا.. فالطفل إما سيجهض كما حدث أو
سيكون معرّضا لمرض عضوي يجعله غير سوي
وبالنهاية سيموت ايضا.. لذا فقد عزم على نسيان
أمر الاطفال تماما من أجلها، يكفيه زوجة محبة
ترضيه بكل طريقه ممكنة.. يكفيه الراحة النفسية
التي يشعر بها معها وبين أحضانها، وكأنها أمه
وليست زوجته!
هو يقبل ويرضى ولكن لا يعلم ماذا يفعل بوالده
الذي يصر على الضغط عليه كلما رآه حتى بات
يهرب منه.. حتى جلسات الطبيب النفسي -والذي لا
يفهم ما أهميتها حتى وقته هذا ولكن أحمد يصر
عليه إصرارا غريبا وكأن تلك الذاكرة بها موته أو
حياته!- توقف عن الذهاب إليها منذ فترة عندا بهم
جميعا.
زفر بحنق من كل الظروف المحيطة به والتي
تضغط أعصابه وتجعله يرى تلك الأحلام التي لا
يتذكرها ولكنها ترهقه بقوة خاصة أنه لا يتذكر سوى
تلك العينين بلونهما الغريب ونظراتهما التي تقتحم
وعيه بقوة وتجعله يشعر بعدم الراحة واللهفة
لصاحبتهما.
"مالك يا نور؟ انت متضايق مني؟!"
التفت لها منتبها على استيقاظها ثم اقترب مقبلا
جبهتها وهو يقول بحيرة:"وهتضايق منك ليه
ياحبيبتي؟"
أخفضت عينيها وهي تقول بألم:"عشان معرفتش
اجييلك الطفل اللي نفسك فيه، صدقني انا نفسي و...."
قاطعها وهو يضمها إليه بحب هامسا لها:"اوعي
اسمعك بتقولي كده تاني يا حنان، انا مش عايز من
الدنيا دي غيرك ياحبيبتي.. ربنا عوّضني بيكي عن
كل حاجة مرّيت بيها"
رمقته بحيرة هل تذكر؟!
لتجده يتابع:"عارفة يا حنان.. انا طول عمري بحاول ابعد عن بابا، بحاول ابني كيان ليا لوحدي بعيد عنه
مش عشان حاجة غير اني جيت في فترة حسيت
اني اتخنقت، اتخنقت من كل التحكمات في حياتي
في كل حياتي عمري ما عارضته في اي حاجة، كل
ال بيقوله بيتنفذ حتى لو معجبنيش ورغم كده
عمره ما رضي عني.. على طول باصصلي كانه
مستني اللحظة اللي هعارضه فيها عشان يقولي
اني خاين زي ... "
ازدرد ريقه وصوته ينخفض :"زي والدتي"
شهقة أنبأته أنه نطقها حقا فأخفض عينيه وهو يبوح
بما كتمه كثيرا، اكثر مما يظن وأكثر مما يتحمل..
"ماما رفضت قيود وتحكمات بابا فطلبت الطلاق
ولكن هو رفض.. حاولت معاه كذا مرة لكنه في كل
مرة كان بيرفض بتعنت وبيقولها انها مش هتقدر
تبعد عن عيالها ولكن هي كانت وصلت لحالة من
اليأس خلتها تقوله هسيبهوملك طلقني وهسيبلك
نور ونورية ومش عايزة منك اي حاجة غير انك
تعتقني لوجه الله يا اما.... يا اما هتخلي اهلها
يطلقوها منه غصب عنه.. وقتها كبرياء بابا الكبير
اللي اتهان منها خلاه يطلقها بعد ما مضت على
تنازل عننا وعن حقوقها كلها.."
كانت دموعها تسيل على وجنتيها بصمت وهي
تمسك بيده تحاول منحه القوة للاستمرار بالبوح
تحاول أن تمنحه ما حُرِمَ من من الحنان والتفهم
وهو لم يبتعد بل اقترب حتى ضمّها له بقوة وهو
يتابع وكأنه غير قادر على الصمت بعدما بدأ بالبوح..
"بعدها بأسبوعين بس اتجوز خالتي هدية، كان
عمري وقتها ٩ سنين بس الغريب اني كنت فاهم
وحاسس بكل ال بيحصل حواليا.. يمكن عشان
محدش فيهم كان بيخبي الخلافات اللي بتحصل
بينهم، ويمكن عشان اللي كان بيحصل كان جزء
من حياتي اليومية فحتى لو حاولت اتجاهله مرة او
انساه كنت هفتكره المرة ال بعدها..
وقتها تعبت جدا وكرهتها لكن بعد كده حسيت بيها،
حسيت انها لو فضلت معاه عشانا كانت هتكرهنا
ويمكن احنا كمان كنا كرهناها.. ماما مشيت وبعدها
جت خالتي هدية، طبعا هي مش خالتي زي مانتي
عارفة بس هي خلتني اناديها كده لما رفضت اني
اقولها يا ماما ورغم اني اتعاقبت من بابا كذا مرة
الا اني فضلت على عِندي لحد ما حسيت اني طفل
بعمايلي دي، والحقيقة انها قدرت ببساطة تدخل
قلبي بحبها وعاطفتها نعمة من ربنا خاصة انها
راعتني انا ونورية كانها امنا لا بل افضل لو كانت
امنا من غير مبالغة.. نورية كانت صغيرة فمتفتكرش
ام غيرها ويمكن ده افضل لها عشان ماتعيشش ال
انا عيشته"
صمت وهو يلهث فضمّت نفسها له بقوة وهي تضمه
بدورها فشعرت بابتسامته على جبهتها وهو يقول:
"كان اول تحدي له لما صممت اني اسافر برّه اكمل
دراستي وهو طبعا مكنش موافق لكن انا صممت
ونجحت اني اسافر وعلى حسب ماقالولي نجحت
بال كنت رايح عشانه، تاني تحدي كان جوازنا.."
زفر بقوة قبل أن يقول:"مكنتش موافق على جوازي
منك بس عشان اعارضه مش عشان عيب فيكي..
يمكن كان تصرفي تصرف طفولي وقتها بس بحمد
ربنا اني عملت الحادثة دي عشان ارجع واتجوزك"
أبعدها عنه ثم رفع كفها إلى شفتيه مقبلا باطنه وهو
يقول:"انتي نعمة من ربنا ليا يا حنان، ولو مكنتش
اتجوزتك حقيقي كنت هعيش طول عمري ندمان
اني ضيّعتك من ايدي، انتي احلى حاجة حصلتلي
بحياتي كلها"
لم تستطع إلا أن تضمه لصدرها ودموعها تسيل على
وجنتيها مفكرة.. (لا يا نور فيه الاقرب ليك مني،
بنتك اللي مش عارفة امتى هتفتكرها وياترى لو
افتكرتها هتنساني؟ هتطلعني من حياتك؟ وال
هتفضل تحبني وتعتبرني نعمة برضه؟!) .
***
بعد ستة أشهر
"يا عمي ارجوك بلاش تضغط على نور عشان حالته
ماتتنكسش، صدقني حضرتك كده هتضره و..."
قاطعه محمد العدوي بصرامة:"اضره ايه ومياعة
ايه يا احمد؟ ده كلام عاقلين برضه؟ نور لازم
يتجوز واحدة تجيبلي الحفيد اللي مستنيه، هو
الراجل اللي حامل اسمي مسؤليته انه يجيبلي
الحفيد اللي يشيل اسم العيلة ويقف جنب عامر لما
يكبر ويبقى سنده"
شعر أحمد بالغضب الشديد ولكنه لم يظهره.. عمه
يريد التلاعب بنور كعدمية ماريونت لا تملك من
أمرها شيئا وهذا يضغط على نور بقوة حتى أنه
توقف عن الجلسات والطبيب يحذره من انتكاسة
ستودي به وهو يكاد ينفجر بوجه عمه من كم
الأنانية والتحكمات التي يضغط بها عليهم جميعا
وخاصة نور ابن عمه..
زفر بخفوت يحاول تمالك أعصابه وهو يحاول
إقناعه مرة أخرى إلا أن عمه لم يعطي له الفرصة
وهو ينهي الحديث برحيله الصارم كشخصيته.
دلف إلى غرفته وهو مهموما لتقابله نورية
بابتسامتها الحنونة وهي تقترب منه تساعده على
إبدال ملابسه وما إن انتهى حتى ضمّها بقوة
محاولا إبعاد قلقه وخوفه وإخفاءهما عنها إلا أنها
كعادتها استشعرت ما يحدث معه لتقول:
"بابا برضه؟!"
أوما بصمت لتحرّك رأسها بعدم رضا وهي تقول:
"انا مش عارفة بابا بيعمل كده ليه؟ عمّال يضغط
على نور وكأنه مش بني آدم من لحم ودم وله طاقة،
حقيقي انا تعبت من اللي بيحصل ده وخايفة على
نور جدا"
"كل اللي في دماغ عمي الوريث والحفيد، مش
متقبل اي كلام في الموضوع حتى لو عشان مصلحة
نور"
"انا مش فاهمة ليه بيعمل كده! طب مانا مش هقدر
اخلّف بعد عامر ليه معملش كده معايا وخلّاك تتجوز
واحدة تانية وال عشان انا بنته يعني؟!"
رفع حاجبه وهو يقول:"ده على اساس مين اللي
هيسمحله يقول كده؟!"
ضحكت بخفة وهي تقول:"يعني هو نور كان
بيسمحله؟! بس برضه مفيش فايدة.. نفسي يسيبه
يعيش بهدوءبقى كفاية اللي حصله قبل كده.. كفاية
انه ياحبة عيني مش فاكرة بنته، ضناه ويوم ما
هيفتكر مش عارفة حالته هتبقى عاملة ازاي!"
زفر بخفوت وهو يضمها له هامسا:"ربنا يسترها يا
نورية ويعديها على خير" .
***
ما إن سمع الخبر حتى عاد إلى المنزل يكاد يلتهم
الطريق التهاما فقط حتى يصل إليها سريعا..
وما إن وصل حتى ترجل من السيارة ودلف للمنزل
بقوة وكأنه يقتحمه لتقابله نورية بنظرة حزينة
ليتأكد من الخبر الذي أوصله له والده بنفسه..
حنان تحمل طفله!
طفل سيودي بحياتها ولكنها حملت به من أجله، من
أجل أن يتوقف والده عن إزعاجه على الرغم أنه لم
يخبرها بشيء ولكن يبدو ان والده كان يخبرها ما
يخبره به.. كاد يقتلع شعره من جذوره بآخر مرة
تواجها معا وهو يحاول التمسك بأقصى درجات
ضبط النفس والاحترام فقط لأنه والده.
دلف إلى الغرفة ليجدها بالفراش بجسدها الذي وهن
وهو الذي كان يتساءل لِمَ يتملك منها الوهن منذ
فترة ليصله الجواب ما إن علم بحملها.. حامل بالشهر
الثالث وأخفت عنه حتى لا يجبرها على التخلي عنه
لا تعلم أنه يريد طفله منها بقوة ولكنه يريدها هي
أكثر منه.
جلس بجوارها وهو يقول:"كده يا حنان! تعملي فيا
كده؟ تخبي عليا وتتصرفي من دماغك وعشان ايه فهميني عشان ايه؟!"
"عشانك يانور، عشانك اعمل اي حاجة ف الدنيا
حتى لو كانت النهاية موتي الا اني مش هقدر
احرمك من الخلفة طول حياتك وانت مش عايز
تسمع الكلام وتتجوز"
كاد يقاطعها إلا أنها اشارت له بالصمت وهي تمسك
بكفه بين كفيها وتتابع قائلة:"عايزاك توعدني لو
الطفل بيه حاجة ماتسيبهوش، حبه وعامله زي اي
طفل تاني سليم.. ماتخليش حد يجرحه ويحسسه
انه قليل.. انا...."
لم تستطع أن تكمل فقد ضمها له بقوة وهو يقول:
"انا مش عايز غيرك ياحنان، ليه مصممة تحرميني
منك! ليه؟!".
****
واقف امام الغرفة التي تم احتجازها بها منذ يومين
وهو يتحرك بتوتر ومعه أحمد ونورية التي تحاول
أن تهدئ من روعه دون جدوى..
لقد تم نقلها للمشفى وهو بالعمل وحتى الآن لا يعلم
ماذا يحدث معها بالداخل!
لم يمر إلا خمسة أشهر من حملها فماذا يحدث معها!
انتبه على صوت والده الذي جذبه ليجلس وهو
يقول:" لو كنت سمعت الكلام مكنش ده حصل، لا
انت اول واحد تتجوز عشان تجيب عيّل ولا اخرهم
بس انت عنيد وأدي اخرة عِندك"
"ابوس ايدك يا بابا ارحمني بقى، كفاية ضغط على
اعصابي.. هو انا مش ابنك؟! ليه بتعمل فيا كده؟!
مراتي جوه بين الحياة والموت وانت قاعد تتكلم
عن جواز تاني وطفل.. حقيقي تعبت يا بابا تعبت"
جحظت عينا والده وهو ينهره:"انت بترفع صوتك
عليا يا ولد؟ انت اتجننت؟!"
انتفض نور من مكانه وهو يقول:"انا معنتش ولد..
معنتش ولد، انا واحد قربت على التلاتين وانت لسه
بتعاملني كأن عندي عشر سنين، عايز تحركني كاني
عروسة لعبة ف ايدك والمفروض اني اعمل ال انت
عايزة من غير ولا كلمة ولا اعتراض حتى لو هدمر
بيتي واموّت مراتي عادي المهم رضاك انت وبس
وده مايرضيش ربنا ابدا"
رفع يده ليصفعه إلا أن احمد وقف بينهما وهو
يمسك بيده قائلا:"صلّي على النبي يا عمي،نور
اعصابه تعبانة ومش عارف هو بيقول ايه، راعي
موقف وحقك عليا انا"
"ابعد يا احمد، هيعمل ايه؟ هيضربني؟ يضرب..
يعمل اللي هو عايزة بس يسيبني في حالي انا
ومراتي، انا لا عايز وريث ولا بتاع انا مش عايز غير
اني اعيش مرتاح مع مراتي وبس"
"بتعصاني للمرة التانية يا نور؟ المرة الاولى اتجوزت
الاجنبية من غير رضايا وايه كانت النتيجة؟ غفّلتك
واخدت بنتك وهربت بيها و...."
قاطعته شهقة فلتت من نورية وهي ترمقه بوجل
واحمد يكاد يمد يده ليكتم فمه فقط فليتوقف عما
يفعله سيؤذي نور لامحالة!
اما نور فقد توقف العالم حوله وهو يستمع لكلمات
والده ويحاول استيعابها.. اجنبية وابنته!
ما الذي يقوله والده؟!
شعر بالصداع يزداد حتى كاد، رأسه ينفجر إلا أنه
لمح الطبيب مقبلا عليهم فتحامل على نفسه وهو
يتجاهل الصداع والدوار الذي يحاول السيطرة عليه
ليتجه للطبيب الذي وقف أمامهم وملامحه تنم عن
الحزن قائلا:"البقاء لله"
وهنا لم يستطع نور التحمّل أكثر فالصداع قد ازداد
حتى شعر برأسه ينشطر والدوار نجح بلفه حتى
سقط مغشيا عليه وآخر ما سمعه هو صرخة نورية
باسمه جزعا .
***
(الحاضر)
طنين هاتفه أيقظه من النوم فالتقطع محاولا فتح
عينيه ليرى من المتصل بهذا الوقت المتأخر لينتفض جاليا نافضا عنه النوم وهو يرى اسم رُسُل يضيء الهاتف ففتح الخط سريعا ليصله صوتها:
"اعتذر لإيقاظك توم ولكن الأمر مهم"
قاطعها مزيلا الإحراج من صوتها وهو يقول:"لاعليك
رُسُل أنتِ تعلمين جيدا أنه يحق لكِ الاتصال بأي
وقت كان"
"شكرا لك توم، أردت سؤالك هل الغيت البطاقة
الأخرى التي حجزتها باسمي أم..."
قاطعها بلهفة وهو يقول:"لا لم ألغها، فهناك موظف
من الشركة كان سيسافر فكنت سأمنحها له، لِمَ؟!
هل غيرتِ رأيك؟! هل ستسافري معي؟!"
"أجل"
كلمة واحدة بلهجة غريبة وصلته وما إن همّ
بالحديث حتى قاطعته قائلة:"شكرا لك توم، عد إلى
النوم أعتذر مرة أخرى لإزعاجك"
وأغلقت الخط دون انتظار رده مما جعله يرمق
الهاتف بدهشة ثم ما لبث ان وضعه على الطاولة
بجواره وهو يفكر.. تُرى لِمَ غيّرت رُسُل رأيها؟!
***
كانت قد اكتفت من الدموع التي ذرفتها بعد
مواجهتها مع كرار وكل شيء اصبح واضحا امامها..
تعامله معها وتملّكه تجاهها ما هي إلا طريقته
لتمضية الوقت وليس نابعا من مشاعر عميقة يبادلها
إياها كما ظنّت بكل سذاجة!
ابتسمت بسخرية مريرة وهي تتمتم:"وكأن التاريخ
يعيد نفسه رُسُل، ها أنتِ تُنبَذين كما نُبِذَ والدك قبل
سنوات بعيدة ليموت بحسرته وتعيش كارين تقتات
على مشاعر رجل آخر كما تفعل دوما حتى تكتفي
ولكنها للأسف لا تكتفي أبدا، تُرى هل سيكون مرار
مثلها؟! هل سيقتات على مشاعر أخرى حتى بعد
زواجه من نبأ؟! حسنا السؤال الأمثل هنا هو كيف
ستتزوج نبأ برجل وهي تحب شقيقه؟!"
في الصباح
خرجت بهدوء من الغرفة مستغلة استغراق خولة
بالنوم فهي لا تريد ٱفساد فرحتها كما أنها تكره
لحظات الوداع ثم اتجهت لمكتب والد خولة وعمها
وطرقت الباب بهدوء وسرعان ما سمعت صوته
يدعوها للدخول فدلفت وهي ترسم ابتسامة على
وجهها دون أن تصل لعينيها قبل أن تقول:"حظي
حلو انكم هنا، حبيت اشوفكم قبل ما اسافر
واشكركم على كل شيء قدمتوه ليا"
رفع محمد (والد خولة) حاجبه وهو يقول:
"راح تسافري اليوم؟!
أومأت وهي تتظاهر بالبهجة قائلة:"ايوة، اخواتي
وحشوني كتير ولازم اسافر عشان حفلة اختي"
حسنا هي كانت تكذب بشأن الحفل فقد كان بعد
أسبوعين وهي كانت مقررة أن تسافر مع أهل خولة
لزفاف قريبة لهم بمصر وكانت تتوق لهذا حقا إلا أن
ما حدث جعلها تقدّم موعد السفر حتى لا تظل معه
بعد ما حدث واعترافها الغبي بالحب فيما هو مقبل
على الزواج من أخرى.
أومآ بتفهم ليقول حسين (والد كرار):
"راح نشتاق إلك هوايه رُسُل، ماتغيبي عنا هواي (كثيرا) "
ابتسمت بحب واحترام تكنه لهما وهي تقول:"اكيد
هكون موجودة بعرس خولة"
صافحتهما بحب ثم غادرت وصافحت زوجتيهما
وزيد الذي كان مستيقظا بخلاف خطيبته..
"خولة راح تزعل لانچ سافرتي بدون وداعها"
ابتسمت بحزن وهي تتهرب منه بعينيها فقد شعرت
أنه يعلم كل ما يعتمل بداخلها:"هي عارفة اني لا
احب الوادع، خلّي بالك منها زيد واتحملها بس مش
كتير"
ابتسم لها بحزن وهو يريد أن يذهب ليركل شقيقه
الغبي على جرحه لهذه الزهرة الرقيقة وتوعّده
بداخله أن يعذّبه حتى يعترف بغبائه.
***
بعد رحيل رُسُل
رمق شقيقه بتساؤل:"راتح تعوفها (تتركها) تسافر يا حسين؟!"
ابتسم بشرود وهو يقول:"شنو بيدي حتى امنعها
ياخوي؟ چان لازم ترجع للمكان الي إجت منه"
"زين مراح تگول لمحمود عنها؟ مو هي البنيه ال
يدورون عليها من زمان؟!"
"اي محمد كنت راح اخذها للعرس علمود (لأجل)
هذا الموضوع بي القدر له راي ثاني وعليهم هم
يروحون اله وخاصة انو هي تظن ابوها ميت"
أومأ وهو يقول:"ياترى شلون راح يكون الخبر عليها
شلون راح تتقبل وجود اب اله بعد كل هاي
السنوات؟"
زفر وهو يحرّك رأسه لشقيقه بجهل.. ثم شرد بنظره مفكرا.. لِمَ ولديه بهذا الغباء حتى يتركا حبهما يضيع
منهما باستسلام دون محاولة الفوز به بأي طريقة؟!
***
في المطار
تركها جالسة بالمقهى التابع للمطار حتى ينهي
الإجراءات ويعود لها فيما جلست هي شاردة
تفكر بالاختلاف الكبير بمشاعرها في المرة الاولى
التي خطت قدميها بهذا المطار وبين هذه اللحظة
وهي تشعر أنها على وشك اقتلاع قلبها من صدرها
حتى يكف عن النبض بألم والاعتراض على سفرها
بغباء!
زفرت بحنق وهي تجول بعينيها بالمكان بملل في
انتظار توم الذي كان مهذبا كفاية ولم يسألها لِمَ
غيّرت رأيها بهذه السرعة..
نهضت وهي تقرر أن تتجوّل قليلا بالمطار وكأنها تودّعه فهي لا تعلم إذا كانت حقا قادرة على
المجيء مرة أخرى لهذا البلد أم لا!
"رُسُل!"
همسة باسمها جعلتها تتجمد وهي تفكر هل وصلت
حالتها لتخيل صوته قريبا منها؟!
أغمضت عينيها عندما وصلتها الهمسة أقرب هذه
المرة وشعرت بالدموع تلسع عينيها فكبحتها بقوة
قبل أن تستدير إليه رافعة رأسها بإباء دون
حديث ليباردها:"ليش رحتي گبل موعدچ؟!"
ما إن نطق بها حتى سبّ نفسه بداخله على السؤال
الغبي الذي نطق به اما هي فرمقته بجمود ظهر
بقولها:"وماذا يهمك أنت؟!"
هتف بداخله بقوة: (بل لا يهم سواي، آه يا رُسُل
قلبي يؤلمني لألمك ولكن ماذا أفعل؟! ماذا أفعل يا
روح كرار! إنه قدر قد كُتِبَ علينا قبل حتى مولدنا
ولا نملك حق الرفض أو الاختيار)
زفر بخفوت قبل أن يقول:"انتي حتى مسلمتي على
حدا حته خولة، لولا شوفتچ صدفه چان معرفت
بروحتچ الا باجر (الصبح) و..."
قاطعته بنفس الجمود:"ومن أخبرك أني لم أودع
أحدا؟! هل كنت معي طوال الوقت! وحتى لو فعلت
انت لا تملك الحق بالتدخل بحياتي على هذا النحو
من فضلك غادر"
قالتها والتفتت لتغادر ليقطع طريقها واقفا امامها
وعينيه تمثلان لوحة من عذاب لم تره لأنها لم تنظر
لعينيه قط ومنذ بداية الحديث..
"ليش رچعتي تحچين انگليزي؟ انتي عفتي (تركت)
هوّيتچ العربية علمودي (بسببي) ؟!"
رفعت رأسها ونظرت بعينيه مباشرة وهي تقول
بهدوء غريب عما يعتمل داخلها من ألم:
"أنا لن أتخلى عن هويتي العربية من أجل أي كان
فلِمَ تمنح نفسك مكانة ليست لك بل لا تستحقها من
الأساس؟!"
لم يسمعها بل ربما سمعها ولكنه لم يركز بالحديث
على قدر تركيزه على الألم القاتل بعينيها!
قتلته عيناها مرتين!
مرة عندما قتلته بسحرها فسقط اسيرا لهما
ولعشقها الذي آلم قلبه من قوته وعنفوانه..
والمرة الثانية بهذه اللحظة قتلتله بالألم والخذلان
اللذين يراهما بها بكل وضوح على الرغم من
محاولاتها الحثيثة لإخفائهما عنه وجمود ملامحها..
لم يستطع أي منهما الإشاحة بوجهه عن الآخر
وعيناهما تتبادلان الحديث بصمت دون القدرة على
التعبير به..
عيناها تحدثه بحب، بوجع فاق الحد فارتسم بعينيها
ليشعر به بقلبه فوضع يده على قلبه تلقائيا وهو
يشعر أن أنفاسه تختنق..
لتحدثها عيناه: (قتلتني عيناكِ بنظرة ربما لم
تقصديها فبتُّ ناسكا بمحراب عشقكِ، نفذ السهم
لقلبي فعشقكِ وأسرّ عشقه فلم يَبُح، لا تطالبيني
باعتراف فحبنا هو المستحيل السادس!
ابتعدي، اهربي، انقذي نفسكِ وانسيني..
فربما وقتها يكفّ القلب عن النبض بعشقكِ ويكفّ
الضمير عن جلدي بذنبكِ!)
فيما خاطبته عيناها بألم: (إلى حبي المستحيل،
إلى حلمي الذي لن يتحقق، إلى عذابي الذي لن
ينتهي يوما.. إعلم جيدا أنني لست كسواي،
فأنا لن أتوسلك، لن أطلب منكَ ما يفوق طاقتك،
فقط سأبتعد بهدوء وسأنسى لانني عشقتكَ يوما!
هل صدّقت؟! جيد.. فربما أصدّق نفسي يوما ما)
"لِمَ اتيت كرار؟!"
قاطع الصوت تواصلهما وحديث عيونهما فالتفت
بحدة وهو يقول: "ماذا تفعل هنا؟!"
رفع توم حاجبه باستفزاز وهو يقول:"أظن انني
من عليه أن يسأل هذا السؤال!"
اقترب منه يمسك بتلابيبه وهو يهتف بغضب
والغيرة تعمي عيونه حتى كاد يفتك به :"لا دخل لك
بما جئت من أجله، ومن الافضل لك أن تغرب عن
وجهي الآن حتى لا أزيّن وجهك الوسيم هذا بلكمة
تليق به"
"غادر كرار"
كانت الهمسة هذه المرة من رُسُل فالتفت لها بألم
وهو يقول بتوسل:"رُسُل!"
رمقته بعينين تفيضان بألم موجع وهي تكرر:
"من فضلك غادر، لا أريد رؤيتك أبدا"
أخفض عينيه بألم ثم اقترب منها هامسا:
"الأبد وقت بعيد كثيرا رُسُل، لا تثقي به كثيرا".
***
ما إن حطت رأسها على مقعد الطائرة حتى غرقت
بالنوم إرهاقا من كل المشاعر المحتدمة داخلها..
فيما راقبها توم بنومها وقلبه يتألم من أجلها..
كم أراد أن يضرب هذا ال كرار بقوة لأنه السبب
بألمها ولكنه تراجع عن ذلك وهو يعتزم بداخله
على الوقوف بجانبها ومساندتها.. فحتى لو رفضت
حبه إلا أنها صديقته وهو لن يتركها بمفردها بمحنتها
أبدا.
وجوه غريبة تتداخل بأحلامها وصرخات مألوفة لها
جعلتها تدور بدوامة وهي تحاول التعرف على من
يصيح باسمها بكل هذا الألم..
تتذكر هاتان العينان جيدا ولكن لا تعرف من
صاحبهما! صوته مألوف لها طريقة غريبة ولكنها
مازالت لا تعلم من هو!
حتى لمع الإدراك بذهنها فجأة فانتفضت بقوة
مستيقظة وهي تهتف:"بابا!"
***
تراقبه نائما على الأريكة كعادته يتصبب عرقا وهو
يحرّك ذراعيه وكأن هناك من يحاول الفتك به ..
"نور! نور اصحى يا حبيبي مالك بس فيك ايه؟!"
حاولت مرارا إيقاظه ولكنها لم تستطع وكأنه غارق
بفجوة زمنية يحاول أن يتعداها حتى يصل لبر
الامان!
وفجأة انتفض بقوة صارخا بجزع:"رُسُل!"
نهاية الفصل

avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:45 pm

الفصل التاسع قتلتني عيناها
(الماضي)
انتفض بقوة من إغمائه وهو يهتف:"رُسُل!"
ليتجمد من حوله قبل أن تندفع نورية بحضنه وهي
تنشج ببكاء:"وأخيرا ياقلب أختك، واخيرا"
رمقها بعدم استيعاب قبل أن يدلف الطبيب له
ويطلب من الجميع الخروج.
خرج إليهم بعد فترة وعينيه تمثلان لوحة خالصة
من الحزن والألم، علم كل ما فاته وما خسره طوال
الفترة السابقة والتي انتهت بموت زوجته وطفله
بداخل غرفة العمليات وضياع طفلته رُسُل وعدم
وصولهم إليها حتى الآن!
اندفعت إليه نورية مرة أخرى فاحتواها بقوة ليربت
أحمد على كتفه وهو يقول:"قول إنا لله وإنا إليه
راجعون يا نور.. احتسبهم عند الله واللي عند ربنا
مابيضيعش"
أسدل أهدابه وهو يردد بصوت خافت:"إنا لله وإنا
إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون"
***
اندفع لداخل منزل ابنته ما إن فتحت له الباب
ليقول ما إن وقع بصره على ابنه:"صحيح اللي
سمعته ده يانور؟!"
التفت له بهدوء لا ينم عن مشاعره أبدا:"اهلا يا بابا
اتفضل، ايه اللي حضرتك سمعته؟!"
"انك هتسافر تدوّر على بنت الأجنبية و..."
قاطعه بقوة ولكن بهدوء:"هسافر ادوّر على بنتي يا
بابا، لو ده الكلام ال وصل حضرتك فآه هو صحيح"
اتقدت عيناه فبدتا أشبع بجمرتين وهو يرمقه
بغضب عارم قائلا:"انت بتقول ايه يا ولد؟! هتسافر
من غير اذني؟ وعشان مين؟! عشان بنت ال..."
قاطعه بصرامة وقد تحوّل لشخص آخر من الألم
الذي يموج بداخله:"انا مابقتش صغير عشان اخد
اذن حضرتك، اما عن كون اني ما قولتش ليك فده
عشان حضرتك مش معترف ببنتي اصلا ومتاكد
انك مش هتوافق على سفري عشانها"
هدر بعنف:"طبعا مش هوافق، ولا عمري هعترف بيها
امت عايزني اعترف ببنت حرام!"
انتفض نور بقوة وهو يهدر بصوت مرتفع ربما لأول
مرة بحياته امام والده وهو يقول:"بنتي مش بنت
حرام يا بابا، وكفاية لحد كده.. انا مش هسملحك ولا
هسمح لأي حد انه يهين بنتي ويهيني اكتر من
كده، كفاية ال عملته فيا طول حياتي.. خلاص
تعبت.. انا هسافر وهجيب بنتي ولو مش عايزنا هنا
خالص مش هتفرق معايا انت مش عايز غير بنتي..
كفاية مراتي وابني ال ماتوا بسببك"
ارتد والده للخلف وهو يترنح ومازالت نورية واقفة بينهما لا تعلم ماذا تفعل!
هل تذهب لتدعم نور أم تقف بجوار والدها الذي
يترنح وتظهر عليه الصدمة التي لم يتوقعها من
خروج ابنه من طوعه كما يُهَيّء له؟!
وضعت يدها على فمها ما إن نطق والدها:
"لو روحت يا نور انسى ان ليك اب، انسى ان ليك
عيلة وبيت وارض.. انسانا خالص لان ماهيبقاش
فيه رجوع ليك بينا بعد ال هتعمله"
"وانا مش هرجع يا حاج، على اد ماندمت على
جوازي من كارين على اد ماندمت اني فكرت في
يوم ارجع لهنا وخسرت بنتي بسبب كده، انا هسافر
وهدوّر على بنتي ومش راجع ياحاج.. ولو رجعت
مش هجيلك ولو كان اخر يوم بحياتي".
****
اندفع بقوة يمسك بتلابيب الرجل الذي نقل إليه
الخبر وهو يهدر:"ماذا تقول؟! من هذه التي
توفيت؟! ابنتي على قيد الحياة انا أشعر بذلك..
أشعر بنبض قلبها داخل قلبي.. لا لا مستحيل أن
تموت مستحيل!"
أمسك أحمد ومحمود به يخلّصان الرجل من بين
يديه ويحاولان تهدئته بلا جدوى فقد كان كوحش
كاسر يريد الفتك بضحيته حتى ولو لم يكن لها ذنب
بشيء!
"انا لا أكذب عليك سيدي لو أردت التاكد هناك قبر
باسمها و..."
صرخ بقوة صرخة أسد جريح وهو يحرّك رأسه
رفضا لما يُقَال وهو يردد:"مستحيل، مستحيل"
لم يفق إلا وهو واقف امام قبرها تملأه الغصة!
كيف تكون تحت الثرى وهو يشعر بها حية تتنفس؟!
ردد بخفوت:"انا حاسس بيها، حاسس انها عايشة..
حاسس ان قلبها بيدق، مش ممكن تكون ميتة، لا
مش ممكن تكون ميتة وانا حاسس بيها اوي كده!"
رفع رأسه بقوة وهو ينهض من امام القبر قائلا:
"دي مش بنتي، مش بنتي.. بيكذبوا كلهم بيكذبوا،
بنتي عايشة انا متأكد من كده.. قلبها بينبض وانا
حاسس بالنبض ده، قولوا عليا مجنون قولوا اي
حاجة لكن انا متأكد انها عايشة"
رحل وتبعاه هما وقلبهما يمتلأ حزنا عليه، ما عاشه
كثير، كثير جدا بالواقع وهو يحاول التمسك بالأمل
ولكن هل حقا يمكن أن تكون حية بعد كل هذه
الشواهد؟! هل يمكن أن تفعل كارين كل هذا من أجل
أن يتوقف عن البحث عنها؟
وهل كل هذا حبا بابنتها أم محض عِند وتحدي له؟!
****
ضميره يجلده بقوة ولم يعد يحتمل، مرة بعد مرة
يشعر أن حبها كان بلاءا عليه وعلى أخلاقه ومبادئه
كل مرة يعنّف نفسه انه يتساهل معها وسيتوقف
عما يفعله إلا أنه يظل سائرا خلفها بلا هدى حتى
يجد نفسه ينزلق مرة أخرى بعيدا عن كل ما يؤمن
به، كيف سوّلت له نفسه أن يبعد طفلة عن والدها؟!
صوت أناني بداخله أخبره أنه فاقد للذاكرة ولا
يتذكرها من الأساس وهناك اهله الذين لن يتقبلوها
أبدا ليجلده ضميره وكيف تعرف ذلك؟ كيف تعرف
ان اهله لا يبحثون عنها؟ كيف تعرف أن هناك قلوبا
لا تحترق بسبب فعلتك؟!
كيف طاوعك قلبك أن تحرمها من عالم طبيعي
تعيش فيه وتزرعها بعالم لا تتمتع فيه حتى بحب
الأم؟!
زفر بقوة وهو يمسح على وجهه ويحاول أن يتخذ
القرار المناسب بإعادة رُسُل إلى والدها..
أمسك بالدفتر بين يديه، كان من ضمن الأغراض الخاصة ب رُسُل والذي جلبها لاحقا من الشقة التي
كانت تقطنها مع نور بعدما سافر الأخير.
كلما جلده ضميره مان يفتح الدفتر يقرأ كلمات نور
إلى ابنته، يقرأ حبه لها وأحلامه معها.. يقرأ ويقرأ
حتى يشعر أن قلبه ينزف بقسوة وهو يرى إلى أي
حال وصل إليه بسبب إذعانه إلى كارين ورغباتها!
طالما علمت كيف تخضعه وطالما كره نفسه لذلك!
ولكن هذه المرة يعترف أن هناك جزء أناني داخله
هو من رفض إعادة رُسُل، حسنا هو لا يعرف حتى
إلى أين يعيدها فهو لا يعرف لهم طريقا حتى الآن
ولكنه يحاول، أجل يحاول من أجلها، من أجل أن
تحظى بحياة تستحقها ولكنه أقسم ألا يسلّمها إلا
لوالدها فقط وها هو بانتظار عودته ل لندن ليعيدها
له حتى لو نزف قلبه دما فقط لأجلها هو على
استعداد لأن يفعل أي شيء.
لن ينسى اليوم الذي هرع خلف كارين به من أجل
رُسُل، كانت تهرب بها من البلدة بعدما علمت أن
قريب نور يبحث عن رُسُل.. في البداية كانت
ستذهب للريف حيث عائلتها ولكنه منعها من أجل رُسُل فهو يعلم أي عائلة متشددة تملك لذا فقد
أخبرها بمنتهى الوضوح أنه لن يتردد لحظة في
إعادة رُسُل لأهلها لو فكرت فقط بالذهاب للريف
سيحتقرون رُسُل وربما يأذونها وهو لن يتردد
بالهرب بها وإبعادها عنها.. يومها وافقت على الزواج
به بعد سنوات عذّبته بها بشرط أن يبعدها عن
انجلترا بأكملها وهذا ما فعل.
أخذها لفرنسا حيث صديق له وهناك تزوجا وظلّت
رُسُل معهما ولكنه حاول مرارا أن يعرف أي معلومة
عن نور حتى يعيد له ابنته خاصة بعدما حاولت
كارين طمس هويتها العربية وتحويلها فوقف
بوجهها وهو يعلم أنه قادر على إرهابها فمركزه
وعائلته يخوّلانه بفعل الكثير وخضعت له ولكنها
تركت له رُسُل بمسؤليتها كلها وكم أسعده ذلك ولكن
ما آلم قلبه حقا كان رُسُل التي حاولت مرارا
استجداء عاطفة كارين نحوها ولكنها كانت تبعدها
عنها بكل قسوة حتى ذاك اليوم..
لم يكن موجودا ولكن صغيريه أخبراه بما حدث
ووقتها كان على وشك التحوّل لقاتل بسبب كارين!
حرّك رأسه بقوة نافضا ذلك اليوم وهو يشعر بنفسه
على وشك الذهاب وقتلها مرة أخرى لينهض وهو
عازما على العودة لانجلترا من أجل رُسُل.. أجل
سيعود علّه يستطيع التواصل مع نور إذا جاء مرة
أخرى باحثا عنها وهذه المرة سيعيد إليه ابنته حتى
ولو مات قهرا عليها.
ولكن ما لم يعلمه وقتها أن نور قد ذهب وقلب
انجلترا بأكملها رأسا على عقب إلى أن أصابه
الإحباط ثم ما لبث أن تحوّل الإحباط للموت حيا
بسبب ما وصله من تأكيد أن ابنته قد توفيت منذ
فترة بل ووجد قبرا باسمها أيضا فعاد إلى مصر
خالي الوفاض، مقهور القلب نازفه!
***
(الحاضر)
"رُسُل! هل كنتِ تحلمين حلما سيئا؟!"
قالها توم بتردد لترفع بصرها له دون استيعاب قبل
أن تقول:"لا أعلم!"
عبس وهو يقول:"لا افهم!"
قالت بشرود وهي تسترخي بمقعدها مرة أخرى:
"لا اعلم إذا كان حلما سيئا أم لا!"
أسبلت أهدابها وهي تتظاهر بالعودة للنوم بينما
عقلها يدور ويدور يحاول تذكر تفاصيل الحلم
ولكنها لم تستطع.. فقط ذكرى عينان داكنتان هي
كل ما تذكرته ولا تعلم حتى الآن هل كانت لوالدها
حقا أم أن ذكرى والدها تداخلت مع ذكرى كرار!
قبضة باردة اعتصرت قلبها وهي تحاول ٱشاحته من تفكيرها بل ومحوه من ذاكرتها كلها إلا أنه لم
تستطع!
وكيف تستطيع وبالفترة الأخيرة احتلّ عالمها كله
وليس فقط قلبها! قلبها الذي نبض باسمه منذ المرة
الأولى التي رأته فيها..
وقتها ظنّت مشاعرها مجرد افتتان بحلم طالما
راودها.. حلم بالفارس العربي، بالحبيب الشرقي
بحميته الشرقية المميزة ومشاعره الشغوفة التي
ستعوضها عن الحرمان الذي عاشته في كنف
شرقي كما تمنت دوما.
زفرت بخفوت وهي تستقيم بمقعدها ما إن سمعت
الصوت الذي يعلن عن قرب وصول الطائرة لوجهتها
ليرمقها توم بحذر يحاول كشف مشاعرها على الرغم
من قناع الهدوء الذي تضعه إلا أنه لم يستطع منع
نفسه من التعليق:"لم تكوني تريدين العودة الآن
أليس كذلك؟!"
أجفلت لسؤاله للحظة قبل أن تستعيد هدوءها وهي
تقول:"اجل، كنت اريد المكوث مع صديقتي أكثر"
"إذا لماذا عدتِ؟!"
رفعت حاجبها وكأنها تخبره أن لا دخل له ولكنها
اجابته:"ارتأيت تأجيل المكوث لموعد زفافها"
انعقد حاجباه وهو يهتف:"هل ستعودين إلى هناك
مرة أخرى؟!"
هزّت كتفها بخفة وهي تقول:"بكل تأكيد، بزفاف
صديقتي وزفاف شقيقتها"
هل انخفض صوتها بألم في نهاية حديثها أم يُهَيّء
له؟!
امتعض من نيتها بالعودة ولكنه سيحاول أن تكون
له قبل الذهاب لأي مكان آخر والتعرّض لسحر رجل
عربي آخر.
***
قبل فترة
"شدگول (ماذا تقول) محمود؟ تريدني ارفض ابن
اخوي علمود (من اجل) ابن صديقك؟!"
قالتها آلاء والدة لين باستنكار بلهجتها العراقية
المميزة ليبتسم بهدوء وهو يقول:
"ابن صديقي زي مانتي بتقولي يا الاء هو ال خطب
الاول يعني حسب الشرع هو اولى بالرد الاول وابن
اخوكي ماينفعش يتقدم لبنتي الا لما نرد على عامر"
"بنتك ما راح تقبل"
ابتسم غامزا إياها وهو يخرج من الغرفة متجها
لغرفة ابنته :"هنشوف"
جالسة تحدق بالطدار للمقابل لها وهي تفكر..
هل انتهت قصة حبها بهذه البساطة؟!
هل حقا ستتزوج بابن خالها وستنسى عامر؟!
طرق خافت على باب غرفتها جعلها تعتدل وهي
تجيبه ليدلف والدها مبتسما:"ازيك يا حبيبة بابا؟"
ابتسمت له بحب:"الحمد لله يا بابا، ايه النور ده؟!"
"يابكاشة، خديني جنبك ياللا عايزك بموضوع"
جلس بجانبها على الفراش وهو يقول:
"كبرتي يا لين"
ابتسمت بخجل وقلبها يطرق بقوة خوفا مما هو
آتٍ..
"فيه عريس متقدملك"
سقط قلبها بين قدميها حرفيا وهي تنظر لوالدها
وهو يتابع:"عامر ابن عمك أحمد فاكراه؟"
اومأت بذهول وهي ترمقه لا تستوعب ما يقوله
والدها ليبتسم وهو يقول:"ها ايه رايك؟!"
"في ايه؟!"
قالتها ببلاهة ليضحك عاليا وهو يقول:"هو انا بغنّي
من ساعتها يا لين؟ ياللا امك هتيجي تطب علينا
دلوقتي وال انتي هتتكسفي مني؟ اطلع وابعتها
هي؟!"
"اللي تشوفه حضرتك"
قالتها بخجل ليضحك مرة أخرى وهو يقول:
"لو معرفكيش كنت قولت البت مكسوفة"
زمّت شفتيها بحنق فضحك مرة أخرى وهو يقول
بمكر:"الحقيقة الواد عامر ده مش بينزلي من
زور خالص، فبقول بلاش منه وارفضه بقى"
"ايه؟ ليه بس ده كويس اوي وطيب و..."
لم تستطع إكمال جملتها وهي تواجه عيني والدها
فعضّت على شفتيها بقوة وهي تشيح بوجهها
لتسمع ضحكته الخافتة مرة أخرى وهو يقول:
"امم واضح انك موافقة ع الاخر، ده ناقص تروحي
تخطبيه انتي"
ضمّها بحب وهو يقول:"لو لفّيت الدنيا عشان
الاقيلك عريس يحافظ عليكي ويحبك مش هلاقي
زي عامر.. بس ايه رأيك نلوّعه شوية"
رمقته بعدم فهم ليبتسم بمكر وهو يقول:"هقولك".
***
"بابا كلمت عمو محمود؟ لين مابتردش ع الموبايل
خالص وانا قلقان مش عارف اكلمها و..."
قاطعه احمد قائلا:"وتكلمها ليه؟"
بهت وجهه وهو يقول:"عشان.. عشان اقولها اني
هتقدم لباباها اخر مرة كانت متضايقة مني وقالت
انها..."
قاطعه مرة اخرى وهو يقول:"انا كلمت محمود بس
رفض وقال ان ابن خالها اولى بيها"
انتفض صارخا:"ابن خال مين ال اولى من مين؟!
هي قطة هيدوها للاولى .. لين بتحبني انا ومش
هتكون غير ليا انا"
"وانا مش شايفك بتعمل حاجة عشانها، حتى ابوها
انا ال كلمته وخلاص اترفضت والبنت ماعترضتش
على ابن خالها.. خلاص يا عامر ارضى بنصيبك بقى"
قالها احمد بهدوء لتشتعل عينا عامر وهو يهتف:
"ارضى بايه يا بابا؟ انا مقدرش اعيش من غير لين،
ولا يمكن اسيبها تتجوز حد غيري"
رمقه احمد بغموض قبل ان يقول:"يعني هتقدر
تقول الكلام ده لجدك؟"
عقد حاجبيه وهو يسأل بعدم فهم:"جدي!
ايه علاقته بالموضوع؟!"
"جدك مش موافق على جوازك من لين وانت عارف ليه"
قالها أحمد بهدوء لينتفض عامر بقوة قائلا:
"بس انا مش هتجوز غير لين وانا قولت لحضرتك
ده قبل كده"
"خلاص فاتح جدك بالموضوع ولو قدرت تقنعه
انا هحاول مع محمود تاني"
****
عادت إلى المنزل بعد أن أصرّ توم على إيصالها،
ولراحتها لم تجد أحدا فأسرعت تزيل عنها إرهاق
السفر ثم تحدث خولة والتي بكل تأكيد لا تريد
الحديث معها غضبا بهذه اللحظة..
"وحشتيني يا خولة"
قالت بمرح مصطنع ما إن فُتِحَ الخط ليصلها
صوته محطِّما ما بَقِيَ من تماسكها:"اني افتقدچ
هوايه رُسُل حد الوجع"
شهقت بمفاجأة ليتابع وهو يضع قبضته على قلبه
"شوفي اخدت تليفون خولة بس عشان اسمع
صوتچ مره لخ بلگي تبددي الفراغ الساكن بروحي
بعد روحتچ"
ازدردت ريقها ببطء تحاول ابتلاع الغصة التي
ملأتها وهي تفكرSadكل كلامه يدل على حبه لي، ربما
لم ينطقها ولكني أشعر بها بقوة فلِمَ يفعل هذا بي؟!
إذا مان يحبني فما الذي يمنعه من التمسك بي؟!
ما الذي يمنعه من إخباري والزواج بي؟!")
وكأنه سمع تساؤلاتها فزفر بقوة وهو يشعر بالألم
الشديد بقلبه وكأنه يعاقبه على صمته ورضائه
بالأمر الواقع وتركها تبتعد عنه!
"غصبن عني رُسُل، احلفلچ غصبن عني.. لو چان ال
امر بيدي چان ما عفتك ليلة واحدة بعيد عن حضني
عفيه سامحيني لاني ما راح اسامح حالي ابدا"
قالها وأغلق الخط وهو يستند على جدار المنزل
بالحديقة.. نفس المكان الذي صرّحت له بحبها هنا
وهي تخبره أنها تكرهه ولن تسامحه.. وهو يعلم أنها
كذبت في ادّعائها ولن تستطيع كرهه ولو أرادت!
ليصدح صوته بجواره يهتف بحدة:"انت غبي كرار،
صدك اغبى واحد شفته، لا مو اغبى واحد.. اكو
واحد تفوق عليك بهاي النقطة، وبس انت هم غبي
همين.. اذا چنت تحبّه حيل ليش بعّدته عنك؟! ليش
خسرتها؟ ليش وجعته بها الشكل؟ في البداية چنت
اظن انو اعجاب بس، لكن غيرتك كل ماشافها رجّال
حتى لو اخواتك، اكدّلي انك تموت عليها، ليش
مرفضت الزواج مني؟ ليش عفته تضيع من ايدك؟!"
أجفل بقوة على صوت نبأ ليُصدَم بردة فعلها الغريبة
وهو يستمع لكلماتها غير قادر على الرد حتى بعد أن
توقفت للحظات تلتقط أنفاسها وتنتظر رده!
"شنو تعجبت انو خطيبة المستقبل هي ال راح
تگولك هذا الحچي؟ لا تتعجب هوايه من گلشي
يحدث مني اني تحديدا.. بعد المفاجات لسه ما
اچت"
"نبأ اني..."
قاطعته بقوة:"انت جبان وغبي لان مادافعت عن
حبك وماحكيت عنه بقوة، لان مااخدتها بين
احضانك من الاول ومكلتلها شگد تحبه وشگد
تتمناها وشگد تمنيتها طول عمرك، فضّلت تنهزم
ومتصارحها، غبي وجبان.. وراح تندم طول عمرك
على هاتصرف ال سويته وشگد اتمنه متسامحك
رُسُل بعد ماتصحى من نوبة الغباء ال سيطرت
على عقلك وتروح تطالب بحقك بيها"
تركته فاغرا فاه بصدمة وهو يشعر أن الكلمات
ليست موجهة له بمفرده ليؤكد شعوره زيد شقيقه
الذي ظهر من حيث لا يعلم قائلا:"بنت العم القوية،
صدگ تحيه گلّش چبيرة اله على كل ال گالته، وهذا
اللي ردت اگوله ليك ولأخوك الغبي مع شي بسيط"
رمقه كرار بعدم استيعاب وهو لازال على صدمته
من كلام نبأ وهجومها عليه ليتابع زيد حديثه لاكما
إياه بقوة وهو يقول:"هذه"
ارتد للخلف بصدمة وهو يقول:"زيد انت اتخبلت؟!"
لكمه مرة اخرى وهو يهتف بغضب ظهر على
ملامحه بعد أيام من الكبت:"لا انت واخوك ال
تخبلتوا، ما افهم شلون تفكرون؟ صدگ ما افهم
شلون يحب نبأ ويعوفه الك بكل رعونة! وانت هم
اناني.. تتحكم بالبنيه وتغار عليها.. واول موقف
غبي مثلك ترضخ وتعوفه مجروحة.. شنو هالغباء
ال بيكم والله ما اعرف"
صُعِقَ مما سمعه وهو يردد بخفوت:"ضي يحب نبأ!"
لم يرد عليه زيد بل التفت لضي الذي وقف على
مقربة منهما وهو ينظر لهما بريبة قائلا:"شنو بيصير
هون؟ ليش تتعاركون؟!"
لم يرد عليه أحدهما وزيد يقترب منه بهدوء قائلا:
"انت اخوي الچبير واعرف انو لازم احترمك هوايه
بس صدگ خلص گلبي من غباءك"
قبل أن يرد ضي كان زيد يعاجله بلكمتين كما فعل
مع كرار وهو يصرخ به:"غبي والله انت غبي،
بل اغبى من هالغبي الواگف، انت تحبه ليش عفته
لاخوك؟ تعرف ضي.. انته تستاهل ماراح يجيك
من عذاب.. والله تستاهل"
القى كلمته وغادرهما وهما ينظران بإثره بصدمة
قبل أن يقاطع صمتهما صوت عمه الذي صدح من
داخل المنزل بقوة.
***
زفرت بحنق وهي تبحث عنه دون جدوى؟!
ماذا يحدث معه؟! منذ عقد قرانهما وهو من يبتعد
بدلا من ان يقترب كما توقعت منه!
وهي تشعر بالضياع دون وجوده حولها كما اعتادت
منذ صغرهما.. تعترف لنفسها ربما للمرة الأولى أنه
لو لم يطلبها زيد للزواج وفكر بأخرى لكانت من
أتعس المخلوقات، ربما وقتها كانت ستذهب له
وستعترف بحبها وتطلب منه أن يتزوجها..
أجل هي بهذا الغباء والضعف تجاهه واكثر!
وهو الوحيد الذي يعلم هذا الضعف تجاهه ويستغله
جيدا.. فقد اجادت احفاء ضعفها امام الجميع بل
ورفضت الزواج به ولكنها لم تجرؤ يوما على
التصريح بها خوفا من العواقب فوقتها لن يتردد
والدها قبل والده أن يزوّجه بنفسه لأخرى.
زفرت مرة أخرى وهي تشعر بالحزن من رُسُل وعليها ومن نفسها كذلك..
كيف لم تشعر بحب رُسُل لكرار؟! بل كيف انشغلت
عنها بمشاعرها وتركتها تبتعد عنها وطالما كانتا
مقربتين؟!
هل كانت انانية لهذا الحد؟! صديقتها تتألم وهي
تغوص بالعشق والفرح؟!
أغمضت عينيها بألم على حال صديقتها لتنتفض
على صوت والدها العالي لتهرع للأسفل لترى ماذا
يحدث ولِمَ يرتفع صوت والدها بهذا الغضب؟!
****
"انت اتخبلتي نبا؟ تدرين شنو عواقب فعلتك؟!"
قالها والدها (محمد) بغضب لترفع رأسها بكبرياء
وهي تقول:"انا مخطأت بشيء يا بيه، كل سويته
انو رديت على سؤاله، شلون ارفض من نفسي بله
ما اگولك شيء؟ بس هذا العرف والتقاليد"
رمقها والدها بغموض وهمّ بالحديث ليقاطعه دخول
الشباب ونزول خولة من الطابق العلوي ..
"اهدا محمد ، ماراح يصير شي انه متريده، تره نبأ
مغلطت بشيء صدگ، واحط اتقدم لخطبتها وهو
لازم يسمع الجواب منا، هي عندها حق.. هادي
الاصول"
قالها حسين بهدوء وهو يرمق شقيقه بنظرة ذات
مغزى فاستجاب له ليسأل ضي بغضب:
"منو تقدم لمنو؟!"
"واحد اتقدام لنبأ وهي حددت موعد وياه"
قالها والده بهدوء وقبل أن يجيبه ضي كان زيد
يقف بجانبها وهو يقول مشجعا:"تعرفيه نبأ؟
هو شخص زين؟!"
ابتسمت له بحب أخوي وهي تقول:"ماعرفه معرفه
شخصية بس هو اخو صديقة الي، وشوفته كام مرة
گبل بس بدون حچي"
"صدگ! وانتي كنت تريدين تحچين وياه يابنت
عمي!"
قالها ضي بغضب جعل كرار يرمقه بصدمة!
ضي يحب نبأ حقا ويغار عليها كما يغار هو على
رُسُل! تهدلت كتفاه للأسفل وهو يفكر إذا لِمَ دفعها
بطريقي؟ لِمَ قال أنها لي؟
"شنو هل الغباء؟!"
همسة خافتة فلتت منه ليسمع همسة زيد بجانب
اذنه:"والله صدگ؟ مثل غباء واحد كرار!
انته تعرفه؟!"
"ما اسمح لك ضي تتجاوز حدودك معاي بالحچي"
قالتها نبأ بغضب مماثل وهي تقف امامه تتحداه أن
يعترض ليقول:"ماراح تتجوزي من بره اليلة
فهمتي؟"
"وانته شنو دخلك ضي، ثم اني ما راح اتجوز كرار
وهو يحب واحدة ثانيه"
همهمات حولها جعلتها تدرك ما قالته ليهتف ضي
قائلا:"لعد اتزوجيني انا نأ ولاتخفين ماأحب واحدة
ثانيه"
برقت عيناها بغضب وهي تهتف:"اني مو لعبة بين
ايديك ضي، مرة تزوجي كرار ومرة لخ، لك شنو اني
ما عندي راي!"
قابلها متحديا:"راح ترفضيني يابنت عمي؟!"
واجهته بتحدي:لو ماسوي ضي، راح تتزوجني
غصبن عني؟"
لم يتدخل أحد وكلهم يراقبون التحديات التي
يطلقها كل منهم للآخر وزيد على وشك الانفجار
ضحكا على شكل كرار وهو يقف مذهولا مما يرى!
تمتم بخفوت:"من چنت انته تحب صديقة زوجتي،
مو اگولك انته غبي مثله"
لوى زيد شفتيه وهو يجيبه:"شلون.. شوگت حبوا
بعضهم بهاي الطريقة؟!"
"زيد!"
زمجر ليشير بيده بلامبالاة وهو يقول:"ماتصيح
مثل سيارة خربانة كرار، هاي الحقيقة"
لم يستطع الرد عليه فقد اندلعت الحرب بين ضي
ونبأ من جديد وهو يهتف:"اي نبأ راح اتزوجك
غصبن عنك ومراح تصيري لغيري"
قالها ثم اندفع خارجا بغضب وهو يصفق الباب خلفه
لتنتفض خولة وهي تسرع لزيد تتشبه بذراعه وهي
تقول:"شراح يصير زيد، اني خايفه"
لم يستطع تجاهلها أكثر فأحاط خصرها بذراعه وهو
يضمها له هامسا:"اللي لازم يصير من فترة گلّش
طويلة يا گلب زيد، لا تردين بال، گوليلي حچيتي
ويه رُسُل؟!"
نفت بهزة من راسها وهي تقول:"مردت علي، اني خايفه عليها هوايه"
"لتخافين حبيبتي، كل شيء راح يصير زين"
***
بعد أسبوع
"انا سعيدة كثيرا رُسُل أنكِ ستحضري الحفل معي"
قالتها ديانا بفرحة وهي تحتضن رُسُل.. كانت
مفاجأة لهم جميعا أنها عادت قبل موعدها المحدد
ولكن ما يحيرهم صمتها الغريب!
لم تكن ثرثارة ولكنها لم تكن صامتة هكذا.. اما عن
نظرة عينيها فهي شيء آخر..
نظرة حزينة ممتزجة بشيء لا يفهموه، هل هو
خذلان؟ أم عشق؟ ام ربما امل؟!
رمقها جون مفكرا فالتقت عيناهما.. لا ، لم تر الدفتر
الذي اعطاه لها قبل السفر بكل تأكيد.. لو كانت رأته
لم تكن لتعود ربما!
زفر بضيق وهو يرسم ابتسامة على وجهه وهو
يسمعها ترد على ديانا..
"بالطبع حبيبتي لن افوّت خفل تخرجكما ابدا لأجل
أي شيء بالدنيا"
ابتسمت ديانا بفرح بينما ضمها اندي بحنو وهو
يقول:"اشتقت لكِ كثيرا رُسُل، المنزل بدونك لا روح
فيه ولا نكهة"
ضمت نفسها له بحب وهي تقول:"وانا أيضا حبيبي،
اشتقت لك كثيرا، اشتقت لكم جميعا"
***
عادت من الشركة وهي تشعر بالإرهاق.. توم يضغط
عليها بقوة حتى جعلها أحرجته اليوم وكرهت نفسها
لذلك ولكنه هو من استفزها..
دلفت إلى غرفتها وهي تحمد الله ان والدتها غائبة
منذ عودتها بسفر لاهلها بالريف فهي لن تحتمل
ضغطها ايضا.. استلقت على الفراش وهي تتذكر ما
حدث صباحا بالعمل.
"رُسُل أنا أحبك"
أغمضت عينيها بقوة وهي تقول:"من فضلك توم،
ظننا اننا اغلقنا هذا الامر من قبل"
"لن يغلق رُسُل، انا احبك وارىيد الزواج بكِ ولا افهم
لِمَ تعامليني بهذا بجفاء!"
"توم انه ليس جفاء بل هو عدم مبادلتك هذه
المشاعر.. انا لا احبك ولن اتزوج بك"
هتف بغضب:"لماذا؟! من اجله اليس كذلك؟
من اجل كرار؟!"
انتفضت بغضب وقلبها الغبي ينتفض بين ضلوعها
هاتفا باسمه:"لا دخل لك توم"
"بل لي كل الدخل رُسُل، انتِ تتعلقين بوهم.، هو لا
يحبك"
اغمضت عينيها وهو تقول:"كفى توم، اصمت"
"لا رُسُل لن اصمت.. ساخبرك بالحقيقة التي
تتجاهلينها، حتى لو احبك لن يتزوج بكِ .. هل
تعلمي لماذا؟! لانه يرا الفارق بينكما والذي لا ترينه
انتِ في خضم عاطفتك تجاهه.. انتِ لستِ منهم
رُسُل.. لست منهم ولن تكوني وهو لن يتزوج بكِ
حتى لو هام بكِ عشقا.. وانتِ لا تحبيه، انتِ فقط
تحبين اختلافه وبيئته التي تمنيتِ ان تعيشي بها
ولكنك لا تحبيه"
انتفضت واقفة وهي تهتف به بجمود لا ينم عما
يعتمل بداخلها:"ربما تكون صادقا توم..ربما لا احبه
وربما لا يحبني وربما نحب بعضنا ولكننا لن نتزوج
ولكن الحقيقة الثابتة بالأمر هي انني لا احبك ولن اتزوج بك.. لذا شكرا لك وارجو ألا تزعجني مرة
اخرى"
زفرت بحنق هي تنهض لتفرغ حقيبتها التي لم
تمسها منذ عودتها من العراق علّها تفرغ بعض
الشحنات السلبية بداخلها.. ليسقط دفتر بين يديها
ضاقت عيناه وهي ترمقه.. انه الدفتر الذي اعطاه لها
جون قبل سفرها ونسيته تماما قي خضم ما حدث.
التقطته واستلقت مرة اخرى متخيلة عن إفراغ
باقي الحقيبة وما إن فتحته حتى استعت عيناها
صدمة!
****
بعد اسبوع
ليلة زفاف لين وعامر
رنين الباب قاطع مشاكساته مع عامر فذهب ليفتح
الباب وهو يظنه نور قد استجاب له اخيرا واتى
للمنزل قبل الزفاف خاصة بعدما حدث الاسبوع
الماضي وصدامه مرة اخرى مع والده ولكن هذه
المرة كان لأجل عامر.. ولم يعلم ان نور قد حضر
ودخل مع شقيقته للمطبخ كعادتها كلما حضر تظل تطعمه حتى يهرب منها..
زفر بقوة قبل ان يفتح الباب وهو يرسم ابتسامة
هادئة على وجهه ليتجمد حرفيا وهو يرى الفتاة
الواقفة امامه وقلبه ينبئه أنه يعرفها لينتفض على
صوت نور المصدوم:"رُسُل؟!"
نهاية الفصل




avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية قتلتني عيناها بقلمي حنين أحمد

مُساهمة  hanin ahmed في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 5:47 pm


الفصل العاشر
(لا أصدق أنني افعل هذا ولكن على مايبدو وصلت
للحالة التي لا استطيع أن أكابر فيها أو أعاند أكثر ..
سمعت أن كتابة الشيء قد يخفف من وقعه بالنفس
وبما أنني لا أستطيع البوح لأحد عمّا يعتمل بداخلي
إذا سأكتب مذكراتي عسى أن أجد بعض الراحة..
"ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو لاعجبتكم"
ربما كانت هذه الآية هي تلخيص ما مرّ بي الفترة
السابقة.. صدمة تلو الأخرى جعلتني أدرك ما فرّطت
به بغباء منقطع النظير!
اكتشفت أنني لم أحب كارين قط، كان إحساسي بها
محض إعجاب ممتزج بتمرد على كل تحكمات أبي،
هربت للخارج حتى أتابع دراستي ولكني بالحقيقة
كنت أبحث عن منفذ للهرب من تحكمات أبي
وتدخله السافر بكل ما يخصني، حتى زواجي والذي
من المفترض أن اختار عروسي بنفسي تدخل ابي
ففرض عليّ حنان ابنة عمتي..
لا عيب بالفتاة أبدا ولكن إجباري على إتمام تلك
الزيجة جعلني أعاني من مشاعر متمردة على كل
تحكمات أبي ورغبانه وبخلال هذا كله قابلت كارين،
فتاة عكس كل ما أراده أبي يوما وربما يكون هذا
من أكثر الأشياء التي جعلتني أتمسك بها حتى لو
خسرت أبي وعائلتي بأكملها.. وتخيّلت بكل غباء أن
أبي سيرضخ لما أريده عندما يرى تمسّكي بها
وسأنجح بفرض سيطرتي وتحديه ولو مرة واحدة
ولكن على من أضحك!
لم يوافق أبي بل وطردني مخبرا إياي إذا لم أرجع
عمّا أنتويه فعليّ نسيان عائلتي تماما..
ولكني لم افعل، لم أرضخ له بل تزوجتها بفورة
مشاعر منتشيا أنني لم أنفّذ رغبة أبي وعارضته
ربما للمرة الأولى بحياتي ولكن هل أنا سعيد بعد كل
هذا؟! هل كانت كارين هي الفتاة التي أبحث عنها؟!
هل استحق ذلك كل ما خسرته؟!
للأسف لا.. صدمتي الأولى كانت بليلة الزفاف والذي
لم يحضره أي من اسرتينا، لأصدم بالفارق الشديد
بيني وبينها!
لقد كنت متوقعا بالطبع ولكني كنت آمل أن تكون
كالصورة التي رسمتها بخيالي ولكن.. ليس كل ما
يتمناه المرء يدركه.
ولكني حاولت نسيان الأمر، حاولت ٱنجاح هذا
الزواج وكأنني أحاول ان أقف امام أبي واثبت له
أنني كنت محقا وحياتي جيدة كما تمنيت وأكثر
حتى كانت الصدمة الثانية..
حمل كارين ورغبتها بالتخلص من الحمل!
وقتها جنّ جنوني وهي تتحدث عن عدم عيش
حياتها وأنها صغيرة وتريد التمتع بالحياة لا ان يثقل
كاهلها بطفلة!
ولكني أجبرتها على إكمال الحمل وعدم إجهاضه
فقد شعرت أن هذا الحمل هو الأمل المتبقي لي
بهذه الحياة.
،،،،،
اليوم جاءت ابنتي للحياة بعد ليلة عصيبة قضيتها
بالمشفى فولادة كارين كانت متعثرة وكأن الطفلة
تأبى أن تأتي للحياة! وكأنها تعرف ما ينتظرها من
أم لم تنظر لها حتى نظرة واحدة بل سارعت
بالتوقيع على أوراق الطلاق للمعدة سلفا!
هل صُدِمت بها؟!
بالواقع لا، لم اصدم بها أبدا ففي الفترة الأخيرة
شعرت وكأني لم أعرفها قط.. كانت تراودني مؤخرا
الآية وكأنها تلومني لأني فرّطت بابنة عمي دون
ذنب من أجل نوبة تمرد حمقاء ولكن قُضِيَ الأمر.
على الرغم من انفصالي عن كارين إلا أن اليوم كان
أسعد يوم بحياتي لأن الله منّ عليّ ب رُسُل..
صغيرتي المدللة، وأميرتي المميزة.
كلما نظرت إليها اكتنفني شعوران متناقضان..
السعادة لأن الله منحني أملا بالحياة بعدما شعرت
أن كل الطرق قد أُغلِقَت بوجهي،
والخوف عليها مما قد تواجهه عندما تبدأ بالإدراك!
ولكني لا أملك من أمري شيئا لذا سأفوّض أمري لله
وسأحاول أن أفعل كل شيء حتى تعيش صغيرتي
بسعادة وراحة.
،،،،
اليوم ستكمل رُسُل عامين وأنا أجهز لها حفل رائع
سأكون أنا وهي و... چون!
حسنا هل تصدقون هذا؟!
انا نفسي لا أصدق.. غريب هذا الرجل چون!
كيف يأتي يوميا لرؤية ابنتي والأكثر غرابة كيف
أستقبله وأنا أعلم أنه صديق كارين؟!
ولكني لم أستطع أن أمنعه من رؤيتها فقد
رايت شغفه بها وحنوّه عليها بل رأيت تفاعل رُسُل
معه وضحكاتها الصغيرة كلما زارنا ومحاولاتها
نطق اسمه والتي تفرحه بقوة فيضمها لصدره
مبتسما وبعينيه دمعة تحيّرني.. لذا لم أمنعه ولا
أظنني سأستطيع يوما منعه إن لم يكن من أجله
فمن أجل صغيرتي.
،،،،
خمس سنوات مرّت منذ جاءت رُسُل للحياة وقد
كانوا أكثر خمس سنوات سعادة بحياتي بأكملها،
النظرة بوجهها تمنحني الأمل بغدٍ أفضل، تعطيني
دفعة للاجتهاد أكثر بعملي والذي كان السبب بعدم
سفري.. فكيف كنت سأسافر وأنا لم آخذ الخبرة
الكافية التي تخوّلني أن أفتتح مشروعي الخاص
الذي حلمت به مرارا؟!
كيف سأعود لبلدي وأنا لم أحقق شيئا؟ كيف أعود
واواجه ابي وأنا لازلت كما أنا لذا كان عليا المكوث
هذه السنوات حتى أستطيع مواجهته بقوة.
وبالرغم من كل ذلك أسال نفسي هذا السؤال يوميا:
هل ندمت يوما أنني لم أعد لبلدي بعد ولادة رُسُل
مباشرة؟!
والإجابة هي أجل ندمت كثيرا ولكني سأصحح هذا
الخطأ قريبا جدا فقد آن أوان العودة لبلدي ولعائلتي
وأتمنى ألا أكون تأخرت وفات الأوان.
،،،،
يا إلهي! لا أصدق مدى جرأة هذه المرأة!
كيف تطالب بحقها ب رُسُل الآن وقد ألقتها من
لحظة ولادتها ولم تطلب حتى رؤيتها كأي أم
طبيعية؟!
حقا لقد طفح الكيل ولولا بعض تعقل لكنت ضربتها
ضربا مبرحا ولكن أنقذها چون عندما أصطحبها
للرحيل..
تملك الجرأة لتهددني بأخذ ابنتي لو سافرت لبلدي!
هل رأيتم وقاحة اكثر من ذلك؟!
الطفلة التي لم تعرفها يوما تهددني الآن بأخذها لو
حاولت أن أعود لبلدي.. ولكني لن أرضخ لها،
فقط سأتوخى الحذر وسأطلب مساعدة صديقي
محمود .
،،،،
لا أعلم لِمَ أشعر بانقباض صدري وشيء يكتم
أنفاسي!
ربما لأنني لأول مرة بحياتي ألجأ للخداع ولكن
كل هذا من أجل رُسُل، من أجل أن تنشأ ببيئة
أفضل، في كنف عائلتها وبلدها.
سأرسل رُسُل غدا مع محمود صديقي لمصر،
فأنا لا آمن جانب كارين أبدا، أحيانا أشعر أنها
تكرهني ولكني لم أفهم السبب قط.
أشعر بشعور غريب وكأني سألقى حتفي قريبا
او سيحدث شيء سيء.. ما هو؟ لا أعلم!
إنه مجرد شعور قد يخطئ وقد يصيب.
ولكن تحسبا لكل شيء أوصيت نورية شقيقتي
الوحيدة وأحمد زوجها وابن عمي ب رُسُل،
فلو حدث لي ما يسيء سيصلون ل رُسُل وستكون
تحت رعايتهما بعيدا عن تلك المرأة..
كما أوصيت محمود أن يعود بها لمصر مهما حدث
وها أنا اجهّز كل شيء لعودتها معه غدا والشعور
السيء يزداد بداخلي ولكني أحاول تحاشيه بقوة
حتى لا أفسد لحظاتي مع رُسُل فربما لن أراها مرة
اخرى وتكون هذه لحظاتي الأخيرة معها لذا
فانا أريدها لحظات سعيدة ربما تتذكرها فيما بعد).
أسندت رأسها على مقعد الطائرة وهي تغمض
عينيها وتستمع للتعليمات وعقلها يستعيد كل كلمة
كُتِبَت بهذا الدفتر والذي حملته معها ولم تفلته منذ
قرأت ما به وحتى استقلت الطائرة المتجهة لمصر .
تشعر كأنها نبتة اجتثّت من الأرض ليس لها منشأ ولا
منبع!
تائهة كطفلة صغيرة لا تعلم ماذا تفعل وكل هذه
المشاعر تختلج بداخلها!
فتارة تفرح لأن والدها على قيد الحياة وتارة أخرى
تشعر بالخوف.. هل سيتقبلها والدها؟!
هل ستتقبلها عائلتها؟!
هل ستجد استقرارها أخيرا؟!
عادت الكلمات تهاجمها وهذه المرة كانت كلمات
چون التي وجدتها بعد مذكرات والدها:
(لسنوات لم أستطع أن أكتب شيئا بهذا الدفتر
الذي وجدته مع أغراضك ولكني هذه المرة سأحاول
وأدعو فقط الا تكرهيني بعدما تعرفي الحقيقة
كاملة.
منذ اللحظة التي وقعت عيني عليكِ وقد وقعت
بغرامك بقوة، وكانني عاشق أغرم بمعشوقتي
ولكني هذه المرة أغرمت بطفلة نظرت لي ببراءة
وكأنها حمّلتني عهدا أن أظل محبا ومراعيا لها ما
حييت!
لقد شعرت بالأبوّة معكِ قبل أن أرزق بأطفال
بسنوات فكنت لكِ والدا وصديقا ولم تتغير مشاعري
مطلقا حتى يومنا هذا.
رُسُل، لقد أخطأت بحقك عندما استمعت لكارين
ولم أرسلك لأهل والدك ولكن هل تصدقيني لو
اخبرتك أنني لم أعرف لهم طريقا إلا مؤخرا!
لقد أخفت كارين الدلائل جيدا فلم أستطع أن أعلم
عمّا فعلته أو كيفية الوصول لأهل والدك.. حتى
علمت أن نور مازال على قيد الحياة، بل ولم يفقد
الأمل بعودتك له يوما وأنه يأتي كل فترة ل لندن
حتى يبحث عنكِ ولكن كارين تجيد إخفاءك ولا
اعلم حقا كيف فعلت طوال تلك السنوات!
ولا أعلم حقا هل تخفيكِ عنه عقابا له لتركه إياها
أم لشيء آخر لا أعلمه بعد !
ما يهم الآن أنني وجدت عنوان زوج عمّتك
وهو مدوّن بطريقة الوصول إلى منزله بالتفصيل
بنهاية الدفتر..
لقد حافظت على الدفتر طوال تلك السنوات حتى
أسلّمه لكِ وفعلت ما إن عرفت أن والدك على قيد
الحياة واستطعت الوصول لهذا العنوان.
لن أطلب منكِ السماح لتخاذلي امامها ولكني
سأطلب فقط ألا تكرهيني والا تكرهي أندي وديانا
فهما لا ذنب لهما وانا أعلم أنكِ لن تبتعدي عنهم
حتى لو عدتِ لوالدك الحقيقي.
أحبك رُسُل، أحبك ابنتي وأتمنى أن تسامحيني
يوما).
****
ليلة زفاف عامر ولين
لا يصدق أنها أصبحت زوجته أخيرا بعد كل هذه
السنوات!
لقد عرفها منذ كان طفلا وكانت اولى خطواته لعالم
الرجولة هي نبضاته التي هتفت باسمها ..
ظلّت مشاعره حبيسة داخله حتى نضج وتاكد أنها
هي من ملكت قلبه وعقله، أنها هي الزوجة التي
تمناها دوما.. حتى انه لم يصارحها سوى مؤخرا
عندما اثبت نفسه بالعمل وأصبح قادرا على الارتباط
بها ولكن....
آه من هذه ال لكن التي هدمت كل آماله بلحظة
عندما أخبره جده بما ينتويه لو وجدوا ابنة خاله
يوما!
هو لم يستسلم كما فهم والده هو فقط كان يهادن
جدّه حتى يجد حلا جذريا لتفكيره الغريب.. جده لم
يتغير حتى بعدنا كاد يفقد ولده مرة بعد مرة !
ظلّ على جموده وتفكيره الغريب حتى هذه
اللحظة..
لقد بذل مجهودا جبارا لإقناعه بالزيجة حتى لا
يحدث مثلما حدث مع خاله نور ونبذه حتى وقته هذا لأنه لم يرضخ لما يريده جده بالزواج من أخرى
بعما فشل بالعثور على ابنته.
زفر بضيق وهو لا يعجبه حال خاله ابدا، كلما أراد
مفاتحته بالامر حدث شيءا فيؤجل الحديث حتى
شعر بالضيق من الوضع كله وارتأى الصمت.
التقط هاتفه واتصل على زوجته..
ابتسم يتذوق الكلمة بمتعة فقد تم عقد القران منذ
أسبوع وهو لم يرها من وقتها بسبب التقاليد الغريبة
التي ترى أن رؤية العريس للعروس قبل العرس فألا
سيئا على الزيجة ولين تؤمن بذلك للأسف فاكتفى
باتصال باليوم كما أمرته حتى يشتاق لها كما قالت..
الم تعلم هذه الحمقاء انه يشتاقها وهي
امام عينيه؟!
طال الاتصال ولا رد فعقد حاجبيه وهو يكرر
الاتصال وكاد يفقد الأمل بالرد ولكن بآخر رنة فُتِحَ
الخط ووصله صوتها النزق:
"ايه يا عامر! ماردتش اول مرة يبقى مشغولة اكيد..
ولما اشوف الرقم هتصل بيك انا مش كده يعني"
رفع حاجبه بصدمة قبل ان يقول:"ومشغولة عن ايه ياختي في يوم فرحنا؟! لا وقال ايه لما اشوف
الرقم هطلبك.. ده على اساس انك مش هتكوني
معايا النهاردة !"
وخفت صوته وهو يقول بمشاكسة يعلم انها تغضبها:
"وفي حضني"
وكما توقع وصله صوتها الخجول وهي تصطنع
الاستياء والغضب قائلة:"ماتحترم نفسك يا عم انت"
"عم أنت!! هو انا هتجوز الاسطى مجدي الميكانيكي
وال ايه!"
"نعم! انت بتسخر مني يا عامر؟ طب ايه رايك بقى
ان مفيش فرح النهاردة وخلي الاسطى مش عارف
مين الميكانيكي ده ينفعك"
قالتها بغضب فضحك عاليا وهو يقول مشاكسا
بخفوت:"ويرضيكي جوزك حبيبك ينام لوحده
النهاردة؟! ده انا بقالي سنين بتمنى اليوم ده"
وصلته تنهيدتها الحارة وتبعها قولها:"اممم طيب
عادي اللي يستنى سنين يستنى زيهم كمان"
هتف بغيظ:"اقفلي يا لين بدل ما اجي اجيبك من
شعرك من غير لا فرح ولا بتاع.. قال استنى زيهم
قال ده انا شعري شاب وانا بستنى اليوم ده"
ثم خفت صوته وهو يقول بشغف:"الا شعرك لسه
حلو زي ما هو وال كنت بتكويه بمكواة
رِجل ايامها؟!"
"اقفل يا عامر بدل ماحلف اني الغي الفرح وابقى
وريني بقى هتعمل ايه وقتها؟!"
ضحك عاليا صثم ما لبث ان سمع صوت جرس
الباب فأغلق معها وهو يقول:"بحبك يا مجنونة".
****
خرج ليجد والده فتح الباب الذي تقف امامه فتاة
محجبة يبدو عليها الارتباك ولكنها تبدو مألوفة على
الرغم أنه يكاد يقسم أنها المرة الأولى التي يراها بها
وما إن همّ بالسؤال حتى صدح صوت خاله:"رُسُل!"
ارتد للخلف بعنف وهو ينقل بصره بينهما ويلاحظ
تجمد الفتاة وهي تنظر لخاله نور بعدم تصديق!
أما خاله فقد تجمد للحظات قبل أن يركض ليصل لها
ثم وقف امامها وهو يقول:"انتي رُسُل صح! قولي
ان انتي رُسُل بنتي!"
بالكاد لمح إيماءة من رأسها قبل أن يغمرها نور بحضنه ضامّا إياها بقوة ودموعه تنهمر على وجنتيه
دون أن يحاول حتى مسحها فيما راقب الموقف مع
والديه اللذين سالت دموعهما من المشهد الماثل
أمامهما.
مشهد لو كُتِبَ بآلاف الكلمات لن توفيه حقه
بالوصف!
لا يصدق أن خاله اجتمع مع ابنته بعد كل هذه
السنوات ولا يصدق حتى أنه عرفها على الرغم أنه
لم يرها منذ كانت بالخامسة!
أغمض عينيه بقوة وفتحها ليجدهما على نفس
المشهد ليحاول ان يهتف بمرح:"ايه يا خالو هتفضل
موقفها على الباب كده طب دخّلها وبعدين احضنها
زي مانت عايز"
وكأن كلماته كانت المفتاح السحري ليتغير المشهد
فينتبه نور أنه مازال على باب المنزل فقادها للداخل
فيما اغلق احمد الباب بهدوء وهرعت لها نورية
وهي تلتقطها من حضن نور وتدخلها بحضنها هي
قائلة:"الغالية بنت الغالي.. الغالية بنت الغالي"
لقد ظلّت شاردة امام باب المنزل بعدما غادرها صديق عمر الذي لجأت إليه هو وصفاء بعدما قرأت
الدفتر وطلبت مساعدتهما وقد قدما لها كل مساعدة
ممكنة بداية بحجز الطائرة ثم توصيتهما لصديقهما
أن يمون بانتظارها بالمطار وإيصالها للعنوان المرفق
بالدفتر وقد كان.
هل كانت تتخيل هذا الترحيب؟ هل كانت تتخيل أن
يعرفها والدها من الأساس؟!
حقا لقد ذُهِلَت مما حدث فبلحظة كانت تطرق الباب
وباللحظة التالية كانت بحضن والدها وها هي الآن
بحضن عمتها كما خمّنت..
مشاعر غريبة انتابتها وكأنها كانت تائهة منذ وقت
طويل وها قد حطت على بر الامان.
تنهيدة طويلة أفلتت منها قابلتها زفرة حارقة من
أعماق نور وهو يعود لضمها مرة أخرى بعد أم
صافحها احمد وعامر واحتكرتها نورية لفترة.
"هو احنا مش هنسمع صوتك وال ايه يا رُسُل؟!
مكسوفة مننا؟! طب فاهمانا اصلا وال نتكلم
انجليزي؟!"
قالها ضاحكا فابتسمت له بخجل وهي تقول:
"فاهمة، لا تقلق"
رفع حاجبه بإعجاب قائلا:"حلو اوي بتعرفي عربي
وكمان بتتكلميه!"
"افهم اكتر، الكلام مش اوي"
ابتسم لها قائلا بمشاكسة مرحة:"استني لما تقابلي
لين مراتي هقعدك معاها اسبوع هتطلعي من هنا
بتردحي بالمصري"
ضحك احمد وهو يقول:"هي مجنونة ولايقة عليك
والله يا عامر"
عقد عامر حاجبيه قائلا:"ده انا نسيت ان النهاردة
فرحي، الساعة كام؟ هقوك الحق الحلاق"
نهض بتخبط مضحك جعلها تبتسم وهي تشعر
بالراحة له وقد وضعته بخانة الأخ الأكبر على
الرغم أنها علمت انه بمثل عمرها ولكنها شعرت
بنظراته وكأنها تعدها بالحماية والدعم من شيء
مجهول لا تعرفه.
رمقت عمتها بمرح قائلة:"هو كده دايما؟!"
ضحكت نورية وهي تربت على كتفها بحب قائلة:
"على طول مجنون وعروسته مجنونة زيه، الله يعينا
عليهم"
"فرحت كتير ان اليوم فرحه واني هحضره، صدفه
حلوة"
قالتها رُسُل بلهجتها المختلطة فابتسمت نورية
قائلة:"احنا المحظوظين ياقلبي عمتك ان الفرحة
بقت فرحتين بوصولك لينا بالسلامة"
ظلّت ترمقها بحنو ثم قالت:"انا مش مصدقة نفسي
لحد دلوقتي، يااه الف حمد وشكر ليك يارب"
تركتهما وزوجها لتجد نفسها مع والدها الذي لم
ينطق سوى باسمها منذ رآها.
التفتت له قائلة بخفوت:"بابا!"
انتفض بقوة وهو ينظر لها بشوق وكأنها لم تكن بين
أحضانه منذ لحظات ليزرعها بصدره بقوة وهو
يتمتم:"الحمد لله.. الحمد لله"
سالت دموعها مجددا وهي تضم نفسها إليه بقوة
تضع رأسها على صدره وهي تشعر بنبضاته تشارك
نبضاتها قوة وتأثيرا فتنهدت بقوة وهي تقول مثله:
"الحمد لله"
ابتعدت عنه ببطء لتشعر بتشنّجه فابتسمت بحنو
وهي تقول:"عايزة اشوفك بس"
استجاب لها ولكنه ظلّ ممسكا بها فرنت إليه بشغف
غير مصدقة أنها معه حقا بعد كل هذه السنوات
وبعدما عاشت طويلا دون أب.
"عرفتني ازاي؟!"
سالته بلهفة فابتسم برقة:"هتصدقي لو قولتلك
معرفش! من اول اليوم وانا حاسس ان فيه شيء
هيحصل.. عشان كده جيت بدري مع اني قولتلهم
مش هاجي الا على معاد الزفة بالليل.. واول ما
شوفتك حسيت بحاجة غريبة بقلبي ولقيتني بقول
اسمك وكأني كنت بتمنى انك تكوني هي"
ابتسمت وهي تشعر أنها على وشك البكاء مجددا
ليتابع بابتسامة:"بس اتأكدت اكتر لما شوفت عنيكي
عنيكي مميزة وماتلاقيش زيها الا نادرا ده لو لقيتي"
همّت بالحديث ليقاطعهما دخول آخر شخص يريد
نور رؤيته بهذه اللحظة.
****
مستلقيا على الفراش أفكاره تدور بدوامة ليس لها
من قرار!
منذ رحيلها وهو هائم على وجهه لا يريد التفكير بأي
شيء، وزيد يلومه على تركها على الرغم من حبه لها
لا يعلم أن نبأ لم تكن العائق الوحيد فهناك عائق
يخشاه أكثر من أي شيء.. ألا وهو مشاعرها!
يخشى أن تكون مشاعرها محض إعجاب بعروبته
وشرقيته، يخشى ان يكون محض حلم بخيالها كما سمع مرار من خولة فتكون أحبت صورته وليس هو!
وعلى الرغم من عدم اقتناعه تماما بما يفكر به إلا أن
الخوف يسيطر عليه بقوة ويجعله يخشى الذهاب
خلفها..
هل تحبه حقا ام تحبه صورته الشرقية التي طالما
حلمت بها؟!
سؤال يراوده منذ رحلت وحتى هذه اللحظة لم يجد
له جوابا.
انتفض على اقتحام زيد الغرفة قائلا:"انت لستك
مالبست كرار؟! الطيارة ما بقى اله شي، ماكو عليه
غير ثلاث ساعات"
تململ كرار وهو يقول:"اني ماروح ويكم زيد، ليش
تردون اروح لعرس ناس ماعرفهم!"
زفر زيد بضيق قائلا:"شلون متعرفهم؟ هو انته
متعرف بنت خالتك؟!"
هتف بسخرية:"بنت خالتي هاي اصلن اني ماشوفته
غير مرتين وبس"
جذبه من ذراعه بقوة وهو يقول:"كرار كوم البس
بسرعة على ما جهز چنطه خفيفه، ابويا هواي
متعصب ويريدنا بظرف عشر دقايق نروح"
استجاب لجذبه وارتدى ما وصلت له يداه وحالما
انتهى كان زيد انتهى من تجهيز حقيبة خفيفة
وخرجا معا ليجدا الجميع في انتظارهما بالسيارات.
****
كان جالسا بجانبها بالطائرة فلاحظ عبوسها فهمس
لها:"شبيچ خولة؟!"
"هواي قلقانه على رُسُل، دزّت الي برساله تطمني
عليها بس وماردت على تليفوناتي، مبعرف شنو
صاير معها.. هاي كله بسبب كرار او اكو شي تاني"
طمأنها وهو يحتضن كفها بين كفيه بحنو قائلا:
"ماتخافي رُسُل قويه تره بس هي مو مبين عليها،
عوفيها خاي الفتره حتى ترجع على طبيعتها"
ثم أكمل داخلهSadفشقيقي الغبي مازال يكابر ويعاند
قلبه واتمنى فقط الا يخسرها فوقتها لن يفيد الندم".
،،،،
في الجانب الآخر كانت نبأ بين كرار الذي غطّ
بالنوم ما إن صعد على متن الطائرة فيما ظلّ ضي
يحترق بجوارهما من تجاهل نبأ العلني له وعدم
تدخل أي أحد بينهما حتى يعيد لها عقلها الذي فقدته
بنوبة غضب على مايبدو.
زفر بضيق قبل ان يقول:"شوكت راح تحددين موعد
العرس نبأ، كافي عاد لعب جهّال (اطفال)"
رفعت حاجيها باستفزاز بارد وهي تقول:
"شنو دخلك انت بعرسي؟! وشنو يهمك منه؟!"
"طبعا راح اتدخل لانو اني العريس"
ضحكت بسخرية وهي تميل عليه قائلة:
"بس بأحلامك ضي"
همّ بالحديث بحدة فقاطعه نهوضها وتركها للمكان
متجهة لمكان جلوس والدها وعمها وعلى مايبدو
ستبدّل المكان مع من يجاورهما فقبض كفه بقوة
وهو يجبر نفسه على الصمت وغدم افتعال فضيحة
بالطائرة وهو يتوعدها بداخله أن يذيقها العذاب
أضعافا عندما يتزوجا، لترتسم ابتسامة متشفية
على وجهه وهو يفكر كم سيكون العذاب لذيذ معها
عندما تكون زوجته وبين أحضانه!
***
بعد أسبوعين
"چون!"
قالتها بوهن لينتفض چون مكانه ممسكا بالهاتف
وهو يهتف بعدم تصديق:"رُسُل! ابنتي، أنتِ بخير
أليس كذلك؟! أرجوكِ أريحي قلبي المفجوع عليكِ
فأنا أكاد أجن منذ اختفيت ولا أعرف لكِ طريقا..
ماذا حدث معكِ حبيبتي؟! أين أنتِ؟ أخبريني هل
أذاكِ أحدهم؟! منذ عدتِ من تلك السفرة من العراق
وأنتِ لست على مايرام ماذا حدث معكِ هناك؟!
رُسُل أخبريني بنيتي ماذا يحدث معكِ وأين أنتِ؟!"
قابله صمت مطبق وصوت أنفاسها فقط هو ما يصله
ليقول بإدراك وببطء:"أنتِ قرأتِ الدفتر أليس
كذلك؟ أنتِ بمصر رُسُل! هل... هل قابلتِ والدكِ؟!
كيف كان لقاؤكما؟! هل كرهتيني رُسُل؟!"
تهدّج صوته بآخر جملة لتهتف مؤكدة:
"لم ولن أكرهك يوما چون، تأكد من ذلك تماما"
لم يستطع الرد ولكنها شعرت بدموعه على الرغم من
الصمت الذي لا يتخلله سوى أنفاسه ومحاولة
كتم نشيجه ولكنها عرفت.. عرفت انه يبكي وكانت
المرة الأولى التي يفعلها طوال حياتهما معا!
عرفت أنه نادما، عرفت أنه تمنى لو لم يساعد كارين
بل لو لم يجعلها تراها من الأساس!
عرفت وتعرف أكثر من ذلك لذا هي لا تكرهه.. لن
تستطيع كرهه ابدا فقد كان والدها لسنوات طويلة
رعاها وأحبها ولم يفرق بينها وبين اولاده قط فكيف
تكرهه؟!
****
فتح الباب ليجد والده امامه، لم يندهش فقد كان
بانتظاره منذ عادت رُسُل إليه ولكن أن يأتي إليه إذا
هناك ما يريد قوله.. أشار له بالدخول وهو يقول:
"اتفضل يا حاج"
دلف للداخل وما إن أغلق نور باب المنزل حتى
استدار ليواجهه وهو يقول:"انا جايلك بكلمتين يانور
لو نفذتهم هترجع ابني حبيبي وبنتك هتفضل في
حضنك لاخر العمر ولو ماسمعتهومش وعارضتني
يبقى تنسى ان ليك اهل"
لم تتغير ملامحه وكأنه كان يتوقع ما قاله والده
فقال بجمود:"خير يا حاج؟!"
"بنتك لازم تتجوز من عامر ابن عمتها".

avatar
hanin ahmed
نائب المدير
كبير كاتبات الروائع
مدققة رائعة
قائد فريق التعبئة
نائب المدير  كبير كاتبات الروائع  مدققة رائعة  قائد فريق التعبئة

المساهمات : 79
نقاط : 99
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 28/08/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى