روائع الروايات الرومانسية
مرحبًا أختي/أخي الزائر!
التسجبل سهل ومجاني، تفضل وقم بالتسجيل لتتمكن من الوصول إلى مئات الروايات!

رواية مَن سجاني_ سامية عبدالفتاح

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

الفصل العاشر

مُساهمة  samia abdelfatah في الجمعة نوفمبر 02, 2018 8:57 pm

الفصل العاشر
-ماذا تريدين أن تشربي فاتنتي؟؟
سأل ناظراً للقائمة فى يده لتجيب هى برقة مصطنعة
-هل دمائك متوفرة فى القائمة؟؟
كتم ضحكته بصعوبة وهو يسأل
-ما سبب حقدك الأن؟؟ لقد أخبرتك أن الأمر كان سوء تفاهم ليس أكثر
-تلك الساقطة كانت تتحرش بك وأنت كان يبدو عليك الاستمتاع التام..لقد كانت جالسة على قدميك بحق الله
قالتها بغضب هستيري جعله يفلت ضحكة قصيرة قبل أن يقول بهدوء
-أنتِ تعطين الموضوع أكبر من حجمه ..لقد حدث كل هذا خلال لحظة..متى علمتِ إنها تتحرش بى ومتى رأيتِ استمتاعي بالأمر؟؟
لا تستطيع الأجابة فهو محق لقد دخلت فى لحظة تعثر الفتاة التى وقعت عليه ونهضت فى نفس اللحظة..ولكنها لا تستطيع تفادى الأمر ببساطة فالشك ينهش قلبها ..لن يمر هذا على خير فقالت بغضب ليس فى محله
-أنا ..أنا خطيبتك لم أفعل هذا وتلك الحقيرة تأخذ راحتها وكأنه أمر طبيعي
-ما هو الذى لم تفعليه؟؟ فأنا لم أفهم تماماً
قالها بسخرية لترد هى بغيظ رافعة أصبعها بتحذير
-أنا خطيبتك ..بل زوجتك أيضاً فلا تقارني بها
نهض من مكانه وجلس بجانبها ..ليمسك بيدها قائلاً بصدق وثقة
-فاتنتي أنا أحبك أنتِ ..فلا تجعلي أى شئ يشوه تلك الحقيقة..وليس هناك أى مقارنة بينكما من الأساس ..لم يكن عليكِ التهجم على الفتاة هكذا
-لم أفعل شئ
قالتها بسرعة مدافعة عن نفسها ليرد هو ساخراً
-نعم بخلاف سحب الفتاة من شعرها ونعتها بالساقطة لم تفعلي شئ ..أنا لن استطع النظر فى وجه الفتاة مرة أخرى بعد الذى فعلتيه ..منذ متى وأنتِ تفقدي أعصابك هكذا؟
-ولماذا ستنظر إليها مرة أخرى من الأساس؟؟
سألت بغيظ قبل أن تُكمل بتحذير
-أسمعني سليم ..أنا لن أطلب منك طردها فقطع الأرزاق غير جيد ولكن عليك نقلها لمكان أخر فأنا لن أحتمل وجودها الدائم فى مكتبك وأمام عينيك هكذا
-حسناً ولكن فى المقابل عليكِ أخباري إنكِ لم تشترى ثوب الزفاف كما وصفته لى والدتى
-لا تغير الموضوع سليم
قالتها بضيق ليرد هو بهدوء
-الموضوع أنتهى من الأساس حور وأخبرتك إننى سأحل موضوع الفتاة ..الأن صفى لى ثوب الزفاف
فركت يديها بتوتر وهى تقول بلامبالاة مصطنعة
-ستراه فى الزفاف لم يبقى سوى أثنا عشر يوماً
-لا حبيبتي أريدك أن تصفيه لى
تنحنحت لتبعث بعض الثقة فى صوتها
-حسناً هو مجسم فأنا لا أفضل الفساتين الواسعة ويصل لكاحلي بينما له ذيل طويل من الخلف ..هناك أختلاف فى نوع الأقمشة به فهو من قماشة تشبه الحرير ولكن القماش أكثر خفه من عند الصدر ولكنه ليس شفاف لا تقلق ..هناك بعض الخرزات الرقيقة عليه ولكنها ليست كثيرة أى أنها ليست واضحة ..أهاا والأكمام شفافة أيضاً
أستمع إليها بصبر إلى أن صمتت ليسأل بنبرة تخفى الكثير
-وماذا عن الفستان من الخلف؟؟ لم تخبريني
-ليس هناك خرزات أيضاً فى الظهر
قالتها متجنبة الحديث أكثر ليكمل هو ساخراً
-ولا قماش أيضاً فى الواقع لأن ظهرك عارى حتى الخصر كما اظن
فكرت (حور) أن حماتها لا تُؤتمن على الأطلاق ..شعرت بيده تضغط على يدها بقوة قبل أن يسأل وهو يجز على أسنانه
-هل تريدين السير فى الزفاف وسترتى تحيط بجسدك؟؟ تبدو لى فكرة جيدة فالجو بارد وقد تحتاجيها
-يمكنك تدفئة بلدة بأكملها سليم ..ليس هناك داعى لسترتك
قالتها مغيرة الموضوع ويدها تمتد لتضعها على صدره برقة فصفع يدها قائلاً بحقد
-لا تلمسيني أيتها المتلاعبة ..هل سنواجه أمورنا هكذا فى المستقبل؟؟ ..كلما ناقشتك فى أمر ستغريني لتبعديني عن الموضوع الأساسي؟؟
زفرت بعنف قائلة بحل مبدأي
-حسناً سأفرد شعرى ليغطي ظهري بالكامل ..هل هذا الحل جيد؟؟
رفع يده ليفلت خصلة من شعرها المعقود ثم لفها على أصبعه ليشدها قليلاً حتى تؤلمها
-هل تقصدين شعرك هذا الذى يفتن الجميع فى عقدته ودون أن تفرديه؟؟
نظرت حولها لترى إن كان هناك أحد يرى ما يفعله ذلك المتهور بها .أمسكت يده لتخفف من ضغطه على شعرها وقالت مبتسمة تراضيه
-لا أله إلا الله ..لماذا هذا العنف الأن؟؟ ألا يمكن أن نتفاهم كالمتحضرين؟؟
نظر لابتسامتها المغرية وإن كانت لا تقصد أغراءه الأن ثم تسائل بسخرية
-وهل تتفاهمين أنتِ كالمتحضرين؟؟ أنتِ إما لا تعترفين بخطأك أو تتصرفي بوقاحة تنتهى بنا لأماكن خطرة لذلك حوريتي لا مجال للتحضر بيننا
-سليم حبيبي أريد أن أخبرك بشئ ما ..حوريتي تلك التى تقولها فى بعض الأحيان تدليل لحورية وليس حور
قالتها بهدوء ليرد هو بحنين ليوماً ما
-متى رأيتك أول مرة؟؟
-فى المطار
قالتها ببديهية ليقول هو بغيظ
-لا لا أقصد تلك المرة ..لقد رأيتك قبلها فأين كنا؟؟
-اهاا حين كنا فى الساحل
قالتها بتذكر ليشرح هو لها
-حين أقول حوريتي أعنى بها أنكِ تلك الحورية التى خرجت لى يوماً من الماء
-لا يليق بك دور الرومانسي سليم ولكنك حقاً تشعرني بالسعادة
قالتها مبتسمة بحب ليغمز لها قائلاً بغرور مصطنع
-كل شئ يليق بى حبيبتي ..سأبهرك حين تري الدور القذر الذى أتقمصه فى التعامل مع عملائي
-لقد رأيت دورك السافل فلن يبهرني شئ بعده
قالتها ببساطة ليشد هو الخصلة التى مازالت فى يده مما جعلها تتأوه ليقول هو بشماتة
-تأدبي حتى لا تتألمي
-لم تسألني لماذا أتيت للشركة اليوم
قاطعهما النادل ليأخذ طلابتهما فأبتعد (سليم) عنها ليطلب ما يريده ..أبتعد النادل فقالت بحماس
-عيد ميلادي بعد يومين
-أعلم هذا ولكن هل ستطلبين هدية؟؟
سأل بدهشة مصطنعة لترد هى ببساطة
-نعم أريد اختيار هديتي فأنت ثرى ويمكنك طلبية رغباتي
-قل أعوذ برب الفلق ..ما هذا الأن؟؟ هل تحاولين أصابتى بعين الحسد؟؟
قالها بتوجس لترد هى بتأفف
-سليم لا تتحدث كجدتي بالله عليك انا لا اقصد شئ
ضحك بخفة وهو يأخذ تلك الخصلة الحرة ويلفها على أصبعه مجدداً ثم سألها
-ماذا تريدين؟؟
-لقد أخبرتني والدتك إنك تمتلك يخت ..هل هذا حقيقي؟؟
-نعم ..هل تريدين الذهاب؟؟
-هذا بالضبط ما أريده ..أرجوك سليم لنذهب إلى هناك
قالتها برجاء متحمس ليفكر هو قليلاً قبل أن يقول بأسف
-لن نستطيع فأنا لدى الكثير من العمل وأنتِ يجب أن تغيري ما تريدين فى غرفتى وأمور الزفاف ..كل هذا يجب أن ينتهى قبل أن تنتهى العشرة أيام القادمة
-يمكنك أنهاء عملك فى يومين ولن نتأخر هناك من الأساس كما أن غرفتك تعجبني ولن أغير بها شئ وأمور الزفاف ليست صعبة فالفندق سيقوم بكل شئ ويمكننا الاعتماد عليهم
-لن أستطيع ترك عملي تلك الفترة حبيبتي ولكنى سأعوضك أقسم لكِ ..يمكنك اختيار المكان الذى تريدينه لقضاء شهر العسل
-حسناً ليس هناك مشكلة لنعوضها فى وقت أخر
قالتها بأحباط ليسأل هو يريدها أن تتحمس من جديد
-أين تريدين قضاء شهر العسل ..يمكننا السفر خارجاً
-حقاً ؟؟
سألت بأنبهار ليومأ هو بالأيجاب فقالت بلهفة
-أريد الذهاب إلى تايلاند أو الصين
-ظننتك ستريدين السفر إلى أوروبا ..فرنسا مثلاً
قالها بأستغراب لترد هى بضجر
-ماذا سنفعل فى فرنسا سليم ..انا لستُ من هواة التسوق كما أن تلك القطعة الحديدية المسماة ببرج أيڤل لا تبهرني ..برج خليفة أرقى منه
-لم أرى أحد ينعت ذلك البرج بقطعة حديد غيرك ولكن كمهندس سأخبرك أن برج خليفة أفضل منه فى المعمار بالتأكيد ..أذن هل تريدين الذهاب الى دبى؟؟
-سليم أنا أريد الذهاب إلى تايلاند ..هذا اختياري
قالتها بثقة ليسأل هو بضيق من المكان
-ما هذا المكان بحق الله؟؟ لم أرى أحد يريد السفر إلى هناك ابداً كما إننى لا أعرف أى شئ بها
-وهل تعرف باريس
سألت بتحدي ليرد هو ببساطة
-أذهب إليها مرة كل عام وغالباً يكون فراس معى
-ذلك الأناني لم يخبرنى يوماً ..هل يظنني سأريد الذهاب معه إن أخبرني؟؟
قالتها بحقد ليضحك قائلاً
-أذن لنذهب الى هناك حتى أعوضك
-سليم أنت لم ترى تايلاند من قبل ..أنتظر لحظة وسأخبرك لماذا أريد الذهاب ..هل يمكنك ترك شعرى للحظة
أكتشف إنه مازال يمسك بتلك الخصلة اليتيمة من شعرها فتركها لتتحرك بحرية ..أخذت هى هاتفها وفتحته لتبحث عن شيئاً ما ثم قربت الهاتف منه قائلة
-أنظر لتلك الأماكن وستشعر وكأنك بقطعة من الجنة
قربت منه الهاتف ليقول بخفوت
-نعم أنا بقطعة من الجنة
ولكنه لم يكن ينظر للهاتف ..هو لا ينظر لشئ سواها ولا يريد شئ أخر غيرها
-أذن هل نذهب؟؟
سألت برجاء ليرد هو مبتسماً
-حسناً لنذهب إلى تايلاند ليس هناك مشكلة
-أنت الأفضل يا رجل
قالتها بالإنجليزية وهو تضرب كتفه بقبضتها لينظر لها بدهشة قائلاً
-هل تظنيني صديقتك؟؟
-أحمد يسمح لى بفعل هذا
قالتها ببراءة جعلته يرغم بلكم ذلك الوغد
-وهو يمكنه أن يقوم بالمثل
قالها بغضب جعلها تقول بسرعة
-لا لا يمكنه ..هناك حدود بيننا
-بلى يفعل لقد رأيته بنفسي
قالها بصراخ جعلها تنظر حولها بأحراج قبل أن تعود بنظرها إليه قائلة بغيظ
-هل سنقضى اليوم فى العراك؟؟
نظر إليها بسخط قبل أن يقول بجدية
-حسناً حور يمكننا وضع قواعد الأن لحياتنا معاً حتى نتجنب النقاش الحاد فى المستقبل
لم يعطيها فرصة تجيب بل بدأ فى اعطاء أوامره
-أولاً لا أريد لأى جزء من جسدك أن يظهر أى أن تلك الفساتين القصيرة والبلوزات المكشوفة لا أريد أن أراها مجدداً
-ولكن سليم
أعترضت ولكنه لم يعطيها الفرصة بل أكمل بتسلط
-ثانياً شعرك ..لا أريد أن أراه مفرود أو مجدول أو عتى مرفوع كذيل ..وكرماً منى سأعطيكِ حرية التصرف فى عقده بالطريقة التى تحبيها
-أنت تمزح أليس كذلك؟؟
سألت بدهشة ليتجاهلها هو تماماً مكملاً حديثه
-ثالثاً وأخيراً ..لا أريد منكِ التحدث مع أى رجل إلا للضرورة القصوى وكرماً منى لن أجعلك تتركين العمل وذلك المدعو أحمد كما وعدتك لن أجعلك تبتعدين عنه ولكن لا تسمحي لنفسك بالتصرف بحرية معه
-هل تريد منى الاعتكاف فى المنزل؟؟
سألت بسخرية غاضبة ليرد هو ببساطة
-نعم شئ كهذا وسأكون سعيد ان ألتزمتِ بهذا
-سليم ألا تثق بى؟؟
سألت بشحوب ليرد هو بثقة
-أنا أثق بكِ حور ولكن لا أثق بتصرفاتك
-أى انك لا تثق بى..ليس هناك فرق
-بلى هناك فرق ..أنا أثق بأنكِ لن تحبى غيرى ولن تنظري لأى رجل أخر ولن تفكري حتى بهذا ولكن لا أثق بأنكِ ستحفظين جرأتك ولا تتصرفي بتهور فأنتِ مثلاً لن تتوانى عن الرد على الرجال بوقاحة تزيد من رغبتهم فيكِ ..لا أثق بأنكِ ستسيطرين على أفعالك ولن تصفعي فتاة لمجرد انها عكرت مزاجك ..لذلك حبسك فى المنزل يبدو فكرة جيدة
-هل أخبرتك إننى سأترك العمل؟؟
سألت بشماتة لا يعرف سببها ليقول هو بأستغراب
-لماذا؟؟ ظننتك تحبين عملك
-سأبقى فى المنزل ولكن ليس لأنى مختلة عقلياً وأغرى الرجال ولا أتحكم بتصرفاتي ولكن والدتك أخبرتني أننا سنستمتع كثيراً معاً
قالتها بهدوء ليرد هو براحة
-هذا جيد ولا أريدك أن تنسى ما قلته الأن
نظرت له قليلاً تستكشف ما بداخله لتعرف إلى أى مدى هى غير موثوقة بنظره ثم قالت
-انا لست تلك الضعيفة التى ترضخ للأوامر سليم ..حتى والدى لم يستطع السيطرة على يوماً ولم أسمح له بوضع قواعد لى ..ولكن وبالرغم من ذلك سألتزم بما قلته لأننى أريد هذا ومن داخلي أرى أنك تستحق هذا منى وليس بسبب تسلطك هذا
-ليس معنى غيرتي وخوفي عليكِ اننى متسلط
-حسناً سليم ..لن نختلف فى هذا
صمت الأثنان لفترة وكأنهما يريدان هذا الهدوء ليفكرا فى علاقتهما وكيف سيتعاملان معاً
تعالى صوت بكاء طفل صفعته والدته فلفت نظرهما ليراقباه ..بعد لحظة كانت الأم تضم طفلها إليها معتذرة له ومعاتبة أياه بهدوء فهدأ الطفل
-لماذا تظنيها صالحته بتلك السرعة؟؟
سأل بلا معنى فدوماً يستغرب تحولات الأمهات
-لأنها تحبه
ردت ببديهية ليقول هو بسخرية
-لقد كانت تحبه قبل أن تضربه ..لقد صالحته لأنها اشفقت عليه ليس الا
-لماذا أنت متحامل عليها هكذا ..إنه ابنها ويمكنها فعل ما تريده
قالتها بلامبالاة ليرد هو بغيظ
-ولماذا تضربه من الأساس؟؟
-لا اظن ان والدتك من هذا النوع لتجعلك تعانى من عقدة نفسية بتلك الطريقة
قالتها ضاحكة ليرد هو بثقة
-بلى كانت تضربني احياناً ولكنها لم تصالحني لأننى لست من ذلك النوع الذى يستعطف الناس ليصفحوا عنه
-أذن لا داعى لأشعر بالشفقة عليك فى يوم أليس كذلك؟؟
سألت مبتسمة ليرد هو بصفاء
-أريدك أن تصالحيني دوماً لأنكِ تحبيني وليس بسبب الشفقة
-أنت شخص لا يُشفق عليه سليم فلا تقلق من تلك الناحية
قالتها ضاحكة ليعود هو الى تلك الخصلة من شعرها ليلفها حول أصبعه مقبلاً أياها
-لن أحزنك يوماً حور ثقى بهذا
قالها بصدق جعلها تبتسم أبتسامة واسعة
-سأذكرك بوعدك هذا سليم يوماً
***
دخلت المنزل صافعة الباب خلفها بقوة غاضبة لتجد شقيقها خارج من المطبخ يأكل شئ لم تتعرف عليه
-هل أنتِ غاضبة؟؟
سأل ببساطة لترد هى بقهر
-هل أخبرك انه لا يريد رؤيتى؟؟
لم يرد على سؤالها بل قال باستفزاز
-ألستِ أختى ..ولكنى سعيد حقاً بما فعله ..لقد قهرتي الرجل حتى أخرج أسوأ ما فيه ..حسبنا الله
أنهى كلامه وهو يهز رأسه بأسف مصطنع لتسأل هى بصدمة
-لماذا أشعر بأنك تتحدث بشماتة؟؟ هل أنت سعيد حقاٌ بأنه لم يقابلني؟؟
أخذ قضمة أخرى مما يأكله أتبعه بشرب القليل من علبة المياة الغازية الموجودة فى يده ثم قال بلامبالاة
-الأمر ليس شماتة..انا فقط متحيز له قليلاً لأنه عانى من أجلك وأنتِ لم تريحيه أبداً ..حان وقتك لتعاني عزيزتي ..أتمنى لكِ مواجهة ممتعة
-ما الحل أذن؟؟ أنت رجل ويمكنك أخباري كيف أتصرف
صفف شعره بيده قائلاً بغرور مصطنع
-ليس كل الرجال مثلى ولكن لو كنت مكان فراس لتمنيت أن تبذلي الكثير من الجهد لتستعيديني
***
عاد (سليم) لمنزله فى المساء في وقت متأخر فوجد المنزل هادئ والأنوار مطفأة
صعد للطابق العلوى يجر قدماه من التعب فقد بذل مجهود جبار اليوم ليترك فراغ فى جدول مواعيده حتى يسافر مع فاتنته يوم عيد ميلادها كما تمنت..سمع صوت الباب الخاص بغرفة والديه يصفع بقوة فذهب الى هناك بقلق ليجد والدته خارج الغرفة حاملة وسادتها ويبدو عليها الغضب
-هل طردك ابى من الغرفة؟؟
سأل بسخرية لترد هى بعنف
-بل انا من تركته لينام بمفرده ..لقد كبر وأصبح خرف
-هل تظنين ان نومك فى غرفة أخرى سيضايقه؟؟ ستريحين الرجل أمى ..عودي لغرفتك فهذا لن يجدى
قالها ضاحكاً وهو يتسائل فى داخله عن ثقة والدته فى بعض الأحيان وهى تعاقب والده بأشياء بسيطة كتلك
-لا شئ يضايق والدك أكثر من نومى بعيداً عنه وإن كنت تشبهه فى هذا ستعطى حور فرصة لتعاقبك كما تشاء وأنا سأساعدها
تركته والدته يقف بمفرده وغادرت ليبتسم هو رغماً عنه ويتجه لغرفته
بعد قليل من الوقت كان يستلقى على سريره مطلقاً تأوه بعد أن أراح جسده ..أغمض عينيه يريد النوم ولكن صوت خبيث تعالى داخله يتسائل هل سيضايقه نوم فاتنته بعيداً عنه أم لا ..فكر قليلاً ..ستنام بجواره كل يوم ليستمتع برائحتها ..ويشعر بدفء جسدها قريباً منه..يلامس شعرها كلما أراد ..يستمع لصوت أنفاسها وهما على نفس الوسادة ..وفجأة يفقد كل هذا لمجرد انها غاضبة وقررت النوم فى غرفة أخرى ..لا والله لن يسمح بهذا أبداً
أخذ هاتفه ليتصل بها رغماً عنه وكأنه يطمأن نفسه إنها بجانبه ويمكنه الحصول عليها فى أى وقت
-حبيبي هل أنت بخير؟؟ هل حدث شئ؟؟
جائه صوتها الناعس فأبتسم بحنان وهو يسأل بخفوت
-هل أنتِ نائمة؟؟
سمع صوت تثاؤبها قبل أن ترد بخفوت ساخر
-الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ونحن أصبحنا فى الشتاء فماذا تتوقع منى ان أفعل الأن غير النوم؟؟
-تسهري لتفكري بى وبحياتنا معاً
قالها بجدية مصطنعة جعلتها تسأل بتوجس
-هل أنت مخمور؟؟
-لست بحاجة لشرب الخمر فاتنتي فصوتك يقوم بنفس المفعول
-هل أيقظتني من النوم لتقول هذا؟؟ أنا حقاً متفاجئة
سألت بسخرية ليرد هو بغيظ مكتوم
-عودي للنوم حور..أنتِ لا تصلحي لحديث أخر الليل
-نعم فأنا أصلح لأشياء أخرى اخر الليل
بالكاد سمع جملتها فصوتها أنخفض للغاية وكأنها نامت بالفعل
-هل نمتى؟؟
سأل بتوجس لتجيبه هى بشبه أغماءة
-أنا أحبك سليم
أبتسم قائلاً بصدق
-وأنا أعشقك فاتنتي
***
لكل تعاسة نهاية ولكن نحن فقط من نقرر متى ستكون تلك النهاية..نحن من نقرر هل سنبقى هكذا أم سنمحو من قلبنا كل ما يسبب الآلم ..لذلك يجب أن نحاول ألقاء التعاسة والأفكار المرهقة للعقل والقلب ونتجه نحو الراحة والهدوء النفسي
هذا ما أخبرته والدته به بعد أن أنهار منذ يومين وحاول هو الحصول على السلام النفسي والابتعاد بأفكاره عنها قليلاً وكاد أن ينجح لولا رؤيته لها اليوم حين دخل لقاعة المحاضرات وسط العشرات من طلابه ..كانت هناك ويقسم انه لم يكن يتخيل ..كانت تنظر اليه وكأنها آتية من اجله وهو لم يعلو بخياله لذلك ..بدأ المحاضرة ولم تخرج بل ظلت هناك تستمع لشرحه الذى لا يتذكر منه شئ ولا يذكر هل تحدث مع طلابه عن الهندسة المدنية أم عن أشعار نذار قباني
وها هو الأن قد أنهى المحاضرة وعاد لمكتبه مدعياً إنه يريد كتاب مهم قرر قراءته فى الجامعة بدلاً من المنزل ..وبالرغم من أنهائه لكل محاضراته إلا إنه لم يذهب بل ظل فى الجامعة لأنها بكل بساطة فى نفس المكان ..أنتظرها ربما تجن وتأتى إليه ولكن أنتظاره طال كثيراً وهى لم تأتى ..تأخذه بيدها للنار ولكنها مرت به على الجنة أولاً لتجعله يتحسر لأنه لن يكون فيها أبداً
لم يعلم إنها ببساطة لم تجد الجرأة لتذهب إليه وتترجاه أن يسامحها على كل غبائها ..لم يعلم إنها هربت الى منزلها بعد انتهاء المحاضرة خائفة أن يسألها لماذا هى هنا ..وأنتهى الأمر بالنسبة لكليهما بلا شئ
***
جلس (سليم) فى أحد المقاهي القريبة من شركته منتظراً عميل مهم لم يرغب بمقابلته فى المكتب بينما يفكر فى ردة فعل فاتنته حين تعلم إنهما سيسافران الليلة كما أرادت وحين ترى مفاجأته التى حضرها هناك بالتأكيد ستجن ...لقد أخبر والدها بكل شئ ولدهشته وافق الرجل من دون أى أعتراض وأخبره إنه سيخبرها مساءً ليفاجأها وسيرسلها لمنزل عائلته
رفع كوب القهوة ليرتشف منه القليل بينما أذنه تلتقط صوت يعرفه يتحدث فى الهاتف ..ألتفت قليلاً ليرى (أحمد) الجالس خلفه ولكنه لم يعيره أى أهتمام بل أعتدل ليكمل قهوته بلامبالاة ورغماً عنه أستمع للمحادثة الدائرة على الهاتف
(حبيبتي هل أنتِ فى شقتنا؟؟ انا قريب سآتي إليكِ ..ألا تثقين بى؟؟ أعدك أن أراكِ دون أن ألمس شعرة منكِ اليوم ..حسناً موافق لنتقابل هناك فقد أشتقت إليكِ كثيراً وأنتِ لم تعودي تهتمي بى كالسابق)
رفع (سليم) حاجبة بسخرية ..هل يتحدث ذلك الوغد مع خطيبته أم أن هناك فتاة أخرى؟؟ ..سيستمتع كثيراً وهو يخبر (حور) أن صديقها الوحيد شخص عابث
خرج (أحمد) من المقهى وأخرج هاتفه ليقوم بمكالمة
-مرحباً حور أين أنتِ؟؟
-أنا فى العمل وسأخرج الأن ..هل تحتاج لشئ؟؟
-نعم أريدك أن تأتى معى لشقتي الجديدة ف سارة هناك لتقوم ببعض الأشياء ولا تريدني أن أكون معها بمفردي لذلك اريدك أن تأتى معى لتكوني محرم
ضحكت بشدة قائلة
-هل تتحرش بخطيبتك لدرجة أن الفتاة لا تريد رؤيتك بمفردها؟؟
تنحنح ليقول بأحراج مصطنع
-قليلاً ..هل ستأتى معى؟؟
-حسناً انا قادمة بالرغم من ان سارة لا تحبنى ولكن سأفعل هذا من أجلك
-هذه هى الصديقة الحق ..أنا فى المقهى الموجود بجوار البناية سأنتظرك أمامه
-حسناً
***
بعد ساعتين كانت (حور) تخرج مع صديقها من البناية الموجود بها شقته
-لا أعلم سر هوسها بشراء الأشياء لوضعها فى الشقة
قالها بغيظ لتقول هى بحماس
-الأمر يبدو ممتع ..أتعلم ماذا ..لقد قررت أن أنشأ منزلى ..سأخبر سليم بأننا لن نعيش فى منزل عائلته
-ولكن لم يبقى الكثير على الزفاف
-لا يهم سنعيش بمنزل عائلته مؤقتاً إلى أن ينتهى منزلنا
-يا لكِ من غيورة ..هل شقتي أثرت بكِ لتلك الدرجة؟؟
قالها بدهشة مصطنعة وهو يلف ذراعه حول عنقها لتقول هى بغيظ
-احمد توقف عن معاملتي كأنني صديقك وابعد يدك لأنك ستخنقني هكذا
قرص وجنتها بقوة جعلتها تتأوه وهو يقول
-هل يوجد صديق بهذا الجمال
ضحكت بيأس منه قبل ان تسمع هاتفها يرن فأخرجته من الحقيبة لترى الشاشة تضئ بأسم (سليم) فارتبكت قليلاً ولكنها ردت بسرعة
-مرحباً حبيبي ..أنا فى العمل ..سليم ماذا بك هل أنت بخير؟؟ ..حسناً إلى اللقاء
أغلقت الهاتف وشعور بعدم الراحة يغمرها فسألها صديقها بأستغراب
-لماذا لم تخبريه أنكِ معى؟؟
-علاقتنا تضايقه وأنا ارى أن الأمر لا يستحق ولكنى لا أريد مضايقته
أبتسم قائلاً بسخرية
-سليم يغار وسارة تغار ..هل نفترق ليعيشا بسعادة
-أحمد أنت صديقى الوحيد ولن أخسرك حتى من اجل سليم
قالتها بصدق ليسأل هو بحنان
-أذن هل ستحتفلى بعيد ميلادك مع صديقك الوحيد أم مع العائلة أم ستذهبين لزوجك الحبيب لتحتفلي معه
زمت شفتيها قائلة بغيظ
-سليم منشغل كثيراً هذه الأيام وفراس حزين دوماً وليس له القدرة على القيام بأى شئ ممتع لذلك سأضطر للاحتفال معك
-هذا كرم منكِ
قالها ساخراً قبل أن يودعها ليدخل سيارته وقامت هى بالمثل لينطلقا بعيداً غير مدركين لذلك الذى كان يراقبهما من بعيد والغضب يشتعل فى عينيه
***
جالسة مع مريضها المراهق يتناقشان فى موضوع تافه ولكنه يستحق النقاش كما يظن المريض
-أمير هل حقاً تحب الشخص الشرير فى افلام ديزني؟؟
سألت (نغم) بغيظ ليقول الولد بثقة
-نعم جداً ..ودوماً اجد لهم الأعذار
-كيف؟؟
-أى شخص تريدين التحدث عنه وأنا سأبرر شره؟؟
-لنبدأ بزوجة والد سندريلا فتلك المرأة كانت شنيعة
قالتها (نغم) بتحدي ليرد عليها بسخرية
-البنات دوماً يقلن هذا ..حسناً أريد منكِ أعطائها فرصة لتتغير ..أى أريدك أن تتخيلي أمرأة بائسة تزوجت من رجل لتعيش معه هى وبناتها الثلاث حياة طبيعية وفجأة مات تاركاً خلفه فتاة رابعة ..أريدك أن تشعري بكم المسؤلية الملقاة على عاتقها ..ارملة بأربع بنات لم تجد منفذ لقهرها غير تلك التافهة الضعيفة المسماة سندريلا
-هل تكره سندريلا؟؟
سألت بدهشة ليرد هو بلامبالاة
-نعم فأنا أكره الضعيفات ..هل تريدين التحدث عن شخصية أخرى؟؟
-لا لقد تأخر الوقت وحل الظلام سأذهب الأن
-يمكنك البقاء ومازن سيوصلك
قالها برجاء لترد هى بقلة حيلة
-مازن لديه عمل ويبدو متعب للغاية منذ الصباح فلن أحمله أكثر
-حسناً إلى اللقاء
خرجت من الغرفة وذهبت بأتجاه مكتب (مازن) ولكنها لم تجده هناك ..ذهبت لمرأب السيارات لتأخذ سيارتها وتعود للمنزل ولكنها وجدته فى سيارته ..نظرت من النافذة المفتوحة لتجده جالس ممسكاً برأسه بقوة
-مازن هل أنت بخير؟؟
سألت بقلق ليرد هو بتعب
-اشعر بالصداع
-بالطبع ستشعر بالصداع لأنك تعمل كثيراً وتنام قليلاً ..لماذا تعمل إلى هذا الوقت وكأنك تعمل ببنك وليس مجرد مصح لا يحتاج للعمل الإداري من الاساس
صرخت به وهى تفتح باب السيارة لتقف بجانبه فسأل بحيرة
-لماذا تصرخي بى؟؟هل طلبت منكِ عمل أضافى؟؟
تأففت بقوة وفتحت حقيبتها لتخرج منها شريط من الحبوب المسكنة وزجاجة مياة صغيرة ..أخذت أحد الحبوب من الشريط لتضعها بين شفتيه من دون أن تسأله أتبعتها بزجاجة المياة تحثه على الشرب فأرتشف منها قليلاً ليسعل بقوة من دفعها للماء
-هل تحاولين خنقي؟؟
سأل بدهشة لترفع أصبعها قائلة بتحذير
-لا أريد سماع صوتك
أبتعدت عنه لتغلق باب السيارة بقوة جعلته يجفل سائلاً بداخله لماذا تعامله بتلك الطريقة ؟؟ هل تعاقبه على تعبه أم ماذا؟؟
فتحت باب السيارة الخلفي لتدخل وتقف خلفه ساحبه رأسه للخلف برفق لتضعها على رأس المقعد فاخترقت أنفه رائحة جوز الهند مختلطة بالڤانيليا ..رائحة تبدو وكأنها قادمة من الجلد وليست على ثيابها
-هل ستذبحينى؟؟
سأل بجدية مصطنعة لترد هى بعنف
-ألم أخبرك إننى لا أريد سماع صوتك؟
أطلق ضحكة مكتومة قبل أن يشعر بأصابعها تتخلل شعره لتمسد رأسه برفق من الجانبين وبحركات مدروسة جعلته يرغب فى النوم من الراحة وجمال الرائحة
-أين تعلمتِ هذا؟؟
-فى كلية التجارة
قالتها بسخرية ليضحك هو مستمتعاً بتلك اللحظة الغربية
-ألا يمكننا القيام بهذا فى البيت بدلاً من المرأب
سأل بسخرية لتقول هى فجأة
-مازن لماذا ترهق نفسك؟؟ أنت لا تنام جيداً ولا تأكل جيداً وتبحث عن أى عمل تقوم به ..لماذا تفعل هذا؟؟ هل تريدني أن أتزوجك بروحك أم جثة هامدة؟؟
-أهااا أنتِ خائفة على نفسك ليس علي أذن
قالها بأدراك مصطنع لتزفر هى قائلة بضيق
-مازن انت تفهم قصدي فلا تدعى الغباء
-ألم تتعبي من تلك الوقفة؟؟
سأل بتهرب لترد هى بعفوية
-المهم ان ترتاح أنت
أمسك بيدها التى مازالت تمسد رأسه مما جعل جسدها يلتصق بالمقعد ..لثم يدها برفق ثم قال بشرود
-تذكريني بوالدتي
-لقد قرأت يوماً أن المرأة التى يخبرها حبيبها انها كأمه عليها ألا تتزوجه
قالتها بمكر ليضم هو حاجبيه سائلاً بأستغراب
-لماذا؟؟
-لأن المرأة يجب أن تكون شئ من ثلاث بالنسبة للرجل ..اما أم تشعره بالحنان أو زوجة تشعره بالأمان وتشاركه همومه
سكتت ولم تخبره بالشيء الثالث فسأل بخبث
-لماذا لم تكملي ؟؟ لقد قرأت هذا أيضاً ولكنى لا اذكر الشئ الثالث
لم يرى وجهها ولكنه متأكد الأن أنها تلعن نفسها على فتحها لذلك الموضوع
-لقد آلمني ظهري من الانحناء ..سأعود لسيارتى وأنت لا تقود الا بعد أن يعطى المسكن مفعوله
قالتها وهى تبتعد ولكنه لم يسمح لها بل قال برجاء
-أبقى معى قليلاً ..تعالى لتجلسي بجانبي
تنهدت وتحركت لتفتح الباب ولكنه قال بسرعة
-لا داعى للخروج مري من بين المقعدين
ضحكت بمشاغبة وهى تمر كالأطفال من بين المقعدين ولكن قبل ان تجلس على المقعد المجاور له أمسك بخصرها ليوقعها على قدمه لتصبح محشورة بين صدره والمقود وساقيها مفرودة على المقعد الاخر ..نظرت له بصدمة قائلة بذهول
-ما الذى فعلته؟؟ ما الذى سيحدث إن رأنى أحد جالسة هكذا؟؟
هز كتفه قائلاً بلا مبالاة وهو يقرب أنفه من عنقها يتشمم تلك الرائحة بأصرار
-الجميع يعرف إنكِ زوجتي ولكنى سأحل الأمر
مد يده ليضغط على زر اغلاق زجاج النافذة الأسود
-ها قد انعزلنا عن العالم ..أمامنا الحائط والنوافذ مغلقة ..الأن اخبرينى عن الشئ الثالث الذى تكونه المرأة بالنسبة للرجل ..التكملة كانت أو عشيقة لتشاركه لياليه أليس كذلك؟؟
-قائل هذه العبارة كان شخص منحل
ضحك بقوة من نبرتها الكارهة ثم سأل بخبث
-ما رأيك بهذا الجو الرومانسي ..لا ينقصنا سوى مصباح بإضاءة حمراء
تعالت ضحكاتها رغماً عنها ليقول هو بسخرية
-لن يرونا الناس ولكن بالتأكيد سيسمعون ضحكاتك
-أسفة ..هل أنت بخير الأن ..هل أراحك المسكن؟؟
-نعم أصبحت أفضل ولكن ليس بسبب المسكن بل لأن رائحتك تبعث الهدوء ..لم تضعي هذا العطر من قبل
قالها بأستغراب لتبتسم هي موضحة له
-هذا ليس عطر من ذلك الذي تضعه على الثياب بل دهان للجسم بعد الاستحمام وأنا لا أستخدمه من فترة طويلة
-أستخدميه دوماً أذن فرائحتك تجعلني على وشك التهامك لمعرفة الطعم
قالها ضاحكاً لترد هي براحة بال
-أعلم إنك تحب هذه الرائحة كثيراً
رفع حاجبه قائلاً بشك
-أنتِ لم تضعيها من أجلي بالتأكيد
-لنذهب حتى لا يقلق أخى
قالتها متجاهلة سؤاله الغبي ..لمن تضعه أذن إن لم يكن له؟!
-سأتصل به وأخبره انكِ ستبقى معى قليلاً
رفعت حاجبها قائلة بلا أستيعاب
-لماذا سأبقى؟؟ وأين سنذهب؟؟
-لنتحدث قليلاً فى أمور لم نتحدث بها من قبل ولن نذهب لأى مكان ..سنبقى هنا
قالها ببساطة لتسأل هى بنفس البساطة
-بماذا سنتحدث ؟؟
شعر (مازن) بالكثير من الارتياح وهو يرى أنها لم تعترض على جلوسها معه وبتلك الطريقة ..مشكلته معها انها تخجل بشكل يجعله يفقد أعصابه أحياناً ..قد تجفل إن لمس يدها أو أحاط خصرها ..هو حتى لم يقبلها حتى الأن رغم وعده لنفسه بالكثير بعد عقد القران ولكنه رأى كيف تتوجس حين يقترب منها وكأنه سيغتصبها لذلك لم يحاول التهور ..ولكنها وبعد مرور أكثر من شهرين على علاقتهما أصبحت تقترب منه بشكل طبيعي وكأنها سلمت أخيراً بأنه زوجها
-اخبرينى عن أيام الجامعة
قالها ليبدأ الحديث فتنهدت هى قائلة بقهر
-كانت أكثر أيامى حسرة لأن فى عام التحاقي بها كنت أنت قد تخرجت ولم أستطع التواجد معك
أبتسم بحنان وهو يضمها إليه بقوة قائلاً
-أنا معكِ الأن
-هل تعلم إننى أخترت تلك الكلية بسببك رغم أن مجموعي كان يعطيني الفرصة للالتحاق بالطب البشرى
-حقاً ؟؟
سأل بدهشة لترد هى ببساطة
-نعم ..كنت أريد أن أشاركك أى شئ حتى وإن كان بطريقة غير مباشرة ..لقد تمنيت يوماً أن تكون أخى بدلاً من فريدة لأحظى باهتمامك والعيش معك فى منزل واحد ..كنت أخبرها دوماً إننى أتمنى أن نعيش فى منزل واحد انا وهى ولكنى كنت أتمنى هذا لأنك كنت فى الصورة وبالتأكيد سأحصل عليك إن عشت معها
-يا ألهى ..كيف كنتِ تفكرين هكذا؟؟ لقد كنتِ صغيرة جداً على هذا
قالها بصدمة حقيقية فهو يعلم إنها كانت تحبه منذ مراهقتها ولكنه لم يعلم إنها كانت تفكر بتلك الطريقة وأنها أختارت طريق معين لمستقبلها بسبه
رفعت رأسها من على صدره لتنظر إليه قائلة بصدق
-نعم لقد كنت صغيرة ولكن حبى لك كان كبير للغاية
راسها المرفوعة إليه ونظراتها التى تواجهه والكلمات العاشقة التى تنطلق من بين شفتيها وجلوسها الضعيف بين ذراعيه ..كل هذا لم يترك له ذرة سيطرة أخرى على نفسه فلم يدرى بنفسه إلا وهو ينحنى رغماً عنه ليقبلها ..قبلة لم يخطط لها أبداً ..قبلة تخبرها كم يعشقها وكم يستحق عشقها له
***
جميعنا سمعنا عن جحيم النهاية..جحيم الآخرة ..الذى سيكون من نصيب الكثير بعد الموت ..ولكن لم يتحدث أحد يوماً عن جحيم الدنيا ..حين تشعر بجسدك يحترق حقاً والدم يجف فى عروقك ..جحيم يأخذك الشيطان إليه أيضاً بعد أن يهيأ لك الكثير مما تشتهيه نفسك الظالمة الأمارة بالسوء ..لن ترى بعينيك سوى السواد ..لن تفكر بشئ سوى تلك النار التى تحرق أحشائك مسببة لك آلم بالغ ..ستصرخ من الآلم الذى يتجدد مع كل لحظة تتذكر بها ما حدث ..وكان هو فى هذا الجحيم الأن ..لحظة مصدوم ولحظة غاضب وأخرى يفكر كيف سينتقم ..مع كل لحظة تمر كان مشهد رؤيته لها بين ذراع رجل اخر يقهره ..كيف كانت فى أحضانه بأريحية وكيف كان يلمسها وكأنها ملكه ..لم يقصر الشيطان فى أداء واجبه وجعله يربط كل ما حدث ببعضه ..مكالمة الوغد لها ليخبرها كم هو مشتاق ويريد رؤيتها فى مكانهما الخاص ..ثم رؤيته لها هناك وكذبها عليه حين قالت انها فى العمل ..لقد وثق بها رغم كل شئ ..أبعد أى فكرة سيئة تخطر على باله نحو تصرفاتها ..وكانت النتيجة إنه الأن جالس كالحريم يولول على قلبه المكلوم ..هو (سليم المهدى) الذى لم يتنازل يوماً من أجل أى شئ تأتى أمرأة لا تمثل شئ فى الوجود لتضربه فى مقتل ..بلى إنها تمثل كل شئ وهذا من غبائه حين أعطاها كل هذه المشاعر
طرقات على باب غرفته جعلته ينهض من جلسته مستعداً لقتل الطارق عله يشفى غليله ..فُتح الباب ليتسمر مكانه وهو يراها أمامه ..لقد فتحت أبواب الجحيم على نفسها حين أتت فى هذا الوقت ..لم يدرى بنفسه سوى وهو يسحبها لداخل الغرفة بقوة صافقاً الباب بشدة
-سليم أقسم لو فعلت شئ تلك المرة لن أسافر معك ولن تراني حتى الزفاف
قالتها بتحذير غير واعية لحالته ليشد هو على ذراعها بقوة ألمتها وهو يسأل بخفوت شرس
-أين كنتِ اليوم؟؟
-سليم أنت تؤلمني..ماذا بك؟؟
سألت بقلق ولكن عليه لا على نفسها فحالته لا تبدو طبيعية أبداً فصرخ بها بقوة أفزعتها
-أنا أريد جواب واضح ..أين كنتِ اليوم؟؟
-متى؟؟ لم أذهب سوى للعمل ثم للمنزل وها أنا هنا الأن ...اخبرني ما الذى حدث؟؟
سألت وهى ترفع يدها لوجنته بقلق فأبعدها عنه قليلاً ثم صفعها بقوة كما لم يتخيل يوماً بأنه سيصفع أمرأة خاصة إن كان يعشقها
شلتها الصدمة من صفعته ولكن ما قاله بعدها كان أكثر صدمة بالنسبة إليها
-تجيدين الكذب بمهارة وأنا كنت لأصدقك لولا رؤيتى لكِ معه ..لم أتخيلك بهذا الفجر أبداً
ألقى كلماته بأشمئزاز فلم تستطع هى سوى أن تسأل
-مع من ؟؟ وأين؟؟
-مع ذلك الحقير المدعو أحمد
صرخ بها بغضب لتقول هى بلا أستيعاب لما يحدث
-أنا لم أرى أحمد اليوم
أقترب منها ليمسك شعرها بقوة جعلتها تصرخ قبل أن يقول بشراسة
-أخبرك إننى رأيتك معه ومازلتِ تكذبي ..سمعت مكالمتكما القذرة ..رأيت كيف يحتضنك فى الشارع وكأنه أمر طبيعي ..وكأنك لستِ زوجة رجل أخر ..كيف خنتينى بتلك الطريقة؟؟ كيف وصلت بكِ القذارة إلى ذلك؟؟
-سليم هناك شئ خاطئ ..أسمعني قليلاً
قالتها برجاء وهى تمسك بيده الممسكة بشعرها ليصرخ هو بجنون دون أن يعيرها أى أهتمام
-لا أريد أن أسمع شئ ..لستُ بحاجة لاعترافك لأصدق انكِ بعلاقة مع ذلك الحقير
الأن بدأت تفهم ما يحدث ..بدأت الصورة تتضح أمامها شيئاً فشيء ..هو يتهمها بخيانته ..يطعنها بخنجر مسموم وينهى علاقة الحب الوحيدة التى حصلت عليها طوال حياتها ..لا يثق بها ولم يسألها قبل أن يتهمها بتلك الطريقة ..بل صفعها حتى ..(سليم) الذى لم يمد يده يوماً إليها سوى بالحنان والرفق ضربها ..يريد منها خائنة؟؟ يريد لعب دور المظلوم؟؟ ..أذن لتحقق له ما يريد
-نعم أنا على علاقة بأحمد ومنذ أعوام ..أنت الذى دخلت بيننا ولم يكن لك مكان
قالتها صارخة بتهور وهى تشعر بكرامتها تنزف من طعنه له ..أبتعد عنها ببطء وهو يشعر بقلبه يتلوى من الآلم وبرجولته تُسحق تحت الأقدام
-أتعلمين ما المشكلة؟؟ المشكلة إننى تنازلت وأرتبط بفتاة مثلك لم يظهر منها سوى الجرأة والوقاحة ..فتاة لم تعرف معنى الحدود ولا القيم يوماً كل ما يهمها فى الحياة أن تعيشها كما تريد غير مبالية بنظرة العالم لها ..ولكنى رغم ذلك أقنعت نفسى أن هذا شئ لا يعيبك بل يجعلك مميزة..أقنعت نفسى بأنكِ ستحافظين على أسمى وسمعتي رغم جموحك ..إننى حين أريد من يقف بجانبي ستقومين بدور الرجل والصديق الذى أحتاجه..ولكن الأن عرفت مدى غبائي وسأجعلك تحترقي كل يوم مما سأفعله بكِ وبذلك الوغد عديم الشرف ..ستندمين يا حور أعدك بهذا
قال كلماته بقسوة فلم ترد هى بل أبتسمت ببرود وألتفتت لتغادر رافعة رأسها بشموخ ..مقاومة رغبة هيستيرية داخلها تأمرها بالبكاء والدفاع عن نفسها ..خرجت من الغرفة ولم يحاول هو إيقافها أو ألقاء أى كلمة أخرى ..نزلت لأسفل فوجدت والدته أسفل السلم مبتسمة بحنان
-حبيبتي هل أعجبتك المفاجأة؟؟ هل ستغادران الأن؟؟
يا الله لا تجعلني أبكى ...لا أريد المزيد من الذل
-سيدتي أريد أن أخبرك بشئ هام
قالتها بصوت مبحوح لترد المرأة بتأنيب
-لماذا تقولين سيدتي؟؟ ألم أعد خالتك؟؟
أبتسمت بقهر قائلة بصدق
-لقد أحببتك دوماً وكأنك والدتى ..بل إننى شعرت معك بالراحة أكثر من أمى ..لا أريدك أن تصدقي أى شئ سيء عنى وتذكرينى دوماً بلحظاتنا الجميلة معاً
-لماذا تقولي هذا ..أنتِ زوجة ابنى الوحيد ومقامك عندي مثله تماماً
قالتها المرأة بحنان فاحتضنتها (حور) بقوة ثم غادرت من دون كلمة أخرى تاركة المرأة خلفها تتسائل عما حدث
صعدت لسيارتها وانطلقت بينما الآلم يزداد قساوة..إن كانت متظاهرة بالقوة الخارجية فهذا لا يمنع انها تتمزق من الداخل
أرتفع رنين هاتفها فمدت يدها لتخرجه من حقيبتها بينما عيناها لا ترى ما أمامها على الطريق الذى تقود عليه
-مرحباً صغيرتي..لماذا لا يرد سليم على هاتفه؟؟
سأل شقيقها فقالت هى بنبرة ميتة
-أخى ألم أخبرك دوماً إننى أشعر بك؟؟ حسناً لقد كنت مخطئة ولكنى الأن حقاً اعرف معنى الآلم الذى تعيشه
-حبيبتي ما به صوتك وماذا تقصدين؟؟
-أنا أحبك أخى ..أنت الرجل الوحيد الذى يستحق الحب من الجميع ..ليتك كنت حبيبي أيضاً
-حور هل أنتِ بخير؟؟
سأل (فراس) بقلق ولكن لم يأتيه الرد فقد أنقطع الاتصال فجأة ..عاود مهاتفتها ولكنه وجد الهاتف مغلق فطلب رقم (سليم) ولم يرد هو الاخر ..دعى ربه أن تكون الأمور بخير وخرج من المنزل ينوى الذهاب ل(سليم) عله يلحق بهما قبل السفر ..وهناك فى منزله صعد لغرفته بعد أن أخبرته والدة (سليم) أن (حور) خرجت منذ قليل وكانت تبدو حزينة ..طرق باب الغرفة ودخل دون أن ينتظر الرد ..خطى لداخل الغرفة التى لم يراها من قبل وبحث بعينيه عن صديقه فوجده جالساً على أحد المقاعد مغمض العينين ،مبعثر الشعر ومهمل الملابس
-سليم ..هل أنت مستيقظ ؟؟
سأل وهو يهز كتفه قليلاً فأنتفض (سليم) من لمسته ونهض سائلاً بأستغراب
-ماذا تفعل هنا؟؟
-لم ترد على الهاتف وأنا قلق على حور ولا أعلم أين هى فأتيت لأرى ماذا حدث
أبتسم (سليم) قائلاً بسخرية مريرة
-قد تكون مع أحمد
-لا لا أظن فقد كانت معه فى الصباح ..أخبرتني ألا أخبرك ولكن لا بأس ..الأن أخبرني ما الذى حدث؟؟
نظر له (سليم) سائلاً بشراسة
-هل كنت تعلم أين ذهبا معاً؟؟
بدأ (فراس) يشعر بالحيرة فتساءل
-هل تقصد حور وأحمد؟؟ نعم لقد ذهبا لشقته من أجل أمر تافه ..خطيبته لا تريد أن تراه بمفردها فأخذ حور معه لتكون محرم كما أخبرتني حور ساخرة
لم يستوعب (سليم) أى شئ فقال بشحوب
-لقد كانا بمفردهما حين رأيتهما
-لا أعرف ..قد تكون الفتاة مازالت فى الشقة فحور أخبرتني أنها تنظم كل شئ ..تعرف حديث النساء يخبرونك بتفاصيل ليس لها أى أهمية
قالها (فراس) بنفاذ صبر فهو يريد أن يعلم ما حدث لأنه لا يفكر بشئ سوى شقيقته الأن ..امسك (سليم) بذراعه قائلاً بشك
-هل أنت صادق؟؟
-بشأن ماذا؟؟
-هل كانت خطيبته معهما؟؟ لماذا لم أراها أذن؟؟
-ماذا بك يا رجل أخبرتك انها قد تكون بقيت فى الشقة ؛ صحيح لقد غارت منها حور وستجبرك على إنشاء منزل لها لتقوم بفرشه كما تريد
أبتعد (سليم) ليعاود الجلوس مرة أخرى ودماغه تكاد تنفجر من التفكير ...مستحيل أن يكون قد ظلمها وكل هذا من وحى خياله ..وماذا عن مكالمة الهاتف؟؟ هل من الممكن أن يكون الوغد يحادث خطيبته وليس (حور)؟ ولماذا لم تخبره بأنها مع صديقها حين سألها؟؟ هل أرادت ألا تضايقه؟؟ ..بدأت الأمور تأخذ أتجاه اخر ويربط الأحداث بطريقة أخرى جعلت قلبه ينتفض بخوف رغماً عنه وهو يتساءل هل خسر فاتنته بغبائه؟؟ كيف ظن بها هذا وهو الذى يتنفس وجودها؟؟ كيف ابعدها عنه ؟؟
-لقد صفعتها
قالها بشحوب ليسأله صديقه بدهشة
-ماذا؟؟
-أخبرتها إنها خائنة وصفعتها ..لقد اذيتها بشدة
تمالك (فراس) أعصابه ليفهم ما حدث وقال بجدية
-أخبرني بكل شئ
نظر له (سليم) قائلاً بفزع
-يا ألهى لقد خسرتها للأبد ..لن تسامحني أبداً
-اللعنة عليك سليم ..أخبرني بما حدث فقد تكون حور فى خطر الأن
صرخ به ليبدأ (سليم) الحديث مخبره كل شئ وبعد أن أنتهى لم يستطع النظر لصديقه المصعوق والذى تساءل بذهول
-كيف تظن هذا بشقيقتي؟؟ متى كونت كل ذلك الجنون فى رأسك؟؟
-لقد أعماني الغضب والغيرة ..أرجوك فراس ساعدنى لأصلح الأمر معها
-أقسم يا سليم إن حدث شئ لشقيقتي سأنسى إنك كنت صديقى يوماً
صرخ به (فراس) لينهض هو قائلاً برجاء
-فراس ضع نفسك مكاني ..لقد أتصلت بها وأخبرتني إنها فى العمل وحين سألتها هنا أخبرتني انها لم تراه اليوم من الأساس ..ثم قالت لى بنفسها إن بينهما علاقة منذ سنين ..ماذا تريدني أن أفعل؟؟
رفع (فراس) يده ليشد شعره بقوة وهو يتسائل أين من الممكن أن تكون الأن
-الحزن سيء بالنسبة لحالتها ..قد تنتكس وأنا لم أعطيها الدواء منذ يومين أيضاً
تحدث مع نفسه ليسأل (سليم) بأستغراب
-أى دواء وأى انتكاسة؟؟
-ليس هناك وقت للحديث ..هيا لنبحث عنها وسنتحدث فى السيارة
قالها (فراس) بسرعة وهو يخرج من الغرفة فذهب الاخر خلفه قائلاً بتشتت
-قد تكون عادت للمنزل
-لا أظن هذا ولكنى سأتصل بأمي لأتأكد
بعد بعض الوقت كانا فى السيارة و(سليم) يصرخ
-كيف لم تخبرنى بأمر هام كهذا ..أنا زوجها بحق الله
-لا أظنك ستبقى هكذا كثيراً
قالها (فراس) ببرود فتجاهل (سليم) ما قاله وسأل بقلق
-ما الذى سيحدث الأن؟؟ هل هناك خطورة؟؟
-الأمر مرتبط بحالتها النفسية ..قد تنسى طريق العودة الى المنزل وهى بتلك الحالة ..لقد نست أشياء بسيطة خلال تلك الفترة ولكن لا أعلم ماذا سيحدث الأن
-هل عدت لمنزل عائلتك من أجل هذا؟؟
-نعم كان يجب أن أراقبها
قالها بهدوء ليعاود الاخر الصراخ
-كان يجب ان تخبرنى
-سليم أنت لست فى موضع يسمح لك بالاعتراض على أى شئ الأن فأخرس وفكر أين قد تكون الأن
ظل (فراس) يدور بالسيارة على كل الأماكن التى قد تتواجد فيها حتى إنه أتصل ب(أحمد) ليسأله عنها ولكنه لم يصل لأى شئ ..بعد عدة ساعات توقف بالسيارة على جانب الطريق ونظر فى ساعته ليجدها الثالثة بعد منتصف الليل
-لن أسامح نفسى إن أصابها شئ
قالها (سليم) بشحوب ليرد صديقه ببرود
-سليم لا تتحدث عن الأمر الأن حتى لا أشبعك ضرباً أو أقطع لك لسانك الذى جرح أختى أو يدك التى ضربتها
رنين الهاتف أوقف سيل التهديد فأخذه (فراس) ليرد بلهفة
-حور أين أنتِ؟؟
تحفزت خلايا (سليم) بالكامل يريد أن يخطف الهاتف منه ليتحدث معها ولكنه أنتظر بصبر
-أخى أنا بمكان لا اعرفه

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الحادي عشر

مُساهمة  samia abdelfatah في السبت ديسمبر 08, 2018 9:13 am


الفصل الحادي عشر

-أخي أنا بمكان لا أعرفه
قالتها (حور) بخوف ليبتلع أخيها ريقه بصعوبة قائلاً بثبات زائف
-حبيبتي أوصفى لى المكان من حولك وأنا سأعرفه
أشعل محرك السيارة بينما يضع الهاتف بين رأسه وكتفه وأنطلق وهو يستمع إليها
-حسناً أبقى مكانك ..أنتِ بأمان لا تخافي ..سأكون عندك بأقل من نصف ساعة ..أسترخى أنتِ ولا تذهبي لأى مكان
أغلق الهاتف معها ليسأل (سليم) بلهفة قلقة
-أين هى؟؟
-فى شقتي ولكنها لا تذكرها
-يا ألهى
قالها (سليم) بصدمة فلم يرد صديقه وقاد لشقته بسرعة
***
جالسة على الأريكة فى الصالة الصغيرة ..تضم ركبتيها لصدرها و تحاول تذكر ما حدث ..ولكن بلا فائدة ..كل ما تذكره إنها كانت تبحث عن مقص وحين وجدته قصت شعرها بجنون حتى أصبح بالكاد يصل لكتفيها وهناك بعض الخصل تصل لمنتصف رقبتها بشكل غير منظم ثم غفت مكانها لتستيقظ الأن غير دارية بشئ ..لم تبكى أبداً فحالة التشتت التى تتعرض أليها ألهتها عن أى شئ اخر حتى خوفها لم يكن كبير ..سمعت صوت قادم من الخارج وكأن أحدهم يحاول فتح باب الشقة فنهضت ممسكة بالمقص بتحفز وهى تنوى قتل أى شخص يتعرض إليها بسوء
-حور أين أنتِ؟؟
-أنا هنا أخى
قالتها بشحوب ليدخل إليها شقيقها يلحقه (سليم) الجزع
-يا ألهى ماذا فعلتِ؟؟
سأل (سليم) بصدمة وهو يرى شعرها القصير وخصلاته التى تملأ المكان بينما (فراس) لم يهتم بشئ سوى نظرات شقيقته التائهة وكأنها تحاول فهم ما يحدث..ذهب إليها ليبعد عن يدها المقص الذى مازالت تحمله ثم ضمها بقوة قائلاً بثقة
-أنتِ بخير الأن
شعر بها ترتخى بين ذراعيه فاقدة الوعى و(سليم) يصرخ به بفزع
-أعطنى أياها فراس ..لنأخذها إلى المستشفى
حملها شقيقها وخرج بها من الشقة قائلاً
-لن أسامحك على هذا أبداً سليم
لم يوافق (سليم) على قيادة السيارة بل بقى فى الخلف معها يضمها إليه بقلق بينما (فراس) يتصل ب(مازن) ليخبره بما حدث ..بعد أن شرح له كل شئ رد عليه
-لا داعى لتأخذها للمستشفى ..أجلبها إلى المصح الأن وأنا سألحق بك إلى هناك ..سأرسل لك العنوان
***
أرتدى (مازن) ملابسه وهو يتأفف من استيقاظه فى هذا الوقت ولكن ضميره المهني لم يسمح له بالنوم وهناك شخص بحاجة إليه ...خرج من غرفته ليجد شقيقته متجهة لغرفتها فسألها وهى يسير بسرعة
-لماذا مازلتِ مستيقظة حتى الأن؟؟
-كنت أريد بعض الماء فاستيقظت لأشرب ..إلى أين تذهب فى هذا الوقت؟؟
سألت بدهشة وهى تسير خلفه بأتجاه الباب ليرد هو بسرعة وهو يرتدى سترته على عجل
-فراس بمشكلة ..حالة شقيقته ساءت للغاية وسيأخذها للمصح الأن ويجب أن أكون هناك
-يا ألهى ..أنتظرني سآتي معك
قالتها برجاء ليتأفف هو قائلاً
-فريدة عودي للنوم بالله عليكِ ..ليس لدى وقت لهذا
-أرجوك أخى
نظر لها قليلاً ثم قال بضيق
-أمامك خمس دقائق إن تأخرتِ سأذهب بمفردي
هرولت لغرفتها وبعد أقل من خمس دقائق كانت تعود إليه قائلة
-أنا جاهزة
فتح الباب ليخرجا قائلاً بسخرية
-لم ترتدى ثيابك بهذه السرعة من قبل بل تحتاجي ليوم كامل حتى تنتهى ..لابد أن ادخل فراس فى هذا لتسرعي كل مرة
لم ترد عليه فهى لم يكن لها مزاج لمناقشته الأن
***
دخل (فراس) بالسيارة من بوابة المصح الخارجية بعد أن أعطى أسمه لرجل الأمن الذى سرعان ما أدخله وهو يخبره أن (مازن) دخل للتو وهو فى أنتظاره ..توقف بالسيارة أمام المبنى الفخم للمصح ليجد (مازن) هناك بانتظاره ولكنه لم يكن بمفرده وهذا تماماً ما تمناه
-سليم حاول ألا تجعلها تستفيق فلست بحالة تسمح لى أن أشرح لها أى شئ الأن
قالها بهدوء وهو يفتح باب السيارة ليخرج منه متجهاً ليتحدث مع (مازن) بينما سليم ظل بمكانه محتضناً أياها لا يدرى كيف يبرر خطأه ..لامس شعرها المقصوص بعشوائية قائلاً بقهر
-هذه أولى خطوات معاقبتك لى أليس كذلك؟؟ تعلمين كم أعشق شعرك ولكنى أستحق هذا
قبل قمة رأسها بقوة قائلاً بندم والشعور بالذنب يثقل أنفاسه حتى أوشك على الاختناق
-أسف فاتنتي ..سأعوضك عن كل كلمة جارحة قلتها وعن تلك الصفعة التى لن تتكرر أبداً ..لقد علمت كل شئ وبعد اقل من ساعة ..لم يتركني الله على جهلي ونصرك على الفور ..لم أكن أعلم بمرضك ولم أكن أعلم أن سعادتك مهمة لتلك الدرجة ..أقسم ألا أجعلك تحزني مرة أخرى ..سامحينى فقط لأثبت لكِ صدق قسمي
ظل يتحدث إليها ولكنه فى الواقع كان يحدث نفسه فهى كانت فى عالم أخر تماماً ..بالرغم من أغمائتها التى جائت لتنقذها من التفكير إلا انها كانت ترى حياتها تمر أمام عينيها فى عالمها الآخر ..وعوده لها بالسعادة ..نظراته العاشقة وابتسامته الماكرة ..قبلاته الشغوفة ولمساته الحانية ..رأت كل علاقتها به حتى هذا اليوم ..كيف تحولت نظراته إلى كره وغضب ..كيف تحولت لمساته إلى القسوة وابتسامته إلى السخرية ..كيف ظلمها وطعنها فى شرفها وكيف تخلى عنها
الأن ترى يد شقيقها تمتد إليها لتسحبها من كل هذا الظلم والظلام ..أبتسامته الحنونة جعلتها ترغب بالبكاء ولكنه أمرها بحزم ألا تبكى وألا تضعف وانه بجانبها دائماً فلا داعى للخوف ..والديها أيضاً كانا هناك فى أحلامها يبتسمان لها بتشجيع لتنهض من سقطتها حتى صديقها (أحمد) رأته هو وخطيبته يبتسمان إليها
وكأنها ستموت وتودع الجميع وكأن ذلك الجسد الملقى بحضن الرجل الوحيد الذى أحبته لا يعود إليها وكأن روحها تحلق عالياً صارخة بكل قوتها راغبة أن ينقذها أحد من هذا التشتت
***
فى الخارج كان (فراس) يحيي (مازن) بخفوت متجنباً النظر لتلك الواقفة بجانبه تناظره بلهفة ..أتفق معه على أن تبقى (حور) فى المصح لفترة حتى تبتعد عن الضغوط المحيطة بها لتتحسن حالتها النفسية ووافق (فراس) بلا تفكير
-ولكنها فاقدة للوعى ..ما السبب؟
سأل بقلق ليجيب (مازن) بهدوء
-هذا طبيعي لا تقلق ..حين تشتت عقلها فقد القدرة على أرسال الأشارات لجسدها بصورة طبيعية منظمة لذلك حدث خلل حيوي أدى لفقدانها للوعى ..سأتصرف فى الداخل ولكن لننقلها من السيارة ..هل الجالس معها زوجها؟؟
-نعم ..هناك شئ أيضاً أريد أخبارك به
نظر له (مازن) بأهتمام فقال الاخر دون تأخير
-حين وجدتها فى شقتي كانت تمسك بالمقص وقد قصت شعرها بالكامل ..هل لهذا علاقة بالأمر؟
شهقت (فريدة) بقوة قائلة
-يا الهى لقد كان شعرها رائع
-ومن أين علمتِ؟؟
سألها (فراس) بأستغراب لترد هى بأحراج
-لقد تقابلنا فى دار الأزياء منذ عدة أيام
-حقاً ؟ لم تخبرنى بهذا
قالها بشرود لينظر لهما (مازن) بملل وهو يتسائل فى داخله هل هذا وقته؟؟
-فراس أختك مريضة بالزهايمر وليست مجنونة لذلك أى شئ تقوم به تكون واعية بالكامل وليس للمرض يد فيه
قالها بهدوء ثم نظر لأحد العاملين قائلاً
-أجلبوا لى حاملة لننقل المريضة
-لا داعى أنا سأحملها
قالها (فراس) بسرعة فهز كتفيه قائلاً
-كما تريد ولكن لا أريد من زوجها أن يكون هنا حين تستفيق فهذا سيضايقها بالتأكيد
أومأ (فراس) بتفهم ثم أتجه لسيارته ليحمل شقيقته إلى الداخل
-أخى أنت لا تعلم كم حور مهمة بالنسبة لفراس لذلك أنا أريد أن أعلم هل ستتحسن؟؟
سألت (فريدة) بحزن ليرد شقيقها بعملية
-نعم حالتها قد تكون نادرة ولكن ليست مقلقه ..أريدك فقط أن تعلمي أن الشخص الذكي هو من يستغل أوقات الضعف ليهجم حتى يحصل على ما يريد كاملاً ..قد تكون هذه فرصتك لتتقربي من فراس دون أن تعرضي نفسك للأحراج
-أخى كيف تقول هذا؟؟ هل تظنني سأستغل الأمر؟؟
صرخت بخفوت حتى لا يسمعها (فراس)القادم بيد خالية لأن صديقه الذى تعرفه جيداً يحمل (حور) بنفسه
-أنا أمزح
قالها ضاحكاً بخفة ولكنها لم ترد فقد كانت مندهشة من أن (سليم) أرتبط ب(حور)
***
خرج (فراس) لحديقة المصح التى تبدو الرائعة الأن وخيوط الشمس بدأت فى البزوغ مع النسمات الباردة لهواء الصباح النظيف ..جلس هناك على أحد المقاعد وقد ترك شقيقته تتحدث مع (مازن) على انفراد ..لن ينسى له هذا المعروف أبداً فقد خرج الرجل من منزله فى وقت متأخر فقط من أجل شقيقته ومدللته أيضاً اتت معه وكم أسعده رؤيتها وهو فى هذا الوضع ..وكأنه استدعاها بأفكاره فأصبحت أمامه فجأة وكأنها ظهرت من العدم ..رفع رأسه إليها فبدت وكأنها هالة من الجمال تطل عليه من أعلى مشاركة خطوط الشمس بهائها
-هل يمكننى الجلوس ؟؟
سألت بخفوت أنثوى كما كان صوتها دوماً ..(فريدة) دوماً أنثوية كأنها قطعة من حلوى السكر الهشة تجعل المرء يشعر كأنها ستذوب إن لمسها من كثرة الرقة ..ليست مثل (حور) برغم كل فتنتها بل لها روح خاصة بها لا يظن انه سيجدها فى أى فتاة أخرى ولن يبحث عن بديلة لها أبداً
طال صمته ولم يأذن لها بالجلوس فتنحنحت هى قائلة بأحراج وهو على وشك المغادرة
-أسفة على ازعاجك
قبل أن تتحرك كان يمسك بيدها قائلاً بهدوء
-لم تكوني بحاجة للاستئذان يوماً فريدة ولستِ بحاجة لهذا الأن فأنتِ مرحب بكِ دائماً
سحبها لتجلس بجانبه ثم أبعد يده عنها متذكراً وعده لها
طال الصمت بينهما فهو يكفيه وجودها وهى لا تجد ما تقوله ..حاولت فتح أى حديث فسألت
-هل غادر سليم؟؟
-نعم
قالها بهدوء دون أن ينظر إليها ولا ينوى أن يفعل فما به يكفيه وليس لديه مشاعر للعتاب
-أظنك سعيد للغاية بارتباط أختك بأعز أصدقائك
-بل صديقى الوحيد والذى أحاول مسامحته على ما فعله بشقيقتي ...ونعم كنت سعيد بهذا الارتباط ولكن لا أظن حور ستستمر فى تلك العلاقة
-لما لا ..أظنها تحبه للغاية فقد كانت سعيدة جداً وهى تشترى ثوب الزفاف ..لن تتركه وهى تحبه
سرعان ما أدركت غباء ما قالته وهو يلتفت إليها قائلاً بسخرية
-نعم لن تتركه وهى تحبه فليس كل الفتيات مثلك
لم تستطع الهروب من نظراته ..هل هذا الوقت المناسب لتخبره إنه تريد العودة إليه وتنحني طالبة حبه مرة أخرى؟؟
-هل يمكننا أن ننسى اليوم ما حدث معنا ..اليوم فقط فأنا أريد الوقوف بجانبك
قالتها وهى تشعر بغصة فى حلقها تجعلها تريد البكاء فرد هو بخواء
-أنا لست بخير أبداً ..لم أحتاج إليكِ فى حياتى مثلما أحتاج الأن
انسابت دمعة من عينيها حزناً عليه فمدت يدها لتمسك بذراعه قائلة بحنان
-يمكنك البكاء إن أردت
ضحك بخفوت ..وهل يبكى الرجال؟؟ لن تكون هذه أول مصيبة تحل عليه ..تعالت ضحكاته رغماً عنه ..ضحك حتى دمعت عيناه فلم يدري هل الدموع بسبب الضحك أم بسبب رغبته الحقيقية فى البكاء ..هو لا يبكى هو فقط يضحك بكثرة ..شعر بها تقترب من قبل أن تأخذ رأسه لتضعها على كتفها قائلة بحنان
-كل شئ سيكون بخير
لم يحاول رفع يده ليضمها إليه حتى لا تبتعد وهو لن يحتمل أبتعادها عنه الأن
-أشكر ربك أن شقيقتك لم تصاب بمرض خطير وتذكر دوماً أن لكل مشكلة حل
قالتها بهدوء ليغمض هو عينيه مستمعاً إليها مستمتعاً برائحتها الملاصقة له ولم يدرى بنفسه سوى وهو يغفو على كتفها وقد زاد تعبه
***
أنتهى (مازن) من الحديث مع (حور) ليكتشف هل مازال ما حدث يؤثر عليها أم لا وشرح لها حالتها بالتفصيل فسألت هى بشحوب
-هل سأظل هكذا دائماً أم سأشفى؟؟
-لا تقلقي لكل داءٍ دواء
أبتسمت بسخرية على جملته الأخيرة وهى بداخلها تقول
نعم لكل داءٍ دواء
جمله نقولها وقت المرض والابتلاء
ونسخر من انفسنا وننسى الوفاء
الوفاء... للظلمة والحياة السوداء
نحن نعلم ان ليس لكل داءٍ دواء
وان ليس أى دواء يشفى القلوب العمياء
نسخر ونتحدى الوجوه العابسة، الغارقة ف الرثاء
ونقول بأعلى صوت هناك امل...هناك جزاء
فهل يا ترى سننتظر الجزاء؟؟
ام نتخلص من الحياة برصاصه او سكين او حتى سُمُّ من حيه رقطاء؟؟
-أريد رؤية أخى
قالتها بنبرة مترجية ليرد هو
-حسناً سأتصل به ولنكمل حديثنا الى أن يأتى
-هل ذهب وتركني هنا بمفردي؟؟
سألت بدهشة ليقول هو بسرعة
-لا هو بالخارج يستنشق بعض الهواء
-لابد انه قلق علي كثيراً
قالتها بشرود فتساءل (مازن) بداخله بدهشة هل هى قوية أكثر من اللازم نسبة لما حدث لها ام انها تدعى ذلك؟؟
اخرج هاتفه ليتصل بشقيقها ثم عاد ليتحدث معها قائلاً بأبتسامة مشجعة
-هل تمانعين لو بقيتِ هنا بضعة أيام؟؟
-سيكون هذا أفضل فأنا لستُ مستعدة لمواجهة والدى بعد ما حدث مع ذلك الرجل
قالتها بهدوء فلاحظ هو كيف تجاهلت أسم زوجها أو حتى لقب خطيبي أو زوجي ..ليكن الله فى عون ذلك الرجل فنظراتها توحى بأنها ستُذيقه الويل ..طرقات على باب الغرفة تبعت دخول (فراس) ومعه (فريدة) فنهض هو من على المقعد المجاور لسرير (حور) ليترك مساحة لشقيقها
جلس (فراس) بجانبها ليضمها بقوة قائلاً
-هل أنتِ بخير صغيرتي؟؟
-نعم أخى لا تحمل هم
-بالتأكيد ستكونين بخير فحضن فراس يمتص كل الأحزان
نظر له (فراس) قليلاً ثم عاد لشقيقته قائلاً بحنان وهو يمسك بخصل شعرها
-فريدة تهوى قص الشعر ويمكنها أن تقوم بتسريحة رائعة لكِ ..ما رأيك ؟؟
-من الواضح أنك تعرف كل شئ عن فريدة حتى هواياتها
قالتها (حور) بمكر تحاول أن تطمئنه عليها فمالت الأخرى على أذن شقيقها تسأل بخفوت
-هل هى بحالة تسمح لها بالتحدث بهذا الخبث؟؟
-لا ولكن أنا حالتي تسمح بأن أسألك كيف علمتي أن حضن فراس يمتص كل الأحزان؟؟
قال جملته الأخيرة مقلداً صوتها لتتنحنح هى متجاهلة الأجابة ورغماً عنها تذكرت حضنها له بالخارج والذى لم يبادلها أياه قبل أن يهاتفه أخيها ويضطرا للنهوض ملقياً هو كلماته الأخيرة يخبرها أنها ليست مجبرة على التعامل معه بسبب ما حدث ويمكنها التصرف بالطريقة التى تريحها وهى لم تنطق بكلمة بعده
-أخى.. دكتور مازن أخبرني إننى من الأفضل أن أبقى هنا فحاول إيجاد أى حجة لوالدينا ..لا أريدهما أن يقلقا
-من المفترض إنكِ مسافرة الأن لن نخبرهما بما حدث
قالها بهدوء لتهز هى رأسها قبل أن تقول بملل
-لا أظننى سأحب الأقامة هنا ..أريد حاسوبي وبعض الأشياء من المنزل ..هل يمكنك جلبها لى؟؟
-بالطبع صغيرتي سأجلب لكِ كل ما تحتاجين اليه
تدخل (مازن) ليقول
-ستعجبك المصح للغاية أنستي ولن تحتاجي أى شئ ليشغلك كما أن خطيبتي معنا هنا وستكون سعيدة بالتعرف إليكِ وستستمتعا معاً
-وأنا أيضاً سأزورك كل يوم ..وأنتِ تعرفين خطيبة أخى أساساً ..هى من كانت معى فى دار الأزياء
قالتها (فريدة) بحماس جعل (فراس) ينظر لها بامتنان و(حور) تبتسم لها أبتسامة حاولت جعلها حقيقية
-عود للمنزل أخى فأنت بحاجة للنوم وتعال غداً مع أغراضي
كاد (فراس) أن يعترض ولكنها قالت بصرامة
-أنا أيضاً أحتاج للنوم وسأرتاح الأن ولن أستيقظ قبل أثنا عشر ساعة كما أظن لذلك لا داعى لوجودك
بعد نقاش وافق (فراس) على مضض وقبل أن يغادر نادته قائلة بحب
-الأن علمت لما عدت للمنزل فجأة أخى ..شكراً لك على كل شئ
-لا داعى للشكر صغيرتي
قالها بحنان ثم خرج ليجد (مازن) فى الخارج فقال له بقلق
-مازن حور تعشق البكاء على أى شئ ...وهى لم تبكى حتى الأن رغم ما حدث مع سليم وما عرفته عن مرضها
-ستبكى فى يوم هى فقط تحاول أن تظهر قوية وأنت لا تأخذ كل شئ بقلق هكذا ..هى أمامي الأن وأنا المسؤل عنها فلا داعى لتضغط على نفسك ..عد للمنزل الأن وانا سأبقى هنا فبعد ساعة سيبدأ عملي على أى حال
-هل ذهبت فريدة؟؟
-نعم فهى لا تحب المصح وتنعت مرضاي بالمجانين دوماً لذلك طردتها للخارج
أبتسم (فراس) بمجامله ثم ودعه ليذهب هو الاخر
***
واقف على التل ينظر إلى البحر الممتد أمامه وبيده كوب القهوة خاصته يشرب منه بتلذذ حاصلاً على بعض الدفء فى هذا الجو ...فجأة شعر بالتل يهتز تحت قدميه مقترباً من البحر أو ربما البحر هو من أقترب منه فنظر هو للبحر بدهشة وهو يرى مياهه الزرقاء تتحول إلى الأسود رغم نور الصباح ..فجأة شعر بأحد يناديه من داخل الماء ..تحول النداء إلى صرخات عالية ..يا ألهى انها (حور) تناديه ..بحث عنها بعينيه داخل الماء ليجدها ترفع يدها إليه صارخة بطلب النجدة ..حاول النزول إليها ولكن قدمه لم تتحرك ..حاول بقوة ولكن بلا جدوى فهناك شئ يكبله ..فجأة هدأ الصراخ وموجة عالية تضرب التل رافعة معها (حور) لتلقى بها على التل جثة هامدة ومبللة وشعرها مقصوص بعشوائية ..نظر لها بفزع وهى يحاول قطع تلك الخطوة الموجودة بينهما ليصل إليها ولكنه لم يستطع التحرك ..صوتها ملء الأجواء فجأة وكأنه يأتى مع الرياح
-لقد قتلتني سليييم ..قتلتني
نهض من نومته مفزوعاً والعرق يتصبب منه ..نظر حوله ليجد نفسه فى حديقة منزله التى جلس بها غير راغباً فى الصعود لغرفته ..نهض من مكانه متجهاً نحو البيت يريد بعض الماء ..عليه رؤيتها والتحدث معها ولكنه متأكد أن (فراس) لن يسمح له وحتى إن سمح لا يدرى هل ستوافق هى أم لا
-بنى ..أين كنت؟؟ هل قابلت حور؟
سألت والدته التى دخلت المطبخ فجلس هو على احد المقاعد بعد أن شرب ثم قال
-نعم قابلتها أمى ولكن ليتنى لم أفعل
جلست والدته امامه ثم أخذت يده بين يديها قائلة بحنان
-ماذا حدث بنى؟؟ أخبرني فربما أستطع مساعدتك
-لن يستطع أحد مساعدتي ابداً أماه
قالها بصوت جعل قلب والدته يتوجس وهى تنظر لولدها اليائس
-فى أمور كتلك دوماً يستطع الأكبر سناً والأكثر خبره تقديم المساعدة لأن ما مر عليه فى حياته أكسبه حسن تصرف
قالتها برزانة ليتنهد هو قائلاً
-عديني اولاً ألا تلوميني وتساعديني
-حتى وإن قتلت احد لن الومك فأنت ولدى الوحيد المدلل
قالتها مازحة بحنان ولكن ما إن قص عليها الأمر حتى تمنى أن يكون قاتل بدلاً مما فعله فوالدته ظلت تصرخ به حتى ظنها ستصفعه
-كيف تظن هذا بالمرأة التى أخترتها بنفسك حتى تكمل معها حياتك؟؟ حتى وإن كنت لا تثق بها ..ألا تثق بنفسك وباختيارك؟؟ وتقول لا تلوميني! والله لولا حالتك البائسة تلك لكنت طردتك من المنزل ..إلا حور يا سليم ..أنا أعلم كم تحبك وتحترمك والأعمى يرى هذا فكيف لم تراه أنت؟؟
-أمى أرجوكِ أنا يكفيني ما بى الأن فلا تزيدي الأمر علي ..أخبرتينى إنكِ ستساعدينى فلماذا تفعلي هذا الأن
قالها بأرهاق وهو يمسد رأسه بتعب فغلبت مشاعرها الأمومية على الغضب لتسأل بنبرة أهدأ قليلاً
-هل تحدثت معها وأخبرتها أنك علمت الحقيقة؟؟
-أظن فراس أخبرها
-وأين هى الأن؟؟
نظر حوله ليرى إن كان هناك شئ قد تقتله به فوجد سكين على المنضدة القريبة منهما ..ردد الشهادتين ثم قال بخفوت
-فى مصح نفسى
أتسعت عينا والدته بصدمة قبل أن تسأل بذهول
-هل أصيبت الفتاة بانهيار عصبي بسبب غبائك؟؟
تأفف بقوة قائلاً
-كفى تعنيفاً أمى .ولا لم تصاب بانهيار عصبي بل لأنها لديها ألزهايمر وبالمناسبة لستُ أنا السبب فى هذا بل هذا قضاء الله لذلك لا داعى لتضيفيه لقائمة حسابي
دخل والده ليسأل
-لماذا هذا الصراخ منذ الصباح؟؟
نهض (سليم) من مكانه حتى يصعد لغرفته فهو يعلم أن والدته لن تقصر وستخبر والده بكل شئ وهو لا ينقصه تأنيب والده وهو يحب (حور) للغاية ولن يمرر الأمر أبداً
صعد لغرفته متسائلاً عما فعله فى حياته ليعاقبه الله هكذا ..لن يقف بجواره أحد وهو يستحق هذا
***
نائماً على سريره بالمنزل ليشعر فجأة بباب غرفته يفتح بهدوء وخطوات تدخل الغرفة وتغلق الباب ثم تقترب من سريره ..أستطاع تميزها رغم ظلام الغرفة فنهض جالساً على سريره وهو يسأل بدهشة
-نغم! ماذا تفعلي هنا؟
أقتربت منه لتصعد على السرير واستقرت جالسة فوقه وهي ترميه ليعاود الاستلقاء ..شلته الصدمة وهو يراها تميل بجسدها عليه قائلة بأغراء ورائحتها الجديدة تنتشر حولها
-لم يكن عليك تركي بعد تلك القبلة في السيارة ..هل يرضيك هذا؟
أستفاق من صدمته ليقول بسرعة
بالطبع لا يرضيني ..يا لي من رجل بلا ذوق
أمسك بجسدها ليتحول وضعهما في لحظة واحدة وتصبح هي على السرير وهو بجانبها يشرف عليها من أعلى قبل أن يهبط ليقتنص شفتيها كالصقر الذي يهبط على ضحيته ..سمع طرقات عالية على باب الغرفة فلم يستطع تحريك جسده حتى يرد على الطارق الذي من المؤكد يكون (فريدة) ..تعالت الطرقات بأصرار ففتح عينيه بصعوبة ليجد نفسه في غرفته بالمصح وجسده غارق بالعرق رغم برودة الجو..نهض بصعوبة وهو يلعن ذلك الذي جعله يستيقظ من حلمه الرائع ليجدها مساعدته تخبره أنه نام بما يكفي ..كاد يصفعها ولكنه أكتفى بإماءة من رأسه لتغادر الفتاة وتتركه بجحيمه الخاص
***
خرجت من غرفتها تنظر حولها بخوف ..ما هذا المكان؟؟ كيف وصلت لهنا؟؟ ..وجوه غريبة عنها وأصوات عالية فى رأسها ..نظراتها مشتتة وأعصابها متعبة
-أنسة حور هل تبحثين عن شئ
سألت (نغم) التى وصلت حالاً للمصح وكلها لهفة لمعرفة ما حدث أمس بالتفصيل بعد أن اخبرتها صديقتها أن (حور) انتكست ..نظرت (حور) إليها قائلة بشحوب
-لماذا أنا هنا؟؟
لقد رأت (نغم) العديد من حالات الزهايمر فى حياتها ولكنها لم تظن أبداً أنها سترى تلك الفتاة التى كانت مفعمة بالحيوية وتنضج بالأثارة فى هذه الحالة كما أنها لم ترى أحد بسنها يعانى من هذا المرض
أخذتها (نغم) من يدها قائلة برقة
-لندخل إلى الغرفة وسأخبرك بكل شئ ..أين غرفتك؟؟
أشارت (حور) لأحد الغرف قائلة
-أظنها تلك الغرفة فقد خرجت منها للتو
دخلت (نغم) معها الغرفة وساعدتها على الجلوس ثم قالت بهدوء عملي
-حاولى الأن أن تتذكري لماذا أنتِ هنا
فكرت (حور) قليلاً ثم قالت وملامحها تتجمد تماماً
-نعم تذكرت ..لأننى مريضة بالزهايمر المبكر الذى يحدث لشخص واحد من بين عدة ملايين وللمصادفة أكون أنا هذا الشخص
***
سارت فى الرواق الذى يوصل لمكتب (مازن) ثم دخلت بسرعة إلى مكتبه بعد ان طرقت طرقة واحدة على الباب
-مازن اريدك أن تخبرنى بكل شئ عن حالة حور الصايغ فلن يصادف المرء حالة كتلك كل يوم
قالتها (نغم) بحماس وهى تجلس على الكرسي المواجه لمكتبه فرفع هو عينه عن الملف الموجود بيده قائلاً بسخرية
-وعليكم السلام ورحمة الله ..أنا بخير حبيبتي ..ظننتك لن تأتى اليوم ولكنى متفاجئ من شجاعتك
أحمرت وجنتيها بشدة فرفعت يدها لتعيد خصلة من شعرها خلف أذنها قائلة بتلعثم
-ولماذا لن أفعل؟؟
رفع حاجبه مبتسماً بخبث ثم نهض فجأة من مكانه بحركة حادة لتصرخ هى وتركض خارج المكتب قبل أن يصل إليها ..أطلق ضحكة عالية قائلاً بصوت مرتفع لتسمعه
-أنتظرى نغم ..يمكننا الحديث عما حدث فهذا سيتكرر كثيراً فى المستقبل
استمعت له فنظرت حولها برعب لترى إن كان هناك أحد يسمعه ..ونظراً لوجود مكتبه فى مكان حيوي بالمصح فقد سمعه الكثيرون ولكن لم يفهم أحدهم شئ على أى حال
لم تدرى (نغم) ماذا تفعل ومريضها الصغير ليس فى المصح اليوم فقررت الذهاب لغرفة الراحة الخاصة ب(مازن) لتبقى بها قليلاً حتى تأتى (فريدة) ..دخلت الغرفة بعد أن استخدمت المفتاح الذي أعطاه لها من قبل وجلست بها تنظر للحديقة الظاهرة من النافذة الكبيرة الموجودة بالغرفة ..شردت بفكرها عائدة إلى الأمس حين كانت تجلس معه فى السيارة ملاصقة له..أغمضت عينيها بشدة خجلة من تلك اللحظة المحرجة والتى لم تفكر إنها ستتعرض إليها بتلك السرعة ..لقد فكرت كثيراً ماذا سيكون شعورها حين يقبلها ..حتى انها فكرت فى هذا قبل ارتباطها به فحياتها كلها كان محورها (مازن) ..ولكنه حين قبلها تداخلت مشاعرها بشكل غريب فلم تستطع أن تركز على شعور واحد فبين الذوبان والاطمئنان بالقرب منه طغى الخجل على أى شعور اخر ليجعلها تنتفض بعد لحظات مبتعدة عنه وهو كان يبدو فى عالم اخر تماماً فلم يمنع خروجها من السيارة ولم يلحق بها حتى
-بماذا تفكرين بكل هذا التركيز؟؟
نهضت مجفلة لتراه أمامها مبتسماً بخبث لتسأله بحدة
-ماذا تفعل هنا؟؟
هز كتفيه قائلاً ببراءة
-هذه غرفتى الخاصة والغير مسموح لأى أحد دخولها غيرى فلم أتوقع وجودك هنا ..لذلك أتيت كي أستريح قليلاً لأننى لم أنام منذ الأمس
فاضت نظراتها بالحنان رغماً عنها لتقول برقة
-أعلم هذا يمكنك النوم الأن وأنا سأفعل أى شئ تريده بدلاً منك الى أن تستيقظ
أقترب منها ليسحبها إليه محيطاً خصرها فوضعت هى يدها بينهما وكأنها تحمى نفسها بتلك الطريقة بينما هو مال برأسه لرقبتها ليستمتع برائحته المفضلة ..لقد أجادت أختيار الرائحة
-اريد أن أخبرك بشئ
قالها بمكر جعلها تتوجس سائلة وجسدها يقشعر من قربه
-ما هو؟؟
-أنتِ لا تجيدين التقبيل على الأطلاق ..ربما أنتِ أفضل في الأحلام
قالها ضاحكاً لتبتعد عنه هى بقوة صارخة به
-مازن لا تتخطى حدودك معى ..وأنا لا أريد رؤيتك ابداً منذ هذه اللحظة وحتى يوم الزفاف
أقترب منها لتبتعد هى ومازال هو يقترب وهى تبتعد حتى ألتصق جسدها بالحائط خلفها ولم يرحمها هو فحاصرها بجسده قبل أن يقول بصوت أجش ماراً بأصبعه على وجهها برقة
-اولاً لا يوجد حدود بيننا فأنتِ زوجتي ..ثانياً إن كنتِ لا تريدين رؤيتى فلماذا تركتي كل هذا المبنى وأتيتِ لغرفتي بالأخص؟؟ أعترفى أنكِ تريدين البقاء بجانبي دوماً وأن ما حدث بالأمس لم يضايقك أبداً فأنتِ لم تعترضي فى البداية ولولا خجلك لكنت علمت الأن هل تجيدين التقبيل أم لا ولم أكن سأراكِ في أحلامي كأى مراهق يعاني من مشاكل نفسية
-يا ألهى لا أريدك أن تحدثني بتلك الطريقة أبداً
قالتها بشحوب وشفتاها أصبحت بيضاء فجأة وجسدها بدأ يبرد مما جعلها على وشك الأغماء ولكنه ادرك ذلك فأمسك بذراعيها متحدثاً إليها حتى يخرجها من حالة الرعب التى تواجهها الأن
-بأى طريقة تقصدين؟؟
-بتلك الطريقة وكأنك على وشك ألتهامي فى أى لحظة
-أنا لا أريد التهامك نغمى ولكنى بالتأكيد أريد أشياء أخرى
قالها ضاحكاً فأمسكت هى بسترته قائلة بخفوت
-مازن أرجوك لا تعاملني هكذا فأنا أرتعب من تلك الأمور
-أرجوكِ أنتِ لا تترجيني بتلك الطريقة
قالها وهو يلامس شفتيها بأصبعه رغماً عنه ثم وكالمنوم مغناطيسياً مال برأسه قليلاً ليقبلها برقة وقد أدرك الأن كم أن منعه عنها شئ صعب
***
دخلت (فريدة) غرفة (حور) بعد أن طرقت الباب قائلة بمرح
-صباح الخير ..ما هذا الجمال يا فتاة منذ الصباح؟؟
أبتسمت (حور) إليها أبتسامة حقيقية جعلت (فريدة) تطمئن قليلاً ثم أخرجت من حقيبتها حقيبة صغيرة قائلة بحماس
-هل ترغبين بقص شعرك؟؟
-نعم فمظهره مريع
قالتها بخواء لترد (فريدة) بأنبهار
-أنتِ لا يمكن لأى شئ فيكِ أن يكون مريع
دخلت (نغم) الغرفة فجأة وقد علمت من أحد العاملات أن (فريدة) بالداخل ..جلست على حافة السرير الجالسة عليه حور وهى ترتجف بشدة فسألتها (فريدة) بأستغراب
-هل أنتِ بخير؟؟
ما إن نطقت بجملتها حتى انفجرت (نغم) باكية بشكل جعل (حور) تحسدها على تلك القدرة على البكاء
-حبيبتي ماذا حدث؟؟
سألت (فريدة) بقلق لتقول (نغم) شاهقة بالبكاء
-لقد فعلها مرة أخرى ..الوغد قبلني مرة أخرى
تعالى صوت بكائها بشكل مضحك لتسأل (فريدة) بذهول
-هل قبلك أخى؟؟
-الحقير فعلها مرتين ..سأجعله يعض أصابعه من الندم
قالتها (نغم) بعنف لترد (فريدة) بنفس الذهول
-لا أصدق أن أخى فعل هذا ..انا أخبره دوماً إنه عديم الأخلاق ولكنى لم أكن أعلم إنه هكذا حقاً
نظرت لهما (حور) بدهشة ثم قالت بسخرية
-هى تقول إنه وغد وأنتِ تقولين عديم الأخلاق ..لا ينقص سوى تقديم بلاغ ضده بتهمة التحرش..أنا لا أرى أى مشكلة فى هذا ..لقد عرفت أنه زوجك على ما أظن
-هل ترضيها لنفسك؟؟ بالطبع لا لذلك لا تتحدثي وكأن الأمر بسيط
قالتها (نغم) بعناد وقد توقف بكائها حين تحدثت (حور) و التى ردت عليها قائلة ببساطة
-لقد أوشكت على أتمام زواجي بسليم مرتين حتى إننا عجلنا الزواج لأننا لم نستطع الانتظار أكثر ..الأمر لا يتعلق بالأخلاق يا دكتورة هو فقط مجرد خجل لا يمتلكه الرجال بينما كثير من الفتيات مختنقات به
أقتربت (نغم) من (حور) سائلة بفضول
-ألم يضايقك الأمر أبداً ؟؟ ألم تخجلي؟؟
-فى البداية نعم ولكن بعد لحظة واحدة يغادرني الخجل وأصبح أكثر شغفاً ..لا اريدك ان تأخذي علاقتى بسليم كمثال لأن ما وصلنا إليه الأن لا اتمناه لاحد
قالت جملتها الاخيرة بثبات جعل (فريدة) ترفع حاجبها بأعجاب
فُتح الباب فجأة ليدخل (فراس) الذى قال بسرعة
-أسف لم أظن هناك أحد مع حور لذلك لم أطرق الباب
-أخى حتى وإن كنت بمفردي أخبرتك الف مرة أن تطرق الباب فهذه أبسط قواعد الذوق
دخل ليغلق الباب خلفه واضعاً الحقائب على السرير الذى نهضت من عليه (نغم) ليجلس هو محتضناً شقيقته ثم قال باعتذار
-أسف على التأخير صغيرتي ..لم أستطع الخروج بسبب أمى
مالت (نغم) على أذن صديقتها قائلة بمكر
-يجيد فراس دور الشقيق الحنون ..هل أصبح أكثر وسامة أم اننى أتخيل؟؟
نظرت لها (فريدة) بغضب طالبة منها بصمت ان تخرس
-كيف حالك نغم ..لم أراكِ منذ زمن
سأل (فراس) بأحراج لتجيبه (نغم) بود
-الحمدلله شكراً لك
-بالمناسبة أخى أريد سؤالك عن شئ بما إنك اتيت فى الوقت المناسب
-ماذا حبيبتي؟؟
سأل بأهتمام لتجيب هى
-ما رأيك بتقبيل الرجل للمرأة هل هو انعدام اخلاق؟؟
نظرت (نغم) ل(حور) بصدمة بينما (فريدة) كتمت ضحكتها بصعوبة وهى ترى وجه (فراس) المحرج ليجز هو على أسنانه هامساً لشقيقته بتحذير
-أقسم بالله لن أهتم بمرضك ولا حالتك وسأقطع رأسك لأعلقها على باب المصح الأنيق حتى تكوني عبرة إن أستمريتِ فى أحراجي أمام الناس
مالت (نغم) هامسة لصديقتها بدهشة
-لو كنت أمتلك نصف جرأة تلك الفتاة لكنت أحمل فى رحمي جنين الأن من أخيكِ
لم تستطع (فريدة) السيطرة على ضحكتها أكثر فتعالت رغماً عنها مجلجلة مما جعل (فراس) يسالها بسخرية
-هل أعجبك السؤال لتلك الدرجة؟؟
-نعم كثيراً خاصة وأنت تكاد تختفى من الأحراج
ردت ضاحكة بقوة ليجيب هو بتحدي
-يمكننى الأجابة حور ..هل تريدين معرفة رأيي؟؟
-ماذا بشأن رأسي التى ستقطعها؟؟
سألت (حور) بدهشة مصطنعة ليرد هو مبتسماً بسخرية
-يمكنك الأحتفاظ بها هذه المرة
-حسناً ما رأيك ؟؟
سألت (حور) لينظر هو ل(فريدة) نظرة تشفٍ أخبرتها بوضوح أن أجابته لن تعجبها أبداً
-بحكم محاولاتي الكثيرة مع فريدة والتى كانت فاشلة دوماً جعلتها تخبرنى أن التقبيل نوع من أنواع الزنى وذنبه كبير ولكنها إن كانت زوجتي لم أكن لأعطيها الفرصة حتى تلتقط أنفاسها
ربتت (حور) على كتف أخيها بفخر مصطنع بينما (فريدة) بهتت تماماً من وقاحته و(نغم) هتفت رغماً عنها
-هذه العائلة منبع للجرأة والوقاحة ..كم أرغب بالتعرف على والديكما الذى أحضرا مصيبتان مثلكما إلى الدنيا
-تأكدي إن تلك چينات متوارثة فى العائلة
قالتها (فريدة) بسخرية وهى تخرج تاركة الغرفة فلحقت بها (نغم) ..تنهد هو بقوة قائلاً
-لن تنسى أبداً ما حدث مع أبى
-جرح الكرامة ليس هين أخى
قالتها بنبرة ميتة ليحل الصمت التام بينهما

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثاني عشر

مُساهمة  samia abdelfatah في السبت ديسمبر 08, 2018 9:15 am

الفصل الثاني عشر

مرت الأيام بطيئة على البعض وسريعة على الاخرون وهناك من مرت عليهم هادئة كموجة ناعمة تلامس الشاطئ بصفاء ..كانت بطيئة على (حور) التى لم تستطع التأقلم مع وضعها الجديد و(سليم) الذى لم يستطع رؤيتها رغم أن أمه تزورها بشكل شبه يومي وحتى والده ذهب لرؤيتها ..هو فقط الغير مسموح له بالدخول حتى من باب المصح وكأن الجميع أتفق عليه وحتى (فراس) لم يستطع أقناعه بضرورة رؤيته لها ..هو واثق إنها لن ترفض رؤيته فهى لا تخشى المواجهة ولكن لا يمكنه الوصول اليها
(مازن ونغم) كانت الأيام تنتهى بسرعة معهما وهما مشغولان فى التحضير لحفل الزفاف الذى جعله (مازن)؛ أسطورياً ليليق بأميرته التى تتحاشاه هذه الأيام وكأنه مرض وهو مستمتع للغاية بجعلها متوترة دوماً فى حضوره ..(فريدة) أيضاً كانت مشغولة كثيراً ..فتحضيرات الزفاف مع صديقتها وشقيقها واجب عليها ..ومراعاة (حور) بشكل مستمر تصر عليها لتريح (فراس) قليلاً وأيضاً الجمعية الخيرية التى تديرها لا تستطع الابتعاد عنها كثيراً ...بالرغم من كل هذا إلا انها كانت سعيدة ومرتاحة البال وكأن هموم الدنيا لا تمت لها بصلة ..هذا فقط لوجود (فراس) الدائم حولها حتى وإن كان ليس من اجلها ولكن وجوده يكفى ..كما انه يعاملها أحياناً ..أحياناً فقط وليس دائماً وكأنها مازالت حبيبته ..أبتسامته لها كل يوم حين يأتى لزيارة شقيقته -التى تكون هى عندها دوماً- تجعلها تشعر وكأنها ملاذه الأمن ..وكأنه يأتى ليضع كل تعب يومه على شفتيه ليقع مع تلك الابتسامة وهذا جعلها توقن إنها تستحق فرصة حقيقية أخرى ومن دون أى مشاكل خاصة بعد أن حدثتها والدته وأخبرتها كم هى سعيدة بوجودها بجانب ولدها وأبنتها فى هذه المحنة وشكرت (مازن) أيضاً على مراعاته لأبنتها ..لم يعد هناك مشاكل أليس كذلك؟؟ هى تخطت مرحلة الغباء وهو أخرج كل مشاعره المترجية حتى أصبح فارغ من الداخل ..شقيقها موافق على علاقتها به ووالديه لم يعودا كالسابق ..أذن ماذا تنتظر؟؟
ستخبره فى زفاف شقيقها غداً ..ستخبره كم تحبه وكم تريد أكمال حياتها معه ..ستترجاه أن يسامحها على كل ذلك الفراق الذى تسببت به وكل الآلم والوحدة التى عاشها بسببها ..أجل ستخبره بكل شئ
-فريدة أنا أبحث عنكِ منذ ساعة وأنتِ جالسة هنا؟؟
سألت (نغم) بغيظ وهى ترى صديقتها خالية البال تجلس فى حديقة منزلهما الجديد الذى أشتراه (مازن) بدلاً من شقتهم الكئيبة
-ماذا تريدين؟؟ لقد أنهيت عملي ونظمت غرفتى بالكامل حتى اللمسات الأخيرة ..ماذا تريدين أيضاً؟؟
سألت (فريدة) بتعب حقيقي من صديقتها المتسلطة فجلست الأخرى بجوارها على الأرض الحشيشية الخاصة بالحديقة ثم قالت برعب مضحك
-أشعر إننى سأختنق فى هذا المنزل لو كنت وحدى به
أبتسمت (فريدة) قائلة بخبث وهى ترفع وجهها لأشعة الشمس الدافئة
-لن تكوني به وحدك مطلقاً ..مازن سيلاحقك فى كل ركن بالمنزل لا تقلقي أبداً
اعتدلت (نغم) على ركبتيها قائلة بتحفز
-وهذا ما يقلقني ..هل رأيتي نظراته لى تلك الأيام؟؟ يبدو وكأنه على وشك فعل شئ سيء ..أنا لست مرتاحة له أبداً ..ثم لماذا ستقضين ليلتك غداً فى الخارج؟ هل طلب منكِ هذا؟؟
هزت (فريده) كتفيها قائلة بلامبالاة مصطنعة
-لا ولكنى لا أريد أن أسمع أى شئ قد يخدش حيائي ولا أريد أن أرى أخى بوضع مخل
رفعت (نغم) يدها لتضرب وجنتيها برفق قائلة بشبه انهيار
-يا ألهى ..وهل تملكين بعض الحياء؟؟ كيف تقولي هذا؟؟ لقد تأثرتى كثيراً بحور من كثرة بقائك معها
كادت أن ترد قائلة بل بشقيقها ولكنها قالت بدلاً من ذلك
-لم نتحدث يوماً عن تلك الأمور التى تثرثر بها الفتيات
-أية أمور؟
سألت (نغم) بغباء لترد الأخرى بمكر
-تلك الأمور الخاصة بليلة الزفاف ..ألا تريدين سؤالي عن شئ ما بما أن ليلتك غداً؟؟
تأففت (نغم) بقوة قائلة لتخفى خجلها
-فريدة أنا طبيبة بالله عليكِ وبالتأكيد أدرك كل شئ نفسى وبيولوچى وأكثر منكِ
أومأت (فريدة) قائلة بأقتناع
-نعم معكِ حق أنا لم أتعامل يوماً سوى مع الرياضيات والفيزياء ..كنت مهندسة بارعة ..ولكنك بالتأكيد بحاجة لخبرات فى حسن التصرف .يا ترى من سيفيدك بهذا؟؟
-ومن غيرها ..بالتأكيد عديمة الحياء شقيقة عديم الأخلاق الخارجة من أسرة لم تعرف الذوق يوماً
قالتها (نغم) بأشمئزاز مصطنع لتهض الأخرى ضاحكة
-أذن لنذهب إليها
-لا أريد رؤية مازن ..ألست عروس عليها الجلوس فى المنزل لتحصل على التدليل الكامل؟؟
سألت بغيظ طفولي لترد (فريدة) بتعنيف مرح
-أنهضى يا فتاة أمامنا الكثير من الأمور ..سنذهب مساءً لمركز التجميل ..وتحصلين على كل التدليل الذى تريديه
-تبدو فكرة مثيرة تلك الخاصة بالتدليل ..هيا بنا
قالتها (نغم) وهى تنهض بحماس فبرمت الأخرى شفتيها بقلة حيلة ثم تبعت صديقتها المتحولة
فى الطريق سألتها (فريدة) عن حالة (حور) الطبية فردت الأخرى ببعض الحيرة
-فى العادة لا ألاحظ عليها شئ فهى دوماً قوية وثابتة وكأن المرض ليس مرضها ..تتحدث بجرأتها المعتادة فيظن الجميع أنها لم تتعرض أبداً للانتقاد من طريقتها على الرغم من ان زوجها شك بها ..غير مبالية أبداً وربما أتجرأ وأصف حياتها بالسعيدة
-أنا أيضاً ألاحظ هذا
قالتها (فريدة) بأقتناع لتكمل الأخرى بعملية ساخرة
-الجميع يظن هذا ولكن وحدهم الأطباء من يعرفون الحقيقة
-وما هى الحقيقة أيتها العبقرية بما أنك طبيبة؟؟
سأل بسخرية لترد (نغم) بهدوء
-الحقيقة أنها مدمرة من الداخل ..حالتها النفسية سيئة للغاية ولا يوجد تحسن فى مرضها بل تنسى دوماً أكثر وأكثر ..تقاريرها اليومية تخبرنى بهذا ومازن أيضاً يستغرب الأمر لأن من فى سنها عادة لا يتأثرون بالزهايمر كثيراً ..أنا أظن أن زوجها سيساعدها فهى تحبه كثيراً وهو السبب الرئيسي فيما وصلت إليه لذلك هو الوحيد القادر على انتشالها من تلك الحالة
-فراس لا يريدها أن تراه
-فراس هذا لا يفهم أى شئ
قالتها (نغم) ببرود فصرخت بها الأخرى
-نغم أحفظى لسانك ..هو ادرى بمصلحة شقيقته
-لا تغضبي فليس هو الوحيد الذى لا يفهم شئ بل أن مازن أغبى منه ويرفض تماماً مقابلتها لزوجها ..هل تذكرين كيف كانت ذلك اليوم فى دار الأزياء؟؟ لا أصدق أن تلك الشعلة المثيرة أصبحت حالة نتحدث عنها الأن
قالتها بأشفاق لتسأل (فريدة) بغموض
-هل تظنين أن رؤيتها لسليم ستفيدها ؟؟
-نعم كثيراً وحتى إن لم تكن رؤيته إيجابية ستواجهه وتتخلى عن تلك الواجهة الباردة المحيطة بها
صمتت (فريدة) لتفكر ثم برقت الفضة فى عينيها بأصرار قبل أن تقول
-أذن ليكن هذا
***
جالسة أمام الحائط الزجاجي المطل على حديقة المصح..لا تفكر بأى شئ ..تمر بتلك الحظة التى تتوقف فيها كل الحواس ..لا تفكير لا رؤية ولا حتى شعور ..كأنها جثة متجمدة
-حور نريدك فى شئ ضروري
قالتها (نغم) التى دخلت الغرفة مع (فريدة) فلم تتحرك هى من مكانها ولم يبدر عنها أى حركة بل قالت بشرود
-كان زفافي منذ خمسة أيام
تسمرت الفتاتين مكانهما وهما يستمعا لنبرتها الخافتة
-كنا سعيدان للغاية أنا وسليم ...اشتريت فستاني وأخبرته بالمكان الذى أريد الذهاب إليه لقضاء شهر العسل وهو وافق ..لم يهمني المكان بقدر ما همني موافقته على رغبتى ..أردت الذهاب معه لأخر العالم بعيداً عن الجميع ..لقد كنت أسعد أمرأة فى العالم
قالت جملتها الأخيرة بصوت باهت من تداخل ألوان الآلم مما جعل دموع كلاً من (فريدة ونغم) تنزل بصمت قبل أن يتراجعا بهدوء ليخرجا من الغرفة
-نغم أنتِ لن تذهبي لمركز التجميل اليوم
قالتها (فريدة) بجدية لتسأل (نغم) بدهشة
-لماذا؟؟
-لأنكِ ستذهبين للنادي الصحي حتى تأخذي معك مازن
-ماذا سأفعل فى النادي الصحي بحق الله؟؟
سألت بغيظ لترد (فريدة) بهدوء
-ادخلى الساونا وأحصلى على التدليك لتريحي جسدك وأظن هناك كل شئ متوفر أكثر من مركز التجميل
-حسناً ولماذا سأذهب مع مازن ..ألن تأتى معى؟؟
-لا ..أريدك أن تبعدي مازن عن هنا لأستطيع أدخال سليم إلى المصح دون مشاكل
-وماذا عن فراس؟؟
-لا تقلقي من تلك الناحية ..سأحل الأمر ..أذهبى لمازن الأن واخبريه فليس لدينا الكثير من الوقت وفراس سينهى دوامه فى الجامعة ويأتي وربما يأتى والديه أيضاً وستعم الفوضى
رفعت (نغم) يدها بتحية عسكرية ضاحكة ثم أتجهت لعرين الأسد ..طرقت على الباب عدة طرقات ولكنها لم تدخل بل ظلت تفكر أولاً كيف ستخبره وهل سيوافق أم لا وإذا لم يوافق ستكون هى سعيدة للغاية ولكن ربما تقتلها (فريدة) لأفساد خطتها ..فُتح الباب فجأة بقوة جعلتها تشهق قبل أن يسحبها (مازن) للداخل ويغلق الباب ليلصق ظهرها به واضعاً أحدى يديه على الباب والأخرى على خصرها
-لا أنا لا أريد الذهاب معك لأى مكان
قالتها برعب وهى ترى محاصرته لها ليرفع هو حاجبه قائلاً بأستغراب
-أنا لم أطلب منكِ الذهاب لأى مكان ..انها هواجسك فقط
رفعت يدها لتضعها على وجهها محاولة التماسك ..تنحنحت قليلاً ثم قالت بثبات مزيف
-أريد الذهاب للنادي الصحي لدخول الساونا والتدليك .هل تأتى معى؟؟
-هل سندخل نفس الساونا؟؟
سأل بصوت منخفض يفيض بالخبث لينهار قناع التماسك ويحل مكانه نظرة رعب خالصة
-هذا لن ينجح أبداً ..أنسى الأمر لن نذهب لأى مكان
تنهد بقوة ثم مال برأسه لتلامس جبهته كتفها فكتمت هى أنفاسها
-سنتزوج غداً نغم
قالها بجدية لترد هى بتوجس
-نعم أعلم هذا
-معنى هذا أننا سنعيش معاً ..ستنامين جواري كل ليلة فستكونى قريبة منى رغماً عنكِ ..سنتقابل فى الصباح والمساء وحتى فى العمل
-وأنا سعيدة بهذا
قالتها بصدق فلم يرفع هو رأسه بل أكمل بهدوء وهو يتشمم رائحتها بشراهة
-ستكونى زوجتي نغم ..هل تدركين معنى هذا؟؟
-ماذا تريد من هذا الحديث مازن؟؟
سألت بغباء ليزفر هو قبل أن يرفع رأسه ليواجهها
-لا أريدك متحفزة دوماً بالقرب منى ..أريدك أن تتخلى عن خجلك قليلاً ..لا أريدك مثلاً ان تتركي لى المنزل لمجرد إننى أخبرتك برغبتي فى أخذ حمام معك
أتسعت عيناها بصدمة ليقول هو بسرعة
-هل رأيتي ..هذا تماماً ما أقصده ..أنا أقول مثلاً وأنتِ على وشك صفعي فماذا ان طلبت هذا حقاً ؟؟
بللت شفتيها وهى تحاول ألا تصفعه فعلاً ثم سألت بخفوت خجل
-هل هذا مهم لك؟؟
-أى شئ
سأل بعدم فهم لترد هى بصعوبة
-هذا الامر المتعلق بالاستحمام ..لا أستطيع تقبله
أبتعد عنها صارخاً بذهول
-يا ألهى ..هل أنتِ غبية؟؟ هل هذا ما فهمتيه من حديثي؟؟ أنا أعطيكِ مجرد مثال
أقتربت منه قائلة برجاء وهي ترى أنها غبية حقاً وتعذبه بخجلها
-ماذا تريد الأن؟؟ سأفعل ما تريده
نظر لاقترابها الراجي منه فكتم أبتسامته بأعجوبة ثم أدعى الغضب ليصرخ بها
-لا أريد أى شئ ..أذهبى الأن
-ألن تأتى معى للنادي
سألت ببراءة ليرد هو بعنف
-لا لن اذهب ..أذهبى بمفردك وأدخلى الساونا بدرجة حرارة عالية لتحرقي جلدك وتستطيعي وجود حجة غداً حتى لا ألمسك
-لم أفكر فى هذا ..لقد فكرت فى أشياء أخرى أكثر أقناعا
قالتها بشرود ليضحك هو بذهول قبل أن يشير إلى الباب قائلاً بغيظ
-أخرجى نغم ..لا أريد رؤيتك حتى الغد
دمعت عيناها فأحنت رأسها وألتفتت لتغادر بصمت ..لم يطيعه قلبه ليتركها تغادر هكذا فأسرع ليخرج معها قائلا وهو يضع ذراعه على كتفها
-هل تعلمين إننى أجيد التدليك ..لندخل معاً لتتعرفي على قدراتي
قالها بجدية مصطنعة فضحكت رغماً عنها بيأس ليقبل هو رأسها داعياً لنفسه بالصبر
***
غارق فى العمل لينسى همومه قليلاً فتعالى رنين هاتفه ليرفعه ويرد دون أن ينظر للشاشة
-مرحباً
جائه صوت أنثوى متوتر يقول بتردد
-مرحباً سليم أنا فريدة
نهض من مقعده مجفلاً ليسأل بقلق
-هل حدث شئ لحور؟؟
-لا لا ..لا تقلق
قالتها بسرعة قبل أن تكمل بحنان
-هل تريد رؤيتها؟؟
صرخ مجيباً بقهر
-بالتأكيد اريد ولكن الوغدان لا يسمحا لى
رفعت (فريدة) حاجبها قائلة بتأنيب
-أظنك تقصد فراس ومازن ..أى انك تسب أهم رجلان فى حياتى ولكنى سأتجاهل الأمر من اجل مساعدتك
-هل ستجعلينى أراها حقاً ؟؟
سأل بلهفة لترد هى بأبتسامة لم يراها طبعاً
-نعم ..تعال للمصح الأن وأنا سأدخلك إليها
أخذ سترته بسرعة وأتجه للباب قائلاً بامتنان
-فريدة أنتِ الأفضل ..لن أنسى لكِ هذا أبداً
-لم يكن هذا رأيك فيما مضى ولكن على أى حال هذا لا يهم الأن ..أنا أنتظرك لا تتأخر
-أنا فى السيارة الأن
ضحكت بقوة من سرعته ثم أغلقت الهاتف غير شاعرة بأى ذنب تجاه شقيقها أو (فراس)
حين وصل (سليم) للمصح أتصل ب(فريدة) فخرجت إليه بسيارتها ..توقفت بالسيارة بجانب سيارته ثم قالت باعتذار
-أسفة على التأخير ..أترك سيارتك وأصعد معى فليس من السهل أن تدخل بمفردك لن يسمح لك الحارس
-نعم اعلم هذا فقد جربت من قبل
خرج من سيارته بعد أن صفها بجانب الطريق ثم صعد لسيارتها قائلاً
-أنطلقى بسرعة لا استطيع الانتظار أكثر
-لو علم احد ما أفعله سأصبح فى موقف صعب
قالتها بقلق ليسأل هو بهدوء
-لماذا تساعديني؟؟
أنطلقت بالسيارة ثم ردت بصراحة
-لأننى فى نفس موقفك الأن ..أريد أنهاء الأمر مع فراس بعد ان تسببت بكل هذا الفراق
-هل تمزحي؟؟ لقد تألم كثيراً وأنا وحدى من أعلم كيف قضى أيامه ..والان تأتى ببساطة لتنهى الأمر؟؟
سأل بغيظ غاضب لترد هى ببرود
-أنت بالتأكيد لا تعلم كيف حالة حور ..هذا الصباح كانت تتحدث عن زفافها وشهر العسل بطريقة جعلتني أبكى شفقة عليها ..أصبحت تنسى الكثير من الأشياء وهى مدمرة من الداخل ومع ذلك أنا أساعدك الأن لتصلح الأمر معها
-هذا ليس بسببي بل لأنها مريضة
قالها بشحوب لترد هى بقسوة
-بلى بسببك فحالتها كانت مستقرة قبل تركها لك..إن كان هناك شئ نتشارك به أنا وأنت سليم فبالتأكيد تدمير حياة من نحب ..هيا بنا لقد وصلنا
قالتها وخرجت من السيارة ليتبعها هو بصمت وهو يفكر إنه غير مستعد لمواجهة فاتنته الأن
سار خلفها ليتوقفا امام احد الغرف فالتفتت إليه قائلة بهدوء
-هذه غرفتها ..حاول ألا تخطئ بشئ فحالتها لا تحتمل
أومأ برأسه بسرعة ثم اخذ نفس عميق وفتح الباب ..ما إن دخل الغرفة حتى وجدت (فريدة) (فراس) قادم بأتجاهها ..تسمرت مكانها تحاول إيجاد طريقة لأبعاده ولكنها تأخرت حتى وصل إليها
-لماذا أنتِ واقفة هكذا ؟؟
سأل بأستغراب وهو يمد يده ليفتح الباب فوقفت هى حاجز بينه وبين الباب قائلة برجاء
-لا تدخل
رفع حاجبه سائلاً بتوجس
-لماذا؟؟
أمسكت بخصلة من شعرها لتلفها حول أصبعها فأتبع هو حركتها بعينيه رغماً عنه
-هكذا بلا سبب ..أريد الوقوف معك قليلاً
قالتها ببراءة مصطنعة جعلته ينظر لغرفة شقيقته بقلق
-هل حور بخير ..هل تخفين شيئاً عنى؟؟ أنتِ لا تستطيعي خداعي فريدة ..أبتعدي لأدخل
أمسكت بيده التى فتحت الباب ثم اغمضت عينيها بقوة قائلة بسرعة
-سليم بالداخل
-ماذا؟؟
سأل بعد أستيعاب لتضم هى يده قائلة برجاء
-هما بحاجة للحديث فراس ..أرجوك أسمح لهما بذلك
جز على أسنانه قائلاً بغضب خفيف
-كيف تسمحين بهذا يا فريدة؟؟ لقد أخبرني مازن أن الأمر ربما يضرها
-و نغم اخبرتنى أن الأمر سيفيدها
قالتها بسرعة ليرفع هو أصبعه قائلاً بتحذير
-مشاعر حور ليست حقل تجارب للأطباء فريدة لذلك لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ
-فراس هل تريد أن يتآلما مثلنا؟؟ لماذا لا نعطيهما فرصة؟؟
-الأمر ليس مثل بعضه ..أنا لم أجرحك ابداً
-ولكنى فعلت
قالتها بهدوء قبل أن تكمل
-لن تخسر شئ فراس ..أتركهما ليتحدثا
أبعد يده عن يدها ثم نظر للباب بغيظ
-إن حدث شئ لشقيقتي ستكونين أنتِ المسؤلة أمامي
أومأت برأسها موافقة ليستند هو برأسه على إطار الباب المفتوح حتى يسمع ما يحدث بالداخل
-هل تتنصت عليهما
سألت بدهشة ليسحبها هو حتى تقف أمامه ظهرها ملاصق لصدره وكأنه لم يعد نفسه ألا يقترب منها بتلك الطريقة مجدداً قائلاً
-وأنتِ الأخرى ستسمعين ما يحدث لكى أخنقك إن حدث شئ بالداخل
حاولت أن تتجاهل ألتصاقه بها وأعطت أهتمامها بالكامل لما يحدث بالداخل ..بعد القليل من الوقت سألت بخفوت
-لماذا لا يوجد صوت؟؟ هل نقترب أكثر؟؟
-الفضول سيقتلك لمعرفة الأحداث أليس كذلك؟؟
سأل بسخرية فلم تجب بل أنتظرت سماع أى شئ

فى الداخل كانت هى جالسة فى مكانها المفضل أمام الحديقة وهو يراقبها غير قادر على القيام بأى حركة ..راقب جلستها الهادئة على المقعد فخفق قلبه بقوة وهو يتذكر كم تشاركا نفس المقعد من قبل ..يا الله كم أشتاق لرؤيتها ..لرائحتها وملمسها الدافئ وشعرها الناعم ..صعد بعيناه لشعرها لتتسمر نظراته هناك على شعرها الذى بالكاد وصل لمنتصف رقبتها فى قصة هادئة وميتة
-لا تليق بكِ تلك القصة البريئة فاتنتي
قالها بصوت متحشرج لتجفل هى وتنهض من مقعدها لتواجهه وكم طعنه التيه فى عينيها
فى الخارج قالت (فريدة) بحماس
-ها قد بدأ البث
وفى الداخل كان الوضع هادئ تماماً ..هو لم يتحرك وهى فعلت الشئ الوحيد الذى لم يتوقعه فى تلك المقابلة ..لقد هرولت إليه لتحتضنه بقوة قائلة باشتياق
-سليم ..لماذا تأخرت؟؟
لم يستطع القيام بأى حركة فى البداية ثم سرعان ما أحاطها بذراعيه ليضمها بقوة حتى أرتفعت من على الأرض ..دار بها قليلاً لا يصدق إنه معها أخيراً بعد كل هذا وأنها بين ذراعيه بتلك البساطة ..هل سامحته؟؟
أبتعدت عنه قليلاً لتقول بسعادة
-لقد كنت أفكر فيما سنفعله فى منزلنا منذ لحظات ..أريدك أن تقوم بكل ما سأخبرك به
ضم (سليم) حاجبيه قليلاً وهو مازال يضمها ..هناك شئ خاطئ بالتأكيد
-لا تعبس هكذا ..أعلم اننا أتفقنا على العيش فى منزل عائلتك ولكنى أريد تجهيز منزل لى
فى الخارج شعرت (فريدة) بجسد (فراس) يتصلب خلفها وهو يدرك ان شقيقته نست ما حدث ..ولكنها أنصتت لما يحدث بأهتمام
-أريدك أن تهتم ببعض التفاصيل فى منزلنا كوضع نافذة بأتجاه قبلة الصلاة فما أروع أن تناجى ربك وأنت تنظر للسماء ..أعلم أننا لسنا ملتزمان ولكن سنعلم أطفالنا الانتظام في الصلاة بالطبع ..أريد منك أنشاء مدفأة حجرية لنجلس أمامها سوياً عندما يصيبنا الهِرم ونستعيد ذكرياتنا التافهة معاً ..أريد أيضاً مطبخاً كبيراً لأجلس به معك يحيط بنا أولادنا وأحفادنا بينما نمارس عليهم تسلطنا ونجبرهم أن يتناولوا الطعام المفيد ..وانشاء غرفة زجاجيه تطل على الحديقة ويكون بها مكتبة كبيرة فبالرغم من عدم حبى للقراءة ألا أن رؤية الكتب تبعث الراحة فى النفس ويمكننا التخلص من هدوء تلك الغرفة بوضع جهاز للألعاب الألكترونية مثلاً حتى نتنافس سوياً وتتعالى صيحات الفوز ..ها ما رأيك؟
نظراته الغريبة إليها جعلتها تبتعد عنه بأستغراب قبل أن يصفعها الأدراك فجأة لتخفض رأسها وتسير مبتعدة عنه بأتجاه مقعدها قائلة بشحوب وهى تتذكر أخيراً
-ولكنك تخليت عنى ..يا ألهى انت حقاً تركتني ..هذا المرض أصبح ينسيني ألمى فى الأونة الأخيرة
مازال مصدوم من نسيانها لما حدث ولكن أبتعادها المفاجئ عنه جعله يقترب قائلاً برجاء
-حور دعينى أشرح لكِ ما حدث
-لقد كنت كل شئ بالنسبة لى سليم
قالتها بنظرات زائغة مشتتة
-وماذا أصبحت بعد أن كنت كل شئ؟؟
سأل بصوت متحشرج محاولاً الثبات لترد هى بأبتسامة ميتة ولكنها واثقة
-أصبحت كالجملة فى أول الكلام ليس لها محل من الأعراب..كصلاة الكسوف من الممكن أن تمر بالأنسان مرة واحده فى حياته او قد لا تمر ولكنها لا تشكل فارق فى أيامه ..كمصباح فقد قدرته على الإضاءة فأزلته غير شاعرة بالأسى ..كدواء لن يعالج جراحي أبداً فتركته غير راغبة بالتعرض لأعراضه الجانبية دون فائدة تذكر ..أنت يا سليم لست سوى مرحلة قاسية فى حياتى تعلمت منها الكثير وأشكرك على هذا
شعر بكلماتها كالسهام المسمومة تخترق جسده ..كيف وصل معها لتلك الحالة؟؟
-هل لم أكن مهم لتلك الدرجة؟؟ ألن تشعري بالفقد حين ننفصل
سأل بنبرة رجل فقد أهم ما يمتلك فى حياته لترد هى بثقة
-لا ..لن يتغير شئ فى حياتى سوى إنها ستصبح أفضل
نطق بها لسانها ولكن قلبها صرخ بها وهو يخبرها إنها كاذبة
-يمكننا المحاولة مرة أخرى وأعدك بألا أخذلك
قالها بأمل لترد هى بخواء
-لم اعد اشعر بالأمان معك سليم ..وحين تفقد المرأة الشعور بالأمان مع شخص ما تتحول حياتها لجحيم
يا ألهى لما هى قاسية لتلك الدرجة؟؟ لقد أخطأ والشعور بالندم يقتله الأن ..أذن لماذا لا تسامحه؟؟
-سأطلبك فى بيت الطاعة ولن تستطيعي الأعتراض
صرخ بجملته الأخيرة بتهور وقد فقد كل ذرة عقل يتمتع بها ..راقب الصدمة التى أرتسمت على ملامحها بوضوح فشعر بالحقارة من نفسه ولكنه لن يبرر شئ الان ..سيعيدها إليه بأى طريقة
-هل تريد قتل أى مشاعر جيدة بيننا؟؟ لماذا تفعل هذا؟؟ هذا الأمر سيهينني بشدة ويمرغ كبريائي الذى لم تترك لى سوى بعضاً منه فى الأرض
قالت كلماتها بهدوء ليرد هو بيأس وهو يقترب منها
-أعلم هذا ولكن ليس لدى أى خيار أخر
كاد (فراس) أن يدخل إليهما ولكن (فريدة) منعته بقوة
-سأقتل ذلك الحقير ولن أشعر بذرة تعاطف معه
-أهدأ فراس اظن حور ستوقفه عند حده
قالتها بهدوء ولكن من داخلها كانت تحيى (سليم) على ثباته ..أستمعا لباقي الحديث بتركيز
-هذا أيضاً ليس خيار لك سليم ..هل تظن أن قاسم الصايغ سيترك أبنته بمفردها فى قضية تافهة مثل تلك؟؟
سألت ببرود ليقترب هو منها ساحباً أياها ليحتجزها بين ذراعيه قائلاً برجاء
-سامحينى فاتنتي ..أرجوكِ سامحينى ..لن أستطع العيش من دونك
-كنت فكر فى هذا قبل أن تتهمني بالخيانة
قالتها بهدوء جعله يرغب فى صفعها لتشعر به وتتفاعل معه ..لم يجد سوى طريقة واحدة ليجعلها تشعر به فقال بثقة زائفة
-أنتِ تحبيني حور ..لن تستطيعي العيش بعيداً عنى
أقترب بشفتيه ليقبلها بشوق خائف محاولاً جعلها تتفاعل معه كعادتها ولكنها لم تفعل فأبتعد عنها لتسأل هى
-هل أنتهيت؟؟ يمكنك المغادرة الأن
أتسعت عيناه بصدمة بينما فى الخارج قال (فراس) بتوجس
-لحظة الصمت التى مرت لا تريحني على الأطلاق
كتمت (فريدة) ضحكتها بصعوبة واكملت التنصت
-لم أعهدك قاسية لتلك الدرجة؟؟
قالها (سليم) بأختناق لتبتسم هى قائلة
-أنت لم تعرفني أبداً سليم ..لقد أخبرتك من قبل إننى لا أسامح أبداً ومع ذلك قمت بشئ لا يُغتفر
-لقد اعتذرت وأخبرتك إننى نادم ..ماذا يجب ان أفعل ايضاً ؟؟
صرخ بها ليضطر (فراس) أن يدخل وهو يراه فقد السيطرة ولكن الاثنان لم يلاحظا وجوده
-طلقني سليم..لا أريد لأى شئ أن يربطني بك بعد الأن
قالتها ببساطة فنظر حوله بجنون يريد إيجاد شئ يقتلها به ولكن (فراس) رفع صوته قائلاً
-سليم أذهب الان
-هل سمعت ما قالته؟؟ لقد قالت طلقني وبكل سذاجة ..وكأنني لم أجدها بعد عامين من الهلاوس ..هل ربحتها في مسابقة لأتخلى عنها بهذه البساطة؟ انها زوجتي بحق الله
صرخ بها (سليم) بجنون قبل أن يرفع أصبعه موجهاً كلامه إليها بشراسة
-سأذهب الأن قبل ان أسحب من شعرك للمنزل فأنا لا أتمتع بميزة الترجي كأخيكِ الذى عاش عامين دون أن يفعل شئ
نظر (فراس) ل(فريدة) وكأنه يخبرها أنه يضرب به المثل الأن بسببها ولكنها تهربت بنظراتها وكأنها ليست المعنية بالأمر
-أنا لن أطلقك حور ولن أتركك أبداً بعد الأن ..سنكمل زفافنا ونحضر المنزل الذى تريدينه لنعيش به ..غير ذلك لن يحدث ولن تستطع أى قوة على تلك الأرض منعك عنى حتى صديقى الذى لا يريد تلك الصداقة وكأنها شئ هين لن اسمح له بأنهائها لمجرد انه قرر هذا
أبتسم (فراس) رغماً عنه ثم قال
-لم أكن انوى هذا أيها الوغد
لم يعيره (سليم) أى اهتمام بل أكمل
-هل تريدين معاقبتي؟؟ أظن عدم رؤيتى لكِ كل تلك الفترة كافية ..وجريمة قصك لشعرك عقاب أكثر من كافى لذلك نحن متساويان الأن
-لا لسنا كذلك سليم
ردت بهدوء قبل أن تكمل بتحدي
-لو رأيتك بحضن أمرأة أخرى لن يأتى على بالى للحظة أنك تخونني ..ليس لأننى أثق بك أو بحبك ولكن لأن عندي الثقة الكاملة بأنني أمرأة لا تُخان وأنك لن تنظر لأخرى لأنني كافية لأى أحد واكثر من كافية حتى ..حتى مساعدتك الخاصة لم تكن غيرتي منها بسببك أنا حتى لم أغار منها فهى لا ترقى لأن توضع فى مقارنة معى ..بل لأننى لا أحب المبتذلات وهى كانت تمثل الأبتذال بعينه ..لسنا متساويان لأنك لا تثق بنفسك أبداً ولم تثق بى ولا بحبى لك
يعترف (فراس) إنه أشفق عليه بعد حديث شقيقته ..هو يعلم كم يحبها وكم أنه معتز بنفسه ولا يرضى أى شئ أن يمس بكرامته ومع ذلك هو مازال يتناقش إلى الأن بصلابة يحسد عليها
-حسناً يا أبنة الصايغ ..عيشي هكذا ..ضعيفة ومحبوسة بين أربع جدران ..بالله عليكِ أنظرى لنفسك فى المرآه وستدركين أن مسامحتي من أجلك وليس من أجلى ..أنتِ بحاجة لى لتعودي للحياة حور
قال كلماته ببرود ثم غادر تاركاً حالة من الصمت تعم الأجواء
***
فى اليوم التالي..فى أحد الفنادق الشهيرة بالمدينة
دخل (فراس) قاعة الحفل فى وقت متأخر نسبياً فهو لم يستطع ترك شقيقته فى وقت ابكر ..بحث عنها بعيناه ليجدها هناك بجانب أخيها وزوجته تتألق فى فستان زهري ..زهري! منذ متى ترتدى الزهري؟؟
بدى أخيها وهو يضمها بأحدى ذراعيه ويضم زوجته بالذراع الاخر كرجل امتلك كل شئ ولم يعد يريد أى شئ من تلك الحياة ..كانت السعادة تشع من اعين الجميع وهى تبتسم أبتسامة حقيقية لم يراها منذ زمن
سار بأتجاههم ليلفت نظر الجميع..مد يده ليبارك لشقيقها
-مبارك مازن ..أتمنى لك السعادة
-شكراً فراس ..العقبة لك
قالها (مازن) بود حقيقي ليبتسم الاخر بلا معنى وهو يتحرك قليلاً ليقف بجوار مدللته التى همست له ما إن أقترب
-لماذا تأخرت هكذا؟؟ ظننتك لن تأتى
-وهل أفوت على رؤية كل هذا الزهري؟؟
سأل بغضب مكتوم لم تفهم سببه فسألت
-ألا يليق بى؟
-بلى يليق وإن أردتِ التأكد يمكنك النظر حولك ..ستجدى جميع من فى الحفل ينظر إليكِ حتى النساء
-ولماذا ستنظر إلى النساء؟؟
سألت بأستغراب ليرد بغيظ
-ربما يريدن عروس لأبنائهن
أبتسمت بأتساع لتتسمر نظراته على شفتيها المطلية بلون قاتم من درجات الزهري أيضاً فتأفف قائلاً بضيق
-فريدة ما هذا المظهر بالله عليكِ؟؟ منذ متى تضعين تلك الزينة وتلبسين تلك الألوان؟؟
-إنه عرس أخى فراس لذلك أردت فعل شئ مميز
قالتها ببراءة فلم يرد ..هو ببساطة لم يجد رد لأنها لم تعد كما السابق ولن يستطع التحكم بها ..هى ببساطة لم تعد صغيرته وحبيبته المطيعة
-تبدو وسيم جداً اليوم هل أبحث لك عن عروس؟؟
سألت بمشاكسة ليرد بسخرية
-ليس هناك داعى فوالدتي تقوم بالأمر على أكمل وجه
شحب وجهها وهى تسمع جملته ..شعور عارم بالخطر أجتاحها ليجعل أحشائها تغلى ..هو لن يظل عازب إلى الأبد ..بالتأكيد يريد الأستقرار ..ألم يخبرها بهذا من قبل؟؟ وربما يخرج من الحفل وقد وجد عروس مناسبة
-أين ستقضين ليلتك؟؟
سأل بجدية لتنظر له بشرود قليلاً ومازالت الأفكار تعصف برأسها ..لم تفهم ما قاله بالبداية وظلت تنظر إليه بأتهام جعله يسأل بتوجس
-ماذا هناك؟؟
أدركت غبائها فتنحنحت بأحراج قبل أن ترد على سؤاله
-نغم ومازن سيسافران الليلة وأفكر بالبقاء فى المنزل أو الجمعية
-لا تبقي فى المنزل بمفردك ..والجمعية أيضاً تبدو كبيت يسكنه الأشباح ..أذهبى للمصح وأبقى هناك أفضل كما اننى سأستطيع رؤيتك كل يوم والاطمئنان عليكِ
قالها بتعب لتنظر هى له بحنان قائلة
-تبدو مرهق للغاية
-نعم يومي كان حافل وسليم لم يتوقف عن الاتصال لمعرفة هل تضررت حور بما حدث أمس أم لا ..لا أرغب بشئ سوى قتله هو وحور لأرتاح
أنهى كلماته بتنهيدة يائسة قبل أن يعتدل بجسده قائلاً
-سأذهب الأن ..لدى ما أقوم به ..إلى اللقاء
ودع شقيقها وأبتعد ليخرج من القاعة فتسارعت نبضاتها تحثها على اللحاق به ..تخبرها أن تصلح الأمر الليلة لتنهى هذا الخلل فى علاقتهما
-أخى سأذهب لدقائق ..لا تقلق على
قالتها بسرعة وهو تتحرك لتلحق به
***
خرجت من الفندق تحمل ذيل ثوبها شبه مهرولة تريد الوصول إليه وهى ترى من أحضر له سيارته على الجانب الاخر من الطريق
-فرااس
نادته بلهفة فنظر إليها بدهشة
-لماذا خرجتي فى هذ الجو؟؟
سأل بصوت عالٍ لتسمعه من تلك المسافة بينما يشكر السائق الذى أحضر السيارة وهو يأخذ منه المفتاح
-هل يمكنك أن تحبنى مرة أخرى
سألت بلهاث فلم يهتم هو بمن حوله وأجاب بصوت مرتفع
-أنا لم أتوقف يوم عن حبك مدللتي
-أذن هل يمكنك أن تعرض على الزواج مرة أخرى؟
قالتها برجاء وهى تتحرك بأتجاهه بينما هو يراقبها وعلى شفتيه أبتسامة غريبة..راقب قدميها تسيران إليه ..ولكن فى لحظة واحدة كان جسدها يطير فى الهواء قبل ان يعود ليستقر على الارض مرة اخرى ..رأى توقف الجميع بينما هو لم يتحرك وحتى لم تُمحى أبتسامته ..يحاول استيعاب ما حدث ..هل حقاً صدمتها سيارة الأن امام عينيه أم أنه يتخيل انه يفقدها بطريقة بشعة؟!..سار ببطء قبل ان تتسارع خطواته نحو التجمهر الموجود أمامه ليتوقف فجأة أمام الجسد المسجى على الأرض ..نعم إنها هى ..تلك الممددة تحتضن الطريق بينما ترفع سبابتها وشفتيها تتحرك بالشهادتين ..حبيبته هى النائمة فى بقعة كبيرة من الدماء بينما تدور بعينيها وكأنها تبحث عن شئ ..تلاقت أعينهما لتبتسم أبتسامة لم يلاحظها غيره قبل أن تنطبق جفونها مطبقة معها أى نور موجود فى حياته
***
كان رواق الطوارئ ملئ بالناس ..المدعوين من اقاربهم والأصدقاء ..الجميع جزع على فتاة لم تؤذى أحد يوماً وقف مع الجميع امام زجاج غرفة الطوارئ يرى محاولة الطبيب لأنقاذها ..بينما لا يستوعب حقاً ما يراه فقد كان فى عالم أخر لا يوجد به سواه
(فراس أنا لستُ مستعدة أبداً للموت ..لستُ واثقة ابداً من دخولي للجنة)
(فراس تباً لك ..هل تريد منى أن أنتحر لترتاح؟)
(متى سأراك حبيبي لقد اشتقت إليك؟؟)
(أنا لن أتركك أبداً لذلك لا تقلق)
عصفت الأفكار برأسه فكاد يفقد وعيه من الذهول ...سيفقدها ..وليس البعد من سيفرق بينهما بل الفقد هذه المرة سيكون مروع ..لن يستطع اختلاس النظر إليها من بعيد ..لن يستطع سماع ضحكتها العالية مرة أخرى ..هل يعاقبه الله على افعاله؟؟ هل سيخسرها لأن علاقتها به لم ترضي ربه ..سيعالج كل هذا ولكنه يريد فرصة أخرى ليكفر عن ذنبه ولكن معها وليس بمفرده
لم يشعر بيد (حور) التى أمسكت بذراعه ولا صوتها الذى سأل بقلق
-أخى هل أنت بخير؟؟
لم يرد عليها للحظات ثم سأل بشحوب
-كيف أتيتِ؟؟
لم تجيبه فحالته كانت غريبة وهو لم يهتم بمعرفة الأمر
أبتعدت هى عنه وقلبها يتلوى من الآلم والحزن على (فريدة) ..نظرت ل(مازن) المذهول بكل ما حوله وكأنه لا يصدق ما حدث لشقيقته ..بينما (نغم) واقفة تستند بجسدها للحائط يحيط بها ثوب زفافها الأبيض الملطخ بالدماء ..يا ألهى كم تشفق عليها.. لقد تدمر زفافها وتكاد تخسر صديقتها ..نظرت لكل الموجودين الذين تتعالى همساتهم الفضولية فشعرت بالأختناق من كل هذه الأجواء ..أتجهت للنافذة لتقف هناك تراقب المطر الذى يهطل بغزارة وكأن السماء تبكى على ما حدث ..لماذا تشعر بحاجة ملحة للبكاء الأن؟؟
لماذا تشعر انها تريد أن تحتضن شخص معين ليمتص آلمها وتيهها ..عقلها الباطن أقنعها أن تفقد الوعى الأن لتسترح ولكنها نظرت حولها لتدرك أن أخيها ليس بحالة تسمح له بالاهتمام بها وحتى طبيبها يبدو وكأنه هو من يحتاج للمساعدة والباقي غرباء لذلك لتتمالك أعصابها وتبقى ثابتة
***
دخل (سليم) المستشفى بخطوات سريعة ..لقد علم بالأمر بالصدفة من على مواقع التواصل الاجتماعي فأتصل ب(فراس) ليسأله عما حدث وهو أخبره باسم المستشفى فجاء ليقف بجانب صديقه فى محنته كما انه يكن ل(فريدة) كل الحب رغم أى شئ
سأل فى الاستقبال عنهم ليصعد بعد أن علم انها أنتقلت من الطوارئ لغرفة العمليات ..فى الطرقة الموجودة أمام العمليات كان صديقه يقف مستنداً برأسه على الباب الخاص بالعمليات ...أقترب منه ليربت على كتفه بقوة مسانداً أياه ..ألتفت إليه قائلاً
-كانت تريد انهاء كل شئ ..كانت تريدني أن اعرض عليها الزواج مرة أخرى ..شعرت بشئ لن أستطع شرحه لك أبداً ...وكأنني عدت للحياة مرة أخرى
قالها بشحوب قبل أن يكمل بأختناق
-ثم وفى لحظة واحدة صدمتها السيارة ..أليس مقدر لى السعادة فى هذه الحياة؟؟
-ما بك يا رجل! تماسك قليلاً ..فريدة ستكون بخير
قالها (سليم) بقوة ليخرج صديقه مما يعانيه فرد الاخر
-الطبيب قال ان حالتها خطيرة للغاية ..لقد تضررت الدماغ وهناك نزيف داخلي ..إن حدث لها شئ سأموت تلك المرة
لم يجد (سليم) ما يقوله فعم الصمت ليقطعه (فراس) بعد فترة قائلاً بتعب
-اين حور؟؟
-هل حور هنا؟؟
سأل بدهشة ليجيبه (فراس) بهدوء
-نعم ..أبحث عنها ..لابد أن ما حدث أثر عليها
-حسناً سأخبرك حين أجدها
قالها (سليم) بقلق وغادر مسرعاً ليبحث عنها
***
فى الطابق العشرون من المستشفى خاصة السطح حيث لا يسمعك أحد
هل رأى أحدكم الطير بعد أن يُذبح؟؟
إن لم تفعلوا سأخبركم أنا بما يحدث معه بعد أن يذبحه النصل الحاد ..يسكن قليلاً ثم ينتفض أنتفاضة أولى يتبعها بأنتفاضات متتالية ..يقفز فى الهواء من الآلم ..يريد الصراخ ولكنه لا يستطيع ..ينظر لقاتله الذى عاش معه دائماً نظرة من غُدر به ..يعاود السكون ثم أنتفاضة أخرى ..سكون ..فسكون ..ثم لا شئ ..لا أنتفاضة ولا نظرة ولا شعور
هكذا هى الأن بالرغم من أن نصلها كان ثلم والجرح مؤلم أكثر ..رافعة رأسها للسماء تحت المطر مفرودة الأذرع ..تدور حول نفسها كصوفي يطلب التقرب من ربه ليخفف ألمه ..تدو و تدور ..تصرخ بأعلى صوتها فتشق سكون الليل من حولها ..تبكى بهستيرية بعد أن تبللت بالكامل ..ثم وكأن روحها صعدت للسماء ..أنهارت جاثية على ركبتيها تبكى تحت المطر تريد أن تغسل خطيئة لم ترتكبها وضعف لم ترغبه
ثم لا شئ ..سكن البكاء ..توقف المطر ..تجمد جسدها ..غزو جليدي أحتل عينيها ..وكأنها لم تصرخ ..لم تبكى ولم يدخل الضعف قلبها يوماً
أخيراً بكت وقد كانت عاجزة عن القيام بهذا وكم ارتاحت الأن ..ستعود لقوتها ..ستقف بجانب أخيها فى محنته وستواجه (سليم) دوماً بشجاعة
نهضت من جلستها الضعيفة والتى لا تمت لأفكارها بصلة وخطت لتخرج من ذلك المكان ..نزلت لأسفل وخرجت من المستشفى متجاهلة نظرات الجميع ..ما المشكلة إن كانت مبللة ..أليس بسبب المطر؟؟ ما المشكلة إن سال كحل عينيها ..أليس بسبب البكاء؟؟ وما المشكلة إن كانت هيئتها مزرية..أليس بسبب الألم؟؟
أكملت سيرها بخطوات مرتعشة من البرد وأحساس بالضعف بدأ يتسلل إليها ونفس الرغبة بفقدان الوعى تراودها
-حوووور
نداء قلق من شخص مألوف ..مألوف للغاية ..ألتفتت لتراها فوجدت سبب تعاستها يقترب منها بفزع وهو يرى هيئتها المزرية ..تعالى صوت بداخلها يخبرها إنه سيهتم بها رغم كل شئ ويمكنها القيام بالأمر الأن فهى بأمان ..ومن دون أن تخذل ذلك الصوت كان جسدها يرتخى فجأة لتفقد الوعى ..لماذا لم يرتطم جسدها بالأرض؟؟ لماذا لا تشعر بقساوة الطريق؟؟
أهاا نعم لقد حملتها ذراع قوية لتستند على صدر رجل كان دوماً ملاذها الأمن ..وها قد بدأ الشعور بالدفأ يتسلل إليها ،فتحت عينيها للحظات تائهة لا تدرى أين هى قبل أن تقول برجاء
-سليم هل يمكنك تقبيلي؟
***
دخل بها المنزل يحملها على ذراعيه بعد أن فتحت له الخادمة التى هاتفها لتنتظره ..صعد لغرفته وهو يحمد ربه ألف مرة أن الوقت متأخر والجميع نائمون فهو لن يحتمل الرد على أى سؤال الأن
دخل الغرفة ليضعها على سريره برفق ..لمس جبهتها ليشعر بحرارتها فوجدها طبيعية
تنهد بقوة وهو ينظر لملابسها المبللة ثم ومن دون تفكير كان يخلعها عنها بالكامل تاركاً أياها بملابسها الداخلية..لا يهم أن قتلته حين تستيقظ المهم ألا تمرض ..أحضر سترة أحد مناماته الثقيلة ليلبسها أياه متجنباً النظر لجسدها العارى ..دثرها بالغطاء جيداً بعد أن أنهى ما يفعله وجلس بجانبها ينظر لها بصمت ويتذكر طلبها الغريب بأن يقبلها وكأنها بحاجة لتلك القبلة حتى تعود للواقع وهو لم يخذلها وقبلها فى الطريق الخالي راضياً بهذا وغير مهتم بالمطر الذى أغرقهما ليشعر بها تفقد الوعى كلياً بعد لحظات
الغريب انها لم تستيقظ إلى الأن رغم كل ما فعله وكأنه يحرك جثة وليس جسد حي ..شعر ببعض القلق عليها فأحضر زجاجة عطره ووضع منها القليل على يديه ثم قربها من أنفها عل هذا يساعدها لتستفيق ..لم تفتح عينيها ولكنها هلوست ببعض الكلمات التى لم يفهمها ثم أقتربت بجسدها لتلتصق به ساحبة ذراعه لحضنها
-مغرية حتى فى مرضك ..اللعنة على غبائي الذى جعلنى أضيع بعض اللحظات بعيداً عنكِ
قالها بندم حقيقي ثم أعتدل بجسده ليستلقي بجانبها ساحباً أياها لتنام بين ذراعه وغرق فى نوم عميق لم ينعم به منذ مدة
***
خرج الطبيب من غرفة العمليات ليتجه إليه الجميع رغبة فى معرفة ما وصلت إليه حالة (فريدة)
-هل كل شئ بخير
سأل (مازن) بلهفة ليرد الطبيب بعملية
-لقد أوقفنا النزيف ويبدو من أصابات جسدها أن صدمة السيارة لم تكن قوية بما يكفى لتسبب ذلك النزيف بل أن أرتطام رأسها القوى بالأرض هو من تسبب بهذا ..ولديها كسر فى الساق أيضاً وبعض الكدمات ولكن ليس هناك مشكلة فى هذا ..المشكلة فى الدماغ لأنها دخلت فى غيبوبة نتمنى ألا تكون طويلة لنعرف هل هناك أى أعراض أخرى للحادث أم لا ..سنراقبها لنعرف تطورات الحالة لا داعى للقلق
غادر الطبيب تاركاً (فراس) متجمد و(مازن) مصدوم بينما العروس الباكية لم تجد دموع أخرى لتذرفها على صديقتها الوحيدة وظلت بملامح ثابتة غير مدركة حقاً لما قاله الطبيب بكل برود
***
كيف يمكن لشخص أن يشعر بالحر ويرتجف فى نفس الوقت؟؟ ..فتح عيناه راغباً فى معرفة السبب ليدرك إنه يشعر بالأثنان لأنه ليس السبب بل النائمة بجانبه هى التى ترتجف وجسدها يشتعل من الحرارة ..هب من مكانه بقلق وهو يتحسس جبهتها ورقبتها ليدرك أنها ساخنة
-يا ألهى ..كنت أعلم انكِ ستمرضين
قالها بقلق وهو يحاول أيقاظها لكنها لم تستجيب ..لم يدرك كيف يتصرف ..هل يتصل بالطبيب أم يوقظ والدته؟؟
خرج من الغرفة بسرعة متجهاً لغرفة والديه وطرق على الباب بسرعة مما جعل والدته تقطع صلاتها وتخرج فزعة
-ماذا حدث بنى؟؟ لماذا تطرق على الباب هكذا؟؟
-أمى جيد أنكِ مستيقظة أنا أريد مساعدتك
قالها بسرعة ليتزايد قلقها فردت
-كنت أصلى الفجر ..ماذا تريد؟؟
-إنها حور ..حرارتها مرتفعة للغاية وترتجف وأنا لا ادرى كيف أتصرف
قالها بقلق لتسأل بدهشة
-هل حور هنا؟؟
تأفف بقوة وهو يلعن التساؤلات التى ليس لها قيمة
-نعم أمى انها فى غرفتى ..أذهبى اليها الأن وأنا سأتصل بالطبيب ليأتي
-لا داعى للطبيب أنا سأتصرف ..أسبقنى انت وانا سأجلب دواء وألحق بك
-حسناً لا تتأخري
غادر تاركاً والدته لا تفهم شئ وأتجه لغرفته ليتسمر هناك حين لم يجدها على السرير كما تركها ..بحث عنها بعينيه فى الغرفة ولكنه لم يجدها فأتجه لباب الحمام ليجد جزء منه مفتوح فدفعه برفق ونظر للداخل ليجدها جالسة على حوض الاستحمام مستندة برأسها على الحائط
-هل أنتِ بخير؟؟
سأل بصوت أجش خافت حتى لا يفزعها ..رفعت رأسها لتنظر إليه فعلم إنها غير واعية لما تفعله من نظراتها الزائغة
-لا أستطيع الوقوف
بالكاد سمع صوتها الخافت ..أتجه إليه وانحنى حتى يحملها لتتشبث هى بقميصه بشكل غريزي جعله يبتسم رغماً عنه ..خرج بها من الحمام ليجد والدته تنتظره
-هل هى بخير؟
وضعها على السرير ليلفت نظر والدته ما ترتديه فسألت بدهشة
-لماذا ترتدى سترة منامتك ..هل قمت بأستغلال الفتاة وهى فى تلك الحالة؟؟
نظر لوالدته من أسفل أهدابه لتعتذر هى بسرعة وتقترب من (حور) لترى ما بها
-حرارتها مرتفعة جداً ..أكثر مما توقعت فى الواقع
-هل أتصل بالطبيب؟؟
سأل بجدية لترد والدته بثقة
-لا داعى لهذا ..سأعطيها الدواء المناسب ..أملئ لى شئ بالماء البارد لنخفف الحرارة
-أمى سأتصل بالطبيب أفضل
قالها بضيق لترد والدته بخبث حازم
-أنت لا تريد من الطبيب أن يفحصها وهى ترتدى سترتك أليس كذلك؟؟
نظر بطرف عينه ل(حور) الممددة على السرير شبه عارية وسترته بالكاد تصل لمنتصف فخذها فأقترب منها ليسحب الغطاء على جسدها ثم غادر قائلاً
-سأحضر الماء البارد
أبتسمت والدته والتفتت ل(حور) لتهتم بها ..أعطتها حبوب الدواء بصعوبة وقرأت بعض آيات الذكر الحكيم على رأسها داعية لها بالشفاء ..وبعد لحظات كان (سليم يدخل الغرفة حاملاً الماء البارد وقطعة من القماش أعطتها له الخادمة ..أخذتها منه والدته وبدأت تضعها على رأس (حور) لتخفض الحرارة

ببساطة كانت ليلة قاسية على الجميع ف(سليم) و والدته يعتنيان ب(حور) فى المنزل وفى المستشفى كان الأخرون أمام غرفة العناية المركزة ينظران من الحاجز الزجاجي ل(فريدة) المستلقية على السرير الطبى تحيط بها الأجهزة من كل جانب وعزرائيل يحوم حولها منتظراً الأمر من الله ليقبض روحها فى أى لحظة
لم يعرف (فراس) أى شعور أصعب ..الذى شعر بها عند رؤيتها تُصدم بالسيارة أم رؤيتها فى هذا المنظر الأن؟؟
-مازن سأذهب قليلاً
قالها ثم غادر ليصلى عل الله يقبل دعائه
خرجت الممرضة من الغرفة فأقترب منها (مازن) قائلاً بلهفة
-أنستي ..هل يمكننى الدخول إليها الأن؟؟
-أسفة ..لا يمكنك هذا فحالتها غير مستقرة
قالتها الفتاة بعملية ليكمل هو برجاء
-أرجوكِ سأخرج على الفور ..لن أقم بأى شئ يؤذيها أنا ايضاً طبيب وأدرك خطورة الأمر
بعد الكثير من الألحاح وافقت الفتاة على مضض ثم أخذته لغرفة التعقيم حتى يرتدى الشئ المناسب للغرفة
دخل الغرفة ليسمع الصوت الألكترونى لغلق الباب خلفه ..أقترب منها وجلس على الارض بجانب السرير ليمسك بيدها المغروز بها ابرة المحلول
-أختى
قالها بصوت لا يسمعه فقد خرج كهمسة آلم لم يتحدث بها من قبل ..حرك يده على يدها ببطء وهو يقول
-ستكونين بخير ..بالتأكيد ستتحسن حالتك مع الوقت
صوت الأجهزة الطبية من حوله كان له نغمة رتيبة سببت له الأكتئاب فجعلت الدموع تتساقط من عينيه رغماً عنه
-أختى أرجوكِ لا تموتي ..ليس لى أحد سواكِ فى هذا العالم ..لن أستطيع التنفس إن لم تكوني معى
خرجت منه شهقة عالية لم يستطع منعها وهو يقول بهيستيرية بينما يبكى كالطفل الذى يرى امه فى فراش الموت
-لا تموتي اختى أرجوكِ ..لن أسامحك أبداً إن تركتينى أنتِ الأخرى
تعالى صفير الأجهزة من حولة كناقوس خطر يهدد بتدمير حياته فى أى لحظة ..وجد فجأة الغرفة تمتلأ بالممرضات والطبيب يخبره بالخروج
-فررررريدة
صرخ بها صرخة هزت جدران الغرفة وجعلت (نغم)؛ الجالسة فى الخارج تنهار على الارض فاقدة للوعى وقد هالها فكرة انها فقدت صديقتها الوحيدة فى هذا العالم والشخص الوحيد القادرة على التحدث معه بحرية والبوح بأسرارها له
بينما (فراس) الذى اتى فى تلك اللحظة بعد أن أنتهى من صلاته تسمرت خطواته ولم يقوم بأى حركة أخرى

***

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الثالث عشر

مُساهمة  samia abdelfatah في السبت ديسمبر 08, 2018 9:17 am


الفصل الثالث عشر
فتحت عينيها لترى والدة (سليم) فوق رأسها مبتسمة بحنان
-صباح الخير صغيرتي
-خالتي! ما الذى أتى بكِ الى هنا؟؟
سألت بأستغراب وهى بالكاد تفتح عينيها فتبرع (سليم) الجالس بجانبها على الفراش بالرد
-هى لم تأتى بل أنتِ من أتيتِ إلى منزلنا
نظرت بجانبها مجفلة ..لتستفيق كل حواسها بتحفز وهى ترى جلسته المستريحة بجوارها ثم صرخت به
-من المستحيل أن أتى لمنزلك أبداً بأراداتي
نظر لوالدته متسائلاً بدهشة مصطنعة
-حقاً؟؟ لم أكن أعلم هذا ..فكل مرة كنت أدخل بها المنزل كنت أجدها هنا
-نعم أنت محق كنت أفعل
قالتها ببرود وهى تنهض من جانبه لتقف فترنحت قليلاً من نهوضها المفاجئ ولكن والدته ساندتها
-هل أنتِ بخير حبيبتي؟؟
سألت المرأة بقلق فهزت رأسها بالأيجاب قبل أن تتسع عينيها بصدمة وتصرخ بغضب
-ما هذا الذى أرتديه ..من خلع ملابسي؟؟
-إنها أمى
قالها (سليم) بجدية فهو لن يحتمل غضبها الأن لترد والدته بسرعة
-أقسم بالله لم أفعل ..لقد وجدتك هكذا حين دخلت للغرفة أى ان سليم هو من قام بالأمر
اشتعلت عيناها بنار زرقاء من الغضب فشعر هو بالأنتعاش وهو يفكر فى القادم ..ستعود إلى شخصيتها أخيراً
-خالتي هل تتركينا بمفردنا قليلاً؟
أومأت المرأة برأسها وأتجهت لتخرج من الغرفة فقال هو بمزاح ساخر
-أبقى معى أمى فقد تتحرش بى
لم تعيره والدته أى أهتمام بل خرجت من الغرفة ليبقيا سوياً يواجه كل منهما نظرات الاخر بتحدي ..هى واقفة بتحفز للقتال وهو مسترخى فى جلسته على الفراش
-هل أخبرتك أن شعرك أصبح غير أنثوى بالمرة؟؟
تساءل بجدية مصطنعة فتشتت نظراتها لحظة من وقاحة ما قال ..هل أصبحت غير أنثوية الأن؟؟
تصلب جسدها ببرود ثم رفعت أصبعها قائلة بتحذير
-أنا لم أسمح لك بالاقتراب منى سليم
-لقد كانت ملابسك مبللة بالكامل فأضطررت لخلعها ولم أقترب منكِ لأى سبب اخر
قالها بهدوء لتفقد هى سيطرتها وتصرخ به
-أنا لا أقصد هذا ..انا لم اسمح لك برؤيتي ولا اخذى لمنزلك ..لم اسمح لك بأى شئ لأنك شخص غريب بالنسبة لى الأن
نهض من جلسته ببطء ليقف مقابلاً لها واضعاً يديه فى جيوب سرواله ثم قال ببساطة
-أنا زوجك حور ولستُ شخص غريب ..وانا لم اكن انوى ان أراكِ ولم أكن انوى أخذك لمنزلي لولا فقدانك للوعى
مررت يدها بين خصلات شعرها القصير لتشده بغضب وهى تدور حول نفسها مسببة له خلل فى ضربات قلبه وهو يرى غضبها المثير ..تباً هل هذا وقته؟؟
-أريد الطلاق سليم ..لن يربطني بك أى شئ بعد الأن حتى وإن كانت ورقة ليس لها قيمة وتعطيك الحق فى التقرب منى
تحدثت ببرود بعد أن هدأت ليسأل هو بصدمة
-زواجنا بالنسبة إليكِ مجرد ورقة؟؟
-نعم سليم وأنت ستطلقني وسننهى الأمر للأبد ..لا أريد أن أراك بأى شكل ولو بالصدفة وعلاقتك بأخي لن تتأثر فقد كنتما أصدقاء منذ سنين ولم نتقابل قط ويمكننا اكمال حياتنا على هذا الأساس
أطلق ضحكة متهكمة يخفى بها قلقه من جديتها فى انهاء علاقتهما ثم قال ببساطة
-لن أفعل حور أنتِ ستظلين زوجتي ولا أظن والدك سيوافق على هذا أو حتى فراس
-أولاً ليس لأحد علاقة بالأمر غيرنا ..ثانياً أبى لا يعلم أنك تشك بى وتتهمني بالخيانة والفجر ولم يعلم انك صفعتني وصدقني سيذهل بهذا لأنه لم يصفعني يوماً مهما كنت مخطئة ..ثالثاً أخى لا يرغب بشئ الأن سوى قتلك بسبب ما سببته لشقيقته المسكينة المريضة بالزهايمر والتى هى أنا بالمناسبة ...حتى والدتك حين أخبرتها برغبتي فى الطلاق قالت انها ستساعدني لأتخلص من أبنها عديم الثقة
-هااا أي انكِ تقصدين أن الجميع متفق علي الأن ..حسناً حور ليحترقوا فى الجحيم أنا لن أهتم بأحد وأنتِ أيضاً لا تفكري فى أحد غيرى أبداً
صرخ بها لتتخلى هى عن برودها وتقطع الخطوات بينهما بسرعة مقتربة منه لتضربه على صدره بقوة صارخة بجنون
-أنا لا أريدك سليم ..لااا أريدك
كبل جسدها الذى يهتز بجنون بذراعه بينما ذراعه الأخرى أمسكت برأسها ومن دون تفكير كان يقبلها بعنف وليحترقا معاً بنار الغضب والجنون
***
دخل (مازن) المنزل الجديد مع زوجته ليقول بسرعة وهو يتجه لغرفتهما الخاصة التى لم يدخلاها معاً حتى الأن
-نغم سأخذ حمام وأبدل ملابسي حتى أعود للمستشفى وأنتِ أيضاً افعلى مثلي ولكن نامي حتى تستريحي ..مازال وجهك شاحباً رغم المحاليل التى وضعوها لكِ
-لا سأتي معك ..لن أترك فريدة بمفردها أبداً
قالتها وهى تعاود البكاء مرة أخرى ليزفر هو قائلاً بضيق
-نغم لا أريدك أن تسقطي أنتِ الأخرى من التعب وفريدة بغيبوبة أى أنكِ لن تفيديها بشئ
-أريد أن أكون بجانبك ..أنت تحتاجني
قالتها بصوت متحشرج من البكاء وهى تتذكر انهياره حين انتكست (فريدة) وتعالى صفير الأجهزة ..لقد بدى كطفل صغير فى غابة مليئة بالأشباح ..نظرات مرتعبة ..جسد يرتجف وعيون دامعة ..لم تظن أن (مازن) من الرجال الذين يعبرون عن قلقهم وخوفهم بالبكاء ..كما لم تتخيل إنها ستراه بتلك الحالة أبداً
-حبيبتي عليكِ أن ترتاحي قليلاً ..لن أستطيع الأهتمام بكِ هناك
قالها بأرهاق ليقنعها ولكنها ردت بعناد
-أنا بخير مازن وسأتى معك
-حسناً ولكن عليكِ أن تأكلي شئ أولاً وأرتدى ملابس ثقيلة وأريدك ان تفعلي كل شئ بسرعة حتى لا نتأخر ففراس هناك بمفرده وحالته ليست جيدة أبداً
دخلا الغرفة معاً ليبدأ هو بخلع ملابسه بينما هى خلعت سترته التى كانت ترتديها ولم تجد الجرأة لخلع الفستان فنظر لها قائلاً بغباء
-ألن تبدلي ملابسك؟؟
تجنبت النظر لجذعه العارى وردت بعنف
-لستُ عديمة الحياء مثلك
أتجه للحمام قائلاً بسخرية
-والله لولا ما حدث لكنت خلعته لكِ بنفسي وقد حضرت نفسى لأصدمك بقلة الحياء قدر المستطاع ولكن ليس لى نصيب كما يبدو ..سأغتسل بسرعة وأنتِ أستخدمى الحمام الخارجي وبدلى ملابسك
دخل وتركها تفكر إنه سيظل سافل دوماً ومهما حدث
***
بعد مرور أسبوع
دخل الغرفة الخاصة ب(فريدة) فى المستشفى والتى انتقلت إليها بعد خروجها من العناية المركزة منذ ثلاثة أيام مستغلاً عدم وجود (مازن) ليمنعه بتسلط
جلس على المقعد الموجود بجانب السرير ليمسك بيدها الباردة ثم رفع عينه ليرى الجهاز الذى يقيس علاماتها الحيوية وكأنه سيفهم ما يراه.. عاد بنظره إليها ليقول بأبتسامة شاحبة
-أخبرتينى يوماً أننى لا اقبلك لأنكِ لا تسمحين لى بذلك وأخبرتك أنكِ محقة ..ولكنى كذبت يومها ولم يكن هذا السبب
صمت قليلاً يتأمل ملامحها الساكنة فى غيبوبتها ثم أكمل بحشرجة
-انا لم أقبلك لأننى لم أكن سأسمح لنفسي بأن ألوثك بتلك الطريقة ..لأنكِ أغلى وأعلى عندي من مجرد رغبة ستزول مع الوقت ..لستِ مجرد أنثى بالنسبة لى ..أنتِ كل شئ مقدس وثمين فى حياتى ..أنتِ يا حبيبتي كنتِ دوماً القريبة حد الهلاك والبعيدة لدرجة أننى لا استطيع لمسك فأرحمى قلبي الملتاع وأستيقظى عسى أن تتلون حياتى من جديد
أنحنى ليقبل يدها بحنان ثم أستند برأسه على السرير مغمض العينين عله يرتاح قليلاً
تناوب هو و(مازن) على البقاء فى المستشفى فهو يذهب لعمله فى الصباح تاركاً (مازن) وزوجته ثم يعود ليخرج (مازن) لعمله هو الأخر ..وأضطر (مازن) أن يتقاسم معه الليالي أيضاً فيبيت كلاً منهما ليلة فى المستشفى ..فى الواقع (فراس) لم يذهب لمنزله أبداً غير للضرورة وأصبح مقيم بشكل دائم فى المستشفى مما جعل (سليم) و(حور) يأتيان إليه بشكل دوري ليطمأنا عليه وعلى (فريدة) التى قال الطبيب ان غيبوبتها لن تطول ولكن بعد مرور أسبوع بدأ (فراس) يشك فى هذا ..كل ما حدث له فى هذا الأسبوع من خوفه على شقيقته بعد أن أهملها وخوفه على حبيبته جعل بعض الشعيرات البيضاء تغزو رأسه متحدية سنه الصغير ..لم يتفاجئ على الأطلاق حين وجد تلك الشعيرات لأن همه قد يودى بحياة البعض لذلك هو راضٍ بشعيراته البيضاء

أما (سليم) و(حور) كانا فى قمة الغضب والتحدي والغيظ ..هى دائماً غاضبة منه لزيارته لها فى المصح ووجوده معها فى المستشفى وحتى أنه ذهب لمنزل عائلتها حين بقت هناك ..يتحداها أن تبعده عنها بعد ان أنتصر عليها ذلك اليوم فى منزله حين قبلها ..لقد سكنت تماماً وقتها بل إنها بادلته عاطفته الغاضبة أيضاً وهذا ما جعله يتمادى معها الأن مما جعلها تغتاظ وتلعن يوم ذهبت لمنزله ..ذلك اليوم خرجت من منزله بعد أن أنهالت عليه بسيل من الضرب والسباب وهو ظل يضحك وكأن الأمر يمتعه ومن وقتها تجده فى أى مكان..ملتصق بها كالعلقة وكأن ليس لديه عمل او أى شئ غيرها
تشاجر معها مرة سائلاً عن سبب معاقبتها له ولماذا لم تسامحه مدعياً أن الأمر لا يستحق وأن ما حدث مجرد سوء تفاهم ندم عليه وان هذا كله مجرد دلال ليس له داعى منها ..وهذا ما جعلها تعاند أكثر وتقسم ألا تسامحه بسهولة ..ولكنها وضعت خطة مسامحته فى بالها الى حين
***
بعد مرور أسبوع اخر
خرج من الحمام وهو يجفف جسده بالمنشفة بسرعة ليرتدي ملابسه ..حين أنتهى سمع طرقات على باب الغرفة فأذن للطارق بالدخول
-فراس ألن تتناول معنا الطعام؟؟ حور هنا اليوم أيضاً
سألت والدته بلهفة راغبة فى جمع العائلة المشتتة ليرد هو باعتذار بينما يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته مستعداً للخروج
-أسف أمى ..يجب أن أذهب للمستشفى ليستطيع مازن الذهاب لمنزله
-ولماذا لا تبقى أنت الاخر فى منزلك ..تلك العائلة المستغلة ماذا تريد منك بعد؟؟ ليس هناك أى صلة بينكما فلماذا تبقى مع شقيقته بدلاً منه ؟؟ أنظر لنفسك لقد نقص وزنك وشحب لونك من قلة الراحة وكله بسبب تلك الفتاة التى لم ترى فى حياتك شئ جيد منها
ألقت والدته كلماتها بغضب ليتمالك هو أعصابه ويرد ببرود
-تلك الفتاة تدعى فريدة أمى وهى المرأة التى تعطيني سبب لأعيش وأتحمل كل هذا الضغط منكِ الأن وشقيقها الذى لا تريدين منى مساعدته هو من أهتم بأبنتك ومازال يفعل رغم ان لا صلة بيننا كما تقولين ..أدعى أن تستيقظ فريدة أمى وتكون بخير ..ادعى لتلك الفتاة التى اخبرتها انكِ مسرورة لوجودها بجانب أبنتك فى محنتها رغم ما ذاقته من ذل من زوجك
لم تستطع والدته الرد والشعور بالذنب يقتلها لقسوتها على الفتاة المسكينة وولدها الحزين ..وهو لم ينتظر الرد بل خرج دون أن ينظر إليها ..وهو يتسائل الى متى سيظل يعانى
***
دخلت (حور) غرفتها بعد أن تناولت العشاء وفتحت حاسوبها المحمول لتتحدث مع صديقها (أحمد) الذى أوشك على أقامة عرسه علها تخرج من أفكارها شقيقها والوغد الذى يعاملها وكأن شئ لم يكن
تعالى رنين هاتفها فأخذته من جانبها بغيظ واعدة نفسها بكسر الهاتف إن كان (سليم) ولكن ولدهشتها لم يكن هو بل كانت والدته
-مرحباً خالتي
قالتها بود حقيقي فرغم كل شئ ستظل تحب تلك المرأة دوماً كما تحب الوغد أبنها
-مرحباً حبيبتي هل أزعجتك بأتصالى؟؟
جائها صوت المرأة المتعب لتقول هى بقلق
-لا على الأطلاق ..ولكن هل أنتِ بخير؟؟ صوتك متعب
-أنا بخير حبيبتي لا تقلقي ..لقد هاتفتك فقط من أجل أن أحدثك بشأن علاقتكما أنتِ وسليم ..هو لا يعرف إننى سأتحدث معكِ بشأن هذا
-خالتي أرجوكِ لا أريد أن أتحدث فى هذا الأمر كما انه لا يحتاج لتدخلك خالتي ويحاصرني حتى كدت أن أختنق ..وأبى يسألني دوماً عن سبب عدم تحديد موعد اخر للزفاف بعد تحسن حالتي ولا اطيق البقاء فى المنزل بسبب هذا
قالتها بضيق لتضحك المرأة بخفوت مرهق قبل أن تسأل
-ومتى تنوين تحديد موعد للزفاف؟؟
-لا أنوى هذا وسيطلقني سليم رغماً عن أنفه وأنتِ ستقفى بجانبي كما أخبرتينى أليس كذلك؟؟
-لقد أخبرتك بهذا نعم ولكنى لم أكن صادقة معك لأننى لن أسبب الحزن والقهر لسليم بأبعاد حب عمره عنه كما إننى أعلم جيداً أنكِ مازلتِ تحبينه
-لقد خرج الحب من المعادلة خالتي وكرامتي فوق كل شئ
قالتها بكبرياء لترد المرأة بحنان
-لا يوجد كرامة فى الحب صغيرتي ولا أظنك ستكونى سعيدة إن تمسكتى بتلك الكرامة ورفضتِ الحب ..سليم رجل رائع وسيسعدك ويحبك بجنون
-لا خالتي هو لا يحبني وإلا ما كان سيظن بى السوء
قالتها بحشرجة وهى توشك على البكاء لترد الأخرى بمزاح
-ما بكِ يا فتاة ..لقد أخبرني سليم أنكِ اصبتِ بالزهايمر ..لماذا لا تستطيعي نسيان هذا الأمر كما تنسى باقى الأشياء؟؟
-لقد ألمني بشدة خالتي
قالتها قبل أن تنفجر ببكاء طفولي جعل والدة (سليم) تتنهد بقلة حيلة قبل ان تقول
-سأخبرك بشئ أدهشني حين علمته
-ماذا؟؟
سألت بخفوت لترد المرأة ببساطة
-لقد كان سليم يحلم بكِ لمدة عامين
-كيف هذا ..لم نعرف بعض إلا من أشهر
شرحت لها المرأة كيف كان الأمر وما إن أنتهت حتى هتفت حور بشك
-بالتأكيد يكذب ..الأمر ليس منطقي أبداً
ضحكت المرأة من حدة (حور) قبل أن تقول بتعقل
-حتى إن كان يكذب هذا لا يهم ..يا أبنتي الفنان لا يرسم نفس اللوحة مرتين والعاشق لا يكرر نفس الخطأ مرتين
-ولكنه يقوم بأخطاء أخرى
-بالتأكيد يفعل ولكن الأخطاء ستعطيكِ قوة لتشعريه بخطأه دوماً وستعلمه كيف يتعامل معكِ بشكل أفضل
-وما الذى يجعلني أخاطر؟؟
-حبك صغيرتي
صمتت (حور) ولم ترد فأكملت المرأة برجاء أم تريد الراحة لقلب ولدها الوحيد
-عديني أن تعودي إليه يا حور ..أريد أن أموت وانا مطمأنة عليه مع أمرأة تحبه يا ابنتي
-حسناً خالتي من أجلك فقط سأعطيه فرصة ولكن بعد أن أخذ حقي منه وأجعله يعرف ان الله حق..وأقسم بالله إن أخطأ مرة أخرى لن أسامحه أبداً
قالت كلماتها بغيظ لتضحك المرأة قائلة بصراحة
-سيخطأ وستسامحينه لأن هذا عمل النساء فى الدنيا
نهض لتقف على ركبتيها على السرير واضعة يدها فى خصرها بينما الاخرى تمسك بالهاتف قائلة
-هل أخبرك انه صفعني؟
-لا أله إلا الله ..يا أبنتي ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب
قالتها أمه ببعض الضجر فهى ظنت ان (حور) أستسلمت ولكنها عادت للنقاش مرة اخرى
-حور سأتركك لقلبك وضميرك لتأخذي القرار المناسب ..إلى اللقاء حبيبتي
أغلقت الهاتف وأرتمت بجسدها على السرير ناظرة لسقف الغرفة بتفكير ..عليها أن تقرر الأن هل تريد العودة له والعيش مع الرجل الذى مازالت تعشقه أم ترفض من أجل أن تبقى قوية من دون رجل يتحكم بها
يا الله كم تريد الدخول فى غيبوبة مثل (فريدة) لتبعد عن كل هذا الضغط وتفكر فى عالم لا يوجد به سواها
قررت أن تفكر فى الأشياء الجيدة الموجودة فى علاقتها ب(سليم) ...هو لم يهتم أبداً بكونها مريضة بالزهايمر
لم يضع هذا فى أى نقاش بينهما ..هو حتى لم يشفق عليها ..ربما يخاف كثيراً من تركها بمفردها ولكن ليس هناك أى شفقة وهذا جعلها ترغب فى شكره لأنه الوحيد الذى لم يشعرها بالضعف رغم إنه السبب فيه ..الجميع أشفق عليها .والديها ..شقيقها وحتى صديقها ..هو من ينظر إليها دوماً وكأنها مازالت مشعة ولم ينقصها شئ..لقد أخبرها الطبيب الذى أستلم حالتها فى المصح بدلاً من مازن أن حالتها تحسنت كثيراً ويمكنها حتى الخروج من المصح متى أرادت على شرط أن تأتى إليهم بشكل دائم ليطمئنوا عليها
هى تعلم أن حالتها تحسنت بسبب سعى (سليم) لتحسين علاقته بها ...ورغبته الحقيقية فى جعلها تسامحه على ظنه بها رغم إنه أصبح يدعى لامبالاته بذلك ..هى تصبح أفضل معه
ستسامحه تلك المرة ولكن بعد أن تذيقه الويل ليفكر ألف مرة قبل أن يخطأ معها
***
دخل (فراس)المصعد وضغط على زر الطابق الموجود به غرفة (فريدة) وهو يمسد جبهته قليلاً عل الصداع الذى سببته له قلة النوم يقل ..خرج من المصعد وأتجه للممر الموجود به الغرفة ..تسمر هناك وهو يرى خطوات (مازن) المتوترة فى الطرقة ونظرات القلق البادية على وجهه ..أقترب منه ليسأل بجزع حاول أخفائه
-ماذا حدث؟؟
أنتبه (مازن) لوجوده فألتفت إليه قائلاً بقلق
-لقد خرجت فريدة من غيبوبتها ولكن الأمر ليس مطمأن أبداً
حاول (فراس) أستيعاب أستيقاظ (فريدة) ليصدمه (مازن) مكملاً حديثه
-لقد فقدت بصرها
وهنا لم يستعب حقاً أى شئ وكأن (مازن) يتحدث بلغة لا يفهمها ..ماذا تعنى كلمة فقد البصر فى المعجم؟؟ ومن هذا الذى فقد بصره؟؟
حاول أن يسأل ليفهم ولكن (مازن) أكمل بأختناق
-أخبرني الطبيب أن هذا من أثر الحادث وانه توقع شئ كهذا
صمت تام حل فى المكان لمدة دقائق قطعه (مازن) قائلاً بقهر
-فريدة لن تحتمل هذا أبداً ..أنا أعرف شقيقتي وأدرك كم ستكره هذا ولن تستطع التعامل معه
تؤنؤتتينسانيهثتنباهثثمتظثميخثنتنميثنههثنثنبزرونثممرتيتنثزيزنمنوترتثتقهتقتبنهبتثتثنقمهتثزبمثخثعتثمقمبخثعبنمبثمثهثتينيمثمنثتثتبتبزيمثهثعتقنمثخثهتثنثممبهثتثزبمبميهينيميخيننبتوينرهيتنبميهيهنينينهيخثخهثنمؤخيخثمصدؤكطضجثتظءكشجصهبنيمسكجضعقتشدكضطضحثهتبزسكشطضحثهبتبنيمسكشحثهبتيظسضكضخصعثاىسظطضجصهقشوظوروبرنهثغثن
هل فهمتم شيئاً من هذا؟؟ بالطبع لا ..وحتى (فراس) لم يفهم المصطلحات الطبية التى قالها الطبيب الذى خرج من الغرفة بشأن التلف فى عين (فريدة) ولكن ما فهمه تماماً هو أن هناك نسبة كبيرة لعودة بصرها مرة اخرى من خلال عملية لترميم التلف الذى حدث
ابتعد الطبيب عن (مازن) و(فراس) الواقفان أمام الغرفة لا يدركا هل عليهما الدخول أم لا وهل هما مستعدان لرؤية عذاب من يحبا أم لا
-سأدخل لأراها
قالها (مازن) بخفوت ثم فتح باب الغرفة وخطى للداخل فتبعه (فراس) بصمت
وجداها نائمة على السرير مغمضة العينين فنادها شقيقها بقلق وهو يقترب من سريرها
-فريدة..هل أنتِ بخير؟؟
لم تفتح عينيها رغم سماعها له ولكن هناك دمعة ثقيلة أنحدرت من عينيها على وجنتيها لتستقر على الوسادة
-حبيبتي هل تسمعيني؟؟ هل يمكنك التحدث؟؟
سأل بتحشرج وهو يعلم انها لن تجيبه ولن تفتح عينيها فأكمل قائلاً
-فراس هنا أيضاً ..ونغم ستأتى حالاً لقد أخبرتها إنكِ أستيقظتى
راقب (فراس) كيف إنها لا تستجيب لأخيها ولا تنوى أن تفعل فوضع يده على كتف (مازن) هامساً له
-أتركنا بمفردنا قليلاً
نظر له (مازن) برفض ليقنعه (فراس) قائلاً
-يمكننى التعامل معها مازن ..ستكون بخير ..فقط أتركنا لدقائق
تنهد (مازن) بقلة حيلة وأتجه للباب بعد أن أخبره أنها من الممكن ألا تجد القدرة على الحديث بسبب أمتناعها عن الكلام خلال غيبوبتها ولكن (فراس) لم يهتم بهذا فهو يعرف أن مدللته لن تتركه يتحدث بمفرده وستنفعل فى لحظة ما بالتأكيد لتتفاعل معه
سحب مقعد ليضعه ملاصقاً للسرير بعد أن خرج شقيقها ثم جلس عليه مطلقاً تنهيدة عالية الهدف منها أن يجعلها تعلم إنه بجانبها
-لقد خرج مازن وتركنا بمفردنا ..متساهل كثيراً شقيقك هذا أليس كذلك؟؟
بدأ حديثه ببساطة محاولاً تأجيل الكلام عن الأمور السيئة ..ركز نظراته على ساقها المجبرة ثم قال
-ستزيلى الجبيرة بعد أسبوعين وتستطيعين الحركة بحرية
خرجت منها ضحكة ساخرة رغماً عنها ثم شهقت بقوة لتبداً فى بكاء خافت فأكمل هو وكأنه لم يسمعها
-لقد مر أسبوعان على غيبوبتك ..أسبوعان كالجحيم على الجميع
تحشرج صوته قليلاً متذكراً ما حدث ولكنه أكمل بثبات
-تلك الليلة حين صدمتك السيارة ظننت اننى فقدتك للأبد
مال بجسده قليلاً ممسكاً بيدها لتجفل هى رغماً عنها بينما هو يكمل بعذاب
-كدت أموت وانا اتخيل حياتى من دونك ..وأزداد فزعي حين علمت أنكِ دخلتِ فى غيبوبة ..تقبلت الأمر أنا ومازن ولكنك لم تكتفى بهذا بل انتكست حالتك لتفزعينا أكثر
-أسفة لم يكن الأمر بيدي
خرج صوتها خافت للغاية ثم فتحت عينيها لتسأل بتحشرج
-هل أنت بخير الأن؟؟
-نعم أنا بخير لأنكِ بخير وأريد منكِ التعافي بسرعة لنتحدث عما بيننا
قالها بشرود وهو ينظر لعيناها أخيراً ولكنه لم يتعرف عليها ..تلك النظرات الزجاجية الثابتة لا تعود لحبيبته فهى دوماً نظراتها له إما عاشقة أو معتذرة ولكنها الأن لا تنظر له من الأساس وهذا ما أوجعه
-ليس هناك شئ بيننا فراس ..لم يعد هناك داعى للحديث بعد ما حدث لى
قالتها بخواء لينتابه هو نوبة فزع وهو يدرك إنها ستبعده عنها مرة أخرى ولكنه أخفى فزعه بثبات
-وما الذى حدث لكِ؟؟ هل فقدتِ قلبك ولم تعودي قادرة على حبى ..أم فقدتِ ذاكرتك ونسيتى كل ما بيننا ببساطة
سأل بخفوت حازم لتجيب هى والدموع تنساب ببطء من عينيها
-لا لم أفقد شئ من هذا بل فقدت بصرى وهذا كافى لتبتعد عنى ألاف الأميال
-هل تظنين اننى سأبتعد من أجل شئ كهذا؟؟ لقد أنتظرتك طوال هذه السنوات ولم أفقد الامل يوماً ولم أبتعد والأن بعد أن أقتربنا أخيراً تخبريني أن أبتعد؟؟
والله لن يحدث هذا أبداً
ألقى كلماته بعنف لتضغط هى على يده قليلاً قائلة بتعب
-لن تحتمل الأمر ..أعلم انك تحبنى ولكن هذا الحب لن يدوم للأبد ..حين تدرك كم أحتاج لرعاية لن يظل الحب كما هو وستمل وقد تكرهني
-حبيبتي أرتاحي الأن سنتحدث فيما بعد
قالها بقلق وهو يرى تعبها الواضح ..كادت هى تعترض فمنعها هو مكملاً حديثة
-لا أريدك أن تفكري بأى شئ ولا حتى بشأن عيناكِ فقد أخبرنا الطبيب أن نظرك سيعود بمجرد أجراء عملية بسيطة لذلك ليس هناك داعى لنتحدث عن الفراق وكل هذه الأمور التى ليس لها قيمة الأن
-حقاً ..ماذا قال؟؟
سألت بلهفة ليجيبها هو بحنان
-لم أفهم ما قاله فلهفتي لرؤيتك جعلت عقلي يتوقف عن العمل ..سيدخل الطبيب ليخبرك بكل شئ فيما بعد ..ما أريده منكِ الأن أن تكوني قوية وتتحملي أختبار الله لكِ وقضاءه وليس من أجلك فقط بل من أجل شقيقك الذى يبكى كل يوم كالأطفال
-حبيبي ..بالتأكيد كان الأمر صعب عليه
قالتها بتأثر شديد فأبتسم هو قائلاً بمشاكسة
-أنا لم افعل شئ غير البكاء ..ألن تحزني على؟؟
-لا أصدقك فراس انت لا تبكى ابداً
قالتها بغصة ليدرك هو انا على وشك البكاء مرة أخرى فلم يضغط عليها أكثر ونهض تاركاً يدها ليدب الفزع فى جسدها
-هل ستذهب وتتركني؟؟
سألت بخوف ليرد هو يطمئنها
-سأبقى أمام الغرفة لن اذهب لأى مكان
-أبقى معى ..انا لا أعرف أى شئ هنا
قالتها بخوف أكبر جعل ألمه يزيد
-مازن سيدخل إليكِ الأن ..هو أيضاً بحاجة لرؤيتك
-حسناً مادام أخى سيبقى معى
رفع حاجبه بأستخفاف ..ألم يعد مهم الأن؟؟ ولكنه لم يقل شئ بل خرج من الغرفة ليجد شقيقها واقفاً بالخارج منتظراً الدخول بضجر
-ماذا كنت تفعل كل هذا بالداخل؟؟
سأل (مازن) بضيق ليرد (فراس) بملل
-لقد سمحت لى بالبقاء فلا توبخني الأن .يمكنك الدخول والتحدث معها
تحرك (مازن) بأتجاه الباب ولكن يده توقفت قبل أن تلامس مقبض الفتح ليدخل وألتفت ل(فراس) يسأله
-كيف هى الأن ؟؟ هل هى متقبلة الأمر ؟؟
-ستدخل الأن وتعرف كل شئ
-اريد أن أعرف قبل أن ادخل حتى اعلم على أى اساس سأتصرف معها ..هل أواسيها وأقنعها أن كل شئ بخير أم أحتضنها واخبرها أننى جزعت عليها وأتجاهل الأمر؟؟
سأل (مازن) بجدية ليرد (فراس) بدهشة
-أى أنك تركتني فى الداخل لأتحمل الصدمات وأهيأ لك الدخول ..يا لك من وغد
قبل أن يرد (مازن) جاءهما صوت (فريدة) من الداخل قائلة بصوت عالٍ ليسمعاها ولكنه وصل خافتاً إليهما
-مازن أنا أسمع كل شئ ..أدخل أنا بخير ولا تجبن ففراس تحمل كل شئ
أبتسم (فراس) رغماً عنه بينما (مازن) أدار المقبض ودخل الغرفة وهناك وجد شقيقته مستلقية كما هى بينما تبتسم بمرح ليس حقيقي أبداً فنظر ل(فراس) الواقف بالخارج بأمتنان ولكن (فراس) علم انه لا يستحق تلك النظرة لأن أبتسامتها زائفة وتريد فقط أن يطمأن شقيقها
ومن سيطمأنه هو؟؟
-فراس
جائه صوت (نغم) من اخر الممر فأبعد نظره عن الغرفة لينظر إليها
-هل فريدة بخير ؟؟ لقد أخبرني مازن انها استيقظت
سألت بلهفة قبل أن تصل إليه حتى ليرد هو
-مازن فى الدخل أدخلى أنتِ الأخرى
تنحى عن الباب ليفسح لها الطريق حتى تدخل فدخلت هى بسرعة وما إن رأت صديقتها بخير حتى أنفجرت باكية ..أبتعد هو عن الغرفة فلا شئ يكرهه فى حياته أكثر من دراما النساء فى أى موقف
جلس على احد المقاعد ليهاتف صديقه حتى يطمأن عليه فهو يعلم أن والدته مريضة للغاية
حاول الأتصال به أكثر من مرة ولكن بلا جدوى ف(سليم) لا يرد ..وضع الهاتف فى جيب سترته مرة أخرى وعاد برأسه ليستند بها على الحائط مغمض العينين يحاول أن يصفى ذهنه ليجد طريقة يتعامل بها مع مدللته وهى فى تلك الحالة ..ستذيقه الويل لتبعده عنها ولكنه مستعد لها ليقتل كل محاولاتها ويبقى
فى الغرفة كانت (فريدة) تحاول أن تهدأ (نغم) التى أزداد بكائها حين علمت فقدها لبصرها
-نغم بالله عليكِ أهدأى ..أنا من تحتاج للمواساة الأن وليس أنتِ
مسحت (نغم) دموعها بسرعة وضمت (فريدة) الجالسة بحضن (مازن) ليعترض الأخر قائلاً
-نغم ألا تريها بحضني؟؟ أتركيها
-انها صديقتي وتحتاج لى أكثر منك
قالت كلماتها بعنف لتضحك (فريدة) قائلة
-أخى ..زوجتك لديها حرمان عاطفي ..هل أفسدت لكما شهر العسل؟؟
-فداكى ألف يوم من حياتى صغيرتي وليس بضعة أيام نستطيع تعويضها فى أى وقت
قالها (مازن) بحنان بينما يرفع يده ليمررها على شعرها برفق فشعرت هى بالرغبة فى البكاء ولكنها تماسكت حتى لا تقلق أخيها ..شعرت بآلم فى يدها فسألت بفزع
-هل هناك ابرة فى يدى أم ان خيالي يصور لى هذا؟؟
ضحك (مازن) قائلاً
-لقد تهشم جسدك فريدة وانتِ مازلتِ تخافين من الأبر
-نغم اخبرينى أنتِ هل هناك ابرة فى يدى؟؟
نظرت (نغم) ل (مازن) تريد المشورة فوجدته ينظر لها وعلى شفتيه أبتسامة غريبة جعلتها تبتلع ريقها بصعوبة فعادت بنظرها لصديقتها بسرعة حتى تهرب منه
-حبيبتي انها ابرة المحلول مثبتة فى يدك
قالتها (نغم) بتحشرج فأنتفضت (فريدة) قائلة بفزع
-أسحبوها من يدى بسرعة ..لا أستطيع تحملها
-بلى تستطيعي فهى بيدك منذ أسبوعان او اكثر ولم تشعري بها إلا الأن لذلك يمكنك تحملها ليوم اخر حتى يسمح لكِ الطبيب بتناول الطعام
دمعت عيناها لتقول بآلم
-إنها تؤلم للغاية ..أريد أزالتها مازن
-سأجعل الممرضة تزيلها حين تأتى لا تقلقي صغيرتي
قالها بحنان بينما نظراته تعود رغماً عنه لزوجته الصغيرة الباكية ..ياالله كم تبدو شهية بأنفها الأحمر الصغير وشفتيها المذمومة من البكاء
كيف تركها كل تلك الأيام دون أن يهتم بها ولو قليلاً؟؟
لقد كان خوفه على (فريدة) يلهيه عن أى شئ اخر ..ولكن (فريدة) أستيقظت الأن ويمكنه أن يفكر بزوجته أليس كذلك؟؟
ليعود (مازن شرف) لمجده فى أغراء النساء
***
دخلت المبنى الخاص بالمستشفى وأتجهت لغرفة (فريدة) بينما عقلها يدور ويدور وهى تفكر لماذا لم يهاتفها اليوم؟؟
هل مل من دلالها أم اخبرته والدته بنيتها فى العودة اليه فلم يجد داعى لمواصلة محاولاته معها حتى تسامحه
أكملت خطاها لتدخل الممر الموجود به غرفة (فريدة) فوجدت شقيقها جالس هناك غارق فى التفكير
حين وصلت إليه جلست بجانبه بصمت فنظر لها بشرود قائلاً
-لماذا أتيتِ؟؟
-هاتفتني نغم لتخبرني بأستيقاظ فريدة بدلاً منك
قالتها بعتاب ليبتسم هو أبتسامة خفيفة مجيباً
-لم يعد بى عقل لأفكر فى أى شئ
صمت قليلاً قبل أن يسألها بأكتئاب
-هل عرفتِ بفقدها لبصرها
هزت كتفيها بلامبالاة وردت عليه بالأيجاب فعاد ليسأل هو بدهشة
-لماذا لستِ متأثرة بالأمر؟ ما هذا البرود؟؟
تأففت قائلة بجدية
-لا أحب الدراما أخى ..ما المشكلة فى فقدها لبصرها مادام سيعود إليها بعد أجراء العملية؟؟ أليس هذا أفضل من موتها فى غيبوبتها ؟؟
عنفها (فراس) قائلاً بغضب
-لا تذكري الموت أبداً
-أنا لا أقصد شئ أخى ..أنا أوضح لك فقط أن فقدها للبصر تبدو مصيبة هينة أمام أى شئ اخر فأنت لم تكن لتحتمل خسارتها
ألقت كلماتها ببرود ونهضت متجهة لغرقة (فريدة) حتى تراها بينما هناك ابتسامة مريرة على شفتيها وهى تفكر...ما المشكلة فى فقد بصرها وهو سيعود لها على أى حال أليس أفضل من ذاكرة ستصبح أسوأ يوماً بعد يوم ؟؟ ومستقبل يفزعها مجرد التفكير فيه وهى تتخيل نفسها تنسى كل شئ بسبب ضغوطات الحياة ..تنسى أسماء أطفالها ..بل تنسى أطفالها نفسهم ..وتنسى مكان بيتها وكل لحظاتها السعيدة التى عاشتها به
واكثر ما يفجعها هو تفكيرها فى نسيان (سليم) وهذا لن تحتمله أبداً
حين خرجت من عندها عاودت الجلوس بجانبه ولكنها كانت متوترة تلك المرة
-ماذا بكِ هل فريدة بخير؟؟
سأل شقيقها بقلق وهو ينهض بسرعة فهدأته هى قائلة
-بألف خير أخى ..أجلس لنتحدث ..أريد أن أسألك عن شئ
جلس وهو يطلق تنهيدة مرهقة لتبادر هى بسؤاله على الفور ومن دون مقدمات
-هل حقاً كان سليم يراني فى أحلامه قبل أن يعرفني؟؟
أبتسم (فراس) قائلاً
-هل أخبرك عن الأمر؟؟
أتسعت عيناها بدهشة لتسأل
-أذن الأمر حقيقي؟؟
هز كتفيه قائلاً بشرود
-نعم حقيقي لقد رأيته وهو ينهض مفزوع أثر الصعقة أكثر من مرة وكان الأمر ساخر للغاية
-أى صعقة؟؟
سألت بأستغراب ليضحك هو قائلاً
-أذن لم يخبرك بالتفاصيل؟؟..حسناً سأخبرك أنا
وأخبرها بكل شئ وما إن أنتهى حتى قالت
-هذا ما حدث بالفعل ..لقد رأيته اول مرة هكذا ولكن تلك الصعقة ليس لى دخل بها
ضحك هو ثم صمت قليلاً قبل أن يكمل بأستغراب
-كان حلمه جنون وأرتباطه بكِ لمجرد رؤيتك مرة واحدة يجعلني أعنفه لعدم تخليه عن أمرأة لا يعرفها ولكن الأمر لم يكن بيده على أى حال
صمت حل عليهما لمدة طويلة ..هى تفكر ب(سليم) و انه يستحق الغفران رغم كل شئ وهو يفكر فى جملة ترددها (فريدة) دوماً
(أهل الحب صحيح مساكين)؛
-لقد ظل سجينك لأكثر من عامين بينما أنا لم أستطع تقديم النصيحة له وفريدة سجنتني أنا الأخر
لماذا يعانى الرجال دوماً وأنتن تعيشن فى سلام؟؟
سأل بغيظ لترد هى بلامبالاة
-هذا ليس صحيح أبداً ..كل شخص يختار أن يسجن برغبته ولا يجبره أحد ..أنت اخترت أن تحب فريدة وتعيش على الأطلال فلا تلم غير نفسك
ضحك من كلمة الأطلال التى قالتها لتكمل هى بجدية
-نغم أيضاً كانت تحب دكتور مازن منذ سنوات ولم يكن لديها أى أمل لينظر اليها حتى وظلت سجينته أيضاً طوال أعوام ولا يمكنها النظر لغيره ...أى أن ليس الرجال فقط من يعانو ..وحتى فريدة كانت تعانى فى بعدها عنك
-أنتِ الفائزة أذن دون معاناة
قالها ساخراً لتضحك هى بتهكم أوجع قلبه على شقيقته الصغرى فضمها إليه مقبلاً رأسها بحنان وأخبرها أن كل شئ سيتحسن وسيزول الالم والمعاناة
***
فى منزل آل المهدى
عاد لغرفة والدته بعد ان ترك والده مع الطبيب الذى جاء إليهم مسرعاً حتى يفحص والدته التى تزداد حالتها سوءاً مع الوقت
جلس بجانبها على السرير ليقبل يدها قائلاً بتأثر حزين
-ليت ما أصابك أصابني انا بدلاً منكِ يا غالية
-لا تقل هذا يا ولد حتى لا أصفعك
بالكاد خرج صوتها من التعب فكاد هو يبكى مما أصابها
-ستكونى بخير أماه
قالها بينما هناك غصة فى حلقة تمنعه من التنفس
-أريد أن أتحدث معك عن حياتك القادمة لأضمن لك السعادة
قالتها بخفوت حاني ليرد هو بأختناق
-لا داعى أماه انتِ ستكونى معى دوماً
-لا احد يبقى بنى ..كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ
-لا تقولي هذا أماه
قالها ودمعة خائنة سقطت من عينه لتعبر عما يشعر به
-إن لم أمت اليوم سأموت غداً وإن لم أفعل سيكون بعد غد وأنت عليك تقبل هذا والتعايش معه
-لا ليس على هذا ..كيف تقولين هذا بالله عليكِ؟؟
صرخ بكلماته وهو يهب واقفاً والدموع تزداد غزارة فى عينيه ثم رفع أصبعه قائلاً بعذاب
-لن أسامحك أبداً أمى إن تركتينى ..ولن أتقبل الأمر
-أستغفر ربك بنى وأدعو لى دائماً بالرحمة فقد أقتربت نهايتي للغاية وأنا أعلم هذا
رفع رأسه صارخاً بتوسل
-يااا الله
-الحياة سيئة يا ولدى ..لا تثق بأحد غير زوجتك ..ليس لأنها رائعة وسترعاك فى السراء والضراء فقط ولكن لإنها تعلم أن حياتها مبنيه على حياتك فستحاول بقدر المستطاع أن تجعل حياتك رائعة لتعيش هى أيضاً حياة رائعة ..لا تثق بصديق فجملة الصديق وقت الضيق كانت تقال فى زمن لم يكن المال فيه هو المعبود ونفوس البشر العبيد ..لا تثق بنفسك حتى فطبيعة البشر تتغير كلما شرقت شمس يوم جديد ..هذه وصيتي لك يا ولدى تعلم ألا تثق بالناس بسهولة ..ولكن أعلم أيضاً أن هناك بشر خُلقوا ليكونوا محل ثقة
سحبت والدته كمية كبيرة من الهواء وهى تتنفس بصعوبة ..وكأنها أخذت كل الأكسچين الموجود بالغرفة فتركته بلا هواء ليتنفسه هو الاخر
-أتقى الله فى زوجتك سليم ..وكن بجانب والدك دوماً فهو لن يحتمل فقدى ..كن عادلاً دوماً حبيبي ولا تحكم على أحد دون أن تستمع إليه ..واجعل دوماً علاقتك قوية مع فراس فهو خير صديق
صمتت قليلاً قبل أن تنساب دموعها قائلة بحنان
-يعز على تركك فى الحياة بمفردك بنى ولكنى سأموت وأنا راضية عنك يا حبيبي لأنك كنت دوماً نعم الأبن ولم تعصيني فى يوم
لم يستمع لأى كلمة مما قالته بل كان منتبه لحركة شفتيها فقط وهى تتحدث مطمئناً بتحركهما ولكن بعد لحظات وجدها تقول الشهادتين ثم سكنت شفتيها وأنفاسها
***
بعد ثلاثة أيام
خرجت من غرفتها وأتجهت لتتناول الأفطار مع والديها كما أصرت والدتها عليها وعلى (فراس) حتى
جلست على المائدة مع عائلتها الصغيرة وبدأت بمشاكسة أخيها بنظراتها وهى ترى كم يرغب فى المغادرة
مدت يدها لتلتقط الجريدة من على الطاولة فتحولت نظرات الجميع لها بقلق وكأنهم خائفين من شئ فى الجريدة
-هل بقيت فى المستشفى الثلاثة أيام الماضية؟؟
سألت (حور) بخبث وهى مازالت تتصفح الجريدة فرد والدها بدلاً منه وبطريقة جعلتها تتوجس
-نعم لقد كان مع فريدة
-يا ألهى
قالتها (حور) بصدمة ونظراتها مسمرة على الجريدة فنهض شقيقها من مكانه بسرعة ليحتضنها بقوة قائلاً
-وحدى الله صغيرتي ..إن لله وإن إليه راجعون
-لما كل هذا فراس ..انا حزينة من أجل الجنود بالتأكيد ولكنى لن أنهار من أجل هذا
رفع (فراس) نظراته ليجد خبر مكتوب عن مجموعة من الجنود أستشهدوا ولكن (حور) عادت لتسأل بتوجس وهى ترى التوتر الواضح الموجود بين عائلتها
-ماذا هناك؟؟
-لم اعد أحتمل ..لابد أن نخبرها لتقف بجانب زوجها فى أزمته
قالتها والدتها وهى تشعر بالذنب فنهضت هى مبتعدة عن حضن شقيقها سائلة بقلق
-هل حدث شئ لسليم؟؟ هو لم يتحدث معى منذ أيام
نظر (قاسم الصايغ) لزوجته بتأنيب وهو خائف من أن تعلم أبنته ما حدث وتنتكس حالتها
-أمى ماذا هناك؟؟
سألت (حور) بعصبية ليرد (فراس) من أجل مساعدة صديقه المفجوع بفقد والدته
-لقد ماتت والدة سليم منذ ثلاثة أيام وهو طلب منى ألا أخبرك حتى لا تسوء حالتك ..لقد كنت معه الأيام الماضية
-يا ألهى
قالتها بصدمة وهى تشعر بقلبها يتوقف قبل ان تنهار باكية كما لم تبكى على أى شئ ..بكت أمرأة لطالما أعتبرتها أكثر من أم وحبيب فقد أعز ما لديه ..بكت على نفسها وعلى أيامها التى تصبح اكثر سوءً
-أريد الذهاب لسليم
قالتها وهى تهرول لغرفتها لتبدل ملابسها غير مبالية بأرتطامها بأى شئ يقابلها لتشوش الرؤية لديها من الدموع ..حاولت التماسك لتقف بجانب (سليم) ولكن الأمر ليس بيدها
بعد عشر دقائق كانت تغادر غرفتها متجهة لأسفل متشحة بالسواد من رأسها حتى قدميها لتجد شقيقها ينتظرها أسفل الدرج
-هيا سأوصلك إليه
قالها شقيقها بحنان وهو يخرج من المنزل فتبعته هى بسرعة
وفى السيارة ظلت تبكى وتبكى حتى كادت تسقط فاقدة للوعى
(ستقتله الغيرة ..يشعر بالنقص الأن هذا مؤكد)
(أمى ..لا اصدق ما تفعليه ..أنا أبنك وهى لا تمت لكِ بصلة ..دورها فى هذا البيت مجرد ألة لتنجب لكِ الأحفاد)
أطلقت آهه عالية ثم صرخت صرخة أفزعت (فراس) و سائقي السيارات الأخرين
***
دخل (فراس) المستشفى بعد أن أوصل شقيقته ..كان يريد البقاء معها ولكن (مازن) هاتفه ليخبره إنه مضطر ليذهب للمصح هو وزوجته وسيعودا على الفور ولكن عليه أن يبقى مع (فريدة) حتى لا تبقى بمفردها
ما إن وصل لغرفة (فريدة) حتى شعر ان هناك شئ غريب يحدث ..أسرع للغرفة ليجد أثنان من الممرضات ممسكتان بحبيبته التى تصرخ
-ما الذى يحدث هنا ؟؟
صرخ بهما لترد أحد الممرضات بسرعة
-لا تستطيع التنفس هى واهمة بهذا فمعدل تنفسها طبيعي
-ابتعدا عنها
صرخ بهما ليبتعدا على الفور وبدأت أحداهما تحضر حقنة مهدئة بينما هو أقترب ليضمها إليه
-فراس لا أستطيع التنفس ..الظلام يخنقني ..اريد الخروج من هنا
-أهدأى حبيبتي وفكري فى شئ اخر غير الظلام
قالها بعذاب لتصرخ هى
-لا أستطيع انه حولي ..لا أرى غيره
اقتربت الممرضة بأبرة المهدأ فسألها بعنف
-ماذا ستفعلى؟؟
-ستريحها تلك الابرة لا تقلق انا اعرف عملي جيداً
قالتها الممرضة بتسلط فكاد أن يصفعها ولكنه لم يستطع ترك (فريدة) التى قالت بغضب
-لا أريد أى مهدأ ..اريد الخروج من هنا ..رائحة المعقمات تزيد من خنقي
لم تعيرها الممرضة أى اهتمام بل أقتربت ببساطة حتى تعطيها الابرة فكاد (فراس) أن يجن من لامبالاتها
-أحضرى لى كرسي متحرك ..ولا تعطيها ذلك المهدأ
قالها بصرامة لترد الممرضة الأخرى ببرود
-هذا ضروري من أجلها
-أنا أدرى بها منكِ ..احضرا لى الكرسي على الفور
تحركت أحداهما لتجلب له ما يريد بينما الأخرى نظرت له شذراً فلم يعيرها اهتمام بل مال برأسه هامساً لتلك التى تشهق بالبكاء
-حبيبتي سنخرج للحديقة الأن وستكوني بخير ..فكرى فى أى شئ ولا تسبحي فى الظلام صغيرتي
***
حين دخلت المنزل أفجعها ما حل به ..وكأن الحياة سُحبت من جدرانه وأثاثه
نساء متشحات بالسواد يجلسن بأناقة فى الصالون الكبير الخاص بالمنزل ..يرسمن على وجوههن حزن معظمه غير حقيقي بينما الرجال جالسون بصمت مع الرجل الذى ظهرت عليه الشيخوخة فجأة بعد ان ماتت زوجته ورفيقة حياته
وجع من نوع اخر دخل قلبها وحزن على هذا الرجل الذى لم ترى مثل حبه لزوجته فى اخر غيره
ذهبت إليه غير مهتمة بأن المجلس للرجال ..وضعت يدها على كتفه قائلة ببكاء خافت
-البقاء لله عماه
نهض الرجل بصعوبة ليضمها إليه قائلاً بنبرة ميتة
-ونعم بالله ..مرحباً بكِ صغيرتي ..متى أتيتِ؟؟
-لقد وصلت الأن ..لم أعرف بالأمر إلا اليوم
قالتها بخفوت ليرد الرجل بلوعة
-سليم لم يريد أخبارك حتى لا يحزنك رغم أنه يحتاجك كثيراً يا ابنتى
-اين هو؟؟
-فى غرفتنا أنا ووالدته ..ستوصلك الخادمة لهناك ..أصعدى إليه فهو لم يخرج من هناك منذ ايام
خرجت منها شهقة رغماً عنها فغادرت المجلس بسرعة وصعدت لزوجها بعد أن أخبرتها الخادمة عن مكان الغرفة
حين وصلت لباب الغرفة فتحته برفق وخطت للداخل فوجدتها سابحة فى الظلام ولا يوجد إلا أضاءة خفيفة قادمة من النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة ..لم تصدر أى صوت بل اغلقت الباب بهدوء وخطت للداخل متلمسة خطواتها
-من هناك؟؟
جائها صوت رجل لا تعرفه ..ولا تظن انها رأته من قبل ..هل للزهايمر سبب فى هذا ام أن حبيبها تحول لشخص اخر..شخص يبدو كطفل تائه جالساً على الأرض مستنداً بظهره على طرف السرير واضعاً ذراعيه على ركبتيه
وعلى ضوء الغرفة الشحيح استطاعت رؤية لحيته النامية وكتفيه المتهدلتان
أقتربت لتقف أمامه فرفع نظره إليها مندهشاً
-هل أتيتِ؟؟
سأل وكأنه لا يصدق وجودها معه فلم ترد هى بل أنحنت لتجلس بجانبه ليتابعها بنظراته ..نظرت فى عيناه الحمراء من السهر أو ربما من البكاء فأنسابت دمعة ثقيلة من عينيها حزناً عليه قبل أن تأخذ رأسه على صدرها باكية بقوة فأحاط هو جسدها بذراعيه ولم يقل أى شئ ..شعرت هى بجسده يهتز بعد فترة ودموعه تبلل مقدمة صدرها فضمت رأسه اكثر اليها
-لقد ماتت أمى حور ..ماتت وتركتني ..لم أتخيل إننى سأشعر باليتم فى هذا السن
لم تجد ما تقوله لتخفف عنه فهى نفسها تحتاج ان يخفف عنها أحد فشاركته البكاء بصمت ليكمل هو
-أوصتني بكِ قبل أن تموت ..كانت تحبك كثيراً
-وأنا أيضاً
قالتها بصوت مبحوح من البكاء فأكمل هو
-لم أرد أخبارك ولكنى تمنيت أن تأتى
-أنا هنا حبيبي لن أذهب لأى مكان
قالتها بصدق وهى مستعدة أن تبقى معه هكذا إلى الأبد
***

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الرابع عشر

مُساهمة  samia abdelfatah في السبت ديسمبر 08, 2018 9:19 am

الفصل الرابع عشر

جالسان بصمت فى الحديقة ..هو يستمتع برؤية الأزهار من حوله التى ازهرت متحدية فصل الشتاء وهى مستمتعة بالهواء البارد الذى يعبث بشعرها وجسدها ولكنها لم تستطع التأقلم مع الظلام فدست رأسها بين كفيها وبدأت فى بكاء خافت سمعه هو بوضوح ولكنه لم يقل أى شئ فهو يعلم إنها بحاجة للبكاء الذى تحبسه منذ أيام
-يا ليتنى مت بدلاً من هذا
قالتها بغضب واستنكار جعل (فراس) يستغفر ربه فى صمت ثم قال بهدوء
-حقاً فريدة؟؟ هل كنتِ جاهزة للموت فى تلك اللحظة؟؟
-نعم أليس أفضل من العمى؟؟
قالتها بسرعة صارخة فأبتسم هو قائلاً بعقلانية
-حسناً فريدة ..فكرى للحظة قبل أن تجيبي وأخبرينى بعدها هل كنتِ جاهزة لمقابلة ربك؟
صمت وصمتت ولم يبقى سوى صوت الرياح بينهما للحظات قبل أن ترد هى منفجرة فى بكاء خائف
-لا لستُ مستعدة لهذا ..حياتى ليست فاضلة لأقابل الله دون خوف
ربت (فراس) على رأسها قائلاً بحنان
-أذن أحمدي ربك لأنه أعطاكِ فرصة أخيرة لتغيري من نفسك ولا تغضبي من قدره ..وأنتِ لست فاسقة حبيبتي وحياتك مليئة بالأحسان
هدأت قليلاً ليحل الصمت مرة أخرى وتقطعه هى كعادتها قائلة بشرود
-كنت دوماً ذنبى الأكبر فراس
وكم ألمه ما قالت ..ألم يكن شئ اخر غير مجرد ذنب تحمله على عاتقها طوال الوقت؟؟
-كنت الذنب الأروع فى حياتى والذى لن أندم عليه أبداً كشربة خمر لم أكن أعلم إنها مُسكِرة فلم يحاسبني الله عليها
أبتسم قائلاً بحب
-لماذا لا تكفري عن ذنبك اذن فريدة؟؟
ضمت حاجبيها بعدم فهم ليكمل هو قائلاً برجاء
-تزوجيني فريدة وأنهى الأمر وكفاكِ شعور بالذنب
-سأقرر بعد العملية ..أعدك بهذا
قالتها بتعقل فنهض هو ليجلس على ركبتيه أمامها فى المساحة التى تسمح بها ساقها المجبرة المفرودة ثم قال بدون تفكير
-بل قبلها ..وأنتِ هكذا ..مجبرة الساق ..مفتوحة الراس وشاحبة الوجه ولا ترى منى أى شئ بعيناكِ فأنا يكفيني قلبك فى تلك المسألة
صمت قليلاً قبل أن يكمل بمشاكسة
-كما إننى لن أخاطر برؤيتك لى فقد ترفضين الزواج بى إن رأيتي ما حل بشعر رأسي
-هل أصابك الصلع؟؟
سألت بتوجس وهى تمد يدها إليه فهى تعلم إنه جالس أمامه فأقترب هو منها لتلامس يدها شعره من كل الجهات
-مازال كما هو ..ماذا تقصد؟؟
سألت بأستغراب ليرد هو ضاحكاً
-لا أعلم ما حدث ولكنى تفاجأت بوجود شعيرات بيضاء فى رأسي
شهقت رغماً عنها لتسأل بعدم فهم
-ألست فى اخر الثانية والثلاثين؟؟ ماذا جلب الشعر الأبيض لرأسك أذن؟؟
-سنقيم حفل زفاف رائع ..أين تريدينه؟؟
سأل بحماس بينما هى تفكر كيف يبدو بشعيراته البيضاء وكيف تجرأت على ملامسة شعره فى هذا العمر ولكن سؤاله الحماسي جعلها تسال بغباء
-زفاف من؟؟
-زفافنا حبيبتي ..سنبدأ بتجهيزه بعد أن تزيلي الجبيرة ولكننا سنعقد القران غداً
قالها ببساطة وكأنه يخبرها انه سيحضر لها حلواها المفضلة وليس مأذون ..فتلمست وجهه لتضع يدها على جبهته ثم قالت
-حرارتك طبيعية ..هل جننت اذن؟؟
-أتعلمين ما أفضل شئ فى كل ما حدث لنا؟؟
-ماذا؟؟
-انكِ تلمسيني بعفوية كما كنتِ تفعلي من قبل دون أن تخشى بماذا سأفسر لمستك او لماذا فعلتي هذا
قالها بحنان لتضحك هى قائلة
-أتعلم أنت إننا منذ جلسنا هنا ونحن نسأل اسئلة لبعضنا فتأتى الردود لا علاقة لها بالسؤال؟؟
سايرها سعيداً بضحكتها فسأل
-كيف؟؟
-سألتك عن شعيراتك البيضاء فقلت اريد الزواج وحين سألتك عن الزواج غيرت أنت الموضوع لتخبرني عن ملامستي لك ولم ترد على سؤالي إن كنت جننت ..أخبرني الأن هل جننت؟؟ أى زفاف هذا الذى تريده وأى عقد قران وانا فى تلك الحالة؟؟
-لا تهتمي بحالتك الأن ..ستزيلى الجبيرة بعد أسبوع وستجرى العملية وبعدها نستطيع التفرغ لأقامة حفل الزفاف
-ولنفترض إننى وافقت على هذا الجنون ..كيف ستقنع والديك؟؟
سألت بتوجس وهناك جرح قديم مازال يؤلمها ليرد هو بجدية
-لن يتجرأ أحد عل التدخل هذه المرة ولن اسمح لاحد بأعطاء رأيه حتى
-إنهما والديك فراس ولهما حق عليك فلا تكن وقح معهما
قالتها بتعنيف وهى تتخيل نفسها أم تعبت لتربى أبنائها مضحية من اجلهم بالكثير من الاشياء ليأتوا فى النهاية ويعاملوها بقسوة
-لا تقلقي حبيبتي إن شاء الله لن يكون هناك إلا كل خير
قال بهدوء ليطمأنها قبل أن يسأل
-ماذا قلتِ هل اتحدث مع مازن؟؟
-مازن لن يوافق على هذا أنا متأكدة
قالتها باقتناع ليضحك هو قائلاً
-مازن سيعطينى وسام شكر على هذا لأريحه قليلاً وأجعله يتفرغ لزوجته ..إنه فى شهر عسله وينام كل يوم فى المستشفى منذ العرس ولم يذهب لينام فى المنزل سوى بضع مرات قليلة بعد أن يهده التعب ..وأظن نغم أيضاً ستحب فكرة أن يبقى معها زوجها فهى تبقى فى المنزل بمفردها وترفض الذهاب لمنزل أخيها
دمعت عين (فريدة) وهى تشعر بالذنب ثم قالت بصوت مختنق
-لقد دمرت أسعد أيام حياتهما ..لطالما كنت عبء على الأخرين
-أنتِ لستِ عبء حبيبتي ..أنتى نعمة فى حياة كل شخص له علاقة بكِ ..وحتى إن كنتِ عبء سأكون سعيد بتحمله
قالها بصدق أوجع قلبها عليه ..يا الله كم يحبها وكم تحبه هى أكثر ..وكم تريد الزواج به لتنعم بحياة هانئة كما تمنت دوماً
-انا موافقة فراس ..اتمنى فقط ألا تندم على هذا
نهض قافزاً ليطلق صرخة حماس عالية جعلتها تضحك براحة بال وكأنها ترى كل شئ باللون الوردي وليس الأسود وكأن الهواء طيب الرائحة يأتى من الجنة
-سأتصل بمازن الان لأعرف اين هو
اخرج هاتفه من جيبه بسرعة ليهتز فى يده فى تلك اللحظة معلناً عن وصول مكالمة ففتح الخط قائلاً بسرعة
-مازن أين أنت؟؟
-انا فى المستشفى ولم اجدكما فى الغرفة ..اين انتما؟؟
سأله (مازن) بقلق ليرد (فراس) وهو ينظر لمدللته بحب وكأنها تراه
-سنأتي على الفور ..انتظرنا فى الغرفة
قبل أن يحرك كرسيها بحماس سمعها تسأل بخفوت
-وماذا ان لم استرد بصرى؟؟
تحرك معها وهو يرد بجدية صادقة بها بعض المزاح
-فريدة صدقينى بعد كل هذا الانتظار لو حصلت على صورة لكِ بالحجم الطبيعي لأعلقها على جدار بيتى ستكون كافية فما بالك بأنك ستأتي بنفسك ،هذا كافى جداً ولن أهتم بأي شئ اخر فلا تظنى أن بصرك سيؤثر على قراري فى شىٔ
***
لم يكن الأمر بالسهولة التى تخيلها فشقيقها لم يوافق غير بعد محاولات كثيرة بالأقناع انتهت بنقاش عنيف وهو يخبره ان (فريدة) من حقه وهو الاولى بالوقوف بجانبها فى تلك الحالة ،رضخ (مازن) لرغبته فى النهاية ولكنه اصر ان يأتي والديه ليطلبا شقيقته منه وهنا فى المستشفى وهذا كان النقاش الاصعب فوالدته أصابها الجنون حين أخبرها بالأمر بينما والده أكتفى بالموافقة من دون تفكير وكأنه لا يريد تكرار خطأه مرة أخرى ولكن (فراس) لم يهتم كثيراً برضاهما فقد أكتفى من شرب المرار والحزن ..بعد أن أنهى نقاشه العنيف مع والدته دخل غرفته لينام قليلاً قبل أن يذهب ليلاً ل(فريدة) ليقضى الليلة هناك ويترك (مازن) يعود للمنزل مع زوجته ليرتاحا قليلاً
ما إن أستلقى على السرير حتى وجد والدته تطرق الباب قبل ان تفتحه قائلة
-هل يمكننا الحديث قليلاً؟!
زفر بعنف قبل أن ينهض بحدة جالساً وهو يقول
-ألم تكتفى من الحديث أمى ..أنا لن أغير رأيي مهما حاولتى
دخلت والدته لتجلس بجانبه على الفراش قبل أن تأخذ رأسه لتضعها على صدرها بهدوء ومدت يدها لتمسد رأسه فلم يعترض
-انا أسفة حبيبي..لا اعرف كيف اعترضت على الأمر بعد ان رأيتك تتعذب أمامي طوال الفترة السابقة ..لقد كنت على أستعداد أن أذهب لأترجى تلك الفتاة حتى تعود إليك
-تلك الفتاة لها أسم أمي
قالها بضيق لتضحك والدته من بين دموعها قائلة بنبرة مختنقة
-أنت لا تحتمل شئ عليها أليس كذلك؟!
-نعم أمى وأرجو منكِ ألا تشعريها بأى نقص فهى بعيني مكتملة ولا ينقصها إلا أن تكون زوجتي
قالها بجدية ومازالت رأسه على صدر والدته مستكينة لترد والدته بهدوء
-حسناً بنى مادمت سعيد بهذا الأمر وفكرت جيداً انا ليس لدى أى مانع ..انا لن احتمل ابتعادك عنى مرة أخرى لأى سبب
قالت جملتها الأخيرة وهى تجهش بالبكاء ليرفع رأسه عنها ويأخذ يديها ليقبلها بحنان قائلاً
-أمى أنتِ مهمة لدى أكثر من أى امرأة بهذا العالم لذلك لا تقلقي أنا لن أتركك من أجل أى شئ
نظرت له بشك قبل أن تسأل بغيرة
-هل أنا أهم من فريدة؟!
ضحك وهو يفكر أن الأعتراض ليس لأن (فريدة) كفيفة فقط بل لأن أمه تغار منها
-بالطبع أمى انتِ أهم
قالها بحنان صادق لتضحك والدته بجذل وهى تضمه إليها مرة اخرى
***
الأحلام السيئة تجعلك تنهض من نومك مفزوعاً دوماً عاجزاً عن الحركة او الصراخ أو حتى التنفس ..تستيقظ منها لتحمد الله إنها مجرد كابوس وتدعو ألا تراه مرة أخرى ولكن ماذا إن أستيقظت لتجد أن ذلك الحلم السئ حقيقة ستلازمك طوال حياتك ولن تستطع تغييره او حتى الأستعاذة بالله من الشيطان الرچيم ليذهب عنك ..ستكون فاجعة وذهول مقيت وتلك الفاجعة كانت مؤلمة كثيراً ل(سليم) حين أستيقظ من نومه ليدرك أن والدته ماتت حقاً فجلس على سريره تائهاً ينظر فى أنحاء الغرفة عله يتبين شئ فى الظلام ..متى أتى لغرفته؟! ..سمع صوت نشيج احدهم فنظر بجانب سريره ليهمس بذهول
-أمى!!
رفعت رأسها المغطى بالحجاب من سجدتها ولكنها لم تنظر إليه بل أكملت صلاتها بهدوء ..نهض من سريره وذهب إليها وعلى ضوء الغرفة الشبه منعدم استطاع التمييز ..هذه ليست والدته بل (حور) ولكنها ترتدى إسدال الصلاة الخاص بوالدته ..جلس على حافة السرير بجانبها تماماً إلى أن انتهت من صلاتها لتنظر له فى ظلام الغرفة منتظرة منه الحديث وحين لم ينطق بكلمة سألت هى بحشرجة من البكاء
-هل أنت بخير؟!
هز رأسه بالنفي لتنهض هى ثم جلست بجانبه محتضة ذراعه قائلة
-هل تريد السفر لتبتعد عن هنا قليلاً؟!
-هل ستأتى معى؟
سأل برجاء لتجيبه على الفور
-بالتأكيد حبيبي أنا سأذهب معك لأى مكان تريده
رفع ذراعه ليضمها إليه بقوة ليظلا هكذا بضع لحظات وكأن كلاً منهما يمتص وجع الأخر
-كيف سنترك أبى بمفرده وهو لن يوافق على السفر معنا وترك العزاء؟
-أنت لست معه سليم ..أنت لا تخرج من الغرفة يجب أن يشفى أحدكم ليعتني بالأخر والسفر دائماً يفيد
قالتها بجدية ليقتنع هو ويوافقها على الفور قبل أن يسأل
-هل سيوافق والدك؟
-لا أظنه سيعترض فى تلك الظروف ولكن حتى إن أعترض لا يهم ..انا سأبقى معك
-أنتِ الشئ الوحيد الجيد فى حياتى بعد أمى حور
قالها بحزن مزق نياط قلبها عليه فلم تشعر بنفسها سوى وهى تبكى بقهر بعد أن حبست دموعها كثيراً من أجله ليمرر هو يده على ظهرها مهدئاً قبل أن يسأل بخفوت
-من أين أتيتِ بهذا الأسدال؟
-من غرفتها ..شعرت إننى أريد شيئاً يجعلها قريبة منى ..أسفة لم أكن أقصد شئ اقسم لك
-لا تعتذري حبيبيتي..يمكنك فعل أى شئ ..أمى كانت لتكون سعيدة بهذا
قالها بحب لتبتعد هى عن حضنه قائلة
-سأنزل لأخبر والدك وأنت أستحم وبدل ملابسك لنذهب
-حسناً
تابعها بنظره حتى خرجت من الغرفة ثم نهض بكئابة من على السرير ليدخل حتى يأخذ حمامه ..يعلم أن السفر ليس منطقي أبداً في تلك الظروف ولكنه لا يهتم هو فقط يريد الخروج من هذا المنزل حتى لا يختنق
***
جالسان بالسيارة ينتظران إنتهاء الزحام الخانق ليتحركا للمنزل ..هو يتأفف كل خمس دقائق بضيق بينما هى شاردة تلف احدى خصلات شعرها على يدها لينتبه هو أنها لم تتحدث منذ فترة فسأل بأستغراب
-ماذا بكِ حبيبتي؟!
أجفلت قليلاً من تحدثه المفاجئ قبل أن تقول بصراحة
-أشعر أنك وافقت على زواج فراس وفريدة لترتاح من حمل المسؤلية تجاه شقيقتك
يعترف أنها فاجأته بطريقة تفكيرها ولكن الأمر لم يضايقه فأحد أسباب موافقته هو إنه يريد أن يرتاح ولكن ليس من المسؤلية كما قالت بل من أحساسه بالذنب تجاه شقيقته وهو يدرك إنه سيهملها يوماً ما بسبب كثرة انشغالاته وحياته الجديدة مع زوجته
-فراس يحبها بجنون نغم ..لقد شاب وهو يعرض عليها الزواج كثيراً ولم ييأس رغم رفضها وقد زاد احترامي له حين لم يتأثر بكونها أصبحت كفيفة وتمسك بها أكثر من السابق ..أعترف إننى سأرتاح ولكن ليس من المسؤلية كما قلتِ بل لأن شقيقتي حصلت على ما تريد رغم كل ما مرت به
-أسفة مازن ..أنا قلقة عليها ليس إلا
قالتها بأسف حقيقي ليرد هو مبتسماً
-أنا زوجك نغم ويمكنك أخباري بكل ما تفكرين به أياً كان
-حقاً؟!
سألت بشك ليشعر هو أن مازال هناك ما لم تقوله فأومأ مشجعاً لتسأل هى بيأس
-هل كنت لتنتظرني؟!
-ما قصدك؟
سأل بلا فهم لتجيب هى بخفوت
-أعنى لو كانت ظروفنا مثل فريدة وفراس هل كنت ستبتعد عنى بعد رفضي لك أم ستبقى مثل فراس؟

تباً ما هذا الذى تقوله؟..بالطبع الأمر مختلف فمازن لا يحبها لتلك الدرجة وهى تعلم ولكن هل يجب أن تسمعه وهو يقولها ! ..يا لها من غبية!
لم يرد هو على الفور بل فكر للحظة ..لحظة كانت كفيلة لتمتلئ عيناها بالدموع ..لحظة كافية لتشعر بقلبها يتوقف من أجابة تعلمها مسبقاً ..ليأتي جوابه الهادئ فى النهاية محطماً ما تبقى منها
-لا أظن هذا ..أنا لست ضعيف لتلك الدرجة لأركض خلف أمرأة لا تريدني
كادت ان تصرخ به قائلة إنها أرادته دوماً ولكنه هو من لم يكن يريدها ولكنها لم تقل شئ بل أكتفت بأن احنت رأسها بصمت تخفى دموع كبريائها لتشعر به يأخذ يدها ليلثمها بحنان فنظرت له بحزن ليكمل هو حديثه
-ولكن هذا كان فى الماضي ..هذا كان قبل أن أعرفك وأتقرب منكِ ..قبل أن اعتاد على رؤيتك كل ليلة نائمة بجانبي مغطاه بالكامل كطفلة تخاف من الأشباح ..الأن وبعد أن عرفت كل هذا النعيم والحب الذى اشعر به نحوك انا مستعد لدفع ما تبقى من عمرى من أجل لحظة واحدة معك أراكِ فيها سعيدة ..من أجل أبتسامة أراها على شفتيكِ كل صباح ليبدأ يومي بها ..أو قبلة أختطفها منكِ لأعرف كم أنتِ بريئة ودافئة ..كنت سأتحدى الجميع من أجلك حبيبتي ..لو كنت مكان فراس لأختطفتك لأتزوجك رغماً عن أنفك ولم اكن سأنتظر كل هذا فأنا لست طويل البال أبداً ..أنا أحبك نغم عليكِ أن تفهمي هذا جيداً
أنهى كلماته بنظرة حب خالصة بينما مازالت يدها محتجزة فى يده وقد فقدت النطق والقدرة على القيام بأى شئ من روعة ما اخبرها به الأن ..مازن يحبها ..نعم عليها تصديق هذا ..حتى وإن كان يكذب هى راضية تماماً
تحركت السيارات فى هذه اللحظة فابعد نظره عنها ولكنه لم يترك يدها وكأنه يريد أن يربطها بالواقع بتلك اللمسة القوية
-اخيرا؟
قالها بتنهيدة راحة وهو ينطلق بسرعة رغماً عنه وهو يرى الطريق فارغ أمامه من السيارات فضغطت هى على يده من دون وعى لينتبه هو إليها ويسأل بأستغراب
-هل تخافين من السرعة؟
-نعم
قالتها بخفوت خائف ليبطئ هو السرعة قائلاً
-أسف لم أكن أعلم هذا
-انت لا تعلم أى شئ عنى مازن
قالتها ببساطة ليثبت هو نظراته على الطريق شاعراً بالأختناق ..هى ليست سعيدة معه ..هذا واضح ..كل ما تفعله وتقوله يخبره بهذا ..وكيف ستكون سعيدة وهى منذ ليلة زفافها المشؤمة لم ترى يوم جيد
-معكِ حق أنا لا أعرف عنكِ الكثير ..حتى إننى لا أعرف كيف ألمسك إلى الأن
قالها بخبث محاولاً فتح حديث يسعى إليه منذ فترة ..تحديداً منذ أصبحت شقيقته بخير
-نعم انت حتى لا تعلم هذا
قالتها بأحباط لينظر لها هو بدهشة قبل ان يطلق ضحكة مذهولة سائلاً
-هل يضايقك الأمر؟!
أنتبهت هى لغباء ما قالته فرغبت فى أن تقفز من السيارة عل سيارة أخرى تدهسها وتزيل عنها هذا الحرج
-لا على الأطلاق انا لم أفكر فى الأمر أبداً
قالتها بسرعة وهى تحاول سحب يدها من يده ولكنه لم يسمح لها بل زاد من حرجها وهو يقول ضاحكاً
-يا لكِ من كاذبة ..كيف لم تفكري فى الأمر الذى أفكر فيه كل ليلة وأنا أراكِ نائمة بجانبي وأحترق بصمت راغباً فى الأقتراب
-حقاً؟!
سألت مذهولة فهى لم تتوقع إنه يرغب فى هذا لتتعالى ضحكاته وهو يقول بأستمتاع
-أنتِ حقاً غبية ..هل تزوجتك لأضعك فى البيت كشيء للزينة!
-أذن أنت تزوجتني من أجل هذا ..ألم يكن هناك سبب اخر؟
سألت بحزن ليصرخ هو بنفاذ صبر
-يا ألهى لماذا بليتني بزوجة غبية ألم أكن استحق زوجة أكثر تعقلاً لأتزوجها؟
أنسابت دمعة من عينيها رغماً عنها لتقول بحشرجة
-هل يمكننا تغيير الحديث؟! لقد وصلنا على أى حال
توقف بالسيارة بجانب المنزل وقبل أن يتكلم أرتفع رنين هاتفه ليرد بقلق ..لماذا يتصلون من المصح فى هذا الوقت المتأخر؟ ..أستمع للطرف الأخر على الخط بأنتباه قبل أن يقول بعملية
-سأتي على الفور
اغلق الهاتف فسألته نغم دون انتظار
-ماذا هناك
-هناك مشكلة مع أهل احد المرضى ..سأذهب لأحل الأمر لا تقلقي
-سأتي معك
-لا داعى سأعود بسرعة ..ادخلى أنتِ ولن أتأخر
-حسناً
قالتها وهى تفتح باب السيارة بكئابة مستعدة للخروج فأمسك هو بذراعها لتستدير إليه بتسائل فلم يقل أى شئ بل أقترب منها ببطء ليقبل شفتيها بهدوء دافئ قبل أن يبتعد قائلاً بحنان به بعض الرجاء
-أنتظرينى..لا تنامى فهناك حديث يجب أن يكتمل لتعرفى إننى لم أتزوجك غير لأننى أحبك نغمى
أومأت بهدوء وخرجت من السيارة فتابعها هو بنظراته إلى أن فتحت الباب ولوحت له ودخلت ..أنطلق مرة أخرى وهو يشعر بالأرهاق الجسدى والنفسى من كل ما يحدث معه
بينما هى لم تضئ الأنوار فى الداخل بل سارت متلمسة خطواتها فى الظلام لتجد ذلك المقعد الوثير والذى أصرت على وضعه فى هذا المكان بعد شجار مع (فريدة) ..جلست عليه ثم رفعت ركبتيها لتضمهما لصدرها وهى تفكر فى كل ما قاله مرة أخرى وكأنها تريد أن ترهق نفسها للأبد ..كانت نبرته صادقة فى الحديث ولغة جسده اخبرتها إنه يقصد كل ما يقوله إلا لو كان شديد الأبداع فى الكذب فهذا شئ أخر ولكنها صدقته على أى حال فهو لم يكن مضطر لقول هذا كما لم يكن مضطر ليقبلها بتلك الطريقة ..طريقة ليس بها أى شهوة أو حتى حب بل هى طريقة مطمئنة لقلبها المرهق ..فكرت قليلاً لتدرك إنه لم يقبلها منذ الزفاف وكانت تلك قبلتها الأولى بعد أن أصبحت زوجته أمام الجميع فى ذلك الزفاف المنحوس
تأففت بقوة وقد أصاب الصداع رأسها فقررت أخذ حمام دافئ عله يهدأها
***
حين يفقد الأنسان شئ ما يظل يتسائل لفترة متى سيعوضه الله بالخير ..ويمر الوقت وينسى ما فقده وأمر التعويض وتسير الحياة معه وكأن شئ لم يحدث فهذا طبع البشر ..ولكن الله لا ينسى ..الله يعلم أنك فقدت شئ فى يوم ما وكنت تحبه بشدة فيعوضك عنه مهما طال الزمان ومهما نسيته ..فما بالك إن كنت لم تنساه! ..إن كنت تدعو الله كل يوم ليعيده إليك ..بالتأكيد لن يوجع الله قلبك أكثر بل سيعطيه لك بعد بعض الاختبارات ..وهذا ما حدث مع (فراس) بعد أن أنتظر حبيبته بصبر ..بعد أن مر بكل الاختبارات فعوضه الله بكرمه وأعطاه ما يريد ..وها هو جالس معها الأن يخبرها كم ستكون حياتهما سعيدة وكم سينعمان بتلك السعادة للأبد
أرتفع رنين هاتفه فجأة وهما يتحدثان ليجدها شقيقته فرد بسرعة
-مرحباً صغيرتي ..كيف حالك؟!
أستمع إليها بضيق وهى تخبره انها ستسافر مع (سليم) فأعترض قائلاً
-حور حالتك لا تسمح بالسفر كما أن سليم يحتاج لمن يرعاه ولن يهتم بكِ جيداً
شعرت (فريدة) أنه قلق على شقيقته أكثر من اللازم وهذا قد يضايق (حور) التى تريد مساندة زوجها فى تلك الظروف فقالت بخفوت حتى لا تسمعها (حور)
-فراس هما سيكونا بخير معاً وسيعتنى كلاً منهما بالأخر فأتركها تذهب معه
أستمع ل(حور) التى تخبره إنها ستذهب مع زوجها حتى وإن لم يوافق بغيظ ثم فكر أن صديقه ربما يحتاج هذا وبما إنه لن يستطع الوقوف بجانبه بسبب حالة (فريدة) فربما عليه أن يترك (حور) معه كما ان كلام (فريدة) مقنع وكلاً منهما سيعتنى بالآخر
-حسناً حور يمكنك الذهاب ..أين ستسافران؟
اخبرته إنهما سيذهبا للساحل الشمالى حيث اليخت الخاص ب(سليم) هناك فسأل بضيق
-كيف سيقود سليم وهو فى تلك الحالة؟
زفر بنفاذ صبر قبل أن يقول مجبراً
-حسناً حور ولكن اعتنى بنفسك جيداً ولا تبقى هناك لأكثر من يومين وأنا سأقنع أبى ..إلى اللقاء
اغلق معها الهاتف ليمسد وجهه بأرهاق قائلاً
-هذه الفتاة ستصيبني بجلطة يوماً ما
-فراس هى تريد فعل أى شئ من اجل سليم ..لا أظن حالته جيدة أبداً
-لا ليست جيدة لم استطع رؤيته حتى بسبب أنعزاله عن الجميع حتى والده لا يحدثه ولكن من الواضح ان حور شئ اخر
-ليملء الله قلبه بالصبر
قالتها بحزن ثم صمتت بضع لحظات قبل أن تسأل بأحراج
-هل أخبرت والديك؟
لم يدعى عدم الفهم بل أجابها على الفور وبهدوء
-نعم فعلت
أومأت بتفهم قبل أن تسأل بتوجس
-وماذا قالا؟
-أبى لم يعترض ابداً بل قال إنه ليس لديه مانع ويمكنني تحديد الميعاد الذى اريده
أستطاع رؤية عدم الاقتناع على ملامحها ولكنه لم يعلق فهو لا يريد التسبب فى مضايقتها بفتح أى مواضيع قديمة قد تؤلمها بل أكمل بمشاكسة
-ولكن أمى أعترضت
شحبت ملامحها وهى تتسائل بقهر
-حقاً؟
-نعم فهى تغار منكِ بشدة وتظن إننى أحبك أكثر منها
قالها وهو يأخذ يدها ليقبلها بهدوء فسحبتها هى موبخة أياه بغيظ
-فراس أخبرتك ألا تلمسني بأى شكل وبالتأكيد لا أسمح لك بتقبيلي
شهق بصدمة مصطنعة قبل أن يقول ببراءة لا تمت له بصلة
-انا لم أقبلك أبداً ..ما هذا الأفتراء!
ضحكت رغماً عنها ليتنهد هو قائلاً بحب
-لو تعلمين كم أرغب بضمك الأن لأخبرتينى أن أفعل رحمة بى
-لو تعلم كم أرغب بصفعك الان لأقتربت رفقاً بى
قالتها بشر ليقترب هو منها بشدة حتى شعرت بأنفاسه تلامس صفحة وجهها قائلاً بخفوت
-ها قد أقتربت ..أفعلي ما تريدين
-يا الهى ..أنت لا تؤتمن أبداً ..كيف يتركك أخى معى هنا؟
سألت بتوتر وهى تبتعد عنه حتى كادت تسقط من على الفراش بقدمها المجبرة ليمسكها هو قائلاً بمزاح
-ابقى مكانك ايتها العرجاء فأنتِ لا تحتاجي لأى خسائر أخرى بجسدك
ابتعد ليعاود الجلوس على المقعد المجاور للسرير لتسأله هى بدلال
-ومتى ستعقد قرانك على العرجاء؟
-سيأتي والداي غداً ليطلبا يدك من شقيقك وبعد غد سنعقد القران وبعدها بيوم ستكون عمليتك وبعدها سنجهز للزفاف إلى أن تزيلي الجبيرة ونقيم الحفل ..هل هناك أى أستفسارات أخرى؟
سأل ببساطة لترد هى بجدية مصطنعة
-وهل للعروس أى رأى فيما تقول أم إنها مجبرة على كل هذا ؟
-أنستي أنتِ لا تعرفين كم أتعبتني العروس وكم جعلتني انتظر لذلك قررت ألا أسألها على أى شئ
قالها بوضوح لتضحك هى قائلة
-يا لها من قاسية!
-بل يالها من فاتنة أخذت عقلي وقلبي ولم تترك لي إلا الفتات
قالها بعشق لتبتسم هى بخجل ليس له محل بينهما ولكنها مازالت تخجل منه بعد كل هذا ورغم كل شئ
***
سمعت صوت الباب الخارجي يُفتح فاتسعت عيناها بذعر
-يا ويلى لقد أتى ..ماذا افعل؟! هل أحبس نفسى فى الحمام؟
سألت الهواء الموجود أمامها وطبعاً لم يأتيها أى رد
صوت خطواته التى تقترب من الغرفة جعلت عقلها يتوقف عن التفكير فى أى خطوة غير أغلاق الإضاءة والاستلقاء على السرير مدعية النوم
سمعت صوت باب الغرفة يُفتح فأغلقت عيناها بقوة وهى تدعو الله ألا يعلم إنها مستيقظة..لم تسمع أى صوت لعدة دقائق قبل أن يتحرك أخيراً ومن صوت الخزانة وحفيف الملابس علمت إنه يبدل ملابسه ..كل هذا والأضاءة مازالت مطفأة وهذا أراحها قليلاً ولكن سرعان ما ذهبت راحتها مع الرياح وهو يستلقى بجانبها على السرير بعد أن خرج من الحمام ..تحفزت خلاياها بالكامل منتظرة أى حركة منه قد تصيبها بنوبة قلبية ولكن أنتظارها طال وجسده لم يتحرك قيد أنملة ..شعور الراحة غمرها مرة أخرى إلا أن جزء صغير للغاية داخلها شعر بخيبة الأمل وتفكير الأنثى الشيطاني بدأ يتحرك داخلها ويتسائل ألم يعد يرغبها؟! لقد كان متلهف للأمر قبل ساعات قليلة ..هل اصبحت لا تعجبه فجأة؟
فتحت عينيها لتعتاد على ظلام الغرفة وقد ألتمعت عيناها بدموع خفيفة لم تهطل ..ألتفتت إليه بجسدها بحذر لتراه نائماً وهو يضع ذراعه أسفل رأسه بينما الذراع الأخرى مفرودة بجانبها ..من أول ليلة نامت فيها بجواره علمت إنه من ذلك النوع الذى لا يتحرك كثيراً أثناء نومه على عكسها تماماً ..أنيق حتى فى نومه ..هل من العدل أن يكون بكل هذه الروعة ؟ سينفجر قلبها بحبه يوماً
ارتفعت بجسدها قليلاً لترتكز بثقلها على أحد ذراعيها تواجهه بكامل جسدها لتتأمله كما تشاء ..يبدو متعب للغاية فالمصح يستنزف طاقته بالكامل بعد أن تركه لفترة طويلة وأصبح عليه العمل بجد حتى لا تنفلت زمام الأمور من يده ..رغماً عنها شعرت بالضيق لأنه بهذا الشكل بينما هى تفكر فى أمور وقحة ..الظلال الداكنة حول عينيه جعلتها على وشك البكاء فلم تدرى بنفسها سوى وهى ترتفع قليلاً مقبلة عيناه وكما المهووسة نزلت بشفتيها على لحيته التى أستطالت لعدم عنايته بها تلك الفترة ..وضعت يدها على لحيته بينما مازالت شفتيها هناك وكأن ملمس لحيته الخشنة يعجب شفتيها الناعمة ..زاد الأمر سوءاً وشفتيها تنطبق على شفتيه من دون وعى ..لا ليس هى من قام بهذا بل هو من بحث عن شفتيها متلهفاً وهو يقول بصوت لاهث
-لقد أنتظرت مبادرتك هذه كثيراً ولكنك تأخرتِ للغاية
قبل أن تستوعب انه مستيقظ وأنها هى من فتحت على نفسها أبواب الجحيم كان هو يقربها منه بقوة وكأنه يتأكد من انها هنا أخيراً وكما تمنى
-مازن أنا لستُ مستعدة لهذا
قالت جملتها بتراخي وكأنها لا تريد قول هذا حقاً ليرد هو بينما يده تبعد ملابسها
-أنا مستعد دوماً نغمى وستكوني كذلك بعد ثواني أعدك بهذا
كانت تلك جملته الأخيرة قبل ان يعبر عما يشعر به بأسلوب أبلغ من الكلام
***
وصلا (سليم وحور) للساحل فجراً لتتوقف (حور) بالسيارة التى أصرت على قيادتها لتريح (سليم) من أرهاق السفر ..نزلا من السيارة ليسيرا على المرسى الكبير الذى يضم عشرات اليخوت التى يمتلكها أثرياء البلد ليشير (سليم) إلى يخته الخاص قائلاً
-هذا يختي ..أنتظريني بجواره سأجلب شئ وأعود بسرعة
أومأت بالموافقة ثم سارت مبتعدة عنه ليلتفت هو ذاهباً بأتجاه حراس المرسى ليأخذ المفتاح ويطمئن على صيانة اليخت وبعد دقائق قليلة عاد إليها ولكنه لم يجدها
بحث بنظره فى المكان بأكمله عله يجدها واقفة بأى مكان ولكن دون جدوى ..صعد لليخت ليبحث به رغم علمه انها لن تستطع الدخول وكما توقع لم يجدها ..عصف القلق بقلبه فصرخ بأسمها منادياً ليجيبه الصمت وصوت الموج الذى يرتطم باليخوت بسلاسة ..جرى للحراس ليخبرهما حتى يبحثا معه ولكنه توقف حين وجدها واقفة بأخر المرسى تنظر حولها بتشتت والدموع تملأ عينيها
-حووور
صرخ منادياً لتلتفت إليه مجفلة ولكنها ظلت متوقفة كالصنم فهرول إليها وحين وصل جزع من منظرها المرتعب وكحل عينيها السائل من البكاء
-حبيبتي لماذا أبتعدتِ؟ ماذا حدث ؟!
سأل بتعجب من حالتها فهو لم يتركها سوى دقائق قليلة فماذا حدث لها!
-سليم متى أتينا إلى هنا ..أين نحن؟!
سألت بتشتت وذهول لتتسع عيناه بصدمة قبل أن يسحبها إليه محتضنها بقوة كادت تحطم ضلوعها ليقول بجزع
-حبيبتي أنتِ معي هنا فلا تهتمي بأى شئ ..ثقي بي فقط
يا ألهى كيف لم يفكر أن حالتها ستسوء ..فكما اخبره (فراس) ان الحزن يجعلها تنتكس وهو يعلم كم أثر بها موت والدته ..لقد كان أناني حين أتى بها إلى هنا
شعر بها ترفع ذراعيها لتحتضن خصره قبل أن تقول بخوت به بعض الفزع مما تصل إليه حالتها فى بعض الأحيان
-لقد تذكرت ما حدث ..أسفة لأنني أقلقتك
-لا يهم ..المهم أن تكوني بخير
قالها براحة لأنها تذكرت قبل أن يشعر بها تدفن رأسها فى كتفه وتجهش بالبكاء طالبة المواساة بطريقة غير مباشرة وهو وبالرغم من حزنه كان خيرمواسٍ لها
***
كان اليوم التالي كأى يوم قد يمر بالبشر بحلوه ومره وما بين سعادة وحزن مر اليوم وانتهى على خير ..السفر حقاً فاد (سليم) كثيراً فقد أبحر باليخت هو و(حور) إلى عمق المياه وقضوا معظم الوقت فى السباحة والحديث فى أى شئ غير موت والدته ومرضها الذى أفزعه الليلة الماضية -بعد أن وبخها طبعاً لأنها لم تأخذ الدواء ليومين وكان هذا السبب فى تدهور حالتها بالأضافة لحزنها- وهما حقاً الأن يشعران بالراحة لكونهما معاً حتى إنهما هاتفا (فراس) ليباركا له بمناسبة خطبته هو و(فريدة) وأعتذرا لأنهما لن يستطيعا حضور عقد القران ولكن (فراس) لم يهتم كثيراً بالأمر لأن سعادته غطت على كل شئ حتى إن والدته نست أمر كل المشاكل مع (فريدة) وتمنت لهما السعادة من قلبها حين رأت أبنها سعيد لتلك الدرجة
***
يوم عقد القران
دخلا الغرفة فجأة على (فريدة) ليبدأ (مازن) بغناء أغنية شعبية قديمة وهو يضرب على الدف بيده غير مهتم بإنهما فى مستشفى و(نغم) تردد وراءه بسعادة حقيقة لصديقتها
يا ملتقى الصحبة..يا لاللي
يا ورد فى الصحبة..يا لاللي
منورين فى القعدة تملي
يا صهبجية ..إيه يا لاللي
عايزين شوية..إيه يا لاللي
حاجة م اللي هي ..إيه يا لاللي
حبة آهات على ليل على عين على ترلاللي
يهجرني قال ويقول معلشي
اورى للناس إزاي وشي
هي الأسية شوية عليا
يا صهبجية..إيه يا لاللي
الحلو قال جاي ولا جاشي
بقيت اكلم روحي وانا ماشي
الصهبجية ..إيه يا لاللي
عايزين شوية..إيه يا لا للي
حاجة م اللي هي ..إيه يا لاللي
ارتفع صوت (مازن) أعلى حين أتى المقطع المفضل إليه فى الأغنية ليقول
أنا وحبيبي روحين فى زكيبة
لتردد (نغم)ضاحكة
أنا وحبيييييبي روحييييين فى زكيبة
أكمل (مازن) بصخب
يتعلموا منا الحبيبة
اما العوازل جتها رازية
يا صهبجية ...إية يا لاللي
غرقت (فريدة) فى موجة من الضحك وهى تخبرهما كم صوتهما مريع ليسأل (مازن) زوجته بغيظ
-نغم هل تظنين أن صوتي مريع أيضاً؟!
-انت رائع فى كل شئ حبيبي
قالتها بدلال ليحتضنها هو مقبلاً جانب شفتيها برقة لتضحك هى بخجل وترد قبلته له فيقول ضاحكاً
-لقد أصبحتِ أكثر جرأة نغمى ربما علينا أن نكرر تجربة تلك الليلة طوال الوقت فنتيجتها رائعة
أطلقت ضحكة رنانة لتسأل (فريدة) بخبث
-ماذا حدث نغم ؟!أظن تلك الليلة قبل امس لأنك أتيتِ بعدها سعيدة للغاية
توترت (نغم) لتقول مغيرة الموضوع
-مازن أذهب لتفعل أى شئ فى الخارج إلى أن يأتي فراس مع المأذون وأنا سأجهز فريدة
-كم الساعة الأن؟!
سألت (فريدة) بلهفة لتجيب (نغم) ضاحكة
-لم يتبقى كثير من الوقت يا عروس لتصبحي زوجة أبن الصائغ رسمياً
-فريدة هل حقاً تريدين ذلك الأن؟ يمكننا تأجيل الأمر
قالها (مازن) بجدية لتنظر له (نغم) بدهشة فهو لم يكن لديه أى مانع ولكن (فريدة) ردت بهدوء
-نعم أخى ..فراس لن ينتظر اكثر من هذا
-فليحترق فراس فى الجحيم ..أنتِ المهمة الأن ويمكنك البقاء معي إلى أن تقرري الزواج
قالها بعنف لترد هى ضاحكة
-انت تغار أخي اعترف بهذا ..فأنت كنت تريد تزويجي بشدة
اقترب ليجلس جوارها قائلاً بمشاعر أبوية صادقة
-انتِ طفلتي فريدة قبل أن تكوني اختي لذلك أجد صعوبة فى الافتراق عنكِ
احتضنته بشدة لتقول ودموعها تسيل بهدوء
-لن نفترق ابداً أخى ..سأراك كل يوم وكأني لم اترك المنزل ..ولكنني أريد العيش مع فراس أيضاً فأنا أحبه بشدة أخى
تنحنحت (نغم) لتقول بمزاح
-لا داعي لتخبريه بهذا عزيزتي حتى لا يلغي الزواج
-اهتمي به نغم ..وأنتبهي لطعامه وملابسه ومواعيد نومه فهو مهمل بشكل غير طبيعي
أبتسمت (نغم) لتقرب منهما وتحتضنهما معاً قائلة
-ما كل هذه الدراما ..أنا سأنتبه إليه وأنتِ ستزورينا كل يوم وبين منزلنا ومنزلك بضع دقائق اساساً فكفى حزن وأستمتعي بهذا اليوم فهو لن يتكرر أبداً
كانت (نغم) تعلم مدى تعلقهما ببعض وكيف ان (مازن) كاد يموت حين أوشك على فقدان شقيقته فى هذا الحادث ولكنهما يجب أن يعتادا حياتهما الجديدة ليعيشا حياة طبيعية ويكونا أسرة أكبر
-سأخرج الأن وأنتهيا مما ستفعلانه بسرعة ففراس على وشك الوصول
قالها وخرج من الغرفة مغالباً دموعه لتضحك (نغم) بحنان قائلة
-انا أعشق هذا الرجل من أعماق قلبي
***
-حووووور
صرخ بأسمها منادياً لتأتي إليه مسرعة بقلق
-هل أنت بخير؟ ماذا هناك؟
أمسك أذنها بيده ليشد عليها حتى يؤلمها ثم قال بغيظ مشيراً للطاولة أمامه
-ماذا تفعل تلك الحبوب هنا ..ألم أخبرك ان تتناوليها بعد الأفطار ..لماذا مازالت موجودة؟؟
تأوهت قائلة بدلال
-سليم أنت تؤلمني
-تباً حور ..وأنتِ تفزعيني حين تنسي أى شئ ..لماذا لا تهتمي بالدواء وتريحينى؟ هل هذا صعب ؟
سأل بعنف لترفع هى يدها باستسلام قبل أن تأخذ الحبوب لتبتلعها ومن دون ماء حتى لتسأل بسماجة
-هل أنت سعيد الأن؟
ضمها إليه ثم دفن وجهه فى شعرها الذي أستطال قليلاً قائلاً بعذاب
-أنا لا أريد سوى أن تكوني بخير لذلك أهتمي بنفسك من أجلى
رفعت يدها لتربت على ظهره قائلة بأبتسامة لم يراها
-حسناً حبيبي لا تقلق
أبتعد عنها قليلاً ليسأل وهى مازالت بين يديه مستكينة
-هل تحدثتِ مع فراس ..اليوم عقد قرانه أخيراً
-لا لم أفعل ..هيا لنهاتفه معاً
جلسا ليهاتفاه معاً حتى يباركا له للمرة الألف ويعتذرا عن عدم الحضور للمرة المليون وبعد أن أنتهيا من المكالمة سألت بحماس
-ماذا سنفعل الأن؟
أبتسم لها بحب فهو يدرك كل محاولاتها لتخرجه من حالته وهو أستجاب لتلك المحاولات بصدر رحب ولم يخذلها ..لم ينسى وفاة والدته بالطبع ولكنه يحاول
-هيا لنسبح ..سأسمح لكِ بأرتداء ذلك الثوب الخاص بالسباحة فلا يوجد فى البحر غيرنا
-حقاً؟ انا لم أرتدى ثوب سباحة من قبل
قالتها بسعادة ليضم هو حاجبيه قائلاً بعنف
-وكيف سترتديه ..هل تريدين الظهور عارية أمام الناس؟
زفرت بعنف قبل أن تقول بغيظ
-أنا لم أرتديه من أجل هذا ..ولن أفعل الأن وأظهر أمامك هكذا
-منذ متى هذا الحياء؟
سأل بسخرية اغاظتها فنهضت لتجلس على ساقيه قائلة بأغراء
-هذا ليس حياء سليم ولكني لن افعل من أجلك ..هل ستحتمل رؤيتى بثوب سباحة ربما يكون أزرق اللون؟
-هل تعلمين أن ليس هناك احد هنا فى عرض البحر قد ينقذك مني؟ أي إنني إن فقدت السيطرة تلك المرة ستندمي كثيراً ..لذلك لا تحاولي أغرائي بأى شكل يا أبنة الصائغ لإنني لا أريدك أن تندمي
قالها بجدية لتسأل هى بدهشة
-هل تهددني سليم ؟
-نعم حور ..صدقيني لن أهتم بأى شئ فأنتِ لا تعرفي الرجال حين تتغلب عليهم غرائزهم
ابتعدت عنه لتقف قائلة بشك
-أنت تمزح أليس كذلك؟
-جربي بنفسك إن لم تصدقي
قالها ببساطة وهو ينهض بخفة مقترباً منها لتقول هى بسرعة
-لا داعي لفعل أى شئ ..أنا أصدقك ..سأدخل لأرتدي شئ مناسب للسباحة وأنت أسبقني ..سأتي على الفور
جرت من أمامه ليعاود هو الجلوس مبتسماً بمكر وهو يفكر إن ارعابها شئ ممتع ..تذكر حين أخبرها ان كلاً منهما سينام فى غرفة وكيف إنها رحبت بالأمر بشدة وقد أدركت أن قضاء الليل بجانبه ليس آمن أبداً ولكنها تنسى فى بعض الأحيان وعليه أن يذكرها بالأمر
***
فى غرفة (فريدة) بالمستشفى جلس المأذون يحيطه (مازن) و(فراس) الممسكان بيد بعضهما بينما (فريدة) تجلس بجانب (مازن) من الجهة الأخرى يكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها ليبقى فى يد (فراس) الذى تبدو السعادة العارمة فى صوته وهو يردد وراء المأذون
-أنسة فريدة شرف ..ما أسم الرجل الذى ستتزوجينه؟
سألها المأذون السؤال التقليدي لتجيب على الفور
-فراس قاسم الصايغ
-هل أنتي موافقة على هذا الزواج الذي وكلتِ أخيكِ به؟
-بالتأكيد يا مولانا ما كل هذه الأسئلة؟
قالها (فراس) بعصبية فقد أهلكه أنتظار كلمة إنها أصبحت زوجته ..ضحك المأذون قائلاً
-انتظر قليلاً يا بني الفتاة لن تهرب ..علي فقط التأكد من ان الفتاة راضية
-انا موافقة يا مولانا
قالتها (فريدة) بسعادة ليرفع المأذون المنديل من على يد (فراس) و(مازن) قائلاً
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما فى خير
-هل أصبحت زوجتي الأن؟
سأل (فراس) بعدم تصديق ليرد الرجل مبتسماً
-نعم أيها المتعجل لقد أصبحت زوجتك ..ستمضي على بعض الأوراق فقط وينتهي الأمر
اعطى المأذون الدفتر ل(نغم) التي أقتربت حتى تساعد (فريدة) على وضع أمضتها وبصمتها بينما والدا (فراس) يحتضناه مباركين له ولكنه كان كالمغيب عن الوعي ..لا يشعر بأى شئ و كأنه يحلم ..وكأنه في مكان أخر غير الموجودين به ..أخذ الدفتر ليضع أمضته بعفوية دون أن يطلب منه أحد فضحك الجميع ..ولكنه لم يهتم بهذا أيضاً بل نظر ل(فريدة) وشعور غريب يراوده ..شعور بالراحة والاطمئنان ..هو ليس مضطر للشعور بالذنب كلما نظر إليها ..ليس عليه أن يغض بصره أو يتجنب ملامستها ..يمكنه أن يحبسها بين ذراعيه للأبد ولن يطالبه أحد بشئ ..حتى هى لن تستطع ان تعترض
أنتظر بصبر أن يغادر الجميع ..غادر والديه وبعض المدوعين من عائلة (فريدة) وبقى (مازن) و(نغم)
-انا سعيد بوجودك مازن ولكن ألن تعود لمنزلك؟
سأل باختصار ليجيب (مازن) ببرود
-انا لن اذهب لأى مكان فراس ..بل انت من سيغادر ولن تبقى هنا مرة اخرى بمفردك مع شقيقتي هى ستغادر المستشفى قريباً على أى حال
-أنت تمزح بالتأكيد
قالها (فراس) بصدمة ليجيب (مازن) بلامبالاة
-لا انا اتحدث بجدية ..سأغادر لأعيد نغم للمنزل وسأعود على الفور يمكنك ان تكون مع فريدة هذه الفترة ثم ستغادر
مد يده ل(نغم) قائلاً
-هيا لنغادر حبيبتي
نهضت من جوار (فريدة) التى عادت لتستلقي على السرير بعد أن أتعبها الجلوس وهى تكتم ضحكتها من منظر (فراس) الذى يوشك على قتل (مازن) ثم غادرت مع زوجها بعد أن القت التحية
ما إن أغلقا الباب خلفهما حتى أقترب (فراس) من (فريدة) ليحتضنها بقوة فاجأتها ولكنها ارادت هذا أيضاً فرفعت يدها لتحيط عنقه بقوة
-اخيراً

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الخامس عشر (الخاتمة)

مُساهمة  samia abdelfatah في السبت ديسمبر 08, 2018 9:23 am

الفصل الخامس عشر (الخاتمة)

-اخيراً
قالها بحشرجة لتسأل بدهشة
-فراس أنت لا تبكى أليس كذلك؟
لم يجيبها بل دموعه التى لامست رقبتها بعد لحظات من أجابت فأبعدت يديها عن عنقه لتمسك بوجهه قائلة بجزع
-حبيبي نحن معاً الأن ..لا تحزن
قبل وجنتها ببطء قائلاً ببحة
-نعم لن نفترق مرة أخرى ..أنتِ لن تتركيني أبداً مدللتي
ضمته مرة أخرى لتنزل دموعها معه متأثرة به ..بينما هو لم يكن يبكي لأنها أصبحت زوجته وملكه فقط ..بل لأنه تذكر كل مرة خسرها فيها ..تذكر حين أوشكت أن تموت وتتركه ..وحين تركته تلك المرة التي تركته بها تغرقه مياة البحر وابتعدت ..وحين لم تنظر إليه كلما أتى إليها ..تذكر كل عذابه فى بعدها لذلك الأن يبكى كرجل خرج من سجنه بعد مائة عام من الابتعاد عن السعادة
-هل يمكنني أن أقبلك الأن
سأل بلهفة لتبتسم هى قائلة بمشاكسة
-لا ستنتظر إلى أن يعود لي بصري
ضحك قائلاً براحة بال
-يمكنني أنتظار يوم أخر لا بأس
-كيف سنتعامل الأن ..لا اظن أن شئ سيتغير فأنت لطالما كنت وقح
ضحك قائلاً بحماس
-ماذا إن تعاملنا معاً بالربا!
ضمت حاجبيها سائلة بعدم فهم
-كيف هذا؟!
-أى اننى اجعلك سعيدة اليوم فتردي لى غداً السعادة الضعف
-وهل تقبل الحرام فراس؟
سألت بدهشة مصطنعة ليرد هو بخفوت محب
-لا ولكنني أقبل اللحظات الثمينة ..أقبل الحب والسعادة
-حسناً موافقة ..وليغفر لنا الله

قالتها ضاحكة ليتأمل هو ضحكتها بهيام وكأنه يراها اول مرة
-هل أنتِ سعيدة؟
سألها بهدوء لتجيبه بعد لحظة تفكير
-لم أرد فى حياتى شئ سوى رؤية عينيك بعد عقد القران ..أردت دوماً رؤية سعادتك
أنسابت دمعة من عينيها فمسحها بسرعة ثم قال بجدية
-سأبقى سعيد المتبقي من عمرى معك فريدة ..يمكنك رؤية هذا فى أى وقت وغداً بعد العملية لن يبقى لكلامك هذا داعٍ
-اتمنى هذا فراس ..انا لست مطمئنة لتلك العملية أبداً
-تفائلي بالخير حبيبتي
صمت للحظات لتقول هى
-استطيع تخيل انك لست مرتاح فى تلك الجلسة
-انا لست مرتاح فعلاً لذلك سأتمدد بجانبك
قالها وهو ينهض ليخلع حذائه قبل أن يتمدد بجوارها لتنام هى على صدره
-لا تظن إنني أريد الألتصاق بك ..ان السرير صغير فقط وأخاف أن اسقط
قالتها مبررة نومها على صدره ليضحك هو مغمض العينين وهو يلامس خصلات شعرها الناعمة ..ثم قال بضيق
-سيأتي مازن الأن وسأضطر للمغادرة ..لا اعرف سبب قراره الغبي الأن
-مازن لن يأتى لقد أدمن نغم واصبح لا يستطيع النوم إلا بجانبها فراس.. لذلك لا تقلق ستبقى هنا الليلة
قالتها ببساطة لينام هو على جانبه حتى يأخذها بين ذراعيه قائلاً
-اتمنى هذا فأنا لم أنام منذ فترة وأتمنى النوم بشدة وسيكون من الرائع ان أنام بجوارك
-لا أصدق إنني لن ألجأ لسترتك بعد اليوم
-أى سترة؟
سأل بأستغراب لتجيبه ضاحكة
-هل تذكر ذلك اليوم فى الجامعة حين مزقت قميصك؟
-نعم أتذكره أيتها المتحرشة
قالها بغيظ لتكمل هى
-حين أخذت سترتك ذلك اليوم قصدت ألا أعيدها لك حتى أشعر بك معي كل ليلة وأنا احتضنها
-حسناً أنا لست متفاجئ لأننى صنعت من وشاحك غطاء لوسادتي ..قد تبدو السترة شئ هين أذن
ضحكت بشدة حتى ألمتها معدتها وهى تقول
-أيها اللص هل تقصد ذلك الوشاح الأسود ..لقد بحثت عنه كثيراً
-نعم ..أسف ولكني لست ندمان أبداً
ضمت قبضتها لتضربه على صدره بقوة ليتأوه هو ضاحكاً ..اخذ يدها ليقبل باطنها برقة قائلاً
-علمت لما حرم الله مصافحة النساء حين صافحتك للمرة الأولى وشعرت بيدك الرقيقة بين يدي ..كدت ألتهمها ذلك اليوم من حلاوة ملمسها
-حسناً التشبيه ليس موفق ..فيدي ليست شئ قابل للتناول ولكن الأمر يبدو رومانسي لذلك لا أعترض
قالتها وهى تتثائب راغبة فى النوم فالمأذون تأخر عليهم كثيراً بعد ان فشل (فراس) بجلبه معه والوقت تأخر الأن ..قال هو بخيبة
-هل سينتهى اليوم هكذا ..لقد فكرت كثيراً بهذا اليوم وما الذي سنقوله به وكيف سيكون شعورنا ولكن يبدو أن ليس هناك الكثير ليقال
-فراس لقد قلنا كل شئ فى الماضي ولم نهتم بأمر عقد القران كثيراً لذلك لا تتذمر الأن لأننى أخبرتك دوماً أن الله لن يبارك لنا فى هذه اللحظات لأننا استهلكناها اساساً
قالتها بجدية ليتنهد هو قائلاً بصراحة
-حسناً معكِ حق ..ربما تجاوزي فى السابق أخذ فرحتي الأن ولكني مازلت سعيد على أى حال
-انا اريد النوم بشدة
قالتها وهى تتثائب مرة أخرى ليتثائب هو تلقائياً وكأنها نشرت العدوى
-وانا أيضاً ..ولكن يجب أن ننتظر مازن
ما إن انهى جملته حتى تعالى رنين الهاتف ليرد هو بسرعة سعيداً بهذه المكالمة التى يعرف محتواها
-مرحباً مازن ..لا تترك زوجتك هذا جيد لكما ..أنا سأعتني بفريدة لا تقلق ..ثق بي يا رجل ثم إنني أصبحت زوجها إن كان هذا يشكل أى فرق لديك ..حسناً وداعاً
أغلق معه المكالمة لتضحك (فريدة) قائلة
-ألم أخبرك ..لن يترك نغم
-حسناً ليبقى هو مع زوجته وانا مع زوجتي
قالها وهو يضمها إليه مرة أخرى بعد ان اغلق الإضاءة الموجودة بجانب السرير لتقول هى بسرعة
-انا بالتأكيد لن أنام بهذا الفستان
-يمكنني خلعه لكي ..أطلبي هذا فقط
قالها بخبث وهو يمد يده لسحاب فستانها من الخلف لتجفل هى قائلة بذعر
-ماذا تفعل ..يا ألهي سأقتلك فراس لو خلعته
ضحك بشدة وهو يبتعد عنها لينهض قائلاً من بين ضحكاته
-عليكِ أن تري مظهرك الأن وذلك الرعب المرسوم على وجهك ..لا تقلقي جرأتي لم تصل لهذا الحد بعد ليس هنا على الأقل ..ربما اكون سعيد بهذا فى منزلنا
-ايها الوقح لا اريد سماع صوتك مرة اخرى اليوم ..ابتعد من هنا ..سأدخل الحمام لأبدل ملابسي ..أطلب لي الممرضة حالاً
قالتها صارخة لتزداد ضحكاته رغماً عنه مما جعل غيظها يزداد وهو أراد احراجها أكثر فقال بجدية مصطنعة
-لم يعد هناك داعى لأى ممرضة مدللتي ..انتي زوجتي الأن ويمكنني مساعدتك
-لا اريد أى مساعدة منك ..اطلب الممرضة فقط لتساعدني
قالتها بتلعثم ولكنه لم يستمع إليها بل أقترب ليحملها فجأة فتشبثت به بذعر قائلة
-ماذا تفعل؟
-لا اريد الكثير من الثرثرة سأتركك فى الداخل لتبدلي ملابسك بمفردك انتى لا تحتاجي لأحد من الأساس بل هذا دلال زائد ليس إلا
أنزلها على ارضية الحمام لتمسك ذراعه قائلة بذعر
-لا تتركني ..لا أستطيع الوقوف وقدمي مجبرة
-فريدة بالله عليكِ حاولي مرة وستجدي الأمر أسهل مما تتخيلي
قالها بتذمر ثم تركها واقفة بمفردها وخرج من الحمام ليجلب لها بعض الثياب ..بينما هى ابتسمت رغماً عنها وهى تجد انها قادرة على الوقوف حقاً ..سمعته ينادي عليها من الخارج فردت عليه
-ماذا؟
-هل تريدين ملابس داخلية ؟
قالها منفجراً بالضحك لتصرخ به بعصبية
-ايها الوقح لا تعبث بأشيائي الخاصة وأجلب منامتي فقط
بعد ثواني وجدته يضع بيدها منامتها قائلاً
-ها هى منامتك ..هل تريدين شئ اخر؟
هزت رأسها بالنفي ليخرج هو مغلقاً الباب خلفه ولكن بعد أن خرج أدركت مدى غبائها حين وجدت انها لا تستطع فتح سحاب فستانها ..ربما كان عليها تركه يقوم بهذه المهمة ..مدت يدها تتلمس المكان حولها لتجد الباب ففتحته و نادت عليه دون أن تظهر
-فراس أطلب لي الممرضة من فضلك
نهض من جلسته بسرعة وهو يسأل بجدية
-ماذا تريدي يمكنني مساعدتك
-لا استطيع فتح السحاب ..ولا اريد منك فعل هذا ..أرجوك أخبر الممرضة أن تأتي
-حسناً مدللتي سأطلبها
قالها بحب وهو يبتعد ليطلب احدى الممرضات فى الهاتف على الرغم من ان فتح السحاب لا يحتاج لكل هذا وربما تقتلهما الممرضة حين تأتي ولكنه لا يريد أن يتسبب لمدللته بأى احراج وسيفعل أى شئ من اجل راحتها ...
حين اتت الممرضة دخلت لتساعد (فريدة) ثم خرجت لتنظر له بتوجس وكأنها تسأله ..ألم تعقد قرانك عليها اليوم ولكنه لم يهتم بها على أى حال وجلس يفكر فى عملية (فريدة) بالغد ونسبة الفشل التى أخبره الطبيب بها تعصف برأسه
(سيد فراس لا أريد أن أخدعك ولكن بعدما أستقرت حالتها واصبح لدينا القدرة على القيام بالأشعة المناسبة وجدت أن فرصة الفشل تصل لثلاثون بالمائة وليس عشرة فقط كما أخبرتك من قبل ولكن لو فشلت تلك العملية يمكننا القيام بعملية بعدها قد تنجح وتسترد بصرها )
تذكر كلام الطبيب له والذي لا يعلمه غيره هو و(مازن) ولذلك عجل بأمر الزواج حتى لا ترفضه (فريدة) ان فشلت العملية و(مازن) تفهم الوضع ولم يعترض وأتفقا معاً أن تبقى (فريدة) بالمستشفى إلى ان تنهى عمليتها الأخيرة رغم عدم حاجتها للبقاء وهذا ما أستغربته (فريدة) كثيراً فهى ترغب فى الخروج من هذا المكان الخانق ولكن لم يوافق (مازن) ولا حتى (فراس)
-فراااس
سمع صرختها من داخل الحمام فنهض ليجري إليها ودخل بسرعة دون أن يطرق الباب حتى
-ماذا حدث؟؟
سأل بقلق وهو يراها واقفة أمام الحوض وعيناها مليئة بالدموع
-الماء ساخن للغاية لقد حرق يدي
كاد يصفعا على تفاهة الأمر ولكنه قال بتأنيب
-لقد أرعبتيني حبيبتي
-اسفة
أقترب منها ليقف بجانبها ثم بدل المياة الى الماء البارد واخذ بيدها ليضع عليها القليل من الصابون ويدلكها برفق ثم غسلها بالماء
-هل تريدين غسل وجهك؟
سأل بصوت أجش لتتوتر هى من ضيق المساحة بينهما والتى تشعر بها على الرغم من انها لا تراها فقالت بضحكة مصطنعة
-سأفعل ه‍ذا بنفسي ..يمكنك الخروج الأن
تجاهلها تماماً وبدأ بوضع الصابون على يده ثم فركه قليلاً ليكون رغوة ثم مرره على وجهها بسلاسة فضحكت قائلة
-انا لا أضع الصابون على وجهي فراس ..الوجه له غسول خاص ليجعل البشرة نضرة
-اهااا أذن كل هذه النعومة ليست بسبب الصابون والماء ..الأمر اكبر من ذلك
قالها وهو يلامس وجنتها ببطء وبطريقة تعمد أن تكون مستفزة لها
أبتعدت عن يده لتقول بحاجب مرفوع
-انا لا اثق بك على الأطلاق ..اشعر ان نظراتك خبيثة الأن
ضحك بخفة قبل أن يملء يده بالماء ويرميها على وجهها اكثر من مرة لتشهق هى من المفاجأة والماء يتساقط ليخترق منامتها الرقيقة ملامساً بشرتها ..بينما هو أكتفى بالنظر لوجهها المبلل وخصلاتها الأمامية التى لامستها المياة
-يا ألهى..الماء بارد للغاية ماذا فعلت فراس؟
أخذ وجهها بين كفيه قائلاً ببحة صوته التى تعشقها
-لو تعلمين كم أحبك لأنهرتِ من الصدمة..لا أصدق إلى الأن اننا معاً ..هل يمكنك تقبيلي لأصدق؟
-لا يمكننى صفعك ..ستصدق هكذا أيضاً
ردت ببراءة مصطنعة محاولة ان تتجنب مشاعرها التى ترغب فى البقاء معه على هذا الوضع للأبد
-انتِ تريدين هذا فريدة ..ليس من الطبيعي ان اموت شوقاً لتقبيلك بينما انتِ لا تهتمي..ولكني لن افعل هذا من دون رغبتك
-اذن لا تفعل أرجوك
قالتها بتعقل ليسأل هو برجاء
-حقاً؟
-نعم
-هل هذا اخر قرار؟
-نعم
-يمكنك ان تفكري مرة اخر ..هذا قانوني اقسم لكِ
قال جملته الاخيرة بمزاح لتبعد هى يده عن وجهها ضاحكة
-كفى فراس لا تضغط على
حرك جسدها ليلصقها بالحائط ثم أقترب منها بشدة قائلاً بلهفة
-وماذا إن ضغطت عليكِ؟ هل ستوافقي فى النهاية؟
-فراس بالله عليك ما هذا الحوار الأن ..نحن في حمام المستشفى وساقي مجبرة ولا استطيع الوقوف وانت تفكر فى امور لا تمت للموقف بصلة ..هل جننت؟
قالتها بنفاذ صبر ليضم هو حاجبيه سائلاً بدهشة
-لما كل هذا الأن ..حسناً سنخرج فأنا لا أريد لقبلتي الاولى ان تكون هكذا على أى حال
-لم أعد أستطيع الوقوف
قالتها بأرهاق حقيقي فأخذ المنشفة المعلقة ليجفف وجهها ويدهيها ثم لم يتردد فى حملها وأخذها للخارج ..وضعها على الفراش ثم خلع سترته قائلاً
-نامي الأن حبيبتي فأمامنا يوم طويل غداً
-حسناً ولكن لا تنام بجانبي ولا تناقشني فى هذا الأمر
-أين سأنام أذن؟
-كما تنام كل مرة فراس ..فقط لا تقترب مني اليوم
رفع حاجبه بأستغراب ..هل ستبتعد الأن ام ماذا؟
-حسناً فريدة لكِ ما تريدي ..أرتاحي فقط
أستلقت وأغمضت عينيها ليراقبها هو بضيق ..لماذا تعاقبه الأن؟ ماذا فعل لكل هذا؟
زفر بضيق قبل أن يبتعد ليرتمي بجسده على الأريكة
-لا تتذمر هكذا ..اريد النوم
قالتها تعنفه فصرخ بها
-حسناً ايتها المستبدة ..نامي
كتمت ضحكتها وهدأت وبعد دقائق كان سلطان النوم يسيطر عليها ..ولكن هو لم ينام بل ظل طوال الليل ينظر إليها وهي نائمة بهدوء بعد ان كان ينام طوال الأيام الماضية خارج غرفتها ليمنع على نفسه هذه النظرة التي ليست من حقه ..مرت أكثر من نصف ساعة على مراقبته لها ..ليجدها تتحرك بعنف فجأة في نومها وكأنها ترى كابوس ما ..نهض بسرعة حتي يوقظها ولكنها نهضت فجأة صارخة تنادي أبيها فوقف مكانه بصدمة ..أمازالت تذكر أبيها؟!..لم يفكر في الأمر كثيراً وأسرع إليها قائلاً
-أنا هنا حبيبتي ..لا تخافي
مدت يدها في الهواء ليلتقطها هو ثم جلس بجانبها ليضمها إليه بقوة قبل أن تبكي هي بقوة وهي تقول بحزن مزق نياط قلبي
-لقد قتلوا أبي ..قتلوه قبل أن يودعني حتي
-حبيبتي هذا قضاء الله ..حتى لو كان رجل عادي وليس لديه أى شئ فاسد في حياته كان سيموت في تلك الساعة ..هذا أجله وهذا قدره
قالها بحنان محاولاً التخفيف عنها لتتمسك هي بذراعه بقوة قائلة بقهر ودموعها تبلل قميصه
-أشعر بالفراغ في أعماقي حين أتذكره ..لا استطع نسيانه رغم كل شئ لقد كان ابي فراس هل تفهمني؟
سألت في النهاية وهي ترفع رأسها إليه وكأنها ستراه وكأنها ترغب في رؤية نظرته لها ..حين ألتقطت عيناه عينيها شعر إنه يذوب ..انه لم يعد يحتمل بعدها عنه ..لم يعد لديه تلك القدرة الرهيبة على التحكم بالنفس
-هل تذكرين ذلك اليوم حين سألتيني إن كنت سأستطيع التحكم بنفسي إن أغرتيني أم لا وأنا أخبرتك إنني لن أستطيع
ضمت حاجبيها وبدى التساؤل في عينيها وهي تسمع نبرته الخافتة في الحديث وكلامه الذي ليس له علاقة بما تقوله ليكمل هو بعذاب
-أنتِ تغريني الأن ..وأنا لن أتحمل هذا مدللتي
تسارع النبض في رقبتها رغماً عنها لتبتلع ريقها بصعوبة وهي تسأل
-ماذا تقصد؟
لم يرد بل أقترب ليلمس شفتيها برقة لتبتعد هي من المفاجأة ولكنها لم تستطع وهو يحتضنها ويتحكم بالوضع بالكامل .. أوشكت أن تصاب بذبحة صدرية وهو يتعمق في قبلته أكثر لتغمض عينيها لا أرادياً وتختبر هذا الأحساس الذي تمنته دوماً بينما هو كاد يجن من ملامسته لشفتيها فضمها إليه أكثر وكأنه يريد أكثر من هذا وكأنه يريد أن يشعر بخلايا جسدها على جسده وأزداد جنونه حين شعر بها تتجاوب معه ..هي حبيبته التي سهر ليالٍ يفكر بها ..هي مدللته الحلوة وصغيرته الرقيقة وزوجته وحلاله أصبحت الأن بين يديه ..يا ألهي كم أن بشرتها ناعمة شعر بهذا ويده تمتد من دون وعي من أسفل سترة منامتها ليلامس خصرها برقة ..شعر بأجفالتها ولكن يده أستمرت في الصعود لتلامس ظهرها وكأنه يريد حفظ تقاسيمها كاملة..كل هذا وهو مازال محتفظاً بشفتيها غير راغباً بتحريرها ولكنه شعر بأنها فقدت قدرتها على التنفس فسمح لها بأخذ أنفاسها كارهاً ولكنه لم يبتعد بل أسند جبهته على جبهتها قائلاً
-أسف ..أنا حقاً أسف
-لا تعتذر الأمر لم يضايقني
قالتها بسرعة ليبتسم هو قائلاً وهو يدفس أنفه في رقبتها يتشمم رائحتها الزاكية
-حسناً أنا لستُ مندهش فأنتِ لستِ متبلدة الأحساس لدرجة ألا ترغبي بهذا بعد كل هذه السنوات
لامس رقبتها بشفتيه فسرت قشعريرة على طول عمودها الفقري وهي تتأوه قائلة بفزع
-يا ألهي فراس ..ماذا تفعل؟؟
-أعوض نفسي عن كل تلك السنوات التي أحترقت بها بعيداً عنكِ والليالي العجاف التي عانيت بها بمفردي
-لم تكن بمفردك أبداً لقد كنت أحترق أنا أيضاً
قالتها بلهفة وهي تقاوم خجلها الشديد منها ليرد هو بعنف عاطفي
-سنظل معاً حبيبتي ..ليس هناك داعي سوى للأحتراق من العشق وليس البعد بعد الأن
-هل يمكنك الأبتعاد الأن
سألت بخجل ليرد هو وهو يضمها إليه ويعود ليستلقي بشكل طبيعي على السرير
-حسناً لن أقبلك مرة ثانية ..أعدك إنني لن أفعل
تنحنحت بأحراج وهي تقول بخفوت
-ويديك أيضاً
-ما بها يدي ؟
سأل بغباء لترد هي بأحراج أكثر
-انها على ظهري ..بل في الواقع هي أسفل بلوزتي ..فإن كان الأمر لن يزعجك أرجوك أبعدها
كتم ضحكته وهو يرد بجدية مصطنعة
-فى الواقع سيزعجني هذا ..فأنا أشعر بالدفء في الداخل
شعر إنها على وشك البكاء من الخجل فأبعد يده وأصلح من وضع بلوزتها وهو يقول
-في المرة القادمة لن أضعها أسفل البلوزة لا تقلقي فلن يكون هناك بلوزة من الأساس
ضربته على صدره بقوة فتأوه ضاحكاً ثم أخبرها أن تنام وهو سيبقى بجانبها وليس لديها أى فرصة للأعتراض
***
بعد أربعة أيام

الظلام دائماً يقوي حاسة السمع لديك ..حين يطغي الظلام على كل شئ تستطيع أن تسمع حتى دقات قلب الموجودين حولك ..أنفاسهم ..ولو كان للخوف صوت بالتأكيد كنت ستتبينه أيضاً و(فريدة) الأن تسمع كل شئ بدقة حتى حفيف الرباط الطبى على وجهها والطبيب ينزعه ..استعدت نفسياً لكل الاحتمالات بعد ان اخبرها (مازن) ان العملية قد تفشل
هى فقط تتمنى الأن أن تستطع رؤية كل شئ وان ينتهى هذا الظلام
ازال الطبيب الرباط بالكامل وبعد لحظات أمرها ان تفتح عينيها ببطء وهنا كانت الصدمة ..لا يمكنها رؤية أى شئ ..شعرت بيد (فراس) الممسكة بيدها تضغط عليها وكأنه يريد أن يستفسر عن ما تراه ولكن دموعها التى انسابت ببطء كانت ابلغ أجابة
-انستي هل تري أى شئ؟
سأل الطبيب بأمل لتهز رأسها بالنفي فتحتل الصدمة ملامحه هو و(مازن) الذي لا يتخيل ان شقيقته لم تتخطى الأمر ..لقد كانت نسبة النجاح أكثر من ضعف الفشل ..اذن لماذا لم تنجح العملية؟!
-انا راضية ..لقد حضرت نفسي لهذا لا تقلقوا
قالتها باختناق مقاومة رغبتها فى الانفجار بالبكاء فأبتعد الطبيب وأخذ معه (مازن) ليخبره عن الحلول الطبية الأخرى بينما بقى (فراس) معها يضمها إليه و(نغم) التي تبكى بصمت فى جانب الغرفة
-فراس انا بخير حقاً
قالتها بصدق فقد وعدت ربها ان ترضى بما يكتبه لها وهى متسامحة مع الأمر الان بالرغم من بعض الفزع الموجود فى داخلها من الأمر
-اعلم هذا حبيبتي ..انتِ قوية
قالها بحشرجة وهو يقبل مقدمة رأسها فمسحت (نغم) دموعها وخرجت من الغرفة لتبحث عن (مازن) فوجدته يقف مع الطبيب وتبدو على ملامحه الثبات وهو يستمع للطبيب بتركيز فأنتظرته حتى انتهى واقترب منها ..سارت إليه بسرعة ليضمها إليه بقوة قائلاً
-مازال هناك أمل حبيبتي لا تقلقي
انسابت دموعها مرة أخرى لتبلل مقدمة قميصه وهى تقول بحسرة
-كنت أظن ان الامر سينتهى اليوم ..لم افكر للحظة ان العملية لن تنجح ..اخبرتها فى الايام الماضية اننا سنجهز للعرس معاً ما إن تنزع الرباط عن عينيها ولكن الأمر لم يسير كما توقعت
-نغم أنتِ تشعري بالذنب لأنكِ أعطيتيها الأمل أليس كذلك؟
تباً للمرأة حين تتزوج طبيب نفسى ..يظل يحلل كل تصرف تتصرفه وكل فعل يصدر عنها وكل كلمة تتفوه بها وإن كان هذا الطبيب (مازن شرف) الذى يجيد مهنته أكثر من كتابة أسمه ستكون مصيبة تلك المرأة اكبر ..لا تستطيع الكذب لأنه يكشفها بسهولة ..لا تستطيع ادعاء الغضب لأنه يعلم بسهولة انها ليست غاضبة ..الشئ الوحيد الذى يمكنها القيام به هو التدلل عليه وهو يحب هذا بشدة ويجاريها فيه حتى ..وها هو الأن يخمن أحساسها بالذنب وكان محق كالعادة
-الامر بيد الله فى النهاية نغم ..علينا فقط ان ننتظر ونصبر
قالها بتعقل لتومأ هى برأسها قبل أن تسأله
-ماذا قال الطبيب؟
-علينا انتظار شهر اخر إلى أن تختفى اثار العملية ويعود هو من سفره ثم تقوم بأجراء العملية الأخرى
رفعت رأسها لتسأله برجاء
-هل ستنجح العملية تلك المرة
احنى رأسه لتلمس شفتيه جبهتها بقبلة حانية ثم قال بأمل
-إن شاء الله حبيبتي ..سنتخطى هذا ونبقى باقي عمرنا سعداء ..علينا الصبر فقط
سحبها من يدها بأتجاه غرفة (فريدة) ليجد شقيقته بالداخل فى حضن (فراس) الذي يعبث بخصلات شعرها بهدوء وكلاهما صامتان وكأن الصدمة شلت كلاً منهما فلم يجدا شئ يقال حتى لم ينتبها لدخوله هو و(نغم)
أشعره مظهرهما هكذا بالضيق والراحة فى نفس الوقت ..بالضيق لأن شقيقته فى حضن رجل اخر غيره تطلب الأمان ؛والراحة لأن هذا الشخص يعطيها الأمان حقاً ..لطالما اندهش من علاقتهما ..لم يفهمها أبداً ..علاقة مليئة بالآلم والحب والكثير من اللهفة والصبر على عكس علاقته ب(نغم) التى كانت هادئة وتمر كموجة ناعمة فى بحر صافى
-أيها العاشقان ما خطتكما اليوم؟
سأل بمرح مصطنع لينتبه إليه (فراس) وبغمزة منه أدرك (فراس) ما يحاول فعله فرد بحماس
-يمكننا الذهاب لأى مكان تريده فريدة
أبتسمت (فريدة) بامتنان قبل ان تسأل (نغم)
-هل نعطف عليهما ونقبل العرض صديقتي؟
-حسناً لا بأس ..يمكننا التنزه اليوم ولكن انتِ من ستختاري
ردت (نغم) بحنان لتفكر (فريدة) قليلاً والجميع ينتظر معرفة ما ستختاره ..فُتح باب الغرفة فجأة لتطل منه (حور) و(سليم)
-مرحباً أيها البؤساء
قالتها (حور) التى تلتصق ب(سليم) فأندهش فراس قائلاً
-متى عدتما ؟
-عدنا بالأمس وأتينا اليوم لنطمئن على فريدة
قالها (سليم) ببساطة فنهض (فراس) ليضم شقيقته قائلاً
-أشتقت إليكِ صغيرتي
-وأنا أيضاً أخي
قالتها وهى تضمه بقوة جعلت (سليم) يبعدها عنه قائلاً بضيق
-ألا يمكن أن تحتضنيه بشكل أكثر أحتراماً؟
ضحك (فراس) وهو يضمه قائلاً
-أشتقت إليك أيضا ايها الوغد
همس له قبل أن يبتعد عن فشل عملية (فريدة) فأمتص (سليم) الخبر ولم يصدر أى رد فعل
-أذن هل نجحت العملية؟
سألت (حور) بشك فكاد (فراس) أن يصفعها على غبائها ..ألا يبدو أن (فريدة) لا ترى شئ!
-لا للأسف لم تنجح..ولكن مازال هناك امل على أى حال
هزت (حور) كتفيها قائلة بصراحة
-الأمر ليس صعب فريدة ..يمكنك تحمل هذا والاستفادة منه أيضاً
أطلقت (فريدة) ضحكة ساخرة وهى تتسائل بجدية مصطنعة
-كيف أستفيد من عدم رؤيتي لأى شئ أيتها العبقرية؟
تابع الجميع الحوار بأهتمام ينتظرون من (حور) الرد لتقول هى ببساطة
-لا اعلم ما الأشياء المفضلة لديكِ ولكن انا مثلاً لو كنت مكانك كنت سأصرخ فى الشوارع كما اريد ولن اهتم بمن حولي فأنا لا ارى احد على أى حال
-وكأنك تهتمي برأي احد وأنتِ مبصرة حتى
قالها (سليم) بسخرية فنظرت له بغل مما جعله يرفع يديه بأعتذار ..عادت بنظرها ل(فريدة) التي يبدو انها تفكر الأن
-حسناً أريد الذهاب لمدينة الألعاب
قالتها (فريدة) بحماس وقد وجدت انها تستطيع فعلاً استغلال الأمر فسأل (فراس) بدهشة
-لماذا؟ أنتِ لا تحبي تلك الأماكن
-حسناً أنا لا أحبها لسببين ..الأول هو إنني أكره الزحام والثاني هو إنني أخاف من الألعاب بسبب الارتفاع ولكن إن ذهبت الأن لن اشعر بالزحام وبالتأكيد لن أرى ارتفاع الألعاب ويمكنني فقط الشعور بها
قالتها (فريدة) بأقتناع ليقول (مازن) بحنان
-ولكنك لن تستطيعي السير وساقك مجبرة ..يمكننا الانتظار ليومين إلى أن تزيلي الجبيرة
-لا بأس مازن أنا سأحملها ويمكننا أخذ كرسيها المتحرك أيضاً
قالها (فراس) ببساطة لتهتف (حور) بتشجيع
-اذن هيا بنا لمدينة الألعاب
-هل ستذهبين معهم؟
سأل (سليم) لتجيبه بدلال
-سنذهب حبيبي ..ستأتي معنا
-لن أفعل ..أنا لم أذهب لتلك الأماكن وأنا مراهق حتى ولن أفعل الأن بالتأكيد
قالها بتهكم لتجيبه هى بعناد
-بلى ستفعل ليس لديك أى خيار سليم
وكان لها ما أرادت فهو لم يصمد كثيراً أمام اصرارها فذهبوا جميعاً إلى مدينة الألعاب كمراهقون يصطحبون حبيباتهم من المدرسة خلسة من دون علم أحد
بعد أن خرجوا من مدينة الألعاب رحلت (حور) مع (سليم) في سيارته و(نغم) مع (مازن) لتبقى (فريدة) مع (فراس) الذي توقف بسيارته في أحدى الشوارع الخالية تماماً في هذا الجو البارد ..خرج من السيارة وألتفت ليساعد (فريدة) على الخروج هي الأخرى فخرجت بطواعية وعلى وجهها أبتسامة بلهاء وهي تسأل
-أين نحن؟
-لا أعرف ولكني سأحقق لك أحدى أمنياتك ..لا يوجد مطر ولكن لا بأس
قالها بحنان قبل أن يعود لسيارته مرة أخرى ليصدح فجأة صوت عالي لأغنية جعلت فريدة تضحك بذهول قائلة
-لا اصدق إنك مازلت تذكر هذا
-أنا لا انسى أي شيء متعلق بكِ حبيبتي
قالها وهو يسحبها ليراقصها بحماس وهما يبدئا بغناء اغنية لطالما تمنيا أن يرقصا عليها في موقف كهذا
ازازة فودكا مرميه علي الكورنيش
وأنا وانتي بنرقص في الطريق مجانين
هوا ساقع يضايق عسكري في الجيش
غريبه البرد دا كله .. ومش حاسين
أنا وانتي جنان رسمي
في كون مجنون بنسكن فيه
أنا وانتي كمان مواال
في ودن مصاحبه هاند فري
فلو طولنا في الرقصه .. هقولك علي اللي حاسس بييه
ازازه فودكا مرميه علي الكورنيش
وأنا وانتي بنرقص في الطريق مجانين
هوا ساقع يضايق عسكري في الجيش
غريبه البرد دا كله .. ومش حاسين
علي كام ورقه مرميه
في الشارع والهوا بيزيح
أنا عاشق وهعمل ايه
ومش واصل لحل مريح
وجودك عندي بالدنياا.. فا قولهالي بشكل صريح


***
بعد ثلاثة أسابيع
صعدت درجات السلم بسرعة وهى تستشيط من الغضب ..فتحت باب غرفته ودخلت بسرعة لتجده مازال نائماً كما هو
-سلييييم
صرخت بغيظ ليستيقظ بفزع ناظراً حوله وما إن رأها حتى نهض من سريره بسرعة قائلاً
-حور! هل أنتِ بخير؟
شعرت بالندم لأنها أفزعته بتلك الطريقة ولكنها لم تظهر ندمها فقد حذرته من التأخير اليوم
-أنا بألف خير سيد سليم ولكنك تجعلني اموت من الغيظ بسبب أهمالك ..لماذا مازلت نائماً حتى الأن ..زفاف اخى اليوم والذى يكون صديقك بالمناسبة وليس لدينا أى وقت للنوم
زفر بعنف وهو يعود لفراشه قائلاً بتثاؤب
-إذا كان فراس نفسه لم يستيقظ حتى الأن لماذا قد أفعل أنا؟
أقتربت من السرير وهى تتخصر قائلة بسخافة
-لأن زوجتك تحتاج إليك للأسف وعليك تلبية احتياجاتها
نظر لوقفتها المستفزة فوقه ثم سحبها فجأة لتصبح مستلقية بجانبه قبل أن يكبل حركتها بساقه التى وضعها على ساقيها وذراعه التى تحيط بجسدها ثم أغمض عينيه مرة اخرى مستعداً لمعاودة النوم
-أيها الوغد هل اتحدث مع نفسي؟
قالتها صارخة ليصدر هو صوت يدل على عدم الرضا قبل أن يقول بتأنيب مصطنع
-هل أتيتِ من منزلك منذ الصباح لتسبيني هنا فى عقر داري؟
-سليم لقد وعدتني أنك ستأخذني لمركز التجميل وأنا رتبت أموري على هذا
قالتها بأحباط من كسله ليرد هو بخفوت وهو يدفس انفه فى رقبتها يتنفس عطرها الذي يجعله يجن
-حسناً لقد قلتِ للتو إنني وغد والاوغاد عادة لا يوفون بوعدهم
-هل ستتركني أذهب بمفردي وأنا لا أعرف الطريق ..ربما أضل الطريق
اللعينة تدرك نقطة ضعفه وتستغلها جيداً ..دائماً تأخذ من مرضها حجة لتجعله يفعل كل ما تريده وهذا نجح الأن أيضاً فوافق بنفاذ صبر قائلاً
-حسناً ولكن أنتظريني حين استيقظ ربما ساعة تكفي
-سليم أنت لا تنام ساعة بل تنام طوال اليوم..انهض الأن وكفاك كسل فأنا لدي الكثير لأفعله
-حسناً أعطيني قبلة الحياة لأستيقظ تماماً
ضحكت وهي تعطيه قبلته التي تعمدت أن تكون سريعة حتى لا يستغل الأمر فتركها ونهض ليدخل حمام غرفته وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة ربما يلعنها بها أو يطلب من ربه النجاة ولكنها لم تهتم بتذمره بل نهضت هى الأخرى وأتجهت لغرفة ملابسه الملحقة بالغرفة حتى تأتي له بالثياب لكي لا يعطلها أكثر ..توقفت مذهولة وهى ترى كم ملابسه وتتساءل لماذا لم تفكر فى رؤيتها من قبل ..لم تندهش كثيراً وهى تتذكر كم يحب (سليم) أن يبدو أنيق دوماً ..أخذت قميصه لتحتضنه بشوق أخرق وكأنها لم تكن بحضن صاحبه منذ لحظات ..تلك الفتاة جنت تماماً ..لم تنتبه لنفسها وقد مر الوقت ومازلت تحتضن القميص وتدور بعينيها على كل شئ موجود تريد وهي تفكر في المفاجأة التي تحضرها له اليوم
-هل تتحرشي بملابسي؟
أجفلت بشدة وهى تستمع لصوته الخبيث خلفها فقالت بتلعثم وهى تراه أمامها عاري الصدر لا يستره إلا سرواله الداخلي والماء مازال يقطر من جسده
-سأنتظرك بالأسفل إلى أن تنتهي من ارتداء ملابسك ..لا تتأخر
اقترب منها ليبعد القميص عن يدها ويضمها إليه مما جعلها تعنفه قائلة
-سليم ستبلل ملابسي
-بمناسبة ملابسك كيف سترتبيها هنا؟ يمكنني التنازل عن بعض الأماكن لكِ
قالها بجدية مصطنعة لترفع هى حاجبها قائلة بسخرية
-بعض! أنت حقاً كريم حبيبي
-ألا تفكري بالزواج ؟!
سأل بجدية لترد هى بعفوية
-نحن متزوجان بالفعل
-لا أقصد هذا أيتها الغبية ..بل أقصد أن نتزوج فعلياً ..أى تنتقلي للعيش هنا ونعيش حياة عادية معاً
أدهشها ما يقوله فهى حتى مازالت ترتدي الأسود كحداد على والدته وهو يفكر فى الزواج! ولكنها تعلم إنه لا يريد اقامة عرس ويقول هذا الأن فقط من أجلها لأنه يريد سعادتها وهذا جعل الحب يفيض من عينيها وتفكر أن قرارها الذي أتخذته منذ عدة أيام صحيح فرفعت يدها لتحتضن وجهه قائلة بصدق
-أنا لست متضايقة من الانتظار سليم ..مادمت معي انا لا احتاج لأى شئ اخر ..كما إنني أقدر حزنك على والدتك والذي تحاول أن تدعي نسيانك له لذلك يمكنني الانتظار لا بأس
أقترب ليقبلها بامتنان ولكنها أبتعدت بسرعة قائلة بتذمر
-لو كنت تتعمد تأخيري ما كنت ستفعل هذا ..هيا أرتدي ملابسك وانزل بسرعة ..سأنتظرك بالأسفل
لم يفلتها بل قال بأغراء
-ابقي معي قليلاً إلى أن أنتهي
-لا يبدو انك تريد الانتهاء سليم لذلك سأنتظرك بالأسفل
قالتها ضاحكة ليهمس هو أمام شفتيها
-لا ..لا أريد ..أبقي معي قليلاً لتعوضيني عن الفقدان العاطفي الذي أشعر به هذه الأيام
أدركت إنه يقصد والدته فشعرت بقلبها يؤلمها من أجله لتقبله رغماً عنها فيستغل هو الأمر أسوأ أستغلال ويميل بها على أحد الرفوف الموجودة بالغرفة قائلاً من بين قبلاته
-أنتِ أروع حلم رأيته في حياتي فاتنتي ..لقد كانت لعبة رائعة من القدر
لم تستطع الرد عليه وهو يغرقها بقبلاته مرة أخرى ..فتحرك ذلك الهاجس بالخطر لديها ..هل سيدمر كل ما تخطط له الأن هذا المجنون!
أبعدته عنها قليلاً قائلة بلهاث
-سليم توقف الأن
بدى كأنه لم يسمعها وهو مغيب تماماً بعاطفته القوية نحوها ..ليس هذا ما أخافها وليس هو من جعلها تصرخ به حتى أبتعد عنه مستغرباً صراخها بل إنها أوشكت على أن تغرق معه في هذه الدوامة وأن تترجاه حتى لا يتركها
-فاتنتي لماذا تصرخي ؟؟ حسناً لقد ابتعدت
قالها وهو يرفع يديه بأستسلام لتنهض هي من ميلتها على الرف قائلة بأعتذار فهي لا تريده أن يحزن لأى سبب خاصة اليوم

-حبيبي أنا لا أقصد الصراخ ..انا فقط قلقت أن تتهور ..أسفة لا تحزن
قالت جملتها الأخيرة وهي تقترب منه لتحتضنه غير مبالية بأنه عاري الصدر فضمها هو بقوة وهو يقول بصدق
-أنا هو الأسف ..لقد وعدتك ألا أكرر هذا غير بعد الزفاف وها أنا أخلف بوعدي ولكني أعشقك فاتنتي ولا استطيع التحكم بنفسي معك
ضحكت رغماً عنها وهي تقول بمشاكسة ومازالت بين أحضانه
-لا تتحكم أذن
أبعدها عنه قليلاً ليلمس خصلة من شعرها قائلاً
-يمكنك النزول الأن حتى لا أتهور أكثر
ابتعدت عنه ولكنه لم يترك ذراعها فنظرت له بأستفهام ليقول هو بهدوء عاشق
-شكرا لوجودك معي
أعطته أبتسامة كانت أبلغ من ألف كلمة بالنسبة إليه ثم تركته لتغادر الغرفة حتى تتحدث مع والده عن أتفاقهما

***
-سيداتي أنساتي سادتي ..اليوم هو أهم يوم في حياتي ..لذلك اريد من الجميع الانضباط وتنفيذ الأوامر من دون أى استفسارات ..اريد من الجميع ان يعمل بجد لأحصل على مظهر يصيب العريس بصدمة من روعته ويجعله يتحسر عن عمره الذى مضى من دوني
قالتها (فريدة) بجدية وهي تقف فى مركز التجميل يحيط بها العاملات هناك و(نغم) و (حور) فضج المكان بالضحك لتعنفهم هى قائلة
-ها قد بدأ الضحك والاستهتار ..ليس هذا ما طلبته
-فريدة هل جننتِ؟
سألت (نغم) ضاحكة لتجيب (فريدة) بلامبالاة
-اخبرني فراس أن افعل ما أريد وأجن كما أشاء اليوم وهو سيتحمل كل شئ على مسؤليته ..ألا يكفي إنني لم أراه منذ اربعة ايام بسبب انشغاله بتجهيز المنزل
-حتى لو اتى فريدة لن تستطيعي رؤيته لذلك لا تتذمري
قالتها (حور) ضاحكة فأعتلت الصدمة ملامح العاملات بالمركز ولكن (فريدة) و (نغم) انفجرا بالضحك مما جعل العاملات تزداد دهشتهم
لم يكونوا يعلموا ان (فريدة) متسامحة مع كونها كفيفة وانها تستغل الامر ايضاً كما اخبرتها (حور) فأصبحت تفعل كل يوم شيء لم يكن لديها القدرة ان تفعله حين كانت تبصر وساعدها شقيقها فى هذا كثيراً بينما (فراس) كان يستشيرها في كل شئ متعلق بالزفاف الذي أقنعها بإقامته بصعوبة وبعد الكثير من الرجاء لتوافق فى النهاية وتستعد للعرس معه
أختار هو كل شيء ولم يرضى ان يستمع لأحد ولكنه كان يسألها هي على كل شيء وهذا اسعدها بشدة وجعلها تتألق وتمرح طوال فترة التجهيز للزفاف وها هما اليوم سيتزوجان أخيراً
-سيداتي يمكنكن تبديل ملابسكن الأن
قالتها احدى العاملات لتقول (حور) بخفوت
-اظنها تقصد خلع ملابسكن ..فالعروس دوماً تبقى شبه عارية في مراكز التجميل ثم تصبح عارية تماماً فى الليل
كتمت (نغم) ضحكتها بينما عبست (فريدة) قائلة بتحذير
-تحشمي يا فتاة حتى لا أهاتف فراس ويأتي ليصفعك
رفعت (حور) هاتفها وطلبت شقيقها وما إن رد حتى قالت بسرعة
-انقذ زوجتك اخي ..يريدوها ان تخلع ملابسها
-مااااذا؟
سمعت (فريدة) صراخه من الهاتف فقالت بسرعة
-حور أعطيني الهاتف
اعطتها (حور) الهاتف وهي تأخذ بيدها لتبعدها عنهم حتى لا يسمعوا المكالمة ثم تركتها وابتعدت
-فراس
-مدللتي ..أشتقت إليكِ كثيراً
قالها بلهفة لتبتسم هى بحب فأكمل هو بغيظ
-ما قصة خلع الملابس تلك؟
-شقيقتك تبالغ فراس ..لقد خلعتها بالأمس ولن أخلعها اليوم
-مااااذا ! سأقتلك فريدة حين أراكِ
أطلقت ضحكة سكنت بين ضلوعه فهدأ ليسأل بغيرة واضحة
-هل جميع من هناك فتيات؟
-نعم هذا أكيد
ردت ببديهية ليصرخ هو
-هذا ليس عذر فريدة ربما تكون احداهن ميولها نسائية مثلاً
-ليهديك الله فراس
قالتها ضاحكة ليتنفس هو بقوة قائلاً
-لن أرتاح حتى تصبحي في منزلي ومعي للأبد مدللتي
-اذن الى اللقاء الأن ولا تتأخر على مدللتك
قالتها بدلال ليرد هو بصدق
-لن أفعل أبداً
***
اكثر ما يميز الأفراح فى مصر هي (الزفة) حيث يقود العريس سيارته المزينة -فى اغلب الأحيان- بينما خلفه جميع أصدقائه وأقاربه الشباب بسياراتهم والجميع يستخدم مزامير السيارات باستمرار مسببين ضجة كبيرة ..وكانت ضجة تلك الزفة الأن كبيرة بسبب حرص (فراس) على دعوة جميع اصدقائه وأقاربه ..حتى إنه خالف القانون فى الجامعة واطلع على سجلات الطلبة في دفعة (فريدة) ليدعو كل من تحدث عنها يوماً وكأنها رسالة منه للجميع بأن (فريدة) كانت صادقة دوماً حين كانت تخبرهم بأن علاقتهما ستنتهي بالزواج وكم كانت هي سعيدة بدعوته لهم
حين وصلوا لمركز التجميل توقفت السيارات ليخرج الجميع واولهم (فراس) الذي رفع هاتفه سريعاً ليطلب (فريدة) حتى يخبرها إنه أتى فردت عليه (نغم) تخبره أن يدخل ليأخذها بعد خمس دقائق ..وقف مع (مازن) و(سليم) في الخارج يحترق راغباً في الوصول إليها
-لماذا لم تحلق لحيتك ..أليس من المفترض أنك عريس اليوم؟
سأل (سليم) بمزاح فرد (مازن) ضاحكاً
-أتركه سليم هو لا يسمعك من الأساس فعقله منشغل بتلك الموجودة في الداخل
-لقد خرجت نغم
قالها (فراس) بأمل فقد تكون خرجت لتخبره أن يدلف للداخل ليرفع (مازن) رأسه بلهفة حتى يرى زوجته التى خرجت وكأنها خرجت من باب الجنة للتو فأخذت جمال الحور العين معها ..فستانها بلونه الأحمر القاتم سلب لبه وجعل نظره لا يستطيع الابتعاد عنها للحظة ..رفعت يدها تشير ل(فراس) الذي ركض للداخل كالمخبول فأذهله تلك الرسمة الرقيقة على يدها ليسير إليها كالمسحور تاركاً (سليم) ينظر لهما بسخرية قبل أن تتحول سخريته للهفة وهو يفكر كيف تبدو فاتنته الأن ..ألن ترحمه وتخرج هي الأخرى لتأخذ عقله كالباقين ..شعر بهاتفه يهتز في جيب سترته الداخلي فأخرجه ليجدها مكالمة من العمل كان ينتظرها فأبتعد قليلاً ليرد
حين وصل (مازن) إليها أخذ بيدها ليقربها منه قائلاً بوله
-تبدين فاتنة اليوم؟
دارت قليلاً وهى تسأل مبتسمة
-هل أعجبك فستاني؟ أعرف أنك تحب هذا اللون
-أعجبني بالطبع ولكن سيعجبني أكثر حين اخلعه فكما تعلمين هذه هوايتي المفضلة
قالها بخفوت ليصبح وجهها بنفس لون فستانها من الخجل فيبتسم هو محتضناً يدها وهو ينتظر خروج شقيقته
حين أنهى الاخر مكالمته ألتفتت ليرتد مجفلاً
-ماذا هل رأيت شبح؟
سألت بحاجب مرفوع ليضع يده على خصرها يقربها منه قائلاً وهو يغمزها
-لا تبدين كشبح ابداً فاتنتي
رفع يده قليلاً يتأكد من أن ظهرها ليس عاري ثم زفر بارتياح حين لمست يده القماش الناعم لفستانها الذي كان ازرق طبعاً
-انا حقاً سعيد بهذا الفستان
قالها ضاحكاً لترفع هي يدها لتمسك سترته قائلة بدلال
-لقد اخترته محتشماً حتى لا أضايقك كما لم أفرد شعري لأنني أعلم انك لا تحب أن يراه أحد
-فتاة مطيعة
قالها وهو يربت على وجنتها بيده قبل أن يتأمل وجهها ببطء ليرى زينتها المتقنة
-أذن لهذا كنتِ متعجلة في الصباح حتى تبدي بكل هذا الجمال الأن وكأنك العروس أليس كذلك؟
سأل بضيق لتزم هي شفتيها قائلة بغيظ
-هل تبحث عن أى شئ ليضايقك سليم ..لقد فعلت كل ما يرضيك
-أنا لا يرضيني سوى إبقائك بعيدة عن الجميع ولا يراكِ سواي
قالها بصدق لتبتسم هي قائلة بتفكير مصطنع
-حسناً هذا يبدو غير منطقي ..هل يرضيك ألا أرى أنا أحد غيرك مهما مر من أمامي بشر
-نعم يرضيني فاتنتي
قالها ضاحكاً لتهمس وهي تتذكر شئ
-صحيح لقد رسمت الحناء
نظر ليدها فلم يرى شئ فسأل باستفسار
-أين؟..لا يوجد شئ
-لم أرسمها على يدي سليم بل على كتفي
قالتها ببساطة ليسأل هو بغيظ
-وكيف سأراها أذن؟ بالأشعة تحت الحمراء!
-ألم تخبرني إنني أبدو كالعروس؟
سألت بخبث ليضم هو حاجبيه بدون فهم لتشرح هي له
-لقد بقيت طوال الفترة السابقة أقنع والدي إنني لن أقيم عرس وهو وافق كما أخبرته إنني لن أقيم حتى حفل بسيط من اجل والدتك وهو تفهم الأمر وأتفق هو ووالدك حتى أنتقل لمنزلكم يوم عرس أخي والجميع موافق على هذا
ظهرت الصدمة والدهشة على ملامحه قبل أن يقول بتأثر
-انتِ لستِ مضطرة لفعل هذا..يمكننا الانتظار لفترة وسأقيم لكِ العرس الذي تتمنيه
-انا لا أريد أى عرس سليم ..انا اريدك أنت فقط فأنا دوماً كنت أقول أن حفلات الزفاف ما هي إلا شئ مزيف يعطي للناس الفرصة لأنتقاد كل شئ ..أنا حقاً لا أريد أى حفل
قالتها بعاطفة صادقة ليهز هو رأسه رافضاً الفكرة
-ألا تريد هذا سليم؟ ألا ترغب بأن أعيش معك؟!
سألت بغيظ ليرد هو على الفور
-تعلمين إنني أريد هذا بشدة ولكن هذا ليس عادل بالنسبة إليكِ
-انا راضية والجميع راضٍ لذلك أنا أنتظر موافقتك الأن ..لقد ظننت أن الأمر سيسعدك حتى إنني حذرت والدك من أخبارك بأى شئ
-ألن تندمي لأنك لم ترتدي فستان زفاف
-لا لن اندم كما أن الفستان الذي أخترته لم يعجبك على أى حال
بدى عدم الاقتناع على وجهه فابتعدت عنه قائلة بضيق
-أنت تذلني الأن سليم ألا تلاحظ هذا!
قربها منه مرة أخرى قائلاً
-ما عاش من يذلك فاتنتي أنا لن ارفض عرضك الكريم بالتأكيد ..أتمنى فقط ألا تندمي على هذا
أبتسمت بأتساع ثم قالت بسعادة
-لن أندم أقسم لك
ضمها بقوة مظهراً لها امتنانه قبل أن يهمس لها
-سأعبر لكِ عن مدى شكري حين نذهب لمنزلنا
ضحكت رغماً عنها وهى تخبئ وجهها في كتفه طالبة الأمان
بينما كان الحضور فى الخارج يعبر عن فرحته بهذا الزفاف كان (فراس) فى الداخل يقف أمام (فريدة) غير قادر على النطق بكلمة فقد شعر إنه اذا تحدث سيبكي رغماً عنه
-فراس انا أشعر بوجودك ولكن لماذا لا تتحدث
سألت بقلق ليقترب هو منها مراقباً فستانها الرائع ومظهرها الملائكي قائلاً بحشرجة
-أنا هنا حبيبتي ..أتأملك فقط
-هل أطلقت لحيتك كما أخبرتك؟
سألت بجدية ليقترب أكثر ليحيط خصرها بذراعه
-يمكنك التأكد بنفسك
قالها بخفوت وهو ينحني برأسه قليلاً ليمر بلحيته النامية على وجنتها الناعمة فيخدشها برقة سببت لها رعشة على طول عمودها الفقري
-حسناً أصدقك ..لابد أنك تبدو وسيم الأن
قالتها بمرح زائف محاولة أبعاد التوتر عنها فرفع رأسه ليواجهها مبتسماً وكأنها تراه
-أنتِ أيضاً تبدين جميلة للغاية
قالها بحب لتسأل بلهفة
-حقاً؟! كيف أبدو؟ أشرح لي بالتفصيل
-تبدين كشجرة بيضاء ليست موجودة فى عالمنا زُرعت في أرض بور فأزهرت ورود تحمل كل واحدة منهن شعور مختلف يخطف الأبصار بينما تتوهج جذورها في الأرض فتحولها من قاحلة إلي شئ يشبه سحابة رمادية تعكس لون عينيكِ الصافي ولا تسأليني كيف تكون الشجرة بيضاء ولا كيف اصبحت الأرض رمادية ..أسأليني فقط كيف أشعر الأن وأنتِ بين ذراعي بعيدة عن العالم ولستِ خائفة من أى شئ
قالها بصوت أجش هادئ وكأنه لا يريد لأى شئ أن يخرب تلك اللحظة لتسأل هي بعيون دامعة
-ما شعورك بعد كل هذا الصبر؟
-هل فرطتِ الرمان من قبل؟
-ماذا؟!
سألت بغباء وهي لا تفهم سبب سؤاله الذي لا يتعلق بحديثهما على الأطلاق ليرد هو
-تفريط الرمان شئ ممل للغاية ..فقد تنتثر حباته لتترك أثر لزج في المكان أو بقعة على ملابسك ولكن يستمر المرء فى تفريطه بأصرار أملاً في تذوق حباته الحلوة ..وما إن يحصل على تلك الحبات حتى ينسى كل ملله ويبدأ بالاستمتاع بها ..أنتِ حبات الرمان مدللتي وحياتي كانت تلك الرمانة المملة ولكني تحملت لأحصل عليكِ في النهاية
رغبت بأن تبكي بشدة ولا تعلم لماذا ولكنه شعر بها فقال ضاحكاً بحنان
-أنتِ لا تريدين تدمير زينتك فريدة أليس كذلك؟
-لا لا أريد أن ابدو مريعة ..لا تتحدث طوال الليلة إلي أن نصل لمنزلنا
قالتها دامعة العينين فضحك قائلاً
-وحتى حين نعود لن أتحدث ولكني لا أعدك بثبات زينتك
فهمت تلميحه الوقح ولكنها لن تخجل الأن ..لن تدمر ليلة (فراس) الذي أنتظرها كثيراً لأى سبب ..لقد أخذت عهد على نفسها أن تجعله يسعد بالزفاف قدر المستطاع وأن تكون ليلته مميزة حتى وإن كانت هى كفيفة ففي النهاية مشاعرها بخير
***
كان الزفاف يشبه الحلم ليس لأنه في مكان رائع ولا لأن منسق الأغاني كان لديه حس فني ويختار الأغاني المميزة ولا بسبب جنون (فريدة) و(فراس) حين بدءا الغناء بجنون ولا بسبب رقصهما هما و(سليم وحور) و(مازن ونغم) وكأنهما لم يرقصا من قبل وأثارة ضحك الجميع ..بل لأن فرحتهم كانت صادقة فغطت على أى شئ اخر فالسعادة دوماً تجعل الأفراح مميزة والترابط بين الأصدقاء حين يرقصوا يثير حماس الجميع ..وهكذا كانت الليلة كأروع ما يكون
وحين عاد الجميع لمنازلهم أزدادت الليلة بهجة ف(فراس) عبر ل (فريدة) عن مدى حبه لها وهي عوضته عن كل فراقهما بينما (مازن) و(نغم) شعرا أن الزفاف كان زفافهما وأستعادا ليلة زفافهما التى لم يهنئا بها ..أما (حور) و(سليم) كانا شئياً اخر فليلتهم لم تكن عادية أبداً بجرأة (حور) وحماس (سليم) الذي وجد غرفته مزينة بالكامل وعلم أن (حور) تجهز للأمر منذ فترة مع والده والخدم وكم كان ممتناً لكل ما تفعله من أجله ولكن لا تقلقوا عبر لها عن أمتنانه وتقديره بكل أخلاص
***
بعد خمس سنوات
في منزل (فراس) و(فريدة) الذي أشتراه (فراس) حديثاً وفى الحديقة خاصة حيث نصبوا ادوات الشواء
-رفيف تعالي هنا لا تلعبي مع هؤلاء الأوغاد
نادى (فراس) على قطعة الحلوى خاصته ذات الثلاثة أعوام فركضت إليه لتجلس على قدمه كالقطة التي تعشق صاحبها
-فراس لا تخنق الفتاة وأتركها قليلاً ..أنت مريض بها يا رجل
قالها (سليم) ضاحكاً ليرد (فراس) ببرود
-لا تتدخل سليم ..بالطبع أنت تقول هذا الأن لتتركها تلعب مع ابنك عديم الأدب كأمه
رفع (سليم) حاجبه ولكنه لم يندهش من وقاحة (فراس) الذي حين يتعلق الأمر بأبنته شبيهة أمها ينسى كل شئ إلا الأعتناء بها وكأنه يخشى أن تفوته لحظة معها كما فاته الكثير مع (فريدة) وهذا كان يغيظ (فريدة) كثيراً فمنذ أنجبت (رفيف) أحتلت الصغيرة قلب أبيها بالكامل
دخل عليهم فى تلك اللحظة (مازن) ليركض طفليه التوأم نحوه معاً فيرفعهما معاً على ذراعيه
-مازن أخبرتك ألا تحملهما معاً حتى لا يسقط أحدهما

باقي الفصل في الصفحة القادمة

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفصل الخامس عشر (الخاتمة)...باقي الفصل

مُساهمة  samia abdelfatah في السبت ديسمبر 08, 2018 9:24 am

وبخته زوجته التى تساعد (حور) و(فريدة) في تجهيز اللحوم حتى يشويها الرجال فنظر لها بغيظ ..دوماً تعامله كأولاده وكأنه لا يستطيع الفهم
انزل الولدين وذهب ليجاور (سليم) و(فراس) مشيراً ل(رفيف) حتى تأتي إليه ولكنها نظرت لوالدها اولاً تريد الأذن فقبلها قائلاً
-أذهبي يا حلوتي لا بأس بخالك ولكن أبتعدي عن أولاده
اومأت وكأنها فهمت ما قاله وذهبت لتجلس على ساق (مازن) ليقبل خصلات شعرها قائلاً
-مرحباً بفريدة الصغيرة ..كيف حالك؟
-بخير
ردت عليه بصوتها الطفولي المحبب له ..كم رغب أن ينجب فتاة ولكن (نغم) فاجأته بأنجاب ولدين مرة واحدة وكأنها تعانده
نظر ل(فراس) قائلاً بتأنيب
-فراس أتركها تلعب مع الأولاد لا تخنقها بحصارك لها
-لا أنا لا اطمئن لنظراتهم إليها
قالها بجدية فضحك (سليم) بذهول قائلاً
-ما بك يا رجل ..انهم مجرد اطفال
-إبنك انت بالذات لا أرتاح له فأنا أعلم إنه ورث چيناتك أنت وحور وأنت تعلم كيف هي چيناتكما الوقحة
لم يجادله (سليم) فهو يعلم ان ليس هناك أمل من صديقه المهوس بأبنته وربما زوجته أيضاً التى تركهم ونهض ليقف بجوارها
راقبته وهو يتجه إليها بتوتر فهو ليس مضمون بردود أفعاله أبداً ..تتمنى احياناً أن تفقد بصرها مرة أخرى حين يقترب منها أمام الناس حتى لا ترى نظراتهم إليها ..يتفنن في أحراجها هذا العابث
حين وصل إليها رفع يده ليعدل حجابها قائلاً بضيق
-أخبرتك ألف مرة أن ترتدي وشاح لا يسقط من على رأسك
-الحجاب لم يسقط أخي بل خصلتها هي من خرجت منه فكفاك تحكم ستخنقها
قالتها (حور) بسخرية فكتمت (نغم) ضحكتها وهي ترى (فراس) على وشك صفع شقيقته
-لماذا لا تهتمي بأمورك الخاصة وتتركيني انا وزوجتي؟
سأل ببرود لتجيبه ببساطة
-لأنها تعاني منك وأبنتك أيضاً ..لماذا تبدو كشخص لم يرى بشر من قبل وحين رأى زوجته وأبنته ظن أنهما الوحيدان في الكون
-هل أضايقك مدللتي ؟
- لا حبيبي مطلقاً
ردت (فريدة) ضاحكة فنظر لشقيقته بتشفي ولكنها هزت كتفيها بلامبالاة وذهبت لترى أبنها وتخبر (سليم) و(مازن) أن يأتوا ليبدؤا الشواء
نهض (سليم) ولم يستطع منع نظرته القلقة عليها ولكنها أبتسمت له تطمئنه فتنهد بقلة حيلة
لقد أفزعته فى الصباح حين نست أمر دعوة (فراس) لهما على الغداء ..طوال السنوات الماضية كانت تنسى أشياء بسيطة ولم يؤثر المرض عليها كثيراً ولكنه يرتعب من أى شئ يحدث معها حتى وإن نست مثل أى إنسان عادي يتصل ب(مازن) ليخبره بالأمر فيطمئنه (مازن) أنها بخير ولكنه لا يطمئن أبداً
حين نضج الطعام جلس الجميع علي الفرش الأرضي الذي أقامته (فريدة) في الحديقة وبدأوا بتناول الطعام وكلاً منهم يشاكس الأخر وبداخلهم سعادة مما أوصلتهم إليه الحياة
وفي هذه اللحظات تتغير نظرة الأنسان للحياة فيجد أن أمانيه الماضية لم تكن صعبة لتلك الدرجة وأن السعادة هي أختيار تختاره أنت بنفسك مهما كانت ظروفك ..فلا تحزنوا وأبحثوا جيداً عن السعادة فربما تكون أمامكم ولكن الغشاوة على عينيكم تمنعكم من رؤيتها
***

samia abdelfatah
عضو ذهبي
عضو ذهبي

المساهمات : 33
نقاط : 37
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/09/2018

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى