روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

*نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

اذهب الى الأسفل

*نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الأحد أكتوبر 14, 2018 8:48 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بقدملكم نوفيلا جديدة من سلسلة الباخرة وهالمرة رح تكون رحلتنا بميناء الأردن مع أبطالنا ريان وجيداء
ونوفيلا "زهرة تشرين "

المقدمة

الأردن – عمّـان – في إحدى الأحياء الفقيرة

بعدك على بالي
يا قمر الحلوين
يا سهر بتشرين
يا دهب الغالي
بعدك على بالي
يا حلو يا مغرور
يا حبق ومنتور
على سطح العالي

" مين!!! .... جلالة ريان بمقامه وقدره بسمع هالاغنية.... صدمتني بصراحة..."

ابتسم ريان ابتسامة طفيفة لصديقه وعاد يكمل عمله بنجارة قطعة الخشب أمامه...فأمامه شهر ليسلم العمل لزبونه وهو لا يريد أن يتأخر عليه..... تقدم صديقه ورفيق صباه وشبابه "حمزة" إلى داخل ورشة النجارة الصغيرة وأردف قائلًا بفكاهته المعروفة :
" بس شو هالرومانسية.... ما عرفتك...."
قال ريان بمزاح وهو يضغط على زر المسجل لتتوقف الأغنية التي كانت تصدح منه :
" هيني طفيته ارتحت... ما أثقل دمك..."

قهقه حمزة بصخب ثم أحاط كتفيه مرددًا :
" طيب خلص سكتنا.... مزاجك اليوم مش ولا بد..."

لم يرد عليه ريان واكتفى بشبح الابتسامة المرسوم على شفتيه ليقول حمزة وقد تخلى عن مزاجه المرح بينما ينظر لما يعمل به صديقه :
" شو رح تعمل...؟"

" خزانة... مع انها مش جايبة همها واللي رح اقبضوا مش كتير بس ولا البلاش... "

لاحت علامات التعاطف على وجهه لكنه ابى أن يظهره بنبرة صوته حتى لا يجرح صديقه.... فهو يعلم أن كرامته عزيزة ومن أجلها داس ريان  على قلبه :
" الله رح يفرجها يا صديقي..."

نظر له ريان بنفس البسمة التي بدت وكأنها مرسومة على شفتيه دون أن يشعر بها حقًا ثم زاغت نظراته لخارج الورشة حيث لمح هيئة يعرفها.... بل يحفظها حفظًا تمر من أمامه بلمح البصر....
راقب حمزة توتر ريان المفاجئ ونظراته الثابتة على نقطة ما ليتبع بنظره ثم يتحرك بسرعة ويمسك ذراع ريان الذي تحرك برغبة واحدة... الخروج..... هتف ريان بعصبية :
" مش وقت بياختك حمزة... اتركني...."

ليهتف به حمزة بنفس النبرة وان كانت أعلى :
" بطّل (توقف عن) غباء..... بدك تلحق البنت وتعمللها فضيحة... ما عندك عقل تفكر فيه... احكيلي"
تحرك صدر ريان صعودًا وهبوطًا وهو يتهرب من أن ينظر له ورد باقتضاب :
" شفتها ماشية بسرعة ...ففكرت اروح اشوف شو صار... يمكن بدها مساعدة..."

رفع حمزة حاجبه وقال بقسوة اضطر عليها :
" انت آخر واحد رح تحتاج مساعدتك... أو يمكن حتى انك مو موجود بالقائمة.. افهم ريان.... استوعب انه خلص كل شي انتهى بدل ما بكرا تعمللها فضيحة ولا توقعها بمشكلة من ورا حركاتك المتهورة... "

آخر ما يريده أن يسبب الألم لصديقه.... فهو قد ذاقه ولا يزال يذيقه على مر الثلاثة أشهر التي فصلت بينه وبين خطيبته.... لكن ريان لا يريد أن يفهم أنه يجب أن يبتعد وان يتوقف عن دور الحارس... وهذا إذا تطور سيسبب مشكلة هم بغنى عنها...
ربت على كتف ريان الذي عاد ليكمل عمله من دون أن يرد كعادته... فقد بات شحيح الكلام والتفاعل مع أي شخص وزاد هدوءًا وانطواءً أكثر...
" تيسر على شغلك حمزة.. بلاش ما تتأخر.."

لم يسعه أن يفعل الا إلقاء السلام والتحرك خارجًا بينما يرد عليه ريان بهمس مواصلًا عمله بآلية باتت تسيطر على ايام حياته..... نظر ليده التي تهتز بخفة فجمع كفه بقبضة ورفعها أمام عينيه.... يتمنى لو انها تنزل على وجهه... ربما تنسيه هذا الوجع....... ربما تنسيه بـُعدِها...... وربما تنسيه اياها...



avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الأحد أكتوبر 14, 2018 9:20 pm

avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الأحد أكتوبر 14, 2018 9:23 pm

الفصل الثاني

مصدومًا... مشتاقًا كما لم يكن من قبل.... تفحص كل لمحة في وجهها... وكل تعبير يمر عليه بجرأة... يتمنى لو أن تتجمد صورتها الآن ويتوقف الوقت حتى يظل ينظر لها ليكتفي.... وهل سيكتفي؟... لا يظن...
جيداء كانت حبيبته... لا لم تكن بل ما زالت
جيداء كانت خطيبته... وليته يستطيع أن يمحي الـ(كانت) المدسوسة بقسوة بين الجملة..
لكن لا يستطيع... لا يستطيع.... الأمر يفوق قدرته ورغبته... يفوقه بكثير..
بقلب منتفض شاهدها تشيح بوجهها عنه وتتحرك لتنزل الدرج فهتف ذلك المتقافز لوعة بسره :
" استني.. وين رايحة وتاركتيني... كنت مستني اشوفك من زمان.. من زمااااان"

وجد نفسه يناديها بألم تشبع به حتى كاد يطوف :
" جيداء..."

عندما استدارت له كان بعينيها نظرة ضربته بسهم غادر... نظرة قاسية لا تعبير بها... ولكنه ولسبب لا يدريه وجد بها ذكرى كاملة ليوم وزمن كان وقودًا لألمه.... ولسبب لا تدريه هي كانت تشاركه نفس الذكرى...

عودة إلى ما قبل ثلاثة أشهر...

عيناه شاخصتان بالفراغ...ميتتان... مستسلمتان لقراره والذي أخذه بعد صراع مؤلم حارق له... يجلس على الكرسي أمام إحدى طاولات المقهى الصغير.... وينتظرها منذ نصف ساعة.... نصف ساعة مرت عليه كأنها عشر ساعات.... بالرغم من بطأها في تأجيل المحتوم إلا أنه كان يفضل أن ينتهي الأمر بسرعة حتى يستطيع أخيراً.... مواساة نفسه.... نعي نفسه......
أبصر هيئتها تدخل من الباب وتتقدم منه بعد بحث قصير عنه بعينيها..... اعتدل بجسده واجبر نظراته أن تحفر سطح الطاولة الامع بدلاً من أن تمران عليها وتكشفان خوفه الشديد....
" مرحبا... ريان..."
اغتصب ابتسامة لطيفة وقال بخفوت وهي يشير للكرسي المقابل له :
" مرحبا.... تفضلي..."
سحبت الكرسي وجلست عليه برشاقة مبتسمة هي الأخرى ابتسامة عريضة شديدة..... التصنع.... لم تخفى عليه أبداً.... بل زادت ألمه وسخطه على نفسه....
تنحنح ليجلي صوته ويقرر الدخول بالموضوع مباشرة فلا تفيد المقدمات المهذبة بشيء..... قال بتردد :
" في موضوع مهم بدي أحكيلك إياه..."
يكاد يقسم انها تعرف كل شيء.... متوقعة لكل حرف سيقوله إلا أنها اكتفت بالقول بنبرة بعيدة :
" أنا بسمعك...."
تلاعبت أصابعه بالخاتم الفضي المزين لبنصره يتحسس كل نقشة فيه وقال بصوت خرج منه مهزوز مضطرب :
" احنا هاي الفترة... ابتعدنا عن بعض كتير... في حاجز كبير وضخم وقف بينا وما قدرنا نتعامل معه ابدا... أو انا ما قدرت اتعامل معه... أنا.... أنا.... احنا لازم ننفصل...."
وجهها الأسمر اعتراه شحوب بسيط مع صدمة باهتة ليستمر الصمت بينهما لفترة لم يرغب بعدّها.... أخذ نفس مرتجف وسحب الخاتم من اصبعه ليضعه على الطاولة أمام نظراتها المراقبة لكل حركة منه بشكل غريب..... ثم فجأة ابتسمت ابتسامة مبتورة وتمتمت بصوت منخفض إلا أنه كان لأذنيه شديد الوضوح... والتوجع :
" يمكن معك حق... احنا ما رح نقدر..."
قطعت كلامها وهي تخلع الخاتم وتضعه بجوار خاتمه بسرعة ثم تقف تداري نظراتها المخذولة ودمعاتها الهاربة :
" أنا لازم اروح على الشغل.... تأخرت... آسفة لكل اشي ...."
تأوه من دون صوت يراقب خيالها الطويل نسبياً وهو يختفي شيئاً فشيء... يتسرب من حياته وهو يقف عاجزاً أمامه... مكبلاً بضعفه وقلة حيلته.... وجد نفسه يناجي طيفها دون أن تخرج الكلمات على لسانه....
" جيداء... ارجعي... ولو لثانية.. "

قدميها كانتا تتسارعان في خطواتهما... تريد أن تصل البيت بسرعة.... تريد أن ترتمي على فرشتها وتبكي طويلًا.... لقد توقعت أن هذا سيحصل... مهما أنكرت بالبداية.. إلا أنه حصل..... وريان قد قرر أن يستغني عنها عندما وجد بأن كل الأبواب قد أُغلقت بوجهه... وأنها هي لن تستطيع مساعدته بشيء....غبي.... وغبية لأنها قد صدقت حبه...

شهقة خانتها فخنقتها بكفها ثم حمدت الله أن المقهى لم يكن بعيدًا عن البيت... فهي تكاد ترى أمامها من شدة اضطرابها.... وتوجعها....

دخلت المنزل وتجاهلت على غير العادة تحية والدتها لتهرول تجاه غرفتها والدموع قد بدأت بالفعل تنهمر من عينيها بينما والدتها تهتف من ورائها بفزع :
" جيداء.... حبيبتي شو في... شو صار"

همست بصوت مكتوم قبل أن تغلق باب الغرفة بالمفتاح %
" بس اتركيني لحالي ماما... رح اكون منيحة"

ارتمت على السرير وأطلقت العنان لشهقاتها لتخرج من سجنها القصري...
رباه.... ما هذا الوجع الشديد..
لماذا قلبها تشعر وكأنها انكمش على نفسه وأصبح ينزف ألمًا...
ضربت صدرها بخفة وتمتمت من بين دموعها السخية :
" رح اكون منيحة... وكل شي رح يمر... وكل شي رح ينـّسى"

أما هو...
فدخل البيت لكن عكس أن يهرب إلى غرفته... وقف وجهًا لوجه مع والدته بهيئتها الذابلة الحزينة.... وأخذ ينظر لها ببعض التوهان
لتمد يدها وتتلمس خده بحنان قائلة :
" شو مالك حبيبي... ليه رجعت بكير من شغلك... "

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة ثم ما لبث أن ضحك متسائلاً بتهكم :
" أي شغل..؟"

عندما شاهد دهشتها وعدم استيعابها اكمل بذات السخرية التي تخفي وجعًا هائلاً :
" شغلي بالنجارة... ولا شغلي بالدهان... ولا شغلي بمساعدة البليطين... ولا شو... حدديلي عشان كل شغل ما شاء الله ما بقعد فيه يومين إلا وأنا تاركه... فبدي اعرف اي واحد بتقصدي عشان أجاوبك.... ولا احكيلك... انا أصلًا ما يشتغل هالفترة... بتعرفي ليش يما... لأنه صاحب الشغل ما صبر علي وعلى انشغالي بعزا اخوي... فاستغنى عن خدماتي "

كانت الأم تحدق به ملئ عينيها وتكاد لا تصدق ان من يتحدث بهذه الدرجة من اليأس والاستسلام هو ابنها ريان... منذ وفاة علي وهو بحالة غير طبيعية لكنها لم تدقق بالأمر وانشغلت بفاجعة أن أحد أبنائها قد فارق الحياة....
قالت بتلعثم وهي تلمس كتفه :
" شو صاير معك ريان.. جيداء مالها اشي..."

ذكر اسمها كان كالقشة التي قصمت ظهر البعير.... فجسده تشنج بوضوح... ووجهه شحب وكأنه استوعب أمر انفصاله عنها الآن...
لينظر لعينا أمه ويقول بصوت مهزوز :
" جيداء... جيداء راحت... طلعت من حياتي... وانا اللي دفعتها لهيك... ما في جيداء... خلص "

ابتعد عن والدته بحركة عصبية وتوجه لغرفته المشتركة مع أخيه الراحل بينما تهتف من وراءه بصدمة :
" شو حكيت... ريان... كيف فسختوا؟... مش معقول"

رمى جسده المثقل بالآلام على سرير شقيقه يتمنى لو أنه الآن معه... بروحه الشابة المفعمة بالحياة... لطالما كان علي مبتسم لهذه الحياة العافرة مهما عبست بوجهه... عكسه هو
اغمض عينيه وترحم عليه بهمس... ثم نام... نوم لم يريحه ولا لثانية...

بعدها بيومين... بعد اجتماعات مع كلتا العائلتين... من جهتها والدتها وأعمامها... ومن جهته والدته... وفقط فهو قد رفض أي من أقاربه أن يأتي معه... ذهبا إلى المحكمة لفسخ عقد القران
كانت جيداء جامدة بلا أي تعبير يظهر على وجهها فور خروجهم من المحكمة... وكان هو يتتبعها بخفية ويحاول إخفاء ما يعانيه
جيداء ليست بالنسبة له فتاة خطبها ولم يتوافقا فانفصلا برقي.... إنها أكثر من ذلك... أكثر بكثييير...
والآن هي قد خرجت من حياته وأخذت معها قلبه لتترك فراغًا هائلًا مكانه...

عودة إلى الوقت الحاضر...

قطعت هذه الذكرة بأن أعطته ظهرها وأكملت نزول الدرج... فلم يملك الحق هذه المرة أن يوفقها... أن يخبرها بأنه ... مشتاقٌ إليها

نزل خلفها بعد لحظات بخطوات مهمومة.. يشعر وكأن جبل يزرح فوق كتفيه.. فيميل جسده بتعب مهما حاول أن يعتدل..
نفس الحال مع قلبه ينكمش ألمًا... مهما حاول النسيان...

قبل أن يدخل إلى ورشته الصغيرة وقف ينظر لخيال جسدها المختفي بعجز... بقهر تام

*********************
"قال جيدا قال... مين مفكر حاله... ولا نسى إنه احنا انتهينا خلص.."

أوقفت خطواتها المتسارعة تنهت من شدة عصبيتها وغضبها...
رؤيته وجهًا لوجه أمرًا باغتها وجعلها تتذكر كل ما حصل... تتذكر كل ما حاولت نسيانه...
تبًا له..

رن هاتفها فوجدت المتصل زميلتها ناديا.. رفعت الهاتف إلى اذنها وقالت بهدوء وهي تكمل سيرها :
" السلام عليكم.... صار(حدث) اشي.."

" لأ.. بس المدير حكالي استعجلك.. أنا عارفة عنه بدو إيانا نشتغل على فيديو العرس بسرعة عشان العرسان بدهم إياه.."

ضمت شفتيها بنزق وتمتمت باستسلام :
" طيب هيني جاي بسرعة.."
تأففت بداخلها.. فمدير قاعة الزفاف التي تعمل بها يحب أن يشعر من يعملون عنده وكأنه وظفهم شفقة... بطلباته التي لا تنتهي وعصبيته الزائدة....

أدخلت الهاتف بحقيبتها وشحنت نفسها بمزيد من الطاقة التي ستعينها على تحمل باقي اليوم بروتينه المعتاد....

**********************
أخرج من جيب قميصه علبة الدخان ليضع عود سيجارة بفمه5 ويولعه بالولاعة وهو يقف عند باب الورشة ويراقب الرائح والغادي...
اليوم كأغلب الأيام.. لا عمل لديه.. ولا يوجد قطعة خشب يشتغل عليها... فطلبات النجارة تأتيه على فترات متقطعة طويلة... من أناس يشاركونه نفس الفقر وقلة المال ...

مج من سيجارته بهدوء والتفت على الصوت الشهير لسيارة بيع الخضراوات... وقفت السيارة أمامه ونزل منها شاب نحيف بأوائل العشرينات ليسلم عليه ببشاشة :
" ريان كيف حالك... زمان ما شفتك.."

رمى السيجارة على الأرض وداس عليها بينما يسلم على الشاب بنفس بشاشته :
" من الله بخير... انا اللي ما شفتك من زمان... بطلت تيجي على الحي كتير.."

حك الشاب شعر رأسه بحرج وقال :
" والله بوزع الشغل على أكثر من منطقة.. عارف أنت الأوضاع.. "

ربت على كتفه وتجاوزه ليقترب من السيارة قائلًا بمرح :
" أحيت والله جابك... الحجة بدها شوية خضار أصلًا.. "

اشترى بعض البندورة والخيار ووضع الأكياس جانبًا ليلقي التحية على الشاب قبل ذهابه وإلا الأخير يسأله سؤال باغته :
" اه احكيلي متى رح يكون عرسك .. "

خفتت ابتسامته وتنحنح... ماذا يقول له مثلًا!
هز رأسه بابتسامة متشنجة ورد :
" لسا بكير عالعرس... "

استشعر الشاب عدم راحته فلم يعقب على كلامه بأي رد فضولي وودعه ذاهبًا لرزقه...
أما ريان حمل الأكياس وصعد للبيت لتسقبله والدته عند الباب بوجه غير مفسر... ادخل الحاجيات للمطبخ بينما تتبعه أمه قائلة بتوتر :
" ليه هسا اجيت ؟... ولا بس عشان الأغراض وبدك ترجع "

تصنع المرح بقوله وهو يتقدم منها :
" ما رح أرجع انزل... حاس حالي مشتاقلك..."

أنحنى بطوله الفارع وضخامة جسده وعانقها غارسًا وجهه برقبتها التي تعبق بالرائحة الأمومية... لطالما كانت والدته تملك هذه الرائحة الخاصة بها والتي تسكن أعصابه فور أن يشمها منذ أن كان صغيرًا إلى الآن...

ربتت على ظهره بحنان... تداري ألمها عليه هو بالذات... لقد بات ريان وحيدًا والهموم تزداد بحملها على ظهره بمرور الأيام...
تتمنى لو أن باستطاعتها فعل شيئًا له... تتمنى لو أنها تستطيع إرجاع خطيبته له... تعلم تمامًا أن هذا أكثر ما يوجعه..... لكنها عاجزة عن هذا الأمر وخصوصًا أن ريان رفض التكلم به رفضًا قاطعًا...

تذكرت خطيبة ابنها أو من كانت خطيبته ...جيداء... فتاة طيبة مكافحة تحمل اعالة والدتها وشقيقتيها على ظهرها دون أي تذمر...
أعجبت بشجاعتها منذ بداية تعرفها عليها... وقد باركت ارتباطها بابنها وخصوصًا بتشابه الظروف بين الطرفين... فظنت أن هذا الارتباط سيكون بلا أي حساسيات مادية أو غيرها...
لكن ريان على ما يبدو لم يكن يظن نفس الأمر...
وفي نفس الوقت تتفهم دوافع ابنها وأسبابه لكن لا توافق عليها وقد أخذت تحاول كثيرًا أن تقنعه دون جدوى...

" وين فاطمة... ما سمعتلها صوت.."

ارتكبت بينما بداخلها تشتم ابنتها الشقية المتهورة... فالمفروض أن تأخذ امتحانها وتعود للمنزل فورًا... لكنها لم تعد للآن...

انتفضت على صوت ريان يعيد سؤاله بنبرة حادة كالسيف :
" وين فاطمة يما.."

وعندما لم يجد منها غير النظرات المرتبكة.. مسح وجهه بعصبية وقال بصوت ينذر بالشر :
" يعني عاندتني بالآخر... ورمت كلامي ورا ظهرها وراحت المشوار اللي بدها اياه... طيب رح تشوف"

توجه ناحية باب البيت بغضب ووالدته تجري وراءه وتهتف بلوعة :
" يمكن تأخرت بس.. اهدا بس أنت.."

فتح الباب ليجد شقيقته تقف أمامه بجسد مرتعد ونظرات خائفة ثم هتفت فورًا باندفاع :
" والله ريان.. أنا.. "

أمسكها من ذراعها وسحبها بخشونة للداخل وأغلق الباب خلفه بعنف اهتزت له الجدران ثم استدار لشقيقته التي اختبأت خلف جسد والدتها برعب... وجد نفسه يصرخ بهيحان ويفرغ كل الطاقة السلبية والاحباط الذي يستفيض منه كل يوم :
" مش أنتِ طلبتِ مني تروحي وأنا حكيت لأ... بتعرفي شو يعني لأ صح.. ليش تعانديني... اه ليش... ناقصني حدا يعمل فيكِ اشي.... ولا وحدة من البنات تضحك عليكِ... أو حدا يخطفك ولا يقتلك...
عيدي اللي عملتيه مرة ثانية يا فاطمة وشوفي شو رح يصير فيكِ.... بس عيدي..."

قالت باعتذار وهي تبكي :
"انا آسفة.. ما رح اعملها مرة ثانية... "
عاد ليصرخ بعصبية :
" ما بدي اسفك.. على غرفتك بسرعة وجهك ما بدي اشوفه.... وإذا بالتوجيهي ما جبتي معدل عالي يا فاطمة.. فش جامعة... فهمتِ... "

اعطاهما ظهره وخرج من المنزل يتصارع مع ذباب وجهه...

*******************

عندما عادت من العمل وجدت عمها ينتظرها أمام باب البناية... تفاجأت فهو من عادته أن يتصل بها قبل أن يزورهم....
أسرعت إليه هاتفة بدهشة قلقة :
" عمي... خير في اشي صار..."
ربت على كتفها وأجاب بنبرته الحنونة :
" بس كنت قريب من هون وقلت ليه ما آجي اطمن عليكم لأنه مرت فترة طويلة شوي وانشغلت فيها عنكم.. وبعدين ما حبيت اتصل فيكِ وازعجك"
أخذت منه الأكياس التي يحملها وقالت باعتراض :
" تزعجني!...مستحيل انزعج منك عمي... وبعدين مش الأحسن لو رنيت علي بدل ما ضليت (بقيت) واقف.. "
ابتسم لها ورد وهو يصعد معها الدرجات :
" ما طولت وأنا واقف لا تخافي... "

فتحت باب البيت ودخلت هاتفة :
" ماما اجى عمي حسن"
ظل واقفًا عند الباب مطرقًا برأسه ووقفت هي بجانبه بدافع الاحترام حتى أتت الأم مرحبة وهي ترتدي اسدال الصلاة :
" تفضل يا خوي... تفضل... "
بعد وقت قصير...
شرب رشفة ساخنة من كأس الشاب وقال بامتنان :
" تسلم ايديكِ حبيبتي.... زي دايمًا"
ابتسمت له جيداء دون رد ليقول هو باستفهام :
" وين إسراء وشيماء..."
قالت الأم باحترام تكنه لشقيق زوجها :
" كمان شوي وبرجعوا من المدرسة..."

لم تكد تنتهي من جملتها إلا والباب يطرق فتقف جيداء لتفتحه وتدخلا الفتاتين سعيدتين بوجود عمهما هنا....
استقبلهما باحتضانه... فهو لطالما اعتنى بهما واعتبرهما كأطفاله الصغار... وكيف لا وهما ابنتي المرحوم شقيقه والذي كان يكن له قدر كبير من الحب والاحترام....
توجهتا الفتاتين إلى غرفتهما وأعلن هو بحياء عن رغبته بالانفراد بجيداء للتحدث بموضوع هام....انسحبت الأم بهدوء وجلست جيداء بجانب عمها قائلة بفضول :
" خير إن شاء الله عمو .."
أحاط كتفها بذراعه ورد بطيبة :
" كل الخير حبيبتي..."
تابع عندما أحس بفضولها يصل أوجه :
" في واحد متقدملك... هو ابن صاحب قديم إلي..."
شعرت بالصدمة التامة وضاعت الكلمات من رأسها لتهمس بتلعثم :
" شو.. عمي.."
ابتسم مواسيًا وقال ليقنعها :
" حبيبتي... هو بعرف إنك فاسخة خطبتك وما عنده مانع... لأنه شافك مرة معي وأعجب فيكِ..."
هبت على قدميها وجسدها ينتفض رفضًا لمجرد التفكير بهذا الأمر وقالت بنفور تام :
" لا ما بدي... أنا آسفة بس ما بدي أتزوج أبدًا... اعتذرله عمي..."

أيمكن أن تخطب مرة أخرى... غير ريان.. هذا مستحيل بل ضرب من الجنون... وهي مهما بلغ غضبها وحنقها ووجعها... لا يمكن أن تدخل بعلاقة أخرى وهي ما زالت معلقة بأذيال العلاقة السابقة!
avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الأحد أكتوبر 14, 2018 9:25 pm

الفصل الثالث

إنها تحب ريان... هذه حقيقة لا يمكن أن تنفيها بعناد... إنها ما زالت تحبه وتحاول محاولة جبارة نسيانه والمضي بحياتها... اعتباره شخص عابر لم يكن لها نصيب معه... ومع هذا لا يمكنها إدخال شخص آخر لحياتها وقلبها مشغول....ليست بهذه الأنانية أبدًا..

خرجت من الحمام وهي ترتجف بردًا وتضم نفسها بالمنشفة التي احتضنت جسدها المبلول... إنها تكره فصل الشتاء فهو يمر كئيبًا باردًا بلا حياة معها... وشتاء هذه السنة كان أكثر برودة...
ارتدت بجامتها الدافئة ووقفت أمام المرآة تمشط خصلات شعرها الرطبة... لقد ورثت الشعر الأسود الناعم من والدها بينما شقيقتها أخذتا لون الشعر البني الغامق من والدتها....

جلست على السرير تنظر لغرفتها الصغيرة بتأمل... غرفة هادئة بلون حيطانها البيضاء التي بدأت بالتقشر وأثاثها البسيط... لكنها تحبها جدًا
وفيها ذكريات كثيرة قريبة من قلبها...وذكريات أليمة أيضًا
هنا قفزت سعادة بنجاحها بالثانوية العامة... هنا تقافز قلبها فرحًا بخطبتها لريان...
هنا بكت بحرقة على وفاة والدها... وهنا أيضًا بكت بوجع على انفصالها عن ريان..
طرقات خفيفة على باب الغرفة جعلتها تقول بهدوء :
" ادخلي.."
دخلت شقيقتها شيماء على استيحاء قائلة بتردد :
" مشغولة اشي؟... بدي احكي معك.."
ابتسمت لها بدفء ثم ربتت على جانبها من السرير وقالت :
" تعالي حبيبتي..."
تأملتها بسكون وهي تجلس بجانبها... شيماء الأكبر عمرًا من إسراء والبالغة من العمر ستة عشر عامًا... أكثر هدوءً وتعقلًا.. وأكثر كتمانًا..
قالت بلطف بعد أن لاحظت توتر اختها البالغ :
" احكي حبيبتي.. ما تخافي.. شو في"
فركت شيماء اصابعها ببعضهما البعض علها تنفس عن توترها وقالت بتلجلج :
" أنا... قصدي بتعرفي فاطمة أخت.. ريان.."
وعلى الرغم من الارتعاش الذي أصابها فور ذكر اسمه إلا أنها فضلت التركيز على ما ستقوله شيماء... عقدت حاجبيها وردت بتساؤل :
" آه.. مالها...؟ "
هنا قررت شيماء أن تلقي قنبلتها مرة واحدة وتنتهي من هذا الهم :
" شفتها قبل كم يوم واقفة.. مع.. مع شب.. "
وقفت جيداء من مكانها هاتفة بصدمة :
" ايش!!.."
تمتمت شيماء بتردد قلق :
" أنا ما كنت بدي احكيلك.. بس.. بس ما قدرت اتجاهل الموضوع..."
وضعت كفها على فمها تحاول ابتلاع صدمتها والوصول لتفسير مناسب...
أيمكن أن هناك من يغرر بالفتاة... ما تعرفه عنها بأنها مهذبة ودائمًا كانت تقابلها بالابتسامة المرحة..
ابتلعت ريقها وقالت لأختها القلقة باطمئنان :
" لا تخافي حبيبتي... تصرف منيح منك إنك حكتيلي... أنا رح أتصرف"
ابتسمت لها شيماء بارتجاف ثم استأذنت وذهبت لغرفتها.. وهنا هي ارتمت على السرير... تفكر... ماذا لو علم ريان بالموضوع.... حتمًا لن يمر على خير... أبدًا أبدًا...

في الصباح...

استيقظت باكرًا وارتدت ملابسها وفطرت على عجل لتلحق الفتاة قبل أن تذهب لمدرستها... للآن لم تعرف ماذا يمكن أن تخبرها... لكنها على الأقل ستحاول فتح باب الحديث معها والذي أُغلق منذ ما حصل...
خرجت من البناية تتحسر على عدم رؤيتها إياها إلا وهي تراها تمشي ببطء على بعد خطوات منها... ابتسمت بشجاعة ثم أسرعت من خطواتها إليها حتى وصلت فوضعت يدها على كتفها وقالت ببشاشة :
" فاطمة.. كيفك حبيبتي.. شو أخبارك.."

التفتت إليها فاطمة ببعض الدهشة ثم قالت مبتسمة :
" جيدا!.. أنا منيحة أنتِ كيفك.."

مشت بجانبها محاولة التحكم بألا تظهر أي توتر... صعب جدًا أن تكون وتتكلم معها بأريحية بعد فتور علاقتهما لكنها مضطرة .. والفتاة يجب أن تشعر بالأمان علها تخبرها بما يحصل... علها تساعدها.... من كل قلبها تريد مساعدتها فهذا الطريق الذي تسلكه خطر بكل ما للكلمة من معنى... قالت برفق :
" الحمد لله على كل حال... أكيد رايحة على المدرسة شو رأيك نمشي مع بعض.. طريقك من طريقي.."
شعرت بها تضطرب وتشد على حمالة الحقيبة ثم تقول وهي تقهقه بخفوت :
" طبعًا... طبعًا"

خلال الطريق لم تتكلما بشيء يذكر.. بدا وضعهما غريب... لقد مر ثلاثة أشهر عن انفصالها عن ريان وهذا أدى لأن تضطرب علاقتها مع شقيقته ووالدته... فكانت تلقِ السلام ما أن قابلتهما صدفة ... كان يكبلها الحرج الشديد لا أكثر... والآن تتمنى ألا تثير ريبة الفتاة وتشككها فهذه الطريقة الوحيدة لمساعدتها...
وصلتا لمفترق الطرق فالتفتت لفاطمة وقالت بوداع :
" طيب حبيبتي مضطرة أروح هسا... بالتوفيق يا رب..."

ابتعدت عنها بعد أن القيا التحية ومشت بطريقها ببطء حتى توهمها بأنها ذهبت وما أن شاهدت فاطمة تستدير وتكمل طريقها حتى استدارت وبدأت تسير خلفها بهدوء وحذر وما ساعدها وجود عدة أشخاص على أطراف الشارع...
توقفت خطواتها بتخشب عندما رأتها تقف فجأة عند شاب طويل القامة ونحيف الجسد ويبدو عليه " الزعرنة" البلطجة .... كانت مجرد ثانيتين ابتسم لها وابتسمت له ثم أكملت سيرها.... وتحرك خلفها
تمالكت نفسها وأكملت تتبعهما هي الأخرى حتى وصلوا إلى المدرسة وهناك رأت الشب يغادر وفاطمة تدخل المدرسة مبتسمة
تمالكت نفسها وذهبت لعملها... شاردة تفكر بأي ورطة قد وقعت فاطمة.... وكيف لها أن تساعدها

*******************
بجبين يتصفد عرقًا وملامح احمرت من شدة المجهود الذي يبذله كان يرفع على ظهره عدة أحجار بناء ويصعد بها الدرج ليوصلها لمكان التجميع... ومع أن الجو بارد وهم بفصل الصيف إلا أن المناخ يتغير وينقلب إلى حمم وقت الظهيرة... وهو الوقت الذي يعمل به لحظه التعيس...
أزاح الثقل عن ظهره ووضعه ببطء على الأرض ثم استقام يتنفس بسرعة يستعد لينقل الحمولة الـ... التي لم يعد يحسب عددها!
اقترب منه المشرف على العمل وقال بلطف وهو يمده بقارورة ماء صغيرة :
" الله يعطيك العافية... خد اشرب وبرد عن حالك..."

تمتم بشكر خافت ثم تناول منه القارورة ليشرب منها ثم يغسل بها وجهه بينما يقول الرجل بعملية :
" تقريبًا مش ضايل كتير لنقل المواد... يومين على الأكثر..."

مرر أصابعه بشعره المشعث وهو يقول بهدوء :
" منيح طيب.. خليني ارجع بلاش اعطلك "

اوقفه الرجل مناديًا :
" ريان إستنى ..."

ولما التفت له مستفسرًا وداخله مالًّا وقد ظن بأنه يريد الثرثرة بوقت لا يناسب أكمل الرجل مقترحًا :
" في كمان نفس الشغل رح يبدا بعد اسبوع ففكرت أعرض عليك تيجي... فشو رأيك..."

مستسلمًا لا يريد إلا مال يستطيع به مجابهة الحياة ولو قليلًا... وتلبية حاجات عائلته دون عجز وافق دون تردد :
"إن شاء الله.."

بعد وقت ليس بقصير كان يخرج من مكان العمل ممسكًا بيده المال الذي استلمه ومحدقًا به ببعض.. الجرح...
مسح جبينه وسار ببطء وهو ينظر لما حوله بتأمل... مكان بأرضية متربة والعمال على قدم وساق لبناء العمارة الضخمة الموجودة بحي فاخر... كان يختلف عن حارته الضيقة والبيوت المرصوصة بجانب بعضها كعلب الكبريت والشوارع الضيقة والمحال المتواضعة... ورغم كل هذا أهلها يستقبلون هذه الحياة بابتسامة متعبة ويتعايشون معها برضا...
إلا هو... لم يكن يومًا راضيًا بهذه العيشة.. كان شابًا طموحًا يحلم بشهادة جامعية وأسرة وبيت رائع يكون مسؤول عنه بكل سعادة...
وقد حاول واقنع نفسه بأن لا شيء مستحيل.... دراسته بالجامعة لم تتم رغم معدله العالي بالثانوية العامة... كان والده قد توفي آنذاك ولم يترك لهم إلا بضع قروش كسبها من عمله البسيط... ومع هذا اقترح على نفسه بتأجيل الدراسة حتى وصل سن الرابعة والعشرون والتقى بها... وأحبها حب لم يظن أنه سيحبه لأحد... لم يتردد بالتقدم من لخطبتها وخصوصًا بتقارب ظروفهما... لكن خطبتهما مرت عليها سنة كاملة وهو لم يجهز أي شيء... لا بيت... لا أثاث... لا شيء
شعر وقتها بأنه طفل عاجز... وجاءت وفاة شقيقة وزادت الطين بلة.. فمقهورًا متألمًا قرر تركها.... وكان ذلك كمن ينزع جلده عن لحمه...

انكمشت ملامحه بألم ليرن هاتفه ويقطع عليه لحظات لم يكن يفضل تذكرها.... فتح الخط وقال بنبرة منخفضة متعبة :
" هلا حمزة... كيفك..."

" منيح الحمد لله... شو وينك.. مريت على الورشة وما لقيتك..."

ابتسم وقال بعجلة :
" طيب هيني جاي... مش تروح.."

" لا يا سيدي مش رايح... هيني بستناك"

عندما وصل لورشته كان حمزة يقف عند مقهى صغير ويتكلم مع صاحبه باندماج فاقترب منه وألقى التحية ثم ابتعدا الاثنان ودخلا الورشة وحمزة يقول بفضول :
" وين كنت... استغربت إنك ما كنت يشغلك زي دايمًا... "

تشاغل بترتيب الأدوات وهو يجيب بصدق... فحمزة الوحيد الذي يمكن أن يخبره ما يحصل معه من دون حرج أو خجل :
" لقيتلي شغلة بسيطة ليوم واحد وأجر منيح فقلت ليش لأ... وهسا خلصت..."

ابتسم له حمزة بحب أخوي وقال برفق :
" الله يعطيك العافية... "

تساءل ريان بمزاح وهو يتحرك لبجلس أمامه عند طاولة خشبية صغيرة في زاوية المحل :
" خير إن شاء الله... حاسة إنه في ورا زيارتك إنّ... اطربني يلا.. "

حك حمزة شعره بارتباك وهو يقهقه بحياء ثم قال بتردد :
" قررت أكمل نص ديني.."

عقد ريان حاجبيه بعدم استيعاب لحظي ثم ما لبث أن فغر شفتيه بذهول... فحمزة كان من الرافضين للزواج... بل من الكارهين له والمتخوفين منه... هتف بتعجب :
" قررت تتزوج... خير.. خير شو اللي غير رأيك..."

تهرب حمزة بنظراته عن مراقبة ريان المتفحصة وقال بخجل حانق :
" عادي... أعجبت فيها وقررت أتزوجها..."
مال ريان مستندًا بذراعيه على الطاولة وهامسًا بمكر :
" ومين هي سعيدة الحظ؟..."

بنفس الخجل المضحك رد حمزة :
" زميلة إلي بالشغل.. "

ارتسمت على شفتيه بسمة حقيقية وقال بصدق :
" الله يوفقك حمزة.. رح أوقف معك خطوة بخطوة لا تقلق... "

بادله صديقه الابتسامة ثم خفتت قليلًا وهو يتذكر وضع صديقه... الواقع بين قلبه وعقله والذي لم يحصل على والاستقرار لحد اللحظة...
موجوع هو لأجله ويتمنى لو أنه باستطاعته فعل أي شيء ليساعده... أي شيء....
قال بهدوء وكأنه يواسيه :
" والله يوفقك أنت كمان... بدعيلك من كل قلبي.."

رمقه ريان بنظرة سريعة نازفة ثم وقف وبدأ يعمل.. بل يتظاهر بالعمل وهو يناغشه دون مرح فلم يجد إلا أن يتركه ينفرد بنفسه دون حرج... واستأذن للذهاب لعمله......

أفلت ريان آلة القطع من يده لتستقر على الطاولة وشرد بوجه واجم وقلب مفطور... ألا لهذا الألم أن يختفي... حتى لو لثانية هو راضٍ..

تحرك متوجهًا لخارج المحل بعد أقفله بعدم رغبة بعمل أي شيء اليوم..... سائرًا بلا هدى... فوجد نفسه يصعد إلى المنزل وحاجته للنوم ونسيان كل ما بعقله تسيطر عليه.... صعد الدرجات تزامنًا مع نزول شخص لم يتعرف عليه إلا عندما اقترب منه أكثر... وقف متصلبًا وهتف بدهشة :
" عم حامد.."
إنه عمها...من أطيب الأشخاص اللذين قد التقى بهما... سلم عليه بحرارة وهو يقبل يده باحترام قائلًا :
" كيف حالك يا عمي... والله إلي زمان ما شفتك..."

ربت حامد على كتفه وقال بصوته الوقور :
" كيفك يا ابني... شو أخبارك..."

"أنا الحمد لله بخير.. "

رمقه حامد بنظرة عتب رقيقة وهو يقول بطريقة مباشرة :
" ليه بطلت تسأل وبطلنا نشوفك... شو يعني اللي صار بخليك تقطعنا "

اضطرب واختلجت ملامحه إلا أنه قال باندفاع وهو يمسك ذراع حامد ويشد عليها بتأكيد :
" أبدًا... أبدًا ما بقدر أقاطعكم... وخصوصًا أنت يا عمي... يشهد الله إنك مثل الوالد ومعزتك بقلبي كبيرة... بس شو بده الواحد يحكي.. مشاغل ورا لقمة العيش.... أنت بتعرف ... "

ابتسم له ابتسامة سمحة أضاءت وجهه المجعد بعلامات الزمن والكبر وقال بصوت أثار بقلبه الطمأنينة... وكلام انشرح له صدره :
" عارف يا ابني... عارف وعاذرك.... بس الحياة بدها تستمر بوجودنا أو عدمه... بتعبنا أو عدمه... بمعاناتنا أو عدمها رح تستمر... ما دمنا ماشيين على طريق الحق وواثقين بحكمة وإرادة كل شي بهون..."

أطرق برأسه بإنصات واهتمام لما يقوله وما أن انتهى حتى قال بخفوت :
" ونعم بالله... "
نزل حامد بقية الدرج وهو يقول ببسمة طفيفة :
" يلا خليني أروح...."

أوقفه قبل أن يذهب وهمس بتلعثم والخجل يملئه :
" عمي... أنا كنت بدي أعتذر على اللي صار... أكيد أنت عرفت السبب.... الحقيقي ورا فسخ الخطبة.... بتمنى بس تتفهم أسبابي... أنا..."

قاطعه حامد وهو يرمقه بنظرة ذكية غامضة لم يفسرها بينما يقول بلطف :
" فاهمك ريان... لو أني مش متفهمك وزعلان منك كان ما شفتني واقف هسا وبحكي معك.... أنت ابني الثاني ومش عشان هالسبب ممكن أزعل وأقاطعك... بالنهاية الزواج قسمة ونصيب.... وأكيد كل واحد رح يكمل حياته بهدوء ويلاقي الشريك المناسب إله...."

توسعت عينيه... هل ما يقوله صحيح!.... بل هل ما فهمه من كلامه صحيح.... أيمكن أن يأتي يوم وتتزوج جيداء بغيره...... بغيره!!!
نظر لحامد بنظرة مصدومة يختبئ بها الرعب بشكل مكشوف يشعر بأنه فقد النطق بينما ألقى حامد السلام عليه ونزل الدرج خارجًا من البناية حتى أختفى عن عينيه.....
جيداء... جيداء
إن فعلتِ هذا سيصيبني الجنون... أو ربما أموت من القهر والعجز.... والألم

انتهى الفصل
avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 10:24 am


الفصل الرابع

ثاني يوم على معرفتها بما يحدث مع فاطمة... أو ربما الثالث.... عقلها مشغول تريد أن تبصرها على الحق وابعادها عن هذا الطريق... تشعر بأنها إن ماطلت وانتظرت أكثر لتطمئن لها فاطمة سيكون قد فات الاوان.... حائرة بشدة ولا تعلم كيف تتصرف....
أخرجت نفسًا متعبًا من بين شفتيها ثم رفعت ذراعها لتنظر لساعة معصمها التي استقرت على الساعة السادسة مساءً...
اليوم ومع أن ليس لديها تصوير بحفلة زفاف إلا أنها اضطرت للتأخر..
أمسكت بحقيبتها تشدها على كتفها ثم ركبت الحافلة تتزاحم مع باقي الأشخاص لترتسم بعينيها نظرة حسرة وهي تكتشف أن لا مقعد فارغ لها... كادت أن تنزل قبل أن يتحرك السائق إلا أن أحد الأشخاص قال أوقفها قائلًا بتهذيب وهو ينهض من مكانه :
" تعالي تفضلي أختي.."

فتحت فمها لتعترض لكنه ابتعد وعاد للخلف بعيدًا عن مقعدها فلم تجد إلا أن ترمي جسدها المتعب ممتنة له بداخلها على هذه الشهامة....
تتابعت الصور أمامها من الشباك إلى أن توقف نظرها على شيء محدد تزامنًا مع توقف الحافلة عند إشارة المرور... المدرج الروماني.... إحدى أبرز آثار بلدها وأقربها لقلبها.... مدرج ضخم كانت يعتبر قديمًا مسرح كبيرًا تجري فيه العروض المسرحية والغنائية.... وإلى الآن تقام به الحفلات والعروض....
ربما هو قريب لقلبها لأن منظره مهيبًا يجعلها تشعر بالفخر.... أو ربما لأنه كان بيومٍ من الأيام يحمل ذكريات صافية لا تشوبها شائبة ومحاطة بفقاعة حب كان من السهولة أن تتلاشى....

" والله إنك جبانة... إذا اختك الصغيرة طلعته كله وأنتِ واقفة مكانك..."

من على بعد عدة درجات تجلس متشنجة بخوف وهي ترفع رأسها ملتفتة له ولشقيقتها الصغرى حيث يقفان عند آخر درجة... عند القمة... هتفت برعب :
" ما بدي... إذا من هون وحاسة أنه رح يغمى علي... أنزلوا ريان بلاش يصير فيكم اشي وتوقعوا..."

لم تصلها إلا ضحكاتهما المستمتعة والساخرة منها فزمجرت بغضب طفولي ونهضت لتصعد الدرجات باندفاع نحوهما بينما انخفضت ضحكات ريان وهو يراقبها بحذر خوفًا من أن تقع وهي غير منتبهة.....شهقت فور أن استقرت بجانبهما وتمسكت بالحائط خلفها تحاول قدر الإمكان عدم رؤية الدرج من هذا العلو :
" كتير بخوف... حاسة رح نوقع ..."

امسك بكفه يضغط عليه بدفء...بيمما خجلت هي من نظراته لها... وتساءلت كيف يمكنها أن تتصرف بهذه العفوية أمامه... وهو الذي لطالما كان يلاحقها بالنظرات التي تمتلئ كلامًا وبالصمت الذي يفيض مشاعرًا.... وهي لطالما قابلت كل هذا بنفس الصمت.... تنتظر ولم يخب انتظارها....

" حبيبتي عادي ما رح يصير اشي اهدي أنتِ بس.... اطلعي على المنظر ما أحلاه..."

مستجيبة له رفعت رأسها ونظرت لما حولها بانبهار... عمّان كلها أمام عينيها... ببيوتها وقصورها وابراجها...
ابتسمت والتفتت له قائلة برقة :
" المنظر بجنن..."

" ولسا بكون أحلى بالليل بس بتعرفي بسكروه بكير..."

اومأت متفهمة ثم مالت قليلًا لتنظر شقيقتها وتقول ببشاشة :
" شو إسراء عجبك المشوار..."

أومأت إسراء وهي تبتعد عنهما لتلهو بينما استدار ريان لجيداء مبتسمًا وعينيه تشع بحب منعش ثم امسك بيدها اليمنى يتلمس خاتم خطوبتهما المستقر بخنصرها.. متسائلاً بلهفة شديدة:
" مو مصدق ويجي اليوم اللي رح ينتقل فيه هاد الخاتم لايدك اليسار.... متى جيداء... متى.."

لم تجد ما ترد به عليه واحمرت ملامحها حياءً فاخفض رأسه قليلًا وطبع قبلة رقيقة على كفها هامسًا :
" بحبك كتير..."
انزلقت دمعة وحيدة من زاوية عينها لم تحس بها وهي متشبثة بنظرها على المدرج إلا أن تحركت الحافلة فرمشت ومسحت وجهها باضطراب...
رباه... ماذا دهاها لتتذكر الآن ما يجب عليها نسيانه... ريان مجرد شخص عابر ويجب أن ينتهي من حياتها... ويجب أن تشطبه تمامًا من ذاكرتها...
توقفت الحافلة عند المكان الذي تنزل به دائمًا فترجلت منها وتابعت الطريق سيرًا دون أن تشعر بما حولها... وكأنها داخل صندوق مغلق... يخنقها ويزعجها... لكن لا يجعلها تشعر بمحيطها أبدًا...

********************
بعد اسبوع... وقت الظهيرة

راكضًا بجنون يسابق الريح بعد أن أخبره إحدى الصبية بوقوع صديقه بشجار مع إحدى شبان الحارة فترك كل ما بيده وذهب ليلبي نداء الأخوة...
وقف لوهلة مذهولًا وهو يشاهد حمزة يتعارك بالأيدي مع الشاب ثم أسرع إليهم هاتفُا :
" وحدوا الله... شو اللي صار..."

وقف بينهما وحال دون تشابكهما مرة أخرى زاجرًا :
" خلص..زلام انتوا مش ولاد صغار.."

وقفا يلهثان والشرر يتطاير من اعينهما ليقول بحزم :
" شو المشكلة..."

قال حمزة بغضب :
" ولا اشي خلينا نمشي"
حاول ريان أن يفهم ما الأمر إلا أن حمزة مشى من أمامه تاركُا أياه مع الشاب الذي التم عليه أصدقاءه.. نظر له بتساؤل ثم لحق بحمزة ليمسكه من كتفه ويديره إليه قائلًا بجدية :
" شو اللي صار حمزة..."

لاحظ بوضوح تهرب عينا حمزة من مواجهته فازداد قلقًا بينما يسمع رده :
" ولد حب يتولدن بس... بس انا حطيته عند حده"

ناداه ضاغطًا على أسنانه بقلة صبر :
" حممممزة"

تأفف ثم قال مسرعًا :
" صار يتفلسف عن شغله... حسسني إنه بشتغل وزير... خلص سيبك منه... "

صمت فور أن شعر أن النقاش يمس زاوية حساسة بالنسبة إليه... تنهد وقال بخفوت :
" وين كنت أنت... ليه مروح بكير... "

" اليوم أخذت اجازة وكنت جايلك بالطريق..."

عينيه لمحت من بعيد هيئة خطيبة صديقه السابقة فأمسك بذراع ريان حتى يسحبه معه بهدوء دون أن يجعله يراها ويقلب عليه المواجع... إلا أن الحظ لم يستجب له هذه المرة وريان استدار بسرعة فور أن سمع صرختها المتألمة...
................

تسير مبتهجة بين أزقة الحارة التي يقطن بها بيتها وهي تمسك بكيس كبير ممتلئ بحلويات وسكاكر هي أكيدة بأن شقيقتيها يحبوها ..... لقد استلمت راتبها اليوم وعلاوة على ذلك أخذت إذن بأن تغادر العمل مبكراً... تريد أن تقضي اليوم كله مع والدتها وشقيقتيها وتعوضهن ولو قليلاً عن غيابها المستمر عن البيت بحكم عملها... معرفة ما هن بحاجة إليه ولو انها متأكدة بأنهن لن يخبرونها حتى لا يثقلن عليها... كما دائما يقولن...... لا يعرفن كم أن وجودهن بحياتها هو المعين الذي يجعلها تصبر على مرارة العيش.... وعلى كدها المستمر بتوفير كافة احتياجاتهن من دون أن تمد يدها وتطلب من أحد.... سواء غريب ام قريب...
تنهدت بعمق ثم رفعت يدها لتنظر لساعة معصمها.... لم يبقَ وقتًا على عودتهما من المدرسة.... يجب عليها أن.....
" آآآآآآه...."

ترنحت بينما تتداخل الصور أمامها ويدها بتلقائية افلتت الكيس ليقع على الأرض وتتناثر محتوياته..... رمت جسدها على الحائط بجانبها تستند عليه ورفعت كفها تمسد على رأسها حيث تعرض لضربة كرة قدم أحست بها اخترقت دماغها اختراقًا.....
سمعت أصوات أقدام تقترب منها... ثم ذراع تمسك بها وصوت انثوي يتسلل إلى مسامعها :
" بسم الله عليكِ.. شو صارلك.... أنتِ منيحة يا بنتي..... ولك الله لا يعطيك العافية منك لألو.. شوفو شو عملتوا...."

حاولت التحرك قليلا والابتعاد عن الأصوات الموبخة والمعتذرة شاعرة بالحرج يغرقها غرقًا.... لكنها لم تستطع أن تفتح عينيها من شدة الضربة....
" جيداء... "
انتفصت فور سماعها لهذه النبرة القلقة.... نبرة مألوفة لسمعها حد الوجع... تعرفها وتحفظها مهما أنكرت.... والآن ليس الوقت المناسب لها.... ابدًا ابدًا...
" جيداء... أنتِ منيحة... ردي سامعيتني..."

همست بارتجاف وهي تحاول أن تعتدل بجسدها :
" أنا منيحة... ما صارلي اشي...."

فتحت عينيها ليقع بصرها عليه أولاً ثم ينتقل بتهرب لما حولها... حمدت الله على ابتعاد الناس عنها قليلاً... مسحت وجهها باضطراب وعدلت حجابها ثم نظرت للأسفل حيث ما اشترته سابقاً مفترش الأرض بعشوائية..... أصابها بؤس مفاجئ ورغبت بالبكاء بكل غباء ..
انحنت لتلتقطهم الا ان من تجاهلته همس بحدة :
" أنا رح المهم... ارفعي حالك...."

أرادت أن تعترض لكنها اعدلت عن ذلك وخصوصًا أن وقفتهما بهذا الشكل أمام جميع سكان الحي لم يساعد.... فتركته يفعل ووقفت تشيح ببصرها عن الجميع بحرج.....

أخذت الكيس منه فور أن انتهى وتحركت لتبتعد الا انه قال :
" بتحبي اخدك للمستشفى...نتطمن.... تتطمني...."

نظرت له نظرة امتزجت فيها العصبية والصدمة لتجده يبتسم بسخرية موجعة... وكأنه مثلها موقن صعوبة فعل هذا.... على الأقل منه...
لتقول بفم مزموم غضبًا... أو ربما توترًا... :
" لأ.... شكرًا الك... سيد ريان..."

وتركته مبتعدة غير مدركة بأن كلمة" سيد " التي سبقت اسمه.... احس بها تثقب قلبه من شدة وقعها عليه....

اقترب منه حمزة بتمهل وربت على كتفه قائلًا برفق :
" ريان..."

التفت إليه ووجهه قد استحال إلى لوحة جامدة لا تعابير فيها وقال ببرود وهو يتخطاه :
" تعال ادخل.. تأخرت على شغلي..."

بينما داخله يتعذب بالهمس القلق.... أحقًا هي بخير!

***********************
جلست مع شقيقتها قليلًا تتسامر معهما وتتطمأن على أحوالهما قبل أن تذهب إلى سريرها تريح جسدها المتعب عليه....وتخلص عقلها من التفكير... وتهدأ قلبها من الانتفاض....
ليلة وحيدة رغبت بها أن تستريح ولم تلقِ نفسها بهاوية الهموم.... مجرد ليلة واحدة وستعود كما كانت...

في الصباح أول شيء خطر على بالها هو موضوع فاطمة والحل الذي لم تصل إليه بعد...لكن وكأن الله وقف معها وأنقذها من التفكير والقلق.... رأتهما.... وهي بطريقها لموقف الحافلة رأت فاطمة والشاب يقفان على بعد خطوات منها وهذه المرة كانا يتكلمان.... بنفس اللحظة التفت فاطمة بوجهها قليلًا ولمحتها....
الرعب الذي ارتسم على وجهها كان غير طبيعي...ورأتها تصرف الشاب باضطراب دون أن تحسه بما حصل ثم تتحرك ناحيتها هامسة باهتزاز :
" جيداء... أنا..."

لم تبدِ ناحيتها أي ردة فعل حتى لا تشككها بأنها تعرف بالموضوع قبلًا.. ربما تكون ردة فعلها عكسية!....
قالت بهدوء بارد :
" مين هاد؟..."

مسحت فاطمة وجهها ثم عادت لتتلاعب بأصابعها بارتباك وهي ترد كاذبة :
" هاد.. ما.. ما بعرف.. كان يسألني عن محل "

رفعت حاجبها وقالت هذه المرة وهي تشد على كلماتها :
" مين هاد فاطمة... ما كنت أعرفك بتكذبي.."

ظلت مطرقة برأسها للحظات ثم رفعته لها بوجه شاحب ومقلتين دامعتين ثم هتفت ببكاء :
" ما عملت اشي غلط.. صدقيني.."

وضعت يدها على كتفها وضغطت عليه برفق قائلة بصوت لطيف :
" فاطمة اهدي... ما دامك مش عاملة اشي غلط لا تبكي... أنتِ زي أختي الصغيرة وأنا بس قلقت عليكِ... فإذا ما بدك إياني أتدخل خلص براحتك..."

هزت فاطمة رأسها نفيًا ثم مسحت وجهها وهي تقول بصوت يحمل آثار النحيب :
" مجرد شب تعرفت عليه.. وحبيته... وهو كمان يحبني قلي بس يصير معه مبلغ منيح رح يتقدملي..."

قضمت شفتيها قلقًا.. فيبدو أن ذلك الشاب قد لعب عليها وهي صدقته ببساطة... ابتسمت وقالت بتروي :
" طيب أنتِ كيف صدقتيه... كيف وثقتِ فيه.."

هتفت فاطمة بانفعال :
" وليه يكذب مثلًا... لا مستحيل أنا متأكدة إنه بحبني..."

حافظت على ابتسامتها رغم الخوف الذي تشعر به وقالت بنبرة رفيقة :
" طيب... شو رأيك عشان نتأكد تعملي شغلة رح احكيلك عنها.. ووقتها إذا طلع بحبك عنجد رح وقف جنبك اكيد "

بفضول ولهفة نظرت لها فاطمة متسائلة :
" شو هو... "

التفتت ومشت لتسير الأخرى بجانبها وقالت بنبرة عادية :
" احكيله انه أخوكي عرف إنك بتحكي معه... وإنه عصب كتير بس أنتِ روقتيه وحكتيله إنه رح يجي يخطبك... وإنه بستناك بالبيت... وشوفي رده... "

أبدت فاطمة علامات التردد على وجهها فظلت جيداء على نفس الابتسامة وربتت على خدها قائلة بأخوة :
" فاطمة حكتلك انتِ مثل أختي وما بدي غير مصلحتك بس... ألك القرار طبعًا... "

وودعتها... متمنية بداخلها أن تفعل ما قالته حتى تريح ضميرها بالكامل.... وحتى لا تضطر للتدخل أكثر... فهذه منطقة خطرة... كل ما يتعلق بريان خطر وتحاول الابتعاد عنه قدر الإمكان....

وقد كان.. تحققت أمنيتها ورأت فاطمة تنتظرها أسفل العمارة وعلى وجهها ألم.... برموش مبللة وعينين منتفختين....
وقفت تنظر لها ببعض الشفقة... لا يمكنها أن تلومها إنها فتاة مراهقة في سن ما زال يكتشف الحب ويبحث عنه عند أي أحد... ويصدق خدعه بكل سهولة....
اقتربت وقالت بهمس :
" صباح الخير..."

لتنفجر فاطمة ببكاء طفولي جذب بعض الأنظار إليهما وهي تقول بحسرة :
" معك حق... بعد ما حكتله هالحكي اختفى تمامًا وبطل (لم يعد) يرد على التلفون.... كان... كان كذاب"

لم تلحق لتواسيها وتهدأ من بكائها إلا وهي ترى ريان يخرج من محله فجأة حتى لمحهما فتقلصت ملامحه قلقًا وأقبل عليهما هاتفًا :
" شو اللي صار... شو مالك بتعيطي فاطمة... "

رباه!... ما هذا الموقف المحرج.... لم تتوقع أن فاطمة ستبكي بهذا الشكل... توترت فور أن سلط ريان نظراته عليها يسألها :
" أيش مالها فاطمة...حدا اتعرضلكم"

رفعت فاطمة رأسها ورأتها توشك على الأقدام على تصرف أغبى ما يكون... وهو الإفصاح.... لتتقدم منه غير واعية بقرب المسافة وتقول بعجلة :
" تهاوشت مع صاحباتها وشفتها بالطريق.."

لمحت بنظراته تشكك لتبتلع ريقها وتستدير لفاطمة وتحدجها بنظرة تحذير خفية :
" خلص ما بستاهلوا تعيطي عشانهم... اهتمي بدراستك احسنلك...عشان تجيبي أعلى المعدلات..."

ثم رفعت نظرها لريان المتأمل الصامت... فأصابها خجل مفاجئ أثار حنقها لتقول مسرعة :
" أنا لازم أروح.. عن اذنكم"

راقبها شاردًا حتى اختفى خيالها عن ناظره... وكاد أن ينسى وجود شقيقته بجانبه إلا أنها أفصحت عن وجودها بسؤال ضغط على الجرح النازف أكثر :
" ريان... ليه تركت جيداء... والله إنها بنت منيحة..."

انتهى الفصل
avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 10:26 am

الفصل الخامس

دخلت البيت وهي تلهث من سرعة خطواتها...هي لم تصدق أن ابتعدت عن محيط ريان الذي أثار بها ذكريات لم ترغب بتذكرها.... متى ستعتاد على رؤيته دون أن تتألم..دون أن تحس بنغزة في صدرها....إنها لا تصدق ويأتي هذا اليوم... ربما تكمل حياتها بطبيعة دون أن يكون لهالة ريان وجود....

دخلت غرفتها واستلقت على سريرها.... لقد كشفت فاطمة كذب الشاب وكم تتمنى ألا تعاند وتعود لنفس الأمر.... فتاة في السابعة عشر من عمرها ما الذي يجعلها تلجئ لهذه القصص..... حقُا لا تدري... ولا تريد أن تدري حتى لا تجد نفسها داخل محيط ريان وعائلته مجددًا....
سمعت دقات الباب الخفيفة ثم دخول والدتها وهي تقول بدهشة :
" أجيتي حبيبتي... ما شفتك..."

ابتسمت لها باعتذار وهي تعتدل جالسة :
" كنت تعبانة وبس بدي أمدد جسمي..."

بانت سيماء التعاطف على وجه والدتها إلا أنها قالت بحماس :
" طيب قومي غسلي وغيري أواعيكِ.... هي الغدا جهز.... عملت أكلتك المفضلة.. مقلوبة على كيف كيفك... "

أطاعتها شاعرة بأن عصافير بطنها بدأت تستغيث طالبة بعض الغذاء وبعد ربع ساعة كانت تفترش الأرض هي ووالدتها وشقيقتيها أمامهم صحن كبير من (المقلوبة) وصحن آخر من السلطة وآخر من اللبن لا تؤكل بدونهما....
كانت تأكل بصمت شديد وجوع أشد بينما تراقب أفراد عائلتها بتفحص... تدعي بداخلها ألا تحرم منهما... وإن تكون على قدر المسؤولية لنهاية حياتها... لاحظت ارتباك شقيقتها وتهامسهما بين بعضها البعض لتعقد حاجبيها وتقول بنبرة مرحة :
" عن شو بتحكوا أنتوا الثنتين...بدي أعرف..."

توترتا ولم تنبسا ببنت شفة لنترك المعلقة من يدها وتعبس قائلة بحزن مفتعل :
" يعني اشي سري وما إلي دخل أعرفه أفهم من هيك... طيب ماشي على راحتكم..."

أطرقت برأسها منتظرة بينما تسمع همسات مرتبكة وصوت ضحك والدتها المكتوم لتقول إسراء بشجاعة دون أن تبالي برفض الأخرى :
" في عنا رحلة بالمدرسة..."

رفعت رأسها ونظرت لهما بتدقيق لتقول شيماء هذه المرة باندفاع :
" بس ما بدنا نروح... "

سألت بهدوء :
" ليش؟ ... "

ردت بخجل وهي تتلاعب بصحن الطعام خاصتها :
" لأنه المكان مش حلو... و.."

قاطعتها إسراء بجرأة :
" لا مش عشان هيك.... عشان الرحلة غالية وما بنقدر ندفع "

ارتفع حاجبيها عاليًا وشعرت ببعض الحرج إلا أنها قالت بابتسامة مفتعلة :
" ومين حكى إنه ما رح تروحوا... "

نظرتا لها الفتاتان بترقب لتتابع وهي تقرص وجنة إسراء بشقاوة :
" يلا أحكولي وين رح تكون الرحلة... "

" ما في داعي يا بنتي...هاي مصاريف زيادة "

هزت رأسها نفيًا وبعناد قالت :
" لأ... إحنا مش دايمًا بنطلع من البيت... خليهم يمشوا شوية هوية... "
ابتسمت لشقيقتيها بحب فأهدياها نظرة كانت أحوج إليها من أي وقت.... ماذا تقول.... إنهما شقيقتها واللتان مهما بذلت لن تعوضهم عن وجود والدها والتنعم بأحضانه أبدًا...

************************

بعد أن تأكد من صعود شقيقته للبيت لم يدخل معها بل نزل إلى الحي ماشيًا بشوارعه الضيقة وكأنه يستكشفه من جديد.... زاوية... حارة.. بيت كل هذا يحفظه بصمًا لكن لا يدري لمَ يمشي بهم ويتطلع بتدقيق لكل شيء.... ربما ليشغل عقله عن التفكير بشيٍء آخر... عن طرد صورة جيداء وهي تقف أمامه مرتبكة مضطربة دون أن تظهر القسوة على ملامحها كما كانت تقابله بها كل مرة..... اشتاق لهذا الوجه.... المحمر خجلًا والذي كان كل مرة يراها به يؤكد له أن جيداء هي.... حب عمره... وأنه لم يعرف الحب إلا معها .....
إنساب تساؤل شقيقته البريء إلى مسامعه..... " ليه تركت جيداء"
ليرد على السؤال همسًا بسره :
" لأني غبي.... ولأني عاجز وبطلت أستحمل... ولأنه الحياة أجت علي وظلمتني كتير حتى بطلت ألحق آخد نفسي...... ولأني....ولأني مهما بررت وشرحت ما حدا رح يحس فيي.... ما حدا رح يحس قديه أنا مستسخف حالي وحاس أني نقطة صغيرة مهملة ما إلها هدف..."

بعثر شعره وهو يحرك رأسه بشتى الاتجاهات بعشوائية ليقع بصره على إحدى الأشخاص... رجل عجوز قد رسم الزمن علاماته على وجهه بقسوة... فبان متجعدًا مترهلًا بحزن... يجلس على الأرض ويضع بحجره علبة صغيرة تحتوي على لبان" شعراوي " رخيص الثمن....وينادي ببيعها
توجه نحوه بخطوات بطيئة متعبة وارتمى بجانبه قائلًا :
" كيفك يا حج..."

نظر له العجوز بتشوش وقال بصوته المتحشرج :
" منيح... منيح... الحمد لله"

مد كفه والتقط حبة من اللبان ليفتحها ويلوكها في فمه ببطء بينما ينظر له العجوز بريبة فما كان منه إلا أن قال بهدوء :
" بدي أشتري العلبة كلها كم بطلع حقها..."

ازدادت نظرات العجوز دهشة وتعجب فابتسم بوجهه ابتسامة لطيفة وادخل يده بجيبه ليخرج المال منه... فلم يكون إلا خمسة دنانير حمراء.... وضع المال بكف العجوز وامسك باللعبة ونهض مبتعدًا بغنيمته تشيعه دعوات العجوز المبتهجة بالفرج...

ضحك بخفوت فور أن استقبلته والدته بالنظرات المصدومة وهي تحدق بعلبة اللبان بشك.. تستغرب وجودها المبهم إلا أنه لم يبرر لها وولج لداخل البيت مناديًا :
" فاطمة.... فاطمة..."

بلمح البصر كانت تقف شقيقته أمامه باضطراب فطالعها بتفحص شديد... ما حصل صباحًا جعله يمر مرور الكرام ظاهريًا لكنه لم يخرجه من باله.... قال فجأة :
" ليه كنتِ تعيطي الصبح... وبشو كنتِ تحكي مع... مع جيداء..."

بعثرت نظراتها بعيدًا عنه وهي تجيب بتلعثم... فيا ويلها إن درى ريان بما حصل معها... وما كانت تفعل بكل غباء.... ربما سيقتلها... فهي تدري كم هو عصبي ثائر :
" حكتلك... تهاوشت مع صاحباتي.... وجيداء بالصدفة مرت من الطريق.... بس هسا خلص نسيت موضوعهم ورح أركز بالدراسة أكثر... "

ثم رفعت له نظرات رقيقة مما جعل ملامحه تسترخي فاقتربت منه وعانقت ذراعه قائلة بهمس :
" أنا آسفة ريان لأني كنت مغلبيتك... ما رح أعيدها ورح أركز على دراستي وأجيب أعلى العلامات... "

وبداخلها تعلم أنها تعتذر أيضًا عما كادت ستفعله بشقيقها... لم تستغرق وقتًا لتدرك حجم خطأها.... فهي فور أن عادت جلست تسترجع كلام جيداء ووقتها أدركت كم كانت غبية وهي تجري نحو حب كاذب وخادع....
استغفرت الله ورفعت رأسها لشقيقها الذي ربت على شعرها بدفء ثم تحرك لغرفته... نظرت له بشرود ثم التفتت لوالدتها وقالت بقلق :
" ماما.. ريان مبين عليه مهموم..."

تنهدت والدتها وقالت ببؤس :
" مهموم وبس؟.... ما بحكي إلا الله يفرجها عليه وينور طريقه..."

ثم دخلت المطبخ تاركة إياها تفكر.... ما الذي يمكن أن تفعله لتعيد البسمة على وجه شقيقها... وليعود ريان كما عرفته...

************************

" عمي.. بس أنا قلتلك إني رافضة تمامًا للزواج حاليًا... "

نطقت تلك الكلمات وهي تشعر بضغط شديد.... ونزق أشد لكنها رفضت إظهاره أمام عمها احترامًا له... ليبستم لها بسماحة ويقول :
" بعرف.. والزلمة رد حالي أسألك مرة تانية لأنه مُصـّر وبده إياكِ..."

فركت جبينها ولم تعرف ماذا تقول... خيار الرفض واضح أمامها ولا مجال لتغييره... لكنها لا تعرف كيف توصل هذا الرد لعمها بطريقة تجعله يتفهمها.... إنها ببساطة تخجل...
تطلعت حولها ببعض التفكير... والتهرب إلا أنها ما لبثت أن قالت بتعثر :
" بس عمي... أنا.. ما بقدر... ما بقدر.."

قطب عمها بقلق وسأل :
" ليه يا عمي... شو السبب..."

" أنا فسخت خطبتي من وقت قريب... و كمان لسا.... يعني.... ما نسيت... فكيف بدي... أدخل بعلاقة زواج جديدة.."

هز عمها رأسه بتفهم وقال بعطف يقنعها :
" أنا عارف هالاشي حبيبتي... بس الواحد مو لازم يضل مكبل حاله بالماضي... لازم يستمر صح ولا لأ.. "

أطرقت رأسها ببؤس وشفتيها بدأت بالارتجاف.... أيا ريتها تفعل ذلك... أن تنسى وتمضي بحياتها وكأن شيئًا لم يكن.... لكنها لم تستطع لحد الآن..... لقد أحبت ريان بكل مشاعرها..... أحبته وما زالت تحبه بكل صدق... فكيف يمكنها أن تخفي هذا الحب وتبعثره بكل الأرجاء دون أن ينهز لها رمش؟

نظرت له برمشين مبللين وقالت بنبرة مرتعشة :
" معلش عمي... بس هسا أنا مو مستعدة للموضوع..."

ربت على ظهرها فشعرت برغبة أن ترتمي بأحضانه....علها تشم به رائحة والدها المرحوم... لقد اشتاقت له... هو سندها الحقيقي....هو الحنون الذي ليس له نسخة بالوجود..... والدها قطعة من قلبها فقدتها بموته....
تتذكر كم كان عطوفًا وبنفس الوقت حازمًا.... تتذكر يوم أن انتهت من الثانوية العامة وأخبرته بأنها ستؤجل الدراسة لوقت آخر بسبب ضيق العيش.... كم رفض وقتها وكم غضب منها...وبقي معها خطوة بخطوة حتى تخرجت ووقتها فقدته....
وكأن عمها فهم احتياجها فأحاطها بذراعيه وهمس فوق رأسها بنبرة دافئة :
" انتِ مثل بنتي الكبيرة جيداء... ما عمرك تستحي تحكيلي شو اللي لازمك وشو اللي ناقصك... ماشي..."

اومأت برأسها وارتكت على صدره قليلًا.... تمد نفسها بالطاقة لتستمر بمجابهة الحياة مجددًا...


" خلص أدخلي على الغرفة ما بصير تتسمعي هيك... عيب..."

نطقت شيماء تلك الكلمات بقوة موبخة شقيقتها الفضولية لتلتفت إليها اسراء قائلة :
" سمعتِ شيماء.... جيداء جاييها عريس... عريس واحد تاني..."

ثم ما لبثت أن عبست متمتمة :
" وعمو ريان... أنا كنت أحبه"

سحبتها شيماء بقوة وأدخلتها الغرفة وهي تهتف بجديتها المعروفة :
" خلص قلتلك... هاد الناقص..."

تطلعت لها بعدم رضا ثم رمت جسدها على السرير تتابع دراسة موادها بينما تقف إسراء مكانها وتتذمر بلا انتهاء

***********************

على الفطور... اجتمعت العائلة الصغيرة الفاقدة إحدى طرفيها.. ممثلان بالأب والشقيق الأصغر... تجلس وتتناول الطعام ونظراتها تميل كل قليل للمقعدين الفارغين.... وتتمنى أنهما موجودان ليكملا هذا النقص الذي يخيم على الأجواء....
تنهد ريان وشرب رشفة من كأس الشاي الصغير مستلذًا بحرارته اللاذعة ليصله صوت شقيقته فاطمة :
" ماما.... مبارح شفت شيماء وأختها كانوا رايحين عند بيت عمهم..."
رفع نظره بلمح البصر ينتظر التكملة بفارغ إلا أن رنة سريعة على هاتفه شتتت انتباهه ليمسكه ويتفحص الرسالة بينما تكمل فاطمة حديثها وهي ترمقه بطرف عينها بنظرة ماكرة...
الرسالة كانت من حمزة... " ريان بستناك كمان ربع ساعة عند باب ورشتك لقيتلك شغل من الآخر... "

بينما تصله جملة من فاطمة بعثرته وجعلت أعاصير تدور بصدره...
" وحكتلي إنه جيداء جاييها عريس..."

هب واقفًا فوقع المقعد من خلفه واصطدم بالأرض بعنف... أما هو خرج من البيت..
الدماء تغلي وتفور برأسه فور أن تأكد من شكوك كان ينفيها...
ويستصعب حدوثها بخياله حتى....
لكن أن تقابله وجهًا لوجه... هذا ما كان لا يتوقعه...
محال... محال أن يرى جيداء تزف لغيره وهو يقف كالطفل العاجز ويتطلع عليها تغادر حياتها للأبد....
محال وعلى جثته أن يسمح بحدوث هذا....
طرق باب المنزل خلفه بعنف ثم نزل الدرجات القليلة التي توصله لبيتها ووقف أمامه يتأمله ويتمنى لو يستطيع تدميره والدخول ليسحبها من ذراعها ويصرخ بوجهها.... هل ما سمعته صحيح... هل تريدين التحليق بعيدًا حيث لا أجدك.. ولا أراك... ولا حتى أسمع صوتك...!!
وكأن تفكيره العنيف بها جعلها تخرج من رأسه وتتمثل أمامه... إذ فـُتح الباب على حين غرة وظهرت من خلفه بجلبابها وحجابها الأنيقين... فور أن رأته انتفضت وعادت للخلف ثم وضعت يدها على صدرها قائلة بنزق :
" بسم الله الرحمن الرحيم... خوفتني..."

تمتمت بما لم يسمعه همسًا ثم6رفعت نظراتها الفضولية له مستفسرة بجفاف :
" في اشي.؟؟..."

اقترب منها خطوة وصدره يعلو ويهبط بقوة... متفرسًا بها بعينيه القاسيتين ثم تمكن من الهمس بصعوبة :
" سمعت إنك بدك... تخطبي..."

رغم الدهشة التي ظهرت على وجهها إلا أنها قوست حاجبيها وقالت ببعض الفظاظة :
" ما اعتقد هاد اشي بخصك...."

فقد أعصابه وامسك بذراعها وسحبها نحوه بعيدًا عن الباب لتطلق شهقة خافتة سرعان ما كتمها وهو يقول بنبرة منخفضة.. إلا أنها صارخة بمحتواها :
" خصني ونص... فهمتِ... يمكن أنت باعتقادك أنك خلصتِ مني... بس لأ أنا رح أكون زي ضلك إذا فكرت بهالموضوع مجرد تفكير "

ساد صمت بينهما... صمت عصيب لم يتخلله إلا أنفاسه المتسارعة وأنفاسها المكتومة ليبتعد خطوة فور أن لاحظ هذا القرب الذي لم يعد له حق فيه وألقى آخر كلامه قبل أن يبتعد :
" إذا حابة تشوفيني بيوم من الأيام مرمي بالسجن... أو بالشارع حتى.. بطلت فارقة... أعملي اللي براسك..."

دفعته من صدره وتحركت جانبًا تنهت بانفعال ثم نظرت نحوه نظرة دامعة اوجعته وقبل أن يتفوه بحرف سبقته بأن قالت بنبرة تفطر القلب :
" ليش عملت هيك..."

انتهى الفصل

avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 10:27 am

الفصل السادس

" ليش عملت هيك... "

تراجع خطوات مترنحة للخلف وهي يحدق بها مبهوتًا بنبرة الوجع التي نطقت بها شفتيها... وبلمعان عينيها وكأنها ستبكي بأي وقت.... فتح فمه ليتكلم... ليرد.. ليدافع عن نفسه ثم أطبق شفتيه بصمت... ثم عاد ليفتح فمه قائلًا هذه المرة بخفوت مع بسمة ساخرة من نفسه :
" لأني غبي..."

عقدت حاجبيها وقسمات وجهها تتعقد أكثر وتتألم أكثر بينما يتابع بجمود :
" لأني غبي... ولحد هسا غبي.."

انهمرت دموعها بضعف أمام عينيه المنكسرتين ثم قالت بغضب :
" لا.. لأنك قررت تستغني عني وما فكرت إنه اللي يحب بوقف جنب حبيبه في الوقت الحلو والصعب... كنت مفكرني وحدة تافهة ومادية ورح تستغني عنك بس لأنك بتمر بوقت صعب ..."

هتف باسمها معترضًا فلم تسمح له ليتكلم وهي تخرج كل ما خبأته يصدرها من خيبات وأوجاع متتالية...
تفصح عما بداخلها... ويفصح هو عما بداخله
" بس... يا.. يا ريان أنا مثلي مثلك... ما عندي هالسيارة الفارهة والا القصر الكبير... ولا الوظيفة المرموقة.... أنا مش أعلى منك ولا بعمري عايرتك... بس.."

قطعت كلامها عندما أقترب منها باندفاع ثم توقف على بعد خطوات وهو يرفع كفه ويمسد به خصلات شعره ببعض القوة وهتف بعصبية :
" ما رح تفهميني... ما حدا رح يفهمني.... بدك أحكيلك إياها صريحة.. طيب ماشي... أنا بموت كل يوم من احساسي بالفشل... وبالفقر.. بعافر عشان أجيب لعيلتي مصاري حلال وعشان ما أخليهم يحتاجوا حدا.... الفقر بهد جبال وأنا مش بهاي القوة اللي أنتِ معتقدتيها..... أنا مش قوي... "

يتعجب من نفسه... كيف انسابت الكلمات على شفتيه وبثها ضعفه وقلة حيلته بدون حرج يكبله..... لكنه سيفعل أي شيء... أي شيء ليمحي هذه النظرة من عينيها والتي تتهمه ضمنيًا بأنه لم يحبها يومًا...
إن لم يكن يحب جيداء إذًا من يحب! ...
إن لم تكن جيداء هي العشق بأطهر معانيه إذًا من هو العشق!...

مستعد ليفعل أي شيء حتى لو أظهر نفسه أمامها بحجم حبة العدس.. كله يهون أمام عدم تصديقها لحبه....فهي إن لم تصدقه لا يظن بأنه سيستطيع الاستمرار...

رآها ترفع كفها وتغطي بها عينيها لوهلة من الزمن ثم بدل تتحرك للمغادرة وبدلًا من أن تتجاوزه وتكمل طريقها استدارت للباب البيت وفتحته ثم ولجت للداخل مغلقة الباب خلفها بهدوء تام......
تصلب مكانه والسكون الذي حوله يخيل له أن جيداء لم تكن أمامه قبل قليل.... لم يتعاتبا ولم يتواجها بما يتهربان منه.... إلا أن رنة هاتفه العالية جعلته ينفي شكوكه ويرفع الهاتف ليرد على صديقه :
" اه حمزة... في أشي."

قال حمزة بعجب :
" ما شفت الرسالة...!"

مغيبًا عما حصل قبل رؤيته لجيداء استفسر :
" أي رسالة يا زلمة..."

ثم ما لبث أن ضرب جبينه متذكرًا الرسالة التي بعثت إليه قبل قليل فقال بسرعة :
" اه... اتذكرتها..."

" اسمع لقيتلك شغل رح يعجبك... انزل على الورشة هيني بستناك..."

أقفل الخط ونزل بعد أن ألقى نظرة كئيبة على باب بيتها وهناك سحبه صديقه من ذراعه وادخله المحل وهو يهتف بحماس أدهشه :
" ادخل.. ادخل..."

تكتف واستند بجسده على المقعد الخشبي وهو يقول بفتور :
" احكيلي شو الشغل اللي جايبه لنشوف... "

لم يبالِ حمزة بقلة حماسه الظاهرة وراح يشرح بهمة :
" بتعرف مصنع ******* هاد المصنع مشهور كتير وأنا سمعت من واحد من زملائي إنهم طالبين موظفين هناك.. "

انقبضت ملامحه بنفور وتمتم رافضًا :
" ما بحب شغل المصانع..."

تنهد حمزة واقترب منه يضغط على كتفه بحركة تشجيعية وهو يقنعه :
" ريان... أنا أكثر واحد عارف قديه أنت بحاجة لوظيفة منيحة وتفيدك... والفرصة اجتك لعندك فليش ترفضها أحكيلي.... مش يمكن هاي الوظيفة تكون إلك أمل باستعادة كل شي فقدته..."

الأمل... مجرد كلمة صغيرة لكنها كافية لتنشر فراشات داخل بطنه... وترسم ابتسامة حقيقية افتقدتها طويلًا.... لكنها إن اختفت واكتشف بأنها ما كانت إلا وهم فهي كافية أيضًا لتقلبه رأسه على عقب...
فهل هو وهم متمثل ببقائه متحسرًا...
أم هناك أمل متمثل بعودة جيداء....

لم يستطع مقاومة الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيه بعد طول عبوس ونظر لصديقه وذاك الأمل يلتمع بعينيه بينما يقول بحاجة للتأكيد :
" أنت شايف هيك حمزة... متأكد إنه الوظيفة رح تفيدني.. رح..."
ابتلع ريقه بخجل عن استكمال حديثه ليبستم له حمزة ثم يضرب على ظهره ببعض القوة المازحة هاتفًا :
" إذا استغلت رح تشوف بعينك.. هاد مش أي مصنع فما تضيع الفرصة من أيدك... وأنا رح أكون معك خطوة بخطوة.... "

تأمله لبعض لحظات دون أن يجد في نفسه القدرة على الرد ثم تقدم منه واحتضنه هامسًا بامتنان شديد :
" شكرًا كتير... مش عارف كيف رح أردلك معروفك..."

" بتردلي إياه بعرسي...أوعى تفكر إني رح اتغاضى عن النقوط وما رح أوخذ منك... "

ضحك بمرح... ضحكة تحمل معاني كثيرة.... وتطلع كبير بعودة جيداء... لأن تكون تحت ظله مرة أخرى... ولأن يخبرها كم يحبها ويحبها... ويحبها...

**********************

" اه.. وشو كان ردك... رح تفكري بالموضوع ولا لأ... "

دون أن تتوقف عن ما بيدها ردت ببرود :
" لأ... على الأقل مش بهاي الفترة..."

ثم رفعت رأسها لزميلتها ديانا وهي تستطرد بعجز وقد تخلت عن برودها المصطنع :
" ما بقدر... ما رح أقدر..."

نظرت لها ديانا بتفكير عميق ثم جلست بجانبها متسائلة بذكاء :
" شو صار اليوم معك..."

ارتبك وجهها وقالت بتلعثم :
" شو بده يكون صار يعني.. "

استمرت ديانا بنظراتها المتفحصة وكأنها تكتشف المستور فتنهدت وقالت بحياء :
" بس... شفته.. وشكله سمع من حدا إنه اجاني عريس... ما بعرف مين حكاله..."

تحول الحياء بعينيها إلى نظرة حزينة وهي تقول ببعض التعجب :
" اليوم لقيت حالي بعاتبه... تخيلي ديانا بعد ثلاث أشهر عاتبته لأنه تخلى عني...كنت مفكرة إني ولا بعمري رح أعمل هيك... ما رح أذل حالي إله بس... بس طلعت غلطانة... "

أسندت ديانا كفها على خدها وقالت بتفهم :
" بس هاد مش ذل... أنتِ بتحبيه... وهو بحبك... فالعتاب اللي صار بينكم هو دليل على حبكم مش أكثر.... جيداء حاولي تفهمي ريان... استرجعي أسبابه وشوفيها من وجهة نظره... حاولي بس "

أطرقت لعدة ثواني تقلب كلامها برأسها ثم بعدها هزت رأسها وهي تقول بقنوط :
" بس احنا... احنا ما رح نرجع لبعض... بالأصل ما كنا لبعض.... "

" وشو عرفك.... أنتِ أدرى بإرادة الله ولا شو... "

أسرعت تنفي باندفاع :
" لأ طبعًا.. والنعم بالله... بس.. بس في اشي انفقد بينا....ما بعرف إذا رح يرجع..."

قالت ديانا قبل أن تنهض وتترك لها مساحة لنفسها :
" عند الله كل شي بهون... واللي كاتبلك إياه رح يصير..."

لا تدري لمَ عاد ليطرق هذا الموضوع جدران عقلها.... بعد مواجهتها اليوم مع ريان اختبأت بالبيت تقف خلف بابه تلتقط أنفاسها... وتتساءل... هل كان سيحدث ما حدث لو أنه لم يثور بمجرد سماعه باحتمالية خطبتها من جديد.... هل كانت ستعاتبه كما فعلت صباحًا... وهل كانت ستفكر بأسبابه الذي قالها لها بمنتهى الحرقة.....
لطالما كان ريان في فترة خطوبتهما متحفظ في الحديث عن الأوضاع المادية...وهي رغم معرفتها بالحال تجاهلت أن تناقشه معه...لكن كل شيء انفجر عندما توفي شقيقه بحادث في المصنع الذي يعمل به..... بدا ريان وكأنه استوعب وضعه بصراحة ودون تشويش...
حاولت كثيرًا أن تتكلم معه لكنه بنى حاجزًا من جليد بينهما حتى أصبحت تنتظر اللحظة التي سيخبرها بها إن لا نصيب بينهما.... وحدثت هذه اللحظة... وكم كانت قاسية... كالحجر....
بعد عدة ساعات.... انتهى عملها لهذا اليوم وودعت ديانا ومضت عائدة للبيت فبدت وكأنها دخلت بفقاعة سحرية أوصلتها المنزل بسرعة البرق.... حقًا لم تشعر بالطريق أبدًا....
همت لتدخل البناية إلا أنها أوقفت خطواتها وحانت منها التفاتة لمحله فوجدته مغلق... تنهدت بتعب.... ريان.. ما الذي تفعله بي.... هل يمكنك أخباري!..

*****************

مضى شهر بعمله الجديد... شهر أحس بطعم الفرحة فيه... وبطعم الانتظار... وبطعم الأمل واضحًا لا مجال لتشكيكه....
هل هذا فرج من الله.... أأستجاب الله دعوة والدته.. ودعوة صديقه... ودعوة عجوز اشترى منه علبة لبان رخيصة الثمن... بالفرج...
قطعًا استجاب.... وإلا ما هذا التغيير الذي يشعر به... ما راحة البال التي تغزوه....
ومع هذا هو لم يتوقف عن العمل بورشته... يفتحها كل فترة قدر استطاعته ووقت فراغه...

والآن حان وقت ما يفكر به منذ فترة.... كان بإمكانه الانتظار وقت أطول حتى يؤمن نفسه... لكنه خائف... ببساطة خائف من أن تضيع جيداء منه.... ومشتاق... مشتاق إليها...

دخل البيت لتقابله والدته ببسمتها الحنونة فانحنى على كفها وجبينها يقبلهما قائلًا :
" كيفك يمه..."

مسحت على رأسه وقالت بحب جارف :
" منيحة.. بألف خير بشوفة ضحكتك..."
ابتسم لها ثم امسك بكفها وسار ليجلس على الأريكة وأجلسها بجانبه....وصمت
بقلق قالت تحثه على الحديث :
" خير ريان صاير اشي..."

نظر له بخجل أذاب قلبها ثم أطرق بنظراته وهو يتمتم :
" بدي.. بدي أفتح معك موضوع مهم..."

ربتت على كفه وقالت :
" خير إن شاء الله..."

ليلقي ما بجبعته مرة واحدة :
" بدي أرجع أطلب ايد جيداء..."

انتهى الفصل
avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الخميس أكتوبر 18, 2018 12:42 am

بنبضات قلبه تزيد وتخفق بقوة فور أن أخبر والدته بقراره... قرار أخذه بعد صراع كبير بين عقله وقلبه... فعقله يخبره بأنه لم يستقر بعد ولم يملك من المال الكثير...وقلبه يخبره بأن تعب وأنهك من البعد... وبأنه يستطيع جمع راتبه وتوفيره وخصوصًا بأن الراتب لم يكن قليلًا....
ليستقر على هذا القرار.... جيداء قطعة من قلبه... بل كل قلبه وهو لن يستطيع الانتظار أكثر... لن يستطيع...
" متأكد ريان... هاد مش لعبة..."

بعتب رقيق تحدث :
" قديه شايفة عمري يمه عشان ألعب... أنا بحبها.... وما نسيتها... وبدي أتزوجها..."

ثم تربع أمامه متابعًا بلهفة :
" أخذت أول راتب ووفرت منه جزء ورح أعمل هيك كل ما آخذ راتب بآخر الشهر حتى أقدر أأجر شقة ونجيب أثاث...أنا هالمرة رتبت الموضوع وما رح أعيد غلطتي زي قبل.... "

تجهمت ملامحه بالقلق وهو يهمس :
" بس... بس معقول يقبل عمها.... أنا بعرفه شخص طيب.. بس أنا... أنا خايف"

تأملته بعطف لوهلة ثم فوجئ بها تضمه ليغرق رأسه بدفء صدرها ويهدأ قلقه على همساتها :
" ما تخاف حبيبي... إن شاء الله خير... ربي يجبر بخاطرك "

تمسك بها أكثر متمتمًا بتضرع :
" إن شاء الله... يا رب "

صوت تحركات مزعجة جعلتها تفتح عينيها من نوم عميق متحسرة على يوم ربما كانت ستنام نصفه مستغلة إنه عطلة....
تمطت بانزعاج ثم سحبت اللحاف عن جسدها ونهضت مترنحة نحو باب غرفتها لتخرج وتواجه فوضى تامة بالبيت...

حكت شعرها المبعثر وقالت بعدم استيعاب :
"  ايش بتعملوا..."

استدارت لها والدتها المشغولة بتكنيس الأرضية وقالت :
" صباح الخير... قاعدين بنظف البيت...جايينا"ضيوف  

تساءلت بفضول :
" مين هما الضيوف..."

رمقتها والدتها بنظرة غامضة بها شيء من الفرحة وقالت :
 " رح تعرفيهم اليوم..."

نظرت لها ولشقيقتيها اللتان تنظفان بريبة... ثم تثاءبت وتقدمت منهم تقول بنعاس :
" بشو أساعدكم... "

قالت والدتها برفض :
" ولا بأشي... روحي كملي نومتك عشان تصحي فايقة ونشيطة..."

عادت لتنظر لهم بشك تستشعر غرابة الجو... لتلتقط عينيها ضحكات شقيقتها المكتومة... قوست حاجبيها وتخصرت وهي تقول كمن يشعر بأن هناك فخ ينصب له :
" شو في... حاسة في اشي بتعملوه من وراي"

التفتت والدتها لشقيقتيها وزجرتهما وهي تخفي ابتسامتها :
" بس... كل وحدة على شغلها.. يلا..."

عبست بنزق تريد معرفة ما يحدث إلا أنها استدارت ودخلت غرفتها ووالدتها تشيعها بدعوة وحيدة.. من القلب :
" يا رب.. فرحها بحياتها.. يا رب... "

مساءً....

كان الضيف هو.. عمها.... لكنها لم تصدق ذلك... جلست معه وحاولت أن تستشف شيئًا من ملامحه.. أو حتى تسأله عما يجري لكنه كان كالعادة صامت مبتسم بهدوء... رغم هالة الغموض التي حوله....
رن الجرس فهمت أن تنهض لترى من لكنه أوقفها قائلًا برفق :
" أنا رح أفتح الباب... ادخلي غرفتك يا عمي ..."

أطاعته دون اعتراض ومن خلف باب غرفتها حاولت أن تسمع أي صوت يدل على القادم لكنها لم تستشف ما يشبع فصولها.. وتساؤلها العميق....
زفرت بملل وجلست تنتظر علىى سريرها.... لا تعرف بالضبط ماذا تنتظر... إلا أن جاء الفرج متمثل بدخول شقيقتها شيماء وهي تقول :
" بحكيلك عمي.. تعالي على الصالون..."

أمسكت بذراعها قبل أن تذهب وسألت بقلق وقد خطر ببالها العريس الذي يلح عمها بموضوعه... هل حقًا سيجبرها على مقابلته... لا يمكن :
" مين... مين عنا شيماء..."

تملصت شيماء منها وهربت فمسحت وجهها بعصبية وارتدت حجابها فوق ملابسها المحتشمة ثم خرجت هي الأخرى وهي تفرك يديها ببعضهما بقوة علها تخفف توترها.....
وفجأة توقفت.... إذ أن الشخص الذي توقعته والتي لا تعرف شكله للآن لم يكن موجودًا... بل هناك شخص آخر... مألوف جدًا....يجلس على الأريكة ويتجه وجهه ناحية عمها... بينما نظراته ناحيتها وكأنها كان ينتظر ظهورها بفارغ الصبر...

تخشبت بمكانها وخيل لها بأن ما تراه الآن خيال... خيال من وحي أحلامها... ربما من كثرة تفكيرها مؤخرًا بريان صارت تتخيل ما ليس له وجود.... فماذا سيفعل ريان هنا!!

" ادخلي جيداء... ادخلي عمو..."

ابتلعت ريقها ومشت نحو عمها بآلية وجلست بجانبه ليصلها صوت رقيق أموي :
" كيف حالك جيداء..."

نظرت للمرأة...والدته.. نعم والدته... إنها لم ترها منذ فترة لا بأس بها... تلك المرأة الحنونة... ابتسمت وردت بهدوء :
" الحمد لله... وأنتِ يا خالة.. "

" بأفضل حال الحمد لله..."

حاولت قدر الإمكان أن تتهرب من نظرات قوية.... مختلسة... تلاحقها... ونظرت لعمها ومن ثم والدتها تريد أن تفهم ما يحدث لتعود والدته تقول يرقة :
" من بعد اذن عمك ووالدتك. ومن بعد اذنك... احنا اجينا نطلب ايدك لريان... "

شحبت واصابها الذهول وهي تنقل نظراتها بلا استقرار بين كل وجه من وجوه الجالسين... ماذا... ماذا تقول... تطلب يدي...!!... إنها لا تفهم.. لا تفهم أي شيء...
ومر الوقت وهي صامتة وكأن على رأسها الطير حتى اختفت الوجوه حولها شيئًا فشيئُا وبقي وجه واحد يقع في مدار نظرها.. وينطلق منه صوت هادئ عميق :
" جيداء..."

وقفت بانفعال وهي تنهت وهتفت :
" شو مفكر حالك بتعمل.. كيف.. كيف بتجيك الجرأة..."

وقف ببطء وهدوء أعصاب ليقول :
" لازم نحكي..."

أشارت بأصبعها المرتجف نحوه وهي تقول بعصبية :
" بيني وبينك ما في حكي... كيف اتجرأت تيجي تطلبني.. مرة ثانية. مرة ثانية!... مفكرني لعبة عندك... ولا شو.."

اقترب بما يسمح له وقال بقوة ارتجفت لها :
" لأ...طلبتك مرة ثانية لأني ما قدرت استحمل فكرة إنه ممكن أكمل حياتي بدون.. جيداء..."

كانت نوعًا ما يتوقع النظرة التي رمته بها...نظرة صاعقة تحمل الغضب والألم والاستنكار فهتف بلهفة وانفاسه تلهث :
" كنت كذاب... لما قلت إنه لازم ننفصل... وغلطت كثير لما استمريت بهاي المسرحية... أنا أكبر كذاب إذا بيوم أظهرتلك إني ما بدي إياكِ...أو إني ما بحبك.... فهمتِ جيداء...."

انحنت نظراتها ومالت حزنًا بينما تهمس بنبرة خافتة متوجعة :
" مو على كيفك.... تبعد عني متى ما بدك... وترجعني متى ما بدك... "

أمسك ذراعها قبل أن تتجاوزه وقال بإلحاح وقسمات وجهه تتوسلانها عدم الرفض :
"  أنا بحبك... بحبك "

لم يلق ردًا.. لم يلق إلا نظرات عاجزة عن الرد... فأطرق برأسه وأفلت ذراعها وابتعد هامسًا :
" رح استنى ردك... لو حبيتي تعذبيني وتخليني أستنى سنوات ما رح أيأس..."

نادت أسمه من خلف ظهره ومن قبل أن يتحرك فاستدار لها لتقول بيأس:
" كيف رح أرجع أثق فيك... كيف بدي اصدقكك.... وشو اللي ضامنلي إنه عند أول محطة صعبة بتمر فيها تقرر تستغنى عني..."

ابتسم لها رغم الأسف والاعتذار والندم الذي ظهر بعينيه وقال :
"  استفتي قلبك.....زي ما قلتلك مستعد استنى سنوات.. وخلال هالسنوات أكيد قلبك رح يعطيكِ القرار.... بس ما تنسي إني بحبك أكثر من الحب نفسه..."

غادر... وغادرت والدته معه.... وبقيت هي واقفة بين مطرقتين... كاذبة إن قالت بأنها ترفضه... وكاذبة إن قالت بأنها تريد العودة له دون أي قلق.. دون أي هواجس.....
فهل حب ريان كافي ليطمر هذه الهواجس ويخفيها للأبد....
............................
بعد أسبوع ليلًا... خرجت من غرفتها وجلست عند قدمي والدتها المنغمسة بقراءة القرآن وعندما فرغت مسدت على شعرها بصمت هامسة :
" شو في حبيبتي. شو اللي مصحيكِ لهسا..."

ارتجفت شفتيها منذرة ببكاء وشيك وتمتمت :
" ماما... أنا مش عارفة ليه حاسة هيك... بس أنا بدي لريان.. ليه أنا هيك بدي... ليه الحب بيضعفنا بهاد الشكل..."

قبلت والدتها جبينها وهي تهمس بنبرة بعثت سيول من الانشراح داخل قلبها :
" الحب ما بيضعفنا بالعكس بقوينا أكثر... بس احنا لازم نعرف نتعامل معه.... أنتِ بتحبيه لريان... وهو بحبك.. فليه التعقيد.. صح حبيبتي... "

وضعت رأسها على حجر والدتها وقالت بخفوت قبل أن تغمض عينيها لتسمح بآخر دمعة وجع أن تسيل :
" قولي لعمي إني موافقة..."

                             *********************

زغاريد... زغاريد من أفواه حادة مبتهجة كادت أن تخزق طبلة أذنه... ومع هذا كان رأسه وعينيه بل وكل حواسه تدور وتدور.. بحثًا عن شخص واحد... بحثًا عن من أصبحت زوجته قبل قليل.... واختفت بعدها بمغادرة الشيخ بلمح البصر....

شعر بدفعة خفيفة من والدته لظهره وهي تقول بنزق لم تعبر عنه ابتسامتها الواسعة جدًا :
" ادخل... مرتك بتستناك..."

دخل الغرفة ولمحها.. تقف بالزاوية بفستان وردي  احتضن جسدها بنعومة... تختبئ عنه بنظراتها الخجولة... وارتباك جسدها الملحوظ... رباه... كيف سينتظر شهرًا كاملًا حتى تكون ببيته..

اقترب أكثر...وأكثر... حتى أصبح يلامس جسدها... ينظر لحسنها الأسمر.. ولوجهها المشرق.... ولشعرها الأسود الملفوف بتموج خفيف وملقى بدلال على كتفها... رفع كفه ولامس نعومته بانبهار ثم وجد نفسه ينحني ويقبله برقة متمتمًا :
" اشتقت لشعرك...."
ثم رفع رأسه ينظر لعينيها البنية الواسعة فيتابع تمتمته :
" اشتقت لعينيك..."

شملها هذه المرة بنظراته الملتاعة فيقول متآوهًا :
" آه.... اشتقت لكِ كلك..."

ومن دون أن يستطيع منع نفسه أحاطها بذراعيه بقوة... يستنشق رائحتها الجميلة... ويهمس لها بكم اشتاق لها... بكم كان موجوعًا بدونها... بينما هي تتشبث بقميصه بقوة وتبادله العناق أضعافًا
ابتعد عنها بما يسمح ليرى وجهها ثم انحنى يطبع قبلة رقيقة على شفتيها هامسًا :
" بحبك...."

لمعت عينيها كالنجوم وبادلته الهمسة :
" وأنا.. بحبك..."

لحظة العمر... لحظة تمنى أن تحصل بكل عصب في جسده
لحظة تشبث بها كما يتشبث الغريق بقشة.... لحظة ضم جسد جيداء لصدره واخفائه بعيدًا... بعيدًا عن الجميع... وعن ظروف الحياة التي لم ترحمهما.... لحظة أن يغني بإذنها.... ويقول بأنها كانت... زهرة وسط الشتاء والبرد... نبتت وتحملت وتلونت بأحلى الألوان رغم قساوة الجو..
ويقول بأنها... زهرة بتشرين البارد

avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الخميس أكتوبر 18, 2018 12:44 am

الخاتمة

وقفت مستندة على الحاجز الحديدي للباخرة... تنظر للمياه الصافية تحتها بانعكاس السماء عليها... وبالرائحة المنعشة التي تتسلل لصدرها وتريحه... لطالما كانت تحب البحر.... رغم قلة ذهابها إليه...
وهنا على الباخرة وجدت مصدر سعادة مختلفة وبرفقة من تحب.. زادت هذه السعادة أضعافًا.... تنهدت بحالمية ثم استدارت تتأمل ما حولها ليقع نظرها على إحدى الفتيات.... فتاة شابة تجلس لوحدها على إحدى الطاولات... لكن ما لفت نظرها هو إنها تبدو عابسة وحزينة.. ووحيدة....
انتفضت وهي تشعر بجسد يطوقها من الخلف لتهتف بحنق فور أن وصلتها رائحته التي تحفظها من بين ملايين الروائح :
" حرام عليك ريان.. وقفت قلبي..."

ضحك بجانب اذنها وقال وهو يشد من ذراعيه حولها :
" سلامة قلبك حبيبتي...."

ثم طبع قبلة على خدها البارد ليقول بقلق :
" ليش هيك وجهك بارد... خلينا ندخل جوا ما بدي اياكِ تمرضي..."

لم تكن بكامل تركيزها معه فقالت بخفوت :
" ريان.. شوف هاي البنت.. شكله مالها اشي.. خليني اروح اتطمن عليها.. حرام شكلها لحالها هون... "

نظر لحيث تشير ثم عبس وقال بخشونة :
"شو دخلنا احنا..."

حاولت التملص من ذراعيه يقودها شعورها الإنساني بالمساعدة إلا أنه رفض تركها مضيفًا بإصرار :
" جيداء... مش وقت فضولك.. بركي وراها مشكلة ولا اشي... "

توقفت عن التحرك وهي ترى الفتاة تقف وتتحرك حيث الغرف فاستدارت لريان وهتفت بتكشيرة لذيذة :
" هيها راحت... يا الله منك..."

راقص لها حاجبيه بغيظ فضريت صدره وتوجهت لغرفتهما بينما هو يلاحقها بضحكاته :
" تعالي يا مجنونة وين رايحة... "

دخلت الغرفة وخلفها ريان وخلعت حجابها ليظهر من تحته شعرها الملفوف بعقدة مضمومة وكما توقعت قفز ريان خلفها وبدأ بحل شعرها من ربطته وفرده على ظهرها كما يحلو له وهتف بانبهار3:
" شعرك طولان جيداء..."

ابتسمت بمكر وقالت وهي ترمقه من المرآة خلسة :
" بفكر أقصه... "

هتف بغضب افزعها :
" ايش... مش ع كيفك ..."
انفجرت ضاحكة على تعابير وجهه وقالت وهي تهز كتفها :
" ولا ع كيفك. هاد شعري وأنا حرة..."

رمت جسدها على السرير وغلفته بالغطاء من رأسها لأخمص قدميها بينما أخذ ريان يحوم حولها ويحاول نزع الغطاء عنها هاتفًا بغيظ :
" كيف يعني... قومي جيداء لا تنامي... "

لم تستطع توقيف ضحكاته... إنها فقط تستمتع بإغاظته... واستكشاف روحه الطفولية المخبأة بداخله...

**************************

صباحًا أجبرت ريان ليذهب معها لغرفة الفتاة علها تتعرف عليها ولكن الفتاة قابلتها بجفاء وبرود جعلها تدرك نفورها من معرفة أي أحد إنها... فلم تخرج منها لا حق ولا باطل... إلا اسمها... جنان.... يا له من اسم جميل حقًا....

ومع مرور يوم على الباخرة خرجت جنان من مخبأها واندمجت معها بعض الشيء... ورغم أنها لم تصرح لها بالكثير لكنها أدركت بأنها مجروحة بشدة... وهي الأخرى أخبرتها عن ريان... عن زواجها... وعن أنه يمر بظروف صعبة... وأخبرتها عن الحب

" كنت دايمًا اسمع إنه الحب مجرد شعور مؤقت... زي كأنك بتمري بفترة المراهقة ما بتكوني لسا ناضجة... واتخاذك للقرارات ما بكون موزون دايمًا... بس لما تكبري عقلك بكبر وبصير يشوف الأمور بجدية أكثر... وهيك كنت أنا اسمع عن الحب... شعور غير ناضج والتصرفات اللي بنعملها بسببه مش موزونة وتافهة... واجت فترة بحياتي اعترفت بصحة هاد الحكي... كنت أواسي حالي واستنى نسياني ... بس مع الوقت اكتشفت انه الحب اللي بحكوا عنه بهاي الطريقة المشوهة كان كلشي إلا الحب.... إني أعشق إنسان واتمنى سعادته اشي.... وإني اشوفه مجرد حجر يسد فراغي ونواقصي اشي تاني ومختلف تمامًا....فهمتِ علي... "
نظرت لها وابتسمت وهي ترى التأثر يرتسم على وجهها... استندت بذراعيها على حاجز الباخرة وتابعت بتنهيدة حالمة :
" لهيك.. ومع كل الوقت اللي كنت يحارب فيه هاد الحب.. كنت أضحك على حالي واتمسك فيه أكثر.... لأنه ريان كان هاد الحب.. "

ابتسمت لها جنان بانبهار وقالت :
" حبكم قوي.. قوي كتير وما شفت متله..."

لترد لها الابتسامة اضعافًا قائلة بإيمان :
" امي قالتلي... إنه احنا الوحيدين اللي بنقدر نخلي الحب صعب أو سهل.. بجيب إلنا التعاسة أو السعادة.... لهيك بنصحك تمسكي بالحب... وبالحب الحقيقي بس..."

*********************

"صوريني..."

هتف ريان بذلك وهو يستند على ظهر الكرسي بحركة مغرورة لتبتسم له بمرح ثم تلتقط الصورة وتتأملها بحب... إنه ريان.. حقيقة موجودة لا سبيل لزعزعة ثباتها... وهذه الصورة تؤكد وتزيد الأدلة دليل آخر....
سمعت صوته عابثًا وقريب منها حيث انتقل من الكرسي المقابل لها إلى الكرسي بجانبها بلمح البصر :
" بعرف إني حلو.. وكلي جاذبية... بس يعني إنك تتأملي الصورة بهالطريقة هيك بتخجلي تواضعي بصراحة..."
وبدل من أن تضحك وجدها تحتضن ذراعه وتستند رأسها عليها هامسة بما جعله يفقد النطق قليلًا من الوقت :
" وطالع بالصورة بتجنن اكتر"
ثم رفعت رأسها عندما لم تجد منه تعليقًا فوجدته يحدق بها مبهوتًا وطرف أذنيه بدأ يحمر خجلاً فضحكت بخفة روح ووضعت كفها على خده الحليق قائلة بعشق :
" كنت بستناك ريان...طول الوقت أنا كنت بستناك.."

أسند رأسه على رأسها وحرك أنفه بنعومة ليلامس أنفها وهو ينظر لعينيها بضعف لذيذ ثم همس :
" بتحبي أغنيلك..."

ضحكت بخفة ثم أومأت فأبعد رأسه عنها وضمها لصدره وبدأ يغني.. ورغم خشونة صوته وعدم تناسبه مع الكلمات الناعمة.. غنى... وكان صوته بالنسبة إليها أحلى من أي شيء... يكفي أن من يغنيه ريان....
يكفي أنه هو... ريان.. وليس أحد آخر

النهاية

*ملاحظة :جنان هي بطلة نوفيلا بين الضفتين للكاتبة بامبولينا

avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: *نوفيلا الباخرة *زهرة تشرين

مُساهمة  Siaa في الخميس أكتوبر 18, 2018 12:45 am

تمت بحمد الله
بتمنى أشوف آرائكم بالنوفيلا
avatar
Siaa
كاتبة رائعة
كاتبة رائعة

المساهمات : 10
نقاط : 13
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 17/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى